← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 5423

المبسوط للسرخسي

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (6 278 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَنْفَقَهَا فِي حَيَاةِ الْمَيِّتِ. وَالثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ؛ فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - " وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ " هُوَ عَلَيْهِ خَاصَّةً. وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ إذَا وَجَبَ عَلَى أَحَدِهِمَا ضَمَانٌ بِغَصْبٍ أَوْ اسْتِهْلَاكِ مَالٍ: " فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ " هَذَا نَظِيرُ أَرْشِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِسَبَبٍ لَيْسَ بِتِجَارَةٍ، وَلِأَنَّهُ بَدَلُ الْمُسْتَهْلَكِ، وَالْمُسْتَهْلَكُ لَا يَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ. وَهُمَا قَالَا: ضَمَانُ الْغَصْبِ الِاسْتِهْلَاكُ ضَمَانُ تِجَارَةٍ بِدَلِيلِ صِحَّةِ إقْرَارِ الْمَأْذُونِ بِهِ وَكَوْنِهِ مُؤَاخَذًا بِهِ فِي الْحَالِ؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ بَدَلُ مَالٍ مُحْتَمِلٍ لِلشَّرِكَةِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بِأَصْلِ السَّبَبِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ الْمَحَلُّ قَابِلٌ لِلْمِلْكِ، وَلِهَذَا مِلْكُ الْمَغْصُوبِ وَالْمُسْتَهْلَكِ بِالضَّمَانِ. قَالَ: (وَإِذَا أَوْدَعَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ مِنْ مَالِهِمَا وَدِيعَةً عِنْدَ رَجُلٍ فَادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ أَنَّهُ قَدْ رَدَّهَا إلَيْهِ أَوْ إلَى صَاحِبِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ)؛ لِأَنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَى الرَّدِّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمِينٌ فِيهِ فَإِنَّهُ كَمَا يَقُومُ أَحَدُهُمَا مَقَامَ صَاحِبِهِ فِي الْإِيدَاعِ، فَكَذَلِكَ فِي الِاسْتِرْدَادِ. فَلِهَذَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُودَعِ مَعَ يَمِينِهِ فَإِنْ جَحَدَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِقَوْلِهِ لِشَرِيكِهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُودَعِ مَقْبُولٌ فِي بَرَاءَةِ نَفْسِهِ عَنْ الضَّمَانِ لَا فِي وُصُولِ الْمَالِ إلَى مَنْ أَخْبَرَ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُودِعَ لَوْ كَانَ وَصِيًّا فَادَّعَى الْمُودَعُ الرَّدَّ عَلَيْهِ لَا يَعْزِمُ الْوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ شَيْئًا. وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَقْضِيَ الْوَدِيعَةِ دَيْنَهُ، فَقَالَ: قَدْ فَعَلْت، وَقَالَ صَاحِبُ الدَّيْنِ: مَا قَضَيْت شَيْئًا؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُودَعِ فِي بَرَاءَتِهِ، وَدَيْنُ الطَّالِبِ عَلَى الْمُودِعِ بِحَالِهِ. وَلَكِنْ يَحْلِفُ الشَّرِيكُ الَّذِي ادَّعَى الْمُودَعُ الرَّدَّ إلَيْهِ بِاَللَّهِ مَا قَبَضْته؛ لِأَنَّ شَرِيكَهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ ضَمَانَ نَصِيبِهِ بِجُحُودِهِ الْقَبْضَ، وَلَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ لَزِمَهُ، فَإِذَا أَنْكَرَ حَلِفَهُ عَلَيْهِ. (وَكَذَلِكَ) لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ ادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ أَنَّهُ كَانَ دَفَعَهُ إلَى الْمَيِّتِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ أَمِينًا بَعْدَ مَوْتِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الرَّدِّ مَقْبُولٌ فِي حَقِّ وَرَثَةِ الْمُودِعِ، فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ شَرِيكِهِ. ثُمَّ يُسْتَحْلَفُ الْوَرَثَةُ عَلَى الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الْمُوَرِّثَ لَوْ كَانَ حَيًّا، وَأَنْكَرَ الْقَبْضَ اُسْتُحْلِفَ لِشَرِيكِهِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ. إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ حَيًّا فَإِنَّمَا يُسْتَحْلَفُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، وَالْوَرَثَةُ يُسْتَحْلَفُونَ عَلَى فِعْلِ الْمُوَرِّثِ بِالْقَبْضِ. فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الِاسْتِحْلَافَ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ يَكُونُ عَلَى الْعِلْمِ، فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ فَكَذَّبُوهُ، وَحَلَفُوا أَنَّهُمْ مَا قَبَضُوهُ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِنِصْفِ حِصَّةِ الْحَيِّ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي نَصِيبِ الْمَيِّتِ كَانَ لَهُ حَقُّ الدَّفْعِ إلَى وَرَثَتِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ فِي ذَلِكَ. فَأَمَّا نَصِيبُ الْحَيِّ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُمْ خُلَفَاءُ الْمَيِّتِ فِي حَقِّهِ خَاصَّةً، وَلِأَنَّ الْمُفَاوَضَةَ قَدْ انْقَضَتْ بِالْمَوْتِ، فَهُوَ فِي نَصِيبِ الْحَيِّ مُقِرٌّ بِوُجُوبِ الضَّمَانِ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ يَدْفَعُهُ إلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ، ثُمَّ يَكُونُ ذَلِكَ النِّصْفُ بَيْنَ الْحَيِّ وَوَرَثَةِ الْمَيِّتِ نِصْفَيْنِ؛

стр. 2417

لِأَنَّ الْمُودَعَ لَمْ يُصَدَّقْ فِي وُصُولِ شَيْءٍ مِنْ الْمَالِ إلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ، وَإِنَّمَا يُصَدَّقُ فِي بَرَاءَتِهِ عَنْ الضَّمَانِ، فَيُجْعَلُ ذَلِكَ النِّصْفُ كَالنَّاوِي، وَالْمَالُ الْمُشْتَرَكُ مَا يُنْوَى مِنْهُ يُنْوَى عَلَى الشَّرِكَةِ، وَمَا يَبْقَى يَبْقَى عَلَى الشَّرِكَةِ. (وَلَوْ قَالَ: دَفَعْت الْمَالَ إلَى الَّذِي أَوْدَعَنِي بَعْدَ مَوْتِ الَّذِي يُودِعُنِي، وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ؛ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الضَّمَانِ)؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي أَدَاءَ الْأَمَانَةِ فِي الْكُلِّ، فَإِنَّ لِلْمُودَعِ حَقَّ الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَبَضَ مِنْهُ - مَالِكًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَالِكٍ - فَرَدُّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ انْتِقَاضِ الْمُفَاوَضَةِ بَيْنَهُمَا كَرَدِّهِ فِي حَالِ قِيَامِ الْمُفَاوَضَةِ. وَلَا يَصْدُقُ عَلَى إلْزَامِ الْحَيِّ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ (مَا قَبَضَهُ). فَإِنْ كَانَ الْمُودِعُ مَيِّتًا، فَقَالَ الْمُسْتَوْدَعُ: قَدْ دَفَعْت الْمَالَ إلَيْكُمَا جَمِيعًا، إلَى الْحَيِّ نِصْفَهُ وَإِلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ نِصْفَهُ، وَجَحَدُوا ذَلِكَ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ مَعَ يَمِينِهِ. وَهُوَ بَرِيءٌ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ بِإِيصَالِ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَيْهِ. فَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِقَبْضِ النِّصْفِ شَرَكَهُ الْفَرِيقُ الْآخَرُ فِيهِ؛ لِأَنَّ بِإِقْرَارِهِ يَثْبُتُ وُصُولُ النِّصْفِ إلَيْهِ، وَبِدَعْوَى الْمُودِعِ لَمْ يَثْبُتْ وُصُولُ النِّصْفِ الْآخَرِ إلَى صَاحِبِهِ فِيمَا يَثْبُتُ الْقَبْضُ فِيهِ يَكُونُ مُشْتَرَكًا، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ يَكُونُ نَاوِيًا. قَالَ: (وَإِنْ كَانَا حَيَّيْنِ وَقَالَ الْمُسْتَوْدَعُ: قَدْ دَفَعْت الْمَالَ إلَيْهِمَا فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِذَلِكَ وَجَحَدَهُ الْآخَرُ: فَالْمُسْتَوْدَعُ بَرِيءٌ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّ تَصْدِيقَ أَحَدِهِمَا إيَّاهُ فِي حَالِ قِيَامِ الْمُفَاوَضَةِ كَتَصْدِيقِهِمَا، وَلَوْ صَدَّقَاهُ لَمْ يَكُنْ يَمِينٌ. وَإِنْ افْتَرَقَا، ثُمَّ قَالَ الْمُسْتَوْدَعُ: دَفَعْته إلَى الَّذِي أَوْدَعَنِي فَهُوَ بَرِيءٌ؛ لِأَنَّ حَقَّ الرَّدِّ عَلَى الْمُودَعِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْوُصُولَ إلَى يَدِهِ كَانَ مِنْ جِهَتِهِ لَا بِقِيَامِ الْمُفَاوَضَةِ بَيْنَهُمَا. وَإِنْ قَالَ: دَفَعْته إلَى الْآخَرِ وَكَذَّبَهُ ذَلِكَ ضَمِنَ نَصِفَ ذَلِكَ الْمَالِ لِلَّذِي أَوْدَعَهُ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الْفُرْقَةِ لَيْسَ لَهُ حَقُّ دَفْعِ نَصِيبِ الْمُودِعِ إلَى شَرِيكِهِ، وَلَهُ حَقُّ دَفْعِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ إلَيْهِ، فَكَانَ هُوَ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ مُخْبِرًا بِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَفِي نَصِيبِ الْمُودِعِ مُقِرًّا بِالضَّمَانِ عَلَى نَفْسِهِ يَدْفَعُهُ إلَى غَيْرِهِ. ثُمَّ مَا يَقْبِضُهُ الْمُودِعُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُودِعَ غَيْرُ مُصَدِّقٍ فِي وُصُولِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ إلَيْهِ لَمَّا كَذَبَهُ، فَجُعِلَ ذَلِكَ كَالنَّاوِي، فَكَانَ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. وَإِنْ صَدَّقَهُ الشَّرِيكُ بِذَلِكَ فَالْمُودِعُ بِالْخِيَارِ: إنْ شَاءَ ضَمَّنَ شَرِيكَهُ نَصِيبَهُ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ، وَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُودَعَ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ نَصِيبَهُ إلَى شَرِيكٍ بَعْدَ انْتِقَاضِ الْمُفَاوَضَةِ بَيْنَهُمَا، وَالدَّافِعُ بِغَيْرِ حَقٍّ ضَامِنٌ كَالْقَابِضِ. قَالَ: (وَعَارِيَّةُ الْمُفَاوِضِ وَأَكْلُ طَعَامِهِ وَقَبُولُ هَدِيَّتِهِ فِي الْمَطْعُومِ، وَإِجَابَةُ دَعْوَتِهِ بِغَيْرِ أَمْرِ شَرِيكِهِ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ) وَلَا ضَمَانَ عَلَى الدَّاعِي وَلَا عَلَى الْآكِلِ - اسْتِحْسَانًا - وَفِي الْقِيَاسِ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ بِخِلَافِ مَا أَمَرَهُ بِهِ فَإِنَّهُ أَمَرَهُ بِالتِّجَارَةِ، وَالْعَارِيَّةُ وَالْإِهْدَاءُ وَاِتِّخَاذُ الدَّعْوَةِ لَيْسَ بِتِجَارَةٍ،

стр. 2418

وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: هَذَا مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَجِدُ التَّاجِرُ مِنْهُ بُدًّا. أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ يَدْعُو الْمُجَاهِدِينَ إلَى طَعَامِهِ، وَيُهْدِي إلَيْهِمْ الْمَطْعُومَ لِيَجْتَمِعُوا عِنْدَهُ، وَالْمَأْذُونُ غَيْرُ مَالِكٍ لِشَيْءٍ مِنْ الْمَالِ إنَّمَا هُوَ تَاجِرٌ، وَالْمُفَاوَضُ تَاجِرٌ مَالِكٌ لِنِصْفِ الْمَالِ، فَلَأَنْ يَمْلِكَ ذَلِكَ كَانَ أَوْلَى. وَذَكَرَ حَدِيثَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁ قَالَ: «أَهْدَيْت لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عَبْدٌ قَبْلَ أَنْ أُكَاتَبَ فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنِّي». وَحَدِيثُ الْأَخْرَسِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَجَابَ دَعْوَةَ عَبْدٍ». وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدٍ ﵁ قَالَ: عَرَّسْت وَأَنَا عَبْدٌ فَدَعَوْت رَهْطًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِيهِمْ أَبُو ذَرٍّ ﵁ وَعَنْهُمْ - فَأَجَابُونِي. قَالَ: (وَلَوْ كَسَا الْمُفَاوَضُ رَجُلًا ثَوْبًا، أَوْ وَهَبَ لَهُ دَابَّةً، أَوْ وَهَبَ لَهُ الْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ وَالْأَمْتِعَةَ، وَالْحُبُوبَ كُلَّهَا لَمْ يَجُزْ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ)؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، وَإِنَّمَا اُسْتُحْسِنَ ذَلِكَ فِي الْفَاكِهَةِ وَاللَّحْمِ وَالْخُبْزِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، مِمَّا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ إهْدَاءُ ذَلِكَ إلَى الْمُجَاهِدِينَ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ فَأَمَّا فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ الْهِبَةُ لَيْسَ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ. وَالْمَرْجِعُ فِي مَعْرِفَةِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا إلَى الْعُرْفِ. قَالَ: (وَلَوْ أَعَارَ أَحَدُهُمَا دَابَّةً فَرَكِبَهَا الْمُسْتَعِيرُ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي رَكِبَهَا إلَيْهِ، وَقَدْ عَطِبَتْ الدَّابَّةُ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ فِي الْإِعَارَةِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَبَرِيءَ الْمُسْتَعِيرُ مِنْ ضَمَانِهَا) لِأَنَّ إقْرَارَ أَحَدِهِمَا فِيمَا هُوَ مَمْلُوكٌ لَهُمَا بِحُكْمِ الْمُفَاوَضَةِ كَإِقْرَارِهِمَا. قَالَ: (وَلَوْ اسْتَعَارَ أَحَدُهُمَا دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا إلَى مَكَان مَعْلُومٍ، فَرَكِبَهَا شَرِيكُهُ فَعَطِبَتْ، فَهُمَا ضَامِنَانِ)؛ لِأَنَّ رُكُوبَ الدَّابَّةِ يَتَفَاوَتُ فِيهِ النَّاسُ، وَصَاحِبُهَا إنَّمَا رَضِيَ بِرُكُوبِ الْمُسْتَعِيرِ دُونَ غَيْرِهِ، فَالْآخَرُ فِي رُكُوبِهَا غَاصِبٌ ضَامِنٌ إذَا هَلَكَتْ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا يَجِبُ مِنْ الضَّمَانِ عَلَى أَحَدِهِمَا بِحُكْمِ الْغَصْبِ فَالْآخَرُ مُطَالَبٌ بِهِ؛ فَإِنْ كَانَ رَكِبَهَا فِي حَاجَتِهِمَا، فَالضَّمَانُ فِي مَالِهِمَا لِأَنَّ مَنْفَعَةَ رُكُوبِهِ تَرْجِعُ إلَيْهِمَا فِيمَا يَجِبُ مِنْ الضَّمَانِ بِسَبَبِهِ يَكُونُ فِي مَالِهِمَا؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ مُقَابَلٌ بِالْغُنْمِ. وَإِنْ رَكِبَ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ فَهُمَا ضَامِنَانِ؛ لِمَا قُلْنَا، إلَّا أَنَّهُمَا إنْ أَذِنَاهُ مِنْ مَالِ الشَّرِيكِ رَجَعَ الشَّرِيكُ عَلَى الرَّاكِبِ بِنَصِيبِهِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الرُّكُوبِ حَصَلَتْ لِلرَّاكِبِ، فَكَانَ قَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ غَصْبٍ اغْتَصَبَهُ، أَوْ طَعَامٍ اشْتَرَاهُ فَأَكَلَهُ، وَقَدْ أَدَّى الثَّمَنَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا فَبَقِيَ الثَّمَنُ دَيْنًا عَلَيْهِ. قَالَ: (وَإِذَا اسْتَعَارَ أَحَدُهُمَا دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا طَعَامًا لَهُ خَاصَّةً لِرِزْقِهِ إلَى مَقَامٍ مَعْلُومٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا شَرِيكُهُ مِثْلَ ذَلِكَ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ مِنْ شَرِكَتِهِمَا، أَوْ لِخَاصَّتِهِمَا؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) مِنْ قِبَلِ أَنَّ التَّقْيِيدَ الَّذِي لَيْسَ بِمُفِيدٍ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا. وَالضَّرَرُ عَلَى

стр. 2419

الدَّابَّةِ لَا يَخْتَلِفُ بِحَمْلِ مَا عُيِّنَ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ مِثْلِهِ، وَفِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْحَمْلِ كَفِعْلِ صَاحِبِهِ. ثُمَّ الْمُسْتَعِيرُ لَوْ حَمَلَ عَلَيْهَا طَعَامًا مِنْ شَرِكَتِهِمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا لَمْ يَضْمَنْ، فَكَذَلِكَ شَرِيكُهُ. أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا عَشَرَةَ مَخَاتِيمَ حِنْطَةً، فَبَعَثَ بِالدَّابَّةِ مَعَ وَكِيلٍ لَهُ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا الطَّعَامَ، فَحَمَلَ الْوَكِيلُ طَعَامًا لِنَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يُضَمِّنُهُ، فَالْمُفَاوَضَةُ أَوْجَبُ مِنْ الْوَكَالَةِ، وَكَذَلِكَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ إذَا اسْتَعَارَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا عَدْلَ زُطِّيٍّ، فَحَمَلَ عَلَيْهَا شَرِيكُهُ مِثْلَ ذَلِكَ الْعَدْلِ لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ حَمَلَ عَلَيْهَا طَيَالِسَةً أَوْ أَكْسِيَةً كَانَ ضَامِنًا؛ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَلِلتَّفَاوُتِ فِي الضَّرَرِ عَلَى الدَّابَّةِ. قَالَ: (وَلَوْ حَمَلَ الْمُسْتَعِيرُ عَلَيْهَا ذَلِكَ ضَمِنَهُ، فَكَذَلِكَ شَرِيكُهُ) إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ تِجَارَتِهِمَا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا لِحُصُولِ الْمَنْفَعَةِ لَهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ بِضَاعَة عِنْدَ الَّذِي حَمَلَ؛ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ الَّذِي حَمَلَ عَنْهُ غَاصِبٌ، وَالْآخَرُ عَنْهُ كَفِيلٌ ضَامِنٌ، ثُمَّ يَرْجِعُ الشَّرِيكُ عَلَى الَّذِي حَمَلَ بِنِصْفِ ذَلِكَ إذَا أَدَّيَا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِي هَذَا الْحَمْلِ، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ قَرَارِ الضَّمَانِ شَيْءٌ، وَلَوْ اسْتَعَارَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا عَشَرَةَ مَخَاتِيمَ حِنْطَةٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا شَرِيكُهُ عَشَرَةَ مَخَاتِيمَ شَعِيرٍ مِنْ شَرِكَتِهِمَا؛ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّ هَذَا أَخَفُّ عَلَى الدَّابَّةِ فَلَا يَصِيرُ الْحَامِلُ بِهِ مُخَالِفًا فِي حَقِّ صَاحِبِ الدَّابَّةِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَعِيرُ هُوَ الَّذِي حَمَلَهُ أَوْ شَرِيكُهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَا شَرِيكَيْنِ شَرِكَةَ عَنَانٍ فَاسْتَعَارَهَا، فَالْجَوَابُ فِي هَذَا كَالْجَوَابِ فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ بِاعْتِبَارِ زِيَادَةِ الضَّرَرِ عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْحَمْلِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ اسْتَعَارَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً - رِزْقًا لِأَهْلِهِ - فَحَمَلَ عَلَيْهَا شَرِيكُهُ شَعِيرًا لَهُ خَاصَّةً؛ كَانَ ضَامِنًا لِأَنَّهُ مُسْتَعْمِلٌ لَهَا بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا، وَبِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ الْمُسْتَعِيرِ؛ فَإِنَّ الْمُسْتَعِيرَ يَنْوِي عِنْدَ الِاسْتِعَارَةِ أَنَّهُ يَسْتَعِيرُهَا لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مَا أَعَدَّهُ رِزْقًا لِأَهْلِهِ يَكُونُ مِلْكًا لَهُ خَاصَّةً، وَذَلِكَ بِعَدَمِ رِضَاهُ بِانْتِفَاعِ الشَّرِيكِ بِهَا؛ فَلِهَذَا كَانَ ضَامِنًا. قَالَ: (وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ أَحَدَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ بَاعَهُ خَادِمًا، فَجَحَدَ ذَلِكَ الْمُتَفَاوِضَانِ؛ فَلِلْمُدَّعِي أَنْ يُحَلِّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْبَيْعَ عَلَى الثَّبَاتِ وَشَرِيكَهُ عَلَى الْعِلْمِ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ أَقَرَّ بِمَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي كَانَ إقْرَارُهُ مُلْزِمًا إيَّاهُمَا، فَإِذَا أَنْكَرَ يُسْتَحْلَفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِرَجَاءِ نُكُولِهِ إلَّا أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْبَيْعَ يُسْتَحْلَفُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى الثَّبَاتِ، وَصَاحِبُهُ يُسْتَحْلَفُ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، فَيَكُونُ يَمِينًا عَلَى الْعِلْمِ. وَأَيُّهُمَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ قُضِيَ بِالْجَارِيَةِ لِلْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ الَّذِي ادَّعَاهُ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ كَإِقْرَارِهِ، وَإِقْرَارُ أَحَدِهِمَا مُلْزَمٌ إيَّاهُمَا، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى تَوْلِيَةً أَوْ شَرِكَةً أَوْ إجَارَةً أَوْ تَسْلِيمَ دَيْنٍ أَوْ تَسْلِيمَ دَارٍ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ فِيمَا هُوَ مِنْ عَمَلِ

стр. 2420

التِّجَارَةِ فِعْلُ أَحَدِهِمَا كَفِعْلِهِمَا، وَإِقْرَارُ أَحَدِهِمَا مُلْزِمٌ لِلْآخَرِ فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَعْوَى الْمُدَّعِي؛ فَإِنْ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْبَتَّةَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآنَ يَحْلِفُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فَأَيُّهُمَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ أَمْضَى الْأَمْرَ عَلَيْهِمَا. وَإِنْ ادَّعَى عَلَى ذَلِكَ أَحَدُهُمَا، وَهُوَ غَائِبٌ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْحَاضِرَ عَلَى عَمَلِهِ، فَإِنْ حَلَفَ ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ أَلْبَتَّةَ كَمَا لَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْمُفَاوَضُ هُوَ الَّذِي ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَحَلَّفَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ أَرَادَ شَرِيكُهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ أَيْضًا؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. وَالْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا): أَنَّ الْمُفَاوَضَ الْمُدَّعِي يَكُونُ نَائِبًا عَنْ صَاحِبِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ، وَبَعْدَمَا اسْتَحْلَفَ بِخُصُومِهِ الْوَكِيلَ لَا يَسْتَحْلِفُ بِخُصُومَةِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ النِّيَابَةَ فِي الِاسْتِحْلَافِ صَحِيحَةٌ. وَإِذَا كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَيْهِمَا فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ الْمُفَاوَضُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ نَائِبًا عَنْ صَاحِبِهِ فِي الْحَلِفِ؛ لِأَنَّ النِّيَابَةَ لَا تُجْرَى فِي الْيَمِينِ. فَلِهَذَا كَانَ لِلْمُدَّعِي أَنْ يُحَلِّفَ الْآخَرَ. (وَالثَّانِي): أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالِاسْتِحْلَافِ فِيمَا إذَا كَانَ مُفِيدًا فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا فَلَا يُشْتَغَلُ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى مِنْ الْمُتَفَاوِضَيْنِ فَاسْتُحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِخُصُومَةِ أَحَدِهِمَا؛ فَلَا فَائِدَةَ فِي اسْتِحْلَافِهِ لِخُصُومَةِ الْآخَرِ لِأَنَّهُ بَعْدَمَا حَلَفَ فِي حَادِثَةٍ لِخُصُومَةِ إنْسَانٍ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ الْيَمِينِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ لِخُصُومَةِ الْآخَرِ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَيْهِمَا وَحَلَفَ أَحَدُهُمَا؛ كَانَ اسْتِحْلَافُ الْآخَرِ مُفِيدًا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ لَا يُبَالِي مِنْ الْيَمِينِ، وَالْآخَرُ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ؛ إذْ النَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْجُرْأَةِ عَلَى الْيَمِينِ. فَلِهَذَا كَانَ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْآخَرَ بَعْدَ مَا حَلَفَ أَحَدُهُمَا لِرَجَاءِ نُكُولِهِ. قَالَ: (وَإِنْ ادَّعَى عَلَى أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ جِرَاحَةً خَطَأً لَهَا أَرْشٌ وَاسْتَحْلَفَهُ أَلْبَتَّةَ، فَحَلَفَ لَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَسْتَحْلِفَ شَرِيكَهُ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَلَا خُصُومَةَ لَهُ مَعَ شَرِيكِهِ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ فِيمَا لَزِمَهُ بِسَبَبِ التِّجَارَةِ. فَأَمَّا مَا يَلْزَمُ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ لَا يَكُونُ الْآخَرُ كَفِيلًا بِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَتْ الْجِنَايَةُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِمُعَايَنَةِ السَّبَبِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الشَّرِيكِ شَيْءٌ مِنْ مُوجَبِهِ، وَلَا خُصُومَةَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَهُ. فَذَلِكَ لَا يُحَلِّفُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ لِرَجَاءِ النُّكُولِ وَإِقْرَارُهُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى شَرِيكِهِ بَاطِلٌ. وَكَذَلِكَ الْمَهْرُ وَالْجُعْلُ فِي الْخُلْعِ، وَالصُّلْحُ مِنْ جِنَايَةِ الْعَمْدِ إذَا ادَّعَاهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَحَلِفُهُ عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الْآخَرُ؛ لِمَا بَيَّنَّا. قَالَ: (وَإِنْ ادَّعَى عَلَى أَحَد الْمُتَفَاوِضَيْنِ مَالًا مِنْ كَفَالَةٍ، وَحَوَّلَهُ عَلَيْهِ؛ فَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَ شَرِيكَهُ عَلَيْهِ أَيْضًا) فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁. وَفِي قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ أَحَدَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ إذَا كَفَلَ بِمَالٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ شَرِيكَهُ فِي

