Полный текст (6 278 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
يُتَوَهَّمُ أَنَّهَا لِمُسْلِمٍ يُتَوَهَّمُ أَنَّهَا لِكَافِرٍ فَتَقَابَلَ الْمَوْهُومَاتُ مَعَ أَنَّ الْمَوْهُومَ لَا يُعَارِضُ الْمَعْلُومَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدَيْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا فِي الْقِيَاسِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجُوزُ عَلَى الْكَافِرِ مِنْهُمَا فَيَقْضِي لَهُ بِمَا فِي يَدِ الْكَافِرِ لِمَا قُلْنَا، وَإِذَا أَقَرَّ الْمُلْتَقِطُ بِلُقَطَةٍ لِرَجُلٍ وَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ قُضِيَتْ بِهَا لِلَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ لِمَا قُلْنَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ، وَالْإِقْرَارَ لَيْسَ بِحَجَّةٍ فِي حَقِّ الْغَيْرِ، وَالضَّعِيفَ لَا يُعَارِضُ الْقَوِيَّ، فَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا أَوَّلًا، وَدَفَعَهَا إلَيْهِ بِغَيْرِ حُكْمٍ فَاسْتَهْلَكَهَا، ثُمَّ أَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ إنْ شَاءَ الدَّافِعَ، وَإِنْ شَاءَ الْقَابِضَ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ مِلْكَهُ بِالْحُجَّةِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَدٍّ فِي حَقِّهِ، فَإِنْ ضَمَّنَ الدَّافِعَ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْقَابِضِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّ الْقَابِضَ أَخَذَ مِلْكَ نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِضَامِنٍ شَيْئًا، وَإِقْرَارُهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فِي إسْقَاطِ حَقِّهِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْقَابِضَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الدَّافِعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فِي الْقَبْضِ كَانَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ، وَإِنْ دَفَعَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْقَابِضَ إنْ شَاءَ لِمَا قُلْنَا، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُضَمِّنَ الدَّافِعَ فَقَدْ قَالَ مَرَّةً فِي آخَرِ هَذَا الْكِتَابِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الدَّافِعَ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الدَّافِعَ، وَحَيْثُ قَالَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الدَّافِعَ فَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀، وَمَا قَالَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الدَّافِعَ فَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَأَصْلُهُ مَسْأَلَةُ الْوَدِيعَةِ إذَا قَالَ: هَذَا الْعَيْنُ فِي يَدِي لِفُلَانٍ أَوْدَعَنِيهِ فُلَانٌ لِرَجُلٍ آخَرَ، فَإِنْ دَفَعَهُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي ضَمِنَ لِلْمُقَرِّ لَهُ الْوَدِيعَةِ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ دَفَعَهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ بِإِقْرَارِهِ سَلَّطَ الْقَاضِي عَلَى الْقَضَاءِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ دَلَّ إنْسَانًا عَلَى سَرِقَةِ الْوَدِيعَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ بِإِقْرَارِهِ لَمْ يُتْلِفْ شَيْئًا عَلَى صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ، وَالدَّفْعُ كَانَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ هُنَا الْمُلْتَقِطُ أَمِينٌ كَالْمُودَعِ، فَإِذَا دَفَعَ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي لَمْ يَضْمَنْ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ شَيْئًا لِمَنْ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ، وَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْإِبَاقِ]
(قَالَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ: ﵀ اعْلَمْ بِأَنَّ الْإِبَاقَ تَمَرُّدٌ فِي الِانْطِلَاقِ وَهُوَ مِنْ سُوءِ الْأَخْلَاقِ، وَرَدَاءَةٌ فِي الْأَعْرَاقِ يُظْهِرُ الْعَبْدُ عَنْ سَيِّدِهِ فِرَارًا لِيَصِيرَ مَالُهُ ضِمَارًا، فَرَدُّهُ إلَى مَوْلَاهُ وَإِعَادَتُهُ إلَى مَثْوَاهُ إحْسَانٌ وَامْتِنَانٌ، وَإِنَّمَا جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلَّا الْإِحْسَانُ، فَالْكِتَابُ لِبَيَانِ الْجَزَاءِ الْمُسْتَحَقِّ لِلرَّادِّ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا لَهُ مِنْ الْأَجْرِ فِي الْعُقْبَى بِإِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ وَمَنْعِ الْمُعْتَدِي
стр. 2242
عَنْ الْعُدْوَانِ؛ وَلِهَذَا بَدَأَ بِحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّ فُلَانًا قَدِمَ بِإِبَاقٍ مِنْ الْقَوْمِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: لَقَدْ أَصَابَ أَجْرًا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁ وَجُعْلًا إنْ شَاءَ مِنْ كُلِّ رَأْسٍ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ الرَّادَّ مُثَابٌ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ أَصَابَ أَجْرًا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ عَلَى مَوْلَاهُ، وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ أَخَذَ بِهِ عُلَمَاؤُنَا ﵏. وَفِي الْقِيَاسِ لَا جُعْلَ لَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِمَنَافِعِهِ فِي رَدِّهِ عَلَى مَوْلَاهُ، وَلَوْ تَبَرَّعَ عَلَيْهِ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ لَمْ يَسْتَوْجِبْ عَلَيْهِ عِوَضًا بِمُقَابَلَتِهِ فَكَذَلِكَ إذَا تَبَرَّعَ بِمَنَافِعِهِ، وَلِأَنَّ رَدَّ الْآبِقِ نَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ الْإِبَاقَ مُنْكَرٌ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَلَا يَسْتَوْجِبُ بِإِقَامَةِ الْفَرْضِ جُعْلًا، وَلَكِنَّا تَرَكْنَا هَذَا الْقِيَاسَ لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ ﵃، فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ الْجُعْلِ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ فِي مَجْلِسِهِ مَا قَالَ، وَقَدْ اشْتَهَرَ عَنْهُ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَقْرَانِهِ، وَقَدْ عُرِضَ قَوْلُهُ عَلَيْهِمْ لَا مَحَالَةَ. وَالسُّكُوتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ إظْهَارِ الْخِلَافِ لَا يَحِلُّ لِمَنْ يَعْتَقِدُ خِلَافَهُ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَثْبُتُ الْإِجْمَاعُ مِنْهُمْ ثُمَّ هُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَصْلِ وُجُوبِ الْجُعْلِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ فَقَالَ عُمَرُ ﵁ دِينَارٌ أَوْ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ﵁ إذَا أَخَذَهُ فِي الْمِصْرِ فَلَهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ دِينَارٌ، وَإِنْ أَخَذَهُ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ فَلَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى وُجُودِ أَصْلِ الْجُعْلِ، وَكَفَى بِإِجْمَاعِهِمْ حُجَّةً، وَالْأَصْلُ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ مَتَى اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ فَالْحَقُّ لَا يَعْدُوهُمْ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ جَمِيعَ أَقَاوِيلِهِمْ بِرَأْيِهِ، وَلَكِنْ يُرَجِّحُ قَوْلَ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ، فَنَحْنُ أَخَذْنَا بِقَوْلِهِمْ فِي إيجَابِ أَصْلِ الْجُعْلِ، وَرَجَّحْنَا قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِي مِقْدَارِهِ.
(فَإِنْ قِيلَ:) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ بِالْأَقَلِّ فِي الْمِقْدَارِ؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ بِهِ. (قُلْنَا:) إنَّمَا لَمْ يُؤْخَذْ بِالْأَقَلِّ؛ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ بَيْنَ أَقَاوِيلِهِمْ مُمَكَّنٌ بِأَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ مَنْ أَفْتَى بِالْأَقَلِّ عَلَى مَا إذَا رَدَّهُ مِمَّا دُونَ مَسِيرَةِ سَفَرٍ، وَقَوْلُ مَنْ أَفْتَى بِالْأَكْثَرِ عَلَى مَا إذَا رَدَّهُ مِنْ مَسِيرَةِ سَفَرٍ كَمَا فَسَّرَهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ﵁، فَإِنَّ قَوْلَهُ إنْ أَخَذَهُ فِي الْمِصْرِ كِنَايَةً عَمَّا دُونَهُ مَسِيرَةَ سَفَرٍ، وَإِنْ أَخَذَهُ خَارِجَ الْمِصْرِ كِنَايَةً عَنْ مَسِيرَةِ سَفَرٍ، وَمَتَى أَمْكَنَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ أَقَاوِيلِهِمْ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، ثُمَّ الْأَخْذُ بِالْأَقَلِّ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَقُولُونَهُ بِآرَائِهِمْ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ مَا قَالُوا هَذَا بِالرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْقِيَاسِ؛ وَلِأَنَّ نَصْبَ
стр. 2243
الْمَقَادِيرِ بِالرَّأْيِ لَا يَكُونُ، وَلَا طَرِيقَ لِمَا ثَبَتَ عَنْهُمْ مِنْ الْفَتْوَى إلَّا الرَّأْيُ أَوْ السَّمَاعُ مِمَّنْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَإِذَا انْتَفَى أَحَدُهُمَا هُنَا تَعَيَّنَ الْآخَرُ، وَصَارَ كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَوَى مَا قَالَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْمُثْبِتُ لِلزِّيَادَةِ مِنْ الْأَخْبَارِ عِنْدَ التَّعَارُضِ أَوْلَى فَلِهَذَا أَخَذْنَا بِالْأَكْثَرِ هَذَا هُوَ النِّهَايَةُ فِي التَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ، وَالْأَخْذُ بِأَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ ﵃، فَقَدْ قَامَتْ الشَّرِيعَةُ بِفَتْوَاهُمْ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَظُنَّ بِهِمْ إلَّا أَحْسَنَ الْوُجُوهِ، وَلَكِنَّهُ بَحْرٌ عَمِيقٌ لَا يَقْطَعُهُ كُلُّ سَابِحٍ، وَلَا يُصِيبُهُ كُلُّ طَالِبٍ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ مِنْ الْمَعْنَى سِوَى مَا ذَكَرَهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: كَيْ يَرُدَّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّادَّ يَحْتَاجُ إلَى مُعَالَجَةٍ وَمُؤْنَةٍ فِي رَدِّهِ، وَقَلَّمَا يَرْغَبُ النَّاسُ فِي الْتِزَامِ ذَلِكَ خَشْيَةً، فَفِي إيجَابِ الْجُعْلِ لِلرَّادِّ تَرْغِيبٌ لَهُ فِي رَدِّهِ وَإِظْهَارِهِ الشُّكْرَ فِي الْمَرْدُودِ عَلَيْهِ لِإِحْسَانِهِ إلَيْهِ، إلَّا أَنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ يَسْتَحِبُّ ذَلِكَ، وَلَا يُوجِبُهُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَرْضَخَ لِلَّذِي يَجِيءُ بِالْآبِقِ، وَلَمْ نَأْخُذْ بِقَوْلِهِ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا نَأْخُذُ بِقَوْلِ شُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَقَدْ قَالَ الشَّعْبِيِّ ﵀ لِلرَّادِّ دِينَارٌ إذَا أَخَذَهُ خَارِجًا مِنْ الْمِصْرِ، وَقَالَ شُرَيْحٌ ﵀ لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فَنَأْخُذُ بِذَلِكَ، وَيُحْمَلُ مَا نُقِلَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَلَى مَا إذَا رَدَّهُ مِمَّا دُونَ مَسِيرَةِ السَّفَرِ، وَيَسْتَقِيمُ الِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِ شُرَيْحٍ ﵀ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ قَلَّدُوهُ الْقَضَاءَ وَسَوَّغُوا لَهُ الْمُزَاحَمَةَ مَعَهُمْ فِي الْفَتْوَى، أَلَا تَرَى أَنَّهُ خَالَفَ عَلِيًّا ﵁ فِي رَدِّ شَهَادَةِ الْحَسَنِ ﵁، وَأَنَّ مَسْرُوقًا ﵀ خَالَفَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فِي مُوجِبِ النَّذْرِ بِذَبْحِ الْوَلَدِ، وَرَجَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ إلَى قَوْلِهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَقَوْلُهُ كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ ثُمَّ الشَّافِعِيُّ اسْتَحْسَنَ بِرَأْيِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ وَجْهٍ فَقَالَ: لَوْ كَانَ الْمَوْلَى خَاطَبَ قَوْمًا فَقَالَ: مَنْ رَدَّ مِنْكُمْ عَبْدِي فَلَهُ كَذَا فَرَدَّهُ أَحَدُهُمْ اسْتَوْجَبَ ذَلِكَ الْمُسَمَّى، وَهَذَا شَيْءٌ يَأْبَاهُ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مَعَ الْمَجْهُولِ لَا يَنْعَقِدُ، وَبِدُونِ الْقَبُولِ كَذَلِكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ الثَّابِتَ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ ﵃ خَيْرٌ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ الثَّابِتِ بِرَأْيِ الشَّافِعِيِّ ﵁، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢] لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ خِطَابًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ لَا يَقُولُ بِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّهُ فَلَهُ كَذَا وَلَمْ يُخَاطِبْ بِهِ قَوْمًا بِأَعْيَانِهِمْ فَرَدَّهُ أَحَدُهُمْ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، ثُمَّ هَذَا تَعْلِيقُ اسْتِحْقَاقِ الْمَالِ بِالْخَطَرِ وَهُوَ قِمَارٌ، وَالْقِمَارُ حَرَامٌ فِي شَرِيعَتِنَا، وَلَمْ يَكُنْ حَرَامًا فِي شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَنَا.
(وَإِنْ قَالَ:) اُعْتُبِرَ قَوْلُ الْمَالِكِ لِإِثْبَاتِ أَمْرِهِ بِالرَّدِّ لِلَّذِينَ خَاطَبَهُمْ ثُمَّ الْمَأْمُورُ مِنْ جِهَةِ الْغَيْرِ
стр. 2244
يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا لَحِقَهُ مِنْ الْمُؤْنَةِ فِي ذَلِكَ.
(قُلْنَا:) لَوْ كَانَ هَذَا مُعْتَبَرًا لَرَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا لَحِقَ فِيهِ مِنْ الْمُؤْنَةِ دُونَ الْمُسَمَّى ثُمَّ الْأَمْرُ هُنَا ثَابِتٌ أَيْضًا بِدُونِ قَوْلِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ الْهَارِبَ مِنْ مَوْلَاهُ مَا دَامَ بِمَرْأَى الْعَيْنِ مِنْهُ يُنَادِي مَوْلَاهُ عَلَى أَثَرِهِ خُذُوهُ فَعَرَفْنَا بِهَذَا أَنَّهُ أَمْرٌ لِكُلِّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ وَرَدِّهِ عَلَى أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ، وَالْأَمْرُ الثَّابِتُ دَلَالَةً بِمَنْزِلَةِ الْأَمْرِ الثَّابِتِ إفْصَاحًا، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الشَّعْبِيِّ فِي رَجُلٍ أَخَذَ غُلَامًا آبِقًا فَأَبَقَ مِنْهُ قَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ بَعْدَهُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ: أَخَذَ مَوْلَى لِلْحَيِّ آبِقًا فَأَبَقَ مِنْهُ نَحْوَ حَيٍّ فَكَتَبَ إلَى مَوْلَاهُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ فَيَجْتَعِلَ لَهُ مِنْهُمْ فَفَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ كَتَبَ إلَيْهِ فَأَقْبَلَ بِالْعَبْدِ فَأَبَقَ مِنْهُ، فَاخْتَصَمُوا إلَى شُرَيْحٍ فَضَمَّنَهُ إيَّاهُ، ثُمَّ اخْتَصَمُوا إلَى عَلِيٍّ ﵁ فَقَالَ: يَحْلِفُ الْعَبْدُ الْأَحْمَرُ لِلْعَبْدِ الْأَسْوَدِ بِاَللَّهِ مَا أَبِقَ مِنْهُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ وَالشَّعْبِيِّ فَنَقُولُ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا أَخَذَهُ لِلرَّدِّ عَلَى مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ كَمَا بَيَّنَّا وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّادَّ يَسْتَوْجِبُ الْجُعْلَ، وَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا ظَاهِرًا حَتَّى لَمْ يَخَفْ عَلَى مَوَالِيهِمْ حِينَ كَتَبَ الْآخِذُ إلَى مَوْلَاهُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ فَيَجْتَعِلَ لَهُ مِنْهُمْ، إلَّا أَنَّهُ كَانَ مِنْ مَذْهَبِ شُرَيْحٍ تَضْمِينُ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ فِيمَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، وَالْمُسْتَوْجِبُ لِلْجُعْلِ بِمَنْزِلَةِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ فَلِهَذَا ضَمَّنَهُ، وَكَانَ مِنْ مَذْهَبِ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ لَا يُضَمَّنُ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ كَمَا ذُكِرَ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَكِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
(وَقَوْلُهُ) يَحْلِفُ الْعَبْدُ الْأَحْمَرُ يُرِيدُ بِهِ الرَّادَّ سَمَّاهُ أَحْمَرَ لِقُوَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى أَخْذِ الْآبِقِ، وَسَمَّى الْآبِقَ أَسْوَدَ لِخُبْثِ فِعْلِهِ، وَهُوَ مِنْ دُعَابَةِ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: وَإِذَا أُتِيَ الرَّجُلُ بِعَبْدٍ آبِقٍ فَأَخَذَهُ السُّلْطَانُ فَحَبَسَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ، فَإِنَّهُ يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ مَا بِعْتُهُ وَلَا وَهِبَتُهُ ثُمَّ يُدْفَعُ إلَيْهِ أَوَّلًا. نَقُولُ: يَنْبَغِي لِلرَّادِّ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ السُّلْطَانَ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فِي اللُّقَطَةِ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى حِفْظِهَا بِنَفْسِهِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى حِفْظِ الْآبِقِ بِنَفْسِهِ عَادَةً فَرَفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ لِهَذَا؛ وَلِأَنَّهُ يَسْتَوْجِبُ التَّعْزِيرَ عَلَى إبَاقِهِ فَيَرْفَعُهُ إلَى السُّلْطَانِ لِيُعَزِّرَهُ، وَيَأْخُذُهُ السُّلْطَانُ مِنْهُ لِيَحْبِسَهُ، وَذَلِكَ نَوْعُ تَعْزِيرٍ، ثُمَّ مَنْ يَدَّعِيهِ لَا يَسْتَحِقُّهُ بِدُونِ الْبَيِّنَةِ، فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَقَدْ أَثْبَتَ مِلْكَهُ فِيهِ بِالْحُجَّةِ إلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ وَلَا يَعْرِفُ الشُّهُودُ ذَلِكَ فَيَسْتَحْلِفُهُ عَلَى ذَلِكَ.
(فَإِنْ قِيلَ:) كَيْفَ يَسْتَحْلِفُهُ وَلَيْسَ هُنَا خَصِيمٌ يَدَّعِي ذَلِكَ.؟ (قُلْنَا:) يَسْتَحْلِفُهُ
صِيَانَةً لِقَضَاءِ الْقَاضِي
، وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِأَنْ يَصُونَ قَضَاءَهُ عَنْ أَسْبَابِ الْخَطَأِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، أَوْ يَسْتَحِقُّهُ نَظَرًا لِمَنْ هُوَ عَاجِزٌ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ مِنْ مُشْتَرٍ أَوْ مَوْهُوبٍ لَهُ، فَإِذَا
стр. 2245
حَلَفَ دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا، وَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا لَمْ يَكُنْ مُسِيئًا، وَلَكِنْ إنْ لَمْ يَأْخُذْ أَحَبُّ إلَيَّ، هَذِهِ رِوَايَةُ أَبِي حَفْصٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ كَفِيلًا وَسِعَهُ ذَلِكَ. مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: مَا ذُكِرَ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، فَإِنَّهُ لَا يَرَى أَخْذَ الْكَفِيلِ لِلْمَجْهُولِ كَمَا قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي أَخْذِ الْكَفِيلِ مِنْ الْوَارِثِ، هَذَا شَيْءٌ احْتَاطَهُ بَعْضُ الْقُضَاةِ وَهُوَ ظُلْمٌ، وَمَا قَالَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ ﵀ قَوْلُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَجُوزَانِ لِلْقَاضِي أَنْ
يَحْتَاطَ بِأَخْذِ الْكَفِيلِ صِيَانَةً
لِقَضَاءِ نَفْسِهِ، أَوْ نَظَرًا لِمَنْ هُوَ عَاجِزٌ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، وَمَا ذُكِرَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ، فَرُبَّمَا يَظْهَرُ مُسْتَحِقٌّ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوِلَادَةِ فِي مِلْكِهِ فَيَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى مَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، أَوْ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فَيَكُونُ مُزَاحِمًا لَهُ، أَوْ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا لِهَذَا، وَلَكِنَّهُ مَوْهُومٌ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ فَكَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا. وَمَا ذُكِرَ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ أَقْرَبُ إلَى الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ ثَابِتٌ بِمَا أَقَامَ مِنْ الْبَيِّنَةِ، وَاسْتِحْقَاقُ غَيْرِهِ مَوْهُومٌ، وَالْمَوْهُومُ لَا يُقَابِلُ الْمَعْلُومَ، فَلَا يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي تَرْكُ الْعَمَلِ إلَّا بِحُجَّةٍ مَعْلُومَةٍ لِأَمْرٍ مَوْهُومٍ، أَرَأَيْتَ لَوْ لَمْ يُعْطِهِ كَفِيلًا. أَوْ لَمْ يَجِدْ كَفِيلًا، أَكَانَ يَمْتَنِعُ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ بِهِ لَهُ، وَقَدْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ، وَلَكِنَّهُ لَوْ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا فَهُوَ فِيمَا صَنَعَ مُحْتَاطٌ مُجْتَهِدٌ فَلَا يَكُونُ مُسِيئًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ وَأَقَرَّ الْعَبْدُ أَنَّهُ عَبْدُهُ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُهُ إلَيْهِ وَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا.
أَمَّا الدَّفْعُ إلَيْهِ فَلِأَنَّ الْعَبْدَ فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَقَدْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ، وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ حُرٌّ كَانَ قَوْلُهُ مَقْبُولًا، فَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُمَا فِيمَا قَالَا، وَخَبَرُ الْمُخْبِرِ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّدْقِ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ مِثْلُهُ، وَلَكِنْ يَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَيْهِ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْقَاضِي، فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِدُونِ الْكَفِيلِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَالدَّفْعُ هُنَاكَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ثَابِتَةٍ فِي حَقِّ الْقَاضِي، يُوَضِّحُهُ أَنَّ قَوْلَ الْعَبْدِ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِالرِّقِّ فِي تَعْيِينِ مَالِكِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلَيْنِ، وَأَقَرَّ بِالْمِلْكِ لِأَحَدِهِمَا لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا فَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْيَدِ الثَّابِتَةِ لِلْقَاضِي بَعْدَ مَا أَقَرَّ بِرِقِّهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِحَقِّ نَفْسِهِ حَتَّى إذَا حَضَرَ مَالِكُهُ وَأَرَادَ أَنْ يُضَمِّنَهُ يُمَكَّنُ مِنْ أَخْذِ الْكَفِيلِ لِيُحْضِرَهُ فَيُخَلِّصَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَّا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَقَدْ أَثْبَتَ اسْتِحْقَاقَ الْيَدِ عَلَى الْقَاضِي، وَلَا يَلْحَقُ الْقَاضِي ضَمَانٌ فِي الدَّفْعِ إلَيْهِ بِحُجَّةِ الْبَيِّنَةِ؛ فَلِهَذَا لَا يُحْتَاطُ بِأَخْذِ الْكَفِيلِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ طَالِبٌ، فَإِذَا
стр. 2246
طَالَ ذَلِكَ بَاعَهُ الْإِمَامُ وَأَمْسَكَ ثَمَنَهُ حَتَّى يَجِيءَ لَهُ طَالِبٌ وَيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَيَدْفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالنَّظَرِ، وَلَيْسَ مِنْ النَّظَرِ إمْسَاكُهُ بَعْدَ طُولِ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى النَّفَقَةِ، وَرُبَّمَا يَأْتِي ثَمَنُهُ عَلَى نَفَقَتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَأْبَقَ مِنْهُ فَكَانَ حِفْظُ ثَمَنِهِ أَيْسَرَ عَلَيْهِ مِنْ حِفْظِ عَيْنِهِ وَأَنْفَعَ لِصَاحِبِهِ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ إذَا حَضَرَ أَنْ يَنْقُضَ بَيْعَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ نَفَذَ بِوِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى النَّفَقَةِ عَاجِزٌ عَنْ الْكَسْبِ إذَا كَانَ مَحْبُوسًا، وَلَوْ أَمَرَهُ الْإِمَامُ بِأَنْ يَخْرُجَ فَيَكْتَسِبَ فَأَبَقَ ثَانِيًا فَكَانَ النَّظَرُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِلنَّوَائِبِ، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ النَّوَائِبِ، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ صَاحِبِهِ إنْ حَضَرَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ ثَمَنِهِ إنْ بَاعَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي نَفَقَةِ الْمُلْتَقَطِ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَكَذَلِكَ فِي نَفَقَةِ الْإِمَامِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الْآبِقِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَهُ فِي ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ لَا لِنَفْسِهِ، فَإِنْ أَقَامَ مُدَّعِيهِ شُهُودًا نَصَارَى لَمْ تُجْزَ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي يَدِ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِحْقَاقُ يَدِ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ بِشَهَادَةِ النَّصَارَى، وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ بَاعَهُ الْإِمَامُ فَزَعَمَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ دَبَّرَهُ، أَوْ كَانَتْ جَارِيَةً فَزَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ أُمَّ وَلَدِهِ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى فَسْخِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ نَفَذَ مِنْ الْقَاضِي بِوِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَكَأَنَّ الْمَالِكَ بَاشَرَ بَيْعَهُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى فَسْخِ الْبَيْعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا وَلَدٌ وَقَدْ وَلَدَتْهُ فِي مُلْكِهِ فَيَدَّعِي أَنَّهُ وَلَدُهُ مِنْهَا، فَحِينَئِذٍ يُصَدَّقُ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ، وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ كَمَا لَوْ كَانَ بَاشَرَ الْبَيْعَ بِنَفْسِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ ثُبُوتَ نَسَبِ وَلَدٍ حَصَلَ الْعُلُوقُ بِهِ فِي مِلْكِهِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيِّنَةِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا أَقَرَّ لِجَارِيَتِهِ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ وَمَعَهَا وَلَدٌ يَدَّعِي نَسَبَهُ كَانَ مُصَدَّقًا فِي إبْطَالِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ عَنْهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدٌ فَهَذَا مِثْلُهُ.
