Полный текст (6 278 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
نَفْسِهِ، يَجُوزُ، وَيَسْقُطُ بِهِ الدَّيْن عَنْ الْمَدْيُونِ فَهَذَا مِثْلُهُ، وَلَا يَكُونُ لِلْمُعَوِّضِ أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْعِوَضِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ قَدْ حَصَلَ حَتَّى سَقَطَ حَقُّ الْوَاهِبِ عَنْ الرُّجُوعِ فِي الْكُلِّ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ أَيْضًا بِشَيْءٍ سَوَاءٌ عَوَّضَهُ بِأَمْرِهِ، أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ عَوَّضَهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْهِبَةِ شَيْئًا أَمَّا إذَا كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلَا يَشْكُلُ، وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِهِ فَالتَّعْوِيضُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، فَإِنَّمَا أَمَره بِأَنْ يَتَبَرَّعَ بِمَالِ نَفْسِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لَا يُثْبِتُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ؛ وَلِأَنَّهُ مَالِكٌ لِلتَّعْوِيضِ بِدُونِ أَمْرِهِ، فَلَا مُعْتَبَرَ بِأَمْرِهِ فِيهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ أَمَرَ إنْسَانًا بِقَضَاءِ دَيْنِهِ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ كَانَ مَعْلُومًا فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ كَانَ مُطَالَبًا بِهِ فَقَدْ أَمَرَهُ أَنْ يُسْقِط عَنْهُ الْمُطَالَبَةَ بِمَالٍ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُمَلِّكَهُ مَا فِي ذِمَّتِهِ بِعِوَضٍ، وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يُمَلِّكَهُ عَيْنًا بَعُوضٍ رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى فِيهِ مِنْ مِلْكِ نَفْسِهِ فَهَذَا مِثْلُهُ
وَهُنَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ فِي ذِمَّةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ مِلْكٌ فَالْمُعَوَّضُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ مِنْهُ، وَلَا هُوَ مُسْقِطٌ عَنْهُ مُطَالَبَةً مُسْتَحَقَّةً؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الْعِوَضَ، إنَّمَا كَانَ لِلْوَاهِبِ حَقُّ الرُّجُوعِ فَقَطْ، وَالْمَوْهُوبُ لَهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ إسْقَاطِ حَقِّهِ بِدُونِ التَّعْوِيضِ بِأَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ؛ فَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمُعَوَّضُ بِأَمْرِهِ إذَا لَمْ يَضْمَنْ لَهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ فِيمَا هُوَ فَوْقَ هَذَا لَا يَرْجِعُ بِالْأَمْرِ بِدُونِ الشَّرْطِ نَحْوَ مَا إذَا قَالَ: كَفِّرْ يَمِينِي مِنْ طَعَامِك، أَوْ أَدِّ زَكَاةَ مَالِي بِمَالِك، فَهَذَا أَوْلَى.
قَالَ: (إذَا عَوَّضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْوَاهِبَ مِنْ هِبَتِهِ عِوَضًا فَقَالَ: هَذَا عِوَضٌ مِنْ هِبَتِك، أَوْ ثَوَابٌ مِنْ هِبَتِك، أَوْ بَدَلَهَا أَوْ مَكَانَهَا: فَهَذَا كُلُّهُ عِوَضٌ)؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي التَّعْوِيضِ أَنْ يُضِيفَ إلَى الْمَوْهُوبِ لِيَنْدَفِعَ بِهِ الْغَرَرُ عَنْ الْوَاهِبِ، وَيَعْلَمَ الْوَاهِبُ أَنَّهُ يُعْطِيهِ جَزَاءَ صُنْعِهِ، وَإِتْمَامًا لِمَقْصُودِهِ، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ، فَإِنَّمَا يَنْبَنِي الْحُكْمُ عَلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ فَالْعِبَارَاتُ فِيهِ سَوَاءٌ، فَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ الْهِبَةُ كَانَ لِلْمُعَوِّضِ أَنْ يَرْجِعَ فِي عِوَضِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَوَّضَهُ لِيُتِمّ سَلَامَة الْمَوْهُوبِ لَهُ بِإِسْقَاطِ حَقِّ الْوَاهِبِ فِي الرُّجُوعِ، وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِاسْتِحْقَاقِ الْمَوْهُوبِ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الْعِوَضِ، أَوْ لِأَنَّ الْمُعَوِّضَ كَالْوَاهِبِ، فَإِذَا اسْتَحَقَّ الْمَوْهُوبُ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ - بِمُقَابَلَةِ هِبَتِهِ - شَيْءٌ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالْهِبَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُعَوَّضُ هَالِكًا ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ وَرَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ لَا يُضَمِّنُهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْمُعَوِّضَ وَاهِبٌ، وَقَبْضُ الْهِبَةِ لَيْسَ بِقَبْضِ ضَمَانٍ؛ وَلِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَاهِبِ - ابْتِدَاءً - فَيَكُونُ حَقُّهُ فِي الرُّجُوعِ مَقْصُورًا عَلَى الْعَيْنِ لِحَقِّ الْوَاهِبِ ابْتِدَاءً.
وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمُعَوَّضَ إنَّمَا رَضِيَ بِالتَّعْوِيضِ لِيُتِمّ لَهُ بِهِ سَلَامَة الْهِبَةِ. فَإِذَا اسْتَحَقَّ فَقَدْ
стр. 2557
تَمَكَّنَ الْخَلَلُ فِي رِضَاهُ فَيُجْعَلُ كَمَا لَوْ قَبَضَ الْوَاهِبُ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَهَلَكَ فِي يَدِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ؛ وَلِأَنَّ الْوَاهِبَ عَادَ لَهُ فِي هِبَةِ الْمُسْتَحَقِّ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا عَوَّضَهُ، وَلِلْمَغْرُورِ أَنْ يَدْفَعَ الْغَرَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِالرُّجُوعِ عَلَى الْغَارِّ بِمَا لَحِقَهُ مِنْ الْخُسْرَانِ. يُوَضِّحُهُ: أَنَّ التَّعْوِيضَ لَا يَكُونُ إلَّا مُضَافًا إلَى الْهِبَةِ، وَالتَّمْلِيك مُضَافًا إلَى بَدَلٍ مُسْتَحَقٍّ يَكُونُ فَاسِدًا، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْوَاهِبَ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ بِسَبَبٍ فَاسِدٍ، وَكَانَ مُسْتَحَقُّ الرَّدِّ عَلَيْهِ عِنْدَ قِيَامِهِ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ بَعْدَ هَلَاكِهِ، وَإِنْ اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ كَانَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إذَا كَانَتْ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا لَمْ تَزْدَدْ خَيْرًا؛ لِأَنَّ التَّعْوِيضَ بَطَلَ بِالِاسْتِحْقَاقِ مِنْ الْأَصْلِ فَظَهَرَ الْحُكْمُ الَّذِي كَانَ قَبْلَ التَّعْوِيضِ.
قَالَ: (وَإِنْ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْهِبَةِ كَانَ لِلْمُعَوِّضِ أَنْ يَرْجِعَ فِي نِصْفِ الْعِوَضِ - اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ - وَإِنْ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْعِوَضِ فَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْهِبَةِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْعِوَضِ، وَيَرْجِعُ فِي الْهِبَةِ فَيَكُونُ لَهُ ذَلِكَ)، وَقَالَ زُفَرُ: إذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْعِوَضِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي نِصْفِ الْهِبَةِ - اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ، وَاعْتِبَارًا لِلْعِوَضِ بِالْهِبَةِ - فَإِنَّهُ لَوْ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْهِبَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي نِصْفِ الْعِوَضِ، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْعِوَضِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصِيرُ مُقَابَلًا بِالْآخَرِ فِي حُكْمِ سَلَامَتِهِ لِصَاحِبِهِ فَهُوَ كَبَيْعِ الْعِوَضِ بِالْعِوَضِ إذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ أَحَدِهِمَا يَكُونُ لِلْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِنِصْفِ مَا يُقَابِلُهُ. وَجْهُ قَوْلِنَا: أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فَيَصِيرُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَلَوْ كَانَ عَوَّضَهُ فِي الِابْتِدَاءِ نِصْفَ الْعَبْدِ لَمْ يَرْجِعْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْهِبَةِ فَكَذَلِكَ هُنَا؛ وَهَذَا لِأَنَّ مَا بَقِيَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا عَنْ الْكُلِّ، وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ الْخَلَلُ فِي رِضَاءِ الْوَاهِب فَكَانَ تَأْثِيرُهُ فِي إثْبَاتِ الْخِيَار لَهُ، فَإِنْ شَاءَ رَدَّ مَا بَقِيَ لِيَدْفَعَ الضَّرَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ مَا بَقِيَ، وَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ.
(فَإِنْ قِيلَ): فِي الِابْتِدَاءِ يَجْعَلُ تَمْلِيك النِّصْفِ عِوَضًا لَهُ عَنْ جَمِيعِ الْهِبَةِ، فَأَمَّا فِي الِاسْتِحْقَاقِ فَهُوَ قَدْ يَجْعَلُ تَمْلِيك الْكُلِّ عِوَضًا عَنْ جَمِيعِ الْهِبَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَنْصِيصًا مِنْهُ عَلَى أَنَّ النِّصْفَ عَوَّضَ نِصْفَ الْهِبَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ بِالِاسْتِحْقَاقِ النِّصْفَ عِوَضًا عَنْ الْجَمِيعِ، (قُلْنَا): هَذَا مُسْتَقِيمٌ فِي الْمُبَادَلَاتِ؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ يَنْقَسِمُ عَلَى الْبَعْضِ لِتَحَقُّقِ الْمُقَابِلَةِ، وَهَذَا لَيْسَ بِمُبَادَلَةٍ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابِلَةِ، فَلَا يَثْبُتُ هَذَا التَّقْسِيمُ فِي حَقِّهِ، وَلَكِنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ آخِرِ الْعِوَضِ يَكُونُ عِوَضًا عَنْ جَمِيعِ الْهِبَةِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْهِبَةِ مَعَ سَلَامَةِ جُزْءِ الْعِوَضِ لَهُ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ اسْتِحْقَاقِ نِصْفِ الْعِوَضِ، وَنِصْفِ الْهِبَةِ بِهَذَا الْحَرْفِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُعَوَّضَ مَلَكَ الْعِوَض إلَّا جُزْءًا فَيُعْتَبَرُ حُكْمُ الْمُقَابِلَةِ فِي حَقِّهِ فَإِذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْهِبَةِ مِنْ يَدِهِ رَجَعَ بِنِصْفِ الْعِوَضِ فَأَمَّا الْوَاهِبُ
стр. 2558
فَقَدْ مَلَكَ الْهِبَةَ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَابِلَهُ شَيْءٌ ثُمَّ تَأْثِيرُ الْعِوَضِ فِي إسْقَاطِ حَقِّهِ فِي الرُّجُوعِ، وَالْجُزْءُ مِنْ الْعِوَضِ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْكُلِّ إذَا تَمَّ رِضَاهُ بِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلْعِوَضِ شَبَهَيْنِ شَبَهُ ابْتِدَاءَ الْهِبَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعِوَضَ مُخْتَارٌ فِيهِ مُتَبَرِّعٌ، وَشَبَهُ الْمُبَادَلَةَ لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَلَكَهُ مُضَافًا إلَى الْهِبَةِ فَتَوَفَّرَ حَظُّهُ عَلَيْهِمَا فَنَقُولُ لِشَبَهِهِ بِالْمُبَادَلَاتِ إذَا اسْتَحَقَّ الْكُلّ رَجَعَ فِي الْهِبَةِ، وَلِشَبَهِهِ بِابْتِدَاءِ الْهِبَةِ إذَا اسْتَحَقَّ النِّصْفَ لَا يَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْهِبَةِ إلَّا أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ.
قَالَ: (وَسَوَاءٌ كَانَ الْعِوَضُ شَيْئًا قَلِيلًا، أَوْ كَثِيرًا مِنْ جِنْسِ الْهِبَةِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا)؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِمُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ، فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهَا الرِّبَا، وَإِنَّمَا تَأْثِيرُ الْعِوَضِ فِي قَطْعِ الْحَقِّ، وَفِي الرُّجُوعِ لِتَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ إذَا بَيَّنَهُ لِلْوَاهِبِ، وَرَضِيَ الْوَاهِبُ بِهِ.
قَالَ: (فَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ أَلْف دِرْهَمٍ، وَالْعِوَضُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ مِنْ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ لَمْ يَكُنْ عِوَضًا، وَكَانَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ)، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْهِبَةُ دَارًا، وَالْعِوَضُ بَيْتٌ مِنْهَا، وَعَنْ زُفَرَ أَنَّ هَذَا يَكُونُ عِوَضًا؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْهُوبِ لَهُ قَدْ تَمَّ فِي الْمَوْهُوبِ بِالْقَبْضِ، وَالْتَحَقَ الْمَقْبُوضُ بِسَائِرِ أَمْوَالِهِ فَكَمَا يَصْلُحُ سَائِرُ أَمْوَالِهِ عِوَضًا عَنْ الْهِبَةِ - قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ - فَكَذَلِكَ هَذَا وَجْهُ قَوْلِنَا إنَّ مَقْصُودَ الْوَاهِبِ بِهَذَا لَا يَحْصُلُ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّهُ يَهَبُهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْهُ، مَا قَصَدَ تَحْصِيلَ دِرْهَمٍ مِنْ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَالِمًا لَهُ، وَسُقُوطُ حَقِّهِ فِي الرُّجُوعِ بِاعْتِبَارِ حُصُولِ مَقْصُودِهِ بِالْهِبَةِ؛ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ عِوَضًا بِالتَّرَاضِي فِي الِانْتِهَاءِ مَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ عِوَضًا شُرِطَ فِي الِابْتِدَاءِ، فَكَذَلِكَ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَجْعَلَ عِوَضًا فِي الِانْتِهَاءِ بِخِلَافِ مَالٍ آخَرَ مِنْ مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ.
قَالَ: (وَلَوْ أَنَّ نَصْرَانِيًّا وَهَبَ لِلْمُسْلِمِ هِبَةً، فَعَوَّضَهُ الْمُسْلِمُ مِنْهَا خَمْرًا، أَوْ خِنْزِيرًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِوَضًا)؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ عِوَضًا شُرِطَ فِي الِابْتِدَاءِ؛ وَلِأَنَّ الْمُعَوَّضَ مُمَلَّكٌ ابْتِدَاءً وَتَمْلِيكُ الْمُسْلِمِ الْخَمْرَ، أَوْ الْخِنْزِيرَ مِنْ النَّصْرَانِيِّ بِالْعَقْدِ بَاطِلٌ، وَإِذَا بَطَلَ التَّعْوِيضُ كَانَ لِلنَّصْرَانِيِّ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ.
قَالَ: (عَبْدٌ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَهَبَ لِرَجُلٍ هِبَةً فَعَوَّضَهُ مِنْ هِبَتِهِ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ فِي الَّذِي لَهُ)؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ مِنْ الْعَبْدِ بَاطِلَةٌ؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنْهُ الْحَجْرُ بِالتَّبَرُّعِ، وَبِالتَّعْوِيضِ الْهِبَةُ الْبَاطِلَةُ لَا تَنْقَلِبُ صَحِيحَةً، وَإِنَّمَا تَأْثِيرُ الْعِوَضِ فِي إسْقَاطِ حَقِّ الرُّجُوعِ فِي هِبَةٍ صَحِيحَةٍ وَإِذَا رَجَعَ الْعَبْدُ فِي الْهِبَةِ - لِبُطْلَانِهَا -؛ فَلِلْمُعَوَّضِ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْعِوَض؛ لِأَنَّهُ عَوَّضَهُ لِيُسَلِّمَ لَهُ الْهِبَةَ، وَلَمْ يُسَلِّمْ، قَالَ: (وَكَذَلِكَ وَالِدُ الصَّغِيرِ إذَا وَهَبَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ شَيْئًا لِرَجُلٍ فَعَوَّضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ)؛ لِأَنَّ هَذَا تَعْوِيضٌ عَنْ هِبَةٍ بَاطِلَةٍ، قَالَ: (فَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ هُوَ الرَّجُلُ فَعَوَّضَهُ الْأَبُ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ: لَمْ يَجُزْ
стр. 2559
الْعِوَضُ)؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ مَال الصَّغِيرِ بِالتَّبَرُّعِ ابْتِدَاءً، وَلَيْسَ لِلْأَبِ ذَلِكَ فِي مَالِ الْوَلَدِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُعَوَّضَ كَالْوَاهِبِ ابْتِدَاءً، وَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ الْعِوَض لِلْوَاهِبِ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ كَمَا قَبْلَ التَّعْوِيضِ.
قَالَ: (وَإِذَا تَصَدَّقَ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَلَى الْوَاهِبِ بِصَدَقَةٍ، أَوْ نَحَلَهُ، أَوْ أَعْمَرَهُ فَقَالَ: هَذَا عِوَضٌ مِنْ هِبَتِك فَهُوَ عِوَضٌ)؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَدْ حَصَلَ، وَلَا مُعْتَبَرَ لِاخْتِلَافِ الْعِبَارَةِ بَعْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ فَبِأَيِّ لَفْظٍ مَلَّكَهُ الْعِوَضَ، أَوْ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ عِوَضٌ مِنْ هِبَتِهِ فَهُوَ عِوَضٌ.
قَالَ: (رَجُلٌ وَهَبَ لِرَجُلٍ عَبْدًا عَلَى أَنْ يُعَوِّضَهُ عِوَضًا يَوْمًا، أَوْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَقْبِضْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَتَّى امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا مِنْهُ: فَلَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ تَقَابَضَا: جَازَ ذَلِكَ) بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ وَهَذَا مَذْهَبُنَا فَإِنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ هِبَةُ ابْتِدَاءِ بَيْعٍ انْتِهَاءً، وَقَالَ زُفَرُ ﵀ ابْتِدَاء وَانْتِهَاء بَيْعٍ.
وَفِي أَحَدِ أَقَاوِيلِ الشَّافِعِيِّ ﵁: هُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَيَكُونُ مُبْطِلًا لِلْعَقْدِ، وَبَيَانُهُ: أَنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ عَقْدُ تَبَرُّعٍ، وَاشْتِرَاطُ الْعِوَضِ فِيهِ يُخَالِفُ مُقْتَضَاهُ وَزُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: هَذَا تَمْلِيكُ مَالٍ بِمَالٍ شَرْطًا، وَكَانَ بَيْعًا فَاسِدًا ابْتِدَاءً كَمَا لَوْ عَقَدَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، أَوْ التَّمْلِيكِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ فِي الْعُقُودِ يَعْتَبِرُ الْمَقْصُودُ، وَعَلَيْهِ يَنْبَنِي الْحُكْمُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ اشْتَرَيْت مِنْك كُرًّا مِنْ حِنْطَةٍ صِفَتُهَا كَذَا بِهَذَا الثَّوْبِ، وَبَيْنَ شَرَائِط السَّلَمِ يَكُونُ سَلَمًا، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ لَفْظُ السَّلَمِ، وَأَنَّهُ لَوْ وَهَبَ ابْنَتَهُ مِنْ رَجُلٍ: كَانَ نِكَاحًا، وَلَوْ وَهَبَ امْرَأَتَهُ مِنْ نَفْسِهَا: كَانَ طَلَاقًا، وَلَوْ وَهَبَ عَبْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ: كَانَ عِتْقًا، وَلَوْ وَهَبَ الدَّيْنَ مِمَّنْ عَلَيْهِ: كَانَ إبْرَاءً، فَاللَّفْظُ وَاحِدٌ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعَقْدُ لِاخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ وَهَبْت مِنْك مَنْفَعَةَ هَذِهِ الدَّارِ شَهْرًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِم يَكُونُ إجَارَةً يَلْزَمُ بِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَعَرْتُك، وَالْإِعَارَةُ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَإِذَا شَرَطَ فِيهِ الْبَدَلَ: كَانَ إجَارَةً، فَكَذَلِكَ الْهِبَةُ تَمْلِيكُ الْمَوْهُوبِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَإِذَا شَرَطَ الْعِوَضَ: يَكُونُ بَيْعًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ لَوْ بَاعَ: كَانَ مُكْرَهًا، وَكَذَلِكَ الْمُكْرَهُ عَلَى الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ إذَا وَهَبَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ - وَلَوْ لَمْ يَكُونَا فِي الْحُكْمِ سَوَاءً - لَمْ يَكُنْ الْمُكْرَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا مُكْرَهًا عَلَى الْآخَرِ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ: أَنَّ هَذَا تَمْلِيكُ الْمَالِ بِلَفْظٍ يُخَالِفُ ظَاهِرُهُ مَعْنَاهُ، فَيَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ مُعْتَبَرًا بِلَفْظِهِ، وَانْتِهَاؤُهُ مُعْتَبَرًا بِمَعْنَاهُ، كَالْهِبَةِ فِي الْمَرَضِ؛ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ تَمْلِيكٌ فِي الْحَالِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ، وَمَعْنَاهُ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ، فَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاؤُهُ بِلَفْظِهِ حَتَّى يَبْطُلَ بِعَدَمِ الْقَبْضِ، وَلَا يَتِمُّ مَعَ الشُّيُوعِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، وَانْتِهَاؤُهُ مُعْتَبَرٌ بِمَعْنَاهُ حَتَّى يَكُونَ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ الدَّيْنِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ قَوَالِبُ الْمُعَانِي، فَلَا يَجُوزُ إلْغَاءُ اللَّفْظِ - وَإِنْ وَجَبَ
стр. 2560
اعْتِبَارُ الْمَعْنَى - إلَّا إذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ لِلْمُنَافَاةِ - وَلَا مُنَافَاةَ هُنَا - فَشَرْطُ الْعِوَضِ لَا يَكُونُ أَبْلَغَ مِنْ حَقِيقَةِ التَّعْوِيضِ، وَبِحَقِيقَةِ التَّعْوِيضِ لَا يَنْتَفِي مَعْنَى الْهِبَةِ، فَبِشَرْطِ الْعِوَض أَوْلَى بِخِلَافِ النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ؛ فَإِنَّ هُنَاكَ بَيْن اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى مُنَافَاةً، وَقَدْ وَجَبَ اعْتِبَارُ الْمَعْنَى؛ فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ اللَّفْظِ - لِذَلِكَ - ثُمَّ انْعِقَادُ الْعَقْدِ بِاللَّفْظِ، وَالْمَقْصُودُ هُوَ الْحُكْمُ، وَأَوَانُهُ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ.
فَعِنْدَ الِانْعِقَادِ اعْتَبَرْنَا اللَّفْظَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ بِهِ يَنْعَقِدُ، وَعِنْدَ التَّمَامِ اُعْتُبِرَ الْمَقْصُودُ، وَمَا تَرَدَّدَ بَيْنَ أَصْلَيْنِ تَوَفَّرَ حَظُّهُ عَلَيْهِمَا. فَالْمُكَاتَبُ لَمَّا كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ مِنْ وَجْهٍ، وَبِمَنْزِلَةِ الْمَمْلُوكِ مِنْ وَجْهٍ: اُعْتُبِرَ الشَّبَهَانِ. فَأَمَّا لَفْظُ الْإِعَارَةِ، أَوْ الْهِبَةِ فِي الْمَنْفَعَةِ فَقَدْ حُكِيَ عَنْ ابْنِ طَاهِرٍ الدَّبَّاسِ قَالَ: كُنَّا فِي تَدْبِيرِ جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَوَجَدْت رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ، يَقُولُ: هُنَاكَ يَتَعَذَّرُ اعْتِبَارُ الْجَانِبَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا تَبْقَى وَقْتَيْنِ فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ الْعَقْدِ عَلَيْهَا تَبَرُّعًا ابْتِدَاءً، مُعَاوَضَةً انْتِهَاءً؛ فَجَعَلْنَاهُ مُعَاوَضَةً ابْتِدَاءً - بِخِلَافِ الْعَيْنِ، عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ -. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْإِكْرَاهِ: قُلْنَا: الْمُكْرَهُ مُضَارٌّ مُتَعَنِّتٌ، وَمَعْنَى الْإِضْرَار فِي حُكْمِ السَّبَبِ لَا فِي نَفْسِهِ؛ فَلِهَذَا اسْتَوْفَى فِي حَقِّهِ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ، وَلِهَذَا جَعَلَ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْهِبَةِ إكْرَاهًا عَلَى التَّسْلِيمِ، وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ الْبَيْع، وَالْهِبَة بِشَرْطِ الْعِوَضِ سَوَاءٌ، إذَا ثَبَتَ هَذَا الْأَصْلُ، فَنَقُولُ قَبْلَ التَّقَابُضِ: الْعَقْدُ تَبَرُّعٌ؛ فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ، وَلَا يُمَلَّكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَتَاعَ صَاحِبِهِ - مَا لَمْ يَقْبِضْهُ - وَلَا يَجُوزُ فِي مُشَاعٍ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، وَبَعْدَ التَّقَابُضِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ، فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ وَيَجِبُ لِلشَّفِيعِ بِهِ الشُّفْعَة، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرُدَّ مَا فِي يَدِهِ بِعَيْبٍ - إنْ وُجِدَ فِيهِ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْبَيْعِ - وَإِنْ اسْتَحَقَّ مَا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِمَا فِي يَدِهِ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَبِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ هَالِكًا؛ لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِسُقُوطِ حَقِّهِ عَنْ مَتَاعِهِ إلَّا بِشَرْطِ سَلَامَة الْعِوَضِ لَهُ فَإِذَا لَمْ يُسْلِمْ رَجَعَ بِمَتَاعِهِ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَبِمَالِيَّتِهِ إنْ كَانَ هَالِكًا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ بَعْدَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا - وَهُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ فَهُوَ دَيْنٌ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ.
قَالَ: (رَجُلٌ وَهَبَ لِرَجُلٍ ثَوْبًا لِغَيْرِهِ، وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ فَأَجَازَ رَبُّ الثَّوْبِ: جَازَتْ الْهِبَةُ)؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ فِي الِانْتِهَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتِمُّ رِضَا الْمَالِك بِهَا، ثُمَّ الْعَاقِدُ فِي الْهِبَةِ يَكُونُ مُعِيرًا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقُ الْعَقْدِ، وَالْمُجِيزُ يَكُونُ كَالْمُبَاشِرِ لِعَقْدِ الْهِبَةِ؛ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا لَا يُعَوِّضُهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ، أَوْ يَكُون ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، وَإِنْ عَوَّضَ الرَّجُلُ الَّذِي وَهَبَ لَهُ، أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ رَبَّ الثَّوْبِ مِنْ الرُّجُوعِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ مُعْتَبَرٌ كَالرَّسُولِ، فَلَا مُعْتَبَرَ بِحَالِهِ، وَإِنَّمَا
стр. 2561
الْمُعْتَبَرُ حَالُ الْمَالِكِ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ عَرَفْنَا أَنَّ مَقْصُودَهُ الْعِوَضُ مَا لَمْ يَنَلْ الْعِوَض كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ.
