← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 5423

المبسوط للسرخسي

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (6 278 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وَتَكْبِيرُ الْقُنُوتِ وَالْفِقْهُ فِيمَا بَيَّنَّا مِنْ الْحَاجَةِ إلَى إعْلَامِ مَنْ خَلْفَهُ مِنْ أَصَمَّ أَوْ أَعْمًى وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَوْلُهُ ﵊: «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ» وَلَيْسَ فِيهَا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَا تُرْفَعُ الْيَدُ فِيهَا إلَّا عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ قَائِمَةٌ مَقَامَ رَكْعَةٍ فَكَمَا لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ عِنْدَ كُلِّ رَكْعَةٍ فَكَذَلِكَ هَهُنَا (قَالَ): وَإِذَا اُجْتُمِعَتْ الْجَنَائِزُ فَإِنْ شَاءُوا جَعَلُوهَا صَفًّا وَإِنْ شَاءُوا وَضَعُوا وَاحِدًا خَلْفَ وَاحِدٍ وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: تُوضَعُ شَبَهَ الدَّرَجِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الثَّانِي عِنْدَ صَدْرِ الْأَوَّلِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّهُ إنْ وُضِعَ هَكَذَا فَحَسَنٌ أَيْضًا لِأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ تَكُونَ الْجَنَائِزُ أَمَامَ الْإِمَامِ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ كَيْفَ وَضَعُوا فَكَانَ الِاخْتِيَارُ إلَيْهِمْ (قَالَ): وَإِنْ كَانَتْ رِجَالًا وَنِسَاءً يُوضَعُ الرِّجَالُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَالنِّسَاءُ خَلْفَ الْإِمَامِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ، وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ عَلَى عَكْسِ هَذَا لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِالْجَمَاعَةِ صَفُّ النِّسَاءِ خَلْفَ صَفِّ الرِّجَالِ إلَى الْقِبْلَةِ فَكَذَلِكَ فِي وَضْعِ الْجَنَائِزِ وَلَكِنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ الرِّجَالُ أَقْرَبُ إلَى الْإِمَامِ مِنْ النِّسَاءِ فَكَذَلِكَ فِي وَضْعِ الْجَنَائِز وَإِنْ كَانَتْ جِنَازَةَ غُلَامٍ وَامْرَأَةٍ وُضِعَ الْغُلَامُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَةَ عَلِيٍّ ﵄ امْرَأَةَ عُمَرَ ﵁ وَابْنَهَا زَيْدَ بْنَ عُمَرَ ﵄ مَاتَا مَعًا فَوَضَعَ ابْنُ عُمَرَ جِنَازَتَهُمَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَصَلَّى عَلَيْهِمَا وَلِأَنَّ الرَّجُلَ إنَّمَا يُقَدَّمُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ لِلْفَضِيلَةِ بِالذُّكُورَةِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْغُلَامِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُوا الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّهُ تُوضَعُ جِنَازَةُ الرَّجُلِ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَخَلْفَهُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ جِنَازَةُ الْغُلَامِ وَخَلْفَهُ جِنَازَةُ الْخُنْثَى إنْ كَانَ وَخَلْفَهُ جِنَازَةُ الْمَرْأَةِ (قَالَ): وَإِذَا وَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى دَفْنِ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِهِ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَقَالَ: احْفِرُوا وَأُوسِعُوا وَاجْعَلُوا فِي كُلِّ قَبْرٍ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً وَقُدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ» فَقُلْنَا: يُوضَعُ الرَّجُلُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ ثُمَّ خَلْفَهُ الْغُلَامُ ثُمَّ خَلْفَهُ الْجَنِينُ ثُمَّ خَلْفَهُ الْمَرْأَةُ وَيُجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ مَيِّتَيْنِ حَاجِزٌ مِنْ التُّرَابِ لِيَصِيرَ فِي حُكْمِ قَبْرَيْنِ (قَالَ): وَأَحْسَنُ مَوَاقِفِ الْإِمَامِ مِنْ الْمَيِّتِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِحِذَاءِ الصَّدْرِ وَإِنْ وَقَفَ فِي غَيْرِهِ أَجْزَأَهُ وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ﵀ يَقُولُ: يَقِفُ مِنْ الرَّجُلِ بِحِذَاءِ الصَّدْرِ وَمِنْ الْمَرْأَةِ بِحِذَاءِ وَسْطِهَا لِمَا رُوِيَ «أَنَّ أُمَّ بُرَيْدَةَ صَلَّى عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَقَفَ بِحِذَاءِ وَسْطِهَا». (وَلَنَا) أَنَّ أَشْرَفَ الْأَعْضَاءِ فِي الْبَدَنِ الصَّدْرُ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ

стр. 317

وَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ الْأَذَى، وَالْوُقُوفُ عِنْدَهُ أَوْلَى كَمَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ ثُمَّ الصَّدْرُ مَوْضِعُ نُورِ الْإِيمَانِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر: ٢٢] الْآيَةُ وَإِنَّمَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِإِيمَانِهِ فَيَخْتَارُ الْوُقُوفَ حِذَاءَ الصَّدْرِ لِهَذَا أَوْ الصَّدْرُ هُوَ الْوَسْطُ فِي الْحَقِيقَةِ فَإِنَّهُ فَوْقَهُ رَأْسٌ وَيَدَانِ وَتَحْتَهُ بَطْنٌ وَرِجْلَانِ (قَالَ) وَيَتَيَمَّمُ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ إذَا خَافَ فَوْتَهَا فِي الْمِصْرِ عِنْدَنَا وَكَذَلِكَ لَوْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ ثُمَّ أَحْدَثَ تَيَمَّمَ وَبَنَى وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا سَبَقَ فَإِنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ جِيءَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى فَإِنْ وَجَدَ بَيْنَهُمَا مِنْ الْوَقْتِ مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَعَلَيْهِ إعَادَةُ التَّيَمُّمِ لِلصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ بَعْدَ التَّيَمُّمِ لِلْأَوَّلِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فُرْجَةً مِنْ الْوَقْتِ ذَلِكَ الْقَدْرُ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِتَيَمُّمِهِ عَلَى الْجِنَازَةِ الثَّانِيَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ الْعُذْرَ قَائِمٌ وَهُوَ خَوْفُ الْفَوْتِ لَوْ اشْتَغَلَ بِالْوُضُوءِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُعِيدُ التَّيَمُّمَ عَلَى كُلِّ حَالٍ ذَكَرَهُ فِي نَوَادِرِ أَبِي سُلَيْمَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّهُ تَجَدَّدَتْ ضَرُورَةٌ أُخْرَى فَعَلَيْهِ تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ (قَالَ) وَإِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ تَكْبِيرَةً أَوْ تَكْبِيرَتَيْنِ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ حَتَّى يُكَبِّرَ الْإِمَامُ فَيُكَبِّرُ مَعَهُ فَإِذَا سَلَّمَ قَضَى مَا بَقِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تُرْفَعَ الْجِنَازَةُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: يُكَبِّرُ حِينَ يَحْضُرُ لِقَوْلِهِ ﵊: «اتَّبِعْ إمَامَك حِينَ تَحْضُرُ فِي أَيِّ حَالٍ أَدْرَكْتَهُ» وَقَاسَ هَذَا بِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّ الْمَسْبُوقَ يُكَبِّرُ لِلِافْتِتَاحِ فِيهَا حِينَ يَنْتَهِي إلَى الْإِمَامِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ وَاقِفًا خَلْفَ الْإِمَامِ فَتَأَخَّرَ تَكْبِيرُهُ عَنْ تَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ لَمْ يَنْتَظِرْ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ بِالِاتِّفَاقِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ قَائِمَةٌ مَقَامَ رَكْعَةٍ فَلَوْ لَمْ يَنْتَظِرْ تَكْبِيرَ الْإِمَامِ حِينَ جَاءَ كَانَ قَاضِيًا مَا فَاتَهُ قَبْلَ أَدَاءِ مَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ وَذَلِكَ مَنْسُوخٌ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ مَعْنَيَانِ: مَعْنَى الِافْتِتَاحِ وَالْقِيَامِ مَقَامَ رَكْعَةٍ وَمَعْنَى الِافْتِتَاحِ مُرَجَّحٌ فِيهَا بِدَلِيلِ تَخْصِيصِهَا بِرَفْعِ الْيَدِ عِنْدَهَا. وَلَوْ جَاءَ بَعْدَ مَا كَبَّرَ الْإِمَامُ الرَّابِعَةَ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ وَقَدْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ فِي قَوْلِهِمَا وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُكَبِّرُ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَضَى ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ خَلْفَ الْإِمَامِ وَلَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى كَبَّرَ الْإِمَامُ الرَّابِعَةَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ لَهُمَا أَنَّ مَنْ كَانَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَهُوَ مُدْرِكٌ لِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ فَيَأْتِي بِهَا حِينَ حَضَرَتْهُ النِّيَّةُ بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُدْرِكٍ لِلتَّكْبِيرَةِ الْأُولَى وَهِيَ قَائِمَةٌ مَقَامَ رَكْعَةٍ فَلَا يَشْتَغِلُ بِقَضَائِهَا قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ كَسَائِرِ

стр. 318

التَّكْبِيرَاتِ (قَالَ): وَإِذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ حَضَرَ قَوْمٌ لَمْ يُصَلُّوا عَلَيْهَا ثَانِيَةً جَمَاعَةً وَلَا وُحْدَانًا عِنْدَنَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ صَلَّوْا عَلَيْهَا أَجَانِبَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْأَوْلِيَاءِ ثُمَّ حَضَرَ الْوَلِيُّ فَحِينَئِذٍ لَهُ أَنْ يُعِيدَهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: تُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَبْرٍ جَدِيدٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقِيلَ: قَبْرُ فُلَانَةِ فَقَالَ: هَلَّا آذَنْتُمُونِي بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا فَقِيلَ: إنَّهَا دُفِنَتْ لَيْلًا فَخَشِينَا عَلَيْك هَوَامَّ الْأَرْضِ فَقَامَ وَصَلَّى عَلَى قَبْرِهَا» وَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ. (وَلَنَا) مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُمَا فَاتَتْهُمَا الصَّلَاةُ عَلَى جِنَازَةٍ فَلَمَّا حَضَرَا مَا زَادَا عَلَى الِاسْتِغْفَارِ لَهُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ﵁ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى جِنَازَةِ عُمَرَ فَلَمَّا حَضَرَ قَالَ: إنْ سَبَقْتُمُونِي بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالدُّعَاءِ لَهُ. وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ حَقَّ الْمَيِّتِ قَدْ تَأَدَّى بِفِعْلِ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ فَلَوْ فَعَلَهُ الْفَرِيقُ الثَّانِي كَانَ تَنَفُّلًا بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَلَوْ جَازَ هَذَا لَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ يُرْزَقُ زِيَارَتُهُ الْآنَ لِأَنَّهُ فِي قَبْرِهِ كَمَا وُضِعَ فَإِنَّ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ حَرَامٌ عَلَى الْأَرْضِ بِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ وَلَمْ يَشْتَغِلْ أَحَدٌ بِهَذَا فَدَلَّ أَنَّهُ لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ هُوَ الَّذِي حَضَرَ فَإِنَّ الْحَقَّ لَهُ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ وِلَايَةُ إسْقَاطِ حَقِّهِ وَهُوَ تَأْوِيلُ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ الْحَقَّ كَانَ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وَهَكَذَا تَأْوِيلُ فِعْلِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَانَ مَشْغُولًا بِتَسْوِيَةِ الْأُمُورِ وَتَسْكِينِ الْفِتْنَةِ فَكَانُوا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ قَبْلَ حُضُورِهِ وَكَانَ الْحَقُّ لَهُ لِأَنَّهُ هُوَ الْخَلِيفَةُ فَلَمَّا فَرَغَ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ أَحَدٌ بَعْدَهُ عَلَيْهِ (وَعَلَى) هَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى لَا يُصَلَّى عَلَى مَيِّتٍ غَائِبٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: يُصَلَّى عَلَيْهِ فَإِنَّ «النَّبِيَّ ﵊ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ وَهُوَ غَائِبٌ» وَلَكِنَّا نَقُولُ: طُوِيَتْ الْأَرْضُ وَكَانَ هُوَ أَوْلَى الْأَوْلِيَاءِ وَلَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ثُمَّ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ مِنْ جَانِبِ الْمَشْرِقِ فَإِنْ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَانَ الْمَيِّتُ خَلْفَهُ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَإِنْ اسْتَقْبَلَ الْمَيِّتَ كَانَ مُصَلِّيًا لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ (قَالَ): وَإِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى فَوُضِعَتْ مَعَهَا قَالَ: يَفْرُغُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْأُولَى ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ عَلَى الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْأُولَى فَيُتِمُّهَا وَكَذَلِكَ إنْ كَبَّرَ الثَّانِيَةَ يَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَيْهِمَا أَوْ لَمْ يَحْضُرْهُ نِيَّةٌ فِيهَا فَهُوَ فِي الْأُولَى وَإِنْ كَبَّرَ يَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى الثَّانِيَةِ كَانَ قَاطِعًا لِلْأُولَى شَارِعًا فِي الثَّانِيَةِ فَيُصَلِّي عَلَى الثَّانِيَةِ

стр. 319

ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ عَلَى الْأُولَى بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ فِي الظُّهْرِ فَكَبَّرَ يَنْوِي الْعَصْرَ بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَاهُمَا لِأَنَّهُ غَيْرُ رَافِضٍ لِلْأُولَى فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الثَّانِيَةِ مَعَ بَقَائِهِ فِي الْأُولَى (قَالَ): وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ عِنْدَ غُرُوبِهَا أَوْ نِصْفَ النَّهَارِ لِحَدِيثِ «عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَنْ نُقْبِرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا» وَالْمُرَادُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ فَلَا بَأْسَ بِالدَّفْنِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَإِنْ صَلَّوْهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ إعَادَتُهَا لِأَنَّ حَقَّ الْمَيِّتِ تَأَدَّى بِمَا أَدَّوْا فَإِنَّ الْمُؤَدَّى فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ صَلَاةٌ وَإِنْ كَانَ فِيهَا نُقْصَانٌ. أَلَا تَرَى أَنَّ التَّطَوُّعَ إنَّمَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ (قَالَ): وَإِذَا أَرَادُوا أَنْ يُصَلُّوا عَلَى جِنَازَةٍ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بَدَءُوا بِالْمَغْرِبِ لِأَنَّهَا أَقْوَى فَإِنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَالصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَالْبُدَاءَةُ بِالْأَقْوَى أَوْلَى لِأَنَّ تَأْخِيرَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مَكْرُوهٌ وَتَأْخِيرَ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ (قَالَ): وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: لَا تُكْرَهُ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمَّا مَاتَ أَمَرَتْ عَائِشَةُ ﵂ بِإِدْخَالِ جِنَازَتِهِ الْمَسْجِدَ حَتَّى صَلَّى عَلَيْهَا أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُنَّ ثُمَّ قَالَتْ لِبَعْضِ مَنْ حَوْلَهَا: هَلْ عَابَ النَّاسُ عَلَيْنَا بِمَا فَعَلْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ فَقَالَتْ: مَا أَسْرَعَ مَا نَسُوا، مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جِنَازَةِ سَهْلِ بْنِ أَبِي الْبَيْضَاءِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» وَلِأَنَّهَا دُعَاءٌ أَوْ صَلَاةٌ وَالْمَسْجِدُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ. (وَلَنَا) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ ﵊: «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا أَجْرَ لَهُ» وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ دَلِيلُنَا لِأَنَّ النَّاسَ فِي زَمَانِهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَقَدْ عَابُوا عَلَيْهَا فَدَلَّ أَنَّهُ كَانَ مَعْرُوفًا فِيمَا بَيْنَهُمْ كَرَاهَةُ هَذَا. وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ مُعْتَكِفًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَخْرُجَ وَأَمَرَ بِالْجِنَازَةِ فَوُضِعَتْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَعِنْدَنَا إذَا كَانَتْ الْجِنَازَةُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَمْ يُكْرَهْ أَنْ يُصَلِّيَ النَّاسُ عَلَيْهَا فِي الْمَسْجِدِ إنَّمَا الْكَرَاهَةُ فِي إدْخَالِ الْجِنَازَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ» فَإِذَا كَانَ الصَّبِيُّ يُنَحَّى عَنْ الْمَسْجِدِ فَالْمَيِّتُ أَوْلَى (قَالَ): وَإِذَا صَلَّوْا عَلَى جِنَازَةٍ وَالْإِمَامُ غَيْرُ طَاهِرٍ فَعَلَيْهِمْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ لِأَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ فَاسِدَةٌ لِعَدَمِ الطَّهَارَةِ فَتَفْسُدُ صَلَاةُ الْقَوْمِ بِفَسَادِ صَلَاتِهِ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ طَاهِرًا وَالْقَوْمُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ إعَادَتُهَا لِأَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ قَدْ صَحَّتْ وَحَقَّ الْمَيِّتِ بِهِ تَأَدَّى فَالْجَمَاعَةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ (قَالَ) وَإِذَا أَخْطَئُوا

стр. 320

بِالرَّأْسِ فَوَضَعُوهَا فِي مَوْضِعِ الرِّجْلَيْنِ وَصَلَّوْا عَلَيْهَا جَازَتْ الصَّلَاةُ لِأَنَّ مَا هُوَ شَرْطٌ وَهُوَ كَوْنُ الْمَيِّتِ أَمَامَ الْإِمَامِ فَقَدْ وُجِدَ إنَّمَا التَّغَيُّرُ فِي صِفَةِ الْوَضْعِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّهُمْ إنْ تَعَمَّدُوا ذَلِكَ فَقَدْ أَسَاءُوا بِتَغْيِيرِ الْوَضْعِ عَمَّا تَوَارَثَهُ النَّاسُ (قَالَ) وَإِذَا أَخْطَئُوا الْقِبْلَةَ جَازَتْ صَلَاتُهُمْ يَعْنِي إذَا صَلَّوْا بِالتَّحَرِّي وَإِنْ تَعَمَّدُوا خِلَافَهَا لَمْ تَجُزْ عَلَى قِيَاسِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّهَا فِي وُجُوبِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ [دفن الْمَيِّت قَبْل الصَّلَاة عَلَيْهِ] (قَالَ) وَإِنْ دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا صُلِّيَ فِي الْقَبْرِ عَلَيْهَا إنَّمَا لَا يُخْرَجُ مِنْ الْقَبْرِ لِأَنَّهُ قَدْ سُلِّمَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَخَرَجَ مِنْ أَيْدِيهِمْ. جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْقَبْرُ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ» وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُؤَدُّوا حَقَّهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ تَتَأَتَّى فَقَدْ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلِهَذَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ تَفَرَّقَ لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ لَا عَلَى أَعْضَائِهِ وَفِي الْأَمَالِي عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَهَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لَازِمٍ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَبِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَبِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَيِّتِ فِي السِّمَنِ وَالْهُزَالِ وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ أَكْبَرُ الرَّأْيِ وَاَلَّذِي رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ» مَعْنَاهُ دَعَا لَهُمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وَقِيلَ: إنَّهُمْ كَمَا دُفِنُوا لَمْ تَتَفَرَّقْ أَعْضَاؤُهُمْ وَهَكَذَا وُجِدُوا حِينَ أَرَادَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يُحَوِّلَهُمْ فَتَرَكَهُمْ (قَالَ) وَيُصَفُّ النِّسَاءَ خَلْفَ الرِّجَالِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «خَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا» وَإِنْ وَقَفَتْ امْرَأَةٌ بِجَنْبِ رَجُلٍ لَمْ تُفْسِدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْفَسَادَ بِسَبَبِ الْمُحَاذَاةِ ثَبَتَ بِالنَّصِّ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ وَإِنَّمَا وَرَدَ النَّصُّ بِهِ فِي صَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ وَهَذِهِ لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ وَلِهَذَا لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ قَهْقَهَ فِيهَا بِخِلَافِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ (قَالَ): وَإِذَا صَلَّوْا قُعُودًا أَوْ رُكْبَانًا فِي الْقِيَاسِ يُجْزِيهِمْ لِأَنَّهَا دُعَاءٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَلِأَنَّ رُكْنَ الْقِيَامِ مُعْتَبَرٌ بِسَائِرِ الْأَرْكَانِ كَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ عَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ لِأَنَّ فِيهَا شَيْئَيْنِ التَّكْبِيرَ وَالْقِيَامَ فَكَمَا أَنَّ تَرْكَ التَّكْبِيرِ يَمْنَعُ الِاعْتِدَادَ فَكَذَلِكَ تَرْكُ الْقِيَامِ وَالْقِيَامُ هَهُنَا كَوَضْعِ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فَكَمَا لَا تَتَأَدَّى السَّجْدَةُ إلَّا بِهِمَا كَذَا هُنَا (قَالَ): وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ فِي سَفَرٍ وَمَعَهُ نِسَاءً لَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ فَإِنْ كَانَ فِيهِنَّ امْرَأَتُهُ غَسَّلَتْهُ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَوْصَى إلَى امْرَأَتِهِ أَسْمَاءَ