وَإِذَا وَجَدَ الرَّجُلُ غُلَامًا أَوْ جَارِيَةً آبِقًا بَالِغًا أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ فَرَدَّهُ إلَى مَوْلَاهُ، فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ. فَلَهُ الْجُعْلُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْجُعْلِ بِأَرْبَعِينَ إذَا رَدَّهُ مِنْ مَسِيرَةِ سَفَرٍ ثَابِتٍ بِفَتْوَى ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْقَدْرِ الثَّابِتِ شَرْعًا بِالرَّأْيِ لَا تَجُوزُ، وَلِأَنَّ أَدْنَى مُدَّةِ السَّفَرِ مَعْلُومٌ وَلَا نِهَايَةَ لِمَا وَرَاءَ ذَلِكَ، وَالْحُكْمُ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ شَرْعًا كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالسَّفَرِ، وَإِنْ أَخَذَهُ فِي الْمِصْرِ أَوْ خَارِجًا مِنْهُ وَلَكِنْ فِيمَا دُونَ مَسِيرَةِ سَفَرٍ فِي الْقِيَاسِ لَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ الثَّابِتَ بِالشَّرْعِ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ لِمَا دُونَ الْمُقَدَّرِ حُكْمُ الْمُقَدَّرِ، وَلِأَنَّ الْجُعْلَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ رَادُّ الْآبِقِ، وَتَمَامُ الْإِبَاقِ بِمَسِيرَةِ السَّفَرِ فَفِيمَا دُونَهُ هُوَ كَالضَّالِّ، وَلِهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ السَّفَرِ فِيمَا
стр. 2247
دُونَ مَسِيرَةِ السَّفَرِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَهُ الْجُعْلُ عَلَى قَدْرِ الْمَكَانِ وَالْعَنَاءِ؛ لِأَنَّ فِي مُدَّةِ السَّفَرِ وُجُوبَ الْجُعْلِ لَيْسَ لَعَيْنِ الْمُدَّةِ بَلْ لِمَا يَلْحَقُ مِنْ الْعَنَاءِ وَالتَّعَبِ فِي رَدِّهِ، وَقَدْ وَجَدَ بَعْضَ ذَلِكَ فَيَسْتَوْجِبُ مِنْ الْجُعْلِ بِقَدْرِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَالِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ بِمَالٍ مَعْلُومٍ لِيَرُدَّهُ مِنْ مَسِيرَةِ يَوْمٍ اسْتَحَقَّ مِنْ الْمُسَمَّى بِقَدْرِهِ فَكَذَلِكَ فِيمَا هُوَ ثَابِتٌ شَرْعًا، وَإِنْ كَانَ أَنْفَقَ عَلَيْهِ أَضْعَافَ مِقْدَارِ الْجُعْلِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي فَلَيْسَ لَهُ سِوَى الْجُعْلِ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ فِيمَا أَنْفَقَ، وَإِنْ مَاتَ عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ أَوْ أَبَقَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ أَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ حِينَ وَجَدَهُ أَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَهُ لِيَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَهُ لِلرَّدِّ وَلَكِنْ تَرَكَ الْإِشْهَادَ مَعَ الْإِمْكَانِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي اللُّقَطَةِ فَكَذَلِكَ فِي الْآبِقِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَجْمَعُهُمَا، وَهَذَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ آبِقًا، فَإِنْ أَنْكَرَ الْمَوْلَى أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ آبِقًا. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ قَدْ ظَهَرَ مِنْ الْأَخْذِ، وَهُوَ أَخْذُهُ مَالَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهُوَ يَدَّعِي مَا يُسْقِطُهُ، وَهُوَ الْإِذْنُ شَرْعًا لِكَوْنِ الْعَبْدِ آبِقًا، وَلَوْ ادَّعَى الْإِذْنَ مِنْ الْمَالِكِ لَهُ فِي أَخْذِهِ وَأَنْكَرَ الْمَالِكُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فَكَذَلِكَ هُنَا، وَعَلَى هَذَا لَوْ رَدَّهُ فَأَنْكَرَ الْمَوْلَى أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ آبِقًا، فَلَا جُعْلَ لَهُ إلَّا أَنْ يُشْهِدَ الشُّهُودَ بِأَنَّهُ أَبَقَ مِنْ مَوْلَاهُ أَوْ أَنَّ مَوْلَاهُ أَقَرَّ بِإِبَاقِهِ، فَحِينَئِذٍ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً فَيَجِبُ لَهُ الْجُعْلُ.
وَإِذَا أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى فِي إبَاقِهِ جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ نُفُوذَ هَذَا التَّصَرُّفِ يَعْتَمِدُ الْمِلْكَ دُونَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ حَتَّى يَنْفُذَ فِي الْمَرْهُونِ وَالْمُؤَاجَرِ وَالْجَنِينِ فِي الْبَطْنِ وَالْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَكَذَلِكَ يَنْفُذُ فِي الْآبِقِ؛ لِأَنَّ الْإِبَاقَ لَا يُزِيلُ مِلْكَهُ، وَإِنَّمَا يُعْجِزُهُ عَنْ التَّسْلِيمِ، وَلِهَذَا لَوْ بَاعَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ إلَّا فِيمَا هُوَ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ لِلْعَاقِدِ، وَقُدْرَتُهُ عَلَى التَّسْلِيمِ تَنْعَدِمُ بِالْإِبَاقِ، وَلِأَنَّ فِي بَيْعِهِ مَعْنَى الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ فِي الْحَالِ حَقِيقَةً وَلَا عَوْدَةً لِيَقْدِرَ عَلَى التَّسْلِيمِ «، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» فَالْغَرَرُ لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ الْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ، فَلِهَذَا صَحَّ مِنْهُ إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا وَقْتَ الْعِتْقِ، وَلَوْ وَهَبَهُ لِرَجُلٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ، وَهُوَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَإِنْ وَهَبَهُ لِابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ فِي عِيَالِهِ فَالْهِبَةُ جَائِزَةٌ، وَإِعْلَامُهُ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ فِي يَدِ مَوْلَاهُ حُكْمًا فَيَصِيرُ قَابِضًا لِلصَّغِيرِ بِالْيَدِ الْحُكْمِيِّ الَّذِي بَقِيَ لَهُ، وَحَقُّ الْقَبْضِ فِيمَا يُوهَبُ لِلصَّغِيرِ إلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الصَّغِيرُ فِي عِيَالِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ ثَابِتَةٌ لَهُ بِالْأُبُوَّةِ، فَلَا تَنْعَدِمُ بِكَوْنِهِ فِي عِيَالِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ قَوْلَهُ فِي عِيَالِهِ عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ لَا لِلشَّرْطِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُ فِي يَدِهِ حُكْمًا؛ لِأَنَّ الْيَدَ الْحُكْمِيَّ كَانَ لَهُ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ، فَلَا يَنْعَدِمُ
стр. 2248
إلَّا بِاعْتِرَاضِ يَدٍ أُخْرَى عَلَى يَدِهِ، وَبِالْإِبَاقِ لَا يُوجَدُ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُتَرَدِّدًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
وَوَجْهٌ آخَرُ فِيهِ وَهُوَ أَنَّ الْيَدَ الْحُكْمِيَّ بِاعْتِبَارِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْأَخْذِ لِأَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بَاقٍ مَا دَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِقُوَّةِ الْإِمَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ لَوْ أَبَقَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ وَهَبَهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ لَا يَجُوزُ كَمَا رَوَاهُ قَاضِي الْحَرَمَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ الْيَدَ الْحُكْمِيَّ لَيْسَ بِثَابِتٍ لَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
[أَبَقَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ ثُمَّ اشْتَرَى وَبَاعَ]
وَإِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ ثُمَّ اشْتَرَى وَبَاعَ لَمْ يَجُزْ، وَقَدْ صَارَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَصِيرُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ﵀؛ لِأَنَّ مَا بِهِ صَحَّ إذْنُ الْمَوْلَى وَهُوَ قِيَامُ مِلْكِهِ فِي رَقَبَتِهِ لَا يَنْعَدِمُ بِالْإِبَاقِ؛ لِأَنَّ الْإِبَاقَ لَا يُنَافِي ابْتِدَاءَ الْإِذْنِ، فَلَا يُنَافِي الْبَقَاءَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمَوْلَى إنَّمَا يَرْضَى بِتَصَرُّفِهِ مَا دَامَ تَحْتَ طَاعَتِهِ وَلَا يَرْضَى بِهِ بَعْدَ تَمَرُّدِهِ وَإِبَاقِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَتَقَيَّدَ الْإِذْنُ الْمُطْلَقُ بِمَا قَبْلَ الْإِبَاقِ لِدَلَالَةِ الْعُرْفِ أَوْ يَصِيرَ مَحْجُورًا بَعْدَ الْإِبَاقِ لِدَلَالَةِ الْحَجْرِ، فَإِنَّ الْمَوْلَى لَوْ ظَفِرَ بِهِ أَدَّبَهُ وَحَجَر عَلَيْهِ، وَدَلَالَةُ الْحَجْرِ كَالتَّصْرِيحِ بِالْحَجْرِ، كَمَا أَنَّ دَلَالَةَ الْإِذْنِ كَالتَّصْرِيحِ بِالْإِذْنِ، وَلِهَذَا صَحَّ إذْنُ الْآبِقِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهَا عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْمَائِدَةِ بَيْنَ يَدَيْ إنْسَانٍ يَكُونُ إذْنًا لَهُ فِي التَّنَاوُلِ دَلَالَةً، فَإِنْ قَالَ: لَا يَأْكُلُ بَطَلَ حُكْمُ ذَلِكَ الْإِذْنِ لِلتَّصْرِيحِ بِخِلَافِهِ، ثُمَّ الْمَوْلَى لَوْ ظَفِرَ بِهِ أَدَّبَهُ وَحَبَسَهُ وَحَجَرَ عَلَيْهِ، فَهُوَ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ تَأْدِيبِهِ فَالشَّرْعُ يَنُوبُ عَنْهُ فِي الْحَجْرِ عَلَيْهِ كَالْمُرْتَدِّ اللَّاحِقِ بِدَارِ الْحَرْبِ. يُمَوِّتُهُ الْإِمَامُ حُكْمًا فَيُقَسِّمُ مَالَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ قَتَلَهُ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ جَعَلَهُ الشَّرْعُ مَيْتًا حُكْمًا فَهَذَا مِثْلُهُ، وَالْحُكْمُ فِي جِنَايَةِ الْآبِقِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ وَفِي حُدُودِهِ كَالْحُكْمِ فِيهَا فِي الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ فِيهِ بَاقٍ بَعْدَ الْإِبَاقِ، وَمِلْكُ الْمَوْلَى قَائِمٌ فِيهِ، وَبِاعْتِبَارِهِ يُخَاطَبُ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ عِنْدَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، فَإِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ لَمْ يَقْطَعْهُ الْإِمَامُ حَتَّى يَحْضُرَ مَوْلَاهُ، فَإِذَا حَضَرَ قَطَعَهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقْطَعُهُ، وَلَا يَنْتَظِرُ حُضُورَ مَوْلَاهُ، وَكَذَلِكَ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِسَائِرِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَةِ مِنْ حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ.
وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ الْعَبْدَ فِي الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَةِ كَالْحُرِّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَفِيمَا كَانَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ لَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْمَوْلَى لِلْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ كَالطَّلَاقِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْتِزَامَ الْعُقُوبَةِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى النَّفْسِيَّةِ دُونَ الْمَالِيَّةِ، وَحَقُّ الْمَوْلَى فِي مِلْكِ الْمَالِيَّةِ فَبَقِيَ هُوَ فِي النَّفْسِيَّةِ عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ
стр. 2249
لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ تَثْبُتُ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ تَارَةً وَبِالْإِقْرَارِ تَارَةً، ثُمَّ فِيمَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ لَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْمَوْلَى لِلِاسْتِيفَاءِ فَكَذَلِكَ فِيمَا يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ إلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَالْإِقْرَارُ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ خَاصَّةً. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ تَفْوِيتُ حَقِّ الْمَوْلَى، فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِمُحْضَرٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِخَصْمٍ عَنْهُ، وَالْقَضَاءُ عَلَى غَيْرِ خَصْمٍ حَاضِرٍ بِتَفْوِيتِ حَقِّهِ لَا يَجُوزُ، وَبَيَانُ هَذَا أَنَّ لِلْمَوْلَى حَقَّ الطَّعْنِ فِي الشُّهُودِ حَتَّى لَوْ كَانَ حَاضِرًا كَانَ طَعْنُهُ مَسْمُوعًا، فَفِي إقَامَةِ الْعُقُوبَةِ تَفْوِيتُ حَقِّ الْمَطْعُونِ عَلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَبْدَ لَوْ كَانَ كَافِرًا وَمَوْلَاهُ مُسْلِمًا لَمْ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ بِالْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلَى حَقٌّ فِي هَذِهِ الْبَيِّنَةِ لَكَانَ لَا يُعْتَبَرُ دِينُهُ فِي ذَلِكَ، وَالْعَبْدُ لَيْسَ بِخَصْمٍ عَنْ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ خَصْمٌ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى النَّفْسِيَّةِ، وَلَا حَقَّ لِلْمَوْلَى فِي ذَلِكَ، فَلَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْهُ، وَبِهِ فَارَقَ الْإِقْرَارَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْمَوْلَى حَقُّ الطَّعْنِ فِي إقْرَارِهِ، فَلَا يَكُونُ فِي إقَامَةِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهِ بِالْإِقْرَارِ تَفْوِيتُ حَقِّ الْمَوْلَى، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى النَّفْسِيَّةِ، وَلَكِنْ فِي الِاسْتِيفَاءِ إتْلَافُ مَالِيَّةِ الْمَوْلَى، وَالْبَيِّنَةُ لَا تُوجِبُ شَيْئًا بِدُونِ الْقَضَاءِ، وَالِاسْتِيفَاءُ فِي الْعُقُوبَاتِ مِنْ تَتِمَّةِ الْقَضَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُعْتَرِضَ بَعْدَ الْقَضَاءِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ يُجْعَلُ كَالْمُقْتَرِنِ بِأَصْلِ الْقَضَاءِ حَتَّى يَمْتَنِعَ الِاسْتِيفَاءُ بِهِ، فَإِذَا كَانَ تَمَامُ قَضَائِهِ مُتَنَاوِلًا حَقَّ الْمَوْلَى يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْمَوْلَى فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ فَإِنَّهُ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي.
وَوِلَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ تَثْبُتُ بِتَقَرُّرِ الْوُجُوبِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ حُضُورُ الْمَوْلَى، وَإِذَا أُخِذَ الْعَبْدُ الْآبِقُ، وَحُبِسَ فِي بَلَدٍ فَتَقَدَّمَ مَوْلَاهُ إلَى قَاضِي بَلْدَتِهِ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ، وَطَلَبَ أَنْ يَكْتُبَ بِهِ إلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ لَمْ يُجِبْهُ إلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَلَوْ فَعَلَ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ بِذَلِكَ الْكِتَابِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ بِطَرِيقٍ يَذْكُرُهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي الدُّيُونِ صَحِيحٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَلِكَ فِي الْعَقَارِ؛ لِأَنَّ إعْلَامَهَا فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ تُذْكَرُ الْحُدُودُ دُونَ الْإِشَارَةِ إلَى الْعَيْنِ، وَفِي الْعُرُوضِ مِنْ الدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ لَا يَجُوزُ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إشَارَةِ الشُّهُودِ إلَى الْعَيْنِ لِلْقَضَاءِ بِشَهَادَتِهِمْ، وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، فَأَمَّا فِي الْعَبِيدِ وَالْجَوَارِي فَلَا يَجُوزُ كِتَابُ الْقَاضِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَيْضًا وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إشَارَةِ الشُّهُودِ إلَى الْعَيْنِ لِيَثْبُتَ الِاسْتِحْقَاقُ بِشَهَادَتِهِمْ؛ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا فِي الْبَلْدَةِ لَا يَسْمَعُ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةَ إلَّا بَعْدَ
стр. 2250
إحْضَارِهِ، فَلَا يَجُوزُ فِيهِ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي كَمَا فِي سَائِرِ الْعُرُوضِ، وَلَكِنْ اسْتَحْسَنَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْعَبِيدِ قَالَ: الْعَبْدُ قَدْ يَأْبَقُ مِنْ مَوْلَاهُ، وَقَدْ يُرْسِلُهُ مَوْلَاهُ فِي حَاجَةٍ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فَيَمْتَنِعُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وَيَتَعَذَّرُ عَلَى الْمَوْلَى الْجَمْعُ بَيْنَ شُهُودِهِ وَبَيْنَهُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي، فَلَوْ لَمْ يُقْبَلُ فِيهِ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي أَدَّى إلَى إتْلَافِ أَمْوَالِ النَّاسِ، فَكَانَ قَبُولُ الْبَيِّنَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَرْفَقَ بِالنَّاسِ، وَمَا كَانَ أَرْفَقَ بِالنَّاسِ فَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَرَجَ مَدْفُوعٌ، وَكَانَ يَقُولُ مَرَّةً فِي الْجَارِيَةِ أَيْضًا: يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا يُقْبَلُ فِي الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ بَابَ الْفُرُوجِ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْبَلْوَى تَقِلُّ فِي الْجَوَارِي فَالْمَوْلَى لَا يُرْسِلُهَا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ عَادَةً، وَالْإِبَاقُ فِي الْجَوَارِي يَنْدُرُ أَيْضًا.
ثُمَّ بَيَانُ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ يُقِيمُ عِنْدَ الْقَاضِي شَاهِدَيْنِ عَلَى حِلْيَتِهِ وَصِفَتِهِ، وَأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ فَيَكْتُبُ لَهُ بِذَلِكَ إلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مَحْبُوسٌ، فَإِذَا ثَبَتَ الْكِتَابُ عِنْدَ ذَلِكَ الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ عَلَيْهِ وَعَلَى الْخَتْمِ، وَوَافَقَ حِلْيَةَ الْعَبْدِ وَصِفَتَهُ مَا فِي الْكِتَابِ دُفِعَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقْضَى لَهُ بِالْمُلْكِ، وَيُخْتَمُ فِي عُنُقِهِ بِالرَّصَاصِ لِلْإِعْلَامِ، وَيَأْخُذُ مِنْ الْمُدَّعِي كَفِيلًا، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ الْمُدَّعِي إلَى الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ شُهُودُهُ، وَيَكْتُبُ مَعَهُ كِتَابًا إلَى ذَلِكَ الْقَاضِي فَإِذَا أَتَى بِهِ إلَى هَذَا الْقَاضِي أَعَادَ شُهُودَهُ لِيَشْهَدُوا بِالْإِشَارَةِ إلَى الْعَبْدِ أَنَّهُ مِلْكُهُ وَحَقُّهُ، فَإِذَا شَهِدُوا بِذَلِكَ قَضَى لَهُ بِالْعَبْدِ، وَكَتَبَ إلَى ذَلِكَ الْقَاضِي بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيُبَرِّئَ كَفِيلَهُ. وَفِي الْجَوَارِي عَلَى قَوْلِهِ الْأَوَّلِ: لَا يَدْفَعُهَا إلَيْهِ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ أَوَّلًا، وَلَكِنَّهُ يَبْعَثُ بِهَا مَعَهُ عَلَى يَدِ أَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ وَطْئِهَا، وَإِنْ كَانَ أَمِينًا فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ، وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَا: هَذَا اسْتِحْسَانٌ فِيهِ بَعْضُ الْقُبْحِ، فَإِنَّهُ إذَا دَفَعَ إلَيْهِ الْعَبْدَ يَسْتَخْدِمُهُ قَهْرًا أَوْ يَسْتَغِلُّهُ فَيَأْكُلُ مِنْ غَلَّتِهِ قَبْلَ أَنْ يَثْبُتَ مِلْكُهُ فِيهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَرُبَّمَا يَظْهَرُ الْعَبْدُ لِغَيْرِهِ إذَا جَاءَ بِهِ إلَى الْقَاضِي الْكَاتِبِ فَالْحِلْيَةُ وَالصِّفَةُ تُشْتَبَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ قَدْ يَتَّفِقَانِ فِي الْحِلْيَةِ وَالصِّفَةِ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ جَارِيَةً حَسْنَاءَ أَكَانَ يَبْعَثُ بِهَا مَعَ رَجُلٍ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ هَذَا قُبْحٌ، فَلِهَذَا أَخَذْنَا بِالْقِيَاسِ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي بَاعَ الْعَبْدَ الْآبِقَ حِينَ طَالَ حَبْسُهُ، وَأَخَذَ ثَمَنَهُ، وَهَلَكَ الْعَبْدُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ ادَّعَاهُ الرَّجُلُ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ عَبْدًا اسْمُهُ كَذَا، وَكَذَا عَبْدُهُ فَوَافَقَ ذَلِكَ صِفَةَ الْعَبْدِ الَّذِي بَاعَهُ الْقَاضِي لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ، وَلَا يُدْفَعْ إلَيْهِ الثَّمَنُ لِأَنَّ شُهُودَهُ لَمْ يَشْهَدُوا عَلَى اسْتِحْقَاقِ مَا فِي يَدِ الْقَاضِي مِنْ الثَّمَنِ، إنَّمَا شَهِدُوا عَلَى الِاسْمِ وَالْحِلْيَةِ، وَالِاسْمُ يُوَافِقُ الِاسْمَ وَالْحِلْيَةُ تُوَافِقُ الْحِلْيَةَ إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّ الْعَبْدَ
стр. 2251
الْآبِقَ الَّذِي بَاعَهُ الْقَاضِي مِنْ هَذَا الرَّجُلِ هُوَ عَبْدُ هَذَا فَحِينَئِذٍ يَقْضِي لَهُ الْقَاضِي بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْمِلْكَ فِي ذَلِكَ الْعَبْدِ بِعَيْنِهِ، وَالْبَدَلُ إنَّمَا يُمْلَكُ بِمُلْكِ الْأَصْلِ.
وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَبِعْهُ حَتَّى قُتِلَ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْمَقْتُولَ عَبْدُهُ، فَإِنَّهُ يَقْضِي لَهُ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ وَالثَّمَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَلٌ عَنْ الْعَبْدِ، وَاسْتِحْقَاقُ الْبَدَلِ بِاسْتِحْقَاقِ الْأَصْلِ.
وَرَجُلٌ أَخَذَ عَبْدًا آبِقًا فَبَاعَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْقَاضِي، ثُمَّ أَقَامَ الْمَوْلَى بَيِّنَةً أَنَّهُ عَبْدُهُ، فَإِنَّهُ يَسْتَرِدُّهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْآخِذَ بَاعَهُ بِغَيْرِ وِلَايَةٍ لَهُ، فَإِنَّ وِلَايَةَ تَنْفِيذِ الْبَيْعِ لَهُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ إنَّمَا تَثْبُتُ بِإِذْنِ الْمَوْلَى أَوْ بِإِذْنِ الْقَاضِي بَعْدَ مَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ لَهُ، فَإِذَا بَاعَهُ بِدُونِ إذْنِ الْقَاضِي كَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ هَلَكَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَلِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُضَمِّنَ قِيمَتَهُ أَيَّهُمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ مُتَعَدٍّ فِي حَقِّهِ بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ، وَالْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا ضَمِنَ الْمُشْتَرِي قِيمَتَهُ رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمْ يُسَلَّمْ مِنْ جِهَتِهِ، وَاسْتِرْدَادُ الْقِيمَةِ مِنْهُ كَاسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ، وَإِنْ ضَمِنَ الْبَائِعُ قِيمَتَهُ نَفَذَ الْبَيْعُ مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ فَيَكُونُ الثَّمَنُ لَهُ، وَلَكِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِمَا فَضَلَ مِنْ الْقِيمَةِ عَلَى الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ رِبْحٌ حَصَلَ لَا عَلَى مِلْكِهِ بِكَسْبٍ خَبِيثٍ.
رَجُلٌ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عِنْدَ قَاضٍ مِنْ الْقُضَاةِ بِأَنَّ الْعَبْدَ الَّذِي بَاعَهُ قَاضِي بَلَدِ كَذَا مِنْ فُلَانٍ فَهُوَ عَبْدُهُ، وَأَخَذَ كِتَابَهُ إلَى ذَلِكَ الْقَاضِي الَّذِي بَاعَهُ الْآبِقَ، فَهَذَا جَائِزٌ وَيَدْفَعُ ذَلِكَ الْقَاضِي إلَيْهِ الثَّمَنَ إذَا ثَبَتَ كِتَابُ الْقَاضِي عِنْدَهُ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِي بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ لَا يُرِيدُ أَخْذَ عَيْنِ الْعَبْدِ، فَإِنَّ بَيْعَ الْقَاضِي قَدْ نَفَذَ فِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عِنْدَهُ دَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ، وَلَمْ يُمَكِّنْهُ مِنْ أَخْذِ الْعَبْدِ فَعَرَفْنَا أَنَّ مَقْصُودَهُ إثْبَاتُ حَقِّ أَخْذِ الثَّمَنِ لِنَفْسِهِ، فَهَذَا وَالْبَيِّنَةُ الَّتِي يُقِيمُهَا عَلَى الدَّيْنِ سَوَاءٌ؛ فَلِهَذَا يَكْتُبُ الْقَاضِي لَهُ بِذَلِكَ، وَيَقْضِي الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ.
