Полный текст (6 278 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
فَهُنَاكَ لَوْ اُسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْآخَرَ لِاتِّصَالِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ انْتِفَاعًا وَبِخِلَافِ خِيَارِ الشَّرْطِ وَالرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ تَمَامَ الصَّفْقَةِ بِالْقَبْضِ، وَكَذَلِكَ خِيَارُ الْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ لَا تَتِمُّ قَبْلَ الْقَبْضِ وَتَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ قَبْلَ التَّمَامِ لَا يَجُوزُ ثُمَّ إنْ تَضَرَّرَ الْبَائِعُ هُنَا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُهُ زُفَرُ فَكَذَلِكَ مِنْ قَبْلِ تَدْلِيسِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ فِي أَحَدِهِمَا ثُبُوتُهُ فِي الْآخَرِ كَمَا لَوْ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنًا وَشَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ فِي أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ.
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ بَاعَهُ فَرُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بِغَيْرِ قَضَاءِ قَاضٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْإِقَالَةِ فَإِنَّهُ حَصَلَ بِتَرَاضِيهِمَا وَالْإِقَالَةُ فِي حَقِّ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بِمَنْزِلَةِ بَيْعٍ مُبْتَدَإٍ فَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ الْمِلْكُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ فِي حَقِّهِ فَلِهَذَا لَا يُخَاصِمُهُ فِي عَيْنِهِ قَالَ وَلَوْ قَبِلَهُ بِقَضَاءِ قَاضٍ بِبَيِّنَةٍ قَامَتْ عَلَيْهِ أَوْ بِإِبَاءِ الْيَمِينِ أَوْ بِإِقْرَارٍ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ بَاعَهُ وَالْعَيْبَ بِهِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ إنْ كَانَ لَهُ عَلَى الْعَيْبِ بَيِّنَةٌ وَإِلَّا اسْتَحْلَفَهُ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَسْخٌ فَإِنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ الْفَسْخِ بِسَبَبٍ دُونَ ابْتِدَاءِ الْبَيْعِ فَيَعُودُ إلَيْهِ الْمِلْكُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ فَهُوَ عَلَى خُصُومَتِهِ فِي الْعَيْبِ مَعَهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَهَبَهُ ثُمَّ رَجَعَ فِي الْهِبَةِ إلَّا أَنَّ فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ الْقَضَاءُ وَغَيْرُ الْقَضَاءِ سَوَاءٌ بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا الْفَرْقَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ.
قَالَ: وَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً وَلَهَا زَوْجٌ أَوْ عَبْدًا وَلَهُ امْرَأَةٌ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُمَا بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ مِمَّا يَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا فِي الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ جَمِيعًا وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِمِلْكِ الْجَارِيَةِ الِاسْتِفْرَاشُ وَهَذَا الْمَقْصُودُ يَخْتَلُّ إذَا ظَهَرَ أَنَّهَا مَنْكُوحَةُ الْغَيْرِ وَفِي الْعَبْدِ بِسَبَبِ النِّكَاحِ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ وَذَلِكَ يَنْقُصُ مِنْ مَالِيَّتِهِ فَلِهَذَا كَانَ النِّكَاحُ عَيْبًا فِيهِمَا جَمِيعًا.
وَإِذَا اشْتَرَى شَاةً أَوْ بَقَرَةً فَحَلَبَهَا وَشَرِبَ اللَّبَنَ ثُمَّ عَلِمَ بِعَيْبِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَرُدُّهَا بِالْعَيْبِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
وَالْأَصْلُ أَنَّ الزِّيَادَةَ نَوْعَانِ: مُتَّصِلَةٌ: وَمُنْفَصِلَةٌ وَالْمُتَّصِلَةُ نَوْعَانِ: زِيَادَةٌ غَيْرُ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْ الْعَيْنِ كَالصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ وَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ فِي السَّوِيقِ وَهِيَ تَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ بِالِاتِّفَاقِ لِمُرَاعَاةِ حَقِّ الْمُشْتَرِي فِي مَالِيَّةِ الزِّيَادَةِ وَالزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ الَّتِي هِيَ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ الْأَصْلِ كَالسِّمَنِ وَانْجِلَاءِ الْبَيَاضِ مِنْ الْعَيْنِ، وَثِيَابٌ لِلُّبْسِ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِهَا فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا إذَا حَدَثَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُ انْقِسَامِ الثَّمَنِ بِسَبَبِهَا وَقِيلَ
стр. 2802
عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ هَذِهِ الزِّيَادَةُ تَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا تَمْنَعُ عَلَى قِيَاسِ مَسْأَلَةِ التَّحَالُفِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ فَهِيَ نَوْعَانِ: عَيْنٌ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ الْأَصْلِ كَالْكَسْبِ وَالْغَلَّةِ فَلَا تَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ وَلَكِنَّ الزِّيَادَةَ تُسَلَّمُ لِلْمُشْتَرِي بِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ ثُمَّ الْكَسْبُ وَالْغَلَّةُ بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ وَسَلَامَةُ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُشْتَرِي لَا تَمْنَعُ رَدَّ الْأَصْلِ بِالْعَيْبِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فَكَذَلِكَ سَلَامَةُ بَدَلِ الْمَنْفَعَةِ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ الَّتِي هِيَ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ الْأَصْلِ كَاللَّبَنِ وَالثِّمَارِ وَالْوَلَدِ، الْعَقْدُ إذَا وُطِئَتْ الْجَارِيَةُ بِالشُّبْهَةِ وَالْأَرْشُ إذَا جَنَى عَلَيْهَا بَعْدَمَا قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي فَهُوَ يَمْنَعُ رَدَّ الْأَصْلِ بِالْعَيْبِ عِنْدَنَا.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَمْنَعُ وَلَكِنْ يُرَدُّ الْأَصْلُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَالزِّيَادَةُ تُسَلَّمُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ تُمَلَّكُ بِسَبَبِ مِلْكِ الْأَصْلِ فَلَا يُمْنَعُ رَدُّ الْأَصْلِ بِالْعَيْبِ كَالْكَسْبِ وَالْغَلَّةِ وَتَأْثِيرُهُ أَنَّهُ لَا يُقَابِلُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً لَا عِنْدَ الْعَقْدِ وَلَا عِنْدَ الْقَبْضِ فَكَانَ جَمِيعُ الثَّمَنِ بِمُقَابَلَةِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ إذَا هَلَكَتْ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْأَصْلَ بِالْعَيْبِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ قَائِمَةً فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ اسْتَهْلَكَهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ بِمَبِيعَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَا يُقَابِلُهُ الثَّمَنُ فَلَوْ صَارَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مَبِيعَةً لَقَابَلَهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ كَمَا قُلْتُمْ فِي الزِّيَادَةِ الْحَادِثَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ إذَا قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي مَعَ الْأَصْلِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ بِعَيْبٍ إذَا وُجِدَ بِهَا فَلَوْ صَارَتْ مَبِيعَةً لَثَبَتَ فِيهَا حُكْمُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَيَجُوزُ فَسْخُ سَبَبِ الْمِلْكِ فِي الْأَصْلِ مَعَ بَقَاءِ الزِّيَادَةِ سَالِمَةً لِلْمُتَمَلِّكِ كَالْمَوْهُوبَةِ إذَا زَادَتْ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً ثُمَّ رَجَعَ الْوَاهِبُ فِيهَا تَبْقَى الزِّيَادَةُ سَالِمَةً لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ تَمَلُّكَ الْمُشْتَرِي فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ تَمَلُّكُ مَبِيعٍ فَلَوْ رَدَّ الْأَصْلَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لَبَقِيَتْ الزِّيَادَةُ لَهُ مَبِيعًا بِلَا ثَمَنٍ وَذَلِكَ رِبًا وَبَيَانُ هَذَا أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِمِلْكِ الزِّيَادَةِ سِوَى التَّوَلُّدِ مِنْ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا يَسْرِي إلَيْهَا الْمِلْكُ الثَّابِتُ فِي الْأَصْلِ وَمِلْكُهُ فِي الْأَصْلِ مِلْكٌ مَبِيعٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمِلْكَ يَثْبُتُ لَهُ بِالشِّرَاءِ وَمَا ثَبَتَ فَهُوَ بَاقٍ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مَنْفِيٍّ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ بِاعْتِبَارِ قِيَامِ ذَلِكَ الْمِلْكِ التَّصَرُّفُ فِي الْعَقْدِ بِالْإِقَالَةِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مِلْكَهُ فِي الْأَصْلِ مِلْكٌ مَبِيعٌ فَذَلِكَ الْمِلْكُ يَسْرِي إلَى الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَلِّدَ مِنْ عَيْنِ الشَّيْءِ يَكُونُ بِصِفَتِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ وَلَدَ الْمُكَاتَبَةِ وَوَلَدَ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ السَّيِّدِ يَكُونُ الْمِلْكُ فِيهِ بِصِفَةِ الْمِلْكِ فِي الْأَصْلِ وَبِهِ
стр. 2803
فَارَقَ الْكَسْبَ وَالْغَلَّةَ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِسَبَبٍ مُبْتَدَإٍ وَمَا سَرَى إلَيْهِ مِلْكُ الْأَصْلِ، أَلَا تَرَى أَنَّ كَسْبَ الْمُكَاتَبِ لَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْكِتَابَةِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي حُكْمِ الْمَبِيعِ قُلْنَا لَيْسَ بِمُقَابَلَتِهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ مَحْضٌ وَالثَّمَنُ بِمُقَابَلَةِ الْأَصْلِ دُونَ الْبَيْعِ كَأَطْرَافِ الْمَبِيعِ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا أَنْ يَصِيرَ مَقْصُودًا بِالتَّنَاوُلِ فَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ إنْ حَدَثَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي مَعَ الْأَصْلِ صَارَتْ مَقْصُودَةً بِالتَّنَاوُلِ فَيُقَابِلُهَا جُزْءٌ مِنْ الثَّمَنِ وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ اسْتِحْقَاقُ صِفَةِ السَّلَامَةِ فِيهَا، فَإِذَا وَجَدَ بِهَا عَيْبًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِذَلِكَ وَقَبْلَ الْقَبْضِ لَمَّا كَانَ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ كَانَ رَدُّهَا مَقْصُودًا، وَلَكِنْ يَرُدُّهَا مَعَ الْأَصْلِ تَبَعًا وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْحَادِثَةُ بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَمْ تَصِرْ مَقْصُودَةً بِالتَّنَاوُلِ وَالْقَبْضِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ فَلَا يُقَابِلُهَا ثَمَنٌ فَلِهَذَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا وَلَا يَرُدَّ الْأَصْلَ دُونَهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهَا تَبْقَى مَبِيعَةً سَالِمَةً لِلْمُشْتَرِي بِغَيْرِ عِوَضٍ وَالرِّبَا لَيْسَ إلَّا هَذَا وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ رَدَّهَا، وَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّ تَعَذُّرَ الرَّدِّ لِحَقِّ الشَّرْعِ؛ وَلِهَذَا رَجَعَ بِالنُّقْصَانِ.
وَإِنْ بَاعَهَا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ مُمْتَنِعٌ لِمَكَانِ الزِّيَادَةِ سَوَاءٌ رَضِيَ الْبَائِعُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَرْضَ وَلَا يُقَالُ قَبْلَ رَدِّ الْأَصْلِ الزِّيَادَةُ تُسَلَّمُ لِلْمُشْتَرِي مَبِيعًا بِلَا ثَمَنٍ فَكَذَلِكَ بَعْدَ رَدِّ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ رَدَّ الْأَصْلِ الزِّيَادَةُ تَبَعٌ فَتَكُونُ الزِّيَادَةُ بِمُقَابَلَةِ الْأَصْلِ يَعْنِي عَنْ اعْتِبَارِ الثَّمَنِ بِمُقَابَلَةِ الْمَبِيعِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ رَدُّ الْأَصْلِ بِالْعَيْبِ فَقَدْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِيهِ فَالزِّيَادَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تَكُونُ تَبَعًا لِلْأَصْلِ وَإِذَا صَارَتْ مَقْصُودَةً وَلَا يُقَابِلُهَا ثَمَنٌ كَانَتْ رِبًا؛ وَلِهَذَا يُرَدُّ الْأَصْلُ بِالْعَيْبِ بَعْدَ هَلَاكِ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ زِيَادَةٌ كَانَتْ تَبْقَى لِلْمُشْتَرِي مَبِيعًا بِلَا ثَمَنٍ وَقَدْ انْعَدَمَ ذَلِكَ إذَا هَلَكَ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا أَجْنَبِيٌّ غَرِمَ بَدَلَهَا فَسَلَامَةُ الْبَدَلِ لِلْمُشْتَرِي كَسَلَامَةِ الْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي اسْتَهْلَكَهَا فَلِأَنَّهُ حَابِسٌ لَهَا بِاسْتِهْلَاكِهِ أَوْ لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ الْبَرَاءَةَ عَنْ الضَّمَانِ بِمِلْكِهِ فِيهَا، وَذَلِكَ بِمَعْنَى عِوَضٍ سُلِّمَ إلَيْهِ مِنْهَا فَمَنْفَعَةُ ذَلِكَ مِنْ رَدِّهَا بِالْعَيْبِ بِخِلَافِ الْمَوْهُوبَةِ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الرُّجُوعِ فِي الْأَصْلِ هُنَاكَ الزِّيَادَةُ تَبْقَى لِلْمَوْهُوبِ لَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَالْأَصْلُ كَانَ سَالِمًا مَوْهُوبًا بِغَيْرِ عِوَضٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ رِبًا فَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرِّبَا إنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ دُونَ التَّبَرُّعَاتِ.
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا فَوَجَدَهُ مُخَنَّثًا أَوْ سَارِقًا أَوْ كَافِرًا لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَالْأَصْلُ أَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي سَلَامَةَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عَنْ الْعَيْبِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «اشْتَرَى مِنْ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ عَبْدًا وَكَتَبَ فِي عُهْدَتِهِ هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ
стр. 2804
الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ عَبْدًا لَا دَاءَ وَلَا غَائِلَةَ وَلَا خِبْثَةَ بَيْعُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ» فَفِي هَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي سَلَامَةَ الْمَبِيعِ عَنْ الْعَيْبِ وَتَفْسِيرُ الدَّاءِ فِيمَا رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْمَرَضُ فِي الْجَوْفِ وَالْكَبِدِ قَالَ الْمَرَضُ مَا يَكُونُ فِي سَائِرِ الْبَدَنِ وَالدَّاءُ مَا يَكُونُ فِي الْجَوْفِ وَالْكَبِدِ وَالرِّئَةِ وَفِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ الدَّاءُ الْمَرَضُ وَالْغَائِلَةُ لَا تَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْأَفْعَالِ كَالْإِبَاقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْخِبْثَةُ هُوَ الِاسْتِحْقَاقُ وَقِيلَ الْجُنُونُ ثُمَّ الْمَرْجِعُ فِي مَعْرِفَةِ الْعُيُوبِ إلَى عُرْفِ التُّجَّارِ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ إنَّمَا يَرْجِعُ إلَى أَهْلِ تِلْكَ الصَّنْعَةِ فَمَا يَعُدُّونَهُ عَيْبًا فَهُوَ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ أَوْ مَا يُنْقِصُ الْمَالِيَّةَ فَهُوَ عَيْبٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْبَيْعِ الِاسْتِرْبَاحُ، وَذَلِكَ بِالْمَالِيَّةِ فَمَا يُنْقِصُ الْمَالِيَّةَ فَهُوَ يُمْكِنُ خَلَلًا فِي الْمَقْصُودِ وَذَلِكَ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ وَإِذَا وَجَدَ الْعَبْدَ مُخَنَّثًا، فَهَذَا مِمَّا يَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا فَيُمْكِنُ نُقْصَانًا فِي مَالِيَّتِهِ وَفِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِمِلْكِ الْعَبْدِ، وَهُوَ الِاسْتِعْمَالُ فِي الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ، وَكَذَلِكَ إنْ وَجَدَهُ سَارِقًا فَإِنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِمَقْصُودِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِخْدَامُهُ إذْ لَا يَأْتَمِنُهُ عَلَى مَالِهِ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ حِفْظُ مَالِهِ عَلَيْهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَإِنْ سَرَقَ مَالَ الْغَيْرِ يُقْطَعُ بِسَبَبِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ وَجَدَهُ كَافِرًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إذْ لَا عَيْبَ تَبْلُغُ دَرَجَتُهُ دَرَجَةَ الْكُفْرِ؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِخْدَامِهِ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ نَحْوَ اتِّخَاذِ الْمَاءِ لِطَهُورِهِ وَحَمْلِ الْمُصْحَفِ إلَيْهِ وَالْكَافِرُ نَجَسٌ لَا يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ أَنَّهُ كَافِرٌ فَوَجَدَهُ مُسْلِمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَهُ بِخِلَافِ شَرْطِهِ وَلَهُ فِي هَذَا الشَّرْطِ غَرَضٌ فَرُبَّمَا قَصَدَ أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ فِي الْمُحَقَّرَاتِ مِنْ الْأُمُورِ وَلَا يَسْتَخِيرُ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُسْتَخْدَمَ الْمُسْلِمَ فِي مِثْلِهِ، فَإِذَا فَاتَ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ يُمَكَّنُ مِنْ رَدِّهِ وَأَصْحَابُنَا ﵏ قَالُوا الْكُفْرُ عَيْبٌ فَذِكْرُهُ فِي الْعَقْدِ لَا يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِ بَلْ عَلَى وَجْهِ التَّبَرِّي مِنْ الْعَيْبِ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ عَلَى أَنَّهُ مَعِيبٌ، فَإِذَا هُوَ سَلِيمٌ؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ وَجَدَهَ أَزْيَدَ مِمَّا شَرَطَ وَثُبُوتُ حَقِّ الرَّدِّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، فَإِذَا وَجَدَهُ أَزْيَدَ مِمَّا شَرَطَ فَلَا حَاجَةَ إلَى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ بِإِثْبَاتِ حَقِّ الرَّدِّ لَهُ.
قَالَ وَإِنْ وَجَدَ الْغُلَامَ زَانِيًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّ عَيْبَ الزِّنَا كَعَيْبِ السَّرِقَةِ أَوْ فَوْقَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْجَارِيَةِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَيْبٌ فَكَذَلِكَ فِي الْغُلَامِ وَلَكِنَّا نَقُولُ اشْتَرَاهُ عَلَى أَنَّهُ فَحْلٌ فَوَجَدَهُ أَفَحْلَ ثُمَّ الَّذِي بِهِ لَيْسَ إلَّا تَمَنِّي الزِّنَا فَإِنَّ تَمَنِّيَ الزِّنَا مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِ فَإِنَّ فِعْلَ الزِّنَا لَا يَتَهَيَّأُ لِلْعَبْدِ إلَّا بِمَالٍ وَلَا مَالَ لَهُ بِخِلَافِ الْجَارِيَةِ ثُمَّ الْمَقْصُودُ مِنْ الْعَبْدِ
стр. 2805
الِاسْتِخْدَامُ فِي أُمُورٍ خَارِجَ الْبَيْتِ وَزِنَاهُ لَا يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْمَوْلَى، وَأَمَّا فِي الْجَارِيَةِ فَالْمَقْصُودُ هُوَ الِاسْتِفْرَاشُ وَزِنَاهَا يُخِلُّ بِهَذَا الْمَقْصُودِ فَإِنَّهَا تُلَوِّثُ عَلَيْهِ فِرَاشَهُ وَقِيلَ فِي الْغُلَامِ إذَا صَارَ ذَلِكَ عَادَةً لَهُ بِحَيْثُ لَا يَصْبِرُ عَنْهُ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ الْخَلَلُ فِي مَقْصُودِهِ فَكُلَّمَا يُوَجِّهُهُ فِي حَاجَتِهِ ذَهَبَ فِي مُتَابَعَةِ هَوَاهُ فَهُوَ كَالسَّرِقَةِ فَإِنَّهَا تَخِلُّ بِالِاسْتِخْدَامِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا، وَكَذَلِكَ إنْ وَجَدَ الْعَبْدَ وَلَدَ زِنًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُخِلُّ بِمَقْصُودِهِ مِنْ الِاسْتِخْدَامِ؛ وَلِأَنَّ أَكْثَرَ الْمَمَالِيكِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَا تُعْرَفُ أَنْسَابُهُمْ فَأَمَّا الْجَارِيَةُ إذَا كَانَتْ وَلَدَ زِنًا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِمَقْصُودَةِ مِنْهَا، وَهُوَ الِاسْتِيلَادُ فَإِنَّ وَلَدَهُ يُعَيَّرُ بِأُمِّهِ إذَا كَانَتْ وَلَدَ زِنًا وَعَلَى هَذَا الْغُلَامُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُونًا أَوْ الْجَارِيَةُ إذَا لَمْ تَكُنْ مَخْفُوضَةً فَفِي الْحِلْيَةِ مِنْ دَارِ الْحَرْب هَذَا لَا يَكُونُ عَيْبًا لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَفِي الْمُولَدِ لَا يَكُون عَيْبًا فِي الصَّغِيرِ أَيْضًا وَيَكُونُ عَيْبًا بَعْدَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ الْمُولَدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يُتْرَكُ كَذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ وَالتُّجَّارُ يَعُدُّونَ ذَلِكَ عَيْبًا فِي الْمُولَدِ.
قَالَ: وَالثُّؤْلُولُ عَيْبٌ إذَا كَانَ يُنْقِصُ الثَّمَنَ، وَإِنْ كَانَ لَا يُنْقِصُهُ فَلَيْسَ بِعَيْبٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ فَيُعْتَبَرُ نُقْصَانُ الْمَالِيَّةِ بِسَبَبِهِ وَالْخَالُ كَذَلِكَ فَقَدْ يَكُونُ الْخَالُ رُتْبَةً لَا تُنْقِصُ مِنْ الْمَالِيَّةِ، وَهُوَ إذَا كَانَ عَلَى الْخَدِّ وَقَدْ يَشِينُهُ إذَا كَانَ عَلَى رَأْسِ الْأَرْنَبَةِ وَذَلِكَ يُنْقِصُ مِنْ الْمَالِيَّةِ فَلِهَذَا يُعْتَبَرُ فِيهِ أَنْ يُنْقِصَهُ مِنْ الثَّمَنِ.
قَالَ وَالصُّهُوبَةُ فِي الشَّعْرِ عَيْبٌ؛ لِأَنَّ التُّجَّارَ يَعُدُّونَهُ عَيْبًا وَكَذَلِكَ الشَّمَطُ فَإِنَّ الشَّمَطَ فِي أَوَانِهِ مِنْ الْهَرَمِ وَالْهَرَمُ عَيْبٌ وَفِي غَيْرِ أَوَانِهِ وَمِنْ دَاءٍ فِي الْبَاطِنِ، وَهُوَ عَيْبٌ ثُمَّ اللَّوْنُ الْمُسْتَوِي لِلشَّعْرِ السَّوَادُ فَمَا سِوَى ذَلِكَ إذَا كَانَ يُنْقِصُ مِنْ الثَّمَنِ وَيَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا ثَبَتَ بِهِ حَقُّ الرَّدِّ.
قَالَ وَالْبَخَرُ عَيْبٌ فِي الْجَارِيَةِ وَلَيْسَ بِعَيْبٍ فِي الْغُلَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ دَاءٍ، وَهُوَ نَتْنٌ فِي الْفَمِ وَهَذَا يُخِلُّ بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْجَارِيَةِ، وَهُوَ الِاسْتِفْرَاشُ وَلَا يُخِلُّ بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْغُلَامِ لِأَنَّهُ يَسْتَخْدِمُهُ بِالْبُعْدِ مِنْ نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ دَاءٍ فَالدَّاءُ نَفْسُهُ عَيْبٌ قَالَ وَالذَّفَرُ كَذَلِكَ، وَهُوَ نَتْنُ الْإِبْطِ، وَهُوَ يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ مِنْ الْجَارِيَةِ دُونَ الْغُلَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَاحِشًا لَا يَكُونُ فِي النَّاسِ مِثْلُهُ، فَهَذَا يَكُونُ لِدَاءٍ فِي الْبَدَنِ، وَهُوَ يُنْقِصُ الثَّمَنَ.
