← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 5423

المبسوط للسرخسي

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (6 278 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

وَإِذَا كَانَتْ شَاةٌ فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا شَاتُهُ وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ فَقَضَى الْقَاضِي لَهُ بِهَا، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا شَاتُهُ وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ، وَقَالَ ذُو الْيَدِ لِلْقَاضِي: قَدْ قَضَيْتَ لِي بِالْوِلَادَةِ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنْ اكْتَفَيْتَ بِذَلِكَ، وَإِلَّا أَعَدْتُهَا فَإِنَّهُ يَأْمُرُهُ أَنْ يُعِيدَ بَيِّنَتَهُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْبَيِّنَةِ الْأُولَى كَانَ عَلَى خَصْمِهِ خَاصَّةً فَيَجْعَلُ إقَامَتَهَا فِي حَقِّ الثَّانِي وُجُودًا وَعَدَمًا بِمَنْزِلَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ بِهِ لِلْمِلْكِ وَثُبُوتُ الْمِلْكِ بِالْبَيِّنَةِ فِي حَقِّ شَخْصٍ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ فِي حَقِّ شَخْصٍ آخَرَ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ يَصِيرُ ذُو الْيَدِ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ فَإِنْ أَعَادَ بَيِّنَةً قَضَى بِهَا لَهُ تَقْدِيمًا لِبَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ فِي النِّتَاجِ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْهَا قَضَى بِهَا لِلْمُدَّعِي فَإِنْ قَضَى بِهَا لِلْمُدَّعِي، ثُمَّ أَقَامَ الْمَقْضِيُّ لَهُ الْأَوَّلُ شُهُودَهُ عَلَى الْوِلَادَةِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْبَلُ بَيِّنَتَهُ وَيُبْطِلُ قَضَاءَهُ لِلْآخَرِ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَفِي الْقِيَاسِ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ فَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ تَلَقِّي الْمِلْكِ مِنْ جِهَةِ الْمَقْضِيِّ لَهُ. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ مَنْ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ يُثْبِتُ أَوَّلِيَّةَ الْمِلْكِ لِنَفْسِهِ، وَأَنَّ هَذَا الْعَيْنَ حَادِثٌ عَلَى مِلْكِهِ فَلَا يَتَصَوَّرُ اسْتِحْقَاقَ هَذَا الْمِلْكِ عَلَى غَيْرِهِ فَلَمْ يَصِرْ ذُو الْيَدِ بِهِ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ أَخْطَأَ فِي قَضَائِهِ، وَأَنَّ أَوَّلِيَّةَ الْمِلْكِ لِذِي الْيَدِ فَلِهَذَا انْقَضَى قَضَاؤُهُ بِخِلَافِ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فَإِنْ (قِيلَ) الْقَضَاءُ بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ مَعَ بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ عَلَى النِّتَاجِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَعِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ﵀ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُنْقَضَ قَضَاءُ الْقَاضِي لِمُصَادَقَتِهِ مَوْضِعَ الِاجْتِهَادِ. (قُلْنَا) إنَّمَا يَكُونُ قَضَاؤُهُ عَنْ اجْتِهَادٍ إذَا كَانَتْ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ قَائِمَةً عِنْدَهُ وَقْتَ الْقَضَاءِ فَتُرَجَّحُ بِاجْتِهَادِهِ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ عَلَيْهَا، وَهَذِهِ الْبَيِّنَةُ مَا كَانَتْ قَائِمَةً عِنْدَ قَضَائِهِ فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ عَلَى اجْتِهَادٍ بَلْ كَانَ لِعَدَمِ مَا يُدْفَعُ مِنْ ذِي الْيَدِ فَإِذَا أَقَامَ حُجَّةَ الدَّفْعِ انْتَقَضَ الْقَضَاءُ الْأَوَّلُ وَعَلَى هَذَا لَوْ أَقَامَ الْخَارِجُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، وَقَضَى الْقَاضِي بِهَا لَهُ، ثُمَّ أَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ يَقْضِي بِهَا لَهُ وَيَنْتَقِضُ الْقَضَاءُ الْأَوَّلُ لِمَا بَيَّنَّا. قَالَ: أَمَةٌ فِي يَدِ رَجُلٍ أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّ قَاضِيَ بَلَدِ كَذَا قَضَى لَهُ بِهَا عَلَى هَذَا الرَّجُلِ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا عِنْدَهُ، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا أَمَتُهُ وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ فِي وَجْهٍ مِنْهَا يَقْضِي الْقَاضِي بِهَا لِلْمُدَّعِي بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ إذَا شَهِدَ شُهُودُ الْمُدَّعِي أَنَّ قَاضِيَ بَلَدِ كَذَا قَضَى لَهُ بِهَا مُطْلَقًا، وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى هَذَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّ ذَلِكَ الْقَاضِيَ إنَّمَا قَضَى لَهُ بِهَا بِشَهَادَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا عِنْدَهُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ ذِي الْيَدِ أَوْ وَهَبَهَا لَهُ فَلَا تَكُونُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ عَلَى الْوِلَادَةِ فِي مِلْكِهِ مُبْطِلًا لِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْقَضَاءُ بَلْ يَكُونُ مُقَرَّرًا لَهُ. وَكَذَلِكَ إنْ فَسَّرَ شُهُودُ الْقَضَاءِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ فَهُوَ آكَدُ فِي

стр. 3537

تَنْفِيذِ ذَلِكَ الْقَضَاءِ، وَالْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ أَنْ يَشْهَدَ شُهُودُ الْمُدَّعِي أَنَّ قَاضِيَ بَلَدِ كَذَا قَضَى لَهُ بِهَا بِشَهَادَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا عِنْدَهُ أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ أَوْ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا عِنْدَهُ أَنَّهَا أَمَتُهُ وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي أَوْلَى فِي هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ، وَلَا يَنْقُضُ الْقَاضِي الثَّانِي قَضَاءَ الْأَوَّلِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ عَلَى الْوِلَادَةِ فِي مِلْكِهِ أَوْلَى فَيَقْضِي بِهَا لَهُ. وَجْهُ قَوْلِهِ إنَّ ذَا الْيَدِ لَوْ أَقَامَ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ عِنْدَ الْقَاضِي الْأَوَّلِ نَقَضَ الْأَوَّلُ قَضَاءَهُ، وَقَضَى بِهَا لِذِي الْيَدِ فَكَذَلِكَ إذَا أَقَامَهَا عِنْدَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ قَضَاءِ الْأَوَّلِ عِنْدَ الثَّانِي بِالْبَيِّنَةِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ مُبَاشَرَتِهِ الْقَضَاءَ بِنَفْسِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ لَمَّا بَيَّنُوا سَبَبَ الْعَقَارِ إلَى احْتِمَالِ التَّمَلُّكِ عَلَى الْيَدِ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي الْأَوَّلِ نَفَذَ بِيَقِينٍ فَلَيْسَ لِلثَّانِي أَنْ يُبْطِلَهُ مَعَ الِاحْتِمَالِ كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَبَيَانُ الِاحْتِمَالِ هُنَا إذَا قَالُوا بِشَهَادَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا عِنْدَهُ أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ اشْتَرَاهَا مِنْ ذِي الْيَدِ، وَلَكِنَّهُمْ تَرَكُوا هَذِهِ الزِّيَادَةَ لِلتَّلَبُّسِ عَلَى الْقَاضِي بِأَنْ قَالُوا بِشَهَادَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا عِنْدَهُ أَنَّهَا وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ ذِي الْيَدِ كَانَ أَقَامَ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ عِنْدَ ذَلِكَ الْقَاضِي فَتَتَرَجَّحُ شَهَادَةُ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، وَقَضَى بِهَا لَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ قَضَاءً نَافِذًا لَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِهَذَا لَا يَنْقُضُ الثَّانِي قَضَاءَ الْأَوَّلِ مَعَ الِاحْتِمَالِ وَمِثْلُ هَذَا الِاحْتِمَالِ لَا يُوجَدُ إذَا أَقَامَ ذُو الْيَدِ بَيِّنَةً عَلَى الْوِلَادَةِ عِنْدَ الْقَاضِي الْأَوَّلِ. وَكَذَلِكَ لَوْ تَنَازَعَا فِيهَا خَارِجَانِ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا أَمَتُهُ قَضَى لَهُ بِهَا قَاضِي بَلَدِ كَذَا بِشَهَادَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا عِنْدَهُ أَنَّهَا لَهُ عَلَى هَذَا، وَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا أَمَتُهُ وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يَقْضِي بِهَا لِصَاحِبِ الْوِلَادَةِ وَعِنْدَهُمَا يَقْضِي بِهَا لِصَاحِبِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ مَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَجُوزُ نَقْضُ الْقَضَاءِ كَمَا بَيَّنَّا قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ عَبْدٌ فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ وُلِدَ فِي مِلْكِهِ وَوَقَّتُوا وَقْتًا فَكَانَ الْعَبْدُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَصْغَرَ مَعْرُوفٌ فَشَهَادَةُ الشُّهُودِ بَاطِلَةٌ؛ لِتَيَقُّنِ الْقَاضِي بِمُجَازَفَتِهِمْ فِيهَا، وَهَذَا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ الصَّوَابَ فِي الْقَضَاءِ نِصْفَانِ فِي قَوْلِهِ فَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ عَلَى غَيْرِ الْوَقْتَيْنِ أَوْ كَانَتْ مُشْكِلَةٌ أَنَّهُ فِي أَحَدِ الْفَصْلَيْنِ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ عَلَى غَيْرِ الْوَقْتَيْنِ فَالْجَوَابُ بُطْلَانُ الشَّهَادَتَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ الشَّهَادَةِ فِي الْوِلَادَةِ وَالنَّسَبِ] (بَابُ الشَّهَادَةِ فِي الْوِلَادَةِ، وَالنَّسَبِ) (قَالَ ﵀: عَبْدٌ صَغِيرٌ فِي يَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي أَنَّهُ عَبْدُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ)؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يُعَبِّرُ عَنْ

стр. 3538

نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَتَاعِ، وَقَوْلُ ذِي الْيَدِ فِيمَا فِي يَدِهِ حُجَّةٌ لِلدَّفْعِ فَإِنْ ادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ ابْنُهُ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي نَسَبَ مِلْكِ الْغَيْرِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُهُ قَضَى أَنَّهُ ابْنٌ لَهُ لِإِثْبَاتِهِ دَعْوَاهُ بِالْحُجَّةِ، وَجُعِلَ حُرًّا؛ لِأَنَّ فِي الْحُكْمِ بِثُبُوتِ النَّسَبِ حُكْمًا بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِ، وَمَاءُ الْحُرِّ جُزْءٌ مِنْهُ فَيَكُونُ حُرًّا مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِرَحِمِ الْأَمَةِ وَحِينَ لَمْ يُسَمُّوا أَمَةً فِي الشَّهَادَةِ لَمْ يَظْهَرْ اتِّصَالُ مَائِهِ بِرَحِمِ الْأَمَةِ فَبَقِيَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ فَهَذِهِ مُوجِبَةٌ لِبَيِّنَةِ حُرِّيَّةِ الْوَلَدِ فَلَا يُعَارِضُهَا قَوْلُ ذِي الْيَدِ فِي إثْبَاتِ رِقِّهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ يَدَّعِي أَنَّهُ ابْنُهُ فَالْمُدَّعِي الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَوْلَى بِالْقَضَاءِ بِالنَّسَبِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا يُعَارِضُهَا الْيَدُ، وَلَا قَوْلُ ذِي الْيَدِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُدَّعِي ذِمِّيًّا أَوْ عَبْدًا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ؛ لِإِثْبَاتِهِ دَعْوَاهُ بِالْحُجَّةِ وَالْعَبْدُ، وَالذِّمِّيُّ مِنْ أَهْلِ النَّسَبِ كَالْحُرِّ الْمُسْلِمِ فَإِنْ أَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُهُ، وَأَقَامَ الْخَارِجُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُهُ قَضَيْتُ بِنَسَبِهِ لِذِي الْيَدِ؛ لِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى النِّتَاجِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ بَيِّنَةَ ذِي الْيَدِ هُنَاكَ تَتَرَجَّحُ عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ. وَكَذَلِكَ إنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُهُ مِنْ امْرَأَتِهِ هَذِهِ قَضَى بِنَسَبِهِ مِنْ ذِي الْيَدِ وَمِنْ امْرَأَتِهِ، وَإِنْ جَحَدَتْ هِيَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْفِرَاشُ بَيْنَهُمَا قَائِمٌ وَالْحُكْمُ مَتَى ظَهَرَ عَقِيبَ سَبَبٍ ظَاهِرٍ يُحَالُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ السَّبَبِ وَذَلِكَ الْفِرَاشُ بَيْنَهُمَا يُثْبِتُ النَّسَبَ مِنْهُمَا فَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِهِ مِنْ أَحَدِهِمَا بِذَلِكَ السَّبَبِ ثُبُوتُهُ مِنْ الْآخَرِ فَلَا يَنْتَفِي بِجُحُودِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ جَحَدَ الْأَبُ وَادَّعَتْ الْأُمُّ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ عَبْدٍ، وَامْرَأَتُهُ الْأَمَةُ، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُهُمَا، وَأَقَامَ آخَرُ مِنْ الْعَرَبِ أَوْ مِنْ الْمَوَالِي أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنَّهُ ابْنُهُ مِنْ امْرَأَتِهِ هَذِهِ وَهِيَ مِثْلُهُ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِبَيِّنَةِ الْخَارِجَيْنِ؛ لِأَنَّ فِي بَيِّنَتِهِمَا زِيَادَةَ إثْبَاتِ الْحُرِّيَّةِ لِلْوَلَدِ، وَالْبَيِّنَاتُ لِلْإِثْبَاتِ فَتَتَرَجَّحُ بِزِيَادَةِ الْإِثْبَاتِ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُهُ مِنْ امْرَأَتِهِ هَذِهِ، وَهُمَا حُرَّانِ، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُهُ، وَلَمْ يَنْسِبُوهُ إلَى أُمِّهِ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهِ لِلْمُدَّعِي لِزِيَادَةِ الْإِثْبَاتِ فِي بَيِّنَتِهِ وَهُوَ ثُبُوتُ النَّسَبِ مِنْ أُمِّهِ فَصَارَتْ الزِّيَادَةُ فِي إثْبَاتِ النَّسَبِ كَزِيَادَةِ إثْبَاتِ الْحُرِّيَّةِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْأُمُّ هِيَ الْمُدَّعِيَةَ فَإِنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ بِالْفِرَاشِ بَيْنَهُمَا فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا خَصْمًا عَنْ الْآخَرِ فَلَا إثْبَاتَ، وَلَوْ أَقَامَ الْخَارِجُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُهُ وَشَهِدَ شُهُودُ ذِي الْيَدِ عَلَى إقْرَارِهِ أَنَّهُ ابْنُهُ قَضَى بِهِ لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ إقْرَارِ ذِي الْيَدِ بِالْبَيِّنَةِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ سَمَاعِ الْقَاضِي إقْرَارَهُ، وَذَلِكَ يَنْدَفِعُ بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ، ثُمَّ أَعَادَ مَسْأَلَةَ الرَّجُلَيْنِ، وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ. (فَرْعٌ) عَلَيْهِ مَا لَوْ وَقَّتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقْتًا قَالَ: يُنْظَرُ إلَى سِنِّ الصَّبِيِّ فَإِنْ كَانَ مُشْكِلًا فَهُوَ وَمَا لَمْ يُوَقِّتَا سَوَاءٌ يَقْضِ بِهِ لَهُمَا، وَإِنْ كَانَ مُشْكِلًا فِي أَحَدِهِمَا وَهُوَ أَكْبَرُ سِنًّا مِنْ الْآخَرِ أَوْ أَصْغَرُ