(فَإِنْ قِيلَ:) الثَّمَنُ عَيْنٌ فِي يَدِ ذَلِكَ الْقَاضِي كَالْعَبْدِ. (قُلْنَا:) نَعَمْ، وَلَكِنَّهُ مَعْلُومٌ بِذِكْرِ مِقْدَارِهِ فَلَا تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى الْإِشَارَةِ مِنْ الشُّهُودِ إلَى عَيْنِهِ لِلِاسْتِحْقَاقِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ، وَإِذَا وَجَدَ الرَّجُلُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً آبِقًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَخَذِهِ فَإِنَّهُ يَسَعُهُ تَرْكُهُ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَأْخُذَهُ لِيَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: لَا يَسَعُهُ تَرْكُهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ نَفْسِهِ، وَلَوْ رَأَى إنْسَانًا يَغْرَقُ لَمْ يَسَعْهُ إلَّا أَنْ يُخَلِّصَهُ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ إذَا رَأَى مَالَهُ يَتْوَى، وَلَكِنَّا نَقُولُ: هُوَ يَحْتَاجُ فِي رَدِّهِ إلَى مُعَالَجَةٍ وَمُؤْنَةٍ فَكَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ لَا يَلْتَزِمَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَلْتَزِمَهُ، وَلِأَنَّهُ فِي التَّرْكِ يَعْتَمِدُ ظَاهِرَ قَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَأْوِي الضَّالَّةَ إلَّا ضَالٌّ»، وَقَالَ: «ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ حَرْقُ النَّارِ»
стр. 2252
وَبِظَاهِرِ الْحَدِيثِ يَقُولُ جُهَّالُ أَهْلِ التَّقَشُّفِ، وَحَمْقَى أَهْلِ التَّصَرُّفِ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَسَعَهُ التَّرْكُ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ.
(وَإِذَا) أَخَذَ عَبْدًا آبِقًا فَادَّعَاهُ رَجُلٌ، وَأَقَرَّ لَهُ الْعَبْدُ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي فَهَلَكَ عِنْدَهُ، ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ آخَرُ بِبَيِّنَةٍ أَقَامَهَا فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ أَيَّهُمَا شَاءَ لِكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَائِنًا فِي حَقِّهِ، فَإِنْ ضَمِنَ الدَّافِعُ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْقَابِضِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ الْعَبْدَ مِنْهُ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ غَاصِبًا لَا مَالِكًا، وَلِلْغَاصِبِ الْأَوَّلِ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الثَّانِي بِمَا يَضْمَنُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ إقْرَارٌ مِنْ الدَّافِعِ لِلْقَابِضِ بِالْمِلْكِ، وَلَوْ كَانَ أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ إقْرَارِهِ لَمَّا صَارَ مُكَذَّبًا شَرْعًا، فَإِذَا لَمْ يَسْبِقْ إقْرَارُهُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْفَعْ إلَى الْأَوَّلِ حَتَّى شَهِدَ شَاهِدَانِ عِنْدَهُ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ بِغَيْرِ حُكْمٍ، ثُمَّ أَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ عِنْدَ الْقَاضِي، فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهِ لِهَذَا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الْأُولَى أَقَامَهَا صَاحِبُهَا فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَلَا تَكُونُ مُعَارِضَةً لِلْبَيِّنَةِ الَّتِي قَامَتْ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْحُكْمِ يَخْتَصُّ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَإِنْ أَعَادَ الْأَوَّلُ بَيِّنَتِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْيَدِ فِي الْعَبْدِ لَهُ، وَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ لَا تُعَارِضُ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ، وَمَا يَكْتَسِبُهُ الْعَبْدُ الْآبِقُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِمَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِرَقَبَتِهِ بَعْدَ إبَاقِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمُكْتَسِبُ أَهْلًا لِلْمِلْكِ فَمَوْلَاهُ يُخْفِهِ فِي مِلْكِ الْكَسْبِ لِمِلْكِهِ رَقَبَتَهُ، وَإِنْ أَجَّرَهُ الَّذِي أَخَذَهُ وَأَخَذَ أُجْرَتَهُ فَهُوَ لِلَّذِي أَجَّرَهُ قَالَ: لِأَنَّهُ فِي ضَمَانِهِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا إلَى قَوْلِهِ ﷺ : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» وَلِأَنَّهُ بِعَقْدِهِ صَيَّرَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ مَالًا، فَإِنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَأْخُذُ حُكْمَ الْمَالِيَّةِ إلَّا بِالْعَقْدِ عِنْدَنَا كَمَا بَيَّنَهُ فِي الْغَصْبِ، وَمَنْ صَيَّرَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ مِنْ مِلْكِ الْغَيْرِ مَالًا بِفِعْلِهِ كَانَ ذَلِكَ الْمَالُ لَهُ كَمَنْ اتَّخَذَ كُوزًا مِنْ تُرَابِ غَيْرِهِ وَبَاعَهُ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِكَسْبٍ خَبِيثٍ، وَإِنْ دَفَعَهُ إلَى الْمَوْلَى مَعَ الْعَبْدِ، وَقَالَ: هَذَا الْمَالُ غَلَّةُ عَبْدِكَ، وَقَدْ سَلَّمْتُهُ لَكَ فَهُوَ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ فِيمَا صَنَعَ، وَتَحَرَّزَ عَنْ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ هَذَا الْمَالُ لِلْمَوْلَى، وَعِنْدَنَا هُوَ لِلْأَجِيرِ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ تَمْلِيكِ مَالِ نَفْسِهِ مِنْهُ طَوْعًا، ثُمَّ يَحِلُّ لِلْمَوْلَى أَكْلُهُ اسْتِحْسَانًا.
وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْفَقِيرِ أَثْبَتُ فِيهِ حِينَ وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِهِ، فَلَا يَمْلِكُ الْآخِذُ إسْقَاطَ حَقِّ الْفُقَرَاءِ، وَلَكِنَّهُ اُسْتُحْسِنَ، وَقَالَ: وُجُوبُ التَّصَدُّقِ بِهِ كَانَ لِخُبْثٍ دَخَلَ فِيهِ لِعَدَمِ رِضَى الْمَوْلَى بِهِ، فَإِنَّمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْآخِذِ لَا فِي حَقِّ الْمَوْلَى بَلْ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْمَوْلَى يَزُولُ ذَلِكَ الْخُبْثُ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ كَسْبُ عَبْدِهِ، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجِبُ الْأَجْرُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ ضَامِنٌ لِلْعَبْدِ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَالْأَجْرُ مَعَ الضَّمَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ، وَلَكِنَّهُ
стр. 2253
اُسْتُحْسِنَ فَقَالَ: الْعَبْدُ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَنْ الِاكْتِسَابِ وَتَحْصِيلِ الْمَنَافِعِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ قَبُولُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، فَإِذَا سَلِمَ مِنْ الْعَمَلِ نَمْحَضُ ذَلِكَ الْعَقْدَ مَنْفَعَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْبِقْ الْعَقْدَ لَمْ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعْمَلِ لَهُ شَيْءٌ، فَلِهَذَا أَنْفَذْنَا ذَلِكَ الْعَقْدَ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَلِفَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَفَذَ الْعَقْدُ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلَى حَقُّ تَضْمِينِ الْمُسْتَأْجِرِ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ نُفُوذُ الْعَقْدِ عِنْدَ سَلَامَةِ الْعَبْدِ كَانَ حَقُّ قَبْضِ الْأَجْرِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِعَقْدِهِ بِأَخْذِهَا فَيَدْفَعُهَا إلَى الْمَوْلَى، وَإِبَاقُ الْمُكَاتِبِ لَا يُبْطِلُ مُكَاتَبَتَهُ وَإِذْنَهُ بِخِلَافِ إبَاقِ الْمَأْذُونِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَحْجُرَ عَلَى الْمَأْذُونِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى الْمُكَاتِبِ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُكَاتِبِ فِي نَفْسِهِ لَازِمٌ؛ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى بَيْعَهُ بِخِلَافِ الْمَأْذُونِ.
وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى أَنَّ الْإِبَاقَ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الْمُكَاتِبِ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِي الِاكْتِسَابِ إلَى حَيْثُ يَشَاءُ، وَلَيْسَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْمَأْذُونِ فَإِنَّ لِلْمَوْلَى أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْخُرُوجِ، فَإِذَا خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَانَ فِعْلُهُ إبَاقًا، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ لَا جُعْلَ لِرَادِّ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِآبِقٍ بِخِلَافِ الْمَأْذُونِ، وَلِأَنَّ الرَّادَّ إنَّمَا يَسْتَوْجِبُ الْجُعْلَ بِإِحْيَائِهِ مَالِيَّةَ الرَّقَبَةِ بِرَدِّهِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْمُكَاتِبِ، فَإِنَّ حَقَّ الْمَوْلَى فِي بَدَلِ الْكِتَابَةِ فِي ذِمَّتِهِ خَاصَّةً، وَلَمْ يَصِرْ مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ بِإِبَاقِهِ حَتَّى يَكُونَ فِي الرَّدِّ إحْيَاؤُهُ بِخِلَافِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ مَالِيَّةَ رَقَبَتِهِ حَقُّ الْمَوْلَى، وَقَدْ أَشْرَفَ عَلَى التَّوَى بِإِبَاقِهِ فَيَكُونُ الرَّادُّ مُحْيِيًا لَهُ.
وَيَجُوزُ عِتْقُ الْآبِقِ عَنْ الظِّهَارِ إذَا كَانَ حَيًّا؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْمَوْلَى حَقِيقَةً فَيَنْفُذُ عِتْقُهُ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَنْفُذُ حَالَ كَوْنِهِ فِي يَدِهِ.
(فَإِنْ قِيلَ:) الْآبِقُ فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلِكِ، وَإِعْتَاقُ الْمُسْتَهْلِكِ حُكْمًا عَنْ الظِّهَارِ لَا يَجُوزُ كَالْأَعْمَى (قُلْنَا:) الْمُسْتَهْلَكُ مِنْهُ حُكْمًا مَالِيَّتُهُ لَا ذَاتُهُ، وَالْكَفَّارَةُ إنَّمَا تَتَأَدَّى بِتَحْرِيرِ مُبْتَدَإٍ، وَذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى الذَّاتِ دُونَ الْمَالِيَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وَالرَّقَبَةُ اسْمٌ لِلذَّاتِ حَقِيقَةً، وَالذَّاتُ الْمَرْقُوقُ عُرْفًا، وَلَيْسَ فِي النَّصِّ تَعْرِيضٌ لِصِفَةِ الْمَالِيَّةِ؛ وَلِهَذَا كَانَ قَلِيلُ الْقِيمَةِ وَكَثِيرُ الْقِيمَةِ فِي جَوَازِ التَّكْفِيرِ بِهِ سَوَاءً، بِخِلَافِ الْأَعْمَى فَالْمُسْتَهْلَكُ هُنَاكَ الذَّوَاتُ حُكْمًا لِفَوَاتِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ مِنْهُ، وَبِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فَعِتْقُهُمَا لَيْسَ بِتَحْرِيرٍ مُبْتَدَإٍ بَلْ هَذَا مِنْ وَجْهِ تَعْجِيلٍ لِمَا اسْتَحَقَّاهُ مُؤَجَّلًا، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْآبِقِ مِمَّنْ أَخَذَهُ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ جَوَازِ بَيْعِهِ مِنْ غَيْرِهِ لِعَجْزِهِ عَنْ التَّسْلِيمِ إلَيْهِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ يَصِيرُ مُسَلَّمًا إلَى الْمُشْتَرِي لِقِيَامِ يَدِهِ فِيهِ فَلِهَذَا جَازَ بَيْعُهُ مِنْهُ.
وَإِذَا أَبَقَ عَبْدُ الرَّهْنِ فَرَدَّهُ رَجُلٌ فِي حَيَاةِ الرَّاهِنِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَهُوَ رَهْنٌ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ قَدْ أَشْرَفَتْ عَلَى التَّوَى بِالْإِبَاقِ، ثُمَّ قَدْ حَيَّ بِالرَّدِّ فَهُوَ كَمَا لَوْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ، ثُمَّ بَرِئَ فَيَكُونُ
стр. 2254
رَهْنًا عَلَى حَالِهِ، وَالْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ سَائِرِ غُرَمَاءِ الرَّاهِنِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَالْجُعْلُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ إنْ كَانَ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْجُعْلِ لِلرَّادِّ بِإِحْيَائِهِ مَالِيَّةَ الْعَبْدِ وَمَالِيَّةَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ عَقْدِ الرَّهْنِ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ لِلْمُرْتَهِنِ مِنْ مَالِيَّةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرُدَّهُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ التَّوَى سَقَطَ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ فِي الرَّدِّ عَمَلٌ لَهُ فَكَانَ الْجُعْلُ عَلَيْهِ، وَهُوَ نَظِيرُ تَخْلِيصِهِ مِنْ الْجِنَايَةِ بِالْفِدَاءِ، وَذَلِكَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِقَدْرِ الْمَضْمُونِ مِنْهُ فَكَذَلِكَ الْجُعْلُ، وَهَذَا بِخِلَافِ النَّفَقَةِ فَإِنَّهُ لِإِبْقَاءِ الْمِلْكِ لَا لِإِحْيَاءِ الْمَالِيَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ تَمَكَّنَ مِنْ رَدِّهِ، وَيَبْقَى جَمِيعُ دَيْنِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ النَّفَقَةَ لِإِبْقَاءِ الْمِلْكِ وَالْمِلْكُ لِلرَّاهِنِ، وَالْجُعْلُ لِإِحْيَاءِ الْمَالِيَّةِ فَيَكُونُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَالِيَّةَ لَوْ انْتَقَصَتْ بِقُرْحَةٍ خَرَجَتْ بِهِ كَانَ دَوَاءُ ذَلِكَ، وَمُعَالَجَتُهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ فَكَذَلِكَ جُعْلُ الْآبِقِ، وَلِلَّذِي جَاءَ بِهِ أَنْ يُمْسِكَهُ حَتَّى يَأْخُذَ الْجُعْلَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَوْجِبُ الْجُعْلَ بِإِحْيَاءِ مَالِيَّتِهِ فَكَانَ لِمَا يَسْتَوْجِبُ تَعَلُّقًا بِمَالِيَّتِهِ فَيُحْتَبَسُ بِهِ، كَمَا يَحْبِسُ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ بِثَمَنِهِ.
وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ فِي يَدِهِ بَعْدَ مَا قَضَى الْقَاضِي بِإِمْسَاكِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُحِقٌّ فِي حَبْسِهِ وَلَا جُعْلَ لَهُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْجُعْلِ بِاعْتِبَارِ إحْيَائِهِ مَالِيَّتَهُ، وَلَمْ يَتِمَّ ذَلِكَ حِينَ لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ يَدُ مَوْلَاهُ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمَبِيعِ يَتْلَفُ فِي يَدِ الْبَائِعِ، فَإِنَّ حَقَّهُ فِي الثَّمَنِ يَسْقُطُ سَوَاءٌ حَبَسَهُ أَوْ لَمْ يَحْبِسْهُ، فَهُنَا يَسْقُطُ حَقُّهُ فِي الْجُعْلِ بِمَوْتِهِ فِي يَدِهِ سَوَاءٌ حَبَسَهُ أَوْ لَمْ يَحْبِسْهُ.
(عَبْدٌ) أَبَقَ وَذَهَبَ مَعَهُ بِمَالٍ فَجَاءَ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ مَعَهُ شَيْئًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وُصُولَ يَدِهِ إلَى الْعَبْدِ لَا يَكُونُ دَلِيلَ وُصُولِ الْمَالِ إلَيْهِ مَا لَمْ يُعْلَمْ كَوْنُهُ فِي يَدِ الْعَبْدِ حِينَ أَخَذَهُ، وَالْمَوْلَى يَدَّعِي عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَهُوَ مُنْكِرٌ، كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ غَصَبَهُ مَالًا وَأَنْكَرَهُ، وَإِنْ اتَّهَمَهُ رَبُّ الْمَالِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ مُنْكِرٌ كَمَا لَوْ ادَّعَى؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ، فَإِذَا أَنْكَرَ يُسْتَحْلَفُ لِرَجَاءِ نُكُولِهِ حَتَّى يُقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ إقْرَارِهِ.
وَلَوْ أَنَّ أَمَةً أَبَقَتْ مِنْ مَوْلَاهَا فَالْتَحَقَتْ بِأَرْضِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَصَابَهَا الْمُسْلِمُونَ فَاشْتَرَاهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ فَوَطِئَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ ثُمَّ جَاءَ مَوْلَاهَا، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا وَعُقْرَهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْوَاطِئُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَعِنْدَهُمَا أُمُّ وَلَدٍ لِمَنْ اسْتَوْلَدَهَا، وَلَا سَبِيلَ لِمَوْلَاهَا عَلَيْهَا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْآبِقَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لَا يَمْلِكُهُ الْمُشْرِكُونَ بِالْأَخْذِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُحْرِزُوهُ لِكَوْنِهِ فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَهِيَ يَدٌ مُحْتَرَمَةٌ، فَإِذَا لَمْ يَمْلِكْهَا الْمُشْتَرِي مِنْهُمْ وَلَا الْمُسْلِمُونَ بِالِاسْتِيلَاءِ أَيْضًا، فَمَنْ اشْتَرَاهَا فَوَطِئَهَا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَغْرُورِ؛ لِأَنَّهُ فِي الِاسْتِيلَاءِ اعْتَمَدَ ظَاهِرَ الشِّرَاءِ، وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ حُرٌّ
стр. 2255
بِالْقِيمَةِ، وَلِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَأْخُذَ الْجَارِيَةَ وَعُقْرَهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا، وَبِهِ قَضَى عُمَرُ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَعِنْدَهُمَا هُمْ يَمْلِكُونَ الْآبِقَ إلَيْهِمْ بِالْأَخْذِ، فَإِذَا مَلَكُوهَا مَلَكَهَا الْمُشْتَرِي أَيْضًا، وَقَدْ اسْتَوْلَدَهَا فَكَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَلَا حَقَّ لِلْمَوْلَى فِي اسْتِرْدَادِهَا، وَالْجُعْلُ وَاجِبٌ فِي رَدِّ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُمَا مَمْلُوكَانِ يَسْتَكْسِبُهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْقِنِّ.
(فَإِنْ قِيلَ:) فَأَيْنَ ذَهَبَ قَوْلُكُمْ إنَّهُ يَسْتَوْجِبُ الْجُعْلَ بِإِحْيَاءِ الْمَالِيَّةِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ خُصُوصًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (قُلْنَا:) نَعَمْ لَيْسَ لَهُ فِيهَا مَالِيَّةٌ بِاعْتِبَارِ الرَّقَبَةِ، وَلَكِنْ لَهُ مَالِيَّةٌ بِاعْتِبَارِ كَسْبِهَا بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ، فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِمَكَاسِبِهِ، فَلَا يَكُونُ رَادُّهُ مُحْيِيًا لِلْمَوْلَى مَالِيَّةً بِاعْتِبَارِ الرَّقَبَةِ وَلَا بِاعْتِبَارِ الْكَسْبِ، فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى قَبْلَ أَنْ يُوصِلَهُمَا الرَّادُّ إلَيْهِ فَلَا جُعْلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُمَا عَتَقَا بِمَوْتِهِ، وَرَادُّ الْحُرِّ لَا يَسْتَوْجِبُ الْجُعْلَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَلَى الْمُدَبَّرِ سِعَايَةٌ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلَى مَالٌ سِوَاهُ فَرَدَّهُ عَلَى الْوَرَثَةِ لَمْ يَسْتَوْجِبْ الْجُعْلَ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَسْعَى بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا هُوَ حُرٌّ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَا جُعْلَ لِرَادِّ الْمُكَاتِبِ أَوْ الْحُرِّ، فَأَمَّا إذَا وَصَّلَهُمَا إلَى الْمَوْلَى فَقَدْ تَقَرَّرَ حَقُّهُ فِي الْجُعْلِ، فَلَا يَسْقُطُ بِمَوْتِ الْمَوْلَى وَعِتْقِهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْآبِقُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَثْلَاثًا فَالْجُعْلُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ أَنْصِبَائِهِمَا، وُجُوبُهُ بِاعْتِبَارِ إحْيَاءِ مَالِيَّتِهِمَا، وَالْمَالِيَّةُ لِصَاحِبِ الْكَثِيرِ أَكْثَرُ مِنْهَا لِصَاحِبِ الْقَلِيلِ، وَرَادُّ الصَّغِيرِ إذَا كَانَ آبِقًا يَسْتَوْجِبُ الْجُعْلَ كَرَادِّ الْكَبِيرِ، غَيْرَ أَنَّهُ إنْ جَاءَ بِهِ مِنْ مَسِيرَةِ سَفَرٍ فَلَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَإِنْ جَاءَ بِهِ مِمَّا دُونَ ذَلِكَ يَرْضَخُ لَهُ عَلَى قَدْرِ عَنَائِهِ، وَعَنَاؤُهُ فِي رَدِّ الْكَبِيرِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي رَدِّ الصَّغِيرِ، فَالرَّضْخُ يَكُونُ بِحَسَبِ ذَلِكَ.
وَإِذَا انْتَهَى الرَّجُلُ بِالْعَبْدِ الْآبِقِ إلَى مَوْلَاهُ فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ أَعْتَقَهُ فَالْجُعْلُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَابِضًا لَهُ بِإِعْتَاقِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا أَعْتَقَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ يَصِيرُ بِهِ قَابِضًا، وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَهُ مَوْلَاهُ مِنْ الَّذِي أَتَاهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَابِضًا لَهُ لَمَّا نَفَذَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِالتَّمْلِيكِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ سَلَامَةَ الثَّمَنِ لَهُ بِاعْتِبَارِ رَدِّ هَذَا الرَّادِّ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ سَلَامَةِ الْعَيْنِ لَهُ، وَإِنْ سَلَّمَهُ الرَّادُّ إلَى مَوْلَاهُ فَأَبَقَ مِنْهُ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَعَلَى الْوَلِيِّ جُعْلٌ تَامٌّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ وَهُوَ إحْيَاءُ الْمَالِيَّةِ بِالرَّدِّ عَلَى الْمَوْلَى فَقَدْ تَقَرَّرَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكَمَالِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَدْخَلَهُ الْمِصْرَ، ثُمَّ أَبَقَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِي بِهِ إلَى مَوْلَاهُ فَالْجُعْلُ لِلْآخَرِ إنْ جَاءَ بِهِ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَيَرْضَخُ لَهُ إنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ تَمَامَ السَّبَبِ بِإِيصَالِهِ إلَى الْمَوْلَى، وَالْأَوَّلُ مَا أَوْصَلَهُ إلَى الْمَوْلَى فَانْتَقَصَ السَّبَبُ فِي حَقِّهِ بِإِبَاقِ الْعَبْدِ مِنْهُ قَبْلَ تَمَامِهِ بِالْإِيصَالِ إلَى الْمَوْلَى فَلَا جُعْلَ لَهُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ
стр. 2256
أَتَمَّ السَّبَبَ بِإِيصَالِهِ إلَى الْمَوْلَى فَيَسْتَوْجِبُ الْجُعْلَ بِحَسَبِ عَمَلِهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ الْأَوَّلُ مَعَ الثَّانِي وَرَدَّاهُ مِنْ مَسِيرَةِ يَوْمٍ فَالْأَوَّلُ نِصْفُ الْجُعْلِ تَامًّا، وَيَرْضَخُ لِلثَّانِي عَلَى قَدْرِ عَنَائِهِ لِأَنَّهُمَا تَمَّمَا السَّبَبَ بِإِيصَالِهِ إلَى الْمَوْلَى، إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ ضَمَّ فِعْلَهُ الثَّانِي إلَى الْفِعْلِ الْأَوَّلِ، وَبِاعْتِبَارِ هَذَا الضَّمِّ يَكُونُ رَادًّا لَهُ مِنْ مَسِيرَةِ سَفَرٍ فَلَهُ نِصْفُ الْجُعْلِ تَامًّا، وَالثَّانِي إنَّمَا رَدَّهُ مِنْ مَسِيرَةِ يَوْمٍ فَيُجْعَلُ فِي حَقِّهِ كَأَنَّهُمَا رَدَّاهُ مِنْ مَسِيرَةِ يَوْمٍ فَلِهَذَا اسْتَحَقَّ الرَّضْخَ عَلَى قَدْرِ عَنَائِهِ، وَإِنْ رَدَّاهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ فَالْجُعْلُ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ لِلْجُعْلِ، وَهُوَ الْإِيصَالُ إلَى الْمَوْلَى بَعْدَ الرَّدِّ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ فَيَسْتَوِيَانِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْجُعْلِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الرَّادَّيْنِ عَبْدًا مَحْجُورًا أَوْ مَأْذُونًا فَهُوَ مِثْلُ الْحُرِّ فِي اسْتِحْقَاقِ الْجُعْلِ؛ لِأَنَّ هَذَا اكْتِسَابٌ لِلْمَالِ، وَالْعَبْدُ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَنْ اكْتِسَابِ الْمَالِ بِطَرِيقٍ هُوَ مَحْضُ مَنْفَعَةٍ فِي حَقِّ الْمَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ الْآبِقُ لِمُكَاتِبٍ أَوْ عَبْدٍ تَاجِرٍ فَعَلَيْهِمَا الْجُعْلُ لِلرَّادِّ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمَا فِي كَسْبِهِمَا بِمَنْزِلَةِ حَقِّ الْحُرِّ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى مِلْكِ التَّصَرُّفِ، وَالرَّادُّ أَحْيَا مَالِيَّةَ الْعَبْدِ بِالرَّدِّ لَهُمَا فَيَسْتَوْجِبُ الْجُعْلَ عَلَيْهِمَا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْآبِقُ لِصَبِيٍّ فَالْجُعْلُ فِي مَالِهِ يُؤَدِّي عَنْهُ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهُ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ إحْيَاءِ الْمَالِيَّةِ حَصَلَتْ لَهُ.