стр. 321

أَنْ تُغَسِّلَهُ وَهَكَذَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ﵁ وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَوْ اسْتَقْبَلْنَا مِنْ أَمْرِنَا مَا اسْتَدْبَرْنَا مَا غَسَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَّا نِسَاءَهُ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا فِي حُكْمِ الْقَائِمِ مَا لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ فَإِنَّ الْمَوْتَ مُحَوِّلٌ لِلْمِلْكِ لَا مُبْطِلٌ وَمِلْكُ النِّكَاحِ لَا يَحْتَمِلُ التَّحَوُّلَ إلَى الْوَرَثَةِ فَبَقِيَ مَوْقُوفًا عَلَى الزَّوَالِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ كَمَا بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ وَلَوْ ارْتَفَعَ النِّكَاحُ بِالْمَوْتِ فَإِنَّمَا ارْتَفَعَ إلَى خَلْفٍ وَهِيَ الْعِدَّةُ وَهَذِهِ الْعِدَّةُ حَقُّ النِّكَاحِ فَتَقُومُ مَقَامَ حَقِيقَتِهِ فِي إبْقَاءِ حِلِّ الْمَسِّ وَالنَّظَرِ قَالَ: وَإِنْ كَانَ فِيهِنَّ أُمُّ وَلَدِهِ لَمْ تُغَسِّلْهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخِرِ وَفِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّهَا مُعْتَدَّتُهُ مِنْ فِرَاشٍ صَحِيحٍ فَهِيَ كَالْمَنْكُوحَةِ، وَجْهُ قَوْلِهِ الْآخِرِ إنَّهَا عَتَقَتْ بِالْمَوْتِ فَصَارَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ وَوُجُوبُ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ الِاسْتِبْرَاءِ وَلِهَذَا لَا يَخْتَلِفُ بِالْحَيَاةِ وَالْوَفَاةِ فَلَا يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِهِ حِلُّ الْمَسِّ وَالنَّظَرِ كَالْعِدَّةِ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ. (قَالَ): وَإِنْ كَانَ فِيهِنَّ امْرَأَةٌ قَدْ بَانَتْ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ لَمْ تُغَسِّلْهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْبَيْنُونَةُ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِ طَلَاقٍ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ ارْتَفَعَ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ وَالْعِدَّةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَلِهَذَا تُقَدَّرُ بِالْأَقْرَاءِ وَكَذَلِكَ لَوْ ارْتَدَّتْ قَبْلَ مَوْتِهِ ثُمَّ أَسْلَمَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ تُغَسِّلْهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ الرِّدَّةَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا تَرْفَعُ النِّكَاحَ فَقَدْ ارْتَفَعَ بِالْمَوْتِ بِخِلَافِ الرِّدَّةِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: النِّكَاحُ كَالْقَائِمِ عَلَى إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ فَارْتَفَعَ بِالرِّدَّةِ وَعَلَى الطَّرِيقِ الْآخَرِ فَقَدْ بَقِيَ حِلُّ الْمَسِّ وَالنَّظَرِ وَكَمَا تَرْفَعُ الرِّدَّةُ مُطْلَقَ الْحِلِّ تَرْفَعُ مَا بَقِيَ مِنْهُ وَهُوَ حِلُّ الْمَسِّ وَالنَّظَرِ وَعَلَى هَذَا لَوْ طَاوَعَتْ ابْنَ زَوْجِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ وَطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فَوَجَبَ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ لَمْ تُغَسِّلْهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَوْ مَاتَ الزَّوْجُ وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا لَمْ تُغَسِّلْهُ عِنْدَنَا لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حِلُّ الْغُسْلِ عِنْد الْمَوْتِ لَهَا فَلَا يَثْبُتُ بَعْدَهُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ أُخْتُهَا تَعْتَدُّ مِنْهُ فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بَعْدَ مَوْتِهِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ وَكَذَلِكَ الْمَجُوسِيَّةُ إذَا أَسْلَمَتْ بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِهَا الْمُسْلِمِ لَمْ تُغَسِّلْهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَإِنْ كَانَ فِيهِنَّ أَمَتُهُ لَمْ تُغَسِّلهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ لِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهَا يَبْقَى حُكْمًا لِحَاجَتِهِ إلَى مَنْ يُغَسِّلُهُ. (وَلَنَا) أَنَّهَا قَدْ انْتَقَلَتْ إلَى الْوَارِثِ وَصَارَتْ كَسَائِرِ إمَائِهِ وَهَذَا لِأَنَّ حِلَّ الْمَسِّ يَعْتَمِدُ مِلْكَ الْمُتْعَةِ لَا مِلْكَ الْمَالِيَّةِ وَمِلْكَ الْمُتْعَةِ فِي الْأَمَةِ تَبَعٌ فَلَا يُمْكِنُ إبْقَاؤُهَا لَهُ بَعْدَ تَحَوُّلِ مَا هُوَ الْأَصْلُ وَهُوَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ إلَى الْوَارِثِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِيهِنَّ أَحَدٌ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ لِأَنَّ

стр. 322

الْمَحْرَمَ فِي حُكْمِ النَّظَرِ إلَى الْعَوْرَةِ كَالْأَجْنَبِيَّةِ فَكَذَلِكَ ذَوَاتُ مَحَارِمِهِ وَلَكِنْ يُيَمِّمَ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ لِانْعِدَامِ مَنْ يُغَسِّلُهُ فَصَارَ كَتَعَذُّرِ غُسْلِهِ لِانْعِدَامِ مَا يُغَسَّلُ بِهِ فَإِنْ كَانَ مَنْ يُيَمِّمُهُ مَحْرَمًا يَمَّمَهُ بِغَيْرِ خِرَقِهِ لِأَنَّهُ حَلَّ لَهَا مَسُّ هَذَيْنِ الْعُضْوَيْنِ فِي حَيَاتِهِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً يَمَّمَتْهُ بِخِرْقَةٍ تَلُفُّهَا عَلَى كَفِّهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَمَسَّهُ فِي حَيَاتِهِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ثُمَّ يُصَلِّينَ عَلَيْهِ وَقَامَ الْإِمَامُ مِنْهُنَّ وَسْطَهُنَّ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي جَمَاعَةِ النِّسَاءِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ كَافِرٌ عَلَّمْنَهُ غُسْلَ الْمَيِّتِ لِيُغَسِّلَهُ لِأَنَّ نَظَرَ الْجِنْسِ إلَى الْجِنْسِ أَخَفُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُوَافَقَةٌ فِي الدِّينِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يُغَسِّلُ قَرَابَتَهُ مِنْ الْكُفَّارِ وَلَوْ مَاتَتْ امْرَأَةٌ بَيْنَ الرِّجَالِ وَفِيهِمْ زَوْجُهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُغَسِّلَهَا عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: لَهُ ذَلِكَ لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ تَقُولُ: وَارْأَسَاهُ فَقَالَ: وَأَنَا وَارْأَسَاهُ لَا عَلَيْك إنَّك لَوْ مِتَّ غَسَّلْتُك وَكَفَّنْتُك وَصَلَّيْت عَلَيْك» وَمَا جَازَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَجُوزُ لِأُمَّتِهِ إلَّا مَا قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَإِنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - غَسَّلَ فَاطِمَةَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَلِأَنَّ النِّكَاحَ انْتَهَى بَيْنَهُمَا بِالْمَوْتِ فَيُفِيدُ الْبَاقِي مِنْهُمَا حِلَّ الْغُسْلِ كَالرَّجُلِ إذَا مَاتَ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُنْتَهَى مُتَقَرِّرٌ فِي حَقِّ أَحْكَامِهِ نَحْوَ الْإِرْثِ وَغَيْرِهِ وَلِأَنَّ الْمِلْكَ جُعِلَ كَالْقَائِمِ لِحَاجَةِ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا إلَى الْغُسْلِ وَمِلْكُ الْحِلِّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا. (وَلَنَا) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ تَمُوتُ بَيْنَ رِجَالٍ فَقَالَ: تُيَمَّمُ الصَّعِيدَ» وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ زَوْجُهَا أَوْ لَا يَكُونُ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ النِّكَاحَ بِمَوْتِهَا ارْتَفَعَ بِجَمِيعِ عَلَائِقِهِ فَلَا يَبْقَى حِلُّ الْمَسِّ وَالنَّظَرِ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّهَا بِالْمَوْتِ صَارَتْ مُحَرَّمَةً أَلْبَتَّةَ وَالْحُرْمَةُ تُنَافِي النِّكَاحَ ابْتِدَاءً وَبَقَاءً وَلِهَذَا جَازَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ الزَّوْجُ ثُمَّ الزَّوْجُ بِالنِّكَاحِ مَالِكٌ وَالْمَرْأَةُ مَمْلُوكَةٌ فَبَعْدَ مَوْتِهِ يُمْكِنُ إبْقَاءُ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ لَهُ حُكْمًا لِبَقَاءِ مَحَلِّ الْمِلْكِ فَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهَا فَلَا يُمْكِنُ إبْقَاءُ الْمِلْكِ مَعَ فَوَاتِ الْمَحَلِّ وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﵊: غَسَّلْتُك أَيْ: قُمْت بِأَسْبَابِ غُسْلِك كَمَا يُقَالُ بَنَى فُلَانٌ دَارًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ بَنَى وَحَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ غَسَّلَهَا فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ فَاطِمَةَ غَسَّلَتْهَا أُمُّ أَيْمَنَ وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - غَسَّلَهَا فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ حَتَّى قَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَمَّا عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَاطِمَةُ زَوْجَتُك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَادِّعَاؤُهُ الْخُصُوصِيَّةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَعْرُوفًا بَيْنَهُمْ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُغَسِّلُ زَوْجَتَهُ وَقَدْ قَالَ ﵊: «كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ

стр. 323

يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ إلَّا سَبَبِي وَنَسَبِي» فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ فِي حَقِّهِ وَفِي حَقِّ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَيْضًا لِأَنَّ نِكَاحَهُ كَانَ مِنْ أَسْبَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِذَا لَمْ تُغَسَّلْ يَمَّمَهَا فَإِنْ كَانَ مِنْ يُيَمِّمُهَا مَحْرَمًا لَهَا يَمَّمَهَا بِغَيْرِ خِرْقَةٍ وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا يُيَمِّمُهَا بِخِرْقَةِ يَلُفُّهَا عَلَى كَفِّهِ وَيُعْرِضُ وَجْهَهُ عَنْ ذِرَاعَيْهَا دُونَ وَجْهِهَا لِأَنَّ فِي حَالَةِ حَيَاتِهَا مَا كَانَ لِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى ذِرَاعَيْهَا فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ امْرَأَةٌ كَافِرَةٌ عَلَّمُوهَا غُسْلَ الْمَيِّتِ لِتُغَسِّلَهَا ثُمَّ يُصَلِّي عَلَيْهَا الرِّجَالُ لِمَا بَيَّنَّا [كفن الْمَرْأَة] (قَالَ): وَتُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ وَالرَّجُلُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ هَكَذَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁: كَفَنُ الْمَرْأَةِ خَمْسَةُ أَثْوَابٍ وَكَفَنُ الرَّجُلِ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلِأَنَّ حَالَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ الْمَوْتِ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْحَيَاةِ وَالرَّجُلُ فِي حَيَاتِهِ يَخْرُجُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ عَادَةً قَمِيصٍ وَسَرَاوِيلَ وَعِمَامَةٍ وَالْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَإِزَارٍ وَمِلَاءَةٍ وَنِقَابٍ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلِأَنَّ مَبْنَى حَالِهَا عَلَى السَّتْرِ فَيُزَادُ كَفَنُهَا عَلَى كَفَنِ الرَّجُلِ وَتَفْسِيرُ الْأَثْوَابِ الْخَمْسَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ وَإِزَارٌ وَلِفَافَةٌ وَخِرْقَةٌ تُرْبَطُ فَوْقَ الْأَكْفَانِ عِنْدَ الصَّدْرِ فَوْقَ الثَّدْيَيْنِ وَالْبَطْنِ حَتَّى لَا يَنْتَشِرَ عَلَيْهَا الْكَفَنُ إذَا حُمِلَتْ عَلَى السَّرِيرِ وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: تُرْبَطُ الْخِرْقَةُ عَلَى فَخِذَيْهَا لِئَلَّا تَضْطَرِبَ إذَا حُمِلَتْ عَلَى السَّرِيرِ وَيُوضَعُ الْحَنُوطُ مِنْهَا مَوْضِعَهُ مِنْ الرِّجَالِ وَلَا يُسْدَلُ شَعْرُهَا خَلْفَ ظَهْرِهَا وَلَكِنْ يُسْدَلُ مِنْ بَيْنِ ثَدْيَيْهَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا لِأَنَّ سَدْلَ الشَّعْرِ خَلْفَ ظَهْرِهَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ كَانَ لِمَعْنَى الزِّينَةِ وَقَدْ انْقَطَعَ ذَلِكَ بِالْوَفَاةِ ثُمَّ يُسْدَلُ الْخِمَارُ عَلَيْهَا كَهَيْئَةِ الْمُقَنَّعَةِ فَوْقَ الدِّرْعِ وَتَحْتَ الْإِزَارِ وَإِنْ كُفِّنَتْ الْمَرْأَةُ فِي ثَوْبَيْنِ وَخِمَارٍ وَلَمْ تُكَفَّنْ فِي دِرْعٍ جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى السِّتْرِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ يَحْصُلُ بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ حَتَّى يَجُوزَ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ فِيهَا وَتَخْرُجَ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ (قَالَ): وَالْخَلَقُ إذَا غُسِلَ وَالْجَدِيدُ فِيهِ سَوَاءٌ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبَيْ هَذَيْنِ وَكَفِّنُونِي فِيهِمَا فَإِنَّهُمَا لِلْمَهْلِ وَالصَّدِيدِ وَإِنَّ الْحَيَّ أَحْوَجُ مِنْ الْمَيِّتِ إلَى الْجَدِيدِ (قَالَ): وَالْبُرُودُ وَالْبَيَاضُ كُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ لِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّ أَحَبَّ الثِّيَابِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الْبَيَاضُ فَلْيَلْبَسْهَا أَحْيَاؤُكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» وَقَالَ ﵊: «حَسِّنُوا أَكْفَانَ الْمَوْتَى فَإِنَّهُمْ يَتَزَاوَرُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَيَتَفَاخَرُونَ بِحُسْنِ أَكْفَانِهِمْ» وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا يَجُوزُ لِكُلِّ جِنْسٍ أَنْ يَلْبَسَهُ فِي حَيَاتِهِ يَجُوزُ أَنْ يُكَفَّنَ فِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَالسُّنَّةُ فِي كَفَنِ الرَّجُلِ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ كَمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُفِّنَ

стр. 324

فِي بُرْدٍ» وَحُلَّةٍ اسْمٌ لِلزَّوْجِ مِنْ الثِّيَابِ وَالْبُرْدُ اسْم لِلْفَرْدِ مِنْ الثِّيَابِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: «كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ» (قَالَ): وَأَدْنَى مَا يُكَفَّنُ فِيهِ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ ثَوْبَانِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِيهِمَا وَيُصَلِّيَ فِيهِمَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ فَكَذَلِكَ يُكَفَّنُ فِيهِمَا (قَالَ): فَإِنْ كَفَّنُوهُ فِي وَاحِدٍ فَقَدْ أَسَاءُوا لِأَنَّ فِي حَالَةِ حَيَاتِهِ تَجُوزُ صَلَاتُهُ فِي إزَارٍ وَاحِدٍ مَعَ الْكَرَاهَةِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ يُكْرَهُ أَنْ يُكَفَّنَ فِيهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِأَنْ كَانَ لَا يُوجَدُ غَيْرُهُ لِأَنَّ «مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمَّا اُسْتُشْهِدَ كُفِّنَ فِي نَمِرَةَ فَكَانَ إذَا غُطِّيَ بِهَا رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ وَإِذَا غُطِّيَ بِهِ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُغَطَّى رَأْسُهُ وَيُجْعَلُ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْإِذْخِرِ» وَكَذَلِكَ حَمْزَةُ ﵁ لَمَا اُسْتُشْهِدَ كُفِّنَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَمْ يُوجَدْ لَهُ غَيْرُهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ يَجُوزُ هَذَا (قَالَ): وَالْغُلَامُ الْمُرَاهِقُ كَالرَّجُلِ يُكَفَّنُ فِيمَا يُكَفَّنُ فِيهِ الرَّجُلُ فَأَمَّا الطِّفْلُ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ فَإِنْ كُفِّنَ فِي خِرْقَتَيْنِ إزَارٍ وَرِدَاءٍ فَحَسَنٌ وَإِنْ كُفِّنَ فِي إزَارٍ وَاحِدٍ جَازَ لِأَنَّ فِي حَالِ حَيَاتِهِ كَانَ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي حَقِّهِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ (قَالَ): وَتُغَسِّلُ الْمَرْأَةُ الصَّبِيَّ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِفَرْجِهِ حُكْمُ الْعَوْرَةِ حَتَّى لَا يَجِبْ سَتْرُهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَيَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ (قَالَ) قَوْمٌ صَلَّوْا عَلَى مَيِّتٍ قَبْلَ أَنْ يُغَسَّلَ قَالَ: تُعَادُ الصَّلَاةُ بَعْدَ الْغُسْلِ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ فِي حَقِّهِ مُعْتَبَرَةٌ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَمَا هِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ وَلَوْ صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ عَلَى جِنَازَةٍ أَعَادَهَا بَعْدَ الطَّهَارَةِ فَكَذَا هَذَا وَكَذَلِكَ لَوْ غَسَلُوهُ وَبَقِيَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ قَدْرُ لُمْعَةٍ فَإِنْ كَانَ قَدْ لُفَّ فِي كَفَنِهِ وَقَدْ بَقِيَ عُضْوٌ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ يُخْرَجُ مِنْ الْكَفَنِ فَيُغَسَّلُ ذَلِكَ الْعُضْوُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي شَيْئًا يَسِيرًا كَالْأُصْبُعِ وَنَحْوِهِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ الْأُصْبُعَ فِي حُكْمِ الْعُضْوِ بِدَلِيلِ اغْتِسَالِ الْحَيِّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يُخْرَجُ مِنْ الْكَفَنِ لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ بِعَدَمِ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ فَلَعَلَّهُ أَسْرَعَ إلَيْهِ الْجَفَافُ لِقِلَّتِهِ وَهَذَا الْخِلَافُ فِي نَوَادِرِ أَبِي سُلَيْمَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (قَالَ) فَإِنْ كَانُوا قَدْ دَفَنُوهُ لَمْ يُنْبَشْ عَنْهُ الْقَبْرُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ أَيْدِيهِمْ فَسَقَطَ فَرْضُ غُسْلِهِ عَنْهُمْ ثُمَّ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ الْأُولَى لَمْ تَصِحَّ فَكَأَنَّهُمْ دَفَنُوهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (قَالَ): مَيِّتٌ وُضِعَ فِي لَحْدِهِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ أَوْ جُعِلَ رَأْسُهُ فِي مَوْضِعِ رِجْلَيْهِ قَالَ: لَا يُنْبَشُ عَنْهُ قَبْرُهُ لِأَنَّ وَضْعَهُ إلَى الْقِبْلَةِ سُنَّةٌ وَقَدْ تَمَّ خُرُوجُهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ بَعْدَ مَا أَهَالُوا عَلَيْهِ

стр. 325

التُّرَابَ فَلَا يَجُوزُ نَبْشُهُ فَإِنْ وُضِعَ اللَّبِنُ وَلَمْ يُهَلْ التُّرَابُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُنْزَعُ اللَّبِنُ وَيُوضَعُ كَمَا يَنْبَغِي وَيُغَسَّلُ إنْ لَمْ يَكُنْ غُسِّلَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ خُرُوجُهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ بَعْدُ فَنَزْعُ اللَّبِنِ بَعْدَ الْوَضْعِ مُتَيَسِّرٌ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى حَفْرٍ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ (قَالَ): وَإِنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِنْ مَتَاعِ الْقَوْمِ فِي الْقَبْرِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْفِرُوا التُّرَابَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيُخْرِجُوا مَتَاعَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْبَشَ الْمَيِّتُ لِأَنَّ لِمَالِ الْمُسْلِمِ حُرْمَةً وَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ» وَفِي إبْقَاءِ الْمَتَاعِ فِي الْقَبْرِ إضَاعَةُ الْمَالِ وَقَدْ صَحَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ﵁ سَقَطَ خَاتَمُهُ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا زَالَ بِالصَّحَابَةِ حَتَّى رُفِعَ اللَّبِنُ وَأَخَذَ خَاتَمَهُ وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ كَانَ يَفْتَخِرُ بِذَلِكَ وَيَقُولُ: أَنَا آخِرُكُمْ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (قَالَ): وَيُكْرَهُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى اللَّحْدِ رُفُوفُ الْخَشَبِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَبْنِيَةِ لِلزِّينَةِ أَوْ لِإِحْكَامِ الْبِنَاءِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي دِيَارِنَا لِرَخَاوَةِ الْأَرْضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ] الْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (قَالَ) «انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ النَّاسُ: إنَّمَا انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ لِمَوْتِهِ فَقَالَ ﵊: إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَالِ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ» وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى قَالَ: «انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ لَا تُرْسَلُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَكِنْ يُرْسِلُهَا اللَّهُ تَعَالَى لِيُخَوِّفَكُمْ بِهَا فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَاذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى وَاسْتَغْفِرُوهُ» ثُمَّ الصَّلَاةُ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَانِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ عِنْدَنَا كُلُّ رَكْعَةٍ بِرُكُوعٍ وَسَجْدَتَيْنِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: كُلُّ رَكْعَةٍ بِرُكُوعَيْنِ وَسُجُودَيْنِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَيْنِ بِأَرْبَعِ رُكُوعَاتٍ وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» وَلَنَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَأَبِي بَكْرَةَ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَيْنِ كَأَطْوَلِ صَلَاةٍ

