← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 5423

المبسوط للسرخسي

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (6 278 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

الثُّلُثَيْنِ سَبْعَةً وَبَقِيَ لَهُ مِمَّا كَانَ فِي يَدِهِ سَهْمَانِ فَجُمْلَةُ ذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَصَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ أَخَذَ مِنْ يَدِ صَاحِبِ النِّصْفِ سَهْمَيْنِ وَمِنْ يَدِ صَاحِبِ الْجَمِيعِ أَرْبَعَةً فَذَلِكَ سِتَّةٌ وَهُوَ رُبْعُ جَمِيعِ الدَّارِ وَصَاحِبُ النِّصْفِ أَخَذَ مِنْ يَدِ صَاحِبِ الْجَمِيعِ سَهْمَيْنِ وَمِنْ يَدِ صَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ سَهْمًا فَذَلِكَ ثَلَاثَةٌ وَهُوَ ثَمَنُ الدَّارِ وَقَدْ بَيَّنَّا تَخْرِيجَ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى فِي اعْتِبَارِ الْقِسْمَةِ عَلَى طَرِيقِ الْعَوْلِ فَإِنَّ السِّهَامَ عِنْدَهُمَا تَرْتَفِعُ إلَى مِائَةٍ وَثَمَانِينَ فَلَمْ يَعُدْ هُنَا كَرَاهَةَ التَّطْوِيلِ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ وَنَكَلُوا عَنْ الْيَمِينِ فَهُوَ وَمَا لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فِي حُكْمِ الِاسْتِحْقَاقِ وَالتَّخْرِيجِ سَوَاءٌ. وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ رَجُلَيْنِ وَعَبْدِ أَحَدِهِمَا وَالْعَبْدُ مَأْذُونٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَدَّعِي الدَّارَ كُلَّهَا فَهِيَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى مِنْ كَسْبِ عَبْدِهِ الْمَدْيُونِ كَالْأَجْنَبِيِّ فَإِنَّ حَقَّ غُرَمَائِهِ فِي كَسْبِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمَوْلَى فَتَظْهَرُ يَدُهُ فِي مُعَارَضَةِ يَدِ الْمَوْلَى كَيَدِ الْمُكَاتَبِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَالدَّارُ بَيْنَ الْحُرَّيْنِ نِصْفَانِ؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ هُنَا حَقُّ مَوْلَاهُ وَيَدُهُ مِنْ وَجْهٍ كَيَدِ مَوْلَاهُ فَلَا مُعْتَبَرَ بِيَدِهِ فِي مُعَارَضَةِ يَدِ الْمَوْلَى، وَإِنَّمَا يَبْقَى الْمُعْتَبَرُ فِي الدَّارِ يَدُ الْمَوْلَى وَيَدُ الْأَجْنَبِيِّ فَهِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ بِمَنْزِلَةِ ثَوْبٍ يُنَازِعُ فِيهِ رَجُلَانِ، وَفِي يَدِ أَحَدِهِمَا عَامَّةُ الثَّوْبِ، وَفِي يَدِ الْآخَرِ طَرَفُ الثَّوْبِ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ. دَارٌ فِي يَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي رَجُلٌ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ آخَرَ وَهُوَ يَمْلِكُهَا يَوْمَ بَاعَهَا وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَذُو الْيَدِ يَقُولُ لَيْسَتْ لِي فَإِنِّي أَقْضِي بِالدَّارِ لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ بِإِثْبَاتِهِ الشِّرَاءَ مِمَّنْ كَانَ مَالِكُهَا وَذُو الْيَدِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ خُصُومَتِهِ بِقَوْلِهِ لَيْسَتْ لِي فَإِنَّهُ كَانَ خَصْمًا لَهُ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ فِيهَا وَبِهَذَا اللَّفْظِ لَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ يَدَهُ فِيهَا لَيْسَتْ بِيَدِ خُصُومَةٍ فَقَضَى بِالدَّارِ لِلْمُدَّعِي إلَّا أَنْ يُقِيمَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ فِي يَدِهِ، أَوْ بِإِجَارَةٍ، أَوْ بِوَكَالَةٍ بِالْقِيَامِ عَلَيْهَا مِنْ رَجُلٍ غَيْرِ الْبَائِعِ فَإِنْ أَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ بِأَنَّ يَدَهُ فِيهَا يَدُ حِفْظٍ لَا يَدَ خُصُومَةٍ وَهَذِهِ مُخَمَّسَةٌ كِتَابِ الدَّعْوَى فَإِنْ جَاءَ الْمُشْتَرِي بِبَيِّنَةٍ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ سَلَّطَهُ عَلَى قَبْضِهَا مِنْ هَذَا السَّاكِنِ قَبَضَهَا وَقَضَى لَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ بِبَيِّنَتِهِ أَنَّهُ أَحَقُّ بِحِفْظِهَا مِنْهُ، وَأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ نَقْلِهَا مِنْ يَدِ ذِي الْيَدِ إلَى يَدِ نَفْسِهِ بِأَمْرِ صَاحِبِهَا إيَّاهُ بِذَلِكَ، وَلَوْ عَايَنَ مَا أَثْبَتَهُ الْبَيِّنَةَ كَانَ لَهُ حَقُّ قَبْضِهَا. فَكَذَلِكَ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ مَا يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فِيهِ خُصُومَةٌ] (قَالَ ﵀ دَارٌ فِي يَدِ رَجُلٍ رَهْنٍ وَالرَّاهِنُ غَائِبٌ فَادَّعَاهَا رَجُلٌ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَإِنْ أَقَامَ

стр. 3432

الْمُرْتَهِنُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا رَهْنٌ فِي يَدِهِ فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُمَا)؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ بِبَيِّنَتِهِ أَنَّ يَدَهُ فِيهَا يَدُ حِفْظٍ لَا يَدَ خُصُومَةٍ فَالْمَرْهُونُ عَيَّنَهُ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ وَلَئِنْ كَانَ مَضْمُونًا فَهُوَ ضَمَانٌ لَا يُوجِبُ الْمِلْكَ لَهُ فِي الْعَيْنِ بِحَالٍ، وَلَوْ كَانَ مَضْمُونًا ضَمَانًا يُوجِبُ الْمِلْكَ لَهُ إذَا تَقَرَّرَ كَالْمَغْصُوبِ لَمْ يَكُنْ خَصْمًا فِيهِ لِمُدَّعِي الْمِلْكِ. فَإِذَا كَانَ دُونَ ذَلِكَ أَوْلَى، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ الَّذِي الدَّارُ فِي يَدِهِ غَائِبًا وَالرَّاهِنُ حَاضِرًا فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْمِلْكِ لَا تُسْمَعُ فِي الْعَيْنِ إلَّا عَلَى ذِي الْيَدِ وَالْيَدُ فِيهَا مُسْتَحَقَّةٌ لِلْمُرْتَهِنِ وَهُوَ غَائِبٌ وَالْإِجَارَةُ وَالْعَارِيَّةُ فِي ذَلِكَ كَالرَّهْنِ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ خَصْمٌ لِظُهُورِ يَدِهِ فِيهَا وَمَنْفَعَةُ الْمُدَّعِي مِنْهَا بِيَدِهِ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ خُصُومَتِهِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَنَّهَا لَيْسَتْ لِي وَلَمْ يَنْسُبْهَا إلَى أَحَدٍ فَهُوَ خَصْمٌ فِيهَا؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ عَلَى هَذَا لَا تُقْبَلْ وَبِدُونِ الْبَيِّنَةِ لَا يَخْرُجُ مِنْ خُصُومَتِهِ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَخْرُجُ ذُو الْيَدِ مِنْ الْخُصُومَةِ إذَا أَحَالَ الْمُدَّعِيَ عَلَى رَجُلٍ مَعْرُوفٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْخُصُومَةِ مَعَهُ حَتَّى لَوْ قَالَ هُوَ لِرَجُلٍ عَارِيَّةٌ عِنْدِي وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَنْدَفِعْ الْخُصُومَةُ عَنْهُ فَلَأَنْ لَا تَنْدَفِعَ بِقَوْلِهِ لَيْسَتْ لِي أَوْلَى، وَإِنْ أَقَرَّ الْمُدَّعِي أَنَّهَا فِي يَدِهِ بِإِجَارَةٍ، أَوْ عَارِيَّةٍ، أَوْ رَهْنٍ فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُمَا فِيهَا؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ مُلْزِمٌ إيَّاهُ، وَقَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِخَصْمٍ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ وَادَّعَى ذُو الْيَدِ أَنَّ فُلَانًا ذَلِكَ أَسْكَنَهَا إيَّاهُ وَلَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْمِلْكِ فِيهَا لِفُلَانٍ فَتَكُونُ أُصُولُهَا إلَى يَدِ ذِي الْيَدِ مِنْ جِهَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٌ ذَلِكَ لَوْ حَضَرَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذِي الْيَدِ خُصُومَةٌ لِإِقْرَارِ ذِي الْيَدِ لَهُ بِهَا عَلَيْهِ. فَكَذَلِكَ لَا خُصُومَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يَدَّعِي تَلَقِّي الْمِلْكِ مِنْ جِهَةِ فُلَانٍ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْبَائِعَ وَكَّلَهُ بِقَبْضِهَا مِنْهُ. فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ يَجِبُ عَلَى ذِي الْيَدِ دَفْعُهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَحَقُّ بِإِمْسَاكِهَا وَإِثْبَاتُ الْيَدِ عَلَيْهَا مِنْ ذِي الْيَدِ وَالْعُرُوضُ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ كَالْعَقَارِ. وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَغَابَ أَحَدُهُمَا فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ الْغَائِبِ نَصِيبَهُ لَمْ يَكُنْ الشَّرِيكُ خَصْمًا لَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى سَبَبَ مِلْكٍ جَدِيدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَائِبِ فِي نَصِيبِهِ وَالْحَاضِرُ لَيْسَ بِخَصْمٍ عَنْ الْغَائِبِ فِيمَا يَدَّعِي قِبَلَهُ، وَلِأَنَّ ذَا الْيَدِ مُقِرٌّ أَنَّ يَدَهُ فِي نَصِيبِ الْغَائِبِ مِنْ جِهَتِهِ فَلَا يَكُونُ خَصْمًا لِمَنْ يَدَّعِي بِمِلْكِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا، أَوْ بَعْضَهَا مِنْ الْمَيِّتِ الَّذِي وَرِثُوهَا مِنْهُ كَانَ الْحَاضِرُ خَصْمًا عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ الْغَائِبِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى الْمَيِّتِ وَأَحَدُ الْوَرَثَةِ خَصْمٌ عَنْ الْمَيِّتِ وَعَنْ سَائِرِ الْوَرَثَةِ فِيمَا يَدَّعِي عَلَى الْمَيِّتِ كَدَعْوَى الدَّيْنِ وَيَسْتَوِي إنْ كَانُوا قَسَمُوا الدَّارَ، أَوْ لَمْ يَقْسِمُوا؛ لِأَنَّ قِسْمَتَهُمْ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي إذَا

стр. 3433

ثَبَتَ فَشِرَاؤُهُ بَاطِلٌ. دَارٌ فِي يَدِ رَجُلٍ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ فَادَّعَاهَا آخَرُ فَالْمُشْتَرِي خَصْمٌ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا وَكُلُّ مَنْ يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ أَوْ يَدَّعِيَهَا خَصْمٌ لَهُ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَصْلِنَا أَنَّ الشِّرَاءَ الْفَاسِدَ مُوجِبٌ لِلْمِلْكِ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى حُكْمِ الْمِلْكِ هُنَا. دَارٌ فِي يَدِ رَجُلٍ فَادَّعَاهَا آخَرُ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ يَدِ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَالْمُدَّعِي هُوَ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ وَالْبَائِعُ غَائِبٌ فَإِنِّي أَقْضِي بِهَا لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ ذَا الْيَدِ زَعَمَ أَنَّهَا مِلْكُهُ فَيَكُونُ خَصْمًا فِيهَا لِلْمُدَّعِي، وَإِنَّمَا يَزْعُمُ أَنَّهُ يَمْلِكُهَا مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ فَيَكُونُ خَصْمًا عَنْهُ فِي إثْبَاتِ سَبَبِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَثْبَتَ الْمُدَّعِي تَقَدُّمَ شِرَائِهِ بِالْبَيِّنَةِ فَيَقْضِي بِالدَّارِ لَهُ وَيَسْتَوْفِي مِنْهُ الثَّمَنَ فَإِنْ كَانَ ذُو الْيَدِ قَدْ نَقَدَ الثَّمَنَ أَعْطَيْته الثَّمَنَ قِصَاصًا؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَقَدْ ظَفِرَ بِمَالِهِ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ فَيَأْخُذُ مِقْدَارَ حَقِّهِ مِنْ ذَلِكَ وَلِلْقَاضِي أَنْ يُعِينَهُ عَلَيْهِ لِمَا يَثْبُتُ حَقَّ الْأَخْذِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ أَمْسَكَهُ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ الْغَائِبِ فَيَحْفَظُهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي بِقَبْضِ الثَّمَنِ مِنْ ذِي الْيَدِ قَبْلَ غَيْبَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَعْطَاهُ الثَّمَنَ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْغَائِبِ وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي عَلَى الْغَائِبِ بِالْبَيِّنَةِ إذَا لَمْ يَحْضُرْ عَنْهُ خَصْمٌ، وَإِنْ كَانَ ذُو الْيَدِ لَمْ يَنْقُدْ لِلْبَائِعِ الثَّمَنَ أَوْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِهِ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ دَفَعْتهَا إلَى الْمُدَّعِي لِإِثْبَاتِهِ سَبَبَ الْمِلْكِ فِيهَا بِتَارِيخٍ سَابِقٍ وَأَخَذْتُ الثَّمَنَ مِنْهُ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ الْغَائِبِ فَيَحْفَظُ عَلَيْهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ الْمِلْكِ عَلَى الْبَيْعِ يَنْتَفِعُ بِهِ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِنَقْدِ الثَّمَنِ فَالْقَاضِي يَنْظُرُ لَهُمَا فَيَسْتَوْفِي الثَّمَنَ مِنْهُ لِمُرَاعَاةِ حَقِّ الْغَائِبِ وَيُسَلِّمُ الدَّارَ إلَيْهِ لِيُتَوَصَّلَ الِانْتِفَاعَ بِمِلْكِهِ. رَجُلٌ بَاعَ جَارِيَةً مِنْ رَجُلٍ، ثُمَّ غَابَ الْمُشْتَرِي وَلَا يُدْرَى أَيْنَ هُوَ فَأَقَامَ الْبَائِعُ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْمَعُ بَيِّنَتَهُ؛ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَى الْقَاضِي النَّظَرُ لَهُ وَلِلْمَفْقُودِ فِي مَالِهِ. فَإِذَا أَثْبَتَ ذَلِكَ بِالْحُجَّةِ قَبِلَ الْقَاضِي ذَلِكَ مِنْهُ وَبَاعَ الْجَارِيَةَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِطَرِيقِ حِفْظِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الْمِلْكِ لَا تَبْقَى لَهُ بِدُونِ النَّفَقَةِ وَحِفْظُ الثَّمَنِ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ حِفْظِ الْعَيْنِ. فَإِذَا بَاعَهَا نَقَدَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّهُ ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ مِنْ مَالِ غَرِيمِهِ وَاسْتَوْثَقَ مِنْهُ بِكَفِيلٍ نَظَرًا مِنْهُ لِلْغَائِبِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَوْفَى الثَّمَنَ وَابَرَاءُ الْمُشْتَرِي مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ أَمْسَكَ الْفَضْلَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَ وَضِيعَهُ فَذَلِكَ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْقَاضِي لَهُ الْجَارِيَةَ كَقَبْضِ الْمُشْتَرِي إيَّاهَا بِنَفْسِهِ فِيهِ يَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الثَّمَنِ وَيُطَالِبُهُ الْبَائِعُ بِمِقْدَارِ الْوَضِيعَةِ إذَا حَضَرَ، وَإِنْ كَانَ أَبْرَأَهُ الْمُشْتَرِي لَمْ يَبِعْ الْقَاضِي الْجَارِيَةَ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْوِلَايَةِ لِلْقَاضِي بِطَرِيقِ

стр. 3434

النَّظَرِ مِنْهُ لَهُمَا، وَذَلِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إذَا كَانَ لَا يُوقَفُ عَلَى مَوْضِعِ الْمُشْتَرِي. فَأَمَّا إذَا كَانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ فَالْبَائِعُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ أَنْ يَبِيعَهُ وَيُطَالِبُهُ بِالثَّمَنِ وَمِلْكُهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُبْطِلَ عَلَيْهِ عَيْنَ مِلْكِهِ لِاتِّصَالِ الْبَائِعِ إلَى حَقِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ اخْتِلَافِ الشَّهَادَةِ] (قَالَ ﵀ شَاهِدَانِ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالْبَصْرَةِ وَالْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ بِالْكُوفَةِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِكَذِبِ أَحَدِهِمَا) فَإِنَّ الْإِنْسَانَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ لَا يَكُونُ بِالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّفْظَيْنِ رَجُلَانِ لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ لِهَذَا. فَإِذَا شَهِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَجُلٌ وَاحِدٌ أَوْلَى بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا بِالْكُوفَةِ وَالْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا بِالْبَصْرَةِ وَلَمْ يُوَقِّتَا وَقْتًا فَهُنَاكَ الشَّهَادَةُ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ كَلَامٌ يَتَكَرَّرُ فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَشْهُودُ بِهِ بِاخْتِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ فِي الْمَكَانِ. رَجُلٌ يَدَّعِي دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا لَهُ وَشَهِدَ لَهُ بِهَا شَاهِدَانِ أَحَدُهُمَا بِالشِّرَاءِ وَالْآخَرُ بِالْهِبَةِ فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ لَا بُدَّ أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدَ السَّبَبَيْنِ، وَبِهِ يَكُونُ مُكَذِّبًا أَحَدَ الشَّاهِدَيْنِ لَا مَحَالَةَ، وَلِأَنَّ الْهِبَةَ غَيْرُ الْبَيْعِ، وَلَيْسَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ السَّبْيَيْنِ حُجَّةٌ تَامَّةٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْهِبَةِ وَالْآخَرُ بِالصَّدَقَةِ، أَوْ الرَّهْنِ، أَوْ الْمِيرَاثِ أَوْ الْوَصِيَّةِ فَهُوَ بَاطِلٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْمِيرَاثِ وَالْآخَرُ بِالْوَصِيَّةِ فَهُوَ بَاطِلٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ. وَإِذَا ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهُ وَهَبَهَا لَهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِهَا عَلَيْهِ وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَى الصَّدَقَةِ. وَقَالَ لَمْ يَهَبْهَا لِي قَطُّ، وَقَدْ ادَّعَى الْهِبَةَ عِنْدَ الْقَاضِي فَهَذَا إكْذَابٌ مِنْهُ لِشَاهِدَيْهِ وَهُوَ تَنَاقُضٌ مِنْهُ فِي الْكَلَامِ فَقَدْ زَعَمَ مَرَّةً أَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ ادَّعَى الصَّدَقَةَ بَعْدَ ذَلِكَ وَزَعَمَ مَرَّةً أَنَّهُ وَهَبَهَا لَهُ، ثُمَّ قَالَ لَمْ يَهَبْهَا لِي قَطُّ وَلَا تَنَاقُضَ أَظْهَرَ مِنْ هَذَا وَمَعَ التَّنَاقُضِ لَا يَسْمَعُ دَعْوَاهُ وَالْبَيِّنَةُ لَا تُقْبَلُ إلَّا بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ، ثُمَّ إكْذَابْ الْمُدَّعِي شَاهِدَهُ تَخْرُجُ شَهَادَتُهُ مِنْ أَنْ تَكُونَ حُجَّةً لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى أَنَّهَا مِيرَاثٌ لَمْ يَشْتِرْهَا قَطُّ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ هِيَ بِشِرَاءٍ وَلَمْ أَرِثْهَا قَطُّ وَجَاءَ بِشَاهِدَيْنِ عَلَى الشِّرَاءِ مُنْذُ سَنَةٍ فَهُوَ بَاطِلٌ لِمَعْنَى التَّنَاقُضِ وَالْإِكْذَابِ فَإِنْ ادَّعَاهَا هِبَةً وَلَمْ يَقُلْ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِهَا عَلَيَّ قَطُّ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ بِشُهُودٍ عَلَى الصَّدَقَةِ. وَقَالَ لَمَّا جَحَدَنِي الْهِبَةَ سَأَلْته أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَيَّ فَفَعَلَ أَجَزْت هَذَا؛ لِأَنَّهُ وَفَّقَ بَيْنَ كَلَامَيْهِ بِتَوْفِيقٍ صَحِيحٍ فَيَنْعَدِمُ لَهُ الْإِكْذَابُ وَالتَّنَاقُضُ

стр. 3435

(أَلَا تَرَى) أَنَّا لَوْ عَايَنَّا مَا أَخْبَرَ بِهِ كَانَ الْمِلْكُ ثَابِتًا لَهُ بِجِهَةِ الصَّدَقَةِ. فَكَذَلِكَ إذَا أَخْبَرَ بِهِ وَأَثْبَتَهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ وَرِثْتهَا، ثُمَّ قَالَ جَحَدَنِي الْمِيرَاثَ فَاشْتَرَيْتهَا مِنْهُ وَجَاءَ بِشَاهِدَيْنِ عَلَى الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّنَاقُضِ وَالْإِكْذَابِ انْعَدَمَ بِتَوْفِيقِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ ادَّعَى الشِّرَاءَ أَوَّلًا، ثُمَّ جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى أَنَّهُ وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا وَجْهَ لِلتَّوْفِيقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ اشْتَرَيْتهَا مِنْهُ كَمَا ادَّعَيْت، ثُمَّ جَحَدَنِي الشِّرَاءَ فَوَرِثْتهَا مِنْ أَبِي. وَإِذَا اخْتَلَفَ شَاهِدَا الرَّهْنِ فِي جِنْسِ الدَّيْنِ، أَوْ مِقْدَارِهِ فَالشَّهَادَةُ لَا تُقْبَلُ لِإِكْذَابِ الْمُدَّعِي أَحَدَ الشَّاهِدَيْنِ، وَلِأَنَّ الدَّيْنَ مَعَ الرَّهْنِ يَتَحَاذَيَانِ مُحَاذَاةَ الثَّمَنِ لِلْمَبِيعِ، ثُمَّ اخْتِلَافُ الشَّاهِدَيْنِ فِي الثَّمَنِ يَمْنَعُ قَبُولَ شَهَادَتِهِمَا عَلَى الْبَيْعِ. فَكَذَلِكَ فِي الرَّهْنِ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ وَاخْتَلَفَا فِي الْأَيَّامِ وَالْبُلْدَانِ وَهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَبْضِ فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا تُقْبَلُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَعَلَى الْخِلَافِ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ، وَإِنْ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِ الرَّهْنِ وَالْوَهْبِ وَالْمُتَصَدِّقُ بِالْقَبْضِ جَازَتْ الشَّهَادَةُ بِالِاتِّفَاقِ وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ تَمَامَ هَذِهِ الْعُقُودِ بِالْقَبْضِ وَالْقَبْضُ فِعْلٌ وَاخْتِلَافُ الشَّاهِدَيْنِ فِي الْوَقْتِ وَالزَّمَانِ فِي الْأَفْعَالِ يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ كَالْغَصْبِ وَالْقَتْلِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ مُخْتَلِفٌ فَالْفِعْلُ الْمَوْجُودُ فِي مَكَان غَيْرِ الْمَوْجُودِ فِي مَكَان آخَرَ بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدُوا عَلَى الْإِقْرَارِ فَالْإِقْرَارُ كَلَامٌ مُكَرَّرٌ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِمُعَايَنَةِ الْقَبْضِ وَالْآخَرُ بِإِقْرَارِ الرَّاهِنِ بِهِ لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ وَجُعِلَ الرَّهْنُ فِي هَذَا كَالْغَصْبِ وَلَمْ يُجْعَلْ كَالْبَيْعِ. فَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَا فِي الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَلِلِاسْتِحْسَانِ وَجْهَانِ أَشَارَ إلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ هُنَا (فَقَالَ)؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَرَّةٍ وَأَشَارَ إلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ (فَقَالَ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ رَهْنًا وَلَا قَبْضًا إلَّا بِإِقْرَارِ الرَّاهِنِ وَمَعْنَى مَا ذُكِرَ هُنَا أَنَّ الْقَبْضَ بِحُكْمِ الرَّهْنِ فِعْلٌ صُورَةً، وَلَكِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْقَوْلِ حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ يُعَادُ وَيُكَرَّرُ، وَيَكُونُ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إذَا قَبَضَ الرَّهْنَ، ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ الرَّاهِنُ مِنْهُ غَصْبًا، أَوْ أَعَارَهُ الْمُرْتَهِنُ إيَّاهُ، ثُمَّ قَبَضَهُ مِنْهُ ثَانِيَةً فَهَذَا يَكُونُ هُوَ الْقَبْضُ الْأَوَّلُ حَتَّى يَكُونَ مَضْمُونًا بِاعْتِبَارِ قِيمَتِهِ عِنْدَ الْقَبْضِ الْأَوَّلِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا يُعَادُ وَيُكَرَّرُ فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَشْهُودُ بِهِ بِاخْتِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ فِي وَقْتِهِ بِخِلَافِ الْغَصْبِ وَالْقَتْلِ وَلَمَّا أَخَذَ شَبَهًا مِنْ أَصْلَيْنِ تَوَفَّرَ حَظُّهُ عَلَيْهِمَا (فَنَقُولُ) لِشَبَهِهِ بِالْأَفْعَالِ صُورَةً. إذَا اخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ فِي الْإِنْشَاءِ وَالْإِقْرَارِ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ وَلِشَبَهِهِ بِالْأَقْوَالِ حُكْمًا لَا يُمْتَنَعُ قَبُولُ الشَّهَادَةِ بِاخْتِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ فِيهِ فِي الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ وَمَعْنَى مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ أَنَّ حُكْمَ ضَمَانِ الرَّهْنِ