(عَبْدٌ) جَنَى جِنَايَةً ثُمَّ أَبَقَ فَجَاءَ بِهِ رَجُلٌ فَالْمَوْلَى مُخَيَّرٌ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ إذَا كَانَ قَبْلَ إبَاقِهِ، فَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَالْجُعْلُ عَلَى مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ طَهَّرَهُ عَنْ الْجِنَايَةِ بِاخْتِيَارِهِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الرَّادَّ عَمَلٌ لَهُ فِي إحْيَاءِ مَالِيَّتِهِ، وَإِنْ اخْتَارَ دَفْعَهُ إلَى أَصْحَابِ الْجِنَايَةِ فَالْجُعْلُ عَلَى أَصْحَابِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الرَّادَّ أَحْيَا حَقَّهُمْ، فَإِنَّ نَفْسَ الْعَبْدِ اسْتَحَقَّ لَهُمْ بِالْجِنَايَةِ إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ؛ وَلِهَذَا لَوْ هَلَكَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ الْمَوْلَى شَيْئًا بَطَلَ حَقُّهُمْ فَتَبَيَّنَ بِاخْتِيَارِ الدَّفْعِ أَنَّ الرَّادَّ أَحْيَا حَقَّهُمْ فَيَسْتَوْجِبُ الْجُعْلَ عَلَيْهِمْ، وَلَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ عَنْهُمْ حَتَّى يُسْتَوْفَى الْجُعْلُ كَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ عَنْ الْمَوْلَى.
(عَبْدٌ) أَبَقَ إلَى بَعْضِ الْبُلْدَانِ فَأَخَذَهُ رَجُلٌ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ رَجُلٌ وَجَاءَ بِهِ فَلَا جُعْلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَدَّهُ لِنَفْسِهِ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ يَكُونُ قَاصِدًا إلَى تَمَلُّكِ الْمُشْتَرَى فَيَكُونُ هُوَ غَاصِبًا فِي حَقِّ الْمَوْلَى لَا عَامِلًا لَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ وَهَبَهُ أَوْ أَوْصَى لَهُ أَوْ وَرِثَهُ، فَإِنْ أَشْهَدَ حِينَ اشْتَرَاهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِيهِ لِيَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا بِالشِّرَاءِ فَلَهُ الْجُعْلُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بِهَذَا الْإِشْهَادِ أَظْهَرَ أَنَّهُ يَعْمَلُ لِلْمَوْلَى فِي الرَّدِّ، وَلَكِنَّهُ الطَّرِيقُ الَّذِي يُمَكِّنُهُ فَيَسْتَوْجِبُ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمَوْلَى بِمَا أَدَّى مِنْ الثَّمَنِ قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ فِي ذَلِكَ كَمَا كَانَ مُتَبَرِّعًا فِيمَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَبَقَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَفِي حَقِّ الرَّادِّ هُوَ وَالْمَأْخُوذُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ سَوَاءٌ، وَإِنْ
стр. 2257
أَخَذَ الْآبِقَ رَجُلٌ فَجَاءَ بِهِ لِيَرُدَّهُ عَلَى مَوْلَاهُ فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ قَالَ: لَهُ الْجُعْلُ فِي تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّ وَارِثَهُ أَوْ وَصِيَّهُ يَخْلُفُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَالرَّدُّ عَلَيْهِ كَالرَّدِّ عَلَى الْمَوْلَى فِي حَيَاتِهِ، وَإِذَا اسْتَوْجَبَ الْجُعْلُ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ دَيْنًا فِي تَرِكَتِهِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ فَالرَّادُّ أَحَقُّ بِإِمْسَاكِ الْعَبْدِ حَتَّى يُعْطَى الْجُعْلَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ بِيعَ الْعَبْدُ، وَيُبْدَأُ بِالْجُعْلِ لَهُ مِنْ ثَمَنِهِ، ثُمَّ يُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْغُرَمَاءِ لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ فِي مَالِيَّتِهِ إنَّمَا ثَبَتَ مِنْ جِهَةِ الْمَيِّتِ، وَقَدْ كَانَ الرَّادُّ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْمَيِّتِ مَا لَمْ يَسْتَوْفِ الْجُعْلَ، فَكَذَا يَكُونُ هُوَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غُرَمَاءِ الْمَيِّتِ أَيْضًا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي جَاءَ بِهِ وَارِثَ الْمَيِّتِ وَقَدْ أَخَذَهُ، وَسَارَ بِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي حَيَاتِهِ وَأَوْصَلَهُ إلَى الْمِصْرِ فَمَاتَ الْمَوْلَى قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الْوَارِثُ الرَّادَّ فِي عِيَالِهِ فَلَهُ الْجُعْلُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا جُعْلَ لَهُ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْجُعْلِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْإِيصَالِ إلَى الْمَالِكِ، وَكَذَا لَوْ أَبَقَ قَبْلَ أَنْ يُوصِلَهُ إلَى الْمَالِكِ، فَلَا جُعْلَ لَهُ، وَالْإِيصَالُ هُنَا لَمْ يُوجَدْ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَصْلُحْ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْجُعْلِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِيهِ، وَمَنْ عَمِلَ فِي شَيْءٍ هُوَ فِيهِ شَرِيكٌ لَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ بِالْعَقْدِ، وَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ فَهُنَا أَوْلَى أَنْ لَا يَسْتَوْجِبَ.
وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الرَّادَّ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلُ بِعَمَلِهِ فِي الرَّدِّ، وَقَدْ تَمَّ ذَلِكَ فِي حَيَاةِ الْمُورِثِ قَبْلَ أَنْ تَثْبُتَ لَهُ الشَّرِكَةُ فِيهِ، إلَّا أَنَّ إيصَالَهُ إلَى الْمَوْلَى شَرْطٌ، وَعِنْدَ وُجُودِهِ يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِعَمَلِهِ لَا بِمَا هُوَ شَرْطٌ، وَالشَّرْطُ يَتَحَقَّقُ مَعَ الشَّرِكَةِ فِي الْمَحِلِّ، وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَتَحَقَّقُ تَسْلِيمُ الْعَمَلِ إلَى غَيْرِهِ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ، وَقَدْ صَارَ الْعَمَلُ هُنَا مُسَلَّمًا إلَى الْمَوْلَى بِاتِّصَالِهِ بِمِلْكِهِ، وَقَدْ وُجِدَ الشَّرْطُ بِالرَّدِّ عَلَى وَرَثَتِهِ فَيَسْتَوْجِبُ الْجُعْلَ. يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ بِإِحْيَاءِ الْمَالِيَّةِ يَسْتَوْجِبُ الْجُعْلَ، وَقَدْ تَحَقَّقَ هَذَا حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ أَوْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ يَنْفُذُ مِنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ رَدَّهُ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ، وَلَمْ يَأْخُذْ الْجُعْلَ مِنْهُ حَتَّى مَاتَ، وَإِذَا جَاءَ بِالْآبِقِ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَهُوَ لَا يُسَاوِي أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ لَهُ الْجُعْلُ أَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ بِدِرْهَمٍ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَهُ الْجُعْلُ تَامًّا.
وَجْهُ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ أَنَّ وُجُوبَ الْجُعْلِ بِاعْتِبَارِ إحْيَاءِ الْمَالِيَّةِ لِلْمَوْلَى، فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ مِقْدَارِ الْمَالِيَّةِ الَّتِي حَيِيَتْ لَهُ، ثُمَّ الرَّادُّ مَأْذُونٌ مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى فِي إيصَالِ الْمَنْفَعَةِ إلَيْهِ لَا فِي إلْحَاقِ الضَّرَرِ بِهِ وَإِيجَابِ الْمَالِ لِنَفْسِهِ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ قِيمَةُ الْعَبْدِ دِرْهَمًا كَانَ فِي إيجَابِ الْأَرْبَعِينَ عَلَى الْمَوْلَى ضَرَرٌ بَيِّنٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُوجِبَ لَهُ مِنْ الْجُعْلِ بِقَدْرِ مَا يَظْهَرُ فِيهِ مَنْفَعَةُ عَمَلِهِ لِلْمَوْلَى، وَذَلِكَ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ قِيمَتِهِ دِرْهَمٌ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ
стр. 2258
مِنْ الْكُسُورِ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُهُ شَرْعًا. وَجْهُ قَوْلِهِ الْآخَرِ أَنَّ وُجُوبَ الْجُعْلِ لِلرَّادِّ عُرِفَ شَرْعًا بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ قَدَّرُوهُ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِضُوا لَقِيمَةِ الْعَبْدِ، وَمَا ثَبَتَ مِنْ التَّقْدِيرِ شَرْعًا يَجِبُ اعْتِبَارُهُ، وَكَانَ عَمَلُ الرَّادِّ هُنَا فِي إيجَابِ جُعْلٍ مُقَدَّرٍ لَهُ بِمَنْزِلَةِ عَقْدٍ بَاشَرَهُ مَعَ الْمَوْلَى. فَكَمَا يَسْتَحِقُّ هُنَاكَ جَمِيعَ الْمُسَمَّى، وَلَا يَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ فَكَذَلِكَ هُنَا يُوَضِّحُهُ أَنَّ مَالِيَّةَ رَقَبَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ دُونَ الْأَرْبَعِينَ فَمَالِيَّةُ كَسْبِهِ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْمَوْلَى قَدْ تَزِيدُ عَلَيْهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنْ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ لِإِيجَابِ الْجُعْلِ ابْتِدَاءً فَلَأَنْ يُعْتَبَرَ لِتَكْمِيلِ الْجُعْلِ كَانَ أَوْلَى، وَإِذَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَجُعْلُهُ عَلَى مَوْلَاهُ إذَا أَرَادَ ذَلِكَ بِأَنْ يُقْضَى مَا عَلَى الْعَبْدِ مِنْ الدَّيْنِ، وَإِنْ أَبَى بِيعَ الْعَبْدُ وَاسْتَوْفَى صَاحِبُ الْجُعْلِ جُعْلَهُ، وَكَانَ مَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ لِأَصْحَابِ الدُّيُون، وَهَذَا وَمَا تَقَدَّمَ - مِمَّا إذَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنُ جِنَايَةٍ - سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ هُنَاكَ الدَّفْعُ بِالْجِنَايَةِ، وَهُنَا الْبَيْعُ فِي الدَّيْنِ.
وَإِذَا أَخَذَ الرَّجُلُ عَبْدَ أَخِيهِ أَوْ أُخْتَهُ أَوْ عَبْدَ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ أَوْ عَبْدَ امْرَأَتِهِ أَوْ امْرَأَةٌ أَخَذَتْ عَبْدَ زَوْجِهَا فَالْقِيَاسُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَاحِدٌ أَنْ يَكُون لَهُ الْجُعْل إذَا لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ؛ لِأَنَّ مِلْك أَحَدهمَا مُنْفَصِل عَنْ مِلْكِ الْآخَرِ فَيَتَحَقَّقَ مِنْهُ إحْيَاءُ الْمَالِيَّةِ عَلَى الْمَالِكِ بِالرَّدِّ فَيَسْتَوْجِبُ الْجُعْل كَسَائِرِ الْأَجَانِب، وَلَكِنَّهُ اُسْتُحْسِنَ فَقَالَ إذَا وَجَدَ عَبْدَ أَبِيهِ، وَهُوَ فِي عِيَالِهِ، فَلَا جُعْلَ لَهُ؛ لِأَنَّ رَدَّ الْآبِقِ عَلَى أَبِيهِ مِنْ جُمْلَةِ خِدْمَتِهِ، وَخِدْمَةُ الْأَبِ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الِابْنِ دِينًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ دَيْنًا؛ وَلِهَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ ابْنَهُ لِخِدْمَتِهِ لَمْ يَسْتَوْجِب الْأَجْر سَوَاء كَانَ فِي عِيَاله أَوْ لَمْ يَكُنْ فَكَذَلِكَ لَا يَسْتَوْجِب الْجُعْل بِرَدِّ آبِقِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ مَعَ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ مَبْسُوطَةُ الْيَدِ فِي مَالِ صَاحِبِهِ، وَيَعُدُّ خَيْرَهُ خَيْرَ نَفْسِهِ، وَلِأَنَّ خِدْمَةَ الزَّوْجِ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْمَرْأَةِ دِينًا حَتَّى لَا يَسْتَأْجِرُهَا عَلَى ذَلِكَ، وَالزَّوْجُ هُوَ الَّذِي يَطْلُبُ آبِقَ امْرَأَتِهِ عَادَةً. فَأَمَّا إذَا وَجَدَ عَبْد ابْنه، فَإِنْ كَانَ فِي عِيَال ابْنه، فَلَا جُعْلَ لَهُ؛ لِأَنَّ آبِق الرَّجُل إنَّمَا يَطْلُبُهُ مِنْ فِي عِيَاله عَادَة؛ وَلِهَذَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ فَلَا يَسْتَوْجِبُ مَعَ ذَلِكَ جُعْلًا آخَرَ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَب فِي عِيَال الِابْن فَلَهُ الْجُعْلُ؛ لِأَنَّ خِدْمَةَ الِابْنِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَى الْأَبِ دِينًا، وَلَا هُوَ سَائِغٌ لَهُ شَرْعًا؛ وَلِهَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَبَاهُ لِيَخْدِمَهُ فَخَدَمَهُ اسْتَوْجَبَ الْأَجْرَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ يَسْتَوْجِبُ الْجُعْلَ، وَكَذَلِكَ الْأَخ لَهُ الْجُعْل إذَا لَمْ يَكُنْ فِي عِيَال أَخِيهِ، وَإِنْ كَانَ فِي عِيَاله فَلَا جُعْلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَعُولُهُ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ لِهَذَا وَنَحْوِهِ، وَإِذَا أَبَقَ عَبْد الْيَتِيم فَجَاءَ بِهِ الْوَصِيُّ، فَلَا جُعْلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَطْلُب آبِق الْيَتِيم عَادَة، وَهُوَ الَّذِي يُمْسِكُ عَبْده، فَلَا يَكُون لَهُ الرَّدّ عَلَى نَفْسه، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْيَتِيم فِي حِجْرِ رَجُلٍ.
стр. 2259
يَعُولُهُ لَهُ فَجَاءَ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَلَا جُعْلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَطْلُبُهُ عَادَة، وَإِذَا صَالَحَ الَّذِي جَاءَ بِالْآبِقِ مَوْلَاهُ مِنْ الْجُعْلِ عَلَى عِشْرِينَ دِرْهَمًا جَازَ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بِدُونِ حَقِّهِ، وَأَحْسَنُ إلَيْهِ بِحَطِّ بَعْضِ مَا اسْتَوْجَبَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى خَمْسِينَ دِرْهَمًا، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْجُعْلَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا جَازَ مِنْهُ أَرْبَعُونَ، وَيَطْرَحُ الْفَضْلَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُقَدَّرٌ بِالْأَرْبَعِينَ شَرْعًا فَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ تَكُونُ رَبًّا، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ صَالَحَ الشَّرِيكُ الْمُعْتَقُ شَرِيكَهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ نَصِيبِهِ كَانَ الْفَضْلُ بَاطِلًا لِمَا بَيَّنَّاهُ، وَإِذَا أَبَقَتْ الْأَمَةُ، وَلَهَا صَبِيٌّ رَضِيعٌ فَرَدَّهُمَا رَجُلٌ فَلَهُ جُعْلٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ الْإِبَاقَ مِنْ الرَّضِيعِ لَا يَتَحَقَّقُ، فَإِنَّمَا رَدَّ آبِقًا وَاحِدًا، وَهِيَ الْأَمَةُ، وَإِنْ كَانَ ابْنُهَا غُلَامًا قَدْ قَارَبَ الْحُلُمَ فَلَهُ جُعْلَانِ ثَمَانُونَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّ الْإِبَاقَ تَحَقَّقَ مِنْهُمَا، فَإِنَّمَا أَحْيَا مَالِيَّةَ مَمْلُوكَيْنِ بِالرَّدِّ فَيَسْتَوْجِبُ جُعْلًا كَامِلًا بِاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِذَا رَجَعَ الْوَاهِبُ فِي الْهِبَةِ بَعْدَ مَا رَدَّ الْعَبْدَ مِنْ إبَاقِهِ، وَسَلَّمَهُ إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ فَلَهُ الْجُعْلُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَحْيَا الْمَالِيَّةَ لَهُ بِالرَّدِّ، وَالْإِيصَالِ إلَيْهِ فَزَوَالُ مِلْكِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِرُجُوعِ الْوَاهِبِ كَزَوَالِ مِلْكِهِ بِمَوْتِ الْعَبْدِ، وَلَوْ مَاتَ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّ الرَّادِّ فِي الْجُعْلِ فَكَذَلِكَ إذَا رَجَعَ فِيهِ الْوَاهِبُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ
[كِتَابُ الْمَفْقُودِ]
(قَالَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ إمْلَاءً: الْمَفْقُودُ اسْمٌ لِمَوْجُودٍ هُوَ حَيٌّ بِاعْتِبَارِ أَوَّلِ حَالِهِ وَلَكِنَّهُ خَفِيُّ الْأَثَرِ كَالْمَيِّتِ بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ، وَأَهْلُهُ فِي طَلَبِهِ يَجِدُّونَ، وَلِخَفَاءِ أَثَرِ مُسْتَقَرِّهِ لَا يَجِدُونَ قَدْ انْقَطَعَ عَلَيْهِمْ خَبَرُهُ وَاسْتَتَرَ عَلَيْهِمْ أَثَرُهُ، وَبِالْجِدِّ رُبَّمَا يَصِلُونَ إلَى الْمُرَادِ وَرُبَّمَا يَتَأَخَّرُ اللِّقَاءُ إلَى يَوْمِ التَّنَادِ وَالِاسْمُ فِي اللُّغَةِ مِنْ الْأَضْدَادِ يَقُولُ الرَّجُلُ: فَقَدْتُ الشَّيْءَ أَيْ أَضْلَلْتُهُ، وَفَقَدَتْهُ أَيْ طَلَبْتُهُ وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ يَتَحَقَّقُ فِي الْمَفْقُودِ، فَقَدْ ضَلَّ عَنْ أَهْلِهِ وَهُمْ فِي طَلَبِهِ، وَحُكْمُهُ فِي الشَّرْعِ أَنَّهُ حَيٌّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ حَتَّى لَا يُقْسَمُ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، مَيِّتٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ حَتَّى لَا يَرِثَ هُوَ إذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ أَقْرِبَائِهِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ حَيَاتِهِ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ فَإِنَّهُ عَلِمَ حَيَاتَهُ فَيَسْتَصْحِبُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ، وَاسْتِصْحَابُ الْحَالِ مُعْتَبَرٌ فِي إبْقَاءِ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ فِي إثْبَاتِ مَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا، وَفِي الِامْتِنَاعِ مِنْ قِسْمَةِ مَالِهِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ إبْقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، وَفِي تَوْرِيثِهِ مِنْ الْغَيْرِ إثْبَاتُ أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لَهُ، وَلِأَنَّ حَيَاتَهُ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، وَالظَّاهِرُ حُجَّةٌ لِدَفْعِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ
стр. 2260
لِلِاسْتِحْقَاقِ، فَلَا يُسْتَحَقُّ بِهِ مِيرَاثُ غَيْرِهِ، وَيَنْدَفِعُ بِهِ اسْتِحْقَاقُ وَرَثَتِهِ لِمَالِهِ بِهَذَا الظَّاهِرِ؛ وَلِهَذَا لَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ عِنْدَنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَمَا بَدَأَ بِهِ الْكِتَابُ مِنْ قَوْلِهِ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ: إنَّهَا امْرَأَةٌ اُبْتُلِيَتْ فَلْتَصْبِرْ حَتَّى يَسْتَبِينَ مَوْتٌ أَوْ طَلَاقٌ، وَبِهِ كَانَ يَأْخُذُ إبْرَاهِيمُ كَمَا قَالَ: قَدْ سَمِعْنَا أَنَّ امْرَأَتَهُ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ هِيَ امْرَأَةٌ اُبْتُلِيَتْ فَلْتَصْبِرْ، وَتَرَبُّصُ أَرْبَعِ سِنِينَ كَانَ يَقُولُ بِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ وَمَالِكٌ كَانَ يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ ﵁ فَيَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُوقَفُ عَلَى خَبَرِهِ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَنْ لَوْ كَانَ حَيًّا، وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ فِيمَا لَا يُوقَفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، خُصُوصًا إذَا وَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهَا، وَقَدْ مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهَا لِكَيْ لَا تَبْقَى مُعَلَّقَةً.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْعِنِّينِ وَامْرَأَتِهِ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهَا، وَبَيْنَ الْمَوْلَى وَامْرَأَتِهِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهَا، وَلَكِنَّ عُذْرَ الْمَفْقُودِ أَظْهَرُ مِنْ عُذْرِ الْمَوْلَى وَالْعِنِّينِ فَيُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ الْمُدَّتَانِ فِي التَّرَبُّصِ، وَذَلِكَ بِأَنْ تُجْعَلَ الشُّهُورُ سِنِينَ، فَلِهَذَا تَتَرَبَّصُ وَلَا نَأْخُذُ بِهَذَا؛ لِأَنَّ نِكَاحَهُ حَقُّهُ، وَهُوَ حَيٌّ فِي إبْقَاءِ مِلْكِهِ وَحَقِّهِ عَلَيْهِ، وَلَوْ مَكَّنَّا زَوْجَتَهُ مِنْ أَنْ تَتَزَوَّجَ كَانَ فِيهِ حُكْمٌ بِالْمَوْتِ ضَرُورَةً، إذْ الْمَرْأَةُ لَا تَحِلُّ لِزَوْجَيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَجِب قِسْمَةٌ مَالِهِ أَيْضًا، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى مَوْتِهِ دَلِيلٌ مُوجِبٌ لَهُ. وَالتَّقْدِيرُ بِالْمُدَّةِ فِي حَقِّ الْمَوْلَى وَالْعِنِّينِ لِدَفْعِ ظُلْمِ التَّعْلِيقِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الظُّلْمِ مِنْ الْمَفْقُودِ فَقُلْنَا: إنَّهَا امْرَأَةٌ اُبْتُلِيَتْ فَلْتَصْبِرْ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَابْتَلَاهَا بِأَشَدَّ مِنْ هَذَا. فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ خَبَرُهُ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أَقْرَانِهِ حَيًّا، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّ مَا تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى مَعْرِفَتِهِ فَطَرِيقُهُ فِي الشَّرْعِ الرُّجُوعُ إلَى أَمْثَالِهِ كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، وَمَهْرُ مِثْلِ النِّسَاءِ وَبَقَاؤُهُ بَعْدَ مَوْتِ جَمِيعِ أَقْرَانِهِ نَادِرٌ، وَبِنَاءُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الظَّاهِرِ دُونَ النَّادِرِ.
وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ ﵀ يَقُولُ: إذَا تَمَّ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً مِنْ مَوْلِدِهِ يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ، وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى قَوْلِ أَهْلِ الطَّبَائِعِ وَالنُّجُومِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعِيشَ أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ اجْتِمَاعَ التَّحْسِينِ يَحْصُلُ لِلطِّبَاعِ الْأَرْبَعِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُضَادّ وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ طَبْعَهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فَيَمُوتُ، وَلَكِنَّ خَطَأَهُمْ فِي هَذَا قَدْ تَبَيَّنَ لِلْمُسْلِمِينَ بِالنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي طُولِ عُمْرِ بَعْضِ مَنْ كَانَ قَبْلنَا كَنُوحٍ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - وَغَيْرِهِ، فَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ قَالَ: إذَا مَضَى مِائَةُ سَنَةٍ مِنْ مَوْلِدِهِ يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ أَحَدًا فِي زَمَانِنَا
стр. 2261
لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ.
وَحُكِيَ أَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ مَعْنَى هَذَا قَالَ: أُبَيِّنُهُ لَكُمْ بِطَرِيقٍ مَحْسُوسٍ، فَإِنَّ الْمَوْلُودَ إذَا كَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ يَدُورُ حَوْلَ أَبَوَيْهِ هَكَذَا وَعَقَدَ عَشْرًا، فَإِنْ كَانَ ابْنَ عِشْرِينَ سَنَةٍ فَهُوَ بَيْنَ الصِّبَا وَالشَّبَابِ هَكَذَا وَعَقَدَ عِشْرِينَ، فَإِنْ كَانَ ابْنَ ثَلَاثِينَ سَنَةٍ يَسْتَوِي هَكَذَا وَعَقَدَ ثَلَاثِينَ، فَإِذَا كَانَ ابْنَ أَرْبَعِينَ تُحْمَلُ عَلَيْهِ الْأَثْقَالُ هَكَذَا وَعَقَدَ أَرْبَعِينَ، فَإِذَا كَانَ ابْنَ خَمْسِينَ يَنْحَنِي مِنْ كُثْرِ الْأَثْقَالِ وَالْأَشْغَالِ هَكَذَا وَعَقَدَ خَمْسِينَ، فَإِذَا كَانَ ابْنَ سِتِّينَ يَنْقَبِضُ لِلشَّيْخُوخَةِ هَكَذَا وَعَقَدَ سِتِّينَ، فَإِذَا كَانَ ابْنَ سَبْعِينَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا هَكَذَا وَعَقَدَ سَبْعِينَ، فَإِذَا كَانَ ابْنَ ثَمَانِينَ يَسْتَلْقِي هَكَذَا وَعَقَدَ ثَمَانِينَ، فَإِذَا كَانَ ابْنَ تِسْعِينَ تَنْضَمُّ أَمْعَاؤُهُ هَكَذَا وَعَقَدَ تِسْعِينَ، فَإِذَا كَانَ ابْنَ مِائَةِ سَنَةٍ يَتَحَوَّلُ مِنْ الدُّنْيَا إلَى الْعُقْبَى كَمَا يَتَحَوَّلُ الْحِسَابُ مِنْ الْيُمْنَى إلَى الْيُسْرَى.