قَالَ وَالْبَجَرُ عَيْبٌ، وَهُوَ انْتِفَاخٌ تَحْتَ السُّرَّةِ وَبِهِ سُمِّيَ بَعْضُ النَّاسِ أَبْجَرُ، وَهُوَ يَكُونُ لِدَاءٍ فِي الْبَدَنِ وَيَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا وَالْأُدْرَةُ عَيْبٌ، وَهِيَ عِظَمُ الْخُصْيَتَيْنِ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لِدَاءٍ فِي الْبَدَنِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْآذَنُ عَيْبٌ، وَهُوَ الَّذِي يَسِيلُ مِنْ مَنْخِرِهِ الْمَاءُ وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَائِلِ
стр. 2806
وَتَرَى الذَّنِينَ عَلَى مِنْخَارِهِمْ ... يَوْمَ الْهِيَاجِ كَمَارِنِ النَّمْلِ
وَذَلِكَ يُسْتَقْذَرُ وَلَا يَكُونُ إلَّا لِدَاءٍ فِي الدِّمَاغِ.
وَالْيَسِرُ عَيْبٌ، وَهُوَ الَّذِي يَعْمَلُ بِيَسَارِهِ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْمَلَ بِيَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعْسَرَ يَسِرَ، وَهُوَ الْأَضْبَطُ الَّذِي يَعْمَلُ بِالْيَدَيْنِ وَقَدْ كَانَ عُمَرُ ﵁ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ زِيَادَةً، وَلَيْسَ بِعَيْبٍ.
قَالَ وَالْعَشَى عَيْبٌ، وَهُوَ ضَعْفُ الْبَصَرِ حَتَّى لَا يُبْصِرَ مِنْ شِدَّةِ الظُّلْمَةِ أَوْ شِدَّةِ الضَّوْءِ وَمِنْهُ يُسَمَّى الْأَعْشَى وَالْعَسَمُ عَيْبٌ، وَهُوَ يُبُوسَةٌ وَتَشَنُّجٌ فِي الْأَعْصَابِ مِنْهُ أَصْلُ الْعَرَجِ.
وَالسِّنُّ السَّوْدَاءُ عَيْبٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَهُوَ يَشِينُ صَاحِبَهُ وَالسَّوَادُ فِي السِّنِّ دَلِيلُ مَوْتِ السِّنِّ عِنْد مَنْ يَقُولُ فِي السِّنِّ حَيَاةٌ، وَكَذَلِكَ السِّنُّ السَّاقِطَةُ عَيْبٌ ضِرْسًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ مِنْ الثَّمَنِ وَيَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا ثُمَّ سُقُوطُ السِّنِّ فِيمَا لَا يَبْدُو مِنْهَا كَالطَّوَاحِينِ يُنْقِصُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَفِيمَا يَبْدُو مِنْهَا كَالضَّوَاحِكِ وَفِي الْأَصْلِ كَالنَّوَاجِذِ يُنْقِصُ مِنْ الْجَمَالِ وَلِهَذَا وَجَبَ الْأَرْشُ إذَا قَلَعَ مِنْ الْغَيْرِ وَأَفْسَدَ الْمَنْبَتَ.
قَالَ وَالظُّفْرُ الْأَسْوَدُ عَيْبٌ إذَا كَانَ يُنْقِصُ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ مِنْ الْجَمَالِ وَالسَّوَادُ فِي الظُّفْرِ دَلِيلُ مَوْتِهِ كَمَا فِي السِّنِّ وَإِنَّمَا يَشْتَرِطُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ لَا يُنْقِصُ مِنْ الثَّمَنِ فِيمَنْ هُوَ أَسْوَدُ اللَّوْنِ كَالْحَبَشِيِّ وَإِنَّمَا يُنْقِصُ فِيمَنْ هُوَ أَبْيَضُ اللَّوْنِ كَالْأَتْرَاكِ وَإِذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يُنْقِصُ الثَّمَنَ لَا يَثْبُتُ حَقُّ الرَّدِّ بِهِ.
وَالْإِبَاقُ مَرَّةً وَاحِدَةً عَيْبٌ مِنْ الصَّغِيرِ مَا دَامَ صَغِيرًا، فَإِذَا بَلَغَ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَيْبٍ إلَّا أَنْ يَأْبَقَ بَعْدَ الْكِبَرِ، وَهَذَا إذَا كَانَ بِحَيْثُ يُمَيِّزُ، أَمَّا فِي الصَّغِيرِ جِدًّا، فَهَذَا لَا يَكُونُ عَيْبًا؛ لِأَنَّهُ يَضِلُّ وَلَا يَأْبَقُ وَالْإِبَاقُ يَكُونُ عَنْ قَصْدٍ مِنْهُ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ وَلَكِنَّهُ لَا يَهْتَدِي إلَى بَيْتِ مَوْلَاهُ فَيَضِلُّ كَالدَّابَّةِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ مُمَيِّزًا فَالْإِبَاقُ وَالْقَصْدُ إلَى ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ مِنْهُ، وَهُوَ عَيْبٌ فِيهِ مَا لَمْ يَبْلُغْ، فَإِذَا بَلَغَ زَالَ ذَلِكَ، وَإِنْ أَبَقَ بَعْدَ الْبُلُوغِ مَرَّةً فَهُوَ عَيْبٌ لَازِمٌ أَبَدًا وَالسَّرِقَةُ كَذَلِكَ قَالَ وَالْبَوْلُ فِي الْفِرَاشِ كَذَلِكَ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ جِدًّا لَا يَكُونُ عَيْبًا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ أَمْثَالِهِ عَادَةً وَأَمَّا الْجُنُونُ إذَا وُجِدَ مَرَّةً فَهُوَ عَيْبٌ لَازِمٌ أَبَدًا سَوَاءٌ وُجِدَ فِي حَالَةِ الصِّغَرِ أَوْ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْفَرْقُ أَنَّ سَبَبَ الْجُنُونِ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَهُوَ آفَةٌ فِي الْعَقْلِ، فَإِذَا وُجِدَ مَرَّةً فَأَثَرُهُ يَبْقَى فِيهِ مَا عَاشَ، وَذَلِكَ يَظْهَرُ فِي حَمَالِيقِ عَيْنَيْهِ بِمَعْرِفَةِ أَهْلِ الْبَصَرِ فِيهِ وَأَمَّا سَبَبُ الْإِبَاقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ فِي حَالَةِ الصِّغَرِ فَمُخَالِفٌ لِسَبَبِ هَذِهِ الْعُيُوبِ بَعْدَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ الْإِبَاقَ فِي الصِّغَرِ سَبَبُهُ سُوءُ الْأَدَبِ وَحُبُّ اللَّعِبِ وَسَبَبُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ التَّمَرُّدُ وَقِلَّةُ الْمُبَالَاةِ بِالْمَوْلَى، وَكَذَلِكَ السَّرِقَةُ سَبَبُهَا
стр. 2807
قَبْلَ الْبُلُوغِ قِلَّةُ التَّأَمُّلِ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ بِسَبَبِ الصِّغَرِ وَبَعْدَ الْبُلُوغِ سَبَبُهَا التَّمَرُّدُ؛ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ بِهَا عَلَى الصَّبِيِّ مَا يَجِبُ بِهَا عَلَى الْبَالِغِ وَسَبَبُ الْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ قَبْلَ الْبُلُوغِ اسْتِرْخَاءٌ فِي الْمَثَانَةِ بِسَبَبِ الصِّغَرِ وَسَبَبُهُ فِي الْبُلُوغِ آفَةٌ فِي الْآلَةِ الْمَاسِكَةِ، فَإِذَا وُجِدَ فِي حَالَةِ الصِّغَرِ فَهُوَ عَيْبٌ مَا دَامَ صَغِيرًا، فَإِذَا بَلَغَ زَالَ ذَلِكَ السَّبَبُ فَزَالَ الْحُكْمُ أَيْضًا، فَإِذَا وُجِدَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَهُوَ عَيْبٌ لَازِمٌ أَبَدًا؛ لِأَنَّ التُّجَّارَ يَعُدُّونَهُ عَيْبًا فَهُوَ يُنْقِصُ مِنْ الْمَالِيَّةِ وَالْإِبَاقُ سِوَى الْمَالِيَّةِ فِيهِ حُكْمًا فَكَانَ مِنْ أَفْحَشِ الْعُيُوبِ.
قَالَ وَالْحَبَلُ فِي بَنَاتِ آدَمَ عَيْبٌ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ الْمَالِيَّةَ وَيُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ وَلَيْسَ بِعَيْبٍ فِي الْبَهَائِمِ؛ لِأَنَّهُ يَزِيدُ فِي الْمَالِيَّةِ قَالَ وَالْقَرَنُ عَيْبٌ، وَهُوَ عَظْمٌ فِي الْمَأْتَى يَمْنَعُ الْوُصُولَ إلَيْهَا وَبِهِ قَصَدَ شُرَيْحٌ ﵀ قَالَ أَقْعِدُوهَا فَإِنْ أَصَابَ الْأَرْضَ فَهُوَ عَيْبٌ وَالرَّتَقُ عَيْبٌ، وَهُوَ لَحْمٌ فِي الْمَأْتَى يَمْنَعُ وُصُولَ الْوَاطِئِ إلَيْهَا وَالْعَفَلُ عَيْبٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَأْتَى شَبَهُ الْكِيسِ لَا يَتَلَذَّذُ الْوَاطِئُ بِوَطْئِهَا وَهَذَا كُلُّهُ يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ.
قَالَ وَالْبَرَصُ عَيْبٌ، وَهُوَ مَعْلُومٌ يَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا فَيُنْقِصُ مِنْ الْمَالِيَّةِ قَالَ وَالْجُذَامُ عَيْبٌ، وَهُوَ قَبِيحٌ تَحْتَ الْجِلْدِ يُوجَدُ نَتْنُهُ مِنْ بُعْدٍ وَرُبَّمَا تَنْقَطِعُ الْأَعْضَاءُ بِهِ، وَهُوَ أَفْحَشُ الْعُيُوبِ قَالَ ﷺ «فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنْ الْأَسَدِ» قَالَ وَالْفَتَقُ عَيْبٌ، وَهُوَ رِيحٌ فِي الْمَثَانَةِ رُبَّمَا يَهِيجُ بِالْمَرْءِ فَيَقْتُلُهُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا لِدَاءٍ فِي الْبَدَنِ قَالَ وَالسِّلْعَةُ عَيْبٌ، وَهُوَ الْقُرُوح الَّتِي تَكُون فِي الْعُنُقِ وَيُسَمَّى بِالْفَارِسِيَّةِ خوك وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا لِدَاءٍ فِي بَدَنِهِ وَرُبَّمَا يَتْلَفُ بِسَبَبِهِ وَكُلُّ شَيْءٍ يُنْقِصُ الثَّمَنَ فِي الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ فَهُوَ عَيْبٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْبَيْعِ الِاسْتِرْبَاحُ فَمَا يُنْقِصُ مِنْ الثَّمَنِ يَكُونُ خَلَلًا فِي الْمَقْصُودِ.
قَالَ وَالْكَيُّ عَيْبٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ لِدَاءٍ فِي الْبَدَنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ سِمَةً فِي بَعْضِ الدَّوَابِّ فَإِنَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ لَا يَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا لَا يُرَدُّ بِهِ قَالَ وَالْفَدَعُ عَيْبٌ، وَهُوَ فِي الْكَفِّ زَيْغٌ فِي الرُّسْغِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّاعِدِ وَفِي الْقَدَمِ كَذَلِكَ زَيْغٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَظْمِ السَّاقِ وَفِي الْفَرَسِ هُوَ الْتِوَاءُ الرُّسْغِ عَنْ عَرْضِهِ الْوَحْشِيِّ، وَهُوَ الْجَانِبُ الْأَيْمَنُ قَالَ وَالْفَحَجُ عَيْبٌ، وَهُوَ فِي الْفَرَسِ تَبَاعُدُ مَا بَيْنَ الْكَعْبَيْنِ وَالْأَفْحَجُ مِنْ الْآدَمِيِّ الَّذِي تَتَدَانَى صُدُورُ قَدَمَيْهِ وَتَتَبَاعَدُ عَقِبَاهُ وَتَنْفَحِجُ سَاقَاهُ وَالدَّحَسُ عَيْبٌ، وَهُوَ وَرَمٌ يَكُونُ فِي أَطْرَافِ حَافِرِ الْفَرَسِ قَالَ وَالصَّكَكُ عَيْبٌ، وَهُوَ أَنْ يَصْطَكَّ رُكْبَتَاهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ وَأَبُو عُبَيْدٍ ﵏ الصَّكَكُ فِي الرِّجْلَيْنِ فِي الْكَعْبَيْنِ قَالَ وَالْحَنَفُ عَيْبٌ، وَهُوَ إقْبَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْإِبْهَامَيْنِ إلَى صَاحِبِهِ وَذَلِكَ يُنْقِصُ مِنْ قُوَّةِ الْمَشْيِ وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيُّ: الْأَحْنَفُ الَّذِي يَمْشِي عَلَى ظَهْرِ قَدَمَيْهِ قَالَ
стр. 2808
وَالصَّدَفُ عَيْبٌ، وَهُوَ الْتِوَاءٌ فِي أَصْلِ الْعُنُقِ.
قَالَ وَالشَّدَقُ عَيْبٌ، وَهُوَ وُسْعٌ مُفْرِطٌ فِي الْفَمِ وَفِيهِ الْحَدِيثِ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ التَّشَدُّقِ فِي الْكَلَامِ»، وَهُوَ مِمَّا يَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا
[الْعُيُوبُ الَّتِي يَطْعَنُ الْمُشْتَرِي بِهَا]
ثُمَّ الْعُيُوبُ الَّتِي يَطْعَنُ الْمُشْتَرِي بِهَا أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ نَوْعٌ مِنْهَا يَكُونُ ظَاهِرًا فِي مَوْضِعٍ يَرَاهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَلَا تُسْمَعُ الْخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يُرِهِ الْعَيْبَ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الْعَيْبِ عِنْدَ الْخُصُومَةِ شَرْطٌ لِتَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ وَحَقِيقَةُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ بِالْمَعْرِفَةِ مُمْكِنٌ، فَإِذَا رَآهُ الْقَاضِي فَإِنْ كَانَ عَيْبًا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَقَدْ عَلِمَ الْقَاضِي وُجُودَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ فَيَقْضِي بِالرَّدِّ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْبَائِعُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ عَلِمَ بِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ وَرَضِيَ بِهِ فَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ يَرُدُّهُ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا مِمَّا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ أَنَّ الْعَيْبَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْحَوَادِثَ إنَّمَا يُحَالُ بِحُدُوثِهَا عَلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ وَمَنْ ادَّعَى تَارِيخًا سَابِقًا فَعَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَهُ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنْ أَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ الْعَيْبَ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ قُضِيَ بِالرَّدِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ يَحْلِفُ الْبَائِعُ أَلْبَتَّةَ بِاَللَّهِ لَقَدْ بَاعَهُ وَسَلَّمَهُ وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْبُ وَإِنَّمَا يَذْكُرُ التَّسْلِيمَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ حَدَثَ بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا النَّظَرُ لِلْمُشْتَرِي لِجَوَازِ إذَا اسْتَحْلَفَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّ الْعَيْبَ لَوْ كَانَ حَادِثًا بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ التَّسْلِيمِ كَانَ لِلْمُشْتَرِي حَقُّ الرَّدِّ وَالْبَائِعُ بَارٌّ فِي يَمِينِهِ بِأَنَّ الْعَيْبَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ فَالْأَحْوَطُ أَنْ يُحَلِّفَهُ بِاَللَّهِ لَقَدْ سَلَّمَهُ بِحُكْمِ هَذَا الْعَقْدِ إلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ بِهِ هَذَا الْعَيْبُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ عِنْدِي الْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَنْفِي الْعَيْبَ عِنْدَ الْبَيْعِ وَعِنْدَ التَّسْلِيمِ وَلَا يَكُونُ بَارًّا فِي يَمِينِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْعَيْبُ مُنْتَفِيًا فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعًا وَإِنَّمَا يَسْتَحْلِفُ عَلَى الثَّبَاتِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْلَافَهُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، وَهُوَ التَّسْلِيمُ كَمَا لَوْ الْتَزَمَهُ بِالْعَقْدِ فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَنُكُولُهُ كَإِقْرَارِهِ.
وَإِنْ حَلَفَ انْقَطَعَتْ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا وَنَوْعٌ مِنْ ذَلِكَ عَيْبٌ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْأَطِبَّاءُ فَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يُرِيَهُ مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ مِنْ الْأَطِبَّاءِ؛ لِأَنَّ عِلْمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إلَى مَعْرِفَةِ كُلِّ شَيْءٍ إلَى مَنْ لَهُ بَصَرٌ فِي ذَلِكَ الْبَابِ كَمَا فِي مَعْرِفَةِ الْقِيمَةِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وَلَا بُدَّ مِنْ الْعَدَدِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مُلْزِمٌ كَالشَّهَادَةِ، فَإِذَا قَالَا الْعَيْبُ مَوْجُودٌ فِيهِ وَقَالَا هُوَ مِمَّا لَا يَحْدُثُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ حُكِمَ بِالرَّدِّ بِقَوْلِهِمَا، وَإِنْ قَالَا قَدْ يَحْدُثُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ يَحْلِفُ الْبَائِعُ كَمَا بَيَّنَّا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ أَنَّ الْعَيْبَ كَانَ عِنْدَهُ وَنَوْعٌ مِنْهُ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا النِّسَاءُ بِأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فَالْقَاضِي
стр. 2809
يُرِيهَا النِّسَاءَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَالْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ تَكْفِي لِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تَكُونَ حُرَّةً مُسْلِمَةً فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَهُوَ أَحْوَطُ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُعَرَّفَةٌ فِي الطَّلَاقِ وَالشَّهَادَاتِ فَإِنْ أَخْبَرَتْ بِوُجُودِ الْعَيْبِ تَوَجَّهَتْ الْخُصُومَةُ لِظُهُورِ السَّبَبِ فِي الْحَالِ بِقَوْلِهَا وَلَكِنْ لَا يَثْبُتُ الرَّدُّ بِقَوْلِ النِّسَاءِ.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْدُثُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا لَا مِنْ جِهَةِ النِّسَاءِ فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُ النِّسَاءِ فِيهَا؛ وَلِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ لَا يُفْصَلُ الْحُكْمُ بِهَا مَا لَمْ تَتَأَيَّدْ بِمُؤَيِّدٍ، وَذَلِكَ بِنُكُولِ الْبَائِعِ فَيُسْتَحْلَفُ حَتَّى إذَا انْضَمَّ نُكُولُ الْبَائِعِ إلَى شَهَادَةِ النِّسَاءِ فُسِخَ الْبَيْعُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَقْضِي بِالرَّدِّ بِقَوْلِ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُنَّ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ كَشَهَادَةِ الرِّجَالِ فِيمَا يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ وَقَاسَ بِالْعَيْنَيْنِ إذَا ثَبَتَتْ الْبَكَارَةُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ، فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ إنْ كَانَتْ الْخُصُومَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ يُفْسَخُ الْعَقْدُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا يُفْسَخُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى نَقْلِ الضَّمَانِ مِنْ الْمُشْتَرِي إلَى الْبَائِعِ وَشَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ تَامَّةٍ وَنَوْعٌ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ حُكْمِيٌّ كَالْإِبَاقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْمَعُ خُصُومَةَ الْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ مَا لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ عَلَى وُجُودِ الْعَيْبِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الْعَيْبِ فِي الْحَالِ شَرْطٌ لِتَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ وَلَا طَرِيقَ لِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ فَإِنْ طَلَبَ الْمُشْتَرِي يَمِينَ الْبَائِعِ عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ الْعَيْبِ عِنْدَهُ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يُسْتَحْلَفُ الْبَائِعُ بِاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ أَبَقَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَوْ سَرَقَ أَوْ بَالَ فِي الْفِرَاشِ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْفَصْلَ فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَإِنْ يَثْبُتْ وُجُودُ الْعَيْبِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ وَقَبَضَهُ، وَهُوَ صَغِيرٌ وَالْخُصُومَةُ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَمْ تُسْمَعْ الْخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ الَّذِي كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ قَدْ زَالَ، وَهَذَا عَيْبٌ حَادِثٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي قَالَ وَإِنْ كَانَتْ الْخُصُومَةُ فِي الصِّغَرِ أَوْ كَانَ الشِّرَاءُ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَالْآنَ تُسْمَعُ خُصُومَةُ الْمُشْتَرِي وَيَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الَّذِي كَانَ أَبَقَ عِنْدَهُ بَعْدَمَا بَلَغَ قَبْلَ شِرَائِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ يُسْتَحْلَفُ الْبَائِعُ بِاَللَّهِ لَقَدْ بَاعَهُ وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَمَا أَبَقَ وَلَا سَرَقَ وَلَا بَالَ فِي الْفِرَاشِ مُنْذُ بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ.
وَهَذَا اسْتِحْلَافٌ عَلَى الثَّبَاتِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى التَّسْلِيمِ الَّذِي الْتَزَمَهُ وَالْيَمِينُ الْأُولَى عَلَى الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْجُنُونُ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ فِي الْجُنُونِ يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ لَقَدْ بَاعَهُ وَسَلَّمَهُ، مَا جُنَّ قَطُّ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْجُنُونَ إذَا وُجِدَ مَرَّةً فِي
стр. 2810
الصِّغَرِ أَوْ الْكِبَرِ فَهُوَ عَيْبٌ لَازِمٌ أَبَدًا وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا ﵏ قَالُوا فِي الْجُنُونِ لَا يُشْتَرَطُ عَوْدُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لِتَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ؛ لِأَنَّ أَثَرَ ذَلِكَ الَّذِي كَانَ قَائِمٌ فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَالْجُنُونُ بَعْدَ انْقِلَاعِهِ يَعْقُبُ أَثَرًا يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي حَمَالِيقِ عَيْنَيْهِ وَذَلِكَ يَكْفِي لِتَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ بِخِلَافِ الْإِبَاقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِمَا قَدْ كَانَ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ عَوْدِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لِتَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ.
قَالَ وَإِنْ طَلَبَ الْبَائِعُ يَمِينَ الْمُشْتَرِي بِاَللَّهِ مَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ مُنْذُ عَلِمَ بِهِ وَلَا عَرَضَهُ عَلَى بَيْعٍ حَلَّفَهُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ، فَإِذَا أَنْكَرَ يُسْتَحْلَفُ عَلَيْهِ لِرَجَاءِ نُكُولِهِ.
قَالَ وَالْعَزْلُ عَيْبٌ وَهُوَ أَنْ يَعْزِلَ ذَنَبَهُ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَذَلِكَ يَكُونُ عَادَةً لَا خِلْقَةً وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إذَا رَاثَ وَرُبَّمَا يُحَوِّلُ الذَّنَبَ مِنْ جَانِبِ إلَى جَانِبٍ حَتَّى يُلَطِّخَ وَرِكَيْهِ بِالرَّوْثِ وَذَلِكَ لِيَتَقَذَّرَ وَيُعَدُّ عَيْبًا يُرَدُّ بِهِ.