стр. 3436

لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِقْرَارِ الرَّاهِنِ أَنَّهُ مَرْهُونٌ عِنْدَك بِالدَّيْنِ فَإِنَّ بِدُونِ هَذَا الْقَوْلِ إذَا قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ فَهُوَ غَاصِبٌ. وَإِذَا سَلَّمَهُ الرَّاهِنُ إلَيْهِ فَهُوَ مُودِعٌ فَعَرَفْنَا أَنَّ حُكْمَهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِقْرَارِ الرَّاهِنِ فَبِاعْتِبَارِ حُكْمِهِ جَعَلْنَاهُ كَالْأَقْوَالِ وَجَعَلَ شَهَادَةَ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْمُعَايَنَةِ فِيهِ وَشَهَادَتَهُمَا عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ سَوَاءً فَكَمَا أَنَّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ اخْتِلَافَهُمَا فِي الْوَقْتِ وَالزَّمَانِ لَا يَمْنَعُ الْعَمَلَ بِشَهَادَتِهِمَا. فَكَذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُعَايَنَةِ. وَإِذَا طَلَبَ الرَّجُلُ شُفْعَةً فِي دَارٍ وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَى الشِّرَاءِ وَاخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ، أَوْ فِي الْبَائِعِ فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْمَشْهُودِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ مُكَذِّبُ أَحَدَهُمَا لَا مَحَالَةَ، وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِقْرَارِ بِالشِّرَاءِ مِنْ وَاحِدٍ بِمَالٍ وَاخْتَلَفَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا كُنَّا جَمِيعًا فِي مَكَانِ كَذَا. وَقَالَ الْآخَرُ كُنَّا فُرَادَى أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا كُنَّا فِي الْبَيْتِ. وَقَالَ الْآخَرُ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا كَانَ ذَلِكَ بِالْغَدَاةِ. وَقَالَ الْآخَرُ كَانَ بِالْعَشِيِّ فَشَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا فِي الْمَشْهُودِ بِهِ وَهُوَ الْإِقْرَارُ وَاخْتَلَفَا فِيمَا لَمْ يُكَلَّفَا حِفْظَهُ وَفِعْلَهُ فِي الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ فَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي شَهَادَتِهِمَا كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الثِّيَابِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمَا، أَوْ الْمَرَاكِبِ أَوْ فِيمَنْ حَضَرَهُمَا وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّهُمَا لَوْ سَكَتَا عَنْ بَيَانِ الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ وَالْوَصْفِ لَمْ يَسْأَلْهُمَا الْقَاضِي عَنْ ذَلِكَ، وَلَوْ سَأَلَهُمَا فَقَالَا لَا نَحْفَظُ ذَلِكَ لَا تَبْطُلُ شَهَادَتُهُمَا، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ مَسَائِلِ أَدَبِ الْقَاضِي وَرَوَى فِيهِ حَدِيثَ الشَّعْبِيِّ ﵀ فِي كِتَابِ عُمَرَ إلَى مُعَاوِيَةَ ﵄ فِي الْقَضَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَدَبِ الْقَاضِي وَذَكَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ قَالَ «مِنْ الْحَزْمِ أَنْ يَسْتَشِيرَ أَوْلَى الرَّأْيِ، ثُمَّ يُطِيعُهُمْ»، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتْرُكَ الِاسْتِشَارَةَ، وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْقَاضِي إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَالْمَشُورَةُ تَلْقِيحٌ لِلْعُقُولِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ «مَا هَلَكَ امْرُؤُ عَنْ مَشُورَةٍ» «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَشِيرُ أَصْحَابَهُ ﵃ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي قُوتِ أَهْلِهِ وَإِدَامِهِمْ»، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَشَارُ أَوْلَى الرَّأْيِ الْكَامِلِ وَيُتَحَرَّزُ عَنْ مَشُورَةِ نَاقِصَاتِ الْعَقْلِ مِنْ النِّسْوَانِ، وَأَنَّ مَنْ اسْتَشَارَ أَوْلَى الرَّأْيِ الْكَامِلِ مِنْ الرِّجَالِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُطِيعَهُمْ إذَا لَمْ يَتَّهِمْهُمْ فِيمَا أَشَارُوا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْمَشُورَةِ لَا تَظْهَرُ إلَّا بِالطَّاعَةِ. وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ أَنَّ هَذَا الثَّوْبَ ثَوْبُ فُلَانٍ وَهُوَ فِي يَدِهِ وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّ فُلَانًا الَّذِي شَهِدَا لَهُ أَقْرَبَهَا لِفُلَانٍ الَّذِي شَهِدَ عَلَيْهِ فَهُوَ لِذِي الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا فِي الْإِقْرَارِ فِيهَا رَأْيًا كَمَا لَوْ عَايَنَ الْإِقْرَارَيْنِ وَيَبْقَى الثَّوْبُ فِي يَدِ ذِي الْيَدِ مُسْتَحَقًّا لَهُ بِيَدِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي اسْتِحْقَاقِهِ بِالْيَدِ. دَارٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ

стр. 3437

أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ لَهُ بِهَا وَوَقَّتَا فَهِيَ لِصَاحِبِ الْوَقْتِ الْآخَرِ وَلَا نِسْبَةَ لِهَذَا الْبَيْعِ يَعْنِي إذَا أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّ فُلَانًا بَاعَهَا مِنْهُ وَوَقَّتَا فَهِيَ لِصَاحِبِ الْوَقْتِ الْأَوَّلِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي أَنَّ وُصُولَهَا إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ فُلَانٍ فَفِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَقْتِ الْآخَرِ أَثْبَتَ إقْرَارَ فُلَانٍ بِهَا لَهُ مُنْذُ شَهْرٍ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ دَعْوَى فُلَانٍ الْمِلْكَ لِنَفْسِهِ فِيهَا مُنْذُ سَنَةٍ. فَكَذَلِكَ يَمْنَعُ دَعْوَى مَنْ يُثْبِتُ الْمِلْكَ لِنَفْسِهِ بِبَيِّنَتِهِ مُنْذُ سَنَةٍ بِإِقْرَارِ فُلَانٍ لَهُ بِهَا مُنْذُ سَنَةٍ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ فُلَانًا مِنْ أَنْ يُثْبِتَ الْمِلْكَ لِنَفْسِهِ فِيهَا مُنْذُ شَهْرٍ بِإِقْرَارِ فُلَانٍ لَهُ بِهَا؛ فَلِهَذَا رَجَّحْنَا صَاحِبَ الْوَقْتِ الْآخَرِ، وَفِي الْبَيْعِ ثُبُوتُ الشِّرَاءِ مُنْذُ شَهْرٍ لَا يَمْنَعُ فُلَانًا مِنْ دَعْوَى الْمِلْكِ فِيهَا لِنَفْسِهِ مُنْذُ سَنَةٍ. فَكَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مَنْ يَدَّعِي تَمَلُّكَهَا مِنْ جِهَتِهِ مِنْ أَنْ يُثْبِتَ بَيْعَهَا مِنْهُ مُنْذُ سَنَةٍ. وَإِذَا وَجَبَ قَبُولُ بَيِّنَتِهِ عَلَى ذَلِكَ ثَبَتَ شِرَاؤُهُ فِي وَقْتٍ لَا يُنَازِعُهُ الْآخَرُ فِيهِ فَإِنَّمَا أَثْبَتَ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ الشِّرَاءَ مِنْ غَيْرِ الْمَالِكِ وَعَلَى هَذَا لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ بَاعَ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ فُلَانٍ مُنْذُ سَنَةٍ وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ مُنْذُ سَنَتَيْنِ فَهِيَ لِلَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى سَنَتَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُثْبِتٌ الْمِلْكَ لِنَفْسِهِ بِإِقَامَتِهِ الْبَيِّنَةَ عَلَى تَمْلِيكِهَا مِنْ فُلَانٍ بِالْبَيْعِ فَيَتَرَجَّحُ أَسْبَقُ التَّارِيخَيْنِ لِانْعِدَامِ مُنَازَعَةِ الْآخَرِ مَعَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَإِذَا لَمْ يُوَقِّتَا فَهِيَ لِذِي الْيَدِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَدَّعِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الثَّمَنَ فِي ذِمَّتِهِ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ أَثْبَتَهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَفِي الذِّمَّةِ سَعَةٌ. وَإِذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ أَوْ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ بِالْأَلْفِ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ قَضَى لَهُ بِالْأَلْفِ لِاتِّفَاقِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْأَلْفِ لَفْظًا وَمَعْنًى فَالْأَلْفُ وَخَمْسُمِائَةٍ جُمْلَتَانِ أَحَدُهُمَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْأُخْرَى فَبِعِطْفِ أَحَدِهِمَا الْخَمْسَمِائَةِ عَلَى الْأَلْفِ لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا لَهُ بِأَلْفٍ لَفْظًا بِخِلَافِ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِيمَا إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِعَشَرَةٍ وَالْآخَرُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ اخْتَلَفَا فِي الْمَشْهُودِ بِهِ لَفْظًا فَخَمْسَةَ عَشَرَ اسْمٌ وَاحِدٌ لِعَدَدٍ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَرْفُ الْعَطْفِ فَهُوَ نَظِيرُ الْأَلْفِ وَالْأَلْفَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي أَلْفًا فَقَدْ أَكْذَبَ الَّذِي شَهِدَ عَلَى أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا لَهُ إلَّا أَنْ يُوَفِّقَ فَيَقُولَ كَانَ أَصْلُ حَقِّي أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ لَكِنِّي اسْتَوْفَيْت خَمْسَمِائَةٍ، أَوْ أَبْرَأْته مِنْهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ هَذَا الشَّاهِدُ فَحِينَئِذٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَى الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ وَفَّقَ بِتَوْفِيقٍ صَحِيحٍ مُحْتَمَلٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الْمَالِ فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يُكَذِّبُ أَحَدَهُمَا، وَلِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ مُخْتَلِفٌ، وَلَيْسَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْمَالَيْنِ شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ. وَلَوْ شَهِدَا عَلَى قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ، أَوْ غَصْبٍ أَوْ عَمَلٍ وَاخْتَلَفَا فِي الْوَقْتِ، أَوْ الْمَكَانِ، أَوْ فِيمَا وَقَعَ بِهِ الْقَتْلُ كَانَتْ الشَّهَادَةُ بَاطِلَةً

стр. 3438

لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْمَشْهُودِ بِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْفِعْلِ وَالْآخَرُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ فَهَذَا اخْتِلَافٌ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ، وَإِنْ شَهِدَ عَلَى إقْرَارِ الْقَائِلِ بِهِ فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، أَوْ فِي مَكَانَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ قَوْلٌ فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَشْهُودُ بِهِ بِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ بِهِ. وَلَوْ ادَّعَى ثَوْبًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهُ رَهَنَهُ مِنْهُ مُنْذُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَجَاءَ بِشَاهِدَيْنِ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ وَهَبَهُ مِنْهُ مُنْذُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَالْآخَرُ مُنْذُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ مُكَذِّبٌ أَحَدَ شَاهِدَيْهِ، وَقَدْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ كَانَ مَمْلُوكًا لِلْوَاهِبِ قَبْلَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ دَعْوَاهُ مَا شَهِدَ بِهِ هَذَا مِنْ هِبَتِهِ مُنْذُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَوْ لَمْ يُوَقِّتْ الْمُدَّعِي جَازَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَذِّبٍ وَاحِدًا مِنْهُمَا وَالْمَشْهُودُ بِهِ قَوْلٌ، أَوْ مَا هُوَ كَالْقَوْلِ حُكْمًا فَاخْتِلَافُ الشَّاهِدَيْنِ فِي الْوَقْتِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ فِيهِ. وَإِذَا شَهِدَ الْوَصِيُّ عَلَى الْمَيِّتِ بِدَيْنٍ أَوْ عَلَى رَجُلٍ بِدَيْنٍ لِلْمَيِّتِ فَشَهَادَتُهُ بِالدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ صَحِيحَةٌ وَبِالدَّيْنِ لِلْمَيِّتِ مَرْدُودَةٌ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا شَهِدَ بِهِ لِلْمَيِّتِ يَثْبُتُ حَقُّ الْقَبْضِ لِنَفْسِهِ فَيَكُونُ مُتَّهَمًا وَلَا تُهْمَةَ فِيمَا شَهِدَ بِهِ عَلَى الْمَيِّتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ قَضَاهُ مِنْ التَّرِكَةِ فَحِينَئِذٍ هُوَ مُتَّهَمٌ فِي شَهَادَتِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ إسْقَاطَ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ. وَإِذَا شَهِدَ الْوَصِيُّ عَلَى الْمَيِّتِ بِدَيْنٍ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِلْكِبَارِ لِخُلُوِّهَا عَنْ التُّهْمَةِ وَلَا يَجُوزُ لِلصِّغَارِ لِتَمَكُّنِ التُّهْمَةِ فِي شَهَادَتِهِ فَحَقُّ الْقَبْضِ فِي ذَلِكَ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ عَلَى الْبَعْضِ بِحَقٍّ فِي شَهَادَتِهِ لِلْكِبَارِ جَائِزَةٌ وَلِلصِّغَارِ مَرْدُودَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبِضُ لِلْكِبَارِ شَيْئًا وَهُوَ يَقْبِضُ مَا يَجِبُ لِلصِّغَارِ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى الشَّاهِدِ لِنَفْسِهِ. وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي عَلَى رَجُلٍ بِأَرْضٍ، أَوْ دَارٍ فِي يَدَيْهِ بِبَيِّنَةٍ قَامَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَدَفَعَهَا إلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ بِبِنَائِهَا، ثُمَّ إنَّ الْمَقْضِيَّ لَهُ أَقَرَّ بِبِنَائِهَا لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ ذَلِكَ إلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ وَلَا يَكُونُ هَذَا الْإِقْرَارُ إكْذَابًا مِنْهُ لِشُهُودِهِ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ الْأَرْضُ وَالْبِنَاءُ إنَّمَا يَدْخُلُ تَبَعًا كَمَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِ الْبِنَاءِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَرْضُ لِلْمُدَّعِي كَمَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ، وَكَذَلِكَ إنْ أَقَامَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَدْ بَنَى فِيهَا هَذَا الْبِنَاءَ فَهُوَ لَهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ إنَّمَا صَارَ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ بِالْأَصْلِ وَالْبِنَاءُ تَبَعٌ فِي ذَلِكَ. فَكَذَلِكَ الْقَضَاءُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ إثْبَاتِ حَقِّ نَفْسِهِ فِي الْبِنَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي حِينَ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِهَذَا الْمُدَّعِي بِبِنَائِهَا فَأَقَرَّ هُوَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ أُبْطِلَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهُ أَكْذَبَ شُهُودَهُ؛ لِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا فِي شَهَادَتِهِمْ بِمِلْكِ الْبِنَاءِ لَهُ مَقْصُودًا، وَقَدْ كَذَّبَهُمْ فِي ذَلِكَ وَالْمُدَّعِي مَتَى أَكْذَبَ شَاهِدَهُ فِي بَعْضِ مَا شَهِدَ لَهُ بِهِ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ فِي الْكُلِّ كَمَا إذَا ادَّعَى أَلْفًا وَشَهِدَ لَهُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَإِذَا وَكَّلَتْ امْرَأَةٌ رَجُلَيْنِ بِأَنْ تَزَوَّجَاهَا

стр. 3439

ثُمَّ شَهِدَا أَنَّ الزَّوْجَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَهِيَ تَدَّعِي، أَوْ تُنْكِرُ جَازَتْ الشَّهَادَةُ لِخُلُوِّهَا عَنْ التُّهْمَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَمَّيْنِ فَزَوَّجَا ابْنَتَ أَخٍ لَهُمَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ، ثُمَّ شَهِدَا عَلَى الطَّلَاقِ، أَوْ كَانَا أَخَوَيْنِ لَهَا زَوَّجَاهَا، ثُمَّ شَهِدَا بِالطَّلَاقِ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ الْحُرْمَةَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا شَيْئًا فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِشَهَادَتِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ] (قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ ﵀ إمْلَاءً: اعْلَمْ بِأَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ بِالْحَقِّ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] أُمِرُوا بِهِ لِلْوُجُوبِ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَالنَّهْيُ عَنْ الْإِبَاءِ عِنْدَ الدُّعَاءِ أَمْرٌ بِالْحُضُورِ لِلْأَدَاءِ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وَاسْتِحْقَاقُ الْوَعِيدِ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ «. وَقَالَ ﷺ كَاتِمُ الشَّهَادَةِ بِالْحَقِّ كَشَاهِدِ الزُّورِ» وَشَهَادَةُ الزُّورِ مِنْ الْكَبَائِرِ «قَالَ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ أَيُّهَا النَّاسُ عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالْأَشْرَاكِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ تَلَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]»، وَفِي هَذَا بَيَانُ كَرَامَةِ الْمُؤْمِنِ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ بِمَا لَا أَصْلَ لَهُ بِمَنْزِلَةِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ عَلَى ذَاتِهِ بِمَا لَا أَصْلَ لَهُ مِنْ شَرِيكٍ، أَوْ صَاحِبٍ، أَوْ وَلَدٍ «. وَقَالَ ﷺ أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قَالُوا نَعَمْ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَاسْتَوَى جَالِسًا، ثُمَّ قَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ فَجَعَلَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ يَسْكُتُ»، وَفِي رِوَايَةٍ «سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ الْكَبَائِرِ فَقَالَ ﷺ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلُ الزُّورِ»، وَفِي حَدِيث سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ الشَّاهِدُ بِالزُّورِ لَا يَرْفَعُ قَدَمَيْهِ مِنْ مَكَانِهِمَا حَتَّى تَلْعَنَهُ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ» فَيَحِقُّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ الِاجْتِنَابُ عَنْهَا بِجُهْدِهِ وَالتَّوْبَةُ عَنْهَا مَتَى وَقَعَ فِيهَا خَطَأً، أَوْ عَمْدًا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَرْجِعَ عَنْ الشَّهَادَةِ وَلْيَكُنْ رُجُوعُهُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِلشَّهَادَةِ الَّتِي أَدَّاهَا. وَقَدْ اخْتَصَّتْ الشَّهَادَةُ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَالرُّجُوعُ عَنْهَا كَذَلِكَ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّوْبَةَ بِحَسْبِ الْجَرِيمَةِ «قَالَ ﷺ السِّرُّ بِالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ». فَإِذَا كَانَتْ جَرِيمَتُهُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ جَهْرًا فَلْتَكُنْ تَوْبَتُهُ بِالرُّجُوعِ كَذَلِكَ وَلَا يَمْنَعُهُ الِاسْتِحْيَاءُ مِنْ النَّاسِ وَخَوْفُ اللَّائِمَةِ مِنْ إظْهَارِ الرُّجُوعِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَلَأَنْ يُرَاقِبَ اللَّهَ تَعَالَى خَيْرٌ لَهُ مِنْ

стр. 3440

أَنْ يُرَاقِبَ النَّاسَ وَرُجُوعُهُ صَحِيحٌ مَقْبُولٌ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ مَرْدُودًا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حَقِّ غَيْرِهِ حَتَّى إذَا رَجَعَ قَبْلَ الْقَضَاءِ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِ لِبُطْلَانِهَا بِالرُّجُوعِ. وَإِذَا رَجَعَ بَعْدَ الْقَضَاءِ لَمْ يَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ حَقُّ الْمَقْضِيِّ لَهُ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحَدِيثُ الَّذِي بَدَأَ الْكِتَابَ بِهِ وَرَوَاهُ عَنْ الشَّعْبِيِّ ﵀ أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ آتَيَا بَعْدَ ذَلِكَ بِآخَرَ فَقَالَ أَوْهَمْنَا إنَّمَا السَّارِقُ هَذَا فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ لَهُمَا لَا أُصَدِّقُكُمَا عَلَى هَذَا الْآخَرِ وَأُضَمِّنُكُمَا دِيَةَ يَدِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُكُمَا فَعَلْتُمَا ذَلِكَ عَمْدًا قَطَعْت أَيْدِيَكُمَا فَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الرُّجُوعَ عَنْ الشَّهَادَةِ صَحِيحٌ فِي حَقِّهِ، وَأَنَّهُ عِنْدَ الرُّجُوعِ ضَامِنٌ مَا اُسْتُحِقَّ بِشَهَادَتِهِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُصَدَّقٍ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِلتَّنَاقُضِ فِي كَلَامِهِ وَالْمُنَاقِضُ لَا قَوْلَ لَهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَلَكِنَّ التَّنَاقُضَ لَا يَمْنَعُ إلْزَامَهُ حُكْمَ كَلَامِهِ، ثُمَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَسْتَدِلُّ بِالْحَدِيثِ فِي فَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الشُّهُودِ إذَا رَجَعُوا بَعْدَ مَا اسْتَوْفَى الْعُقُوبَةَ بِشَهَادَتِهِمْ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ تَعَمَّدُوا ذَلِكَ فِي شَهَادَتِهِمْ، وَفِي أَنَّ الْيَدَيْنِ يُقْطَعَانِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ قَالَ، وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُكُمَا فَعَلْتُمَا ذَلِكَ عَمْدًا قَطَعْتُ أَيْدِيَكُمَا. فَإِذَا جَازَ قَطْعُ الْيَدَيْنِ فِي يَدٍ وَاحِدَةٍ بِطَرِيقِ الشَّهَادَةِ فَبِالْمُبَاشَرَةِ أَوْلَى، وَلَكِنَّا نَقُولُ هَذَا اللَّفْظُ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ بِدُونِ التَّحْقِيقِ، وَقَدْ تَهَدَّدَ الْإِمَامُ بِمَا لَا يَتَحَقَّقُ قَالَ عُمَرُ ﵁، وَلَوْ تَقَدَّمْت فِي الْمُتْعَةِ لَرَجَمْت وَالْمُتْعَةُ لَا تُوجِبُ الرَّجْمَ بِالِاتِّفَاقِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَلِيٍّ ﵁ هَكَذَا كَذِبًا؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ بِمَا لَا طَرِيقَ إلَيْهِ وَهُوَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمَا فَعَلَا ذَلِكَ عَمْدًا فَلَمْ يَكُنْ هَذَا كَذِبًا بِهَذَا التَّعْلِيقِ وَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الزَّجْرُ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣]، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ إبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه كَذِبًا؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِمَا لَا يَكُونُ وَمَعْنَاهُ إنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ فَقَدْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ مِنْ مَذْهَبِ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ الْيَدَيْنِ لَا يُقْطَعَانِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ فِي الْكِتَابِ فَهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ مُرَادَهُ التَّهْدِيدُ. وَذُكِرَ عَنْ حَمَّادٍ ﵀ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الشَّاهِدَيْنِ إذَا رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إلَى حَالِهِمَا يَوْمَ رَجَعَا فَإِنْ كَانَ حَالُهُمَا أَحْسَنُ مِنْهُ يَوْمَ شَهِدَا صَدَّقَهُمَا الْقَاضِي فِي الرُّجُوعِ وَرَدَّ الْقَضَاءَ وَأَبْطَلَهُ، وَإِنْ كَانَ حَالُهُمَا يَوْمَ رَجَعَا مِثْلَ حَالِهِمَا يَوْمَ شَهِدَا دُونَ ذَلِكَ لَمْ يُصَدِّقْهُمَا الْقَاضِي وَلَمْ يَقْبَلْ رُجُوعَهُمَا وَلَمْ يُضَمِّنْهُمَا شَيْئًا وَكَانَ الْقَضَاءُ الْأَوَّلُ مَاضِيًا وَبِهَذَا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ أَوَّلًا، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا أُبْطِلُ الْقَضَاءَ بِقَوْلِهِمَا لِآخَرَ، وَإِنْ كَانَ أَعْدَلَ مِنْهُمْ يَوْمَ شَهِدَا، وَلَكِنْ أُضَمِّنُهُمَا الْمَالَ الَّذِي شَهِدَا بِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَجْهُ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ

стр. 3441

أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَبَرَيْنِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الصِّدْقِ فِيهِ بِالْعَدَالَةِ وَحُسْنِ حَالِ الْمُخْبِرِ. فَإِذَا كَانَتْ عَدَالَتُهُ عِنْدَ الرُّجُوعِ أَظْهَرُ وَحَالُهُ عِنْدَ ذَلِكَ أَحْسَنُ فَرُجْحَانُ جَانِبِ الصِّدْقِ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ بَيِّنٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ رُجُوعَهُ تَوْبَةٌ وَاسْتِدْرَاكٌ لِمَا كَانَ مِنْهُ مِنْ التَّفْرِيطِ وَالْقَاضِي يَتْبَعُ الظَّاهِرَ؛ لِأَنَّهُ مَا وَرَاءُ ذَلِكَ غُيِّبَ عَنْهُ. وَإِذَا كَانَ حَالُهُ عِنْدَ الرُّجُوعِ دُونَ حَالِهِ عِنْدَ الشَّهَادَةِ فَرُجْحَانُ جَانِبِ الْكَذِبِ فِي الرُّجُوعِ أَبْيَنُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِالرُّجُوعِ قَاصِدٌ إلَى الْإِضْرَارِ بِالْمَقْضِيِّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ حَالُهُ عِنْدَ الرُّجُوعِ مِثْلَ حَالِهِ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَعِنْدَ الْمُسَاوَاةِ يَتَرَجَّحُ الْأَوَّلُ بِالسَّبْقِ وَاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ فَإِنَّ الشَّيْءَ لَا يَنْقُضُهُ مَا هُوَ مِثْلُهُ، أَوْ دُونَهُ وَيَنْقُضُهُ مَا هُوَ فَوْقَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَا يَتَنَاوَلُ شَيْئًا إنَّمَا أَخْبَرَ بِخَبَرٍ، وَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِلْإِتْلَافِ بِدُونِ الْقَضَاءِ وَالْقَاضِي يَخْتَارُ فِي قَضَائِهِ فَذَلِكَ يَمْنَعُ إضَافَةَ الْإِتْلَافِ إلَى الشَّهَادَةِ؛ فَلِهَذَا لَا يَضْمَنُ الشَّاهِدُ شَيْئًا. وَجْهُ قَوْلِهِ الْآخَرِ أَنَّ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ تُرَجِّحُ جَانِبَ الصِّدْقِ فِي الْخَبَرِ، وَلَكِنْ لَا يَنْعَدِمُ بِهِ مَعْنَى التَّنَاقُضِ فِي الْكَلَامِ وَهُوَ بِالرُّجُوعِ مُنَاقِضٌ فِي كَلَامِهِ فَعَدَالَتُهُ عِنْدَ الرُّجُوعِ لَا تَعْدَمُ التَّنَاقُضَ وَكَمَا أَنَّ الْقَاضِي لَا يَقْضِي بِالْكَلَامِ الْمُتَنَاقِضِ. فَكَذَلِكَ لَا يُنْقَضُ مَا قَضَاهُ بِالْكَلَامِ الْمُتَنَاقِضِ. فَكَذَلِكَ لَا يُنْقَضُ مَا قَضَاهُ بِالْكَلَامِ الْمُتَنَاقِضِ، ثُمَّ جَانِبُ الصِّدْقِ يُعَيَّنُ فِي الشَّهَادَةِ وَتَأَكُّدُ ذَلِكَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فِي حَقِّ الْمَقْضِيِّ لَهُ فِيهِ بِتَعَيُّنِ جَانِبِ الْكَذِبِ فِي الرُّجُوعِ. وَإِذَا كَانَ تُهْمَةُ الْكَذِبِ عِنْدَ الرُّجُوعِ لِفِسْقِهِ يَمْنَعُ الْقَاضِي مِنْ إبْطَالِ الْقَضَاءِ فَتَعَيُّنُ الْكَذِبِ فِيهِ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُهُ مِنْ إبْطَالِ الْقَضَاءِ أَوْلَى فَلَوْ أَبْطَلَ الْقَضَاءَ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى أَدَّى إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَيَرْجِعُ عَنْ هَذَا الرُّجُوعِ فَيَجِبُ إعَادَةُ الْقَضَاءِ الْأَوَّلِ، وَلَكِنْ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ لِإِقْرَارِهِ عِنْدَ الرُّجُوعِ أَنَّهُ أَتْلَفَ الْمَالَ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالتَّنَاقُضُ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِ إقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَالْإِتْلَافُ، وَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَسَبَبُ الْقَضَاءِ شَهَادَةٌ لِلشُّهُودِ، وَإِنَّمَا يُحَالُ بِالْحُكْمِ عَلَى أَصْلِ السَّبَبِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمَلْجَأِ مِنْ جِهَتِهِمْ فَإِنَّ بَعْدَ ظُهُورِ عَدَالَتِهِمْ يَحِقُّ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ شَرْعًا، ثُمَّ السَّبَبُ إذَا كَانَ تَعَدِّيًا بِمَنْزِلَةِ الْمُبَاشَرَةِ فِي إيجَابِ ضَمَانِ الْمَالِ، وَقَدْ أَقَرَّ بِالتَّعَدِّي فِي السَّبَبِ الَّذِي كَانَ مِنْهُمَا وَبِهَذَا السَّبَبِ سُلِّطَ الْمَشْهُودُ لَهُ عَلَى مَالِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَسَلَّطَا عَلَيْهِ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ لِأَنْفُسِهِمَا ضَمِنَا. فَكَذَلِكَ إذَا سَلَّطَا الْغَيْرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ لِلْحَاجَةِ إلَى الْجِيرَانِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ وَالْخَسْرَانِ عَنْ الْمُتْلَفِ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَحَقَّقَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ الضَّمَانِ عَلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي الْقَضَاءِ بَلْ هُوَ مُبَاشِرٌ لِمَا فُرِضَ عَلَيْهِ ظَاهِرًا فَتَعَيُّنُ الشُّهُودِ لِإِيجَابِ الضَّمَانِ عَلَيْهِمْ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ

стр. 3442

- ﵀ قَالَ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى قَطْعِ يَدٍ فَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ فَعَلَيْهِمَا الدِّيَةُ، وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَبِهِ نَأْخُذُ؛ لِأَنَّهُمَا سَبَّبَا لِقَطْعِ الْيَدِ بِطَرِيقٍ هُوَ تَعَدٍّ مِنْهُمَا وَهُوَ سَبَبٌ مُعْتَادٌ فِي النَّاسِ فَقَدْ يَقْصِدُ الْمَرْءُ الْإِضْرَارَ بِغَيْرِهِ فِي نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ بِالشَّهَادَةِ الْبَاطِلَةِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ بِالْمُبَاشَرَةِ وَالتَّسَبُّبُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مُوجِبٌ ضَمَانَ الدِّيَةِ كَحَفْرِ الْبِئْرِ وَوَضْعِ الْحَجَرِ فِي الطَّرِيقِ إلَّا أَنَّ ضَمَانَ الدِّيَةِ فِي مَالِهِمَا؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ بِقَوْلِهِمَا وَهُوَ إقْرَارُهُمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا عِنْدَ الرُّجُوعِ وَقَوْلُهُمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَإِذَا كَانَ ضَامِنَيْنِ لِلدِّيَةِ إذَا رَجَعَا كَانَ أَحَدُهُمَا ضَامِنًا لِنِصْفِ الدِّيَةِ إذَا رَجَعَ؛ لِأَنَّ بِشَهَادَةِ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُومُ بِنِصْفِ الْحُجَّةِ فَبِبَقَاءِ أَحَدِهِمَا عَلَى الشَّهَادَةِ تَبْقَى الْحُجَّةُ فِي النِّصْفِ أَيْضًا فَيَجِبُ عَلَى الرَّاجِعِ مِنْ الضَّمَانِ بِقَدْرِ مَا انْعَدَمَتْ الْحُجَّةُ فِيهِ، وَذَلِكَ النِّصْفُ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَا بِمَالٍ فَقَضَى الْقَاضِي بِهِ، ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمَا فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَالِ فَإِنْ رَجَعَا جَمِيعًا فَعَلَيْهِمَا الْمَالُ كُلُّهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا رَجَعَ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي حَتَّى امْتَنَعَ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ لِلْمَشْهُودِ لَهُ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُتْلِفَا عَلَيْهِ شَيْئًا مُسْتَحَقًّا لَهُ فَالشَّهَادَةُ قَبْلَ الْقَضَاءِ لَا تُوجِبُ شَيْئًا لِلْمَشْهُودِ لَهُ. فَأَمَّا بَعْدَ الْقَضَاءِ فَقَدْ أَتْلَفَا عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مَا كَانَ مُسْتَحَقًّا لَهُ مِنْ الْمَالِ فَيَضْمَنَانِ لَهُ ذَلِكَ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ ﵀ أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ شَهَادَته فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا الشَّعْبِيُّ، وَبِهِ كَانَ يَأْخُذُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَكَانَ يَقُولُ فُرْقَةُ الْقَاضِي جَائِزَةٌ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَلَا يَرُدُّ الْقَاضِيَ الْمَرْأَةَ إلَى زَوْجِهَا بِرُجُوعِ الشَّاهِدَيْنِ وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ الثَّانِي إنْ كَانَ هُوَ الشَّاهِدُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ لَا يُصَدَّقُ الشَّاهِدُ عَلَى إبْطَالِ شَهَادَتِهِ الْأُولَى، وَلَكِنَّهُ يُصَدَّقُ عَلَى نَفْسِهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إنْ كَانَ هُوَ تَزَوَّجَهَا وَإِلَى هَذَا رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِالْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ تَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ ﵏ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا حَتَّى إذَا ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ وَأَقَامَ شَاهِدَيْ زُورٍ فَقَضَى الْقَاضِي لَهُ بِالنِّكَاحِ وَسِعَهُ أَنْ يَطَأَهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ ﵏ وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨] فَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ بِالْبَاطِلِ مُحْتَجًّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ فَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّهُ، وَإِنْ قَضَى الْقَاضِي لَهُ بِالشِّرَاءِ

стр. 3443

بِشَهَادَةِ الزُّورِ لَا يَحِلُّ لَهُ تَنَاوَلَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ أَكْلًا بَاطِلًا. «وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْضِي لَهُ بِقِطْعَةٍ مِنْ نَارٍ» وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ قَضَاءَهُ اعْتَمَدَ سَبَبًا بَاطِلًا فَلَا يَنْفُذُ بَاطِنًا كَمَا إذَا قَضَى بِشَهَادَةِ الْعَبِيدِ أَوْ الْكُفَّارِ، أَوْ الْمَحْدُودِينَ فِي الْقَذْفِ وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ قَضَاءَهُ اعْتَمَدَ شَهَادَةَ الزُّورِ وَهُوَ سَبَبٌ بَاطِلٌ فَإِنَّهُ كَبِيرَةٌ وَحُجَّةُ الْقَضَاءِ مَشْرُوعَةٌ وَالْكَبِيرَةُ ضِدَّهَا. وَإِذَا كَانَتْ تُهْمَةُ الْكَذِبِ تُخْرِجُ الشَّهَادَةَ مِنْ أَنْ تَكُونَ حُجَّةً لِلْقَضَاءِ فَحَقِيقَةُ الْكَذِبِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ مَا قَضَى بِهِ لَا كَوْنَ لَهُ فَيَكُونُ قَضَاؤُهُ بَاطِلًا كَمَا لَوْ قَضَى بِنِكَاحِ مَنْكُوحَةِ الْغَيْرِ لِإِنْسَانٍ بِشَهَادَةِ الزُّورِ وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّهُ أَظْهَرَ بِقَضَائِهِ نِكَاحًا كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ فَلَا يُتَصَوَّرُ إظْهَارُهُ بِالْقَضَاءِ عَرَفْنَا أَنَّهُ قَضَى بِمَا لَا كَوْنَ لَهُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ قَضَاؤُهُ إنْشَاءً؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْإِنْشَاءِ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ فَإِنَّ سَبَبَ وِلَايَتِهِ دَعْوَى الْمُدَّعِي وَشَهَادَةُ شُهُودِهِ وَهُوَ إنَّمَا ادَّعَى عَقْدًا سَابِقًا وَبِذَلِكَ شَهِدَ شُهُودُهُ فَلَا يَتَمَكَّنُ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ بِمَا لَمْ يَدَّعِهِ الْمُدَّعِي وَلَا يَشْهَدُ بِهِ الشُّهُودُ، وَلِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يَقْصِدْ إنْشَاءَ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا يُنَفِّذُ قَضَاءَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَصَدَهُ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ قَضَاءَهُ فِي الْأَمْلَاكِ الْمُرْسَلَةِ لَا يَنْفُذُ بَاطِنًا لِهَذَا الْمَعْنَى وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ إنْشَاءَ تَمْلِيكٍ مِنْهُ، وَبِهِ فَارَقَ قَضَاءَ الْقَاضِي بِالْفُرْقَةِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَبَيْعَةُ التَّرِكَةِ فِي الدَّيْنِ الثَّابِتِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْإِنْشَاءَ هُنَا، وَمَا ظَهَرَ عِنْدَهُ مِنْ الْحُجَّةِ يَصْلُحُ لِلْإِنْشَاءِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ فِي الْمُجْتَهِدَاتِ يَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ الْإِنْشَاءِ بِمَا لَاحَ عِنْدَهُ مِنْ الدَّلِيلِ وَقَضَاؤُهُ إنْشَاءٌ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْقَصْدِ مِنْهُ إلَى ذَلِكَ. فَأَمَّا هُنَا إنَّمَا قَصَدَ الْإِمْضَاءَ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مُنْشِئًا. (أَلَا تَرَى) أَنَّ رَجُلًا وَامْرَأَةً لَوْ أَقَرَّا بِالنِّكَاحِ وَهُمَا يَعْلَمَانِ أَنَّهُ لَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَثْبُتْ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا بَاطِنًا بِهَذَا الْإِقْرَارِ وَهُمَا يَمْلِكَانِ الْإِنْشَاءَ، وَلَكِنَّهُمَا بِالْإِقْرَارِ أَظْهَرَا عَقْدًا قَدْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ إنْشَاءً مِنْهُمَا، وَلِأَنَّ الْمُدَّعِي مُتَيَقِّنٌ بِمَا لَوْ تَبَيَّنَ الْقَاضِي بِهِ امْتَنَعَ مِنْ الْقَضَاءِ فَلَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مَعْذُورًا لِخَفَاءِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ امْرَأَةً مَجُوسِيَّةً، أَوْ مُرْتَدَّةً، أَوْ مَنْكُوحَةَ الْغَيْرِ، أَوْ أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ قَضَاءَهُ لَيْسَ بِإِنْشَاءٍ أَنَّهُ لَا يَسْتَدْعِي شَرَائِطَ الْإِنْشَاءِ مِنْ الشُّهُودِ وَالْمَهْرِ وَالْوَلِيِّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ احْتَجَّ بِمَا رُوِيَ أَنْ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا بَيْنَ يَدَيْ عَلِيٍّ ﵁ وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ فَقَضَى عَلِيٌّ ﵁ بِالنِّكَاحِ بَيْنَهُمَا فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ إنْ لَمْ يَكُنْ بُدًّا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَزَوِّجْنِي مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا نِكَاحَ بَيْنَنَا فَقَالَ عَلِيٌّ شَاهِدَاك

стр. 3444

زَوَّجَاك فَقَدْ طَلَبْت مِنْهُ أَنْ يُعِفُّهَا عَنْ الزِّنَا بَلْ يَعْقِدُ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا فَلَمْ يُجِبْهَا إلَى ذَلِكَ وَلَا يُقَالُ إنَّمَا يُجِبْهَا إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الزَّوْجُ رَاضٍ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي النِّكَاحَ وَالْمَرْأَةُ رَضِيَتْ أَيْضًا حَيْثُ قَالَتْ فَزَوِّجْنِي مِنْهُ وَكَانَ يَتَيَسَّرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَدْ كَانَ الزَّوْجُ رَاغِبًا فِيهَا، ثُمَّ لَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ وَبَيْنَ أَنَّ مَقْصُودَهُمَا قَدْ حَصَلَ بِقَضَائِهِ فَقَالَ شَاهِدَاك زَوَّجَاك أَيْ أَلْزَمَانِي الْقَضَاءَ بِالنِّكَاحِ بَيْنَكُمَا فَثَبَتَ النِّكَاحُ بِقَضَاءٍ، وَمَا نُقِلَ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ كَالْمَرْفُوعِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا طَرِيقَ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ حَقِيقَةً بِالرَّأْيِ وَيَتَبَيَّنُ بِهَذَا أَنَّ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ فِي الْأَمْلَاكِ الْمُرْسَلَةِ، وَبِهِ يَقُولُ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ قَضَى بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا لَهُ فِيهِ وِلَايَةُ الْإِنْشَاءِ وَقَضَاؤُهُ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى يَكُونُ نَافِذًا حَقِيقَةً لِاسْتِحَالَةِ الْقَوْلِ بِأَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقَضَاءِ، ثُمَّ لَا يَنْفَدُ ذَلِكَ الْقَضَاءُ مِنْهُ وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّهُ لَمَّا تَفَحَّصَ عَنْ أَحْوَالِ الشُّهُودِ وَزُكُّوا عِنْدَهُ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِشَهَادَتِهِمْ حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ يَأْثَمُ وَيُخْرَجُ وَيُعْزَلُ وَيُعْذَرُ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ صَارَ مَأْمُورًا بِالْقَضَاءِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ مِنْ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ لَنَا طَرِيقًا إلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الصِّدْقِ مِنْ خَبَرِ مَنْ هُوَ غَيْرُ مَعْصُومٍ عَنْ الْكَذِبِ وَلَا يُتَوَجَّهُ عَلَيْهِ شَرْعًا لِوُقُوفٍ عَلَى مَا لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى مَعْرِفَتِهِ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسْبِ الْوُسْعِ وَاَلَّذِي فِي وُسْعِهِ التَّعَرُّفُ عَنْ أَحْوَالِ الشُّهُودِ فَإِنْ اسْتَقْصَى ذَلِكَ غَايَةَ الِاسْتِقْصَاءِ فَقَدْ أَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ وَصَارَ مَأْمُورًا بِالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ مَا وَرَاءَ هَذَا سَاقِطٌ عَنْهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ، ثُمَّ إنَّمَا يُتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِحَسْبِ الْإِمْكَانِ وَالْمَأْمُورُ بِهِ أَنْ يَجْعَلَهَا بِقَضَائِهِ زَوْجَتَهُ فَلِذَلِكَ طَرِيقَانِ إظْهَارُ نِكَاحٍ إنْ كَانَ، وَإِنْشَاءُ عَقْدٍ بَيْنَهُمَا. فَإِذَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُمَا عَقْدٌ تَعَذَّرَ إظْهَارَهُ بِالْقَضَاءِ فَيَتَعَيَّنُ الْإِنْشَاءُ إذَا لَيْسَ هُنَا طَرِيقٌ آخَرُ فَيَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ الْإِنْشَاءِ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ وَيَجْعَلَ إنْشَاءَهُ كَإِنْشَاءِ الْخَصْمَيْنِ فَيَثْبُتُ الْحِلُّ بِهِ بَيْنَهُمَا حَقِيقَةً بَلْ قَضَاؤُهُ أَوْلَى وَأَقْوَى مِنْ إنْشَاءِ الْخَصْمَيْنِ عَنْ اتِّفَاقٍ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي الْمُجْتَهِدَاتِ صِفَةُ اللُّزُومِ يَثْبُتُ بِإِنْشَاءِ الْقَاضِي وَلَا يَثْبُتُ بِإِنْشَاءِ الْخَصْمَيْنِ فَعَرَفْنَا أَنَّ قَضَاءَهُ أَقْوَى مِنْ إنْشَاءِ الْخَصْمَيْنِ. وَشَرْطُ صِحَّةِ الْإِنْشَاءِ الشَّهَادَةُ وَالْمَحَلُّ الْقَابِلُ لَهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَحَلَّ شَرْطٌ حَتَّى إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَنْكُوحَةَ الْغَيْرِ، أَوْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ بِسَبَبٍ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ لِانْعِدَامِ الْمَحَلِّ. فَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ شَرْطُهُ إلَّا أَنَّ مَجْلِسَ الْقَضَاءِ لَا يَخْلُو عَنْ شَاهِدَيْنِ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ. فَأَمَّا الْوَلِيُّ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَنَا وَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ الْمَهْرِ وَيَجِبُ هَذَا التَّحْقِيقُ حُكْمُهُ بِأُلْفَةٍ وَهُوَ أَنْ لَا يَجْتَمِعَ رَجُلَانِ عَلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ أَحَدُهُمَا

стр. 3445

بِنِكَاحِ ظَاهِرٍ لَهُ وَالْآخَرُ بِنِكَاحٍ بَاطِنٍ لَهُ فَفِي ذَلِكَ مِنْ الْقُبْحِ مَا لَا يَخْفَى وَالدِّينُ مَصُونٌ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْقُبْحِ وَلَا يَكُونُ الْقَاضِي بِقَضَائِهِ مُمَكِّنًا مِنْ الزِّنَا فَفِيهِ مِنْ الْفَسَادِ مَا لَا يَخْفَى. وَإِذَا كَانَ يَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ إنْشَاءِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ لِنَفْيِهَا بِهِ عَنْ الزِّنَا وَيَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ تَزْوِيجِ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ لِمَعْنَى النَّظَرِ لَهُمَا فَلَإِنْ يَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ انْعِقَادِ الْعَقْدِ هُنَا لِنَفْيِهَا بِهِ عَنْ الزِّنَا وَيَصُونَ قَضَاؤُهُ بِهِ عَنْ التَّمْكِينِ مِنْ الزِّنَا أَوْلَى. وَكَذَلِكَ يَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ إنْشَاءُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ مَعَ يَقِينِهِ بِكَذِبِ أَحَدِهِمَا كَمَا «قَالَ ﷺ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا لَكَاذِبٌ» فَكَذَلِكَ يَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ الْإِنْشَاءِ مَعَ كَذِبِ الشُّهُودِ لِتَوَجُّهِ الْأَمْرِ بِالْقَضَاءِ عَلَيْهِ شَرْعًا وَأَمْرُ الْقِبْلَةِ عَلَى هَذَا فَإِنَّهُ لَمَّا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَأَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ فِي طَلَبِ الْقِبْلَةِ يَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ نَسَبِ الْقِبْلَةِ حَتَّى الْجِهَةِ الَّتِي أَدَّى إلَيْهَا اجْتِهَادَهُ تَنْتَصِبُ قِبْلَةً فِي حَقِّهِ فَتَجُوزُ صَلَاتُهُ إلَيْهَا، وَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ بَعْدَ ذَلِكَ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ فَسَادُ مَا قَالُوا أَنَّ الْمُدَّعِي عَالِمٌ بِمَا لَوْ عَلِمَهُ الْقَاضِي امْتَنَعَ مِنْ الْقَضَاءِ فَفِي اللِّعَانِ الْكَاذِبُ مِنْهُمَا عَالِمٌ بِمَا لَوْ عَلِمَهُ الْقَاضِي امْتَنَعَ مِنْ التَّفْرِيقِ وَمَعَ ذَلِكَ نَفَذَ الْقَضَاءُ فِي حَقِّهِ لِتَوَجُّهِ الْأَمْرِ عَلَى الْقَاضِي وَتَوَجُّهٌ الْأَمْرِ بِالِانْقِيَادِ وَاتِّبَاعِ أَمْرِ الْقَاضِي فِي حَقِّ النَّاسِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا ظَهَرَ أَنَّ الشُّهُودَ عَبِيدٌ، أَوْ كُفَّارٌ أَوْ مَحْدُودُونَ فِي قَذْفٍ فَإِنَّ هَذِهِ أَسْبَابٌ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا عِنْدَ الِاسْتِقْصَاءِ، وَلَكِنْ رُبَّمَا يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ فِي ذَلِكَ فَلِلْحَرِجِ تَعَذَّرَ بِتَرْكِ الِاسْتِقْصَاءِ، وَلَكِنْ لَمْ يَسْقُطْ الْخِطَابُ بِإِصَابَتِهَا حَقِيقَةً فَلَا يُتَوَجَّهُ الْأَمْرُ بِالْقَضَاءِ بِدُونِهَا حَقِيقَةً. فَأَمَّا حَقِيقَةُ الصِّدْقِ فَلَا طَرِيقَ إلَى الْوُقُوفِ عَلَيْهِ وَالْأَمْرُ بِالْقَضَاءِ يُتَوَجَّهُ بِدُونِهِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ، أَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ كَانَ نَجِسًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ لِهَذَا الْمَعْنَى، أَوْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَضَى بِاجْتِهَادِهِ، ثُمَّ ظَهْر نَصٌّ بِخِلَافِهِ. فَأَمَّا الْأَمْلَاكُ الْمُرْسَلَةُ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي هُنَاكَ وِلَايَةُ الْإِنْشَاءِ؛ لِأَنَّ تَمْلِيكَ الْمَالِ مِنْ الْغَيْرِ بِغَيْرِ سَبَبٍ لَيْسَ فِيهِ وِلَايَةُ الْقَاضِي وَلَا لِصَاحِبِ الْمَالِ أَيْضًا، وَفِي أَسْبَابِ تَمْلِيكِ الْمَالِ كَثْرَةٌ فَلَا يُمْكِنُ تَعْيِينُ شَيْءٍ مِنْهَا فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَّا وِلَايَةُ إظْهَارِ الْمِلْكِ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مِلْكٌ سَابِقٌ فَلَا تَصَوُّرَ لِإِظْهَارِهِ بِالْقَضَاءِ وَالتَّكْلِيفُ بِحَسْبِ الْوُسْعِ فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِالْقَضَاءِ بَاطِنًا. فَأَمَّا هُنَا لَهُ وِلَايَةُ الْإِنْشَاءِ وَطَرِيقُهُ مُتَعَيَّنٌ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا فَبِاعْتِبَارِهِ يَصِيرُ مَأْمُورًا بِالْقَضَاءِ بِالنِّكَاحِ بَيْنَهُمَا حَقِيقَةً يُوَضِّحُهُ أَنَّ هُنَاكَ الْقَاضِي لَا يَقُولُ لِلْمُدَّعِي مَلَّكْتُك هَذَا الْمَالَ، وَإِنَّمَا يَقْصُرُ يَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْمَالِ وَيَأْمُرُهُ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ عَلَى أَنَّهُ مِلْكَهُ كَمَا يَدَّعِيه وَقَضَاؤُهُ بِهَذَا نَافِذٌ. فَأَمَّا هُنَا نَقُولُ قَضَيْت