стр. 3539

مَعْرُوفٌ قَضَيْتُ بِهِ لِلْمُشْكِلِ؛ لِأَنَّ عَلَامَةَ الْكَذِبِ ظَهَرَتْ فِي شَهَادَةِ الْآخَرَيْنِ، وَلَمْ تَظْهَرْ فِي شَهَادَةِ هَؤُلَاءِ لِكَوْنِهِ مُحْتَمِلًا لِلْوَقْتِ الَّذِي وَقَّتُوهُ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَقَامَتْ امْرَأَةٌ شَاهِدَيْنِ أَنَّهُ ابْنُهَا قَضَيْتُ بِالنَّسَبِ مِنْهَا لِإِثْبَاتِهَا الدَّعْوَى بِالْحُجَّةِ، وَإِنْ كَانَ ذُو الْيَدِ يَدَّعِيهِ لَمْ يَقْضِ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الدَّعْوَى لَا يُعَارِضُ الْبَيِّنَةَ. فَإِنْ (قِيلَ) لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ ثُبُوتِهِ مِنْهُ وَمِنْهَا (قُلْنَا) نَعَمْ، وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ النَّسَبِ مِنْهُمَا إلَّا بِالْقَضَاءِ بِالْفِرَاشِ بَيْنَهُمَا، وَمُجَرَّدُ قَوْلِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَيْهَا فِي إثْبَاتِ الْفِرَاشِ فِي النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ لَمْ تُقِمْ الْمَرْأَةُ إلَّا امْرَأَةً وَاحِدَةً شَهِدَتْ أَنَّهَا، وَلَدَتْ فَإِنْ كَانَ ذُو الْيَدِ يَدَّعِي أَنَّهُ ابْنُهُ أَوْ عَبْدُهُ لَمْ يُقْضَ لِلْمَرْأَةِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ الثَّابِتَ بِالْيَدِ لَا يَبْطُلُ بِشَهَادَةِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ فِي إبْطَالِ حَقٍّ ثَابِتٍ لِلْغَيْرِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ لَا يَدَّعِيهِ فَإِنِّي أَقْضِي بِهِ لِلْمَرْأَةِ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَقْضِي؛ لِأَنَّ الْيَدَ فِي اللَّقِيطِ مُسْتَحِقٌّ لِذِي الْيَدِ حَتَّى لَوْ أَرَادَ غَيْرُهُ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْ يَدِهِ لَمْ يَمْلِكْ فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ تَمَحَّضَ هَذَا مَنْفَعَةً لِلْوَلَدِ فِي إثْبَاتِ نَسَبِهِ، وَحُرِّيَّتِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقٍّ لِذِي الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي فِي الْوَلَدِ شَيْئًا إنَّمَا يَدُهُ فِيهِ صِيَانَةً عَنْ ضَيَاعِهِ فَلِهَذَا أَثْبَتْنَا النَّسَبَ مِنْهَا بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ قَالَ عَبْدٌ فِي يَدِ رَجُلٍ أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ وُلِدَ فِي مِلْكِهِ، وَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ وُلِدَ فِي مِلْكِهِ فَإِنِّي أَقْضِي بِهِ لِلَّذِي أَعْتَقَهُ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْبَيِّنَةِ زِيَادَةَ الْحُرِّيَّةِ فَلَوْ رَجَّحْنَا بَيِّنَةَ ذِي الْيَدِ جَعَلْنَاهُ مَمْلُوكًا لَهُ، وَكَيْفَ يُجْعَلُ مَمْلُوكًا، وَقَدْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهَذَا شَيْئًا أَمَّا فِي الْكِتَابَةِ لَا إشْكَالَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مُحْتَمِلٌ لِلْفَسْخِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فَكَأَنَّهُ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى تَصَرُّفِهِ فِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ فَلَا يَتَرَجَّحُ بِهِ. وَأَمَّا فِي التَّدْبِيرِ فَقَدْ أَعَادَ الْمَسْأَلَةَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ، وَجَعَلَهُ كَالْعِتْقِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ. وَجْهُ تِلْكَ الرِّوَايَةِ: أَنَّ بِالتَّدْبِيرِ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ عِتْقٍ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَكَانَ مُعْتَبَرًا بِحَقِيقَةِ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ الْوَلَاءُ عَلَى الْعَبْدِ بِبَيِّنَتِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا، وَإِذَا كَانَ الْوَلَاءُ هُوَ الْمَقْصُودَ، وَالْمِلْكُ بَيْعٌ فَتَتَرَجَّحُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ لِهَذَا. وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَنَّ التَّدْبِيرَ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا كَالْكِتَابَةِ فَكَانَ الْمِلْكُ هُوَ الْمَقْصُودَ بِالْإِثْبَاتِ لِكَوْنِهِ قَائِمًا فَتَتَرَجَّحُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ لِإِثْبَاتِ الْوِلَادَةِ فِي مِلْكِهِ بِخِلَافِ الْعِتْقِ فَإِنَّ الْمِلْكَ لَا يَبْقَى بَعْدَ الْعِتْقِ فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ هُنَاكَ إثْبَاتَ الْوَلَاءِ، وَلَوْ أَقَامَ الْخَارِجُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُهُ وُلِدَ فِي مِلْكِهِ، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ وُلِدَ فِي مِلْكِهِ قَضَى بِهِ لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ فِي بَيِّنَتِهِ إثْبَاتَ الْحُرِّيَّةِ فَإِنَّ الْمَوْلُودَ مِنْ أَمَتِهِ فِي مِلْكِهِ حُرُّ الْأَصْلِ، وَإِذَا كَانَ يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ إثْبَاتُ حُرِّيَّةِ الْعِتْقِ

стр. 3540

فَعِنْدَ إثْبَاتِ حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ أَوْلَى قَالَ صَبِيٌّ فِي يَدِ امْرَأَةٍ فَأَقَامَتْ شَاهِدَةٌ أَنَّهُ ابْنُهَا، وَأَقَامَتْ الَّتِي هُوَ فِي يَدَيْهَا شَهَادَةٌ أَنَّهُ ابْنُهَا قَضَيْتُ بِهِ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهَا؛ لِأَنَّ الْحُجَّتَيْنِ اسْتَوَيَا فِي دَعْوَى النَّسَبِ فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُ ذِي الْيَدِ. وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا رَجُلَانِ، وَلِلَّتِي هُوَ فِي يَدَيْهَا امْرَأَةٌ قَضَيْت بِهِ لِلْمُدَّعِيَةِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ لَا تُقَابِلُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ حُجَّةٌ تَامَّةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَشَهَادَةُ الْمَرْأَةِ حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ رَجُلٍ، وَامْرَأَةٍ يَدَّعِيَانِ أَنَّهُ ابْنُهُمَا فَشَهِدَتْ لَهُمَا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ شَاهِدَيْنِ أَنَّهُ ابْنُهُ مِنْ امْرَأَتِهِ هَذِهِ قَضَيْتُ بِهِ لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ لَا تُقَابِلُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ حُجَّةٌ تَامَّةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَشَهَادَةُ الْمَرْأَةِ حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَانِ تَدَّعِيَانِ أَنَّهُ ابْنُهُمَا فَشَهِدَتْ لَهُمَا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ شَاهِدَيْنِ أَنَّهُ ابْنُهُ مِنْ امْرَأَتِهِ هَذِهِ قَضَيْتُ بِهِ لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ لَا تُعَارِضُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ وَبَقِيَ الْيَدُ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَالْبَيِّنَةُ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ وَالْيَدُ لَا تُعَارِضُ الْبَيِّنَةَ قَالَ: وَلَوْ كَانَ صَبِيٌّ فِي يَدِ ذِمِّيٍّ فَشَهِدَ لَهُ ذِمِّيَّانِ أَنَّهُ ابْنُهُ، وَأَقَامَ مُسْلِمٌ شَاهِدَيْنِ مُسْلِمَيْنِ أَنَّهُ ابْنُهُ قَضَيْتُ بِهِ لِلْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْمُسْلِمِ حُجَّةٌ عَلَى خَصْمِهِ الذِّمِّيِّ وَبَيِّنَةُ الذِّمِّيِّ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عَلَى خَصْمِهِ الْمُسْلِمِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ شُهُودُ الْمُسْلِمِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنْ كَانَ شُهُودُ الذِّمِّيِّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَشُهُودُ الْمُسْلِمِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ قَضَيْتُ بِهِ لِذِي الْيَدِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ عَلَى خَصْمِهِ فَلَمَّا اسْتَوَيَا تَرَجَّحَ ذُو الْيَدِ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى النِّتَاجِ لَا يَتَكَرَّرُ، وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ ثَالِثٍ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ قَضَيْتُ بِهِ لِلْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ فِي بَيِّنَتِهِ إثْبَاتَ الزِّيَادَةِ وَهُوَ إسْلَامُ الْوَلَدِ؛ وَلِأَنَّ أَحَدَ الْبَيِّنَتَيْنِ يُوجِبُ كُفْرَهُ وَالْأُخْرَى تُوجِبُ إسْلَامَهُ فَيَتَرَجَّحُ الْمُوجِبُ لِلْإِسْلَامِ عَلَى الْمُوجِبِ لِلْكُفْرِ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ هُوَ ابْنِي مِنْ فُلَانَةَ لِامْرَأَةٍ غَيْرِهَا، وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ هُوَ ابْنِي مِنْ زَوْجِي فُلَانٍ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ جَعَلْته ابْنَ هَذَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي يَدِهِمَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ النَّسَبِ فِيمَا بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ، وَهُوَ الْفِرَاشُ فَيُحَالُ بِهِ عَلَى هَذَا السَّبَبِ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُمَا؛ وَلِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَاضِرَيْنِ يُنْصَبُ خَصْمًا عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَائِبَيْنِ وَالْغَائِبَانِ الْخَارِجَانِ لَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ بِأَنْفُسِهِمَا تَرَجَّحَتْ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ عَلَى بَيِّنَتِهِمَا فَكَذَلِكَ هُنَا قَالَ صَبِيٌّ فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَقَامَ مُسْلِمٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُهُ مِنْ امْرَأَتِهِ هَذِهِ الْحُرَّةِ، وَأَقَامَ عَبْدٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَمَةِ، وَأَقَامَتْ مُكَاتَبَةٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ مِنْ هَذِهِ الْمُكَاتَبَةِ فَإِنِّي أَقْضِي بِهِ لِلْحُرِّ

стр. 3541

لِأَنَّ الْبَيِّنَاتِ اسْتَوَتْ فِي إثْبَاتِ النَّسَبِ وَفِي الْحُرِّ زِيَادَةُ إثْبَاتٍ الْحُرِّيَّةِ لِلْوَلَدِ فَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ الْحُرُّ، وَإِنَّمَا ادَّعَاهُ الْعَبْدُ وَالْمُكَاتَبُ فَإِنَى أَقْضِي بِهِ لِلْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ فِي بَيِّنَتِهِ زِيَادَةً فَإِنَّ وَلَدَ الْمُكَاتَبَةِ يَكُونُ مُكَاتَبًا، وَالْكِتَابَةُ تُفْسِدُ الْعِتْقَ وَيَثْبُتُ بِهِ لِلْمُكَاتِبِ مِلْكُ الْيَدِ وَالْمُكَاتَبِ فَكَانَ الْمُثْبِتُ لِلزِّيَادَةِ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ أَوْلَى قَالَ: وَلَوْ ادَّعَى نَصْرَانِيٌّ وَيَهُودِيٌّ وَمَجُوسِيٌّ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْبَيِّنَةَ قَضَيْتُ بِهِ لِلْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ؛ لِأَنَّ دَيْنَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ إذَا قُوبِلَ بِدَيْنِ الْمَجُوسِيِّ فَدَيْنُ الْمَجُوسِيِّ شَرٌّ مِنْهُ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ ذَبَائِحَ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى تَحِلُّ، وَكَذَلِكَ مُنَاكَحَتُهُنَّ، وَلَا تَحِلُّ ذَبَائِحُ الْمَجُوسِيِّ وَمُنَاكَحَتُهُنَّ لِلْمُسْلِمِينَ فَكَانَ حَالُ الْيَهُودِيِّ، وَالنَّصْرَانِيِّ مَعَ الْمَجُوسِيِّ كَحَالِ الْمُسْلِمِ مَعَ الْيَهُودِيِّ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ الْمَوْلُودَ بَيْنَ الْمَجُوسِيِّ وَالْكِتَابِيِّ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابِيِّ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا تَتَرَجَّحُ الْبَيِّنَةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بِالدَّيْنِ اعْتِبَارًا لِدَعْوَى النَّسَبِ بِدَعْوَى الْمِلْكِ وَلَوْ ادَّعَى مُسْلِمٌ، وَكَافِرٌ مِلْكًا، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ أَوْ كِتَابِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٌّ، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ لَمْ تَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا، وَلَكِنَّا نَقُولُ فِي دَعْوَى الْمِلْكَيْنِ: لَيْسَ فِي بَيِّنَةِ أَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ يَسْتَوِيَانِ فَأَمَّا فِي النَّسَبِ فِي إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ زِيَادَةُ مَنْفَعَةٍ لِلْوَلَدِ فَتَتَرَجَّحُ تِلْكَ الْبَيِّنَةُ لِهَذَا قَالَ: وَلَوْ ادَّعَى عَبْدٌ مُسْلِمٌ أَنَّهُ ابْنُهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَمَةِ وَادَّعَى حُرٌّ ذِمِّيٌّ أَنَّهُ ابْنُهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ مِنْ امْرَأَتِهِ هَذِهِ يَقْضِي لِلْحُرِّ الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّ فِي بَيِّنَتِهِ إثْبَاتُ الْحُرِّيَّةِ لِلْوَلَدِ وَذَلِكَ مَنْفَعَةٌ عَاجِلًا؛ وَلِأَنَّهُ إذَا بَلَغَ لَا يُمْكِنُهُ اكْتِسَابُ الْحُرِّيَّةِ لِنَفْسِهِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى يَهْدِيهِ فَيُسْلِمَ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ تَرْجِيحُ جَانِبِ الْحُرِّيَّةِ أَوْلَى فِي حَقِّهِ قَالَ: صَبِيٌّ فِي يَدِ رَجُلٍ لَا يَدَّعِيهِ فَأَقَامَتْ امْرَأَةٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُهَا، وَلَدْته، وَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، وَلَمْ يُسَمُّوا أُمَّهُ جَعَلْته ابْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْبَيِّنَتَيْنِ مُمْكِنٌ فَإِنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ ثَابِتُ النَّسَبِ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي يَدِ الْمَرْأَةِ، وَلَيْسَ فِي قَبُولِ بَيِّنَتِهَا مَا يَدْفَعُ بَيِّنَةَ الرَّجُلِ فَقَضَيْنَا بِالنَّسَبِ مِنْهُمَا، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ الْقَضَاءُ بِالْفِرَاشِ بَيْنَهُمَا وَمَا ثَبَتَ لِضَرُورَةِ الشَّهَادَةِ فَهُوَ كَالْمَشْهُودِ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ دَعْوَى الرَّهْطِ فِي الدَّارِ] (بَابُ دَعْوَى الرَّهْطِ فِي الدَّارِ) قَالَ ﵀ دَارٌ فِي يَدِ رَجُلٍ ادَّعَاهَا رَجُلٌ جَمِيعًا، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، وَادَّعَى آخَرُ نِصْفَهَا، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يُقَسِّمُ بَيْنَ الْمُدَّعِيَيْنِ عَلَى طَرِيقِ الْمُنَازَعَةِ أَرْبَاعًا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا لِمُدَّعِي الْجَمِيعِ وَرُبُعُهَا لِمُدَّعِي النِّصْفِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يُقَسِّمُ عَلَى طَرِيقِ الْعَوْلِ وَالْمُضَارَبَةِ