قَالَ: (رَجُلٌ وَهَبَ لِرَجُلٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَثَوْبًا، وَقَبَضَ ذَلِكَ الْمَوْهُوب لَهُ، ثُمَّ عَوَّضَهُ الثَّوْبَ أَوْ الدَّرَاهِمَ مِنْ جَمِيعِ الْهِبَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِوَضًا؛ لِأَنَّهَا هِبَةٌ وَاحِدَةٌ)، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ عَقْدَ الشَّيْءِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لَا يَكُونُ عِوَضًا وَمُعَوَّضًا، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودَ الْوَاهِبِ فِي الْهِبَةِ، قَالَ: (وَإِنْ كَانَا فِي عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي مَجْلِسٍ، أَوْ مَجْلِسَيْنِ، فَعَوَّضَهُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى: فَهَذَا عِوَضٌ نَأْخُذُ فِيهِ بِالْقِيَاسِ). وَرَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: أَنَّهُ لَا يَكُونُ عِوَضًا لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْوَاهِبَ لَمْ يَقْصِدْ هَذَا؛ فَقَدْ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ. فَالْعَقْدُ الْوَاحِدُ وَالْعَقْدَانِ فِي هَذَا الْمَعْنَى سَوَاءٌ. وَجْه ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ اخْتِلَافَ الْعَقْدِ كَاخْتِلَافِ الْعَيْنِ، وَيَسْتَقِيمُ جَعْلُ أَحَدِهِمَا عِوَضًا عَنْ الْآخَرِ شَرْطًا عِنْدَ اخْتِلَافِ الْعَقْدِ، فَكَذَلِكَ مَقْصُودًا، وَقَدْ يَقْصِدُ الْوَاهِبُ هَذَا بِأَنْ يَهَبَ شَيْئًا، ثُمَّ يَحْتَاجُ إلَيْهِ، فَيَنْدَمَ، فَيَسْتَقْبِحَ الرُّجُوعَ فِيهِ، فَيَهَب مِنْهُ شَيْئًا آخَرَ - عَلَى أَنْ يُعَوِّضَهُ الْأَوَّل - فَيَحْصُلَ مِنْهُ مَقْصُودُهُ، وَيَنْدَفِعَ عَنْهُ مَذَمَّةُ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ.
أَرَأَيْت لَوْ كَانَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا صَدَقَةً، وَالْآخَرُ هِبَةٌ فَعَوَّضَهُ الصَّدَقَةَ عَنْ الْهِبَةِ، أَمَا كَانَ ذَلِكَ عِوَضًا،، وَذُكِرَ فِي اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: لَوْ وَهَبَ نِصْفَ دَارِهِ مِنْ رَجُلٍ، وَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِنِصْفِهَا وَسَلَّمَ الْكُلَّ: لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ زُفَرَ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ السَّبَبِ كَتَفَرُّقِ الْعَقْدِ وَالتَّسْلِيم فَكَأَنَّهُ وَهَبَ النِّصْفَ وَسَلَّمَ، ثُمَّ النِّصْف. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: التَّسْلِيمُ حَصَلَ جُمْلَةً وَاحِدَةً بِعَقْدٍ هُوَ تَبَرُّعٌ كُلُّهُ؛ فَيَجُوزُ كَمَا لَوْ وَهَبَ الْكُلَّ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ: فِي مَقْصُودِ الْعِوَضِ. فَفِي الصَّدَقَةِ، الْمَقْصُودُ: الثَّوَابُ - دُونَ الْعِوَضِ - وَفِي الْهِبَةِ، الْمَقْصُودُ: الْعِوَضُ. فَأَمَّا فِي إخْرَاج الْعَيْنِ عَنْ مِلْكِهِ، وَتَمْلِيكِ الْقَابِضِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
قَالَ: (وَإِنْ وَهَبَ لَهُ حِنْطَةً، فَطَحَنَ بَعْضَهَا، وَعَوَّضَ دَقِيقَ تِلْكَ الْحِنْطَةِ: كَانَ جَائِزًا)؛ لِأَنَّ الدَّقِيقَ حَادِثٌ بِالطَّحْنِ، وَهُوَ غَيْرُ الْحِنْطَةِ، وَلِهَذَا يَكُونُ مَمْلُوكًا لِلْغَاصِبِ، فَكَانَ تَعْوِيضُهُ دَقِيقَ هَذِهِ الْحِنْطَةِ، وَدَقِيق حِنْطَةٍ أُخْرَى سَوَاءً؛ وَلِأَنَّ حَقَّهُ فِي الرُّجُوعِ قَدْ انْقَطَعَ بِالطَّحْنِ، فَتَعْوِيضُهُ إيَّاهُ لَا يَكُونُ رُجُوعًا. فَأَمَّا قَبْلَ الطَّحْنِ: حَقُّ الْوَاهِبِ فِي الرُّجُوعِ ثَابِتٌ، وَالرَّدُّ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، إذَا رَجَعَ فِيهِ الْوَاهِبُ؛ فَيَقَعُ فِعْلُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُسْتَحَقِّ. وَعَلَى هَذَا: لَوْ وَهَبَ لَهُ ثِيَابًا، فَصَبَغَ مِنْهَا ثَوْبًا بِعُصْفُرٍ، أَوْ خَاطَهُ قَمِيصًا، ثُمَّ عَوَّضَهُ، أَوْ كَانَ وَهَبَ لَهُ سَوِيقًا فَلَتَّ بَعْضُهُ، ثُمَّ عَوَّضَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الرُّجُوعِ قَدْ انْقَطَعَ بِهَذَا الصُّنْعِ، وَالْتَحَقَ هَذَا بِسَائِرِ أَمْوَالِ الْمَوْهُوبِ لَهُ. فَكَمَا أَنَّهُ لَوْ عَوَّضَهُ مَالًا آخَرَ كَانَ ذَلِكَ عِوَضًا
стр. 2562
فَكَذَلِكَ هَذَا الْمَال.
قَالَ: (وَإِذَا وَهَبَ لِلْوَاهِبِ شَيْئًا، وَلَمْ يَقُلْ: هَذَا عِوَضٌ مِنْ هِبَتِك، فَلِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُضِفْ تَمْلِيكَهُ إلَى هِبَتِهِ، كَانَ فِعْلُهُ هِبَةً مُبْتَدَأَةً - لَا تَعْوِيضًا - فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ سُقُوطَ حَقِّ الرُّجُوعِ لِحُصُولِ مَقْصُودِ الْوَاهِبِ، وَإِنَّمَا يَعْلَمْ ذَلِكَ إذَا بَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عِوَضٌ، وَيَرْضَى بِهِ، فَأَمَّا بِدُونِهِ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ، وَإِنْ قَالَ: قَدْ كَافِيَتك هَذَا مِنْ هِبَتِك، أَوْ جَازَيْتُك، أَوْ أَثَبْتُكَ: كَانَ عِوَضًا)؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَالْغُرُور يَنْدَفِعُ.
قَالَ: (وَإِنْ عَوَّضَ مِنْ نِصْفِ الْهِبَةِ شَيْئًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا بَقِيَ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ) وَهَذَا؛ لِأَنَّ التَّعْوِيضَ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّحَرِّي فِي الْمَوْهُوبِ فَإِذَا أَضَافَ الْعِوَضَ إلَى بَعْضِ الْهِبَةِ اقْتَصَرَ حُكْمُهُ عَلَيْهِ - بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّحَرِّي فِي الْمَحِلِّ - وَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ حَقُّ الرُّجُوعِ فِي النِّصْفِ دُونَ النِّصْفِ ابْتِدَاءً، كَمَا لَوْ وَهَبَ مِنْهُ النِّصْفَ، وَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِالنِّصْفِ. فَلَأَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ بَقَاء أَوْلَى،.
قَالَ: (وَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ عِنْدَ غَيْرِ قَاضٍ، إلَّا أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْمَوْهُوب لَهُ؛ فَيَجُوزُ)؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ﵏ مِنْهُمْ مَنْ رَأَى، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَى. وَفِي أَصْلِهِ وَهْيٌ فَيَكُونُ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا فِي الْقَضَاءِ وَالرِّضَا؛ لِأَنَّ الْوَاهِبَ إنْ كَانَ يُطَالِبُ بِحَقِّهِ فَالْمَوْهُوبُ لَهُ يَمْنَعُ مِلْكَهُ، وَالْمِلْكُ مُطْلَقٌ لَهُ ذَلِكَ، فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ قَضَاءِ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا
قَالَ: (وَلَوْ كَانَتْ الْهِبَةُ عَبْدًا، فَبَاعَهُ الْمَوْهُوب لَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ، قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ الْقَاضِي لِلْوَاهِبِ أَجَازَ مَا صَنَعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَائِمٌ، مَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالرُّجُوعِ، وَالْمِلْكُ فِي الْمَحِلِّ مُنْفِذٌ لِلْبَيْعِ فِيهِ، وَالْعِتْقُ إذَا صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحِلِّهِ يَنْفُذُ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إنْ فَعَلَهُ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالرَّدِّ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّ بِقَضَاءِ الْقَاضِي عَادَ الْعَبْدُ إلَى مِلْكِ الْوَاهِبِ، وَتَصَرُّفُ ذِي الْيَدِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ لَا يَكُونُ نَافِذًا، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْمَالِكُ، قَالَ: (وَإِنْ مَاتَ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْوَاهِبُ بَعْدَ مَا قَضَى الْقَاضِي لَهُ: لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ)؛ لِأَنَّ أَصْلَ قَبْضِهِ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا ضَمَانَ الْمَقْبُوضِ عَلَيْهِ، وَاسْتِدَامَةُ الشَّيْءِ مُعْتَبَرٌ بِأَصْلِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْعُهُ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي مَنْعٌ بِسَبَبِ مِلْكِهِ؛ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدَ الْقَضَاءِ فِي الْمَوْهُوبِ سَبَبٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ، وَالضَّمَانُ لَا يَجِبُ بِدُونِ السَّبَبِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنِّعْهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَقَدْ طَلَبَ مِنْهُ الْوَاهِبُ.
فَهَذَا الْمَنْعُ يَتَقَرَّرُ بِسَبَبِ الضَّمَانِ - وَهُوَ قَصْرُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْ مِلْكِهِ بِإِزَالَةِ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَخْذِهِ - وَهُوَ حَدُّ الْغَصْبِ الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ.
قَالَ: (فَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ هَالِكَةً، أَوْ مُسْتَهْلَكَةً، أَوْ خَارِجَةً مِنْ مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ إلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ
стр. 2563
إلَى أَجْنَبِيٍّ بِهِبَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا، أَوْ زَادَتْ عِنْدَهُ خَيْرًا: فَلَا رُجُوعَ فِيهَا لِلْوَاهِبِ).، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَوَانِعَ، وَالْفَرْق بَيْنَ زِيَادَةِ الْعَيْنِ، وَزِيَادَةِ السِّعْرِ، وَبَيْنَ الزِّيَادَةِ فِي الْبَدَنِ، وَالنُّقْصَان فِي حُكْمِ الرُّجُوعِ. قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ دَارًا، أَوْ أَرْضًا فَبَنَى فِي طَائِفَةٍ مِنْهَا، أَوْ غَرَسَ شَجَرًا، أَوْ كَانَتْ جَارِيَةً صَغِيرَةً فَكَبِرَتْ، وَازْدَادَتْ خَيْرًا، أَوْ كَانَ غُلَامًا فَصَارَ رَجُلًا، فَلَا رُجُوعَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ)، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الرُّجُوعِ كَانَ ثَابِتًا فِي الْأَصْلِ فَيَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي الْبَيْعِ بِثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْطُلَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ فِي الْأَصْلِ بِسَبَبِ الْمَنْعِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: حَقُّ الرُّجُوعِ لِلْوَاهِبِ مَقْصُورٌ عَلَى الْمَوْهُوبِ بِعَيْنِهِ، فَلَا يَثْبُتُ فِيمَا لَيْسَ بِمَوْهُوبٍ - تَبَعًا كَانَ أَوْ أَصْلًا - وَهُنَا الْحَقُّ فِي الْأَصْلِ ضَعِيفٌ، وَحَقُّ صَاحِبِ الزِّيَادَةِ فِي الزِّيَادَةِ قَوِيٌّ. فَإِذَا تَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا: رَجَّحْنَا أَقْوَى الْحَقَّيْنِ، وَجَعَلْنَا الضَّعِيفَ مَرْفُوعًا بِالْقَوِيِّ. وَالْبِنَاء فِي بَعْضِ الْأَرْضِ كَالْبِنَاءِ فِي جَمِيعِهَا؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ فِي جَانِبٍ مِنْ الْأَرْضِ يُعَدُّ زِيَادَةً فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَزْدَادُ بِهِ مَالِيَّة الْكُلِّ، وَهَذَا إذَا كَانَ مَا بُنِيَ بِحَيْثُ يُعَدُّ زِيَادَةً، فَإِنْ كَانَ لَا يُعَدُّ زِيَادَةً - كَالْآرِي - أَوْ يُعَدُّ نُقْصَانًا - كَالتَّنُّورِ فِي الْكَاشَانَةُ -؛ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ؛ لِانْعِدَامِ الْمَانِعِ، وَهُوَ زِيَادَةُ مَالِيَّة الْمَوْهُوبِ بِزِيَادَةٍ فِي عَيْنِهِ.
قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ دَارًا فَهَدَمَ بِنَاءَهَا: كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْأَرْضِ) وَكَذَلِكَ فِي غَيْرِ الدَّارِ إذَا اُسْتُهْلِكَ بَعْضُ الْهِبَةِ بِبَيْعٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَبَقِيَ بَعْضُهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْبَاقِي - اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ -؛ وَهَذَا لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ مِنْ هَدْمِ الْبِنَاءِ نُقْصَانٌ فِي الْأَرْض، وَلَيْسَ بِزِيَادَةٍ.
قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ الْهِبَة ثَوْبًا فَصَبَغَهُ أَحْمَرَ، أَوْ أَصْفَرَ، وَخَاطَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ)؛ لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ زِيَادَة وَصْفٍ قَائِمٍ فِي الْعَيْنِ، وَلَوْ قَطَعَهُ، وَلَمْ يَخِطْهُ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ قَبْلَ الْخِيَاطِ نُقْصَانٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا لَوْ صَبَغَهُ أَسْوَدَ (وَالْجَوَابُ): أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ السَّوَادَ عِنْدَهُ نُقْصَانٌ، وَعِنْدَهُمَا: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعْ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ.
قَالَ: (وَإِذَا وَهَبَ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ، فَقَبِلَهُ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ)؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ قَابِضٌ لِلدَّيْنِ بِذِمَّتِهِ، فَيُمَلَّكُ بِالْقَبُولِ، وَمَنْ مَلَكَ دَيْنًا عَلَيْهِ: سَقَطَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَالسَّاقِطُ يَكُونُ مُتَلَاشِيًا، فَلَا يَتَحَقَّقُ الرُّجُوعُ فِيهِ - كَمَا لَوْ كَانَ عَيْنًا فَهَلَكَ عِنْدَهُ - قَالَ: (فَإِنْ قَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ مَكَانَهَا: لَا أَقْبَلُهَا، فَالدَّيْنُ عَلَيْهِ بِحَالِهِ)، وَالْحَاصِلُ أَنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقَبُولِ وَالْإِبْرَاءِ يَتِمُّ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ، وَلَكِنْ لِلْمَدْيُونِ حَقُّ الرَّدِّ قَبْلَ مَوْتِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَعَنْ زُفَرَ ﵀ أَنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا، وَقَالَ: تَتِمُّ الْهِبَةُ وَالْإِبْرَاءُ قَبْلَ الْقَبُولِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ، أَنَّهُ
стр. 2564
يَعْتَبِرُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ، وَالْمَقْصُودُ فِي الْوَجْهَيْنِ: الْإِسْقَاطُ دُونَ التَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَيْسَ بِمَحِلٍّ لِلتَّمْلِيكِ، وَلَكِنَّهُ مُجَرَّدُ مُطَالَبَةٍ يَحْتَمِلُ الْإِسْقَاطَ، وَلَكِنْ عِنْدَ زُفَرَ ﵀ إنْ رَدَّهُ الْمَدْيُونُ صَحَّ رَدُّهُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَكَانَ ابْنُ شُجَاعٍ ﵀ يَقُولُ: لَا يَعْمَلُ رَدَّهُ؛ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ يَتِمُّ بِالْمُسْقِطِ، وَالْمُسْقِطُ يَكُونُ مُتَلَاشِيًا فَلَا يَتَصَوَّرُ فِيهِ الرَّدَّ، وَقَاسَ ذَلِكَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الدَّيْنُ مَمْلُوكٌ لِلطَّالِبِ فِي ذِمَّةِ الْمَدْيُونِ فَيَكُونُ قَابِلًا لِلتَّمَلُّكِ بِمِلْكِ الْعَيْنِ، وَيَجْعَلُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُ ذَلِكَ الدَّيْنُ - خُصُوصًا فِي السَّلَمِ وَالصَّرْفِ - فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّمْلِيكِ - وَالْهِبَةُ عَقْدُ تَمْلِيكٍ - فَإِذَا ذَكَرَ لَفْظَ الْهِبَةِ، وَجَب اعْتِبَار مَعْنَى التَّمْلِيكِ فِيهِ، وَالتَّمْلِيكُ لَا يَتِمُّ بِالْمِلْكِ قَبْلَ قَبُولِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَمْلِكُ إدْخَالَ الشَّيْءِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، قَصْدًا مِنْ غَيْرِ قَبُولِهِ.
وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْإِسْقَاطِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ إلَّا مُجَرَّدَ حَقِّ الْمُطَالَبَةِ، وَإِبْرَاء إسْقَاط، إذَا ذَكَرَ لَفْظَ الْإِبْرَاءِ، وَكَانَ تَصَرُّفُهُ إسْقَاطًا - وَالْإِسْقَاطُ تَصَرُّفٌ مِنْ الْمُسْقِطِ فِي خَالِصِ حَقِّهِ -؛ فَلِهَذَا يَتِمُّ بِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى التَّمْلِيكِ مِنْ وَجْهٍ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الدَّيْنَ مَمْلُوكٌ فِي ذِمَّتِهِ؛ فَإِنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ إذَا مُلِّكَهُ، فَلِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى قُلْنَا: لَهُ إنْ يَرُدَّهُ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ؛ فَإِنَّهُ إسْقَاطٌ مَحْضٌ لَا يَتَضَمَّنُ مَعْنَى التَّمْلِيكِ، حَتَّى إنَّ الْإِبْرَاء لَوْ كَانَ إسْقَاطًا مَحْضًا لَمْ يَرْتَدَّ بِالرَّدِّ أَيْضًا، وَهُوَ إبْرَاءُ الْكَفِيلِ؛ فَإِنَّهُ إسْقَاطٌ مَحْضٌ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ عَلَى حَالِهِ فَلَا يَرْتَدُّ بِرَدِّ الْكَفِيلِ - وَالْهِبَةُ مِنْ الْكَفِيلِ تَمْلِيكٌ مِنْهُ - حَتَّى يَرْجِعَ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ، فَلَا يَتِمُّ إلَّا بِقَبُولِهِ. فَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ غَائِبًا، وَلَمْ يُعْلَمْ بِالْهِبَةِ، حَتَّى مَاتَ: جَازَتْ الْهِبَةُ، وَبَرِيءَ مِمَّا عَلَيْهِ، وَهَذَا الِاسْتِحْسَانُ. فَأَمَّا فِي الْقِيَاسِ: لَا يَبْرَأُ، فَأَصْلُهُ فِي الْمُوصَى لَهُ، إذَا مَاتَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي قَبْلَ قَبُولِهِ، فِي الْقِيَاسِ: تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْقَبُولِ لَمْ يُمَلَّك وَإِنَّمَا يَخْلُفُهُ وَارِثُهُ فِي مِلْكِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: جَعَلَ مَوْتَهُ بِمَنْزِلَةِ الْقَبُولِ، فَكَذَلِكَ هُنَا فِي الِاسْتِحْسَانِ يُجْعَلُ مَوْتُ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِمَنْزِلَةِ قَبُولِهِ قَالَ: (وَإِنْ وَهَبَهُ لَهُ، وَهُوَ مَعَهُ قَائِمٌ فَسَكَتَا حَتَّى افْتَرَقَا: جَازَتْ الْهِبَةُ)، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ أَيْضًا فَإِنَّ سُكُوتَهُ عَنْ الرَّدِّ دَلِيلٌ عَلَى رِضَاهُ بِالْهِبَةِ مِنْهُ عُرْفًا، وَدَلِيلُ الرِّضَا كَصَرِيحِ الرِّضَا؛ أَلَا تَرَى أَنْ السُّكُوتَ مِنْ الْبِكْرِ جُعِلَ إجَازَةً لِعَقْدِ الْوَلِيِّ - اسْتِحْسَانًا -، فَهَذَا مِثْلُهُ. وَمِنْ مَشَايِخِنَا ﵏ مَنْ بَنَى الْجَوَابَ فِي هَذَا الْفَصْلِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَيَقُولُ: هِبَةُ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِمَنْزِلَةِ الْإِبْرَاء يَتِمُّ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ، وَإِنْ كَانَ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ فِيهَا، فَالْمَوْتُ قَبْلَ الرَّدِّ يُبْطِلُ حَقّهُ فِي الرَّدِّ وَيَبْقَى تَامًّا فِي نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ بِالسُّكُوتِ حَتَّى افْتَرَقَا يَنْعَدِمُ الرَّدُّ فَتَبْقَى الْهِبَةُ تَامَّةً وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ، وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْإِبْرَاء مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَصَحُّ، وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ
стр. 2565
فِي الْفَرْقِ بَيْنَ إبْرَاءِ الْكَفِيلِ، وَبَيْنَ هِبَةِ الدَّيْنِ مِنْهُ.
قَالَ: (رَجُلٌ وَهَبَ لِرَجُلٍ هِبَةً، وَقَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ، ثُمَّ وَهَبَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ لِآخَرَ وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعَ فِيهَا، أَوْ رَدَّهَا عَلَيْهِ الْآخَرُ فَلِلْوَاهِبِ الْأَوَّلِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا). أَمَّا إذَا رَجَعَ فِيهَا بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَلِأَنَّ الْقَاضِي يَفْسَخُ بِقَضَائِهِ الْعَقْد الثَّانِي فَيَعُود إلَى الْأَوَّلِ مِلْكُهُ الْمُسْتَفَادُ بِالْهِبَةِ مِنْ الْأَوَّلِ، وَقَدْ كَانَ حَقُّ الرُّجُوعِ ثَابِتًا لَهُ فِي ذَلِكَ الْمِلْكِ، وَمَا سَقَطَ بِزَوَالِهِ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ؛ لِانْعِدَامِ مَحَلِّهِ فَإِذَا عَادَ الْمَحَلُّ كَمَا كَانَ عَادَ حَقُّهُ فِي الرُّجُوعِ، وَإِنْ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَيْسَ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَرْجِعَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِلْكٌ حَادِثٌ لَهُ ثَابِتٌ بِتَرَاضِيهِمَا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَهَبَهُ لَهُ ابْتِدَاءً، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ، أَوْ أَوْصَى بِهِ لَهُ أَوْ مَاتَ فَوَرِثَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ رَدَّهُ فِي مَرَضِهِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ، وَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ اُعْتُبِرَ مِنْ ثُلُثِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالرِّضَا: الرَّدُّ بِالْعَيْبِ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي: كَانَ فَسْخًا، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ: فَهُوَ كَالْبَيْعِ الْمُبْتَدَإِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ حَقٌّ بِقَضَاءِ الْقَاضِي كَانَ فَسْخًا، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ فَهُوَ كَالْبَيْعِ الْمُبْتَدَإِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: حَقُّ الْوَاهِبِ فِي الرُّجُوعِ مَقْصُورٌ عَلَى الْعَيْنِ، وَفِي مِثْلِهِ الْقَضَاءُ، وَغَيْرُ الْقَضَاءِ سَوَاء كَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَهَذَا لِأَنَّهُمَا فَعَلَا بِدُونِ الْقَاضِي عَيْنَ مَا يَأْمُرُ بِهِ الْقَاضِي، أَنْ لَوْ رَفَعَا الْأَمْرَ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّرَاضِي مُوجِبًا مِلْكًا مُبْتَدَأً إذَا تَرَاضَيَا عَلَى سَبَبٍ مُوجِبٍ لِلْمِلْكِ مِنْهُ: كَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَهُنَا تَرَاضَيَا عَلَى دَفْعِ السَّبَبِ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ مُوجِبًا مِلْكًا مُبْتَدَأً - بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ - فَحَقُّ الْمُشْتَرِي لَيْسَ فِي عَيْنِ الرَّدِّ، بَلْ بِالْمُطَالَبَةِ فِي الْجُزْءِ الثَّابِتِ؛ وَلِهَذَا لَوْ تَعَذَّرَ الرَّدُّ رَجَعَ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ.
وَهُنَا حَقُّ الْوَاهِبِ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ مَقْصُورٌ عَلَى الْعَيْنِ. قَالَ: (وَإِذَا رَجَعَ فِي مَرَضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ - كِلَاهُمَا فِي الْكِتَابِ -)، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ: يُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَة فِيهِ الْقِيَاسَ. وَالِاسْتِحْسَانُ فِي الْقِيَاسِ: يُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ؛ لَا لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ ابْتِدَاءً، وَلَكِنْ الرَّادّ فِي مَرَضِهِ بِاخْتِيَارِهِ يَتِمُّ بِالْقَصْدِ إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْوَرَثَةِ، كَمَا تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِهِ، فَلِرَدِّ قَصْدِهِ جُعِلَ مُعْتَبَرًا مِنْ ثُلُثِهِ.