стр. 3446

بِالنِّكَاحِ بَيْنَكُمَا وَجَعَلْتهَا زَوْجَةً لَك فَيَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا بِقَضَائِهِ إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَأَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدَيْ زُورٍ فَقَضَى الْقَاضِي بِالْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا فَتَزَوَّجَهَا أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَحِلُّ لِلثَّانِي أَنْ يَطَأَهَا وَلَا يَحِلُّ لِلْأَوَّلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَوَّلِ حَقِيقَةً وَصَحَّ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الثَّانِي بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لَيْسَ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَطَأَهَا لِقَضَاءِ الْقَاضِي بِالْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا وَكَيْفَ يَطَؤُهَا، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ زَانِيًا عِنْدَ الْقَاضِي، وَعِنْدَ النَّاسِ فَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْءِ أَنْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِهَذِهِ التُّهْمَةِ وَلَا يَحِلُّ لِلثَّانِي أَنْ يَطَأَهَا؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهَا مَنْكُوحَةُ الْغَيْرِ، وَأَنَّهُ كَانَ كَاذِبًا فِيمَا يَشْهَدُ بِهِ مِنْ الطَّلَاقِ، وَذَلِكَ كَانَ كَبِيرَةً مِنْهُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ مَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ لَيْسَ لِلثَّانِي أَنْ يَطَأَهَا لِهَذَا وَيَحِلُّ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَطَأَهَا مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا الثَّانِي. فَإِذَا دَخَلَ بِهَا الثَّانِي لَا يَحِلُّ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَطَأَهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِوُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا مِنْ الثَّانِي بِالْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ وَالْمَنْكُوحَةِ إذَا وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ حَرُمَ عَلَى الزَّوْجِ وَطْؤُهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ مِنْ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُمَا زَانِيَانِ فِي هَذَا الْوَطْءِ يَعْلَمَانِ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فَهُوَ يَقُولُ يَطَؤُهَا الْأَوَّلُ سِرًّا بِنِكَاحٍ بَاطِنٍ لَهُ وَالثَّانِي عَلَانِيَةً بِنِكَاحٍ ظَاهِرٍ لَهُ، وَهَذَا قَبِيحٌ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اجْتِمَاعِ رَجُلَيْنِ عَلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَعْنَى الصِّيَانَةِ عَنْ هَذَا الْقُبْحِ يَحْصُلُ بِالنَّهْيِ وَنَحْنُ نَنْهَى كُلَّ وَاحِدٍ عَنْ مِثْلِ هَذَا التَّلْبِيسِ وَهُوَ نَظِيرُ مَا يَقُولُونَ فِيمَا إذَا كَانَ ادَّعَى جَارِيَةً فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا لَهُ وَقَضَى الْقَاضِي لَهُ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ زُورٍ فَإِنَّهَا فِي الْبَاطِنِ مَمْلُوكَةٌ لِلْأَوَّلِ يَطَؤُهَا سِرًّا، وَفِي الظَّاهِرِ مَمْلُوكَةٌ لِلثَّانِي يَطَؤُهَا عَلَانِيَةً، وَهَذَا الْقُبْحُ يَتَقَرَّرُ فِيهِ، وَلَكِنَّ مَعْنَى الصِّيَانَةِ عَنْ هَذَا الْقُبْحِ يَحْصُلُ بِالنَّهْيِ، ثُمَّ التَّمَكُّنُ مِنْ هَذَا الظَّاهِرِ يَلْتَبِسُ وَالنَّاسُ أَطْوَارٌ وَقَلِيلٌ مِنْهُمْ الشَّكُورُ، وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ فِيهِ نَوْعُ ضَرَرٍ أَيْضًا فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَبْقَى مُعَلَّقَةً لَا ذَاتَ بَعْلٍ وَلَا مُطَلَّقَةً إذْ هِيَ لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ وَلَا لِلثَّانِي، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ وَلِدَفْعِ هَذَا الضَّرَرِ أَمَرَ الشَّرْعُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْعِنِّينِ وَامْرَأَتِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْوَجْهَ بِطَرِيقِ الْفِقْهِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَاتَّبَعَ فِيهِ عَلِيًّا ﵁، وَإِنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي يَنْفُذُ، وَأَنَّهَا تَحِلُّ بِالنِّكَاحِ لِلثَّانِي. رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ بَاعَ مِنْهُ جَارِيَتَهُ هَذِهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَالْمُشْتَرِي يَجْحَدُ ذَلِكَ فَأَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ فَأَلْزَمَهُ الْقَاضِي الْبَيْعَ وَالْمُشْتَرِي يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِهَا مِنْهُ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا لَمْ يُصَدَّقَا عَلَى نَقْضِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا مَا تَأَدَّتْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَتَنَاقُضِ كَلَامِهِمَا

стр. 3447

فِي الرُّجُوعِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ بِعِوَضٍ يَعْدِلُهُ وَهُوَ الْجَارِيَةُ فَإِنَّ مَالِيَّتَهَا مِثْلَ مَالِيَّةِ الثَّمَنِ وَالْإِتْلَافُ بِعِوَضٍ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُتْلِفِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ لِلْجُبْرَانِ وَالنُّقْصَانُ هُنَا مُنْجَبِرٌ بِعِوَضٍ يَعْدِلُهُ الْمُشْتَرِي فِي حِلٍّ مِنْ وَطْئِهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَهُ وِلَايَةُ الْإِنْشَاءِ فِي الْبُيُوعِ فَإِنَّهُ يَبِيعُ التَّرِكَةَ فِي الدَّيْنِ وَيَبِيعُ مَالَ الْيَتِيمِ وَالْغَائِبِ لِمَعْنَى النَّظَرِ فَيَكُونُ قَضَاؤُهُ كَإِنْشَاءِ الْبَيْعِ لِمَعْنَى النَّظَرِ لِلْخَصْمَيْنِ فِي ذَلِكَ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا؛ لِأَنَّ قَضَاءَهُ إمْضَاءٌ لِبَيْعٍ كَانَ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ كَانَ بَاطِلًا فِي الْبَاطِنِ. وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِالزِّنَا وَالرَّجُلُ يَعْلَمُ أَنَّهُمَا شَهِدَا بِبَاطِلٍ فَأَمَرَهُ الْقَاضِي بِأَنْ يَلْتَعِنَ هُوَ وَامْرَأَتِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَسَعْ لِلزَّوْجِ أَنْ يَطَأَهَا، وَلَوْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَسِعَهَا ذَلِكَ أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ ظَاهِرٌ وَعِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي هُنَا إنْشَاءُ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فَيُنَفِّذُ قَضَاءَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَصَدَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظِيرُهُ فِي بَيْعِ التَّرِكَةِ فِي دَيْنٍ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ الزُّورِ قَالَ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ قَذَفَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فَكَرِهَ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ فَلَاعَنَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا وَفَرَّقَ لَمْ يَسَعْ الزَّوْجُ أَنْ يَطَأَهَا، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَمْ تَزْنِ، وَلَوْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَسِعَهَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ الزَّوْجَ كَاذِبٌ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ لِمَا أَنَّ لِلْقَاضِي إنْشَاءُ التَّفْرِيقِ وَهُوَ قَضَاءٌ مِنْهُ فِي مَوْضِعِهِ لِوِلَايَةِ التَّفْرِيقِ لَهُ بِسَبَبِ اللِّعَانِ عِنْدَ اشْتِبَاهِ الْحَالِ حَتَّى إذَا كَانَ الْحَالُ مَعْلُومًا لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فَالِاشْتِبَاهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَنْعِ مِنْ نُفُوذِ قَضَائِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَصَدَهُ فِي اللِّعَانِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ فِي هَذَا كُلِّهِ بَعْدَ قَضَائِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ الظَّاهِرِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى مَعْرِفَتِهِ سَاقِطٌ عَنْهُ (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ خَلَا بِامْرَأَتِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا وَأَقَرَّتْ هِيَ بِذَلِكَ أَنَّ لَهَا الْمَهْرَ كَامِلًا يَسَعُهَا أَنْ تَأْخُذَهُ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ عَلِمَتْ أَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَقْرَبْهَا، وَلَكِنْ لَمَّا سَقَطَ عَنْهَا مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهَا وَأَتَتْ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ التَّسْلِيمِ تَقَرَّرَ حَقُّهَا فِي الْمَهْرِ وَلَزِمَهَا الْعَقْدُ فَلَا يَسَعُهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَلَا يَسَعُ الزَّوْجَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا فِي عِدَّتِهَا فِيهِ يَتَّضِحُ مِمَّا سَبَقَ مِنْ فُصُولِ اللِّعَانِ وَالشَّهَادَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِالزِّنَا وَهُوَ صَادِقٌ فَجَحَدَتْهُ الْمَرْأَةُ وَلَاعَنَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا وَفَرَّقَ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَهِيَ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا، وَإِنْ كَانَا يَعْلَمَانِ مِنْ زِنَاهَا مَا لَوْ عَلِمَهُ الْقَاضِي لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا. وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ أُمَّتَهُ هَذِهِ فَأَجَازَ الْقَاضِي ذَلِكَ وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَتْ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا ضَمِنَا قِيمَتَهَا لِلْمَوْلَى

стр. 3448

لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى فِيهَا كَانَ مَالًا مُتَقَوِّمًا، وَقَدْ أَبْطَلَا ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمَا. فَإِذَا زَعَمَا بِالرُّجُوعِ أَنَّهُمَا أَتْلَفَاهُ بِغَيْرِ حَقٍّ صَدَقَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَضَمِنَا قِيمَتَهَا لِلْمَوْلَى وَلَمْ يَسَعْ الْمَوْلَى وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّهَا عَتَقَتْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَمِنْ ضَرُورَةِ سَلَامَةِ الضَّمَانِ لِلْمَوْلَى أَنْ لَا تَبْقَى هِيَ عَلَى مِلْكِهِ وَبِدُونِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَيْهَا مِلْكُ الْحِلِّ بِغَيْرِ سَبَبٍ. وَلَوْ أَنَّ صَبِيًّا وَصَبِيَّةً سُبِيَا وَكَبِرَا وَعَتَقَا وَتَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا الْأُخْرَى، ثُمَّ جَاءَ حَرْبِيٌّ مُسْلِمًا وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُمَا وَلَدَاهُ فَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُمَا وَلَا يَسَعُ الزَّوْجُ أَنْ يَطَأَهَا، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُمَا شَهِدَا بِزُورٍ وَكَيْفَ يَطَؤُهَا، وَقَدْ جَعَلَهَا الْقَاضِي أُخْتَهُ وَلَمْ يَضْمَنْ الشَّاهِدَانِ شَيْئًا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يَضْمَنَانِ لَهُ مَهْرَ مِثْلِهَا، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَصْلٍ نَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ أَنَّ الْبُضْعَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ لَا يَتَقَوَّمُ عِنْدَنَا فَلَمْ يُتْلِفَا عَلَيْهِ مَالًا مُتَقَوِّمًا بِشَهَادَتِهِمَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يَتَقَوَّمُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مِلْكِهِ كَمَا يَتَقَوَّمُ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ. وَلَوْ كَانَتْ صَبِيَّةً فِي يَدَيْ رَجُلٍ يَزْعُمُ أَنَّهَا أَمَتُهُ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهَا ابْنَتُهُ فَقَضَى بِذَلِكَ الْقَاضِي لَمْ يَسَعْ الْمَوْلَى أَنْ يَطَأَهَا، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُمَا شَهِدَا زُورٍ؛ لِأَنَّ الْقَاضِي حَكَمَ بِأَنَّهَا ابْنَتُهُ فَإِنْ رَجَعَا ضَمِنَا قِيمَتَهَا؛ لِأَنَّهُمَا أَقَرَّا بِالرُّجُوعِ أَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ مَالًا مُتَقَوِّمًا بِشَهَادَتِهِمَا وَهُوَ مِلْكُهُ فِي رَقَبَتِهَا وَلَوْ مَاتَتْ وَتَرَكَتْ مِيرَاثًا وَسِعَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِيرَاثَهَا. وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ الْأَبُ كَانَتْ فِي سَعَةٍ مِنْ أَكْلِ مِيرَاثِهِ أَمَّا فِي جَانِبِهَا فَهُوَ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهَا بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ فَحَالَةُ الْعُلُوقِ غَيْبٌ عَنْهَا، وَفِي مِثْلِهِ عَلَيْهَا اتِّبَاعُ قَضَاءِ الْقَاضِي فَيَسَعُهَا أَنْ تَأْكُلَ مِيرَاثَهُ وَأَمَّا فِي جَانِبِهِ فَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ وَالنَّسَبَ مِمَّا لَيْسَ لِلْقَاضِي فِيهِ وِلَايَةُ الْإِنْشَاءِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِابْنَتِهِ حَقِيقَةً فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسَعَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِيرَاثَهَا حَتَّى قِيلَ تَأْوِيلُهُ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِيرَاثَهَا بِسَبَبِ الْوَلَاءِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِي قَضَى بِالْعِتْقِ وَلَهُ فِيهِ وِلَايَةُ الْإِنْشَاءِ فَيَثْبُتُ الْوَلَاءُ لَهُ وَالْأَصَحُّ أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ الْإِنْشَاءِ فِي قَطْعِ النَّسَبِ بِاللِّعَانِ. فَكَذَلِكَ لَهُ وِلَايَةُ الْإِنْشَاءِ فِي الْقَضَاءِ بِالنَّسَبِ إذَا صَادَفَ مَحَلَّهُ فَقَدْ صَادَفَ مَحَلَّهُ وَهُنَا فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ؛ فَلِهَذَا يَسَعُهُ أَنْ يَأْكُلَ مِيرَاثَهَا. وَلَوْ شَهِدَا عَلَى مَالٍ فَقَضَى بِهِ الْقَاضِي فَقَبَضَهُ، أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ، ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا الْمَالَ إذَا أَخَذَهُ الْمَقْضِيُّ لَهُ مِنْ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَقَبْلَ الْأَخْذِ لَا يُضَمِّنُهُمَا الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ تَحَقُّقَ النُّقْصَانِ عِنْدَ تَسْلِيمِ الْمَالِ إلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ. فَأَمَّا مَا بَقِيَتْ يَدُهُ عَلَى مَالِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْخَسْرَانُ فِي حَقِّهِ، وَلِأَنَّ الضَّمَانَ مُقَدَّرٌ بِالْمِثْلِ وَهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ دَيْنًا حِينَ أَلْزَمَاهُ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمَا فَلَوْ ضَمَّنَهُمَا عَيْنًا قَبْلَ الْأَدَاءِ كَانَ قَدْ اسْتَوْفَى مِنْهُمَا عَيْنًا مُمَاثِلَةَ الدَّيْنِ وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ، وَفِي الْأَعْيَانِ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمَقْضِيِّ

стр. 3449

لَهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَلَكِنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ يَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي يَدِهِ مِلْكُهُ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الشَّاهِدَيْنِ شَيْئًا مَا لَمْ يَخْرُجْ الْمَالُ مِنْ يَدِهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي. وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْعَقَارِ فَإِنَّ بِالشَّهَادَةِ الْبَاطِلَةِ يَضْمَنُ الْعَقَارَ كَالْمَنْقُولِ؛ لِأَنَّ فِيهَا إتْلَافَ الْمِلْكِ وَالْيَدُ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَالْعَقَارُ يُضْمَنُ بِمِثْلِ هَذَا السَّبَبِ فَإِنَّ إتْلَافَ الْمِلْكِ يَتَحَقَّقُ فِيهَا بِخِلَافِ الْغَصْبِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ الْعَقَارُ لَا يُضْمَنُ بِالْغَصْبِ. وَلَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ عَلَى رَجُلٍ بِمَالٍ وَقَضَى بِهِ الْقَاضِي، ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمْ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي ضَمَانِ الرُّجُوعِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بَقَاءُ مَنْ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ لَا رُجُوعُ مَنْ رَجَعَ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ حُجَّةٌ تَامَّةٌ فَلَا يَضْمَنُ الرَّاجِعُ شَيْئًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الرَّاجِعَ، وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُتْلِفٌ بِشَهَادَتِهِ عَلَيْهِ فَمَا أَتْلَفَهُ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ غَيْرِهِ وَاسْتِحْقَاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ يَمْنَعُهُ مِنْ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ عَلَى الْمُتْلِفِ بِالضَّمَانِ كَمَنْ غَصَبَ مَالَ إنْسَانٍ، أَوْ أَتْلَفَهُ، ثُمَّ اسْتَحَقَّ رَجُلٌ ذَلِكَ الْمَالَ بِالْبَيِّنَةِ فَلَا ضَمَانَ لِلْمُتْلِفِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُضَمِّنْهُ الْمُسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَلَوْ رَجَعَ اثْنَانِ مِنْهُمْ ضَمِنَا نِصْفَ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ لَمْ يَثْبُتْ نِصْفُ الْمَالِ بِشَهَادَتِهِ، وَإِنَّمَا انْعَدَمَتْ الْحُجَّةُ فِي النِّصْفِ خَاصَّةً فَيَضْمَنُ الرَّاجِعَانِ ذَلِكَ. وَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، ثُمَّ رَجَعَتْ امْرَأَةٌ فَعَلَيْهَا رُبُعُ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِشَهَادَتِهِمَا رُبُعُ الْمَالِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ مَنْ يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَالِ فَعَلَى الرَّاجِعِ رُبُعُ الْمَالِ، وَإِنْ رَجَعَتْ الْمَرْأَتَانِ فَعَلَيْهَا النِّصْفُ، وَإِنْ رَجَعَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَالِ، وَإِنْ رَجَعَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فَعَلَيْهِمَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَالِ عَلَى الرَّجُلِ النِّصْفُ وَعَلَى الْمَرْأَةِ الرُّبُعُ، وَإِنْ رَجَعُوا جَمِيعًا فَعَلَى الرَّجُلِ نِصْفُ الْمَالِ وَعَلَى الْمَرْأَتَيْنِ النِّصْفُ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِشَهَادَةِ الرَّجُلِ مِثْلُ مَا ثَبَتَ بِشَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ فَقَدْ قَامَتَا فِي الشَّهَادَةِ مَقَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ كَمَا «قَالَ ﷺ فِي نُقْصَانِ عَقْلِ النِّسَاءِ عَدَلَتْ شَهَادَةُ اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ شَهَادَةُ رَجُلٍ.» فَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَعَشْرُ نِسْوَةٍ فَقَضَى الْقَاضِي، ثُمَّ رَجَعُوا جَمِيعًا فَعَلَى الرَّجُلِ سُدُسُ الْمَالِ وَعَلَى النِّسَاءِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الْمَالِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَلَى الرَّجُلِ النِّصْفُ وَعَلَى النِّسَاءِ النِّصْفُ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ، وَإِنْ كَثُرْنَ فِي الشَّهَادَةِ لَا يَقُمْنَ إلَّا مَقَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَتِمُّ مَا لَمْ يَشْهَدْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ فَكَانَ الثَّابِتُ بِشَهَادَتِهِ نِصْفَ الْمَالِ وَبِشَهَادَتِهِنَّ نِصْفَ الْمَالِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الرَّجُلَ مُتَعَيِّنٌ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ لِلْقِيَامِ بِنِصْفِ الْحُجَّةِ؛ وَلِهَذَا لَا تَتِمُّ الْحُجَّةُ إلَّا بِوُجُودِهِ فَلَا يَتَغَيَّرُ هَذَا الْحُكْمُ بِكَثْرَةِ النِّسَاءِ. وَإِذَا ثَبَتَ نِصْفُ الْحَقِّ بِشَهَادَتِهِ ضَمِنَ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ فَعَلَيْهِنَّ ضَمَانُهُ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ كُلّ

стр. 3450

امْرَأَتَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ يَقُومَانِ مَقَامَ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ فَعَشْرُ نِسْوَةٍ بِخَمْسَةٍ مِنْ الرِّجَالِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَهِدَ سِتَّةٌ مِنْ الرِّجَالِ، ثُمَّ رَجَعُوا فَيَكُونُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ أَسْدَاسًا وَدَلِيلُ صِحَّةِ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ حُكْمَ الشَّهَادَةِ كَحُكْمِ الْمِيرَاثِ، وَفِي الْمِيرَاثِ عِنْدَ كَثْرَةِ الْبَنَاتِ مَعَ الِابْنِ يَجْعَلُ كُلَّ اثْنَتَيْنِ كَابْنٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَجْعَلْ حَالَةَ الِاخْتِلَاطِ كَحَالَةِ انْفِرَادِ الْبَنَاتِ فَعِنْدَ الِانْفِرَادِ لَا يُزَادُ لَهُنَّ عَلَى الثُّلُثَيْنِ، ثُمَّ عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ يَجْعَلُ كُلَّ اثْنَتَيْنِ كَابْنٍ. فَكَذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ عَلَى أَدْنَى الْعَدَدِ فِي الشَّهَادَةِ يَمْنَعُ الْقَضَاءَ. فَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى النِّصَابِ مُعْتَبَرٌ فِي أَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ بِشَهَادَةِ الْكُلِّ فَبِكَثْرَةِ النِّسَاءِ عِنْدَ وُجُودِ الرَّجُلِ يَزْدَادُ النِّصَابُ، وَيَكُونُ الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ الْكُلِّ عَلَى أَنَّ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ فَعِنْدَ الرُّجُوعِ كَذَلِكَ يَقْضِي بِالضَّمَانِ، وَلَوْ رَجَعَ ثَمَانِ نِسْوَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِنَّ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ مَنْ يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ بِشَهَادَتِهِ وَهُوَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فَإِنْ رَجَعَتْ امْرَأَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهَا وَعَلَى الثَّمَانِ رُبُعُ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ إنَّمَا بَقِيَتْ فِي ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْحَقِّ فَيَجِبُ الضَّمَانُ بِقَدْرِ مَا انْعَدَمَتْ الْحُجَّةُ فِيهِ، وَلَيْسَ الْبَعْضُ بِأَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ فَلِهَذَا ضَمِنَ التِّسْعُ رُبُعَ الْمَالِ عَلَيْهِنَّ بِالسَّوِيَّةِ، وَإِنْ رَجَعَتْ الْعَاشِرَةُ فَعَلَيْهَا وَعَلَى التِّسْعِ نِصْفُ الْمَالِ أَمَّا عِنْدَهُمَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِشَهَادَتِهِنَّ نِصْفُ الْمَالِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ مَنْ يَثْبُتُ نِصْفُ الْمَالِ بِشَهَادَتِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَهِدَ سِتَّةٌ مِنْ الرِّجَالِ، ثُمَّ رَجَعَ خَمْسَةٌ. وَلَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ وَامْرَأَةٌ بِمَالٍ، ثُمَّ رَجَعُوا كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الرَّجُلَيْنِ دُونَ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَكُونُ شَاهِدَةً فَإِنَّ الْمَرْأَتَيْنِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَالْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ شَطْرُ الْعِلَّةِ فِي كَوْنِهَا شَاهِدًا وَبِشَطْرِ الْعِلَّةِ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ الْحُكْمِ فَكَانَ الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ دُونَ الْمَرْأَةِ فَلَا يَضْمَنُ عِنْدَ الرُّجُوعِ شَيْئًا. وَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَثَلَاثُ نِسْوَةٍ، ثُمَّ رَجَعَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ ضَمِنَ الرَّجُلُ نِصْفَ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ بَقِيَتْ فِي نِصْفِ الْمَالِ فَقَدْ بَقِيَ امْرَأَتَانِ عَلَى الشَّهَادَةِ، ثُمَّ هَذَا النِّصْفُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَلَى الرَّجُلِ خَاصَّةً لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ عِنْدَهُمَا نِصْفَ الْمَالِ مُتَعَيَّنٌ فِي أَنَّهُ ثَابِتٌ بِشَهَادَةِ الرَّجُلِ وَنِصْفٌ ثَابِتٌ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ النِّسَاءِ عَلَى الشَّهَادَةِ مَنْ يَثْبُتُ نِصْفُ الْمَالِ بِشَهَادَتِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْحُجَّةَ انْعَدَمَتْ فِي النِّصْفِ الَّذِي هُوَ ثَابِتٌ بِشَهَادَةِ الرَّجُلِ خَاصَّةً فَيَكُون الضَّمَانُ عَلَيْهِ دُونَ الْمَرْأَةِ وَيَنْبَغِي فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنْ يَكُونَ النِّصْفُ أَثْلَاثًا عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ هُنَا بِشَهَادَةِ الْكُلِّ فَكُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ إذَا ضَمَّتْهَا إلَى الْأُخْرَى كَانَتَا شَاهِدًا فَلَا يَكُونُ الْقَضَاءُ مُحَالًا بِهِ عَلَى شَهَادَةِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ

стр. 3451

وَقَدْ بَقِيَتْ الْحُجَّةُ فِي نِصْفِ الْحَقِّ فَيَجِبُ ضَمَانُ نِصْفِ الْحَقِّ عَلَى الرَّاجِعَيْنِ أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِشَهَادَةِ الرَّجُلِ ضِعْفُ مَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْمَرْأَةِ وَلَوْ رَجَعُوا جَمِيعًا كَانَ عَلَى الرَّجُلِ النِّصْفُ وَعَلَى النِّسْوَةِ النِّصْفُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى الرَّجُلِ خُمُسَا الْمَالِ وَعَلَى النِّسْوَةِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. وَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ وَامْرَأَتَانِ، ثُمَّ رَجَعُوا فَالضَّمَانُ أَثْلَاثٌ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ قَامَتَا مَقَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَكَأَنَّهُ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ بِالْمَالِ، ثُمَّ رَجَعُوا وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِمَالٍ قَضَى بِهِ الْقَاضِي، ثُمَّ ادَّعَى الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَنَّهُمَا رَجَعَا وَأَرَادَ يَمِينَهُمَا فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ وَلَا تُقْبَلُ عَلَيْهِمَا بِهِ بَيِّنَةٌ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِمَا رُجُوعًا بَاطِلًا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الرُّجُوعَ فَسْخٌ لِلشَّهَادَةِ فَيَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ كَالشَّهَادَةِ فَلِمَا أَنَّ شَهَادَتَهُمَا فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي بَاطِلَةٌ. فَكَذَلِكَ رُجُوعُهُمَا وَالْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ فِي هَذَا كَالْأَمْوَالِ. وَإِذَا رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا وَأَشْهَدَا بِالْمَالِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْ قَبْلِ الرُّجُوعِ، ثُمَّ جَحَدَا ذَلِكَ فَشَهِدَتْ عَلَيْهِمَا شُهُودٌ بِالْمَالِ عَلَيْهِمَا قَبْلَ الرُّجُوعِ وَالضَّمَانِ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ بَاطِلٌ فَإِنَّمَا أَشْهَدَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِالْمَالِ بِسَبَبٍ بَاطِلٍ، وَذَلِكَ لَا يُلْزِمُهُمَا شَيْءٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا عَلَى زِنًا وَاحَصَانٍ فَرَجَمَهُ الْقَاضِي بِذَلِكَ، ثُمَّ أَشْهَدَ الشُّهُودَ عَلَيْهِمْ بِالرُّجُوعِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ بِالرُّجُوعِ حَدٌّ وَلَا ضَمَانٌ؛ لِأَنَّهُمْ بِالرُّجُوعِ مَا صَارُوا قَاذِفِينَ لَهُ، وَلَكِنَّ الشَّهَادَةَ تَنْفَسِخُ بِالرُّجُوعِ فَيَصِيرُ كَلَامُ الشَّاهِدَيْنِ قَذْفًا عِنْدَ ذَلِكَ وَفَسْخُ الشَّهَادَةِ بِالرُّجُوعِ مُخْتَصٌّ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ (قَالَ) وَلَوْ أَوْجَبْت عَلَيْهِمَا الْحَدَّ لَأَوْجَبْت عَلَيْهِمَا الضَّمَانَ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ لَا يَضْمَنُونَ بِالرُّجُوعِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ فَلَا يُحَدُّونَ أَيْضًا. وَإِذَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ حَتَّى رَجَعَا عَنْهَا لَمْ يَقْضِ بِهَا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَسْتَدْعِي قِيَامَ الْحُجَّةِ عِنْدَهُ وَلَمْ تَبْقَ الْحُجَّةُ حِينَ رَجَعَا، وَلِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا تَتَأَكَّدُ بِالْقَضَاءِ فَبِالرُّجُوعِ قَبْلَ التَّأَكُّدِ يَبْطُلُ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُتْلِفَا شَيْئًا عَلَى أَحَدٍ أَمَّا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فَقَدْ بَقِيَ الْمَالُ عَلَى مِلْكِهِ وَأَمَّا الْمَشْهُودُ لَهُ فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ اسْتِحْقَاقٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَلَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ دَارًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَهِيَ قِيمَتُهَا وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ شَفِيعُهَا، وَأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ الَّتِي هِيَ فِي يَدَيْهِ مُلْزَقَةٌ بِدَارِهِ فَقَضَى الْقَاضِي لَهُ بِالشُّفْعَةِ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَى الْمُشْتَرِي مِلْكَهُ فِيهَا بِعِوَضٍ يَعْدِلُهُ وَهُوَ الثَّمَنُ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ الشَّفِيعِ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ بَنَى فِيهَا بِنَاءً فَأَمَرَهُ الْقَاضِي بِنَقْضِهِ ضَمِنَ الشَّاهِدَانِ لَهُ قِيمَةَ بِنَائِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِقَرَارِ الْبِنَاءِ بِمِلْكِهِ الدَّارَ، وَقَدْ شَهِدَ أَنَّ الشَّفِيعَ أَحَقُّ بِمِلْكِهَا مِنْهُ فَكَانَا مُتْلِفَيْنِ لِلْبِنَاءِ عَلَيْهِ فَيَضْمَنَانِ لَهُ قِيمَةَ الْبِنَاءِ مَبْنِيًّا، وَيَكُونُ النَّقْضُ لَهُمَا بِالضَّمَانِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ

стр. 3452

هَدَمَاهُ بِأَيْدِيهِمَا. وَإِذَا رَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَنْ شَهَادَةٍ شَهِدَا بِهَا عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي الَّذِي شَهِدَا عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يَقْضِي عَلَيْهِمَا بِالضَّمَانِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الرُّجُوعِ مَجْلِسُ الْقَاضِي لَا مَجْلِسُ ذَلِكَ الْقَاضِي الَّذِي شَهِدَا عِنْدَهُ فَرُجُوعُهُمَا فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي الْآخَرِ كَرُجُوعِهِمْ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي الَّذِي شَهِدَا عِنْدَهُ أَرَأَيْت لَوْ مَاتَ الْأَوَّلُ، أَوْ عُزِلَ فَرَجَعَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي الَّذِي قَامَ مَقَامَهُ أَلَيْسَ يَقْضِي عَلَيْهِمَا بِالضَّمَانِ. فَكَذَلِكَ إذَا رَجَعَا فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي الْآخَرِ فَإِنْ قَضَى بِذَلِكَ عَلَيْهِمَا فَلَمْ يُؤَدِّيَا حَتَّى تَخَاصَمَا إلَى الْقَاضِي الَّذِي شَهِدَا عِنْدَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَجَحَدَا الرُّجُوعَ فَقَامَتْ عَلَيْهِمَا الْبَيِّنَةُ بِالرُّجُوعِ وَبِقَضَاءِ الْقَاضِي عَلَيْهِمَا بِالضَّمَانِ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا وَيُضَمِّنُهَا الْمَالَ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ أَثْبَتَ الْمَالَ عَلَيْهِمَا بِالْحُجَّةِ بِسَبَبٍ صَحِيحٍ فَيُضَمِّنُهُمَا الْمَالَ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَجَعَا عِنْدَ الْقَاضِي الَّذِي شَهِدَا عِنْدَهُ فَيُضَمِّنُهُمَا ذَلِكَ، ثُمَّ اخْتَصَمُوا إلَى غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِمَا شَاهِدَانِ بِإِقْرَارِهِمَا أَنَّهُمَا رَجَعَا عِنْدَ قَاضٍ مِنْ الْقُضَاةِ، وَأَنَّهُ ضَمَّنَهُمَا ذَلِكَ فَالثَّابِتُ مِنْ إقْرَارِهِمَا بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ، وَلَوْ سَمِعَ الْقَاضِي إقْرَارَهُمَا بِذَلِكَ ضَمَّنَهَا الْمَالَ. فَكَذَلِكَ إذَا أَثْبَتَ الْمُدَّعِي ذَلِكَ بِالْحُجَّةِ. وَلَوْ رَجَعَ عِنْدَ غَيْرِ قَاضٍ وَضَمَّنَهُمَا الْمَالَ وَكَتَبَا بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا صَكًّا وَبِسَبَبِ الْمَالِ إلَى الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ لَهُ مِنْهُ، ثُمَّ جَحَدَا ذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي لَمْ يَقْضِ بِذَلِكَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا كَتَبَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا الصَّكَّ بِمَالٍ بِسَبَبٍ بَاطِلٍ وَهُوَ رُجُوعُهُمَا عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ ضَمَّنَهُمَا الْمَالَ. فَكَذَلِكَ إذَا أَثْبَتَ الْمُدَّعِي ذَلِكَ بِالْحُجَّةِ، وَلَوْ رَجَعَا عِنْدَ غَيْرِ قَاضٍ وَضَمَّنَهُمَا الْمَالَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ لَهُ مِنْهُ، ثُمَّ جَحَدَا ذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي لَمْ يَقْضِ بِذَلِكَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا كَتَبَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا الصَّكَّ بِسَبَبٍ بَاطِلٍ وَهُوَ رُجُوعُهُمَا عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ عِنْدَ صَاحِبِ الشُّرَطِ، أَوْ عَامِلِ كُورَةٍ لَيْسَ الْقَضَاءُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ مُعْتَبَرٌ بِالشَّهَادَةِ فَكَمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ كَالشَّهَادَةِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مِنْ الرَّعَايَا. فَكَذَلِكَ الرُّجُوعُ وَإِذَا شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ بَاعَ عَبْدَهُ هَذَا مِنْ فُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَالْبَائِعُ يَجْحَدُ وَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أَوْ أَقَلَّ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا أَدْخَلَا فِي مِلْكِ الْبَائِعِ مَا يَعْدِلُ مَا أَخْرَجَاهُ عَنْ مِلْكِهِ، أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ وَهُوَ الثَّمَنُ الَّذِي اسْتَوْفَاهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ ضَمِنَا الْفَضْلَ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا الْفَضْلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ يَعْدِلُهُ وَالْبَعْضُ مُعْتَبَرٌ بِالْكُلِّ، وَكَذَلِكَ كُلُّ بَيْعٍ، أَوْ صَرْفٍ شَهِدَا بِهِ، وَإِنْ أَخَّرَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ الضَّمَانَ عَنْهُمَا جَازَ؛ لِأَنَّ هَذَا تَأْجِيلُ دَيْنٍ وَاجِبٍ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ وَسَائِرُ الدُّيُونِ سَوَاءٌ، ثُمَّ إذَا أَجَّلَ رَبُّ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ صَحَّ هَذَا التَّأْجِيلُ فَكَذَا هُنَا، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمَا

стр. 3453

لَيْسَ بِبَدَلِ الصَّرْفِ، وَإِنَّمَا هُوَ بَدَلُ الْغَصْبِ، أَوْ مَالٌ مُسْتَهْلَكٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ صِحَّةِ التَّأْجِيلِ بِهِ. وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ وَهَبَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ، أَوْ حَلَّلَهُ، أَوْ أَوْفَاهُ، ثُمَّ رَجَعَ ضَمِنَا الْمَالَ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ الْمَالَ بِشَهَادَتِهِمَا فَإِنْ (قِيلَ) قَدْ أَتْلَفَا عَلَيْهِ الدَّيْنَ فَكَيْفَ يَضْمَنَانِ لَهُ الْعَيْنَ (قُلْنَا) قَدْ أَتْلَفَا عَلَيْهِ دَيْنًا يَتَعَيَّنُ بِالْقَبْضِ فَيَضْمَنَانِ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِمَا يَتَعَيَّنُ بِالْقَبْضِ مِنْهُمَا. وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ أَجَّلَهُ سَنَةً فَقَضَى بِذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ الْحِلِّ، أَوْ بَعْدَهُ ضَمِنَا الْمَالَ لِلطَّالِبِ؛ لِأَنَّهُمَا فَوَّتَا عَلَيْهِ حَقَّ الْقَبْضِ بِالشَّهَادَةِ بِالتَّأْجِيلِ إلَى انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِمَا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ التَّأْجِيلَ فِي الْحُكْمِ كَالْإِبْرَاءِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا أَجَّلَ فِي دَيْنٍ لَهُ يُعْتَبَرُ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا لَوْ أَبْرَأَ، ثُمَّ هَذَا يَتَّضِحُ فِي رُجُوعِهِمَا قَبْلَ حِلِّ الْأَجَلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَجَعَا بَعْدَ حَلِّ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الرُّجُوعِ بِالشَّهَادَةِ لَا بِالرُّجُوعِ فَالْإِتْلَافُ بِالشَّهَادَةِ يَحْصُلُ. وَإِذَا صَارَ ضَامِنَيْنِ بِهَا لَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ عَنْهُمَا بِحُلُولِ الْأَجَلِ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ بِثَمَنٍ حَالٍّ إذَا بَاعَ بِثَمَنٍ حَالٍّ، ثُمَّ أَجَّلَ عَنْ الْمُشْتَرِي كَانَ ضَامِنًا لِلْمُوَكِّلِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ، وَبَعْدَهُ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَلِأَنَّ الضَّامِنَ كَانَ ضَامِنًا لِلْمُوَكِّلِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ، وَبَعْدَهُ، وَلِأَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا بِسَبَبِ الْإِتْلَافِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُمَا بِشَهَادَتِهِمَا فَوَّتَا عَلَيْهِ حَقَّ الْقَبْضِ وَبِحُلُولِ الْأَجَلِ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إتْلَافًا؛ فَلِهَذَا كَانَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِمَا وَكَانَ الْخِيَارُ لَهُ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَطْلُوبَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الشَّاهِدَ. فَإِذَا أَخَذَ الشَّاهِدَ كَانَ لَهُمَا حَقُّ الرُّجُوعِ بِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ إلَى أَجَلِهِ؛ لِأَنَّهُمَا مَلَكَا ذَلِكَ الْمَالَ بِالضَّمَانِ فِي ذِمَّةِ الْمَطْلُوبِ، وَلِأَنَّ الطَّالِبَ حِينَ ضَمَّنَهُمَا فَقَدْ أَقَامَهُمَا مَقَامَ نَفْسِهِ فِي الرُّجُوعِ عَلَى الْمَطْلُوبِ فَإِنْ نَوَى عَلَى الْمَطْلُوبِ بَرِئَ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا قَامَا فِي ذَلِكَ مَقَامَ الطَّالِبِ لَوْ اخْتَارَ الرُّجُوعَ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَلَا يَكُونُ لَهُمَا حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الطَّالِبِ؛ لِأَنَّهُمَا قَامَا مَقَامَهُ، ثُمَّ إذَا أَدَّى لِلطَّالِبِ لَا يَكُونُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى أَحَدٍ. فَكَذَلِكَ لِلَّذِي قَامَ مَقَامَهُ بِخِلَافِ الْحَوَالَةِ فَإِنَّهُ إذَا نَوَى الْمَالَ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّ تَحَوُّلَ الْحَقِّ إلَى ذِمَّةِ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ كَانَ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْمَالِ لِلطَّالِبِ مِنْ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ. فَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ عَادَ إلَى ذِمَّةِ الْمُحِيلِ وَهُنَا أَصْلُ الْمَالِ صَارَ لِلشَّاهِدَيْنِ بِالضَّمَانِ مُطْلَقًا فَإِنْ خَرَجَا كَانَا لَهُمَا، وَإِنْ نَوَى كَانَا عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا قَامَا فِي ذَلِكَ مَقَامَ الطَّالِبِ. وَلَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ وَهَبَ عَبْدَهُ لِهَذَا الرَّجُلِ وَقَبَضَهُ وَقَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا قِيمَةَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا مِلْكَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَلَا رُجُوعٍ لِلْمَوْلَى فِي الْهِبَةِ إذَا أَخَذَ الْقِيمَةَ إمَّا؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ عِوَضٌ لَهُ مِنْ هِبَتِهِ، أَوْ؛ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ مَلَكَ الْعَبْدَ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ بِمَا أَخَذَ

стр. 3454

مِنْهُمَا مِنْ الضَّمَانِ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ وَلَا لِلشَّاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُمَا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى إبْطَالِ قَضَاءِ الْقَاضِي بَاطِلٌ وَالْقَاضِي بِقَضَائِهِ جَعَلَ الْعَبْدَ هِبَةً لِلْمَوْهُوبِ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ لَا مِنْ جِهَةِ الشَّاهِدَيْنِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْوَاهِبِ حَقُّ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ، وَلَوْ لَمْ يَضْمَنْ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لِلشَّاهِدَيْنِ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي الْعَبْدِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاهِبُ لِلْعَبْدِ بِحُكْمِ الْقَاضِي وَلِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الْعِوَضُ فَإِنْ (قِيلَ). فَإِذَا ضَمِنَ الشَّاهِدَانِ الْقِيمَةَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُمَا حَقُّ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمَا قَامَا مَقَامَ الْوَاهِبِ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ (قُلْنَا) الدَّيْنُ فِي الذِّمَّةِ مَالٌ وَهُوَ يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ بِعِوَضٍ؛ وَلِهَذَا جَازَ الِاسْتِبْدَالُ بِالدَّيْنِ مَعَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مُمَلَّكًا وَلَك مِنْ الشَّاهِدَيْنِ بِمَا اسْتَوْفَى مِنْهُمَا. فَأَمَّا فِي حَقِّ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ لَيْسَ بِمَالٍ مُحْتَمِلٍ لِلِاعْتِيَاضِ فِيهِ فَلَا يَكُونُ مُمَلَّكًا ذَلِكَ مِنْ الشُّهُودِ بِالرُّجُوعِ عَلَيْهِمَا بِالضَّمَانِ وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ حَقِّ الرُّجُوعِ لَهُمَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمَا يَقُومَانِ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ مَا وَصَلَ إلَيْهِ الْعِوَضُ لَا يَكُونُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِمَنْ قَامَ مَقَامَهُ أَيْضًا. وَلَوْ شَهِدَا عَلَى عَبْدٍ فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهُ لِهَذَا الرَّجُلِ فَقَضَى لَهُ بِهِ وَهُوَ أَبْيَضُ الْعَيْنِ، ثُمَّ ذَهَبَ الْبَيَاضُ عَنْهُ وَازْدَادَ خَيْرًا، أَوْ مَاتَ عِنْدَ الْمَقْضِيِّ لَهُ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا ضَمِنَا قِيمَتَهُ يَوْمَ قَضَى بِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا كَانَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ زِيَادَةٍ، أَوْ نُقْصَانٍ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِمَا بِالْإِتْلَافِ بِسَبَبِ الشَّهَادَةِ فَفِي الْقَضَاءِ بِالضَّمَانِ يُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ وَقْتَ الشَّهَادَةِ كَمَا فِي الْمَغْصُوبِ وَالْمُسْتَهْلَكِ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا فِي الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمَا فَالْقَوْلُ فِي مِقْدَارِهِ قَوْلُهُمَا. وَلَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ وَكَّلَ هَذَا الرَّجُلَ بِقَبْضِ دَيْنِهِ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٌ مُقِرٌّ بِالدَّيْنِ فَقَضَى الْقَاضِي بِهِ لِلْوَكِيلِ وَقَبَضَهُ وَاسْتَهْلَكَهُ، ثُمَّ قَدِمَ صَاحِبُ الدَّيْنِ فَأَنْكَرَ الْوَكَالَةَ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُتْلِفَا الْمَالَ بِشَهَادَتِهِمَا إنَّمَا بِصِنَاعَتِهِ ثَانِيًا يَقْبِضُ الْمَالَ فَيَحْفَظُ لَهُ وَالْوَكِيلُ ضَامِنٌ لِمَا اسْتَهْلَكَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَالَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي حَصَلَ فِي يَدِهِ أَمَانَةً لِلْمُوَكِّلِ، وَقَدْ تَعَدَّى بِالِاسْتِهْلَاكِ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي قَبْضِ كُلِّ وَدِيعَةٍ وَغَلَّةٍ وَمِيرَاثٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَيْهِمَا وَعَلَى مِائَةِ دِينَارٍ فَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَنْ شَهَادَتِهِمْ عَلَى الدَّرَاهِمِ دُونَ الدَّنَانِيرِ لَمْ يَضْمَنُوا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَى الدَّرَاهِمِ مَنْ تَتِمُّ الْحُجَّةُ بِشَهَادَتِهِ وَرُجُوعُ هَؤُلَاءِ فِي حَقِّ الدَّرَاهِمِ لَا يَكُونُ رُجُوعًا مِنْهُمْ عَنْ الشَّهَادَةِ فِي الدَّنَانِيرِ؛ فَلِهَذَا لَا يَضْمَنُونَ شَرْعًا، وَلَوْ رَجَعُوا جَمِيعًا عَنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَضَمَانُ الدَّنَانِيرِ عَلَى الَّذِينَ شَهِدُوا بِهَا خَاصَّةً وَضَمَانُ الدَّرَاهِمِ جَمِيعًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَرْبَاعٌ عَلَى كُلِّ امْرَأَتَيْنِ رُبُعٌ

стр. 3455

وَعَلَى كُلِّ رَجُلٍ رُبُعٌ وَعِنْدَهُمَا ثَلَاثٌ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ الثُّلُثُ وَعَلَى النِّسْوَةِ الثُّلُثُ، وَإِنْ كَانَ رُجُوعُ الشُّهُودِ عَنْ الشَّهَادَةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَذَلِكَ مِنْهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا فِي مَرَضِهِمَا فَيَبْدَآنِ بِدَيْنِ الصِّحَّةِ. وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ بَاعَ عَبْدَهُ هَذَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَهُوَ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ، ثُمَّ مَضَتْ الثَّلَاثَةُ فَوَجَبَ الْبَيْعُ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا ضَمِنَا فَضْلَ مَا بَيْنَ الْقِيمَةِ وَالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَاهُ بِشَهَادَتِهِمَا بِغَيْرِ عِوَضٍ (فَإِنْ قِيلَ) لَا كَذَلِكَ فَالْبَيْعُ بِشَرْطِ خِيَارِ الْبَائِعِ لَا يُزِيلُ مِلْكَهُ عَنْ الْمَبِيعِ، وَقَدْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ بِفَسْخِ الْبَيْعِ فِي الْمُدَّةِ. فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ كَانَ رَاضِيًا بِهَذَا الْبَيْعِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَ الشَّاهِدَانِ شَيْئًا (قُلْنَا) زَوَالُ الْمِلْكِ، وَإِنْ كَانَ يَتَأَخَّرُ إلَى سُقُوطِ الْخِيَارِ فَالسَّبَبُ هُوَ الْبَيْعُ الْمَشْهُودُ بِهِ؛ وَلِهَذَا اسْتَحَقَّ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِزَوَائِدِهِ فَكَانَ الْإِتْلَافُ حَاصِلًا بِشَهَادَتِهِمْ وَالْبَائِعُ كَانَ مُنْكِرًا لِأَصْلِ الْبَيْعِ فَمَعَ إنْكَارِهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِحُكْمِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَصَرَّفَ بِحُكْمِ الْخِيَارِ يَصِيرُ مُقِرًّا بِالْبَيْعِ وَيَتَبَيَّنُ لِلنَّاسِ كَذِبُهُ وَالْعَاقِلُ يَتَحَرَّزُ عَنْ ذَلِكَ بِجُهْدِهِ؛ فَلِهَذَا لَا يُعْتَبَرُ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْفَسْخِ فِي إسْقَاطِ الضَّمَانِ عَنْ الشُّهُودِ، وَلَوْ أَوْجَبَ الْبَيْعَ فِي الثَّلَاثَةِ لَمْ يَضْمَنْ لَهُ الشَّاهِدَانِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِرًّا بِالْبَيْعِ مُزِيلًا مِلْكَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَلَا يَكُونُ الشَّاهِدُ مُتْلِفًا عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ شَرْطُ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي وَهُوَ مُنْكِرٌ لِلشِّرَاءِ، وَفِي قِيمَةِ الْعَبْدِ نُقْصَانٌ عَنْ الثَّمَنِ فَإِنْ سَكَتَ الْمُشْتَرِي حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ ضَمِنَ الْمَشْهُودُ لَهُ النُّقْصَانَ عِنْدَ الرُّجُوعِ، وَإِنْ اخْتَارَ الْبَيْعَ قَبْلَ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَضْمَنَا لَهُ شَيْئًا لِمَا بَيَّنَّا فِي جَانِبِ الْبَيْعِ. وَلَوْ شَهِدَا بِرَهْنِ عَبْدِهِ وَالرَّاهِنُ مُقِرٌّ بِالدَّيْنِ جَاحِدٌ لِلرَّهْنِ فَقَضَى الْقَاضِي بِالْعَبْدِ رَهْنًا، ثُمَّ رَجَعَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ فَضْلٌ عَلَى الدَّيْنِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِثُبُوتِ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِحَقِيقَةِ إيفَاءِ الدَّيْنِ بِمَالٍ فِي يَدِهِ هُوَ مِثْلُ الدَّيْنِ لَمْ يَضْمَنَا عِنْدَ الرُّجُوعِ. فَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَا بِثُبُوتِ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ لِلْمُرْتَهِنِ فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي قِيمَتِهِ فَضْلٌ عَلَى الدَّيْنِ لَمْ يَضْمَنَا أَيْضًا مَا دَامَ الْعَبْدُ حَيًّا؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْمَطْلُوبِ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ أَخْذِهِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَهُوَ مُقِرٌّ بِالدَّيْنِ. فَإِذَا مَاتَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ ضَمِنَا ذَلِكَ الْفَضْلَ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا الْفَضْلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ حِينَ أَثْبَتَا حَقَّ الْحَبْسِ فِيهِ لِلْمُرْتَهِنِ وَلَمْ يَسْقُطْ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْن عَنْهُ بِاعْتِبَارِهِ وَلَوْ كَانَ الرَّاهِنُ هُوَ الَّذِي ادَّعَى الرَّهْنَ وَجَحَدَ الْمُرْتَهِنُ ذَلِكَ فَقَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مَا أَتْلَفَا عَلَى الْمُرْتَهِنِ شَيْئًا فَإِنَّ حَقَّهُ فِي الْمُطَالَبَةِ بِالدَّيْنِ بَعْدَ الرَّهْنِ كَمَا كَانَ مِنْ قَبْلُ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ رَدِّ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ

стр. 3456

عَقْدَ الرَّهْنِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ فِي جَانِبِ الْمُرْتَهِنِ (فَإِنْ قِيلَ) فَلِمَاذَا تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَهِيَ لَا تُلْزِمُ شَيْئًا (قُلْنَا) إثْبَاتُ السَّبَبِ بِالْبَيِّنَةِ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ فِي الْحَالِ كَمَا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يَكُونَا شَهِدَا عَلَيْهِ بِرَهْنٍ هَالِكٍ فِي يَدِهِ فَحِينَئِذٍ هَذَا بِمَنْزِلَةِ شَهَادَتِهِمَا عَلَيْهِ بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ يَتِمُّ بِمِلْكِ الرَّهْنِ فَيَكُونَانِ مُتْلِفَيْنِ لِلْمَالِ عَلَيْهِ فَيَضْمَنَانِ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّجُوعِ. وَإِذَا عَمِلَ الْمُضَارِبُ بِالْمَالِ وَرَبِحَ فَادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ وَرَبُّ الْمَالِ يَقُولُ بِالثُّلُثِ وَأَخَذَ الْمُضَارِبُ نِصْفَ الرِّبْحِ وَرَدَّ الْبَاقِي، ثُمَّ رَجَعَ الشَّاهِ دَانِ ضَمِنَا السُّدُسَ الَّذِي شَهِدَا بِهِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا فَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إلَى إتْمَامِ النِّصْفِ إنَّمَا اسْتَحَقَّهُ الْمُضَارِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِشَهَادَتِهِمَا، وَقَدْ أَقَرَّا بِالرُّجُوعِ أَنَّهُمَا أَتْلَفَا ذَلِكَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَوْ كَانَ الرِّبْحُ كُلُّهُ دَيْنًا لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا حَتَّى يَقْبِضَ فَمَا قَبَضَ مِنْهُ اقْتَسَمَاهُ نِصْفَيْنِ وَيَضْمَنُ الشَّاهِدَانِ سُدُسَهُ لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِمَا بِتَفْوِيتِ الْيَدِ عَلَى نَفْسِ الْمَالِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَخْرُجْ الدَّيْنُ وَتَصِلَ إلَى الْمُضَارِبِ حِصَّتُهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتِمُّ التَّفْوِيتُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ شَهَادَتِهِمَا، وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ أَعْطَاهُ الثُّلُثَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا فِي هَذَا الْوَجْهِ إذَا رَجَعَا؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ بِغَيْرِ شُهُودٍ فَلَمْ يُتْلِفَا عَلَى الْمُضَارِبِ شَيْئًا بِشَهَادَتِهِمَا إذْ الِاسْتِحْقَاقُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ النِّصْفَ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَرَبُّ الْمَالِ هُنَاكَ مُسْتَحِقٌّ لِلرِّبْحِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَالُهُ فَهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمَا مَا كَانَ مُسْتَحَقًّا لَهُ فَيَضْمَنَانِ إذَا رَجَعَا، وَلَوْ نَوَى رَأْسَ الْمَالِ فِي الْوَجْهَيْنِ لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا مَا شَهِدَا فِي رَأْسِ الْمَالِ بِشَيْءٍ إنَّمَا شَهَادَتُهُمَا فِي الرِّبْحِ وَلَمْ يَظْهَرْ الرِّبْحُ. وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا وَرَأْسُ مَالٍ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفُ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا وَصَاحِبُ الثُّلُثِ يَدَّعِي النِّصْفَ، وَقَدْ رَبِحَا قَبْلَ الشَّهَادَةِ فَقَسَمَهُ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا، ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا لِصَاحِبِ الثُّلُثِ مَا بَيْنَ الثُّلُثِ وَالنِّصْفِ فِي كُلِّ رِبْحٍ كَانَ قَبْلَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَحِقٌّ لِنِصْفِ الرِّبْحِ عِنْدَ تَسَاوِيهِمَا فِي رَأْسِ الْمَالِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي النِّصْفِ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا فَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إلَى النِّصْفِ أَتْلَفَاهُ بِشَهَادَتِهِمَا عَلَى مَنْ أَخَذَ الثُّلُثَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمَا رَبِحَا فِيمَا اشْتَرَيَا بَعْدَ الشَّهَادَةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا فِيهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَكِّنٌ مِنْ فَسْخِ الشَّرِكَةِ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ فَإِقْدَامُهُمَا عَلَى التَّصَرُّفِ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِأَنَّ الرِّبْحَ أَثْلَاثٌ يَكُونُ رِضًا مِنْهُمَا بِذَلِكَ وَرِضَا الْمُتْلَفِ عَلَيْهِ يَمْنَعُ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَى الْمُتْلِفِ بِطَرِيقِ الْمُبَاشَرَةِ فَبِالشَّهَادَةِ أَوْلَى. وَلَوْ كَانَ فِي يَدَيْ رَجُلٍ مَالٌ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ لِرَجُلٍ أَنَّهُ شَرِيكُهُ شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ فَقَضَى الْقَاضِي لَهُ بِنِصْفِ

стр. 3457

مَا فِي يَدِهِ، ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا ذَلِكَ النِّصْفَ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُنْكِرِ لِلشَّرِكَةِ وَهُوَ ذُو الْيَدِ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا فَإِنَّمَا صَارَ نِصْفُ مَا فِي يَدِهِ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمَا، وَقَدْ أَقَرَّ أَنَّهُمَا أَتْلَفَاهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِوَدِيعَةٍ فَجَحَدَهَا، أَوْ عَارِيَّةٍ، أَوْ بِضَاعَةٍ فَضَمَّنَهُ الْقَاضِي ذَلِكَ رَجَعَا ضَمِنَا لَهُ مَا غَرِمَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَيْهِ بِدَيْنٍ فَالْوَدِيعَةُ الْمَجْحُودَةُ دَيْنٌ عَلَى الْمُوَدِّعِ، وَقَدْ أَقَرَّا بِالرُّجُوعِ أَنَّهُمَا أَلْزَمَاهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَيَضْمَنَانِ لَهُ مَا اُسْتُوْفِيَ مِنْهُ بِذَلِكَ السَّبَبِ. وَلَوْ رَكِبَ رَجُلٌ بَعِيرَ رَجُلٍ إلَى مَكَّةَ فَعَطِبَ فَقَالَ رَبُّ الْبَعِيرِ غَصَبَنِي. وَقَالَ الرَّاكِبُ اسْتَأْجَرْته مِنْك بِكَذَا وَأَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ فَأَبْرَأَهُ الْقَاضِي مِنْ الضَّمَانِ، وَأَنْفَذَ عَلَيْهِ مَا وَجَبَ مِنْ الْأَجْرِ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا ضَمِنَا قِيمَةَ الْبَعِيرِ إلَّا مِقْدَارَ مَا أَخَذَ صَاحِبُهُ مِنْ الْأَجْرِ؛ لِأَنَّ رُكُوبَ بَعِيرِ الْغَيْرِ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ عَلَى الرَّاكِبِ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا لَكَانَ ضَمَانَ الْقِيمَةِ دَيْنًا عَلَى الرَّاكِبِ بِمَا ظَهَرَ مِنْهُ فَهُمَا بِشَهَادَتِهِمَا أَثْبَتَا لَهُ سَبَبَ الْبَرَاءَةِ، وَقَدْ أَقَرَّ عِنْدَ الرُّجُوعِ أَنَّهُمَا أَتْلَفَا ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْبَعِيرِ فَكَانَا ضَامِنَيْنِ لَهُ إلَّا أَنَّهُمَا عَوَّضَاهُ مِقْدَارَ مَا شَهِدَا لَهُ مِنْ الْأَجْرِ فَيُطْرَحُ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ، وَلِأَنَّ صَاحِبَ الْبَعِيرِ مُقِرٌّ أَنَّ الرَّاكِبَ غَاصِبٌ لَا أَجْرَ لَهُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ مَا اُسْتُوْفِيَ مِنْهُ اسْتَوْفَاهُ بِحِسَابِ ضَمَانِ الْقِيمَةِ وَزَعْمُهُ مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّهِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ إلَّا بِالْفَضْلِ، وَلَوْ كَانَ الْبَعِيرُ أَوَّلَ يَوْمٍ رَكِبَهُ يُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَآخِرَ يَوْمٍ عَطِبَ فِيهِ يُسَاوِي ثَلَثِمِائَةِ دِرْهَمٍ لِزِيَادَةٍ فِي يَدِهِ وَالْأَجْرُ خَمْسُونَ فَإِنَّهُمَا يَضْمَنَانِ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا بِحِسَابِ يَوْمٍ عَطِبَ. مِنْ أَصْحَابِنَا ﵏ مَنْ يَقُولُ هَذَا فِي قَوْلِهِمَا. فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إنَّمَا يَضْمَنَانِ بِحِسَابِ قِيمَتِهِ يَوْمَ رُكِبَ وَقَالُوا هَذَا نَظِيرُ الْجَارِيَةِ الْمَغْصُوبَةِ إذَا ازْدَادَتْ فِي بَدَنِهَا، ثُمَّ بَاعَهَا الْغَاصِبُ وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ فَإِنَّهُ كَمَا لَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافِ هُنَا لَمْ يَذْكُرْ هُنَاكَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فِي النَّوَادِرِ وَحُكْمُ هَذِهِ وَحُكْمُ تِلْكَ سَوَاءٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فَيَقُولُ ضَمَانُ الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ ضَمَانُ غَصْبٍ؛ وَلِهَذَا لَا يَضْمَنُ بِهِ إلَّا مَا يَضْمَنُ بِالْغَصْبِ وَالْغَصْبُ بَعْدَ الْغَصْبِ فِي الْأَصْلِ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْ وَاحِدٍ وَالزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ لَا تُفْرَدُ عَنْ الْأَصْلِ. فَأَمَّا ضَمَانُ الرُّكُوبِ إذَا عَطِبَتْ الدَّابَّةُ ضَمَانُ إتْلَافٍ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْحُرَّ يَضْمَنُ بِهِ وَالْإِتْلَافُ الْحَقِيقِيُّ بَعْدَ الْغَصْبِ يَتَحَقَّقُ فِي الْأَصْلِ مَعَ الزِّيَادَةِ فَكَانَ الرَّاكِبُ ضَامِنًا قِيمَتَهَا حِينَ عَطِبَتْ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا فَيَضْمَنَانِ عِنْدَ الرُّجُوعِ قِيمَتَهَا بِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْحَالِ. رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَهُوَ مُقِرٌّ بِهَا، وَفِي يَدِ الطَّالِبِ ثَوْبٌ يُسَاوِي مِائَةَ دِرْهَمٍ يَدَّعِي أَنَّهُ لَهُ فَأَقَامَ الْمَطْلُوبُ شَاهِدَيْنِ أَنَّهُ رَهَنَهُ إيَّاهُ بِالْمَالِ وَقَضَى بِهِ، ثُمَّ هَلَكَ الثَّوْبُ فَذَهَبَ بِمِائَةِ

стр. 3458

دِرْهَمٍ، ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا مِائَةَ دِرْهَمٍ لِلطَّالِبِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي الثَّوْبِ أَنَّهُ مِلْكُهُ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ فَهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ مِلْكَ الثَّوْبِ بِشَهَادَتِهِمَا أَنَّهُ لِلْمَطْلُوبِ فَيَضْمَنَانِ لَهُ عِنْدَ الرُّجُوعِ (فَإِنْ قِيلَ) كَيْفَ يَضْمَنَانِ وَلَمْ يَخْرُجْ الثَّوْبُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى هَلَكَ (قُلْنَا) عَيْنُ الرَّهْنِ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَيَدُهُ فِي ذَلِكَ كَيَدِ الرَّاهِنِ، ثُمَّ أَثْبَتَا بِشَهَادَتِهِمَا يَدَ الِاسْتِيفَاءِ لِلْمُرْتَهِنِ فِي مِقْدَارِ الْمِائَةِ، وَقَدْ تَمَّ ذَلِكَ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ فَكَأَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَيْهِ أَنَّهُ اسْتَوْفَاهُ مِائَةً، ثُمَّ رَجَعَا، وَلَوْ كَانَ ذُو الْيَدِ مُقِرًّا بِالثَّوْبِ لِلرَّاهِنِ غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ هُوَ عِنْدِي وَدِيعَةٌ. وَقَالَ الرَّاهِنُ بَلْ هُوَ رَهْنٌ عِنْدَك وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَيْهِ فَقَضَى بِهِ، ثُمَّ هَلَكَ، ثُمَّ رَجَعَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُتْلِفَا عَلَى ذِي الْيَدِ عَيْنَ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي مِلْكَهُ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ رَدِّهِ عَلَى الرَّاهِنِ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي فَالرَّهْنُ لَا يَكُونُ لَازِمًا فِي جَانِبِ الْمُرْتَهِنِ فَيُجْعَلُ إمْسَاكُهُ الثَّوْبَ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِأَنَّهُ رَهْنٌ عِنْدَهُ رِضًا مِنْهُ بِمَا شَهِدَا عَلَيْهِ فَلَا يَضْمَنَانِ لَهُ عِنْدَ الرُّجُوعِ شَيْئًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَقَدْ أَتْلَفَا عَلَيْهِ مِلْكَهُ فِي الثَّوْبِ هُنَاكَ. وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ إلَى رَجُلٍ يَجْحَدُ ذَلِكَ وَلَمْ يَعْتَرِفَا فَقَضَى الْقَاضِي بِهِ وَأَمَرَ بِدَفْعِ الْعَشَرَةِ إلَيْهِ وَأَوْجَبَ الْكُرَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا حَتَّى يَقْبِضَ الْكُرِّ؛ لِأَنَّهُمَا أَلْزَمَا الْمُسَلَّمَ إلَيْهِ الْكُرَّ دَيْنًا فَلَوْ ضَمِنَا لَهُ يَضْمَنَانِ الْعَيْنَ وَالْعَيْنُ فَوْقَ الدَّيْنِ فِي الْمَالِيَّةِ وَضَمَانُ الْإِتْلَافِ يَتَقَدَّرُ بِالْمِثْلِ. فَإِذَا قَبَضَهُ مِنْهُمَا فَهُمَا ضَامِنَانِ لِطَعَامِ مِثْلِهِ إلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ يَنْقُصُ مِنْ ذَلِكَ الْكُرِّ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ الْعَشَرَةِ حَصَلَ الْإِتْلَافُ فِيهِ بِعِوَضٍ فَلَا يَجِبُ ضَمَانُهُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الرُّجُوعِ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ أَتْلَفَاهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مِثْلَ الْكُرِّ لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا عَوَّضَاهُ مِثْلَ مَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ وَالْإِتْلَافُ بِعِوَضٍ يَعْدِلُ الْمُتْلَفَ وَلَا يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُتْلِفِ. وَلَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَكْرَى شِقَّ مَحْمَلٍ إلَى مَكَّةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَضَى لَهُ الْقَاضِي وَحَمَلَهُ وَقَبَضَ الْأَجْرَ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا إذَا كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ هُوَ الْمُدَّعِي، وَإِنْ كَانَ الْأَجْرُ ضِعْفَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا الْمَنْفَعَةَ عَلَى رَبِّ الْإِبِلِ وَالْمَنْفَعَةُ لَيْسَتْ بِمَالٍ يُضْمَنُ بِالِاسْتِهْلَاكِ عِنْدَنَا، وَلَوْ أَتْلَفَاهُ مُبَاشَرَةً بِأَنْ رَكِبَا لَمْ يَضْمَنَا. فَإِذَا أَتْلَفَاهُ بِشَهَادَتِهِمَا أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ ادَّعَاهُ صَاحِبُ الْإِبِلِ وَجَحَدَهُ الْمُسْتَأْجِرُ ضَمِنَا لَهُ مِمَّا أَدَّى مَا زَادَ عَلَى أَجْرِ مِثْلِ الْبَعِيرِ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ مَا الْتَزَمَاهُ بِشَهَادَتِهِمَا مِنْ الْأَجْرِ وَعَوَّضَاهُ مِنْ ذَلِكَ مَنْفَعَةَ الْبَعِيرِ وَالْمَنَافِعُ تَتَقَوَّمُ بِالْعَقْدِ وَتَأْخُذُ حُكْمَ الْمَالِيَّةِ؛ وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ الْحَيَوَانُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ بِمُقَابَلَتِهِ فَلَا يَضْمَنَانِ مِقْدَارَ مَا أَتْلَفَاهُ بِعِوَضٍ وَيَضْمَنَانِ مَا سِوَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا شَهَادَتِهِمَا لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاكِبِ وَلَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا فَإِنَّمَا لَزِمَهُ الْأَجْرَ بِشَهَادَتِهِمَا، وَلَوْ أَقَرَّ عِنْدَ الرُّجُوعِ

стр. 3459

أَنَّهُمَا أَتْلَفَا ذَلِكَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَيَضْمَنَانِ لَهُ مَالًا يُقَابِلُهُ مِنْ ذَلِكَ عِوَضٌ يَعْدِلُهُ. وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَقَامَ بِمَا عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ وَأَقَامَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالْأَلْفِ شَاهِدَيْنِ أَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِنْهَا أَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِنْ كُلٍّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ يَدَّعِي ذَلِكَ فَعَدَّلُوا وَاجْتَمَعَتْ الْبَيِّنَتَانِ عِنْدَ الْقَاضِي فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَسْمَعَ مِنْ الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّ هُنَا مَنْ يَشْهَدُ عَلَى الْبَرَاءَةِ وَالْبَرَاءَةُ مُسْقِطَةٌ مُفَرِّغَةٌ لِلذِّمَّةِ فَكَيْفَ يَقْضِي بِإِشْغَالِ الذِّمَّةِ بِالْمَالِ، وَقَدْ ظَهَرَ عِنْدَهُ مَا يُفَرِّغُ الذِّمَّةَ. ثُمَّ الْإِبْرَاءُ فِي مَعْنَى النَّاسِخِ بِحُكْمِ وُجُوبِ الدَّيْنِ وَالْقَضَاءُ بِالْمَنْسُوخِ بَعْدَ ظُهُورِ النَّاسِخِ لَا يَجُوزُ فَإِنْ أَخَذَ بِشَهَادَةِ شُهُودِ الْبَرَاءَةِ فَقَضَى بِهَا، ثُمَّ رَجَعُوا فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُكَلِّفُ الْمَشْهُودَ لَهُ بِالْأَلْفِ بِالْبَيِّنَةِ الْمُثْبِتَةِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا مَضَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بِشَهَادَتِهِمْ عَلَى أَصْلِ الْمَالِ وَالشَّهَادَةُ الَّتِي لَمْ يَتَّصِلْ الْقَضَاءُ بِهَا لَا تَكُونُ مُوجِبَةً شَيْئًا فَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهِمْ إذَا أَرَادَ تَضْمِينَ شُهُودِ الْبَرَاءَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَضْمَنُونَ بِإِتْلَافِهِمْ عَلَيْهِ مَا كَانَ مُسْتَحَقًّا لَهُ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ هَذَا الِاسْتِحْقَاقُ بِإِعَادَةِ الْبَيِّنَةِ، وَإِنْ أَعَادَهُمْ فَخَصَمَهُمْ فِي ذَلِكَ شُهُودُ الْبَرَاءَةِ الَّذِينَ رَجَعُوا؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِمْ الضَّمَانَ فَهُمْ خُصَمَاؤُهُ فِي ذَلِكَ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يُلْزِمَ الْمَدِينَ شَيْئًا بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ رُجُوعَ شُهُودِ الْبَرَاءَةِ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمْ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّهِ؛ فَلِهَذَا لَا تَقُومُ شُهُودُ الْبَرَاءَةِ مَقَامَ الْمَدِينِ فِي إعَادَةِ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِمْ فَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى الْأَلْفِ أَنَّهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ فَقَضَى بِهَا عَلَى شُهُودِ الْبَرَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ إتْلَافَهُمْ ذَلِكَ الْمَالَ عَلَى الطَّالِبِ بِشَهَادَتِهِمْ عَلَيْهِ بِالْبَرَاءَةِ فَيَضْمَنَانِ لَهُ وَلَا يَرْجِعَانِ بِهَا عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ بِالْبَرَاءَةِ؛ لِأَنَّهُمَا يَضْمَنَانِ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَرُجُوعُهُمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي حَقِّ الْمَشْهُودِ لَهُ بِالْبَرَاءَةِ. وَقَالَ، وَإِنَّمَا يَأْمُرُ الْقَاضِي مُدَّعِي الْمَالِ بِإِعَادَةِ شُهُودِهِ بَعْدَ رُجُوعِ شَاهِدَيْ الْبَرَاءَةِ بِمَحْضَرٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَالَ إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا سَاعَةَ رَجَعَا وَهُوَ مَالٌ حَادِثٌ وَجَبَ عَلَيْهِمَا فَلَا يُجْبَرَا بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِهِ قَبْلَ وُجُوبِ الْمَالِ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا كَأَنَّهُمَا غَصَبَا الْمَالَ سَاعَةَ يَقْضِي الْقَاضِي لَهُ وَرَجَعَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 3460

[بَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ فِي الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ] (قَالَ ﵀ وَإِذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى طَلَاقِ امْرَأَةٍ وَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى دُخُولِهِ بِهَا فَقَضَى الْقَاضِي بِالصَّدَاقِ وَالطَّلَاقِ ثُمَّ رَجَعُوا فَعَلَى شُهُودِ الدُّخُولِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَهْرِ وَعَلَى شُهُودِ الطَّلَاقِ رُبْعُ الْمَهْرِ)؛ لِأَنَّ شُهُودَ الطَّلَاقِ أَلْزَمُوهُ نِصْفَ الْمَهْرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ لَوْ انْفَرَدُوا قَضَى الْقَاضِي عَلَى الزَّوْجِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ وَشُهُودُ الدُّخُولِ أَلْزَمُوهُ جَمِيعَ الْمَهْرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ لَوْ انْفَرَدُوا قَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الْمَهْرِ فَنِصْفُ الْمَهْرِ اخْتَصَّ بِشُهُودِ الدُّخُولِ بِإِيجَابِهِ عَلَى الزَّوْجِ فَعِنْدَ الرُّجُوعِ ضَمَانُهُ عَلَيْهِمْ وَنِصْفُ الْمَهْرِ اشْتَرَكُوا فِيهِ فَضَمَانُهُ عِنْدَ الرُّجُوعِ عَلَى كِلَا الْفَرِيقَيْنِ نِصْفَانِ فَإِنْ (قِيلَ) لَا كَذَلِكَ بَلْ جَمِيعُ الْمَهْرِ وَاجِبٌ عَلَى الزَّوْجِ بِالْعَقْدِ فَمَا أَلْزَمَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ شَيْئًا مِنْ الْمَهْرِ بِمَا شَهِدُوا بِهِ (قُلْنَا) نَعَمْ وَجَبَ جَمِيعُ الْمَهْرِ بِالْعَقْدِ وَلَكِنْ بِمُقَابَلَةِ الْبُضْعِ عَلَى أَنَّهُ فَوَّتَ تَسْلِيمَ الْبُضْعِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْتَهِي بِهِ النِّكَاحُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الزَّوْجِ مِنْهُ وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِالْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا وَلَوْلَا شَهَادَةُ شُهُودِ الطَّلَاقِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ وَلَوْلَا شَهَادَةُ شُهُودِ الدُّخُولِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْمَهْرِ وَلَكِنَّهُمَا حِينَ شَهِدَا بِوُجُودِ التَّسْلِيمِ قَبْلَ ظُهُورِ الْفُرْقَةِ فَكَأَنَّهُمَا أَلْزَمَاهُ جَمِيعَ الْمَهْرِ وَحِينَ شَهِدَا الْآخَرَانِ بِالْفُرْقَةِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ مُضَافًا إلَى الزَّوْجِ فَكَأَنَّهُمَا أَلْزَمَاهُ نِصْفَ الْمَهْرِ فَيَجِبُ ضَمَانُ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّجُوعِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ حَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَهْرِ بِشَهَادَتِهِمْ فَكَأَنَّهُمْ غَصَبُوهُ ذَلِكَ: أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ النِّصْفَ، وَالْفَرِيقُ الْآخَرُ الْكُلَّ. وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ الدُّخُولِ وَحْدَهُ ضَمِنَ رُبْعَ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الَّذِي اخْتَصَّ شُهُودُ الدُّخُولِ بِإِلْزَامِهِ بَقِيَ فِيهِ امْرَأَتَانِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَبِبَقَائِهِمَا يَبْقَى نِصْفُ ذَلِكَ النِّصْفِ فَيَجِبُ عَلَى الرَّاجِعِ نِصْفُ ذَلِكَ النِّصْفِ وَفِي النِّصْفِ الْآخَرِ قَدْ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ حُجَّةٌ تَامَّةٌ وَلَوْ رَجَعَ شَاهِدُ الطَّلَاقِ وَحْدَهُ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا؛ لِأَنَّ فِي النِّصْفِ الَّذِي لَزِمَ بِشَهَادَةِ شُهُودِ الطَّلَاقِ قَدْ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ حُجَّةٌ كَامِلَةٌ، وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ الدُّخُولِ كُلُّهُمْ ضَمِنُوا النِّصْفَ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الْآخَرَ قَدْ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ حُجَّةٌ كَامِلَةٌ وَلَوْ كَانَ شُهُودُ