стр. 2421

قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَلْزَمُ شَرِيكَهُ. وَجْهُ قَوْلِهِمَا: إنَّ الْكَفَالَةَ تَبَرُّعٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ، كَالْمَأْذُونِ وَالْمُكَاتَبِ، وَأَنَّهُ إذَا حَصَلَ مِنْ الْمَرِيضِ كَانَ مُعْتَبَرًا مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ فِيمَا يَلْزَمُهُ بِالتِّجَارَةِ دُونَ التَّبَرُّعِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا تَصِحُّ فِي حَقِّ شَرِيكِهِ، فَكَذَلِكَ الْكَفَالَةُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ طَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا): أَنَّ الْكَفَالَةَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْمُفَاوَضَةِ؛ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَكُونُ كَفِيلًا عَنْ صَاحِبِهِ كَمَا يَكُونُ وَكِيلًا عَنْ صَاحِبِهِ فِيمَا يَجِبُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالْكَفَالَةِ دَيْنٌ وَاجِبٌ بِمَا هُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْمُفَاوَضَةِ، فَيَكُونُ مُلْزِمًا شَرِيكَهُ. كَمَا لَوْ تَوَكَّلَ أَحَدُهُمَا عَنْ إنْسَانٍ بِشِرَاءِ شَيْءٍ كَانَ شَرِيكُهُ مُطَالَبًا بِثَمَنِهِ. (وَالثَّانِي): أَنَّ الْكَفَالَةَ تَبَرُّعٌ فِي الِابْتِدَاءِ وَلَكِنَّهَا إذَا صَحَّتْ انْقَلَبَتْ مُفَاوَضَةً. أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَفِيلَ يَرْجِعُ بِمَا يُؤَدِّي عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ إذَا كَفَلَ بِأَمْرِهِ، وَقَدْ صَحَّتْ الْكَفَالَةُ هُنَا وَاَلَّذِي كَفَلَ صَارَ مُطَالَبًا بِالْمَالِ، وَلَمَّا صَحَّتْ الْكَفَالَةُ انْقَلَبَتْ مُفَاوَضَةً، وَمَا يُوجَبُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِمُفَاوَضَةِ مَالٍ بِمَالٍ يُطَالَبُ بِهَا الشَّرِيكُ كَالدَّيْنِ الْوَاجِبِ بِالشِّرَاءِ بِخِلَافِ كَفَالَةِ الْمَدْيُونِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمَأْذُونِ وَالْمَرِيضِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ أَصْلًا، فَلَا يَكُونُ مُفَاوَضَةً. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَبَرُّعًا فِي الِابْتِدَاءِ، مُفَاوَضَةً فِي الِانْتِهَاءِ، كَالْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ؛ فَإِنَّهُ تَبَرُّعٌ فِي الِابْتِدَاءِ، ثُمَّ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَانَ مُفَاوَضَةً. وَإِذًا ثَبَتَ أَنَّ كَفَالَةَ أَحَدِهِمَا يَلْزَمُ شَرِيكَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁. قَالَ: (يَحْلِفُ الشَّرِيكُ عَلَى دَعْوَى الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُمَا جَمِيعًا. فَإِذَا أَنْكَرَ يُسْتَحْلَفُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِالْمَالِ، لَوْ ثَبَتَتْ الْكَفَالَةُ عَلَى شَرِيكِهِ بِالْبَيِّنَةِ، فَيُسْتَحْلَفُ عَلَيْهِ إذَا أَنْكَرَ - بِخِلَافِ الْمَهْرِ وَالْأَرْشِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَالَبٍ بِهِ -. وَإِذَا ثَبَتَ السَّبَبُ عَلَى شَرِيكِهِ بِالْبَيِّنَةِ فَلَا يُسْتَحْلَفُ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَوْ ثَبَتَتْ الْكَفَالَةُ عَلَى شَرِيكِهِ بِالْبَيِّنَةِ لَمْ يَكُنْ هُوَ مُطَالَبًا بِالْمَالِ، فَلَا يُسْتَحْلَفُ عَلَيْهِ أَيْضًا. قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا بِالنَّفْسِ لَمْ يَلْزَمْ شَرِيكَهُ، وَلَا يُسْتَحْلَفُ عَلَى ذَلِكَ إذَا أَنْكَرَهُ - بِالِاتِّفَاقِ) -؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى الْمُفَاوَضَةِ بِحَالٍ، فَحُكْمُهُ مُقْتَصِرٌ عَلَى مَنْ بَاشَرَ سَبَبَهُ؛ لِأَنَّ كَفَالَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِالْمَالِ الَّذِي يَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ، وَالْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ لَا تَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ. [الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ] قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ.

стр. 2422

وَوَجْهُ قَوْلِهِ: إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَهْلِ الْوَكَالَةِ وَالْكَفَالَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَتَصِحُّ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا كَالْمُسْلِمِينَ وَالذِّمِّيِّينَ؛ وَهَذَا لِأَنَّ مُقْتَضَى الْمُفَاوَضَةِ وَالْكَفَالَةِ الْوَكَالَةُ. فَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ أَهْلِيَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ذَلِكَ، ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالِكٌ لِلتَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ؛ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَهْلِ الْمُفَاوَضَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُفَاوَضَةَ تَصِحُّ بَيْنَ الذِّمِّيِّينَ وَالْمُسْلِمِينَ، فَكَذَلِكَ تَصِحُّ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِتَفَاوُتِهِمَا فِي التَّصَرُّفِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَتَصَرَّفُ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَالذِّمِّيَّ يَتَصَرَّفُ فِي ذَلِكَ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الذِّمِّيَّ الَّذِي هُوَ شَرِيكُ الْمُسْلِمِ مُفَاوَضَةً لَا يَتَصَرَّفُ " عِنْدِي " فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ. ثُمَّ لَا مُعْتَبَرَ بِالْمُسَاوَاةِ فِي التَّصَرُّفِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُفَاوَضَةَ تَصِحُّ بَيْنَ الْكِتَابِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ، وَالْمَجُوسِيُّ يَتَصَرَّفُ فِي الْمَوْقُوذَةِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ فِيهَا الْمَالِيَّةَ، وَالْكِتَابِيُّ لَا يَفْعَلُ، وَكَذَلِكَ الْمُفَاوَضَةُ تَصِحُّ بَيْنَ حَنَفِيِّ الْمَذْهَبِ وَشَافِعِيِّ الْمَذْهَبِ، وَإِنْ كَانَ الْحَنَفِيُّ يَتَصَرَّفُ فِي الْمُثَلَّثِ النَّبِيذِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ فِيهِ الْمَالِيَّةَ. وَشَافِعِيُّ الْمَذْهَبِ يَتَصَرَّفُ فِي مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ فِيهَا الْمَالِيَّةَ. ثُمَّ هَذَا التَّفَاوُتُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْمُفَاوَضَةِ بَيْنَهُمَا، فَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ وَهُمَا يَقُولَانِ: مَبْنَى الْمُفَاوَضَةِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ، وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِي التَّصَرُّفِ وَلَا فِي مَحَلِّ التَّصَرُّفِ - وَهُوَ الْمَالِ - فَإِنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُمْ فِيهَا بَيْعًا وَشِرَاءً وَسَلَمًا، فِي الْخَمْرِ وَهِيَ لَيْسَتْ بِمَالٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ؛ فَتَنْعَدِمُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا، وَبِدُونِ الْمُسَاوَاةِ لَا تَكُونُ الشَّرِكَةُ مُفَاوَضَةً. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُفَاوَضَةَ لَا تَصِحُّ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ لِانْعِدَامِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا، قَالَ: قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ إذَا كَانَ مُفَاوِضًا لِلْمُسْلِمِ، قُلْنَا: الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ كَانَ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ إذَا كَانَ مُفَاوِضًا لِلْمُسْلِمِ هُوَ اعْتِقَادُ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ فِيهِ، وَذَلِكَ لَا يَنْعَدِمُ بِالْمُفَاوَضَةِ مَعَ الْمُسْلِمِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَوْلِ بِنُفُوذِ التَّصَرُّفِ عَلَيْهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُفَاوَضَةِ بَيْنَ الْكِتَابِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ؛ لِأَنَّ مَنْ يَجْعَلُ الْمَوْقُوذَةَ مَالًا مُتَقَوِّمًا فِي حَقِّهِمْ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الْكِتَابِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ، فَتَتَحَقَّقُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا فِي التَّصَرُّفِ. (فَإِنْ قِيلَ): لَا تَتَحَقَّقُ الْمُسَاوَاةُ، فَإِنَّ الْكِتَابِيَّ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ لِلذَّبْحِ وَالتَّضْحِيَةِ، وَالْمَجُوسِيُّ لَا يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَبِيحَتَهُ لَا تَحِلُّ. (قُلْنَا): لَا كَذَلِكَ، بَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَقَبَّلَ ذَلِكَ الْعَمَلَ عَلَى أَنْ يُقِيمَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ. وَإِجَارَةُ الْمَجُوسِيِّ نَفْسَهُ لِلذَّبْحِ صَحِيحٌ يَسْتَوْجِبُ بِهِ الْأَجْرَ - وَإِنْ كَانَ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتَهُ -. فَأَمَّا بَيْنَ الْحَنَفِيِّ وَالشَّافِعِيِّ تَتَحَقَّقُ الْمُسَاوَاةُ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ قَامَتْ عَلَى أَنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ، وَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ مِنْ الْحَنَفِيِّ وَالشَّافِعِيِّ جَمِيعًا لِثُبُوتِ وِلَايَةِ الْإِلْزَامِ

стр. 2423

بِالْمُحَاجَّةِ لَهُ وَالدَّلِيلِ؛ فَتَتَحَقَّقُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَالِ وَالتَّصَرُّفِ. وَإِنَّمَا كَرِهَهُ أَبُو يُوسُفَ ﵀ لِأَنَّ فِي الْمُفَاوَضَةِ الْوَكَالَةَ. وَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ تَوْكِيلُ الذِّمِّيِّ بِالتَّصَرُّفِ لَهُ. [الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ] قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَلَا بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ وَلَا بَيْنَ الْحُرِّ وَالْمُكَاتَبِ، وَلَا بَيْنَ الْمُكَاتَبَيْنِ وَلَا بَيْنَ الصَّبِيَّيْنِ - وَإِنْ أَذِنَ لَهُمَا أَبَوَاهُمَا -)؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْمُفَاوَضَةِ عَلَى الْكَفَالَةِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَكُونُ كَفِيلًا عَنْ صَاحِبِهِ، وَالْعَبْدُ وَالْمُكَاتَبُ وَالصَّبِيُّ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكَفَالَةِ؛ فَلِهَذَا لَا تَجُوزُ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ مَالِكٍ لِلتَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ: فَإِنَّ الْعَبْدَ يَحْجُرُ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ، وَالصَّبِيَّ يَحْجُرُ عَلَيْهِ وَلِيُّهُ، وَالْمُكَاتَبَ يَعْجِزُ فَيُرَدُّ فِي الرِّقِّ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْمُفَاوَضَةِ التَّصَرُّفُ وَالِاسْتِرْبَاحُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ لَا تَجُوزُ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ تَكُونُ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا عَنَانًا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ؛ لِأَنَّهُمَا أَهْلُ الشَّرِكَةِ. وَإِنَّمَا فَسَدَتْ الْمُفَاوَضَةُ خَاصَّةً؛ فَيَبْقَى الْعَنَانُ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْعَنَانَ قَدْ يَكُونُ عَامًّا وَقَدْ يَكُونُ خَاصًّا. قَالَ: (وَإِنْ تَفَاوَضَ الذِّمِّيَّانِ جَازَ ذَلِكَ - وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا نَصْرَانِيًّا وَالْآخَرُ مَجُوسِيًّا -)؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا فِي الْمِلْكِ وَالتَّصَرُّفِ تَتَحَقَّقُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَهْلِ الْوَكَالَةِ وَالْكَفَالَةِ؛ فَصَحَّتْ بَيْنَهُمَا. قَالَ: (وَإِنْ شَارَكَ الْمُسْلِمُ

стр. 2424

الْمُرْتَدَّ شَرِكَةَ عَنَانٍ أَوْ مُفَاوَضَةٍ)؛ فَهُوَ مَوْقُوفٌ " عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - " إنْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَطَلَ، وَإِنْ أَسْلَمَ جَازَ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ تَتَوَقَّفُ بِالرِّدَّةِ عَلَى أَنْ يَنْفُذَ بِالْإِسْلَامِ أَوْ تَبْطُلُ إذَا قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَالشَّرِكَةُ مِنْ جُمْلَةِ تَصَرُّفَاتِهِ. فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ شَرِكَةُ الْعَنَانِ مِنْهُ صَحِيحَةٌ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِمَا أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُرْتَدِّ بَعْدَ رِدَّتِهِ قَبْلَ لَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ نَافِذٌ، فَإِنْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ انْقَطَعَتْ الشَّرِكَةُ؛ لِأَنَّ فِي الْقَتْلِ مَوْتًا، وَلُحُوقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ كَمَوْتِهِ، وَالْمَوْتُ مُبْطِلٌ لِلشَّرِكَةِ. وَأَمَّا الْمُفَاوَضَةُ فَعَلَى مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَا يُرَادُ بِهِ تَوَقُّفُ أَصْلِ الشَّرِكَةِ " عِنْدَهُمَا " بَلْ الْمُرَادُ تَوَقُّفُ صِحَّةِ الْمُفَاوَضَةِ. فَأَمَّا أَصْلُ الشَّرِكَةِ صَحِيحٌ " عِنْدَهُمَا "، وَإِنَّمَا تُوقَفُ صِفَةُ الْمُفَاوَضَةِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ عِنْدَهُ فِي التَّصَرُّفَاتِ كَالْمَرِيضِ، وَكَفَالَةُ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ ثُلُثِهِ، فَلَا يَكُونُ الْمُرْتَدُّ مِنْ أَهْلِ الْكَفَالَةِ الْمُطْلَقَةِ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ؛ فَلِهَذَا تُوقَفُ صِفَةُ الْمُفَاوَضَةِ عَلَى إسْلَامِهِ. وَعَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ الْكَفَالَةُ، وَإِنْ كَانَتْ تَصِحُّ مِنْ الْمُرْتَدِّ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّحِيحِ فِي التَّصَرُّفِ إلَّا أَنَّ نَفْسَهُ تُوقَفُ بَيْنَ أَنْ تَسْلَمَ لَهُ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ تَتْلَفَ عَلَيْهِ إذَا أَصَرَّ عَلَى الرِّدَّةِ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى الْمُكَاتَبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَالْمُكَاتَبُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمُفَاوَضَةِ؛ فَلِهَذَا تُوقَفُ الْمُفَاوَضَةُ مِنْهُ. قَالَ: (وَإِنْ شَارَكَ الْمُسْلِمُ الْمُرْتَدَّةَ شَرِكَةَ عَنَانٍ أَوْ شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ؛ جَازَتْ شَرِكَةُ الْعَنَانِ وَلَمْ تَجُزْ شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ إلَّا أَنْ تُسْلِمَ)؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمُرْتَدَّةِ نَافِذٌ، فَإِنَّ الْمَالَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهَا لِأَنَّ نَفْسَهَا لَمْ تَتَوَقَّفْ بِالرِّدَّةِ حَتَّى لَا تُقْبَلَ. فَكَذَلِكَ فِي مَالِهَا إلَّا أَنَّهَا كَافِرَةٌ فَهِيَ كَالذِّمِّيَّةِ. وَمِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْمُفَاوَضَةَ لَا تَصِحُّ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ، وَتَصِحُّ شَرِكَةُ الْعَنَانِ وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ. فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُرْتَدَّةِ. قَالَ: (وَيَنْبَغِي فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنْ تَكُونَ الْمُفَاوَضَةُ جَائِزَةً مَعَ الْكَرَاهَةِ)؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ. فَكَذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالْمُرْتَدَّةِ، وَذَكَرَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ مُفَاوَضَتَهُمَا تَتَوَقَّفُ كَمَا تَتَوَقَّفُ مُفَاوَضَةُ الْمُرْتَدِّ مَعَ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهَا - وَإِنْ كَانَتْ لَا تُقْبَلُ - فَإِنَّهَا تُسْتَرَقُّ، وَإِذَا أُلْحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ فَنَفْسُهَا مَوْقُوفَةٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ؛ فَلِهَذَا تَتَوَقَّفُ مُفَاوَضَتُهُمَا. قَالَ: (وَلِأَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدًا مِنْ تِجَارَتِهِمَا)؛ لِأَنَّ الْمُفَاوَضَةَ فِي حَقِّ شَرِيكِهِ أَعَمُّ تَصَرُّفًا مِنْ الْوَصِيِّ فِي حَقِّ الْيَتِيمِ، وَلِلْوَصِيِّ أَنْ يُكَاتِبَ؛ فَلِلْمُفَاوِضِ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَبَيَانُ هَذَا: أَنَّ إقْرَارَ أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ صَحِيحٌ فِي حَقِّ شَرِيكِهِ، وَإِقْرَارَ الْوَصِيِّ بِالدَّيْنِ عَلَى الْيَتِيمِ غَيْرُ صَحِيحٍ. ثُمَّ الْكِتَابَةُ مِنْ عُقُودِ الِاكْتِسَابِ، وَهُوَ أَنْفَعُ مِنْ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُزِيلُ الْمِلْكَ بِنَفْسِهِ، وَالْكِتَابَةُ لَا تُزِيلُ الْمِلْكَ قَبْلَ الْأَدَاءِ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَفَاوِضَيْنِ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِهِ فِي اكْتِسَابِ الْمَالِ. وَإِنْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ مِنْ التَّاجِرِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ الْعَبْدِ - وَهُوَ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ - صَحِيحَةٌ، فَصِحَّتُهَا مِنْ التَّاجِرِ الَّذِي يَمْلِكُ نِصْفَ الْعَبْدِ - وَهُوَ الْمُفَاوِضُ - أَوْلَى، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُكَاتِبَ: فَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ - بِطَرِيقِ الْأَوْلَى - فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَكَّ الْحَجْرَ، وَالْكِتَابَةُ لَازِمَةٌ، وَالْإِذْنُ فِي التِّجَارَةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ. وَلِهَذَا كَانَ لِلْمَأْذُونِ أَنْ يَأْذَنَ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَ، وَالْإِذْنُ فِي التِّجَارَةِ مِنْ صَنِيعِ التِّجَارَةِ وَمِمَّا يُقْصَدُ بِهِ تَحْصِيلُ الْمَالِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَفَاوِضَيْنِ فِي ذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ صَاحِبِهِ. قَالَ: (وَلَيْسَ لِأَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدًا بِمَالٍ أَوْ بِغَيْرِ مَالٍ)؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَبَرُّعٌ. أَمَّا الْعِتْقُ بِغَيْرِ مَالٍ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ بِمَالٍ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَجَّلُ زَوَالَ الْمِلْكِ عَنْ الْعَبْدِ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ فِي ذِمَّةٍ مُفْلِسَةٍ لَا يُدْرَى أَيَقْدِرُ عَلَى الْأَدَاءِ أَوْ لَا يَقْدِرُ؟ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ عُقُودِ الِاكْتِسَابِ؛ فَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْمُفَاوِضُ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ، وَكَذَلِكَ لَا يُزَوِّجُ عَبْدًا مِنْ تَرِكَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي تَزْوِيجِ الْعَبْدِ تَحْصِيلُ الْمَالِ، بَلْ فِيهِ تَعْيِيبُ رَقَبَتِهِ مِنْ حَيْثُ الِاشْتِغَالِ بِالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ. فَلَا يُمَلَّكُ أَحَدُهُمَا فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ بِدُونِ إذْنِهِ. وَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَ الْأَمَةَ؛ لِأَنَّ تَزْوِيجَ الْأَمَةِ مِنْ عُقُودِ

стр. 2425

الِاكْتِسَابِ، فَإِنَّهُ يَكْتَسِبُ بِهِ الْمَهْرَ، وَتَسْقُطُ نَفَقَتُهَا عَنْ نَفْسِهِ؛ وَلِهَذَا يَمْلِكُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ تَزْوِيجَ أَمَةِ الْيَتِيمِ، وَلَا يَمْلِكَانِ تَزْوِيجَ عَبْدِ الْيَتِيمِ. قَالَ: (وَلَيْسَ لِشَرِيكِ الْعَنَانِ أَنْ يُكَاتِبَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلُ صَاحِبِهِ فِي التِّجَارَةِ، وَالْكِتَابَةُ لَيْسَتْ مِنْ التِّجَارَةِ) وَمَا يَكُونُ مُعْتَادًا بَيْنَ التُّجَّارِ، وَالْكِتَابَةُ لَيْسَتْ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ. وَكَذَلِكَ لَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا تَزْوِيجَ الْأَمَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَمْلِكُ ذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ. قَالَ: (وَإِذَا كَانَ لِلْمُتَفَاوِضَيْنِ عَبْدٌ تَاجِرٌ فَأَدَانَهُ أَحَدُهُمَا دَيْنًا مِنْ تِجَارَتِهِمَا؛ لَمْ يَلْزَمْهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ) لِأَنَّ فِعْلَ أَحَدِهِمَا فِي الْإِدَانَةِ كَفِعْلِهِمَا، وَلِأَنَّ مَالِيَّةَ الْعَبْدِ مِنْ شَرِكَتِهِمَا. وَمَا أَدَانَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا فَهُوَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا أَيْضًا، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْإِيجَابِ فِي ذِمَّتِهِ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِمَا لَا يُفِيدُهُ شَرْعًا. (وَكَذَلِكَ فِي شَرِكَةِ الْعَنَانِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلُ صَاحِبِهِ فِي الْبَيْعِ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ) وَالْإِدَانَةُ بَيْعٌ بِالنَّسِيئَةِ، وَلَا فَائِدَةَ فِي إيجَابِ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ مُتَعَلِّقًا بِمَالِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ مِنْ شَرِكَتِهِمَا. أَمَّا إذَا كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي عَبْدٍ لَهُمَا خَاصَّةً، فَأَذِنَ لَهُمَا فِي التِّجَارَةِ ثُمَّ أَدَانَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَيْنًا؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ نَصِفُ دَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حِصَّةِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ حِصَّةِ صَاحِبِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ حَتَّى لَا يَمْلِكَ التَّصَرُّفَ فِيهِ فَمَا أَدَانَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ فِي مِلْكِهِ. وَالْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى مَمْلُوكِهِ دَيْنًا، وَنِصْفُهُ فِي مِلْكِ شَرِيكِهِ، وَهُوَ يَسْتَوْجِبُ الدَّيْنَ فِيهِ لِكَوْنِهِ مُقَيَّدًا؛ فَإِنَّهُ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ، وَيَجْعَلُ كُلَّ نِصْفٍ مِنْ الْعَبْدِ كَعَبْدٍ عَلَى حِدَةٍ (وَمَنْ أَدَانَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ يَثْبُتُ مِنْ دَيْنِهِ مَا يَخُصُّ عَبْدَ غَيْرِهِ دُونَ مَا يَخُصُّ عَبْدَهُ). قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ التَّاجِرُ بَيْنَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ فَبَاعَهُ أَحَدُهُمَا ثَوْبًا مِنْ مِيرَاثٍ وَرِثَهُ؛ لَزِمَهُ نَصِفُ ذَلِكَ الدَّيْنِ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ)؛ لِأَنَّ مَا أَدَانَهُ لَيْسَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا، وَفِيمَا لَيْسَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ. قَالَ: (وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ مِيرَاثًا لِأَحَدِهِمَا فَأَذِنَ لَهُ الْآخَرُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا، فَإِذْنُ صَاحِبِهِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ كَإِذْنِ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ ثُمَّ أَدَانَهُ الْآخَرُ دَيْنًا مِنْ مِيرَاثِهِ خَاصَّةً لَزِمَهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ أَدَانَهُ أَجْنَبِيٌّ آخَرُ؛ لِأَنَّ مَا أَدَانَهُ لَيْسَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا، وَإِنْ أَدَانَاهُ مِنْ التِّجَارَةِ لَزِمَهُ نَصِفُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ أَحَدِهِمَا فِي الْإِدَانَةِ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ كَفِعْلَيْهِمَا، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَصِيبُ الْإِذْنِ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَلَا يَسْتَوْجِبُ الْمَوْلَى الدَّيْنَ عَلَى عَبْدِهِ، وَيَلْزَمُهُ نَصِيبُ الْآخَرِ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ مَالِيَّتِهِ. قَالَ: (وَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَجِيرًا فِي تِجَارَتِهِمَا، أَوْ دَابَّةٍ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ؛ فَلِلْمُؤَجَّرِ أَنْ يَأْخُذَ بِالْأَجْرِ