قَالَ وَالْمَشَشُ عَيْبٌ وَهُوَ شَيْءٌ يَشْخَصُ فِي وَظِيفَتِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ حَجْمٌ لَيْسَ لَهُ صَلَابَةُ الْعَظْمِ قَالَ الْوَظِيفُ مُسْتَدَقُّ السَّاقِ قَالَ وَالْحَرَدُ عَيْبٌ، وَهُوَ كُلُّ مَا حَدَثَ فِي عُرْقُوبِهِ مِنْ تَزَيُّدٍ أَوْ انْتِفَاخِ عَصَبٍ قَالَ وَالزَّوَائِدُ عَيْبٌ، وَهُوَ أَطْرَافُ عَصَبٍ يَتَفَرَّقُ عِنْدَ الْعِجَانَةِ وَيَنْقَطِعُ عِنْدَهَا وَيُلْصَقُ بِهَا وَالْحَرْنُ عَيْبٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الْخَزَرُ، وَهُوَ ضِيقٌ مُفْرِطٌ فِي الْعَيْنِ وَالْأَظْهَرُ هُوَ الْحَرَنُ فَإِنَّهُ ذُكِرَ فِي جُمْلَةِ عُيُوبِ الْفَرَسِ، وَهُوَ أَنْ لَا تَنْقَادَ لِلرَّاكِبِ عِنْدَ الْعِطْفِ وَالسَّيْرِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْجَمْحِ وَالْجَمْحُ عَيْبٌ يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ وَخَلْعُ الرَّأْسِ عَيْبٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِهِ حِيلَةٌ يَخْلَعُ رَأْسَهُ مِنْ الْعِذَارِ، وَإِنْ شُدَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِمَّا يُعَدُّ عَيْبًا وَرُبَّمَا بَطَلَ سَبَبُهُ وَبَلُّ الْمِخْلَاةِ عَيْبٌ إذَا كَانَ يُنْقِصُ الثَّمَنَ، وَهُوَ أَنْ يَسِيلَ لُعَابُ الْفَرَسِ عَلَى وَجْهٍ تَبْتَلُّ الْمِخْلَاةُ بِهِ إذَا جُعِلَتْ عَلَى رَأْسِهِ وَفِيهَا عَلَفُهُ وَقِيلَ أَنْ يَأْخُذَ الْمِخْلَاةَ بِشَفَتَيْهِ فَيَرْمِيَ بِهَا، وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الْجَمْحِ فَهُوَ عَيْبٌ إذَا كَانَ يُنْقِصُ الثَّمَنَ وَالْمَهْقُوعُ عَيْبٌ وَالْهَقْعَةُ دَائِرَةٌ فِي عَرْضِ زَوْرِهِ يُعَدُّ عَيْبًا وَيُتَشَاءَمُ بِهِ وَمِنْهُ يُقَالُ اتَّقِ الْخَيْلَ الْمَهْقُوعَ وَالِانْتِشَارُ عَيْبٌ، وَهُوَ انْتِفَاخُ الْعَصَبِ عِنْدَ التَّعَبِ وَالْعَصَبُ الَّذِي يُنْشَرُ هِيَ الْعِجَانَةُ وَتَحَرُّكُ السَّطَا كَانْتِشَارِ الْعَصَبِ غَيْرَ أَنَّ الْفَرَسَ لِانْتِشَارِ الْعَصَبِ أَشَدُّ احْتِمَالًا مِنْهُ لِتَحَرُّكِ السَّطَا وَالْغَرْبُ عَيْبٌ، وَهُوَ وَرَمٌ فِي الْمَآقِي وَرُبَّمَا يَسِيلُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى قَالَ مُحَمَّدٌ إذَا كَانَ ذَلِكَ سَائِلًا فَصَاحِبُهُ فِي حُكْمِ الطَّهَارَةِ كَصَاحِبِ الْجُرْحِ السَّائِلِ.
وَالشَّتَرُ عَيْبٌ، وَهُوَ انْقِلَابُ فِي الْأَجْفَانِ وَبِهِ كَانَ يُسَمَّى الشَّتَرَ وَهَذَا يُمْكِنُ ضَعْفًا فِي الْبَصَرِ وَالْحَوَلُ عَيْبٌ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ ضَعْفًا فِي الْبَصَرِ حَتَّى يَرَى الْأَحْوَلُ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ شَيْئَيْنِ وَالْحَوَصُ وَالْفَتَلُ عَيْبٌ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْحَوَلِ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ يُمِيلُ إنْسَانَ
стр. 2811
الْعَيْنِ إلَى الْجَانِبِ الْمُقَدَّمِ يُسَمَّى فَتَلًا وَإِذَا كَانَ إلَى الْجَانِبِ الْمُؤَخَّرِ فَهُوَ الْحَوَصُ وَالطَّفْرُ عَيْبٌ وَهُوَ بَيَاضٌ يَبْدُو فِي إنْسَانِ الْعَيْنِ يُسَمَّى بِالْفَارِسِيَّةِ باحسه وَذَلِكَ يُمْكِنُ ضَعْفًا فِي الْبَصَرِ وَرُبَّمَا يَمْنَعُ الْبَصَرَ أَصْلًا وَالشَّعْرُ فِي جَوْفِ الْعَيْنِ يَكُونُ عَيْبًا؛ لِأَنَّهُ يُضْعِفُ الْبَصَرَ.
وَالْجَرَبُ عَيْبٌ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْعَيْنِ أَوْ فِي غَيْرِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْجَرَبَ فِي الْعَيْنِ ضَعْفًا فِي الْبَصَرِ وَفِي غَيْرِ الْعَيْنِ يَكُونُ لِدَاءٍ فِي الْبَدَنِ، وَكَذَلِكَ الْمَاءُ فِي الْعَيْنِ عَيْبٌ؛ لِأَنَّهُ يُضْعِفُ الْبَصَرَ وَرِيحُ السَّبَلِ عَيْبٌ فَإِنَّهُ يُضْعِفُ الْبَصَرَ وَرُبَّمَا يَذْهَبُ بِهِ. وَالسُّعَالُ الْقَدِيمُ عَيْبٌ إذَا كَانَ مِنْ دَاءٍ، أَمَّا الْقَدْرُ الْمُعْتَادُ مِنْهُ فَلَا يُعَدُّ عَيْبًا، فَإِذَا كَانَ قَدِيمًا فَذَلِكَ مِنْ دَاءٍ فِي الْبَدَنِ وَالدَّاءُ نَفْسُهُ عَيْبٌ وَالِاسْتِحَاضَةُ عَيْبٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ لِدَاءٍ فِي الْبَدَنِ ثُمَّ سَيْلَانُ الدَّمِ إذَا كَانَ مُسْتَدَامًا فَرُبَّمَا يُصِيبُهَا وَيَقْتُلُهَا وَاَلَّتِي يَرْتَفِعُ حَيْضُهَا زَمَانًا عَيْبٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ دَاءٍ فِي الْبَدَنِ وَمِنْهُ يَكُونُ مَوَادُّ الْمَرَضِ لِلْمَرْأَةِ فَإِنَّ الرُّطُوبَةَ إذَا كَانَتْ تَسِيلُ مِنْهَا فِي وَقْتِهَا تَكُونُ صَحِيحَةَ الْبَدَنِ وَإِذَا لَمْ تَسِلْ اصْفَرَّ لَوْنُهَا وَلِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ لَا تَحِيضُ فَإِنَّهَا لَا تَحْبَلُ أَيْضًا فَعَرَفْنَا أَنَّهُ يُخِلُّ بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا.
وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ ثُمَّ عَلِمَ بِذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الدَّيْنِ عَلَيْهِ مِمَّا يَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا وَتَكُونُ مَالِيَّتُهُ مَشْغُولَةً بِحَقِّ الْغُرَمَاءِ فَهُوَ عَيْبٌ حُكْمِيٌّ كَعَيْبِ النِّكَاحِ إلَّا أَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ الْبَائِعُ دَيْنَهُ أَوْ يُبْرِئَهُ الْغُرَمَاءُ مِنْهُ فَبِذَلِكَ يَزُولُ الْعَيْبُ وَزَوَالُ الْعَيْبِ قَبْلَ الْخُصُومَةِ يُسْقِطُ حَقَّ الْمُشْتَرِي فِي الرَّدِّ، أَمَّا إذَا عَلِمَ بِالدَّيْنِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ هَلْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا اسْتِدْلَالًا بِسَائِرِ الْعُيُوبِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ كَمَا إذَا كَانَ مُسْتَحَقًّا، وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ كَذَلِكَ هُنَا.
وَإِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَجَدَهَا مُحْرِمَةً فَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَيْبٍ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا عِنْدَنَا وَقَالَ زُفَرُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا وَلَكِنَّهُ يَرُدُّهَا بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ، وَهِيَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا، وَهِيَ مَنْكُوحَةٌ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ النِّكَاحَ وَلَكِنَّهُ يَرُدُّهَا بِالْعَيْبِ وَلَكِنَّا نَقُولُ الْمُشْتَرِي قَائِمٌ فِيهَا مَقَامَ الْبَائِعِ وَقَدْ كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يُحَلِّلَهَا، فَإِذَا كَانَتْ أَحْرَمَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ حَلَّلَهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَإِذَا كَانَتْ أَحْرَمَتْ بِإِذْنِهِ فَلَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا لِمَا فِيهِ مِنْ خُلْفِ الْوَعْدِ فَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ خُلْفَ الْوَعْدِ لَا يُوجَدُ مِنْهُ بِهَذَا وَبِهِ فَارَقَ النِّكَاحَ فَهُنَاكَ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ صِحَّةِ النِّكَاحِ فَكَذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي، وَهَذَا لِأَنَّ لُزُومَ النِّكَاحِ لِحَقِّ الزَّوْجِ، وَقَدْ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّ الْمُشْتَرِي فَأَمَّا
стр. 2812
لُزُومُ الْإِحْرَامِ فَلِحَقِّ الشَّرْعِ وَحَقُّ الْآدَمِيِّ فِي الْمَحَلِّ مُقَدَّمٌ؛ فَلِهَذَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُحَلِّلَهَا وَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْ إزَالَةِ الْعَيْبِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْ زَوْجٍ فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا وَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا كَانَ النِّكَاحُ قَائِمًا وَالزَّوْجُ يَسْتَنِدُ بِالرَّجْعَةِ إلَّا إذَا انْقَضَتْ الْعِدَّةِ قَبْلَ الْخُصُومَةِ فَحِينَئِذٍ لَا يَرُدُّهَا لِزَوَالِ الْعَيْبِ، وَإِنْ كَانَتْ الْعِدَّةُ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ مَوْتٍ فَلَيْسَ هَذَا بِعَيْبٍ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا فَالْعَيْبُ هُوَ النِّكَاحُ وَقَدْ انْقَطَعَ وَالْحُرْمَةُ بِهَذَا السَّبَبِ نَظِيرُ الْحُرْمَةِ بِسَبَبِ الْحَيْضِ كَمَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ عَيْبًا، فَهَذَا مِثْلُهُ.
وَإِذَا وَجَدَ بِالْجَارِيَةِ عَيْبًا فَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّهَا فَقَالَ الْبَائِعُ: مَا هَذِهِ بِجَارِيَتِي فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ لَا يَمْنَعُ تَمَامَ الْقَبْضِ وَالرَّدُّ بِحُكْمِهِ لَا يَنْفَرِدُ الْمُشْتَرِي بِهِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضًا فَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي ثُبُوتَ حَقِّ الرَّدِّ لَهُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَالْبَائِعُ يُنْكِرُ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ خِيَارِ الشَّرْطِ وَالرُّؤْيَةِ.
وَإِنْ اشْتَرَاهَا عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ فَقَالَ وَجَدْتُهَا ثَيِّبًا لَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الْبَكَارَةَ فِي النِّسَاءِ أَصْلٌ فَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي عَارِضًا لِيُثْبِتَ لِنَفْسِهِ حَقَّ الرَّدِّ بِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ دَعْوَى الْعَيْبِ فَلَا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى جَوْزًا أَوْ بَيْضًا فَوَجَدَهُ فَاسِدًا كُلَّهُ وَقَدْ كَسَرَهُ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ كُلَّهُ، أَمَّا الْبَيْضُ فَالْفَاسِدُ مِنْهُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ إذْ هُوَ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ وَلَا قِيمَةَ لِقِشْرِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ أَصْلَ الْبَيْعِ كَانَ بَاطِلًا وَأَمَّا الْجَوْزُ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ اللُّبُّ دُونَ الْقِشْرِ وَلَا قِيمَةَ لِقِشْرِهِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا الْحَطَبُ وَفِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَنْدُرُ فِيهِ الْحَطَبُ فَإِنْ كَانَ لِقِشْرِهِ قِيمَةٌ لَكِنَّ مَالِيَّةَ الْجَوْزِ قَبْلَ الْكَسْرِ بِاعْتِبَارِ اللُّبِّ دُونَ الْقِشْرِ، فَإِذَا كَانَ حَادِثًا أَنَّ مُنْتِنَ اللُّبِّ لَا يَصْلُحُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ فَكَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا فَأَمَّا إذَا كَانَ قَلِيلَ اللُّبِّ أَوْ أَسْوَدَ اللُّبِّ، فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ، فَإِذَا وَجَدَهُ كَذَلِكَ بَعْدَ الْكَسْرِ رَجَعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَرُدُّهُ، وَكَذَلِكَ الْبِطِّيخُ وَالْقَرْعُ وَالْفَاكِهَةُ إذَا وَجَدَهَا فَاسِدَةً كُلَّهَا بَعْدَمَا يَكْسِرُهَا فَإِنْ كَانَتْ لَا تُسَاوِي شَيْئًا رَجَعَ جَمِيعُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ يَأْكُلُهَا بَعْضُ النَّاسِ أَوْ تَصْلُحُ لِعَلْفِ الدَّوَابِّ يَرْجِعُ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الرَّدِّ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ وَلَا طَرِيقَ لَهُ إلَى مَعْرِفَةِ الْعَيْبِ سِوَى الْكَسْرِ وَلَا يَصِيرُ ذَلِكَ مَانِعًا حَقَّهُ فِي الرَّدِّ وَهَذَا لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ الْمُشْتَرِي وَاجِبٌ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَالْبَائِعُ هُوَ الَّذِي سَلَّطَهُ عَلَى الْكَسْرِ فَكَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَلَكِنَّا نَقُولُ الْكَسْرُ عَيْبٌ حَادِثٌ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي
стр. 2813
وَذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنْ الرَّدِّ كَمَا لَوْ تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ بِعَيْبٍ آخَرَ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الرَّدَّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُشْتَرِي، وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُلْحِقُ الضَّرَرَ بِالْبَائِعِ ثُمَّ مُرَاعَاةُ جَانِبِ الْبَائِعِ أَوْلَى فَإِنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي لَا يُبْطِلُ أَصْلًا وَلَكِنْ يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ وَالضَّرَرُ الَّذِي يَلْحَقُ الْبَائِعَ بِالرَّدِّ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِعِوَضٍ؛ فَلِهَذَا رَجَّحْنَا جَانِبَهُ وَهَذَا إذَا وَجَدَ الْكُلَّ فَاسِدًا فَإِنْ وَجَدَ الْبَعْضَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَالْكَلَامُ فِي حِصَّةِ ذَلِكَ كَالْكُلِّ إذَا وَجَدَهُ فَاسِدًا إلَّا أَنَّ فِي الْجَوْزِ إذَا كَانَ الْفَاسِدُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا لَا يَخْلُو الْجَوْزُ مِنْهُ عَادَةً كَالْوَاحِدَةِ وَالِاثْنَيْنِ فِي كُلِّ مِائَةٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الْبَائِعَ لِأَجْلِهِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ الْإِقْدَامِ عَلَى الشِّرَاءِ رَاضٍ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ وَالْجَوْزُ فِي الْعَادَةِ لَا يَخْلُو عَنْ هَذَا فَلَا يُخَاصِمُ فِيهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ.
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا قَدْ حَلَّ دَمُهُ بِقِصَاصٍ أَوْ رِدَّةٍ فَقُتِلَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يُقَوَّمُ حَلَالَ الدَّمِ وَحَرَامَ الدَّمِ فَيَرْجِعُ بِتَفَاوُتِ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ بَعْدَمَا حَلَّ دَمُهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ وَحِلُّ الدَّمِ عَيْبٌ فِيهِ وَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا مَعِيبًا وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَدُّهُ بَعْدَمَا قَبَضَهُ رَجَعَ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ كَمَا لَوْ كَانَ زَانِيًا فَجُلِدَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَمَاتَ وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ بَيْعَ حَلَالِ الدَّمِ صَحِيحٌ وَبِالْقَبْضِ يَنْتَقِلُ إلَى ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ كَانَ الثَّمَنُ مُتَقَرَّرًا عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ الْمُشْتَرِي نَفَذَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ عَالِمًا حِينَ اشْتَرَاهُ أَنَّهُ حَلَالُ الدَّمِ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ فَعَرَفْنَا أَنَّ حِلَّ الدَّمِ عَيْبٌ فِيهِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْبَيْعَ يُرَدُّ عَلَى مَحَلٍّ غَيْرِ مُسْتَحَقٍّ بِسَبَبِ حِلِّ الدَّمِ فَالْمُسْتَحَقُّ بِهِ النَّفْسُ وَإِنَّمَا يَمْلِكُ بِالْبَيْعِ الْمَالِيَّةَ وَمَحَلُّ الدَّمِ لَا يَعْدِمُ الْمَالِيَّةَ وَلَا يَصِيرُ يَسْتَحِقُّهُ وَإِنَّمَا تَلْفِتْ الْمَالِيَّةُ بِاسْتِيفَاءِ الْقَتْلِ، وَذَلِكَ فِعْلٌ أَنْسَأَهُ الْمُسْتَوْفِي بِاخْتِيَارِهِ بَعْدَ مَا دَخَلَ الْمَبِيعُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِخِلَافِ مَا إذَا اُسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ بِمِلْكٍ أَوْ حَقِّ رَهْنٍ أَوْ دَيْنٍ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ هُنَاكَ مَا تَنَاوَلَهُ الْبَيْعُ فَيَنْقُصُ بِهِ قَبْضُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْأَصْلِ وَفِي الْكِتَابِ اسْتَدَلَّ بِمَا لَوْ اشْتَرَى حَامِلًا وَقَبَضَهَا فَوَلَدَتْ وَمَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا لَمْ يَرْجِعْ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ السَّبَبِ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَعُذْرُكُمْ أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْوِلَادَةِ السَّلَامَةُ يُشْكِلُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِالْجَارِيَةِ الْمَغْصُوبَةِ إذَا حَبِلَتْ ثُمَّ رَدَّهَا الْغَاصِبُ فَمَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا يَرْجِعُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ عَلَى الْغَاصِبِ بِقِيمَتِهَا وَفِي هَذَا الْفَرْقِ نَوْعُ تَنَاقُضٍ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ زَالَتْ يَدُ الْمُشْتَرِي عَنْ الْبَيْعِ كَسَبَبِ الْإِزَالَةِ مُسْتَحَقَّةٌ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ كَمَا لَوْ اسْتَحَقَّهُ مَالِكٌ أَوْ مُرْتَهِنٌ أَوْ صَاحِبُ دَيْنٍ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْإِزَالَةَ
стр. 2814
لَمَّا كَانَتْ مُسْتَحَقَّةً قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي يَنْتَقِضُ بِهَا قَبْضُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْأَصْلِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ بِسَبَبِ الرِّدَّةِ مُسْتَحَقٌّ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ وَبِسَبَبِ الْقِصَاصِ مُسْتَحَقٌّ فِي حَقِّ مَنْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُنْشِئَ مَنْ هُوَ لَهُ عَفْوًا بِاخْتِيَارِهِ، وَالْبَيْعُ وَإِنْ كَانَ يُرَدُّ عَلَى الْمَالِيَّةِ وَلَكِنَّ اسْتِحْقَاقَ النَّفْسِ بِسَبَبِ الْقَتْلِ وَالْقَتْلُ مُتْلِفٌ لِلْمَالِيَّةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَكَانَ فِي مَعْنَى عِلَّةِ الْعِلَّةِ وَعِلَّةُ الْعِلَّةِ تُقَامُ مَقَامَ الْعِلَّةِ فِي الْحُكْمِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ الْمُسْتَحَقِّ كَأَنَّهُ الْمَالِيَّةُ وَلَا تَصَوُّرَ لِبَقَاءِ الْمَالِيَّةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ بِدُونِ النَّفْسِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةُ مُسْتَحَقَّةٌ بِالسَّبَبِ الَّذِي كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اسْتِحْقَاقِ الْمَالِيَّةِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَنْفَصِلُ عَنْ الشَّيْءِ بِحَالٍ فَكَأَنَّهُ هُوَ وَلَا تَصَوُّرَ لِبَقَاءِ الْمَالِيَّةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ بِدُونِ النَّفْسِيَّةِ إلَّا أَنَّ اسْتِحْقَاقَ النَّفْسِيَّةِ فِي حُكْمِ الِاسْتِيفَاءِ فَقَطْ وَانْعِقَادُ الْبَيْعِ صَحِيحًا وَرَاءَ ذَلِكَ وَإِذَا مَاتَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَلَمْ يَتِمَّ الِاسْتِحْقَاقُ فِي حُكْمِ الِاسْتِيفَاءِ فَلِهَذَا هَلَكَ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَإِذَا قُبِلَ فَقَدْ تَمَّ ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَظْهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ فِي حُكْمِ الِاسْتِيفَاءِ دُونَ غَيْرِهِ كَمِلْكِ الزَّوْجِ فِي زَوْجَتِهِ وَمِلْكِ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ فِي نَفْسِ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لَا يَظْهَرُ إلَّا فِي الِاسْتِيفَاءِ حَتَّى إذَا وُطِئَتْ الْمَنْكُوحَةُ بِالشُّبْهَةِ كَانَ الْمَهْرُ لَهَا وَإِذَا قَتَلَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إنْسَانٌ فَالدِّيَةُ تَكُونُ لِوَرَثَتِهِ دُونَ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الزِّنَا وَزِنَا الْعَبْدِ لَا يُصَيِّرُ نَفْسَهُ مُسْتَحَقَّةً وَإِنَّمَا الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ ضَرْبٌ مُؤْلِمٌ وَاسْتِيفَاءُ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الْمَالِيَّةَ فِي الْمَحَلِّ وَإِذَا اشْتَرَاهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَحَلَّ دَمِهِ فَفِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ أَيْضًا إذَا قُتِلَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّ حِلَّ الدَّمِ مِنْ وَجْهٍ كَالِاسْتِحْقَاقِ وَمِنْ وَجْهٍ كَالْعَيْبِ حَتَّى لَا يَمْنَعَ صِحَّةَ الْمَبِيعِ فَلِشَبَهِهِ بِالِاسْتِحْقَاقِ قُلْنَا عِنْدَ الْجَهْلِ بِهِ يَرْجِعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَلِشَبَهِهِ بِالْعَيْبِ قُلْنَا لَا يَرْجِعُ عِنْدَ الْعِلْمِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَ هَذَا كَالِاسْتِحْقَاقِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُشْتَرِي وَقَدْ انْدَفَعَ حِينَ عَلِمَ بِهِ، وَأَمَّا الْحَامِلُ فَهُنَاكَ السَّبَبُ الَّذِي كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ يُوجِبُ انْفِصَالَ الْوَلَدِ لَا مَوْتَ الْأُمِّ بَلْ الْغَالِبُ عِنْدَ الْوِلَادَةِ السَّلَامَةُ فَهُوَ نَظِيرُ الزَّانِي إذَا جُلِدَ وَلَيْسَ هَذَا كَالْغَصْبِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْغَاصِبِ فَسْخُ فِعْلِهِ، وَهُوَ أَنْ يَرُدَّ الْمَغْصُوبَ كَمَا غُصِبَ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ حِينَ رَدَّهَا حَامِلًا، وَهُنَا الْوَاجِبُ عَلَى الْبَائِعِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ كَمَا أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ ثُمَّ إنْ تَلِفَ بِسَبَبٍ كَانَ الْهَلَاكُ مُسْتَحَقًّا بِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ يَنْتَقِضُ قَبْضُ الْمُشْتَرِي فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا لَا يَنْتَقِضُ قَبْضُهُ فِيهِ.
وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ سَارِقًا فَقُطِعَتْ يَدُهُ عِنْدَ
стр. 2815
الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِأَنْ يُقَوَّمَ سَارِقًا وَغَيْرَ سَارِقٍ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَرْجِعُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الْيَدِ كَانَ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ بِسَبَبٍ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ وَالْيَدُ مِنْ الْآدَمِيِّ نِصْفُهُ فَيَنْتَقِضُ قَبْضُ الْمُشْتَرِي فِي النِّصْفِ فَيَكُونُ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَجَعَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ مَا بَقِيَ وَيَرْجِعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ كَمَا لَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَّا فِي نِصْفِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ مَا كَانَتْ مُسْتَحَقَّةً فِي يَدِ الْبَائِعِ، أَلَا تَرَى أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَحَرَّزَ عَنْ السِّرَايَةِ بِأَنْ لَا يَقْطَعَ فِي الْبَرْدِ الشَّدِيدِ وَلَا فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ وَأَنْ يَحْسِمَ بَعْدَ الْقَطْعِ فَقَبْضُ الْمُشْتَرِي لَا يَنْتَقِضُ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي، وَإِنْ سَرَى.
قَالَ: وَإِنْ اشْتَرَى جَارِيَةً وَعَبْدًا فَزَوَّجَهُمَا ثُمَّ وَجَدَ بِهِمَا عَيْبًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُمَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ فِيهِمَا عَيْبٌ حَادِثٌ عِنْدَهُ فَإِنْ أَبَانَهَا وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُمَا لِزَوَالِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ وَلَمْ يَجِبْ الْمَهْرُ بِهَذَا النِّكَاحِ فَإِنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا.
قَالَ وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ اشْتَرَى هَذَا الْعَبْدَ وَهَذَا الْعَيْبُ بِهِ وَشَهِدَ آخَرُ عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ بِهِ لَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ لِاخْتِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ فَأَحَدُهُمَا يَشْهَدُ بِقَوْلٍ وَالْآخَرُ بِعَيْبٍ مُعَايَنٍ وَلَيْسَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ.
وَلَوْ بَاعَ عَبْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ بِجَارِيَةٍ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا وَيَأْخُذَ مِنْهُ قِيمَةَ نَفْسِهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخَرَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُف رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَكَانَ يَقُولُ أَوْ لَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْمَوْلَى وَاسْتُحِقَّتْ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ عِنْدَ الْمَوْلَى حَتَّى تَعَذَّرَ رَدُّهَا بِالْعَيْبِ فَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ يَرْجِعُ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَفِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ مِنْ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ.
وَجْهُ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ فَعِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ يَكُونُ رُجُوعُهُ بِقِيمَةِ مَا هُوَ بَدَلٌ لَهُ كَمَا فِي النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ مِنْ دَمِ الْعَمْدِ إذَا اُسْتُحِقَّ الْبَدَلُ وَكَانَ بِعَيْنِهِ رَجَعَ بِقِيمَتِهِ وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى فِي هَذَا الْعَقْدِ الْإِعْتَاقُ فَإِنَّ بَيْعَ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ إعْتَاقٌ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِمَالٍ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَيَوَانَ يُثْبِتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ بِمُقَابَلَتِهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ يَعْتِقُ عَلَى مِلْكِ الْمَوْلَى حَتَّى يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُ وَإِنَّ الْوَكِيلَ مِنْ جَانِبِ الْمَوْلَى فِي هَذَا الْعَقْدِ لَا يَكُونُ لَهُ قَبْضُ الْبَدَلِ وَلَا يَبْطُلُ بِقِيَامِهِ عَنْ الْمَجْلِسِ قَبْلَ قَبُولِ الْعَبْدِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَنْهُ وَالْأَجَلُ إلَى الْحَصَادِ وَنَحْوِهِ يَثْبُتُ فِي بَدَلِهِ وَأَنَّ الْبَدَلَ لَا يُرَدُّ إلَّا بِالْعَيْبِ الْفَاحِشِ عَرَفْنَا
стр. 2816
أَنَّهُ فِي حُكْمِ مُبَادَلَةِ مَالٍ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَتَأْثِيرُهُ وَهُوَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْجَارِيَةِ لِوُرُودِهَا بِالْعَيْبِ لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فَكَيْف يَنْفَسِخُ وَقَدْ عَتَقَ الْعَبْدُ، فَإِذَا لَمْ يَنْفَسِخْ فَقَدْ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْجَارِيَةِ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلتَّسْلِيمِ فَتَجِبُ قِيمَتُهَا وَاسْتَدَلَّ بِالْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى جَارِيَةٍ بِغَيْرِ عَيْنِهَا فَأَدَّاهَا وَعَتَقَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَوْلَى بِهَا عَيْبًا رَدَّهَا وَأَخَذَ مِثْلَهَا صَحِيحَةً فَإِنْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ عِنْدَ الْمَوْلَى رَجَعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ مِنْ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ.
وَكَذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ بِجَارِيَةٍ وَوَجْهُ قَوْلِهِ الْآخَرِ أَنَّ الْمَوْلَى أَزَالَ عَنْ مِلْكِهِ مَالًا بِإِزَاءِ مَالٍ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ مَا بُذِلَ لَهُ رَجَعَ بِقِيمَةِ مَا بُذِلَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ مِنْ فَرَسِهِ بِجَارِيَةٍ فَعَتَقَ عَلَى الْقَرِيبِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ الْجَارِيَةُ رَجَعَ الْمَوْلَى بِقِيمَةِ الْعَبْدِ وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنْ يَقُولَ تَصَرُّفُ الْمَوْلَى بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْعَبْدِ إلَّا مِلْكُ الْمَالِيَّةِ إلَّا أَنَّ إزَالَةَ مِلْكِ الْمَالِيَّةِ إذَا لَمْ تَكُنْ إلَى مَالِكٍ يَكُونُ مُوجِبًا عِتْقَ الْعَبْدِ فَأَمَّا تَصَرُّفُ الْمَوْلَى مِنْ حَيْثُ الْإِزَالَةُ مِلْكٌ فَتُلَاقِي مِلْكَهُ.
وَمِلْكُهُ مِلْكُ الْمَالِيَّةِ وَتَحْقِيقُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ فِي حَقِّ مَا يُسَلَّمُ لِلْعَبْدِ فِي هَذَا فِي مَعْنَى مُبَادَلَةِ الْمَالِ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي سَلِمَ لِلْعَبْدِ الْعِتْقُ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ وَفِيمَا يُزِيلُهُ الْمَوْلَى عَنْ مِلْكِهِ هَذَا مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ فَعِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ مُرَاعَاةُ جَانِبِ الْمَوْلَى أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَوْلَى فَأَمَّا الْعِتْقُ فَسَالِمٌ لِلْعَبْدِ بِكُلِّ حَالٍ وَلِأَنَّ الْعِتْقَ لِلْعَبْدِ يُبْنَى عَلَى إزَالَةِ الْمَوْلَى مِلْكَهُ فَيُعْتَبَرُ مَا هُوَ الْأَصْلُ وَبِاعْتِبَارِهِ هَذَا مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا عَلَى خَمْرٍ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ قِيمَةُ نَفْسِهِ وَمَا كَانَ ذَلِكَ إلَّا بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا فَكَذَلِكَ إذَا اُسْتُحِقَّ الْبَدَلُ أَوْ هَلَكَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَقَوْلُهُ إنَّ السَّبَبَ لَمْ يَنْفَسِخْ عَلَى إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ يَقُولُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى قَدْ انْفَسَخَ السَّبَبُ وَلِأَنَّ فِي حَقِّهِ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ وَلَكِنْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ اسْتِرْدَادُ الْعَبْدِ لِنُفُوذِ الْعِتْقِ فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ كَالْمُدَبَّرِ إذَا مَاتَ الْمَوْلَى وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ أَوْ قَتَلَهُ مَوْلَاهُ تَبْطُلُ وَصِيَّتُهُ وَلَكِنْ يَتَعَذَّرُ رَدُّهُ إلَى الرِّقِّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ فِي قِيمَتِهِ وَعَلَى الطَّرِيقِ الْآخَرِ يَقُولُ لَا يَنْفَسِخُ السَّبَبُ وَلَكِنْ لَمْ يُسَلَّمْ لِلْمَوْلَى الْعِوَضُ فَيَرْجِعُ بِمِثْلِهِ وَمِثْلِ الْجَارِيَةِ بِحُكْمِ هَذَا الْعَقْدِ مَا هُوَ عِوَضُهَا وَهُوَ مَالِيَّةُ الْعَبْدِ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ بِهَذَا بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّ عِوَضَ الصَّدَاقِ هُنَاكَ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ لِيَكُونَ الرُّجُوعُ بِمَالِيَّتِهِ فَلِهَذَا صِرْنَا إلَى قِيمَةِ الصَّدَاقِ هُنَاكَ.
وَفِي الْكِتَابِ قِيلَ الْجَوَابُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فَإِنَّ مِنْ عَادَتِهِ الِاسْتِشْهَادُ بِالْمُخْتَلِفِ لِإِيضَاحِ الْكَلَامِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَنَقُولُ: بَدَلُ الْكِتَابَةِ لَيْسَ لِمُقَابَلَةِ رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ بَلْ بِمُقَابَلَةِ مَا يُسَلَّمُ لِلْمُكَاتَبِ
стр. 2817
لِعَقْدِ الْكِتَابَةِ، وَهُوَ كَوْنُهُ أَحَقَّ بِنَفْسِهِ وَمَكَاسِبِهِ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِمَالٍ؛ فَلِهَذَا كَانَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ فِي النِّكَاحِ وَهُنَا بَدَلُ الْجَارِيَةِ مَالِيَّةُ الْعَبْدِ فِي حَقِّ الْمَوْلَى، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ الْجَارِيَةَ كَانَ رُجُوعُهُ بِمَالِيَّةِ الْعَبْدِ، وَهُوَ قِيمَتُهُ.
وَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ جَارِيَةَ رَجُلٍ بِأَمْرِهِ ثُمَّ خُوصِمَ فِي عَيْبٍ فَقَتَلَهَا بِغَيْرِ قَضَاءِ قَاضٍ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ الْبَائِعَ دُونَ الْآمِرِ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْإِقَالَةِ فِي أَنَّهُ يَعْتَمِدُ تَرَاضِيهِمَا فَالْإِقَالَةُ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ كَالْبَيْعِ الْجَدِيدِ فَكَأَنَّ الْوَكِيلَ اشْتَرَاهَا ابْتِدَاءً قَالَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَحْدُثُ فَيَلْزَمُ الْآمِرَ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِوُجُودِ الْعَيْبِ عِنْدَ الْآمِرِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَشْتَغِلْ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ فِيهَا فَائِدَةً، وَفِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ وَالْمَأْذُونِ قَالَ لَا يَلْزَمُ الْآمِرَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِمَا قُلْنَا إنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْإِقَالَةِ وَفِي هَذَا الْمَعْنَى لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَيْبِ الَّذِي يَحْدُثُ مِثْلُهُ أَوْ لَا يَحْدُثُ وَإِنْ أَبَى الْبَائِعُ أَنْ يَقْبَلَهَا فَخَاصَمَهُ الْمُشْتَرِي إلَى الْقَاضِي فَأَقَرَّ عِنْدَهُ بِالْعَيْبِ كَانَ إقْرَارُهُ عِنْدَ الْقَاضِي وَعِنْدَ غَيْرِهِ سَوَاءً، لَا يَلْزَمُ الْآمِرَ إلَّا فِي عَيْبٍ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ فِي الْعَيْبِ الَّذِي لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ رَدُّ الْقَاضِي بِإِقْرَارِ الْوَكِيلِ وَبِالْبَيِّنَةِ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ يَلْزَمُ الْآمِرَ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَسْخٌ وَقَدْ تَيَقَّنَّا بِوُجُودِ سَبَبِهِ عِنْدَ الْآمِرِ، وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ يَحْدُثُ مِثْلُهُ فَإِقْرَارُ الْوَكِيلِ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْآمِرِ وَلَكِنْ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُثْبِتَ عَلَى الْآمِرِ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ الْعَيْبَ كَانَ عِنْدَهُ لِيَرُدَّهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَعَلَى الْآمِرِ الْيَمِينُ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ رَدَّهَا الْقَاضِي عَلَى الْوَكِيلِ بِبَيِّنَةٍ أَقَامَهَا الْمُشْتَرِي فَالْبَيِّنَةُ حُجَّةٌ عَلَى الْآمِرِ فَيَلْزَمُ الْآمِرَ فَإِنْ رَدَّهَا بِإِبَاءِ الْيَمِينِ مِنْ الْوَكِيلِ، فَإِنَّهَا تَلْزَمُ الْآمِرَ عِنْدَنَا وَقَالَ زُفَرُ هَذَا، وَالْإِقْرَارُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ النُّكُولَ بَدَلٌ عَنْ الْإِقْرَارِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَدَلِ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْآمِرِ وَلَكِنَّ الْوَكِيلَ عَلَى خُصُومَتِهِ مَعَ الْآمِرِ كَمَا فِي الْإِقْرَارِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ بَاعَ الْجَارِيَةَ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ رُدَّتْ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بِنُكُولِهِ جُعِلَ هَذَا وَمَا لَوْ رُدَّتْ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ سَوَاءٌ فِي حَقِّ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْوَكِيلِ وَلَكِنَّا نَقُولُ الْوَكِيلُ مُضْطَرٌّ فِي هَذَا النُّكُولِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْلِفَ كَاذِبًا إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْعَيْبِ وَإِنَّمَا اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ فِي عَمَلٍ بَاشَرَهُ لِلْآمِرِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْعُهْدَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَى الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَيْهِ الثَّمَنَ وَيَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ فَيَكُونَ هُوَ فِي الْإِقْرَارِ مُخْتَارًا لَا مُضْطَرًّا وَبِخِلَافِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ مُضْطَرٌّ فِي النُّكُولِ وَلَكِنْ فِي عَمَلِهِ بَاشَرَهُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَرْجِعُ بِعُهْدَةِ عَمَلِهِ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنْ أَنْكَرَ الْآمِرُ أَنْ تَكُونَ الْجَارِيَةُ الَّتِي بَاعَهَا فَالْقَوْلُ
стр. 2818
قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَى الْآمِرِ بِمَا يَلْحَقُ مِنْ الْعُهْدَةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَالْمُوَكِّلُ مُنْكِرٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَائِعُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا هِيَ الْجَارِيَةُ الَّتِي بَاعَهَا فَحِينَئِذٍ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ.
وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ جَارِيَةً لِرَجُلٍ بِأَمْرِهِ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى الْآمِرِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ الْآمِرِ عِنْدَنَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِلْآمِرِ فَلَا يَمْلِكُ إخْرَاجَهَا عَنْ مِلْكِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَلِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْوَكِيلِ وَيَدُ الْأَمِينِ كَيَدِ صَاحِبِهَا، وَلَوْ كَانَ سَلَّمَهَا إلَى الْآمِرِ لَمْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ إلَّا بِأَمْرِهِ وَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ؛ وَلِهَذَا اخْتَصَّ بِهِ الْوَكِيلُ وَالْعَاقِدُ فِي حُقُوقِ الْعَقْدِ مُسْتَبِدٌّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَقَدَهُ لِغَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّهُ فِي الْحُقُوقِ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الرَّدِّ بِخِيَارِ الشَّرْطِ وَالرُّؤْيَةِ لَا تَحْتَاجُ إلَى اسْتِطْلَاعِ رَأْيِ الْآمِرِ فَكَذَلِكَ فِي الرَّدِّ بِخِيَارِ الْعَيْبِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ التَّسْلِيمِ إلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهَا إلَّا بِإِعَادَتِهَا إلَى يَدِهِ، وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ إثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهَا بِغَيْرِ رِضًا بَعْدَمَا سَلَّمَهَا إلَيْهِ فَأَمَّا قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُضَارِبَ يَرُدُّ مَا اشْتَرَى بِالْعَيْبِ، وَإِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ غَائِبًا وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ يَرُدُّ مَا اشْتَرَى بِالْعَيْبِ، وَإِنْ كَانَ مَوْلَاهُ غَائِبًا فَإِنْ ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ الْآمِرَ قَدْ رَضِيَ بِالْعَيْبِ فَطَلَبَ يَمِينَ الْآمِرِ أَوْ يَمِينَ الْمَأْمُورِ مَا رَضِيَ بِذَلِكَ الْآمِرُ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ذَلِكَ يَمِينٌ عِنْدَنَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى لَا يَرُدُّهَا الْوَكِيلُ وَلَا الْمُضَارِبُ حَتَّى يَحْضُرَ الْآمِرُ أَوْ رَبُّ الْمَالِ فَيَحْلِفَ مَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّ رِضَى الْآمِرِ وَرَبِّ الْمَالِ يُسْقِطُ حَقَّ الْوَكِيلِ فِي الرَّدِّ بِدَلِيلِ أَنَّ الْبَائِعَ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَقَرَّ بِهِ الْوَكِيلُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا، فَإِذَا ادَّعَى الْبَائِعُ سَبَبًا مَسْقِطًا لِحَقِّهِ فِي الرَّدِّ اسْتَحَقَّ الْيَمِينَ عَلَى مَنْ يَدَّعِي ذَلِكَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ ادَّعَى الْوَكِيلُ أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِهِ وَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَى الْوَكِيلِ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي الْبَائِعُ عَلَيْهِ الرِّضَا فَلَوْ اُسْتُحْلِفَ كَانَ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ وَلَا نِيَابَةَ فِي الْيَمِينِ وَلَا يَمِينَ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ يَتَرَتَّبُ عَلَى دَعْوَى وَخُصُومَةٍ وَلَمْ يَجْرِ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْآمِرِ مُعَامَلَةٌ فَلَا يَكُونُ هُوَ خَصْمًا لَهُ فِي دَعْوَى الرِّضَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَإِنَّ الْوَكِيلَ خَصْمٌ لِلْبَائِعِ وَإِنْ كَانَ نَائِبًا عَنْ الْآمِرِ وَإِثْبَاتُ الْحَقِّ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى خَصْمٍ هُوَ ثَابِتٌ صَحِيحٌ وَإِذَا أَقَرَّ الْوَكِيلُ فَرَضِيَ الْآمِرِ بِإِقْرَارِهِ لَا يَثْبُتُ وَلَكِنَّ إقْرَارَهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا خُصُومَةَ لَهُ مَعَ الْبَائِعِ فِي هَذَا الْعَيْبِ فَبِاعْتِبَارِ زَعْمِهِ تَنْقَطِعُ الْخُصُومَةُ، وَلَوْ أَقَرَّ الْوَكِيلُ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ رَضِيَ بِهَذَا الْعَيْبِ، فَذَلِكَ مِنْهُ صَحِيحٌ فِي حَقِّ
стр. 2819
نَفْسِهِ دُونَ الْآمِرِ لَوْ أَقَرَّ أَنَّ الْآمِرَ رَضِيَ بِالْعَيْبِ فَالْجَارِيَةُ تَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يُقِرَّ الْآمِرُ بِذَلِكَ أَوْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَرْضَى بِمَا رَضِيَ بِهِ الْوَكِيلُ.
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلَانِ جَارِيَةً فَوَجَدَا بِهَا عَيْبًا فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي أَنَّ لَهُ ذَلِكَ.
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِجَارِيَةٍ وَتَقَابَضَا ثُمَّ وَجَدَ بِالْعَبْدِ عَيْبًا وَمَاتَ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الْجَارِيَةِ فَيُقَوَّمُ الْعَبْدُ صَحِيحًا وَيُقَوَّمُ وَبِهِ الْعَيْبُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُنْقِصُهُ الْعُشْرَ رَجَعَ بِعُشْرِ الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ بَدَلَ الْعَبْدِ الْجَارِيَةُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ رَدَّهُ وَأَخَذَ الْجَارِيَةَ وَالرُّجُوعُ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الْبَدَلِ يَكُونُ، وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانُ وَالْعُرُوضُ كُلُّهَا إذَا اُسْتُحِقَّ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ أَوْ رُدَّ بِالْعَيْبِ فَقَدْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ فَيَرْجِعُ بِالْبَدَلِ إنْ كَانَ قَائِمًا وَبِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ هَالِكًا؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِرْدَادُهُ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلرَّدِّ، وَكَذَلِكَ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ إنْ كَانَ بِعَيْنِهِ فَإِنَّ فَوَاتَ الْقَبْضِ فِيهِ مُبْطِلٌ لِلْعَقْدِ كَمَا فِي الْعُرُوضِ.
وَلَوْ أَقَرَّ الْمُشْتَرِي بِهِ لِإِنْسَانٍ وَلَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةً لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ دُونَ الْبَائِعِ فَهُوَ فِي حَقِّ الْبَائِعِ مُتْلِفٌ لِلسِّلْعَةِ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّ بِبَيِّنَةٍ فَقَالَ الْبَائِعُ لَيْسَ هُوَ عَبْدِي الَّذِي بِعْتُكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الْبَيْعَ فِي هَذَا الْعَبْدِ، وَلَوْ أَنْكَرَ جَرَيَانَ الْبَيْعِ بَيْنَهُمَا أَصْلًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ وَكَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي إثْبَاتُ الْعَقْدِ بِالْبَيِّنَةِ فَكَذَلِكَ إذَا أَنْكَرَ الْعَقْدَ فِي هَذَا الْمَحَلِّ.
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى خَادِمًا بِكُرِّ حِنْطَةٍ وَلَيْسَ الْكُرُّ عِنْدَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَيَّنَ الْكُرَّ، وَهُوَ مِلْكُ غَيْرِهِ، فَهَذَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ فَهُوَ مَجْهُولُ الصِّفَةِ وَهَذِهِ جَهَالَةٌ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ فَإِنْ قَالَ بِكُرِّ حِنْطَةٍ جَيِّدَةٍ أَوْ وَسَطٍ فَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ هَذَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فِي جَانِبِ الْكُرِّ بَائِعٌ.
وَبَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِشَرَائِطِ السَّلَمِ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ» وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجُوزُ هَذَا الْعَقْدُ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «اشْتَرَى جَزُورًا بِكُرَّيْ تَمْرٍ ثُمَّ اسْتَقْرَضَهُ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ» وَلِأَنَّ الْمَكِيلَ أَوْ الْمَوْزُونَ إذَا لَمْ يَكُنْ بِعَيْنِهِ فَهُوَ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ ثَمَنًا فَكَانَ شِرَاءً بِثَمَنٍ لَيْسَ عِنْدَهُ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ كَالشِّرَاءِ بِالدَّرَاهِمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ ثَمَنٌ جَوَازُ الِاسْتِبْدَالِ بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالِاسْتِبْدَالُ بِالْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا فَإِنْ وَجَدَ بِالْجَارِيَةِ عَيْبًا وَقَدْ اسْتَهْلَكَ الْبَائِعُ الْكُرَّ رَدَّهَا وَأَخَذَ كُرًّا مِثْلَ كُرِّهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الْكُرُّ عِنْدَ الْبَائِعِ بِعَيْنِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ كُرًّا مِثْلَهُ؛ لِأَنَّ
стр. 2820
حَالَ الْمُشْتَرِي مَعَ الْبَائِعِ عِنْدَ الْفَسْخِ كَحَالِ الْبَائِعِ مَعَهُ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَقَدْ كَانَ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي كُرٌّ فِي ذِمَّتِهِ يُعْطِيهِ الْمُشْتَرِي مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ فَكَذَلِكَ الْبَائِعُ يَفْعَلُهُ عِنْدَ الْفَسْخِ.
وَكُلُّ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَوْ يَعُدُّ فِي هَذَا الْحُكْمِ سَوَاءٌ لِمَا قُلْنَا قَالَ: وَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً بِثَوْبٍ لَيْسَ عِنْدَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الثِّيَابَ لَا تُثْبِتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ إلَّا مَوْصُوفَةً وَمُؤَجَّلَةً ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ بِعَيْنِهِ فَوَجَدَ بِالْجَارِيَةِ عَيْبًا وَقَدْ اسْتَهْلَكَ الْبَائِعُ الثَّوْبَ رَدَّهَا وَأَخَذَ قِيمَةَ الثَّوْبِ لِأَنَّ الثَّوْبَ لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَقَدْ لَزِمَهُ رَدُّ عَيْنِهِ حِينَ رَدَّ عَلَيْهِ الْجَارِيَةَ، فَإِذَا تَعَذَّرَ رَدُّهُ بِالِاسْتِهْلَاكِ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ كَمَا فِي الْمَغْصُوبِ وَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ شَيْئًا بِنَقْدٍ أَوْ نَسِيئَةٍ فَلَمْ يَسْتَوْفِ ثَمَنَهُ حَتَّى اشْتَرَاهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ جَازَ.
وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا ﵏ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ يَجُوزُ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي قَدْ تَأَكَّدَ فِي الْمَبِيعِ بِالْقَبْضِ فَيَصِحُّ بَيْعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَيِّ مِقْدَارٍ مِنْ الثَّمَنِ بَاعَهُ كَمَا لَوْ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَهَبَهُ مِنْ الْبَائِعِ جَازَ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ إذَا بَاعَهُ مِنْهُ بِثَمَنٍ يَسِيرٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ مِنْ إنْسَانٍ آخَرَ ثُمَّ بَاعَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ جَازَ.
فَكَذَلِكَ إذَا بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْهُ إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ فَإِنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا وَقَالَتْ إنِّي بِعْتُ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ جَارِيَةً لِي بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى الْعَطَاءِ ثُمَّ اشْتَرَيْتُهَا مِنْهُ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ بِئْسَمَا شَرَيْتِ وَبِئْسَمَا اشْتَرَيْتِ أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْطَلَ حَجَّهُ وَجِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنْ لَمْ يَتُبْ فَأَتَاهَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ مُعْتَذِرًا فَتَلَتْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَسَادَ هَذَا الْعَقْدِ كَانَ مَعْرُوفًا بَيْنَهُمْ وَأَنَّهَا سَمِعَتْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّ أَجْزِيَةَ الْجَرَائِمِ لَا تُعْرَفُ بِالرَّأْيِ وَقَدْ جَعَلْتُ جَزَاءَهُ عَلَى مُبَاشَرَةِ هَذَا الْعَقْدِ بُطْلَانِ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ فَعَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ كَالْمَسْمُوعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاعْتِذَارُ زَيْدٍ ﵁ إلَيْهَا دَلِيلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ كَانَ يُخَالِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَمَا كَانَ يَعْتَذِرُ أَحَدُهُمْ إلَى صَاحِبِهِ فِيهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا أَلْحَقَتْ الْوَعِيدَ بِهِ لِلْأَجَلِ إلَى الْعَطَاءِ فَإِنَّ مَذْهَبَ عَائِشَةَ ﵂ جَوَازُ الْبَيْعِ إلَى الْعَطَاءِ وَقَدْ كَرِهَتْ الْعَقْدَ الثَّانِيَ بِقَوْلِهَا بِئْسَمَا اشْتَرَيْتِ وَلَيْسَ فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى عَرَفْنَا أَنَّهَا إنَّمَا كَرِهَتْ لِمَا قُلْنَا.
وَإِنَّمَا كَرِهَتْ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّهُمَا يُطْرَقَانِ بِهِ إلَى الثَّانِي وَالْمَعْنَى فِيهِ
стр. 2821
أَنَّهُ اشْتَرَى عَلَى مَا لَيْسَ فِي ضَمَانِهِ «وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ» وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الثَّمَنَ لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
فَإِذَا عَادَ إلَيْهِ الْمِلْكُ الَّذِي زَالَ عَنْهُ بِعَيْنِهِ وَبَقِيَ لَهُ بَعْضُ الثَّمَنِ، فَهَذَا رِبْحٌ حَصَلَ لَا عَلَى ضَمَانِهِ وَلَا يُوجَدُ هَذَا الْمَعْنَى فِيمَا إذَا اشْتَرَاهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ أَكْثَرَ فَالرِّبْحُ هُنَاكَ يَحْصُلُ لِلْمُشْتَرِي وَالْمَبِيعُ قَدْ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ وَلَا كَذَلِكَ فِيمَا إذَا بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لِلْمُشْتَرِي هُنَاكَ رِبْحٌ إلَّا عَلَى ضَمَانِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَاهُ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ الْمِلْكُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ أَسْبَابِ الْمِلْكِ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلَافِ أَسْبَابِ الْأَعْيَانِ وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ فِي الْمَبِيعِ عَيْبٌ ثُمَّ اشْتَرَاهُ الْبَائِعُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ رِبْحٌ مَا لَمْ يَضْمَنْ وَلَكِنْ يَجْعَلُ النُّقْصَانَ بِمُقَابَلَةِ الْجُزْءِ الَّذِي احْتَبَسَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي سَوَاءٌ كَانَ النُّقْصَانُ بِقَدْرِ ذَلِكَ أَوْ دُونَهُ حَتَّى إذَا كَانَ النُّقْصَانُ نُقْصَانَ السِّعْرِ فَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْعُقُودِ؛ لِأَنَّهُ فُتُورٌ فِي رَغَبَاتِ النَّاسِ وَلَيْسَ فِيهِ فَوَاتُ جُزْءٍ مِنْ الْعَيْنِ فَبِاعْتِبَارِهِ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهُ بِجِنْسٍ آخَرَ غَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ لَا يَظْهَرُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ فَالْفَضْلُ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي التَّقْوِيمِ وَالْبَيْعُ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَاهُ بِجِنْسِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ وَالْفَضْلُ يَظْهَرُ هُنَاكَ مِنْ غَيْرِ تَقْوِيمٍ.
وَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ بِالدَّرَاهِمِ فَاشْتَرَاهُ بِالدَّنَانِيرِ وَقِيمَتُهَا أَقَلُّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَهُوَ جَائِزٌ فِي الْقِيَاسِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ جِنْسَانِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجْرِي الرِّبَا بَيْنَهُمَا، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هَذَا لَا يَجُوزُ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ صُورَةً وَجِنْسٌ وَاحِدٌ مَعْنًى فَالْمَقْصُودُ مِنْهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الثَّمَنِيَّةُ؛ وَلِهَذَا جُعِلَا فِي أَغْلَبِ الْأَحْكَامِ كَجِنْسٍ وَاحِدٍ فَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُمَا جِنْسَانِ صُورَةً يَصِحُّ هَذَا الْعَقْدُ وَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ مَعْنًى لَا يَجُوزُ هَذَا الْعَقْدُ، وَعِنْدَ اجْتِمَاعِ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلْحِلِّ وَالْمُوجِبِ لِلْحُرْمَةِ يُغَلَّبُ الْمُوجِبُ لِلْحُرْمَةِ بِقَوْلِهِ ﷺ «مَا اجْتَمَعَ الْحَرَامُ وَالْحَلَالُ فِي شَيْءٍ إلَّا وَقَدْ غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» وَلِأَنَّ ثُبُوتَ هَذِهِ الْحُرْمَةِ لِأَجْلِ الرِّبَا وَبَابُ الرِّبَا مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهُ مَمْلُوكُ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ عَبْدُهُ أَوْ مُكَاتَبُهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَمْلُوكِ لِمَالِكِهِ مِنْ وَجْهٍ فَكَسْبُ الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ وَلِلْمَوْلَى فِي كَسْبِ مُكَاتَبِهِ حَقُّ الْمِلْكِ فَهُوَ كَشِرَاءِ الْبَائِعِ بِنَفْسِهِ لِمَكَانِ حَقِّهِ فِي الْمَقْصُودِ بِالْعَقْدَيْنِ وَمَنْ اشْتَرَاهُ وَلَدُهُ أَوْ وَالِدُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ
стр. 2822
يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ بَيْنَهُمَا مُتَبَايِنَةٌ فَلَيْسَ لِلْوَلَدِ فِي مَالِ الْوَالِدِ مِلْكٌ وَلَا حَقُّ مِلْكٍ فَهُوَ قِيَاسُ مَا لَوْ اشْتَرَى أَخُوهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى مِلْكِ الْعَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ شَهَادَةَ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ تُجْعَلُ كَشَهَادَةٍ لِنَفْسِهِ فَكَذَلِكَ شِرَاءُ ابْنِ الْبَائِعِ وَأَبِيهِ كَشِرَاءِ الْبَائِعِ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْخِلَافِ الَّذِي سَبَقَ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَبِيعُ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَمَا لَا يَبِيعُ مِنْ نَفْسِهِ وَمَمْلُوكِهِ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْهُ كَمَا يَجُوزُ مِنْ أَخِيهِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْقَرَابَاتِ.
قَالَ وَإِنْ اشْتَرَى وَكِيلُ الْبَائِعِ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ جَازَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا وَكَّلَ ذِمِّيًّا بِشِرَاءِ خَمْرٍ لَهُ أَوْ بَيْعِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ وَيَنْزِلُ الْوَكِيلُ فِي ذَلِكَ مَنْزِلَةِ الْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ فَكَذَلِكَ هُنَا الْوَكِيلُ عِنْدَهُ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ ثُمَّ الْمِلْكُ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُوَكِّلِ حُكْمًا فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ مَاتَ فَوَرِثَهُ الْبَائِعُ مِنْهُ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ هُنَاكَ يُعْتَبَرُ حَالُ الْمُوَكِّلِ وَيُجْعَلُ عَقَدُ الْوَكِيلِ لَهُ كَعَقْدِهِ لِنَفْسِهِ فَهُنَا أَيْضًا يُجْعَلُ كَذَلِكَ وَالْمُوَكِّلُ هُنَا بَائِعٌ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَكَذَلِكَ شِرَاءُ الْوَكِيلِ لَهُ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يُسَوِّي بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ وَيَقُولُ هُنَاكَ التَّوْكِيلُ بَاطِلٌ وَالْوَكِيلُ يَصِيرُ فِي الشِّرَاءِ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ فَهُنَا أَيْضًا يَصِيرُ الْوَكِيلُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ شِرَاءً صَحِيحًا وَمُحَمَّدٌ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فَيَقُولُ هُنَاكَ الْوَكِيلُ يَصِيرُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ وَهُنَا يَصِيرُ مُشْتَرِيًا لِلْمُوَكِّلِ شِرَاءً فَاسِدًا حَتَّى يَصِيرَ بِقَبْضِ الْوَكِيلِ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعَقْدِ عَلَى الْخَمْرِ حَتَّى لَوْ اشْتَرَى الْخَمْرَ لِنَفْسِهِ لَا يَمْلِكُ، وَإِنْ قَبَضَ فَكَذَلِكَ تَوْكِيلُهُ بِالشِّرَاءِ بَاطِلٌ أَمَّا الْبَائِعُ هُنَا فَمِنْ أَهْلِ مُبَاشَرَةِ هَذَا الْعَقْدِ حَتَّى لَوْ اشْتَرَاهُ بِنَفْسِهِ انْعَقَدَ شِرَاؤُهُ فَاسِدًا، فَكَذَلِكَ إذَا وَكَّلَ غَيْرَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ صَحِيحٌ كَالتَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ إلَى الْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ وَبَعْدَ صِحَّةَ الْوَكَالَةِ، وَبَعْدَ صِحَّةِ الْوَكَالَةِ شِرَاءُ الْوَكِيلِ كَشِرَاءِ الْمُوَكِّلِ وَقَبْضِ الْوَكِيلِ لِلْمُوَكِّلِ فَيَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ وَلَكِنْ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ مَتَى أَمْكَنَ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ لَا يَجُوزُ إفْسَادُهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْفَاسِدِ وَالصَّحِيحِ وَهُنَا لَوْ جَعَلْنَاهُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ كَانَ الشِّرَاءُ صَحِيحًا، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مُشْتَرِيًا لِلْآمِرِ كَانَ الشِّرَاءُ فَاسِدًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ شِرَاءً صَحِيحًا.
وَفِيهِ شُبْهَةٌ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ إنَّ الْبَائِعَ أَوْ ابْنَهُ لَا يَشْتَرِيهِ لِنَفْسِهِ وَمَا تَحَصَّلَ لِلْبَائِعِ مِنْ الْمِلْكِ بِشِرَاءِ
стр. 2823
الْوَكِيلِ فَوْقَ مَا تَحَصَّلَ بِشِرَاءِ ابْنِهِ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ جُعِلَ هَذَا نَظِيرَ الْخَمْرِ فِي الْوَكَالَة فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ فِي شِرَاءِ ابْنِ الْبَائِعِ وَمَمْلُوكِ الْبَائِعِ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ إذَا كَانَ لَهُ عَبْدٌ مُكَاتَبٌ أَوْ عَبْدٌ مَأْذُونٌ كَافِرٌ فَاشْتَرَى خَمْرًا جَازَ شِرَاؤُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ أَبٌ كَافِرٌ فَاشْتَرَى خَمْرًا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يُشْكِلُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ: الْأَصَحُّ عِنْدِي فِي إزَالَةِ هَذَا الْإِشْكَالِ أَنَّ الْمَنْعَ هُنَا لِأَجْلِ الْعَقْدِ لَا لِأَجْلِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ أَنَّ أَحَدَ الْعَقْدَيْنِ لَوْ كَانَ هِبَةً كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ صَحِيحًا وَكُلُّ مَنْ لَهُ الْحَقُّ فِي الْعَقْدَيْنِ جَمِيعًا لَا يَجُوزُ مِنْهُ الشِّرَاءُ كَالْبَائِعِ، وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ حَقٌّ فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ؛ فَلِهَذَا صَحَّ مِنْهُ الْعَقْدُ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ فَأَمَّا الْأَبُ وَالِابْنُ فَلَهُمَا حَقٌّ فِي الْعَقْدَيْنِ فَنَزَلَا مَنْزِلَةَ الْبَائِعِ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْخَمْرِ فَهُنَاكَ الْمَنْعُ لِانْعِدَامِ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ فِي الْخَمْرِ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْعَاقِدِ خَاصَّةً، فَإِذَا كَانَ الْعَاقِدُ كَافِرًا صَحَّ الْعَقْدُ سَوَاءٌ ثَبَتَ بِهِ حَقُّ الْمِلْكِ أَوْ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ أَوْ شُبْهَةَ الْمِلْكِ لِمُسْلِمٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْحُكْمِ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي وَكِيلَيْنِ فِي الْبَيْعِ الْأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ لِلْبَائِعِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ قَبْلَ النَّقْدِ لَا مِنْ الْمُشْتَرِي وَلَا مِنْ مُوَكِّلِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَنْعَ بِاعْتِبَارِ الْعَقْدِ وَالْعَاقِدُ لِغَيْرِهِ فِي حُقُوقِ الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ الْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِمُوَكِّلِ الْبَائِعِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَلَا مِنْ مُوَكِّلِهِ؛ لِأَنَّ وَكِيلَهُ إنَّمَا بَاعَ لَهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِهِ بِنَفْسِهِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الشِّرَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ بَاعَ أَوْ بِيعَ لَهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ قَبْلَ النَّقْدِ، وَهَذَا لِأَنَّ الرِّبْحَ لَا عَلَى ضَمَانِهِ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ.
قَالَ وَإِذَا بَاعَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ نَسِيئَةٍ سَنَةً ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ بِنَسِيئَةٍ سَنَتَيْنِ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى شِرَاءِ مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْأَجَلِ تُمَكِّنُ نُقْصَانًا فِي مَالِيَّةِ الثَّمَنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْلَ الْأَجَلِ يُمَكِّنُ نُقْصَانًا فِي الْمَالِيَّةِ حَتَّى يَكُونَ الْمُؤَجَّلُ أَنْقَصَ مِنْ الْحَالِ وَلِهَذَا يَثْبُتُ رِبَا النَّسْإِ شَرْعًا فَكَذَلِكَ بِزِيَادَةِ الْأَجَلِ يَزْدَادُ النُّقْصَانُ فِي الْمَالِيَّةِ فَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّمَنِ دِرْهَمًا أَوْ أَكْثَرَ جَازَ لِأَنَّ الزَّائِدَ فِي الثَّمَنِ الثَّانِي بِمُقَابَلَةِ النُّقْصَانِ الْمُتَمَكِّنِ بِزِيَادَةِ الْأَجَلِ فَيَنْعَدِمُ النُّقْصَانُ بِهِ مَعْنًى، وَالْمُمْتَنِعُ شِرَاءُ مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الثَّمَنَ الثَّانِيَ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ كَانَ الشِّرَاءُ جَائِزًا.
قَالَ وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ طَعَامًا بِدَرَاهِمَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي مَا بَدَا لَهُ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ الطَّعَامِ يَدًا بِيَدٍ سَوَاءٌ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ طَعَامِهِ أَوْ أَقَلَّ إذَا لَمْ يَكُنْ طَعَامُهُ بِعَيْنِهِ لِأَنَّ
стр. 2824
الثَّمَنَ دَيْنٌ لَا يُسْتَحَقُّ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ وَيَجُوزُ الْإِبْرَاءُ عَنْهُ فَيَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ أَيْضًا كَبَدَلِ الْعُرُوضِ وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ الِاسْتِبْدَالِ بِالثَّمَنِ حَدِيثُ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ حَيْثُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إنِّي أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالنَّقِيعِ وَرُبَّمَا أَبِيعُهُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ مَكَانَهَا دَنَانِيرَ فَقَالَ ﷺ لَا بَأْسَ إنْ افْتَرَقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا عَمَلٌ».
قَالَ وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ إلَى أَجَلٍ، وَهُوَ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ فَحَطَّ عَنْهُ شَيْئًا عَلَى أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ مَا بَقِيَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ وَلَكِنْ يَرُدُّ مَا أَخَذَ وَالْمَالُ كُلُّهُ إلَى أَجَلِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁ يُجَوِّزُ ذَلِكَ وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مُقَابَلَةُ الْأَجَلِ بِالدَّرَاهِمِ وَمُقَابَلَةُ الْأَجَلِ بِالدَّرَاهِمِ رِبًا، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الدَّيْنِ الْحَالِّ لَوْ زَادَهُ فِي الْمَالِ لِيُؤَجِّلَهُ لَمْ يَجُزْ فَكَذَلِكَ فِي الْمُؤَجَّلِ إذَا حَطَّ عَنْهُ الْبَعْضَ لِيُعَجِّلَ لَهُ مَا بَقِيَ وَاَلَّذِي رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «لَمَّا أَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ فَقَالُوا إنَّ لَنَا دُيُونًا عَلَى النَّاسِ فَقَالَ ﷺ ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا» فَتَأْوِيلُ ذَلِكَ ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ أَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ حُرْمَةِ الرِّبَا، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَوْلَى إذَا صَالَحَ مَعَ مُكَاتَبِهِ مِنْ الْأَلْفِ الْمُؤَجَّلَةِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ عَلَى أَنْ يُعَجِّلَهَا لَهُ فَذَلِكَ يَجُوزُ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ مَلَكَهُ وَلَا رِبًا بَيْنَ الْمَمْلُوكِ وَسَيِّدِهِ فَمَا فِيهِ شُبْهَةُ الرِّبَا لَا يُعْتَبَرُ بَيْنَ الْمَمْلُوكِ وَالسَّيِّدِ وَإِنْ كَانَ يُعْتَبَرُ حَقِيقَةُ الرِّبَا بَيْنَهُمَا حَتَّى لَا يَجُوزَ بَيْعُ الدَّرَاهِمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ بَيْنَهُمَا يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمَوْلَى يَقْصِدُ بِالْكِتَابَةِ الرِّفْقَ بِالْمُكَاتَبِ فَكَذَلِكَ فِي حَطِّ بَعْضِ الْبَدَلِ مَقْصُودُهُ الرِّفْقُ بِهِ لَا مُبَادَلَةَ الْأَجَلِ بِالدَّرَاهِمِ وَكَذَا لَوْ زَادَهُ فِي بَدَلِ الْكِتَابَةِ لِيَزِيدَهُ فِي الْأَجَلِ جَازَ وَيَنْعَدِمُ هَذَا الْمَعْنَى فِيمَا بَيْنَ الْحُرَّيْنِ.
قَالَ وَإِذَا بَاعَ عَبْدًا بِنَسِيئَةٍ فَبَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ رَجُلٍ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ الْبَائِعُ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ جَازِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِلْكٌ مُتَجَدِّدٌ ثَبَتَ لِلثَّانِي بِسَبَبٍ جَدِيدٍ فَهُوَ كَعَيْنٍ آخَرَ يَشْتَرِيه بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ مِنْهُ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ وَبَيْنَ الْوَارِثِ فَإِنَّ الْبَائِعَ لَوْ اشْتَرَاهُ مِنْ وَارِثِ الْمُشْتَرِي بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوِرَاثَةَ خِلَافَةٌ وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ الْمِلْكُ الَّذِي كَانَ لِلْمُوَرِّثِ؛ وَلِهَذَا يَرُدُّهُ بِالْعَيْبِ وَيَصِيرُ مَغْرُورًا فِيمَا اشْتَرَاهُ مُوَرِّثُهُ وَيَجُوزُ إقَالَةُ الْوَارِثِ مَعَ الْبَائِعِ أَمَّا الْمُوصَى لَهُ فَثَبَتَ لَهُ مِلْكٌ بِسَبَبٍ مُتَجَدِّدٍ؛ وَلِهَذَا لَا يَرُدُّهُ بِالْعَيْبِ وَلَا يَقْبَلُ الْعَقْدَ مَعَ بَائِعِ الْمُوصِي وَلَا يَصِيرُ مَغْرُورًا فِيمَا اشْتَرَاهُ الْمُوصِي؛ فَلِهَذَا جَازَ شِرَاؤُهُ مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ وَفَرَّقَ بَيْنَ مَا إذَا اشْتَرَاهُ لَهُ وَارِثُ الْبَائِعِ مِنْ الْمُشْتَرِي بَعْدَ
стр. 2825
مَوْتِ الْبَائِعِ وَبَيْنَ مَا إذَا اشْتَرَاهُ الْبَائِعُ مِنْ وَارِثِ الْمُشْتَرِي وَأَبُو يُوسُفَ يُسَوِّي بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ وَيَقُولُ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ وَارِثَ الْبَائِعِ يَقُومُ مَقَامَهُ بَعْدَهُ كَوَارِثِ الْمُشْتَرِي وَوَجْهُ الْفَرْقِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ فِيمَا كَانَ لِلْمُوَرِّثِ وَقَدْ كَانَ الْمِلْكُ فِي الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي فَيَخْلُفُهُ وَارِثُهُ فِيهِ وَمَا كَانَ مِلْكُهُ لِلْوَارِثِ فَيَخْلُفُهُ وَارِثُهُ فِي ذَلِكَ وَلَكِنَّ هَذَا مِلْكٌ يَحْصُلُ لِوَارِثِ الْبَائِعِ بِاكْتِسَابِهِ، وَهُوَ لَيْسَ يَخْلُفُ عَنْ الْبَائِعِ فِي ذَلِكَ فَيُجْعَلُ شِرَاؤُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْبَائِعِ كَشِرَائِهِ فِي حَيَاةِ الْبَائِعِ قَالَ: وَإِنْ اشْتَرَاهُ الْبَائِعُ مِنْ الْمُشْتَرِي مَعَ عَبْدٍ آخَرَ بِثَمَنِ حِصَّتِهِ مِنْهُ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهُ لَمْ يَجُزْ الشِّرَاءُ فِيهِ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ وَحْدَهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَيَجُوزُ فِي الْعَبْدِ الْآخَرِ بِحِصَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُفْسِدَ لِلْعَقْدِ فِي حِصَّةِ الْعَبْدِ الْآخَرِ وَقَدْ بَيَّنَّا عُذْرَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْخِلَافِيَّاتِ أَنَّ هَذَا فَسَادٌ ضَعِيفٌ خَفِيٌّ؛ وَلِهَذَا خَفِيَ عَلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ فَلَا يُعَدُّ وَحُكْمُهُ مَحَلُّهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْفَسَادُ ظَاهِرًا بِسَبَبِ الرِّبَا أَوْ غَيْرِهِ وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ بِمُقَابَلَةِ مَا بَاعَ مِثْلَ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ احْتِيَالًا لِتَصْحِيحِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَجْهَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِلتَّصْحِيحِ فَإِنَّهُ وَإِنْ جُعِلَ بِمُقَابَلَةٍ أَكْثَرَ مِنْ الْأَوَّلِ يَجُوزُ الْعَقْدُ أَيْضًا وَلَا يُقَالُ قَدْ جُعِلَ قَبُولُ الْعَقْدِ فِي ذَلِكَ شَرْطًا لِقَبُولِ الْعَقْدِ فِي الْآخَرِ، وَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْسُدَ بِهِ الْعَقْدُ فِي الثَّانِي كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي نَظَائِرِ هَذَا؛ لِأَنَّ قَبُولَ الْعَقْدِ فِي ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَاسِدٍ أَلَا تَرَى أَنَّ ثَمَنَهُ لَوْ كَانَ مِثْلَ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ خِلَافَ جِنْسِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ صَحِيحًا وَإِنَّمَا الْفَسَادُ لِأَجْلِ الرِّبْحِ الْحَاصِلِ لَا عَلَى ضَمَانِهِ.