стр. 3542

أَثْلَاثًا؛ وَلِهَذَا نَظَائِرُ، وَأَضْدَادٌ، وَمِنْ نَظَائِرِهَا الْمُوصَى لَهُ بِجَمِيعِ الْمَالِ وَبِنِصْفِهِ عِنْدَ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُ بِعَيْنٍ مَعَ الْمُوصَى لَهُ بِنِصْفِ ذَلِكَ الْعَيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ سِوَاهُ. وَمِنْ أَضْدَادِهَا الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ الْمُشْتَرَكُ إذَا أَدَانَهُ أَحَدُ الْمَوْلَيَيْنِ مِائَةً، وَأَجْنَبِيٌّ مِائَةً، ثُمَّ بِيعَ بِمِائَةٍ فَالْقِسْمَةُ بَيْنَ الْمَدِينِ وَالْأَجْنَبِيِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِطَرِيقِ الْعَوْلِ أَثْلَاثًا وَعِنْدَهُمَا بِطَرِيقِ الْمُنَازَعَةِ أَرْبَاعًا، وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ إذَا قَتَلَ رَجُلًا خَطَأً وَفَقَأَ عَيْنَ آخَرَ وَغَرِمَ الْمَوْلَى قِيمَتَهُ لَهُمَا، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا وَآخَرَ خَطَأً؛ وَلِلْمَقْتُولِ عَمْدًا ابْنَانِ فَعَفَا أَحَدُهُمَا، ثُمَّ دُفِعَ الْعَبْدُ بِالْجِنَايَتَيْنِ وَمِمَّا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ فِيهِ بِطَرِيقِ الْعَوْلِ التَّرِكَةُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْغُرَمَاءِ وَضَاقَتْ التَّرِكَةُ عَنْ إيفَاءِ حُقُوقِهِمْ وَالْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ، وَالْمُوصَى لَهُ بِالسُّدُسِ إذَا لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ، وَمِمَّا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ فِيهِ بِطَرِيقِ الْمُنَازَعَةِ فُضُولِيٌّ بَاعَ عَبْدَ رَجُلٍ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَبَاعَ فُضُولِيٌّ آخَرَ نِصْفَهُ فَأَجَازَ الْمَوْلَى الْبَيْعَيْنِ فَالْقِسْمَةُ بَيْنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ بِطَرِيقِ الْمُنَازَعَةِ أَرْبَاعًا. وَأَصْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ قِسْمَةَ الْعَيْنِ مَتَى وَجَبَتْ بِسَبَبِ حَقٍّ فِي الْعَيْنِ كَانَتْ الْقِسْمَةُ عَلَى طَرِيقِ الْعَوْلِ فَالتَّرِكَةُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، وَمَتَى وَجَبَتْ بِسَبَبِ حَقٍّ كَانَ فِي الْعَيْنِ كَالْأَصْلِ فَالْقِسْمَةُ عَلَى طَرِيقِ الْمُنَازَعَةِ كَمَا فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ فَإِنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُشْتَرِينَ كَانَ فِي الثَّمَنِ يَتَحَوَّلُ بِالشِّرَاءِ إلَى الْمَبِيعِ وَفِي مَسْأَلَةِ الدَّعْوَى حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُدَّعِيَيْنِ فِي الْعَيْنِ فَكَانَتْ الْقِسْمَةُ عَلَى طَرِيقِ الْعَوْلِ لِمَعْنَى أَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَائِعٌ فِي الْعَيْنِ فَمَا مِنْ جُزْءٍ مِنْهُ إلَّا، وَصَاحِبُ الْقَلِيلِ مُزَاحِمٌ فِيهِ صَاحِبَ الْكَثِيرِ بِنَصِيبِهِ فَلِهَذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ بِطَرِيقِ الْعَوْلِ. وَالْأَصْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا كَانَ يُدْلِي بِسَبَبٍ صَحِيحٍ مَعْلُومٍ فَالْقِسْمَةُ عَلَى طَرِيقِ الْعَوْلِ كَالْوَرَثَةِ فِي التَّرِكَةِ، وَإِذَا كَانَ يُدْلِي لَا بِسَبَبٍ صَحِيحٍ ثَابِتٍ فَالْقِسْمَةُ عَلَى طَرِيقِ الْمُنَازَعَةِ، وَمَا لَا مُنَازَعَةَ فِيهِ لِصَاحِبِ الْقَلِيلِ يُسَلَّمُ لِصَاحِبِ الْكَثِيرِ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ فَإِنَّ بَيْعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ قَبْلَ إجَازَةِ الْمَالِكِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ قُوَّةِ السَّبَبِ وَاسْتِوَاءِ السَّبَبَيْنِ فِي صِفَةِ الصِّحَّةِ فَفِي مَسْأَلَةِ الدَّعْوَى سَبَبُ اسْتِحْقَاقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الشَّهَادَةُ، وَهِيَ لَا تُوجِبُ شَيْئًا قَبْلَ اتِّصَالِ الْقَضَاءِ فَلَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ السَّبَبَيْنِ مَعْلُومَ الصِّحَّةِ فَلِهَذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ عَلَى طَرِيقِ الْمُنَازَعَةِ وَمَا قَالَ يَبْطُلُ بِحَقِّ الْغُرَمَاءِ فِي التَّرِكَةِ فَإِنَّ قِسْمَةَ الْعَيْنِ بِسَبَبِ حَقٍّ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَتْ الْقِسْمَةُ عَوْلِيًّا. قَالَ فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعُونَ ثَلَاثَةً يَدَّعِي أَحَدُهُمْ جَمِيعَهَا، وَالْآخَرُ نِصْفَهَا وَالْآخَرُ ثُلُثَهَا، وَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْقِسْمَةُ بِطَرِيقِ الْعَوْلِ فَتَكُونُ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ

стр. 3543

مِنْ سِتَّةٍ يَضْرِبُ مُدَّعِي الْكُلِّ بِسِهَامِ الدَّارِ سِتَّةً وَمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ بِسِهَامِ الثُّلُثَيْنِ أَرْبَعَةً وَمُدَّعِي النِّصْفِ بِثَلَاثَةٍ فَيَقْسِمُ الدَّارَ بَيْنَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ سَهْمًا. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الْقِسْمَةُ بِطَرِيقِ الْمُنَازَعَةِ، وَلَا مُنَازَعَةَ لِصَاحِبِ النِّصْفِ وَالثُّلُثَيْنِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثَيْنِ وَصَاحِبُ الْجَمِيعِ يَدَّعِي ذَلِكَ فَيُسَلَّمُ لَهُ بِلَا مُنَازَعَةٍ، وَمَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ إلَى تَمَامِ الثُّلُثَيْنِ لَا مُنَازَعَةَ فِيهِ لِصَاحِبِ النِّصْفِ فَيَكُونُ بَيْنَ صَاحِبِ الْجَمِيعِ وَالثُّلُثَيْنِ نِصْفَيْنِ يَبْقَى سِتَّةٌ اسْتَوَتْ مُنَازَعَتُهُمْ فِيهِ فَكَانَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا فَيُسَلِّمُ لِمُدَّعِي النِّصْفِ سُدُسَ الدَّارِ؛ وَلِمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ رُبُعَ الدَّارِ؛ وَلِمُدَّعِي الْجَمِيعِ مَا بَقِيَ وَذَلِكَ سَبْعَةُ أَسْهُمٍ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ رَجُلَيْنِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا نِصْفَهَا وَالْآخَرُ جَمِيعَهَا فَالْبَيِّنَةُ عَلَى مُدَّعِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْصَرِفٌ إلَى مَا فِي يَدِهِ أَوَّلًا لِيَكُونَ يَدُهُ مُحِقَّةٌ فِي حَقِّهِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ حَمْلَ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصِّحَّةِ وَاجِبٌ فَصَاحِبُ النِّصْفِ لَا يَدَّعِي شَيْئًا مِمَّا فِي يَدِ صَاحِبِ الْجَمِيعِ، وَصَاحِبُ الْجَمِيعِ يَدَّعِي شَيْئًا مِمَّا فِي يَدِ صَاحِبِ النِّصْفِ فَعَلَيْهِ إثْبَاتُهُ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالدَّارُ كُلُّهَا لِصَاحِبِ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ إنْ اجْتَمَعَ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ، وَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ فِيمَا فِي يَدِ صَاحِبِ النِّصْفِ فَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى بِالْقَبُولِ قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ فَادَّعَى أَحَدُهُمْ جَمِيعَهَا وَالْآخَرُ ثُلُثَيْهَا وَالْآخَرُ نِصْفَهَا، وَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ، وَاسْتُحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَنَكَلَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الْقِسْمَةُ عَلَى طَرِيقِ الْمُنَازَعَةِ بَيْنَهُمْ فَتَكُونُ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا؛ لِأَنَّ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثَ الدَّارِ، وَدَعْوَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَنْصَرِفُ إلَى مَا فِي يَدِهِ، ثُمَّ فِيمَا فَضَلَ فِي ذَلِكَ إلَى مَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى بِهِ مِنْ الْآخَرِ، وَلَا بَيِّنَةَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيمَا فِي يَدِهِ فَأَمَّا الثُّلُثُ الَّذِي فِي يَدِ صَاحِبِ النِّصْفِ لَا بَيِّنَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَصَاحِبُ الْجَمِيعِ يَدَّعِي الْجَمِيعَ، وَصَاحِبُ النِّصْفِ يَدَّعِي الثُّلُثَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الثُّلُثَيْنِ ثُلُثٌ فِي يَدِهِ وَثُلُثٌ فِي يَدِ صَاحِبِهِ فَيَكُونُ دَعْوَاهُ فِيمَا فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الثُّلُثِ فَيُسَلِّمُ نِصْفَ هَذَا الثُّلُثِ لِصَاحِبِ الْجَمِيعِ بِلَا مُنَازَعَةٍ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِاسْتِوَاءِ مُنَازَعَتِهِمَا فِيهِ فَصَارَ هَذَا الثُّلُثُ عَلَى أَرْبَعَةٍ، وَالثُّلُثُ الَّذِي فِي يَدِ صَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ صَاحِبُ الْجَمِيعِ يَدَّعِي جَمِيعَهُ، وَصَاحِبُ النِّصْفِ يَدَّعِي رُبُعَهُ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي النِّصْفَ وَالثُّلُثَ فِي يَدِهِ فَإِنَّمَا بَقِيَ الثُّلُثُ فِي يَدِ صَاحِبِهِ فَكَانَ دَعْوَاهُ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ السُّدُسِ، وَذَلِكَ رُبُعُ مَا فِي يَدَيْهِ فَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مَا فِي يَدِهِ سَالِمٌ لِصَاحِبِ الْجَمِيعِ، وَاسْتَوَتْ مُنَازَعَتُهُمَا فِي الرُّبُعِ فَكَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَمَا فِي يَدِ صَاحِبِ الْجَمِيعِ يَدَّعِي صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ نِصْفَهُ وَصَاحِبُ النِّصْفِ رُبُعَهُ وَفِي الْمَالِ سِعَةٌ فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا

стр. 3544

بِقَدْرِ مَا ادَّعَاهُ فَإِنْ جَعَلْت سِهَامَ الدَّارِ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ كَانَ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَمَانِيَةٌ، وَالسَّالِمُ لِصَاحِبِ الْجَمِيعِ مِمَّا فِي يَدِ صَاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةٌ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مَا فِي يَدِهِ، وَلَهُ مِمَّا فِي يَدِ صَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ سَبْعَةٌ وَيَبْقَى لَهُ مِمَّا كَانَ فِي يَدِهِ سَهْمَانِ فَجُمْلَةُ مَا سَلَّمَ لَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَصَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ أَخَذَ مِمَّا فِي يَدِ صَاحِبِ الْجَمِيعِ أَرْبَعَةٌ وَمِمَّا فِي يَدِ صَاحِبِ النِّصْفِ سَهْمَيْنِ وَذَلِكَ سِتَّةٌ فَهُوَ لَهُ وَصَاحِبُ النِّصْفِ أَخَذَ مِمَّا فِي يَدِ صَاحِبِ الْجَمِيعِ سَهْمَيْنِ وَمِمَّا فِي يَدِ صَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ سَهْمًا فَإِذَا جَمَعْت بَيْنَ هَذِهِ السِّهَامِ كَانَتْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وَعِنْدَهُمَا الْقِسْمَةُ عَلَى طَرِيقِ الْعَوْلِ فَصَاحِبُ الْجَمِيعِ يَضْرِبُ فِيمَا فِي يَدِ صَاحِبِ النِّصْفِ بِالْجَمِيعِ وَصَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ بِالنِّصْفِ فَصَارَ هَذَا الثُّلُثُ أَثْلَاثًا وَصَاحِبُ الْجَمِيعِ فِيمَا فِي يَدِ صَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ بِالْجَمِيعِ وَصَاحِبُ النِّصْفِ بِالرُّبُعِ فَصَارَ هَذَا الثُّلُثُ أَخْمَاسًا وَصَاحِبُ النِّصْفِ يَأْخُذُ مِمَّا فِي يَدِ صَاحِبِ الْجَمِيعِ الرُّبُعَ، وَصَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ يَأْخُذُ النِّصْفَ فَصَارَ هَذَا الثُّلُثُ أَرْبَاعًا فَقَدْ، وَقَعَ الْكَسْرُ بِالْأَثْلَاثِ، وَالْأَرْبَاعِ وَالْأَخْمَاسِ فَاضْرِبْ خَمْسَةً فِي ثَلَاثَةٍ فَيَكُونُ خَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ فِي أَرْبَعَةٍ فَيَكُونُ سِتِّينَ فَصَارَ كُلُّ ثُلُثٍ مِنْ الدَّارِ عَلَى سِتِّينَ سَهْمًا فَيَكُونُ جَمِيعُهَا مِائَةً، وَثَمَانِينَ فَمَا فِي يَدِ صَاحِبِ النِّصْفِ، وَذَلِكَ سِتُّونَ سَهْمًا لِصَاحِبِ الْجَمِيعِ ثُلُثَاهُ أَرْبَعُونَ وَصَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ عِشْرُونَ وَمَا فِي يَدِ صَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ لِصَاحِبِ النِّصْفِ خَمْسَةٌ، وَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ؛ وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ وَيَأْخُذُ صَاحِبُ النِّصْفِ مِمَّا فِي يَدِ صَاحِبِ الْجَمِيعِ رُبُعَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَصَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ النِّصْفَ ثَلَاثِينَ فَيَبْقَى فِي يَدِ صَاحِبِ الْجَمِيعِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ يَدِ الْآخَرَيْنِ ثَمَانِيَةٌ وَثَمَانُونَ، وَذَلِكَ مِائَةٌ وَثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ فَذَلِكَ نَصِيبُهُ. وَصَاحِبُ الثَّلَاثِينَ أَخَذَ مِنْ يَدِ صَاحِبِ الْجَمِيعِ ثَلَاثِينَ، وَمِنْ يَدِ صَاحِبِ النِّصْفِ عِشْرِينَ وَذَلِكَ خَمْسُونَ، وَصَاحِبُ النِّصْفِ أَخَذَ مِنْ يَدِ صَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ اثْنَيْ عَشَرَ، وَمِنْ يَدِ صَاحِبِ الْجَمِيعِ خَمْسَةَ عَشَرَ فَيَكُونُ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ فَإِذَا جَمَعْت بَيْنَ هَذِهِ السِّهَامِ كَانَتْ مِائَةً وَثَمَانِينَ مِثْلُ سِهَامِ الدَّارِ فَاسْتَقَامَ قَالَ: دَارٌ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهَا مَنْزِلٌ وَفِي يَدِ آخَرَ مِنْهَا مَنْزِلٌ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا الدَّارَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَقَالَ الْآخَرُ هِيَ كُلُّهَا لِي، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَلِمُدَّعِي الْكُلِّ الْمَنْزِلُ الَّذِي فِي يَدِهِ وَنِصْفُ الْمَنْزِلِ الَّذِي فِي يَدِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْآخَرِ فِي نِصْفٍ شَائِعٍ فَإِنَّمَا يَدَّعِي هُوَ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ، وَلَا دَعْوَى لَهُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ، وَمُدَّعِي الْجَمِيعِ يَدَّعِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِ فَيَأْخُذُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُ، وَمُدَّعِي النِّصْفِ يَدَّعِي نِصْفَ الْمَنْزِلِ الَّذِي فِي يَدِ مُدَّعِي الْجَمِيعِ، وَهُوَ يُنَازِعُهُ فِي ذَلِكَ فَلَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا بِحُجَّةٍ قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ الدَّارُ كُلُّهَا فِي أَيْدِيهِمَا، وَلَمْ يُعْرَفْ شَيْءٌ مِنْهَا فِي يَدٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَهِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِأَنَّ

стр. 3545

مُدَّعِي النِّصْفِ تَنْصَرِفُ دَعْوَاهُ إلَى مَا فِي يَدِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْآخَرُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَإِنْ كَانَ سُفْلُهَا فِي يَدِ رَجُلٍ، وَعُلُوُّهَا فِي يَدِ آخَرَ وَطَرِيقُ الْعُلُوِّ فِي السَّاحَةِ فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الدَّارَ لَهُ فَالدَّارُ لِصَاحِبِ السُّفْلِ إلَّا الْعُلُوَّ وَطَرِيقَهُ فَإِنَّهُ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ؛ لِأَنَّ الْعُلُوَّ فِي يَدِ صَاحِبِ الْعُلُوِّ، وَكَذَلِكَ طَرِيقُهُ فِي السُّفْلِ فَإِنَّهُ مُسْتَعْمِلٌ لَهُ بِالتَّطَرُّقِ فِيهِ إلَى عُلُوِّهِ فَأَمَّا السُّفْلُ وَالسَّاحَةُ فَفِي يَدِ صَاحِبِ السُّفْلِ؛ لِأَنَّ هُوَ الْمُسْتَعْمِلُ لِلسَّاحَةِ بِوَضْعِ أَمْتِعَتِهِ وَصَبِّ وُضُوئِهِ، وَكَسْرِ حَطَبِهِ فِيهِ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ تَرْجِيحًا لِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ عَلَى بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ فِي دَعْوَى الْمِلْكِ قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ ثَلَاثَةٍ فَادَّعَى أَحَدُهُمْ النِّصْفَ وَالْآخَرُ الثُّلُثَ وَالثَّالِثُ السُّدُسَ وَجَحَدَ بَعْضُهُمْ دَعْوَى الْبَعْضِ فَإِنَّ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الثُّلُثَ، فَالثُّلُثُ الَّذِي فِي يَدِ مُدَّعِي السُّدُسِ لَهُ نِصْفُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ مَوْقُوفٌ عِنْدَهُ فَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ أَخَذَ مِنْ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيْهِ نِصْفَ سُدُسِ الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي النِّصْفَ، وَفِي يَدِهِ الثُّلُثُ فَمَا زَادَ عَلَيْهِ إلَى تَمَامِ النِّصْفِ هُوَ السُّدُسُ يَدَّعِيهِ، وَفِي يَدِ صَاحِبَيْهِ إذْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا يَصْرِفُ دَعْوَاهُ إلَى مَا فِي يَدِهِ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَإِذَا أَثْبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ أَخَذَ مِنْ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ السُّدُسِ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ نِصْفَ مَا فِي يَدِ مُدَّعِي السُّدُسِ هُوَ لَا يَدَّعِيهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْصَرِفَ دَعْوَى مُدَّعِي النِّصْفِ إلَيْهِ حَتَّى يَأْخُذَ كُلُّ ذَلِكَ السُّدُسَ مِنْ غَيْرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَدَّعِي بَعْضَ ذَلِكَ فِي يَدِ صَاحِبِ الثُّلُثِ فَكَيْفَ يَأْخُذُهُ مِنْ يَدِ مُدَّعِي السُّدُسِ وَهُوَ إنَّمَا يَدَّعِيهِ فِي يَدِ غَيْرِهِ وَالثَّانِي أَنَّ بِاعْتِبَارِ دَعْوَاهُ شَيْئًا مِمَّا فِي يَدِ صَاحِبِ الثُّلُثِ كَانَ صَاحِبُ الثُّلُثِ مُنَازِعًا لَهُ فِي هَذَا السُّدُسِ الَّذِي فِي يَدِ صَاحِبِ السُّدُسِ وَهُوَ لَا يَدَّعِيهِ، وَمَعَ تَمَكُّنِ الْمُنَازَعَةِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ دَعْوَى الْحَائِطِ وَالطَّرِيقِ] (بَابُ دَعْوَى الْحَائِطِ وَالطَّرِيقِ) (قَالَ ﵀: وَإِذَا كَانَ الْحَائِطُ بَيْنَ دَارَيْنِ فَادَّعَاهُ صَاحِبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّارَيْنِ فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ عَلَيْهِ جُذُوعٌ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْجُذُوعِ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يَسْتَحِقُّ بِوَضْعِ الْجُذُوعِ تَرْجِيحًا عَلَى صَاحِبِهِ)؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْجُذُوعِ مُحْتَمِلٌ قَدْ يَكُونُ عَنْ مِلْكٍ، وَقَدْ يَكُونُ عَنْ اسْتِعَارَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ عَنْ غَصْبٍ وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَكُونُ حُجَّةً. وَلَنَا أَنَّ وَاضِعَ الْجُذُوعِ مُسْتَعْمِلٌ لِلْحَائِطِ بِوَضْعِ حَمْلِهِ عَلَيْهِ، وَالِاسْتِعْمَالُ يَدٌ وَعِنْدَ تَعَارُضِ

стр. 3546

الدَّعْوَتَيْنِ الْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ كَمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهَا حِمْلٌ كَانَ هُوَ أَوْلَى بِهَا؛ وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ؛ وَلِأَنَّ وَضْعَهُ الْجُذُوعَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ بَنَى الْحَائِطَ لِحَاجَتِهِ إذْ وَضَعَ حِمْلَهُ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْعَلَامَةِ تُثَبِّتُ التَّرْجِيحَ كَمَا إذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ يُجْعَلُ مَا يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ لِلرَّجُلِ وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ لِلْمَرْأَةِ، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ هَوَادِي أَوْ بَوَارِي لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِجَهْلٍ مَقْصُودٍ بُنِيَ الْحَائِطُ لِأَجْلِهِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ التَّرْجِيحُ كَمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ؛ وَلِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ مِخْلَاةُ عَلَفِهَا لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّرْجِيحَ بِخِلَافِ الْجُذُوعِ فَإِنَّهُ حِمْلٌ مَقْصُودٌ يُبْنَى الْحَائِطُ لِأَجْلِهِ فَيَثْبُتُ لَهُ الْيَدُ بِاعْتِبَارِهِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ أَوْ أَنِصَالٌ؛ وَلِلْآخَرِ بَوَارِي فَهُوَ لِصَاحِبِ الْجُذُوعِ وَالْأَنْصَالِ، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ؛ وَلِلْآخَرِ أَنِصَالٌ فَصَاحِبُ الْجِذْعِ أَوْلَى وَمُرَادُهُ مِنْ هَذَا مُدَاخَلَةُ أَنْصَافِ اللَّبِنِ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ إذَا كَانَ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الِاتِّصَالِ بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْجُذُوعِ اسْتِعْمَالٌ لِلْحَائِطِ وَالِاتِّصَالُ مُجَاوَرَةٌ وَالْيَدُ تَثْبُتُ بِالِاسْتِعْمَالِ دُونَ الْمُجَاوَرَةِ، فَكَانَ صَاحِبُ الْجُذُوعِ أَوْلَى. كَمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ، وَأَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا وَالْآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِلِجَامِهَا فَالرَّاكِبُ أَوْلَى، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ ﵀ أَنَّ صَاحِبَ الِاتِّصَالِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْكُلَّ صَارَ فِي حُكْمِ حَائِطٍ وَاحِدٍ فَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الِاتِّصَالِ فِي بَعْضِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِأَحَدِهِمَا فَيُرَدُّ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ إلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي بَنَاهُ مَعَ حَائِطِهِ فَمُدَاخَلَةُ أَنْصَافٍ لِلَّبِنِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا عِنْدَ بِنَاءٍ لِحَائِطَيْنِ مَعًا فَكَانَ هُوَ أَوْلَى. قَالَ فِي الْكِتَابِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ اتِّصَالُ تَرْبِيعِ بَيْتٍ أَوْ دَارٍ فَيَكُونُ لِصَاحِبِ الِاتِّصَالِ حِينَئِذٍ، وَكَانَ الْكَرْخِيُّ ﵀ يَقُولُ صِفَةُ هَذَا الِاتِّصَالِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَائِطُ الْمُتَنَازَعُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا مُتَّصِلًا بِحَائِطَيْنِ لِأَحَدِهِمَا، وَالْحَائِطَانِ مُتَّصِلَانِ بِحَائِطٍ لَهُ بِمُقَابَلَةِ الْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ حَتَّى يَصِيرَ مُرَبَّعًا شِبْهَ الْقُبَّةِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْكُلُّ فِي حُكْمِ شَيْءٍ وَاحِدٍ فَصَاحِبُ الِاتِّصَالِ أَوْلَى. وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ اتِّصَالُ جَانِبَيْ الْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ بِحَائِطَيْنِ لِأَحَدِهِمَا فَأَمَّا اتِّصَالُ الْحَائِطَيْنِ بِحَائِطٍ أُخْرَى غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا ﵏. لِأَنَّ التَّرْجِيحَ إنَّمَا يَقَعُ لَهُ يَكُونُ مِلْكُهُ مُحِيطًا بِالْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَذَلِكَ يَتِمُّ بِالِاتِّصَالِ بِجَانِبَيْ الْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ؛ وَلِصَاحِبِ الْجُذُوعِ مَوْضِعُ جُذُوعِهِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ صَاحِبِ الِاتِّصَالِ بِالظَّاهِرِ وَهُوَ حُجَّةٌ لِدَفْعِ الِاسْتِحْقَاقِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ عَلَى الْغَيْرِ فَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ عَلَى صَاحِبِ الْجُذُوعِ رَفْعَ جُذُوعِهِ. فَإِنْ (قِيلَ): لَمَّا قَضَى بِالْحَائِطِ لِصَاحِبِ الِاتِّصَالِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْمُرَ الْآخَرَ بِرَفْعِ الْجِذْعِ؛ لِأَنَّهُ حِمْلٌ مَوْضُوعٌ