стр. 2426

أَيَّهُمَا شَاءَ) لِأَنَّ الْإِجَارَةَ مِنْ عُقُودِ التِّجَارَةِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ بِمَا يَلْزَمُهُ بِالتِّجَارَةِ. وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَأْجَرَهُ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ، أَوْ اسْتَأْجَرَ إبِلًا لِحَجٍّ إلَى مَكَّةَ، فَحَجَّ عَلَيْهَا فَلِلْمُكْرِي أَنْ يَأْخُذَ بِهِ أَيَّهُمَا شَاءَ، إنْ شَاءَ الْمُسْتَأْجِرَ بِالْتِزَامِهِ بِالْعَقْدِ، وَإِنْ شَاءَ شَرِيكَهُ بِكَفَالَتِهِ عَنْهُ. إلَّا أَنَّ شَرِيكَهُ إذَا أَدَّى ذَلِكَ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا كَفَلَ عَنْهُ بِأَمْرِهِ، وَإِنْ أَدَّى مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنَصِيبِهِ مِنْ الْمُؤَدَّى - وَهُوَ النِّصْفُ -. وَأَمَّا فِي شَرِكَةِ الْعَنَانِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ غَيْرُ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُلْتَزِمُ بِالْعَقْدِ، وَصَاحِبُهُ لَيْسَ بِكَفِيلٍ عَنْهُ؛ فَإِنَّ شَرِكَةَ الْعَنَانِ لَا تَتَضَمَّنُ الْكَفَالَةَ. (وَإِنْ أَدَّى الْعَاقِدُ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ رَجَعَ شَرِيكُهُ بِنِصْفِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، إذَا كَانَ اسْتَأْجَرَهُ لِخَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ لِتِجَارَتِهِمَا وَأَدَّى الْأَجْرَ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ؛ رَجَعَ عَلَى شَرِيكِهِ بِنِصْفِهِ) لِأَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ فِي هَذَا الِاسْتِئْجَارِ، وَقَدْ أَدَّى الْأَجْرَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ. وَلَوْ كَانَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا فِي شَيْءٍ خَاصٍّ - شَرِكَةِ مِلْكٍ - لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَدَّى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَكِيلٍ عَنْ صَاحِبِهِ فِي هَذَا الِاسْتِئْجَارِ. قَالَ: (وَلَوْ أَجَّرَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ عَبْدًا مِنْ تِجَارَتِهِمَا كَانَ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ الْأَجْرَ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَائِمٌ مَقَامَ صَاحِبِهِ فِيمَا يَجِبُ لَهُمَا بِالتِّجَارَةِ، وَفِعْلُ أَحَدِهِمَا كَفِعْلِ صَاحِبِهِ، وَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِتَسْلِيمِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ مَضْمُونٌ عَلَى الْآخَرِ، وَالْآخَرُ مُطَالَبٌ عَنْهُ بِكَفَالَتِهِ بِمَا يَلْتَزِمُهُ بِالتِّجَارَةِ. وَإِنْ أَجَّرَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا لَهُ خَاصَّةً مِنْ الْمِيرَاثِ لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ الْأَجْرَ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مَا لَيْسَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ هَذَا الْعَبْدَ لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ، وَحُكْمُ الْمَنْفَعَةِ حُكْمُ الْعَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِتَسْلِيمِ الْعَبْدِ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ فِيمَا لَيْسَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلَا تَفْسُدُ الْمُفَاوَضَةُ، وَإِنْ كَانَ الْأَجْرُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ حَتَّى يَقْبِضَهَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إنَّمَا فَضَلَ صَاحِبَهُ بِمِلْكِ دَيْنٍ، وَالدَّيْنُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالٍ فِي الشَّرِكَةِ، فَإِذَا قَبَضَهَا فَسَدَتْ الْمُفَاوَضَةُ لِأَنَّهُ اُخْتُصَّ بِمِلْكِ مَالٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالٍ فِي الشَّرِكَةِ، وَذَلِكَ بِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ، مِمَّا هُوَ لَهُ خَاصَّةً، بَاعَهُ فَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يُطَالِبَ بِهِ، وَلَا تَفْسُدُ الْمُفَاوَضَةُ مَا لَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ، فَإِذَا قَبَضَ وَكَانَ مِنْ النُّقُودِ فَسَدَتْ الْمُفَاوَضَةُ لِمَا قُلْنَا. قَالَ: (وَلِأَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَنْ يُشَارِكَ رَجُلًا شَرِكَةَ عَنَانٍ بِبَعْضِ مَالِ الشَّرِكَةِ فَيَجُوزُ عَلَيْهِ وَعَلَى شَرِيكِهِ - كَانَ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ -) وَإِنْ شَارَكَهُ شَرِكَةَ الْمُفَاوَضَةِ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ؛ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَيْهِمَا كَمَا لَوْ فَعَلَا ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ تَكُنْ مُفَاوَضَةً وَكَانَتْ شَرِكَةَ عَنَانٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا

стр. 2427

الْفَصْلِ، وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الَّذِي شَارَكَهُ أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ أَوْ أَجْنَبِيًّا عَنْهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّرِكَةِ وَاحِدٌ فَلَا يُمْكِنُ التُّهْمَةُ فِيهِ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ. (وَذَكَرَ) الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا - أَنَّ أَحَدَ شَرِيكَيْ الْعَنَانِ إذَا شَارَكَ إنْسَانًا آخَرَ شَرِكَةَ الْمُفَاوَضَةِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ شَرِيكِهِ؛ تَصِحُّ مُفَاوَضَتُهُ وَتَبْطُلُ بِهِ شَرِكَتُهُ مَعَ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ شَرِيكِهِ؛ لَمْ تَصِحَّ مُفَاوَضَتُهُ لِأَنَّ مُبَاشَرَتَهُ الْمُفَاوَضَةَ مَعَ الثَّانِي نَقْصٌ مِنْهُ لِشَرِكَةِ الْعَنَانِ مَعَ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِهِ، وَنَقْضُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ الشَّرِكَةَ بِمَحْضَرٍ مِنْ صَاحِبِهِ صَحِيحٌ، وَبِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْهُ بَاطِلٌ. قَالَ: (وَإِذَا أَجَّرَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ نَفْسَهُ لِحِفْظِ شَيْءٍ أَوْ خِيَاطَةِ ثَوْبٍ، أَوْ عَمَلٍ مَعْلُومٍ بِأَجْرٍ، وَاكْتَسَبَ بِهَذَا الطَّرِيقِ؛ فَهُوَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ لِتَقَبُّلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَهُوَ صَحِيحٌ مِنْهُ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ) فَمَا يَكْتَسِبُ بِهِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا، وَيُجْعَلُ فِعْلُ أَحَدِهِمَا فِيهِ كَفِعْلِهِمَا - بِخِلَافِ مَا إذَا أَجَّرَ نَفْسَهُ لِلْخِدْمَةِ -؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ هُنَاكَ يَسْتَوْجِبُهُ بِتَسْلِيمِ النَّفْسِ، وَنَفْسُهُ لَيْسَتْ مِنْ شَرِكَتِهِمَا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَجَّرَ عَبْدًا لَهُ مِيرَاثًا، وَأَمَّا شَرِيكُ الْعَنَانِ إذَا اكْتَسَبَ بِتَقَبُّلِ الْعَمَلِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ خَاصَّةً، وَلِأَنَّهُ وَكِيلُ صَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ، وَتَقَبُّلُ هَذَا الْعَمَلِ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ مِنْهُ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ، وَكَانَ شَرِيكُهُ فِي ذَلِكَ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ. قَالَ: (وَلِأَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَنْ يَرْهَنَ عَبْدًا مِنْ مَالِ الْمُفَاوَضَةِ بِدَيْنٍ مِنْ مَالِ الْمُفَاوَضَةِ، وَبِدَيْنٍ عَلَيْهِ خَاصَّةً مِنْ مَهْرٍ أَوْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّهْنِ قَضَاءُ الدَّيْنِ، فَإِنَّ مُوجَبَ الرَّهْنِ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ لِلْمُرْتَهِنِ. وَلَهُ أَنْ يُوَفِّيَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ هَذَا الدَّيْنَ، وَكَذَلِكَ يَرْهَنُ بِهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا هَلَكَ الرَّهْنُ حَتَّى صَارَ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا لِلدَّيْنِ، فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ شَرِكَتِهِمَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ خَاصَّةً يَرْجِعُ شَرِيكُهُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنًا عَلَيْهِ مِنْ مَالٍ مُشْتَرَكٍ. وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ. فَإِنَّ لِأَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَنْ يُودِعَ، وَلِأَنَّ الْأَبَ لَوْ رَهَنَ بِدَيْنِ الْوَلَدِ عَيْنًا قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ الدَّيْنِ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا لِلزِّيَادَةِ، وَكَذَلِكَ الْمُفَاوِضُ، وَإِنْ رَهَنَ عَبْدًا لَهُ خَاصَّةً بِدَيْنٍ مِنْ الْمُفَاوَضَةِ وَقِيمَتُهُ مِثْلُ الدَّيْنِ فَهَلَكَ؛ فَهُوَ بِمَا فِيهِ، وَيَرْجِعُ بِنِصْفِهِ عَلَى شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَاضِيًا دَيْنَ الْمُفَاوَضَةِ بِخَالِصِ مِلْكِهِ، وَهُوَ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ وَكِيلٌ عَنْهُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى مِنْ دَيْنِهِ مِنْ خَالِصِ مِلْكِهِ. قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ تِجَارَتِهِمَا عَلَى رَجُلٍ فَارْتَهَنَ أَحَدُهُمَا بِهِ رَهْنًا؛ جَازَ) سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الَّذِي وَلِيَ الْمُبَايَعَةَ أَوْ

стр. 2428

صَاحِبُهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَائِمٌ مَقَامَ صَاحِبِهِ فِي اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ الْوَاجِبِ بِالتِّجَارَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الِارْتِهَانِ بِهِ. وَأَمَّا فِي شَرِكَةِ الْعَنَانِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَرْهَنَ شَيْئًا مِنْ الشَّرِكَةِ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ خَاصَّةً، إلَّا بِرِضَا صَاحِبِهِ، كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَفِّيَ ذَلِكَ الدَّيْنَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلُ صَاحِبِهِ فِي التِّجَارَةِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ لَهُ لَا فِي صَرْفِهِ إلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ. قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْتَهِنَ رَهْنًا بِدَيْنٍ لَهُمَا مِنْ الشَّرِكَةِ عَلَى رَجُلٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي وَلِيَ الْمُبَايَعَةَ، أَوْ يَأْمُرُ مَنْ وَلِيَهُ مِنْهُمَا) اعْتِبَارًا لِلِارْتِهَانِ بِالِاسْتِيفَاءِ وَلَيْسَ لَهُ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِالِاسْتِيفَاءِ لِمَا وَلِيَهُ صَاحِبُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ، فَكَذَلِكَ الِارْتِهَانُ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ، فَيَكُونُ إلَى الْعَاقِدِ وَكِيلًا كَانَ أَوْ مَالِكًا. قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَرْتَهِنَ رَهْنًا بِدَيْنٍ وَلِيَاهُ جَمِيعًا) لِأَنَّ فِيمَا وَجَبَ بِعَقْدِ صَاحِبِهِ هُوَ لَا يَمْلِكُ الِاسْتِيفَاءَ، فَلَا يَصِحُّ ارْتِهَانُهُ بِهِ. وَلَوْ جَازَ فِي نَصِيبِهِ كَانَ مُشَاعًا، وَالشُّيُوعُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الرَّهْنِ. فَإِنْ فَعَلَ وَهَلَكَ الرَّهْنُ، وَقِيمَتُهُ مِثْلُ الدَّيْنِ؛ ذَهَبَ نِصْفُ الدَّيْنِ وَضَمِنَ نِصْفَ الرَّهْنِ فِي مَالِهِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ مِنْ الرَّهْنِ مُعْتَبَرٌ بِالْجَائِزِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ، فَكَمَا أَنَّ الْمَقْبُوضَ بِحُكْمِ الرَّهْنِ الْجَائِزِ يَكُونُ مَضْمُونًا بِقَدْرِ الدَّيْنِ، فَكَذَلِكَ الْمَقْبُوضُ بِحُكْمِ الرَّهْنِ الْفَاسِدِ. (وَطَعَنَ) عِيسَى ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنْ يَذْهَبَ نِصْفُ الدَّيْنِ وَلَا يَضْمَنَ شَيْئًا آخَرَ؛ لِأَنَّهُ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ أَجْنَبِيٌّ، وَضَمَانُ الرَّهْنِ يَنْبَنِي عَلَى يَدِ الِاسْتِيفَاءِ. فَإِذَا لَمْ تَثْبُتْ لَهُ يَدُ الِاسْتِيفَاءِ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ؛ لَا يَثْبُتُ الضَّمَانُ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ، كَمَنْ ارْتَهَنَ بِدَيْنٍ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ أَنْ يَكُونَ هُوَ عَدْلًا فِيهِ، إنْ أَجَازَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ ضَمِنَهُ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَهَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يُجِيزَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ؛ لَمْ يَضْمَنْ الْقَابِضُ شَيْئًا. وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الرَّهْنَ هُنَا عَلَى جِهَةِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، فَلَا يَكُونُ صَاحِبُهُ رَاضِيًا بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ بِدُونِ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْعَدْلِ بِشَرْطِ أَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ صَاحِبَهُ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَبِاعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ يَتَحَقَّقُ رِضَا صَاحِبِ الرَّهْنِ بِقَبْضِهِ لَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِيفَاءِ. فَلِهَذَا لَا يَضْمَنُ شَيْئًا ثُمَّ يَكُونُ لِلْآخَرِ أَنْ يُطَالِبَ الْمَدْيُونَ بِنَصِيبِهِ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ نَصِيبُهُ مِنْ الدَّيْنِ مُسْتَوْفًى بِهَلَاكِ الرَّهْنِ. [إقْرَارُ أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ بِالرَّهْنِ وَالِارْتِهَانِ] قَالَ: (وَإِقْرَارُ أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ بِالرَّهْنِ وَالِارْتِهَانِ جَائِزٌ. كَمَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِالْإِيفَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَائِمٌ مَقَامَ صَاحِبِهِ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ مَلَكَ مُبَاشَرَةَ الشَّيْءِ بِالْإِقْرَارِ بِهِ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ فَإِنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ بَعْدَ التَّصَرُّفِ أَوْ مَوْتِ أَحَدِهِمَا لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ قَدْ انْقَطَعَتْ بَيْنَهُمَا، وَقِيَامُهُ مَقَامَ صَاحِبِهِ فِي الْإِقْرَارِ كَانَ بِحُكْمِ

стр. 2429

الشَّرِكَةِ، فَلَا يَبْقَى بَعْدَ انْقِطَاعِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا. قَالَ: (وَيَجُوزُ إقْرَارُ شَرِيكِ الْعَنَانِ بِالِارْتِهَانِ فِيمَا تَوَلَّاهُ عَلَيْهِ وَعَلَى شَرِيكِهِ)؛ لِأَنَّ حَقَّ الْقَبْضِ إلَيْهِ فِيمَا تَوَلَّى سَبَبهُ. فَكَمَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِالِاسْتِيفَاءِ فِي نَصِيبِهِ وَنَصِيبِ صَاحِبِهِ، فَكَذَلِكَ إقْرَارُهُ بِالِارْتِهَانِ، وَفِيمَا وَلِيَهُ صَاحِبُهُ، وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِالِاسْتِيفَاءِ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ، وَيَجُوزُ فِي نَصِيبِهِ - اسْتِحْسَانًا - لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ إذَا أَقْبَضَ الثَّمَنَ بِتَسْلِيمِ الْمُشْتَرَى إلَيْهِ صَحَّ قَبْضُهُ - اسْتِحْسَانًا - وَكَذَلِكَ إقْرَارُهُ بِالِاسْتِيفَاءِ حَقِيقَةً، أَوْ بِالِارْتِهَانِ يَكُونُ صَحِيحًا فِي نَصِيبِهِ دُونَ نَصِيبِ صَاحِبِهِ. قَالَ (وَمَا غَصَبَهُ الْمُفَاوِضُ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ أَوْ عَقَدَ دَابَّةً، أَوْ أَحْرَقَ ثَوْبًا؛ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَضْمَنَ أَيَّهُمَا شَاءَ) وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا إلَّا أَنَّ حَاصِلَ الضَّمَانِ يَكُونُ عَلَى الْفَاعِلِ خَاصَّةً، حَتَّى لَوْ أَدَّى الْآخَرُ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِهِ، إلَّا أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَمْ يَكُنْ هُوَ فِيهِ قَائِمًا مَقَامَ شَرِيكِهِ، وَلَا مَأْذُونًا لَهُ مِنْ جِهَتِهِ فِيهِ؛ فَإِنَّ الْغَصْبَ لَيْسَ بِتِجَارَةٍ، وَبِثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي الْمَغْصُوبِ يَتَحَقَّقُ شَرْطُ تَقَرُّرِ الضَّمَانِ. فَأَمَّا الْوَاجِبُ ضَمَانُ الْفِعْلِ، فَيَكُونُ عَلَى الْفَاعِلِ خَاصَّةً، وَإِذَا أَدَّى غَيْرَهُ بِحُكْمِ الْكَفَالَةِ رَجَعَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ؛ فَإِنَّ الضَّمَانَ الْوَاجِبَ بِهِ ضَمَانُ الْعَقْدِ، وَالْفَاسِدُ مِنْ الْعَقْدِ مُعْتَبَرٌ بِالْجَائِزِ، فَكَمَا أَنَّ مَا يَجِبُ بِالصَّحِيحِ مِنْ التِّجَارَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمَا، وَإِذَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى صَاحِبِهِ، فَكَذَلِكَ مَا يَجِبُ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ. قَالَ: (وَلَوْ كَانَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا وَدِيعَةٌ فَعَمِلَ بِهَا، أَوْ كَانَتْ مُضَارَبَةً فَخَالَفَ فِيهَا؛ كَانَ الرِّبْحُ لَهُمَا) لِأَنَّ حُصُولَ الرِّبْحِ بِطَرِيقِ التِّجَارَةِ، وَفِعْلُ أَحَدِهِمَا فِيهِ كَفِعْلِهِمَا، وَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَضْمَنَ أَيَّهُمَا شَاءَ لِمَعْنَى الْكَفَالَةِ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي ضَمَانِ الْغَصْبِ وَالِاسْتِهْلَاكِ. قَالَ: (وَإِذَا غَصَبَ شَرِيكُ الْعَنَانِ شَيْئًا أَوْ اسْتَهْلَكَهُ؛ لَمْ يُؤْخَذْ بِهِ صَاحِبُهُ) لِأَنَّ عَلَى صَاحِبِهِ لَيْسَ بِكَفِيلٍ عَنْهُ. وَإِنْ اشْتَرَى شَيْئًا شِرَاءً فَاسِدًا فَهَلَكَ عِنْدَهُ؛ ضَمِنَهُ وَرَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِنِصْفِهِ لِأَنَّهُ وَكِيلُ صَاحِبِهِ بِالشِّرَاءِ، وَمَا يَجِبُ عَلَى الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ وَالصَّحِيحِ يَسْتَوْجِبُ الرُّجُوعَ بِهِ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ بِأَمْرِهِ، فَإِنَّ مُطْلَقَ التَّوْكِيلِ يَتَنَاوَلُ الْجَائِزَ وَالْفَاسِدَ مِنْ التَّصَرُّفِ. قَالَ: (وَلَوْ كَفَلَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ عَنْ رَجُلٍ بِمَهْرٍ أَوْ بِأَرْشِ جِنَايَةٍ؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ كَفَالَتِهِ بِدَيْنٍ آخَرَ لَا يُؤْخَذُ بِهِ شَرِيكُهُ) فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُؤَاخَذُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُفَاوِضِ بِسَبَبِ الْكَفَالَةِ لَا بِسَبَبِ النِّكَاحِ. وَالْجِنَايَةُ وَالْأَرْشُ وَالْمَهْرُ فِي حَقِّهِمَا كَسَائِرِ الدُّيُونِ بِخِلَافِ الْمَهْرِ وَالْأَرْشِ الْوَاجِبِ عَلَى أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ؛ فَإِنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ بِسَبَبِ النِّكَاحِ وَالْجِنَايَةِ، وَالشَّرِيكُ غَيْرُ مُتَحَمِّلٍ فِيهِ مَا يَجِبُ لِهَذَا السَّبَبِ، وَلِهَذَا لَا يُؤَاخَذُ وَاحِدٌ مِنْ الْمُتَفَاوِضَيْنِ

стр. 2430

بِنَفَقَةِ امْرَأَةِ شَرِيكِهِ وَلَا مُتْعَتِهَا، وَلَا بِنَفَقَةٍ يَفْرِضُهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ لِذَوِي أَرْحَامِهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ لَا يَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ فِيمَا يَجِبُ بِاعْتِبَارِ سَبَبٍ يَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ. قَالَ: (وَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ لِامْرَأَتِهِ غَيْرِ الْمَهْرِ - مِنْ شِرَاءٍ أَوْ قَرْضٍ - لَمْ يَلْزَمْ شَرِيكَهُ مِنْهُ شَيْءٌ) فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَيَلْزَمُ الْمُفَاوِضَ الْمُقِرَّ خَاصَّةً، وَكَذَلِكَ إقْرَارُهُ لِكُلِّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ - مِنْ آبَائِهِ وَأَوْلَادِهِ وَعَبِيدِهِ وَمُكَاتِبِيهِ - فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا -: إقْرَارُهُ لِهَؤُلَاءِ جَائِزٌ عَلَيْهِمَا مَا خَلَا عَبْدَهُ وَمُكَاتَبَهُ. وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَبِيعُ بِمُطْلَقِ الْوَكَالَةِ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ هَؤُلَاءِ إلَّا مِنْ عَبْدِهِ وَمُكَاتَبِهِ، فَمِنْ أَصْلِهِمَا أَنَّ الْأَمْلَاكَ بَيْنَهُمَا مُتَبَايِنَةٌ، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وِلَايَةُ إيجَابِ الْحَقِّ لِصَاحِبِهِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ عِنْدَ تَسْلِيطِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ كَمَا فِي حَقِّ الْأَجَانِبِ، وَلَا يَكُونُ مِنْهُمَا فِي ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْقَرَابَةِ - بِخِلَافِ الْعَبْدِ، فَكَتْبُهُ مِلْكُ هَؤُلَاءِ - وَلِلْمَوْلَى حَقُّ الْكَسْبِ فِي مِلْكِ الْمُكَاتَبِ؛ فَلَا يَكُونُ مُتَّهَمًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ مُكَاتَبِهِ وَعَبْدِهِ. وَبِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّ التَّسْلِيطَ مِمَّنْ لَهُ الْحَقُّ غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَاكَ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فِي التَّوْكِيلِ فَكَذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ، أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يُوجِبُ الْحَقَّ لِلْمُقِرِّ لَهُ فِي مَالِ صَاحِبِهِ بِتَسْلِيطِهِ، فَامْرَأَتُهُ وَأَبُوهُ فِي ذَلِكَ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: هُوَ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّ شَهَادَتَهُ لَهُمْ لَا تَصِحُّ مُوجِبَةً لِلْحُكْمِ. وَالْإِنْسَانُ إنَّمَا يُمَلِّكُ الْحَقَّ لِلْغَيْرِ فِي مَالِ الْغَيْرِ عِنْدَ تَسْلِيطِهِ بِصِفَةِ الْأَمَانَةِ؛ فَلَا يُمَلِّكُ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ لِتَمَكُّنِ تُهْمَةِ الْمَيْلِ إلَيْهِمْ - كَمَا فِي حَقِّ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ - وَلَكِنْ هَذِهِ التُّهْمَةُ فِي نُفُوذِ إقْرَارِ الْمُفَاوِضِ عَلَى شَرِيكِهِ، لَا فِي نُفُوذِ إقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ؛ فَلِهَذَا لَزِمَ الْمَالَ الْمُقِرُّ خَاصَّةً. قَالَ: (وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ لِامْرَأَتِهِ وَهِيَ بَائِنَةٌ مُعْتَدَّةٌ مِنْهُ) وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَجُوزُ إقْرَارُهُ لَهَا فِي حَقِّ شَرِيكِهِ، وَأَصْلُهُ فِي الشَّهَادَةِ. فَإِنَّهُ إذَا شَهِدَ لِلْمُبَايَنَةِ وَهِيَ تَعْتَدُّ مِنْهُ؛ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ ﵀ لِانْقِطَاعِ السَّبَبِ الْمُمَكِّنِ لِلتُّهْمَةِ - وَهُوَ النِّكَاحُ - كَمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهَا؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ، فَبَقَاؤُهَا كَبَقَاءِ أَصْلِ النِّكَاحِ. أَلَا تَرَى أَنَّ فِي نِكَاحِ أُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا جُعِلَتْ هَذِهِ الْعِدَّةَ كَالنِّكَاحِ، (وَكَذَلِكَ) فِي اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى وَوُقُوعِ طَلَاقِهِ عَلَيْهَا، فَكَذَلِكَ فِي الْمَنْعِ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ لَهَا، وَفِي امْتِنَاعِ صِحَّةِ إقْرَارِهِ لَهَا فِي حَقِّ الشَّرِيكِ. قَالَ: (وَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا وَقَدْ