وَهَذَا الْمَعْنَى يَقْتَصِرُ عَلَى الْعَبْدِ الَّذِي بَاعَهُ وَلَا يَتَعَدَّى إلَى الْعَقْدِ فِي الْعَبْدِ الثَّانِي، وَإِنْ اشْتَرَاهُ الْبَائِعُ مَعَ رَجُلٍ آخَرَ جَازَ شِرَاءُ الْأَجْنَبِيِّ فِي نِصْفِهِ كَمَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ فِي الْكُلِّ إذَا اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ وَاعْتِبَارُ الْبَعْضِ بِالْكُلِّ اعْتِبَارٌ صَحِيحٌ.
وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ جَازَ إنْ كَانَتْ الْوِلَادَةُ نَقَصَتْهَا كَمَا لَوْ دَخَلَهَا عَيْبٌ آخَرُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِسَبَبٍ آخَرَ وَلَا يَجُوزُ إنْ لَمْ يُنْقِصْهَا؛ لِأَنَّ مَا دَخَلَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي عَلَى هَيْئَتِهِ كَمَا كَانَ، فَإِذَا اشْتَرَاهَا الْبَائِعُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ يَحْصُلُ لَهُ رِبْحٌ لَا عَلَى ضَمَانِهِ.
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ شِرَائِهَا فَادَّعَى الْوَلَدَ وَكَذَّبَهُ الْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَاهُ فِي الْقِيَاسِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَصَحَّتْ دَعْوَتُهُ فِي الِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ قَوْلُ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ ﵏ -
стр. 2826
وَجْهُ الْقِيَاسِ فِيهِ أَنَّ الْبَائِعَ بِهَذِهِ الدَّعْوَى يَسْعَى فِي نَقْصِ مَا تَمَّ بِهِ فَلَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ كَمَا لَوْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهَا قَبْلَ الْبَيْعِ وَكَمَا لَوْ جَاءَتْ بِالْوَلَدِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا وَكَمَا لَوْ مَاتَ الْوَلَدُ أَوْ أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْوَلَدَ ثُمَّ ادَّعَى نَسَبَهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مُنَاقِضٌ فِي كَلَامِهِ فَإِقْدَامُهُ عَلَى بَيْعِهَا إقْرَارٌ مِنْهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِأُمِّ وَلَدٍ لَهُ، فَإِذَا زَعَمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْوَلَدَ وَلَدُهُ وَأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لَهُ كَانَ مُنَاقِضًا فِي ذَلِكَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْبَائِعَ لَوْ ادَّعَى نَسَبَ هَذَا الْوَلَدِ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَاهُ بِاتِّفَاقٍ فَلَوْ جَعَلَ الْحَالَ بَعْدَ بَيْعِهَا كَالْحَالِ قَبْلَهُ فِي دَعْوَى الْبَائِعِ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ فِي دَعْوَى أَبِيهِ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّ الْعُلُوقَ حَصَلَ فِي مِلْكِهِ لِأَنَّ أَدْنَى مُدَّةِ الْحَبَلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَلَمَّا وَضَعَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ عَرَفْنَا أَنَّ الْعُلُوقَ كَانَ حَاصِلًا قَبْلَ الْبَيْعِ وَحُصُولُ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِهِ يُثْبِتُ لَهُ حَقَّ اسْتِحْقَاقِ النَّسَبِ بِالدَّعْوَى وَحَقُّ اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بِحَقِيقَةِ النَّسَبِ فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ وَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ كَانَتْ دَعْوَاهُ بَعْدَ الْبَيْعِ كَدَعْوَاهُ قَبْلَهُ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُنْقِصُهُ مَا هُوَ دُونَهُ وَإِنَّمَا يُنْقِصُهُ مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ فَوْقَهُ وَالْمِلْكُ الثَّابِتُ لِلْمُشْتَرِي دُونَ حَقِّ اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ لِلْبَائِعِ، فَهَذَا يَحْتَمِلُ لَرَفْعِهِ وَذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ فَلَا يَنْتَقِضُ بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا وَضَعَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا فَإِنَّا لَا نَتَيَقَّنُ هُنَاكَ بِحُصُولِ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ وَثُبُوتُ حَقِّ اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ لَهُ وَالْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي مُتَيَقَّنٌ بِهِ وَالْمُتَيَقَّنُ بِهِ أَقْوَى مِمَّا لَا يُتَيَقَّنُ فِيهِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْوَلَدَ؛ لِأَنَّ وَلَاءَهُ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي بِالْعِتْقِ وَالْوَلَاءُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ لِحَقِّ اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ فَيَنْتَقِضُ بِهِ مَا كَانَ مِنْ حَقِّ اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِثْلُهُ أَوْ فَوْقَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّ حَقَّ اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ لِمَنْفَعَةِ الْوَلَدِ وَحَاجَتِهِ إلَى النَّسَبِ، وَهُوَ بِالْمَوْتِ قَدْ اسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ بِخِلَافِ مَا لَوْ ادَّعَاهُ أَبُو الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ لَا يَثْبُتُ لِابْنِهِ حَقُّ اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ إلَّا بِشَرْطٍ، وَهُوَ وِلَايَةُ نَقْلِهَا إلَى نَفْسِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ حَقَّ الدَّعْوَى لَا يَثْبُتُ لِلْجَدِّ حَالَ حَيَاةِ الْأَبِ وَيَثْبُتُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ، وَهَذَا الشَّرْطُ لَا يُوجَدُ فِيهِ بَعْدَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَمْلُوكَةً لِلْمُشْتَرِي فَلَيْسَ لِلْأَبِ وِلَايَةُ نَقْلِهَا إلَى نَفْسِهِ بِالدَّعْوَى؛ فَلِهَذَا تَصِحُّ دَعْوَاهُ ثُمَّ التَّنَاقُضُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُلَاعِنَ إذَا كَذَّبَ نَفْسَهُ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ، وَهُوَ مُنَاقِضٌ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ لِخَفَاءِ أَثَرِ الْعُلُوقِ وَقَدْ يَظُنُّ فِي الِابْتِدَاءِ أَنَّهَا لَمْ تَعْلَقْ مِنْهُ فَيَبِيعُهَا ثُمَّ يَتَبَيَّنُ أَنَّهَا عَلِقَتْ مِنْهُ فَيَسْتَدْرِكُ ذَلِكَ بِدَعْوَى النَّسَبِ وَحُكْمُ الْحَاكِمِ بِاللِّعَانِ وَقَطْعِ النَّسَبِ أَقْوَى مِنْهُ فِي بَيْعِهِ إيَّاهَا، فَإِذَا
стр. 2827
جَازَ إبْطَالُ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِدَعْوَى النَّسَبِ وَإِنْ كَانَ هُوَ سَاعِيًا فِي نَقْضِ مَا تَمَّ بِهِ فَلَأَنْ يَجُوزَ إبْطَالُ الْبَيْعِ أَوْلَى، وَإِنْ ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي أَوَّلًا ثُمَّ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ نَسَبَهُ قَدْ ثَبَتَ مِنْ الْمُشْتَرِي فَاسْتَغْنَى بِهِ الْوَلَدُ عَنْ النَّسَبِ؛ وَلِأَنَّ النَّسَبَ الَّذِي يَثْبُتُ مِنْ الْمُشْتَرِي لَا يَحْمِلُ النَّقْضَ فَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْوَلَاءِ الثَّابِتِ لَهُ بِالْعِتْقِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ اعْتِبَارَ الْوَلَاءِ يُبْطِلُ حَقَّ الِاسْتِلْحَاقِ الثَّابِتِ لِلْبَائِعِ فَاعْتِبَارُ النَّسَبِ أَوْلَى.
وَإِنْ ادَّعَيَاهُ مَعًا فَإِنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبَهُ مِنْ الْبَائِعِ وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْبَائِعِ وَيَنْتَقِضُ الْبَيْعُ فِيهَا عِنْدَنَا قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ لِلْمُشْتَرِي فِيهَا حَقِّيَّةَ الْمِلْكِ وَلِلْبَائِعِ حَقُّ الْمِلْكِ وَصَاحِبُ حَقِّيَّةِ الْمِلْكِ يَتَرَجَّحُ فِي الدَّعْوَى كَمَا لَوْ وَلَدَتْ جَارِيَةُ رَجُلٍ فَادَّعَى الْوَلَدَ هُوَ وَأَبُوهُ صَحَّتْ دَعْوَى الْمَوْلَى دُونَ أَبِيهِ لِهَذَا الْمَعْنَى وَلَكِنَّا نَقُولُ دَعْوَى الْبَائِعِ سَابِقَةٌ مَعْنًى؛ لِأَنَّهَا تَسْتَنِدُ إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ فَإِنَّ الْعُلُوقَ حَصَلَ فِي مِلْكِهِ وَدَعْوَى الْمُشْتَرِي لَا تَسْتَنِدُ إلَى تِلْكَ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَوْ سَبَقَ الْبَائِعُ بِالدَّعْوَى كَانَ النَّسَبُ ثَابِتًا مِنْهُ فَكَذَلِكَ إذَا سَبَقَتْ مَعْنَى بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْأَبِ لِأَنَّ دَعْوَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُنَاكَ تَسْتَنِدُ إلَى مَا تَسْتَنِدُ إلَيْهِ دَعْوَى الْآخَرِ إلَّا أَنَّ شَرْطَ دَعْوَى الْأَبِ نَقْلُهَا إلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ اتِّحَادُ هَذَا الشَّرْطِ إذَا اقْتَرَنَتْ دَعْوَى الْمَوْلَى بِدَعْوَاهُ، يُوَضِّحُ مَا قُلْنَا أَنَّ دَعْوَى الْمُشْتَرِي دَعْوَى التَّحْرِيرِ؛ لِأَنَّ الْعُلُوقَ لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا فِي مِلْكِهِ وَدَعْوَى التَّحْرِيرِ كَالْإِعْتَاقِ أَمَّا دَعْوَى الْبَائِعِ فَدَعْوَى اسْتِيلَاءٍ وَلِأَنَّ الْعُلُوقَ كَانَ فِي مِلْكِهِ فَيُجْعَلُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ادَّعَاهُ وَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي مَعًا فَتَكُونُ دَعْوَى الْبَائِعِ أَوْلَى وَأَمَّا إذَا وَلَدَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَادَّعَيَاهُ مَعًا فَدَعْوَى الْمُشْتَرِي أَوْلَى لِأَنَّا لَنْ نَتَيَقَّنَ بِحُصُولِ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ هُنَا، وَلَوْ انْفَرَدَ بِالدَّعْوَى لَمْ يَصِحَّ إذَا لَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُشْتَرِي، فَإِذَا اقْتَرَنَتْ دَعْوَى الْمُشْتَرِي بِدَعْوَى الْبَائِعِ فَأَوْلَى أَنْ لَا تَصِحَّ دَعْوَى الْبَائِعِ.
قَالَ: وَلَوْ أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْأُمَّ ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ الْوَلَدَ وَقَدْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَنَسَبُهُ يَثْبُتُ مِنْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى النَّسَبِ فَحَلَّ لَهُ بَعْدَ عِتْقِ الْأُمِّ وَلَكِنْ لَا يُنْقَضُ عِتْقُ الْمُشْتَرِي فِي الْأُمِّ لِلْوَلَاءِ الَّذِي لَمْ يَثْبُتْ لَهُ عَلَيْهَا، وَهُوَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ نَسَبُ الْوَلَدِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَثْبُتُ حَقُّ أُمِّيَّةِ الْوَلَدِ لِلْأُمِّ كَمَا فِي وَلَد الْمَغْرُور، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعْتَقَ الْوَلَدَ فَإِنَّ هُنَاكَ دَعْوَى الْبَائِعِ لَا تَصِحُّ فِي حَقِّ الْأُمِّ لِأَنَّ الْوَلَدَ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَالْأُمُّ تَبَعٌ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَصْحِيحُ دَعْوَاهُ فِيمَا هُوَ الْأَصْلُ لَا يَشْتَغِلُ بِتَصْحِيحِهِ فِي الْبَيْعِ فَأَمَّا حَقُّ الْأُمِّ فِي الِاسْتِيلَادِ فَبَيْعٌ
стр. 2828
وَتَعَذُّرُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْبَيْعِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ؛ فَلِهَذَا يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ وَيُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَتِهَا وَقِيمَةِ وَلَدِهَا فَيَرُدُّ الْبَائِعُ حِصَّةَ الِابْنِ مِنْ الثَّمَنِ وَإِنَّمَا لِهَذَا الْوَلَدِ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ انْفَصَلَ بَعْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْصُودًا بِنَقْضِ الْعَقْدِ فِيهِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ الْمَقْصُودِ بِالْقَبْضِ فَيَكُونُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ وَلِذَلِكَ لَوْ كَانَتْ وَلَدَتْ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهَا ثُمَّ ادَّعَى النَّسَبَ بَعْدَمَا بَاعَهَا، فَهَذَا وَمَا سَبَقَ سَوَاءٌ، وَلَوْ اشْتَرَاهَا ثُمَّ بَاعَهَا ثُمَّ ادَّعَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ نَسَبَ الْوَلَدِ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْعُلُوقِ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ فَدَعْوَاهُ فِيهِ كَدَعْوَى التَّحْرِيرِ وَلَا يَعْمَلُ بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ، وَلَوْ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ صَحَّتْ دَعْوَاهُ لِأَنَّ الْعُلُوقَ كَانَ فِي مِلْكِهِ وَالْبَيْعُ الثَّانِي فِي احْتِمَالِ النَّقْضِ كَالْأَوَّلِ فَبِاعْتِبَارِ الدَّعْوَى يَنْقُضُ الْعَقْدَانِ جَمِيعًا.
وَلَوْ وَلَدَتْ عِنْدَهُ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ ثُمَّ بَاعَ أَحَدَهُمَا وَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ الْوَلَدَ الَّذِي عِنْدَهُ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا مِنْهُ لِحَاجَتِهِمَا إلَى النَّسَبِ وَبَقِيَ أَحَدُ الْوَلَدَيْنِ فِي مِلْكِهِ عَلَى حَالِهِ ثُمَّ يَنْتَقِضُ عِتْقُ الْمُشْتَرِي فِي الْوَلَدِ الْآخَرِ حُكْمًا؛ لِأَنَّهُمَا تَوْأَمٌ خُلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ فَمِنْ ضَرُورَةِ حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ لِأَحَدِهِمَا حُرِّيَّةُ الْأَصْلِ لِلْآخَرِ وَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ فِيهِ انْتِقَاضُ الْعِتْقِ وَالْوَلَاءِ الثَّابِتِ لِلْمُشْتَرِي بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فِيمَا إذَا أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْأُمَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ النَّسَبِ وَحُرِّيَّةِ الْأَصْلِ لِلْوَلَدِ انْتِقَاضُ عِتْقِ الْمُشْتَرِي الْأُمَّ يُوَضِّحُهُ أَنَّ هُنَاكَ لَوْ نُقِضَ عِتْقُ الْمُشْتَرِي عَادَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِلْبَائِعِ فَيَطَؤُهَا بِالْمِلْكِ بَعْدَمَا حَكَمَ بِحُرِّيَّتِهَا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَمَّا هُنَا لَوْ نَقَضْنَا عِتْقَ الْمُشْتَرِي فِي الْوَلَدِ أَثْبَتْنَا فِيهِ مَا هُوَ أَقْوَى، وَهُوَ حُرِّيَّةُ الْأَصْلِ، فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ بُيُوعِ أَهْلِ الذِّمَّةِ]
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى الذِّمِّيُّ مَمْلُوكًا مُسْلِمًا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ جَازَ شِرَاؤُهُ فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ ﵏ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] وَفِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ سَبَبٌ يُكْسِبُهُ إثْبَاتَ أَقْوَى السَّبِيلِ لَهُ عَلَيْهِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْكَافِرَ لَا يُقَرُّ عَلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِ هَذَا الْعَقْدِ لِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِدَامَتُهُ كَنِكَاحِ الْمُسْلِمَةِ وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ الْمَقْصُودَ اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إلَّا مُؤَبَّدًا، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ اسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ عَلَى الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ يُجْبَرُ
стр. 2829
عَلَى بَيْعِهِ.
فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ عَلَى الْمُسْلِمِ لَا يَصِحُّ مُبَاشَرَةُ سَبَبِ الْمِلْكِ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ إسْلَامَ الْمَمْلُوكِ مَعَ كُفْرِ الْمَالِكِ يَمْنَعُ اسْتِدَامَةَ الْمِلْكِ إذَا طَرَأَ فَيَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْمِلْكِ إذَا اقْتَرَنَ بِالسَّبَبِ كَمَا فِي النِّكَاحِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ مَمْنُوعٌ مِنْ اسْتِذْلَالِ الْمُسْلِمِ وَفِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ لَهُ عَلَيْهِ اسْتِذْلَالُ الْمُسْلِمِ وَلِهَذَا لَا يَسْتَرِقُّ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ فَكَذَلِكَ لَا يَشْتَرِيهِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالشِّرَاءِ لَهُ مِلْكٌ مُتَجَدِّدٌ بِتَجَدُّدِ سَبَبِهِ وَلِهَذَا لَا يَرُدُّ بِالْعَيْبِ عَلَى بَائِعِهِ فَيَكُونُ هَذَا فِي الْمَعْنَى كَالِاسْتِرْقَاقِ بِخِلَافِ الْإِرْثِ فَإِنَّهُ يَبْقَى لِلْوَارِثِ الْمِلْكُ الَّذِي كَانَ لِلْمُوَرِّثِ وَلِهَذَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْخَمْرَ وَلَا يَمْلِكُ الْخَمْرَ بِالشِّرَاءِ وَبِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ بِالْبَيْعِ يَزُولُ مِلْكُهُ وَذُلُّهُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَاكْتِسَابُ سَبَبِ إزَالَةِ الذُّلِّ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ إنَّمَا الْمَمْنُوعُ مِنْهُ اكْتِسَابُ سَبَبِ الذُّلِّ، وَهَذَا النَّهْيُ لِمَعْنًى فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَيَكُونُ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَافِرَ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ الْمُسْلِمَةَ وَلَا يَصِحُّ عَقَدُ النِّكَاحِ مِنْ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَلَدِ يَشْتَرِي وَالِدَهُ يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مَمْنُوعًا عَنْ إذْلَالِ وَالِدِهِ؛ لِأَنَّ بِالشِّرَاءِ هُنَاكَ تَتِمُّ عِلَّةُ الْعِتْقِ فَيَتَخَلَّصُ بِهِ عَنْ ذُلِّ الرِّقِّ وَالْأُمُورُ بِعَوَاقِبِهَا فَبِاعْتِبَارِ الْمَآلِ يَصِيرُ هَذَا الشِّرَاءُ إكْرَامًا الَا إذْلَالًا؛ وَلِهَذَا قُلْنَا الِابْنُ الْكَافِرُ إذَا اشْتَرَى أَبَاهُ الْمُسْلِمَ يَجُوزُ.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْكَافِرُ لِمُسْلِمٍ أَعْتِقْ عَبْدَكَ هَذَا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ يَجُوزُ وَيَتَمَلَّكُهُ الْكَافِرُ ثُمَّ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْفَصْدِ فَهُوَ جُرْحٌ لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَعِنْدَ الْحَاجَةِ يَكُونُ دَوَاءً، وَاَلَّذِي يُحَقِّقُ مَا قُلْنَا أَنَّهُ بِالشِّرَاءِ يَتَمَكَّنُ مِنْ قَبْضِهِ وَفِي إثْبَاتِ الْيَدِ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَفِيدُ بِهِ مِلْكُ التَّصَرُّفِ مَعْنَى الذُّلِّ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَإِنْ قُلْتُمْ إنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ قَبْضِهِ فَيَقُولُ مَا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْقَبْضُ بِحُكْمِ الشِّرَاءِ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ كَالْعَبْدِ الْآبِقِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ فَوَاتَ الْقَبْضِ إذَا طَرَأَ بِهَلَاكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ كَانَ مُبْطِلًا لِلْعَقْدِ، فَإِذَا اقْتَرَنَ بِالْعَقْدِ مَنَعَ انْعِقَادَ الْعَقْدِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْمُحْرِمُ إذَا اشْتَرَى طِيبًا لَا يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ إثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ، وَكَذَا عَلَى الصَّيْدِ لِإِحْرَامِهِ فَلَا يَمْلِكُهُ بِالشِّرَاءِ كَمَا لَا يَمْلِكُهُ بِالِاصْطِيَادِ فَكَذَلِكَ الْكَافِرُ فِي الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ الْعُمُومَاتُ الْمُجَوِّزَةُ لِلْبَيْعِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْكَافِرَ يَمْلِكُ بَيْعَ عَبْدِهِ الْمُسْلِمَ فَيَمْلِكُ شِرَاءَهُ كَالْمُسْلِمِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ بِاعْتِبَارِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ وَكَوْنُ الْمَحَلِّ قَابِلًا لِلتَّصَرُّفِ وَمَا يَصِيرُ بِهِ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ يَسْتَوِي فِيهِ الْكَافِرُ وَالْمُسْلِمُ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمَحَلُّ مَحَلًّا لِلتَّصَرُّفِ لِكَوْنِهِ مَالًا مُتَقَوِّمًا وَالْعَبْدُ الْمُسْلِمُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ جَمِيعًا
стр. 2830
أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْعَ يَسْتَدْعِي مَحَلًّا هُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ كَالشِّرَاءِ فَنُفُوذُ بَيْعِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِ وَفِي تَصْحِيحِ الْبَيْعِ إظْهَارُ سُلْطَانِ مَالِكِيَّتِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي عَيْنِهِ مِنْ مَعْنَى الِاسْتِذْلَالِ شَيْءٌ حَتَّى يُؤْمَرَ بِهِ شَرْعًا فَكَذَلِكَ فِي تَصْحِيحِ الشِّرَاءِ إثْبَاتُ سُلْطَانِ الْمِلْكِيَّةِ.