وَهَذَا يُحْمَلُ مِنْ أَبِي يُوسُفَ عَلَى طَرِيقِ الْمُطَايَبَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَعْرِفُ الْحُكْمَ بِمِثْلِ هَذَا، وَهُوَ كَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ بَنَاتِ الْعَشْرِ مِنْ النِّسَاءِ فَقَالَ: لَهْوُ اللَّاهِينَ، فَسُئِلَ عَنْ بَنَاتِ الْعِشْرِينَ فَقَالَ: لَذَّةُ الْمُعَانِقِينَ، فَسُئِلَ عَنْ بَنَاتِ الْخَمْسِينَ فَقَالَ: عَجُوزٌ فِي الْغَابِرِينَ، وَسُئِلَ عَنْ بَنَاتِ السِّتِّينَ فَقَالَ: لَعْنَةُ اللَّاعِنِينَ. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ يُفْتِي فِي الْمَفْقُودِ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ خَطَؤُهُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ عَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ وَسَبْعَ سِنِينَ. فَالْأَلْيَقُ بِطَرِيقِ الْفِقْهِ أَنْ لَا يُقَدَّرَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ نَصْبَ الْمَقَادِيرِ بِالرَّأْيِ لَا يَكُونُ وَلَا نَصَّ فِيهِ، وَلَكِنْ نَقُولُ: إذَا لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أَقْرَانِهِ يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ اعْتِبَارًا لِحَالِهِ بِحَالِ نَظَائِرِهِ.
(وَذُكِرَ) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَ لَقِيتُ: الْمَفْقُودَ نَفْسَهُ فَحَدَّثَنِي حَدِيثَهُ قَالَ: أَكَلْت حَرِيرًا فِي أَهْلِي ثُمَّ خَرَجْتُ فَأَخَذَنِي نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَمَكَثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ فِي عِتْقِي فَأَعْتَقُونِي، ثُمَّ أَتَوْا بِي قَرِيبًا مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالُوا أَتَعْرِفُ النَّخْلَ فَقُلْتُ: نَعَمْ فَخَلُّوا عَنِّي فَجِئْتُ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَدْ أَبَانَ امْرَأَتِي بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ وَحَاضَتْ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَتَزَوَّجَتْ فَخَيَّرَنِي عُمَرُ ﵁ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيَّ وَبَيْنَ الْمَهْرِ. وَأَهْلُ الْحَدِيثِ ﵏ يَرَوْنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ هَمَّ بِتَأْدِيبِهِ حِينَ رَآهُ، وَجَعَلَ يَقُولُ: يَغِيبُ أَحَدُكُمْ عَنْ زَوْجَتِهِ هَذِهِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، وَلَا يَبْعَثُ بِخَبَرِهِ فَقَالَ: لَا تَعْجَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَذَكَرَ لَهُ قِصَّتَهُ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ﵏ فِي أَنَّ الْجِنَّ قَدْ يَتَسَلَّطُونَ عَلَى بَنِي آدَمَ، وَأَهْلُ الزَّيْغِ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْمُسْتَنْكَرُ دُخُولُهُمْ
стр. 2262
فِي الْآدَمِيِّ لِأَنَّ اجْتِمَاعَ الرُّوحَيْنِ فِي شَخْصٍ لَا يَتَحَقَّقُ، وَقَدْ يُتَصَوَّرُ تَسَلُّطُهُمْ عَلَى الْآدَمِيِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلُوا فِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُمْ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَحْمِلُوا جِسْمًا كَثِيفًا مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: نَأْخُذُ بِمَا وَرَدَتْ بِهِ الْآثَارُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ»، وَقَالَ ﷺ : «إنَّهُ يَدْخُلُ فِي رَأْسِ الْإِنْسَانِ فَيَكُونُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِهِ» حَدِيثٌ فِيهِ طُولٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ لَنَا أَيْضًا فَنَتَّبِعُ الْآثَارَ، وَلَا نَشْتَغِلُ بِكَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، وَكَأَنَّ عُمَرَ ﵁ إنَّمَا رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ لَمَّا تَبَيَّنَ مِنْ حَالِ هَذَا الرَّجُلِ، وَأَمَّا تَخْيِيرُهُ إيَّاهُ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ وَبَيْنَ الْمَهْرِ فَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى مَذْهَبِ عُمَرَ ﵁ فِي الْمَرْأَةِ إذَا نُعِيَ إلَيْهَا زَوْجُهَا فَاعْتَدَّتْ، وَتَزَوَّجَتْ ثُمَّ أَتَى الزَّوْجُ الْأَوَّلُ حَيًّا إنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ تُرَدَّ عَلَيْهِ وَبَيْنَ الْمَهْرِ، وَقَدْ صَحَّ رُجُوعُهُ عَنْهُ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ تُرَدُّ إلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْآخَرِ، وَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، وَلَا يَقْرَبُهَا الْأَوَّلُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْ الْآخَرِ وَبِهَذَا كَانَ يَأْخُذُ إبْرَاهِيمُ ﵀ فَيَقُولُ: قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ ﵁، وَبِهِ نَأْخُذُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ، وَهِيَ مَنْكُوحَةٌ وَمَنْكُوحَةُ الْغَيْرِ لَيْسَتْ مِنْ الْمُحَلَّلَاتِ بَلْ هِيَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ فِي حَقِّ سَائِرِ النَّاسِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ تَرْكُهَا مَعَ الثَّانِي، وَإِذَا اخْتَارَ الْأَوَّلُ الْمَهْرَ، وَلَكِنْ يَكُونُ النِّكَاحُ مُنْعَقِدًا بَيْنَهُمَا فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ دَفْعُ الْمَهْرِ إلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ بَدَلُ بُضْعِهَا فَيَكُون مَمْلُوكًا لَهَا دُونَ زَوْجِهَا كَالْمَنْكُوحَةِ إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا زَوْجَةُ الْأَوَّلِ، وَلَكِنْ لَا يَقْرَبُهَا لِكَوْنِهَا مُعْتَدَّةً لِغَيْرِهِ كَالْمَنْكُوحَةِ إذَا وُطِئَتْ بِالشُّبْهَةِ.
وَذُكِرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ﵀ أَنَّ عُمَرَ ﵁ رَجَعَ عَنْ ثَلَاثِ قَضِيَّاتٍ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁، عَنْ امْرَأَةِ أَبِي كَنَفٍ، وَالْمَفْقُودِ زَوْجُهَا، وَالْمَرْأَةِ الَّتِي تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا. أَمَّا حُكْمُ الْمَفْقُودِ وَالْمُعْتَدَّةِ فَقَدْ بَيَّنَّا. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي كَنَفٍ فَهُوَ مَا رَوَاهُ إبْرَاهِيمُ أَنَّ أَبَا كَنَفٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَأَعْلَمَهَا وَرَاجَعَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَلَمْ يُعْلِمْهَا، فَجَاءَ وَقَدْ تَزَوَّجَتْ فَأَتَى عُمَرُ ﵁ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ لَهُ: إنْ وَجَدْتهَا لَمْ يُدْخَلُ بِهَا فَأَنْتَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ دُخِلَ بِهَا فَلَيْسَ لَك عَلَيْهَا سَبِيلٌ، فَقَدِمَ وَقَدْ وَضَعَتْ الْقُصَّةَ عَلَى رَأْسِهَا فَقَالَ لَهُمْ: إنَّ لِي إلَيْهَا حَاجَةً فَخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَبَاتَ عِنْدَهَا، ثُمَّ غَدَا إلَى الْأَمِيرِ بِكِتَابِ عُمَرَ ﵁ فَعَرَفُوا أَنَّهُ جَاءَ بِأَمْرٍ بَيِّنٍ وَهَذَا كَانَ مَذْهَبُ عُمَرَ ﵁ -
стр. 2263
فِي الِابْتِدَاءِ أَنَّهُ إذَا رَاجَعَهَا وَلَمْ يُعْلِمْهَا لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الرَّجْعَةِ فِي حَقِّهَا مَا لَمْ تَعْلَمْ حَتَّى إذَا اعْتَدَّتْ وَتَزَوَّجَتْ وَدَخَلَ بِهَا الثَّانِي لَمْ يَبْقَ لِلْأَوَّلِ عَلَيْهَا سَبِيلٌ لَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهَا، ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ مُرَاجَعَتَهُ إيَّاهَا صَحِيحٌ بِغَيْرِ عِلْمِهَا، وَهِيَ مَنْكُوحَةٌ سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي أَوْ لَمْ يَدْخُلْ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَسْتَبِدُّ بِالرَّجْعَةِ كَمَا يَسْتَبِدُّ بِالطَّلَاقِ فَكَمَا يَصِحُّ إيقَاعُ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِهِ فَكَذَلِكَ رَجْعَتُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ أَحَقَّ إذَا كَانَ يَسْتَبِدُّ بِهِ. وَالرَّجْعَةُ إمْسَاكٌ بِالنَّصِّ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَالْمَالِكُ يَنْفَرِدُ بِإِمْسَاكِ مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى عِلْمِ غَيْرِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا فُقِدَ الرَّجُلُ فَارْتَفَعَ، وَرَثَتُهُ إلَى الْقَاضِي وَأَقَرُّوا أَنَّهُ فُقِدَ، وَسَأَلُوا قِسْمَةَ مَالِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْسِمُ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَوْتِهِ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ حَيٌّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَمَالُ الْحَيِّ لَا يُقْسَمُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، فَمَا لَمْ يَثْبُتْ مَوْتُهُ بِالْبَيِّنَةِ عِنْدَ الْقَاضِي لَا يُشْتَغَلُ بِقِسْمَةِ مَالِهِ (فَإِنْ قِيلَ:) كَيْفَ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ لِلْقَضَاءِ بِهَا عَلَى الْغَائِبِ (قُلْنَا:) بِأَنْ يَجْعَلَ مَنْ فِي يَدِهِ الْمَالُ خَصْمًا عَنْهُ أَوْ يُنَصِّبَ عَنْهُ قَيِّمًا فِي هَذِهِ الْوِلَايَةِ، وَإِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ يُنَصِّبُهُ الْقَاضِي فِيمَا قَضَى بِمَوْتِهِ.
(فَإِنْ قِيلَ:) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَهُ مَيِّتًا حُكْمًا لِانْقِطَاعِ خَبَرِهِ فَيُقْسِمُ مَالَهُ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَوْتِهِ كَالْمُرْتَدِّ اللَّاحِقِ بِدَارِ الْحَرْبِ. (قُلْنَا:) هُنَاكَ ظَهَرَ دَلِيلُ الْحُكْمِ بِمَوْتِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ صَارَ حَرْبِيًّا، وَأَهْلُ الْحَرْبِ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَالْمَيِّتِ، وَلَمْ يَظْهَرْ هُنَا دَلِيلٌ مُوجِبٌ لِمَوْتِهِ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا، وَلِأَنَّ هُنَاكَ لَوْ ظَفِرَ بِهِ الْإِمَامُ مَوَّتَهُ حَقِيقَةً بِأَنْ يَقْتُلَهُ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ بِدُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ مَوَّتَهُ حُكْمًا فَقَسَمَ مَالَهُ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ الْمَعْنَى هُنَا قَالَ: (وَتَفْسِيرُ الْمَفْقُودِ الرَّجُلُ يَخْرُجُ فِي سَفَرٍ وَلَا يُعْرَف مَوْتُهُ وَلَا حَيَاتُهُ وَلَا مَوْضِعُهُ، وَلَا يَأْسِرُهُ الْعَدُوُّ، وَلَا يَسْتَبِينُ مَوْتُهُ وَلَا قَتْلُهُ) فَهَذَا مَفْقُودٌ لَا يَقْضِي الْقَاضِي فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ مَاتَ أَوْ قُتِلَ.
[مَنْ كَانَ مِنْ وَرَثَةِ الْمَفْقُودِ غَنِيًّا]
وَمَنْ كَانَ مِنْ وَرَثَةِ الْمَفْقُودِ غَنِيًّا فَلَا نَفَقَةَ لَهُ فِي مَالِهِ مَا خَلَا الزَّوْجَةَ لِأَنَّ حَيَاتَهُ مَعْلُومٌ، وَلَا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ النَّفَقَةَ فِي مَالِ الْحَيِّ سِوَى الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الزَّوْجَةِ بِالْعَقْدِ، فَلَا يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْعُسْرَةِ أَوْ بِكَوْنِهَا مَحْبُوسَةً بِحَقِّهِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الْمَفْقُودِ، فَأَمَّا اسْتِحْقَاقُ مَنْ سِوَاهَا فَبِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ، وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ بِغِنَى الْمُسْتَحِقِّ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ غَلَّةٌ جَعَلَ الْقَاضِي فِيهَا مَنْ يَحْفَظُهَا؛ لِأَنَّهُ نَاظِرٌ لِكُلِّ مَنْ عَجَزَ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ، وَالْمَفْقُودُ عَاجِزٌ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ فَيُنَصِّبُ الْقَاضِي فِي غَلَّاتِهِ مَنْ يَجْمَعُهَا، وَيَحْفَظُهَا عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ مِنْ مَتَاعِهِ، فَإِنَّ الْقَاضِي يَبِيعُهُ؛ لِأَنَّ حِفْظَ عَيْنِهِ عَلَيْهِ مُتَعَذِّرٌ فَيَصِيرُ إلَى حِفْظِ
стр. 2264
مَالِيَّتِهِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْبَيْعِ وَيُنْفِقُ عَلَى زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ أَوْ الْكِبَارِ مِنْ الْإِنَاثِ أَوْ الزَّمْنَى مِنْ الذُّكُورِ مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَهَذَا إذَا كَانَ السَّبَبُ مَعْلُومًا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا قَضَى بِالنَّفَقَةِ لَهُمْ عَلَيْهِ بِعِلْمِهِ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا يَقْضِي بِذَلِكَ لَهُمْ فِي مَالِهِ أَيْضًا، وَقِيلَ: هَذَا لَا يَكُونُ مِنْهُ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ عَلَى الْحَقِيقَةِ بَلْ يَكُونُ تَمْكِينًا لِلْمُسْتَحِقِّ مِنْ أُخِذَ حَقِّهِ، وَلَوْ تَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُ فَيُعِينُهُمْ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ لِهِنْدَ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁: «خُذِي مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» وَقِيلَ: بَلْ هُوَ قَضَاءٌ مِنْهُ، وَلِلْقَاضِي وِلَايَةُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ بِعِلْمِهِ، كَمَا إذَا أَقَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ غَابَ.
ثُمَّ هَذَا نَظَرٌ مِنْهُ لِلْغَائِبِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ حَقُّهُ فِي زَوْجَتِهِ، وَلَا يَبْقَى بِدُونِ النَّفَقَةِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ حِفْظًا لِمِلْكِهِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ وَلَدُهُ جُزْءٌ مِنْهُ فَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ حِفْظًا لِنَسْلِهِ. وَلِلْقَاضِي وِلَايَةٌ فِي مَالِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْحِفْظِ وَالنَّظَرُ، وَإِنْ اسْتَوْثَقَ مِنْهُمْ بِكَفِيلٍ فَحَسَنٌ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُمْ كَفِيلًا فَهُوَ مُسْتَقِيمٌ أَيْضًا إلَّا أَنَّ الْأَحْوَطَ أَنْ يَأْخُذَ الْكَفِيلَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يُفْقَدَ، أَوْ كَانَ عَجَّلَ لَهَا النَّفَقَةَ لِمُدَّةٍ فَكَانَ تَمَامُ النَّظَرُ فِي الِاسْتِيثَاقِ بِالْكَفِيلِ، وَهَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ كَفَالَةٌ لِلْمَفْقُودِ وَهُوَ مَعْلُومٌ، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَخْذُ الْكَفِيلِ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ يَطْلُبُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ هُنَا خَصْمٌ طَالِبٌ، فَلِهَذَا يَسَعُهُ أَنْ لَا يَأْخُذَ كَفِيلًا، وَلَمْ يُنْفِقْ مِنْ مَالِهِ عَلَى غَيْرِ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ لَهُمْ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي، وَالْقَاضِي لَا يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ، وَلِأَنَّ وِلَايَتَهُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى النَّظَرِ لِلْمَفْقُودِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي حَقِّ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، وَلَا يَبِيعُ شَيْئًا مِمَّا لَا يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ مِنْ مَالِهِ فِي نَفَقَةٍ وَلَا غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْبَيْعِ لِلنَّظَرِ لَهُ، وَحِفْظُ الْعَيْنِ فِيمَا يَتَأَتَّى حِفْظُهُ نَظَرٌ لَهُ، فَلَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى مَنْ سَمَّيْنَاهُمْ مُعِينٌ لَهُمْ عَلَى أَخْذِ حَقِّهِمْ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُمْ حَقُّ الْأَخْذِ إذَا ظَفِرُوا بِجِنْسِ حَقِّهِمْ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوا عُرُوضًا وَلَا غَيْرَهَا فَكَذَلِكَ الْقَاضِي لَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ إلَّا دَارٌ، وَاحْتَاجَ زَوْجَتُهُ وَوَلَدُهُ إلَى النَّفَقَةِ لَمْ يَبِعْ لَهُمْ الدَّارَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ خَادِمٌ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ مِنْ مِلْكِهِ، فَلَا يَكُونُ بَيْعُهُ مَحْضَ الْحِفْظِ عَلَيْهِ، فَلِهَذَا لَا يَبِيعُهُ بِخِلَافِ مَا يُخَافُ فَسَادُهُ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَصِيِّ فِي حَقِّ الْوَارِثِ الْكَبِيرِ الْغَائِبِ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْعُرُوضَ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ ثَابِتَةٌ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حَقِّ الْمُوصِي، وَبَيْعُ الْعُرُوضِ فِيهِ مَعْنَى حَقِّهِ
стр. 2265
وَرُبَّمَا يَكُونُ حِفْظُ الثَّمَنِ لِلِاتِّصَالِ إلَى وَرَثَتِهِ أَيْسَرَ مِنْ حِفْظِ الْعَيْنِ، وَهُنَا لَا وِلَايَةَ لِلْقَاضِي عَلَى الْمَفْقُودِ إلَّا فِي الْحِفْظِ فَقَطْ، وَحِفْظُ عَيْنِ مِلْكِهِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ أَنْفَعُ لَهُ؛ فَلِهَذَا لَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْ الْعُرُوضِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إنْ كَانَ لَهُ أَبٌ مُحْتَاجٌ فَلِابْنِهِ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ مِنْ الْعُرُوضِ وَيُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْعَقَارَ وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ، وَفِي الْقِيَاسِ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْعُرُوضَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ﵏، وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْأَمَالِي وَقَالَ: هُوَ حَسَنٌ.
وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْأَبِ فِي مَالِ وَلَدِهِ الْكَبِيرِ، وَنُفُوذُ الْبَيْعِ يَعْتَمِدُ الْوِلَايَةَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَبِيعُ عَقَارَهُ لِهَذَا، وَلَا يَبِيعُ عُرُوضَهُ إذَا كَانَ حَاضِرًا، وَالْحَاضِرُ وَالْغَائِبُ فِي حُكْمِ الْوِلَايَةِ لِلْأَبِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ لَهُ وِلَايَةُ التَّمَلُّكِ بِالِاسْتِيلَادِ لَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ بَيْنَ حُضُورِ الْوَلَدِ وَغِيبَتِهِ.
وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ وِلَايَةَ الْأَبِ، وَإِنْ زَالَتْ بِالْبُلُوغِ فَقَدْ بَقِيَ أَثَرُهَا حَتَّى يَصِحَّ مِنْهُ اسْتِيلَادُ جَارِيَةِ الِابْنِ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ، وَحَاجَتُهُ إلَى النَّفَقَةِ لِبَقَاءِ نَفْسِهِ حَاجَتُهُ إلَى الِاسْتِيلَادُ لِبَقَاءِ نَسْلِهِ، وَلِهَذَا يَتَمَلَّكُ هُنَاكَ بِضَمَانِ الْقِيمَةِ، وَيُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ ضَمَانٍ، وَإِذَا ثَبَتَ بَقَاءُ أَثَرِ وِلَايَتِهِ كَانَ حَالُهُ كَحَالِ الْوَصِيِّ فِي حَقِّ الْوَارِثِ الْكَبِيرِ الْغَائِبِ، وَهُنَاكَ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ بَيْعِ الْعُرُوضِ دُونَ بَيْعِ الْعَقَارِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْعُرُوضِ مِنْ الْحِفْظِ، وَبَيْعَ الْعَقَارِ لَيْسَ مِنْ الْحِفْظِ، فَإِنَّ الْعَقَارَاتِ مُحَصَّنَةٌ بِنَفْسِهَا؛ وَلِهَذَا لَا يَبِيعُ حَالَ حُضُورِهِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَيْسَ مِنْ الْحِفْظِ، فَإِنَّ الِابْنَ حَافِظٌ لِمَالِهِ كَمَا لَا يَبِيعُ الْوَصِيُّ عُرُوضَ الْوَلَدِ الْكَبِيرِ الْحَاضِرِ، وَلَا يَبْعُدُ زَوَالُ وِلَايَةِ الْأَبِ بِالْبُلُوغِ مَعَ بَقَاءِ أَثَرِهِ، كَمَا لَوْ مَاتَ وَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ زَالَتْ وِلَايَتُهُ بِالْمَوْتِ، وَبَقِيَ أَثَرُهُ بِبَقَاءِ الْوَصِيِّ، فَإِنْ كَانَ لِلْمَفْقُودِ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ أَوْ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ تِبْرًا أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ يُخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ مِنْ غَلَّتِهِ وَمَتَاعِهِ فَإِنَّ الْقَاضِي يَبِيعُ ذَلِكَ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ، وَإِنْ بَاعَتْهُ زَوْجَتُهُ أَوْ الْوَلَدُ فَبَيْعُهُمَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مِنْ الْحِفْظُ، وَلَيْسَ مِنْ اسْتِيفَاءِ النَّفَقَةِ فِي شَيْءٍ، وَإِلَيْهِمَا حَقُّ اسْتِيفَاءِ النَّفَقَةِ دُونَ الْحِفْظِ، وَأَمَّا الْقَاضِي فَلَهُ حَقُّ الْحِفْظِ فِي مَالِ الْمَفْقُودِ، وَبَيْعُ مَا يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ مِنْ الْحِفْظِ، وَبَعْدَ الْبَيْعِ الثَّمَنُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِمْ فَيُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ الْوَدِيعَةُ تَكُونُ لَهُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَإِنَّهُ يُنْفِقُ مِنْهَا عَلَيْهِمْ إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُقِرًّا الْوَدِيعَةِ وَالزَّوْجِيَّةِ أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ مَعْلُومًا لِلْقَاضِي عِنْدَنَا.
وَقَالَ زُفَرُ: ﵀ لَا يُنْفِقُ مِنْهَا عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمُودَعِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْغَيْبِ، وَهُوَ لَيْسَ بِخَصْمٍ عَنْ الْغَائِبِ، وَلَا يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْهُ خَصْمٌ حَاضِرٌ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْمُودَعُ
стр. 2266
مُقِرٌّ بِأَنَّ فِي يَدِهِ مِلْكُ الْغَائِبِ، وَأَنَّ لِلزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ حَقُّ الْإِنْفَاقِ مِنْهُ، وَإِقْرَارُ الْإِنْسَانِ فِيمَا فِي يَدِهِ مُعْتَبَرٌ فَيَنْتَصِبُ هُوَ خَصْمًا بِاعْتِبَارِ يَدِهِ فَيَتَعَدَّى الْقَضَاءُ مِنْهُ إلَى الْمَفْقُودِ.