стр. 3547

لَهُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ سَبَبٍ ظَاهِرٍ لِاسْتِحْقَاقِهِ كَمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهَا حِمْلٌ؛ وَلِلْآخَرِ مِخْلَاةٌ يَقْضِي لِصَاحِبِ الْحِمْلِ، وَيُؤْمَرُ الْآخَرُ بِرَفْعِ الْمِخْلَاةِ قُلْنَا: لِأَنَّ وَضْعَ الْمِخْلَاةِ عَلَى دَابَّةِ الْغَيْرِ لَا يَكُونُ مُسْتَحَقًّا لَهُ فِي الْأَصْلِ بِسَبَبٍ فَكَانَ مِنْ ضَرُورَةِ الْقَضَاءِ بِالدَّابَّةِ لِصَاحِبِ الْحِمْلِ أَمْرُ الْآخَرِ بِرَفْعِ الْمِخْلَاةِ فَأَمَّا هُنَا فَقَدْ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ وَضْعِ الْجُذُوعِ عَلَى حَائِطٍ لِغَيْرِهِ بِأَنْ كَانَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا فِي أَصْلِ الْقِسْمَةِ فَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْحُكْمِ لِصَاحِبِ الِاتِّصَالِ اسْتِحْقَاقُ رَفْعِ الْجُذُوعِ عَلَى الْآخَرِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ، وَقَضَى لَهُ بِهِ يُؤْمَرُ الْآخَرُ بِرَفْعِ جُذُوعِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ لِلِاسْتِحْقَاقِ فَيَسْتَحِقُّ صَاحِبُهَا رَفْعَ جُذُوعِهِ عَنْ مِلْكِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جُذُوعٌ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِيهِ فِي الْيَدِ حُكْمًا فَإِنَّهُ بِكَوْنِهِ بَيْنَ دَارَيْهِمَا يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ الْيَدُ حُكْمًا، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ عَشْرُ خَشَبَاتٍ؛ وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ خَشَبَةٌ وَاحِدَةٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَحْتَ خَشَبَتِهِ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ اسْتَحْسَنَ ذَلِكَ فِي الْخَشَبَةِ وَالْخَشَبَتَيْنِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ. وَقَالَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ: الْحَائِطُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ عَشْرِ خَشَبَاتٍ إلَّا مَوْضِعَ الْخَشَبَةِ فَإِنَّهُ لِصَاحِبِهَا وَرَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏ أَنَّ الْحَائِطَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ بِمَوْضِعِ الْخَشَبِ يُثَبِّتُ يَدَ صَاحِبِهَا عَلَيْهِ فَصَاحِبُ الْقَلِيلِ فِيهِ يَسْتَوِي بِصَاحِبِ الْكَثِيرِ كَمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي ثَوْبٍ عَامَّتُهُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَطَرَفٌ مِنْهُ فِي يَدِ الْآخَرِ كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ كِتَابِ الْإِقْرَارِ لِصَاحِبِ الْعَشْرِ خَشَبَاتٍ عَلَيْهِ حِمْلٌ مَقْصُودٌ يُبْنَى الْحَائِطُ لِأَجْلِهِ؛ وَلِيس لِصَاحِبِ الْخَشَبَةِ الْوَاحِدَةِ مِثْلُ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ الْحَائِطَ لَا يُبْنَى لِأَجْلِ خَشَبَةٍ وَاحِدَةٍ عَادَةً، وَإِنَّمَا يُنْصَبُ لِأَجْلِهَا أُسْطُوَانَةٌ فَكَانَ صَاحِبُ الْعَشْرِ خَشَبَاتٍ أَوْلَى بِهِ كَمَا فِي الدَّابَّةِ إذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهَا حِمْلٌ مَقْصُودٌ؛ وَلِلْآخَرِ مِخْلَاةٌ يَقْضِي بِهَا لِصَاحِبِ الْحِمْلِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ خَشَبَةَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ صَاحِبِ الْخَشَبَاتِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ يَسْتَحِقُّ بِهِ رَفْعَ الْخَشَبَةِ عَلَى الْآخَرِ. وَأَمَّا وَجْهُ رِوَايَةِ كِتَابِ الدَّعْوَى أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِاعْتِبَارِ وَضْعِ الْخَشَبَةِ فَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمِلْكُ فِيمَا تَحْتَ خَشَبَتِهِ لِوُجُودِ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ بِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَأَمَّا مَا بَيْنَ الْخَشَبَاتِ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ يَقْضِي بِهِ لِأَيِّهِمَا؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا ﵏ مَنْ قَالَ يَقْضِي بِالْكُلِّ بَيْنَهُمَا عَلَى إحْدَى عَشَرَ سَهْمًا عَشَرَةٌ لِصَاحِبِ الْخَشَبَاتِ وَسَهْمٌ لِصَاحِبِ الْخَشَبَةِ الْوَاحِدَةِ اعْتِبَارٌ لِمَا بَيْنَ الْخَشَبَاتِ بِمَا هُوَ تَحْتَ كُلِّ خَشَبَةٍ مِنْ الْحَائِطِ، وَأَكْبَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي بِهِ لِصَاحِبِ الْعَشْرِ

стр. 3548

خَشَبَاتٍ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْآخَرِ بِالْخَشَبَةِ لَا بِعَلَامَةٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي بَنَى الْحَائِطَ أَوْ لِلْآخَرِ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي بَنَى الْحَائِطَ فَإِنَّ الْحَائِطَ يُبْنَى لِوَضْعِ عَشْرِ خَشَبَاتٍ لَا لِوَضْعِ خَشَبَةٍ وَاحِدَةٍ فَلِهَذَا كَانَ الْكُلُّ لِصَاحِبِ الْخَشَبَاتِ إلَّا مَوْضِعَ الْخَشَبَةِ الْوَاحِدَةِ لِضَرُورَةِ اسْتِعْمَالِ صَاحِبِهَا. وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ لَا يَعْدُو مَوَاضِعَهَا، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ عَشْرُ خَشَبَاتٍ؛ وَلِلْآخَرِ ثَلَاثُ خَشَبَاتٍ فَصَاعِدًا قُضِيَ بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ اعْتِبَارًا لِأَدْنَى الْجَمْعِ بِأَقْصَاهُ؛ وَهَذَا لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ حِمْلًا مَقْصُودًا يُبْنَى الْحَائِطُ لِأَجْلِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ التَّفَاوُتُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْقِلَّةِ، وَالْكَثْرَةِ كَمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ؛ وَلِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ خَمْسُونَ مَنًا؛ وَلِلْآخَرِ مِائَةُ مَنًا كَانَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ خَشَبٌ؛ وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ حَائِطُ سُتْرَةٍ فَالْحَائِطُ الْأَسْفَلُ لِصَاحِبِ الْخَشَبِ لِكَوْنِهِ مُسْتَعْمِلًا لَهُ بِوَضْعِ حِمْلٍ مَقْصُودٍ عَلَيْهِ؛ وَلِصَاحِبِ السُّتْرَةِ السُّتْرَةُ عَلَى حَالِهَا؛ لِأَنَّ بِالظَّاهِرِ لَا يَسْتَحِقُّ رَفْعَهُ سُتْرَةً الْآخَرُ بِمَنْزِلَةِ سُفْلٍ لِأَحَدِهِمَا وَعَلَيْهِ عُلُوٌّ لِآخَرَ، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ سُتْرَةٌ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ عَلَيْهِ شَيْءٌ يُقْضَى بِهِ لِصَاحِبِ السُّتْرَةِ؛ لِأَنَّ الْحَائِطَ قَدْ يُبْنَى لِأَجْلِ السُّتْرَةِ فَكَانَتْ هَذِهِ عَلَامَةً لِاسْتِحْقَاقِ صَاحِبِهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ الْهَوَادِي فَإِنَّ الْحَائِطَ لَا يُبْنَى لِأَجْلِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ بِهِ التَّرْجِيحَ قَالَ: وَإِذَا كَانَ جِصٌّ بَيْنَ دَارَيْنِ يَدَّعِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيْ الدَّارَيْنِ وَالْقِمْطُ إلَى أَحَدِهِمَا قُضِيَ بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يُقْضَى لِمَنْ عَلَيْهِ الْقِمْطُ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ دَهْثَمِ بْنِ قُرَّانَ «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي جِصٍّ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ ﵁ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمَا فَقَضَى بِالْجِصِّ لِمَنْ إلَيْهِ الْقِمْطُ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَصْوَبَهُ» وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ احْتَجَّ فَقَالَ نَفْسُ الْقِمْطِ مُتَنَازَعٌ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ دَلِيلُ الْمِلْكِ لِأَحَدِهِمَا وَهُوَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ بِعَيْنِهِ؛ وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتَّخِذُ جِصًّا وَيَجْعَلُ الْقِمْطَ إلَى جَانِبِ جَارِهِ لِيَكُونَ جَانِبُهُ مُسْتَوِيًا فَيُطَيِّنُهُ وَيُجَصِّصُهُ، وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّ صَاحِبَ الْقِمْطِ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ حِينَ تَحَاكَمَا فَقَضَى لَهُ حُذَيْفَةُ ﵁ بِالْبَيِّنَةِ، وَذَكَرَ الْقِمْطَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْرِيفِ كَمَا يُقَالُ قَضَى لِصَاحِبِ الْعِمَامَةِ وَالطَّيْلَسَانِ. وَكَذَلِكَ لَوْ اخْتَلَفَا فِي حَائِطٍ وَوَجْهُهُ إلَى أَحَدِهِمَا وَظَهْرُهُ إلَى الْآخَرِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا يَقْضِي لِمَنْ كَانَ إلَيْهِ ظَهْرُ الْبِنَاءِ، وَأَنْصَافُ اللَّبِنِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَجْعَلُ ظَهْرَ الْبِنَاءِ إلَى جَانِبِ نَفْسِهِ لِيَكُونَ مُسْتَوِيًا وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: هَذِهِ الْعَادَةُ مُشْتَرَكَةٌ قَدْ يَجْعَلُهَا إلَى جَانِبِ جَارِهِ، وَقَدْ يَجْعَلُهَا إلَى الطَّرِيقِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلَ انْعِدَامِ مِلْكِهِ فِي الْحَائِطِ

стр. 3549

وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الطَّاقَاتُ إلَى أَحَدِهِمَا فَالْحَاصِلُ أَنَّ ظَهْرَ الْبِنَاءِ كُلَّهُ مُتَنَازَعٌ فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ دَلِيلًا لِلْحُكْمِ بِهِ لِأَحَدِهِمَا قَالَ: وَإِذَا كَانَ سُفْلُ الْحَائِطِ لِرَجُلٍ وَعُلُوُّهُ لِآخَرَ فَأَرَادَ صَاحِبُ السُّفْلِ أَنْ يَهْدِمَ السُّفْلَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السُّفْلَ فِيهِ حَقٌّ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ مِنْ حَيْثُ قَرَارُ بِنَائِهِ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُبْطِلَ حَقَّ الْغَيْرِ عَنْ مِلْكِ نَفْسِهِ. وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ فِيهِ بَابًا، وَلَا كُوَّةً، وَلَا يُدْخِلُ فِيهِ جِذْعًا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاءِ صَاحِبِ الْعُلُوِّ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ ذَلِكَ إذَا كَانَ لَا يَضُرُّ بِصَاحِبِ الْعُلُوِّ فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَحْفِرْ فِي سُفْلِهِ بِئْرًا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ أَنْ يُحْدِثَ عَلَى عُلُوِّهِ بِنَاءً أَوْ يَضَعَ عَلَيْهِ جُذُوعًا أَوْ يَشْرَعَ فِيهِ كَنِيفًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَضَرَّ بِالسُّفْلِ أَوْ لَمْ يَضُرَّ وَعِنْدَهُمَا إنْ أَضَرَّ بِالسُّفْلِ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَضُرَّ بِالسُّفْلِ لَمْ يُمْنَعْ. حُجَّتُهُمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِي خَالِصِ حَقِّهِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَلْحَقَ الضَّرَرُ بِمَنْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ كَالْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ عَلَى الْمُوصِي لَهُ بِالرَّقَبَةِ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ إلَّا مَا يَضُرُّ بِالْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ حَقُّ بِنَاءِ قَدْرٍ مَعْلُومٍ عَلَى بِنَاءِ السُّفْلِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ مُنِعَ مِنْهُ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِمْلًا مَعْلُومًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالدَّابَّةِ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ لَهُ حَقٌّ فِي بِنَاءِ السُّفْلِ مِنْ حَيْثُ قَرَارُ عُلُوِّهِ عَلَيْهِ وَفَتْحُ الْبَابِ، وَالْكُوَّةِ يُوهِنُ الْبِنَاءَ، وَكَذَلِكَ حَفْرُ الْبِئْرِ فِي سَاحَةِ السُّفْلِ يُوهِنُ الْبِنَاءَ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَا صَاحِبِ الْعُلُوِّ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ الَّذِي يَضُرُّ بِصَاحِبِهِ فَلَوْ كَانَ الْمِلْكُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَالِصًا لَمْ يُمْنَعْ أَحَدُهُمَا مِنْ التَّصَرُّفِ، وَإِنْ أَدَّى إلَى الْإِضْرَارِ بِصَاحِبِهِ كَالْجَارَيْنِ قَالَ، وَإِذَا كَانَ الْحَائِطُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَحَدِهِمَا أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ الْحَائِطَ لَهُ قَضَيْتُ لَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْحَائِطِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ إقْرَارِهِ بِالْبَيِّنَةِ كَثُبُوتِهِ بِالْمُعَايَنَةِ، وَإِقْرَارُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْإِضْرَارَ فِيهِ عَلَى الشَّرِيكِ فَلَا فَرْقَ فِي حَقِّهِ بَيْنَ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي الْحَائِطِ الْمُقِرُّ أَوْ الْمَقَرُّ لَهُ فَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ فِي يَدِ رَجُلٍ، وَلَهُ جُذُوعٌ شَاخِصَةٌ فِيهِ عَلَى دَارِ رَجُلٍ آخَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ الدَّارَ فَكَمَا لَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ أَنْ يُحْدِثَ فِي سَاحَةِ دَارِهِ عَلَيْهِ كَنِيفًا فَلِصَاحِبِ الدَّارِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَوَاءَ الدَّارِ حَقٌّ لِصَاحِبِهَا كَسَاحَةٍ بَنَاهَا بِغَيْرِ رِضَاهُ فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُ إحْدَاثُ الْبِنَاءِ فِي هَوَاءِ دَارِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَالْجُذُوعُ الشَّاخِصَةُ نَوْعٌ ظَاهِرٌ يَدْفَعُ بِهِ الِاسْتِحْقَاقَ فَلَا يَسْتَحِقُّ