وَلَا يَكُونُ فِي عَيْنِهِ مِنْ مَعْنَى الْإِذْلَالِ شَيْءٌ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لِمَعْنًى فِي عَيْنِ الشِّرَاءِ بَلْ لِمَعْنًى فِي قَصْدِهِ، وَهُوَ الِاسْتِخْدَامُ قَهْرًا بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الشِّرَاءِ كَالنَّهْيِ عَنْ الشِّرَاءِ وَقْتَ النِّدَاءِ؛ وَلِهَذَا نَدَبَ الْوَلَدَ إلَى شِرَاءِ أَبِيهِ مَعَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ إذْلَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِشِرَائِهِ الِاسْتِخْدَامَ، وَلَوْ كَانَ إثْبَاتُ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ الشِّرَاءِ عَيْنِهِ إذْلَالًا لَكَانَ الْقَرِيبُ مَمْنُوعًا عَنْهُ فِي قَرِيبِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ طَاعَةٍ لَا تَصِلُ إلَيْهَا إلَّا بِمَعْصِيَةٍ لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهَا ثُمَّ تَحْقِيقُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ بِالشِّرَاءِ لَا تَتَبَدَّلُ صِفَةُ الْمَحَلِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَمْلُوكًا قَبْلَ شِرَائِهِ وَبَقِيَ مَمْلُوكًا بَعْدَ شِرَائِهِ وَإِنَّمَا تَتَحَوَّلُ الْإِضَافَةُ مِنْ الْمُسْلِمِ إلَى الْكَافِرِ، وَهِيَ إضَافَةٌ مَشْرُوعَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَرِثُ الْكَافِرُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ وَبِالْإِرْثِ تَتَجَدَّدُ الْإِضَافَةُ فِي حَقِّ الْوَارِثِ وَلَكِنْ لَا يَتَبَدَّلُ وَصْفُ الْمَحَلِّ فَلَا يَكُونُ عَيْنُهُ إذْلَالًا بِخِلَافِ الِاسْتِرْقَاقِ فِيهِ تَتَبَدَّلُ صِفَةُ الْمَحَلِّ فَيَصِيرُ مَمْلُوكًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مَالِكًا وَالْمَمْلُوكِيَّة إذَا قُوبِلَتْ بِالْمِلْكِيَّةِ كَانَتْ الْمَمْلُوكِيَّةُ فِي غَايَةِ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ وَهَذَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ.
وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ بِعَقْدِ النِّكَاحِ يَتَجَدَّدُ ثُبُوتُ الْمَمْلُوكِيَّةِ فِي الْمَحَلِّ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَثْبُتَ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمَةِ إلَّا أَنَّهُ لِضَرُورَةِ الْحَاجَةِ إلَى قَضَاءِ الشَّهْوَةِ وَإِقَامَةِ النَّسْلِ أَثْبَتَ الشَّرْعُ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمَةِ فَيَبْقَى فِي حَقِّ الْكَافِرِ إذْلَالًا فَلَا يَكُونُ مَشْرُوعًا لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ يَبْقَى لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي إبْقَاءِ الْمِلْكِ تَبْدِيلُ صِفَةِ الْمَحَلِّ فَصَارَ الشِّرَاءُ هُنَا فِي مَعْنَى الْإِذْلَالِ بِمَنْزِلَةِ الْبَقَاءِ فِي مِلْكِ النِّكَاحِ وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمَحَلِّيَّةَ لِلنِّكَاحِ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَحَلِّ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُ الْمَجُوسِيَّةِ وَالْمُرْتَدَّةِ وَالْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَالْمُسْلِمَةُ لَيْسَتْ بِمُتَحَلِّلَةٍ فِي حَقِّ الْكَافِرِ فَلِانْعِدَامِ الْمَحَلِّ لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ وَلَكِنْ يَبْقَى؛ لِأَنَّ فَوَاتَ الْمَحَلِّ عَارِضٌ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ فَيَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ وَلَا يَمْنَعُ الْبَقَاءَ كَالْفَوَاتِ بِسَبَبِ الْعِدَّةِ، وَكَذَلِكَ الْقَبْضُ الَّذِي يَتِمُّ بِهِ الْعَقْدُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْإِذْلَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِالتَّخْلِيَةِ، وَلَيْسَ هَذَا نَظِيرُ الْمُحْرِمِ يَشْتَرِي صَيْدًا؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] فَلَمْ يَكُنْ مَالًا مُتَقَوِّمًا كَالْخَمْرِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ
стр. 2831
عِنْدَنَا فَكَذَلِكَ شِرَاؤُهُ فَإِنَّمَا بَطَلَ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ لِانْعِدَامِ الْمَحَلِّ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ وَلَسْنَا نَقُولُ بِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى مَقْصُودِ هَذَا الْعَقْدِ بَلْ يُقَرُّ عَلَى مَقْصُودِهِ إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ مُوجِبُ الشِّرَاءِ إثْبَاتُ الْمِلْكِ فَأَمَّا اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ فَلَيْسَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْعَقْدِ وَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الشِّرَاءِ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنْ اسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ فِيهِ كَالْمُسْلِمِ يَشْتَرِي عَبْدًا مُرْتَدًّا فَيَصِحُّ شِرَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ اسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ فِيهِ وَعِنْدَ التَّأَمُّلِ فِي تَصْحِيحِ هَذَا الشِّرَاءِ إظْهَارُ ذُلِّ الْكَافِرِ دُونَ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ يَتَسَلَّطُ بِهِ عَلَى الْكَافِرِ فَيُخَاصِمُهُ وَيَجُرُّهُ إلَى بَابِ الْقَاضِي يُجْبِرُهُ عَلَى بَيْعِهِ شَاءَ أَوْ أَبَى.
وَلِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ التَّصَرُّفِ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ أَحْكَامُ الْآخِرَةِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاَللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ١٤١] وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْكَافِرُ إذَا اشْتَرَى مُصْحَفًا لَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَخِفُّ بِهِ فَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى إذْلَالِ الْمُسْلِمِينَ وَعِنْدَنَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي عَيْنِ الشِّرَاءِ مِنْ إذْلَالِ الْمُسْلِمِينَ شَيْءٌ وَكَلَامُنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ أَظْهَرُ فَالْكَافِرُ لَا يَسْتَخِفُّ بِالْمُصْحَفِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ كَلَامٌ فَصِيحٌ وَحِكْمَةٌ بَالِغَةٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ فَلَا يَسْتَخِفُّ بِهِ ثُمَّ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ الْعَبْدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تُرِكَ فِي مِلْكِهِ اسْتَخْدَمَهُ قَهْرًا بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَفِيهِ ذُلٌّ فَيُجْبَرُ عَلَى إزَالَةِ هَذَا الذُّلِّ، وَذَلِكَ بِبَيْعِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُتْرَكُ لِيَبِيعَهُ مِنْ كَافِرٍ آخَرَ، وَإِنْ كَانَ لَوْ بَاعَهُ جَازَ وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِهِ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ الْمُصْحَفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَظِّمُهُ كَمَا يَجِبْ تَعْظِيمُهُ وَإِذَا تُرِكَ فِي مِلْكِهِ يَمَسُّهُ، وَهُوَ نَجِسٌ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ ﴿لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] فَلِهَذَا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَذَلِكَ إنْ أَسْلَمَ مَمْلُوكُ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَلَعَلَّهُ يُسْلِمُ فَيَتْرُكَ الْعَبْدَ فِي مِلْكِهِ فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ كَالْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَتْ امْرَأَتُهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَبِي فُرِّقَ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فَيَجُوزُ إزَالَتُهُ مَجَّانًا عِنْدَ إبَانَةِ الْإِسْلَامِ وَمِلْكُ الْيَمِينِ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ مُحْتَرَمٌ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ مَجَّانًا وَلَا بُدَّ مِنْ إزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْ الْمُسْلِمِ فَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ بِقِيمَتِهِ لِيَسْتَوْفِيَ الْمَالِيَّةَ وَيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ.
وَإِنْ كَانَ لِلذِّمِّيِّ عَبْدٌ وَامْرَأَةٌ لَهُ أَمَةٌ قَدْ وَلَدَتْ مِنْهُ فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ وَوَلَدُهُ مِنْهَا صَغِيرٌ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ الْعَبْدِ وَوَلَدِهِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ الصَّغِيرَ يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ أَبِيهِ فَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ
стр. 2832
تَفْرِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَفْرِيقٌ بِحَقٍّ وَجَبَ فِيهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ جَنَى الِابْنُ الصَّغِيرُ جِنَايَةً فَدَفَعَ بِهَا أَوْ لَزِمَهُ دَيْنٌ فَبِيعَ فِيهِ يَجُوزُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ تَفْرِيقٌ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالْأُمِّ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ بِحَقٍّ لَزِمَ ذَلِكَ فِي الْوَلَدِ خَاصَّةً وَاسْتَقَامَ ذَلِكَ، فَهَذَا مِثْلُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَجِبُ بَيْعُ الْوَلَدِ تُبَاعُ الْأُمُّ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحَلًّا لِلْبَيْعِ.
قَالَ وَإِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ، وَهُوَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ أُجْبِرَ الْكَافِرُ عَلَى بَيْعِ حِصَّتِهِ مِنْهُ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ، وَإِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ الذِّمِّيِّ فَكَاتَبَهُ جَازَتْ الْكِتَابَةُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهِ بَاقٍ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَنُفُوذُ عَقْدِ الْكِتَابَةِ مِنْهُ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ ثُمَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِالْكِتَابَةِ فِي الْحَالِ، وَهُوَ إزَالَةُ ذِلَّةٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ فِي حَقِّ الْيَدِ وَالْمُكَاتَبِ وَلَا يَبْقَى لَهُ وِلَايَةُ الِاسْتِخْدَامِ عَلَيْهِ قَهْرًا بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَرُبَّمَا يُؤَدِّي بَدَلَ الْكِتَابَةِ فَيَعْتِقُ وَيَتِمُّ الْمَقْصُودُ بِهِ فَإِنْ عَجَزَ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ انْفَسَخَتْ حِينَ تَحَقَّقَ عَجْزُهُ فَظَهَرَ الْحُكْمُ الَّذِي كَانَ قَبْلَ الْكِتَابَةِ، وَهُوَ الْإِجْبَارُ عَلَى الْبَيْعِ، وَإِنْ لَمْ يُكَاتِبْهُ وَلَكِنَّهُ رَهَنَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ أُجْبِرَ الْمَوْلَى عَلَى بَيْعِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِعَقْدِ الرَّهْنِ لَمْ يَحْصُلْ فَالرَّاهِنُ يَسْتَخْدِمُ الْمَرْهُونَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ ثُمَّ بَعْدَ الرَّهْنِ هُوَ مَحَلٌّ لِلْبَيْعِ فَيَبْقَى فِيهِ حُكْمُهُ، وَهُوَ الْإِجْبَارُ عَلَى الْبَيْعِ فَأَمَّا بَعْدَ الْكِتَابَةِ فَلَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ مَا بَقِيَتْ الْكِتَابَةُ وَإِذَا بِيعَ الْمَرْهُونُ فَيَكُونُ ثَمَنُهُ رَهْنًا مَكَانَهُ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ قَدْ صَحَّ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ فِي الْمَحَلِّ فَيَتَحَوَّلُ حُكْمُهُ إلَى بَدَلِهِ كَمَا إذَا قَبِلَ الْمَرْهُونَ وَأَخَذَ الْمُرْتَهِنُ قِيمَتَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ آجَرَهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ فَالْمَقْصُودُ، وَهُوَ إزَالَةُ الْيَدِ عَنْ الْمُسْلِمِ لَا يَحْصُلُ بِالْإِجَارَةِ بَلْ يَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى الْإِذْلَالِ.
وَيَبْقَى هُوَ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ بَعْدَ الْإِجَارَةِ فَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ ثُمَّ تَبْطُلُ بِهِ الْإِجَارَةُ بِخِلَافِ الرَّهْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَجِّرَ إذَا بَاعَ الْمُؤَاجَرَ بِرِضَى الْمُسْتَأْجِرِ بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ وَالرَّاهِنُ إذَا بَاعَ الْمَرْهُونَ بِرِضَى الْمُرْتَهِنِ كَانَ الثَّمَنُ رَهْنًا، وَلَوْ كَانَ رَهَنَهُ أَوْ أَجَرَهُ، وَهُوَ كَافِرٌ ثُمَّ أَسْلَمَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْمُسْتَأْجِرِ أَجْبَرْتُهُ عَلَى بَيْعِهِ وَلَمْ أَتْرُكْهُ يَكُونُ فِي مِلْكِ الْكَافِرِ، وَهُوَ مُسْلِمٌ كَمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْإِذْلَالَ هُنَا يَتَقَرَّرُ إذَا تُرِكَ فِي مِلْكِهِ فَيَجِبُ إزَالَتُهُ بِالْإِجْبَارِ عَلَى بَيْعِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَدَبَّرَهَا أَوْ اسْتَوْلَدَهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَوْ بَعْدَهُ جَعَلْتُ عَلَيْهَا أَنْ تَسْعَى فِي قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ بَيْعَهَا مُتَعَذَّرٌ لِمَا يُقِرُّ فِيهَا مِنْ حَقِّ الْعِتْقِ فَيَجِبُ إخْرَاجُهَا عَنْ مِلْكِ الْكَافِرِ بِالِاسْتِسْعَاءِ فِي قِيمَتِهَا وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبَةِ مَا دَامَتْ تَسْعَى وَعِنْدَ زُفَرَ هِيَ حُرَّةٌ وَالسِّعَايَةُ دَيْنٌ عَلَيْهَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُجْبَرُ
стр. 2833
عَلَى بَيْعِ الْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ بِخَارِجٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ.
وَإِذَا بَاعَ الْكَافِرُ عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ؛ لِأَنَّ إسْلَامَهُ لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْبَيْعِ وَلَا يَمْنَعُ بَقَاؤُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَإِنْ نَقَضَ الْبَيْعَ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ أَمْضَاهُ لِكَافِرٍ مِثْلِهِ أَجْزَأَهُ وَأُجْبِرَ ذَلِكَ الْكَافِرُ عَلَى بَيْعِهِ كَمَا لَوْ بَاعَهُ مِنْهُ ابْتِدَاءً بَعْدَمَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فَإِنْ فَسَخَ الْعَقْدَ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ إذَا كَانَ كَافِرًا، وَإِنْ أَمْضَى الْعَقْدَ وَالْمُشْتَرِي مُسْلِمٌ فَهُوَ سَالِمٌ لَهُ.
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى الْكَافِرُ عَبْدًا مُسْلِمًا شِرَاءً فَاسِدًا وَقَبَضَهُ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى رَدِّهِ عَلَى الْبَائِعِ سَوَاءٌ كَانَ الْبَائِعُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ثُمَّ يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى بَيْعِهِ إنْ كَانَ كَافِرًا لِأَنَّ فَسْخَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مُسْتَحَقٌّ شَرْعًا وَلَا يَفُوتُ بِهِ مَا يَثْبُتُ مِنْ الْحَقِّ لِلْعَبْدِ بِإِسْلَامِهِ فَإِنَّ الْبَائِعَ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ إذَا كَانَ كَافِرًا وَمَعَ إمْكَانِ اسْتِيفَاءِ الْحَقَّيْنِ لَا يَجُوزُ تَرْكُ أَحَدِهِمَا فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ غَائِبًا فَرَفَعَ الْعَبْدُ الْمُشْتَرِي إلَى الْقَاضِي أَجْبَرَهُ عَلَى الْبَيْعِ إنْ كَانَ شِرَاءٌ يَجُوزُ فِي مِثْلِهِ الْبَيْعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُ وَقَدْ تَعَذَّرَ فَسْخُ الْعَقْدِ لِغِيبَةِ الْبَائِعِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ الْمُسْلِمُ فِي مِلْكِ الْكَافِرِ فَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ إلَى أَنْ يَحْضُرَ الْبَائِعُ إضْرَارًا بِالْعَبْدِ وَابَقَاءً لَهُ فِي ذُلِّ الْكَافِرِ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فِي الشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ شِرَاءً يَجُوزُ فِي مِثْلِهِ الْبَيْعُ فَهُوَ غَيْرُ مَالِكٍ لَهُ وَلَا يُمْكِنُ إجْبَارُهُ عَلَى بَيْعِهِ وَلَكِنَّهُ مِلْكُ الْغَيْرِ مَضْمُونٌ فِي يَدِهِ أَوْ أَمَانَةٌ بِمَنْزِلَةِ الْمَغْصُوبِ أَوْ الْوَدِيعَةِ.
مُسْلِمٌ اشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا مِنْ كَافِرٍ شِرَاءً فَاسِدًا أَجْبَرْتُهُ عَلَى رَدِّهِ عَلَى الْكَافِرِ لِفَسَادِ الْعَقْدِ ثُمَّ يُجْبَرُ الْكَافِرُ عَلَى بَيْعِهِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْحَقَّيْنِ مُمْكِنٌ، وَإِنْ كَانَ الْكَافِرُ غَائِبًا فَهُوَ عَلَى حَالَةٍ عِنْدَ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي إبْقَاءِ الْمُسْلِمِ فِي مِلْكِ الْمُسْلِمِ مَعْنَى الْإِذْلَالِ.
وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا وَهَبَ عَبْدًا مُسْلِمًا لِكَافِرٍ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ جَازَ وَأُجْبِرَ الْكَافِرُ عَلَى بَيْعِهِ كَمَا لَوْ مَلَكَهُ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَلَوْ أَرَادَ الْمُسْلِمُ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَبِعْهُ الْكَافِرُ أَوْ يُعَوِّضْ الْمُسْلِمَ مِنْهُ وَالْكَافِرُ فِي حُكْمِ الْهِبَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْكَافِرُ هُوَ الْوَاهِبُ لِلْعَبْدِ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ ثُمَّ رَجَعَ فِي هِبَتِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الرُّجُوعِ كَانَ ثَابِتًا مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الْعِوَضُ فَلَا يَبْطُلُ بِإِسْلَامِ الْعَبْدِ وَلَكِنْ إذَا رَجَعَ فِيهِ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ.
وَإِذَا أَسْلَمَ عَبْدُ النَّصْرَانِيِّ فَأَجْبَرَهُ الْقَاضِي عَلَى بَيْعِهِ فَبَاعَهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ نَصْرَانِيٌّ آخَرُ بِبَيِّنَةِ مُسْلِمَيْنِ وَقَدْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي فَإِنَّ عِتْقَهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ بِالِاسْتِحْقَاقِ قَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَمْلِكْ وَإِنَّ عِتْقَهُ لَمْ يَنْفُذْ؛ لِأَنَّ بَائِعَهُ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا فَيَأْخُذُهُ الْمُسْتَحِقُّ وَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يَنْفُذَ
стр. 2834
الْبَيْعُ بِإِجْبَارِ الْقَاضِي عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْمُسْتَحَقِّ إذَا كَانَ نَصْرَانِيًّا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا أَجْبَرَ عَلَيْهِ الْمَالِكَ الظَّاهِرَ لَهُ حِينَ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ فَلَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى الْمُسْتَحَقِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا يَوْمئِذٍ وَلَعَلَّهُ يُسْلِمُ لَوْ عَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ.
وَلَوْ أَنَّ نَصْرَانِيَّةً تَحْتَ مُسْلِمٍ لَهَا مَمْلُوكٌ مُسْلِمٌ فَأُجْبِرَتْ عَلَى بَيْعِهِ فَبَاعَتْهُ مِنْ زَوْجِهَا وَاشْتَرَاهُ زَوْجُهَا لِوَلَدٍ لَهُ صَغِيرًا فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَدْ حَصَلَ، وَهُوَ إزَالَةُ ذُلِّ الْكَافِرِ عَنْ الْمُسْلِمِ بِخُرُوجِهِ مِنْ مِلْكِهَا.
قَالَ: وَلَوْ أَنَّ يَتَامَى مِنْ النَّصَارَى أَسْلَمَ عَبْدٌ لَهُمْ أُجْبِرُوا عَلَى بَيْعِهِ لِتَقَرُّرِ السَّبَبِ، وَهُوَ مِلْكُ الْكَافِرِ فِي الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ فَإِنْ كَانَ لَهُمْ وَصِيٌّ بَاعَهُ الْوَصِيُّ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُمْ فِي الْبَيْعِ الَّذِي لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ فَفِي الْبَيْعِ الْمُسْتَحَقِّ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وَصِيٌّ جَعَلَ الْقَاضِي لَهُمْ وَصِيًّا فَبَاعَهُ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لِلْقَاضِي نَصْبُ الْوَصِيِّ نَظَرًا مِنْهُ لِلْيَتَامَى فَلَأَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ مِنْهُ نَظَرًا لِلْيَتَامَى وَمُرَاعَاةً لِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ أَوْلَى.
قَالَ وَإِذَا كَانَ لِلْمُسْلِمِ عَبْدٌ نَصْرَانِيٌّ تَاجِرٌ فَاشْتَرَى عَبْدًا نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ وَلَا دَيْنَ عَلَى الْعَبْدِ التَّاجِرِ لَمْ أُجْبِرْهُ عَلَى بَيْعِهِ؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ مَمْلُوكٌ لِمَوْلَاهُ، وَهُوَ مُسْلِمٌ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَجْبَرْتُهُ عَلَى بَيْعِهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ مِنْ كَسْبِهِ مَا لَمْ يَقْضِ عَنْهُ الدَّيْنَ كَالْأَجْنَبِيِّ وَالْعَبْدُ هُوَ الْمُسْتَبِدُّ بِالتَّصَرُّفِ، وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ فَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ كَمُكَاتَبٍ نَصْرَانِيٍّ لِمُسْلِمٍ أَسْلَمَ عَبْدُهُ.
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى النَّصْرَانِيُّ عَبْدًا مُسْلِمًا فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَقَالَ أَرُدُّهُ تَرَكْتُهُ حَتَّى يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي بِالرَّدِّ حَقَّهُ وَيَدْفَعُ بِهِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنْ يَكُونَ رَدُّهُ إيَّاهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ مِنْهُ وَذَلِكَ صَحِيحٌ، وَإِنْ وَكَّلَ وَكِيلًا يُخَاصِمُ عَنْهُ فِي الْعَيْبِ جَازَ حَتَّى يَبْلُغَ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ مَا رَأَى وَلَا رَضِيَ، فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَطِعْ رَدَّهُ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُوَكِّلُ فَيَحْلِفَ وَفِي هَذَا الْحُكْمِ يَسْتَوِي الْكَافِرُ وَالْمُسْلِمُ ثُمَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْقَاضِي يُحَلِّفُ الْمُشْتَرِي بِهَذِهِ الصِّفَةِ مَا رَأَى وَلَا رَضِيَ طَلَبَ الْبَائِعِ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَطْلُبْ وَمِنْ أَصْحَابِنَا ﵏ مَنْ يَقُولُ لَا يَحْلِفُ إلَّا بِطَلَبِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ نُصِبَ لِفَصْلِ الْخُصُومَةِ لَا لِإِنْشَائِهَا وَلَكِنَّا نَقُولُ هُوَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَصُونَ قَضَاءَهُ عَنْ أَسْبَابِ الْخَطَأِ وَلَيْسَ كُلُّ خَصْمٍ يَهْتَدِي إلَى ذَلِكَ لِيَسْأَلَ أَوْ يَتَجَاسَرَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ حِشْمَةِ الْقَاضِي فَيَحْتَاطُ الْقَاضِي بِذَلِكَ وَيُحَلِّفُهُ بِاَللَّهِ مَا رَأَى الْعَيْبَ وَلَا رَضِيَ بِهِ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ وَلَا عَرَضَهُ عَلَى بَيْعٍ ثُمَّ يَقْضِي بِالرَّدِّ فَإِنْ أَقَرَّ الْوَكِيلُ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ رَضِيَ بِالْعَيْبِ جَازَ ذَلِكَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ وَكَّلَ الْبَائِعُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ فَإِقْرَارُ وَكِيلِهِ عَلَيْهِ جَائِزٌ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فِي جَوَابِ الْخَصْمِ
стр. 2835
وَلَا يَحْلِفُ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ النِّيَابَةَ فِي الْيَمِينِ لَا تُجْزِئُ وَلَكِنْ يَحْضُرُ الْمُوَكِّلُ فَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَقَدْ بَاعَهُ وَمَا هَذَا بِهِ وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا فِي كِتَابِ الْعُيُوبِ.