قَالَ: (رَجُلٌ وَهَبَ عَبْدًا لِرَجُلَيْنِ: فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَكَذَلِكَ إنْ جَعَلَ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا هِبَةً، وَنَصِيبَ الْآخَرِ صَدَقَةً: كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ - اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ -). وَهَذَا فِي الْعَبْدِ غَيْرُ مُشْكِلٍ؛ فَإِنَّ الشُّيُوعَ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْهِبَةِ، فَكَذَلِكَ الرُّجُوعُ. وَفِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ كَالدَّارِ، وَنَحْوِهَا: الْجَوَابُ كَذَلِكَ، وَهُوَ دَلِيلُنَا عَلَى زُفَرَ؛ فَإِنَّ الرُّجُوعَ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي لَوْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ ابْتِدَاءً لَمَا صَحَّ فِي مُشَاعٍ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، وَحَيْثُ صَحَّ، عَرَفْنَا أَنَّهُ فَسْخٌ، وَأَنَّ الْعَقْدَ يَبْقَى فِي النِّصْفِ الْآخَرِ؛ فَيَكُونُ
стр. 2566
ذَلِكَ شُيُوعًا طَارِئًا، وَلَا أَثَرَ لِلشُّيُوعِ الطَّارِئِ فِي الْهِبَةِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنَّ بِالرَّدِّ بِالتَّرَاضِي يَعُودُ الْمِلْكُ إلَى الْوَاهِبِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَابْتِدَاءُ الْهِبَةِ لَا يُوجِبُ الْمِلْكَ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَهُوَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الشُّيُوعَ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ تَأْثِيرَ الشُّيُوعِ فِي الْمَنْعِ مِنْ إتْمَامِ الْقَبْضِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيمَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ.
قَالَ: (فَإِنْ وُهِبَ لِمُكَاتَبٍ رَجُلٌ هِبَةً، ثُمَّ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ أَوْ عَجَزَ: فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ، فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ)، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا إذْ أَعْتَقَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا إذَا عَجَزَ، فَلَا خِلَافَ أَنَّ قَبْلَ الْعِتْقِ، وَالْعَجْز لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا، وَفِيهِ نَوْعُ إشْكَال: فَالْمُكَاتَبُ فَقِيرٌ، وَالْهِبَةُ مِنْ الْفَقِيرِ صَدَقَةٌ وَلَا رُجُوعَ فِيهَا، قَالَ: (وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْمُكَاتَبُ فَقِيرٌ مِلْكًا، وَلَكِنَّهُ غَنِيّ يَدًا وَكَسْبًا؛ فَالْهِبَةُ مِنْهُ لَا تَنْفَكُّ عَنْ قَصْدِ الْعِوَضِ، إمَّا بِمَنَافِعِهِ، أَوْ كَسْبِهِ - كَالْهِبَةِ مِنْ الْعَبْدِ - فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا إذَا لَمْ يَنَلْ الْعِوَضَ)، وَكَذَلِكَ بَعْدَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الرُّجُوعِ ثَبَتَ لَهُ فِي مِلْكِ الْمُكَاتَبِ، فَقَدْ تَقَرَّرَ ذَلِكَ بِعِتْقِهِ. فَأَمَّا إذَا عَجَزَ: فَالْأَصْلُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ: يُقَرِّرُ مِلْك الْمَوْلَى فِي كَسْبِهِ كَمَا أَنَّ عِتْقَهُ يُقَرِّرُ مِلْكهُ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقُّ الْمِلْكِ فِي الْكَسْبِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ عَجْزُ الْمُكَاتَبِ نَاقِلٌ لِلْمِلْكِ مِنْ كَسْبِهِ إلَى مَوْلَاهُ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِ الْحُرِّ، فَكَمَا أَنَّ مَوْتَ الْحُرِّ الْمَوْهُوب لَهُ يَقْطَعُ حَقَّ الْوَاهِبِ فِي الرُّجُوعِ، فَكَذَلِكَ عَجْزُ الْمُكَاتَبِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ: أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا اسْتَبْرَأَ جَارِيَة مُحَيِّضَةً، ثُمَّ عَتَقَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهَا اسْتِبْرَاءٌ جَدِيدٌ، وَلَوْ عَجَزَ كَانَ عَلَى الْمَوْلَى أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا. وَسَنُقَرِّرُ هَذَا الْأَصْلَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
قَالَ: (فَإِنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ أَخ الْوَاهِبِ: لَمْ يَرْجِعْ فِيهَا فِي حَالِ قِيَامِ الْكِتَابَةِ، وَلَا بَعْدَ عِتْقِهِ)؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمُكَاتَبِ، وَالْمَانِعُ مِنْ الرُّجُوعِ - وَهُوَ الْأُخُوَّة بَيْنَهُمَا - قَائِمٌ، وَبَعْدَ الْعَجْزِ كَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَرْجِعُ فِيهَا بَعْدَ الْعَجْزِ؛ لِأَنَّهُ يُقَرَّرُ الْمِلْكُ لِلْمَوْلَى، وَالْمَوْلَى أَجْنَبِيٌّ عَنْهُ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ لِأَخِيهِ، وَهُوَ عَبْدٌ: كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا وَالْمُكَاتَبُ بَعْدَ الْعَجْزِ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ. وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَعْتَبِرُ مَعْنَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ بِسَبَبِ الْمُنَازَعَةِ فِي الرُّجُوعِ؛ فَيَقُولُ: قَبْلَ الْعَجْزِ خُصُومَتهُ فِي الرُّجُوعِ مَعَ الْمُكَاتَبِ؛ فَيُؤَدِّي إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَبَعْدَ الْعَجْزِ خُصُومَتهُ مَعَ الْمَوْلَى، وَلَيْسَ فِيهِ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ؛ وَلِأَنَّ هِبَتَهُ تَنْفَكُّ عَنْ قَصْدِ الْعِوَضِ مَا دَامَ الْحَقُّ فِيهَا لِقَرِيبِهِ، فَإِذَا تَقَرَّرَ الْحَقُّ لِأَجْنَبِيٍّ: لَمْ يَنْفَكَّ عَنْ قَصْدِ الْعِوَضِ.
قَالَ: (رَجُلٌ وَهَبَ لِرَجُلٍ أَرْضًا فَبَنَى فِيهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ، ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ فِيهَا، وَخَاصَمَهُ إلَى الْقَاضِي فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي: لَيْسَ لَك أَنْ تَرْجِعَ فِيهَا، ثُمَّ هَدَمَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ، فَعَادَتْ كَمَا كَانَتْ: فَلِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا؛ لِزَوَالِ الْمَانِعِ - وَهُوَ الْبِنَاءُ -). وَفَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَحُمَّ الْعَبْدُ فِي الْأَيَّامِ
стр. 2567
الثَّلَاثَةِ، وَخَاصَمَهُ فِي الرَّدِّ فَأَبْطَلَ الْقَاضِي حَقَّهُ؛ لِلْحُمَّى، ثُمَّ أَقْلَعَتْ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ حَقَّهُ فِي الْخِيَارِ بِعَرْضِ السُّقُوطِ، حَتَّى يَسْقُطَ بِإِسْقَاطِهِ؛ فَكَذَلِكَ يَسْقُطُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي. وَهُنَا: حَقُّ الْوَاهِبِ فِي الرُّجُوعِ لَيْسَ بِعَرْضِ السُّقُوطِ؛ حَتَّى لَا يَسْقُطَ بِإِسْقَاطِهِ، فَكَذَلِكَ الْقَاضِي لَا يَسْقُطُ بِقَضَائِهِ حَقّهُ فِي الرُّجُوعِ، وَلَكِنْ يَكُفُّ عَنْ الْقَضَاءِ بِالرُّجُوعِ؛ لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْبِنَاءِ، فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ، فَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ، وَحَقُّهُ قَائِمٌ، وَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا. يُوَضِّحُهُ: أَنَّ السَّبَبَ هُنَاكَ لِلْفَسْخِ عَدَمُ لُزُومِ الْعَقْدِ، فَبِقَضَائِهِ يَصِيرُ لَازِمًا؛ لِأَنَّ صِفَةَ اللُّزُومِ تَلِيقُ بِالْبَيْعِ، وَهُنَا: السَّبَبُ: كَوْنُ الْعَقْدِ تَبَرُّعًا، وَيُمْكِنُ الْخَلَلُ فِي مَقْصُودِهِ، وَهُوَ الْعِوَضُ، وَبِقَضَائِهِ لَا يَرْتَفِعُ هَذَا السَّبَبُ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إذَا زَالَ الْمَانِعُ.
قَالَ: (رَجُلَانِ وَهَبَا لِرَجُلٍ عَبْدًا، وَقَبَضَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَرْجِعَ فِي حِصَّتِهِ، وَالْآخَرُ غَائِبٌ: فَلَهُ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُبَاشِرٌ لِلتَّصَرُّفِ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِنْ الرُّجُوعِ فِيهِ - كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِهِبَةِ نَصِيبِهِ -.
قَالَ: (وَإِذَا أَرَادَ الْوَاهِبُ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ، وَقَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ: أَنَا أَخُوك، أَوْ قَالَ: قَدْ عَوَّضْتُك، أَوْ قَالَ: إنَّمَا تَصَدَّقْت بِهَا عَلَيَّ، وَكَذَّبَهُ الْوَاهِبُ: فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ)؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُثْبِتَ لِحَقِّ الْوَاهِبِ فِي الرُّجُوعِ ظَاهِرٌ، وَالْمَوْهُوبُ لَهُ يَدَّعِي الْمَانِعَ؛ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، ثُمَّ إذَا قَالَ: " تَصَدَّقْت عَلَيَّ " فَالتَّمْلِيكُ مِنْ جِهَةِ الْوَاهِبِ اتِّفَاقُهُمَا، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُمَلَّكِ فِي بَيَانِ سَبَبِ التَّمْلِيكِ، وَإِذَا قَالَ: " عَوَّضْتُك " فَهُوَ يَدَّعِي تَسْلِيمَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ إلَيْهِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ. وَإِذَا قَالَ: أَنَا أَخُوك فَالْأُخُوَّة لَا تَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، وَلَا يَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَصْد الْوَاهِب الْعِوَض.
قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ خَادِمَةً فَقَالَ: وَهَبْتهَا لِي، وَهِيَ صَغِيرَةٌ، فَكَبِرَتْ عِنْدِي، وَازْدَادَتْ خَيْرًا، وَكَذَّبَهُ الْوَاهِبُ: فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ - عِنْدَنَا -)، وَقَالَ زُفَرُ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْهُوبِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهَا فِي الْحَالِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ حَقَّ الْوَاهِبِ فِي الزِّيَادَةِ الْحَادِثَةِ فِيهَا، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ. كَمَا إذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ أَرْضًا، وَفِيهَا بِنَاءٌ، أَوْ شَجَرٌ، وَقَالَ الْوَاهِبُ: وَهَبْتهَا لَك، وَقَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ: لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِنَاءٌ وَلَا شَجَرٌ حِينَ وَهَبْتهَا: فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْهُوبِ لَهُ. وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْمَوْهُوبُ لَهُ يَدَّعِي تَارِيخًا سَابِقًا فِي الْهِبَةِ، وَالْهِبَةُ حَادِثَةٌ، فَمَنْ يَدَّعِي فِيهَا تَارِيخًا سَابِقًا: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِحَجَّةٍ، ثُمَّ لَيْسَ فِيهَا زِيَادَةٌ مِنْ غَيْرِهَا، وَحَقُّ الْوَاهِبِ ثَابِتٌ فِي عَيْنِهَا - بِاتِّفَاقِهِمَا - فَكَأَنَّ الْمَوْهُوب لَهُ يَدَّعِي انْتِفَاءَ حَقِّهِ مِنْ الزِّيَادَةِ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْ الْعَيْنِ - مِثْلَ السِّمَنِ وَالْكِبَرِ - بِخِلَافِ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَوَلَّدٌ مِنْ الْأَرْضِ، وَلَكِنَّهُ مِلْكٌ مُبْتَدَأٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فِي الْحَالِ، وَهُوَ يُنْكِرُ تَمَلُّكَهُ مِنْ جِهَةِ الْوَاهِبِ، وَثُبُوتُ حَقِّهِ فِيهِ يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّ الْبِنَاءَ مِنْ وَجْهٍ أَصْلٌ، حَتَّى يَجُوزَ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ،
стр. 2568
فَالظَّاهِرُ فِيهِ شَاهِدٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ دُونَ الْوَاهِبِ، وَالسِّمَنُ وَالْكِبَرُ وَصْفٌ، وَهُوَ بَيْعٌ مَحْضٌ، وَثُبُوتُ الْحَقِّ فِي الْبَيْعِ بِثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ، فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِلْوَاهِبِ. وَذُكِرَ فِي اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَوْ وَهَبَ لَهُ عَبْدًا، فَعَلَّمَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْكِتَابَةَ أَوْ الْخَبْزَ؛ فَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ، عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ زُفَرُ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ؛ لِأَنَّهُ لَا زِيَادَةَ فِي عَيْنِ الْمَوْهُوبِ، فَهُوَ كَزِيَادَةِ الْقِيمَةِ بِتَغْيِيرِ السِّعْرِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: تَعَلُّمُ الْكِتَابَةِ وَالْخَبْزِ مَعْنِيٌّ فِي الْعَبْدِ تَزْدَادُ بِهِ مَالِيَّتُهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ السَّمْنِ، بِخِلَافِ زِيَادَةِ السِّعْرِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْبَنِي عَلَى كَثْرَةِ الرَّغَائِبِ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنِيٌّ فِي الْعَيْنِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنَّ صِفَةَ الْكِتَابَةِ وَالْخُبْزِ يَصِيرُ مُسْتَحَقًّا لِلْمُشْتَرِي بِالشَّرْطِ، وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ عِنْدَ فَوَاتِهِ بِمَنْزِلَةِ صِفَةِ السَّلَامَةِ عِنْدَ إطْلَاق الْعَقْدِ. فَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ وَصْفٌ فِي الْعَيْنِ، وَكُلُّ شَيْءٍ زَادَ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ - نَحْوَ الثَّوْبِ يَصْبُغُهُ، وَالسَّوِيق يَلُتُّهُ، وَالثَّوْبِ يَخِيطُهُ - فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمَوْهُوبِ لَهُ، بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ. وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ حَيَوَانٍ: فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْوَاهِبِ بِمَنْزِلَةِ الْكِبَرِ فِي الْخَادِمِ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ الْهِبَةُ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ - مِنْ زَوْجٍ أَوْ فُجُورٍ - فَلِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا دُونَ الْوَلَدِ)؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ بِمَوْهُوبٍ، وَحَقُّ الرُّجُوعِ مَقْصُورٌ عَلَى عَيْنِ الْمَوْهُوبِ، وَالْوِلَادَةُ فِي الْجَارِيَةِ نُقْصَانٌ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ النُّقْصَانَ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وَالزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ لَيْسَتْ كَالزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُنَاكَ لَا يَتَمَيَّزُ عَنْ الزِّيَادَةِ، لِيَرْجِعَ فِيهَا، وَهُنَا: الزِّيَادَةُ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ الْأَصْلِ؛ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ فَإِنَّ بَعْدَ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ هُنَاكَ لَوْ رَدَّ الْأَصْلَ رَدَّهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فَيُسَلِّمُ لَهُ الْوَلَد مَجَّانًا بِحُكْمِ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ، وَذَلِكَ فِي الْمُعَاوَضَاتِ رِبًا، وَفِي الْهِبَةِ يُسَلِّمُ لَهُ الْوَلَد مَجَّانًا، وَهَذَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فِي التَّبَرُّعَاتِ، وَقَدْ كَانَ الْأَصْلُ سَالِمًا لَهُ مَجَّانًا. قَالَ: (وَإِذَا أَرَادَ الْوَاهِبُ الرُّجُوعَ، وَهِيَ حُبْلَى، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ ازْدَادَتْ خَيْرًا: فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ ازْدَادَتْ شَرًّا: فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا). وَالْجَوَارِي فِي هَذَا تَخْتَلِفُ فَمِنْهُنَّ مَنْ إذَا حُبِّلَتْ سَمِنَتْ وَحَسُنَ لَوْنُهَا، فَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي عَيْنِهَا فَيُمْنَعُ الرُّجُوعُ. وَمِنْهُنَّ مَنْ إذَا حَبِلَتْ اصْفَرَّ لَوْنُهَا، وَرَقَّ سَاقُهَا؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ نُقْصَانًا فِيهَا؛ فَلَا يَمْنَعُ حَقّ الْوَاهِبِ مِنْ الرُّجُوعِ.
قَالَ: (وَإِذَا وَهَبَ جَارِيَتَيْنِ، فَوَلَدَتْ إحْدَاهُمَا، فَعَوَّضَهُ الْوَلَد عَنْهُمَا: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا)؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْوَاهِبِ فِي الْوَلَدِ؛ فَهُوَ كَسَائِرِ أَمْلَاك الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي صَلَاحِيَّة الْعِوَضِ. فَإِذَا عَوَّضَهُ عَنْهُمَا، وَرَضِيَ بِهِ الْوَاهِبُ، فَقَدْ تَمَّ مَقْصُودُهُ.
قَالَ: (وَإِنْ وَهَبَ لَهُ حَدِيدًا فَضَرَبَ مِنْهُ سَيْفًا أَوْ غَزْلًا، فَنَسَجَهُ، أَوْ وَهَبَ لَهُ دَفَاتِرَ، فَكَتَبَ فِيهَا: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَبَدًا)؛ إمَّا لِتَبَدُّلِ الْعَيْن، أَوْ لِلزِّيَادَةِ
стр. 2569
الْحَادِثَةِ فِي الْعَيْنِ، أَوْ فِي مَالِيَّتِهِ بِفِعْلِهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ الرُّجُوعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ الرُّقْبَى]
قَالَ: (رَجُلٌ حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَقَالَ: " دَارِي هَذِهِ حَبِيسٌ ": لَمْ تَكُنْ حَبِيسًا، وَكَانَ ذَلِكَ مِيرَاثًا)؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " حَبِيسٌ " أَيْ: مَحْبُوسٌ، فَعِيل بِمَعْنَى مَفْعُول، كَالْقَتِيلِ بِمَعْنَى الْمَقْتُولِ، وَمَعْنَاهُ: مَحْبُوسٌ عَنْ سِهَامِ الْوَرَثَةِ، وَسِهَامُ الْوَرَثَةِ فِي مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ حُكْمٌ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إبْطَالِهِ بِقَوْلِهِ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ شُرَيْحٍ: لَا حَبِيسَ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَجَاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِبَيْعِ الْحَبِيسِ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: دَارِي هَذِهِ حَبِيسٌ عَلَى عَقِبِي بَعْدَ مَوْتِي: فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ مَحْبُوسٌ عَلَى مُلْكِهِمْ لَا يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ بِالْإِزَالَةِ، كَمَا يَفْعَلُهُ الْمَالِكُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ؛ فَكَانَ بَاطِلًا. قَالَ: (وَلَوْ قَالَ دَارِي هَذِهِ لَك رُقْبَى: فَهُوَ بَاطِلٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: هِيَ هِبَةٌ صَحِيحَةٌ إذَا قَبَضَهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَك حَبِيسٌ)، فَأَبُو يُوسُفَ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى.» وَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّ قَوْلَهُ: " دَارِي لَك تَمْلِيكٌ " صَحِيحٌ. وَقَوْلُهُ: " حَبِيسٌ أَوْ رُقْبَى " بَاطِلٌ. فَكَأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ. يُوَضِّحُهُ: أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: دَارِي لَك رُقْبَى، مَلَّكْتُكَ دَارِي هَذِهِ، فَأَرْقُبُ مَوْتَك؛ لِتَعُودَ إلَيَّ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْعُمْرَى فِي مَعْنَى الِانْتِظَارِ وَالتَّعْلِيق بِالْعَوْدِ إلَيْهِ دُونَ التَّمْلِيكِ، فَيَبْقَى التَّمْلِيكُ فِي الْحَالِ صَحِيحًا. وَحُجَّتُهُمَا فِي ذَلِكَ: حَدِيثُ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ الْعُمْرَى، وَرَدَّ الرُّقْبَى»، وَالْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا، فَنَقُولُ: الرُّقْبَى قَدْ تَكُونُ مِنْ الْإِرْقَابِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ التَّرَقُّبِ، حَيْثُ قَالَ: أَجَازَ الرُّقْبَى، يَعْنِي: إذَا كَانَ مِنْ الْإِرْقَابِ، بِأَنْ يَقُولَ: رَقَبَةُ دَارِي لَك. وَحَيْثُ قَالَ: رَدُّ الرُّقْبَى إذَا كَانَ مِنْ التَّرَقُّبِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أُرَاقِبُ مَوْتَك، فَرَاقِب مَوْتِي، فَإِنْ مِتّ فَهِيَ لَك، وَإِنْ مِتُّ فَهِيَ لِي؛ فَيَكُونُ هَذَا تَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ بِالْخَطَرِ، وَهُوَ مَوْتُ الْمُمَلَّكِ قَبْلَهُ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَمَّا احْتَمَلَ الْمَعْنَيَانِ جَمِيعًا، وَالْمِلْك لِذِي الْيَدِ فِيهَا يَقِينًا، فَلَا يُزِيلُهُ بِالشَّكِّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ قَوْلُهُ: " دَارِي لَك " تَمْلِيكًا، إذَا لَمْ يُفَسِّرْ هَذِهِ الْإِضَافَة بِشَيْءٍ.
أَمَّا إذَا فَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ: رُقْبَى أَوْ حَبِيسٌ، يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَيْسَ بِتَمْلِيكٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: دَارِي لَكَ سُكْنَى تَكُونُ عَارِيَّةً؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُبْهَمَ إذَا تَعَقَّبَهُ تَفْسِيرٌ، فَالْحُكْمُ لِذَلِكَ التَّفْسِيرِ.
قَالَ: (رَجُلٌ قَالَ لِرَجُلَيْنِ: عَبْدِي هَذَا لِأَطْوَلِكُمَا حَيَاةً، أَوْ حَبِيسٌ عَلَى أَطْوَلِكُمَا حَيَاةً؛ فَهَذَا بَاطِلٌ)؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ طُولَ الْحَيَاةِ فِيمَا مَضَى، حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا شَابًّا وَالْآخَرُ
стр. 2570
شَيْخًا لَا يَتَعَيَّنُ الشَّيْخُ بِالتَّمْلِيكِ مِنْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ وَلَكِنَّ الْمُرَادَ: طُولُ الْحَيَاةِ فِي الْمُسْتَقْبِلِ. مَعْنَاهُ: لِلَّذِي يَبْقَى مِنْكُمَا بَعْدَ مَوْتِ الْآخَرِ، فَهُوَ تَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ بِالْخَطَرِ، وَهُوَ مَعْنَى الرُّقْبَى، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَأْمُرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُرَاقِبَ مَوْتَ صَاحِبِهِ؛ لِتَكُونَ الدَّارُ لَهُ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الشَّهَادَةِ فِي الْهِبَةِ]
قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى الْهِبَةِ وَمُعَايَنَةِ الْقَبْضِ: جَازَتْ الْهِبَةُ)؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ، وَالْهِبَةُ مَعَ الْقَبْضِ سَبَبُ مِلْكٍ تَامٍّ، وَإِنْ شَهِدَا عَلَى إقْرَارِ الْوَاهِبِ بِالْقَبْضِ، وَهُوَ يَجْحَدُهُ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: الشَّهَادَةُ جَائِرَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَالصَّدَقَةُ وَالرَّهْنُ عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا. وَجْهُ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ: إنَّ تَمَامَ هَذِهِ الْعُقُودِ بِقَبْضٍ يُوجَدُ، وَهُوَ فِعْلٌ لَا قَوْلٌ، وَالْإِقْرَارُ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، وَالْمُخْبِرُ بِهِ إذَا كَانَ كَذِبًا، فَبِالْإِخْبَارِ لَا يَصِيرُ صِدْقًا، وَمَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا مِنْ الْقَبْضِ، فَبِإِقْرَارِهِ لَا يَصِيرُ مَوْجُودًا، فَظَهَرَ أَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ بِمَا هُوَ سَبَب مِلْكٍ تَامٍّ. وَجْهُ قَوْلِهِ الْآخَرِ: أَنَّ الْقَبْضَ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الْقَتْلِ وَالْغَصْبِ، ثُمَّ فِعْلُ الْقَتْلِ وَالْغَصْبِ كَمَا يَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى مُعَايَنَتِهِ، يَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الثَّابِتَ مِنْ الْإِقْرَارِ بِالْبَيِّنَةِ كَالْمَسْمُوعِ مِنْ الْمُقِرِّ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَلَوْ أَقَرَّ الْخَصْمُ بِأَنَّهُ وَهَبَهُ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ: قُضِيَ بِالْمِلْكِ لَهُ. فَكَذَلِكَ إذَا ثَبَتَ إقْرَارُهُ بِالْبَيِّنَةِ.
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، فَشَهِدَ عَلَى إقْرَارِ الْوَاهِبِ بِالْهِبَةِ، وَالْقَبْضِ: جَازَتْ الشَّهَادَةُ، كَمَا لَوْ سَمِعَ الْقَاضِي إقْرَارَهُ بِذَلِكَ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْوَاهِبِ فَأَقْرٍ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ وَهَبَهُ مِنْهُ، وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ أَخَذَ بِإِقْرَارِهِ)؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْعَبْدِ فِي يَدِهِ لَا يُنَافِي مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الْهِبَةِ، وَقَبْضُ الْمَوْهُوبِ وَالْمُقِرّ يُعَامَلُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ كَأَنَّ مَا أَقَرَّ بِهِ حَقٌّ. وَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ - عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ - بَيْنَ مَا إذَا أَقَرَّ بِنَفْسِهِ، وَبَيْنَ مَا إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى إقْرَارِهِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ، وَالشَّهَادَةُ لَا تُوجِبُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَالْقَاضِي لَا يَقْضِي إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا بِسَبَبِ مِلْكٍ تَامٍّ.