стр. 3550

بِهِ شَيْئًا، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّارِ أَنْ يَقْطَعَ الْجُذُوعَ؛ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ كَذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ حُجَّةً لِذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ نَفْسُ الْجُذُوعِ بِحَقٍّ مُسْتَحَقًّا لِصَاحِبِهَا فَلَا يَكُونُ لِصَاحِبِ الدَّارِ أَنْ يَقْطَعَهَا إلَّا بِحُجَّةٍ وَالظَّاهِرُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً كَذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ جُذُوعًا لَا يَحْمِلُ عَلَى مِثْلِهَا شَيْئًا إنَّمَا هُوَ أَطْرَافُ جُذُوعٍ خَارِجَةٍ فِي دَارِهِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَقْطَعَهَا؛ لِأَنَّ عَيْنَ الْجُذُوعِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بِعَيْنِهَا إنَّمَا الْمَقْصُودُ هُوَ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا فَمَا لَا يُبْنَى عَلَى مِثْلِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَقًّا لَهُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَكَانَ لِصَاحِبِ الدَّارِ أَنْ يَقْطَعَهَا وَمَا يُبْنَى عَلَيْهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَقًّا لَهُ بِسَبَبٍ فَلَا يَكُونُ لَهُ قَطْعُهَا مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ أَحْدَثَ نَصْبَهَا غَصْبًا قَالَ: وَإِذَا كَانَ السُّفْلُ لِرَجُلٍ، وَالْعُلُوُّ لِآخَرَ فَانْهَدَمَ لَمْ يُجْبَرْ صَاحِبُ السُّفْلِ عَلَى بِنَاءِ السُّفْلِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَلَا يُجْبَرُ صَاحِبُ الْمِلْكِ عَلَى بِنَاءِ مِلْكِهِ فَلَهُ حَقُّ التَّدْبِيرِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ كَإِنْشَاءِ بَيْعٍ أَوْ بِنَاءٍ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ صَاحِبُ السُّفْلِ هُوَ الَّذِي هَدَمَهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُتَعَدِّيًا بِالْهَدْمِ لِمَا لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ فِي بِنَاءِ السُّفْلِ مِنْ حَقِّ قَرَارِ الْعُلُوِّ عَلَيْهِ فَيُجْبَرُ عَلَى بِنَائِهِ بِحَقِّهِ كَالرَّاهِنِ إذَا قَبِلَ الْمَرْهُونَ أَوْ الْمَوْلَى قَبِلَ عَبْدَهُ الْمَدْيُونَ فَأَمَّا عِنْدَ الِانْهِدَامِ لَمْ يُوجَدْ مِنْ صَاحِبِ السُّفْلِ فِعْلٌ هُوَ عُدْوَانٌ، وَلَكِنْ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يَبْنِيَ السُّفْلَ، ثُمَّ يَبْنِيَ عَلَيْهِ الْعُلُوَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى بِنَاءِ مِلْكِهِ إلَّا بِبِنَاءِ السُّفْلِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَتَطَرَّقَ بِبِنَاءِ السُّفْلِ؛ لِيَتَوَصَّلَ إلَى حَقِّهِ، ثُمَّ يَمْنَعُ صَاحِبَ السُّفْلِ مِنْ أَنْ يَسْكُنَ سُفْلَهُ حَتَّى يَرُدَّ عَلَى صَاحِبِ الْعُلُوِّ قِيمَةَ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى بِنَاءِ السُّفْلِ لِيَتَوَصَّلَ إلَى مَنْفَعَةِ مِلْكِهِ فَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِيهِ وَالْبِنَاءُ مِلْكُ الثَّانِي فَكَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْبِنَاءِ حَتَّى يَتَمَلَّكَهُ عَلَيْهِ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ ﵀ أَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِ بِمَا أَنْفَقَ فِي بِنَاءِ السُّفْلِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي هَذَا الْإِنْفَاقِ شَرْعًا فَيَكُونُ كَالْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ صَاحِبِ السُّفْلِ؛ لِأَنَّ لِلشَّرْعِ عَلَيْهِ وِلَايَةً. وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْبِنَاءَ مِلْكُهُ فَيَتَمَلَّكُهُ عَلَيْهِ صَاحِبُ السُّفْلِ بِقِيمَتِهِ كَثَوْبِ الْغَيْرِ إذَا انْصَبَغَ بِصَبْغِ غَيْرِهِ فَأَرَادَ صَاحِبُ الثَّوْبِ أَنْ يَأْخُذَ ثَوْبَهُ يُعْطِي صَاحِبَ الثَّوْبِ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِي الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ الصَّبْغَ مِلْكُ صَاحِبِ الصَّبْغِ فِي ثَوْبِهِ وَذَكَرَ فِي الْأَمَالِي عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ السُّفْلَ كَالْمَرْهُونِ فِي يَدِ صَاحِبِ الْعُلُوِّ، وَمُرَادُهُ مِنْ ذَلِكَ مَنْعُ صَاحِبِ السُّفْلِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِسُفْلِهِ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ قَالَ: وَلَوْ كَانَ بَيْتٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَوْ دَارٌ فَانْهَدَمَتْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُجْبِرَ صَاحِبَهُ عَلَى الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّ تَمْيِيزَ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ بِقِسْمَةِ السَّاحَةِ مُمْكِنٌ فَإِنْ بَنَاهَا أَحَدُهُمَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى شَرِيكِهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ فِي هَذَا الْبِنَاءِ فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ مُطَالَبَةِ صَاحِبِهِ بِالْقِسْمَةِ لِيَبْنِيَ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ

стр. 3551

بِخِلَافِ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ، وَكَذَلِكَ الْحَائِطُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جُذُوعٌ؛ لِأَنَّ أُسَّ الْحَائِطِ مُحْتَمِلٌ لِلْقِسْمَةِ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ نَحْوَ الْحَائِطِ الْمَبْنِيِّ بِالْخَشَبَةِ فَحِينَئِذٍ يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى بِنَائِهِ، وَإِذَا بَنَاهُ أَحَدُهُمَا مَعَ صَاحِبِهِ مُنِعَ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ إذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْكَسْبِ، وَامْتَنَعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْحَائِطِ جُذُوعٌ لَهُمَا فَلِأَحَدِهِمَا أَنْ يُجْبِرَ صَاحِبَهُ عَلَى الْمُسَاعَدَةِ مَعَهُ فِي بِنَائِهِ، وَإِنْ لَمْ يُسَاعِدْهُ عَلَى ذَلِكَ بَنَاهُ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ وَضْعِ جُذُوعِهِ عَلَيْهِ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ قِيمَةَ حِصَّتِهِ مِنْ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقٌّ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ مِنْ حَيْثُ وَضْعُ الْجُذُوعِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يَبْطُلُ بِقِسْمَةِ أُسِّ الْحَائِطِ بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ الْجُذُوعُ عَلَى الْحَائِطِ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَلِصَاحِبِ الْجُذُوعِ أَنْ يَبْنِيَ الْحَائِطَ، وَلَا يُشَاجِرَ صَاحِبَهُ عَلَى الْمُطَالَبَةِ بِقِسْمَةِ الْحَائِطِ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقَّ وَضْعِ الْجُذُوعِ عَلَى نَصِيبِ صَاحِبِهِ فَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي يُطَالِبُ بِالْقِسْمَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْقِسْمَةِ كَانَ لِحَقِّهِ، وَقَدْ رَضِيَ هُوَ بِسُقُوطِ حَقِّهِ وَصَارَ هُوَ فِي حَقِّ الْآخَرِ كَأَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ، وَكَذَلِكَ الْحَمَّامُ الْمُشْتَرَكُ إذَا انْهَدَمَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الدَّارِ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ السَّاحَةِ مُمْكِنٌ فَإِذَا بَنَاهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ قَالَ: وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ بَابٌ مِنْ دَارِهِ فِي دَارِ رَجُلٍ فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ فِي دَارِهِ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الدَّارِ فَصَاحِبُ الْبَابِ هُوَ الْمُدَّعِي لِلطَّرِيقِ فِي دَارِ الْغَيْرِ فَعَلَيْهِ إثْبَاتُهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَرَبُّ الدَّارِ هُوَ الْمُنْكِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَبِفَتْحِ الْبَابِ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا؛ لِأَنَّ فَتْحَ الْبَابِ رَفْعُ جُزْءٍ مِنْ الْحَائِطِ، وَلَوْ رَفَعَ جَمِيعَ حَائِطِهِ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ شَيْئًا فَكَذَلِكَ إذَا فَتَحَ بَابًا، وَقَدْ يَكُونُ فَتْحُ الْبَابِ لِدُخُولِ الضَّوْءِ وَالرِّيحِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلِاسْتِئْنَاسِ بِالْجَارِ وَالتَّحَدُّثِ مَعَهُ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى طَرِيقٍ لَهُ فِي الدَّارِ فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ فِي هَذِهِ الدَّارِ مِنْ هَذَا الْبَابِ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِيَدٍ كَانَتْ لَهُ فِي هَذَا الطَّرِيقِ فِيمَا مَضَى وَبِهَذِهِ الشَّهَادَةِ لَا يَسْتَحِقُّ الْمُدَّعِي شَيْئًا. (أَلَا تَرَى) أَنَّا لَوْ عَايَنَّاهُ مَرَّ فِيهِ مَرَّةً لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّ لَهُ فِيهَا طَرِيقًا ثَابِتًا فَحِينَئِذٍ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ، وَالطَّرِيقُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَقًّا لَهُ فِي دَارِ الْجَارِ فِي أَصْلِ الْقِسْمَةِ أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ فَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عَلَى إثْبَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدُوا الطَّرِيقَ، وَلَمْ يُسَمُّوا ذَرْعَ الْعَرْضِ وَالطُّولِ بَعْدَ أَنْ يَقُولُوا: إنَّ لَهُ طَرِيقًا فِي هَذِهِ الدَّارِ مِنْ هَذَا الْبَابِ إلَى بَابِ الدَّارِ فَالشَّهَادَةُ مَقْبُولَةٌ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا ﵏ مَنْ يَقُولُ تَأْوِيلُهُ إذَا شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِ الْخَصْمِ بِذَلِكَ فَالْجَهَالَةُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ فَأَمَّا إذَا

стр. 3552

شَهِدُوا عَلَى الثَّبَاتِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ لِجَهَالَةٍ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تَكُونُ مَقْبُولَةً؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ إنَّمَا تَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ إذَا تَعَذَّرَ عَلَى الْقَاضِي الْقَضَاءُ بِهَا، وَهُنَا لَا يَتَعَذَّرُ فَإِنَّ عَرْضَ الْبَابِ يُجْعَلُ حَكَمًا فَيَكُونُ عَرْضُ الطَّرِيقِ لَهُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ وَطُولُهُ إلَى بَابِ الدَّارِ. قَالَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا الطَّرِيقَ فَذَلِكَ أَحْوَرُ لِلشَّهَادَةِ وَفِي بَعْضِهَا قَالَ: وَإِنْ سَمُّوا الطُّولَ، وَالْعَرْضَ فَذَلِكَ أَحْوَرُ لِلشَّهَادَةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَرْتَفِعُ بِهِ، وَأَمَّا اللَّفْظُ الْأَوَّلُ فَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى التَّحْدِيدِ لِلْعَمَلِ بِالشَّهَادَةِ، وَرُبَّمَا يَمْتَنِعُ بِذِكْرِهَا الْعَمَلُ بِهَا فَإِنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُقَدِّرُ الطَّرِيقَ بِسَبْعَةِ أَذْرُعٍ لِحَدِيثٍ رُوِيَ فِيهِ فَلَوْ بَيَّنَ الشُّهُودُ عَرْضَ الطَّرِيقِ رُبَّمَا يَذْكُرُونَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ وَالْقَاضِي يَذْهَبُ إلَى ذَلِكَ الْمَذْهَبِ فَيَرُدُّ شَهَادَتَهُمْ، وَإِذَا أَطْلَقُوا عَمِلَ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمْ. فَكَانَ تَرْكُ التَّحْدِيدِ أَنْفَذَ لِلشَّهَادَةِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ أَحْوَرُ أَيْ أَنْفَذُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالُوا مَاتَ أَبُوهُ وَتَرَكَ هَذَا الطَّرِيقَ مِيرَاثًا؛ لِأَنَّهُمْ بَيَّنُوا سَبَبَ مِلْكِهِ وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِمْ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ مِيزَابٌ فِي دَارِ رَجُلٍ فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّلَ فِيهِ الْمَاءَ فَمَنَعَهُ رَبُّ الدَّارِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَيِّلَ فِيهِ الْمَاءَ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ مَسِيلًا؛ لِأَنَّ الْمِيزَابَ مُرَكَّبٌ فِي مِلْكِهِ كَالْبَابِ فَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ حَقًّا فِي دَارِ الْغَيْرِ إلَّا بِحُجَّةٍ فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُمْ قَدْ رَأَوْهُ يُسَيِّلُ فِيهِ الْمَاءَ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ شَيْئًا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِيَدٍ كَانَتْ لَهُ فِيمَا مَضَى، وَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الشُّرْبِ أَنَّهُمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي نَهْرٍ، وَأَحَدُهُمَا يُسَيِّلُ فِيهِ مَاءَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ يَدَهُ قَائِمَةٌ فِي النَّهْرِ بِاسْتِعْمَالِهِ بِتَسْيِيلِ الْمَاءِ فِيهِ. فَأَمَّا هُنَا لَيْسَتْ لَهُ يَدٌ قَائِمَةٌ فِي الدَّارِ بِتَسْيِيلِ الْمَاءِ فِي الْمِيزَابِ فِي، وَقْتٍ سَابِقٍ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ ﵏ قَالُوا إذَا كَانَ مَسِيلُ الْمَاءِ إلَى جَانِبِ الْمِيزَابِ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ قَدِيمٌ لَمْ يُحْدِثْ صَاحِبُ السَّطْحِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ تَسْيِيلَ الْمَاءِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَجْعَلُ سَطْحَهُ إلَى جَانِبِ مِيزَابٍ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقُّ تَسْيِيلِ الْمَاءِ فِيهِ بِعَمَلِهِ. أَمَّا إذَا امْتَنَعَ مِنْ تَسْيِيلِ الْمَاءِ فِيهِ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ تَغْيِيرُهُ إلَى جَانِبٍ آخَرَ فَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّ لَهُ مَسِيلَ مَاءٍ فِيهَا مِنْ هَذَا الْمِيزَابِ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ فِي حَقِّهِ فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ لِمَاءِ الْمَطَرِ فَهُوَ لِمَاءِ الْمَطَرِ، وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ لِصَبِّ الْوُضُوءِ فِيهِ فَهُوَ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ بَيَّنُوا صِفَةَ مَا شَهِدُوا بِهِ مِنْ الْحَقِّ، وَإِنْ لَمْ يُفَسِّرُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّارِ فِي ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْحَقِّ ثَابِتٌ بِالشَّهَادَةِ، وَلَا يَثْبُتُ صِفَتُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الدَّارِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ فِي حَقِّهِ فَإِنَّ الْمَسِيلَ لِمَاءِ الْمَطَرِ يَكُونُ ضَرَرُهُ فِي وَقْتٍ خَاصٍّ؛ وَلِصَبِّ الْوُضُوءِ فِيهِ يَكُونُ الضَّرَرُ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَيَكُونُ

стр. 3553

الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ قَوْلَ صَاحِبِ الدَّارِ وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ عَلَى جُحُودِهِ دَعْوَى صَاحِبِهِ اعْتِبَارًا لِلصِّفَةِ بِالْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ الَّتِي ادَّعَى الطَّرِيقَ أَوْ الْمَسِيلَ فِيهَا بَيْنَ الْوَرَثَةِ فَأَقَرَّ بَعْضُهُمْ بِالطَّرِيقِ وَالْمَسِيلِ وَجَحَدَ ذَلِكَ الْبَعْضُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَمُرَّ فِيهِ، وَلَا يُسَيِّلُ مَاءَهُ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى الِانْتِفَاعِ إلَّا بِنَصِيبِ الْجَاحِدِينَ، وَإِقْرَارُ الْمُقِرِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي حَقِّهِمْ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّطَرُّقِ أَوْ بِسَيْلِ الْمَاءِ فِي نَصِيبِ الْمُقِرِّ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَيِّزٍ عَنْ نَصِيبِ شُرَكَائِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ بِالْمِلْكِ فَإِنَّ إقْرَارَ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ فِي نَصِيبِهِ يَجْعَلُ الْمُقِرَّ أَحَقَّ بِنَصِيبِ الْمُقِرِّ مِنْ حَيْثُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَالِانْتِفَاعُ بِهِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ ذَلِكَ فِي نَصِيبِ الْمُقِرِّ عَلَى أَنْ يَكُونَ قَائِمًا مَقَامَهُ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ فِي نَصِيبِ الْمُقِرِّ تَطَرَّقَ فِيهِ الْمُقَرُّ لَهُ، وَيُسَيِّلُ مَاءَهُ، وَإِنْ وَقَعَ فِي نَصِيبِ غَيْرِهِ يَضْرِبُ الْمَقَرُّ لَهُ بِالطَّرِيقِ أَوْ الْمَسِيلِ فِي نَصِيبِ الْمُقِرِّ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَيَضْرِبُ الْمُقِرُّ بِحِصَّتِهِ سِوَى الطَّرِيقِ وَالْمَسِيلِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ إنْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ ثَلَاثَةً ضَرَبَ الْمُقِرُّ بِثُلُثِ الْمَسِيلِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ إذَا أَقَرَّ لَهُ بِمِلْكِ الطَّرِيقِ أَوْ الْمَسِيلِ، وَأَصْلُهُ فِيمَا ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ: دَارٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِبَيْتٍ بِعَيْنِهِ لِإِنْسَانٍ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: وَإِذَا كَانَ مَسِيلُ الْمَاءِ فِي قَنَاةٍ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ مِيزَابًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاءِ أَصْلِ أَهْلِ الدَّارِ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ الْمَسِيلُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مِيزَابًا فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ قَنَاةً لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاهُمْ؛ لِأَنَّ فِي الْقَنَاةِ الْمَاءَ لَا يَفِيضُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَلَكِنَّهُ مُغَوِّرٌ، يَسِيلُ الْمَاءُ فِي بَطْنِهِ وَفِي الْمِيزَابِ يَسِيلُ الْمَاءُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ الْقَنَاةَ مِيزَابًا فَفِيهِ زِيَادَةُ ضَرَرٍ عَلَى أَهْلِ الدَّارِ بِأَنْ يَفِيضَ الْمَاءُ فِي سَاحَةِ الدَّارِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ الْمِيزَابَ قَنَاةً يَحْتَاجُ إلَى حَفْرِ سَاحَةِ الدَّارِ وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ مِنْ الْحَقِّ قَدْرًا مَعْلُومًا فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُلْحِقَ الضَّرَرَ بِهِمْ فِي الزِّيَادَةِ إلَّا بِرِضَاهُمْ، وَقِيلَ: هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مَمْلُوكًا لَهُ، وَإِنَّمَا لَهُ تَسْيِيلُ الْمَاءِ فِيهِ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ مَمْلُوكًا لَهُ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْقَنَاةَ مِيزَابًا، وَالْمِيزَابَ قَنَاةً؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ فَلَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ ضَرَرٌ يَلْحَقُ جَارَهُ. قَالَ أَرَأَيْتَ لَوْ جَعَلَ مِيزَابًا أَطْوَلَ مِنْ مِيزَابِهِ أَوْ أَعْرَضَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ جَعَلَهُ أَطْوَلَ كَانَ انْصِبَابُ الْمَاءِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ حَقُّهُ فِيهِ، وَإِنْ جَعَلَهُ أَعْرَضَ يَنْصَبُّ الْمَاءُ فِيهِ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ حَقُّهُ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُسَيِّلَ فِيهِ مَاءَ سَطْحٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ السَّطْحِ حَقُّ