стр. 3461

الطَّلَاقِ هُمْ الَّذِينَ رَجَعُوا لَمْ يَضْمَنُوا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ بِجَمِيعِ الْمَهْرِ حُجَّةٌ تَامَّةٌ وَهُمْ شُهُودُ الدُّخُولِ وَلَوْ رَجَعَتْ امْرَأَةٌ مِنْ شُهُودِ الطَّلَاقِ وَامْرَأَةٌ مِنْ شُهُودِ الدُّخُولِ فَعَلَى الرَّاجِعَةِ مِنْ شُهُودِ الدُّخُولِ ثُمُنُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ شُهُودُ الدُّخُولِ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ فَلَهُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فَبَقِيَ الْحُجَّةُ فِي ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ بِتَفَاوُتِهِمَا وَيَجِبُ عَلَى الرَّاجِعَةِ رُبْعُ ذَلِكَ النِّصْفِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى شَاهِدِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ حُجَّةٌ كَامِلَةٌ بَعْدَ رُجُوعِهَا وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً وَآخَرَانِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَقَضَى بِالْفُرْقَةِ وَبِنِصْفِ الْمَهْرِ لَهَا ثُمَّ رَجَعُوا جَمِيعًا فَضَمَانُ نِصْفِ الْمَهْرِ عَلَى شُهُودِ الثُّلُثِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى شُهُودِ الْوَاحِدَةِ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ الثُّلُثِ هُمْ الَّذِينَ قَطَعَتْ بِشَهَادَتِهِمْ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ قَبْلَ الزَّوْجِ وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ بِالثُّلُثِ يَثْبُتُ فِي الْمَحَلِّ صِفَةُ الْحُرْمَةِ وَشَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْحُرْمَةِ لَا يَثْبُتُ بِالْوَاحِدَةِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَحَلِّ لَا تَحْتَمِلُ التَّجَزُّؤَ وَإِنَّمَا قَضَى الْقَاضِي بِحُرْمَةِ الْمَحَلِّ وَذَلِكَ مِنْ مُوجِبَاتِ مَا شَهِدَ بِهِ شُهُودُ الثُّلُثِ خَاصَّةً فَعَرَفْنَا أَنَّ الْقَضَاءَ كَانَ بِشَهَادَتِهِمْ فَالضَّمَانُ عِنْدَ الرُّجُوعِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ نَظِيرُ مَا ذُكِرَ بَعْدَهُ وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ حَلَفَ لَا يَقْرَبُهَا يَوْمَ النَّحْرِ وَآخَرَانِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا يَوْمَ النَّحْرِ فَأَبَانَهَا الْقَاضِي مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا وَأَلْزَمَهُ نِصْفَ الْمَهْرِ ثُمَّ رَجَعُوا فَالضَّمَانُ عَلَى شُهُودِ الطَّلَاقِ دُونَ شُهُودِ الْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَضَى بِالْفُرْقَةِ بِشَهَادَةِ شُهُودِ الطَّلَاقِ دُونَ شَهَادَةِ شُهُودِ الْإِيلَاءِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ حُجَّةٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي أَنَّ الثَّلَاثَ غَيْرُ الْوَاحِدَةِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا إذَا شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِتَطْلِيقِهِ وَالْآخَرُ بِثَلَاثٍ وَإِذَا شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَهِيَ مَهْرُ مِثْلِهَا فَقَضَى بِذَلِكَ وَنَقَدَهَا الْأَلْفَ ثُمَّ رَجَعَا؛ لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا أَيُّهُمَا كَانَ الْمُدَّعِي فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُدَّعِيَةُ فَقَدْ أَلْزَمَا الزَّوْجَ الْأَلْفَ وَأَدْخَلَا فِي مِلْكِهِ الْبُضْعَ بِمُقَابَلَتِهِ وَالْبُضْعُ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ مُتَقَوِّمٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُ الْبُضْعَ وَمِنْ ضَرُورَةِ التَّمَلُّكِ يَقُومُ الْمَمْلُوكُ بِهِ كَالِاسْتِيلَاءِ لَمَّا كَانَ يَتَمَلَّكُ بِهِ الْحَرْبِيُّ يَتَقَوَّمُ بِهِ نَفْسُهُ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِتْلَافَ بِعِوَضٍ يَعْدِلُهُ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُدَّعِي فَقَدْ أَثْبَتْنَا عَلَيْهِ الْمِلْكَ وَعَوَّضَاهَا بِمُقَابَلَتِهِ مَا يَعْدِلُهُ وَهُوَ الْأَلْفُ فَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسَمِائَةٍ وَكَانَ الزَّوْجُ مُنْكِرًا ضَمِنَا لَهُ الْفَضْلَ؛ لِأَنَّهُمَا أَلْزَمَاهُ الْأَلْفَ وَعَوَّضَاهُ مَا يَتَقَوَّمُ بِخَمْسِمِائَةٍ فَقِيمَةُ الْبُضْعِ مَهْرُ الْمِثْلِ فَالْخَمْسُمِائَةِ الْأُخْرَى أَتْلَفَاهَا عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الزَّوْجُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا الْبُضْعَ عَلَيْهِمَا بِغَيْرِ عِوَضٍ دُونَ قِيمَةِ الْبُضْعِ وَلَكِنَّ الْبُضْعَ لَا يَتَقَوَّمُ عَلَى الْمُتْلِفِ

стр. 3462

وَإِنَّمَا يَتَقَوَّمُ عَلَى الْمُتَمَلِّكِ لِضَرُورَةِ التَّمَلُّكِ فَلَمْ يَضْمَنْ الشَّاهِدَانِ لَهُمَا شَيْئًا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يَضْمَنَانِ مَا زَادَ عَلَى الْأَلْفِ إلَى تَمَامِ مَهْرِ مِثْلِهَا وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِالتَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ بَعْدَ الدُّخُولِ ثُمَّ رَجَعَا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْفُرْقَةِ لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يَضْمَنَانِ لِلزَّوْجِ مَهْرَ الْمِثْلِ وَكَذَلِكَ إنْ قَتَلَ الْمَرْأَةَ رَجُلٌ لَمْ يَضْمَنْ الْقَاتِلُ لِلزَّوْجِ شَيْئًا مِنْ الْمَهْرِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَضْمَنُ مَهْرَ الْمِثْلِ وَكَذَلِكَ لَوْ ارْتَدَّتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ الدُّخُولِ لَمْ يَغْرَمْ لِلزَّوْجِ شَيْئًا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِلزَّوْجِ مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى الْقَاتِلِ وَعَلَيْهَا إنْ ارْتَدَّتْ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ مُتَقَوِّمٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ فَيُقَوَّمُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مِلْكِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِهِ عَيْنُ مَا دَخَلَ فِي مِلْكِهِ فَمِنْ ضَرُورَةِ التَّقَوُّمِ فِي إحْدَى الْحَالَتَيْنِ التَّقَوُّمُ فِي الْحَالَةِ الْأُخْرَى كَمِلْكِ الْيَمِينِ فَإِنَّهُ يَتَقَوَّمُ عِنْدَ ثُبُوتِهِ ابْتِدَاءً وَيَتَقَوَّمُ أَيْضًا عِنْدَ الْإِزَالَةِ بِطَرِيقِ الْإِبْطَالِ وَهُوَ الْعِتْقُ حَتَّى يَضْمَنَ شُهُودُ الْعِتْقِ الْقِيمَةَ إذَا رَجَعُوا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ شُهُودَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ إذَا رَجَعُوا ضَمِنُوا نِصْفَ الْمَهْرِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْبُضْعُ مُتَقَوِّمًا عِنْدَ الطَّلَاقِ لَمَا ضَمِنُوا شَيْئًا وَإِذَا ثَبَتَ التَّقَوُّمُ قُلْنَا الْمُتَقَوِّمُ مَضْمُونٌ بِالْإِتْلَافِ مَالًا أَوْ غَيْرَ مَالٍ كَالنَّفْسِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الْبُضْعَ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ بِالْمَالِ عِنْدَ الْإِتْلَافِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْإِتْلَافِ يَتَقَدَّرُ بِالْمِثْلِ وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْبُضْعِ وَالْمَالِ صُورَةً وَمَعْنًى فَأَمَّا عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ الْمُتَقَوِّمُ هُوَ الْمَمْلُوكُ دُونَ الْمِلْكِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ وَكَانَ تَقَوُّمُهُ لِإِظْهَارِ خَطَرِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ حَتَّى يَكُونَ مَصُونًا عَنْ الِابْتِدَالِ وَلَا يَمْلِكُ مَجَّانًا فَإِنَّ مَا يَمْلِكُهُ الْمَرْءُ مَجَّانًا لَا يَعْظُمُ خَطَرُهُ عِنْدَهُ وَذَلِكَ مَحَلٌّ لَهُ خَطَرٌ مِثْلُ خَطَرِ النُّفُوسِ؛ لِأَنَّ النَّسْلَ يَحْصُلُ بِهِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِي طَرَفِ الْإِزَالَةِ فَإِنَّهَا لَا تَتَمَلَّكُ عَلَى الزَّوْجِ شَيْئًا وَلَكِنْ يَبْطُلُ مِلْكُ الزَّوْجِ عَنْهَا. (أَلَا تَرَى) أَنَّ مَا هُوَ مَشْرُوطٌ لِمَعْنَى الْخَطَرِ عِنْدَ التَّمَلُّكِ كَالشُّهُودِ وَالْوَلِيِّ لَا يَشْتَرِطُ شَيْئًا مِنْهُ عِنْدَ الْإِزَالَةِ وَأَنَّ الْأَبَ لَوْ زَوَّجَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ بِمَالِهِ يَصِحُّ ذَلِكَ وَلَوْ خَلَعَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ بِمَالِهَا مِنْ زَوْجِهَا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ وَهَذَا بِخِلَافِ مِلْكِ الْيَمِينِ فَهُوَ مِلْكُ مَالٍ وَالْمَالُ مِثْلُ الْمَالِ صُورَةً وَمَعْنًى فَعِنْدَ الْإِتْلَافِ يَضْمَنُ بِالْمَالِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَغْرَمَانِ هُنَاكَ قِيمَةَ الْبُضْعِ فَقِيمَةُ الْبُضْعِ مَهْرُ الْمِثْلِ وَلَا يَغْرَمَانِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَإِنَّمَا يَغْرَمَانِ نِصْفَ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّهُمَا أَكَّدَا عَلَى الزَّوْجِ مَا كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ارْتَدَّتْ يَسْقُطُ عَنْهُ الْمَهْرُ وَكَذَلِكَ إذَا قَتَلَتْ ابْنَ زَوْجِهَا فَهُمَا أَكَّدَا عَلَيْهِ مَا كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ فَكَأَنَّهُمَا أَلْزَمَاهُ ذَلِكَ، هُوَ عِبَارَةُ الْمُتَقَدِّمِينَ ﵏ وَالْأَوْجَهُ أَنْ

стр. 3463

نَقُولَ: وُقُوعُ الْفُرْقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ مُسْقِطٌ جَمِيعَ الصَّدَاقِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُضَافًا إلَى الزَّوْجِ وَلَا كَانَ مُتَهَيِّئًا لِلنِّكَاحِ لِلْفِقْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ فَهُمَا بِإِضَافَةِ الْفُرْقَةِ مَنَعَا الْعِلَّةَ الْمُسْقِطَةَ مِنْ أَنْ يَعْمَلَ عَلَيْهَا فِي النِّصْفِ فَكَأَنَّهُمَا أَلْزَمَا الزَّوْجَ ذَلِكَ النِّصْفَ بِشَهَادَتِهِمَا فَيَضْمَنَانِ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَفِي هَذَا أَيْضًا نَوْعُ الشُّبْهَةِ فَإِنَّ الِابْنَ إذَا أَكْرَهَ امْرَأَةَ أَبِيهِ حَتَّى زَنَى بِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ يَغْرَمُ الْأَبُ نِصْفَ الْمَهْرِ وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الِابْنِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا تَصِيرُ بِهِ الْفُرْقَةُ مُضَافَةً إلَى الْأَبِ وَلَكِنَّا نَقُولُ هُوَ بِإِكْرَاهِهِ إيَّاهَا مَنَعَ صَيْرُورَةَ الْفُرْقَةِ مُضَافَةً إلَيْهَا وَذَا مُوجِبٌ نِصْفَ الصَّدَاقِ عَلَى الْأَبِ فَكَأَنَّهُ أَلْزَمَهُ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ شُهُودُ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ إذَا رَجَعُوا لَمْ يَضْمَنُوا شَيْئًا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يَضْمَنُونَ الدِّيَةَ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ مِلْكٌ مُتَقَوِّمٌ لِلْوَلِيِّ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْقَاتِلَ إذَا صَالَحَ فِي مَرَضِهِ عَلَى الدِّيَةِ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَقَدْ أَتْلَفُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمْ فَيَضْمَنُونَ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالًا كَمَا تُضْمَنُ النَّفْسُ بِالْإِتْلَافِ حَالَةَ الْخَطَإِ وَلَكِنَّا نَقُولُ مِلْكُ الْقِصَاصِ كَمِلْكِ الْبُضْعِ لِلزَّوْجِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَظْهَرُ إلَّا فِي حَقِّ الِاسْتِيفَاءِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مِلْكَ الْبُضْعِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ وَإِنَّمَا الْمُتَقَوِّمُ الْمَحَلُّ الْمَمْلُوكُ فَكَذَلِكَ مِلْكُ الْقِصَاصِ إلَّا أَنَّ بِالصُّلْحِ الْقَاتِلُ إنَّمَا يَلْتَزِمُ الدِّيَةَ بِمُقَابَلَةِ مَا هُوَ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهِ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى هَذَا الصُّلْحِ لِإِبْقَاءِ نَفْسِهِ وَحَاجَتُهُ مُقَدَّمَةُ عَلَى حَقِّ الْوَارِثِ فَيُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ لِهَذَا وَالْمَرِيضَةُ إذَا اخْتَلَعَتْ فَإِنَّمَا الْتَزَمَتْ الْمَالَ لَا بِمُقَابَلَةِ مَا هُوَ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهَا فَاعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ كَذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ يُسَلَّمُ لِلْقَاتِلِ الْمَحَلُّ الْمَمْلُوكُ وَهُوَ نَفْسُهُ وَذَلِكَ مُتَقَوِّمٌ وَهُنَا بِالطَّلَاقِ بَطَلَ مِلْكُ الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَلَّمَ لَهَا شَيْءٌ كَانَ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الزَّوَالِ عَنْهَا. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلْمِلْكِ الْوَارِدِ عَلَى الْمَحَلِّ فَأَمَّا تَقَوُّمُ النَّفْسِ بِالدِّيَةِ عِنْدَ الْإِتْلَافِ فَلِلصِّيَانَةِ عَنْ الْهَدَرِ وَإِظْهَارِ خَطَرِ الْمَحَلِّ وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي مِلْكِ الْقِصَاصِ فَالْعَفْوُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فَيَكُونُ إهْدَارُهُ حَسَنًا بِهَذَا الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ حَيَاةٌ حُكْمًا وَفِي الْعَفْوِ حَيَاةٌ حَقِيقَةً فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُتْلِفِ هُنَا بِمَعْنَى الصِّيَانَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فَرَضَ الزَّوْجُ لَهَا مَهْرًا فَشَهِدَا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَضَى الْقَاضِي لَهَا بِالْمُتْعَةِ ثُمَّ رَجَعَا غَرِمَا الْمُتْعَةَ لَهُ فِي النِّكَاحِ لَا تَسْمِيَةَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ نِصْفِ الصَّدَاقِ فِي نِكَاحٍ فِيهِ تَسْمِيَةٌ فَكَمَا أَنَّ هُنَاكَ عِنْدَ الرُّجُوعِ يَغْرَمَانِ لِلزَّوْجِ مَا قَضَى بِهِ الْقَاضِي وَهُوَ نِصْفُ الْمَهْرِ فَكَذَلِكَ هُنَا يَغْرَمَانِ لَهُ مَا قَضَى بِهِ الْقَاضِي وَهُوَ الْمُتْعَةُ وَزُفَرُ ﵀ يَقُولُ فِي الْفَصْلَيْنِ لَا يَغْرَمَانِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَهْرِ وَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ بِالْعَقْدِ وَإِنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ نِصْفُهُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَهُمَا

стр. 3464

أَسْقَطَا عَنْهُ الْبَعْضَ وَمَا أَوْجَبَا عَلَيْهِ شَيْئًا وَإِنَّمَا ضَمِنَّا فَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَا لَهَا؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا مِلْكَهَا فِي بَعْضِ الصَّدَاقِ وَفِيمَا قَرَّرْنَا جَوَابٌ عَنْ كَلَامِ زُفَرَ ﵀ وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَلْفٍ وَالزَّوْجُ يَجْحَدُ وَمَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسُمِائَةٍ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَضَى بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعُوا فَعَلَى شَاهِدَيْ النِّكَاحِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ وَعَلَى شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسِمِائَةِ إلَى تَمَامِ أَلْفٍ أَلْزَمَهُ شُهُودَ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ بِمُقَابَلَتِهِ وَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ نِصْفُ ذَلِكَ بِالطَّلَاقِ وَبَقِيَ النِّصْفُ فَيَغْرَمَانِ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَذَلِكَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ وَمِقْدَارُ الْخَمْسِمِائَةِ أَلْزَمَاهُ بِعِوَضٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ وَلَكِنَّ شُهُودَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ كَأَنَّهُمَا أَلْزَمَاهُ نِصْفَ ذَلِكَ النِّصْفِ تَمْنَعُهُمَا الْعِلَّةُ الْمُسْقِطَةُ مِنْ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَهَا حِينَ أَضَافَا الْفُرْقَةَ إلَى الزَّوْجِ فَيَضْمَنَانِ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَلَوْ شَهِدَ آخَرَانِ أَيْضًا بِالدُّخُولِ فَأَلْزَمَهُ الْقَاضِي أَلْفَ دِرْهَمٍ ثُمَّ رَجَعُوا فَعَلَى شَاهِدَيْ النِّكَاحِ خَمْسُمِائَةٍ الْفَضْلُ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُمَا أَلْزَمَاهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَأَمَّا الْخَمْسُمِائَةِ الْأُخْرَى أَلْزَمَاهُ بِعِوَضٍ يَعْدِلُهُ فَلَا يَضْمَنَانِ لَهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ بَقِيَ فِي ذَلِكَ شَاهِدَا الدُّخُولِ وَشَاهِدَا التَّطْلِيقِ فَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ عَلَى شَاهِدَيْ الدُّخُولِ وَرُبْعُهُ عَلَى شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ بِمَنْزِلَةِ جَمِيعِ الْمُسَمَّى فِي مَسْأَلَةٍ أَوَّلَ الْبَابِ عَلَى مَا قَرَّرْنَا وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى امْرَأَةٍ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا عَلَى أَنْ بَرَّأَتْهُ مِنْ الْمَهْرِ وَالزَّوْجُ يَدَّعِي ذَلِكَ وَهِيَ تَجْحَدُ فَقَضَى بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا نِصْفَ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا لَكَانَ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ لِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ فَهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِمَا ذَلِكَ النِّصْفَ بِشَهَادَتِهِمَا وَلَوْ كَانَ دَخَلَ بِهَا بَعْدَ الزَّوْجِ وَالْمَهْرُ عَلَيْهِ ضَمِنَا لَهَا جَمِيعَ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا لَكَانَ لَهَا جَمِيعُ الْمَهْرِ عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بِإِقْرَارِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ فَهُمَا أَتْلَفَا جَمِيعَ الْمَهْرِ عَلَيْهَا بِشَهَادَتِهِمَا بِالْخُلْعِ وَالْإِبْرَاءِ مِنْ الْمَهْرِ فَيَضْمَنَانِ ذَلِكَ لَهَا عِنْدَ الرُّجُوعِ كَشَاهِدَيْ الْإِبْرَاءِ فِي سَائِرِ الدُّيُونِ وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ بَلْ تَزَوَّجَنِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَذَلِكَ مَهْرُ مِثْلِهَا فَأَقَامَ الزَّوْجُ شَاهِدَيْنِ بِمَا ادَّعَى وَقَضَى بِذَلِكَ وَقَدْ دَخَلَ بِهَا ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا لَهَا تِسْعَمِائَةٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَلَمْ يَضْمَنْ لَهَا شَيْئًا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَهُوَ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ كِتَابِ النِّكَاحِ إذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي الْمَهْرِ وَمَهْرُ الْمِثْلِ مِثْلُ مَا تَقُولُهُ الْمَرْأَةُ فَعِنْدَهُمَا الْقَوْلُ قَوْلُهَا وَعِنْدَهُ الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ وَلَوْلَا شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ لَكَانَ يُقْضَى لَهَا عَلَى الزَّوْجِ بِالْأَلْفِ فَهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهَا بِشَهَادَتِهِمَا مِقْدَارَ تِسْعِمِائَةٍ فَيَضْمَنَانِ لَهَا ذَلِكَ عِنْدَ الرُّجُوعِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ -

стр. 3465

الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي الْمَهْرِ فَالشَّاهِدَانِ لَمْ يُتْلِفَا عَلَى الْمَرْأَةِ شَيْئًا فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي مَعْنَى الْمُسْتَنْكَرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنْ يَدَّعِيَ الزَّوْجُ دُونَ الْعَشَرَةِ فَأَمَّا إذَا ادَّعَى نُقْصَانًا كَثِيرًا عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ كَمَا فَسَّرَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَضْمَنَا لَهَا شَيْئًا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ بَعْدَ الطَّلَاقِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ فَلَا يَضْمَنَانِ لَهَا شَيْئًا لِذَلِكَ وَذَكَرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْأَصْلِ يَضْمَنَانِ لَهَا أَرْبَعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا وَهَذَا إنْ صَحَّ فَهُوَ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ مِنْ تَحْكِيمِ الْمُتْعَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ عِنْدَهُمَا أَنْ تَكُونَ مُتْعَتُهَا خَمْسَمِائَةٍ فَقَدْ أَتْلَفَا عَلَيْهَا مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسِينَ وَذَلِكَ أَرْبَعُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ فَيَضْمَنَانِ ذَلِكَ لَهَا وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ لَمْ تُقِرَّ بِالنِّكَاحِ لَمْ يَضْمَنَا لَهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا مَا أَتْلَفَا عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الْمَالِ إنَّمَا أَتْلَفَا عَلَيْهَا مِلْكَ الْبُضْعِ بِشَهَادَتِهِمَا وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْبُضْعَ لَا يَتَقَوَّمُ عَلَى غَيْرِ الْمُتَمَلِّكِ وَلَوْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ صَالَحَ مِنْ نَفَقَتِهَا عَلَى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ كُلَّ شَهْرٍ فَقَالَ الزَّوْجُ: صَالَحْتُكِ عَلَى خَمْسَةٍ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ صَالَحَهَا عَلَى عَشَرَةٍ فَقَضَى بِهَا ثُمَّ رَجَعَا فَإِنْ كَانَتْ نَفَقَةُ مِثْلِهَا عَشَرَةً أَوْ أَكْثَرَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا فِي مِقْدَارِ نَفَقَةِ مِثْلِهَا فَالشُّهُودُ مَا أَلْزَمُوا الزَّوْجَ شَيْئًا بِغَيْرِ عِوَضٍ وَإِنْ كَانَتْ نَفَقَةُ مِثْلِهَا أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ ضَمِنَا الْفَضْلَ لِلزَّوْجِ فِيمَا مَضَى؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الزَّوْجِ فِي إنْكَارِهِ الْفَضْلَ عَلَى نَفَقَةِ مِثْلِهَا فَإِنَّمَا أَلْزَمَاهُ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمَا. وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي لِامْرَأَةٍ بِمَهْرٍ أَوْ مُتْعَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ فَمَضَتْ مُدَّةٌ ثُمَّ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَيْهَا بِالِاسْتِيفَاءِ وَقَضَى بِهِ ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ دَيْنًا مُسْتَحَقًّا لَهَا عَلَى الزَّوْجِ فَنَفَقَةُ الزَّوْجَةِ تَصِيرُ دَيْنًا بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الشَّهَادَةَ بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مُوجِبُ الضَّمَانِ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَكَذَلِكَ الْوَلَدُ وَكُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِمَّنْ فَرَضَ لَهُ الْقَاضِي النَّفَقَةَ وَهَذَا عَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ حَيْثُ يَقُولُ إنَّ نَفَقَةَ ذَوِي الْأَرْحَامِ تَصِيرُ دَيْنًا بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ كِتَابِ النِّكَاحِ يَقُولُ لَا تَصِيرُ ذَلِكَ دَيْنًا بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ وَإِنْ قَضَى الْقَاضِي فَعَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ شُهُودُ الِاسْتِيفَاءِ لَا يَضْمَنُونَ شَيْئًا وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا أَمْلَيْنَا مِنْ شَرْحِ الْجَامِعِ وَلَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى الطَّلَاقِ وَرَجُلَانِ عَلَى الدُّخُولِ ثُمَّ رَجَعَ شَاهِدُ الطَّلَاقِ وَأَحَدُ شَاهِدَيْ الدُّخُولِ ضَمِنُوا جَمِيعًا نِصْفَ الْمَهْرِ عَلَى شَاهِدِ الدُّخُولِ مِنْ ذَلِكَ نِصْفُهُ وَالنِّصْفُ الْبَاقِي عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّ فِي النِّصْفِ الَّذِي لَزِمَهُ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الدُّخُولِ خَاصَّةً بَقِيَ أَحَدُهُمَا عَلَى الشَّهَادَةِ فَتَبْقَى الْحُجَّةُ فِي نِصْفِ ذَلِكَ النِّصْفِ بِبَقَائِهِ فَعَلَى الرَّاجِعِ مِنْهُمَا نِصْفُ ذَلِكَ النِّصْفِ وَفِي النِّصْفِ الْبَاقِي يَبْقَى نِصْفُهُ