وَكَذَلِكَ الدَّيْنُ يَكُونُ لِلْمَفْقُودِ عَلَى رَجُلٍ، وَهُوَ مُقِرٌّ بِهِ فَهُوَ الْوَدِيعَةُ سَوَاءٌ، وَالْكَلَامُ فِي الدَّيْنِ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمَدْيُونِ يُلَاقِي مِلْكَ نَفْسِهِ، فَإِنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا لَا بِأَعْيَانِهَا، وَالْجَوَابُ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا اسْتِحْسَانٌ إذَا كَانَ مُقِرًّا بِالنَّسَبِ وَالْمَالِ، فَإِنْ كَانَ جَاحِدًا لِأَحَدِهِمَا لَمْ تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ مِنْ طَالِبِ النَّفَقَةِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ جَاحِدًا لِلْمَالِ فَطَالِبُ النَّفَقَةِ لَا يُثْبِتُ الْمِلْكَ فِي الْمَالِ لِنَفْسِهِ، إنَّمَا يُثْبِتُهُ لِلْمَفْقُودِ، حَتَّى إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَيْسَ بِخَصْمٍ عَنْ الْمَفْقُودِ، وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا لِلزَّوْجِيَّةِ، فَإِنَّمَا يُثْبِتُ النِّكَاحَ عَلَى الْمَفْقُودِ الْمُودَعُ، وَالْمَدْيُونُ لَيْسَ بِخَصْمٍ عَنْهُ فِي إثْبَاتِ النِّكَاحِ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَتْ الزَّوْجِيَّةُ وَالْمَالِيَّةُ مَعْلُومِينَ لِلْقَاضِي فَعِلْمُ الْقَاضِي بِذَلِكَ أَقْوَى مِنْ إقْرَارِ الْمُودَعِ وَالْمَدْيُونِ، وَإِنْ أَعْطَاهُمَا الْمَدْيُونُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي لَمْ يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَعْطَاهُمَا الْمُودَعُ مِنْ الْوَدِيعَةِ. فَهُوَ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ مَالَ الْغَيْرِ إلَى الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا دَفَعَ بِأَمْرِ الْقَاضِي، فَإِنَّ أَمْرَ الْقَاضِي فِي حَقِّ الْمَفْقُودِ مُعْتَبَرٌ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حِفْظِ مِلْكِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى الزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ مِنْ حِفْظ مِلْكِهِ وَحَقِّهِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ أَمْرُ الْقَاضِي فِيهِ كَأَمْرِ الْمَفْقُودِ، وَإِنْ طَلَبَتْ زَوْجَتُهُ وَوَلَدُهُ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يُنَصِّبَ وَكِيلًا يَتَقَاضَى دَيْنَهُ، وَيَجْمَعُ غَلَّاتِهِ، وَيُؤَاجِرُ رَقِيقَهُ فَعَلَى الْقَاضِي ذَلِكَ نَظَرًا مِنْهُ لِلْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ جَمِيعًا، لِلْغَائِبِ بِحِفْظِ مَالِهِ وَجَمْعِهِ، وَلِلْحَاضِرِ بِوُصُولِهِ إلَى حَقِّهِ، وَهِيَ النَّفَقَةُ، وَكَانَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَتَقَاضَى وَيَقْبِضَ وَيُخَاصِمَ مِنْ يَجْحَدُ حَقًّا مِنْ عَقْدٍ يَجْرِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ بِعَقْدِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِقَبْضِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ الْمَفْقُودُ كَانَ حَقُّ الْقَبْضِ فِي هَذَا الْمَالِ لِلْوَكِيلِ الَّذِي بَاشَرَ سَبَبَهُ، فَأَمَّا كُلُّ دَيْنٍ كَانَ الْمَفْقُودُ تَوَلَّاهُ أَوْ نَصِيبٍ مِنْ عَقَارٍ أَوْ عَرْضٍ فِي يَدَيْ رَجُلٍ أَوْ حَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ، فَإِنَّ الْوَكِيلَ لَا يُخَاصِمُ فِيهِ مَنْ جَحَدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَصْمٍ عَنْ الْمَفْقُودِ، إنَّمَا هُوَ حَافِظٌ لِمَالِهِ فَقَطْ، وَحِفْظُهُ يَتَحَقَّقُ فِيمَا وَصَلَتْ يَدُهُ إلَيْهِ، فَأَمَّا الْخُصُومَةُ وَإِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ فِيمَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ قَطُّ لَيْسَ مِنْ الْحِفْظِ، فَيَكُونُ الْوَكِيلُ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي قَدْ وَلَّاهُ ذَلِكَ، وَرَآهُ، وَأَنْفَذَ الْخُصُومَةَ بَيْنَهُمْ فِيهِ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الْقُضَاةُ يَعْنِي بِهَذَا الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ بِالْبَيِّنَةِ، فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ﵏ فَيَنْفُذُ قَضَاءُ الْقَاضِي فِيهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ غَرِيمٌ مِنْ غُرَمَائِهِ، وَقَدْ أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنِهِ فِي وَصِيَّتِهِ عَزَلْتَ حَقَّ الْمَفْقُودِ مِنْ ذَلِكَ وَجَعَلْتَهُ عَلَى يَدَيْ وَكِيلِهِ
стр. 2267
لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْحِفْظِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْصَى بِهِ، وَعَلَيْهِ دُيُونٌ لِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَةِ الْمَفْقُودِ وَوَكِيلِهِ فِي ذَلِكَ خُصُومَةٌ، إلَّا أَنْ يَرَاهُ الْقَاضِي فَيَقْضِيَ بِهِ، فَحِينَئِذٍ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ لِكَوْنِهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ. (فَإِنْ قِيلَ:) الْمُجْتَهِدُ فِيهِ نَفْسُ الْقَضَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ كَمَا لَوْ كَانَ الْقَاضِي مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ.
(قُلْنَا:) لَا كَذَلِكَ بَلْ الْمُجْتَهِدُ فِيهِ سَبَبُ الْقَضَاءِ، وَهُوَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ هَلْ تَكُونُ حُجَّةً مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ حَاضِرٍ أَمْ لَا، فَإِذَا رَآهَا الْقَاضِي حُجَّةً، وَقَضَى بِهَا نَفَذَ قَضَاؤُهُ، كَمَا لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي قَذْفٍ.
وَإِنْ ادَّعَى إنْسَانٌ عَلَى الْمَفْقُودِ حَقًّا مِنْ دَيْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ شَرِكَةٍ فِي عَقَارٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ رَدٍّ بِعَيْبٍ أَوْ مُطَالِبٍ بِاسْتِحْقَاقٍ لَمْ يُلْتَفَت إلَى دَعْوَاهُ، وَلَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْوَكِيلُ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ وَرَثَتِهِ خَصْمًا لَهُ. أَمَّا الْوَكِيلُ فَلِأَنَّهُ نُصِّبَ لِلْحِفْظِ، وَأَمَّا الْوَرَثَةُ فَلِأَنَّهُمْ يَخْلُفُونَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ مَوْتُهُ، فَإِنْ رَأَى الْقَاضِي سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ، وَحَكَمَ بِذَلِكَ نَفَذَ حُكْمُهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ أَمْضَى فَصْلًا مُخْتَلَفًا فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ، وَإِذَا رَجَعَ الْمَفْقُودُ حَيًّا لَمْ يَرْجِعْ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَنْفَقَ الْقَاضِي أَوْ وَكِيلُهُ بِأَمْرِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ مِنْ مَالِهِ وَغَلَّتِهِ وَدَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِي لَمَّا ثَبَتَ لَهُ وِلَايَةُ الْإِنْفَاقِ كَانَ فِعْلُهُ كَفِعْلِ الْمَفْقُودِ بِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ مَا أَنْفَقُوا هُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فِي وَقْتِ حَاجَتِهِمْ إلَى النَّفَقَةِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُمْ إذَا ظَفِرُوا بِجِنْسِ حَقِّهِمْ وَسِعَهُمْ أَخْذُهُ بِالْمَعْرُوفِ، فَلَا يَضْمَنُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي مَالِهِ طَعَامٌ فَأَكَلُوهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِمْ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي مَالِهِ ثِيَابٌ فَلَبِسُوهَا لِلْكِسْوَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِمْ، فَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْعُرُوضِ إنْ بَاعُوا شَيْئًا مِنْهُ كَانُوا ضَامِنِينَ لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَاضِي لَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لِلْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ. فَكَذَلِكَ لَا يَمْلِكُونَ بَيْعَهُ، وَإِنَّمَا لَا يَبِيعُ الْقَاضِي مَا لَا يُخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ فِي النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ فِي بَيْعِ ذَلِكَ فِي النَّفَقَةِ حَجْرًا عَلَى الْغَائِبِ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَى الْحَجْرَ عَلَيْهِ، وَهُمَا وَإِنْ كَانَا يَرَيَانِ الْحَجْرَ عَلَى مَنْ لَزِمَهُ حَقٌّ فَذَلِكَ عِنْدَ ظُهُورِ تَعَنُّتِهِ وَامْتِنَاعِهِ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ يَقُولُ: لَا يَقْضِي الْقَاضِي دَيْنَ الْمَفْقُودِ مِنْ مَالِهِ.
وَكَذَلِكَ مَهْرُ امْرَأَتِهِ، وَالنَّفَقَاتُ الْمُجْتَمِعَةُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُفْقَدَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَرْجِعُ إلَى حِفْظِ مِلْكِهِ بَلْ فِيهِ نَوْعُ حَجْرٍ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَفْقُودِ مَالٌ، وَطَلَبَتْ زَوْجَتُهُ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ لَهَا بِالنَّفَقَةِ عَلَى زَوْجِهَا هَلْ يُجِيبُهَا إلَى ذَلِكَ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ أَوَّلًا: يُجِيبُهَا إلَى ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ﵀ ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْلِ شُرَيْحٍ، وَقَالَ: لَا يُجِيبُهَا إلَى ذَلِكَ. فَالْحُجَّةُ لِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ حَدِيثُ هِنْدَ كَمَا رَوَيْنَا، وَوَجْهُ قَوْلِهِ الْآخَرِ أَنَّ نَفَقَةَ
стр. 2268
الزَّوْجَةِ لَا تَصِيرُ دَيْنًا إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُوَجِّهَ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ فَيُلْزِمُهُ بِقَضَائِهِ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ عَنْهُ، وَهَذَا إذَا كَانَ النِّكَاحُ مَعْلُومًا لَهُ، وَإِنْ أَرَادَتْ إثْبَاتَ النِّكَاحِ بِالْبَيِّنَةِ لَمْ يَسْمَعْ الْقَاضِي بَيِّنَتَهَا عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تَكُونُ حُجَّةً إلَّا عَلَى خَصْمٍ جَاحِدٍ فَمَا لَمْ يَحْضُرْ هُوَ أَوْ خَصْمٌ عَنْهُ لَا يَسْمَعُ الْقَاضِي بَيِّنَتَهَا عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ، وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ، وَيَأْمُرُهَا بِأَنْ تَسْتَدِينَ وَتُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهَا، فَإِذَا حَضَرَ الزَّوْجُ كَلَّفَهَا إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَعَادَتْ قَضَى عَلَى الزَّوْجِ بِمَا أَنْفَقَتْ فِي الْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ، وَإِنْ لَمْ تُعِدْ الْبَيِّنَةَ عَلَى الزَّوْجِ لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَهَذَا مِنْهُ نَوْعُ احْتِيَاطٍ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ جَمِيعًا.
(وَإِذَا) أَجَّرَ الْمَفْقُودُ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يُفْقَدَ لَمْ تُنْتَقَضْ الْإِجَارَةُ بَعْدَ مَا يَصِيرُ مَفْقُودًا؛ لِأَنَّهُ حَيٌّ فِي إبْقَاءِ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، وَلَا يَبْرَأُ الْمُسْتَأْجِرُ بِدَفْعِ الْأُجْرَةِ إلَى زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْقَاضِي بِذَلِكَ كَمَا فِي سَائِرِ الدُّيُونِ.
(وَإِذَا) فُقِدَ الرَّجُلُ بِصِفِّينَ أَوْ بِالْجَمَلِ ثُمَّ اخْتَصَمَ وَرَثَتُهُ فِي مَالِهِ الْيَوْمَ، فَإِنَّ هَذَا قَدْ مَاتَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ، فَإِذَا بَلَغَ الْمَفْقُودُ هَذِهِ الْمُدَّةَ فَهُوَ مَيِّتٌ يُقْسَمُ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ.
(وَالْجَمَلُ) حَرْبٌ كَانَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ بِالْبَصْرَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -. (وَصِفِّينَ) كَانَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ ﵄ وَبَيْنَ أَهْلِ الشَّامِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى وَقْتِ تَصْنِيفِ هَذَا الْكِتَابِ كَانَ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَالرَّجُلُ الَّذِي فُقِدَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ ابْنَ عِشْرِينَ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مُحَارِبًا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَبْقَى فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ ظَاهِرًا. فَإِنْ كَانَ لَهُ ابْنٌ مَاتَ زَمَانَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَتَرَكَ أَخًا لِأُمِّهِ وَلِلْمَفْقُودِ عَصَبَةٌ، فَإِنِّي أَنْظُرُ إلَى سِنِّ الْمَفْقُودِ يَوْمَ مَاتَ الِابْنُ، فَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَعِيشُ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمْ أُوَرِّثْ الِابْنَ مِنْهُ شَيْئًا لِبَقَائِهِ حَيًّا بِطَرِيقِ الظَّاهِرِ وَاسْتِصْحَابِ الْحَالِ، وَلَمْ أُوَرِّثْهُ مِنْ أَبِيهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ شَرْطٌ لِوِرَاثَتِهِ عَنْهُ فَإِنَّ الْوِرَاثَةَ خِلَافَةٌ، وَالْحَيُّ يَخْلُفُ الْمَيِّتَ، فَأَمَّا الْمَيِّتُ فَلَا يَخْلُفُ الْمَيِّتَ، وَمَا كَانَ شَرْطًا فَمَا لَمْ يَثْبُتْ بِدَلِيلٍ مُوجِبٍ لَهُ لَا يُثْبِتُ الْحُكْمَ، وَاسْتِصْحَابُ الْحَالِ دَلِيلٌ يَبْقَى لَا مُوجِبَ، فَلِهَذَا لَا يَرِثُ الْمَفْقُودَ مِنْ أَبِيهِ ثُمَّ يَكُونُ مِيرَاثُ الْمَفْقُودِ لِعَصَبَتِهِ الْحَيِّ بَعْدَ مَا يَمْضِي مِنْ الْمُدَّةِ مَا لَا يَعِيشُ مِثْلُهُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ لَا يَعِيشُ إلَى مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ حِينَ مَاتَ ابْنُهُ جَعَلْتَ الْمِيرَاثَ لِابْنِهِ؛ لِأَنَّ حَيَاتَهُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ مَعْلُومٌ هُنَا بِدَلِيلِ شَرْعِيٍّ، فَإِذَا صَارَ مَالُ الْمَفْقُودِ مِيرَاثًا لَهُ كَانَ ذَلِكَ مَوْرُوثًا عَنْ ابْنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ، لِأَخِيهِ لِأُمِّهِ مِنْهُ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِعَصَبَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مَاتَ بَعْضُ مَنْ يَرِثُهُ الْمَفْقُودُ قَبْلَ هَذَا فَنَصِيبُهُ مِنْ الْمِيرَاثِ يُوقَفُ إلَى أَنْ
стр. 2269
يَتَبَيَّنَ حَالُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْكُومٍ بِمَوْتِهِ، وَلَكِنَّهُ يَشْتَبِهُ الْحَالُ بِمَنْزِلَةِ الْجَنِينِ فِي الْبَطْنِ فَيُوقَفُ نَصِيبُهُ، فَإِنْ ظَهَرَ حَيًّا كَانَ ذَلِكَ مُسْتَحَقًّا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ حَالُهُ فَذَلِكَ مَرْدُودٌ إلَى وَرَثَةِ صَاحِبِ الْمَالِ عَلَى سِهَامِهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْقُوفِ لِلْجَنِينِ إذَا انْفَصَلَ الْجَنِينُ مَيِّتًا، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ شَرْطُ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُ فَيَكُونُ مَوْرُوثًا عَنْ الْمَيِّتِ كَسَائِرِ وَرَثَتِهِ يَوْمَ مَاتَ.
[فُقِدَ الْمُكَاتَبُ وَلَهُ مَالٌ وَوَلَدٌ وُلِدُوا فِي الْمُكَاتَبَةِ]
وَإِذَا فُقِدَ الْمُكَاتَبُ وَلَهُ مَالٌ وَوَلَدٌ وُلِدُوا فِي الْمُكَاتَبَةِ وُقِفَ مَالُهُ حَتَّى يَظْهَرَ حَالُهُ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ مِنْ مَالِهِ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِيُحْكَمَ بِحُرِّيَّتِهِ مُسْتَنِدًا إلَى حَالِ حَيَاتِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ مَوْتُهُ، وَكَذَلِكَ اسْتِسْعَاءُ أَوْلَادِهِ فِي بَدَلِ الْكِتَابَةِ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَسْعَى الْوَلَدُ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ بَعْدَ مَوْتِهِ حَقِيقَةً، فَكَيْفَ يُسْتَسْعَى وَلَدُهُ بَعْدَ مَا يَصِيرُ مَفْقُودًا، وَلَهُ مَالٌ، وَيُنْفِقُ عَلَى وَلَدِهِ الصِّغَارِ وَبَنَاتِهِ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْمُكَاتَبَةِ، وَعَلَى امْرَأَتِهِ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا يَسْتَحِقُّونَ عَلَيْهِ النَّفَقَةَ فِي كَسْبِهِ أَنْ لَوْ كَانَ حَاضِرًا فَكَذَلِكَ يُنْفَقُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ مَا يَصِيرُ مَفْقُودًا كَوَلَدِ الْحُرِّ وَزَوْجَتِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ النَّفَقَةِ لِلزَّوْجَةِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، وَالْحُرُّ وَالْمُكَاتَبُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَأَوْلَادُهُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْمُكَاتَبَةِ هُوَ أَحَقُّ بِكَسْبِهِمْ فَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ مُقَابَلٌ بِالْغُنْمِ، فَإِنْ مَاتَ ابْنٌ لَهُ وُلِدَ فِي مُكَاتَبَتِهِ وَتَرَكَ مَالًا كَانَ مَالُهُ مَوْقُوفًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَفْقُودُ حَيًّا حِينَ اكْتَسَبَ هَذَا الْوَلَدُ فَكَسْبُهُ لِلْمَفْقُودِ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتَا فَكَسْبُهُ لِوَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يُحْكَمُ بِحُرِّيَّتِهِ إذَا أُدِّيَتْ كِتَابَةُ أَبِيهِ مِنْ مَالِهِ مُسْتَنِدًا إلَى حَيَاةِ أَبِيهِ، فَلِجَهَالَةِ الْمُسْتَحِقِّ بَقِيَ مَوْقُوفًا، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ فِي يَدِ أَخِيهِ لَمْ أُخْرِجْهُ مِنْ يَدِهِ، وَلَمْ أَتَعَرَّضْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لِمَنْ هَذَا الْمَالُ، وَمَا لَمْ يَظْهَرْ مُسْتَحِقٌّ لِلْمَالِ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَعَرَّضَ لِذِي الْيَدِ بِإِزَالَةِ يَدِهِ.
وَلَوْ أَقَرَّ وَلَدُ الْمُكَاتَبِ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْمُكَاتَبَةِ وَهُمْ كِبَارٌ أَنَّ أَبُوهُمْ قَدْ مَاتَ وَمَالُهُ فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَقَرَّ الْمَوْلَى بِذَلِكَ فَأَدَّوْا الْكِتَابَةَ وَقَسَمُوا الْمَالَ ثُمَّ اخْتَلَفُوا وَجَحَدَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَارْتَفَعُوا إلَى الْقَاضِي نَفَّذَ الْقَاضِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لِتَقَدُّمِ الْإِقْرَارِ مِنْهُمْ بِذَلِكَ، وَقِسْمَتُهُمْ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمْ، وَلِأَنَّ الَّذِي يَجْحَدُ بَعْدَ ذَلِكَ مُنَاقِضٌ لِكَلَامِهِ، وَالْقَاضِي لَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِ الْمُنَاقِضِ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَقْتَسِمُوا حَتَّى ارْتَفَعُوا إلَيْهِ، وَأَقَرُّوا بِهِ عِنْدَهُ جَازَ إقْرَارُهُمْ عَلَيْهِ، وَقَسَّمَ الْمَالَ بَيْنَهُمْ بَعْدَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمْ فَالثَّابِتُ بِإِقْرَارِهِمْ فِي حَقِّهِمْ كَالثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرُّوا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ بَدَأَتْ بِهِ قَبْلَ الْمُكَاتَبَةِ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ مَوْتُهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الدَّيْنَ أَقْوَى مِنْ الْمُكَاتَبَةِ حَتَّى إذَا عَجَزَ نَفْسُهُ سَقَطَتْ الْمُكَاتَبَةُ عَنْهُ دُونَ الدَّيْنِ، وَعِنْدَ اجْتِمَاعِ الْحُقُوقِ فِي الْمَالِ يُبْدَأُ بِالْأَقْوَى فَالْأَقْوَى عُرِفَ ذَلِكَ بِقَضِيَّةِ الْعُقُولِ
стр. 2270
وَشَوَاهِدِ الْأُصُولِ.
[الْحُرُّ إذَا أَقَرَّ وَرَثَتُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ]
وَكَذَلِكَ الْحُرُّ إذَا أَقَرَّ وَرَثَتُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَإِنَّهُ يَقْضِي دَيْنَهُ، وَيَقْسِمُ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمْ إذَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْإِنْسَانِ فِيمَا فِي يَدِهِ مُعْتَبَرٌ مَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ خَصْمٌ يُنَازِعُهُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ غَيْرِهِمْ فَصَدَّقَهُمْ بِذَلِكَ. وَإِنْ جَحَدَ مَوْتَهُ لَمْ أَنْزِعْهُ مِنْ يَدِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَى مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ اسْتِحْقَاقَ الْيَدِ فِي هَذَا الْمَالِ عَلَى ذِي الْيَدِ، وَقَوْلُهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَيْهِ فِي اسْتِحْقَاقِ يَدِهِ فَمَا لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَوْتِهِ لَا يُخْرِجُ الْقَاضِي الْمَالَ مِنْ يَدِ ذِي الْيَدِ.
وَلَوْ أَنَّ الْمَوْلَى أَعْتَقَ الْمُكَاتَبَ الْمَفْقُودَ ثُمَّ مَاتَ ابْنُ الْمُكَاتَبِ وَهُوَ حُرٌّ، وَلَهُ إخْوَةٌ أَحْرَارٌ لَمْ يَقْضِ لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى يَعْلَمَ مَوْتَ الْمُكَاتَبِ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْمَفْقُودَ إنْ كَانَ حَيًّا فَقَدْ عَتَقَ بِإِعْتَاقِ الْمَوْلَى إيَّاهُ، وَالْمِيرَاثُ لَهُ دُونَ الْإِخْوَةِ فَشَرْطُ تَوْرِيثِ الْإِخْوَةِ عَدَمُ أَبٍ هُوَ وَارِثٌ، وَبِالظَّاهِرِ لَا يَثْبُتُ هَذَا الشَّرْطُ فَلِهَذَا لَا يَقْضِي لَهُمْ بِشَيْءٍ حَتَّى يَعْلَمَ مَوْتَ الْأَبِ قَبْلَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَكَاتِبُ الْمُكَاتَبَ عَبْدًا؛ لِأَنَّ إعْتَاقَ الْمَوْلَى عَبْدَهُ الْمَفْقُودَ كَإِعْتَاقِهِ الْمُكَاتَبَ الْمَفْقُودَ، وَلَا يُنْفِقْ عَلَى وَلَدِهِ الصِّغَارِ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لِمَنْ هَذَا الْمَالُ، فَإِنَّهُ كَمَا لَمْ يَثْبُتْ الِاسْتِحْقَاقُ فِيهِ لِلْإِخْوَةِ لَمْ يَثْبُتْ لِلْأَبِ الْمَفْقُودِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ غَيْرِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ حَيَاتَهُ حَقِيقَةً وَقْتَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ.
وَلَوْ ادَّعَى مَمْلُوكُ الْمَفْقُودِ الْعِتْقَ، وَأَقَامَ بَيِّنَتَهُ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ لِانْعِدَامِ خَصْمٍ حَاضِرٍ.
(قَالَ:) وَلَمْ أَدَعْ أَوْلَادَهُ يَبِيعُونَهُ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهُ فَبَعْدَهَا أَوْلَى، وَمُرَادُهُ بَعْدُ مَا كَانُوا يُقِرُّونَ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ، وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ مَيِّتًا فَالْوَلَدُ خَصْمٌ فِي الْبَيِّنَةِ الَّتِي أَقَامَهَا الْمَمْلُوكُ عَلَى الْعِتْقِ. وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَتْ امْرَأَتُهُ الطَّلَاقَ أَوْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا لَمْ أَقْبَلْ بَيِّنَتَهَا عَلَى ذَلِكَ لِانْعِدَامِ الْخَصْمِ.
[أَوْصَى رَجُلٌ لِلْمَفْقُودِ بِوَصِيَّةٍ]
وَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ لِلْمَفْقُودِ بِوَصِيَّةٍ لَمْ أَقْضِ بِهَا لَهُ، وَلَمْ أُبْطِلْهَا وَلَمْ أُنْفِقْ عَلَى وَلَدِهِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُخْتُ الْمِيرَاثِ، وَشَرْطٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْمُوصَى لَهُ بَقَاؤُهُ حَيًّا بَعْد مَوْتِ الْمُوصِي كَالْمِيرَاثِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يُوقَفُ نَصِيبُهُ مِنْ الْمِيرَاثِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَالُهُ، وَلَا يُنْفَقُ عَلَى وَلَدِهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ.