стр. 326

كَانَ يُصَلِّيهَا فَانْجَلَتْ الشَّمْسُ مَعَ فَرَاغِهِ مِنْهَا» وَفِي الْكِتَابِ ذَكَرَ حَدِيثِ إبْرَاهِيمَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي الْكُسُوفِ ثُمَّ كَانَ الدُّعَاءُ حَتَّى تَجَلَّتْ» وَهُوَ كَانَ مُقَدَّمًا فِي بَابِ الْإِخْبَارِ فَإِنَّمَا يُعْتَمَدُ عَلَى مَا يَصِحُّ مِنْهَا فَدَلَّ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَلَوْ جَازَ الْأَخْذُ بِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ لَجَازَ الْأَخْذُ بِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي الْكُسُوفِ رَكْعَتَيْنِ بِسِتِّ رُكُوعَاتٍ وَسِتِّ سَجَدَاتٍ» وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْكُسُوفِ رَكْعَتَيْنِ بِثَمَانِ رُكُوعَاتٍ وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» وَبِالْإِجْمَاعِ هَذَا غَيْرُ مَأْخُوذٍ بِهِ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَعْهُودِ فَكَذَلِكَ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄. وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَوَّلَ الرُّكُوعَ فِيهَا فَإِنَّهُ عُرِضَ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ فَمَلَّ بَعْضُ الْقَوْمِ فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ وَظَنَّ مَنْ خَلْفَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَفَعَ رَأْسَهُ فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ ثُمَّ عَادَ الصَّفُّ الْمُتَقَدِّمُ إلَى الرُّكُوعِ اتِّبَاعًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﵊ فَرَكَعَ مَنْ خَلْفَهُمْ أَيْضًا وَظَنُّوا أَنَّهُ رَكَعَ رُكُوعَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَمِثْلُ هَذَا الِاشْتِبَاهِ قَدْ يَقَعُ لِمَنْ كَانَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ وَعَائِشَةُ ﵂ كَانَتْ وَاقِفَةً فِي صَفِّ النِّسَاءِ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي صَفِّ الصِّبْيَانِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلِهَذَا نَقَلَا كَمَا وَقَعَ عِنْدَهُمَا وَلَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا لَكَانَ أَمْرًا بِخِلَافِ الْمَعْهُودِ فَيَنْقُلُهَا الْكِبَارُ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا يَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَحَيْثُ لَمْ يَرْوِهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ دَلَّ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قُلْنَا ثُمَّ هَذِهِ الصَّلَاةُ لَا يُقِيمُهَا بِالْجَمَاعَةِ إلَّا الْإِمَامُ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ فَأَمَّا أَنْ يُصَلِّيَ كُلُّ فَرِيقٍ فِي مَسْجِدِهِمْ فَلَا لِأَنَّهُ أَقَامَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّمَا يُقِيمُهَا الْآنَ مَنْ هُوَ قَائِمٌ مَقَامَهُ وَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا الْإِمَامُ صَلَّى النَّاسُ فُرَادَى إنْ شَاءُوا رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شَاءُوا أَرْبَعًا لِأَنَّ هَذَا تَطَوُّعٌ وَالْأَصْلُ فِي التَّطَوُّعِ أَدَاؤُهَا فُرَادَى إنْ شَاءُوا رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شَاءُوا أَرْبَعًا وَذَلِكَ أَفْضَلُ ثُمَّ إنْ شَاءُوا طَوَّلُوا الْقِرَاءَةَ وَإِنْ شَاءُوا قَصَّرُوا ثُمَّ اشْتَغَلُوا بِالدُّعَاءِ حَتَّى تَنْجَلِي الشَّمْسُ فَإِنَّ عَلَيْهِمْ الِاشْتِغَالُ بِالتَّضَرُّعِ إلَى أَنْ تَنْجَلِيَ وَذَلِكَ بِالدُّعَاءِ تَارَةً وَبِالْقِرَاءَةِ أُخْرَى وَصَحَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ «قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى كَانَ بِقَدْرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِقَدْرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ» فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُطَوِّلَ الْقِرَاءَةَ فِيهَا فَأَمَّا كُسُوفُ الْقَمَرِ فَالصَّلَاةُ حَسَنَةٌ وَكَذَلِكَ فِي الظُّلْمَةِ وَالرِّيحِ وَالْفَزَعِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَالِ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ» وَعَابَ أَهْلُ الْأَدَبِ عَلَى مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا

стр. 327

اللَّفْظِ وَقَالُوا: إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْقَمَرِ لَفْظُ الْخُسُوفِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْخُسُوفُ ذَهَابُ دَائِرَتِهِ وَالْكُسُوفُ ذَهَابُ ضَوْئِهِ دُونَ دَائِرَتِهِ فَإِنَّمَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ هَذَا النَّوْعَ بِذِكْرِ الْكُسُوفِ ثُمَّ الصَّلَاةُ فِيهَا فُرَادَى لَا بِجَمَاعَةٍ لِأَنَّ كُسُوفَ الْقَمَرِ بِاللَّيْلِ فَيَشُقُّ عَلَى النَّاسِ الِاجْتِمَاعُ وَرُبَّمَا يَخَافُ الْفِتْنَةَ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِيهَا بِالْجَمَاعَةِ وَالْأَصْلُ فِي التَّطَوُّعَاتِ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ فِيهَا مَا خَلَا قِيَامَ رَمَضَانَ لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ وَكُسُوفَ الشَّمْسِ لِوُرُودِ الْأَثَرِ بِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَا يُؤَدَّى بِالْجَمَاعَةِ مِنْ الصَّلَاةِ يُؤَذَّنُ لَهَا وَيُقَامُ وَلَا يُؤَذَّنُ لِلتَّطَوُّعَاتِ وَلَا يُقَامُ فَدَلَّ أَنَّهَا لَا تُؤَدَّى بِالْجَمَاعَةِ (قَالَ) وَلَا يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَيَجْهَرُ بِهَا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ تَعَالَى مُضْطَرِبٌ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَخْصُوصَةٌ تُقَامُ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ فَيَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ كَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ حَرْفٌ مِنْ قِرَاءَتِهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ» وَلِأَنَّهَا صَلَاةُ النَّهَارِ وَفِي الْحَدِيثِ «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» أَيْ لَيْسَ فِيهَا قِرَاءَةٌ مَسْمُوعَةٌ وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ وَقَعَ اتِّفَاقًا أَوْ تَعْلِيمًا لِلنَّاسِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِيهَا مَشْرُوعَةٌ (قَالَ): وَلَا يُصَلَّى الْكُسُوفُ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ لِأَنَّهَا تَطَوُّعٌ كَسَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ (قَالَ): وَلَا صَلَاةَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ إنَّمَا فِيهَا الدُّعَاءُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يُصَلِّي فِيهَا رَكْعَتَيْنِ بِجَمَاعَةٍ كَصَلَاةِ الْعِيدِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا تَكْبِيرَاتٌ كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ وَهُوَ رِوَايَةُ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: فِيهَا تَكْبِيرَاتٌ كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ رَكْعَتَيْنِ» وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِيهَا رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ» وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] فَإِنَّمَا أَمَرَنَا بِالِاسْتِغْفَارِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ ﴿يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ لَمَّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَسْتَسْقِيَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو فَمَا نَزَلَ عَنْ الْمِنْبَرِ حَتَّى نَشَأَتْ سَحَابَةٌ فَمُطِرْنَا إلَى الْجُمُعَةِ الْقَابِلَةِ»

стр. 328

الْحَدِيثُ وَأَنَّ عُمَرَ ﵁ خَرَجَ لِلِاسْتِسْقَاءِ فَمَا زَادَ عَلَى الدُّعَاءِ فَلَمَّا قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ قَالَ: لَقَدْ اسْتَسْقَيْت لَكُمْ بِمَجَادِيحِ السَّمَاءِ الَّتِي يَسْتَنْزِلُ بِهَا الْمَطَرُ وَرُوِيَ أَنَّهُ خَرَجَ بِالْعَبَّاسِ ﵁ فَأَجْلَسَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَوَقَفَ بِجَنْبِهِ يَدْعُو وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّك ﷺ وَدَعَا بِدُعَاءٍ طَوِيلٍ فَمَا نَزَلَ عَنْ الْمِنْبَرِ حَتَّى سَقَوْا فَدَلَّ أَنَّ فِي الِاسْتِسْقَاءِ الدُّعَاءَ وَهُوَ الِاسْتِغْفَارُ وَالْأَثَرُ الَّذِي نُقِلَ أَنَّهُ صَلَّى فِيهَا ﷺ شَاذٌّ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَمَا يَحْتَاجُ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ إلَى مَعْرِفَتِهِ لَا يُقْبَلُ فِيهِ شَاذٌّ وَهَذَا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فِي دِيَارِهِمْ ثُمَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَخْطُبُ الْإِمَامُ بَعْدَ الصَّلَاةِ نَحْوَ الْخُطْبَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الدُّعَاءُ فَلَا يَقْطَعُهَا بِالْجِلْسَةِ وَقَدْ وَرَدَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ: يَخْطُبُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ﵁ وَقَدْ وَرَدَ بِهِ حَدِيثٌ وَلَكِنَّهُ شَاذٌّ فَإِذَا مَضَى صَدْرٌ مِنْ خُطْبَتِهِ قَلَبَ رِدَاءَهُ وَصِفَتُهُ إنْ كَانَ مُرَبَّعًا جَعَلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وَإِنْ كَانَ مُدَوَّرًا جَعَلَ الْجَانِبَ الْأَيْمَنَ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ وَقَدْ وَرَدَ بِهِ حَدِيثٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ وَلَا تَأْوِيلَ لَهُ سِوَى أَنْ يُقَالَ تُغَيَّرُ الْهَيْئَةُ لِيَتَغَيَّرَ الْهَوَاءُ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَعْتَمِدَ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى عَصًا وَأَنْ يَتَنَكَّبَ قَوْسًا بِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ وَهَذَا لِأَنَّ خُطْبَتَهُ تَطُولُ فَيَسْتَعِينُ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى عَصًا وَإِذَا قَلَبَ الْإِمَامُ رِدَاءَهُ لَمْ يَقْلِبْ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّاسَ فَعَلُوا ذَلِكَ حِينَ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ وَبِهِ أَخَذَ مَالِكٌ. وَتَأْوِيلُهُ إنَّهُمْ اقْتَدُوا بِهِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا سُنَّةٌ كَمَا خَلَعُوا نِعَالَهُمْ حِينَ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا يَكُونُ مِنْ سُنَّةِ الْخُطْبَةِ يَأْتِي بِهِ الْخَطِيبُ دُونَ الْقَوْمِ كَالْقِيَامِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: إنْ شَاءَ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ وَإِنْ شَاءَ أَشَارَ بِأُصْبُعِهِ لِأَنَّ رَفْعَ الْيَدِ عِنْدَ الدُّعَاءِ سُنَّةٌ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو بِعَرَفَاتٍ بَاسِطًا يَدَيْهِ كَالْمُتَضَرِّعِ الْمِسْكَيْنِ» وَإِنَّمَا يَخْرُجُونَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يُنْقَلْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُخْرِجُونَ الْمِنْبَرَ فِيهَا كَمَا بَيَّنَّا فِي صَلَاةِ الْعِيدِ (قَالَ): وَلَا يَخْرُجُ أَهْلُ الذِّمَّةِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ. وَقَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: إنْ خَرَجُوا لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ وَرَدَ بِهِ أَثَرٌ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فِي عَهْدِ بَعْضِ الْخُلَفَاءِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنَّا نَقُولُ: إنَّمَا يَخْرُجُ النَّاسُ لِلدُّعَاءِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إلَّا فِي ضَلَالٍ وَلِأَنَّهُمْ بِالْخُرُوجِ يَسْتَنْزِلُونَ الرَّحْمَةَ وَمَا يَنْزِلُ عَلَى الْكُفَّارِ إلَّا اللَّعْنُ

стр. 329

وَالسَّخَطُ وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَبْعِيدِ الْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا» فَلِهَذَا لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ الْخُرُوجِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ (قَالَ): وَيَنْصِتُ الْقَوْمُ لِخُطْبَةِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ يَعِظُهُمْ فِيهَا وَفَائِدَةُ الْوَعْظِ إنَّمَا تَظْهَرُ بِالْإِنْصَاتِ وَلَيْسَ فِيهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَلَا يُشْكِلُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا صَلَاةٌ بِالْجَمَاعَةِ إنَّمَا فِيهَا الدُّعَاءُ فَإِنْ شَاءُوا صَلَّوْا فُرَادَى وَذَلِكَ فِي مَعْنَى الدُّعَاءِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهَا صَلَاةٌ بِالْجَمَاعَةِ لَكِنَّهَا تَطَوُّعٌ كَصَلَاةِ الْعِيدِ وَلَيْسَ فِيهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ [بَابُ الصَّلَاةِ بِمَكَّةَ فِي الْكَعْبَةِ] (قَالَ): وَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ بِالنَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَقَفَ فِي مَقَامِ إبْرَاهِيمَ وَتُحَلَّقُ النَّاسُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ يَقْتَدُونَ بِهِ فَيُجْزِيهِمْ بِهِ جَرْيُ التَّوَارُثِ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] وَالْقَوْمُ كُلُّهُمْ قَدْ اسْتَقْبَلُوا الْقِبْلَةَ وَوَاحِدٌ مِنْهُمْ لَمْ يَتَقَدَّمْ الْإِمَامُ فِي مَقَامِهِ فَيُجْزِيهِمْ إلَّا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ إلَى وَجْهِ الْإِمَامِ وَكَانَ مُسْتَقْبِلًا الْجِهَةَ الَّتِي اسْتَقْبَلَهَا الْإِمَامُ وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى حَائِطِ الْكَعْبَةِ مِنْ الْإِمَامِ فَهَذَا مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْإِمَامِ فَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ فَإِنْ وَقَفَتْ امْرَأَةٌ بِحِذَاءِ الْإِمَامِ تَقْتَدِي بِهِ وَقَدْ نَوَى إمَامَتَهَا فَإِنْ اسْتَقْبَلَتْ الْجِهَةَ الَّتِي اسْتَقْبَلَهَا الْإِمَامُ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْقَوْمِ فَاسِدَةٌ لِوُجُودِ الْمُحَاذَاةِ فِي صَلَاةٍ مُشْتَرَكَةٍ وَإِنْ اسْتَقْبَلَتْ الْجِهَةَ الْأُخْرَى لَمْ تَفْسُدْ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَإِنَّمَا تَفْسُدُ صَلَاةُ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ مِنْ عَنْ يَمِينِهَا وَمِنْ عَنْ يَسَارِهَا وَمِنْ خَلْفِهَا بِحِذَائِهَا لِوُجُودِ الْمُحَاذَاةِ فِي حَقِّهِمْ فَإِنَّهُمْ يَسْتَقْبِلُونَ الْجِهَةَ الَّتِي اسْتَقْبَلَتْهَا هِيَ وَإِنْ كَانُوا يُصَلُّونَ فُرَادَى لَمْ تَفْسُدْ صَلَاةُ أَحَدٍ بِالْمُحَاذَاةِ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا سَبَقَ (قَالَ): وَإِنْ كَانَتْ الْكَعْبَةُ تُبْنَى وَقَدْ أَظْرَفَ فِي الْعِبَارَةِ فِي هَذَا اللَّفْظِ لِأَنَّهُ كَرِهَ إطْلَاقَ لَفْظِ الِانْهِدَامِ عَلَى الْكَعْبَةِ وَبِهَذَا اللَّفْظِ يُفْهَمُ هَذَا الْمَقْصُودُ فَإِذَا تَحَلَّقَ النَّاسُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَصَلَّوْا هَكَذَا جَازَتْ صَلَاتُهُمْ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: إنْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ شَيْءٌ مَوْضُوعٌ لَا يُجْزِئُهُمْ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْقِبْلَةَ هِيَ الْبِنَاءُ وَالْبُقْعَةَ جَمِيعًا فَإِنَّ الِاسْتِقْبَالَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إلَى الْبِنَاءِ فَأَمَّا عِنْدَنَا فَالْقِبْلَةُ هِيَ الْكَعْبَةُ سَوَاءٌ كَانَ هُنَاكَ بِنَاءٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ أَلَا تَرَى أَنَّ الْبِنَاءَ لَوْ نُقِلَ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ لَا يَكُونُ قِبْلَةً وَقَدْ رُفِعَ الْبِنَاءُ فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ حِينَ بُنِيَ الْبَيْتُ عَلَى قَوَاعِدَ

стр. 330

الْخَلِيلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه وَفِي عَهْدِ الْحَجَّاجِ حِينَ أَعَادَهُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَجُوزُ الصَّلَاةُ لِلنَّاسِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ بِنَاءٌ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ تَرْكُ اتِّخَاذِ السُّتْرَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِقْبَالِ الصُّورَةِ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ وَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَمَرَ بِتَعْلِيقِ الْأَنْطَاعِ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ لِيَكُونَ بِمَنْزِلَةِ السُّتْرَةِ لَهُمْ (قَالَ) فَإِنْ صَلَّوْا فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ فَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ النَّافِلَةُ وَالْمَكْتُوبَةُ فِيهِ سَوَاءٌ وَقَالَ مَالِكٌ ﵁: لَا يَجُوزُ أَدَاءُ الْمَكْتُوبَةِ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُسْتَقْبِلًا جِهَةً فَهُوَ مُسْتَدْبِرٌ جِهَةً أُخْرَى وَالصَّلَاةُ مَعَ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ لَا تَجُوزُ فَيُؤْخَذُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَفِي التَّطَوُّعِ الْأَمْرُ أَوْسَعُ وَقَاسَ الصَّلَاةَ بِالطَّوَافِ فَإِنَّ مَنْ طَافَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ لَا يُجْزِئُهُ طَوَافُهُ. (وَلَنَا) أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ جُزْءٍ مِنْ الْكَعْبَةِ وَقَدْ اسْتَقْبَلَهَا بِيَقِينٍ وَالْفَرْضُ وَالنَّفَلُ فِي وُجُوبِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ سَوَاءٌ فَإِذَا جَازَ أَدَاءُ النَّفْلِ فِي الْكَعْبَةِ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَكَذَلِكَ الْفَرْضُ وَلَيْسَ الصَّلَاةُ كَالطَّوَافِ فَإِنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ لَا فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الطَّوَافَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَلْ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ حِينَ دَخَلَهَا؟ فَرَوَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ فِيهَا» وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّهُ صَلَّى فِيهَا رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَمِنْهُ إلَى الْحَائِطِ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ» فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ وَالنَّاسُ قَدْ تَحَلَّقُوا حَوْلَهَا كَمَا ذَكَرْنَا أَجْزَأَهُمْ وَإِنْ كَانُوا مَعَهُ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ وَمَنْ وَجْهُهُ إلَى ظَهْرِ الْإِمَامِ أَوْ إلَى يَمِينِ الْإِمَامِ أَوْ إلَى يَسَارِهِ يَجُوزُ. وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ وَجْهُهُ إلَى وَجْهِ الْإِمَامِ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الصُّورَةِ وَإِنَّمَا لَا تَجُوزُ صَلَاةُ مِنْ ظَهْرِهِ إلَى وَجْهِ الْإِمَامِ وَصَلَاةُ مَنْ كَانَ مُسْتَقْبِلًا الْجِهَةَ الَّتِي اسْتَقْبَلَهَا الْإِمَامُ وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْحَائِطِ مِنْ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا تَحَرَّوْا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَاقْتَدُوا بِالْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ صَلَاةُ مَنْ عُلِمَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِمَامِ فِي الْجِهَةِ هُنَاكَ لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ إمَامَهُ غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ الْقِبْلَةَ فَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ وَهَاهُنَا كُلُّ جَانِبٍ قِبْلَةٌ بِيَقِينٍ فَهُوَ لَا يَعْتَقِدُ الْخَطَأَ فِي صَلَاةِ إمَامِهِ فَجَازَ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ وَمَنْ صَلَّى عَلَى سَطْحِ الْكَعْبَةِ جَازَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَنَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْبِنَاءَ مُعْتَبَرٌ فِي جَوَازِ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ لِلصَّلَاةِ وَعِنْدَنَا الْقِبْلَةُ هِيَ الْكَعْبَةُ فَسَوَاءٌ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ

стр. 331

وَبِالِاتِّفَاقِ مَنْ صَلَّى عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَلَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ فَدَلَّ أَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ لِلْبِنَاءِ وَبَعْضُ أَئِمَّةِ بَلْخِي قَالُوا بِالِاتِّفَاقِ لَوْ صَلَّى عَلَى سَطْحِ الْكَعْبَةِ وَوَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ إكَافًا تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَتَعَلَّقَ جَوَازُ الصَّلَاةِ بِاسْتِقْبَالِ الْإِكَافِ فَدَلَّ أَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِالْبِنَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ [كِتَابُ السَّجَدَاتِ] [زِيَادَةَ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ قَبْلَ إكْمَالِ الْفَرِيضَةِ] (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (قَالَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مَسَائِلُ هَذَا الْكِتَابِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أُصُولٍ قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْهَا أَنَّ زِيَادَةَ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ قَبْلَ إكْمَالِ الْفَرِيضَةِ لَا يَكُونُ مُفْسِدًا لِلصَّلَاةِ بِخِلَافِ زِيَادَةِ الرَّكْعَةِ الْكَامِلَةِ، وَإِنَّمَا تَتَقَيَّدُ الرَّكْعَةُ بِالسَّجْدَةِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ زِيَادَةُ السَّجْدَةِ الْوَاحِدَةِ قَبْلَ إكْمَالِ الْفَرِيضَةِ يُفْسِدُهَا وَمِنْهَا أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي أَفْعَالِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فِيمَا شُرِعَ مُتَكَرِّرًا لَا يَكُونُ رُكْنًا وَتَرْكُهَا لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا، وَمِنْهَا أَنَّ الْمَتْرُوكَةَ إذَا قُضِيَتْ اُلْتُحِقَتْ بِمَحَلِّهَا وَصَارَتْ كَالْمُؤَدَّاةِ فِي مَوْضِعِهَا وَمِنْهَا سَلَامُ السَّهْوِ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ، وَإِنَّ سُجُودَ السَّهْوِ يَجِبُ بِتَأْخِيرِ رُكْنٍ عَنْ مَحَلِّهِ وَيُؤَدَّى بَعْدَ السَّلَامِ عِنْدَنَا وَمِنْهَا أَنَّ مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْبِدْعَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَمَا تَرَدَّدَ بَيْنَ الْبِدْعَةِ وَالسُّنَّةِ يَتْرُكُهُ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْبِدْعَةِ لَازِمٌ وَأَدَاءُ السُّنَّةِ غَيْرُ لَازِمٍ. وَمِنْهَا أَنَّ الْقَعْدَةَ الْأُولَى فِي ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ أَوْ الثَّلَاثِ مِنْ الْمَكْتُوبَاتِ سُنَّةٌ وَقَعْدَةُ الْخَتْمِ فَرِيضَةٌ وَمِنْهَا أَنَّ الصَّلَاةَ إذَا فَسَدَتْ مِنْ وَجْهٍ يَجِبُ إعَادَتُهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَصِحُّ مِنْ وُجُوهٍ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ، وَمِنْهَا أَنَّك تَنْظُرُ فِي تَخْرِيجِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ إلَى الْمَتْرُوكَاتِ مِنْ السَّجَدَاتِ وَإِلَى الْمَأْتِيِّ بِهَا، فَعَلَى الْأَقَلِّ مِنْهَا تَخْرِيجُ الْمَسَائِلِ، وَأَدِلَّةُ هَذِهِ الْأُصُولِ قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ : قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: رَجُلٌ صَلَّى الْغَدَاةَ وَتَرَكَ مِنْهَا سَجْدَةً قَالَ يَسْجُدُ تِلْكَ السَّجْدَةَ وَيَسْتَوِي إنْ ذَكَرَهَا قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ سَلَّمَ وَعَلَيْهِ رُكْنٌ فَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ فَيَسْجُدُهَا، فَإِنْ كَانَتْ مَتْرُوكَةً مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى اُلْتُحِقَتْ بِمَحَلِّهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَهِيَ مُؤَدَّاةٌ فِي مَحَلِّهَا؛ لِأَنَّ الْقَعْدَةَ تُنْتَقَضُ بِالْعُودِ إلَيْهَا، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَهَا بِقَعْدَةِ الْخَتْمِ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إمَّا لِتَأْخِيرِ رُكْنٍ عَنْ مَحِلِّهِ أَوْ لِزِيَادَةِ قَعْدَةٍ أَوْ لِلسَّلَامِ سَاهِيًا. وَلَوْ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ

стр. 332

وَيُصَلِّي رَكْعَةً؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ تَرَكَهُمَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَعَلَيْهِ سَجْدَتَانِ؛ لِأَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ تَقَيَّدَتْ بِسَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ كَانَ تَرَكَهُمَا مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَعَلَيْهِ سَجْدَتَانِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ رَكَعَ ثُمَّ قَعَدَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، وَإِنْ كَانَ تَرَكَهُمَا مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَعَلَيْهِ قَضَاءُ تِلْكَ الرَّكْعَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ رَكَعَ رُكُوعَيْنِ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فَكَانَ مُصَلِّيًا رَكْعَةً وَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الرُّكُوعُ الْأَوَّلُ إنْ كَانَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ كَمَا بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَإِذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ أَنَّهُ كَيْفَ تَرَكَهُمَا أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَصَلَّى رَكْعَةً إلَّا أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالسَّجْدَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَدَأَ بِالرَّكْعَةِ، وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ سَجْدَتَانِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِاشْتِغَالِهِ بِالنَّفْلِ قَبْلَ إكْمَالِ الْفَرِيضَةِ، وَإِنْ بَدَأَ بِالسَّجْدَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءَ رَكْعَةٍ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ السَّجْدَةِ وَالسَّجْدَتَيْنِ قَبْلَ إكْمَالِ الْفَرِيضَةِ لَا يُفْسِدْ الْفَرِيضَةَ؛ فَلِهَذَا بَدَأَ بِالسَّجْدَتَيْنِ، وَإِنَّمَا تَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَجْهُ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ إذَا فَسَدَتْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ يَكْفِي ذَلِكَ لِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ، فَإِنْ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَعَدَ بَعْدَهُمَا لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ سَجْدَتَيْنِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَقَعْدَةُ الْخَتْمِ فَرِيضَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ رَكْعَةً كَانَتْ هَذِهِ الْقَعْدَةُ بِدْعَةً وَمَا تَرَدَّدَ بَيْنَ الْبِدْعَةِ وَالْفَرِيضَةِ يَجِبُ أَدَاؤُهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَةً لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءَ رَكْعَةٍ، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَاذَا لَا تَأْمُرُهُ بِرَكْعَةٍ أُخْرَى حَتَّى لَا يَكُونَ مُتَنَفِّلًا بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ إنْ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ سَجْدَتَيْنِ؟ قُلْنَا: هَذَا تَرَدُّدٌ بَيْنَ التَّطَوُّعِ وَالْبِدْعَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يُؤْتَى بِمِثْلِهِ. وَلَوْ فَعَلَهُ كَانَ مُتَطَوِّعًا بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَكَمَا يُتَوَهَّمُ أَنْ يَكُونَ مُتَنَفِّلًا بِرَكْعَةٍ إذَا سَلَّمَ عَلَيْهَا يُتَوَهَّمُ ذَلِكَ إذَا أَضَافَ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى لِجَوَازِ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَةٍ فَلَا مَعْنَى لِلِاشْتِغَالِ بِهَذَا، وَإِنْ تَرَكَ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ فَنَقُولُ: هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ مَا سَجَدَ إلَّا سَجْدَةً وَاحِدَةً وَبِالسَّجْدَةِ الْوَاحِدَةِ لَا يَتَقَيَّدُ إلَّا رَكْعَةً وَاحِدَةً فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ سَجْدَةً وَاحِدَةً لِيُتِمَّ بِهَا رَكْعَةً، ثُمَّ لَا يَقْعُدُ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَلَكِنْ يُصَلِّي رَكْعَةً، ثُمَّ يَقْعُدُ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ بِالسَّجْدَةِ قَضَاءَ الْمَتْرُوكَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَتَى بِسَجْدَةٍ بَعْدَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ. وَإِذَا لَمْ يَنْوِ بِهَذِهِ السَّجْدَةِ الْقَضَاءَ تَتَقَيَّدُ بِهَا الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ، فَإِذَا قَامَ بَعْدَهَا، وَصَلَّى رَكْعَةً كَانَ مُتَنَفِّلًا بِهَا قَبْلَ إكْمَالِ الْفَرِيضَةِ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ، فَإِذَا نَوَى بِهَا الْقَضَاءَ اُلْتُحِقَتْ بِمَحَلِّهَا وَانْتَقَضَ الرُّكُوعُ الْمُؤَدَّى بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ يَحْتَمِلُ النَّقْضَ؛ فَلِهَذَا يَنْوِي بِهَا الْقَضَاءَ فَإِنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْهَا أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ فَهَذَا رَكَعَ رُكُوعَيْنِ وَلَمْ يَسْجُدْ شَيْئًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ

стр. 333

لِيُتِمَّ رَكْعَةً ثُمَّ لَا يَقْعُدُ، وَلَكِنْ يُصَلِّي رَكْعَةً ثُمَّ يَقْعُدُ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ (قَالَ) رَجُلٌ صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَتَرَكَ مِنْهَا سَجْدَةً قَالَ: يَسْجُدُ تِلْكَ السَّجْدَةَ وَعَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ لِمَا بَيَّنَّا، فَإِنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْهَا سَجْدَتَيْنِ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ تَرَكَهُمَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَعَلَيْهِ سَجْدَتَانِ، وَإِنْ كَانَ تَرَكَهَا مِنْ رَكْعَةٍ قَبْلَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَةٍ، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ تَرَكَهُمَا أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَعَدَ بَعْدَهُمَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَةً، وَإِنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ يَسْجُدُ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ تَرَكَهَا مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ أَوْ سَجْدَتَيْنِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَعَلَيْهِ ثَلَاثُ سَجَدَاتٍ. وَإِنْ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ رَكْعَةٍ قَبْلَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَعَلَيْهِ رَكْعَةٌ وَسَجْدَةٌ فَيَبْدَأُ بِالسُّجُودِ احْتِيَاطًا فَيَسْجُدُ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ، ثُمَّ يَقْعُدُ لِجَوَازِ أَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَةً، وَإِنْ كَانَ تَرَكَ مِنْهَا أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ يَسْجُدُ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا وَبَعْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَجْهٍ عَلَيْهِ أَرْبَعُ سَجَدَاتٍ فَقَطْ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَرَكَهَا مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ أَوْ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ وَسَجْدَتَيْنِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَهَا، وَمِنْ وَجْهٍ عَلَيْهِ سَجْدَتَانِ وَرَكْعَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ رَكْعَةٍ قَبْلَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ وَسَجْدَتَيْنِ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، وَمِنْ وَجْهٍ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَرَكَهَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَيَأْخُذُ بِالِاحْتِيَاطِ وَيَبْدَأُ فَيَسْجُدُ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ ثُمَّ يَقْعُدُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ بِاعْتِبَارِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً وَيَقْعُدُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ بِاعْتِبَارِ الْوَجْهِ الثَّانِي، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى لِاحْتِمَالِ الْوَجْهِ الثَّالِثِ، ثُمَّ يَقْعُدُ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. (قَالَ) فَإِنْ تَرَكَ خَمْسَ سَجَدَاتٍ فَنَقُولُ: الْمَأْتِيُّ بِهِ مِنْ السَّجَدَاتِ هَهُنَا أَقَلُّ فَنَبْنِي التَّخْرِيجَ عَلَيْهَا فَنَقُولُ: إنَّمَا أَتَى بِثَلَاثِ سَجَدَاتٍ فَإِنْ كَانَ أَتَى بِهَا فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ ثَلَاثِ سَجَدَاتٍ وَرَكْعَةٍ، وَإِنْ كَانَ أَتَى بِسَجْدَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ وَسَجْدَةٍ فِي رَكْعَةٍ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ سَجْدَةٍ وَرَكْعَتَيْنِ فَيَأْخُذُ بِالِاحْتِيَاطِ فَيَسْجُدُ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ ثُمَّ لَا يَقْعُدُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقَعْدَةَ تَتَرَدَّدُ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ، فَإِنَّهُ إنْ تَمَّ لَهُ رَكْعَتَانِ فَالْقَعْدَةُ لَهُ سُنَّةٌ، وَإِنْ تَمَّ لَهُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ فَالْقَعْدَةُ بِدْعَةٌ فَلَا يَقْعُدُ، لَكِنْ يُصَلِّي رَكْعَةً ثُمَّ يَقْعُدُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ بِاعْتِبَارِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى لِاحْتِمَالِ الْوَجْهِ الثَّانِي، وَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا سِتَّ سَجَدَاتٍ فَإِنَّمَا أَتَى بِسَجْدَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ أَتَى بِهِمَا فِي رَكْعَتَيْنِ فَعَلَيْهِ سَجْدَتَانِ وَرَكْعَتَانِ، وَإِنْ أَتَى بِهِمَا فِي رَكْعَةٍ فَعَلَيْهِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ فَيَحْتَاطُ فَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ لَا يَقْعُدُ

стр. 334

لَكِنَّهُ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقْعُدُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ بِاعْتِبَارِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى لِاحْتِمَالِ الْوَجْهِ الثَّانِي ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ. (قَالَ): فَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا سَبْعَ سَجَدَاتٍ فَهَذَا مَا أَتَى إلَّا بِسَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ وَبِالسَّجْدَةِ الْوَاحِدَةِ لَا يَتَقَيَّدُ إلَّا رَكْعَةٌ فَيَسْجُدُ سَجْدَةً أُخْرَى ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَةً ثُمَّ يَقْعُدُ، وَهَذِهِ الْقَعْدَةُ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّهَا الْقَعْدَةُ الْأُولَى مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، فَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا ثَمَانِ سَجَدَاتٍ فَهَذَا رَكَعَ أَرْبَعَ رُكُوعَاتٍ وَلَمْ يَسْجُدْ شَيْئًا فَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ فَيُتِمُّ بِهَا رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ. (قَالَ) رَجُلٌ صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ وَتَرَكَ مِنْهَا سَجْدَةً قَالَ: يَسْجُدُ تِلْكَ السَّجْدَةَ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ كَمَا بَيَّنَّا، فَإِنْ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً؛ لِأَنَّهُ إنْ تَرَكَهُمَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَعَلَيْهِ سَجْدَتَانِ، وَإِنْ تَرَكَهُمَا مِنْ رَكْعَةٍ قَبْلَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَعَلَيْهِ رَكْعَةٌ فَيَسْجُدُ أَوَّلًا سَجْدَتَيْنِ احْتِيَاطًا ثُمَّ يَقْعُدُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ بِاعْتِبَارِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَةً لِاحْتِمَالِ الْوَجْهِ الثَّانِي ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ فَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً؛ لِأَنَّهُ إنْ تَرَكَهَا مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ أَوْ سَجْدَتَيْنِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَعَلَيْهِ ثَلَاثُ سَجَدَاتٍ، وَإِنْ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ رَكْعَةٍ قَبْلَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ وَسَجْدَةً مِنْ رَكْعَةٍ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَةٍ وَسَجْدَةٍ فَيَحْتَاطُ فَيَسْجُدُ أَوَّلًا ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ ثُمَّ يَقْعُدُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ بِاعْتِبَارِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً لِاحْتِمَالِ الْوَجْهِ الثَّانِي (قَالَ): فَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ فَهَذَا إنَّمَا أَتَى بِسَجْدَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ أَتَى بِهِمَا فِي رَكْعَتَيْنِ فَعَلَيْهِ سَجْدَتَانِ وَرَكْعَةٌ، وَإِنْ كَانَ أَتَى بِهِمَا فِي رَكْعَةٍ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ فَيَبْدَأُ فَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ أَوَّلًا ثُمَّ لَا يَقْعُدُ، وَلَكِنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَةً ثُمَّ يَقْعُدُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ بِاعْتِبَارِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً لِاحْتِمَالِ الْوَجْهِ الثَّانِي. (قَالَ): فَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا خَمْسَ سَجَدَاتٍ فَإِنَّمَا سَجَدَ سَجْدَةً وَاحِدَةً وَبِالسَّجْدَةِ الْوَاحِدَةِ لَا يَتَقَيَّدُ إلَّا رَكْعَةٌ فَيَسْجُدُ سَجْدَةً لِيُتِمَّ بِهَا رَكْعَةً ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا، وَهَذِهِ الْقَعْدَةُ سُنَّةٌ وَيَقْعُدُ بَعْدَهُمَا، وَهِيَ قَعْدَةُ الْخَتْمِ، فَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا سِتَّ سَجَدَاتٍ فَهَذَا رَكَعَ ثَلَاثَ رُكُوعَاتٍ وَلَمْ يَسْجُدْ شَيْئًا فَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. (قَالَ) رَجُلٌ صَلَّى الْغَدَاةَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ وَلَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّانِيَةِ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى رَكْعَةً كَامِلَةً قَبْلَ إكْمَالِ الْفَرِيضَةِ فَإِنَّ الْقَعْدَةَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَهُوَ لَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْهَا سَجْدَةً لَمْ يَرْتَفِعْ الْفَسَادُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِهَذَا مِنْ أَنْ يَكُونَ

стр. 335

مُصَلِّيًا ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ فَالرَّكْعَةُ تَتَقَيَّدُ بِسَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَذَلِكَ إنْ تَرَكَ مِنْهَا سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ لَا يَرْتَفِعُ الْفَسَادُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا تَرَكَ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَةً فَيَكُونُ مُصَلِّيًا لِلرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ قَبْلَ إكْمَالِ الْفَرِيضَةِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْجِنْسِ مِنْ الْمَسَائِلِ أَنَّ الْمَتْرُوكَاتِ مِنْ السَّجَدَاتِ مَتَى كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ الْمَأْتِيِّ بِهَا أَوْ مِثْلَ الْمَأْتِيِّ بِهَا لَا يَرْتَفِعُ الْفَسَادُ، وَإِنْ كَانَ الْمَأْتِيُّ بِهَا أَقَلَّ فَالْآنَ يَرْتَفِعُ الْفَسَادُ حَتَّى إذَا تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْهَا أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ فَهَذَا إنَّمَا أَتَى بِسَجْدَتَيْنِ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِسَجْدَتَيْنِ إلَّا رَكْعَتَانِ فَقَدْ تَيَقَّنَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُصَلِّي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ؛ فَلِهَذَا يَرْتَفِعُ الْفَسَادُ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ وَيُصَلِّي رَكْعَةً؛ لِأَنَّ مِنْ وَجْهٍ عَلَيْهِ سَجْدَتَانِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَتَى بِهِمَا فِي رَكْعَتَيْنِ، وَمِنْ وَجْهٍ عَلَيْهِ رَكْعَةٌ فَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَقْعُدُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ مِنْ وَجْهٍ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَةً. (قَالَ): وَإِنْ كَانَ تَرَكَ خَمْسَ سَجَدَاتٍ فَهَذَا مَا سَجَدَ إلَّا سَجْدَةً وَاحِدَةً فَيَسْجُدُ سَجْدَةً أُخْرَى ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ قَدْ صَلَّى الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَذَكَّرَ فِي رُكُوعِهِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا زَادَ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ وَبِزِيَادَةِ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ قَبْلَ إكْمَالِ الْفَرِيضَةِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ. (قَالَ) رَجُلٌ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ، وَتَرَكَ مِنْهَا سَجْدَةً فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ زَادَ رَكْعَةً كَامِلَةً قَبْلَ إكْمَالِ الْفَرِيضَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ مِنْهَا سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا لَمْ يَرْتَفِعْ الْفَسَادُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ خَمْسَ سَجَدَاتٍ مِنْ خَمْسِ رَكَعَاتٍ، فَإِنْ قِيلَ: إذَا تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْهَا سَجْدَتَيْنِ لِمَاذَا لَا يُجْعَلُ هَاتَانِ السَّجْدَتَانِ مِمَّا هُوَ خَطَأٌ، وَهُوَ الرَّكْعَةُ الْأَخِيرَةُ حَتَّى يَرْتَفِعَ الْفَسَادُ؟ قُلْنَا: وَإِنْ جَعَلْنَاهُ كَذَلِكَ لَا يَرْتَفِعُ بِهِ الْفَسَادُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَهُمَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَالصَّلَاةُ مَتَى فَسَدَتْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ يَكْفِي ذَلِكَ لِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ احْتِيَاطًا، فَإِنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْهَا سِتَّ سَجَدَاتٍ فَقَدْ ارْتَفَعَ الْفَسَادُ؛ لِأَنَّهُ مَا أَتَى إلَّا بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ فَيَتَيَقَّنُ بِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ وَجْهُ الْإِتْمَامِ أَنْ يَقُولَ مِنْ وَجْهٍ: عَلَيْهِ قَضَاءُ أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ سَجَدَ سَجْدَةً فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَمِنْ وَجْهٍ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَةٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فِي رَكْعَتَيْنِ وَسَجْدَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ، وَمِنْ وَجْهٍ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ سَجَدَ أَرْبَعًا فِي رَكْعَتَيْنِ فَيَحْتَاطُ فَيَسْجُدُ أَوَّلًا أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ ثُمَّ يَقْعُدُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ بِاعْتِبَارِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً ثُمَّ يَقْعُدُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ بِاعْتِبَارِ الْوَجْهِ الثَّانِي ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى لِاحْتِمَالِ الْوَجْهِ الثَّالِثِ، فَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا سَبْعَ