стр. 3466

أَيْضًا بِبَقَائِهِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَإِنَّمَا انْعَدَمَتْ الْحُجَّةُ فِي نِصْفِ ذَلِكَ النِّصْفِ وَقَدْ كَانَ ثَبَتَ بِشَهَادَتِهِمْ جَمِيعًا فَعِنْدَ الرُّجُوعِ يَجِبُ ضَمَانُ ذَلِكَ النِّصْفِ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا مَهْرًا فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ صَالَحَهَا مِنْ الْمُتْعَةِ عَلَى عَبْدٍ وَدَفَعَهُ إلَيْهَا وَقَبَضَتْهُ وَهِيَ تُنْكِرُ ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا فَإِنَّهُمَا يَضْمَنَا الْمُتْعَةَ لَهَا وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ مِثْلِ كِسْوَتِهَا فِي بَيْتِهَا وَلَا يَضْمَنَانِ لَهَا الْعَبْدَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ حَقِّهَا هُوَ الْمُتْعَةُ وَقَدْ أَتْلَفَا بِشَهَادَتِهِمَا ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَأَمَّا الْعَبْدُ كَانَ مِلْكًا لِلزَّوْجِ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا فَلَا يَضْمَنَانِ لَهَا الْعَبْدَ وَإِنْ شَهِدَا عَلَيْهَا بِقَبْضِهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ لَهَا بِشَهَادَتِهِمَا وَهِيَ تُنْكِرُ فَلَا يَكُونُ لَهَا أَنْ تُضَمِّنَهُمَا قِيمَةَ الْعَبْدِ مَعَ مَا سَبَقَ مِنْ إنْكَارِهَا وَإِنَّمَا تُضَمِّنُهُمَا أَصْلَ حَقِّهَا وَهُوَ الْمُتْعَةُ فَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ضَمِنَا لَهُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ بِالْمُتْعَةِ عَلَى نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ فَلَوْلَا شَهَادَتُهُمَا؛ كَانَ لَهَا هَذِهِ الْخَمْسَةُ فَلِهَذَا ضَمِنَا لَهَا عِنْدَ الرُّجُوعِ الْخَمْسَةَ وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى الطَّلَاقِ وَشَاهِدَانِ عَلَى الدُّخُولِ وَلَمْ يَكُنْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا فَقُضِيَ بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعُوا ضَمِنَ شَاهِدَا الطَّلَاقِ نِصْفَ الْمُتْعَةِ وَشَاهِدَا الدُّخُولِ بَقِيَّةَ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الْمُتْعَةَ فِي نِكَاحٍ لَا تَسْمِيَةَ فِيهِ كَنِصْفِ الْمُسَمَّى فِي نِكَاحٍ فِيهِ تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ شُهُودُ الطَّلَاقِ يَغْرَمُونَ رُبْعَ الْمُسَمَّى فَكَذَلِكَ هُنَا يَغْرَمُونَ نِصْفَ الْمُتْعَةِ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إلَى تَمَامِ مَهْرِ الْمِثْلِ ثَابِتٌ بِشَهَادَةِ شُهُودِ الدُّخُولِ فَيَغْرَمُونَ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ بِعَيْنِهَا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا لِرَجُلٍ آخَرَ وَآخَرَانِ عَلَى مِائَةٍ مِنْهَا أَنَّهَا لَهُ فَقَضَى لَهُ بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُ شَاهِدَيْ الْمِائَتَيْنِ ضَمِنَ خَمْسِينَ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ الْمِائَةِ اُسْتُحِقَّ بِشَهَادَتِهِ وَشَهَادَةِ صَاحِبِهِ خَاصَّةً، وَقَدْ بَقِيَ نِصْفُهُ بِبَقَاءِ صَاحِبِهِ عَلَى الشَّهَادَةِ فَيَغْرَمُ نِصْفَهُ وَذَلِكَ خَمْسُونَ وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُ شَاهِدَيْ الْمِائَةِ أَيْضًا لِمَنْ يَضْمَنُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ الْمِائَةِ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ الْأَرْبَعِ وَقَدْ بَقِيَ اثْنَانِ عَلَى الشَّهَادَةِ بِتِلْكَ الْمِائَةِ فَلَا يَغْرَمُ الرَّاجِعَانِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابٌ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ] بَابٌ عَنْ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ أَيْضًا (قَالَ ﵀ وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ ذِمِّيَّانِ لِذِمِّيٍّ عَلَى ذِمِّيٍّ بِمَالِ أَوْ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فَقَضَى بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا الْمَالَ، وَقِيمَةُ الْخَمْرِ مِثْلُ قِيمَةِ الْخِنْزِيرِ)؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الرُّجُوعِ بِمَنْزِلَةِ ضَمَانِ الْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي ذَلِكَ يَسْتَوُونَ بِالْمُسْلِمِينَ وَيَضْمَنُونَ فِي الْخَمْرِ الْمِثْلَ وَفِي الْخِنْزِيرِ الْقِيمَةَ وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ أَسْلَمَا ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا ضَمِنَا قِيمَةَ الْخِنْزِيرِ؛ لِأَنَّ الْخِنْزِيرَ لَيْسَ مِنْ

стр. 3467

ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا ضَمَانُ الْقِيمَةِ بِنَفْسِ الْإِتْلَافِ وَإِسْلَامُهُمَا لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ ذَلِكَ وَفِي الْخَمْرِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يَضْمَنَانِ الْقِيمَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لَا يَضْمَنَانِ شَيْئًا بِنَاءً عَلَى إسْلَامِ الْمُسْلِمِينَ الْمَطْلُوبِ بَعْدَ إتْلَافِ الْخَمْرِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْغَصْبِ وَلَوْ لَمْ يُسْلِمْ الشَّاهِدَانِ وَأَسْلَمَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا قِيمَةَ الْخِنْزِيرِ وَلَمْ يَضْمَنَا الْخَمْرَ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمَا مِثْلُ الْخَمْرِ وَإِسْلَامُ الطَّالِبِ يُسْقِطُ الْخَمْرَ لَا إلَى بَدَلٍ فَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِمَا طَالِبٌ فَأَمَّا إتْلَافُ الْخِنْزِيرِ يُوجِبُ الْقِيمَةَ وَإِسْلَامُ الطَّالِبِ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَهَا وَاسْتِيفَاءَهَا وَلَوْ شَهِدَ ذِمِّيَّانِ بِمَالٍ عَلَى ذِمِّيٍّ وَأَسْلَمَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا لَمْ يَقْضِ بِهَا؛ لِأَنَّ إسْلَامَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لَوْ اقْتَرَنَ بِشَهَادَتِهِمَا مُنِعَ الْعَمَلُ بِهَا فَكَذَلِكَ إذَا طَرَأَ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَهَذَا لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي إلَّا بِحُجَّةٍ وَشَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَإِذَا شَهِدَ مَحْدُودَانِ بِقَذْفٍ بِشَهَادَةٍ وَلَمْ يَعْلَمْ الْقَاضِي بِذَلِكَ حَتَّى قَضَى بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ عَلِمَ بِذَلِكَ وَلَيْسَ مِنْ رَأْيِهِ إمْضَاؤُهُ فَإِنَّهُ يَرُدُّ الْقَضَاءَ وَيَأْخُذُ الْمَالَ مِنْ الْمَقْضِيِّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ الْخَطَأُ فِي قَضَائِهِ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي فِي الْمُجْتَهَدَاتِ إنَّمَا يَنْفُذُ إذَا صَدَرَ عَنْ اجْتِهَادٍ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ اجْتِهَادٍ وَإِنَّمَا كَانَ عَنْ تَلْبِيسٍ وَاشْتِبَاهٍ لَمْ يَنْفُذْ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْجَامِعِ ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ قَضَاءَهُ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ نَافِذٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ اجْتِهَادٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقُضُ قَضَاءَهُ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الْخَطَأُ بِيَقِينٍ وَفِي الِاجْتِهَادِ لَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فَعَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ لَا يُنْقَضُ الْقَضَاءُ هُنَا أَيْضًا (قَالَ) وَكَذَلِكَ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُمَا عَبْدَانِ أَوْ كَافِرَانِ أَوْ أَعْمَيَانِ أَمَّا فِي الْعَبْدَيْنِ وَالْكَافِرَيْنِ فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ قَضَاءَهُ كَانَ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَفِي الْأَعْمَيَيْنِ الْجَوَابُ مِثْلُ الْجَوَابِ فِي الْمَحْدُودَيْنِ فِي الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَهُ حَصَلَ فِيمَا هُوَ مُجْتَهَدٌ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الِاجْتِهَادَ وَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ﵏ يَعْنِي رَدَّ الْقَضَاءِ وَأَخْذَ الْمَالِ مِنْ الْمَقْضِيِّ لَهُ وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا قِيمَةَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ مِلْكًا هُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ وَلَا يُمْنَعُ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَيْهِمَا بِثُبُوتِ الْوَلَاءِ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ بَلْ هُوَ كَالنَّسَبِ فَلَا يَكُونُ عِوَضًا عَمَّا أَتْلَفَا عَلَيْهِ مِنْ مِلْكِ الْمَالِ وَلَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ أَنَّهُ دَبَّرَهُ فَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا مَا نَقَصَهُ التَّدْبِيرُ؛ لِأَنَّهُمَا أَوْجَبَا حَقَّ الْعِتْقِ لِلْعَبْدِ بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا مَا نَقَصَهُ التَّدْبِيرُ؛ لِأَنَّهُمَا أَوْجَبَا حَقَّ الْعِتْقِ لِلْعَبْدِ وَبِذَلِكَ يُنْقَضُ مِلْكُ الْمَالِيَّةِ لِلْمَوْلَى فَيَضْمَنَانِ ذَلِكَ النُّقْصَانَ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ مِقْدَارَ نُقْصَانِ التَّدْبِيرِ فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى يَخْرُجُ

стр. 3468

الْعَبْدُ مِنْ ثُلُثِهِ عِتْقٌ وَضَمِنَ الشَّاهِدَانِ قِيمَتَهُ مُدَبَّرًا؛ لِأَنَّ تَلَفَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ عِنْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى حَصَلَ بِشَهَادَتِهِمَا فَالتَّدْبِيرُ مُوجِبٌ حَقَّ الْعِتْقِ فِي الْحَالِ وَحَقِيقَةُ الْعِتْقِ فِي الثُّلُثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَدْ كَانَ ضَمِنَا مَا أَتْلَفَاهُ مُعَجَّلًا وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ مُؤَجَّلًا فَيَضْمَنَانِ ذَلِكَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْإِتْلَافِ وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ عَتَقَ ثُلُثُهُ وَيَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ وَيَضْمَنُ الشَّاهِدَانِ ثُلُثَ الْقِيمَةِ إذَا عَجَّلَ الْعَبْدُ الثُّلُثَيْنِ فَإِنَّ بَدَلَ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ قَدْ سُلِّمَ لِلْوَرَثَةِ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ فَإِتْلَافُ الشَّاهِدَيْنِ لِذَلِكَ حَصَلَ بِعِوَضٍ فَلَا يَضْمَنَانِهِ عِنْدَ الرُّجُوعِ فَأَمَّا مِقْدَارُ الثُّلُثِ أَتْلَفَاهُ عَلَى الْوَرَثَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَيَضْمَنَانِ ثُلُثَ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا وَلَا يَرْجِعَانِ بِذَلِكَ الثُّلُثِ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُمَا غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي حَقِّ الْعَبْدِ وَإِنْ لَمْ يُعَجِّلْ الْعَبْدُ الثُّلُثَيْنِ مِنْ الْقِيمَةِ وَعَجَزَ عَنْهَا فَلِلْوَرَثَةِ أَنْ يَرْجِعُوا بِهِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا حَالَا بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَبَيْنَ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ مَالِيَّتِهِ بِشَهَادَتِهِمَا وَالْعِوَضُ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ فَكَأَنَّهُمَا أَتْلَفَا ذَلِكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَيَضْمَنَانِ لِلْوَرَثَةِ كَالثُّلُثِ وَيَرْجِعُ الشَّاهِدَانِ بِذَلِكَ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُمَا قَامَا مَقَامَ الْوَرَثَةِ حِينَ ضَمِنَا ذَلِكَ وَقَدْ كَانَ لِلْوَرَثَةِ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْعَبْدِ بِذَلِكَ فَكَذَلِكَ لِمَنْ قَامَ مَقَامَهُ بِخِلَافِ ثُلُثِ الْقِيمَةِ وَحَالُهُمَا فِي الثُّلُثَيْنِ كَحَالِ شُهُودِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ إلَى سَنَةٍ فَقَضَى بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَا وَهُوَ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ أَوْ أَلْفًا فَإِنَّهُمَا يَضْمَنَانِ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّهُمَا حَالَا بَيْنَ الْمَوْلَى وَبَيْنَ مَالِيَّةِ الْعَبْدِ بِشَهَادَتِهِمَا عَلَيْهِ بِالْكِتَابَةِ فَكَانَا بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبَيْنِ ضَامِنَيْنِ لِلْقِيمَةِ ثُمَّ يَتْبَعَانِ الْمُكَاتَبَ بِالْمُكَاتَبَةِ عَلَى نَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا قَامَا مَقَامَ الْمَوْلَى فِي ذَلِكَ حِينَ ضَمِنَا قِيمَتَهُ وَلَا يُعْتَقُ الْمُكَاتَبُ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ رُجُوعِ الشَّاهِدَيْنِ مَا كَانَ يُعْتَقُ إلَّا بَعْدَ أَدَاءِ جَمِيعِ الْأَلْفِ إلَى الْمَوْلَى فَكَذَلِكَ حَالُهُ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ بَعْدَ مَا ضَمِنَا الْقِيمَةَ فَإِذَا أَدَّاهُ عَتَقَ وَالْوَلَاءُ لِلَّذِي كَاتَبَهُ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ قَامَا مَقَامَ الْمَوْلَى فِي قَبْضِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ مِنْهُ فَأَدَاؤُهُ إلَيْهِمَا كَأَدَائِهِ إلَى الْمَوْلَى وَهَذَا لِأَنَّ رُجُوعَهُمَا فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَقَدْ اسْتَحَقَّ الْمُكَاتَبُ أَنْ يُعْتَقَ عَلَى الْمَوْلَى وَيَكُونَ وَلَاؤُهُ لَهُ فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ الْحَقُّ بِرُجُوعِ الشَّاهِدَيْنِ وَإِنْ عَجَزَ وَرُدَّ فِي الرِّقِّ كَانَ لِمَوْلَاهُ؛ لِأَنَّ رَقَبَتَهُ لَمْ تَصِرْ مَمْلُوكَةً لِلشَّاهِدَيْنِ فَالْمُكَاتَبُ لَيْسَ بِمَحَلِّ النَّقْلِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ فَرُجُوعُهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ فِي حَقِّهِ وَيَرُدُّ الْمَوْلَى مَا أَخَذَ مِنْ الشُّهُودِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْحَيْلُولَةَ قَدْ زَالَتْ بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ فَهُوَ نَظِيرُ غَاصِبِ الْمُدَبَّرِ إذَا ضَمِنَ الْقِيمَةَ بَعْدَ مَا أَبَقَ ثُمَّ رَجَعَ فَيَكُونُ مَرْدُودًا عَلَى مَوْلَاهُ وَيَرُدُّ الْمَوْلَى عَلَى الْغَاصِبِ مَا أَخَذَ مِنْهُ وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ حَلَفَ بِعِتْقِهِ إنْ دَخَلَ هَذِهِ الدَّارَ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَهَا فَقَضَى بِعِتْقِهِ ثُمَّ

стр. 3469

رَجَعُوا جَمِيعًا ضَمِنَ شَاهِدُ الْيَمِينِ قِيمَةَ الْعَبْدِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى شَاهِدَيْ الدُّخُولِ عِنْدَنَا وَقَالَ زُفَرُ ﵀ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ تَلَفَ الْمَالِ حَصَلَ بِشَهَادَةِ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا وَلَكِنَّا نَقُولُ شُهُودُ الْيَمِينِ أَثْبَتُوا بِشَهَادَتِهِمْ الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ لِلْعِتْقِ وَهُوَ قَوْلُهُ أَنْتَ حُرٌّ وَشُهُودُ الدُّخُولِ إنَّمَا أَثْبَتُوا شَرْطَ الْعِتْقِ وَالشَّرْطُ لَا يُعَارِضُ الْعِلَّةَ فِي إحَالَةِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَى عِلَّتِهِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِهَا شَرْعًا وَإِلَى الشَّرْطِ مَجَازًا؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ عِنْدَ الشَّرْطِ لَا بِهِ وَالْمَجَازُ لَا يُعَارِضُ الْحَقِيقَةَ بَلْ مَتَى كَانَتْ الْعِلَّةُ صَالِحَةً لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا لَا يُضَافُ شَيْءٌ إلَى الشَّرْطِ وَهُوَ نَظِيرُ حَافِرِ الْبِئْرِ مَعَ الْمُلْقِي فَإِنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْمُلْقِي دُونَ الْحَافِرِ وَعَلَى الْقَائِدِ دُونَ الْمُمْسِكِ لِهَذَا الْمَعْنَى وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي مَسْأَلَةِ شُهُودِ الْإِحْصَانِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ وَلَمْ يُذْكَرْ هُنَا أَنَّ الْيَمِينَ لَوْ كَانَتْ ثَابِتَةً بِإِقْرَارِ الْمَوْلَى وَشَهِدَ شَاهِدَانِ بِالشَّرْطِ ثُمَّ رَجَعَا ظَنَّ بَعْضُ مَشَايِخِنَا ﵏ أَنَّهُمَا يَضْمَنَانِ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَقَالُوا إنَّ الْعِلَّةَ لَا تَصْلُحُ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا هُنَا فَإِنَّهَا لَيْسَتْ تَتَعَدَّى فَيَكُونُ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَى الشَّرْطِ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ يُجْعَلُ خَلَفًا عَنْ الْعِلَّةِ هُنَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْحُكْمَ يُضَافُ إلَيْهِ وُجُودًا عِنْدَهُ وَشَبَهُ هَذَا حَفْرُ الْبِئْرِ وَهُوَ غَلَطٌ بَلْ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ شُهُودَ الشَّرْطِ لَا يَضْمَنُونَ بِحَالٍ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الزِّيَادَاتِ. وَهَذَا لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتَ حُرٌّ مُبَاشَرَةُ الْإِتْلَافِ لِلْمَالِيَّةِ، وَعِنْدَ وُجُودِ مُبَاشَرَةِ الْإِتْلَافِ الْحُكْمُ يُضَافُ إلَيْهِ دُونَ الشَّرْطِ سَوَاءٌ كَانَ بِطَرِيقِ التَّعَدِّي بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْحَفْرِ فَالْعِلَّةُ هُنَاكَ ثِقَلُ الْمَاشِي وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْإِتْلَافِ فِي شَيْءٍ فَلِهَذَا يُجْعَلُ الْإِتْلَافُ مُضَافًا إلَى الشَّرْطِ وَهُوَ إزَالَةُ الْمَسْكَةِ بِحَفْرِ الْبِئْرِ الَّذِي فِي الطَّرِيقِ وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْ مُدَبَّرٍ مِنْهُ وَآخَرَانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ أَلْبَتَّةَ فَقَضَى بِهِ ثُمَّ رَجَعُوا فَضَمَانُ الْقِيمَةِ عَلَى شَاهِدَيْ الْعِتْقِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى شَاهِدَيْ التَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ كَانَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الْعِتْقِ فَمَنَعَ جَرَّ الْعِتْقِ الْمُضَافِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَا التَّدْبِيرِ فَقَضَى الْقَاضِي بِهِ ثُمَّ شَهِدَ شَاهِدَا الْعِتْقِ فَقَضَى بِهِ ثُمَّ رَجَعُوا فَعَلَى شَاهِدَيْ التَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ مَا نَقَصَهُ التَّدْبِيرُ ذَلِكَ الْجَرُّ تَلِفَ بِشَهَادَتِهِمَا حِينَ قَضَى بِهَا الْقَاضِي وَيَضْمَنُ شَاهِدَا الْعِتْقِ قِيمَتَهُ مُدَبَّرًا؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا مَالِيَّةَ الْمَوْلَى بِشَهَادَتِهِمَا، وَعِنْدَ شَهَادَتِهِمَا كَانَ هُوَ مُدَبَّرًا فَيَضْمَنَانِ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَلَوْ كَانَ شَاهِدَا الْعِتْقِ عَلَى الثِّيَابِ شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَهُ قَبْلَ التَّدْبِيرِ فَأَعْتَقَهُ الْقَاضِي ثُمَّ رَجَعُوا ضَمِنَ شَاهِدُ الْعِتْقِ قِيمَتَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَى شَاهِدَيْ التَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ شَاهِدَيْ التَّدْبِيرِ مَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ شَيْئًا وَأَنَّ الْقَاضِيَ أَخْطَأَ فِي قَضَائِهِ بِالتَّدْبِيرِ حِينَ قَامَتْ الْحُجَّةُ عَلَى الْحُرِّيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا حَصَلَ تَلَفُ الْمَالِيَّةِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الْعِتْقِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا

стр. 3470

عِنْدَ الرُّجُوعِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا أَنَّهُ بَاعَ عَبْدَهُ مِنْ هَذَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَوَقَّتَا لِذَلِكَ وَقْتًا قَبْلَ التَّدْبِيرِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُبْطِلُ التَّدْبِيرَ وَيُنْفِذُ الْبَيْعَ فَإِنْ رَجَعُوا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ شُهُودُ التَّدْبِيرِ شَيْئًا وَضَمِنَ شُهُودُ الْبَيْعِ فَضْلَ الْقِيمَةِ عَلَى الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ فِي الْفَضْلِ حَصَلَ بِشَهَادَتِهِمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِي هُوَ الْمُنْكِرُ ضَمِنَا لِلْمُشْتَرِي فَضْلَ الثَّمَنِ عَلَى الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ الْفَضْلَ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَلَوْ كَانَ سَوَاءً وَشَهِدَا أَنَّهُ نَقَدَ الثَّمَنَ وَالْبَائِعُ مُنْكِرٌ ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الْبَيْعِ وَلَمْ يَرْجِعَا عَنْ نَقْدِ الثَّمَنِ لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْبَيْعِ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْ الْعَبْدِ بِعِوَضٍ يَعْدِلُهُ وَهُمَا ثَابِتَانِ عَلَى شَهَادَتِهِمَا بِنَقْدِ الثَّمَنِ فَهُوَ وَمَا لَوْ شَهِدَ بِهِ غَيْرُهُمَا سَوَاءٌ وَلَوْ رَجَعَ عَنْ نَقْدِ الثَّمَنِ ضَمِنَ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّهُمَا أَقَرَّا بِالرُّجُوعِ أَنَّهُمَا أَتْلَفَا مِلْكَ الْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ بِشَهَادَتِهِمَا عَلَيْهِ بِالِاسْتِيفَاءِ وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْمُدَّعِي وَالْمُشْتَرِي يَجْحَدُ لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا أَدْخَلَا فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي مَا يَعْدِلُ مَا أَلْزَمَاهُ مِنْ الثَّمَنِ. وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ إلَى سَنَةٍ وَقِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةٍ فَأَجَازَ الْقَاضِي ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَا فَاخْتَارَ الْمَوْلَى ضَمَانَ الشَّاهِدَيْنِ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا حَالَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِيَّةِ الْعَبْدِ بِشَهَادَتِهِمَا وَبَدَلُ الْكِتَابَةِ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ الْمُفْلِسِ كَالتَّاوِي فَإِنْ قَبَضَ الْمَوْلَى مِنْهُمَا الْقِيمَةَ لَمْ يُعْتَقْ الْمُكَاتَبُ حَتَّى يُؤَدِّيَ أَلْفَ دِرْهَمٍ إلَى الشَّاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا قَامَا مَقَامَ الْمَوْلَى فِي اسْتِيفَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ حِينَ ضَمَّنَهُمَا الْقِيمَةَ وَيَتَصَدَّقَانِ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رِبْحٌ حَصَلَ لَهُمَا بِكَسْبٍ خَبِيثٍ وَهُوَ شَهَادَةُ الزُّورِ وَإِنْ لَمْ يُجْبَرْ الْمَوْلَى يَضْمَنُهُمَا وَلَكِنْ جَعَلَ يَتَقَاضَى الْمُكَاتَبُ حَتَّى قَبَضَ مِنْهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا غَيْرَ أَنَّهُ عَلِمَ بِرُجُوعِ الشَّاهِدَيْنِ فَهَذَا اخْتِيَارٌ لِلْمُكَاتَبَةِ وَلَا يَضْمَنُ الشَّاهِدَانِ شَيْئًا أَبَدًا مَا خَلَا خُصْلَةً وَاحِدَةً وَهِيَ أَنْ تَكُونَ الْمُكَاتَبَةُ أَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ فَإِنَّ هُنَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمُكَاتَبَ بِالْمُكَاتَبَةِ وَيَرْجِعَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ بِفَضْلِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ مَا عَلِمَ بِرُجُوعِ الشَّاهِدَيْنِ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ تَضْمِينِ الشَّاهِدَيْنِ الْقِيمَةَ وَمُطَالَبَةِ الْمُكَاتَبِ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ فَاخْتِيَارُهُ اتِّبَاعَ الْمُكَاتَبِ بِالتَّقَاضِي مِنْهُ يَتَضَمَّنُ بَرَاءَةَ الشَّاهِدَيْنِ كَمَا فِي الْغَصْبِ مَعَ غَاصِبِ الْغَاصِبِ وَلَكِنَّ هَذَا فِي مِقْدَارِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَأَمَّا مَا زَادَ عَلَيْهِ إلَى تَمَامِ الْقِيمَةِ فَحَقُّهُ فِيهِ قَبْلَ الشَّاهِدَيْنِ خَاصَّةً فَلَا يَكُونُ اخْتِيَارُهُ اتِّبَاعَ الْمُكَاتَبِ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ أَبْرَأَ الشَّاهِدَيْنِ عَنْ ذَلِكَ الْفَضْلِ فَلِهَذَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمَا بِهِ. وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ بَاعَ عَبْدَهُ مِنْ رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إلَى سَنَةٍ وَقِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةٍ وَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي ذَلِكَ وَالْبَائِعُ يَجْحَدُ فَأَجَازَ الْقَاضِي ثُمَّ رَجَعَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَ الْمُشْتَرِيَ الثَّمَنَ وَبَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَ الشَّاهِدَيْنِ الْقِيمَةَ لِإِتْيَانِهِمَا الْحَيْلُولَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِلْكِهِ فِي الْحَالِ وَالْبَدَلُ لَا يَصِلُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ الْأَجَلِ فَإِنْ
следующие страницы →