стр. 2431

دَخَلَ بِهَا: فَإِنْ أَقَرَّ لَهَا بِمَهْرِهَا يَلْزَمُ شَرِيكَهُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْمَهْرِ بِسَبَبٍ لَا يَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ - فَاسِدًا كَانَ النِّكَاحُ أَوْ صَحِيحًا -). وَإِنْ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ غَيْرِ الْمَهْرِ؛ لَزِمَهَا جَمِيعًا لِأَنَّ هَذِهِ الْعِدَّةَ لَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ، وَلَكِنَّهَا تَجِبُ لِاشْتِغَالِ الرَّحِمِ بِالْمَاءِ. أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى بِاعْتِبَارِهَا، وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقُهُ، (وَكَذَلِكَ) لَوْ أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ؛ لَزِمَهُمَا جَمِيعًا - وَإِنْ كَانَتْ فِي عِدَّتِهِ - لِأَنَّ هَذِهِ الْعِدَّةَ لَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ. أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى بِاعْتِبَارِهِ، وَكَذَلِكَ لَا تُمْنَعُ مِنْ الْخُرُوجِ وَالسُّوقِ فِي هَذِهِ الْعِدَّةِ - بِخِلَافِ عِدَّةِ النِّكَاحِ - وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقُهُ، وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا سِوَاهَا فِي هَذِهِ الْعِدَّةِ بِخِلَافِ عِدَّةِ النِّكَاحِ؛ فَلِهَذَا كَانَتْ كَالْأَجْنَبِيَّةِ فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ وَالْإِقْرَارِ لَهَا حَتَّى يَثْبُتَ الْمُقِرُّ بِهِ فِي حَقِّهِمَا، وَيَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا لِأُمِّ امْرَأَتِهِ وَوَلَدِهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْإِقْرَارِ بِالشَّهَادَةِ. قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْمَرْأَةِ الْمُفَاوِضَةِ بِالدَّيْنِ لِزَوْجِهَا عَلَى شَرِيكِهَا، كَمَا لَا يَجُوزُ شَهَادَتُهَا لَهُ) وَيَجُوزُ إقْرَارُهَا بِالدَّيْنِ لِأَبَوَيْ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ مِنْ غَيْرِهَا عَلَيْهَا وَعَلَى شَرِيكِهَا، كَمَا يَجُوزُ شَهَادَتُهَا. [أَعْتَقَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ عَبْدًا مِنْ شَرِكَتِهِمَا] قَالَ: (وَإِذَا أَعْتَقَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ عَبْدًا مِنْ شَرِكَتِهِمَا؛ فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي غَيْرِ الْمُفَاوِضِ) لِأَنَّ الْعِتْقَ لَيْسَ مِمَّا تَقْتَضِيهِ الْمُفَاوَضَةُ، وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ إعْتَاقِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ الْعَبْدَ الْمُشْتَرَكَ فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ. قَالَ: (وَإِذَا افْتَرَقَ الْمُتَفَاوِضَانِ ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: كُنْت كَاتَبْت هَذَا الْعَبْدَ فِي الشَّرِكَةِ؛ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ) لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى صَاحِبِهِ بِمَا لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ فِي الْحَالِ، وَصِحَّةُ إقْرَارِ الْمُقِرِّ فِي حَقِّ الْغَيْرِ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ لِلْإِنْشَاءِ، وَلَكِنَّ إقْرَارَهُ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ صَحِيحٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَإِنْشَاءِ مُكَاتَبَتِهِ، وَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَرُدَّهُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ مَا يَحْلِفُ عَلَى عِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِمَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى شَرِيكِهِ صَارَ الْعَبْدُ كُلُّهُ مُكَاتَبًا، فَإِذَا أَنْكَرَ يُسْتَحْلَفُ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ الِاسْتِحْلَافُ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ يَكُونُ عَلَى الْعِلْمِ، فَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاتَبَ فِي الْمُفَاوَضَةِ. وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي الشَّرِكَةِ مَعْنَاهُ أَنَّ إقْرَارَهُ يَصِحُّ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ خَاصَّةً، وَلَا يَشْتَغِلُ بِاسْتِحْلَافِ الْآخَرِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَنْشَأَ الْعِتْقَ فِي حَالِ بَقَاءِ الشَّرِكَةِ لَمْ يَنْفُذْ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ. قَالَ: (فَإِنْ تَفَرَّقَا وَأَشْهَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ شَرِكَةٍ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: قَدْ كُنْت أَعْتَقْت هَذَا الْعَبْدَ فِي الشَّرِكَةِ وَقَدْ دَخَلَ نِصْفُ قِيمَتِهِ فِيمَا تَرَتَّبَ إلَيْك مَرَّةً، فَصَدَّقَهُ الْآخَرُ فِي عِتْقِهِ وَقَالَ: كُنْت اخْتَرْت اسْتِسْقَاءَ الْعَبْدِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ) لِأَنَّ الْخِيَارَ إلَيْهِ فِي تَعْيِينِ مَحَلِّ حَقِّهِ، فَلَا يَمْلِكُ الْمُقِرُّ

стр. 2432

إبْطَالَ هَذَا الْحَقِّ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ مَالِيَّةَ نِصْفِ الْعَبْدِ عَرَفْنَاهُ حَقًّا لَهُ، وَالْمُقِرُّ يُرِيدُ إسْقَاطَ حَقِّهِ بِمَا ذَكَرُ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَعَلَى الْمُنْكِرِ الْيَمِينُ، فَإِذَا حَلَفَ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَسْقِيَ الْعَبْدَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الشَّرِيكِ؛ لِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ بِاخْتِيَارِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَذَلِكَ مُوجَبُ بَرَاءَةِ الْمُعْتَقِ عَنْ الضَّمَانِ بِالْبَرَاءَةِ. قَالَ: (فَإِنْ قَالَ: قَدْ كُنْت اخْتَرْت ضَمَانَك؛ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ الضَّمَانِ بِالْبَرَاءَةِ) لِأَنَّهُ حَقُّهُ تَقَرَّرَ فِي ذِمَّتِهِ بِزَعْمِهِ، وَبَرِئَ الْعَبْدُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ صَارَ مُبَرِّئًا شَرِيكَهُ بِالْإِشْهَادِ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ شَرِكَةٍ. وَإِنْ قَالَ: مَا كُنْت اخْتَرْت شَيْئًا فَأَنَا عَلَى خِيَارِي؛ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لِأَنَّ الْخِيَارَ كَانَ ثَابِتًا لَهُ، وَالِاخْتِيَارُ حَادِثٌ مِنْ قِبَلِهِ، فَإِذَا أَنْكَرَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يَسْتَسْقِيَ الْعَبْدَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضْمَنَ الشَّرِيكَ لِأَجْلِ الْبَرَاءَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ تَقَرَّرَ ضَمَانُ نَصِيبِهِ فِي ذِمَّتِهِ بِاخْتِيَارِهِ تَضْمِينَهُ؛ سَقَطَ ذَلِكَ بِالْإِشْهَادِ عَلَى الْبَرَاءَةِ فَقِيلَ: تَقَرُّرُ الضَّمَانِ لَأَنْ يَسْتَفِيدَ الْبَرَاءَةَ مِنْهُ بِالْإِشْهَادِ عَلَى الْبَرَاءَةِ أَوْلَى. وَإِذَا سَقَطَ حَقُّهُ فِي تَضْمِينِهِ تَعَيَّنَ فِي اسْتِسْقَاءِ الْعَبْدِ - كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ بِرِضَاهُ - وَإِنْ أَقَامَ الْمُقِرُّ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ اخْتَارَ ضَمَانَهُ جُعِلَ وَالثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ؛ فَيَبْرَأُ هُوَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ. وَإِنْ قَالَ الشَّرِيكُ: لَمْ يُعْتِقْهُ إلَّا بَعْدَ الْفُرْقَةِ؛ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ حَادِثٌ، فَيُحَالُ بِهِ عَلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ، وَلَا يُصَدَّقُ الْمُقِرُّ فِي الْإِسْنَادِ إلَّا بِحُجَّةٍ، فَإِنْ أَقَامَ الْمُعْتَقُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي الْمُفَاوَضَةِ، وَضَمِنَ لَهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَاخْتَارَ سِقَايَةَ الْعَبْدِ؛ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُعْتَقِ، وَبَرِئَ هُوَ وَالْعَبْدُ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ، لِأَنَّهُ أَثْبَتَ بَيِّنَتَهُ بِسَبْقِ التَّارِيخِ فِي الْإِعْتَاقِ، وَأَبْقَى مَا لَزِمَهُ مِنْ الضَّمَانِ بِهِ، وَالشَّرِيكَ بِبَيِّنَتِهِ يَبْغِي ذَلِكَ - وَالْبَيِّنَاتُ لِلْإِثْبَاتِ - فَيَتَرَجَّحُ بِزِيَادَةِ الْإِثْبَاتِ. قَالَ: (وَلَوْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدًا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فِي الشَّرِكَةِ وَقَبَضَهَا مِنْهُ وَمَاتَ الْعَبْدُ؛ فَقَدْ دَخَلَ فِيمَا بَرِئْت إلَيْك مِنْهُ، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ كَاتَبْته بَعْدَ الْفُرْقَةِ) فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي لَمْ يُكَاتَبْ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَدَّعِي سَبْقَ التَّارِيخِ فِي عَقْدِهِ، فَلَا يُصَدَّقْ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى عِلْمِهِ، فَإِذَا حَلَفَ يَأْخُذُ نِصْفَ الْأَلْفِ مِنْ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ، وَقَدْ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْفُرْقَةِ. وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا كَثِيرًا، فَقَالَ الْمُكَاتِبُ: كَاتَبْتُهُ بَعْدَ الْفُرْقَةِ وَأَنَا وَارِثُهُ، وَقَالَ الْآخَرُ: كَاتَبْته فِي الْمُفَاوَضَةِ وَنَحْنُ وَارِثَاهُ جَمِيعًا، وَلَمْ يَرُدَّ الْمُكَاتَبُ شَيْئًا بَعْدُ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي لَمْ يُكَاتِبْ، لِأَنَّ مِلْكَهُ فِي نِصْفِ الْمُكَاتَبِ كَانَ ظَاهِرًا، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْمِلْكَ لَهُ فِي نِصْفِ الْكَسْبِ، فَالشَّرِيكُ بِمَا قَالَ يَدَّعِي بِمِلْكِ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَهُوَ مُنْكِرٌ ذَلِكَ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ

стр. 2433

الَّذِي لَمْ يُكَاتِبْ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِذَا حَلَفَ كَانَ مُكَاتَبًا بَيْنَهُمَا، وَقَدْ مَاتَ فَيَأْخُذَانِ الْمُكَاتَبَةَ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَالْبَاقِي مِيرَاثٌ. قَالَ: لِأَنَّ وَلَاءَهُ لَهُمَا. قَالَ: (وَلَوْ مَاتَ الْمُتَفَاوِضَانِ وَاقْتَسَمَ الْوَرَثَةُ جَمِيعَ التَّرِكَةِ، ثُمَّ وَجَدُوا مَالًا كَثِيرًا، فَقَالَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ: كَانَ هَذَا فِي قَسْمِنَا؛ لَمْ يُصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّهُمْ تَصَادَقُوا عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَالَ كَانَ مُشْتَرَكًا فِي الْأَصْلِ، فَدَعْوَى أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ لِلِاخْتِصَاصِ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُقْبَلُ فِي حَقِّ الْآخَرِ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَعَلَى الْفَرِيقِ الْآخَرِ الْيَمِينُ. فَإِذَا حَلَفُوا كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ صُدِّقُوا إنْ كَانُوا قَدْ أَشْهَدُوا بِالْبَرَاءَةِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ اخْتِصَاصِهِمْ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ قَدْ ظَهَرَ، وَهُوَ الْإِشْهَادُ بِالْبَرَاءَةِ الْعَامَّةِ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَشْهَدُوا بِالْبَرَاءَةِ فَهُوَ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا بَعْدَ مَا يَحْلِفُ الْآخَرُونَ مَا دَخَلَ هَذَا فِي قَسْمِ هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّا عَرَفْنَاهُ مُشْتَرَكًا فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ ذُو الْيَدِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ مَا لَمْ نَعْلَمْ فِيهِ حَقًّا لِغَيْرِهِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ مَعْلُومًا، فَلَا يَسْتَحِقُّ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، بَلْ بِالْإِشْهَادِ عَلَى الْبَرَاءَةِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ؛ وَهَذَا لِأَنَّ دَعْوَى الْبَعْضِ فِيمَا فِي يَدِ الْغَيْرِ كَدَعْوَى الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ. وَبَعْدَ الْإِشْهَادِ عَلَى الْبَرَاءَةِ الْمُطْلَقَةِ لَا تُسْمَعُ مِنْهُ دَعْوَى مَا فِي ذِمَّتِهِ مُطْلَقًا، فَكَذَلِكَ لَا تُسْمَعُ مِنْهُ دَعْوَى مَا فِي يَدِهِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْإِشْهَادِ عَلَى الْبَرَاءَةِ. قَالَ: (وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ مَالٌ فَقَالُوا: هَذَا لِأَبِينَا قَبْلَ الْمُفَاوَضَةِ؛ لَمْ يُصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ) لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَ مُوَرِّثِهِمْ، وَلَوْ ادَّعَى الْمُوَرِّثُ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ لَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ مِنْهُ، وَكَانَ مَا فِي يَدِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ نِصْفَيْنِ - كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْمُفَاوَضَةِ - فَكَذَلِكَ دَعْوَى الْوَرَثَةِ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانُوا قَدْ شَهِدُوا بِالْبَرَاءَةِ مِمَّا كَانَ فِي الشَّرِكَةِ ثُمَّ أَقَرُّوا بِهَذَا، وَلِلْفَرِيقِ الْآخَرِ نِصْفه؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ، وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ هَذَا مَا لَمْ تَتَنَاوَلْهُ الْبَرَاءَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ الشَّرِكَةِ، وَكَانَ حُكْمُ هَذَا الْمَالِ بَعْدَ الْإِشْهَادِ عَلَى الْبَرَاءَةِ كَمَا قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْبَرَاءَةُ مِمَّا كَانَ فِي الشَّرِكَةِ وَغَيْرِهِ؛ فَلَا حَقَّ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْبَرَاءَةِ بِهَذَا اللَّفْظِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا أَوْ مِنْ غَيْرِ شَرِكَتِهِمَا. قَالَ: (وَكُلُّ مَا اشْتَرَى أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ مِنْ التِّجَارَةِ، وَغَيْرِهَا فَهُوَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ) إلَّا أَنِّي أَسْتَحْسِنُ فِي كِسْوَتِهِ وَكِسْوَةِ عِيَالِهِ وَقُوتِهِمْ مِنْ الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَاصَّةً - دُونَ شَرِيكِهِ - لِأَنَّ مُقْتَضَى الْمُفَاوَضَةِ الْمُسَاوَاةُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَائِمٌ مَقَامَ صَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ، وَكَانَ شِرَاءُ أَحَدِهِمَا كَشِرَائِهِمَا جَمِيعًا، وَالْقِيَاسُ فِي الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ وَالْإِدَامِ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ شِرَاءَ ذَلِكَ مِنْ عُقُودِ التِّجَارَةِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَهُ فَقَالَ: هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ قَضِيَّةِ الْمُفَاوَضَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِينَ شَارَكَ صَاحِبَهُ كَانَ عَالِمًا بِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ فِي مُدَّةِ الْمُفَاوَضَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَقْصِدْ بِالْمُفَاوَضَةِ أَنْ تَكُونَ نَفَقَتُهُ وَنَفَقَةُ عِيَالِهِ عَلَى شَرِيكِهِ، وَقَدْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَحْصِيلِ

стр. 2434

حَاجَتِهِ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِالشِّرَاءِ، فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَثْنِيًا هَذَا الْمِقْدَارَ مِنْ تَصَرُّفِهِ كَمَا هُوَ مِنْ مُقْتَضَى الْمُفَاوَضَةِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ الْمَعْلُومُ بِدَلَالَةِ الْحَالِ كَالِاسْتِثْنَاءِ بِالشَّرْطِ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْمُفَاوَضَةِ إنَّمَا يُوجِبُ الْمُسَاوَاةَ شَرْعًا فِيمَا يَتَمَكَّنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْوِقَايَةِ، وَذَلِكَ فِيمَا سِوَى الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ وَالْإِدَامِ. فَإِنْ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ كَانَ لَهُ خَاصَّةً، وَلِلْبَائِعِ أَنْ يُطَالِبَ بِالثَّمَنِ أَيَّهُمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ بَاشَرَ سَبَبَ الِالْتِزَامِ، وَالْآخَرُ كَفَلَ عَنْهُ مَا لَزِمَهُ بِالشِّرَاءِ بِسَبَبِ الشَّرِكَةِ. فَإِذَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ؛ رَجَعَ الْمُؤَدِّي عَلَى الْمُشْتَرِي بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ الثَّمَنَ كَانَ عَلَيْهِ خَاصَّةً، وَقَدْ قُضِيَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ. وَإِنْ كَانَتْ الْأَشْيَاءُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَجَحَدَ الْمُفَاوَضَةَ؛ فَقَدْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ لِجُحُودِهِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفَرِدُ بِفَسْخِ الشَّرِكَةِ بِمَحْضَرٍ مِنْ صَاحِبِهِ، فَجُحُودُهُ يَكُونُ فَسْخًا؛ لِأَنَّهُ يَنْفِي بِالْجُحُودِ عَقْدَ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا فِيمَا مَضَى. وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ فِي الْحَالِ، وَهُوَ ضَامِنٌ لِنِصْفِ جَمِيعِ مَا فِي يَدِهِ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُفَاوَضَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَمِينًا فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ. فَبِالْجُحُودِ يَصِيرُ ضَامِنًا - كَالْمُودَعِ إذَا جَحَدَ الْوَدِيعَةَ -. وَكَذَلِكَ لَوْ جَحَدَ وَارِثُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ الْآخَرِ فِي يَدِ وَارِثِ الْمَيِّتِ أَمَانَةٌ، فَبِالْجُحُودِ يَصِيرُ ضَامِنًا. فَإِنْ مَاتَا وَأَوْصَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى رَجُلٍ فَوَصِيُّ كُلِّ وَاحِدِ مِنْهُمَا يُطَالَبُ بِمَا وَلَّى مُوصِيهِ مُبَايَعَتَهُ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوصِي، وَقَدْ انْقَطَعَتْ الشَّرِكَةُ بِمَوْتِهِمَا، وَلَا يُطَالَبُ بِالدَّيْنِ إلَّا مَنْ هُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الَّذِي وَلِيَ الْمُبَايَعَةَ. فَإِذَا قَبَضَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَلَا عَلَى الْوَرَثَةِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا مُقِرِّينَ بِالْمُفَاوَضَةِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمُوَصِّي قَبَضَ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ مُقِرٌّ بِالْمُفَاوَضَةِ، كَانَ أَمِينًا فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ. قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَى أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ جَارِيَةً لِخَاصَّةِ نَفْسِهِ لِيَطَأَهَا: فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا بِغَيْرِ أَمْرِ شَرِيكِهِ؛ فَهِيَ بَيْنَهُمَا) وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا؛ لِأَنَّ هَذَا الشِّرَاءَ مَا صَارَ مُسْتَثْنًى مِنْ مُقْتَضَى الشَّرِكَةِ، وَأَنَّهُ مَا كَانَ يُعْلَمُ وُقُوعُ الْحَاجَةِ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الشَّرِكَةِ؛ فَيَقَعُ عَلَى مُقْتَضَى الشَّرِكَةِ، وَلَيْسَ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ وَطْءُ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ - وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ - وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَ بِالثَّمَنِ أَيَّهُمَا شَاءَ، وَيَحْتَسِبَانِ بِهِ فِيمَا بَيْنَهُمَا مِنْ حِصَّةِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِمَنْزِلَةِ مَا يَشْتَرِيهِ مِنْ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ، لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ. (وَذُكِرَ) فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْجَارِيَةَ لِلْمُشْتَرِي بِغَيْرِ شَيْءٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَلَهُ أَنْ يَطَأَهَا، وَأَيُّهُمَا نَقَدَ الثَّمَنَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذَا أَدَّيَا الثَّمَنَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ؛ فَلِلشَّرِيكِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ. فَتَبَيَّنَ بِمَا ذُكِرَ هُنَاكَ أَنَّ الْجَوَابَ الْمَذْكُورَ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ

стр. 2435

قَوْلُهُمَا. وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ اُخْتُصَّ بِمِلْكِهَا بِالشِّرَاءِ فَيَلْزَمُهُ ثَمَنُهَا؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ بِمُقَابَلَةِ الْمِلْكِ، فَإِذَا أَدَّاهُ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ رَجَعَ شَرِيكُهُ عَلَيْهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ - كَمَا فِي الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ -؛ وَهَذَا لِأَنَّ اعْتِبَارَ إذْنِ الشَّرِيكِ لِيَصِيرَ بِهِ هَذَا الْعَقْدُ مُسْتَثْنًى مِنْ مُقْتَضَى الشَّرِكَةِ، فَإِذَا وُجِدَ الْتَحَقَ بِالْمُسْتَثْنَى بِدُونِ إذْنِهِ - وَهُوَ الطَّعَامُ وَالْكِسْوَةُ - وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: صَارَ مُشْتَرِيًا الْجَارِيَةَ عَلَى الشَّرِكَةِ، وَقَدْ نَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ؛ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ. كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا بِغَيْرِ أَمْرِ شَرِيكِهِ؛ وَهَذَا لِأَنَّهُمَا لَا يَمْلِكَانِ تَغْيِيرَ مُقْتَضَى الشَّرِكَةِ مَعَ بَقَائِهَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ شَرَطَا التَّفَاوُتَ بَيْنَهُمَا فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ مَعَ عَقْدِ الشَّرِكَةِ، وَلَكِنَّ تَأْثِيرَ إذْنِ شَرِيكِهِ فِي تَمْلِيكِ نَصِيبِهِ مِنْ الْمُشْتَرَى بَعْدَ الشَّرِكَةِ، فَيَكُونُ وَاهِبًا لِنَصِيبِهِ مِنْ شَرِيكِهِ. وَلَوْ أَنَّهُمَا اشْتَرَيَا جَارِيَةً ثُمَّ وَهَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْ صَاحِبِهِ؛ كَانَتْ الْجَارِيَةُ لَهُ خَاصَّةً يَطَؤُهَا، وَالثَّمَنُ عَلَيْهِمَا، فَهَذَا مِثْلُهُ. يُقَرِّرُهُ: أَنَّ إذْنَ الشَّرِيكِ عَلَيْهِمَا مُعْتَبَرٌ فِيمَا لَا يَثْبُتُ بِدُونِ إذْنِهِ، وَشِرَاءُ أَحَدِهِمَا صَحِيحٌ بِدُونِ إذْنِ شَرِيكِهِ، وَكَذَلِكَ الْمِلْكُ فِي الْمُشْتَرَى يَكُونُ لَهُمَا، وَالثَّمَنُ عَلَيْهِمَا بِدُونِ إذْنِ الشَّرِيكِ؛ فَعَرَفْنَا أَنَّ اعْتِبَارَ إذْنِهِ فِي الْقَرَارِ الْمُشْتَرَى بِمِلْكِ الْجَارِيَةِ، وَلِذَلِكَ طَرِيقَانِ: إمَّا بِنَفْسِ الشِّرَاءِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ مَعَ قِيَامِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا، وَإِمَّا بِهِبَةِ أَحَدِهِمَا نَصِيبَهُ مِنْ صَاحِبِهِ، وَذَلِكَ مُمْكِنٌ، فَيَجِبُ تَحْصِيلُ مَقْصُودِهِمَا بِالطَّرِيقِ الْمُمْكِنِ، وَيُجْعَلُ هَذَا الطَّرِيقَ الْمُتَعَيَّنَ لِتَحْصِيلِ مَقْصُودِهِمَا كَتَصْرِيحِهِمَا بِهِ - بِخِلَافِ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ - لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى مِنْ مُقْتَضَى الشَّرِكَةِ، فَكَانَ الْمِلْكُ فِي الْمُشْتَرَى لِلْمُشْتَرِي خَاصَّةً بِعَقْدِ الشِّرَاءِ؛ فَلِهَذَا كَانَ الثَّمَنُ عَلَيْهِ خَاصَّةً. قَالَ: (فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا بِأَمْرِ صَاحِبِهِ فَوَطِئَهَا، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَأْخُذَ بِالْعَقْدِ أَيَّهُمَا شَاءَ) لِأَنَّهُ دَيْنٌ وَجَبَ عَلَى أَحَدِهِمَا بِسَبَبِ التِّجَارَةِ - وَهُوَ الشِّرَاءُ - فَإِنَّهُ لَوْلَا الشِّرَاءُ لَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْحَدَّ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَوَطِئَهَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْعُقْرِ عَلَيْهِ هُنَاكَ بِاعْتِبَارِ النِّكَاحِ، وَالنِّكَاحُ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ فِي شَيْءٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ يُؤَاخَذُ بِالْعُقْرِ بِسَبَبِ الشِّرَاءِ فِي الْحَالِ، وَلَا يُؤَاخَذُ بِالْعُقْرِ بِسَبَبِ النِّكَاحِ حَتَّى يُعْتَقَ. قَالَ: (وَإِذَا بَاعَ أَحَدُهُمَا جَارِيَةً مِنْ تِجَارَتِهِمَا بِنَسِيئَةٍ؛ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ)؛ لِأَنَّ فِعْلَ أَحَدِهِمَا فِي الْبَيْعِ كَفِعْلِهِمَا، وَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا بَائِعٌ وَالْآخَرُ تَبَعٌ لَهُ، وَمَنْ بَاعَ أَوْ بِيعَ لَهُ؛ لَمْ يَجُزْ شِرَاؤُهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ قَبْلَ الْعَقْدِ. وَإِنْ وَهَبَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ لِلْمُشْتَرِي أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ؛ جَازَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَيَضْمَنُ نَصِيبَ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ وَكِيلٌ بِالْبَيْعِ، وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ

стр. 2436

إذَا أَبْرَأَ الْمُشْتَرَى عَنْ الثَّمَنِ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ جَازَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَكَانَ ضَامِنًا مِثْلَهُ لِلْمُوَكِّلِ، وَلَمْ يَجُزْ إبْرَاؤُهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فَكَذَلِكَ هَذَا فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْهِبَةَ وَالْإِبْرَاءَ لَيْسَ مِمَّا تَقْتَضِيهِ الْمُفَاوَضَةُ، وَإِنْ كَانَ الشَّرِيكُ هُوَ الَّذِي وَهَبَ الثَّمَنَ مِنْ الْمُشْتَرِي؛ جَازَ فِي نِصْفِهِ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِنَصِيبِهِ، فَيَجُوزُ إسْقَاطُ الثَّمَنِ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ كَالْمُوَكِّلِ إذَا أَبْرَأَ الْمُشْتَرِي. فَأَمَّا فِي نَصِيبِ الْبَائِعِ: الشَّرِيكُ لَيْسَ بِمَالِكٍ وَلَا عَاقِدٍ؛ فَلَا تَصِحُّ هِبَتُهُ، وَإِنْ أَقَالَهُ الْبَيْعَ جَازَ عَلَيْهِ وَعَلَى الَّذِي وَلِيَ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ، فَكَانَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْمُفَاوَضَةِ، فَإِنَّ الْإِقَالَةَ كَالْبَيْعِ الْجَدِيدِ، وَلِهَذَا تَصِحُّ مِنْ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ، وَكَذَلِكَ تَصِحُّ مِنْ الْمُفَاوِضِ وَالشَّرِيكِ شَرِكَةَ عَنَانٍ. قَالَ: (وَلَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ دَرَاهِمَ فِي طَعَامٍ؛ جَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا) لِأَنَّهُ شِرَاءٌ بِنَسِيئَةٍ، وَهُوَ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ، فَفِعْلُ أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ كَفِعْلِهِمَا. وَكَذَلِكَ لَوْ تَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا عِينَةً عِينَةً، وَصُورَةُ الْعِينَةِ أَنْ يَشْتَرِيَ عَيْنًا بِالنَّسِيئَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ لِيَبِيعَهُ بِقِيمَتِهِ بِالنَّقْدِ، فَيَحْصُلَ لَهُ الْمَالُ، وَهَذَا مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ بِفِعْلِ أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ فِيهِ كَفِعْلِهِمَا، وَهَذَا بِخِلَافِ أَحَدِ شَرِيكَيْ الْعَنَانِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ إنَّمَا يَمْلِكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الشِّرَاءَ بِالنَّسِيئَةِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ جِنْسُ ذَلِكَ الثَّمَنِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فَشِرَاؤُهُ بِالنَّسِيئَةِ اسْتِدَانَةٌ عَلَى الْمَالِ، وَوِلَايَةُ الِاسْتِدَانَةِ لَا تُسْتَفَادُ بِشَرِكَةِ الْعَنَانِ، وَتُسْتَفَادُ بِالْمُفَاوَضَةِ. قَالَ: (وَلَوْ قَبِلَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ رَأْسَ مَالٍ أَسْلَمَ إلَيْهِ صَاحِبُهُ فِي طَعَامٍ؛ كَانَ جَائِزًا عَلَى شَرِيكِهِ)؛ لِأَنَّ قَبُولَ السَّلَمِ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ. (فَإِنْ قِيلَ): كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا، وَالتَّوْكِيلُ بِقَبُولِ السَّلَمِ لَا يَصِحُّ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلٌ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ، فَإِنَّمَا يَنْفُذُ مِنْ تَصَرُّفِهِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا يَنْفُذُ مِنْ الْوَكِيلِ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ (قُلْنَا): هَذَا فِي شَرِكَةِ الْعَنَانِ هَكَذَا، فَأَمَّا الْمُفَاوَضَةُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ تِجَارَةٍ - وَقَبُولُ السَّلَمِ مِنْ التِّجَارَةِ - يُوَضِّحُهُ: أَنَّ قَبُولَ السَّلَمِ تَبَعُ مَا فِي ذِمَّتِهِ، وَالْتِزَامُ ضَمَانِ مَا فِي الذِّمَّةِ بِمَالٍ يَأْخُذُهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَجَّرَ نَفْسَهُ بِعَمَلٍ - مِنْ خِيَاطَةٍ أَوْ نَحْوِهَا -. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ يَنْفُذُ مِنْهُ فِي حَقِّ شَرِيكِهِ الْمُفَاوَضِ حَتَّى يُطَالَبَ بِهِ. فَكَذَلِكَ قَبُولُ السَّلَمِ. قَالَ: (وَإِذَا بَاعَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ عَبْدًا بِنَسِيئَةٍ ثُمَّ مَاتَ؛ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهِ أَنْ يُخَاصِمَ فِيهِ)؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ انْقَطَعَتْ بَيْنَهُمَا بِالْمَوْتِ، فَإِنَّمَا تَبْقَى وِلَايَةُ الْمُطَالَبَةِ وَالْخُصُومَةِ بِالْعَقْدِ، وَذَلِكَ إلَى الْعَاقِدِ أَوْ إلَى مَنْ قَامَ مَقَامَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ وَصِيٍّ أَوْ وَارِثٍ، وَلَكِنْ إنْ أَعْطَاهُ الْمُشْتَرِي نِصْفَ الثَّمَنِ؛ بَرِئَ مِنْهُ لِأَنَّ نِصْفَ الثَّمَنِ مِلْكُهُ إذَا قَبَضَهُ وَصِيُّ الْمَيِّتِ يَلْزَمُهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ، فَإِذَا دَفَعَهُ الْمُشْتَرِي إلَيْهِ بِنَفْسِهِ؛ بَرِئَ

стр. 2437

اسْتِحْسَانًا - كَالْمُشْتَرِي مِنْ الْوَكِيلِ إذَا دَفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْمُوَكِّلِ يَبْرَأُ اسْتِحْسَانًا. قَالَ: (وَإِذَا بَاعَ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ ثَوْبًا مِنْ الشَّرِكَةِ لِيَقْطَعَهُ؛ جَازَ) لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ مُقَيَّدٌ، فَإِنَّ الثَّوْبَ قَبْلَ هَذَا الْبَيْعِ مِنْ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا، وَبَعْدَ هَذَا الْبَيْعِ يَخْتَصُّ الْمُشْتَرِي بِمِلْكِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا لِكِسْوَتِهِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ يَخْتَصُّ بِمِلْكِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَاهُ مِنْ صَاحِبِهِ. وَالشِّرَاءُ إذَا كَانَ مُقَيَّدًا كَانَ صَحِيحًا - كَالْمَوْلَى إذَا اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ كَسْبِ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ الْمَدْيُونِ لِنَفْسِهِ، أَوْ رَبِّ الْمَالِ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ مِنْ الْمُضَارِبِ كَانَ صَحِيحًا -. قَالَ: (وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ جَارِيَةً لِيَطَأَهَا، أَوْ طَعَامًا يَجْعَلُهُ رِزْقًا لِأَهْلِهِ؛ فَهَذَا الْبَيْعُ مُقَيَّدٌ يَجِبُ بِهِ الثَّمَنُ)، ثُمَّ نِصْفُ الثَّمَنِ لَهُ وَنِصْفُهُ لِشَرِيكِهِ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ. قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ لِلتِّجَارَةِ؛ كَانَ بَاطِلًا) لِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ، فَإِنَّ الْعَيْنَ قَبْلَ هَذَا الْعَقْدِ مِنْ شَرِكَتِهِمَا، وَبَعْدَهُ كَذَلِكَ، وَالْعَقْدُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُقَيَّدًا كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ الشَّرْعِيَّةَ أَسْبَابٌ مَشْرُوعَةٌ لِلْفَائِدَةِ، فَإِذَا خَلَتْ مِنْهَا كَانَتْ لَغْوًا، وَاللَّغْوُ لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَبْدٌ مِيرَاثٌ فَاشْتَرَاهُ الْآخَرُ لِلتِّجَارَةِ؛ كَانَ جَائِزًا لِأَنَّهُ مُفِيدٌ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ بِهِ فِي الْمُفَاوَضَةِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا، وَلَا يُفْسِدُ الْمُفَاوَضَةَ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ اخْتِصَاصَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ بِمِلْكِ الدَّيْنِ، فَإِذَا قَبَضَ الثَّمَنَ فَقَدْ اُخْتُصَّ بِمِلْكِ مَالٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالٍ فِي الشَّرِكَةِ، فَتَبْطُلُ الْمُفَاوَضَةُ. (وَكَذَلِكَ) إنْ كَانَتْ أَمَةً لِأَحَدِهِمَا مِيرَاثًا، اشْتَرَاهَا الْآخَرُ مِنْهُ لِيَطَأَهَا. [ارْتَدَّ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ] قَالَ: (وَإِذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ انْقَطَعَتْ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمَّا قَضَى بِلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ حَتَّى يُقَسِّمَ مَالَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، وَالْمُفَاوَضَةُ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ حَقِيقَةً، فَكَذَلِكَ إذَا فَقَدَ مَوْتَهُ حُكْمًا، وَلِأَنَّهُ صَارَ حَرْبِيًّا، وَلَا عِصْمَةَ بَيْنَ الْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالسِّلْمِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. أَلَا تَرَى أَنَّ ابْتِدَاءَ الْمُفَاوَضَةِ بَيْنَهُمَا لَا يَجُوزُ، وَكَذَلِكَ لَا يَبْقَى، وَإِنْ رَجَعَ مُسْلِمًا قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ؛ كَانَ عَلَى الشَّرِكَةِ لِأَنَّ اللَّحَاقَ بِدَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ قَضَاءُ الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الْغِيبَةِ؛ فَلَا تُقْطَعُ الشَّرِكَةُ، وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّوْكِيلِ لِصَاحِبِهِ، وَالْوَكَالَةُ لَا تَبْطُلُ بِرِدَّةِ الْوَكِيلِ وَلَحَاقِهِ، مَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِهِ، وَكَذَلِكَ الْمُفَاوَضَةُ وَشَرِكَةُ الْعَنَانِ. فَإِنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ رَجَعَ مُسْلِمًا؛ فَلَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهَا قَدْ انْقَطَعَتْ بِتَمْوِيتِ الْقَاضِي إيَّاهُ حِينَ قَضَى بِلَحَاقِهِ. وَفِي رِدَّةِ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ اخْتِلَافٌ وَكَلَامٌ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ. قَالَ: (وَإِذَا ارْتَدَّ وَلَمْ يَلْتَحِقْ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أَقَرَّ بِدَيْنٍ ثُمَّ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ الدَّيْنُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -)؛

стр. 2438

لِأَنَّ الْإِقْرَارَ تَصَرُّفٌ مِنْهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ، وَكَانَ مَوْقُوفًا عِنْدَهُ، وَيَبْطُلُ إذَا قُتِلَ - كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ - وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يَلْزَمُهُ كَمَا يَلْزَمُ شَرِيكَ الْعَنَانِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا: شَرِكَةُ الْعَنَانِ تَصِحُّ مِنْ الْمُرْتَدِّ، فَكَذَلِكَ تَبْقَى بَعْدَ رِدَّتِهِ. وَأَمَّا الْمُفَاوَضَةُ فَتُوقَفُ مِنْ الْمُرْتَدِّ عِنْدَهُمَا إذَا بَاشَرَهُ ابْتِدَاءً. وَكَذَلِكَ إذَا ارْتَدَّ بَعْدَ الْمُفَاوَضَةِ يَتَوَقَّفُ مِنْ الْمُرْتَدِّ عِنْدَهُمَا تِلْكَ الزِّيَادَةُ، فَإِذَا قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ بَطَلَتْ الزِّيَادَةُ. وَإِنَّمَا بَقِيَتْ شَرِكَةُ الْعَنَانِ بَيْنَهُمَا إلَى وَقْتِ مَوْتِهِ. قَالَ: (وَبَيْعُ أَحَدِ شَرِيكَيْ الْعَنَانِ وَشِرَاؤُهُ وَإِقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ بِجِهَةِ التِّجَارَةِ جَائِزٌ عَلَى شَرِيكِهِ) وَكَذَا إذَا فَعَلَ الْمُرْتَدُّ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنْ أَقَرَّ الْمُسْلِمُ مِنْهُمَا بِدَيْنٍ؛ لَزِمَهُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ، وَتَوَقَّفَ أَمْرُ الْمُرْتَدِّ، فَإِنْ أَسْلَمَ لَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُسْلِمُ لِبَقَاءِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُرْتَدُّ إلَّا أَنَّ أَصْلَهُ إقْرَار الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفٌ، وَإِذَا قُتِلَ بَطَلَ - كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ - وَأَصْلُ إقْرَارِ الْمُسْلِمِ صَحِيحٌ فِي حَقِّهِ، وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُ بِثُبُوتِ حُكْمِهِ فِي حَقِّ الْمُرْتَدِّ عَلَى إسْلَامِهِ، فَإِذَا قُتِلَ أَوْ مَاتَ بَطَلَ ذَلِكَ، وَيَبْقَى الْمُسْلِمُ مُطَالَبًا بِهِ. قَالَ: (وَإِذَا بَاعَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ مَتَاعًا ثُمَّ افْتَرَقَا، وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي بِافْتِرَاقِهِمَا؛ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَقْبِضَ الثَّمَنَ كُلَّهُ) لِأَنَّ بَيْعَ أَحَدِهِمَا فِي حَالِ قِيَامِ الْمُفَاوَضَةِ مُثْبَتٌ عَلَى حَقِّ قَبْضِ الثَّمَنِ لِصَاحِبِهِ؛ فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِافْتِرَاقِهِمَا، مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُشْتَرِي، حَتَّى إذَا قَضَى الثَّمَنَ أَحَدُهُمَا، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْفُرْقَةِ؛ بَرِئَ؛ لِأَنَّهُ بِالْعَقْدِ اسْتَحَقَّ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ عِنْدَ دَفْعِ الثَّمَنِ إلَى أَحَدِهِمَا، فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِافْتِرَاقِهِمَا مَا لَمْ يَعْلَم بِهِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ فِي تَسْلِيمِ الثَّمَنِ إلَى شَرِيكِهِ، فَهُمَا بِالِافْتِرَاقِ قَصَدَا عَزْلَهُ عَنْ الْوَكَالَةِ، وَعَزْلُ الْوَكَالَةِ قَصْدًا لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ بِهِ، حَتَّى إذَا عَلِمَ بِالْفُرْقَةِ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ جَمِيعَ الْمَالِ إلَّا إلَى الَّذِي وَلِيَ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْعَزْلِ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ؛ لَمَّا عَلِمَ بِهِ؛ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. وَهُوَ بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّ مَوْتَ الْمُوَكِّلِ يُوجِبُ عَزْلَ الْوَكِيلِ حُكْمًا؛ لِتَحَوُّلِ مِلْكِهِ إلَى وَارِثِهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ بِثُبُوتِ حُكْمِهِ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَكِيلَ يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ مُوَكِّلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، - بِخِلَافِ مَا إذَا عَزَلَهُ قَصْدًا -. قَالَ: (وَإِنْ وَجَدَ الْمُشْتَرَى بِهِ عَيْبًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ إلَّا الَّذِي وَلِيَ الْبَيْعَ)؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ قَدْ انْقَطَعَتْ، وَالْخُصُومَةُ فِي الْعَيْبِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ، فَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ خَاصَّةً ثُمَّ يَرْجِعُ الْعَاقِدُ بِنِصْفِ ذَلِكَ عَلَى شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي النِّصْفِ كَانَ وَكِيلًا، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْعُهْدَةِ فِيهِ. قَالَ: (وَلَوْ كَانَ رَدُّهُ عَلَى شَرِيكِهِ بِالْعَيْبِ قَبْلَ الْفُرْقَةِ، وَحُكِمَ لَهُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ، أَوْ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ، عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ، ثُمَّ افْتَرَقَا؛ كَانَ

стр. 2439

لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ)؛ لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ لَزِمَ أَحَدَهُمَا فِي حَالِ قِيَامِ الشَّرِكَةِ، فَصَارَ الْآخَرُ مُطَالَبًا بِحُكْمِ الْكَفَالَةِ. فَافْتِرَاقُهُمَا لَا يُبْطِلُ حَقَّ صَاحِبِ الدَّيْنِ عَنْ مُطَالَبَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَسَائِرِ الدُّيُونِ. قَالَ: (وَلَوْ اسْتَحَقَّ الْعَبْد بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَقَدْ كَانَ نَقَدَ الثَّمَنَ قَبْلَهَا؛ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالثَّمَنِ أَيَّهُمَا شَاءَ)؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ فِي الْمُسْتَحَقِّ كَانَ مَوْقُوفًا، فَيَبْطُلُ مِنْ الْأَصْلِ بِإِبْطَالِ الْمُسْتَحَقِّ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ رَدَّ الثَّمَنِ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمَا قَبْلَ افْتِرَاقِهِمَا، وَكَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُطَالِبَ بِالثَّمَنِ أَيَّهُمَا شَاءَ. فَأَمَّا بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ لَا يَتَبَيَّنُ بُطْلَانُ الْبَيْعِ مِنْ الْأَصْلِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ صَحِيحًا إلَى وَقْتِ الرَّدِّ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الثَّمَنُ عَلَى الْبَائِعِ حِينَ رَدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ، وَإِذَا كَانَ الرَّدُّ بَعْدَ الْفُرْقَةِ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُطَالِبَ بِهِ الْآخَرَ. قَالَ: (رَجُلٌ سَلَّمَ ثَوْبًا إلَى خَيَّاطٍ لِيَخِيطَهُ بِنَفْسِهِ، وَلِلْخَيَّاطِ شَرِيكٌ فِي الْخِيَاطَةِ مُفَاوَضَةً؛ فَلِصَاحِبِ الثَّوْبِ أَنْ يُطَالِبَ بِالْعَمَلِ أَيَّهُمَا شَاءَ مَا بَقِيَتْ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا)؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِهِ فِيمَا لَزِمَهُ مَا بَقِيَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا. (فَإِنْ قِيلَ): عَمَلُ الْخِيَاطَةِ مُسْتَحَقٌّ عَلَى مَنْ بَاشَرَ السَّبَبَ، وَالْآخَرُ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِهِ الْكَفِيلِ عَنْهُ، فَإِذَا شَرَطَ عَلَى الْخَيَّاطِ أَنْ يَخِيطَ بِنَفْسِهِ؛ لَمْ تَجُزْ كَفَالَةُ الْغَيْرِ عَنْهُ؛ فَلَا يُطَالَبُ الْكَفِيلُ بِهِ؛ (قُلْنَا): مَا بَقِيَتْ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا فَهُمَا كَشَخْصٍ وَاحِدٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَائِمٌ مَقَامَ صَاحِبِهِ فِيمَا تَقْتَضِيهِ الْمُفَاوَضَةُ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ الَّتِي هِيَ رُكْنُ الْمُفَاوَضَةِ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِهِ؛ فَلَا تَظْهَرُ مَعْنَى الْكَفَالَةِ قَبْلَ الْفُرْقَةِ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، فَلَا جَرَمَ إذَا تَفَرَّقَا أَوْ مَاتَ الَّذِي قَبَضَ الثَّوْبَ؛ لَمْ يُؤَاخَذْ الْآخَرُ بِالْعَمَلِ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلِاتِّحَادِ هُوَ الشَّرِكَةُ، وَقَدْ انْقَطَعَتْ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مَعْنَى الْكَفَالَةِ؛ فَكَانَ الشَّرْطُ عَلَى الْخَيَّاطِ؛ فَلَا يُطَالَبُ الْآخَرُ بِحُكْمِ الْكَفَالَةِ. وَإِذَا مَاتَ الَّذِي قَبِلَ؛ بَطَلَ هَذَا التَّقَبُّلُ لِفَوَاتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَهَذَا نَظِيرُ مَا لَوْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى الْخَيَّاطِ لِيَخِيطَ بِنَفْسِهِ، وَأَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِالْخِيَاطَةِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَخِيطَ بِنَفْسِهِ؛ جَازَتْ الْكَفَالَةُ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِمَضْمُونٍ بِمَا تُجْرَى النِّيَابَةُ فِي إيفَائِهِ صَحِيحٌ، وَبِمَا لَا تُجْرَى النِّيَابَةُ فِي إيفَائِهِ بَاطِلٌ. وَإِذَا شَرَطَ عَلَى الْخَيَّاطِ الْعَمَلَ بِنَفْسِهِ هَذَا لَا تُجْرَى النِّيَابَةُ فِي إيفَائِهِ، وَإِذَا لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَهَذَا تُجْرَى النِّيَابَةُ فِي إيفَائِهِ؛ فَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ. وَبَعْدَ صِحَّتِهَا: إذَا مَاتَ الْخَيَّاطُ؛ بَرِئَ الْكَفِيلُ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ قَدْ انْقَطَعَتْ بِمَوْتِ الْخَيَّاطِ، وَبَرَاءَةُ الْأَصِيلِ تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْكَفِيلِ. وَكَذَلِكَ هَذَا فِي كِرَاءِ الْإِبِلِ، إذَا مَاتَ الْجَمَّالُ؛ بَرِئَ الْكَفِيلُ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ قَدْ انْقَطَعَتْ بِمَوْتِهِ. قَالَ: (وَإِذَا كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ كُرُّ حِنْطَةٍ، وَكُرُّ شَعِيرٍ، وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِبَيْعِهِ، فَاسْتَعَارَ أَحَدُهُمَا دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً، فَحَمَلَ عَلَيْهَا الْآخَرُ الشَّعِيرَ