قَالَ: (وَإِذَا اسْتَوْدَعَ الرَّجُلُ رَجُلًا وَدِيعَةً، ثُمَّ وَهَبَهَا لَهُ، ثُمَّ جَحَدَهُ فَشَهِدَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ، وَلَمْ يَشْهَدَا بِالْقَبْضِ: فَهُوَ جَائِزٌ)؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ، وَقَبْضُهُ مَعْلُومٌ بِالْمُعَايَنَةِ؛ فَيَتِمُّ بِهِ سَبَبُ الْمِلْكِ. قَالَ: (فَإِنْ جَحَدَ الْوَاهِبُ أَنْ تَكُونَ فِي يَدِهِ يَوْمَئِذٍ، وَقَدْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى الْهِبَةِ، وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَبْضِ، وَلَا عَلَى إقْرَارِ الْوَاهِبِ، وَالْهِبَةُ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ يَوْمَ
стр. 2571
تَخَاصَمَ إلَى الْقَاضِي: فَذَلِكَ جَائِزٌ، إذَا كَانَ الْوَاهِبُ حَيًّا)؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَالِ قَابِضٌ، وَقَدْ أَثْبَتَ عَقْدَهُ بِالْبَيِّنَةِ؛ فَيَجْعَلُ قَبْضهُ صَادِرًا عَنْ ذَلِكَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ حُكْمُ الْعَقْدِ، أَوْ مُتَمِّمٌ لِلْعَقْدِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْمِلْكِ، وَالثَّابِتُ مِنْ الْعَقْدِ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً، فَكَمَا يُجْعَلُ الْقَبْضُ هُنَاكَ مُتَمِّمًا لِلسَّبَبِ، فَكَذَلِكَ هُنَا، وَلَكِنْ هَذَا إذَا كَانَ الْوَاهِبُ حَيًّا، فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَشَهَادَتهُمَا بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْحَالِ لِلْوَارِثِ، فَلَا يَكُونُ إثْبَاتُ الْعَقْدِ عَلَى الْوَاهِبِ بَعْدَ مَوْتِهِ سَبَبًا لِلْمِلْكِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَا دَامَ الْوَاهِبُ حَيًّا، إذَا قَبَضَ الْمَوْهُوبُ بِإِذْنِهِ تَتِمُّ الْهِبَةُ، وَيَمْلِكُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا يَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَا عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِهِ فِي حَيَاةِ الْوَاهِبِ، أَوْ عَلَى إقْرَارِ الْوَاهِبِ بِذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ.
قَالَ: (رَجُلٌ وَهَبَ لِرَجُلٍ عَبْدًا، وَقَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ اشْتَرَاهُ مِنْ الْوَاهِبِ قَبْلَ الْهِبَةِ وَالْقَبْض: أُبْطِلَتْ الْهِبَةُ)؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الشِّرَاءَ مِنْ الْمَالِكِ، وَالشِّرَاءُ يُوجِبُ الْمِلْكَ بِنَفْسِهِ؛ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّهُ وَهَبَ، وَسَلَّمَ مَا لَا يُمَلَّكُ، قَالَ: (فَإِنْ شَهِدُوا عَلَى الشِّرَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْهِبَةِ: فَهُوَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ)؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ، وَالِاسْتِحْقَاقُ لَهُ ثَابِتٌ، بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْهِبَةِ مَا يُوجِبُ الِاسْتِحْقَاقَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ شِرَاءَهُ مُحْتَمَلٌ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ قَبْلَ الْهِبَةِ ثَبَتَ اسْتِحْقَاقُهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْهِبَةِ لَا يَثْبُتُ، وَبِالِاحْتِمَالِ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ، وَكَذَلِكَ إنْ أَرَّخَ شُهُود الشِّرَاءِ شَهْرًا أَوْ سَنَةً؛ لِأَنَّ الْيَدَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ مُعَايَنٌ، وَهُوَ دَلِيلٌ سَبَقَ عَقْدُهُ؛ فَإِنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ الْقَبْضِ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَالتَّأْرِيخُ فِي حَقِّ الْآخَرِ مَشْهُودٌ بِهِ، وَلَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْوَاهِبِ، فَأَقَامَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ وَهَبَهُ لَهُ، وَقَبَضَهُ قَبْلَ الشِّرَاءِ، وَأَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ قَبْلَ الْهِبَةِ وَقَبَضَهُ: فَالْعَبْدُ لِصَاحِبِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ مِلْكِهِ أَقْوَى، مِنْ حَيْثُ إنَّ الشِّرَاءَ يُوجِبُ الْمِلْكَ بِنَفْسِهِ، وَأَنَّهُ عَقْدُ ضَمَانٍ، وَأَنَّهُ يُوجِبُ الْمِلْكَ فِي الْبَدَلَيْنِ، وَعِنْدَ الْمُعَاوَضَةِ يَتَرَجَّحُ أَقْوَى السَّبَبَيْنِ فَإِنَّ الضَّعِيفَ مَدْفُوعٌ بِالْقَوِيِّ، وَلَا يَظْهَرُ عِنْدَ الْمُقَابِلَةِ بِالْقَوِيِّ.
قَالَ: (رَجُلٌ وَهَبَ لِرَجُلٍ مَتَاعًا، ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا كُنْت اسْتَوْدَعْتُك فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْمَتَاعِ مَعَ الْيَمِينِ)؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ يَدَّعِي تَمَلُّكَ الْعَيْنِ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ، وَهُوَ مُنْكِرٌ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَ السَّبَبَ بِالْبَيِّنَةِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ الْيَمِينِ، فَإِذَا حَلَفَ أَخَذَ الْمَتَاعَ. وَإِنْ وَجَدَهُ هَالِكًا: فَإِنْ كَانَ قَدْ هَلَكَ بَعْدَ مَا ادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ الْهِبَةَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ بِدَعْوَى التَّمَلُّكِ بِالْهِبَةِ يَكُونُ جَاحِدًا لِلْوَدِيعَةِ، وَالْمُودَعُ يَضْمَنُ الْوَدِيعَةَ بِالْجُحُودِ؛ وَلِأَنَّهُ صَارَ مُفَوِّتًا لِلْيَدِ الْحَكِيمَةِ الَّتِي كَانَتْ لِلْمُودَعِ حِينَ زَعَمَ أَنَّهُ قَابِضٌ لِنَفْسِهِ مُتَمَلِّكٌ فَكَانَ ضَامِنًا الْقِيمَةَ؛ لِهَذَا
стр. 2572
فَإِنْ قِيلَ): هَذَا أَنْ لَوْ ثَبَتَ الْإِيدَاعُ، (قُلْنَا): لَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ بِقَبْضِ مَالِ الْغَيْرِ لِنَفْسِهِ عَلَى وَجْهِ التَّمَلُّكِ مُوجِب لِلضَّمَانِ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ تَمْلِيكٌ مِنْ صَاحِبِهِ إيَّاهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الصَّدَقَةِ]
قَالَ: (الصَّدَقَةُ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ فِي الْمَشَاعِ، وَغَيْرِ الْمَشَاعِ، وَحَاجَتُهَا إلَى الْقَبْضِ)، وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فِيهَا إلَّا أَنَّهُ لَا رُجُوعَ فِي الصَّدَقَةِ إذَا تَمَّتْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا نَيْلُ الثَّوَابِ - وَقَدْ حَصَلَ - وَإِنَّمَا الرُّجُوعُ عِنْدَ تَمَكُّنِ الْخَلَلِ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ، وَيَسْتَوِي إنْ تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ، أَوْ فَقِيرٍ فِي أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ فِيهَا. وَمِنْ أَصْحَابِنَا ﵏ مَنْ يَقُولُ: الصَّدَقَةُ عَلَى الْغَنِيِّ وَالْهِبَةُ سَوَاءٌ إنَّمَا يَقْصِدُ بِهِ الْعِوَضَ - دُونَ الثَّوَابِ -؛ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي حَقِّ الْفَقِيرِ جَعَلَ الْهِبَة وَالصَّدَقَة سَوَاء فِي أَنَّ الْمَقْصُودَ الثَّوَابُ، فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْغَنِيِّ: الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ سَوَاءٌ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ، ثُمَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ فَكَذَلِكَ فِي الصَّدَقَةِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: ذِكْرهُ لَفْظ الصَّدَقَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْعِوَضَ، وَمُرَاعَاةُ لَفْظِهِ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ حَالِ الْمُتَمَلِّكِ. ثُمَّ التَّصَدُّقُ عَلَى الْغَنِيِّ يَكُونُ قُرْبَةً يَسْتَحِقُّ بِهَا الثَّوَابَ فَقَدْ يَكُونُ غَنِيًّا يَمْلِكُ نِصَابًا، وَلَهُ عِيَالٌ كَثِيرَةٌ، وَالنَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَى مِثْلِ هَذَا لِنَيْلِ الثَّوَابِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ عِنْدَ اشْتِبَاهِ الْحَالِ يَتَأَدَّى الْوَاجِبُ مِنْ الزَّكَاةِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ وَلَا رَهْنَ وَلَا رُجُوعَ فِيهِ - بِالِاتِّفَاقِ - فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْعِلْمِ بِحَالِهِ: لَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ.
قَالَ: (رَجُلٌ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِصَدَقَةٍ، وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ، ثُمَّ مَاتَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَالْمُتَصَدِّق وَارِثُهُ فَوَرَّثَهُ تِلْكَ الصَّدَقَةَ، فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ فِيهَا) بَلَغَنَا فِي الْأَثَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَنَّ رَجُلًا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، ثُمَّ مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ فَوَرَّثَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ تِلْكَ الصَّدَقَةِ». وَالْحَدِيثُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَصَدَّقَ عَلَى أُمِّهِ بِحَدِيقَةٍ، ثُمَّ مَاتَتْ قَالَ ﷺ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَبِلَ مِنْك صَدَقَتَك، وَرَدَّ عَلَيْك حَدِيقَتَك». وَفِي الْمَشْهُورِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ إلَّا بِخَمْسَةٍ، وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا: رَجُلًا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، ثُمَّ مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ فَوَرْثَ تِلْكَ الصَّدَقَةَ».
قَالَ: (رَجُلٌ قَالَ فِي صِحَّتِهِ: جَعَلْت غَلَّةَ دَارِي هَذِهِ صَدَقَة لِلْمَسَاكِينِ، ثُمَّ مَاتَ، أَوْ قَالَ: دَارِي هَذِهِ صَدَقَةٌ فِي الْمَسَاكِينِ، ثُمَّ مَاتَ، قَالَ: هِيَ مِيرَاثٌ عَنْهُ)؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ لَمْ تَتَّصِلْ بِهَذَا الْقَبْضِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ النَّذْرِ، سَوَاءٌ الْتَزَمَ الصَّدَقَةَ بِعَيْنِهَا، أَوْ بِغَلَّتِهَا، وَالْمَنْذُورُ لَا يَزُولُ
стр. 2573
عَنْ مِلْكِهِ قَبْلَ تَنْفِيذِ الصَّدَقَةِ فِيهِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ حَقًّا لِلَّهِ - تَعَالَى - وَلِهَذَا يُفْتَى بِهِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ، وَمِثْلُهُ لَا يَمْنَعُ الْإِرْث، فَلَا يَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ، وَإِنْ كَانَ حَيًّا، وَتَصَدَّقَ بِقِيمَتِهَا: أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ مَا لَزِمَهُ مِنْ التَّصَدُّقِ فِي عَيْنِ مَالٍ بِالْتِزَامِهِ مُعْتَبَرٌ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ - وَهُوَ الزَّكَاةُ - وَالْوَاجِبُ هُنَاكَ يَتَأَدَّى بِالْقِيمَةِ، كَمَا يَتَأَدَّى بِالْعَيْنِ، فَهَذَا مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي حَقِّ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ أَغِنَاؤُهُ، وَسَدُّ خَلَّتِهِ.
قَالَ: (فَإِنْ قَالَ جَمِيعُ مَا أَمْلِكُ صَدَقَةٌ فِي الْمَسَاكِينِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا يَمْلِكُ مِنْ الصَّامِتِ، وَأَمْوَالِ السَّوَائِمِ، وَأَمْوَالِ الزَّكَاةِ، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِالْعَقَارِ، وَالرَّقِيقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ - اسْتِحْسَانًا -)، وَفِي الْقِيَاسِ: عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ﵀. وَزَعَمَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا ﵏ أَنَّ فِي قَوْلِهِ: " جَمِيعُ مَا أَمْلِكُ " يَتَصَدَّقُ بِالْكُلِّ قِيَاسًا، وَاسْتِحْسَانًا. وَإِنَّمَا الْقِيَاسُ، وَالِاسْتِحْسَانُ فِي قَوْلِهِ: مَالِي صَدَقَةٌ، أَوْ جَمِيعُ مَالِي صَدَقَةٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ. وَجْهُ الْقِيَاسِ: أَنَّ اسْمَ الْمِلْكِ حَقِيقَةٌ لِكُلِّ مَمْلُوكٍ لَهُ، وَاسْم الْمَالِ لِكُلِّ مَا يَتَمَوَّلُهُ الْإِنْسَانُ، وَمَالُ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ، وَغَيْر مَالِ الزَّكَاةِ سَوَاءٌ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ يَسْتَوِي فِيهِ ذَلِكَ كُلُّهُ؛ وَهَذَا لِأَنَّ اللَّفْظ مَعْمُولٌ بِهِ فِي حَقِيقَتِهِ - مَا أَمْكَنَ - وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ، فَقَالَ: إنَّمَا ذَكَرَ الْمَالَ وَالْمِلْكَ عِنْدَ ذِكْرِ الصَّدَقَةِ، فَيَخْتَصُّ بِمَالِ الزَّكَاةِ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَهُوَ أَنَّ مَا يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ مُعْتَبَرٌ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَوْجَبَ الْحَقَّ فِي الْمَالِ؛ وَلِذَلِكَ يَخْتَصُّ بِمَالِ الزَّكَاةِ، فَكَذَلِكَ مَا يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ - بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ -؛ وَهَذَا لِأَنَّ الصَّدَقَةَ - شَرْعًا - إنَّمَا تَكُونُ عَنْ غِنًى.
«قَالَ ﷺ : لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى». وَالْغَنِيّ - شَرْعًا - يَخْتَصُّ بِمَالِ الزَّكَاةِ، حَتَّى لَا يَكُونَ مَالِكُ الْعَقَارِ وَالرَّقِيقِ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ غَنِيًّا شَرْعًا؛ فَلِهَذَا الدَّلِيلِ تَرَكْنَا اعْتِبَارَ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ، وَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ التَّصَدُّقَ بِمَالِ الزَّكَاةِ وَبِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ خِلَافُهُ وَالْحَاجَةُ إلَيْهِ فِي مَالِ الزَّكَاةِ، وَغَيْرِ مَالِ الزَّكَاةِ سَوَاءٌ، ثُمَّ يُمْسِكُ مِنْ ذَلِكَ قُوتَهُ، فَإِذَا أَصَابَ شَيْئًا بَعْدَ ذَلِكَ تَصَدَّقَ بِمَا أَمْسَكَ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُ فِي هَذَا الْقَدْرِ مُقَدَّمَةٌ؛ إذْ لَوْ لَمْ يُمْسِكْ احْتَاجَ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ، ثُمَّ يَسْأَلَ النَّاسَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي الْكِتَابِ مِقْدَار مَا يُمْسِكُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِقِلَّةِ عِيَالِهِ، وَكَثْرَةِ عِيَالِهِ. وَقِيلَ: إنْ كَانَ مُحْتَرِفًا: فَإِنَّمَا يُمْسِكُ قُوتَ يَوْمٍ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبَ غَلَّةٍ: أَمْسَكَ قُوتَ شَهْرٍ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبَ ضَيَاعٍ: أَمْسَكَ قُوتَ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ يَدَ الدِّهْقَانِ إلَى مَا يُنْفِقُ إنَّمَا تَتَّصِلُ سَنَةً فَسَنَةً، وَيَدُ صَاحِبِ الْغَلَّةِ شَهْرًا فَشَهْرًا، وَيَدُ الْعَامِلِ يَوْمًا فَيَوْمًا.
قَالَ: (رَجُلٌ وَهَبَ لِلْمَسَاكِينِ هِبَةً، وَدَفَعَهَا إلَيْهِمْ لَمْ يَرْجِعْ فِيهَا - اسْتِحْسَانًا - وَفِي الْقِيَاسِ: يَرْجِعُ)؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِطَرِيقِ الْهِبَةِ، وَفِي أَسْبَابِ الْمِلْكِ: الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ سَوَاءٌ
стр. 2574
كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ -. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ قَصْدَهُ بِالْهِبَةِ مِنْ الْفَقِيرِ: الثَّوَابُ - دُونَ الْعِوَضِ -؛ إذْ لَوْ كَانَ قَصْدُهُ الْعِوَضَ لَاخْتَارَ لِلْهِبَةِ مَنْ يَكُونُ أَقْدَرَ عَلَى أَدَاء الْعِوَضِ، وَلَمَا اخْتَارَ الْفَقِيرَ مَعَ عَجْزِهِ عَنْ أَدَاء الْعِوَضِ، عَرَفْنَا أَنَّ مَقْصُودَهُ الثَّوَابُ، وَقَدْ نَالَ ذَلِكَ. قَالَ: (وَكَذَلِكَ إنْ أَعْطَى سَائِلًا أَوْ مُحْتَاجًا عَلَى وَجْهِ الْحَاجَةِ): فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ، وَإِنَّمَا قَصْدهُ بِفِعْلِهِ سَدُّ خَلَّة الْمُحْتَاج؛ وَذَلِكَ يُفْعَلُ لِابْتِغَاءِ مَرْضَاة اللَّهِ - تَعَالَى - وَنُبْلِ ثَوَابِهِ وَهُوَ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَر ﵁: مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ رَحِمٍ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا.
قَالَ: (رَجُلٌ جَعَلَ فِي دَارِهِ مَسْجِدًا يُصَلِّي فِيهِ النَّاسُ، ثُمَّ مَاتَ. قَالَ: هُوَ مِيرَاثٌ لِوَرَثَتِهِ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمَيِّزْهُ عَنْ مِلْكِهِ، فَيَكُونُ هَذَا بِمَعْنَى صَدَقَةِ الْمُشَاعِ، ثُمَّ الْأَصْلُ فِي الْمَسَاجِدِ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُهُ مَنْ شَاءَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَهَذَا مِلْكُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ جَانِبٍ مِنْهُ، فَلَا يَتَمَكَّنُ أَحَدٌ مِنْ الدُّخُولِ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. فَإِنْ كَانَ أَخْرَجَهُ مِنْ دَارِهِ، وَعَزَلَهُ وَجَعَلَهُ مَسْجِدًا، وَأَظْهَرَهُ لِلنَّاسِ، ثُمَّ مَاتَ: فَهُوَ مَسْجِدٌ لَا يُورَثُ،، وَقَدْ بَيَّنَّا تَمَامَ هَذَا الْفَصْلِ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ.
قَالَ: (وَإِنْ بَنَى عَلَى مَنْزِلِهِ مَسْجِدًا، وَسَكَنَ أَسْفَلَهُ، أَوْ جَعَلَهُ سِرْدَابًا، ثُمَّ مَاتَ: فَهُوَ مِيرَاثٌ). وَكَذَلِكَ إنْ جَعَلَ أَسْفَلَهُ مَسْجِدًا، وَفَوْقَهُ مَسْكَنًا؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَا يُحْرَزُ أَصْلُهُ عَنْ مِلْكِ الْعِبَادِ، وَانْتِفَاعُهُمْ بِهِ عَلَى قِيَاسِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيمَا اتَّخَذَهُ - حِين اسْتَثْنَى الْعُلْوَ أَوْ السُّفْلَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ -. وَعَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: إنْ جَعَلَ السُّفْلَ مَسْجِدًا: جَازَ، وَإِنْ جَعَلَ الْعُلْوَ مَسْجِدًا دُونَ السُّفْلِ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَا لَهُ قَرَارٌ، وَتَأْبِيدٌ فِي السُّفْلِ دُونَ الْعُلْوِ. وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ ﵀ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ الْعُلْوُ مَسْجِدًا، وَالسُّفْلُ مُسْتَغَلًّا لِلْمَسْجِدِ فَهَذَا يَجُوزُ - اسْتِحْسَانًا -. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ جَائِزٌ، رَجَعَ إلَيْهِ حِينَ قَدِمَ بَغْدَادَ، وَرَأَى ضِيقَ الْمَنَازِلِ بِأَهْلِهَا فَجَوَّزَ أَنْ يَجْعَلَ الْعُلْوَ مَسْجِدًا دُونَ السُّفْلِ وَالسُّفْلَ دُونَ الْعُلْوِ، وَهُوَ مُسْتَقِيمٌ عَلَى أَصْلِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يُوَسِّعُ فِي الْوَقْفِ فَكَذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ.
قَالَ: (رَجُلٌ وَهَبَ لِمِسْكِينٍ دِرْهَمًا، وَسَمَّاهُ هِبَةً، وَنَوَاهُ مِنْ زَكَاتِهِ: أَجْزَأَهُ)؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ فِي حَقِّ الْمِسْكَيْنِ لَفْظَة الْهِبَةِ كَلَفْظَةِ الصَّدَقَةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِاللَّفْظِ فِي أَدَاء الزَّكَاةِ، إنَّمَا الْمُعْتَبَرُ: الْإِعْطَاءُ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعْطَاهُ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ: كَانَ ذَلِكَ زَكَاةً لَهُ، فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِذَكَرِ الْهِبَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ الْعَطِيَّةِ]
(وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ قَدْ أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ، وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ: فَهِيَ هِبَةٌ صَحِيحَةٌ)؛ لِحَدِيثِ ابْنِ
стр. 2575
الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ لَا، تُعْمِرُوهَا، فَمَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلْمُعْمَرِ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ بَعْدَهُ». وَرَوَى سَلِمَةُ عَنْ جَابِرٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْعُمْرَى لِلْمُعْمَرِ لَهُ وَلِعَقِبِهِ بَعْدَهُ، وَقَالَ ﵊: مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى قَطَعَ قَوْلُهُ حَقَّهُ. يَعْنِي قَطَعَ قَوْلَهُ: وَهَبْت لَك عُمْرَك حَقَّهُ فِي الرُّجُوعِ بَعْدَ مَوْتِهِ»، وَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّهُ مَلَكَهُ فِي الْحَالِ، وَالْوَارِثُ يَخْلُفُهُ فِي مِلْكِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. فَشَرْطُ الرُّجُوعِ إلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَاسِدٌ، وَالْهِبَةُ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ.
قَالَ: (وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ نَحَلْتُك هَذَا الثَّوْبَ، أَوْ أَعْطَيْتُك هَذَا الثَّوْبَ عَطِيَّةً فَهَذِهِ عِبَارَاتٌ عَنْ تَمْلِيكِ الْعَيْنِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ؛ وَذَلِكَ يَكُونُ هِبَةً)، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ قَدْ كَسَوْتُك هَذَا الثَّوْبَ فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فَالْكَفَّارَةُ لَا تَتَأَدَّى إلَّا بِتَمْلِيكِ الثَّوْبِ مِنْ الْمِسْكِينِ. وَيُقَالُ فِي الْعُرْف: كَسَا الْأَمِيرُ فُلَانًا أَيْ: مَلَّكَهُ. وَإِنْ قَالَ: حَمَلْتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ: كَانَتْ عَارِيَّةً لِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الدَّابَّةِ إرْكَابٌ، وَهُوَ تَصَرُّفٌ فِي مَنَافِعِهَا لَا فِي عَيْنِهَا فَتَكُونُ عَارِيَّةً إلَّا أَنْ يَقُولَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ: أَرَدْت الْهِبَةَ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ قَدْ يُذْكَرُ لِلتَّمْلِيكِ. يُقَالُ: حَمَلَ الْأَمِيرُ فُلَانًا عَلَى فَرَسِهِ، أَيْ: مَلَّكَهُ، فَإِذَا نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، وَفِيهِ تَشْدِيدٌ عَلَيْهِ عَمِلَتْ نِيَّتُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: قَدْ أَخْدَمْتُك هَذِهِ الْجَارِيَةَ فَهِيَ عَارِيَّةٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ مَكَّنْتُك مِنْ أَنْ تَسْتَخْدِمَهَا وَذَلِكَ تَصَرُّفٌ فِي مَنَافِعِهَا لَا فِي عَيْنِهَا. وَإِنْ قَالَ: قَدْ مَنَحْتُكَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ، أَوْ هَذِهِ الْأَرْضَ فَهِيَ عَارِيَّةٌ لِأَنَّ الْمِنْحَةَ بَدَلَ الْمَنْفَعَةِ بِغَيْرِ بَدَلٍ قَالَ ﷺ : «الْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ وَالْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ». فَيَكُونُ مَعْنَى كَلَامِهِ: جَعَلْت لَك مَنْفَعَةَ هَذِهِ الْعَيْنِ وَهُوَ نَفْسُ الْعَارِيَّةِ. فَإِنْ قَالَ: قَدْ أَطْعَمْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ غَلَّتَهَا. وَالرُّقْبَى لِصَاحِبِهَا؛ لِأَنَّ عَيْنَهَا لَا تُطْعَمُ، فَمَعْنَاهُ: أَطْعَمْتُك مَا يَحْصُلُ مِنْهَا فَيَكُونُ تَمْلِيكًا لِمَنْفَعَةِ الْأَرْضِ - دُونَ عَيْنِهَا - وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مَتَى شَاءَ. يَعْنِي: إذَا كَانَتْ فَارِغَةً.