стр. 336

سَجَدَاتٍ فَإِنَّمَا أَتَى بِثَلَاثِ سَجَدَاتٍ، فَإِنْ كَانَ أَتَى بِهَا فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ فَعَلَيْهِ ثَلَاثُ سَجَدَاتٍ وَرَكْعَةٌ، وَإِنْ كَانَ أَتَى بِسَجْدَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ وَسَجْدَةٍ فِي رَكْعَةٍ فَعَلَيْهِ سَجْدَةٌ وَرَكْعَتَانِ فَيَحْتَاطُ فَيَسْجُدُ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً ثُمَّ يَقْعُدُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ بِاعْتِبَارِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى لِاحْتِمَالِ الْوَجْهِ الثَّانِي فَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا ثَمَانِ سَجَدَاتٍ فَإِنَّمَا أَتَى بِسَجْدَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ أَتَى بِهِمَا فِي رَكْعَتَيْنِ فَعَلَيْهِ سَجْدَتَانِ وَرَكْعَتَانِ، وَإِنْ كَانَ أَتَى بِهِمَا فِي رَكْعَةٍ فَعَلَيْهِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ فَيَسْجُدُ أَوَّلًا سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقْعُدُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ بِاعْتِبَارِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى لِاحْتِمَالِ الْوَجْهِ الثَّانِي فَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا تِسْعَ سَجَدَاتٍ فَإِنَّمَا أَتَى بِسَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَسْجُدُ سَجْدَةً لِيُتِمَّ رَكْعَةً ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً ثُمَّ يَقْعُدُ، وَهَذِهِ الْقَعْدَةُ سُنَّةٌ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيَقْعُدُ لِخَتْمِ صَلَاتِهِ، فَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا عَشْرَ سَجَدَاتٍ فَهَذَا قَدْ رَكَعَ خَمْسَ رُكُوعَاتٍ وَلَمْ يَسْجُدْ شَيْئًا فَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ. فَإِنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْعُدْ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ حَتَّى صَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَةً كَامِلَةً، فَإِنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْهَا سَجْدَةً أَوْ سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا لَمْ يَرْتَفِعْ الْفَسَادُ لِجَوَازِ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَةً فَلَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُصَلِّيًا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَإِنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْهَا خَمْسَ سَجَدَاتٍ فَقَدْ ارْتَفَعَ الْفَسَادُ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّهُ مَا سَجَدَ إلَّا ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِهَا إلَّا ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ فَيَتَيَقَّنُ أَنَّهُ غَيْرُ مُصَلٍّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ إنْ كَانَ أَتَى بِثَلَاثِ سَجَدَاتٍ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ فَعَلَيْهِ ثَلَاثُ سَجَدَاتٍ، وَإِنْ كَانَ أَتَى بِسَجْدَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ وَسَجْدَةٍ فِي رَكْعَةٍ فَعَلَيْهِ سَجْدَةٌ وَرَكْعَةٌ فَيَحْتَاطُ أَوَّلًا فَيَسْجُدُ أَوَّلًا ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ ثُمَّ يَقْعُدُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ بِاعْتِبَارِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى لِاحْتِمَالِ الْوَجْهِ الثَّانِي، وَإِنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْهَا سِتَّ سَجَدَاتٍ فَهُوَ مَا أَتَى إلَّا بِسَجْدَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ أَتَى بِهِمَا فِي رَكْعَتَيْنِ فَعَلَيْهِ سَجْدَتَانِ وَرَكْعَةٌ، وَإِنْ أَتَى بِهِمَا فِي رَكْعَةٍ فَعَلَيْهِ رَكْعَتَانِ فَيَحْتَاطُ فَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ لَا يَقْعُدُ وَلَكِنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَةً ثُمَّ يَقْعُدُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ بِاعْتِبَارِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى لِاحْتِمَالِ الْوَجْهِ الثَّانِي، فَإِنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْهَا سَبْعَ سَجَدَاتٍ فَهَذَا مَا سَجَدَ إلَّا سَجْدَةً وَاحِدَةً فَيَسْجُدُ سَجْدَةً لِيُتِمَّ رَكْعَةً ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا، وَهَذِهِ الْقَعْدَةُ سُنَّةٌ وَبَعْدَهَا وَهِيَ قَعْدَةُ الْخَتْمِ، وَإِنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ ثَمَانِ سَجَدَاتٍ فَهَذَا رَكَعَ أَرْبَعَ رُكُوعَاتٍ وَلَمْ يَسْجُدْ شَيْئًا فَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ لِيُتِمَّ رَكْعَةً ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا

стр. 337

وَهَذِهِ الْقَعْدَةُ سُنَّةٌ وَبَعْدَهُمَا وَهِيَ قَعْدَةُ الْخَتْمِ. (قَالَ): رَجُلٌ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْإِمَامِ ثُمَّ نَامَ حَتَّى صَلَّى الْإِمَامُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَتَرَكَ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَةً وَانْتَبَهَ النَّائِمُ فَأَحْدَثَ الْإِمَامُ وَقَدَّمَهُ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الِاسْتِخْلَافِ إتْمَامُ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَغَيْرُهُ أَقْدَرُ عَلَى هَذَا الْإِتْمَامِ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَاحِقٌ حِينَ أَدْرَكَ أَوَّلَ الصَّلَاةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ فَلِهَذَا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ فَإِنْ تَقَدَّمَ جَازَ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الِاسْتِخْلَافِ تَعْتَمِدُ الْمُشَارَكَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا شَرِيكُهُ فِيهَا فَيَبْدَأُ فَيُصَلِّي الْأُولَى وَيَسْجُدُ الْقَوْمُ مَعَهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ قَضَاءَ هَذِهِ السَّجْدَةِ مِنْ هَذِهِ الرَّكْعَةِ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَةً بِسَجْدَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصَلِّيَ الْقَوْمُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَدَّوْا هَذِهِ الرَّكْعَةَ ثُمَّ يَسْجُدُ تِلْكَ السَّجْدَةَ الَّتِي تَرَكَهَا الْإِمَامُ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَيَسْجُدُ الْقَوْمُ مَعَهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ قَضَاءَ هَذِهِ السَّجْدَةِ مِنْ هَذِهِ الرَّكْعَةِ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ بِسَجْدَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصَلِّيَ الْقَوْمُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَدَّوْا هَذِهِ الرَّكْعَةَ ثُمَّ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ هَذِهِ الرَّكْعَةِ وَيَسْجُدُ الْقَوْمُ مَعَهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ قَضَاءَ هَذِهِ السَّجْدَةِ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي الرَّكْعَةَ الرَّابِعَةَ بِسَجْدَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصَلِّيَ الْقَوْمُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَدَّوْا هَذِهِ الرَّكْعَةَ ثُمَّ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ وَيَسْجُدُ الْقَوْمُ مَعَهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ قَضَاءَ هَذِهِ السَّجْدَةِ مِنْ هَذِهِ الرَّكْعَةِ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَيَسْجُدُ الْقَوْمُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ خَلِيفَةُ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ وَقَدْ كَانَ عَلَى الْأَوَّلِ سُجُودُ السَّهْوِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ يَقُولُ فِي الْكِتَابِ: إنَّهُ تَفْسُدُ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ قَالَ: وَلِمَاذَا تَفْسُدُ؟ قُلْت: لِأَنَّ الْإِمَامَ يَصِيرُ مَرَّةً لِلْقَوْمِ إمَامًا وَمَرَّةً غَيْرَ إمَامٍ، وَهَذَا قَبِيحٌ. وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي رَكْعَةٍ اسْتَحْسَنْت أَنْ أُجِيزَهُ فَقَدْ أَشَارَ إلَى أَنَّ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ تَفْسُدُ الصَّلَاةُ فِي الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا يَشْتَغِلُ بِهِ مِنْ الْإِتْمَامِ لَيْسَ بِإِمَامٍ لِلْقَوْمِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ فَرَغُوا مِنْهَا فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ إمَامٌ فِي الْمَسْجِدِ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ وَصَلَاةُ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ وَصَلَاةُ الْإِمَامِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَاحِقٌ وَاللَّاحِقُ فِي حُكْمِ الْمُقْتَدِي إلَّا أَنِّي أَسْتَحْسِنُ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ خُرُوجُهُ مِنْ حُكْمِ الْإِمَامَةِ وَحُرْمَةُ الصَّلَاةِ حُرْمَةٌ وَاحِدَةٌ فَلِلْقَوْمِ أَنْ يَنْتَظِرُوهُ حَتَّى يُصَلِّيَ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ يَسْجُدَ بِهِمْ السَّجْدَةَ الْمَتْرُوكَةَ، فَأَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فَصَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْبَحُ أَنْ يَتَكَرَّرَ خُرُوجُهُ مِنْ الْإِمَامَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حِينَ يَشْتَغِلُ بِإِتْمَامِ مَا عَلَيْهِ خَاصَّةً ثُمَّ عَوْدِهِ إلَى الْإِمَامَةِ حَيْثُ انْتَهَى إلَى السَّجْدَةِ الَّتِي تَرَكَهَا الْإِمَامُ مِنْ تِلْكَ الرَّكْعَةِ؛ فَلِهَذَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الصَّلَاةَ بِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 338

[بَابُ نَوَادِرِ الصَّلَاةِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (قَالَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: بُنِيَ مَسَائِلُ أَوَّلِ الْكِتَابِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْفَوَائِتِ وَبَيْنَ فَرْضِ الْوَقْتِ وَاجِبٌ إلَّا فِي حَالَةِ النِّسْيَانِ أَوْ ضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ كَثْرَةِ الْفَوَائِتِ (وَقَالَ): لَوْ أَنَّ رَجُلًا نَسِيَ الظُّهْرَ فَصَلَّى مِنْ الْعَصْرِ رَكْعَةً فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ثُمَّ ذَكَرَ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الْعَصْرَ ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ ثُمَّ يُصَلِّي الْعَصْرَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَاكِرًا لِلظُّهْرِ عِنْدَ الشُّرُوعِ لَمْ يَصِحَّ شُرُوعُهُ فِي الْعَصْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فَإِذَا ذَكَرَهَا قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَصْرِ لَا يُمْكِنُهُ إتْمَامُ الْعَصْرِ أَيْضًا كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا أَبْصَرَ الْمَاءَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ وَفِي قَوْلِهِ: يَقْطَعُ الْعَصْرَ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ تَذَكُّرِ الظُّهْرِ لَا يَصِيرُ خَارِجًا مِنْ الْعَصْرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَهَذَا لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَاشْتِبَاهِ الْآثَارِ فِيهِ، وَالسَّبِيلُ فِي الْعِبَادَاتِ الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ وَتَمَامُ الِاحْتِيَاطِ فِي أَنْ يَقْطَعَ الْعَصْرَ قَالَ: فَإِنْ مَضَى فِي الْعَصْرِ لَمْ يُجْزِئْهُ لِانْعِدَامِ شَرْطِ الْجَوَازِ فَإِنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ بَعْدَ التَّذَكُّرِ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْعَصْرِ ثُمَّ يُجْزِئُهُ عَنْ التَّطَوُّعِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَوَاهُ الْحَسَنُ وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يُجْزِئُهُ عَنْ التَّطَوُّعِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِنَاءً عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ إنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلصَّلَاةِ جِهَةً وَاحِدَةً فَإِذَا فَسَدَتْ صَارَ خَارِجًا مِنْ الصَّلَاةِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بِفَسَادِ الْجِهَةِ لَا يَفْسُدُ أَصْلُ الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَا اعْتَرَضَ مُنَافِيًا لِأَصْلِ الصَّلَاةِ، وَتَذَكُّرُ الظُّهْرِ لَا يُنَافِي أَصْلَ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا يَمْنَعُ أَدَاءَ الْعَصْرِ فَيَفْسُدُ الْعَصْرُ وَيَبْقَى أَصْلُ الصَّلَاةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَفِّرِ بِالصَّوْمِ إذَا أَيْسَرَ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ افْتَتَحَ الْعَصْرَ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلظُّهْرِ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْعَصْرِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ حَتَّى لَوْ ضَحِكَ قَهْقَهَةً لَا يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَصِيرُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ وَفَرَّقَ بَيْنَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَبَيْنَ آخِرِ الْوَقْتِ فَقَالَ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ: عَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ

стр. 339

بِفَرْضِ الْوَقْتِ. وَلَوْ بَدَأَ بِالْفَائِتَةِ أَجْزَأَهُ إذَا كَانَ الْوَقْتُ قَابِلًا لِلْفَائِتَةِ، وَعِنْدَ سِعَةِ الْوَقْتِ عَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْفَائِتَةِ. وَلَوْ بَدَأَ بِفَرْضِ الْوَقْتِ لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ النَّهْيَ عَنْ الْبُدَاءَةِ بِالْفَائِتَةِ لَمْ يَكُنْ لِمَعْنًى فِيهَا بَلْ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ فَرْضِ الْوَقْتِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَمَا يُنْهَى عَنْ الْبُدَاءَةِ بِالْفَائِتَةِ يُنْهَى عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالتَّطَوُّعِ، وَالنَّهْيُ مَتَى كَانَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا يَكُونُ مُفْسِدًا كَالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، وَعِنْدَ سَعَةِ الْوَقْتِ النَّهْيُ عَنْ الْبُدَاءَةِ بِفَرْضِ الْوَقْتِ لِمَعْنًى فِيهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُنْهَى عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالتَّطَوُّعِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَالنَّهْيُ مَتَى كَانَ لِمَعْنًى فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَانَ مُفْسِدًا لَهُ. فَإِنْ افْتَتَحَ الْعَصْرَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا، وَهُوَ نَاسٍ لِلظُّهْرِ فَصَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً ثُمَّ احْمَرَّتْ الشَّمْسُ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّ الظُّهْرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَمْضِي فِي صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ تَذَكُّرَ الظُّهْرِ فِي هَذَا الْوَقْتِ لَا يَمْنَعُ افْتِتَاحَ الْعَصْرِ فَلَا يَمْنَعُ الْمُضِيَّ فِيهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَهَا، وَاشْتَغَلَ بِالظُّهْرِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَدَاءُ الظُّهْرِ فَفِيهِ تَفْوِيتُ الصَّلَاتَيْنِ عَنْ الْوَقْتِ فَكَانَ تَذَكُّرُ الظُّهْرِ وُجُودًا وَعَدَمًا بِمَنْزِلَةٍ (قَالَ): وَهِيَ تَامَّةٌ يَعْنِي مِنْ حَيْثُ الْجَوَازُ لَا مِنْ حَيْثُ الِاسْتِحْبَابُ، فَإِنَّ أَدَاءَ الْعَصْرِ فِي هَذَا الْوَقْتِ مَكْرُوهٌ عَلَى مَا قَالَ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: مَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِي صَلَاةٌ حِينَ تَحْمَرُّ الشَّمْسُ بِفَلْسَيْنِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ افْتَتَحَ الْعَصْرَ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلظُّهْرِ فَصَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً ثُمَّ احْمَرَّتْ الشَّمْسُ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ مَا صَحَّ شُرُوعُهُ فِي الْعَصْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا مَعَ ذِكْرِهِ لِلظُّهْرِ، وَالْبِنَاءُ عَلَى الْفَاسِدِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَ صَلَاتَهُ ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ الْعَصْرَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا صَارَ شَارِعًا فِي التَّطَوُّعِ وَلَكِنَّ أَدَاءَ التَّطَوُّعِ بَعْدَمَا احْمَرَّتْ الشَّمْسُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَأَدَاءُ عَصْرِ الْيَوْمِ مَأْمُورٌ بِهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ وَيَشْتَغِلُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ غَيْرُ شَارِعٍ فِي الصَّلَاةِ أَصْلًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْعَصْرَ، وَإِنْ افْتَتَحَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَمْرَاءُ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلظُّهْرِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ سَاعَةٌ لَا يَجُوزُ فِيهَا أَدَاءُ الظُّهْرِ وَلَا غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَاةِ سِوَى عَصْرِ الْيَوْمِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِمَا يَكُونُ الْوَقْتُ قَابِلًا لَهُ؛ وَلِأَنَّ فِي تَأْخِيرِ الْعَصْرِ عَنْ هَذَا الْوَقْتِ تَفْوِيتَهَا؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْعِبَادَةِ الْمُؤَقَّتَةِ عَنْ وَقْتِهَا يَكُونُ تَفْوِيتًا لِأَدَائِهَا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَلَوْ اشْتَغَلَ بِالْفَائِتَةِ كَانَ مُتَدَارِكًا لِمَا فَوَّتَ بِتَفْوِيتِ مِثْلِهِ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ فَإِنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَهُوَ فِي الْعَصْرِ فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا، وَطَعَنَ عِيسَى فِي هَذَا وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقْطَعُهَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ثُمَّ يَبْدَأُ بِالظُّهْرِ ثُمَّ

стр. 340

بِالْعَصْرِ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ الْوَقْتُ قَابِلٌ لِلظُّهْرِ، وَالْمَعْنَى الْمُسْقِطُ لِمُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ ضِيقُ الْوَقْتِ، وَقَدْ انْعَدَمَ لِغُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ قَدْ اتَّسَعَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ افْتَتَحَ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهُوَ نَاسٍ لِلظُّهْرِ ثُمَّ تَذَكَّرَ، وَقَدْ بَيَّنَّا هُنَاكَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ فَكَذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَا يَعْرِضُ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ يُجْعَلُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ افْتِتَاحِهَا كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ أَوْ الْعَارِي إذَا وَجَدَ الثَّوْبَ وَمَا ذَكَرَهُ عِيسَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَهُوَ الْقِيَاسُ، وَلَكِنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: لَوْ قَطَعَ صَلَاتَهُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ كَانَ مُؤَدِّيًا جَمِيعَ الْعَصْرِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا. وَلَوْ أَتَمَّهَا كَانَ مُؤَدِّيًا بَعْضَ الْعَصْرِ فِي وَقْتِهَا، وَكَمَا سَقَطَ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ لِحَاجَتِهِ إلَى أَدَاءِ جَمِيعِ الْعَصْرِ فِي وَقْتِهَا يَسْقُطُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ لِحَاجَتِهِ إلَى أَدَاءِ بَعْضِ الْعَصْرِ فِي وَقْتِهَا يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ بِالِابْتِدَاءِ كَانَ مَأْمُورًا بِالشُّرُوعِ فِي الْعَصْرِ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ الشَّمْسَ تَغْرُبُ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْهَا. وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمَعْنَى مَانِعًا لَهُ مِنْ إتْمَامِ الْعَصْرِ لَكَانَ تَيَقُّنُهُ بِهِ عِنْدَ الشُّرُوعِ مَانِعًا لَهُ مِنْ افْتِتَاحِ الْعَصْرِ، وَأَحَدٌ لَا يَقُولُ إنَّهُ لَا يُفْتَتَحُ الْعَصْرُ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّمْسَ تَغْرُبُ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا يُوَضِّحُهُ أَنَّ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ قَدْ سَقَطَ عَنْهُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ وَبَعْدَمَا سَقَطَ التَّرْتِيبُ فِي صَلَاةٍ لَا يَعُودُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ حَالَةِ النِّسْيَانِ فَهُنَاكَ التَّرْتِيبُ غَيْرُ سَاقِطٍ عَنْهُ، وَلَكِنَّهُ يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ فَإِذَا زَالَ الْعُذْرُ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ بَقِيَ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ كَمَا كَانَ. (قَالَ): فَإِنْ كَانَ افْتَتَحَ الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلظُّهْرِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُهَا، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ ثُمَّ الْعَصْرَ ثُمَّ الْمَغْرِبَ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ وَاسِعٌ، وَقَدْ صَارَتْ الْعَصْرُ فَائِتَةً كَالظُّهْرِ فَعَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ فَرْضِ الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا لِلظُّهْرِ حِينَ افْتَتَحَ الْعَصْرَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَمَّا صَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً ذَكَرَ أَنَّ الظُّهْرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ عَصْرُهُ وَيُصَلِّي الظُّهْرَ؛ لِأَنَّ التَّذَكُّرَ فِي هَذَا الْوَقْتِ يَمْنَعُهُ مِنْ افْتِتَاحِ الْعَصْرِ فَيَمْنَعُهُ مِنْ إتْمَامِهَا أَيْضًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ غَيْرُ سَاقِطٍ عَنْهُ وَلَكِنَّهُ يُعْذَرُ لِلنِّسْيَانِ فَإِذَا زَالَ الْعُذْرُ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ. وَإِنْ افْتَتَحَ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَهُوَ نَاسٍ لِلظُّهْرِ فَلَمَّا صَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً احْمَرَّتْ الشَّمْسُ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الظُّهْرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَمْضِي فِيهَا؛ لِأَنَّ شُرُوعَهُ فِي الْعَصْرِ قَدْ صَحَّ فِي الِابْتِدَاءِ لِكَوْنِهِ نَاسِيًا لِلظُّهْرِ، وَإِنَّمَا تَذَكَّرَ بَعْدَمَا احْمَرَّتْ الشَّمْسُ، وَمُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ سَاقِطٌ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَكَانَ تَذَكُّرُهُ وُجُودًا وَعَدَمًا بِمَنْزِلَةٍ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ صَلَاتَهُ حِينَ تَذَكَّرَ لَكَانَ يَسْتَقْبِلُ الْعَصْرَ، وَلَا فَائِدَةَ فِي أَنْ يَقْطَعَ عَصْرًا صَحَّ شُرُوعُهُ فِيهِ ثُمَّ يَسْتَقْبِلُهَا