(رَجُلٌ) مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَتَيْنِ وَابْنَ ابْنٍ وَبِنْتَ ابْنٍ، وَتَرَكَ ابْنًا مَفْقُودًا، وَتَرَكَ مَالًا فِي يَدِ الِابْنَتَيْنِ فَارْتَفَعُوا إلَى الْقَاضِي، وَأَقَرُّوا أَنَّ الِابْنَ مَفْقُودٌ فَالْقَاضِي لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحَوِّلَ الْمَالَ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَلَا يُوقِفُ شَيْئًا مِنْهُ لِلْمَفْقُودِ، وَمُرَادُهُ بِهَذَا اللَّفْظِ أَنَّهُ لَا يُخْرِجُ شَيْئًا مِنْ أَيْدِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْقَاضِي لَا يَتَعَرَّضُ لِإِخْرَاجِ الْمَالِ مِنْ يَدِ ذِي الْيَدِ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْخَصْمِ، وَلَا خَصْمَ هُنَا، فَإِنَّ أَوْلَادَ الْمَفْقُودِ لَا يَدَّعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ شَيْئًا، وَلَا يَكُونُونَ خَصْمًا عَنْ الْمَفْقُودِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى أَنَّ الْمَفْقُودَ حَيٌّ فَيَرِثُ أَوْ مَيِّتٌ فَلَا يَرِثُ
стр. 2271
فَلِهَذَا لَا يَخْرُجُ الْمَالُ مِنْ أَيْدِيهِمَا بِخِلَافِ مَالِ الْمَفْقُودِ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ لَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ أَوْلَادِهِ ثَابِتٌ فِي ذَلِكَ الْمَالِ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ، فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ النَّفَقَةَ فِي مِلْكِهِ، وَاسْتِصْحَابُ الْحَالِ مُعْتَبَرٌ فِي إبْقَاءِ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَتْ الِابْنَتَانِ: قَدْ مَاتَ أَخُونَا، وَقَالَ وَلَدُ الِابْنِ: هُوَ مَفْقُودٌ؛ لِأَنَّ مَنْ فِي يَدِهِ الْمَالُ قَدْ أَقَرَّ لِوَلَدِ الِابْنِ بِبَعْضِ ذَلِكَ الْمَالِ، وَهُمْ قَدْ رَدُّوا إقْرَارَهُمْ بِقَوْلِهِمْ: أَبُونَا مَفْقُودٌ فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ، وَلَوْ كَانَ مَالُ الْمَيِّتِ فِي يَدَيْ وَلَدِ الِابْنِ الْمَفْقُودِ، وَطَلَبَتْ الِابْنَتَانِ مِيرَاثَهُمَا، وَاتَّفَقُوا أَنَّ الِابْنَ مَفْقُودٌ، فَإِنَّهُ يُعْطَى لِلِابْنَتَيْنِ النِّصْفُ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِاسْتِحْقَاقِ النِّصْفِ لَهُمَا، فَإِنَّ الْمَفْقُودَ إنْ كَانَ حَيًّا فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ أَخِيهِمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَلَهُمَا النِّصْفُ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ وَالْبَاقِي لِوَلَدِ الِابْنِ فَيَدْفَعُ إلَيْهِمَا الْأَقَلَّ وَهُوَ النِّصْفُ، وَيَتْرُكُ الْبَاقِي فِي يَدِ وَلَدِ الِابْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ لَهُمَا، وَلَا لِأَبِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَنْ الْمُسْتَحِقُّ لِهَذَا الْبَاقِي، وَلَوْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ أَجْنَبِيٍّ فَقَالَتْ الِابْنَتَانِ: مَاتَ أَخُونَا قَبْلَ أَبِينَا، وَقَالَ وَلَدُ الِابْنِ: هُوَ مَفْقُودٌ فَإِنْ أَقَرَّ الَّذِي فِي - يَدِهِ الْمَالُ بِالْمَالِ لِلْمَيِّتِ، وَبِأَنَّ الِابْنَ مَفْقُودٌ فَإِنَّهُ يُعْطَى لِلِابْنَتَيْنِ النِّصْفُ أَقَلُّ النَّصِيبَيْنِ لَهُمَا، وَالْبَاقِي مَوْقُوفٌ عَلَى يَدِهِ حَتَّى يَظْهَرَ خَصْمُهُ، وَمُسْتَحِقُّهُ بِظُهُورِ حَالِ الْمَفْقُودِ. وَإِنْ قَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ الْمَالُ قَدْ مَاتَ الْمَفْقُودُ قَبْلَ أَبِيهِ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى دَفْع الثُّلُثَيْنِ إلَى الِابْنَتَيْنِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ ذِي الْيَدِ فِيمَا فِي يَدِهِ مُعْتَبَرٌ، وَقَدْ أَقَرَّ بِأَنَّ ثُلُثَيْ مَا فِي يَدِهِ لِلِابْنَتَيْنِ فَيُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ ذَلِكَ إلَيْهِمَا، وَلَا يَمْتَنِعُ صِحَّةُ إقْرَارِهِ يَقُولُ أَوْلَادُ الِابْنِ: أَبُونَا مَفْقُودٌ لِأَنَّهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ بِهَذَا الْقَوْلِ لَا يَدَّعُونَ شَيْئًا، ثُمَّ يُوقَفُ الثُّلُثُ الْبَاقِي عَلَى يَدِ ذِي الْيَدِ حَتَّى يَظْهَرَ خَصْمُهُ وَمُسْتَحِقُّهُ.
وَلَوْ جَحَدَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الْمَالُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ لِلْمَيِّتِ فَأَقَامَتْ الِابْنَتَانِ الْبَيِّنَةَ أَنَّ أَبَاهُمْ مَاتَ وَتَرَكَ هَذَا الْمَالَ مِيرَاثًا لَهُمَا وَلِأَخِيهِمَا الْمَفْقُودِ، فَإِنْ كَانَ حَيًّا فَهُوَ الْوَارِثُ مَعَهُمَا، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَوَلَدُهُ الْوَارِثُ مَعَهُمَا، وَلَا يُعْلَمُ لَهُ غَيْرُ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ إلَى الِابْنَتَيْنِ النِّصْفَ، وَهَذَا لِأَنَّهُمَا بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ يُثْبِتَانِ الْمِلْكَ لِأَبِيهِمَا فِي الْمَالِ، وَالْأَبُ مَيِّتٌ، وَأَحَدُ الْوَرَثَةِ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ لَهُ بِالْبَيِّنَةِ ثُمَّ يَدْفَعُ إلَيْهِمَا الْقَدْرَ الْمُتَيَقَّنَ بِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ لَهُمَا، وَهُوَ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي يَخْرُجُ مِنْ يَدِ ذِي الْيَدِ فَيُوضَعُ فِي يَدِ عَدْلٍ حَتَّى يَظْهَرَ مُسْتَحِقُّهُ؛ لِأَنَّ ذَا الْيَدِ قَدْ جَحَدَهُ وَظَهَرَتْ جِنَايَتُهُ بِجُحُودِهِ، فَلَا يُؤْتَمَنُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْعَدَالَةِ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ لَا تُتَحَرَّزُ زَمَنَ تَنَاوُلِ مَا يُزْعَمُ أَنَّهُ مِلْكٌ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَذُو الْيَدِ كَانَ هُنَاكَ مُقِرًّا بِأَنَّ الْمَالَ لِلْمَيِّتِ، وَقَدْ انْتَفَتْ الْجِنَايَةُ مِنْهُ بِهَذَا الْإِقْرَارِ فَكَانَ تَرْكُ الْبَاقِي فِي يَدِهِ أَوْلَى لِظُهُورِ أَمَانَتِهِ بِالتَّجْرِبَةِ.
فَإِنْ ادَّعَى وَلَدُ الْمَفْقُودِ أَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ شَهَادَةِ الشُّهُودِ لَمْ أَدْفَعْ.
стр. 2272
إلَيْهِمْ شَيْئًا حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَوْتِهِ قَبْلَ أَبِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ اسْتِحْقَاقَ الْيَدِ عَلَى ذِي الْيَدِ، وَمُجَرَّدُ قَوْلِهِمْ لَا يَكْفِي لِذَلِكَ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُمْ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإِنَّ أَبَاهُمْ إنْ مَاتَ قَبْلَ مَوْتِ الْجَدِّ فَهُمْ يَسْتَحِقُّونَ الثُّلُثَ مِيرَاثًا مِنْ الْجَدِّ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ مَوْتِ الْجَدَّ فَهُمْ يَسْتَحِقُّونَ النِّصْفَ مِيرَاثًا مِنْ أَبِيهِمْ، وَلَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ لَهُمْ بِشَيْءٍ قَبْلَ ظُهُورِ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَوْتِهِ قَبْلَ أَبِيهِ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَا يُنْفَقُ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لِمَنْ هَذَا الْمَالُ، وَنَفَقَتُهُمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ فِي مَالِ أَبِيهِمْ، وَالْمِلْكُ لِأَبِيهِمْ فِي هَذَا الْمَالِ لَا يَثْبُتُ مَا لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْجَدِّ. فَإِنْ كَانَ الْمَالُ أَرْضًا فِي أَيْدِي الِابْنَتَيْنِ وَوَلَدِ الِابْنِ فَأَقَرُّوا جَمِيعًا أَنَّ الِابْنَ قَدْ مَاتَ قَبْلَ أَبِيهِ، وَاقْتَسَمُوا الْأَرْضَ بَيْنَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ ادَّعَوْا أَنَّهُ مَفْقُودٌ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُمْضِي الْقِسْمَةَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهَا تَمَّتْ بِتَرَاضِيهِمْ، وَقَوْلُهُمْ فِيمَا فِي أَيْدِيهِمْ مَقْبُولٌ فَكَانَتْ الْقِسْمَةُ مَاضِيَةً، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ إنَّهُ مَفْقُودٌ لِأَنَّهُمْ مُنَاقِضُونَ فِي ذَلِكَ، وَالْقَاضِي لَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِ الْمُنَاقِضِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي وَلَدِ الِابْنِ رَجُلٌ غَائِبٌ لَمْ يَشْهَدْ الْقِسْمَةَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ ثُمَّ قَدِمَ فَقَالَ: وَالِدِي مَفْقُودٌ، وَأَرَادَ نَقْضَ الْقِسْمَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي لِنَفْسِهِ بِمُقَابِلَتِهِ، وَإِنَّمَا يَدَّعِي الْمِلْكَ لِلْمَفْقُودِ، وَهُوَ مُقِرٌّ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَكِيلٍ لَهُ، وَلَا وَارِثَ لِأَنَّهُ حَيٌّ، وَنَقْضُ الْقِسْمَةِ بِقَوْلِ مَنْ لَا يَدَّعِي لِنَفْسِهِ شَيْئًا لَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ بَعْضُ الْأَرْضِ فِي يَدِهِ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ لِنَفْسِهِ حَقًّا، وَهُوَ إبْقَاءُ يَدِهِ فِيمَا فِي يَدِهِ، وَقِسْمَتُهُمْ قَبْلَ حُضُورِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِحْقَاقِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَكَانَ الْغَائِبِ صَغِيرٌ فَأَدْرَكَ، وَإِنْ ادَّعَى أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ قَبْلَ جَدِّهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْقِسْمَةَ فَيَقْسِمُهَا الْقَاضِي بَيْنَهُمْ قِسْمَةً مُسْتَقْبَلَةً بِإِقْرَارِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ بَعْضَ الْمِلْكِ هُنَا، وَيَدَّعِي بُطْلَانَ قِسْمَتِهِمْ؛ لِأَنَّ تَرَاضِيهِمْ عَلَى الْقِسْمَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْجَدِّ لَا يُعْمَلُ بِهِ فِي حَقِّ الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ، وَهُمْ مُصَدِّقُونَ لَهُ فِيمَا يَدَّعِي، فَلِهَذَا يَنْقُضُ الْقِسْمَةَ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْقَاضِي هُوَ الَّذِي قَسَمَهُ بَيْنَ الْحُضُورِ، وَعَزَلَ نَصِيبَ الْغَائِبِ وَالصَّغِيرَةِ، فَإِنَّهُ يُنَفِّذُ قِسْمَتَهُ فِي حَقِّهِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ لِأَنَّ لِلْقَاضِي نَوْعَ وِلَايَةٍ فِي حَقِّ الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ، وَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ تِلْكَ الْوِلَايَةُ فِي حَقِّ الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ، وَلَوْ مَاتَتْ ابْنَةُ هَذَا الِابْنِ الْمَفْقُودِ فَإِنْ كَانَ مِيرَاثُهَا فِي يَدِ أَخِيهَا لَمْ أَتَعَرَّضْ لَهُ، وَلَمْ أَقِفْ مِنْهُ شَيْئًا لِلْمَفْقُودِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى أَحَيٌّ هُوَ فَيَكُونُ وَارِثًا أَوْ مَيِّتٌ فَلَا يَكُونُ وَارِثًا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لِيَدِ ذِي الْيَدِ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْخَصْمِ. وَإِنْ كَانَ مِيرَاثُهَا فِي يَدِ
стр. 2273
أَجْنَبِيٍّ لَمْ أَدْفَعْ إلَى أَخِيهَا مِنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ شَرْطَ تَوْرِيثِ الْأَخِ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ مَيِّتًا فَمَا لَمْ يَصِرْ هَذَا الشَّرْطُ مَعْلُومًا بِالْحُجَّةِ لَا يُدْفَعُ إلَى الْأَخِ مِنْ الْمِيرَاث شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ مِيرَاثُهَا فِي يَدِ أَخِيهَا وَأُخْتِهَا، وَأَرَادُوا الْقِسْمَةَ وَهُمْ مُقِرُّونَ بِأَنَّ الْأَبَ مَفْقُودٌ لَمْ أَقْسِمْ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تُبْنَى عَلَى ثُبُوتِ اسْتِحْقَاقِهِمْ بِالْمِيرَاثِ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ مَا لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَوْتِ الْأَبِ الْمَفْقُودِ قَبْلَ مَوْتِ الِابْنَةِ.
وَلَوْ كَانَ لِلْمَفْقُودِ امْرَأَةٌ فَمَاتَتْ، وَمِيرَاثُهَا فِي يَدِ وَلَدِهَا لَمْ أَقْسِمْ لِلْمَفْقُودِ مِنْ ذَلِكَ نَصِيبًا؛ لِأَنَّ حَيَاتَهُ بَعْدَ مَوْتِهَا غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَلَمْ أَقِفْ لَهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ التَّعَرُّضَ لِيَدِ ذِي الْيَدِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْخَصْمِ، وَإِنْ أَرَادَ وَلَدُهَا قِسْمَةَ مِيرَاثِهَا وَهُوَ فِي أَيْدِيهِمْ لَمْ أَقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَوْتِ الْمَفْقُودِ، ثُمَّ يُعْزَلُ مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ نَصِيبِ الْمَفْقُودِ، فَيُوقَفُ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا، وَيُقْسَمُ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمْ. أَمَّا قَبْلَ أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَوْتِهِ فَالْقَاضِي لَا يَشْتَغِلُ بِالْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا قَضَاءً عَلَى الْمَفْقُودِ، وَهُوَ حَيٌّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَلَا يُوَجِّهُ الْقَاضِي الْقَضَاءَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْخَصْمِ، وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَقَدْ ثَبَتَ لِلْقَاضِي وِلَايَةٌ تُوَجِّهُ الْقَضَاءَ عَلَيْهِ لَمَّا ظَهَرَ مَوْتُهُ فَيَعْزِلُ نَصِيبَهُ مِنْ الْقِسْمَةِ، وَيَجْعَلُهُ مَوْقُوفًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ مُسْتَحِقُّهُ بِظُهُورِ مَوْتِهِ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا، وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ غَيْرِهِمْ قَضَيْتُ لَهُمْ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِاسْتِحْقَاقِهِمْ لِهَذَا الْمِقْدَارِ، فَيُسَلَّمُ إلَيْهِمْ وَيُوقَفُ الرُّبْعُ عَلَى يَدِ ذِي الْيَدِ حَتَّى يَظْهَرَ حَالُ الْمَفْقُودِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فَإِنَّ الْمَالَ هُنَاكَ فِي أَيْدِيهِمْ، فَفِي الْقِسْمَةِ تَمْيِيزُ نَصِيبِ الْمَفْقُودِ عَنْ نَصِيبِهِمْ، وَذَلِكَ قَضَاءٌ عَلَى الْمَفْقُودِ، وَهُنَا الْمَالُ لَيْسَ فِي أَيْدِيهِمْ، فَقَضَاؤُهُ لَهُمْ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ لَا يَمَسُّ الْمَفْقُودَ، وَهُوَ مُتَيَقِّنٌ اسْتِحْقَاقَهُ لَهُمْ.
وَإِذَا فُقِدَ الْمُرْتَدُّ وَلَمْ يُعْلَمْ أَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَمْ لَا، فَإِنَّهُ يُوقَفُ مِيرَاثُهُ كَمَا يُوقَفُ مِيرَاثُ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ اللَّحَاقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، فَكَمَا يُوقَفُ مِيرَاثُ الْمَفْقُودِ الْمُسْلِمِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَوْتُهُ فَكَذَلِكَ يُوقَفُ مِيرَاثُ الْمَفْقُودِ الْمُرْتَدِّ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لُحُوقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ. وَإِنْ مَاتَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِهِ قُسِمَ مِيرَاثُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، وَلَمْ يُحْبَسْ لِلْمَفْقُودِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ مَحْرُومٌ عَنْ الْمِيرَاثِ بِكَوْنِهِ مُرْتَدًّا، فَإِنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ أَحَدًا، وَإِسْلَامُهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ مَوْهُومٌ، وَالْمَوْهُومُ لَا يُقَلِّلُ الْمَعْلُومَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَبَ الْمَفْقُودَ لَوْ كَانَ عَبْدًا لَمْ يُحْبَسْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ مِيرَاثِ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ الَّذِي يَحْرِمُهُ مَعْلُومٌ، وَالْعِتْقُ بَعْدَ ذَلِكَ مَوْهُومٌ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مِيرَاثُهُ فِي يَدِ أَجْنَبِيٍّ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْمُرْتَدَّةُ، فَإِنَّهَا لَا تَرِثُ أَحَدًا، وَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ يُفْقَدُ، وَلَهُ بَنُونَ مُسْلِمُونَ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ لَمْ يُوقَفْ لِلْأَبِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ سَبَبَ حِرْمَانِهِ مَعْلُومٌ، فَإِنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ. وَكَذَلِكَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فُقِدَ وَلَهُ بَنُونَ كُفَّارٌ، فَمَاتَ أَحَدُهُمْ قَسَمْتُ مِيرَاثَهُ بَيْنَ
стр. 2274
إخْوَتِهِ، وَلَمْ أَوْقِفْ عَلَى أَبِيهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ، فَسَبَبُ حِرْمَانِهِ مُتَيَقَّنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْغَصْبِ]
(قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ إمْلَاءً:) (اعْلَمْ) بِأَنَّ الِاغْتِصَابَ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ بِمَا هُوَ عُدْوَانٌ مِنْ الْأَسْبَابِ، وَاللَّفْظُ مُسْتَعْمَلٌ لُغَةً فِي كُلِّ بَابٍ مَالًا كَانَ الْمَأْخُوذُ أَوْ غَيْرَ مَالٍ. يُقَالُ: غُصِبَتْ زَوْجَةُ فُلَانٍ وَوَلَدُهُ، وَلَكِنَّ فِي الشَّرْعِ تَمَامَ حُكْمِ الْغَصْبِ يَخْتَصُّ بِكَوْنِ الْمَأْخُوذِ مَالًا مُتَقَوِّمًا. ثُمَّ هُوَ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ؛ لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ وَظُلْمٌ، وَقَدْ تَأَكَّدَتْ حُرْمَتُهُ فِي الشَّرْعِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] وَقَالَ ﷺ : «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبَةِ نَفْسٍ مِنْهُ» وَقَالَ ﷺ : «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فِسْقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ، وَحُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ نَفْسِهِ» وَقَالَ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ: «أَلَا إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِي هَذَا فِي شَهْرِي هَذَا فِي مَقَامِي هَذَا» (فَثَبَتَ) أَنَّ الْفِعْلَ عُدْوَانٌ مُحَرَّمٌ فِي الْمَالِ كَهُوَ فِي النَّفْسِ؛ وَلِهَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَأْثَمُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ ﷺ : «مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طَوَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» إلَّا إنَّ الْمَأْثَمَ عِنْدَ قَصْدِ الْفَاعِلِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ.
فَأَمَّا إذَا كَانَ مُخْطِئًا بِأَنْ ظَنَّ الْمَأْخُوذَ مَالَهُ أَوْ كَانَ جَاهِلًا بِأَنْ اشْتَرَى عَيْنًا ثُمَّ ظَهَرَ اسْتِحْقَاقُهُ لَمْ يَكُنْ آثِمًا لِقَوْلِهِ ﷺ : «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» وَالْمُرَادُ الْمَأْثَمُ.
فَأَمَّا حُكْمُهُ فِي الدُّنْيَا فَثَابِتٌ سَوَاءٌ كَانَ آثِمًا فِيهِ أَوْ غَيْرَ آثَمْ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ ذَلِكَ لِحَقِّ صَاحِبِهِ وَحَقُّهُ مَرْعِيٌّ، وَإِنَّ الْآخِذَ مَعْذُورٌ شَرْعًا لِجَهْلِهِ وَعَدَمِ قَصْدِهِ، وَالْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ الثَّابِتُ بِالْغَصْبِ وُجُوبُ رَدِّ الْعَيْنِ عَلَى الْمَالِكِ بِقَوْلِهِ ﷺ : «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» وَقَالَ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا، وَلَا جَادًّا، فَإِنْ أَخَذَهُ فَلْيَرُدَّهُ عَلَيْهِ» وَقَالَ ﷺ : «مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» وَمِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهِ أَحَقَّ بِالْعَيْنِ وُجُوبُ الرَّدِّ عَلَى الْآخِذِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ مُفَوِّتٌ عَلَيْهِ يَدَهُ بِالْأَخْذِ، وَالْيَدُ لِصَاحِبِ الْمَالِ فِي مَالِهِ مَقْصُودٌ بِهِ يَتَوَصَّلُ إلَى التَّصَرُّفِ وَالِانْتِفَاعِ وَيُحَصِّلُ ثَمَرَاتِ الْمِلْكِ، فَعَلَى الْمُفَوِّتِ بِطَرِيقِ الْعُدْوَانِ نَسْخُ فِعْلِهِ لِيَنْدَفِعَ بِهِ الضَّرَرُ وَالْخُسْرَانُ عَنْ صَاحِبِهِ. وَأَتَمُّ
стр. 2275
وُجُوهِهِ رَدُّ الْعَيْنِ إلَيْهِ فَفِيهِ إعَادَةُ الْعَيْنِ إلَى يَدِهِ كَمَا كَانَ فَهُوَ الْوَاجِبُ الْأَصْلِيُّ لَا يُصَارُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ بِهَلَاكِهِ فِي يَدِهِ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْمِثْلِ جُبْرَانًا لِمَا فَوَّتَ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ تَفْوِيتَ الْيَدِ الْمَقْصُودَةِ كَتَفْوِيتِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ بِالِاسْتِهْلَاكِ.
(ثُمَّ) الْمِلْكُ نَوْعَانِ كَامِلٌ وَقَاصِرٌ، فَالْكَامِلُ هُوَ الْمِثْلُ صُورَةً وَمَعْنًى. وَالْقَاصِرُ هُوَ الْمِثْلُ مَعْنًى أَيْ فِي صِفَةِ الْمَالِيَّةِ، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ هُوَ الْمِثْلُ التَّامُّ إلَّا إذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمِثْلُ الْقَاصِرُ خَلَفًا عَنْ الْمِثْلِ التَّامِّ فِي كَوْنِهِ وَاجِبًا عَلَيْهِ.
وَبَيَانُ هَذَا أَنَّ الْمَغْصُوبَ إذَا كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَعَلَيْهِ الْمِثْلُ عِنْدَنَا. وَقَالَ نُفَاةُ الْقِيَاسِ: عَلَيْهِ رَدُّ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي الْعَيْنِ وَالْمَالِيَّةِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ إيصَالُ الْعَيْنِ إلَيْهِ فَيَجِبُ إيصَالُ الْمَالِ إلَيْهِ، وَوُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْغَاصِبِ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ، وَمَالِيَّةُ الشَّيْءِ عِبَارَةٌ عَنْ قِيمَتِهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْوَاجِبُ هُوَ الْمِثْلُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَتَسْمِيَةُ الْفِعْلِ الثَّانِي اعْتِدَاءً بِطَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ مَجَازًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وَالْمُجَازَاةُ لَا تَكُونُ سَيِّئَةً، وَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ أَمْثَالٌ مُتَسَاوِيَةٌ قَالَ ﷺ : «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ» وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْجُبْرَانُ، وَذَلِكَ فِي الْمِثْلِ أَتَمُّ؛ لِأَنَّ فِيهِ مُرَاعَاةَ الْجِنْسِ وَالْمَالِيَّةِ، وَفِي الْقِيمَةِ مُرَاعَاةُ الْمَالِيَّةِ فَقَطْ، فَكَانَ إيجَادُ الْمِثْلِ أَعْدَلَ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِالِانْقِطَاعِ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ فَحِينَئِذٍ يُصَارُ إلَى الْمِثْلِ الْقَاصِرِ، وَهُوَ الْقِيمَةُ لِلضَّرُورَةِ، ثُمَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ وَقْتَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ التَّحَوُّلَ إلَيْهِ الْآنَ يَكُونُ، فَإِنَّ الْمِثْلَ وَاجِبٌ فِي الذِّمَّةِ، وَهُوَ مَطْلُوبٌ لَهُ حَتَّى لَوْ صَبَرَ إلَى مَجِيءِ أَوَانِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالْمِثْلِ، فَإِنَّمَا يَتَحَوَّلُ إلَى الْقِيمَةِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْعَجْزِ عَنْ الْمِثْلِ، وَذَلِكَ وَقْتَ الْخُصُومَةِ وَالْقَضَاءِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَغْصُوبُ أَوْ الْمُسْتَهْلَكُ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُنَاكَ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمِثْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُطَالَبٍ بِأَدَاءِ الْمِثْلِ بَلْ هُوَ مُطَالَبٌ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ بِأَصْلِ السَّبَبِ فَيُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ عِنْدَ ذَلِكَ وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ: لَمَّا انْقَطَعَ الْمِثْلُ فَقَدْ الْتَحَقَ بِمَا لَا مِثْلَ لَهُ فِي وُجُوبِ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، وَالْخَلَفُ إنَّمَا يَجِبُ بِالسَّبَبِ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْأَصْلُ وَذَلِكَ الْغَصْبُ، فَيُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْغَصْبِ وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: أَصْلُ الْغَصْبِ أَوْجَبَ الْمِثْلَ خَلَفًا عَنْ رَدِّ الْعَيْنِ، وَصَارَ ذَلِكَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، فَلَا يُوجِبُ الْقِيمَةَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْوَاحِدَ لَا يُوجِبُ ضَمَانَيْنِ، وَلَكِنَّ الْمَصِيرَ إلَى الْقِيمَةِ لِلْعَجْزِ عَنْ أَدَاءِ الْمِثْلِ، وَذَلِكَ بِالِانْقِطَاعِ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ فَيُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ بِآخِرِ يَوْمٍ كَانَ مَوْجُودًا فِيهِ فَانْقَطَعَ.
وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ
стр. 2276
مِنْ الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ كَالْجَوْزِ، وَالْبَيْضِ، وَالْفُلُوسِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْمِثْلِ عِنْدَنَا، وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي جَوَازِ السَّلَمِ فِيهَا عَدَدًا، ثُمَّ زُفَرُ ﵀ يَقُولُ: الْمِثْلُ فِيمَا يُؤَدَّى بِهِ الضَّمَانُ مَنْصُوصٌ عَلَى اعْتِبَارِهِ، وَالْمُمَاثَلَةُ فِي الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ غَيْرُ ثَابِتَةٍ بِالنَّصِّ بَلْ بِالِاجْتِهَادِ؛ وَلِهَذَا لَا يَجْرِي فِيهَا الرِّبَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَمْثَالٍ مُتَسَاوِيَةٍ قَطْعًا، وَمَا كَانَ ثَابِتًا بِالنَّصِّ فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ، فَلَا يُؤَدَّى بِمَا هُوَ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، وَلَكِنْ لَا يُصَارُ إلَى الْقِيمَةِ لِتَعَذُّرِ أَدَاءِ الْمِثْلِ كَمَا فِي الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْمُمَاثَلَةُ فِي آحَادِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ثَابِتَةٌ بِالْعُرْفِ فَهُوَ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ جُبْرَانُ حَقِّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي مُرَاعَاةِ الْجِنْسِ وَالْمَالِيَّةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّ آحَادَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا تَتَفَاوَتُ فِي الْمَالِيَّةِ إنَّمَا تَتَفَاوَتُ أَنْوَاعُهَا كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ. وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْ الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ كَالثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ.
[الْوَاجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ]
وَالْوَاجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدُّ الْعَيْنِ عِنْدَنَا وَقَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: ﵏ الْوَاجِبُ هُوَ الْمِثْلُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «كُنْتُ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ فَأُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ مِنْ عِنْدِ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ فَضَرَبَتْ عَائِشَةُ ﵂ الْقَصْعَةَ بِيَدِهَا فَانْكَسَرَتْ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْ الْأَرْضِ وَيَقُولُ: غَارَتْ أُمُّكُمْ غَارَتْ أُمُّكُمْ، ثُمَّ جَاءَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - بِقَصْعَةٍ مِثْلِ تِلْكَ الْقَصْعَةِ فَرَدَّتْهَا، وَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْغَيْرَةِ» وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ فِي الْمَغْرُورِ: يُفَكُّ الْغُلَامُ بِالْغُلَامِ، الْجَارِيَةُ بِالْجَارِيَةِ وَلَكِنَّا نَحْتَجُّ بِحَدِيثٍ مَعْرُوفٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «قَالَ فِي عَبْدٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ يَعْتِقُهُ أَحَدُهُمَا: فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا ضَمِنَ قِيمَةَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا سَعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَةِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» فَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ.
وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ الرَّدَّ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْمُرُوءَةِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ لَا عَلَى طَرِيقِ الضَّمَانِ، وَقَدْ كَانَتْ الْقَصْعَتَانِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعْنَى قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ يُفَكُّ الْغُلَامُ بِالْغُلَامِ يَعْنِي بِقِيمَةِ الْغُلَامِ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄ أَنَّهُمَا قَضَيَا فِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ أَنَّهُ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ.
ثُمَّ بَدَأَ مُحَمَّدٌ الْكِتَابَ بِحَدِيثِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَ: مَنْ كَسَرَ عَصَى فَهِيَ لَهُ، وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ، وَذَكَرَ بَعْدَهُ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: مَنْ كَسَرَ عَصَى فَهِيَ لَهُ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا، فَأَمَّا أَنْ يَقُولَ: مُرَادُهُ بِالْمِثْلِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمَالِيَّةِ خَاصَّةً وَذَلِكَ فِي الْقِيمَةِ أَوْ يُحْمَلُ
стр. 2277
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَلَى الْعِصِيّ الصَّغِيرَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ لَا تَتَفَاوَتُ آحَادُهَا فِي الْمَالِيَّةِ كَالسِّهَامِ، وَمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي مَحْمُولٌ عَلَى الْعِصِيّ الْكَبِيرَةِ، فَإِنَّهَا كَالْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ؛ لِأَنَّ آحَادَهَا تَتَفَاوَتُ فِي الْمَالِيَّةِ. ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْكَسْرِ مَا يَكُونُ فَاحِشًا حَتَّى لَا يُمْكِنَ التَّقَضِّي بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْكَسْرُ يَسِيرًا فَلَيْسَ عَلَى الْكَاسِرِ إلَّا ضَمَانُ النُّقْصَانِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَوِّتٍ لِلْمَنْفَعَةِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا يُمَكِّنُ نُقْصَانًا فِي مَالِيَّتِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ النُّقْصَانِ، وَفِي الْكَسْرِ الْفَاحِشِ هُوَ مُسْتَهْلِكٌ مِنْ وَجْهٍ لِفَوَاتِ الْمَنْفَعَةِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْ الْعَيْنِ، فَكَانَ لِصَاحِبِهَا حَقُّ تَضْمِينِ الْقِيمَةِ إنْ شَاءَ، وَهَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ عَيْنٍ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ، فَإِنَّ التَّعْيِيبَ هُنَاكَ فَاحِشًا كَانَ أَوْ يَسِيرًا يُثْبِتُ لِصَاحِبِهَا الْخِيَارَ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ الْعَيْنَ وَلَا يَرْجِعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِشَيْءٍ، وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَ الْعَيْنَ إلَيْهِ وَيُضَمِّنَهُ مِثْلَهُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ تَضْمِينَ النُّقْصَانِ مُتَعَذِّرٌ، فَإِنَّهُ يَتَعَدَّى إلَى الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ يُسَلِّمُ لَهُ قَدْرَ مِلْكِهِ وَزِيَادَةً، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ النُّقْصَانَ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ لِلْجَوْدَةِ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ قِيمَةً كَمَا فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ، أَلَا تَرَى أَنَّ لَهَا قِيمَةً إذَا قُوبِلَتْ بِخِلَافِ جِنْسِهَا، وَلَهَا قِيمَةٌ فِي إثْبَاتِ الْخِيَارِ لِصَاحِبِهَا عِنْدَ تَفْوِيتِ الْغَاصِبِ الْجَوْدَةَ، وَمَا لَا يُتَقَوَّمُ شَرْعًا.
فَالْجِنْسُ وَغَيْرُ الْجِنْسِ فِيهِ سَوَاءٌ، كَالْخَمْرِ وَالصَّنْعَةِ مِنْ الْمَلَاهِي وَالْمَعَازِفِ، ثُمَّ وُجُوبُ ضَمَانِ النُّقْصَانِ لَا يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا، فَإِنَّ حُكْمَ الرِّبَا يَجْرِي بِالْمُقَابَلَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمُعَادَلَةِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ هُنَا خُصُوصًا عَلَى أَصْلِهِ، فَإِنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ عِنْدَهُ لَا يُوجِبُ الْمِلْكَ فِي الْمَضْمُونِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَا قِيمَةَ لِلْجَوْدَةِ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ مُنْفَرِدَةً عَنْ الْأَصْلِ قَالَ ﷺ : «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ» يَعْنِي فِي الْمَالِيَّةِ الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْ هَذِهِ الْجَوْدَةِ حَتَّى لَوْ بَاعَ قَفِيزَ حِنْطَةٍ جَيِّدَةٍ بِقَفِيزِ حِنْطَةٍ رَدِيئَةٍ وَدِرْهَمٍ لَا يَجُوزُ، وَمَا يَكُونُ مُتَقَوِّمًا شَرْعًا فَالِاعْتِيَاضُ عَنْهُ جَائِزٌ، وَبِهَذَا فَارَقَ حَالَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ عِنْدَنَا لَيْسَ لِفَوَاتِ الْجَوْدَةِ بَلْ لِلتَّغَيُّرِ الْمُتَمَكِّنِ بِفِعْلِهِ فِي الْعَيْنِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلْجَوْدَةِ مُنْفَرِدَةً عَنْ الْأَصْلِ قُلْنَا: لَوْ ضَمَّنَهُ النُّقْصَانَ كَانَ فِيهِ إقْرَارٌ بِجَوْدَتِهِ عَنْ الْأَصْلِ، فَأَمَّا إذَا سَلَّمَ الْعَيْنَ إلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ إقْرَارٌ بِجَوْدَتِهِ عَنْ الْأَصْلِ، وَهِيَ مُتَقَوِّمَةٌ مَعَ الْأَصْلِ تَبَعًا، فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ الْمِثْلَ، وَقَوْلُ شُرَيْحٍ هُوَ دَلِيلٌ لَهُ عَلَى أَنَّ الْمَغْصُوبَ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ عِنْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا
وَذُكِرَ عَنْ أَبِي الْبُحْتُرِيِّ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ فَقَالَ: إنَّ بَنِي عَمِّكَ عَدَوْا عَلَى إبِلِي فَقَطَعُوا أَلْبَانَهَا، وَأَكَلُوا فِصْلَانَهَا فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذًا نُعْطِيكَ إبِلًا مِثْلَ إبِلِكَ، وَفِصْلَانًا مِثْلَ
стр. 2278
فِصْلَانِكَ، قَالَ: إذًا تَنْقَطِعُ أَلْبَانُهَا، وَيَمُوتُ فِصْلَانُهَا حَتَّى تَبْلُغَ الْوَادِي، فَغَمَزَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁. فَقَالَ: بَيْنِي، وَبَيْنَكَ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: ﵁ نَعَمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁ أَرَى أَنْ يَأْتِيَ هَذَا وَادِيهِ فَيُعْطَى ثَمَّةَ إبِلًا مِثْلَ إبِلِهِ، وَفِصْلَانًا مِثْلَ فِصْلَانِهِ فَرَضِيَ عُثْمَانُ ﵁ بِذَلِكَ وَأَعْطَاهُ
وَبِظَاهِرِ الْحَدِيثِ يَسْتَدِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي أَنَّ الْحَيَوَانَ مَضْمُونٌ بِالْمِثْلِ عِنْدَ الْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ فَقَدْ اتَّفَقَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ وَابْنُ مَسْعُودٍ ﵄ إلَّا أَنَّا نَقُولُ: لَمْ يَكُنْ هَذَا عَلَى طَرِيقِ الْقَضَاءِ بِالضَّمَانِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الصُّلْحِ بِالتَّرَاضِي؛ لِأَنَّ الْمُتْلِفَ لَمْ يَكُنْ عُثْمَانَ ﵁، وَوُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُتْلِفِ، وَالْإِنْسَانُ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِجِنَايَةِ بَنِي عَمِّهِ إلَّا أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ كَانَ يَتَبَرَّعُ بِأَدَاءِ مِثْلِ ذَلِكَ عَنْ بَنِي عَمِّهِ، وَيَقُولُ إنَّ قُوَّتَهُمْ وَنُصْرَتَهُمْ بِي، وَهَذَا لِأَنَّهُ كَانَ بِهِ فَرْطُ الْمَيْلِ إلَى أَقَارِبِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ عُمَرُ ﵁ حِينَ ذَكَرَ عُثْمَانَ ﵁ فِي الشُّورَى فَقَالَ: إنَّهُ كُلِّفَ بِأَقَارِبِهِ وَكَانَ ذَلِكَ ظَاهِرًا مِنْهُ؛ وَلِهَذَا جَاءَ الْأَعْرَابِيُّ يُطَالِبُهُ، وَإِنَّمَا غَمَزَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ بِعَبْدِ اللَّهِ ﵁ لِمَا كَانَ بَيْنَ عُثْمَانَ ﵁ وَبَيْنَهُ مِنْ النُّفْرَةِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ مَعْلُومٌ. ثُمَّ فِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ التَّحْكِيمِ وَأَنَّ الْإِمَامَ إذَا كَانَ يُخَاصِمُهُ غَيْرُهُ فَلَهُ أَنْ يُحَكِّمَ بِرِضَى الْخَصْمِ مَنْ يَنْظُرُ بَيْنَهُمَا كَمَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ ﵁. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَدَّ مِثْلِ الْمَغْصُوبِ أَوْ الْمُسْتَهْلَكِ يَجِبُ فِي مَوْضِعِ الْغَصْبِ وَالِاسْتِهْلَاكِ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ حَكَمَ بِذَلِكَ وَانْقَادَ لَهُ عُثْمَانُ ﵁، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْجُبْرَانُ، وَرَفْعُ الْخُسْرَانِ عَنْ صَاحِبِ الْمَالِ، وَذَلِكَ بِرَدِّ الْعَيْنِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَأَدَاءِ الضَّمَانِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ تَكُونُ عَلَى الْغَاصِبِ.
وَذُكِرَ عَنْ شُرَيْحٍ ﵀ أَنَّ مُسْلِمًا كَسَرَ دِنًّا مِنْ خَمْرٍ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَضَمَّنَهُ شُرَيْحٌ قِيمَةَ الْخَمْرِ، وَبِهِ نَأْخُذُ، فَإِنَّ الْخَمْرَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ عِنْدَنَا فِي حَقِّهِمْ لِتَمَامِ إحْرَازِهَا مِنْهُمْ بِحِمَايَةِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ فِيهَا الْمَالِيَّةَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمَالُ مُتَقَوِّمًا بِالْإِحْرَازِ، وَالْإِمَامُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَكُفَّ عَنْهُمْ الْأَيْدِي الْمُتَعَرِّضَةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لِمَكَانِ عَقْدِ الذِّمَّةِ فَيَتِمُّ إحْرَازُهَا مِنْهُمْ بِذَلِكَ، وَسَنُقَرِّرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.
(ثُمَّ) فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْخَمْرِ لِلذِّمِّيِّ عِنْدَ الْإِتْلَافِ دُونَ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ عَاجِزٌ عَنْ تَمْلِيكِ الْخَمْرِ مِنْ غَيْرِهِ، وَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ رَدِّ الْمِثْلِ يَكُونُ الْوَاجِبُ هُوَ الْقِيمَةُ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَضْمِينَ قِيمَةِ الدَّنِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُشْكِلٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الرَّاوِي مَا هُوَ الْمُشْكِلُ، وَهُوَ تَضْمِينُهُ قِيمَةَ الْخَمْرِ.
(وَإِذَا) غَصَبَ الرَّجُلُ جَارِيَةً تُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَازْدَادَتْ عِنْدَهُ فَالزِّيَادَةُ نَوْعَانِ مُنْفَصِلَةٌ مُتَوَلِّدَةٌ
стр. 2279
مِنْهَا كَالْوَلَدِ وَالْعُقْرِ، وَمُتَّصِلَةٌ كَالسِّمَنِ وَانْجِلَاءِ الْبَيَاضِ عَنْ الْعَيْنِ، وَفِي الْكِتَابِ بَدَأَ بِبَيَانِ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَبْدَأَ بِبَيَانِ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ فَيَقُولُ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ تَحْدُثُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ عِنْدَنَا حَتَّى لَوْ هَلَكَتْ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ لَمْ يَضْمَنْ قِيمَتَهَا عِنْدَنَا.
(وَقَالَ) الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَحْدُثُ مَضْمُونَةً؛ لِأَنَّهَا لَمَّا تَوَلَّدَتْ مِنْ أَصْلٍ مَضْمُونٍ بِيَدٍ مُتَعَدِّيَةٍ فَتَحْدُثُ مَضْمُونَةً كَزَوَائِدِ الصَّيْدِ الْمُخْرَجِ مِنْ الْحَرَمِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُتَوَلِّدَ مِنْ الْأَصْلِ يَكُونُ بِصِفَةِ الْأَصْلِ، وَالْأَصْلُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الزِّيَادَةَ مَمْلُوكَةٌ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ كَالْأَصْلِ. (ثُمَّ) لَهُ فِي بَيَانِ الْمَذْهَبِ طَرِيقَانِ:
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ الزِّيَادَةَ مَغْصُوبَةٌ بِمُبَاشَرَةٍ مِنْ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْغَصْبِ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ لِنَفْسِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَتَمَلَّكُونَ بِهَذِهِ الْيَدِ، وَيُسَمُّونَهُ غَصْبًا، فَالشَّرْعُ أَبْطَلَ حُكْمَ الْمِلْكِ بِهَا فِي كُلِّ مُحْتَرَمٍ، وَأَثْبَتَ الضَّمَانَ، وَبَقِيَ حُكْمُ الْمِلْكِ بِهَا فِي كُلِّ مُبَاحٍ كَالصَّيْدِ، ثُمَّ إنَّمَا يُمْلَكُ الصَّيْدُ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ يَجِبُ الضَّمَانُ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُثْبِتٌ يَدَهُ عَلَى الْوَلَدِ حَتَّى لَوْ نَازَعَهُ فِيهِ إنْسَانٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.
(وَالثَّانِي) هُوَ أَنَّهُ غَاصِبٌ لِلْوَلَدِ تَسْبِيبًا، فَإِنَّ غَصْبَ الْأُمِّ وَإِمْسَاكَهَا إلَى وَقْتِ الْوِلَادَةِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْوَلَدِ فِي يَدِهِ وَهُوَ مُعْتَادٌ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ السَّوَائِمِ يُمْسِكُونَ الْأُمَّهَاتِ لِتَحْصِيلِ الْأَوْلَادِ، وَهَذَا تَسْبِيبٌ هُوَ فِيهِ مُتَعَدٍّ فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمُبَاشَرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ تَارَةً وَبِالْغَصْبِ أُخْرَى، وَفِي الْإِتْلَافِ الْمُسَبِّبُ إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا يُجْعَلُ كَالْمُبَاشِرِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ كَحَفْرِ الْبِئْرِ وَوَضْعِ الْحَجَرِ فِي الطَّرِيقِ فَكَذَلِكَ فِي الْغَصْبِ. وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ وُجُوبَ ضَمَانِ الْغَصْبِ لَا يَكُونُ إلَّا بِاعْتِبَارِ تَحَقُّقِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ؛ وَلِهَذَا يُضَافُ إلَيْهِ الْحُكْمُ، وَلَا يَثْبُتُ بِدُونِ السَّبَبِ، وَلَمْ يُوجَدْ الْغَصْبُ فِي الزِّيَادَةِ تَسْبِيبًا وَلَا مُبَاشَرَةً؛ لِأَنَّ حَدَّ الْغَصْبِ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ لِنَفْسِهِ عَلَى وَجْهٍ تَكُونُ يَدُهُ مُفَوِّتًا لِيَدِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ وَاجِبٌ بِطَرِيقِ الْجُبْرَانِ، فَلَا يَجِبُ إلَّا بِتَفْوِيتِ شَيْءٍ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي الْغَصْبِ تَفْوِيتُ الْعَيْنِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ بِاعْتِبَارِ تَفْوِيتِ الْيَدِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ التَّفْوِيتَ بِإِزَالَةِ يَدِهِ عَمَّا كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ بِإِزَالَةِ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَخْذِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ، وَمَا كَانَ الْوَلَدُ فِي يَدِ الْمَالِكِ قَطُّ، وَلَا زَالَ تَمَكُّنُهُ مِنْ أَخْذِهِ لِحُصُولِهِ فِي دَارِ الْغَاصِبِ مَا لَمْ يَمْنَعْهُ الْغَاصِبُ مِنْهُ، فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ لِانْعِدَامِ سَبَبِ الضَّمَانِ حَتَّى يُطَالِبَهُ بِالرَّدِّ، فَإِذَا مَنَعَهُ يَتَحَقَّقُ التَّفْوِيتُ بِقَصْرِ يَدِهِ عَنْهُ بِالْمَنْعِ، فَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ كَالثَّوْبِ إذَا هَبَّتْ
стр. 2280
بِهِ الرِّيحُ وَأَلْقَتْهُ فِي حِجْرِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الِاسْتِيلَاءِ الْمُوجِبِ لِلْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ حُكْمٌ مَقْصُودٌ عَلَى الْمَحِلِّ فَيَتِمُّ سَبَبُهُ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَى الْمَحِلِّ، وَالضَّمَانُ جُبْرَانٌ لِحَقِّ الْمَالِكِ، فَلَا يَتِمُّ سَبَبُهُ إلَّا بِتَفْوِيتِ شَيْءٍ عَلَيْهِ، وَبِخِلَافِ ضَمَانِ صَيْدِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ضَمَانٌ إتْلَافُ مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ فِيهِ، فَإِنَّهُ بِالْحَرَمِ أَمَّنَ الصَّيْدَ، وَمَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ فِي تَنْفِيرِهِ وَاسْتِيحَاشِهِ وَبُعْدِهِ عَنْ الْأَيْدِي، فَإِثْبَاتُ الْيَدِ عَلَيْهِ يَكُونُ إتْلَافًا لِمَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ فِيهِ حُكْمًا، وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فِي الْوَلَدِ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا الْأَمْوَالُ فَمَحْفُوظَةٌ بِالْأَيْدِي، فَلَا يَكُونُ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى الْمَالِ إتْلَافًا لِشَيْءٍ عَلَى الْمَالِكِ.
يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّ الْحَقَّ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ لِلشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ يُطَالِبُهُ بِرَدِّ الْأَصْلِ مَعَ وَلَدِهِ إلَى مَأْمَنِهِ، فَإِنَّمَا وُجِدَ الْمَنْعُ مِنْهُ بَعْدَ الطَّلَبِ، وَذَلِكَ سَبَبُ الضَّمَانِ. وَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ يَقُولُ: إذَا هَلَكَ الْوَلَدُ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الرَّدِّ إلَى الْحَرَمِ لَا يَضْمَنُ، وَعَلَى الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ هُوَ ضَامِنٌ، وَلَا وَجْهَ لِإِثْبَاتِ حُكْمِ الضَّمَانِ فِي الزِّيَادَةِ بِتَوَلُّدِهَا مِنْ الْأَصْلِ الْمَضْمُونِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ لَيْسَ فِي الْعَيْنِ بَلْ هُوَ فِي ذِمَّةِ الْغَاصِبِ، وَإِنَّمَا تُوصَفُ الْعَيْنُ بِهِ مَجَازًا. كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ مَغْصُوبٌ عَلَيْهِ، وَالْغَصْبُ صِفَةٌ لِلْغَاصِبِ بِخِلَافِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ لِلْمَحِلِّ، فَإِنَّهُ يُوصَفُ بِأَنَّهُ مَمْلُوكُهُ حَقِيقَةً فَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى الْوَلَدِ، وَإِنْ بَاعَ الْغَاصِبُ الْوَلَدَ وَسَلَّمَهُ أَوْ أَتْلَفَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ لِوُجُودِ التَّعَدِّي مِنْهُ عَلَى الْأَمَانَةِ كَمَا لَوْ بَاعَ الْمُودِعُ الْوَدِيعَةَ.
(فَإِنْ قِيلَ:) فَلَيْسَ فِي الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ تَفْوِيتُ يَدِ الْمَالِكِ فِي الْوَلَدِ. (قُلْنَا:) بَلْ فِيهِ تَفْوِيتُ يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَخْذِهِ مِنْ الْغَاصِبِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِبَيْعِهِ وَتَسْلِيمِهِ، فَلِوُجُودِ التَّفْوِيتِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ ضَامِنًا، فَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ فَهِيَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْغَاصِبِ عِنْدَنَا حَتَّى لَوْ هَلَكَتْ الْجَارِيَةُ بَعْدَ الزِّيَادَةِ ضَمِنَ قِيمَتَهَا وَقْتَ الْغَصْبِ، وَلَا يَضْمَنُ الزِّيَادَةَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَضْمُونَةٌ كَالزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ عِنْدَهُ، وَيَزْعُمُ أَنَّ كَلَامَهُ هُنَا أَظْهَرُ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ تَصِيرُ مَغْصُوبَةً بِالْوُقُوعِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَنْفَصِلُ عَنْ الْأَصْلِ فَمِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِ يَدِهِ عَلَى الْأَصْلِ يَدَ غَصْبٍ أَنْ تَكُونَ عَلَى الزِّيَادَةِ يَدَ غَصْبٍ أَيْضًا، وَلَكِنَّا نَقُولُ: سَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي الْأَصْلِ لَيْسَ هُوَ يَدُ الْغَصْبِ بَلْ الْيَدُ الْغَاصِبَةِ؛ لِأَنَّ لِيَدِ الْغَصْبِ حُكْمَ الْغَصْبِ، وَإِنَّمَا يُحَالُ بِالضَّمَانِ عَلَى أَصْلِ السَّبَبِ لَا عَلَى حُكْمِهِ فَأَصْلُ السَّبَبِ الْيَدُ الْغَاصِبَةُ الْمُفَوِّتَةُ لِيَدِ الْمَالِكِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي الزِّيَادَةِ، وَإِنْ مَنَعَهَا بَعْدَ الطَّلَبِ فَفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ الزِّيَادَةُ تَصِيرُ مَضْمُونَةً بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّ قَصْرَ يَدِ الْمَالِكِ عَنْهَا يَثْبُتُ بِالْمَنْعِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَا تَصِيرُ مَضْمُونَةً؛ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالرَّدِّ فِي حَقِّ الزِّيَادَةِ لَا تَتَحَقَّقُ مُنْفَرِدَةً عَنْ الْأَصْلِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ
следующие страницы →