فَأَمَّا بَعْدَ الزِّرَاعَةِ: إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا، فَإِنْ رَضِيَ الْمُسْتَعِيرُ بِأَنْ يَقْلَعَ زَرْعَهَا وَيَرُدَّهَا: فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَبَى تُرِكَتْ فِي يَدِهِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا إلَى وَقْتِ إدْرَاكِ الْغَلَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُحِقٌّ فِي زِرَاعَتِهِمَا غَيْرُ مُتَعَدٍّ. فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ حَقِّهِ بِخِلَافِ الْغَاصِبِ وَإِنَّمَا يَعْتَدِلُ النَّظَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِأَنْ تُتْرَكَ فِي يَدِهِ بِأَجْرٍ إلَى إدْرَاكِ الْغَلَّةِ، وَإِنْ قَالَ: قَدْ أَطْعَمْتُك هَذَا الطَّعَامَ فَاقْبِضْهُ، فَقَبَضَهُ: فَهَذِهِ هِبَةٌ لِأَنَّ عَيْنَ الطَّعَامِ تُطْعَمُ فَإِضَافَةُ لَفْظَةِ الْإِطْعَامِ إلَى مَا يُطْعَمُ عَيْنُهُ يَكُونُ تَصَرُّفًا فِي الْعَيْنِ تَمْلِيكًا بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ وَذَلِكَ يَكُونُ هِبَةً، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: جَعَلْت هَذِهِ الدَّارَ لَك، فَاقْبِضْهَا؛ لِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ: مَلَّكْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي التَّمْلِيكِ بِبَدَلٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ لَفْظِ الْجُعْلِ، وَالتَّمْلِيكِ
стр. 2576
فَكَذَلِكَ فِي التَّمْلِيكِ بِغَيْرِ بَدَلٍ. فَإِنْ قَالَ: دَارِي لَك عُمْرَى سُكْنَى: فَهَذِهِ عَارِيَّةٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: سُكْنَى تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: عُمْرَى. وَالْكَلَامُ الْمُبْهَمُ إذَا تَعَقَّبَهُ تَفْسِيرٌ فَالْحُكْمُ لِلتَّفْسِيرِ، وَبَيَانُ هَذَا وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: لَك عُمْرَى، يَحْتَمِلُ تَمْلِيكَ عَيْنِهَا مِنْهُ عُمْرَهُ، وَيَحْتَمِلُ تَمْلِيكَ مَنْفَعَتِهَا. فَكَانَ قَوْلُهُ: سُكْنَى، تَفْسِيرًا، أَيْ: لَك سُكْنَاهَا عُمْرَك، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: نُحْلَى سُكْنَى، وَقَوْلُهُ: هِبَةٌ سُكْنَى، أَوْ سُكْنَى هِبَةٌ، أَوْ سُكْنَى صَدَقَةٌ، فَهَذَا كُلُّهُ عَارِيَّةٌ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ قَوْلَهُ: سُكْنَى، تَفْسِيرٌ لِلْمَحْمَلِ مِنْ كَلَامِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: هِيَ لَك فَاقْبِضْهَا: كَانَتْ هِبَةً، وَلَوْ قَالَ: هِيَ لَك سُكْنَى كَانَتْ عَارِيَّةً، وَجَعَلَ قَوْلَهُ: سُكْنَى تَفْسِيرًا، وَكَذَلِكَ إذَا زَادَ لَفْظَةَ الْعُمْرَى وَالْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ، وَإِنْ قَالَ: هِيَ لَك هِبَةٌ عَارِيَّةٌ، أَوْ هِيَ عَارِيَّةٌ هِبَةٌ: فَهِيَ عَارِيَّةٌ. قَدَّمَ لَفْظَةَ الْهِبَةَ، أَوْ أَخَّرَهَا؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ هِبَةَ الْعَيْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ هِبَةَ الْمَنْفَعَةِ. وَقَوْلُهُ: عَارِيَّةٌ، تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ الْمُبْهَمِ؛ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ مُحْكَمٌ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْمَنْفَعَةَ، فَسَوَاءٌ قَدَّمَهُ أَوْ أَخَّرَهُ، فَالْحُكْمُ لَهُ وَإِنْ قَالَ: هِيَ لَك هِبَةٌ إجَارَةٌ كُلُّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ أَوْ إجَارَةٌ هِبَةٌ فَهِيَ إجَارَةٌ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ لَفْظَةَ الْإِجَارَةِ فِي حَقِّ الْمَحَلِّ مُحْكَمٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْمَنْفَعَةَ، وَلَفْظَةُ الْهِبَةِ تَحْتَمِلُ تَنَاوُلَ الْعَيْنِ تَارَةً، وَالْمَنْفَعَةِ تَارَةً أُخْرَى؛ فَكَانَ الْحُكْمُ لِلَّفْظِ الْمُحْكَمِ قَدَّمَهُ، أَوْ أَخَّرَهُ، وَتَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ إلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ تَكُونُ إجَارَةً.
وَإِنْ قَالَ: دَارِي هَذِهِ لَك عُمْرَى تَسْكُنُهَا، وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ: فَهِيَ هِبَةٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَسْكُنُهَا لَيْسَ بِتَفْسِيرٍ لِقَوْلِهِ: عُمْرَى، فَالْفِعْلُ لَا يَصْلُحُ تَفْسِيرًا لِلِاسْمِ، وَلَكِنَّهُ مَشُورَةٌ أَشَارَ عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ فَإِنْ شَاءَ: قَبِلَ مَشُورَتَهُ وَسَكَنَهَا، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْبَلْ، وَهُوَ بَيَانٌ لِمَقْصُودِهِ أَنَّهُ مَلَّكَهُ الدَّارَ عُمْرَهُ لِيَسْكُنَهَا، وَهَذَا مَعْلُومٌ. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ، فَلَا يَتَغَيَّرُ بِهِ حُكْمُ التَّمْلِيكِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: هَذَا الطَّعَامُ لَكَ تَأْكُلُهُ، أَوْ هَذَا الثَّوْبُ لَك تَلْبَسُهُ.
قَالَ: (وَإِنْ قَالَ: وَهَبْت لَك الْعَبْدَ - حَيَاتَك وَحَيَاتَهُ - وَقَبَضَهُ: فَهِيَ هِبَةٌ جَائِزَةٌ)؛ لِأَنَّهُ مُلْكَهُ فِي الْحَالِ بِقَوْلِهِ: وَهَبْت لَك. وَقَوْلُهُ: حَيَاتَك وَحَيَاتَهُ، فَضْلٌ مِنْ الْكَلَامِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ؛ فَكَانَ لَغْوًا، أَوْ فِيهِ إيهَامُ شَرْطِ الرُّجُوعِ إلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ بَاطِلٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَعْمَرْتُكَ دَارِي هَذِهِ - حَيَاتَك - أَوْ أَعْطَيْتهَا - حَيَاتَك - أَوْ وَهَبْت لَك هَذَا الْعَبْدَ - حَيَاتَك - فَإِذَا مِتَّ فَهِيَ لِي، وَإِذَا مِتّ أَنَا فَهِيَ لِوَرَثَتِي: فَهَذَا كُلُّهُ تَمْلِيكٌ صَحِيحٌ فِي الْحَالِ، وَشَرْطُ الرُّجُوعِ إلَيْهِ أَوْ إلَى الْوَرَثَةِ بَاطِلٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: هِيَ هِبَةٌ لَك، وَلِعَقِبِك بَعْدَك؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْعَيْن بِأَوَّلِ كَلَامِهِ، وَذِكْرُ الْعَقِبِ لَغْوٌ وَاشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ؛ فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ عَقِبَهُ مِنْ وَرَثَتِهِ يَخْلُفُهُ فِي مِلْكِهِ. وَإِنْ قَالَ: أَسْكَنْتُك دَارِي هَذِهِ - حَيَاتَك - وَلِعَقِبِك مِنْ بَعْدِك: فَهَذِهِ عَارِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِلَفْظِ الْإِسْكَانِ، وَهُوَ تَصَرُّفٌ فِي الْمَنْفَعَةِ - دُونَ الْعَيْنِ -.
وَقَوْلُهُ: لِعَقَبَتِك بَعْدَك، عَطْفٌ، وَالْعَطْفُ: لِلِاشْتِرَاكِ، فَمَعْنَاهُ:
стр. 2577
سُكْنَاهَا لِعَقِبِك مِنْ بَعْدِك؛ فَهِيَ هِبَةٌ لَهُ، وَذِكْرُ الْعَقِبِ لَغْوٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: هِيَ لَك تَمْلِيكٌ لِعَيْنِهَا مِنْهُ، وَبَعْدَ مَا هَلَكَ عَنْهَا مِنْهُ لَا يَبْقَى لَهُ وِلَايَةُ إيجَابِهَا لِغَيْرِهِ، فَكَانَ قَوْلُهُ: " وَلِعَقِبِك مِنْ بَعْدِك " لَغْوٌ - بِخِلَافِ الْأَوَّلِ - فَإِنَّ بَعْدَ إيجَابِ الْمَنْفَعَةِ لَهُ بِطَرِيقِ الْعَارِيَّةِ يَبْقَى لَهُ وِلَايَةُ الْإِيجَابِ لِغَيْرِهِ، فَكَانَ كَلَامُهُ عَارِيَّةً فِي حَقِّهِ وَفِي حَقِّ عَقِبِهِ بَعْدَهُ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا - مَتَى شَاءَ -.
قَالَ: رَجُلٌ وَهَبَ لِرَجُلٍ عَبْدًا عَلَى أَنْ يُعْتِقَهُ وَيُسَلِّمَهُ إلَيْهِ: فَالْهِبَةُ جَائِزَةٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْعِتْقِ عَلَيْهِ بَعْدَ تَمَامِ مِلْكِهِ فِي الْمَوْهُوبِ بَاطِلٌ، وَلَكِنَّ الْهِبَةَ لَا تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ - كَمَا قُلْنَا -.
قَالَ: رَجُلٌ وَهَبَ لِرَجُلٍ عَبْدًا مَرِيضًا بِهِ جُرْحٌ، فَدَاوَاهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ؛ فَبَرَأَ: لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ؛ لِلزِّيَادَةِ الْحَاصِلَةِ فِي الْعَيْنِ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَصَمَّ أَوْ أَعْمَى، فَسَمِعَ وَأَبْصَرَ؛ لِأَنَّهُ زَوَالٌ لِلْعَيْنِ فَزَوَالُهُ يَكُونُ بِوُجُودِ ذَلِكَ الْجُزْءِ وَالزِّيَادَةُ فِي الْعَيْنِ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ كَمَا لَوْ كَانَ مَهْرٌ، وَلَمْ يُسَمَّ.
قَالَ: مَرِيضٌ وَهَبَ عَبْدَهُ لِرَجُلٍ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ فَتَبِعَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَأَعْتَقَهُ، أَوْ بَاعَهُ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الْمَرِيضِ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي فِيهِ بِشَيْءٍ فَعِتْقهُ وَبَيْعُهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَرِيضِ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهٍ يَحْتَمِلُ النَّقْضَ بَعْدَ صِحَّتِهِ فَحُكْم بِصِحَّتِهِ فِي الْحَالِ؛ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ الْمُطْلَقَة لِلتَّصَرُّفِ - وَهُوَ الْمِلْكُ - وَكَوْنُ الْمَانِعِ مُحْتَمَلًا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ: مَرَض الْمَوْتِ وَهُوَ مَا يَتَّصِلُ بِهِ الْمَوْتُ، وَلَا يُدْرَى أَنَّ مَرَضَهُ هَذَا يَتَّصِلُ بِهِ الْمَوْتُ أَمْ لَا، وَالْمَوْهُوبُ لَا يُعَارِضُ الْمُتَحَقِّقَ فَحَكَمَ بِنُفُوذِ تَصَرُّفه لِهَذَا، وَثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ بِالْقَبْضِ وَإِنَّمَا تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ، وَالْعِتْقِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّ الْهِبَةَ فُكَّتْ بِمَوْتِهِ فِي الْبَعْضِ، أَوْ فِي الْكُلِّ، وَفَسَادُ السَّبَبِ لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْمِلْكِ عِنْدَ الْقَبْضِ، فَلَا يَمْنَعُ بَقَاءَهُ - بِطَرِيقِ الْأَوْلَى - إلَّا أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالرَّدِّ؛ لِاسْتِغْرَاقِ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِالْعَيْنِ، فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ مِلْكُهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ إذَا نَفَذَ تَصَرُّفُهُ، فَهُوَ ضَامِنٌ قِيمَةَ الْعَبْدِ إذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ مُسْتَغْرَقٌ لِتَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ، فَيَتَأَخَّرُ عَنْ الدَّيْنِ، وَلَزِمَهُ رَدُّ الْعَيْنِ، لِرَدِّ الْوَصِيَّة، وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ بِإِخْرَاجِهِ إيَّاهُ مِنْ مِلْكِهِ فَكَانَ ضَامِنًا قِيمَتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَكِنْ لَا مَالَ لِلْمَيِّتِ سِوَاهُ، فَقَدْ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِي قَدْرِ الثُّلُثَيْنِ مِنْهُ، فَيَضْمَنُ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ مُعْسِرًا، وَقَدْ كَانَ أَعْتَقَ الْعَبْدَ، فَلَا سَبِيلَ لِغُرَمَاءِ الْوَاهِبِ وَلَا لِوَرَثَتِهِ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ لَزِمَهُ بِاكْتِسَابِ سَبَبِهِ - وَهُوَ الْإِتْلَافُ - وَدِينُ الْحُرِّ الصَّحِيحِ فِي ذِمَّتِهِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمِلْكِهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ السِّعَايَة بَعْدَ الْعِتْقِ فِي دَيْنٍ كَانَ تَعَلَّقَ بِمَالِيَّتِهِ قَبْلَ الْعِتْقِ.
стр. 2578
فَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَعْتَقَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ، ثُمَّ مَاتَ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرَهُ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَلَى الْعَبْدِ السِّعَايَةُ فِي قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ عِتْقَ الْمَوْهُوبِ لَهُ إيَّاهُ فِي مَرَضِهِ وَصِيَّةٌ؛ فَيَجِبُ رَدُّهَا لِلدَّيْنِ الْمُسْتَغْرَقِ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّ الرِّقْبَةِ بِالْعِتْقِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ فِي قِيمَتِهِ، وَتَكُونُ تِلْكَ الْقِيمَةُ بَيْنَ غُرَمَاءِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَغُرَمَاء الْوَاهِبِ يَضْرِبُ فِيهِ غُرَمَاءُ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِدُيُونِهِمْ، وَغُرَمَاء الْوَاهِبِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ - لَا بِدُيُونِهِمْ -؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْقِيمَةَ تَرِكَةُ الْمَوْهُوبِ، فَيُقْسَمُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ بِحَسَبِ دُيُونِهِمْ عَلَيْهِ، وَدَيْن غُرَمَاءِ الْمَوْهُوبِ لَهُ كَانَ عَلَيْهِ، فَأَمَّا دَيْنُ غُرَمَاءِ الْوَاهِبِ: أَصْلُهُ كَانَ عَلَى الْوَاهِبِ، وَإِنَّمَا اسْتَوْجَبُوا عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ مِقْدَارَ قِيمَةِ الْعَبْدِ لِإِتْلَافِ مَالِيَّةِ الرِّقْبَةِ عَلَيْهِمْ؛ فَلِهَذَا ضَرَبُوا بِقِيمَةِ الْعَبْدِ، وَتَعَلَّقَ حَقّ الْفَرِيقَيْنِ بِمَالِيَّةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ بِاعْتِبَارِ مَرَضِ الْمَوْتِ لَهُ؛ فَلِهَذَا: لَا يُقَدِّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ.
قَالَ: رَجُلٌ وَهَبَ لِرَجُلٍ عَبْدًا، وَسَلَّمَهُ، فَدَبَرَهُ: فَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ بِالتَّدْبِيرِ يَجِبُ لَهُ حَقُّ الْعِتْقِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ بَعْدَ ذَلِكَ، فَاعْتُبِرَ ذَلِكَ بِحَقِيقَةِ الْعِتْقِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الرُّجُوعِ - وَإِنْ كَاتَبَهُ - ثُمَّ عَجَزَ فَرَدَّ رَقِيقًا، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَادَ قِنًّا - كَمَا كَانَ -. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ بِالْكِتَابَةِ لَا يَبْطُلُ حَقُّ الرُّجُوعِ، بَلْ يَتَعَذَّرُ لِمَعْنًى فِي الْمَحِلِّ، فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ: صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ. وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ: فَلِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ، وَالْجِنَايَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَ جَنَى كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَجِنَايَةُ الْمَمْلُوكِ عَلَى مَالِكِهِ فِيمَا يُوجِبُ الْمَالَ تَكُونُ هَدَرًا. وَبِالرُّجُوعِ لَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُ حِينَ جَنَى، فَالرُّجُوعُ مِنْ وَجْهٍ يُنْهِي الْمِلْكَ الْمُسْتَفَادَ بِالْهِبَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَطِئَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ، ثُمَّ رَجَعَ فِيهَا الْوَاهِبُ، فَلَا عُقْرَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بَعْدَ رُجُوعِ الْوَاهِبِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ سَلَّمَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ بَعْدَ رُجُوعِ الْوَاهِبِ فِيهَا، فَكَذَلِكَ لَا تُعْتَبَرُ جِنَايَتُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ رُجُوعِ الْوَاهِبِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ، فَرَدَّهُ رَادٌّ: فَلِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِبَاقَ عَيْبٌ، وَالنُّقْصَانُ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ، وَالْجُعْلُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِ مِلْكَهُ، وَإِنَّمَا يَسْتَوْجِبُ الْجُعَل بِإِحْيَاءِ الْمِلْكِ - بِالرَّدِّ - فَإِذَا أَحْيَاهُ مَلَكَ الْمَوْهُوب لَهُ كَانَ الْجُعْلُ عَلَيْهِ.
قَالَ رَجُلٌ وَهَبَ لِرَجُلٍ شَجَرَةً بِأَصْلِهَا، فَقَطَعَهَا: فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا. قَالَ أَبُو عِصْمَةَ: هَذَا غَلَطٌ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: بِأَصْلِهَا: بِعُرُوقِهَا، وَيَأْذَن لَهُ فِي قَطْعِهَا؛ لِأَنَّ اتِّصَالَ الْمَوْهُوبِ بِمَا لَيْسَ بِمَوْهُوبٍ فِي مِلْكِ الْوَاهِبِ فِي مَعْنَى الشُّيُوعِ؛ فَلَا تَتِمُّ الْهِبَةُ إلَّا بَعْدَ الْقَطْعِ، وَإِذَا تَمَّتْ الْهِبَةُ فِيهَا وَهِيَ مَقْطُوعَةٌ: فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا. فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: بِأَصْلِهَا: بِعُرُوقِهَا مِنْ الْأَرْضِ - وَذَلِكَ مَعْلُومٌ - مُمَيَّزٌ، فَالْهِبَةُ تَمَّتْ فِي الْحَالِ. ثُمَّ الْقَطْعُ بَعْدَ ذَلِكَ يَجْعَلُ الشَّجَرَةَ فِي حُكْمِ شَيْءٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ نَامِيَةً، وَقَدْ
стр. 2579
صَارَتْ حَطَبًا؛ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: لَوْ قَطَعَهَا فَجَعَلَهَا أَبْوَابًا، أَوْ جُذُوعًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا إذَا عَمِلَ فِيهَا شَيْئًا - قَلَّ أَوْ كَثُرَ -؛ لِأَنَّهَا الْآن لَيْسَتْ بِشَجَرَةٍ كَمَا وَهَبَهَا لَهُ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ الْأَرْضِ، وَلَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْقَطْعِ فِي الشَّجَرَةِ نُقْصَانٌ - وَإِنْ كَانَ يَزِيدُ فِي مَالِيَّتِهَا -؛ فَهُوَ - بِاعْتِبَارِ رَغَائِبِ النَّاسِ فِيهِ - بِمَنْزِلَةِ الذَّبْحِ فِي الشَّاةِ، وَالنُّقْصَانُ فِي الْمَوْهُوبِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الرُّجُوعِ، بِخِلَافِ مَا إذَا جَعَلَهَا أَبْوَابًا أَوْ جُذُوعًا: فَذَلِكَ زِيَادَةُ صِفَةٍ حَادِثَةٍ فِي الْمَوْهُوبِ بِفِعْلِ الْمَوْهُوبِ لَهُ؛ فَيَمْنَعُهُ مِنْ الرُّجُوعِ فِيهَا.
قَالَ: وَلَوْ وَهَبَهَا لَهُ بِغَيْرِ أَصْلِهَا وَأَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهَا، فَقَطَعَهَا، وَقَبَضَهَا: كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ جَازَتْ وَهِيَ مَقْطُوعَةٌ، وَفِي الْبَابِ الْأَوَّلِ جَازَ بِالْهِبَةِ وَهِيَ شَجَرَةٌ. وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو عِصْمَةَ: أَنَّهُ بَعْدَ الْقَطْعِ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا إذَا تَمَّتْ الْهِبَةُ قَبْلَ الْقَطْعِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ فِيهَا إذَا كَانَ تَمَامُ الْهِبَةِ بَعْدَ الْقَطْعِ.
قَالَ: وَإِنْ وَهَبَ لَهُ ثَمَرَةً فِي نَخْلٍ، وَأَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا؛ لِمَا بَيَّنَّا: أَنَّ تَمَامَ الْهِبَةِ إذَا كَانَ مَعْرِضَ الْفَصْلِ.
قَالَ: رَجُلٌ وَهَبَ لِرَجُلٍ عَبْدًا، فَجَنَى عَبْدُ الْمَوْهُوبِ لَهُ جِنَايَةً بَلَغَتْ قِيمَتُهُ، فَفَدَاهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ: فَلِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ؛ لِأَنَّ بِالْفِدَاءِ يَظْهَرُ عَنْ الْجِنَايَةِ، وَعَادَ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْجِنَايَةِ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ فِي عَيْنِهِ زِيَادَةٌ، فَكَانَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ، وَلَا يَرُدَّ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ شَيْئًا مِنْ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ فَدَى مِلْكَهُ بِاخْتِيَارِهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ بِالرُّجُوعِ يَنْتَهِي مِلْكُهُ الْمُسْتَفَادُ بِالْهِبَةِ، وَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ يَفْدِيَهُ كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِي عِتْقِ الْعَبْدِ يَدْفَعُهُ الْوَاهِبُ بِهَا أَوْ يَفْدِيه؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالْجِنَايَةِ نَفْسُ الْعَبْدِ، وَاسْتِحْقَاقُ نَفْسِهِ بِالْجِنَايَةِ نُقْصَانٌ فِيهِ، فَلَا يَمْنَع الْوَاهِب مِنْ الرُّجُوعِ، ثُمَّ بِرُجُوعِهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي يَنْعَدِمُ مِلْكُ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَلَا يَصِيرُ هُوَ مُسْتَهْلِكًا، وَلَا مُخْتَارًا، وَلَكِنَّ الْجِنَايَةَ تَبْقَى فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ فَيُخَاطَبُ مَالِكه بِالدَّفْعِ، أَوْ الْفِدَاءِ، وَمَالِكُهُ: الْوَاهِبُ فِي الْحَالِ، فَهُوَ الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ مَاتَ مَوْلَى الْعَبْدِ الْجَانِي، فَوَرْثهُ وَارِثهُ.
قَالَ: وَلَوْ وَهَبَهُ ثَوْبًا، فَشَقَّهُ نِصْفَيْنِ، فَخَاطَ نِصْفًا قَبَاءٍ، وَنِصْفهُ الْآخَر عَلَى حَالِهِ: كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي؛ لِأَنَّ الشِّقَّ نُقْصَانٌ فِي الثَّوْبِ، وَخِيَاطَةُ الْقَبَاءِ زِيَادَةٌ فِي النِّصْفِ الَّذِي حَدَثَتْ الزِّيَادَةُ بِفِعْلِهِ فِيهِ تَعَذُّر الرُّجُوع. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ تَعَذُّرَ الرُّجُوعِ فِي النِّصْفِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الرُّجُوعِ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي. وَإِنْ قَالَ: وَإِنْ وَهَبَ لَهُ شَاةٌ، فَذَبَحَهَا: كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ نُقْصَانٌ فِي الْعَيْنِ؛ فَإِنَّ عَمَلَهُ فِي إزْهَاقِ الْحَيَاةِ. قَالَ: وَإِنْ ضَحَّى بِهَا أَوْ ذَبَحَهَا فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا، فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَرْجِعُ فِيهَا، وَتُجْزِئُهُ الْأُضْحِيَّةُ، وَالْمُتْعَةُ لِلذَّابِحِ، وَلَمْ يَذْكُرُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ،
стр. 2580
وَقِيلَ: قَوْلُهُ: كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، أَمَّا مُحَمَّدٌ يَقُولُ: مِلْكُ الْمَوْهُوبِ لَهُ لَمْ يَزُلْ عَنْ عَيْنِهَا، وَالذَّبْحُ نُقْصَانٌ فِيهَا؛ فَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِيمَا بَقِيَ، كَالشَّاةِ لِلْقَصَّابِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ مَعْنَى الْقِرْبَةِ فِي نِيَّتِهِ وَفِعْلِهِ دُونَ الْعَيْنِ، وَالْمَوْجُودُ فِي الْعَيْنِ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى نِيَّة اللَّحْمِ، أَوْ نِيَّةِ الْقِرْبَةِ. وَاَلَّذِي حَدَثَ فِي الْعَيْنِ أَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُ الشَّرْعِ مِنْ حَيْثُ التَّصَدُّقِ بِهِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ كَرُجُوعِ الزَّكَاةِ فِي الْمَالِ الْمَوْهُوبِ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ هُنَا لَيْسَ بِمُتَحَتِّمِ، حَتَّى يَكُونَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ وَيُطْعِمَ مَنْ شَاءَ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ - بِخِلَافِ الزَّكَاةِ - وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ فِي التَّضْحِيَةِ: جَعَلَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - خَالِصًا، وَقَدْ تَمَّ ذَلِكَ، فَلَا يَرْجِعُ الْوَاهِبُ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَرْضًا فَجَعَلَهَا مَسْجِدًا. وَبَيَانُ قَوْلِنَا: أَنَّ فِي التَّقَرُّبِ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ الْمَذْبُوح، أَوْ هَلَكَ: كَانَ مُجْزِئًا عَنْهُ، وَإِبَاحَة التَّنَاوُلِ مِنْهُ بِإِذْنِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ بِقَوْلِهِ: تَعَالَيَا أَفْطِرَا مِنْهَا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوز لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَهُوَ بِطَرِيقِ التِّجَارَةِ وَيَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ فَعَلَهُ كَانَ ضَامِنًا، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ تَمَّ مَعْنَى التَّقَرُّبِ بِهِ، فَيَكُون نَظِير هَذَا مِنْ الزَّكَاةِ: مَا إذَا أَدَّاهُ إلَى الْفَقِيرِ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ، وَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَهَذَا الْفِعْلُ فِي صُورَةِ ذَبْحِ شَاةِ الْقَصَّابِ وَلَكِنْ فِي الْمَعْنَى وَالْحُكْمِ غَيْرُهُ وَلَا تُعْتَبَرُ الصُّوَرُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الذَّبْحَ يَتَحَقَّقُ مِنْ الْمُسْلِمِ، وَالْمَجُوسِيِّ، وَالتَّضْحِيَةُ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ فِي الْمَعْنَى غَيْر الذَّبْحِ. ثُمَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ: بِرُجُوعِ الْوَاهِبِ لَا تَبْطُلُ التَّضْحِيَةُ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ فِي الْقَائِمِ دُونَ مَا يُلَاشَى مِنْهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الرُّجُوعَ يُنْهِي مِلْكَ الْمَوْهُوبِ لَهُ؛ فَإِنَّمَا انْعَدَمَ مِلْكِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَهُوَ فِي حَقِّ نَظِير مَا لَوْ هَلَكَ بَعْدَ الذَّبْحِ.