стр. 341

بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ ذَاكِرًا لِلظُّهْرِ حِينَ افْتَتَحَهَا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ مَا صَحَّ شُرُوعُهُ فِي الْعَصْرِ فَهُوَ إنَّمَا يَقْطَعُ التَّطَوُّعَ لِيَشْتَغِلَ بِأَدَاءِ الْعَصْرِ فِي وَقْتِهَا، وَذَلِكَ مُفِيدٌ ثُمَّ الْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَبْلَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الصَّلَاتَيْنِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ أَدَاءُ الْعَصْرِ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الظُّهْرِ قَبْلَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ، وَيَقَعُ الْعَصْرُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ بَعْدَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ إلَّا عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّ عِنْدَهُ مَا بَعْدَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلْعَصْرِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَبَيَّنَّا الِاخْتِلَافَ فِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ تَغَيُّرُ الضَّوْءِ أَمْ تَغَيُّرُ الْقُرْصِ، وَيُحْكَى عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذَا الْفَصْلِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ، وَإِنْ كَانَ وَقْتًا لِلْعَصْرِ وَلَكِنَّ تَأْخِيرَ الْعَصْرِ إلَيْهِ مَكْرُوهٌ، وَعَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَعْنَى الْكَرَاهَةِ يُسْقِطُ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ كَمَا أَنَّ مَعْنَى تَفْوِيتِ الْوَقْتِ يُسْقِطُ ذَلِكَ بَيَانُهُ فِي مُصَلِّيَ الْجُمُعَةِ إذَا تَذَكَّرَ الْفَجْرَ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ اشْتَغَلَ بِالْفَجْرِ تَفُوتُهُ الْجُمُعَةُ وَلَا يَفُوتُهُ الْوَقْتُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَلْزَمُهُ وَلَكِنْ يُتِمُّ الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْجُمُعَةِ لِلصَّحِيحِ الْمُقِيمِ فِي الْمِصْرِ مَكْرُوهٌ فَيَنْزِلُ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ خَوْفِ فَوَاتِ الْوَقْتِ فِي سُقُوطِ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ فَهَذَا مِثْلُهُ (قَالَ) ﵁: وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ هَهُنَا عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَالْفَرْقُ لِمُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّ الْجُمُعَةَ أَقْوَى مِنْ الْفَجْرِ فَإِنَّهَا أَدْعَى لِلشَّرَائِطِ وَلِهَذَا لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ كَانَ فَرْضُهُ الْجُمُعَةَ فَالْأَضْعَفُ لَا يَكُونُ مُفْسِدًا لِلْأَقْوَى وَخَوْفُ فَوَاتِ الْأَقْوَى يَمْنَعُهُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِالْأَدْنَى، وَهَهُنَا الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ يَسْتَوِيَانِ فِي الْقُوَّةِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ إلَّا بِخَوْفِ فَوَاتِ الْوَقْتِ. (رَجُلٌ) تَوَضَّأَ بِالنَّبِيذِ، وَصَلَّى ثُمَّ أَصَابَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ نَبِيذَ التَّمْرِ طَهُورٌ فِي حَالِ عَدَمِ الْمَاءِ وَهُوَ بَدَلٌ عَنْ الْمَاءِ فَإِذَا قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ بَعْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْمُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ إذَا أَيْسَرَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّكْفِيرِ بِالصَّوْمِ، فَإِنْ قِيلَ: الْوَقْتُ بَاقٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ وُجُودَ الْمَاءِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ كَوُجُودِهِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ قُلْنَا: وُجُوبُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ لَا لِأَجْلِ الْوَقْتِ، وَمَا وُجِدَ الْمَاءُ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَكَذَا الْمُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ

стр. 342

إذَا أَيْسَرَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّكْفِيرِ بِالصَّوْمِ فَلَا يُعْتَبَرُ وُجُودُهُ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى. رَجُلٌ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ مِنْ الظُّهْرِ مَعَ الْإِمَامِ فَلَمَّا رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ قَامَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَقْعُدْ مَعَهُ فَإِنْ كَانَ قَرَأَ بَعْدَمَا قَعَدَ الْإِمَامُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ مِقْدَارَ مَا يَتَأَدَّى بِهِ فَرْضُ الْقِرَاءَةِ جَازَتْ صَلَاتُهُ، وَإِلَّا لَمْ تُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ قِيَامَهُ وَقِرَاءَتَهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ مَا لَمْ يَقْعُدْ الْإِمَامُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُقْتَدٍ مَا لَمْ يَفْرُغْ الْإِمَامُ مِنْ التَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ شَرِيكَ الْإِمَامِ مُقْتَدِيًا بِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الِاقْتِدَاءِ إلَّا فِي وَقْتٍ لَوْ خَرَجَ الْإِمَامُ فِيهِ مِنْ الصَّلَاةِ جَازَتْ صَلَاتُهُ، وَمَا لَمْ يَقْعُدْ الْإِمَامُ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ لَوْ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ لَمْ تُجْزِئْهُ صَلَاتُهُ فَكَذَلِكَ لَا يَخْرُجُ هُوَ مِنْ الِاقْتِدَاءِ، وَلَا يَعْتَدُّ بِقِرَاءَةِ الْمُقْتَدِي؛ وَلِأَنَّ الْعَوْدَ إلَى الْقُعُودِ مَعَ الْإِمَامِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَفْرُغْ مِنْ التَّشَهُّدِ فَيُجْعَلُ هُوَ فِي الْحُكْمِ كَالْقَاعِدِ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا فِي الصُّورَةِ فَإِذَا رَكَعَ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ فَكَأَنَّهُ تَرَكَ الْقِيَامَ وَالْقِرَاءَةَ فِي هَذِهِ الرَّكْعَةِ فَلَا تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ قَرَأَ بَعْدَمَا قَعَدَ الْإِمَامُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ مِقْدَارَ مَا يَتَأَدَّى بِهِ فَرْضُ الْقِرَاءَةِ جَازَتْ صَلَاتُهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَامَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَإِنْ قِيلَ الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ رُكْنٌ، وَقَدْ تَرَكَهَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَفْسُدَ صَلَاتُهُ قُلْنَا: هَذِهِ الْقَعْدَةُ فِي حَقِّهِ لَيْسَتْ هِيَ الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ وَإِنَّمَا تَلْزَمُهُ لِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ فَإِنَّ الْقَعْدَةَ الْأَخِيرَةَ مَا يَكُونُ خَتْمُ الصَّلَاةِ بِهَا، وَذَلِكَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْقَضَاءِ، وَقَدْ أَتَى بِهَا، وَإِنْ كَانَ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا قَالَ: إنْ كَانَ قَرَأَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ شَيْئًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ إنْ قَرَأَ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقْرَأْ بَعْدَ قُعُودِ الْإِمَامِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ شَيْئًا اسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْقِرَاءَةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ الْقِيَامَ فَكُنِّيَ بِالْقِرَاءَةِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ مَحَلُّ الْقِرَاءَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ بَقِيَ قَائِمًا بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ جَازَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَفَرْضُ الْقِرَاءَةِ رُكْنٌ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَفَرْضُ الْقِيَامِ يَتَأَدَّى بِأَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ قِيَامُهُ مَا لَمْ يَفْرُغْ الْإِمَامُ مِنْ التَّشَهُّدِ فَإِذَا بَقِيَ قَائِمًا بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ فَقَدْ وَجَدَ فَرْضَ الْقِيَامِ فِي هَذِهِ الرَّكْعَةِ، وَقَدْ قَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا فَتَتِمُّ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ رَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَقْعُدَ الْإِمَامُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ لَمْ تُجْزِئْهُ صَلَاتُهُ لِانْعِدَامِ الْقِيَامِ الْمُعْتَدِّ بِهِ فِي هَذِهِ الرَّكْعَةِ. وَإِنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَاعِدًا مَعَ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَصَلَّى مَعَهُ حَتَّى فَرَغَ الْإِمَامُ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [آل عمران: ١٩١] الْآيَةُ فَالْمُرَادُ بَيَانُ أَحْوَالِ الْمُصَلِّي بِحَسْبِ الْإِمْكَانِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وَكَذَلِكَ

стр. 343

إنْ افْتَتَحَهَا قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَجَعَلَ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، وَهُوَ قَاعِدٌ لَمْ تُجْزِئْهُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ حِينَ قَعَدَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بَعْدَمَا افْتَتَحَهَا قَائِمًا جَعَلَ يُومِئُ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ وَيَتْبَعَ الْإِمَامَ فِي صَلَاتِهِ، وَهِيَ تَامَّةٌ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَالْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَهُوَ قَاعِدٌ يَتَأَدَّى بِهِ التَّطَوُّعُ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ فَإِذَا لَمْ يُجْزِئْ مَا أَدَّى عَنْ الْفَرْضِ كَانَ نَفْلًا وَاشْتِغَالُهُ بِأَدَاءِ النَّفْلِ قَبْلَ إكْمَالِ الْفَرْضِ مُفْسِدٌ لِلْفَرْضِ فَعَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا الْإِيمَاءُ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْعُذْرِ فَلَا يَجُوزُ أَدَاءُ التَّطَوُّعِ بِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَدَاءُ الْفَرْضِ فَلَمْ يَكُنْ هُوَ مُؤَدِّيًا لِلنَّفْلِ، وَلَكِنَّهُ مُؤَخِّرٌ أَدَاءَ الْأَرْكَانِ بَعْدَمَا صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِالْإِمَامِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ وَيُؤَدِّيَ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ، وَيَكُونُ مُسِيئًا لِمُخَالَفَتِهِ الْإِمَامَ بِالتَّأْخِيرِ، وَالثَّانِي أَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ عَمَلٌ كَثِيرٌ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ، وَاشْتِغَالُهُ بِعَمَلٍ كَثِيرٍ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ صَلَاتِهِ يَكُونُ مُفْسِدًا لِصَلَاتِهِ، فَأَمَّا الْإِيمَاءُ فَلَيْسَ بِعَمَلٍ، وَهُوَ يَسِيرٌ فَالِاشْتِغَالُ بِهِ لَا يَكُونُ قَطْعًا لِصَلَاتِهِ كَالِالْتِفَاتِ فَلِهَذَا يَقُومُ وَيَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ وَلَوْ ظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ كَبَّرَ، وَلَمْ يَكُنْ فَعَلَ فَكَبَّرُوا ثُمَّ قَهْقَهَ بَعْضُ الْقَوْمِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ شُرُوعُهُمْ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الْإِمَامِ فَضِحْكُهُمْ لَمْ يُصَادِفْ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَوْ كَبَّرَ قَبْلَ الْإِمَامِ ثُمَّ كَبَّرَ الْإِمَامُ ثُمَّ كَبَّرَ الرَّجُلُ يَكُونُ شَارِعًا فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ وَيَكُونُ تَكْبِيرُهُ هَذَا قَطْعًا لِمَا كَانَ فِيهِ وَشُرُوعًا فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ شَارِعٌ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّكْبِيرِ قَبْلَ الْإِمَامِ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ أَنَّهُ نَوَى أَصْلَ الصَّلَاةِ، وَنَوَى الِاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ فَصَحَّتْ نِيَّةُ أَصْلِ الصَّلَاةِ، وَلَمْ تَصِحَّ نِيَّةُ الِاقْتِدَاءِ فَيَكُونُ شَارِعًا فِي صَلَاةِ نَفْسِهِ، وَمَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ هَهُنَا أَنَّهُ نَوَى صَلَاةَ الْإِمَامِ، وَلَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُ هَذَا حِينَ لَمْ يُكَبِّرْ الْإِمَامُ فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ مَا أَجَابَ بِهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ بِفَسَادِ الْجِهَةِ عِنْدَهُمَا لَا يَفْسُدُ أَصْلُ الصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ، وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ نِيَّةُ الْجِهَةِ تَبْقَى نِيَّةُ أَصْلِ الصَّلَاةِ فَيَصِيرُ شَارِعًا فِي صَلَاةِ نَفْسِهِ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِفَسَادِ الْجِهَةِ يَفْسُدُ أَصْلُ الصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ بِبُطْلَانِ نِيَّةِ الْجِهَةِ هَهُنَا تَبْطُلُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ هُنَا فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِيهَا بِالتَّكْبِيرِ قَبْلَ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَلَوْ أَنَّ إمَامًا صَلَّى بِقَوْمٍ وَسَلَّمَ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَضَحِكَ بَعْضُ مَنْ خَلْفَهُ أَوْ ضَحِكَ الْإِمَامُ بِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، أَمَّا الْإِمَامُ

стр. 344

إذَا ضَحِكَ؛ فَلِأَنَّهُ بِالتَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ صَارَ خَارِجًا مِنْ الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»، وَقَدْ وُجِدَ وَتَسْلِيمُهُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْجَفَاءِ وَلِتَعْمِيمِ جَمِيعِ الْقَوْمِ بِالسَّلَامِ فَلَا يَتَوَقَّفُ خُرُوجُهُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى وُجُودِهِ، وَإِذَا صَارَ خَارِجًا بِالتَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ فَضِحْكُهُ لَمْ يُصَادِفْ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ. وَأَمَّا الْمُقْتَدِي إذَا ضَحِكَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ فَلِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي التَّبَعِ ثُبُوتُهُ فِي الْمَتْبُوعِ، وَكَمَا أَنَّهُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ السَّلَامُ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ تَبَعٌ فَلَا يَتَوَقَّفُ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ السَّلَامُ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي تَبَعٌ فَلَا يَتَوَقَّفُ خُرُوجُهُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَالْمُقْتَدِي إنَّمَا يَصِيرُ خَارِجًا مِنْ الصَّلَاةِ بِسَلَامِ نَفْسِهِ، وَإِذَا ضَحِكَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ كَانَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذِكْرٍ يَكُونُ الْمُقْتَدِي فِيهِ تَبَعًا لِإِمَامِهِ لَمْ يَأْتِ بِهِ الْمُقْتَدِي أَصْلًا كَالْقِرَاءَةِ؛ وَلِأَنَّ التَّحْلِيلَ مُعْتَبَرٌ بِالتَّحْرِيمِ فَكَمَا لَا يَصِيرُ الْمُقْتَدِي شَارِعًا بِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ لَا يَصِيرُ خَارِجًا مِنْ الصَّلَاةِ بِتَسْلِيمِ الْإِمَامِ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: هُوَ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ فَلَوْ بَقِيَ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ بَقِيَ مَقْصُودًا وَفِيمَا يَكُونُ هُوَ تَبَعًا لَا يَكُونُ مَقْصُودًا (قَالَ): - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ ﵀ يَقُولُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَتَبَيَّنُ جَهْلُ بَعْضِ النَّاسِ مِمَّنْ يَشْتَغِلُ بِالدَّعَوَاتِ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْإِمَامِ فَإِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُسَلِّمَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يَشْتَغِلُ بِالدَّعَوَاتِ لِيَكُونَ خُرُوجُهُ بِسَلَامِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَّرَ صَارَ خَارِجًا بِسَلَامِ الْإِمَامِ يَعْنَى عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ الْجَوَابِ مُطْلَقًا يَكُونُ خَارِجًا عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ فَإِنَّ الْجَوَابَ مُطْلَقٌ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ يَصِيرُ خَارِجًا بِسَلَامِ الْإِمَامِ لَا بِسَلَامِ نَفْسِهِ فَلَا تَكُونُ دَعَوَاتُهُ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ الْأَوْلَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنْ يُكَبِّرَ مَعَ الْإِمَامِ وَكَذَلِكَ يَأْتِي بِسَائِرِ الْأَفْعَالِ مَعَهُ، وَفِي التَّسْلِيمِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنَّهُ يُسَلِّمُ مَعَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكُ الْإِمَامِ وَالْمُشَارَكَةُ تَقْتَضِي الْمُقَارَنَةَ وَعِنْدَهُمَا الْأَوْلَى أَنْ يُكَبِّرَ عَقِيبَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِإِمَامِهِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ حِينَ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ اقْتَدَى بِهِ رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ بِالتَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ صَارَ خَارِجًا مِنْهَا فَكَيْفَ يَقْتَدِي بِهِ غَيْرُهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الصَّلَاةِ [نَامَ الْمُقْتَدِي فَلَمْ يَتَشَهَّدْ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ] وَلَوْ نَامَ الْمُقْتَدِي فَلَمْ يَتَشَهَّدْ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ خَارِجًا بِسَلَامِ الْإِمَامِ هَهُنَا وَلَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَشَهَّدَ ثُمَّ يُسَلِّمَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا يَصِيرُ خَارِجًا بِسَلَامِ الْإِمَامِ إذَا لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ، فَأَمَّا مَعَ

стр. 345

بَقَاءِ شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَلَا يَصِيرُ خَارِجًا بِسَلَامِ الْإِمَامِ كَاللَّاحِقِ وَالْمَسْبُوقِ فَإِنْ ضَحِكَ الرَّجُلُ النَّائِمُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَرْكَانِهَا وَقِرَاءَةُ التَّشَهُّدِ وَاجِبَةٌ وَلَيْسَتْ بِرُكْنٍ وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ لِصَلَاةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّ ضِحْكَهُ لَاقَى حُرْمَةَ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ حَدَثًا إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ يَقُولُ: الضَّحِكُ مَتَى لَمْ يُوجِبْ إعَادَةَ الصَّلَاةِ لَا يُوجِبُ إعَادَةَ الْوُضُوءِ وَإِنْ سَلَّمَ هَذَا النَّائِمُ عَمْدًا كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَرْكَانِهَا، وَإِنْ سَلَّمَ سَاهِيًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَشَهَّدَ ثُمَّ يُسَلِّمَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ مِنْ وَاجِبَاتِ صَلَاتِهِ فَلَا يَصِيرُ خَارِجًا بِسَلَامِهِ سَاهِيًا كَمَنْ سَلَّمَ سَاهِيًا وَعَلَيْهِ سُجُودُ التِّلَاوَةِ. وَلَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ فَكَبَّرَ ثُمَّ انْحَطَّ يَرْكَعُ فَرَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ ثُمَّ رَكَعَ الرَّجُلُ لَمْ يُجْزِئْ عِنْدَنَا وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُجْزِئُهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى؛ لِأَنَّ حَالَةَ الرُّكُوعِ كَحَالَةِ الْقِيَامِ فَإِنَّ الْقَائِمَ إنَّمَا يُفَارِقُ الْقَاعِدَ فِي النِّصْفِ الْأَسْفَلِ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الْأَسْفَلَ مِنْ الْقَاعِدِ مُنْثَنٍ وَمِنْ الْقَائِمِ مُسْتَوٍ فَأَمَّا النِّصْفُ الْأَعْلَى فِيهِمَا سَوَاءٌ وَالرَّاكِعُ كَالْقَائِمِ فِي اسْتِوَاءِ النِّصْفِ الْأَسْفَلِ مِنْهُ؛ وَلِهَذَا يُجْعَلُ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ إذَا أَدْرَكَ الرُّكُوعَ مَعَ الْإِمَامِ فَيَكُونُ اقْتِدَاؤُهُ بِالْإِمَامِ، وَهُوَ رَاكِعٌ بِمَنْزِلَةِ اقْتِدَائِهِ بِالْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ. وَلَوْ كَبَّرَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ الْإِمَامُ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ فِي الرُّكُوعِ حَتَّى رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْهُ جَازَتْ صَلَاتُهُ فَكَذَلِكَ هَهُنَا. وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ حَيْثُ كَبَّرَ وَرَكَعَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَبَّ رَاكِعًا حَتَّى الْتَحَقَ بِالصَّفِّ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ مُشَارَكَتُهُ مَعَ الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ شَرْطًا لِلْإِدْرَاكِ لَمَا فَعَلَ هَكَذَا؛ وَلِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ فِي كُلِّ رَكْعَةِ فَلَا يَصِيرُ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ إلَّا بِمُشَارَكَةِ الْإِمَامِ فِي حَقِيقَةِ الْقِيَامِ أَوْ فِيمَا هُوَ مُشَبَّهٌ بِالْقِيَامِ، وَهُوَ الرُّكُوعُ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ حِينَ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ هُوَ فَكَانَ هَذَا، وَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِي السُّجُودِ سَوَاءٌ بِخِلَافِ مَا إذَا أَدْرَكَهُ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ قَدْ وُجِدَتْ الْمُشَارَكَةُ بَيْنَهُمَا فِي حَقِيقَةِ الْقِيَامِ وَلَوْ انْتَهَى إلَى الْإِمَامِ، وَهُوَ سَاجِدٌ فَكَبَّرَ ثُمَّ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ وَسَجَدَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ، وَلَمْ يَسْجُدْ هَذَا الرَّجُلُ مَعَهُ وَاحِدَةً مِنْ السَّجْدَتَيْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتْبَعَهُ فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى؛ لِأَنَّ هَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ لَا يُحْتَسَبُ بِهِمَا مِنْ صَلَاتِهِ لِعَدَمِ شَرْطِهِ، وَهُوَ تَقَدُّمُ الرُّكُوعِ فَإِنَّ الرُّكُوعَ افْتِتَاحُ السُّجُودِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهِ، وَإِنَّمَا يَأْتِي بِهِمَا لِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْمُتَابَعَةُ فِيمَا أَتَى بِهِ الْإِمَامُ بَعْدَمَا صَارَ هُوَ مُقْتَدِيًا بِهِ، وَقَدْ سَجَدَ الْإِمَامُ السَّجْدَةَ الْأُولَى قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ هُوَ مُقْتَدِيًا بِهِ فَلَا تَلْزَمُهُ بِذَلِكَ السَّجْدَةُ لِلْمُتَابَعَةِ، وَسَجَدَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ بَعْدَمَا صَارَ هُوَ مُقْتَدِيًا