стр. 2440

بِغَيْرِ أَمْرِهِ؛ كَانَ ضَامِنًا لِلدَّابَّةِ، وَلِحِصَّةِ صَاحِبِهِ مِنْ الشَّعِيرِ)؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمَا شَرِكَةُ مِلْكٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي التَّصَرُّفِ كَالْأَجْنَبِيِّ مِنْ صَاحِبِهِ؛ فَيَكُونُ غَاصِبًا لِلدَّابَّةِ وَلِنَصِيبِ شَرِيكِهِ مِنْ الشَّعِيرِ يَحْمِلُهُ عَلَى الدَّابَّةِ؛ فَلِهَذَا يَضْمَنُ قِيمَةَ الدَّابَّةِ، وَنَصِيبَ صَاحِبِهِ مِنْ الشَّعِيرِ إذَا تَلِفَتْ بِحَمْلِهِ، وَلَيْسَ هَذَا كَشَرِيكِ الْعَنَانِ وَالْمُفَاوَضِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ فِي الْحَمْلِ، كَمَا أَنَّهُ وَكِيلُ صَاحِبِهِ فِي التِّجَارَةِ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا. ثُمَّ خَتَمَ الْبَابَ فِي الْأَصْلِ بِمَا إذَا اشْتَرَكَ الرَّجُلَانِ شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ، وَلَيْسَ لَهُمَا مَالٌ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا بِوُجُوهِهِمَا، أَوْ يَعْمَلَا بِأَبْدَانِهِمَا، وَقَدْ بَيَّنَّا جَوَازَ الْمُفَاوَضَةِ فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنْ الشَّرِكَةِ، كَالْعَنَانِ، إلَّا أَنَّ فِي الْمُفَاوَضَةِ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا، وَفِي الْعَنَانِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي شَرِكَةِ الْوُجُوهِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَا التَّفَاوُتَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي. وَفِي التَّقَبُّلِ يَصِحُّ مِنْهُمَا اشْتِرَاطُ التَّفَاوُتِ، وَبَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ مَشَايِخِنَا ﵏ يَقُولُ: لَا فَرْقَ. وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ اشْتَرَطَا التَّفَاوُتَ فِي التَّقَبُّلِ، فَأَمَّا مَعَ اشْتِرَاطِ التَّسَاوِي فِي أَصْلِ التَّقَبُّلِ؛ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا اشْتِرَاطُ التَّفَاوُتِ فِي الرِّبْحِ، وَلَكِنَّ هَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ قَبْلَ هَذَا. وَفِي النَّوَادِرِ أَيْضًا أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ، وَالْوَضِيعَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَلَوْ كَانَ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا فِي أَصْلِ التَّقَبُّلِ لَكَانَتْ الْوَضِيعَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ الْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ، (أَحَدُهُمَا): أَنَّ فِي التَّقَبُّلِ هُمَا تَابِعَانِ لِلْعَمَلِ، فَقَدْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِي الْعَمَلِ، فَيَصِحُّ مِنْهُمَا اشْتِرَاطُ التَّفَاوُتِ فِي الرِّبْحِ. فَأَمَّا فِي شَرِكَةِ الْوُجُوهِ: هُمَا مُتَسَاوِيَانِ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِمَا، فَمَعَ التَّسَاوِي فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا شَرْطُ التَّفَاوُتِ فِي الرِّبْحِ. وَتَوْضِيحُ الْفَرْقِ أَنَّ الْمَنَافِعَ إنَّمَا تَتَقَوَّمُ بِالْعَقْدِ، فَمَنْفَعَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَتَقَوَّمُ بِقَدْرِ مَا شَرَطَ لِنَفْسِهِ مِنْ الرِّبْحِ، بِخِلَافِ عَيْنِ الْمُشْتَرِي؛ فَإِنَّهُ يَتَقَوَّمُ بِنَفْسِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ مِنْ أَحَدِهِمَا اشْتِرَاطُ شَيْءٍ مِنْ رِبْحِ مَالِ صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ رَأْسِ مَالٍ، وَلَا ضَمَانٍ. وَإِذَا تَقَبَّلَ الْعَمَلَ أَحَدُهُمَا، فَإِنْ كَانَا مُتَفَاوِضَيْنِ فَلَا إشْكَالَ أَنَّ الْآخَرَ مُطَالَبٌ بِذَلِكَ. فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا مُطْلَقَةً؛ فَقَدْ ذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ - قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا - فِي هَذَا الْفَصْلِ فِي الْقِيَاسِ لَا يُطَالَبُ إلَّا مَنْ تَقَبَّلَ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمَا عَنَانٌ، وَذَلِكَ لَا يَتَضَمَّنُ الْكَفَالَةَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِدَيْنٍ لِإِنْسَانٍ لَا يُطَالَبُ الْآخَرُ بِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا تَقَبَّلَ الْعَمَلَ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَكُونُ الْآخَرُ مُطَالَبًا بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّقَبُّلَ مَقْصُودٌ بِالشَّرِكَةِ، فَفِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ يَقُومُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقَامَ صَاحِبِهِ، وَيَكُونَانِ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ. وَعَلَى هَذَا: إذَا عَمِلَ أَحَدُهُمَا؛ كَانَ لِلْآخَرِ أَنْ يُطَالِبَ بِالْأَجْرِ - اسْتِحْسَانًا - لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِعَقْدِهِمَا. وَبَيَانُ كَوْنِهِ مَقْصُودًا: أَنَّ

стр. 2441

الشَّرِكَةَ الَّتِي بَيْنَهُمَا لَا تَنْفَكُّ عَنْ هَذَا - بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ فِي الدَّيْنِ -. وَذَكَرَ الشَّارِحُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِمَا جَنَتْ يَدُ أَحَدِهِمَا - اسْتِحْسَانًا أَيْضًا - وَأَنَّهُ لَوْ ادَّعَى عَيْنًا فِي يَدِهِمَا عَلَى أَحَدِهِمَا أَنَّهُ تَقَبَّلَ الْعَمَلَ فِيهِ، فَأَقَرَّ بِهِ نَفَذَ إقْرَارُهُ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ - أَيْضًا اسْتِحْسَانًا - وَمُحَمَّدٌ ﵀ فِي هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ يَأْخُذُ بِالْقِيَاسِ، فَيَقُولُ: إقْرَارُهُ بِالْعَيْنِ كَإِقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ، وَمَا يَتْلَفُ بِجِنَايَةٍ فِي يَدِهِ بِمَنْزِلَةِ غَصْبِهِ وَاسْتِهْلَاكِهِ، وَالشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا قَدْ تَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ، فَلَا يُطَالَبُ الشَّرِيكُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ أَخَذَ بِالِاسْتِحْسَانِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ ضَمَانِ مَا جَنَتْ يَدُهُ بِاعْتِبَارِ الْعَمَلِ، وَمَا فِي الْعَمَلِ كَالْمُتَفَاوِضِينَ فَكَذَلِكَ فِيمَا يَجِبُ بِاعْتِبَارِهِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِالْعَيْنِ فَإِنَّ الشَّرِكَةَ لَا تَنْفَكُّ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ يُسَلِّمُ إلَى أَحَدِهِمَا الْعَمَلَ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ مَحَلَّ الْعَمَلِ، وَمَا يَتَقَبَّلُهُ أَحَدُهُمَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ يَدُهُمَا عِنْدَ إقَامَةِ الْعَمَلِ، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ شَرِيكِهِ يُحَذِّرُ النَّاسَ مِنْ الْمُعَامَلَةِ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ فَلِهَذَا أَخَذْنَا بِالِاسْتِحْسَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ] قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَكَ الرَّجُلَانِ عَلَى أَنْ يَحْتَطِبَا الْحَطَبَ يَبِيعَانِهِ، فَمَا بَاعَاهُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ كَانَتْ هَذِهِ الشَّرِكَةُ فَاسِدَةً)؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الشَّرِكَةِ بِاعْتِبَارِ الْوَكَالَةِ، فَلَا تَصِحُّ فِيمَا لَا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ فِيهِ. وَلَوْ وَكَّلَ إنْسَانًا بِأَنْ يَحْتَطِبَ لَهُ لَمْ يَصِحَّ التَّوْكِيلُ، وَكَانَ الْحَطَبُ الَّذِي لَمْ يَحْتَطِبْ دُونَ الْمُوَكِّلِ، فَكَذَلِكَ الشَّرِكَةُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا - فِي الْمَعْنَى - يُوَكِّلُ صَاحِبَهُ بِمُبَاشَرَةِ بَعْضِ ذَلِكَ الْعَمَلِ لَهُ، وَلِأَنَّ الِاحْتِطَابَ اكْتِسَابٌ، وَالِاكْتِسَابُ فِي الْمَحَلِّ الْمُبَاحِ يُوجِبُ الْمِلْكَ لِلْمُكْتَسِبِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَشْتَرِطُ لِنَفْسِهِ بَعْضَ كَسْبِ صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ رَأْسِ مَالٍ، وَلَا ضَمَانَ لَهُ فِيهِ. أَوْ يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَالْمُفَاوَضِ مَعَ صَاحِبِهِ بِنِصْفِ مَا يَكْتَسِبُهُ صَاحِبُهُ، وَهَذَا مُفَاوَضَةٌ فِي الْمَجْهُولِ؛ فَلَا تَكُونُ صَحِيحَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا احْتَطَبَ وَثَمَنُهُ إذَا بَاعَ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَصْلِ، فَإِنْ احْتَطَبَ أَحَدُهُمَا، وَأَعَانَهُ الْآخَرُ؛ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ عَلَى الَّذِي احْتَطَبَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنَافِعَهُ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ؛ فَيَلْزَمُهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَلَا يُجَاوِزُ بِهِ نِصْفَ الثَّمَنِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ فَأَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ: قَدْ رَضِيَ هَذَا بِنِصْفِ الْمُسَمَّى، فَيُعْتَبَرُ رِضَاهُ فِي إسْقَاطِ حَقِّهِ فِي الْمُطَالَبَةِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ

стр. 2442

حَمَّالًا لِيَحْمِلَ لَهُ حِنْطَةً إلَى مَوْضِعِ كَذَا بِقَفِيزٍ مِنْهَا، فَحَمَلَهَا كَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ مَا سَمَّى؛ وَهَذَا لِأَنَّ تَقَدُّمَ الْمَنْفَعَةِ بِاعْتِبَارِ الْعَقْدِ وَالتَّسْمِيَةِ؛ إذْ الْمَنَافِعُ لَا تَتَقَوَّمُ بِنَفْسِهَا بِغَيْرِ الْعَقْدِ، وَفِيمَا زَادَ عَلَى الْمُسَمَّى لَمْ تُوجَدْ التَّسْمِيَةُ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الْمُسَمَّى مَجْهُولُ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ، فَإِنَّهُ لَا يُدْرَى: أَيُّ نَوْعٍ مِنْ الْحَطَبِ يُصِيبَانِ؟ وَهَلْ يُصِيبَانِ شَيْئًا أَمْ لَا؟. وَالرِّضَا بِالْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ، فَإِذَا سَقَطَ اعْتِبَارُ رِضَاهُ بَقِيَتْ مَنَافِعُهُ مُسْتَوْفَاةً بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، فَإِذَا أَصَابَ شَيْئًا أَوْلَى، بِخِلَافِ حَمْلِ الْحِنْطَةِ، فَإِنَّ الْقَفِيزَ مِنْهَا مَعْلُومٌ؛ فَاعْتُبِرَ رِضَاهُ بِالْمَعْلُومِ؛ فَلِهَذَا لَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمُسَمَّى، وَعَلَى هَذِهِ الشَّرِكَةُ فِي سَائِرِ الْمُبَاحَاتِ، نَحْوَ احْتِشَاشِ الْحَشِيشِ، وَاجْتِنَاءِ الثِّمَارِ مِنْ الْجِبَالِ، وَالْبَرَادِي مِنْ الْجَوْزِ، وَالْفُسْتُقِ، وَغَيْرِهِمَا فَإِذَا عَمِلَا ذَلِكَ، وَخَلَطَاهُ ثُمَّ بَاعَا؛ قُسِمَ الثَّمَنُ عَلَى كَيْلٍ وَوَزْنٍ مَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، إنْ كَانَ كَيْلِيًّا أَوْ وَزْنِيًّا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ مَالِكًا لِمَا أَصَابَهُ. وَالثَّمَنُ فِي الْبَيْعِ إنَّمَا يُقْسَمُ عَلَى مَالِيَّةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَمَالِيَّةِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ تُعْرَفُ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ؛ فَلِهَذَا قُسِمَ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَيْلِيًّا أَوْ وَزْنِيًّا؛ يُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَةِ مَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْمَالِيَّةِ، فِيمَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ، بِمَعْرِفَةِ الْقِيمَةِ. وَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ مِقْدَارُ مَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَدَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي النِّصْفِ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الِاكْتِسَابِ - وَقَدْ كَانَ الْمُكْتَسَبُ فِي أَيْدِيهِمَا - وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي دَعْوَاهُ إلَى النِّصْفِ إنَّمَا يَدَّعِي مَا كَانَ فِي يَدِهِ، وَالظَّاهِرُ يَشْهَدُ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النِّصْفِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي خِلَافَ مَا يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ، وَلِأَنَّهُ يَدَّعِي شَيْئًا كَانَ فِي يَدِ صَاحِبِهِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمَرْءُ مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ بِدَعْوَاهُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ الشَّرِكَةُ بِنَقْلِ الطِّينِ وَبَيْعِهِ مِنْ أَرْضٍ لَا يَمْلِكَانِهَا، أَوْ الْجِصِّ أَوْ الْمِلْحِ أَوْ الْكُحْلِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَجُوزُ؛ فَإِنَّهَا عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَالنَّاسُ فِيهَا سَوَاءٌ، فَكَذَلِكَ الشَّرِكَةُ. وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَكَا عَلَى أَنَّ مَا يُلْبِنَانِ مِنْ طِينٍ لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ أَوْ يُطَبِّخَانِهِ آجِرًا، أَوْ يُشْرِكَانِ عَلَى طَلَبِ الْكُنُوزِ، أَوْ عَلَى الِاصْطِيَادِ؛ فَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِهِ؛ لِكَوْنِ أَصْلِهِ مُبَاحًا غَيْرَ مَمْلُوكٍ، فَكَذَلِكَ الشَّرِكَةُ فِيهِ. قَالَ: (وَإِنْ كَانَ مِنْ طِينِ النُّورَةِ مَمْلُوكًا، فَاشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا مِنْهُ، وَيَطْحَنَاهُ؛ فَهُوَ جَائِزٌ)؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا رَأْسُ مَالٍ؛ فَهُوَ شَرِكَةُ الْعَنَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ؛ فَهُوَ شَرِكَةُ الْوُجُوهِ فِي هَذَا النَّوْعِ. وَقَدْ بَيَّنَّا جَوَازَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ سَهْلَةُ الزُّجَاجِ: إذَا اشْتَرَكَا عَلَى شَيْءٍ يَشْتَرِيَانِهِ مِنْ ذَلِكَ؛ جَازَ. وَإِنْ اشْتَرَكَا عَلَى شَيْءٍ لَا يَشْتَرِيَانِهِ بَلْ هُوَ مُبَاحُ الْأَصْلِ؛ فَهُوَ فَاسِدٌ لِمَا قُلْنَا. وَإِذَا اشْتَرَكَا فِي الِاصْطِيَادِ - فَنَصَبَا شَبَكَةً أَوْ

стр. 2443

أَرْسَلَا كَلْبًا لَهُمَا -؛ فَالصَّيْدُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْمِلْكِ - وَهُوَ الِاصْطِيَادُ -. وَإِنْ كَانَ الْكَلْبُ لِأَحَدِهِمَا فَأَرْسَلَاهُ جَمِيعًا؛ فَالصَّيْدُ لِصَاحِبِ الْكَلْبِ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَلْبٌ، فَأَرْسَلَ كُلُّ وَاحِدٍ كَلْبَهُ، فَإِنْ أَصَابَ كُلُّ كَلْبٍ صَيْدًا عَلَى حِدَةٍ؛ كَانَ ذَلِكَ الصَّيْدُ لِصَاحِبِهِ، وَإِنْ أَصَابَا صَيْدًا وَاحِدًا؛ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَإِنْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا صَيْدًا، فَأَثْخَنَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ، فَأَعَانَهُ؛ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْكَلْبِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَوَّلُ أَثْخَنَهُ، حَتَّى جَاءَ الْآخَرُ، فَأَثْخَنَاهُ؛ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ إذَا وُجِدَ مِنْ صَاحِبِ الْكَلْبِ فَقَدْ تَمَّ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلْمِلْكِ - وَهُوَ الِاصْطِيَادُ - وَالْآخَرُ مُعِينٌ لَهُ فِي ذَلِكَ. قَالَ: (وَإِذَا أَرْسَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَلْبَهُ، فَإِنْ أَصَابَا صَيْدًا وَاحِدًا فَقَدْ اسْتَوَى الْمَالِكَانِ فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنْ أَصَابَهُ أَحَدُ الْكَلْبَيْنِ، فَأَثْخَنَهُ؛ فَقَدْ تَمَّ أَخْذُهُ)؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ - بِفِعْلِهِ - مِنْ أَنْ يَكُونَ صَيْدًا، وَإِنْ أَثْخَنَاهُ جَمِيعًا؛ فَقَدْ تَقَرَّرَتْ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا فِي السَّبَبِ؛ فَكَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. قَالَ: (وَإِنْ اشْتَرَكَا وَلِأَحَدِهِمَا بَغْلٌ، وَلِلْآخَرِ بَعِيرٌ عَلَى أَنْ يُؤَاجِرَا ذَلِكَ، فَمَا رَزَقَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ فَهَذَا فَاسِدٌ)؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْمَعْنَى مُوَكِّلٌ لِصَاحِبِهِ بِأَنْ يُؤَاجِرَ دَابَّتَهُ؛ لِيَكُونَ نِصْفُ الْأَجْرِ لَهُ، وَهَذَا التَّوْكِيلُ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: أَجِّرْ دَابَّتَك عَلَى أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْأَجْرِ لِي؛ كَانَ بَاطِلًا، فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: عَلَى أَنْ يَكُونَ نِصْفُ الْأَجْرِ لِي؛ وَهَذَا لِأَنَّ بَدَلَ الْمَنْفَعَةِ يُعْتَبَرُ بِبَدَلِ الْعَيْنِ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: بِعْ دَابَّتَك، عَلَى أَنْ يَكُونَ نِصْفُ ثَمَنِهَا لِي؛ كَانَ بَاطِلًا، فَكَذَلِكَ فِي الْإِجَارَةِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَا يَصِحُّ، فَكَذَلِكَ الشَّرِكَةُ، وَالْمَعْنَى فِي الْكُلِّ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّ التَّوْكِيلَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْوَكِيلُ مُبَاشَرَتَهُ قَبْلَ التَّوْكِيلِ، وَالْمَالِكُ يَبِيعُ دَابَّتَهُ وَيُؤَاجِرُهَا قَبْلَ التَّوْكِيلِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ أَحَدٍ يَمْلِكُ عِنْدَ الْمُبَاحِ قَبْلَ التَّوْكِيلِ؛ فَلِهَذَا بَطَلَ التَّوْكِيلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى الشَّرِكَةِ بِالْعُرُوضِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْعَيْنِ نَظَرُ الْغَبْنِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِي الْعَقْدِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الشَّرِكَةَ فِي الْعُرُوضِ لَا تَصِحُّ، فَإِنْ أَجَّرَهُمَا جَمِيعًا بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ فِي عَمَلٍ مَعْلُومٍ؛ قُسِمَ الْأَجْرُ بَيْنَهُمَا عَلَى مِثْلِ أَجْرِ الْبَغْلِ، وَأَجْرِ الْبَعِيرِ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ لِلدَّابَّتَيْنِ، وَأَجْرُ الْمِثْلِ فِي الْمَنْفَعَةِ كَالْقِيمَةِ فِي الْعَيْنِ، فَكَمَا لَوْ بَاعَا الدَّابَّتَيْنِ قُسِمَ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا عَلَى قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَكَذَلِكَ إذَا أَجَّرَهُمَا، وَلَوْ تَقَبَّلَا حُمُولَةً مَعْلُومَةً بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ، وَلَمْ يُؤْجَرْ الْبَغْلُ، وَالْبَعِيرُ فَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْأَجْرِ بِتَقَبُّلِ الْعَمَلِ، وَقَدْ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ، وَإِنْ أَجَّرَ الْبَعِيرَ بِعَيْنِهِ كَانَ الْأَجْرُ لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مَنْفَعَةِ دَابَّتِهِ، فَإِنْ كَانَ الْآخَرُ أَعَانَهُ عَلَى الْحُمُولَةِ وَالنُّقْلَانِ؛

стр. 2444

كَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ نِصْفَ الْأَجْرِ الَّذِي أَجَّرَ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَهَذِهِ وَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى سَوَاءٌ. قَالَ: (وَلَيْسَتْ الشَّرِكَةُ فِي إجَارَةِ الدَّوَابِّ بِأَعْيَانِهَا مِثْلَ الشَّرِكَةِ فِي عَمِلَ أَيْدِيهِمَا بِأَدَائِهِمَا)، حَتَّى إذَا اشْتَرَكَ قَصَّارَانِ، لِأَحَدِهِمَا أَدَاةُ الْقَصَّارِينَ، وَلِلْآخَرِ بَيْتٌ عَلَى أَنْ يَعْمَلَا بِأَدَاةِ هَذَا فِي بَيْتِ هَذَا، عَلَى أَنَّ الْكَسْبَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ كَانَ جَائِزًا؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْأَجْرِ هُنَاكَ بِاعْتِبَارِ تَقَبُّلِ الْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ بِالتَّقَبُّلِ يَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالتَّوْكِيلُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ، فَكَذَلِكَ الشَّرِكَةُ. وَهُنَا اسْتِحْقَاقُ الْأَجْرِ بِمُقَابَلَةِ مَنْفَعَةِ الدَّابَّةِ، فَإِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُخْتَصًّا بِمِلْكِ مَنْفَعَةِ دَابَّتِهِ؛ لَمْ يَجُزْ لِلشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا فِيهِمَا. قَالَ: (وَلَوْ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ، لِأَحَدِهِمَا دَابَّةٌ، وَلِلْآخَرِ إكَافٌ وَجَوَالِيقُ، عَلَى أَنْ يُؤَاجِرَ الدَّابَّةَ عَلَى أَنَّ الْأَجْرَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ فَهَذِهِ شَرِكَةٌ فَاسِدَةٌ)؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الشَّرِكَةِ بِالْعُرُوضِ بِطَرِيقِ اعْتِبَارِ الْمَنْفَعَةِ بِالْعَيْنِ، وَلِأَنَّ التَّوْكِيلَ فِي مِثْلِهِ لَا يَصِحُّ، فَإِنْ أَجَّرَ الدَّابَّةَ؛ كَانَ الْأَجْرُ لِصَاحِبِهَا، وَلَا يُقْبَلُ مَعَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ بِمُقَابَلَةِ مَنْفَعَةِ الدَّابَّةِ، فَإِنَّ الْحَمْلَ عَلَى الدَّابَّةِ هُوَ الْمَقْصُودُ، فَأَمَّا الْإِكَافُ، وَالْجَوَالِيقُ يَتَأَتَّى الْحَمْلُ بِدُونِهِمَا، فَلَا يُقَابِلُهُمَا شَيْءٌ مِنْ الْبَدَلِ؛ فَكَانَ الْأَجْرُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ، وَقَدْ أَعَانَهُ الْآخَرُ بِنَفْسِهِ وَأَدَائِهِ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ؛ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَا يُجَاوِزُ بِهِ نِصْفَ أَجْرِ الدَّابَّةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. قَالَ: (رَجُلٌ دَفَعَ دَابَّتَهُ إلَى رَجُلٍ يُؤَجِّرُهَا عَلَى أَنَّ مَا أَجَّرَهَا بِهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ فَهَذِهِ الشَّرِكَةُ فَاسِدَةٌ)؛ اعْتِبَارًا لِلْعَقْدِ الْوَارِدِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ بِهِ بِالْعَقْدِ الْوَارِدِ عَلَى الدَّيْنِ. وَلَوْ دَفَعَ الدَّابَّةَ إلَيْهِ لِيَبِيعَهَا عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ كَانَ فَاسِدًا، فَكَذَلِكَ الْإِجَارَةُ، وَالْأَجْرُ كُلُّهُ لِرَبِّ الدَّابَّةِ؛ وَلِأَنَّ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ وَكِيلُهُ فِي إجَارَتِهَا، وَإِجَارَةُ الْوَكِيلِ كَإِجَارَةِ الْمُوَكِّلِ، وَلِلَّذِي أَجَّرَهَا أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ ابْتَغَى عَنْ مَنَافِعِهَا عِوَضًا، وَلَمْ يَنَلْ ذَلِكَ لِفَسَادِ الْعَقْدِ؛ فَكَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ. وَكَذَلِكَ السَّفِينَةُ وَالْبَيْتُ بِمَنْزِلَةِ الدَّابَّةِ فِي ذَلِكَ. قَالَ: (وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ دَابَّةً يَبِيعُ عَلَيْهَا الْبُرَّ وَالطَّعَامَ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ فَهَذِهِ شَرِكَةٌ فَاسِدَةٌ بِمَنْزِلَةِ الشَّرِكَةِ بِالْعُرُوضِ)؛ فَإِنَّ رَأْسَ مَالِ أَحَدِهِمَا عَرَضٌ، وَرَأْسُ مَالِ الْآخَرِ مَنْفَعَةُ دَابَّتِهِ، فَإِذَا فَسَدَتْ شَرِكَتُهُ فَالرِّبْحُ لِصَاحِبِ الْبُرِّ وَالطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مِلْكِهِ فَإِنَّ الثَّمَنَ بَدَلُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا بَدَلَ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلِصَاحِبِ الدَّابَّةِ أَجْرُ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ لِنَفْسِهِ عِوَضًا عَنْ مَنْفَعَةِ دَابَّتِهِ، وَلَمْ يَنَلْ ذَلِكَ الْعِوَضَ؛ فَاسْتَوْجَبَ أَجْرَ الْمِثْلِ عَلَى مَنْ اسْتَوْفَى مَنْفَعَتَهَا بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ. وَكَذَلِكَ الْبَيْتُ وَالسَّفِينَةُ