قَالَ: رَجُلٌ وَهَبَ لِرَجُلٍ دِرْهَمًا، فَقَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَجَعَلَهُ صَدَقَةً لِلَّهِ تَعَالَى: فَلِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ فِيهِ الصَّدَقَةَ بِنَذْرِهِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ أَقْوَى مِنْ وُجُوبِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ فِيهِ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ الزَّكَاةُ؛ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الرُّجُوعِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ قَبْضَ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ لَا يُتِمُّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالتَّقَرُّبِ فِيهِ، (وَكَذَلِكَ) لَوْ وَهَبَ لَهُ نَاقَةً، فَجَعَلَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ بَدَنَة، وَقَلَّدَهَا: فَلِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ. وَفَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ بَيْنَ هَذَا وَالْأَوَّلِ فَقَالَ: بِالتَّقْلِيدِ رَأَيْتُمْ، جَعَلَهَا لِلَّهِ - تَعَالَى - أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَلَّدَهَا عَنْ هَدْيٍ وَاجِبٍ، فَهَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَهَا: فَإِنَّهُ عَلَيْهِ أُخْرَى - بِخِلَافِ مَا بَعْدَ النَّحْرِ - وَإِنْ وَهَبَ لَهُ أَجْزَاعًا، فَكَسَرَهَا، وَجَعَلَهَا حَطَبًا: فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا؛ لِأَنَّ هَذَا نُقْصَانٌ فِي الْعَيْنِ - وَإِنْ كَانَ يَزِيدُ فِي الْمَالِيَّةِ، فَذَلِكَ بِزِيَادَةِ رَغَائِبِ النَّاسِ فِيهِ لَا لِمَعْنًى فِي الْعَيْنِ - فَلِهَذَا كَانَ
стр. 2581
لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا. (وَكَذَلِكَ) لَوْ وَهَبَ لَهُ لَبَنَهَا، فَجَعَلَهُ طِينًا: فَهَذَا نُقْصَانٌ، فَإِنْ أَعَادَهُ لَبَنًا لَمْ يَرْجِعْ فِيهَا؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّبَنَ حَادِثٌ بِفِعْلِهِ، أَوْ ضَرْبُ اللَّبَنِ مِنْ الطِّينِ زِيَادَةٌ فِي عَيْنِهِ، فَإِذَا كَانَ حَادِثًا فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ؛ مَنَعَ ذَلِكَ الْوَاهِبَ مِنْ الرُّجُوعِ، وَإِنْ وَهَبَ لَهُ نَجِيحًا فَجَعَلَهُ خَلًّا: لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَالِيَّةَ الْخَلِّ غَيْرُ مَالِيَّةِ النَّجِيحِ، وَهَذِهِ مَالِيَّةٌ حَدَثَتْ بِصَنْعَةٍ حَادِثَةٍ فِي الْعَيْنِ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ. وَإِنْ وَهَبَ لَهُ سَيْفًا فَجَعَلَهُ سَكَاكِينَ، أَوْ سِكِّينًا: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ السِّكِّينَ غَيْرُ السَّيْفِ.
(وَكَذَلِكَ) إنْ كَسَرَهُ، فَجَعَلَ مِنْهُ سَيْفًا آخَرَ؛ لِأَنَّ هَذَا الثَّانِي حَادِثٌ بِعِلْمِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْغَاصِبَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ ضَامِنًا قِيمَةَ السَّيْفِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَيَجْعَل مَا ضَرَبَهُ لَهُ. قَالَ: وَإِنْ وَهَبَ لَهُ دَارًا، فَبَنَاهَا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْبِنَاءِ، وَتَرَكَ بَعْضَهَا عَلَى حَالِهَا: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّ مَا زَادَ فِي الْبِنَاءِ فِي جَانِبٍ مِنْهَا يَكُونُ زِيَادَةً فِي جَمِيعِهَا، كَمَا فِي الْأَرْضِ إذَا بَنَى فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا.
قَالَ: وَإِنْ وَهَبَ لَهُ حَمَّامًا فَجَعَلَهُ مَسْكَنًا، أَوْ وَهَبَ لَهُ شَيْئًا فَجَعَلَهُ حَمَّامًا: فَإِنْ كَانَ الْبِنَاءُ عَلَى حَالِهِ - لَمْ يَزِدْ فِيهِ شَيْءٌ - فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِي الْمَنْفَعَةِ - دُونَ الْعَيْنِ - وَالْمَانِعُ مِنْ الرُّجُوعِ زِيَادَةٌ فِي الْعَيْنِ، وَإِنْ كَانَ زَادَ عَلَيْهِ بِنَاء، أَوْ غَلَّقَ عَلَيْهِ بَابًا، أَوْ جَصَّصَهُ، أَوْ أَصْلَحَهُ، أَوْ جَعَلَهُ بِصَارُوجٍ، أَوْ طِنْيَةٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ زِيَادَةٌ فِي عَيْنِهَا.
قَالَ: مَرِيضٌ وَهَبَ لِصَحِيحٍ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ، فَعَوَّضَهُ الصَّحِيح مِنْهُ عِوَضًا، وَقَبَضَهُ الْمَرِيضُ، ثُمَّ مَاتَ، وَالْعِوَضُ عِنْدَهُ: فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ مِثْلَ ثُلُثَيْ قِيمَةِ الْعَبْدِ، أَوْ أَكْثَرَ؛ فَالْهِبَةُ مَاضِيَةٌ، لِأَنَّ الْعِوَضَ الْمَقْبُوضَ بِمَنْزِلَةِ الْمَشْرُوطِ، أَوْ أَقْوَى، وَالثُّلُثُ مِنْهُ كَانَ مِنْ خَالِصِ حَقِّهِ، وَالثُّلُثَانِ حَقُّ الْوَرَثَةِ، فَإِذَا كَانَ الْعِوَضُ مِثْلَ ثُلُثَيْ قِيمَةِ الْعَبْدِ، عَرَفْنَا أَنَّهُ لَمْ يَبْطُلْ شَيْئًا مِنْ حَقِّ الْوَرَثَةِ، بِتَصَرُّفِهِ، وَإِنَّمَا تَصَرَّفَ فِيمَا هُوَ خَالِص حَقِّهِ، فَكَانَتْ الْهِبَةُ مَاضِيَةً، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ قِيمَة الْعِوَضِ نِصْفَ قِيمَةِ الْهِبَةِ، يَرْجِعُ وَرَثَةُ الْوَاهِبِ فِي سُدُسِ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي ثُلُثَيْ الْعَبْدِ، وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِمْ مِنْ الْعِوَضِ بِقَدْرِ مَالِيَّةِ نِصْفِ الْعَبْدِ، فَإِنَّمَا تَبَقَّى لِإِتْمَامِ حَقِّهِمْ سُدُسُ الْعَبْدِ؛ فَلِهَذَا يَرْجِعُ الْوَارِثُ بِسُدُسِ الْهِبَةِ، وَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ شَرْطًا فِي أَصْلِ الْهِبَةِ، فَإِنْ شَاءَ الْمَوْهُوبُ لَهُ رَدَّ الْهِبَةَ كُلَّهَا وَأَخَذَ الْعِوَضَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ سُدُسَ الْهِبَةِ وَأَمْسَكَ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِسُقُوطِ حَقِّهِ عَنْ عِوَضِهِ إلَّا بِأَنْ يُسَلِّمَ لَهُ جَمِيعَ الْمَوْهُوبِ، وَلَمْ يُسَلِّم؛ وَلِأَنَّ التَّبْعِيضَ فِي الْمِلْكِ الْمُجْتَمِعِ عَيْبٌ، فَاسْتِحْقَاقُ جُزْءٍ مِنْ الْعَبْدِ - وَإِنْ قَلَّ - بِتَعَيُّبِ مَا بَقِيَ مِنْهُ، وَحَقُّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ثَابِتٌ بَعْدَ التَّقَابُضِ إذَا كَانَ الْعِوَضُ مَشْرُوطًا؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ تَصِيرُ بَيْعًا بِالْقِيَاسِ؛ فَلِهَذَا ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ
стр. 2582
فِي رَدِّ مَا بَقِيَ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْعِوَضُ مَشْرُوطًا فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ مُعَاوَضَةً بِالتَّقَابُضِ فِي حُكْمِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، فَيَرُدّ سُدُس الْهِبَةِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ الْعِوَضَ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَى سَبِيلِ الْهِبَةِ، وَقَدْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ، فَلَا رُجُوعَ لَهُ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ هِبَةِ الْمَرِيضِ]
(قَالَ: وَلَا يَجُوزُ هِبَةُ الْمَرِيضِ، وَلَا صَدَقَتُهُ إلَّا مَقْبُوضَةً فَإِذَا قُبِضَتْ: جَازَتْ)، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: تَجُوزُ غَيْرَ مَقْبُوضَةٍ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ فَالْوَصِيَّةُ تَتَأَكَّدُ بِالْمَوْتِ - قُبِضَتْ أَوْ لَمْ تُقْبَضْ - وَلَا تَبْطُلُ بِهِ، فَكَذَلِكَ الْهِبَةُ فِي الْمَرَضِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَرَضَ سَبَبُ الْمَوْتِ، وَجَعَلَ مَا يُبَاشِرُهُ الْمَرِيضُ فِي الْحُكْمِ كَالثَّابِتِ بَعْدَ مَوْتِهِ، حَتَّى لَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا، وَرِثَتْهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِالْمَوْتِ، فَهَذَا مِثْلُهُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْمَعْنَى الَّذِي لَهُ وَلِأَجْلِهِ لَا تَتِمُّ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ مِنْ الصَّحِيحِ إلَّا بِالْقَبْضِ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ، وَهُوَ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِعَقْدِ تَبَرُّعٍ؛ فَيَكُونُ ضَعِيفًا فِي نَفْسِهِ لَا يُفِيدُ حُكْمُهُ، حَتَّى يَنْضَمَّ إلَيْهِ مَا يُؤَيِّدُهُ، وَهَذَا فِي حَقِّ الْمَرِيضِ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ أَضْعَفُ مِنْ تَصَرُّفِ الصَّحِيحِ. وَاعْتِبَارُهُ مِنْ الثُّلُثِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْحَالِ - كَكَفَالَتِهِ، فَإِعْتَاقَهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا خِلَافَةٌ - ثُمَّ الْمِلْكُ مِنْ ثَمَرَاتِهَا، وَالْخِلَافَةُ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهَذَا عَقْدُ تَمْلِيكٍ، لَا يَحْتَمِلُ الْإِضَافَةَ، فَإِذَا لَمْ يُتَّفَقْ قَبْلَ الْمَوْتِ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ، كَالْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ، إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْإِجَازَةُ حَتَّى مَاتَ أَحَدُهُمَا. وَلَا يَقُولُ: الطَّلَاقُ يَصِيرُ كَالْمُضَافِ، وَلَكِنْ تُقَامُ الْعِدَّةُ عِنْدَ الْمَوْتِ مَقَامَ حَقِيقَةِ النِّكَاحِ أَنَّهَا لِحَقِّهَا فِي مَالِهِ بَعْدَ تَعَلُّقِهِ، وَلِهَذَا اعْتَبَرْنَا هِبَتَهُ مِنْ الثُّلُثِ هُنَا، وَأَنَّ حَقَّ الْوَارِثِ تَعَلَّقَ بِثُلُثَيْ مَالِهِ بِمَرَضِهِ، فَلِإِبْقَاءِ حَقِّهِمْ جَعَلْنَا هِبَتَهُ مِنْ الثُّلُثِ.
قَالَ فَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ دَارًا فَقَبَضَهَا، ثُمَّ مَاتَ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرَهَا: جَازَتْ الْهِبَةُ فِي ثُلُثِهَا وَرَدَّ الثُّلُثَيْنِ إلَى الْوَرَثَةِ. (وَكَذَلِكَ) سَائِرُ مَا يُقْسَمُ وَمَا لَا يُقْسَمُ، إلَّا فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ فَلَا إشْكَال، وَأَمَّا فِيمَا يُقْسَمُ؛ فَلِأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ مَلَكَ الْكُلّ بِالْقَبْضِ، ثُمَّ بَطَلَ مِلْكُهُ فِي الثُّلُثَيْنِ بَعْدَ مَوْتِهِ إذَا لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ فَكَانَ هَذَا شُيُوعًا طَارِيًا فِيمَا بَقِيَ، بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الدَّارِ؛ فَإِنَّهُ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمُسْتَحَقّ بِالْقَبْضِ، وَقَدْ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ مِنْ الْأَصْلِ، فَلَوْ جَازَ فِي الْبَاقِي: كَانَ شَائِعًا فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ؛ وَذَلِكَ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْمِلْكِ بِالْهِبَةِ.
قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ جَارِيَةً، فَكَاتِبُهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ، ثُمَّ مَاتَ الْمَرِيضُ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرَهَا، فَعَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ ثُلُثًا قِيمَتِهَا لِلْوَرَثَةِ، وَلَا تُرَدُّ الْكِتَابَةُ؛ لِأَنَّ
стр. 2583
الْكِتَابَةَ مِنْهُ صَحِيحَةٌ لَازِمَةٌ، لِكَوْنِهِ مَالِكًا لَهَا حِينَ كَانَتْ، فَمَا دَامَتْ بَاقِيَةً لَا تَحْتَمِلُ النَّقْلَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ؛ وَلِأَنَّ فِي رَدِّ ثُلُثِهَا عَلَى الْوَرَثَةِ إبْطَالُ الْحَقِّ الثَّابِتِ لَهَا فِي نَفْسِهَا وَكَسْبِهَا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّ عَيْنِهَا بِسَبَبٍ بَاشَرَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ كَانَ ضَامِنًا لِلْوَرَثَةِ قِيمَةَ حِصَّتِهِمْ مِنْهَا، كَمَا لَوْ كَانَ أَعْتَقَهَا أَوْ دَبَرَهَا، فَإِنْ قَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ بِثُلُثَيْ قِيمَتِهَا، ثُمَّ عَجَزَتْ الْمُكَاتَبَةُ لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ عَلَيْهَا سَبِيلٌ؛ لِأَنَّ الْقَاضِي قَضَى بِالْقِيمَةِ، وَالسَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلْقَضَاءِ بِهِ - وَهُوَ الْعَجْزُ عَنْ رَدِّ الْعَيْنِ - يَتَحَقَّقُ فَانْتَقَلَ حَقُّهُمْ إلَى الْقِيمَةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُ فِي الْعَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَوَالِ الْعَجْزِ - كَالْمَغْصُوبِ إذَا عَادَ مِنْ إبَاقِهِ بَعْدَ مَا قَضَى الْقَاضِي بِقِيمَتِهِ عَلَى الْغَاصِبِ - وَإِذَا عَجَزَتْ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَخَذُوا ثُلُثَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ زَوَالٌ قَبْلَ انْتِقَالِ حَقِّهِمْ مِنْ عَيْنِهَا إلَى مَحِلٍّ آخَرَ، فَهُوَ كَالْمَغْصُوبِ إذَا عَادَ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِالْقِيمَةِ.
(وَكَذَلِكَ) إنْ كَاتَبَهَا بَعْدَ مَوْتِ الْمَرِيضِ (فَالْجَوَابُ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ مَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِثُلُثَيْهَا لِلْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْهُوبِ لَهُ بَانَ بِبَقَاءِ قَبْضِهِ، وَإِذَا فَسَدَ السَّبَبُ مَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالرَّدِّ، فَإِنْ قَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ عَادَ الْمِلْكُ لَهُ فِي ثُلُثَيْهَا إلَى الْوَرَثَةِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَإِنْ أَعْتَقَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ عِتْقِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ الْجَارِيَة الْمُشْتَرَكَة، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ.
قَالَ: مَرِيضٌ وَهَبَ لِمَرِيضٍ عَبْدًا وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ فَأَعْتَقَهُ، وَلَيْسَ لِوَاحِدِ مِنْهُمَا مَال غَيْره، ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ، ثُمَّ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ، قَالَ: يَسْعَى الْعَبْدُ فِي ثُلُثِي قِيمَتِهِ لِوَرَثَةِ الْوَاهِبِ؛ لِأَنَّ عِتْقَ الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ، فَيَتَأَخَّرُ عَنْ الدَّيْنِ، وَثُلُثًا قِيمَتِهِ دَيْنٌ لِوَرَثَةِ الْوَاهِبِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ؛ فَإِنَّهُ أَتْلَفَ عَلَيْهِمْ حَقَّهُمْ فِي ثُلُثَيْ الْعَبْدِ بِالْإِعْتَاقِ، فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَسْعَى فِي ذَلِكَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مَالُ الْمَوْهُوبِ لَهُ ثُلُث رَقَبَتِهِ فَسَلَّمَ لَهُ بِطَرِيقِ الْوَصِيَّةِ ثُلُث هَذَا الثُّلُثِ، وَيَسْعَى فِي ثُلُثَيْ هَذَا الثُّلُثِ لِوَرَثَةِ الْمَوْهُوب لَهُ، وَكَانَ جَمِيعُ مَا عَلَيْهِ السِّعَايَةُ فِي ثَمَانِيَةِ أَتْسَاعٍ قِيمَتُهُ، وَإِنَّمَا يُسَلِّمُ لَهُ التُّسْع، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ دَيْن أَلْف دِرْهَمٍ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفُ دِرْهَمٍ سَعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَتِهِ يَضْرِبُ فِيهَا غَيْرَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ بِدَيْنِهِمْ، وَوَرَثَةُ الْوَاهِبِ بِثُلُثَيْ قِيمَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ دَيْنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ مُحِيطٌ بِتَرِكَتِهِ، فَعَلَى الْعَبْدِ السِّعَايَةُ فِي جَمِيعِ الْقِيمَةِ؛ لِرَدِّ الْوَصِيَّةِ، ثُمَّ هَذِهِ الْقِيمَةُ تَرِكَةُ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَيَضْرِبُ فِيهَا غُرَمَاؤُهُ بِدُيُونِهِمْ، وَدَيْنُ وَرَثَةِ الْوَاهِبِ عَلَيْهِ ثُلُثًا قِيمَتِهِ، وَدَيْنُ الْغَرِيمِ الْآخَرِ أَلْفٌ، فَتُقْسَمُ التَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا بِالْحِصَّةِ.
قَالَ: مَرِيضٌ وَهَبَ لِمَرِيضٍ عَبْدًا وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ، وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ قَتَلَ الْوَاهِبَ فِي مَرَضِهِ: فَالْهِبَةُ مَرْدُودَةٌ إلَى وَارِثِهِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ فِي الْمَرَضِ فِي حُكْمِ التَّنْفِيذِ مُعْتَبَرٌ بِالْوَصِيَّةِ؛ وَلِهَذَا يَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ الدَّيْنِ،
стр. 2584
وَلَا وَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ عِنْدَ عَدَمِ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَكَذَلِكَ الْهِبَةُ فِي الْمَرَضِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ بُطْلَانَ الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ لِدَفْعِ الْمُعَاضَلَةِ عَنْ الْوَرَثَةِ حَتَّى لَا يُزَاحِمَهُمْ قَاتِلُ أَبِيهِمْ فِي مَالِ أَبِيهِمْ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِيمَا وَهَبَهُ فِي مَرَضِهِ.
قَالَ: رَجُلٌ وَهَبَ لِرَجُلٍ عَبْدًا فِي مَرَضِهِ، وَقِيمَتُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ، ثُمَّ إنَّ الْعَبْدَ قَتَلَ الْوَاهِبَ يُقَالُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ: ادْفَعْهُ، أَوْ افْدِهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ مَلَكَ الْعَبْدَ بِالْقَبْضِ؛ فَإِنَّمَا جَنَى عَلَى الْوَاهِبِ مِلْكُهُ، وَفِي جِنَايَةِ الْمَمْلُوكِ خَطَأٌ عَلَى غَيْرِ الْمَالِكِ يُخَاطَبُ الْمَالِكُ بِالدَّفْعِ، أَوْ الْفِدَاءِ - كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى إنْسَانٍ آخَرَ - وَدَلِيلُ تَمَامِ مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ جَارِيَةً حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ فَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فِدَاؤُهُ بِعَشَرَةِ آلَافٍ؛ لِأَنَّ الْفِدَاءَ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَهُوَ دِيَةُ النَّفْسِ، ثُمَّ بَدَّلَ نَفْس الْوَاهِبِ بِمَنْزِلَةِ مَالٍ خَلْفَهُ حَتَّى يَقْضِيَ مِنْهُ دُيُونَهُ، وَتَنْفُذُ وَصَايَاهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَالَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ إحْدَى عَشَرَ أَلْفًا، وَأَنَّ الْعَبْدَ خَارِجٌ مِنْ ثُلُثِهِ وَزِيَادَةٌ، فَكَانَتْ الْهِبَةُ صَحِيحَةً فِي جَمِيعِهِ، وَإِنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ دَفَعَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى يَتَخَلَّصُ عَنْ عُهْدَةِ الْجِنَايَةِ بِدَفْعِ الْجَانِي، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ الدَّفْعِ هُنَا، وَإِنَّمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الدُّورِ فَقَالَ يَدْفَعُ نِصْفَهُ إلَيْهِمْ عَلَى وَجْهِ رَدِّ الْهِبَةِ وَنِصْفَهُ عَلَى وَجْهِ الدَّفْعِ لِلْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَجُوزُ فِي نِصْفِ الْعَبْدِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَوَازُ الْهِبَةِ فِي ثُلُثِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لِلْوَاهِبِ سِوَاهُ، وَلَكِنْ لِضَرُورَةِ الدُّورِ جَوَّزَ الْهِبَةَ فِي نِصْفِ الْعَبْدِ
وَبَيَانُ ذَلِكَ: إنَّمَا يُجْعَلُ الْعَبْدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ، وَتَجُوزُ الْهِبَةُ فِي سَهْمٍ، وَتَبْطُلُ فِي سَهْمَيْنِ، ثُمَّ يَدْفَعُ الْمَوْهُوبُ لَهُ هَذَا السَّهْمَ بِالْجِنَايَةِ فَيَزْدَادُ مَالُ الْوَاهِبِ، وَيَجِبُ بِحِسَابِهِ الزِّيَادَة فِي تَنْفِيذِ الْهِبَةِ، وَإِذَا زِدْنَا فِي تَنْفِيذِ الْهِبَةِ يَزْدَادُ مَالُهُ بِالدَّفْعِ بِالْجِنَايَةِ أَيْضًا، فَلَا يَزَالُ يَدُورُ هَكَذَا، وَسَهْمُ الدُّورِ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّهُ شَاعَ بِالْفَسَادِ، فَالسَّبِيلُ يُقَيَّدُ، وَإِنَّمَا يُطْرَحُ هَذَا السَّهْمُ مِنْ قِبَلِ مَنْ خَرَّجَ الدُّورَ مِنْ جِهَتِهِمْ، وَإِنَّمَا الدُّورُ هُنَاكَ بِزِيَادَةٍ ظَهَرَتْ فِي نَصِيبِ الْوَرَثَةِ، فَالسَّبِيلُ أَنْ تُطْرَحَ مِنْ أَصْلِ حَقِّهِمْ بَيْنَهُمَا، وَحَقُّ الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي سَهْمٍ وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ الْعَبْدَ يَكُونُ فِي الْأَصْلِ عَلَى سَهْمَيْنِ تَنْفُذُ الْهِبَةُ فِي أَحَدِهِمَا، وَهُوَ النِّصْفُ، ثُمَّ يَدْفَعُ الْمَوْهُوبُ لَهُ ذَلِكَ السَّهْمَ بِالْجِنَايَةِ فَسَلَّمَ لِلْوَرَثَةِ سَهْمَانِ، وَقَدْ نَفَذَ بِالْوَصِيَّةِ فِي سَهْمٍ فَاسْتَقَامَ الثُّلُثُ، وَالثُّلُثَانِ وَالْعَبْدُ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فِي الصُّورَةِ، فَفِي الْحُكْمِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ وَنِصْفٍ، فَكَانَ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فِي نِصْفِ الْعَبْدِ، وَلَمَّا بَطَلَتْ الْهِبَةُ فِي النِّصْفِ بِالرَّدِّ سَقَطَ حُكْمُ الْجِنَايَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ الْمَمْلُوكِ عَلَى مَالِكِهِ خَطَأٌ وَاعْتُبِرَ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ، وَقَدْ دَفَعَهُ الْمَالِكُ بِالْجِنَايَةِ؛ فَلِهَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَاهُ.
قَالَ: وَإِذَا رَجَعَ الْوَاهِبُ فِي هِبَتِهِ، وَالْمَوْهُوبُ لَهُ مَرِيضٌ، وَقَدْ كَانَتْ الْهِبَةُ فِي الصِّحَّةِ فَإِنْ كَانَ بِقَضَاءِ قَاضٍ
стр. 2585
فَالرُّجُوعُ فِيهِ صَحِيحٌ، وَلَا سَبِيلَ لِغُرَمَاءِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَوَرَثَتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى الْوَاهِبِ؛ لِأَنَّ الْوَاهِبَ يَسْتَحِقُّهُ بِحَقٍّ سَابِقٍ لَهُ عَلَى حَقِّهِمْ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ قَضَاءِ قَاضٍ، كَانَ رَدُّ الْمَرِيضِ لَهَا حِينَ طَلَبَ الْوَاهِبُ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ هِبَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ الْمَرِيضِ؛ فَيَكُونُ مِنْ الثُّلُثِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ: أَبْطَلَ ذَلِكَ الرُّجُوعَ، وَرُدَّتْ الْهِبَةُ إلَى تَرِكَةِ الْمَيِّتِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ، وَالْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ. وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ بِالرَّدِّ بِاخْتِيَارِهِ، وَرِضَاهُ قَصَدَ إبْطَال حَقِّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ عَنْهُ بَعْدَ تَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهِ، يُوَضِّحُهُ: أَنَّ حَقَّ الْوَاهِبِ فِي الرُّجُوعِ ضَعِيفٌ حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْمَوْهُوبُ لَهُ مِنْ إسْقَاطِهِ بِتَصَرُّفِهِ فَإِذَا اتَّصَلَ قَضَاءُ الْقَاضِي بِهِ يَقْوَى فَيَقْدَمُ عَلَى حَقِّ غُرَمَاءِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَوَرَثَته؛ لِقُوَّتِهِ، وَإِذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْقَضَاءُ يُقَدِّم حَقّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ عَلَى حَقّه؛ لِقُوَّةِ حَقِّهِمْ، وَضَعْفِ حَقِّ الْوَاهِبِ.