стр. 346

بِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مَا لَمْ يَرْكَعْ الْإِمَامُ الرَّكْعَةَ الْأُخْرَى وَيَسْجُدْ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ لَا يَشْتَغِلُ بِهَا وَإِنَّمَا يَشْتَغِلُ بِمَا هُوَ الْأَهَمُّ، وَهُوَ الرُّكُوعُ، وَسَجْدَةُ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا مَحْسُوبَةٌ مِنْ صَلَاتِهِ. (قَالَ): رَجُلٌ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ قَبْلَ الْإِمَامِ ثُمَّ عَادَ فَإِنْ نَوَى عِنْدَ عَوْدِهِ السَّجْدَةَ الْأُولَى أَوْ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهُوَ عَائِدٌ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَوَى السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ وَمُتَابَعَةَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ تَكُونُ فِيمَا فِيهِ الْإِمَامُ، وَهِيَ السَّجْدَةُ الْأُولَى فَصَارَ نَاوِيًا لَهُمَا، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مُتَأَتٍّ فَتَلْغُو نِيَّتُهُ وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ. وَلَوْ نَوَى السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ خَاصَّةً فَلَمْ يَزُلْ سَاجِدًا حَتَّى رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ وَسَجَدَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ فَذَلِكَ يُجْزِئُهُ عَنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ سَجَدَ لِلثَّانِيَةِ فِي وَقْتٍ لَوْ سَجَدَهَا إمَامُهُ جَازَ، وَقَدْ وَقَعَتْ الْمُشَارَكَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ فِي آخِرِهَا حِينَ أَدْرَكَهُ فِيهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ وَقَعَتْ الْمُشَارَكَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ فِي أَوَّلِهَا بِأَنْ سَجَدَ الثَّانِيَةَ مَعَ الْإِمَامِ، وَإِنْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ وَسَجَدَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ رَفَعَ الْمُقْتَدِي رَأْسَهُ فَظَنَّ أَنَّ الْإِمَامَ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى فَسَجَدَ يَنْوِي الْأُولَى أَوْ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ أَوْ الثَّانِيَةَ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَسُجُودُهُ هَذِهِ هِيَ الثَّانِيَةُ؛ لِأَنَّ السَّجْدَةَ الْأُولَى قَدْ تَمَّتْ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْهَا، وَجَاءَ أَوَانُ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فَعَلَى أَيِّ نِيَّةٍ أَتَى بِهَا كَانَتْ هِيَ الثَّانِيَةُ وَلَوْ أَنَّ قَارِئًا اقْتَدَى بِأُمِّيٍّ ثُمَّ قَهْقَهَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وُضُوءٌ؛ لِأَنَّ عَلَى إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ، وَإِنْ صَارَ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ لَكِنْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ إذَا جَاءَ أَوَانُ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ إيفَائِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمَا فَهَذَا الضَّحِكُ مِنْهُ فِي صَلَاةٍ لَا رُكُوعَ فِيهَا وَلَا سُجُودَ فَهُوَ كَالضَّحِكِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ افْتَتَحَهَا خَلْفَ أَخْرَسَ أَوْ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ مَرِيضٍ يُومِئُ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَصْلُحُونَ لِلْإِمَامَةِ فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ إذَا اقْتَدَى بِهِمْ وَلَوْ أَنَّ غُلَامًا صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ ثُمَّ نَامَ فَاحْتَلَمَ وَانْتَبَهَ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ وَقْتُ الْعِشَاءِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهَا عِنْدَنَا، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهَا؛ لِأَنَّ وَقْتَ الصَّلَاةِ فِي حُكْمِ حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَالْمُؤَدَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِمَنْزِلَةِ الْمُؤَدَّى فِي آخِرِ الْوَقْتِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ مَا أَدَّاهُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ كَانَ مَوْقُوفًا فَإِذَا تَحَقَّقَتْ الْفَرِيضَةُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَقَعَ الْمُؤَدَّى عَنْ الْفَرْضِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَمَّ الْحَوْلُ، وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْمُؤَدَّى وَقَعَ نَفْلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْفَرْضِ حِينَ أَدَّى فَإِنَّ الْأَهْلِيَّةَ لِلْفَرْضِ بِاعْتِبَارِ الْخِطَابِ، وَالصَّبِيُّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ ثُمَّ لَمَّا بَلَغَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ لَزِمَهُ أَدَاءُ الْفَرْضِ، وَالنَّفَلُ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْفَرْضِ، وَالْقَوْلُ

стр. 347

بِالتَّوَقُّفِ يَنْبَنِي عَلَى الْأَهْلِيَّةِ لِلْفَرْضِ، وَهُوَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لَهُ بِخِلَافِ الَّذِي عَجَّلَ الزَّكَاةَ؛ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْفَرْضِ، وَإِنَّمَا أَدَّى بَعْدَ كَمَالِ سَبَبِ الْوُجُوبِ، وَهَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي سَمِعَهَا مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَوَّلًا عَلَى مَا يَحْكِي عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ بَعْضِ الْأَغْنِيَاءِ فَمَرَّ يَوْمًا بِبَنِي حَرَامٍ وَوَقَفَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ يَسْمَعُ كَلَامَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ كَمَا يَفْعَلُهُ الصِّبْيَانُ، وَكَانَ هُوَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَكَانَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَدْ اُبْتُلِيَ بِهَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَأَعَادَ الْعِشَاءَ فَدَعَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ وَقَالَ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّيْتهَا فَأَخْبَرَهُ بِمَا اُبْتُلِيَ بِهِ فَقَالَ يَا غُلَامُ: الْزَمْ مَجْلِسَنَا فَإِنَّك تُفْلِحُ فَتَفَرَّسَ فِيهِ خَيْرًا حِينَ رَآهُ عَمِلَ بِمَا تَعَلَّمَ مِنْ سَاعَتِهِ. وَلَوْ لَمْ يَنْتَبِهْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي فَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مُخَاطَبًا فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ فَإِنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ صَبِيًّا وَفِي آخِرِ الْوَقْتِ نَائِمًا وَالنَّوْمُ يَمْنَعُ تَوَجُّهَ الْخِطَابِ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً، وَاسْتَدَلُّوا بِظَاهِرِ لَفْظِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ شَرَطَ الِانْتِبَاهَ قَبْلَ ذَهَابِ الْوَقْتِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ يَمْنَعُ تَوَجُّهَ خِطَابِ الْأَدَاءِ، وَلَكِنْ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ بَقِيَ نَائِمًا وَقْتَ صَلَاةٍ أَوْ صَلَاتَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إذَا انْتَبَهَ، وَقَدْ جُعِلَ النَّائِمُ كَالْمُنْتَبِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ خُصُوصًا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ احْتَلَمَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ بِأَنْ انْتَبَهَ فِي آخِرِ وَقْتِ الْفَجْرِ، وَهُوَ يَتَذَكَّرُ الِاحْتِلَامَ، وَيَرَى الْأَثَرَ وَلَا يَدْرِي مَتَى احْتَلَمَ فَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْعِشَاءِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِلَامَ حَادِثٌ فَإِنَّمَا يُحَالُ حُدُوثُهُ عَلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ ارْتَدَّ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى - ثُمَّ أَسْلَمَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهَا عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵁ وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ عِنْدَهُ مُجَرَّدَ الرِّدَّةِ لَا يَحْبَطُ عَمَلُهُ مَا لَمْ يَمُتْ عَلَيْهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] الْآيَةُ، وَعِنْدَنَا بِنَفْسِ الرِّدَّةِ قَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] وَالْتَحَقَ بِالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ الْآنَ فَيَلْزَمُهُ فَرْضُ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْهُ وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ لَوْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَلَوْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ جَاءَ، وَهُوَ نَاسٍ أَنَّهُ قَدْ صَلَّى فَدَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ يَنْوِي الظُّهْرَ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ صَلَّاهَا فَأَفْسَدَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِيهَا عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا عَلَيْهِ فَإِنْ رَعَفَ الْإِمَامُ وَاسْتَخْلَفَ هَذَا الرَّجُلَ فَصَلَاتُهُمْ جَمِيعًا فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ مُتَنَفِّلٌ

стр. 348

فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا لِلْمُفْتَرِضِ وَاشْتِغَالُ الْإِمَامِ بِاسْتِخْلَافِ مَنْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ خَلِيفَةً لَهُ يَكُونُ مُفْسِدًا لِصَلَاتِهِ ثُمَّ تَفْسُدُ صَلَاةُ الْقَوْمِ بِفَسَادِ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَاسْتَخْلَفَ أُمِّيًّا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَا؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَقَدْ أَدَّاهُ الْإِمَامُ وَلَيْسَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قِرَاءَةٌ وَالْأُمِّيُّ وَالْقَارِئُ فِيهِمَا سَوَاءٌ وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْقِرَاءَةُ فَرْضٌ لِلصَّلَاةِ تُؤَدَّى فِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ قَالَ ﵊ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ» وَهَذِهِ الصَّلَاةُ افْتَتَحَهَا الْقَارِئُ، وَالْأُمِّيُّ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ فِيهَا، وَاشْتِغَالُ الْإِمَامِ بِاسْتِخْلَافِ مَنْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ خَلِيفَةً لَهُ يَكُونُ مُفْسِدًا لِصَلَاتِهِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فَصَلَّاهُمَا عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ لَمْ تُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّهُ بِمُطْلَقِ النَّذْرِ يَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ بِصِفَةِ الْكَمَالِ وَالْمُؤَدَّى فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ نَاقِصٌ؛ وَلِأَنَّ بِالنَّذْرِ يَلْزَمُ أَدَاءٌ صَحِيحٌ وَالْمُؤَدَّى فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ يَكُونُ فَاسِدًا لِمَا فِيهِ مِنْ ارْتِكَابِ النَّهْيِ فَلَا يَحْصُلُ الْوَفَاءُ بِهَا وَلَوْ نَسِيَ صَلَاةً فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَذَكَرَهَا بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَضَاهَا لَمْ يُكَبِّرْ عَقِيبَهَا، وَهَذِهِ أَرْبَعُ فُصُولٍ بَيَّنَّاهَا فِي الصَّلَاةِ: أَحَدُهَا هَذِهِ، وَالثَّانِيَةُ مَا إذَا نَسِيَ صَلَاةً فِي غَيْرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ثُمَّ قَضَاهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَالثَّالِثَةُ مَا إذَا نَسِيَهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَقَضَاهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مِنْ قَابِلٍ، وَفِي هَذِهِ الْفُصُولِ لَا يُكَبِّرُ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ مُؤَقَّتٌ بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ فَلَا يَقْضِي بَعْدَ مُضِيِّ ذَلِكَ الْوَقْتِ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَا يَكُونُ سُنَّةً فِي وَقْتِهِ يَكُونُ بِدْعَةً فِي غَيْرِ وَقْتِهِ، وَإِذَا كَانَ يَقْضِي فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ صَلَاةً نَسِيَهَا قَبْلَهُ فَالْقَضَاءُ بِصِفَةِ الْأَدَاءِ، وَأَمَّا إذَا نَسِيَهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَقَضَى فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ كَبَّرَ عَقِيبَهَا عِنْدَهُمَا الْمُنْفَرِدُ وَالْجَمَاعَةُ فِيهِ سَوَاءٌ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ إذَا كَانُوا جَمَاعَةً كَبَّرُوا؛ لِأَنَّ وَقْتَ التَّكْبِيرِ بَاقٍ وَالْقَضَاءُ بِصِفَةِ الْأَدَاءِ فَهُوَ نَظِيرُ رَمْيِ الْجِمَارِ إذَا تَرَكَهَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي يَقْضِيهَا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَلَوْ صَلَّى الْوِتْرَ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ جَاءَ إلَى قَوْمٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ يُصَلُّونَ الْوِتْرَ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُمْ فِي التَّطَوُّعِ فَدَخَلَ فِي صَلَاتِهِمْ ثُمَّ قَطَعَ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُمْ فِي الْوِتْرِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّهُ بِالشُّرُوعِ الْتَزَمَ صَلَاةَ الْإِمَامِ، وَصَلَاةُ الْإِمَامِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ وَمَنْ الْتَزَمَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ يَلْزَمُهُ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَبْنَى التَّطَوُّعِ عَلَى الشَّفْعِ دُونَ

стр. 349

الْوِتْرِ وَالشَّفْعُ الْوَاحِدُ لَا يَتَجَزَّأُ فَالْتِزَامُ بَعْضِهِ الْتِزَامٌ لِكُلِّهِ وَإِنْ دَخَلَ يُرِيدُ الْوِتْرَ وَلَمْ يَكُنْ أَوْتَرَ، وَقَدْ فَاتَتْهُ رَكْعَتَانِ مَعَ الْإِمَامِ، وَهُوَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَأَوْتَرَ مَعَهُمْ أَوْ أَدْرَكَهُمْ رُكُوعًا فَرَكَعَ مَعَهُمْ ثُمَّ قَامَ فَقَضَاهُمَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْنُتَ فِيمَا يَقْضِي قَالَ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِي أَوَّلَ صَلَاتِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْأَصْلَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْقُنُوتِ يَجْعَلُ مَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ آخِرَ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْقُنُوتَ لَمْ يُشْرَعْ مُكَرَّرًا فِي وِتْرٍ وَاحِدٍ فَلَوْ جَعَلْنَا مَا أَتَى بِهِ مَعَ الْإِمَامِ أَوَّلَ صَلَاتِهِ كَأَنْ يَقْنُتَ فِيمَا يَقْضِي فَيُؤَدِّي إلَى تَكْرَارِ الْقُنُوتِ وَكَذَلِكَ إنْ أَدْرَكَهُمْ فِي الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ مُدْرِكٌ لِهَذِهِ الرَّكْعَةِ وَهِيَ مَحَلٌّ لِلْقُنُوتِ فَيَجْعَلُ إدْرَاكَهُ مَحَلَّ الْقُنُوتِ مَعَ الْإِمَامِ بِمَنْزِلَةِ قُنُوتِهِ مَعَ الْإِمَامِ رَجُلٌ افْتَتَحَ الْمَغْرِبَ فَصَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ فَجَدَّدَ التَّكْبِيرَ وَصَلَّى ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ مُسْتَقْبَلَاتٍ قَالَ: يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ فِي صَلَاتِهِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ نَوَى إيجَادَ الْمَوْجُودِ وَنِيَّةُ الْإِيجَادِ فِي الْمَوْجُودِ لَغْوٌ فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقَدْ تَمَّتْ فَرِيضَتُهُ ثُمَّ كَانَتْ الرَّكْعَةُ الثَّالِثَةُ نَفْلًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ اشْتَغَلَ بِهَا بَعْدَ إكْمَالِ الْفَرِيضَةِ. وَلَوْ كَانَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ بَعْدَ تَجْدِيدِ التَّكْبِيرِ فِي صَلَاتِهِ الْأُولَى فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَةً كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْعُدَ وَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى صَلَّى رَكْعَةً أُخْرَى فَكَانَ قَدْ اشْتَغَلَ بِالنَّفْلِ قَبْلَ إكْمَالِ الْفَرِيضَةِ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِصَلَاتِهِ وَلَوْ اقْتَدَى بِالْإِمَامِ فِي الْمَغْرِبِ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ فَصَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً وَفَاتَتْهُ رَكْعَتَانِ ثُمَّ رَعَفَ فَانْطَلَقَ فَتَوَضَّأَ، وَقَدْ أَدْرَكَ أَوَّلَ الرَّكْعَةِ يَعْنِي نَامَ خَلْفَ الْإِمَامِ حَتَّى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ جَاءَ، وَقَدْ فَرَغَ الْإِمَامُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَةً بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ، وَيَقْعُدُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ وَيَقْعُدُ؛ لِأَنَّهُ لَاحِقٌ فِي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فَيُصَلِّيهِمَا بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً بِقِرَاءَةٍ وَيَقْعُدُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَبَعٍ لِلْإِمَامِ فِي الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَلَى إمَامِهِ وَلَكِنَّهَا نَفْلٌ مَقْصُودٌ فِي حَقِّهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِقِرَاءَةٍ وَفِيمَا كَانَ تَبَعًا لِلْإِمَامِ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهُ كَمَا أَدَّاهُ الْإِمَامُ، وَلِهَذَا قُلْنَا يَقْعُدُ فِي الثَّالِثَةِ كَمَا قَعَدَ الْإِمَامُ رَجُلٌ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ فَنَامَ خَلْفَهُ حَتَّى فَرَغَ الْإِمَامُ ثُمَّ انْتَبَهَ، وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَقَضَاهَا فِي الثَّانِيَةِ وَلَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّانِيَةِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ سَاهِيًا ثُمَّ عَلِمَ الرَّجُلُ كَيْفَ صَنَعَ الْإِمَامُ قَالَ: يَتْبَعُهُ وَيُصَلِّي بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ أَوَّلَ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ وَالْتَزَمَ الِاقْتِدَاءَ بِهِ فَكَانَ هُوَ مُقْتَدِيًا بِالْإِمَامِ فِيمَا يَأْتِي بِهِ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُقْتَدِي قِرَاءَةٌ، وَيَسْجُدُ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ قَضَى تِلْكَ السَّجْدَةَ فَالْتُحِقَتْ بِمَحَلِّهَا، وَصَارَ كَأَنَّهُ أَدَّاهَا فِي مَوْضِعِهَا، وَلَا يَقْعُدُ

стр. 350

مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَقْعُدُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَمَّا اسْتَتَمَّ قَائِمًا إنَّمَا لَمْ يَعُدْ إلَى الْقُعُودِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْفَرِيضَةِ لِأَدَاءِ السُّنَّةِ، وَذَلِكَ الْمَعْنَى غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي حَقِّ هَذَا الرَّجُلِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْقَعْدَةِ كَمَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى الْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ إلَى الثَّالِثَةِ وَقَاسَ بِالسَّجْدَةِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِي مَوْضِعِهَا كَمَا كَانَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا، وَلَكِنَّا نَقُولُ: هُوَ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُ خَلْفَ الْإِمَامِ وَمَنْ كَانَ خَلْفَ الْإِمَامِ تَسْقُطُ عَنْهُ الْقَعْدَةُ الْأُولَى بِسُقُوطِهَا عَنْ الْإِمَامِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ سَاهِيًا، وَلَمْ يَقُمْ الْقَوْمُ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتْبَعُوهُ، وَلَا يَأْتُونَ بِتِلْكَ الْقَعْدَةِ فَكَذَلِكَ هَذَا الرَّجُلُ، وَبِهِ فَارَقَ السَّجْدَةَ فَإِنَّ تِلْكَ السَّجْدَةَ مَا سَقَطَتْ عَنْ الْإِمَامِ بِالتَّرْكِ، وَلِهَذَا قَضَاهَا، وَقَدْ سَقَطَتْ الْقَعْدَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَقْضِيهَا فَتَسْقُطُ عَنْ الْمُقْتَدِي وَلَوْ نَامَ خَلْفَ الْإِمَامِ حَتَّى صَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ رَعَفَ فَقَدَّمَهُ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ أَقْدَرُ عَلَى إتْمَامِ صَلَاةِ الْإِمَامِ مِنْهُ فَهُوَ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ خَلِيفَةً لَهُ، وَإِنْ فَعَلَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكُ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ خَلِيفَةً لَهُ ثُمَّ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشِيرَ إلَى الْقَوْمِ لِيَنْتَظِرُوهُ حَتَّى يَقْضِيَ الرَّكْعَةَ الَّتِي نَامَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَاحِقٌ فَيَبْدَأُ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، وَلَكِنْ صَلَّى بِهِمْ بَقِيَّةَ صَلَاةِ الْإِمَامِ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ رَجُلٍ فَقَدَّمَهُ حَتَّى سَلَّمَ بِهِمْ، وَقَامَ هُوَ فَقَضَى رَكْعَتَهُ جَازَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا فِي الصَّلَاةِ إنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ فِي أَعْمَالِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ رُكْنٌ، وَإِنْ بَدَأَ بِاَلَّتِي نَامَ فِيهَا فَاتَّبَعَهُ الْقَوْمُ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ كَالْمُنْفَرِدِ وَصَلَاةُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ صَلَّوْا رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَهَا إمَامُهُمْ فَإِنَّ إمَامَهُمْ مَشْغُولٌ بِالرَّكْعَةِ الَّتِي أَدُّوهَا هُمْ مَعَ الْأَوَّلِ، وَهُمْ قَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً أُخْرَى، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِصَلَاتِهِمْ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فَاقْتَدَى فِيهِمَا بِمُتَطَوِّعٍ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَنْذُورَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ وَالتَّطَوُّعُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَصَلَاةُ الْمُقْتَدِي بِنَاءٌ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ وَبِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ لَا يَجُوزُ بِمَنْزِلَةِ الْمُفْتَرِضِ يَقْتَدِي بِالْمُتَطَوِّعِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَأُصَلِّيَنَّ رَكْعَتَيْنِ فَأَدَّاهُمَا خَلْفَ مُتَطَوِّعٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ بِيَمِينِهِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فَكَانَ هُوَ فِي الْأَدَاءِ مُتَطَوِّعًا، وَإِنْ كَانَ بِبِرٍّ بِهِ فِي يَمِينِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْبِرَّ فِي الْيَمِينِ يَحْصُلُ بِمَا هُوَ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ الْتِزَامُهُ بِخِلَافِ النَّذْرِ وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ الْيَوْمَ فَلَمْ يَفْعَلْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُمَا. وَلَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأُصَلِّيَنَّ الْيَوْمَ رَكْعَتَيْنِ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَضَى الْيَوْمُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُمَا فَبِهَذَا يَتَّضِحُ