قَالَ وَلَا يَجُوزُ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ شَيْءٌ مِنْ بُيُوعِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ وَغَيْرِهِمَا إلَّا مَا يَجُوزُ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مَا خَلَا الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فَإِنِّي أُجِيزُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَأَسْتَحْسِنُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا أَمْوَالٌ مُتَقَوِّمَةٌ فِي حَقِّهِمْ وَالْأَثَرُ الَّذِي جَاءَ فِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ حَيْثُ قَالَ وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا وَخُذُوا الْعُشْرَ مِنْ أَثْمَانِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا الْفَصْلِ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ وَأَوْضَحْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ الرِّبَا وَالتَّصَرُّفِ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى مِنْ عَقْدِ الذِّمَّةِ وَنَذْكُرُ هُنَا حَرْفًا آخَرَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فَنَقُولُ لَمَّا بَقِيَ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ مَالًا مُتَقَوِّمًا فِي حَقِّهِمْ فَلَوْ لَمْ نُجِزْ تَصَرُّفَهُمْ فِيهِمَا بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَمْ تَظْهَرْ فَائِدَةُ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ فَيَكُونُ إضْرَارًا بِهِمْ، وَلَوْ مَنَعْنَاهُمْ عَنْ عُقُودِ الرِّبَا لَأَدَّى ذَلِكَ إلَى إبْطَالِ فَائِدَةِ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ إلَّا بِطَرِيقِ الرِّبَا.
قَالَ وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ بَيْعُ الْخَمْرِ وَلَا أَكْلُ ثَمَنِهَا بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِيهِ حَدِيثَانِ أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ ﷺ لَعَنَ اللَّهُ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً وَذَكَرَ فِي الْجُمْلَةِ بَائِعَهَا وَالثَّانِي قَوْلُهُ ﷺ أَنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا وَأَكْلَ ثَمَنِهَا وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ ﷺ «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوهَا وَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا ثَمَنَهَا» وَاَللَّهُ تَعَالَى إذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ بَيْعَهُ وَأَكْلَ ثَمَنِهِ وَبِهَذِهِ الْآثَارُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إيَّاهَا.
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى الْمُسْلِمُ عَصِيرًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى صَارَ خَمْرًا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ قَبْضُهُ بَعْدَ التَّخَمُّرِ وَبِالْقَبْضِ يَتَأَكَّدُ الْمِلْكُ الْمُسْتَفَادُ بِالْعَقْدِ وَيُسْتَفَادُ بِمِلْكِ التَّصَرُّفِ وَكَمَا لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْعَقْدِ عَلَى الْخَمْرِ مِنْ الْمُسْلِمِ فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ قَبْضُ الْخَمْرِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ فَإِنْ صَارَتْ خَلًّا قَبْلَ أَنْ يَتَرَافَعَا إلَى السُّلْطَانِ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ هَكَذَا ذَكَر الْكَرْخِيُّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فَسَدَ بِالتَّخَمُّرِ فَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ عَلَى الْخَلِّ إلَّا بِالِاسْتِقْبَالِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ التَّخَمُّرَ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَلَوْ اشْتَرَى الْمُسْلِمُ خَمْرًا فَتَخَلَّلَتْ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ أَصْلَ الْعَقْدِ صَحِيحًا ثُمَّ بِالتَّخَمُّرِ فَاتَ الْقَبْضُ الْمُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ الْعَارِضِ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ، وَهُوَ انْعِدَامُ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ، فَإِذَا زَالَ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ كَمَا لَوْ أَبَقَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ عَادَ مِنْ إبَاقِهِ إلَّا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ هُنَا مُخَيَّرٌ لِتَغْيِيرِ صِفَةِ الْمَبِيعِ، وَهُوَ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ؛ وَلِهَذَا لَوْ
стр. 2836
خَاصَمَهُ فِيهَا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ خَلًّا فَأَبْطَلَ الْقَاضِي الْبَيْعَ ثُمَّ صَارَتْ خَلًّا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا سَبِيلٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ انْفَسَخَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي كَمَا فِي الْإِبَاقِ إذَا عَادَ بَعْدَمَا فَسَخَ الْقَاضِي الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا وَبِهِ فَارَقَ مَا لَوْ كَانَتْ خَمْرًا فِي الِابْتِدَاءِ فَإِنَّ هُنَاكَ الْبَيْعُ مَا انْعَقَدَ صَحِيحًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْعَبْدَ.
وَهُوَ آبِقٌ ثُمَّ رَجَعَ مِنْ إبَاقِهِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ وَعَلَى هَذَا النَّصْرَانِيُّ لَوْ اشْتَرَى مِنْ نَصْرَانِيٍّ خَمْرًا ثُمَّ صَارَتْ خَلًّا ثُمَّ أَسْلَمَا فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ لِتَغَيُّرِ صِفَةِ الْمَبِيعِ، وَإِنْ أَسْلَمَا ثُمَّ صَارَتْ خَلًّا فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ إقْرَاضِ النَّصْرَانِيِّ نَصْرَانِيًّا خَمْرًا وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ.
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى النَّصْرَانِيُّ مِنْ النَّصْرَانِيِّ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ وَقَدْ قَبَضَ كَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَتِمُّ الْبَيْعُ فِي قَوْلِ صَاحِبِيهِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمَا فِي وُقُوعِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي مَعَ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ بِفُصُولِهِ، وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَأَسْلَمَا أَوْ أَسْلَمَ الْبَائِعُ بَطَلَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْبَائِعِ يَمْنَعُ خُرُوجَ الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِهِ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ إخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ بِالْإِجَازَةِ بَعْدَ إسْلَامِهِ، وَإِنْ أَسْلَمَ الْمُشْتَرِي وَقَدْ قَبَضَ مَا اشْتَرَى لَمْ يَفْسُدْ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ قَدْ تَمَّ مِنْ قَبْلِهِ وَالْبَائِعُ عَلَى خِيَارِهِ فَإِنْ أَجَازَ الْبَيْعَ مَلِكَ الْمُشْتَرِي الْخَمْرَ حُكْمًا مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ بَاشَرَهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَإِسْلَامُهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ.
وَإِذَا ارْتَهَنَ نَصْرَانِيٌّ مِنْ نَصْرَانِيٍّ خَمْرًا بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ الْمُرْتَهِنُ بَطَلَ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالرَّهْنِ الِاسْتِيفَاءُ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِهَلَاكِ الرَّهْنِ فَالْإِسْلَامُ الطَّارِئُ بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ يُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ الْمُقْتَرِنِ بِالْعَقْدِ فَإِنْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ هُوَ الَّذِي أَسْلَمَ بَقِيَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ حَتَّى إذَا هَلَكَ هَلَكَ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ خَمْرَ الْكَافِرِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً عَلَى الْمُسْلِمِ بِالْغَصْبِ فَكَذَلِكَ بِالْقَبْضِ بِحُكْمِ الرَّهْنِ فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ هُوَ الَّذِي أَسْلَمَ ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ لَمْ يَنْتَقِصْ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ خَمْرَ الْمُسْلِمِ لَا تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَى الذِّمِّيِّ بِالْغَصْبِ فَكَذَلِكَ بِالْقَبْضِ بِحُكْمِ الرَّهْنِ، وَهَذَا لِانْعِدَامِ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ فِي حَقِّ الْمَالِكِ هُنَا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
قَالَ وَإِذَا وَكَّلَ الْمُسْلِمُ نَصْرَانِيًّا بِبَيْعِ الْخَمْرِ فَبَاعَهَا جَازَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ نَصْرَانِيٌّ وَلَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ مَنْ وَقَعَ لَهُ الْعَقْدُ مُسْلِمٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا الْفَصْلِ.
وَإِذَا كَانَ لِلذِّمِّيِّ عَبْدَانِ أَخَوَانِ لَمْ أَكْرَهْ لَهُ أَنْ يُفَرِّق بَيْنَهُمَا فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ مِنْ الشِّرْكِ أَعْظَمُ مِنْ التَّفْرِيقِ يَعْنِي أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ التَّفْرِيقِ لِحَقِّ الشَّرْعِ وَالْكُفَّارُ لَا يُخَاطَبُونَ مِنْ حُقُوقِ الشَّرْعِ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ كَرَاهَةِ التَّفْرِيقِ نَحْوَ الْعِبَادَاتِ فَكَذَلِكَ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّهِمْ حُكْمُ كَرَاهَةِ التَّفْرِيقِ
стр. 2837
فِي الْبَيْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[بَابُ بُيُوعِ ذَوِي الْأَرْحَامِ .]
قَالَ لَيْسَ يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْجَارِيَةِ وَوَلَدِهَا فِي الْبَيْعِ وَلَا فِي الْهِبَةِ وَلَا فِي الصَّدَقَةِ وَلَا فِي الْوَصِيَّةِ إذَا كَانَ صَغِيرًا لِمَا رُوِيَ أَنَّ «زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ﵁ قَدِمَ بِسَبَايَا فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَصَفَّحُهُمْ فَرَأَى جَارِيَةً وَالِهَةً فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَأْنِهَا فَقَالَ زَيْدٌ ﵁ احْتَجْنَا إلَى نَفَقَةٍ فَبِعْنَا وَلَدَهَا فَقَالَ ﷺ أَدْرِكْ أَدْرِكْ لَا تُولَهُ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ وَفِي رِوَايَةٍ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَكَذَلِكَ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ فِي مِلْكِهِ شَخْصَانِ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ مُحَرِّمَةٌ لِلنِّكَاحِ وَهُمَا صَغِيرَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا صَغِيرٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِخْرَاجِ عَنْ مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ عِنْدَنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ كَذَلِكَ وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ لَا بَأْسَ بِالتَّفْرِيقِ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ فِي عِتْقِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهَبَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَخَوَيْنِ صَغِيرَيْنِ ثُمَّ لَقِيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ مَا فَعَلَ الْغُلَامَانِ فَقَالَ بِعْتُ أَحَدَهُمَا فَقَالَ أَدْرِكْ» وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الصَّغِيرَ يَسْتَأْنِسُ بِالْكَبِيرِ وَالْكَبِيرُ يُشْفِقُ عَلَى الصَّغِيرِ وَيَقُومُ بِحَوَائِجِهِ فَفِي التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا إيحَاشُهُمَا وَتَرْكُ التَّرَحُّمِ عَلَيْهِمَا وَقَدْ قَالَ النَّبِيّ ﷺ «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وَالْكَافِرُ وَالْمُسْلِمُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الشَّفَقَةِ الَّتِي تَنْبَنِي عَلَى الْقَرَابَةِ ثُمَّ تَمْتَدُّ هَذِهِ الْكَرَاهَةُ إلَى الْبُلُوغِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنْ يَسْتَغْنِيَ الصَّغِيرُ عَنْ الْكَبِيرِ فِي التَّرْبِيَةِ وَاعْتِمَادُنَا فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي مُسْنَدِهِ بِالْإِسْنَادِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ «لَا تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ بَيْنَ السَّبْيِ وَالتَّفْرِيقِ مَا لَمْ يَبْلُغْ الْغُلَامُ وَتَحِضْ الْجَارِيَةُ» وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا ﵏ إذَا رَاهَقَ الصَّغِيرُ وَرَضِيَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَلَا بَأْسَ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ وَرُبَّمَا يَرَيَانِ مَصْلَحَةً فِي ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِالتَّفْرِيقِ عِنْدَ ذَلِكَ بِرِضَاهُمَا فَأَمَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ فَلَا بَأْسَ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُومُ بِحَوَائِجِهِ، وَرُبَّمَا لَا يَسْتَأْنِسُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ بَلْ يَسْتَوْحِشُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ إذَا اجْتَمَعُوا فِي مِلْكِ رَجُلٍ وَاحِدٍ حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَلِهَذَا حَرَّمَ
стр. 2838
الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ نِكَاحًا.
وَلَوْ كَانَ مَمْلُوكًا لِرَجُلٍ وَوَلَدُهُ الصَّغِيرُ مَمْلُوكٌ لِابْنِ الرَّجُلِ، وَهُوَ صَغِيرٌ فِي حِجْرِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا بِالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُمَا مَا اجْتَمَعَا فِي مِلْكِ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَالْأَبُ فِي التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ وَلَدِهِ قَائِمٌ مَقَامَ الْوَلَدِ لَوْ كَانَ بَالِغًا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِوَلَدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ، وَلَوْ اشْتَرَاهُمَا جَمِيعًا فَوَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَيُمْسِكَ الْبَاقِيَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ يَرُدُّهُمَا أَوْ يُمْسِكُهُمَا؛ لِأَنَّ فِي مَعْنَى كَرَاهَةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا أَنَّهَا كَشَخْصٍ وَاحِدٍ وَقَاسَ بِمَا لَوْ اشْتَرَى مِصْرَاعَيْ بَابٍ فَوَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُمَا أَوْ يُمْسِكَهُمَا وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمُثْبِتَ لِحَقِّ الرَّدِّ لَهُ هُوَ الْعَيْبُ، وَهُوَ مَقْصُورٌ عَلَى الْمَعِيبِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّ الْآخَرِ بَعْدَ تَمَامِ الصَّفْقَةِ ثُمَّ هَذَا تَفْرِيقٌ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ فِي أَحَدِهِمَا فَيَجُوزُ كَالدَّفْعِ بِالْجِنَايَةِ وَالْبَيْعِ بِالدَّيْنِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شِقْصٌ لَمْ أَكْرَهْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ شِقْصَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُمَا مَا أَجْتَمَعَا فِي مِلْكِهِ وَكَرَاهَةُ التَّفْرِيقِ بِنَاءً عَلَى اجْتِمَاعِهِمَا فِي مِلْكِهِ.
وَلَوْ كَانَا مَمْلُوكِينَ لَهُ فَبَاعَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ كَانَ مُسِيئًا وَالْبَيْعُ جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَسْتَحْسِنُ إبْطَالَ الْبَيْعِ فِي الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ وَلَا أُبْطِلُهُ فِي الْأَخَوَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْبَيْعَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بَاطِلٌ لِمَا رَوَيْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَدْرِكْ أَدْرِكْ وَقَالَ ﷺ ذَلِكَ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ﵁ وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْإِدْرَاكِ بِالِاسْتِرْدَادِ لِفَسَادِ الْبَيْعِ فَفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِمَا جَمِيعًا قَالَ الْبَيْعُ فَاسِدٌ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَرَّقَ لِقُوَّةِ الْوِلَادَةِ وَضَعْفِ الْقَرَابَةِ الْمُتَجَرِّدَةِ عَنْ الْوِلَادَةِ وَحَمَلَ قَوْلَهُ ﷺ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَدْرِكْ عَلَى طَلَبِ الْإِقَالَةِ أَوْ بَيْعِ الْآخَرِ مِمَّنْ بَاعَ مِنْهُ أَحَدَهُمَا، وَهُوَ تَأْوِيلُ الْحَدِيثَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَالْقِيَاسُ لَهُمَا فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ أَحَدِهِمَا لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْبَيْعِ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِالْبَيْعِ، وَهُوَ الْوَحْشَةُ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْبَيْعِ فِي شَيْءٍ وَالنَّهْيُ مَتَى كَانَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ كَالنَّهْيِ عَنْ الْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ.
قَالَ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُكَاتِبَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ مَآلُهُ الْعِتْقُ فَهُوَ كَالْإِعْتَاقِ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَعْتِقَ أَحَدَهُمَا فَكَذَلِكَ يُكَاتِبُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَفْرِيقَ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا التَّصَرُّفِ بَلْ يَزْدَادُ الِاسْتِئْنَاسُ وَيُمَكَّنُ الْكَبِيرُ مِنْ الْقِيَامِ بِحَوَائِجِ الصَّغِيرِ إذَا كُوتِبَ أَوْ أُعْتِقَ وَرُبَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ شِرَائِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ
стр. 2839
وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَ أَحَدَهُمَا نَسَمَةً لِلْعِتْقِ وَيُمْسِكَ الْآخَرَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ.
وَهَذَا لِأَنَّ بَيْعَ نَسَمَةٍ لَيْسَ بِبَيْعٍ بِشَرْطِ الْعِتْقِ فَإِنَّ الْبَيْعَ بِهَذَا الشَّرْطِ لَا يَجُوزُ وَلَكِنَّهُ مِيعَادٌ بَيْنَهُمَا فَرُبَّمَا يَفِي بِهِ الْمُشْتَرِي وَرُبَّمَا لَا يَفِي فَيَبْقَى التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا مُتَحَقِّقًا فِي الْحَالِ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ مَنْ يَشْتَرِي النَّسَمَةَ لِلْعِتْقِ الْوَفَاءُ بِمَا يَعِدُ وَإِنَّمَا يَنْبَنِي الْحُكْمُ عَلَى الظَّاهِرِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ خِلَافُهُ فَبَيْعُ أَحَدِهِمَا نَسَمَةً كَبَيْعِهِ مِنْ قَرِيبِهِ لِيَعْتِقَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ.
قَالَ وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي مِلْكِهِ أُخْتَانِ فَدَبَّرَ إحْدَاهُمَا أَوْ اسْتَوْلَدَهَا وَالْأُخْرَى صَغِيرَةٌ لَمْ أَكْرَهْ لَهُ بَيْعُ الصَّغِيرَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَاتَبَ إحْدَاهُمَا؛ لِأَنَّ كَرَاهَةَ التَّفْرِيقِ عِنْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْ بَيْعِهَا فَإِنَّ عِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ التَّفْرِيقُ مُحَالًا عَلَى اخْتِيَارِهِ وَهُنَا هُوَ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ بَيْعِ إحْدَاهُمَا فَيَجُوزُ لَهُ بَيْعُ الْأُخْرَى، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ فِي التَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ فِي الْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ مُطْلَقٌ فَيَتَحَقَّقُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي مِلْكِهِ فَيُكْرَهُ التَّفْرِيقُ وَفِي الْكِتَابَةِ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ فِي الْمُكَاتَبِ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَلَمْ يَجْتَمِعَا فِي مِلْكٍ مُطْلَقٍ لَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَ أَحَدَهُمَا.
قَالَ وَإِذَا كَانَ أَحَدُ الْمَمْلُوكَيْنِ لَهُ وَالْآخَرُ لِزَوْجَتِهِ أَوْ لِمُكَاتَبِهِ فَلَا بَأْسَ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا مَا اجْتَمَعَا فِي مِلْكِ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ بَيْعِهِمَا مِنْ وَاحِدٍ إذْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ التَّصَرُّفِ فِي كَسْبِ مُكَاتَبِهِ وَمِلْكُ زَوْجَتِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا لِعَبْدٍ لَهُ تَاجِرٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ بَيْعِهَا فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ فِي كَسْبِ الْعَبْدِ الْمَدْيُونِ لَا يَنْفُذُهُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ لَا يَمْلِكُ كَسْبَهُ فَلَمْ يَجْتَمِعَا فِي مِلْكِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا اجْتَمَعَا فِي مِلْكِهِ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا لِمُضَارِبِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَ الْمُضَارِبُ مَا عِنْدَهُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ غَيْرُ مَالِكٍ لَهُمَا وَلَا هُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ بَيْعِهِمَا فَلَهُ أَنْ يَبِيعَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُمَا.
قَالَ وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ أَمَةٌ فَبَاعَهَا عَلَى أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ اشْتَرَى ابْنَهَا كَرِهْتُ لَهُ أَنْ يُوجِبَ الْبَيْعَ فِي الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْبَائِعِ يَمْنَعُ خُرُوجَ الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِهِ فَقَدْ اجْتَمَعَا فِي مِلْكِهِ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ ثُمَّ يَبِيعَهُمَا مَعًا، فَإِذَا أَوْجَبَ الْبَيْعَ فِي الْأَمَةِ كَانَ مُفَرِّقًا بَيْنَهُمَا بِاخْتِيَارِهِ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَكَذَلِكَ إنْ سَكَتَ حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُ عَنْ الْفَسْخِ إلَى مُضِيِّ الْمُدَّةِ كَاخْتِيَارِهِ إمْضَاءَ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَوْجِبَهَا؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ مَعَ خِيَارِ الْمُشْتَرِي فَلَمْ يَجْتَمِعَا فِي
стр. 2840
مِلْكِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ ابْنٌ لَهَا فَاخْتَارَ رَدَّهَا لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِأَنَّهُمَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي مِلْكِهِ فَإِنَّ خِيَارَ الْمُشْتَرِي يَمْنَعُ وُقُوعَ الْمِلْكِ لَهُ وَعِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ هَذَا التَّفْرِيقَ لِحَقٍّ لَهُ فِي إحْدَاهُمَا فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الرَّدِّ بِخِيَارِ الْعَيْبِ.
قَالَ وَيُكْرَهُ لِلْمُكَاتَبِ وَالْعَبْدِ التَّاجِرِ مِنْ التَّفْرِيقِ مَا يُكْرَهُ لِلْحُرِّ؛ لِأَنَّهُمَا مُخَاطَبَانِ وَفِي التَّمَكُّنِ مِنْ بَيْعِهِمَا مَعًا بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّيْنِ وَكَرَاهَةُ التَّفْرِيقِ لِحَقِّ الشَّرْعِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْمَمْلُوكُ وَالْحُرُّ.
وَلَا يُكْرَهُ التَّفْرِيقُ مِنْ ذِي مَحْرَمٍ مِنْ غَيْرِ النَّسَبِ كَالرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵄ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ أَبِيعُ جَارِيَةً لِي قَدْ أَرْضَعَتْ وَلَدِي فَقَالَ قُلْ مَنْ يَشْتَرِي أُمَّ وَلَدِي، وَهَذَا لِأَنَّ الرَّضَاعَ وَالْمُصَاهَرَةَ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ فِي حُرْمَةِ النِّكَاحِ خَاصَّةً وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْقَرَابَةِ سِوَى الْحُرْمَةِ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهَا بِالرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ.
قَالَ وَلَا بَأْسَ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمَمْلُوكَيْنِ الزَّوْجَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى ذَلِكَ تَنْبَنِي كَرَاهِيَةُ التَّفْرِيقِ.
قَالَ وَإِذَا اجْتَمَعَ أَخَوَانِ فِي مِلْكِ رَجُلٍ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبِيعَ أَحَدَهُمَا مِنْ ابْنٍ صَغِيرٍ لَهُ فِي عِيَالِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَفْرِيقٌ بَيْنَهُمَا فِي الْبَيْعِ وَالْمِلْكِ، وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَتَحَقَّقُ التَّفْرِيقُ بِهَذَا الطَّرِيقِ، فَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَ الْإِسْلَامِ بِغُلَامَيْنِ أَخَوَيْنِ صَغِيرَيْنِ بِأَمَانٍ فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَ أَحَدَهُمَا فَلَا بَأْسَ بِشِرَائِهِ مِنْهُ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَفْرِيقٌ لِأَنِّي إنْ لَمْ أَشْتَرِهِ مِنْهُ لَأَعَادَهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَيَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ فَشِرَاؤُهُ مِنْهُ أَقْرَبُ إلَى النَّظَرِ مِنْ مُرَاعَاةِ التَّفْرِيقِ، وَلَوْ كَانَ قَدْ اشْتَرَاهُمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَرِهْتُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ أَحَدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِمَا وَلَا يُمَكَّنُ أَنْ يَدْخُلَ بِهِمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُمَا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَهُوَ إنْ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِحُرْمَةِ التَّفْرِيقِ فَالْمُسْلِمُ الْمُشْتَرِي مُخَاطَبٌ بِالتَّحَرُّزِ عَنْ اكْتِسَابِ سَبَبِ التَّفْرِيقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ حَرْبِيٍّ مُسْتَأْمَنٍ فَلَا بَأْسَ حِينَئِذٍ بِشِرَاءِ أَحَدِهِمَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُجْبَرٍ عَلَى بَيْعِهِمَا بَلْ هُوَ مُمَكَّنٌ مِنْ أَنْ يُدْخِلَهُمَا دَارَ الْحَرْبِ كَمَا كَانَ الْبَائِعُ مُتَمَكِّنًا مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَا إذَا اجْتَمَعَ فِي مِلْكِهِ مَعَ الصَّغِيرِ كَبِيرَانِ.
وَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْكَبِيرَيْنِ إذَا اسْتَوَيَا فِي الْقَرَابَةِ مِنْ الصَّغِيرِ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَالْأَخَوَيْنِ وَالْخَالَيْنِ وَالْعَمَّيْنِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَ أَحَدَ الْكَبِيرَيْنِ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ يَسْتَأْنِسُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَقِّهِ كَالْمُنْفَرِدِ بِهِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ قَالَ هَذَا
следующие страницы →