стр. 2445

فِي هَذِهِ كَالدَّابَّةِ اعْتِبَارًا لِمَنْفَعَةِ الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [كِتَابُ الصَّيْدِ] (كِتَابُ الصَّيْدِ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ ﵀ إمْلَاءً: اعْلَمْ بِأَنَّ الِاصْطِيَادَ مُبَاحٌ فِي الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وَأَدْنَى دَرَجَاتِ صِفَةِ الْأَمْرِ الْإِبَاحَةُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] الْآيَةَ، وَالسُّنَّةُ قَوْلُهُ ﷺ : «الصَّيْدُ لِمَنْ أَخَذَهُ» فَعَلَى هَذَا بَيَانُ أَنَّ الِاصْطِيَادَ مُبَاحٌ مَشْرُوعٌ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ حُكْمٌ مَشْرُوعٌ فَسَبَبُهُ يَكُونُ مَشْرُوعًا، وَهُوَ نَوْعُ اكْتِسَابٍ وَانْتِفَاعٍ بِمَا هُوَ مَخْلُوقٌ لِذَلِكَ فَكَانَ مُبَاحًا، وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الصَّيْدُ مَأْكُولَ اللَّحْمِ أَوْ غَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ لِمَا فِي اصْطِيَادِهِ مِنْ تَحْصِيلِ الْمَنْفَعَةِ بِجِلْدِهِ أَوْ دَفْعِ أَذَاهُ عَنْ النَّاسِ. وَالْحَيَوَانَاتُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ مِنْهَا مَا لَا دَمَ لَهُ، فَلَا يَحِلُّ تَنَاوُلُ شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا السَّمَكَ، وَالْجَرَادَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ تَنَاوُلِ الْحَيَوَانَاتِ الذَّكَاةُ شَرْعًا، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ لَهُ فِيمَا لَا دَمَ لَهُ، إلَّا أَنَّ السَّمَكَ وَالْجَرَادَ مُسْتَثْنَى بِالنَّصِّ مِمَّا شُرِطَ فِيهِ الذَّكَاةُ لِقَوْلِهِ ﷺ : «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ أَمَّا الْمَيِّتَتَانِ فَالسَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» وَمَالَهُ دَمٌ نَوْعَانِ مُسْتَأْنَسٌ، وَمُسْتَوْحِشٌ، فَاَلَّذِي يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ مِنْ الْمُسْتَأْنَسِ بِالِاتِّفَاقِ الْأَنْعَامُ، وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَالدَّجَاجُ، وَذَلِكَ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غافر: ٧٩] وَفِيمَا سِوَاهَا مِنْ الْمُتَأَنَّسِ نُبَيِّنُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْمُسْتَوْحَشُ نَوْعَانِ: مِنْهَا صَيْدُ الْبَحْرِ لَا يَحِلُّ تَنَاوُلُ شَيْءٍ مِنْهَا سِوَى السَّمَكِ، وَمِنْهَا صَيْدُ الْبَرِّ، وَيَحِلُّ تَنَاوُلُهَا إلَّا مَا لَهُ نَابٌ أَوْ مِخْلَبٌ «لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» وَلِمَعْنَى الْخُبْثِ فِيهِمَا، فَإِنَّ مِنْ طَبْعِهِمَا الِاخْتِطَافَ وَالِانْتِهَابَ، فَلَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِ أَثَرِ ذَلِكَ فِي خُلُقِ الْمُتَنَاوِلِ لِلْغِذَاءِ مِنْ الْأَثَرِ فِي ذَلِكَ، كَمَا قَالَ ﷺ : «لَا تُرْضِعُ لَكُمْ الْحَمْقَاءُ، فَإِنَّ اللَّبَنَ يُعْدِي» وَالْمُسْتَخْبَثُ حَرَامٌ بِالنَّصِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَلِهَذَا حَرَّمَ تَنَاوُلَ الْحَشَرَاتِ، فَإِنَّهَا مُسْتَخْبَثَةٌ طَبْعًا، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَنَا أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] فَقَدْ أَكْرَمَ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذَا الْخِطَابِ حَيْثُ خَاطَبَهُمْ بِمَا خَاطَبَ بِهِ الرُّسُلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ

стр. 2446

قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] الْآيَةَ. ثُمَّ شَرَطَ حِلَّ التَّنَاوُلِ مِنْهَا فِيمَا يَحِلُّ مِنْهَا بِالذَّكَاةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَزَعَمَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ مَشَايِخِنَا ﵏ أَنَّ الذَّبْحَ وَالتَّذْكِيَةَ مَحْظُورٌ بِالْعَقْلِ لِمَا فِيهَا مِنْ إيلَامِ الْحَيَوَانِ، وَهَذَا عِنْدِي بَاطِلٌ فَقَدْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَنَاوَلُ مِنْ اللَّحْمِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ» وَلَا يُظَنُّ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَاوَلُ ذَبَائِحَ الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَذْبَحُونَ بِاسْمِ الْأَصْنَامِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ كَانَ يَذْبَحُ وَيَصْطَادُ بِنَفْسِهِ، وَمَا كَانَ يَفْعَلُ مَا هُوَ مَحْظُورٌ عَقْلًا كَالظُّلْمِ وَالْكَذِبِ وَالسَّفَهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ قَطُّ، ثُمَّ فِي الذَّبْحِ وَالِاصْطِيَادِ تَحْصِيلُ مَنْفَعَةِ الْغِذَاءِ لِمَنْ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ وَهُوَ الْآدَمِيُّ. فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا مُبَاحًا إلَيْهِ، وَأَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وَالْإِيلَامُ لِهَذَا الْمَقْصُودِ، فَلَا يَكُونُ مَحْظُورًا عَقْلًا كَالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ مَنْدُوبٌ، وَشُرْبُ الْأَدْوِيَةِ الْكَرِيهَةِ فِي وَقْتِهَا. وَالذَّكَاةُ لُغَةً التَّوَقُّدُ، وَالتَّلَهُّبُ الَّذِي يَحْدُثُ فِي الْحَيَوَانِ بِحِدَّةٍ لِأَدِلَّةٍ سُمِّيَتْ الشَّمْسُ ذَكَاءً لِشِدَّةِ الْحَرَارَةِ، وَسُمِّيَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي خَاطِرِهِ حِدَّةٌ ذَكِيًّا، فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ اشْتِرَاطَ الذَّكَاةِ لِتَطْيِيبِ اللَّحْمِ بِهِ، فَإِنَّهُ نَوْعُ نُضْجٍ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْمُذَكَّى أَطْيَبَ لَحْمًا مِنْ الْمَيْتَةِ وَأَبْعَدَ مِنْ النَّسِيسِ وَالْفَسَادِ، وَقِيلَ: الذَّكَاةُ عِبَارَةٌ عَنْ تَسْيِيلِ الدَّمِ الْفَاسِدِ النَّجِسِ، فَإِنَّ الْمُحَرَّمَ فِي الْحَيَوَانِ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي جُمْلَةِ الْمُحَرَّمَاتِ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَكَانَتْ الذَّكَاةُ إزَالَةً لِلْخُبْثِ، وَتَطْيِيبًا بِتَمْيِيزِ الطَّاهِرِ مِنْ النَّجَسِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: الذَّبْحُ فِي الْمَذْبَحِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ قَالَ ﷺ : «الذَّكَاةُ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ»، وَبِالْجُرْحِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ أَصَابَهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الذَّبْحِ فِي الْمَذْبَحِ ثُمَّ يَحْصُلُ بَعْضُ ذَلِكَ بِالْجَرْحِ وَالتَّكْلِيفِ بِحَسَبِ الْوُسْعِ، فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ الذَّبْحُ فِي الْمَذْبَحِ مَقْدُورًا لَهُ لَا يَثْبُتُ الْحِلُّ إلَّا بِهِ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَعَذَّرَ يَقُومُ الْجُرْحُ مَقَامَهُ. ثُمَّ حِلُّ التَّنَاوُلِ بِالِاصْطِيَادِ مُخْتَصٌّ بِشَرَائِطَ: (أَحَدُهَا) أَنْ يَكُونَ مَا يَصْطَادُ بِهِ مُعَلَّمًا. (وَالثَّانِي) أَنْ يَكُونَ جَارِحًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ومَّا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤] وَفِي مَعْنَى الْجَوَارِحِ قَوْلَانِ: (أَحَدُهُمَا) أَنْ يَكُونَ جَارِحًا حَقِيقَةً بِنَابِهِ وَمِخْلَبِهِ، (وَالثَّانِي) الْكَوَاسِبُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أَيْ كَسَبْتُمْ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهَا فَنَقُولُ: الشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْكَوَاسِبِ الَّتِي تَخْرُجُ. (وَالثَّالِثُ) الْإِرْسَالُ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي السُّنَّةِ، وَهُوَ «قَوْلُهُ ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: وَإِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، وَإِنْ شَارَكَ كَلْبُكَ كَلْبَ آخَرَ فَلَا تَأْكُلْ». فَلَمَّا حَرُمَ التَّنَاوُلُ عِنْدَ عَدَمِ الْإِرْسَالِ فِي أَحَدِ الْكَلْبَيْنِ دَلَّ أَنَّ الْإِرْسَالَ فِي ذَلِكَ

стр. 2447

شَرْطٌ، وَلِأَنَّ التَّذْكِيَةَ إنَّمَا تَكُونُ مُوجِبًا لِلْحِلِّ إذَا حَصَلَ مِنْ الْآدَمِيِّ، فَلَا بُدَّ مِنْ جَعْلِ آلَةِ الصَّيْدِ نَائِبًا عَنْ الْآدَمِيِّ لِيَحْصُلَ الْحِلُّ بِفِعْلِهِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْإِرْسَالِ، وَاشْتِرَاطِ كَوْنِهِ مُعَلَّمًا لِتَحَقُّقِ الْإِرْسَالِ فِيهِ. (وَالرَّابِعُ) التَّسْمِيَةُ. (وَالْخَامِسُ) إمْسَاكُهُ عَلَى صَاحِبِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] وَمُطْلَقُ الْأَمْرِ مُفِيدٌ لِلْوُجُوبِ، وَلَا يَجِبُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الْأَكْلِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عِنْدَ الْإِرْسَالِ. (وَالسَّادِسُ) أَنْ يَكُونَ الصَّيْدُ مِمَّا يُبَاحُ تَنَاوُلُهُ، وَيَكُونُ مُمْتَنِعًا وَمُسْتَوْحِشًا. (وَالسَّابِعُ) أَنْ لَا يَتَوَارَى عَنْ بَصَرِهِ أَوْ لَا يَقْعُدَ عَنْ طَلَبِهِ حَتَّى يَجِدَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا غَابَ عَنْ بَصَرِهِ، فَلَا يَدْرِي لَعَلَّ مَوْتَهُ كَانَ بِسَبَبٍ آخَرَ سِوَى جُرْحِ مَا أَرْسَلَهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - بِقَوْلِهِ: كُلْ مَا أَمَمْتَ، وَدَعْ مَا أَيْمَنْتَ وَالْإِمَاءُ مَا رَأَيْتَهُ، وَالْإِيمَاءُ مَا غَابَ عَنْكَ، وَإِذَا قَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ، فَلَا يَدْرِي لَعَلَّهُ لَوْ تَبِعَهُ وَقَعَ فِي يَدِهِ حَيًّا، وَقَدَرَ عَلَى ذَبْحِهِ فِي الْمَذْبَحِ، وَتَرْكُ ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ مُحَرَّمٌ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ فِي الصَّيْدِ لَعَلَّ وَعَسَى أَنْ لَا يَحِلَّ تَنَاوُلُهُ، وَإِلَيْهِ «أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ إذَا وَقَعَتْ رَمْيَتُكَ فِي الْمَاءِ، فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَنَّ الْمَاءَ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمَكَ» إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: كَمَا يُشْتَرَطُ فِيمَا أَرْسَلَهُ الصَّيَّادُ أَنْ يَكُونَ خَارِجًا فَكَذَلِكَ فِيمَا يُرْمَى بِهِ، وَبِهَا الْكِتَابُ بِبَيَانِهِ مَرْوِيٌّ عَنْ إبْرَاهِيمَ ﵀ إذَا خُرِقَ الْمِعْرَاضُ فَكُلْ، وَإِذَا لَمْ يَخْرِقْ فَلَا تَأْكُلْ، وَالْمِعْرَاضُ سَهْمٌ لَا نَصْلَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ مُحَدَّدًا، وَقِيلَ: سَهْمٌ لَا رِيشَ لَهُ فَرُبَّمَا يُصِيبُ السَّهْمُ عَرْضًا يَنْدَقُّ وَلَا يَخْرُجُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ فَقَالَ: - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَجَرَحَ فَكُلْ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ، فَلَا تَأْكُلْ» وَالْحَرَقُ هُوَ الْخَرَقُ إلَّا أَنَّ لَفْظَةَ الْحَرَقِ تُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَا حَيَاةَ لَهُ، كَالثَّوْبِ وَنَحْوِهِ، وَلَفْظَةُ الْخَرَقِ تُسْتَعْمَلُ فِي الْحَيَوَانِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْحِلَّ بِاعْتِبَارِ تَسْيِيلِ الدَّمِ النَّجِسِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ إذَا خُرِقَ، وَلَا يَحْصُلُ إذَا دُقَّ وَلَمْ يُخْرَقْ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْمَوْقُوذَةِ، وَهُوَ حَرَامٌ بِالنَّصِّ، وَذُكِرَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: كَانَتْ لِبَعْضِ أَهْلِ الْحَيِّ نَعَامَةٌ فَضَرَبَهَا إنْسَانٌ فَوَقَذَهَا فَأَلْقَاهَا عَلَى كُنَاسَةٍ وَهِيَ حَيَّةٌ فَسَأَلْنَا سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ: ذَكُّوهَا وَكُلُوهَا، وَبِهِ نَقُولُ، فَإِنَّ الْمَوْقُوذَةَ إذَا أَدْرَكَ ذَكَاتَهَا جَازَ تَنَاوُلُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَلِحُصُولِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ تَسْيِيلُ الدَّمِ النَّجِسِ، وَمِنْهُ دَلِيلُ إبَاحَةِ تَنَاوُلِ النَّعَامَةِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْكَلْبِ يَقْتُلُ الصَّيْدَ فَقَالَ: كُلْ، وَإِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّهُ

стр. 2448

أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يُضْرَبُ حَتَّى يَتْرُكَ الْأَكْلَ، وَبِهِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ قَالُوا: الْكَلْبُ إذَا أَكَلَ مِنْ الصَّيْدِ الَّذِي أَخَذَهُ يَحْرُمُ تَنَاوُلُهُ، وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَحْرُمُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَالَ فِي صَيْدِ الْكَلْبِ: كُلْ وَإِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْهُ»، وَلِأَنَّهُ تَنَاوَلَ اللَّحْمَ دُونَ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ الصَّيْدَ أَوَّلًا فَيَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَيْدًا وَتَنَاوُلُ الْكَلْبِ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ لَا يَحْرُمُ مَا بَقِيَ مِنْهُ عَلَى صَاحِبِهِ، كَمَا لَوْ فَتَّشَ فِي مِخْلَاةِ صَاحِبِهِ وَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ الْقَدِيدِ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وَحِينَ أَكَلَ مِنْهُ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَا عَلَى صَاحِبِهِ حِينَ لَا يَتْرُكُهُ حَتَّى يَشْبَعَ مِنْهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁، «فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ إنْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ ثُمَّ انْتَسَخَ أَوْ مُرَادُهُ إذَا وَلَغَ فِي دَمِ الصَّيْدِ، وَعِنْدَنَا ذَلِكَ الْقَدْرُ لَا يُحَرِّمُ، ثُمَّ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ثُبُوتَ الْحِلِّ بِفِعْلِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ صَاحِبِهِ، وَيَنْعَدِمُ ذَلِكَ إذَا أَكَلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ سَعْيَهُ كَانَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ انْعَدَمَ الْإِرْسَالُ أَصْلًا. (ثُمَّ) ذَكَرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي الْبَازِي يَقْتُلُ الصَّيْدَ وَيَأْكُلُ مِنْهُ قَالَ: كُلْ، وَقَالَ: تَعْلِيمُ الْبَازِي أَنْ تَدْعُوَهُ فَيُجِيبَكَ، وَلَا تَسْتَطِيعَ أَنْ تَضْرِبَهُ حَتَّى يَتْرُكَ الْأَكْلَ وَبِهِ نَأْخُذُ، وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْبَازِي وَالْكَلْبُ إذَا أَكَلَ مِنْ الصَّيْدِ لَا يَحِلُّ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ يُمْسِكُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْ صَاحِبِهِ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا عِنْدَنَا عَلَى وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّ جُثَّةَ الْكَلْبِ تَحْتَمِلُ الضَّرْبَ فَيُمْكِنُ أَنْ يُضْرَبَ لِيَدَعَ الْأَكْلَ، وَجُثَّةُ الْبَازِي لَا تَحْتَمِلُ الضَّرْبَ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ. (وَالثَّانِي) أَنَّ الْكَلْبَ أُلُوفٌ، وَعَلَامَتُهُ عِلْمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِطَبْعِهِ، وَإِجَابَتُهُ صَاحِبَهُ إذَا دَعَاهُ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِطَبْعِهِ، فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى عِلْمِهِ. بَلْ يَكُونُ عَلَّامَةَ عِلْمِهِ تَرْكُ الْأَكْلِ عِنْدَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ طَبْعِهِ، فَإِذَا أَكَلَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّمًا، وَالشَّرْطُ فِي صَيْدِ الْكَلْبِ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّمًا، وَالْبَازِي مُنَفِّرٌ فَأَجَابَتْهُ صَاحِبَهُ إذَا دَعَاهُ خِلَافُ طَبْعِهِ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ عَلَامَةَ عِلْمِهِ دُونَ تَرْكِ الْأَكْلِ، فَهُوَ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ، فَلَا يَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُعَلَّمٍ، وَلَكِنَّ هَذَا الْفَرْقَ لَا يَتَأَتَّى فِي الْفَهْدِ وَالنَّمِرِ، فَإِنَّهُ مُسْتَوْحِشٌ كَالْبَازِي، ثُمَّ الْحُكْمُ فِيهِ وَفِي الْكَلْبِ سَوَاءٌ فَالْمُعْتَمَدُ هُوَ الْأَوَّلُ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي الْكَلْبِ يَشْرَبُ مِنْ دَمِ الصَّيْدِ وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الصَّيْدِ، وَبِهِ نَأْخُذُ، وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ﵀ يَقُولُ: يَحْرُمُ بِذَلِكَ

стр. 2449

لِأَنَّ دَمَ الصَّيْدِ جُزْءٌ مِنْهُ كَلَحْمِهِ فَتَبَيَّنَ شُرْبُهُ مِنْ دَمِهِ أَنَّهُ أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: هَذَا دَلِيلُ حَذْقِهِ فِي كَوْنِهِ مُعَلَّمًا؛ لِأَنَّهُ شَرِبَ مَا يَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَرْغَبُ فِيهِ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ، وَأَمْسَكَ عَلَيْهِ مَا يَعْلَمُ رَغْبَتَهُ فِيهِ فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلَ عِلْمِهِ، وَإِمْسَاكه عَلَى صَاحِبِهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ صَاحِبُهُ، وَلَا يَحْرُمُ تَنَاوُلُ الصَّيْدِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَكَلَ مِنْ لَحْمِهِ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ ﵀ فِي كَلْبِ الْمَجُوسِيِّ أَوْ بَازِيهِ يَصِيدُ بِهِ الْمُسْلِمُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الصَّيَّادَ مُرْسِلُ الْكَلْبِ لَا مَالِكُ الْكَلْبِ، وَمُرْسِلُ الْكَلْبِ مُسْلِمٌ مِنْ أَهْلِ التَّسْمِيَةِ، وَالْكَلْبُ آلَةُ الِاصْطِيَادِ فَاصْطِيَادُ الْمُسْلِمِ بِهِ يُوجِبُ الْحِلَّ، فَإِنْ كَانَ لِلْمَجُوسِيِّ فَهُوَ كَاصْطِيَادِهِ بِقَوْسِهِ وَسَهْمِهِ (وَعَنْهُ) فِي الرَّجُلِ يُرْسِلُ كَلْبَهُ فَيَذْهَبُ مَعَهُ كَلْبٌ آخَرُ غَيْرُ مُعَلَّمٍ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ الصَّيْدَ وَيَأْخُذُ الصَّيَّادَ مَعَهُ قَالَ: لَا يُؤْكَلُ، وَبِهِ نَأْخُذُ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِنْ شَارَكَ كَلْبَكَ كَلْبٌ آخَرُ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبِ غَيْرِكَ» وَلِأَنَّ إرْسَالَ الْكَلْبِ مِنْ شَرَائِطِهِ الْحِلُّ، وَانْعِدَامُهُ يُوجِبُ الْحُرْمَةَ، وَالصَّيْدُ صَارَ مَأْخُوذًا بِالْكَلْبَيْنِ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ مُوجِبُ الْحِلِّ، وَمُوجِبُ الْحُرْمَةِ يَغْلِبُ الْمُوجِبُ لِلْحُرْمَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ فِي شَيْءٍ إلَّا غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ». [رَمَى صَيْدًا فَتَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ] وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: مَنْ رَمَى صَيْدًا فَتَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَلَا يَأْكُلْهُ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ التَّرَدِّي قَتَلَهُ، وَإِنْ رَمَى طَيْرًا فَوَقَعَ فِي مَاءٍ فَلَا تَأْكُلْهُ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ الْغَرَقُ قَتَلَهُ، وَبِهِ نَأْخُذُ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «قَالَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا وَقَعَتْ رَمْيَتُكَ فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَنَّ الْمَاءَ قَتَلَهُ أَمْ سَهْمُكَ» وَلِأَنَّ التَّرَدِّي وَجَبَ لِلْحُرْمَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ جُمْلَةَ الْمُحَرَّمَاتِ الْمُتَرَدِّيَةِ، وَعِنْدَ اجْتِمَاعِ مَعْنَى الْمُوجِبِ لِلْحِلِّ وَمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلْحُرْمَةِ يَغْلِبُ الْمُوجِبُ لِلْحُرْمَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ رَمَى طَيْرًا فِي الْهَوَاءِ فَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ وَمَاتَ، فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِهِ عَلَى الْأَرْضِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ فَيَكُونُ عَفْوًا، وَالتَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الْوُسْعِ، بِخِلَافِ الْوُقُوعِ فِي الْمَاءِ وَالتَّرَدِّي مِنْ مَوْضِعٍ، فَإِنَّهُ يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ طَيْرُ الْمَاءِ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ طَيْرَ الْمَاءِ يَعِيشُ فِي الْمَاءِ غَيْرَ مَجْرُوحٍ، فَأَمَّا بَعْدَ الْجُرْحِ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ قَاتِلًا لَهُ، كَمَا يُتَوَهَّمُ بِغَيْرِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ ذَبَحَ شَاةً، وَتَرَدَّى بَعْدَ الذَّبْحِ مِنْ مَوْضِعٍ، أَوْ وَقَعَتْ فِي مَاءٍ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ ذَكَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فَإِنَّهُ يُحَادِي بِالْمَوْتِ عَلَيْهِ دُونَ مَا يَتَعَرَّضُ بَعْدَهُ، فَأَمَّا الرَّمْيُ لَيْسَ بِزَكَاةٍ مُسْتَقِرَّةٍ، حَتَّى إذَا وَقَعَ الصَّيْدُ فِي