стр. 351

الْفَرْقُ وَلَوْ أَنَّ مُسَافِرًا وَمُقِيمًا نَسِيَا صَلَاةً فَأَمَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بَعْدَمَا تَذَكَّرَا فَإِنْ أَمَّ الْمُسَافِرُ الْمُقِيمَ جَازَ، وَإِنْ أَمَّ الْمُقِيمُ الْمُسَافِرَ لَمْ تَجُزْ صَلَاةُ الْمُسَافِرِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْفَرْقَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ إنَّ اقْتِدَاءَ الْمُقِيمِ بِالْمُسَافِرِ يَجُوزُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ كَمَا يَجُوزُ فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ لَا يَتَغَيَّرُ بِالِاقْتِدَاءِ وَاقْتِدَاءُ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ يَجُوزُ فِي الْوَقْتِ وَلَا يَجُوزُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ يَتَغَيَّرُ بِالِاقْتِدَاءِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ الْفَجْرَ فَجَعَلَ يَرْكَعُ مَعَهُ وَيَسْجُدُ قَبْلَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَجَدَ قَبْلَهُ وَرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ الْإِمَامُ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَذِهِ السَّجْدَةِ فَلَمَّا سَجَدَ الْإِمَامُ وَسَجَدَ الرَّجُلُ يَنْوِي الثَّانِيَةَ كَانَتْ هَذِهِ هِيَ السَّجْدَةُ الْأُولَى فِي حَقِّهِ فَإِنَّمَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَتَرَكَ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَةً فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ سَجَدَ قَبْلَ الْإِمَامِ ثُمَّ سَجَدَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ هُوَ رَأْسَهُ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ شَيْءٍ فَإِنَّ الْإِمَامَ لَمَّا أَدْرَكَهُ فِي آخِرِ السَّجْدَةِ فَقَدْ وُجِدَتْ الْمُشَارَكَةُ بَيْنَهُمَا فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ جَمِيعًا، وَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنْهُمَا قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ بِأَدَاءِ السَّجْدَتَيْنِ فَإِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ يَكُونُ مُصَلِّيًا رَكْعَةً فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ أُخْرَى فَعَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ مَا بَيَّنَّا وَلَوْ صَلَّى رَكْعَةً وَتَرَكَ مِنْهَا سَجْدَةً ثُمَّ صَلَّى رَكْعَةً أُخْرَى بِسَجْدَتَيْنِ فَهُمَا لِهَذِهِ الرَّكْعَةِ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ تَتَقَيَّدُ بِالسَّجْدَةِ الْوَاحِدَةِ فَقَدْ سَجَدَ لِلرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فِي أَوَانِهَا فَيَكُونُ سُجُودُهُ عَنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَسَجْدَةُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى صَارَتْ فِي حُكْمِ الْقَضَاءِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا فَلَا تَتَأَدَّى بِدُونِ النِّيَّةِ فَإِنْ طَافَ بِالْبَيْتِ أُسْبُوعًا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ بَعْدَمَا تَغَيَّرَتْ الشَّمْسُ لَمْ يُجْزِئْهُ عِنْدَنَا عَنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِحَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا يَطُوفُ بِهَذَا الْبَيْتِ أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَلْيُصَلِّ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ» وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِحَدِيثِ «مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ ﵁ فَإِنَّهُ طَافَ بَعْدَ الْعَصْرِ أُسْبُوعًا ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ» وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ طَافَ بَعْدَ الْعَصْرِ أُسْبُوعًا فَقَالَ: عَطَاءٌ: اُرْمُقُوا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَلْ يُصَلِّي؟ فَرَمَقُوهُ فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ طَافَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ أُسْبُوعًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ فَلَمَّا كَانَ بِذِي طُوًى وَارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: رَكْعَتَانِ مَكَانُ رَكْعَتَيْنِ؛ وَلِأَنَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ تَجِبُ بِسَبَبٍ مِنْ

стр. 352

جِهَةِ الْعَبْدِ فَهِيَ كَالْمَنْذُورَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَنْذُورَةَ لَا تُؤَدَّى بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ جُبَيْرٍ وَلْيُصَلِّ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ فِي الْأَوْقَات الَّتِي لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا رَجُلٌ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ رَجُلٌ ثُمَّ رَعَفَ فَانْطَلَقَ يَتَوَضَّأُ فَصَلَّى إمَامُهُ رَكْعَةً أُخْرَى ثُمَّ تَكَلَّمَ الَّذِي أَحْدَثَ فَصَلَّى هَذَا الْإِمَامُ تَمَامَ سِتِّ رَكَعَاتٍ فَعَلَى الرَّجُلِ الدَّاخِلِ مَعَهُ أَنْ يَقْضِيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّهُ اقْتَدَى بِالْإِمَامِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي فَيَصِيرُ مُلْتَزِمًا لِهَذَا الشَّفْعِ وَالشَّفْعُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَدَّاهُ الْإِمَامُ بِهَذِهِ التَّحْرِيمَةِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الشَّفْعَيْنِ ثُمَّ هُوَ قَدْ أَفْسَدَ الِاقْتِدَاءَ قَبْلَ قِيَامِ الْإِمَامِ إلَى الشَّفْعِ الثَّالِثِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الشَّفْعُ الثَّالِثُ بِالْقِيَامِ إلَيْهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ إمَامًا لَهُ حِينَ قَامَ إلَيْهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ افْتَتَحَا الصَّلَاةَ مَعًا يَنْوِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ إمَامًا لِصَاحِبِهِ فَصَلَاتُهُمَا تَامَّةٌ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ كَالْمُنْفَرِدِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ لَا تَنْبَنِي عَلَى صَلَاةِ غَيْرِهِ فَنِيَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْإِمَامَةِ، وَنِيَّتُهُ الِانْفِرَادَ سَوَاءٌ، وَإِنْ نَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَأْتَمَّ بِصَاحِبِهِ فَصَلَاتُهُمَا فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوَى الِاقْتِدَاءَ عِنْدَ الشُّرُوعِ وَنِيَّتُهُ الِاقْتِدَاءَ بِالْمُقْتَدِي لَا تَصِحُّ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَسْبُوقَ إذَا قَامَ إلَى قَضَاءِ مَا فَاتَ فَاقْتَدَى بِهِ إنْسَانٌ لَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ تَبَعٌ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَبَعًا لِصَاحِبِهِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَلِهَذَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُمَا ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَفَرْقٌ بَيْنَ الْإِغْمَاءِ وَالنَّوْمِ: فَإِنَّ النَّوْمَ لَا يُسْقِطُ الْقَضَاءَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ لِأَنَّ النَّائِمَ فِي حُكْمِ الْقَضَاءِ كَالْمُنْتَبِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا نُبِّهَ انْتَبَهَ بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَجَعَلَ الْجُنُونَ كَالْإِغْمَاءِ فَقَالَ: إذَا جُنَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ أَقَلَّ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ، وَإِذَا جُنَّ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ يُعْجِزُهُ عَنْ فَهْمِ الْخِطَابِ مَعَ بَقَاءِ الْأَهْلِيَّةِ لِلْفَرْضِ أَلَا تَرَى أَنَّ فَرْضَهُ الْمُؤَدَّى يَبْقَى عَلَى حَالِهِ يَعْنِي حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَالصَّلَاةَ الْمُؤَدَّاةَ حَتَّى لَوْ أَفَاقَ قَبْلَ مُضِيِّ الْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْجُنُونَ إذَا قَصُرَ فَهُوَ كَالْإِغْمَاءِ فَإِنْ كَانَ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ أَقَلَّ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ، وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْجُنُونَ إذَا اسْتَوْعَبَ وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ قَالُوا: لِأَنَّ الْجُنُونَ يُزِيلُ الْعَقْلَ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ جُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي شَيْءٍ مِنْ عُمُرِهِ كَفَرَ، وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ هَهُنَا رَجُلٌ نَسِيَ صَلَاتَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ

стр. 353

وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيُّ صَلَاتَيْنِ هُمَا فَعَلَيْهِ إعَادَةُ صَلَاةِ يَوْمَيْنِ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ مَا لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا أَكْثَرُ مِنْ سِتِّ صَلَوَاتٍ فَيَسْقُطُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ لِلْكَثْرَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيُّهَا هِيَ أَوْ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةٍ وَعَلَى قَوْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ﵁ يُعِيدُ الْفَجْرَ وَالْمَغْرِبَ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِنِيَّةِ مَا عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِثَلَاثِ قَعَدَاتٍ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ تَعَيُّنَ النِّيَّةِ فِي الْقَضَاءِ شَرْطٌ لِلْجَوَازِ، وَالصَّلَوَاتُ وَإِنْ اتَّفَقَتْ فِي أَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ فَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ اقْتِدَاءَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ لَا يَجُوزُ فَلَا يَتَحَقَّقُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ فِيمَا يَقُولُ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَا فِيمَا يَقُولُ سُفْيَانُ ﵁ فَلِهَذَا أَلْزَمْنَاهُ قَضَاءَ صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا شَهْرَيْنِ ثُمَّ قَالَ: قَدْ كَانَ فِي ثَوْبِي قَذَرٌ فَعَلَى الْقَوْمِ أَنْ يُصَدِّقُوهُ وَيُعِيدُوا صَلَاتَهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِأَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِي أَمْرِ الدِّينِ حُجَّةٌ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَاجِنًا فَحِينَئِذٍ لَا يُصَدَّقُ؛ لِأَنَّ خَبَرَهُ فِي أُمُورِ الدِّينِ غَيْرُ مَقْبُولٍ إذَا كَانَ مَاجِنًا، وَاَلَّذِي يَسْبِقُ إلَى الْأَوْهَامِ أَنَّهُ يَكْذِبُ فِي خَبَرِهِ عَلَى قَصْدِ الْإِضْرَارِ بِالْقَوْمِ لِمَعْنًى دَخَلَهُ مِنْ جِهَتِهِمْ وَالْمَاجِنُ هُوَ الْفَاسِقُ فَإِنَّ الْمُجُونَ نَوْعُ جُنُونٍ وَهُوَ أَنْ لَا يُبَالِيَ بِمَا يَقُولُ وَيَفْعَلُ فَتَكُونُ أَعْمَالُهُ عَلَى نَهْجِ أَعْمَالِ الْمَجَانِينِ، وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ ﵁ يَقُولُ: الْمَاجِنُ هُوَ الَّذِي يَدَّعِي سَبَبَ نَبْتٍ وَهُوَ الَّذِي يَلْبَسُ قَبَاطَاقَ وَيَتَمَنْدَلُ بِمَنْدِيلٍ خَيْشٍ وَيَطُوفُ فِي السِّكَكِ يَنْظُرُ فِي الْغُرَفِ أَنَّ النِّسَاءَ يَنْظُرْنَ إلَيْهِ أَمْ لَا وَلَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ فِي خِلَالِ صَلَاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ قَهْقَهَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ وُضُوءٌ لِصَلَاةٍ أُخْرَى أَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلِأَنَّهُ صَارَ خَارِجًا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَإِنْ لَمْ يَصِرْ خَارِجًا مِنْ أَصْلِ التَّحْرِيمَةِ فَقَدْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَدَاءُ النَّفْلِ فِي هَذَا الْوَقْتِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَدَاءُ الْفَرْضِ فَالضَّحِكُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ دُونَ الضَّحِكِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَلَا يُجْعَلُ حَدَثًا وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ خُصُوصًا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْهُ أَنَّهُ يَصِيرُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ يُتِمُّ الْفَرِيضَةَ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يُشْكِلُ أَنَّ ضِحْكَهُ صَادَفَ حُرْمَةَ صَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ فَكَانَ حَدَثًا وَلَوْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ

стр. 354

حِينَ طَلَعَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ أَفْسَدَهَا مُتَعَمِّدًا ثُمَّ قَضَاهَا حِينَ احْمَرَّتْ الشَّمْسُ أَجْزَأَهُ إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَمَّا أَفْسَدَهَا فَقَدْ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا وَصَارَ ذَلِكَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ فَلَا يَسْقُطُ بِالْأَدَاءِ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَنْذُورَةِ الَّتِي شَرَعَ فِيهَا فِي وَقْتٍ مَكْرُوهٍ وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَوْ أَدَّاهَا حِينَ افْتَتَحَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ فَكَذَلِكَ إذَا قَضَاهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِصِفَةِ الْأَدَاءِ فَهُوَ وَالْمُؤَدَّى حِينَ شَرَعَ فِيهِ سَوَاءٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظَائِرَهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ] رَجُلٌ صَلَّى بِمُسَافِرِينَ وَمُقِيمِينَ رَكْعَتَيْنِ وَقَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ ثُمَّ قَامَ بَعْضُ مَنْ خَلْفَهُ مِنْ الْمُسَافِرِينَ فَتَكَلَّمُوا ثُمَّ نَوَى الْإِمَامُ الْإِقَامَةَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ؛ لِأَنَّ نِيَّتَهُ حَصَلَتْ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ مِنْ الْمُسَافِرِينَ إتْمَامُ الصَّلَاةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا مُقِيمِينَ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ تَبَعًا لِإِمَامِهِمْ وَمَنْ تَكَلَّمَ مِنْهُمْ فِي صَلَاتِهِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ حُرْمَتِهَا فِي وَقْتٍ لَوْ خَرَجَ إمَامُهُمْ مِنْهَا كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً وَإِنَّمَا كَانَ يَلْزَمُهُمْ صَلَاةُ الْمُقِيمِينَ بِاعْتِبَارِ التَّبَعِيَّةِ. وَمَنْ تَكَلَّمَ مِنْهُمْ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ فَرْضُ الْإِمَامِ، وَمَنْ تَكَلَّمَ مِنْهُمْ بَعْدَمَا نَوَى الْإِمَامُ الْإِقَامَةَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ تَكَلَّمَ الْإِمَامُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ تَغَيَّرَ بِنِيَّةِ الْإِمَامِ الْإِقَامَةَ فَيَكُونُ هُوَ مُتَكَلِّمًا فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ فَإِنْ قَامَ بَعْضُ مَنْ خَلْفَهُ مِنْ الْمُقِيمِينَ فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَسَجَدَ ثُمَّ نَوَى الْإِمَامُ الْإِقَامَةَ فَهَذَا الرَّجُلُ خَارِجٌ مِنْ صَلَاتِهِ يُتِمُّ بَقِيَّةَ الصَّلَاةِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحْكَمَ انْفِرَادُهُ حِينَ قَيَّدَ الرَّكْعَةَ بِالسَّجْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ الْإِقَامَةَ فَإِنْ عَادَ إلَى مُتَابَعَتِهِ فِي الرَّابِعَةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ اقْتَدِي بِهِ بَعْدَمَا اسْتَحْكَمَ انْفِرَادُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَرَأَ وَرَكَعَ وَلَمْ يَسْجُدْ حَتَّى نَوَى الْإِمَامُ الْإِقَامَةَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إلَى مُتَابَعَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْكِمْ انْفِرَادُهُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ فَكَانَ كَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَقُمْ بَعْدُ مِنْ الْمُقِيمِينَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُتَابِعَ الْإِمَامَ فِي إتْمَامِ الصَّلَاةِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَلَكِنَّهُ سَجَدَ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ عَلَيْهِ الِاقْتِدَاءُ فِيهِ. وَمَنْ اقْتَدَى فِي مَوْضِعٍ كَانَ عَلَيْهِ الِانْفِرَادُ أَوْ انْفَرَدَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ عَلَيْهِ الِاقْتِدَاءُ فِيهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ انْفِرَادَهُ إنَّمَا اسْتَحْكَمَ بِتَقْيِيدِهِ الرَّكْعَةَ بِالسَّجْدَةِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ يَحْتَمِلُ الرَّفْضَ وَالرَّكْعَةُ الْكَامِلَةُ لَا تَحْتَمِلُهُ؛ وَلِأَنَّ زِيَادَةَ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ

стр. 355

وَزِيَادَةُ الرَّكْعَةِ الْكَامِلَةِ يُفْسِدُهَا فَإِنَّ الرَّكْعَةَ الْكَامِلَةَ إذَا لَمْ يُحْتَسَبْ بِهَا مِنْ الْفَرِيضَةِ كَانَتْ نَافِلَةً وَخَلْطُ النَّفْلِ بِالْفَرْضِ قَبْلَ إكْمَالِ الْفَرْضِ مُفْسِدٌ لِلصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ ثُمَّ تَكَلَّمَ بَعْضُ مَنْ خَلْفَهُ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَصَلَاةُ مَنْ تَكَلَّمَ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَانَتْ صَلَاتُهُ فَاسِدَةً، وَيَقُومُ الْإِمَامُ فَيُتِمُّ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَيَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَأَبِي يُوسُفَ ﵁ وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا ظُهْرَ الْمُسَافِرِ كَفَجْرِ الْمُقِيمِ فَتَرْكُ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا أَوْ فِي إحْدَاهُمَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَتَوَقَّفُ حُكْمُ الْفَسَادِ بِتَوَقُّفِ حَالِ فَرِيضَتِهِ فَإِنَّ فَرْضَهُ فِي الْوَقْتِ بِغَرَضِ التَّغْيِيرِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فَإِذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي الِانْتِهَاءِ يَجْعَلُ ذَلِكَ كَنِيَّتِهِ فِي الِابْتِدَاءِ وَتَرْكُ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْمُقِيمِ لَا يَكُونُ مُفْسِدًا لِصَلَاتِهِ حَتَّى إذَا قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً فَكَذَلِكَ هُنَا، وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّ بِمُجَرَّدِ تَرْكِ الْقِرَاءَةِ لَا يَخْرُجُ عَنْ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَهُمَا فَإِنْ كَانَ بَعْضُ مَنْ خَلْفَهُ مِنْ الْمُقِيمِينَ قَامَ فَقَرَأَ وَرَكَعَ، وَسَجَدَ ثُمَّ نَوَى الْإِمَامُ الْإِقَامَةَ فَصَلَاةُ هَذَا الرَّجُلِ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحْكَمَ انْفِرَادُهُ قَبْلَ تَمَامِ صَلَاةِ الْإِمَامِ فِي حَالٍ لَوْ تَكَلَّمَ فِيهِ الْإِمَامُ كَانَتْ صَلَاتُهُ فَاسِدَةً، وَإِنْ كَانَ قَرَأَ، وَرَكَعَ وَلَمْ يَسْجُدْ حَتَّى نَوَى الْإِمَامُ الْإِقَامَةَ فَإِنَّهُ يَرْفُضُ مَا صَنَعَ، وَيَعُودُ إلَى إتْمَامِ صَلَاتِهِ مَعَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْكِمْ انْفِرَادُهُ بَعْدُ، وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ سَجَدَ بَعْدَمَا نَوَى الْإِمَامُ الْإِقَامَةَ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ عَلَيْهِ الِاقْتِدَاءُ فِيهِ وَلَوْ أَنَّ مُسَافِرًا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ فَظَنَّ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ أَنَّهُ إنَّمَا صَلَّى رَكْعَةً فَقَامَ، وَقَرَأَ، وَرَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْقِرَاءَةَ وَالرُّكُوعَ وَيَمْضِي فِي صَلَاتِهِ، وَإِنْ سَجَدَ قَبْلَ أَنْ يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ وَكَذَلِكَ إنْ سَجَدَ بِمَدِّ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ قَبْلَ أَنْ يُعِيدَ الْقِرَاءَةَ وَالرُّكُوعَ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ يَحْتَمِلُ الرَّفْضَ فَإِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ صَارَ هَذَا وَنِيَّةُ الْإِقَامَةِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ إلَى الثَّالِثَةِ سَوَاءٌ، فَإِنْ كَانَ سَجَدَ فَهَذِهِ الرَّكْعَةُ نَافِلَةٌ فِي حَقِّهِ لَا تَحْتَمِلُ الرَّفْضَ وَاشْتِغَالُهُ بِالنَّفْلِ قَبْلَ إكْمَالِ الْفَرْضِ مُفْسِدٌ لِصَلَاتِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ سَجَدَ بَعْدَ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ بِهَذِهِ السَّجْدَةِ يَتَقَيَّدُ مَا أَدَّى مِنْ الرَّكْعَةِ، وَهِيَ نَافِلَةٌ وَالنَّفَلُ لَا يَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ أَعَادَ الْقِرَاءَةَ وَالرُّكُوعَ
следующие страницы →