قَالَ: مَرِيضٌ لَهُ عَبْدٌ يُسَاوِي خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَهَبَهُ لِرَجُلٍ، وَقَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ، ثُمَّ إنَّ الْعَبْدَ قَتَلَ الْمَرِيضَ خَطَأً؛ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ: ادْفَعْهُ، أَوْ افْدِهِ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ مَالِكٌ لِلْعَبْدِ حِينَ جَنَى فَإِنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ فَقَدْ بَيَّنَّا التَّخْرِيجَ، وَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَدَاهُ بِالدِّيَةِ، وَسَلَّمَ لَهُ الْعَبْدَ كُلَّهُ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ بَدَلَ نَفْسِ الْوَاهِبِ بِمَنْزِلَةِ مَالٍ خَلَّفَهُ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ مَالَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَقِيمَة الْعَبْدِ خَمْسَةُ آلَافٍ، فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ ثُلُثِهِ؛ فَلِهَذَا تَنْفُذُ الْهِبَةُ فِي جَمِيعِهِ، وَإِذَا ظَهَرَ نُفُوذُ الْهِبَةِ فِي جَمِيعِ الْعَبْدِ ظَهَرَ أَنَّ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ دِيَة كَامِلَة لِلْوَرَثَةِ بِاخْتِيَارِهِ فَإِنْ كَانَ يُسَاوِي سِتَّةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَاخْتَارَ الْفِدَاءَ؛ فَإِنَّهُ يَرُدُّ عَلَى وَرَثَةِ الْوَاهِبِ رُبْعَهُ، وَيُفْدِي مَا بَقِيَ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ. وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الدُّورِ طَرِيقًا فِي تَخَرُّجِ هَذَا الْجِنْسِ مِنْ الْمَسَائِلِ - هُوَ أَسْهَلَ الطُّرُقِ - قَالَ: وَلَوْ كَانَ لِلْوَاهِبِ سِوَى أَلْفَيْ دِرْهَمٍ كَانَتْ الْهِبَةُ صَحِيحَةً فِي جَمِيعِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ اخْتِيَارَ الْفِدَاءِ يُؤَدِّي الدِّيَةَ عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَيُسَلِّمُ ذَلِكَ لِلْوَرَثَةِ مَعَ الْأَلْفَيْنِ، فَيَكُونُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَقَدْ نَفَذَ بِالْهِبَةِ فِي الْعَبْدِ، وَهُوَ يُسَاوِي سِتَّةَ آلَافِ، فَيُسَلِّمُ لِلْوَرَثَةِ ضِعْف مَا نَفَّذْنَا فِيهِ الْهِبَةَ، فَإِذَا عَدِمْنَا الْأَلْفَيْنِ تَعَذَّرَ عَلَيْنَا تَنْفِيذُ الْهِبَةِ فِي جَمِيعِ الْعَبْدِ، فَالسَّبِيلُ أَنْ يَضُمّ مَا عَدِمْنَا - وَهُوَ الْأَلْفَانِ - إلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ - وَهُوَ سِتَّةُ آلَافٍ - ثُمَّ يَبْطُلُ مِنْ الْهِبَةِ بِقَدْرِ مَا عَدِمْنَا، وَتَجُوزُ بِقَدْرِ الْمَوْجُودِ، وَاَلَّذِي عَدِمْنَا مِنْ الْجُمْلَةِ مِقْدَارُ الرُّبْعِ، فَتَبْطُلُ الْهِبَةُ فِي رُبْعِ الْعَبْد، وَيَجُوزُ هُنَا، وَقِيمَةُ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَخَمْسُمِائَةٍ، ثُمَّ يُفْدَى ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ؛ وَذَلِكَ سَبْعَةُ آلَافٍ، وَخَمْسُمِائَةٍ فَيُسَلِّمُ ذَلِكَ لِلْوَرَثَةِ مَعَ رُبْعِ الْعَبْدِ - وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ - وَجُمْلَةُ ذَلِكَ تِسْعَةُ آلَافٍ، وَقَدْ نَفَّذْنَا الْهِبَةَ فِي نِصْفِ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ
стр. 2586
آلَافٍ وَخَمْسَمِائَةٍ فَيَسْتَقِيمُ الثُّلُثُ، وَالثُّلُثَانِ، فَهَذَا طَرِيقٌ ظَاهِرٌ مِنْ غَيْرِ دُورٍ.
فَأَمَّا بَيَانُ طَرِيقِ الدُّورِ: أَنَّ الْعَبْدَ فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي سَهْمٍ مِنْهُ، ثُمَّ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يَفْدِي السَّهْمَ بِمِثْلِهِ وَمِثْل ثُلُثَيْهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ كُلَّ سَهْمٍ مِنْ الْعَبْدِ يُقَابِلُهُ مِنْ الدِّيَةِ مِثْلَهُ، وَمِثْلَ ثُلُثَيْهِ، فَإِذَا فَدَاهُ بِسَهْمٍ وَثُلُثَيْنِ ازْدَادَ مَالُ الْوَرَثَةِ، وَجَاءَ الدُّورُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَا، فَالسَّبِيلُ أَنْ يَطْرَحَ مِنْ أَصْلِ حَقِّ الْوَرَثَةِ مِقْدَارَ الزِّيَادَةِ، وَهُوَ سَهْمٌ، وَثُلُثَا سَهْمٍ، وَقَدْ كَانَ حَقُّهُمْ فِي سَهْمَيْنِ فَإِذَا طَرَحْنَا سَهْمًا، وَثُلُثَيْ سَهْمٍ بَقِيَ حَقُّهُمْ فِي ثُلُثِ سَهْمٍ وَحَقُّ الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي سَهْمٍ، فَيَكُونُ الْعَبْدُ عَلَى سَهْمٍ، وَثُلُثٍ انْكَسَرَ بِالْإِثْلَاثِ فَأَصْرِفهُ فِي ثُلُثِهِ، وَسَهْم وَثُلُث فِي ثُلُثِهِ يَكُونُ أَرْبَعَةً فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْعَبْدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ، وَأَنَّ الْهِبَةَ تَنْفُذُ فِي ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ فَيُقَدَّرُ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ، ثُمَّ التَّخْرِيجُ إلَى آخِرِهِ كَمَا بَيَّنَّا، وَتَخْرُجُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى طَرِيقِ الْحِسَابِ مِنْ الْجَبْرِ، وَالْمُقَابِلَةِ، وَغَيْرِهَا. وَلَكِنْ يُؤَخَّرُ بَيَانُ ذَلِكَ إلَى كِتَابِ الدُّورِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَأَخَوَاتُهَا تَعُودُ هُنَاكَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
قَالَ: وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي حُكْمِ الْهِبَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوا أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ بِالْخَمْرِ عَنْ الْهِبَةِ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ، وَالذِّمِّيِّ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلِمُ هُوَ الْمُعَوِّضُ لِلْخَمْرِ أَوْ الذِّمِّيّ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَمْلِيكِهِ، وَتَمَلُّكِهَا، فَهِيَ فِي حَقِّهِ - كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ - لَا تَصْلُحُ عِوَضًا. قَالَ: وَإِنْ صَارَتْ الْخَمْرُ خَلًّا فِي يَدِ الْقَابِضِ لَمْ تَصِرْ مُعَوَّضًا، وَيَرُدُّهُ إلَى صَاحِبِهَا؛ لِأَنَّ تَمْلِيكَهَا عَلَى وَجْهِ التَّعْوِيضِ بَاطِلٌ، فَتَثْبُتُ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا فَإِذَا تَخَلَّلَتْ كَانَ الْخَلُّ مَمْلُوكًا لَهُ مَرْدُودًا عَلَيْهِ، وَأَصْلُ التَّعْوِيضِ لَمَّا بَطَلَ لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بِالتَّخَلُّلِ، كَمَا لَوْ بَاعَ خَمْرًا مِنْ إنْسَانٍ فَتَخَلَّلَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي. وَتَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ بِالْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ فِيمَا بَيْنَ الذِّمِّيِّينَ، كَمَا يَجُوزُ - ابْتِدَاءً - الْمُبَايَعَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِمْ، وَلَا يَجُوزُ بِالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَالٍ فِي حَقِّهِمْ، كَمَا فِي حَقِّنَا. وَصِحَّةُ التَّعْوِيضِ تَخْتَصُّ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ.
قَالَ: مُسْلِمٌ وَهَبَ لِمُرْتَدٍّ هِبَةً فَعَوَّضَهُ مِنْهَا الْمُرْتَدُّ، ثُمَّ قُتِلَ، أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ: جَازَتْ الْهِبَةُ، وَلَمْ يَجُزْ تَعْوِيضُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ التَّعْوِيضَ تَصَرُّفٌ مِنْ الْمُرْتَدِّ فِي مَالِهِ، وَمِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُرْتَدِّ فِي مَالِهِ يَبْطُلُ إذَا قُتِلَ أَوْ مَاتَ، أَوْ أُلْحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَأَمَّا هِبَةُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُرْتَدِّ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ قَبُولَ الْهِبَةِ مِنْ الْمُرْتَدِّ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِي مَالِهِ، وَالْحَجْرُ بِسَبَبِ الرِّدَّةِ لَا يَكُونُ فَوْقَ الْحَجْرِ بِسَبَبِ الرِّقِّ؛ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الْهِبَةِ، فَهَذَا أَوْلَى، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْوَاهِبِ حَقُّ الرُّجُوعِ فِي حَالِ حَيَاةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَقَدْ مَاتَ حَقِيقَةً، أَوْ حُكْمًا - بِلَحَاقِهِ بِدَارٍ الْحَرْبِ - فَكَانَتْ الْهِبَةُ جَائِزَةً، وَقَدْ
стр. 2587
بَطَلَ التَّعْوِيضُ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعْوِيضُهُ صَحِيحٌ كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ إلَّا أَنَّ عِنْد أَبِي يُوسُفَ يَكُونُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ مِنْ ثُلُثِهِ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ فَإِنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ هُوَ الْوَاهِبُ، وَقَدْ عَوَّضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ مِنْ هِبَتِهِ، ثُمَّ قُتِلَ، أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ فَإِنَّهُ يَرُدُّ هِبَتَهُ إلَى وَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَصَرُّفًا مِنْهُ فِي مَالِهِ، وَإِذَا كَانَ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ بَيْعًا يَبْطُل عِنْدَهُ إذَا مَاتَ فَتَصَرُّفه هِبَةٌ أَوْلَى، فَتُرَدُّ هِبَتُهُ إلَى وَرَثَتِهِ، وَيُرَدُّ عِوَضُهُ إلَى صَاحِبِهِ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ اسْتَهْلَكَهُ كَانَ ذَلِكَ دَيْنًا فِي مَالِ الْمُرْتَدِّ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى وَجْهِ الْعِوَضِ، وَلَمْ يُسَلِّمْ الْمَوْهُوب لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، فَلَا يُسَلِّمُ الْعِوَضُ لَهُ أَيْضًا، وَلَكِنْ إنْ كَانَ قَائِمًا رَدَّهُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا فَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلرَّدِّ، فَتَجِبُ قِيمَتُهُ دَيْنًا فِي مَالِهِ - سَوَاءٌ كَانَ الْآخَرُ عَلِمَ بِارْتِدَادِهِ، أَوْ لَمْ يُعْلَمْ -؛ لِأَنَّ حُكْمَ تَصَرُّفِ الْمُرْتَدِّ لَا يَخْتَلِفُ بِعِلْمِ مَنْ عَامَلَهُ بِرِدَّتِهِ، وَجَهِلَهُ؛ فَإِنَّ التَّوَقُّفَ لَحِقَ الْوَرَثَة، وَحَقُّهُمْ ثَابِتٌ فِي الْحَالَيْنِ.
قَالَ: وَإِذَا وَهَبَ الْمُرْتَدُّ لِلنَّصْرَانِيِّ هِبَةً، أَوْ النَّصْرَانِيُّ لِلْمُرْتَدِّ عَلَى أَنَّ عَوَّضَهُ عَنْهَا خَمْرًا: فَذَلِكَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ فِي حُكْمِ التَّصَرُّفِ فِي الْخَمْرِ كَالْمُسْلِمِ؛ فَإِنَّهُ مُجْبَرٌ عَلَى الْعَوْدِ إلَى الْإِسْلَامِ غَيْر مُقِرٍّ عَلَى مَا اعْتَقَدَهُ فَيَبْطُلُ تَصَرُّفُهُ فِي الْخَمْرِ تَعْوِيضًا عَنْ الْهِبَةِ كَمَا يَبْطُلُ مِنْ الْمُسْلِمِ.
قَالَ: وَإِذَا وَهَبَ الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَن هِبَةً لِمُسْلِمٍ أَوْ وَهَبَهَا لَهُ مُسْلِمٌ فَقَبَضَهَا، ثُمَّ رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ عَادَ مُسْتَأْمَنًا: فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ؛ لِبَقَاءِ الْمِلْكِ الْمُسْتَفَادِ بِالْهِبَةِ، وَبَقَاء الْعَيْنِ عَلَى حَالِهِ؛ فَإِنَّ الْمُسْتَأْمَنَ، وَإِنْ كَانَ فِي دَارِنَا صُورَةً فَهُوَ فِي أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ حُكْمًا، فَلَا يَتَبَدَّلُ مِلْكُهُ بِالرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنْ سُبِيَ وَأُخِذَتْ الْهِبَةُ مِنْهُ: لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا؛ لِزَوَالِ الْمِلْكِ الْمُسْتَفَادِ بِالْهِبَةِ؛ فَإِنَّ نَفْسَهُ بِالسَّبْيِ قَدْ تَبَدَّلَتْ، وَخَرَجَ هُوَ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ، وَالْمَوْهُوبُ صَارَ مِلْكًا لِلسَّابِي - بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَمْوَالِهِ - إذَا أَخَذَهُ مَعَهُ، فَلَا سَبِيلَ لِلْوَاهِبِ عَلَيْهِ، وَإِنْ حَضَرَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِ مَا بَقِيَ، وَوَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، وَهَذَا مَالٌ أَزَالَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِاخْتِيَارِهِ، فَلَا يَأْخُذهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَإِنْ حَضَرَ قَبِلَ الْقِسْمَةِ.
قَالَ: وَإِنْ وَقَعَ الْحَرْبِيُّ فِي سَهْمِ رَجُلٍ فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ، وَصَلَتْ تِلْكَ الْهِبَةُ إلَيْهِ - بِشِرَاءٍ، أَوْ غَيْرِهِ - لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا؛ لِأَنَّ هَذَا مِلْكٌ حَادِثٌ لَهُ، وَحَقُّ الْوَاهِبِ كَانَ فِي الْمِلْكِ الْمُسْتَفَادِ بِالْهِبَةِ، فَلَا يَثْبُتُ فِي مِلْكٍ حَدَثَ بِسَبَبِ آخَرَ، وَصَارَ اخْتِلَافُ سَبَبِ الْمِلْكِ كَاخْتِلَافِ الْعَيْنِ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ هُوَ الْوَاهِبُ فَسُبِيَ وَوَقَعَ فِي سَهْمِ رَجُلٍ: لَمْ يَكُنْ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ؛ لِأَنَّ نَفْسَهُ تَبَدَّلَتْ بِالرِّقِّ؛ وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ؛ فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ حَيَاةٌ، وَالرِّقّ تَلَفٌ، وَبِمَوْتِ الْوَاهِبِ يَبْطُلُ الْحَقُّ
стр. 2588
فِي الرُّجُوعِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ كَانَ مُعِيدًا لِلْعَيْنِ إلَى مِلْكِ مَوْلَاهُ لَا إلَى مِلْكِ نَفْسِهِ، وَبِالْهِبَةِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِلْكِ مَوْلَاهُ، وَكَذَلِكَ إنْ أُعْتِق لَا يَسْتَطِيعُ الرُّجُوعَ فِيهَا؛ لِأَنَّ حَقَّ الرُّجُوعِ قَدْ بَطَلَ - بِتَبَدُّلِ نَفْسِهِ كَمَا قُلْنَا - وَالسَّاقِطُ مِنْ الْحَقِّ يَكُونُ مُتَلَاشِيًا لَا يُتَصَوَّرُ عَوْدُهُ.
قَالَ: حَرْبِيٌّ وَهَبَ لِحَرْبِيٍّ هِبَةً، ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ، أَوْ أَسْلَمَا جَمِيعًا، وَخَرَجَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ: فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ لِبَقَاءِ الْمِلْكِ الْمُسْتَفَادِ بِالْهِبَةِ؛ فَإِنَّ بِالْإِسْلَامِ يَتَأَكَّدُ الْمِلْكُ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ وَلَا يَتَبَدَّلُ، وَكَذَلِكَ الْعَيْنُ عَلَى حَالِهِ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَإِنْ كَانَ عَوَّضَهُ مِنْ هِبَتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا لِحُصُولِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ لَهُ بِالْهِبَةِ، وَهُوَ وُصُولُ الْعِوَضِ إلَيْهِ. تَمَّ كِتَابُ الْهِبَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ﵀: انْتَهَى شَرْحُ الصِّفَارِ مِنْ الْفُرُوعِ مِنْ الِاسْتِحْسَانُ إلَى الْبُيُوعِ، بِالْمُؤْثَرِ مِنْ الْمُعَانِي مَعَ الْخَبَرِ الْمَسْمُوعِ بِإِمْلَاءِ الْمُلْتَمِسِ لِرَفْعِ الْبَاطِلِ الْمَوْضُوعِ، الْمَنْفِيّ لِأَجْلِهِ الْمَحْصُورِ الْمَمْنُوعِ عَنْ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ وَالْكِتَاب الْمَجْمُوع الطَّالِب لِلْفَرَجِ بِالدُّعَاءِ وَالْخُشُوعِ فِي ظُلَمِ اللَّيَالِي بِالْبُكَاءِ ﴿وَالدُّمُوعِ﴾، مَقْرُونًا بِالصَّلَاةِ عَلَى سَيِّدِ أَهْلِ الْجُمُوعِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَهْلِ التُّقَى وَالْخُضُوعِ
[كِتَابُ الْبُيُوعِ]
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، إمْلَاءً: اعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْمَالَ سَبَبًا لِإِقَامَةِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الدُّنْيَا وَشَرَعَ طَرِيقَ التِّجَارَةِ لِإِكْسَابِهَا؛ لِأَنَّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ لَا يُوجَدُ مُبَاحًا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَفِي الْأَخْذِ عَلَى سَبِيلِ التَّغَالُبِ فَسَادٌ، وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ ﴿: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وَالتِّجَارَةُ نَوْعَانِ: حَلَالٌ يُسَمَّى فِي الشَّرْعِ بَيْعًا وَحَرَامٌ يُسَمَّى رِبًا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تِجَارَةٌ، فَإِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ عَنْ الْكَفَرَةِ إنْكَارَهُمْ الْفَرْقَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرِّبَا عَقْلًا، فَقَالَ : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]؛ فَعَرَفْنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تِجَارَةٌ وَأَنَّ الْحَلَالَ الْجَائِزَ مِنْهَا بَيْعٌ شَرْعًا. بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ يَتَعَامَلُونَهُ فَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ.
وَانْعِقَادُ هَذَا الْبَيْعِ بِلَفْظَيْنِ هُمَا عِبَارَةٌ عَنْ الْمَاضِي وَهُوَ بِقَوْلِهِ بِعْت وَاشْتَرَيْت فِي مَحَلَّيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالٌ
стр. 2589
مُتَقَوِّمٌ عَلَى طَرِيقِ الِاكْتِسَابِ حَتَّى أَنَّ مَا يَدْخُلُهُ مَعْنَى التَّبَرُّعِ كَالْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ لَا يَكُونُ بَيْعًا ابْتِدَاءً وَلَوْ كَانَ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ بِأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا بِعْنِي فَيَقُولَ الْآخَرُ بِعْت أَوْ يَقُولُ اشْتَرِ فَيَقُولُ الْآخَرُ اشْتَرَيْت لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ عِنْدَنَا بِخِلَافِ النِّكَاحِ وَالشَّافِعِيُّ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدُ تَمْلِيكٍ بِعِوَضٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَالْفَرْقُ لَنَا مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا): أَنَّ النِّكَاحَ يَتَقَدَّمُهُ خُطْبَةٌ عَادَةً فَقَوْلُهُ زَوِّجِينِي نَفْسَك فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ لَا يُجْعَلُ خُطْبَةً لِأَنَّ الْخُطْبَةَ قَدْ تَقَدَّمَتْهُ فَيُجْعَلُ أَحَدَ شَطْرَيْ الْعَقْدِ، فَأَمَّا الْبَيْعُ يَقَعُ بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ اسْتِيَامٍ؛ فَيُجْعَلُ قَوْلُهُ: بِعْنِي: اسْتِيَامًا. فَلَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْعَقْدِ بَعْدَهُ (وَالثَّانِي): أَنَّ قَوْلَهُ: زَوِّجِينِي نَفْسَك تَفْوِيضٌ لِلْعَقْدِ إلَيْهَا؛ فَيُجْعَلُ قَوْلُهَا: زَوَّجْتُ: عَقْدًا تَامًّا؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْوَاحِدِ يَصْلُحُ لِلْعَقْدِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي النِّكَاحِ إذَا كَانَ مَأْمُورًا بِهِ، وَفِي الْبَيْعِ لَا يَتَأَتَّى مِثْلُ هَذَا لِأَنَّ كَلَامَ الْوَاحِدِ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مُولِيًا عَلَيْهِ مِنْ الْآخَرِ.
[أَنْوَاع الربا]
فَأَمَّا الرِّبَا فِي اللُّغَةِ: هُوَ الزِّيَادَةُ. يُقَالُ: أَرْبَى فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ، أَيْ زَادَ عَلَيْهِ. وَيُسَمَّى الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ رَبْوَةً لِزِيَادَةٍ فِيهِ عَلَى سَائِرِ الْأَمْكِنَةِ. وَفِي الشَّرِيعَةِ: الرِّبَا: هُوَ الْفَضْلُ الْخَالِي عَنْ الْعِوَضِ الْمَشْرُوطِ فِي الْبَيْعِ؛ لِمَا بَيَّنَّا: أَنَّ الْبَيْعَ الْحَلَالَ مُقَابَلَةُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فَالْفَضْلُ الْخَالِي عَنْ الْعِوَضِ إذَا دَخَلَ فِي الْبَيْعِ كَانَ ضِدَّ مَا يَقْتَضِيهِ الْبَيْعُ فَكَانَ حَرَامًا شَرْعًا، وَاشْتِرَاطُهُ فِي الْبَيْعِ مُفْسِدٌ لِلْبَيْعِ، كَاشْتِرَاطِ الْخَمْرِ وَغَيْرِهَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَةِ الرِّبَا: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا.﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى لِآكِلِ الرِّبَا خَمْسًا مِنْ الْعُقُوبَاتِ (أَحَدُهَا:) التَّخَبُّطُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَقُومُونَ إلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ.﴾ [البقرة: ٢٧٥] قِيلَ: مَعْنَاهُ يَنْتَفِخُ بَطْنُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ بِحَيْثُ لَا تَحْمِلُهُ قَدَمَاهُ، وَكُلَّمَا رَامَ الْقِيَامَ يَسْقُطُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي أَصَابَهُ مَسٌّ مِنْ الشَّيْطَانِ؛ فَيَصِيرُ كَالْمَصْرُوعِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَقُومَ. وَقَدْ وَرَدَ بِنَحْوِهِ أَثَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يُمْلَأُ بَطْنُهُ نَارًا بِقَدْرِ مَا أَكَلَ مِنْ الرِّبَا.» وَالْمُرَادُ: أَنْ يَفْتَضِحَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ. كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «أَنَّ لِوَاءً يَنْتَصِبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَكَلَةِ الرِّبَا فَيَجْتَمِعُونَ تَحْتَهُ ثُمَّ يُسَاقُونَ إلَى النَّارِ».
(وَالثَّانِي): الْمَحْقُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦]. وَالْمُرَادُ: الْهَلَاكُ وَالِاسْتِيصَالُ، وَقِيلَ: ذَهَابُ الْبَرَكَةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ؛ حَتَّى لَا يَنْتَفِعَ هُوَ بِهِ وَلَا وَلَدُهُ بَعْدَهُ. (وَالثَّالِثُ): الْحَرْبُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.﴾ [البقرة: ٢٧٩] وَالْمَعْنَى مِنْ الْقِرَاءَةِ بِالْمَدِّ: أَعْلِمُوا النَّاسَ أَكَلَةَ الرِّبَا أَنَّكُمْ حَرْبُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِمَنْزِلَةِ قُطَّاعِ
стр. 2590
الطَّرِيقِ. وَالْقِرَاءَةُ بِالْقَصْرِ اعْلَمُوا أَنَّ أَكَلَةَ الرِّبَا حَرْبُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. (وَالرَّابِعُ): الْكُفْرُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.﴾ [البقرة: ٢٧٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ.﴾ [البقرة: ٢٧٦] أَيْ: كَفَّارٍ بِاسْتِحْلَالِ الرِّبَا أَثِيمٍ فَاجِرٍ بِأَكْلِ الرِّبَا. (وَالْخَامِسُ): الْخُلُودُ فِي النَّارِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وَالسُّنَّةُ جَاءَتْ بِتَأْيِيدِ مَا قُلْنَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَكْلُ دِرْهَمٍ وَاحِدٍ مِنْ الرِّبَا أَشَدُّ مِنْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ زَنْيَةً يَزْنِيهَا الرَّجُلُ. مَنْ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنْ حَرَامٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ».
وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ بَيَانُ الْحَلَالِ الَّذِي هُوَ بَيْعٌ شَرْعًا وَالْحَرَامِ الَّذِي هُوَ رِبًا وَلِهَذَا قِيلَ لِمُحَمَّدٍ أَلَا تُصَنِّفُ فِي الزُّهْدِ شَيْئًا قَالَ قَدْ صَنَّفْتُ كِتَابَ الْبُيُوعِ وَمُرَادَهُ بَيَّنْت فِيهِ مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَلَيْسَ الزُّهْدُ إلَّا الِاجْتِنَابُ عَنْ الْحَرَامِ وَالرَّغْبَةُ فِي الْحَلَالِ وَلِهَذَا بَدَأَ الْكِتَابَ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، وَالْفَضْلُ رِبًا. وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، وَالْفَضْلُ رِبًا. وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، وَالْفَضْلُ رِبًا. وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، وَالْفَضْلُ رِبًا. وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، وَالْفَضْلُ رِبًا. وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، وَالْفَضْلُ رِبًا.» وَهَذَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ تَلَقَّتْهُ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ بِهِ. وَلِشُهْرَتِهِ بَدَأَ مُحَمَّدٌ بِبَعْضِهِ كِتَابَ الْبُيُوعِ، وَبِبَعْضِهِ كِتَابَ الْإِجَارَاتِ، وَبِبَعْضِهِ كِتَابَ الصَّرْفِ. وَمِثْلُهُ حُجَّةٌ فِي الْأَحْكَامِ تَجُوزُ بِهِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ عِنْدَنَا. وَدَارَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَرْبَعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -: عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، ﵃ مَعَ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِمْ ثُمَّ الْحَدِيثُ يَشْتَمِلُ عَلَى تَفْسِيرٍ وَحُكْمٍ وَمَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ.
أَمَّا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ ﷺ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ أَيْ: بَيْعُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ أَوْ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ تَصْحَبُ الْإِعْوَاضَ وَالْإِبْدَالَ فَإِنَّهُ لِلْإِلْصَاقِ. فَهُوَ دَلِيلُ فِعْلٍ مُضْمَرٍ كَقَوْلِنَا: بِسْمِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ: مِثْلٌ بِمِثْلٍ رُوِيَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ. فَمَعْنَى الرِّوَايَةِ بِالرَّفْعِ: بَيْعُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ. وَمَعْنَى الرِّوَايَةِ بِالنَّصْبِ: بِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْقَدْرِ دُونَ الصِّفَةِ وَإِنْ كَانَ مُطْلَقُ اسْمِ الْمُمَاثَلَةِ يَتَنَاوَلُهُمَا وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّرْفِ وَذَكَرَ مَكَانَ قَوْلِهِ: مِثْلًا بِمِثْلٍ: وَزْنًا بِوَزْنٍ، فَبِذَلِكَ اللَّفْظِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْوَزْنِ، وَبِهَذَا اللَّفْظِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمُرَادَ: قَوْلُهُ وَزْنًا بِوَزْنٍ الْمُمَاثَلَةُ قَدْرًا لَا صِفَةً. وَكَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ
стр. 2591
بَعْضًا وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: تِبْرُهُ وَعَيْنُهُ سَوَاءٌ فَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْوَزْنِ دُونَ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ التِّبْرَ لَا يُسَاوِي الْعَيْنَ فِي الصِّفَةِ وَإِنَّمَا يُسَاوِيهِ مِنْ حَيْثُ الْمِقْدَارُ. وَقَوْلُهُ: يَدًا بِيَدٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ: عَيْنًا بِعَيْنٍ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ يَكُونُ بِالْإِشَارَةِ بِالْيَدِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ قَبْضًا بِقَبْضٍ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ يَكُونُ بِالْيَدِ. وَزَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ﵏ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ: الْقَبْضُ هُنَا؛ لِبَيَانِهِ فِي حَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَإِنَّهُ قَالَ فِي الصَّرْفِ: مِنْ يَدِكَ إلَى يَدِهِ، وَإِنْ اسْتَنْظَرَك إلَى خَلْفِ السَّارِيَةِ فَلَا تَنْتَظِرْهُ، وَإِنْ وَثَبَ مِنْ السَّطْحِ، فَثِبْ مَعَهُ، وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْمُرَادَ التَّعْيِينُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْقَبْضَ لَقَالَ: مِنْ يَدٍ إلَى يَدٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْبِضُ مِنْ يَدِ غَيْرِهِ؛ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ: التَّعْيِينُ. إلَّا أَنَّ التَّعْيِينَ فِي النُّقُودِ لَا يَتِمُّ بِالْقَبْضِ لِأَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْعُقُودِ بِالْإِشَارَةِ فَكَانَ اشْتِرَاطُ الْقَبْضِ لِتَحْقِيقِ التَّعْيِينِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِقَوْلِهِ هَا وَهَا أَيْ: هَذَا بِهَذَا.
وَقَوْلُهُ: وَالْفَضْلُ رِبًا، يَحْتَمِلُ الْفَضْلَ فِي الْقَدْرِ، وَيَحْتَمِلُ الْفَضْلَ فِي الْحَالِ، بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نَقْدًا وَالْآخَرُ نَسِيئَةً. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُرَادٌ بِاللَّفْظِ وَقَوْلُهُ: رِبًا أَيْ حَرَامٌ، أَيْ: فَضْلٌ خَالٍ عَنْ الْعِوَضِ وَالْمُقَابَلَةِ إمَّا مُتَيَقَّنًا بِهِ عِنْدَ فَضْلِ الْقَدْرِ أَوْ مَوْهُومُ الْوُجُودِ عَادَةً لِتَفَاوُتٍ بَيْنَ النَّقْدَيْنِ وَالنِّسْبَةِ فِي الْمَالِيَّةِ. وَكَذَلِكَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ. فَأَمَّا قَوْلُهُ: الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ يَحْتَمِلُ الْمُمَاثَلَةَ فِي الْكَيْلِ وَيَحْتَمِلُ الْمُمَاثَلَةَ فِي الصِّفَةِ، وَلَكِنَّهُ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ ذَكَرَ مَكَانَ قَوْلِهِ مِثْلًا بِمِثْلٍ كَيْلًا بِكَيْلٍ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُمَاثَلَةُ مِنْ حَيْثُ الْقَدْرُ وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ جَيِّدُهَا وَرَدِيُّهَا سَوَاءٌ. فَهُوَ بَيَانٌ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْقَدْرِ وَقَوْلُهُ يَدًا بِيَدٍ مَعْنَاهُ عِنْدَنَا: عَيْنٌ بِعَيْنٍ. وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ فِي بَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ فِيهَا يَتِمُّ بِالْإِشَارَةِ وَقَوْلُهُ: وَالْفَضْلُ رِبًا يَحْتَمِلُ الْفَضْلَ فِي الْقَدْرِ وَيَحْتَمِلُ الْفَضْلَ فِي الْحَالِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُرَادٌ. وَقَدْ فُسِّرَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ: مَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى. وَكَذَلِكَ الشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالْمِلْحُ. فَأَمَّا الْحُكْمُ فَفِي الْحَدِيثِ حُكْمَانِ: حُرْمَةُ النَّسَاءِ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ عِنْدَ الْمُبَايَعَةِ بِجِنْسِهَا وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَحُرْمَةُ التَّفَاضُلِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ إلَّا الْبَتِّيَّ رَوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُجَوِّزُ التَّفَاضُلَ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ.
وَلَا مُعْتَبَرَ بِهَذَا الْقَوْلِ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمْ يُسَوِّغُوا لَهُ هَذَا الِاجْتِهَادَ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
стр. 2592
مَشَى إلَيْهِ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ: إلَى مَتَى تُؤْكِلَ النَّاسَ الرِّبَا أَصَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يُصْحَبْ؟ أَسَمِعْتَ مِنْهُ مَا لَمْ يُسْمَعْ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ.» فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَوَانِي وَإِيَّاكَ ظِلُّ بَيْتٍ مَا دُمْتَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: مَا خَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ الدُّنْيَا حَتَّى رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ فِي الصَّرْفِ وَالْمُتْعَةِ. فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ رُجُوعُهُ، فَإِجْمَاعُ التَّابِعِينَ ﵏ بَعْدَهُ يَرْفَعُ قَوْلَهُ. فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا: لَا يُعْتَدُّ بِهَذَا الْقَوْلِ. وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «سُئِلَ عَنْ مُبَادَلَةِ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ وَالذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ.» فَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ السُّؤَالِ فَكَأَنَّ الرَّاوِيَ سَمِعَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَسْمَعْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ السُّؤَالِ أَوْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِنَقْلِهِ. وَأَمَّا الْمَعْنَى فَنَقُولُ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ ﵏ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الرِّبَا غَيْرُ مَقْصُودٍ عَلَى الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ، وَإِنَّ فِيهَا مَعْنًى يَتَعَدَّى الْحُكْمَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْأَمْوَالِ، إلَّا دَاوُد مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَعُثْمَانَ الْبَتِّيَّ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ. فَإِنَّ دَاوُد يَقُولُ: حُكْمُ الرِّبَا مَقْصُورٌ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ قِيَاسُ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَى الْمَنْصُوصِ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ، وَعِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ﵏: الْقِيَاسُ حُجَّةٌ لِتَعْدِيَةِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ وَالْبَتِّيُّ يَقُولُ: بِأَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ وَلَكِنْ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّهُ لَا يُجَوِّزُ الْقِيَاسُ عَلَى الْأُصُولِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ فِي كُلِّ أَصْلٍ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقُمْ ذَلِكَ الدَّلِيلُ هُنَا.
وَعِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ﵏ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَى الْأُصُولِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ يَمْنَعُ الْقِيَاسَ عَلَى كُلِّ أَصْلٍ، ثُمَّ قَدْ قَامَ الدَّلِيلُ هُنَا عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَإِسْحَاقَ بْنَ إبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيَّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ رَوَيَا هَذَا الْحَدِيثَ وَذُكِرَ فِي آخِرِهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ فَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى تَعْدِيَةِ الْحُكْمِ إلَى سَائِرِ الْأَمْوَالِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ، وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ؛ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ الرِّبَا». أَيْ الرِّبَا وَلَمْ يُرِدْ بِهِ عَيْنَ الصَّاعِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ: مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الصَّاعِ كَمَا يُقَالُ خُذْ هَذَا الصَّاعَ أَيْ: مَا فِيهِ وَوَهَبْتُ لِفُلَانٍ صَاعًا أَيْ: مِنْ الطَّعَامِ. وَفِي حَدِيثِ «عَامِلِ خَيْبَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ أَهْدَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَمْرًا جَنِيًّا فَقَالَ ﷺ : أَوَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِّي دَفَعْتُ صَاعَيْنِ مِنْ عَجْوَةٍ بِصَاعٍ مِنْ هَذَا. فَقَالَ ﷺ : أَرْبَيْتَ. هَلَّا بِعْتَ تَمْرَك
стр. 2593
بِسِلْعَةٍ، ثُمَّ اشْتَرَيْتَ بِسِلْعَتِكَ تَمْرًا، ثُمَّ قَالَ ﷺ : وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ». يَعْنِي: مَا يُوزَنُ بِالْمِيزَانِ. فَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الْآثَارِ قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى تَعْدِيَةِ الْحُكْمِ مِنْ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ لَا غَيْرِهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ ﷺ : «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ». ثُمَّ لَمْ يُجَوِّزْ قِيَاسَ مَا سِوَى هَذِهِ الْخَمْسِ عَلَى الْخَمْسِ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ لِتَعْدِيَةِ حُكْمِ النَّصِّ إلَى غَيْرِ الْمَنْصُوصِ، لِإِبْطَالِ الْمَنْصُوصِ. وَقَدْ نُصَّ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْفَوَاسِقَ خَمْسٌ، فَلَوْ اشْتَغَلْنَا بِالتَّعْلِيلِ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ، فَيَكُونُ إبْطَالًا لِلْمَنْصُوصِ.
وَهُنَا لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَالَ الرِّبَا: سِتَّةُ أَشْيَاءَ، وَلَكِنْ ذُكِرَ حُكْمُ الرِّبَا فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ. فَالِاشْتِغَالُ بِالتَّعْلِيلِ لَا يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. فَلِهَذَا جَوَّزْنَا ذَلِكَ. وَفَائِدَةُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالذِّكْرِ أَنَّ عَامَّةَ الْمُعَامَلَاتِ يَوْمَئِذٍ كَانَ بِهَا عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: كُنَّا نَتَبَايَعُ فِي الْأَسْوَاقِ بِالْأَوْسَاقِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَسْقِ مِمَّا يَكْثُرُ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَهِيَ الْأَشْيَاءُ الْمَذْكُورَةُ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْد ذَلِكَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي يَتَعَدَّى الْحُكْمُ بِهِ إلَى سَائِرِ الْأَمْوَالِ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: الْجِنْسِيَّةُ وَالْقَدْرُ. عُرِّفَتْ الْجِنْسِيَّةُ بِقَوْلِهِ ﷺ : «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ»، وَالْقَدْرُ بِقَوْلِهِ ﷺ : مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَيَعْنِي بِالْقَدْرِ الْكَيْلَ فِيمَا يُكَالُ، وَالْوَزْنَ فِيمَا يُوزَنُ. وَظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْعِلَّةَ مَعَ الْجِنْسِ الْفَضْلُ عَلَى الْقَدْرِ، وَذَلِكَ مَحْكِيٌّ عَنْ الْكَرْخِيِّ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إسْلَامُ قَفِيزِ حِنْطَةٍ فِي قَفِيزِ شَعِيرٍ، وَلَا تَثْبُتُ حُرْمَةُ النَّسَاءِ إلَّا بِوُجُودِ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ، وَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ هِيَ الْفَضْلُ لَمَا حَرُمَ النَّسَاءُ هُنَا لِانْعِدَامِ الْفَضْلِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعِلَّةَ نَفْسُ الْقَدْرِ مَعَ الْجِنْسِ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْعِلَّةُ الِاقْتِيَابُ وَالِادِّخَارُ مَعَ الْجِنْسِ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: تُقَارَنُ الْمَنْفَعَةُ مَعَ الْجِنْسِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: الْعِلَّةُ فِي الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْكَيْلُ وَالطَّعْمُ. وَقَالَ فِي: الْجَدِيدِ الْعِلَّةُ هِيَ الطَّعْمُ وَفِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْعِلَّةُ الثَّمَنِيَّةُ، وَهُوَ أَنَّهُمَا جَوْهَرُ الْأَثْمَانِ.
وَالْجِنْسِيَّةُ عِنْدَهُ شَرْطٌ لَا تَعْمَلُ الْعِلَّةُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِهَا؛ وَلِهَذَا لَا يَجْعَلُ لِلْجِنْسِيَّةِ أَثَرًا فِي تَحْرِيمِ النَّسَاءِ، فَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ: بَيْعَ كُلِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ بِجِنْسِهِ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا إلَّا بَعْدَ وُجُودِ الْمُخَلِّصِ وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْقَدْرِ، وَأَنْ يَكُونَ عَيْنًا بِعَيْنٍ وَعِنْدَهُ بَيْعُ كُلِّ مَطْعُومٍ بِجِنْسِهِ، وَكُلِّ ثَمَنٍ بِجِنْسِهِ حَرَامٌ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْمُخَلِّصِ وَهُوَ: الْمُسَاوَاةُ، فِي الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ، وَأَنْ يَكُونَ قَبْضًا بِقَبْضٍ فِي الْمَجْلِسِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ حُرْمَةَ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ أَصْلٌ عِنْدَهُ، وَالْجَوَازُ يُعَارِضُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْمِعْيَارِ مَعَ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ وَعِنْدَنَا إبَاحَةُ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ أَصْلٌ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَالْفَسَادُ يُعَارِضُ
стр. 2594
انْعِدَامَ الْمُمَاثَلَةِ بِوُجُودِ الْفَضْلِ الْخَالِي عَنْ الْعِوَضِ مُتَيَقِّنًا بِهِ أَوْ مَوْهُومًا احْتِيَاطًا، وَالْمَقْصُودُ مِنْ التَّعْلِيلِ عِنْدَهُ مَنْعُ قِيَاسِ غَيْرِ الْمَطْعُومَاتِ وَغَيْرِ الثَّمَنِ عَلَى الثَّمَنِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ التَّعْلِيلَ صَحِيحٌ لِإِثْبَاتِ حُكْمِ الْأَصْلِ وَالْمَنْعِ مِنْ إلْحَاقِ غَيْرِهِ بِهِ، وَعِنْدَنَا التَّعْلِيلُ لِتَعْدِيَةِ حُكْمِ النَّصِّ إلَى غَيْرِ الْمَنْصُوصِ، فَالْحُكْمُ فِي الْمَنْصُوصِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ لَا بِالْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالنَّصِّ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَالْمَنْعُ بِظَاهِرِ النَّصِّ ثَابِتٌ. فَالِاشْتِغَالُ بِالتَّعْلِيلِ يَكُونُ لَغْوًا عِنْدَنَا.
وَبَيَانُ هَذَا الْأَصْلِ: إذَا بَاعَ تُفَّاحَةً بِتُفَّاحَتَيْنِ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ هِيَ الْأَصْلُ فِي بَيْعِهَا وَالْحِلُّ يَثْبُتُ بِعَارِضٍ بِوُجُودِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ وَلَمْ يُوجَدْ فَلَا يَجُوزُ، وَعِنْدَنَا يَجُوزُ؛ لِانْعِدَامِ الْفَضْلِ عَلَى الْقَدْرِ - وَهُوَ الْمِعْيَارُ الشَّرْعِيُّ - وَالْحَرَامُ هُوَ الْفَضْلُ عَلَى الْقَدْرِ وَلَمْ يُوجَدْ: فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ أَصْلٌ فِي الْبَيْعِ، وَالْحُرْمَةُ تَثْبُتُ بِعَارِضِ انْعِدَامِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْقَدْرِ - وَهُوَ الْمِعْيَارُ الشَّرْعِيُّ - وَهَذَا لَا مِعْيَارَ لَهُ؛ فَيَجُوزُ الْعَقْدُ وَلَوْ بَاعَ قَفِيزَ جِبْسٍ بِقَفِيزَيْ جِصٍّ، عِنْدَنَا: لَا يَجُوزُ؛ لِوُجُودِ الْجِنْسِيَّةِ وَالْقَدْرِ. وَعِنْدَهُ: يَجُوزُ؛ لِعَدَمِ الطَّعْمِ. وَلَوْ بَاعَ حَفْنَةً بِحَفْنَتَيْنِ، عِنْدَهُ: لَا يَجُوزُ؛ لِكَوْنِهِ مَطْعُومًا، وَقَدْ عُدِمَتْ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ، وَعِنْدَنَا: يَجُوزُ لِعَدَمِ الْكَيْلِ مَعَ الْجِنْسِ وَلَوْ بَاعَ مَنَّا سُكَّرٍ بِمَنَوَيْ سُكَّرٍ، عِنْدَنَا: لَا يَجُوزُ لِوُجُودِ الْجِنْسِ مَعَ الْقَدْرِ، وَعِنْدَهُ: لَا يَجُوزُ أَيْضًا لِوُجُودِ الطَّعْمِ مَعَ الْجِنْسِ. وَلَوْ بَاعَ مَنَّا قُطْنٍ بِمَنَوَيْ قُطْنٍ، عِنْدَنَا: لَا يَجُوزُ لِوُجُودِ الْجِنْسِيَّةِ وَالْقَدْرِ، وَعِنْدَهُ يَجُوزُ لِعَدَمِ الطَّعْمِ. وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ لِإِثْبَاتِ أَصْلِهِ مَا رُوِيَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ».
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» فَفِي هَذَا بِدَايَةٌ بِبَيَانِ النَّهْيِ وَالْمَنْعِ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: لَا تَبِيعُوا لَمْ يَجُزْ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ بِحَالٍ. فَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ حُرْمَةَ الْبَيْعِ أَصْلٌ، وَأَنَّ الْجَوَازَ يُعَارِضُ الْمُسَاوَاةَ. بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَالْمُرَادُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْقَدْرِ. ثُمَّ اسْمُ الطَّعَامِ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، وَمَا يُكَالُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَمَا لَا يُكَالُ فَثَبَتَ حُرْمَةُ الْبَيْعِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْقَدْرِ يُوجِبُ تَخْصِيصَ الْأَصْلِ الْمُعَلَّلِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ. وَكَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ قَالَ: «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ». فَهَذَا اللَّفْظُ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «مِثْلًا بِمِثْلٍ» نُصِبَ عَلَى الْحَالِ أَيْ: إنَّمَا يَكُونُ بَيْعًا فِي حَالَةِ مَا يَكُونُ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْمُرَادُ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْقَدْرِ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَيْضًا أَنَّ الْحُرْمَةَ أَصْلٌ فِيهَا، وَأَنَّ الْحِلَّ يُعَارِضُ الْمُمَاثَلَةَ فِي الْقَدْرِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالرِّبَا الزِّيَادَةَ؛ فَقَدْ قَالَ عُمَرُ: إنَّ آيَةَ الرِّبَا آخِرُ مَا نَزَلَ، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ لَنَا شَأْنَهَا، وَإِنَّ مِنْ الرِّبَا أَبْوَابًا لَا يَكَدْنَ يَخْفَيْنَ عَلَى أَحَدٍ، مِنْهَا: السَّلَمُ فِي السِّنِّ. فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الِاسْمَ غُيِّرَ
стр. 2595
عَمَّا عَلَيْهِ مُقْتَضَى اللُّغَةِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الرِّبَا الزِّيَادَةَ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي السَّلَمِ فِي السِّنِّ زِيَادَةٌ خَالِيَةٌ عَنْ الْعِوَضِ. وَقَدْ جَعَلَهُ مِنْ الرِّبَا الَّذِي لَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ وَلَئِنْ كَانَ الْمُرَادُ الزِّيَادَةَ، فَإِنَّمَا أَرَادَ فَضْلًا قَائِمًا فِي الذَّاتِ لِأَنَّ الْمَطْعُومَ إذَا قُوبِلَ بِجِنْسِهِ لَا يَتَسَاوَيَانِ فِي الطَّعْمِ إلَّا نَادِرًا وَلَا يَنْبَنِي الْحُكْمُ عَنْ النَّادِرِ فَذَلِكَ الْفَضْلُ الْقَائِمُ فِي الذَّاتِ حَرَامٌ وَرِبًا إلَّا أَنَّهُ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ شَرْعًا بِالْمُسَاوَاةِ فِي الْقَدْرِ تَيْسِيرًا عَلَى النَّاسِ، فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْحُرْمَةَ أَصْلٌ أَيْضًا.
وَفِي ذِكْرِ الطَّعَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الطَّعْمُ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْهُ مَعْنًى، وَالْحُكْمُ إذَا عُلِّقَ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ مِنْ مَعْنًى، فَالْمَعْنَى الَّذِي اُشْتُقَّ مِنْهُ الِاسْمُ هُوَ الْعِلَّةُ لِلْحُكْمِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿: والسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] وَمِنْ حَيْثُ الِاسْتِدْلَال وَهُوَ أَنَّ الشَّرْعَ شَرَطَ لِجَوَازِ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ شَرْطَيْنِ: الْمُسَاوَاةَ وَالْيَدَ بِالْيَدِ؛ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُوجِبَ لِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ مَعْنًى فِي الْمَحَلِّ يُنْبِئُ عَنْ زِيَادَةِ شَرْطَيْنِ - الْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ - كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْمُوجِبَ لِلشَّرْطَيْنِ مَعْنًى فِي الْمَحَلِّ يُنْبِئُ عَنْ زِيَادَةِ خَطَرٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِهِ مَا فِي حُكْمِ النُّفُوسِ. ثُمَّ هُنَا الْمَعْنَى يُنْبِئُ عَنْ الْخَطَرِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الثَّمَنِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمَا خُلِقَا لِذَلِكَ، وَبِالثَّمَنِيَّةِ حَيَاةُ الْأَمْوَالِ. وَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْ زِيَادَةِ الْخَطَرِ فِي الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ الطَّعْمُ؛ لِأَنَّ بِالطَّعْمِ حَيَاةَ النُّفُوسِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ لِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ الطَّعْمُ وَالثَّمَنِيَّةُ؛ وَلِهَذَا جَعَلْنَا الْجِنْسِيَّةَ شَرْطًا لَا عِلَّةً لِأَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ الشَّرْطِ وُجُودًا وَعَدَمًا كَمَا يَدُورُ مَعَ الْعِلَّةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِالتَّأْثِيرِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْجِنْسِيَّةِ مَا يُنْبِئُ عَنْ زِيَادَةِ الْخَطَرِ وَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِهِ جَعَلْنَاهُ شَرْطًا لَا عِلَّةً. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ فَسَادُ التَّعْلِيلِ بِالْقَدْرِ، فَإِنَّهُ لَا يُنْبِئُ عَنْ زِيَادَةِ خَطَرٍ فِي الْمَحَلِّ؛ لِأَنَّ الْجِصَّ شَيْءٌ هَيِّنٌ، يُكَالُ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَيَاةُ نَفْسٍ وَلَا مَالٍ، إنَّمَا هُوَ مُعَدٌّ لِتَزَيُّنِ الْبِنَاءِ. وَلِأَنَّ الشَّرْعَ ذَكَرَ عِنْدَ بَيَانِ حُكْمِ الرِّبَا جَمِيعَ الْأَثْمَانِ، وَهِيَ: الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَذَكَرَ مِنْ الْمَطْعُومَاتِ أَنْفَسَ كُلِّ نَوْعٍ. فَالْحِنْطَةُ أَنْفَسُ مَطْعُومِ بَنِي آدَمَ، وَالشَّعِيرُ أَنْفَسُ عَلَفِ الدَّوَابِّ، وَالتَّمْرُ أَنْفَسُ الْفَوَاكِهِ، وَالْمِلْحُ أَنْفَسُ التَّوَابِلِ، فَلَمَّا أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الرِّبَا وَلَمْ يُمْكِنْهُ ذِكْرُ جَمِيعِ الْمَطْعُومَاتِ، نَصَّ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى أَعْلَاهُ؛ لِيُبَيِّنَ بِذَلِكَ أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الطَّعْمُ.
فَأَمَّا إذَا جَعَلَ الْعِلَّةَ الْقَدْرَ يَتَمَحَّضُ ذِكْرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَكْرَارًا لِأَنَّ صِفَةَ الْقَدْرِ لَا تَخْتَلِفُ فِي الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَحَمْلُ كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ عَلَى مَا يُفِيدُ أَوْلَى. وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ: الْعِلَّةُ: الِاقْتِيَاتُ، لِأَنَّهُ خَصَّ بِالذِّكْرِ كُلَّ مُقْتَاتٍ مُدَّخَرٍ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: الْعِلَّةُ: تَقَارُبُ الْمَنْفَعَةِ لِوُجُودِ ذَلِكَ فِي الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنَّ الْحِنْطَةَ مَعَ الشَّعِيرِ تَتَقَارَبُ فِي الْمَنْفَعَةِ
следующие страницы →