стр. 2450

يَدِ الرَّامِي حَيًّا لَمْ يَحِلَّ إلَّا بِالذَّبْحِ؛ فَلِهَذَا كَانَ التَّرَدِّي مِنْ الْجَبَلِ، وَالْوُقُوعُ فِي الْمَاءِ مُحَرِّمًا لَهُ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ شَيْءٍ كَانَ قَوْمِي يَصِفُونَهُ بِالْبَادِيَةِ يَنْصِبُونَ السِّنَانَ فَيُصْبِحُ وَقَدْ قَتَلَ الضَّبُعَ، فَقَالَ لِي: وَإِنَّكَ مِمَّنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ.؟ قُلْتُ: مَا أَكَلْتُهَا قَطُّ، فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: حَدَّثَنَا أَبُو الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي خَطْفَةٍ وَنُهْبَةٍ وَمُجَثَّمَةٍ وَعَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ» فَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - صَدَقْتَ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الضَّبُعَ غَيْرُ مَأْكُولِ اللَّحْمِ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا، وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ الضَّبُعِ «لِحَدِيثِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الضَّبُعِ أَصَيْدٌ هُوَ.؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ: يُؤْكَلُ لَحْمُهُ.؟ قَالَ: نَعَمْ فَقِيلَ: أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .؟ قَالَ: نَعَمْ» وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَا وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَمِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» وَلِأَنَّهُ ذُو نَابٍ يُقَاتِلُ بِنَابِهِ، فَلَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَالذِّئْبِ، وَتَأْثِيرُهُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ مُسْتَخْبَثٌ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنْ الْقَصْدِ إلَى الْأَذَى وَالْبَلَادَةِ، فَيَدْخُلُ فِي جُمْلَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَحَدِيثُ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنْ صَحَّ فَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ الِابْتِدَاءِ ثُمَّ انْتَسَخَ بِنُزُولِ الْآيَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْحُرْمَةَ ثَابِتَةٌ شَرْعًا فَمَا يُرْوَى مِنْ الْحِلِّ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الضَّبُعَ صَيْدٌ بِحَسَبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُحْرِمِ بِقَتْلِهِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ، وَعِنْدَهُ لِأَنَّهُ مَأْكُولُ اللَّحْمِ، فَأَمَّا مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ فَالْمُرَادُ بِالْخَطْفِ مَا يَخْتَطِفُ بِمِخْلَبِهِ مِنْ الْهَوَاءِ كَالْبَازِي وَالْعُقَابِ وَالشَّاهِينِ، وَالْمُنْهِبَةُ مَا يَنْتَهِبُ بِنَابِهِ مِنْ الْأَرْضِ كَالْأَسَدِ، وَالذِّئْبِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ، وَفِي ذِكْرِ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ إشَارَةٌ إلَى مَعْنَى الْحُرْمَةِ حَتَّى لَا يَسْرِيَ إلَى الْأَكْلِ هَذَا الْخُلُقُ الرَّدِيءُ، وَفِي الْمُحَتَّمَةِ رِوَايَتَانِ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ، وَمَعْنَى الرِّوَايَةِ بِالْفَتْحِ مَا يُحْتِمُ عَلَيْهِ الْكَلْبُ فَيَقْتُلُهُ غَمًّا لَا جُرْحًا، فَذَلِكَ الصَّيْدُ حَرَامٌ لِانْعِدَامِ مَعْنَى الذَّكَاةِ فِيهِ، وَمَعْنَى الرِّوَايَةِ بِالْكَسْرِ مَا يُحْتِمُ عَلَى الصَّيُودِ كَالذِّئْبِ وَالْأَسَدِ وَالْفَهْدِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَأْكُولٍ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ «وَعَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ» مَا يَقْصِدُ بِنَابِهِ، وَيَدْفَعُ بِهِ، فَأَمَّا أَصْلُ النَّابِ يُوجَدُ لِكُلِّ صَيْدٍ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُحَرَّمَ مَا بَيَّنَّا. ، وَعَنْ إبْرَاهِيمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ كُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ، وَمَا أَكَلَ الْجِيَفَ، وَبِهِ نَأْخُذُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ كَالْفِرَاقِ وَالْغُرَابِ الْأَبْقَعِ مُسْتَخْبَثٌ طَبْعًا فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ

стр. 2451

﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. (وَعَنْ) هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَكْلِ الْغُرَابِ فَقَالَ: وَمَنْ يَأْكُلُهُ بَعْدَ مَا سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسِقًا» يُرِيدُ بِهِ الْحَدِيثَ الْمَعْرُوفَ «خَمْسُ فَوَاسِقَ يَقْتُلُهُمْ الْمُحْرِمُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ» وَذَكَرَ الْغُرَابَ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ، وَأَمَّا الْغُرَابُ الزَّرْعِيُّ الَّذِي يَلْتَقِطُ الْحَبَّ فَهُوَ طَيِّبٌ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَخْبَثٍ طَبْعًا، وَقَدْ يَأْلَفُ الْآدَمِيَّ كَالْحَمَامِ فَهُوَ وَالْعَقْعَقُ سَوَاءٌ، وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْعَقْعَقِ، فَإِنْ كَانَ الْغُرَابُ بِحَيْثُ يَخْلِطُ فَيَأْكُلُ الْجِيَفَ تَارَةً وَالْحَبَّ تَارَةً فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ الْمُوجِبُ لِلْحِلِّ وَالْمُوجِبُ لِلْحُرْمَةِ. (وَعَنْ) أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَلَى قِيَاسِ الدَّجَاجَةِ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا، وَقَدْ أَكَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَهِيَ قَدْ تَخْلِطُ أَيْضًا، وَهَذَا لِأَنَّ مَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ فَلَحْمُهُ يَنْبُتُ مِنْ الْحَرَامِ فَيَكُونُ خَبِيثًا عَادَةً، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِيمَا يَخْلِطُ. وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ أَنْ تُنْخَعَ الشَّاةُ إذَا ذُبِحَتْ» وَبِهِ نَأْخُذُ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يُبَالِغَ الذَّابِحُ بِالذَّبْحِ حَتَّى يَبْلُغَ بِالسِّكِّينِ النُّخَاعَ، وَالنُّخَاعُ عِرْقٌ أَبْيَضُ فِي عَظْمِ الرَّقَبَةِ، وَفِي هَذَا زِيَادَةُ إيلَامٍ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ، وَالشَّرْعُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّبْغَانِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأُحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأُحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَلْيَحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» وَالنَّخْعُ لَيْسَ مِنْ الْإِحْسَانِ فِي شَيْءٍ، وَكَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَرُوِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - حَتَّى قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا تَجُرُّوا الْعَجْمَاءَ إلَى مَذْبَحِهَا بِرِجْلِهَا، وَأَحِدُّوا الشَّفْرَةَ، وَأَسْرِعُوا الْمَمَرَّ عَلَى الْأَوْدَاجِ، وَلَا تَحُفُّوا. (وَعَنْ) مَكْحُولٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا ذَبَحَ لَمْ يَنْخَعْ، وَلَمْ يَبْدُ بِسَلْخٍ حَتَّى تَبْرُدَ الشَّاةُ» وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمَرْءِ أَنْ يَذْبَحَ بِنَفْسِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ تَرْكِ التَّرَحُّمِ فِي شَيْءٍ، بِخِلَافِ مَا قَالَهُ جُهَّالُ الْمُتَقَشِّفَةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلذَّابِحِ أَنْ يَتَحَرَّزَ عَنْ زِيَادَةِ إيلَامٍ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ. (وَعَنْ) عِكْرِمَةَ ﵁ قَالَ: «نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى رَجُلٍ قَدْ أَضْجَعَ شَاةً وَهُوَ يُحِدُّ الشَّفْرَةَ، وَهِيَ مُلَاحِظَةٌ فَقَالَ: ﵊ أَرَدْتَ أَنْ تُمِيتَهَا مَوْتَاتٍ» وَبِهِ نَأْخُذُ فَنَقُولُ: يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُحِدَّ الشَّفْرَةَ بَيْنَ يَدَيْهَا لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ إيلَامٍ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ، وَضَرَبَ عُمَرُ ﵁ مَنْ رَآهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالدُّرَّةِ حَتَّى هَرَبَ وَشَرَدَتْ الشَّاةُ «وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -

стр. 2452

رَجُلًا وَقَدْ أَخَذَ أُذُنَ شَاةٍ، وَهُوَ يَجُرُّهَا إلَى الْمَذْبَحِ فَقَالَ: قُدْهَا إلَى الْمَوْتِ قَوْدًا رَفِيقًا، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: خُذْ سَاقَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» وَالْمَعْنَى أَنَّهَا تَعْرِفُ مَا يُرَادُ بِهَا، كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ «مَا هِبْت الْبَهَائِمَ إلَّا عَنْ أَرْبَعَةٍ خَالِقِهَا، وَرَازِقِهَا، وَحَتْفِهَا، وَسِفَادِهَا» فَإِذَا كَانَتْ تَعْرِفُ ذَلِكَ وَهُوَ يُحِدُّ الشَّفْرَةَ بَيْنَ يَدَيْهَا فَفِيهِ زِيَادَةُ إيلَامٍ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يُحِدَّ الشَّفْرَةَ، وَلَكِنَّ الشَّاةَ لَا تَحْرُمُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّ مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ الذَّكَاةِ، وَهِيَ تَسْيِيلُ الدَّمِ النَّجِسِ مِنْهَا قَدْ وُجِدَ، وَالنَّهْيُ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْحُرْمَةِ، وَقَدْ وُجِدَ (وَعَنْ) رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَأَفْرَى الْأَوْدَاجَ فَكُلْ مَا عَدَا السِّنَّ وَالظُّفْرَ وَالْعَظْمَ فَإِنَّهَا مُدَى الْحَبَشَةِ» وَالْمُرَادُ بَيَانُ آلَةِ الذَّبْحِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلذَّكَاةِ آلَةٌ مُحَدَّدَةٌ يَحْصُلُ بِهَا إنْهَارُ الدَّمِ، وَإِفْرَاءُ الْأَوْدَاجِ، وَالْإِنْهَارُ التَّسْيِيلُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ النَّهْرُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَسِيلُ فِيهِ، وَالنَّهَارُ تَجْرِي فِيهِ الشَّمْسُ بِمَرْأَى الْعَيْنِ مِنْ الْعِبَادِ، وَالْإِفْرَاءُ الْقَطْعُ، وَالْمُرَادُ بِالْأَوْدَاجِ الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ وَالْوَدَجَانِ، وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الذَّكَاةِ تَمْيِيزُ الطَّاهِرِ مِنْ النَّجِسِ بِتَسْيِيلِ الدَّمِ مِنْ الْحَيَوَانِ، وَالْمُرَادُ بِمَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ السِّنِّ وَالظُّفْرِ الْمُرَكَّبِ؛ لِأَنَّهُ بِاسْتِعْمَالِ ذَلِكَ يَصِيرُ قَاتِلًا لَا ذَابِحًا، فَإِنَّهُمَا مِنْهُ، وَآلَةُ الذَّبْحِ غَيْرُ الذَّابِحِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِانْقِطَاعِ الْأَوْدَاجِ بِالْقُوَّةِ لَا بِحِدَّةِ الْآلَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: فَإِنَّهَا مُدَى الْحَبَشَةِ، وَهُمْ إنَّمَا يُعْتَادُونَ الذَّبْحَ بِسِنِّ أَنْفُسِهِمْ، وَظُفُرِ أَنْفُسِهِمْ، وَذَلِكَ يَحْرُمُ بِالِاتِّفَاقِ، فَأَمَّا فِي الذَّبْحِ بِالسِّنِّ الْمَقْلُوعَةِ وَالظُّفُرِ الْمَنْزُوعَةِ وَالْعَظْمِ الْمُنْفَصِلِ إذَا كَانَ مَحْدُودًا اخْتِلَافٌ نُبَيِّنُهُ [ذَبِيحَةِ الْأَخْرَسِ] (وَعَنْ) عَامِرٍ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ الْأَخْرَسِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَبِهِ نَأْخُذُ، فَإِنَّ إشَارَةَ الْأَخْرَسِ وَتَحْرِيكَهُ الشَّفَتَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْبَسْمَلَةِ مِنْ النَّاطِقِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِيرُ بِهِ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ، كَمَا يَكُونُ النَّاطِقُ شَارِعًا بِالتَّكْبِيرِ، ثُمَّ الْأَهْلِيَّةُ لِلذَّبْحِ يَكُونُ لِلذَّابِحِ مِنْ أَهْلِ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ، وَذَلِكَ بِاعْتِقَادِهِ التَّوْحِيدَ، وَالْأَخْرَسُ مُعْتَقِدٌ لِذَلِكَ ثُمَّ الْمُحَرَّمُ بَعْدَهُ الْإِعْرَاضُ عَنْ التَّسْمِيَةِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِعْرَاضُ مِنْ الْأَخْرَسِ فَعُذْرُهُ أَبْلَغُ مِنْ عُذْرِ النَّاسِي، وَإِذَا كَانَ بِعُذْرِ النِّسْيَانِ يَنْعَدِمُ الْإِعْرَاضُ، فَبِعُذْرِ الْخَرَسِ أَوْلَى. (وَعَنْ) عَلِيٍّ ﵁ فِي الرَّجُلِ إذَا ذَبَحَ الشَّاةَ أَوْ الطَّيْرَ فَقَطَعَ رَأْسَهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ، (وَعَنْهُ) أَنَّهُ قَالَ تِلْكَ ذَكَاةٌ وَحِيَّةٌ أَيْ سَرِيعَةٌ. (وَعَنْ) عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ ضَرَبَ عُنُقَ بَطَّةٍ بِالسَّيْفِ فَسَبَقَ فَأَمَاتَهُ قَالَ: يُؤْكَلُ وَبِهِ نَأْخُذُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ، وَهُوَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ، وَزَادَ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ بَدَأَ بِالْقَطْعِ مِنْ قِبَلِ

стр. 2453

الْحَلْقِ حَتَّى أَبَانَ رَأْسَهُ، فَلَا يُشَكُّ فِي إبَاحَةِ أَكْلِهِ، وَيُكْرَهُ هَذَا الصَّنِيعُ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ إيلَامٍ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ، وَإِنْ بَدَأَ مِنْ قِبَلِ الْقَفَا، فَإِنْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْأَوْدَاجَ قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ الشَّاةُ حَلَّتْ، فَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْأَوْدَاجَ لَمْ تُؤْكَلْ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الذَّكَاةِ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ، وَإِنْ مَاتَتْ بِفِعْلٍ لَيْسَ بِذَكَاةٍ شَرْعًا، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْحُرْمَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ قَبْلَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ (وَعَنْ) سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ﵁ قَالَ: الذَّكَاةُ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ وَبِهِ نَأْخُذُ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا اللَّفْظُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْمُرَادُ بَيَانُ مَحَلِّ الذَّكَاةِ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَعْلَى الْحَلْقِ وَأَوْسَطَهُ وَأَسْفَلَهُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ فِي الْمَعْنَى الْمَطْلُوبِ بِالذَّكَاةِ سَوَاءٌ. (وَعَنْ) إبْرَاهِيمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: إذَا ذَبَحْتَ، فَلَا تَذْكُرْ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْئًا، وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: جَرِّدُوا التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الذَّبْحِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وَإِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَذْكُرُونَ آلِهَتَهُمْ عِنْدَ الذَّبْحِ فَحَرَّمَ ذَلِكَ الشَّرْعُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] وَأَمَرَ بِتَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الذَّبْحِ عَلَى الْخُلُوصِ لِمُخَالَفَةِ الْمُشْرِكِينَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُهُ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ ذَلِكَ عَلَى فِعْلِ الذَّبْحِ أَوْ يُؤَخِّرَهُ عَنْهُ، فَأَمَّا مَعَ النَّحْرِ لَا يُذْكَرُ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا ضَحَّى عَنْ أُمَّتِهِ قَالَ: هَذَا عَمَّنْ شَهِدَ لِي بِالْبَلَاغِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» إنَّمَا قَالَ: بَعْدَ الذَّبْحِ لَا مَعَهُ. (وَعَنْ) رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ «أَنَّ بَعِيرًا مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ قَدْ نَدَّ فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ وَسَمَّى فَقَتَلَهُ. فَقَالَ ﷺ : إنَّ لَهَا أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَإِذَا فَعَلْتُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَافْعَلُوا بِهِ كَمَا فَعَلْتُمْ بِهَذَا ثُمَّ كُلُوهُ» وَبِهِ نَأْخُذُ فَنَقُولُ: عِنْدَ تَعَذُّرِ الْحِلِّ بِذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ يَثْبُتُ الْحِلُّ بِذَكَاةِ الِاضْطِرَارِ، وَذَلِكَ بِالْجُرْحِ فِي أَيْ مَوْضِعٍ أَصَابَهُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «إنَّ لَهَا أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ» أَيْ إنَّ لَهَا تَنَفُّرًا وَاسْتِيحَاشًا كَمَا يَكُونُ الْوَحْشُ، إلَّا أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ حَالِهَا الْإِلْفُ، وَالْوَحْشِيُّ أَغْلَبُ حَالِهِ التَّوَحُّشُ، فَإِذَا صَارَ أَلُوفًا الْتَحَقَ بِمَا هُوَ أَلُوفٌ غَالِبًا، وَإِذَا تَوَحَّشَ الْتَحَقَ بِالْوَحْشِيِّ غَالِبًا، وَالْمُرَادُ بِإِبِلِ الصَّدَقَةِ مَا يُؤْخَذُ بِالصَّدَقَةِ أَوْ مَا كَانَ يُنْحَرُ لِإِطْعَامِ الْمَسَاكِينِ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ. (وَعَنْ) عَتَّابَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ أَنَّ بَعِيرًا تَرَدَّى فِي نَهْرٍ بِالْمَدِينَةِ فَوُجِئَ مِنْ قِبَلِ خَاصِرَتِهِ فَأَخَذَ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄ عُسَيْرًا بِدِرْهَمَيْنِ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّ الْحِلَّ يَثْبُتُ بِذَكَاةِ الِاضْطِرَارِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الذَّكَاةِ بِالِاخْتِيَارِ، وَأَنَّهُ لَا

стр. 2454

فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَتَعَذَّرَ ذَلِكَ بِتَوَحُّشِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَتَعَذَّرَ سُقُوطُهُ فِي مَهْوَى، فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ مَعَ زُهْدِهِ وَتَفَرُّدِهِ رَغِبَ فِي الشِّرَاءِ مِنْهُ، وَالْعُسَيْرُ تَصْغِيرُ الْعَسِيرِ، وَقَدْ رُوِيَ عُشَيْرَاءُ، وَهُوَ سَوَادُ الْبَطْنِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ (وَعَنْ) إبْرَاهِيمَ ﵀ قَالَ إذَا تَرَدَّى بَعِيرٌ فِي بِئْرٍ، وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَنْحَرُوهُ فَمِنْ حَيْثُ نُحِرَ فَهُوَ لَهُ ذَكَاةٌ. فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْبَعِيرِ النَّحْرُ، وَفِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الذَّبْحُ، وَبِهِ نَطَقَ الْكِتَابُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] وَالْمُرَادُ الشَّاةُ، وَاَلَّذِي جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «نَحَرْنَا الْبَدَنَةَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» مَعْنَاهُ وَذَبَحْنَا الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَمِثْلُ هَذَا الْإِضْمَارِ مَعَ الْعَطْفِ مَعْلُومٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ قَالَ الْقَائِلُ: عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا أَيْ، وَسَقَيْتُهَا بَارِدًا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُعْلَفُ [ذَكَاةُ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ] ، وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: ذَكَاةُ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ أَخْذُهُ، وَمُرَادُهُ بَيَانُ أَنَّ الذَّكَاةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِيهِمَا بَلْ يَثْبُتُ الْحِلُّ فِيهِمَا بِالْأَخْذِ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِكَوْنِ الْآخِذِ مَجُوسِيًّا أَوْ وَثَنِيًّا، وَمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الذَّكَاةُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ لِلْمُذَكِّي، وَحَيْثُ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي السَّمَكِ وَالْجَرَادِ عَرَفْنَا أَنَّ الذَّكَاةَ فِيهِمَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، كَمَا قَالَ ﷺ : «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ»، وَسُئِلَ عَلِيٌّ ﵁ عَنْ الْجَرَادِ يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ مِنْ الْأَرْضِ وَفِيهِ الْمَيِّتُ وَغَيْرُهُ قَالَ: كُلْهُ كُلْهُ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ كُلْهُ كُلَّهُ فَاللَّفْظُ الْأَوَّلُ تَكْرَارٌ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالثَّانِي بَيَانُ أَنَّهُ يُؤْكَلُ كُلُّهُ وَبِهِ نَأْخُذُ، وَأَنَّ الْجَرَادَ وَإِنْ وُجِدَ مَيِّتًا فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِسَبَبٍ، فَإِنَّهُ بَحْرِيُّ الْأَصْلِ بَرِّيُّ الْمَعَاشِ، كَمَا قِيلَ: إنَّ بِيضَ السَّمَكِ إذَا انْحَصَرَ عَنْهُ الْمَاءُ يَصِيرُ جَرَادًا، فَإِذَا مَاتَ فِي الْبَرِّ فَقَدْ مَاتَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ أَصْلِهِ، وَإِذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ فَقَدْ مَاتَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ مَعَاشِهِ، وَذَلِكَ سَبَبٌ لِمَوْتِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى إبَاحَةِ أَكْلِ الْجَرَادِ مَا رُوِيَ أَنَّ مَرْيَمَ ﵂ سَأَلَتْ لَحْمًا هَشًّا فَرُزِقَتْ الْجَرَادَ، وَأَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ مُولَعًا بِأَكْلِ الْجَرَادِ حَتَّى قَالَ يَوْمًا فِي مَجْلِسِهِ: لَيْتَ لَنَا قَصْعَةً مِنْ جَرَادٍ فَنَأْكُلُهُ، أَوْ قَالَ: نَقْعَةً. (وَعَنْ) عَمْرَةَ قَالَتْ: خَرَجْتُ مَعَ وَلِيدَةٍ لَنَا فَاشْتَرَيْنَا خِرِّيتَةً بِقَفِيزٍ مِنْ حِنْطَةٍ فَوَضَعْنَاهَا فِي زِنْبِيلٍ فَخَرَجَ رَأْسُهَا مِنْ جَانِبٍ، وَذَنَبُهَا مِنْ جَانِبٍ فَمَرَّ بِنَا عَلِيٌّ ﵁ فَقَالَ لِي: بِكَمْ أَخَذْتِ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: مَا أَطْيَبَهُ وَأَرْخَصَهُ وَأَوْسَعَهُ لِلْعِيَالِ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَرَادَ مَأْكُولٌ وَبِهِ نَأْخُذُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْخِرِّيتِ فَقَالَ: فَأَمَّا نَحْنُ، فَلَا نَرَى بِهِ بَأْسًا، فَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ

стр. 2455

فَيَكْرَهُونَهُ، وَأَمَّا الرَّوَافِضُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فَيَأْخُذُونَ بِقَوْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَيُحَرِّمُونَ الْخِرِّيتَ، وَيَدَعُونَ قَوْلَ عَلِيٍّ ﵁ مَعَ دَعْوَاهُمْ مَحَبَّتَهُ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْخِرِّيتَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَمْسُوخَاتِ، وَهَذَا بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْمَمْسُوخَ لَا نَسْلَ لَهُ، وَلَا يَبْقَى بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَلْ الْخِرِّيتُ نَوْعٌ مِنْ السَّمَكِ، وَالسَّمَكُ مَأْكُولٌ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ يَثْبُتُ الْحِلُّ فِيهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] وَقَالَ ﷺ : «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ أَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالسَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» فَهَذَا دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَ النِّسَاءِ وَالْإِمَاءِ بِمَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ مَا لَا يَعْنِيهِ، فَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَعْنِي الْمَرْءَ مِمَّا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَأْثَمٌ. (وَعَنْ) إبْرَاهِيمَ ﵀ قَالَ مَا أَطْيَبَ إهَابَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ أَطْيَبَ الْأَشْيَاءِ مِنْ السَّمَكِ الذَّنَبُ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ أَتَاهُ عَبْدٌ أَسْوَدُ فَقَالَ: إنَّنِي فِي غَنَمٍ لِأَهْلِي، وَإِنِّي سَلِيلُ الطَّرِيقِ فَأَسْقِي مِنْ لَبَنِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: إنِّي أَرْمِي الصَّيْدَ فَأُصْمِيَ وَأُنْمِي قَالَ: كُلْ مَا أَصْمَيْتَ وَدَعْ مَا أَنْمَيْتَ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: الْإِصْمَاءُ مَا رَأَيْتَهُ، وَالْإِنْمَاءُ مَا تَوَارَى عَنْكَ، وَبِهِ نَأْخُذُ، إلَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إذَا تَوَارَى عَنْهُ، وَقَعَدَ فِي طَلَبِهِ، فَإِذَا لَمْ يَقْعُدْ عَنْ طَلَبِهِ لَا يَحْرُمُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مَا لَا يُسْتَطَاعُ بِالِامْتِنَاعِ عَنْهُ يَكُونُ عَفْوًا، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّاعِي أَنْ يَسْقِي مِنْ لَبَنِ الْغَنَمِ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهَا، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا لِأَنَّ الرَّاعِيَ أَمَرَ بِالرَّعْيِ وَالْحِفْظِ وَالسَّقْيُ وَمِنْ لَبَنِهَا بِمَنْزِلَةِ هِبَةٍ عَنْهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بِدُونِ إذْنِ أَهْلِهَا، وَاَلَّذِي جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِرَاعِي الْغَنَمِ فَاسْتَسْقَاهُ اللَّبَنَ» تَأْوِيلُهُ أَنَّ ذَلِكَ الرَّاعِيَ كَانَ يَرْعَى غَنَمَ نَفْسِهِ أَوْ كَانَ مَأْذُونًا مِنْ جِهَةِ مَالِكِهِ بِذَلِكَ، وَقَدْ عَرَفَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ». (وَعَنْ) مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ «أَعْرَابِيًّا أَهْدَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْنَبًا مَشْوِيًّا قَالَ: لِأَصْحَابِهِ كُلُوا قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: إنِّي رَأَيْتُ دَمًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: إذَنْ فَكُلْ فَقَالَ: إنِّي صَائِمٌ، قَالَ: صَوْمَ مَاذَا؟ قَالَ: صَوْمَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، فَقَالَ: هَلَّا جَعَلْتهَا الْبِيضَ»، وَبِهِ نَأْخُذُ فَنَقُولُ: الْأَرْنَبُ مَأْكُولٌ، وَقَدْ قَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْهَدِيَّةَ فِيهِ وَأَكَلَ مِنْهُ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - بِذَلِكَ (وَقَوْلُ) الْأَعْرَابِيِّ: إنِّي رَأَيْتُ دَمًا مُرَادُهُ مَا يَقُولُ جُهَّالُ الْعَرَبِ: أَنَّ الْأَرْنَبَةَ تَحِيضُ كَالنِّسَاءِ فَبَيَّنَ
следующие страницы →