стр. 3554

تَسْيِيلِ الْمَاءِ فِي هَذَا الدَّارِ وَفِيهِ زِيَادَةُ ضَرَرٍ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَنْقُلَ الْمِيزَابَ عَنْ مَوْضِعِهِ؛ لِأَنَّهُ يَنْصَبُّ الْمَاءُ فِيهِ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ حَقُّهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَهُ أَوْ يُسْفِلَهُ فَفِي كُلِّ ذَلِكَ نَوْعُ ضَرَرٍ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ سِوَى مَا كَانَ مُسْتَحَقًّا لِصَاحِبِ الْمِيزَابِ فَلَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِرِضَاهُ. قَالَ: وَلَوْ أَرَادَ أَهْلُ الدَّارِ أَنْ يَبْنُوا حَائِطًا لِيَسُدَّ مَسِيلَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا مَنْعَ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ لِلْغَيْرِ فِي دَارِهِمْ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَبْنُوا بِنَاءً يَسِيلُ مِيزَابُهُ عَلَى سَطْحِهِ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى صَاحِبِ الْمِيزَابِ إذْ لَا فَرْقَ فِي حَقِّهِ بَيْنَ أَنْ يَنْصَبَّ مَاءُ الْمَطَرِ فِي سَاحَةِ الدَّارِ أَوْ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ يَبْنُونَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَبْنُوا فِي سَاحَةِ الدَّارِ مَا يَمْنَعُ صَاحِبَ الطَّرِيقِ مِنْ التَّطَرُّقِ فِيهِ، وَلَكِنَّهُمْ إذَا أَرَادُوا أَنْ يَبْنُوا السَّاحَةَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا مِنْ السَّاحَةِ بِقَدْرِ الطَّرِيقِ، وَيُثْبِتُونَ مَا سِوَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ إلَّا فِي مَوْضِعِ الطَّرِيقِ فَإِنْ، وَقَعَتْ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمْ فِي عَرْضِ مَا يَتْرُكُونَ لَهُ مِنْ الطَّرِيقِ جَعَلُوهُ قَدْرَ عَرْضِ بَابِ الدَّارِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِصَاحِبِ الطَّرِيقِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَحْمِلُ مَعَ نَفْسِهِ فِي الطَّرِيقِ إلَّا مَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إدْخَالِهِ فِي بَابِ الدَّارِ، وَيَتَمَكَّنُ لِذَلِكَ فِي طَرِيقٍ عَرْضُهُ مِثْلُ عَرْضِ بَابِ الدَّارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [بَابُ الدَّعْوَى فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ مِنْ وَجْهَيْنِ] (بَابُ الدَّعْوَى فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ مِنْ وَجْهَيْنِ) قَالَ ﵀: دَارٌ فِي يَدِ رَجُلٍ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ، وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ فَشَهِدَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ ذِي الْيَدِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ لَمْ تُقْبَلْ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ قَبُولِ الْبَيِّنَةِ تَقْدِيمُ الدَّعْوَى فَإِنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ إنَّمَا يَجِبُ بَقَاؤُهَا عِنْدَ طَلَبِ صَاحِبِ الْحَقِّ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَمَا شَهِدَ بِهِ شُهُودُهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ الدَّعْوَى بِهِ مِنْهُ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يَدَّعِيَهُ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ الْأَوَّلَ يُنَاقِضُ دَعْوَاهُ الثَّانِيَ فَإِنَّ بِمَا، وَرِثَهُ عَنْ أَبِيهِ مُنْذُ سَنَةٍ لَا يَتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرِيًا لَهُ مِنْ ذِي الْيَدِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، وَالتَّنَاقُضُ يَعْدِمُ مِيرَاثًا قَدْ أَكْذَبَ شُهُودَهُ عَلَى الشِّرَاءِ فَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ لَهُ مِنْ ذِي الْيَدِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي ادَّعَى أَنَّ ذِي الْيَدِ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ مُنْذُ سَنَةٍ وَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى الشِّرَاءِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ لَمْ تُقْبَلْ أَيْضًا؛ لِأَنَّ بَعْدَ دَعْوَاهُ الْأُولَى لَا يُمْكِنُهُ دَعْوَى الشِّرَاءِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ؛ فَلِانْعِدَامِ الدَّعْوَى أَوَّلًا كَذَلِكَ شُهُودُهُ تَمْنَعُ الْعَمَلَ بِشَهَادَتِهِمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الشِّرَاءَ أَوَّلًا مُنْذُ سَنَةٍ، ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الصَّدَقَةِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ.

стр. 3555

وَلَوْ ادَّعَى الصَّدَقَةَ مُنْذُ سَنَةٍ، ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ مُنْذُ شَهْرٍ لَمْ تُقْبَلْ إلَّا أَنْ يُوَفِّقَ فَيَقُولَ جَحَدَنِي الصَّدَقَةَ فَاشْتَرَيْتهَا مِنْهُ فَحِينَئِذٍ يَقْضِي بِهَا لَهُ؛ لِأَنَّ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ الشَّهَادَةَ مُخَالِفَةٌ لِلدَّعْوَى إلَّا أَنَّ التَّوْفِيقَ مُمْكِنٌ فَقَدْ يَجْحَدُ الْمُتَصَدِّقُ الصَّدَقَةَ فَيَشْتَرِيَهَا مِنْهُ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عِنْدَ التَّوْفِيقِ كَمَا لَوْ ادَّعَى أَلْفًا وَشَهِدَ لَهُ الشُّهُودُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ لَمْ تُقْبَلْ إلَّا أَنْ يُوَفِّقَ الْمُدَّعِي فَيَقُولُ كَانَ حَقِّي أَلْفًا، وَخَمْسَمِائَةٍ، وَلَكِنِّي اسْتَوْفَيْتُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الشُّهُودُ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ هُنَاكَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُوَفِّقَ فَيَقُولُ جَحَدَنِي الصَّدَقَةَ مُنْذُ سَنَةٍ فَاشْتَرَيْتهَا مِنْهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الشِّرَاءَ مُنْذُ سَنَةٍ، ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الصَّدَقَةِ مُنْذُ شَهْرٍ، وَقَالَ جَحَدَنِي الشِّرَاءَ فَسَأَلْته فَتَصَدَّقَ عَلَيَّ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهَذَا تَوْفِيقٌ صَحِيحٌ يَنْعَدِمُ بِهِ التَّنَاقُضُ، وَإِكْذَابُ الشُّهُودِ. وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الْمِيرَاثَ مِنْ أَبِيهِ مُنْذُ سَنَةٍ وَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى شِرَائِهَا مِنْ ذِي الْيَدِ مُنْذُ شَهْرٍ فَقَالَ جَحَدَنِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَاشْتَرَيْتهَا مِنْهُ مُنْذُ شَهْرٍ فَهَذَا تَوْفِيقٌ صَحِيحٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى أَمَةً فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَقَالَ اشْتَرَيْتهَا مِنْهُ بِعَبْدِي هَذَا مُنْذُ سَنَةٍ، ثُمَّ جَاءَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مُنْذُ سَنَةٍ وَجَاءَ بِشَاهِدَيْنِ فَشَهِدَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مُطْلَقًا أَوْ مُنْذُ شَهْرٍ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ إذَا وَفَّقَ أَوْ قَالَ حِينَ جَحَدَنِي الشِّرَاءَ بِالْعَبْدِ فَاشْتَرَيْتهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ بَعْدَمَا قُمْنَا مِنْ مَجْلِسِك أَيُّهَا الْقَاضِي وَالْبَيْعُ الثَّانِي يَنْقُضُ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ فَيَتَمَكَّنُ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ بِالْعَقْدِ الَّذِي شَهِدُوا بِهِ عِنْدَ هَذَا التَّوْفِيقِ، وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مُنْذُ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ أَقْبَلْ شَهَادَتَهُمَا؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْيَدِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْعَقْدِ فَالتَّوْفِيقُ غَيْرُ مُمْكِنٍ إنْ شَهِدُوا بِالشِّرَاءِ مِنْهُ مُنْذُ سَنَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا تَارِيخَ بَيْنَ الْعَقْدِ الْمُدَّعَى، وَالْمَشْهُودِ بِهِ، وَإِنْ شَهِدُوا بِالشِّرَاءِ بِأَلْفٍ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ لَا يَتَمَكَّنُ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ بِالْعَقْدِ الَّذِي شَهِدُوا بِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْمُدَّعَى كَانَ بَعْدَهُ بِزَعْمِ الْمُدَّعِي، وَهُوَ يَنْقُضُ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ فَلَا يُمْكِنُهُ الْقَضَاءُ بِالْعَقْدِ الْمُدَّعَى؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ لَمْ تَقُمْ بِهِ فَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ قَالَ فَإِنْ ادَّعَى عَيْنًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهُ لَهُ وَشَهِدَ شُهُودُهُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ ذِي الْيَدِ وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ أَوْ، وَهَبَهُ ذُو الْيَدِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ أَنَّهُ وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْمُوَافَقَةُ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ مَعْنًى لَا لَفْظًا. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَقُولُ أَدَّعِي عَلَيْهِ كَذَا، وَالشَّاهِدُ يَقُولُ أَشْهَدُ عَلَيْهِ بِكَذَا، وَالْمُوَافَقَةُ مَعْنًى مَوْجُودٌ هُنَا؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى الْمِلْكَ، وَقَدْ شَهِدُوا لَهُ بِالْمِلْكِ مَعَ بَيَانِ سَبَبِهِ، وَلَا بُدَّ لِلْمِلْكِ مِنْ سَبَبٍ فَبَيَانُ سَبَبِ الْمِلْكِ مِنْ الشُّهُودِ فِي الشَّهَادَةِ إنْ لَمْ يُؤَكِّدْ شَهَادَتَهُمْ بِالْمِلْكِ لَا تَنْدَفِعُ بِهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى الشِّرَاءَ مِنْ ذِي الْيَدِ وَشَهِدَ لَهُ الشُّهُودُ بِالْمِلْكِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ

стр. 3556

الشَّهَادَةَ هُنَاكَ أَزْيَدُ مِنْ الدَّعْوَى فَإِنَّ الْمِلْكَ بِالشِّرَاءِ حَادِثٌ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ تُثْبِتُ الِاسْتِحْقَاقَ مِنْ الْأَصْلِ حَتَّى يَرْجِعَ الْبَاعَةُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالثَّمَنِ. فَأَمَّا إذَا ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا وَشَهِدَ الشُّهُودُ بِالشِّرَاءِ فَالْمِلْكُ بِهِ دُونَ الْمُدَّعَى فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ كَمَا لَوْ ادَّعَى أَلْفًا وَشَهِدَ لَهُ الشُّهُودُ بِخَمْسِمِائَةٍ تُقْبَلُ. وَلَوْ ادَّعَى خَمْسَمِائَةٍ وَشَهِدَ لَهُ الشُّهُودُ بِأَلْفٍ لَا تُقْبَلُ، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ لَهُ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ لِفُلَانٍ وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ فِيهِ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الدَّعْوَتَيْنِ فَالْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ قَدْ نَصَّفَ الْعَيْنَ إلَى نَفْسِهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ لَهُ حَقَّ الْمُطَالَبَةِ بِهِ فَيَتَمَكَّنُ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ بِمَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ بَعْدَ دَعْوَاهُ الْأَوَّلِ، وَلَوْ ادَّعَى أَوَّلَ مَرَّةٍ أَنَّهُ لِفُلَانٍ وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ فِيهِ، ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَهُ لَمْ أَقْبَلْ بَيِّنَتَهُ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ لَا يُضَافُ إلَى غَيْرِهِ عِنْدَ الْخُصُومَةِ فَلَا يَتَمَكَّنُ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ بِالْمَشْهُودِ بِهِ وَهُوَ الْمِلْكُ لَهُ بَعْدَ مَا أَقَرَّ أَنَّهُ وَكِيلٌ فِيهِ بِالْخُصُومَةِ بِمَا ادَّعَاهُ الْأَوَّلَ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَضَاءِ بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ لَمْ يَشْهَدُوا بِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لِفُلَانٍ آخَرَ وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ فِيهِ لَا أَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالْخُصُومَةِ فِي الْعَيْنِ مِنْ جِهَةِ زَيْدٍ لَا بِصِفَةٍ إلَى غَيْرِهِ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ التَّنَاقُضِ بَيْنَ الدَّعْوَتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا. قَالَ: وَلَوْ ادَّعَاهُ لِرَجُلٍ زَعَمَ أَنَّهُ وَكَّلَهُ فِيهِ بِالْخُصُومَةِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ بَاعَهُ مِنْ فُلَانٍ وَهُوَ يَمْلِكُهُ، وَكَّلَنِي فُلَانٌ الْمُشْتَرِي بِالْخُصُومَةِ وَجَاءَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَقَضَيْتُ بِهِ لِلْمُوَكِّلِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ وَفَّقَ بَيْنَ الدَّعْوَتَيْنِ بِتَوْفِيقٍ مُمْكِنٍ لَوْ عَايَنَّا ذَلِكَ صَحَّحْنَا دَعْوَاهُ الثَّانِيَةَ. فَكَذَلِكَ إذَا، وَفَّقَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ وَيَقْضِي بِهِ لِلْمُوَكِّلِ الْآخَرِ وَتَأْوِيلُ هَذَا إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ بِالْمِلْكِ بِالشِّرَاءِ فَأَمَّا إذَا شَهِدُوا بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ. قَالَ: وَلَوْ ادَّعَى الْقَاضِي فِي صَكٍّ جَاءَ بِاسْمِهِ، ثُمَّ جَاءَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ لِغَيْرِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ فِيهِ قَبِلْت ذَلِكَ مِنْهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْخُصُومَةِ قَدْ يُضِيفُ الْمَالَ إلَى نَفْسِهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ لَهُ حَقَّ الْمُطَالَبَةِ بِهِ فَيَتَمَكَّنُ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ ادِّعَاءِ الْوَلَدِ] (بَابُ ادِّعَاءِ الْوَلَدِ) (قَالَ ﵀ ذُكِرَ عَنْ شُرَيْحٍ ﵀ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَتَبَ إلَيْهِ إذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ بِوَلَدِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ، وَهَكَذَا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَبِقَوْلِهِمَا نَأْخُذُ أَنَّهُ مَتَى ثَبَتَ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَالنَّسْخَ

стр. 3557

وَلَا يُتَصَوَّرُ تَحْوِيلُهُ مِنْ شَخْصٍ إلَى شَخْصٍ وَبِإِقْرَارِهِ ثَبَتَ مِنْهُ لِكَوْنِ الْإِقْرَارِ حُجَّةً عَلَيْهِ فَإِنْ (قِيلَ) أَلَيْسَ أَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ مِنْ الزَّوْجِ بِفِرَاشِ النِّكَاحِ، ثُمَّ يَمْلِكُ نَفْيَهُ بِاللِّعَانِ (قُلْنَا)؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ هُنَاكَ بِحُكْمِ الْفِرَاشِ عَلَى احْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُ فَيُتَصَوَّرُ نَفْيُهُ أَمَّا هُنَا بِثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْهُ بِتَنْصِيصِهِ عَلَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِ فَلَا يَبْقَى بَعْدَهُ احْتِمَالُ النَّفْيِ كَالْمُشْتَرِي إذَا أَقَرَّ بِالْمِلْكِ لِلْبَائِعِ، ثُمَّ اسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ وَرَجَعَ بِالثَّمَنِ لَمْ يَبْطُلْ إقْرَارُهُ حَتَّى إذَا عَادَ إلَى يَدِهِ يَوْمًا يُؤْمَرُ بِتَسْلِيمِهِ إلَى الْبَائِعِ بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَاهُ، وَلَمْ يُقِرَّ لَهُ بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الشِّرَاءِ، وَإِنْ كَانَ إقْرَارًا بِالْمِلْكِ فَالِاحْتِمَالُ فِيهِ بَاقٍ بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ بِهِ نَصًّا وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ مَرَّ عُمَرُ ﵁ عَلَى جَارِيَةٍ تَسْقِي مَعَ رَجُلٍ مِنْ بِئْرٍ فَقَالَ لِمَنْ هَذِهِ فَقَالُوا لِفُلَانٍ قَالَ: وَلَعَلَّهُ يَطَؤُهَا قَالُوا نَعَمْ قَالَ أَمَّا إنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ أَلْزَمَتْهُ وَلَدَهَا وَبِظَاهِرِهِ يَأْخُذُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فَنَقُولُ الْأَمَةُ تَصِيرُ فِرَاشًا بِنَفْسِ الْوَطْءِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْفِرَاشَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِ الْمَوْلَى وَهُنَا الْإِقْرَارُ فِي الْأَجَانِبِ وَبِهِ لَا يَثْبُتُ الْفِرَاشُ. فَأَمَّا أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ أَنَّهَا أُمُّ، وَلَدِهِ أَوْ يَحْمِلَهُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ ذَلِكَ حَثُّ النَّاسِ عَلَى تَحْصِينِ الْجَوَارِي، وَمَنْعِهِنَّ عَنْ الِاخْتِلَاطِ بِالرِّجَالِ فَقَدْ ظَهَرَ عَنْ عُمَرَ ﵁ مَا يُخَالِفُ هَذَا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ لَهُ جَارِيَةٌ، وَكَانَ يَطَؤُهَا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ وَنَفَاهُ، وَقَالَ اللَّهُمَّ لَا يُلْحَقُ بِآلِ عُمَرَ مَنْ لَا يُشْبِهُهُمْ فَأَقَرَّتْ أَنَّهُ مِنْ فُلَانٍ الرَّاعِي. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَطَأُ جَارِيَتَهُ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَنَفَاهُ فَقَالَ كُنْتُ أَطَؤُهَا، وَلَا أَبْغِي، وَلَدَهَا أَيْ أَعْزِلُ عَنْهَا، وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ ﵄ وَاَلَّذِي ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ مَنْ وَطِئَ وَلِيدَةً لَهُ فَضَيَّعَهَا فَالْوَلَدُ مِنْهُ وَالضَّيَاعُ عَلَيْهِ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْخَصْمِ؛ لِأَنَّ الْوَلِيدَةَ اسْمٌ لِأُمِّ الْوَلَدِ فَإِنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٌ أَيْ: وَالِدَةٌ وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ حَصِّنُوهُنَّ أَوْ لَا تُحَصِّنُوهُنَّ أَيُّمَا رَجُلٌ وَطِئَ جَارِيَةً فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ أَلْزَمْتُهُ إيَّاهُ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْحَثِّ لِلنَّاسِ عَلَى تَحْصِينِ السَّرَارِي وَمَنْعِهِنَّ عَنْ الْخُرُوجِ، ثُمَّ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ﵏ أَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِالْفِرَاشِ وَالْفِرَاشُ تَارَةً يَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ وَتَارَةً يَثْبُتُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَأَمَّا الْفِرَاشُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ إذَا جَاءَتْ بِالْوَلَدِ لِمُدَّةٍ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْعُلُوقَ بَعْدَ النِّكَاحِ ثَبَتَ النَّسَبُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْتَفِي إلَّا بِاللِّعَانِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ اللِّعَانِ، وَكَذَلِكَ النَّسَبُ يَثْبُتُ بِشُبْهَةِ النِّكَاحِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الدُّخُولُ، وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ تَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ تَارَةً، وَبِإِخْبَارِ الْمُخْبِرِ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ تَارَةً؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ تَعْمَلُ عَمَلَ الْحَقِيقَةِ فِيمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى

стр. 3558

الِاحْتِيَاطِ، وَأَمْرُ النَّسَبِ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْمَهْرِ وَالْعِدَّةِ جُعِلَتْ الشُّبْهَةُ بِمَنْزِلَةِ حَقِيقَةِ النِّكَاحِ فَكَذَلِكَ فِي النَّسَبِ وَمَتَى ثَبَتَ النَّسَبُ بِالشُّبْهَةِ لَا يُمْكِنُ نَفْيُهُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ نَفْيَ النَّسَبِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يَكُونُ إلَّا بِاللِّعَانِ، وَلَا يَجْرِي اللِّعَانُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَالْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ. وَأَمَّا بِمِلْكِ الْيَمِينِ لَا خِلَافَ أَنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِ الْمِلْكِ، وَلَا بِالْوَطْءِ بِشُبْهَةِ الْمِلْكِ بِدُونِ الدَّعْوَةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ بِنَفْسِ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ هَلْ يَصِيرُ فِرَاشًا حَتَّى لَا يَثْبُتَ النَّسَبُ بِهِ عِنْدَنَا إلَّا أَنْ يُقِرَّ الْمَوْلَى بِالنَّسَبِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الْوَطْءِ، وَلَكِنْ إذَا كَانَ الْمَوْلَى يَطَؤُهَا وَيَمْنَعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ وَلَدَهَا، وَلَا يَنْفِيَهُ فَإِنَّ الْمِيَرَةَ فِي هَذَا، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ حُكْمًا إلَّا بِالدَّعْوَةِ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رُوِيَ عَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵄ اخْتَصَمَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَلَدٍ وَلَدَتْهُ زَمْعَةُ فَقَالَ عَبْدٌ وَلَدُ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي وَقَالَ سَعْدُ ﵁ ابْنُ أَخِي عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ أَخِي وَأَمَرَنِي أَنْ أَضُمَّهُ إلَى نَفْسِي فَقَالَ ﷺ هُوَ لَك يَا عَبْدُ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» فَقَدْ أَثْبَتَ النَّسَبَ مِنْ زَمْعَةَ بِإِقْرَارِ مَنْ يَخْلُفُهُ بِوَطْئِهِ إيَّاهَا، وَلَمْ يَسْبِقْ مِنْ زَمْعَةَ دَعْوَةُ النَّسَبِ فَدَلَّ أَنَّ الْفِرَاشَ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الْوَطْءِ. وَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّهُ وَضَعَ مَاءَهُ حَيْثُ لَهُ وَضْعُهُ فَيَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ كَمَا فِي فِرَاشِ النِّكَاحِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْوَطْءَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ عَقْدِ النِّكَاحِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ تَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ كَمَا يَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ بَلْ أَقْوَى فَحُرْمَةُ الرَّبِيبَةِ تَثْبُتُ بِالْوَطْءِ، وَلَا يَثْبُتُ بِنَفْسِ النِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَطْئًا بِمِلْكِ الْيَمِينِ كَمَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا نِكَاحًا، ثُمَّ الْفِرَاشُ فِي حَقِّ النَّسَبِ يَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ فَكَذَلِكَ بِالْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَلَنَا أَنَّ وَطْءَ الْأَمَةِ كَمِلْكِهَا وَبِمِلْكِهَا لَا يَثْبُتُ الْفِرَاشُ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ قَدْ يَكُونُ لِبَيْعِهَا، وَقَدْ يَكُونُ لِوَطْئِهَا فَكَذَلِكَ وَطْؤُهُ إيَّاهَا مُحْتَمِلٌ قَدْ يَكُونُ لِلِاسْتِفْرَاشِ، وَقَدْ يَكُونُ لِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ بِالْعَزْلِ عَنْهَا عَادَةً، وَيَنْفَرِدُ بِذَلِكَ شَرْعًا وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَكُونُ حُجَّةً فَلَا يَثْبُتُ مِنْهُ إلَّا بِالدَّعْوَةِ الَّتِي لَا يَبْقَى بَعْدَهَا احْتِمَالٌ بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْفِرَاشِ عَادَةً. (أَلَا تَرَى) أَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ الْوَطْءِ هُنَاكَ جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ وَهُنَا بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الْوَطْءِ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِالِاتِّفَاقِ لِلِاحْتِمَالِ فَكَذَلِكَ بِحَقِيقَةِ الْوَطْءِ؛ وَلِأَنَّ هُنَاكَ لَا يَبْطُلُ بِثُبُوتِ النَّسَبِ مِلْكًا بَاتًّا لِلزَّوْجِ، وَهُنَا يَبْطُلُ مِلْكُ الْمَالِيَّةِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا بِثُبُوتِ نَسَبِ وَلَدِهَا. وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي إبْطَالِ الْمِلْكِ الْمُتَحَقَّقِ بِهِ وَبِهِ فَارَقَ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ فَلَيْسَ فِي إثْبَاتِهَا إبْطَالُ الْمِلْكِ بَلْ بَابُ الْحُرْمَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ فَيَجُوزُ إثْبَاتُهُ مَعَ الِاحْتِمَالِ؛ وَلِأَنَّ

стр. 3559

ثُبُوتَهُ بِاعْتِبَارِ الِاتِّحَادِ بَيْنَ الْوَاطِئِينَ حِسًّا حَتَّى تَصِيرَ أُمَّهَاتُهَا، وَبَنَاتُهَا كَأُمَّهَاتِهِ وَبَنَاتِهِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِمِلْكِ الْيَمِينِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الرَّضَاعَ فِي إثْبَاتِ الْحُرْمَةِ جُعِلَ كَالنَّسَبِ، وَلَمْ يُجْعَلْ كَهُوَ فِي إبْطَالِ الْمِلْكِ بِهِ يَعْنِي بِالْعِتْقِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ حُرْمَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ نِكَاحًا لِلتَّحَرُّزِ عَنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ. فَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدٍ فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ فِي الْأَمَالِي أَنَّ وَلِيدَةَ زَمْعَةَ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ «قَالَ وَلَدُ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي لِأَنِّي أَقْرَبه أَبِي» وَعِنْدَنَا إذَا أَقَرَّ الْمَوْلَى بِالنَّسَبِ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ لَيْسَ بِقَضَاءٍ بِالنَّسَبِ بَلْ هُوَ قَضَاءٌ بِالْمِلْكِ لَهُ لِكَوْنِهِ وَلَدَ أَمَةِ أَبِيهِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِنَسَبِهِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ ﵊ «قَالَ لِسَوْدَةِ فَأَمَّا أَنْتِ يَا سَوْدَةُ فَاحْتَجِبِي مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَخٍ لَك» وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ تَأْكِيدُ نَفْيِ النَّسَبِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَاهِرًا لِإِلْحَاقِ النَّسَبِ بِزَمْعَةَ. قَالَ: وَإِذَا حَبِلَتْ الْأَمَةُ عِنْدَ رَجُلٍ، ثُمَّ بَاعَهَا، وَقَبَضَ ثَمَنَهَا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَادَّعَاهُ الْبَائِعُ ثَبَتَ النَّسَبُ مِنْهُ، وَقَضَى بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لَهُ، وَلَدُهَا حُرُّ الْأَصْلِ وَعَلَيْهِ رَدُّ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي عِنْدَنَا اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ مَا لَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُشْتَرِي، وَبِهِ أَخَذَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَجْهُ الْقِيَاسِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْبَائِعَ مُنَاقِضٌ فِي كَلَامِهِ سَاعٍ فِي نَقْضِ مَا قَدْ تَمَّ بِهِ وَهُوَ الْبَيْعُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ كَمَا لَوْ قَالَ كُنْتُ أَعْتَقْتُهَا أَوْ دَبَّرْتُهَا قَبْلَ أَنْ أَبِيعَهَا؛ وَهَذَا لِأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى بَيْعِهَا إقْرَارٌ مِنْهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِأُمِّ، وَلَدٍ لَهُ، وَلَنَا أَنَّا تَيَقَّنَّا بِحُصُولِ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِهِ وَذَلِكَ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْبَيِّنَةِ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ عَنْهَا كَالْمَرِيضِ إذَا جَاءَتْ جَارِيَتُهُ بِوَلَدٍ فِي مِلْكِهِ فَادَّعَى نَسَبَهُ نَزَلَ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْبَيِّنَةِ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَالْوَرَثَةِ عَنْهَا وَعَنْ وَلَدِهَا. وَتَفْسِيرُ الْوَصْفِ: أَنَّ أَدْنَى مُدَّةِ الْحَبَلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَإِذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ تَيَقَّنَّا بِحُصُولِ الْعُلُوقِ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَتَأْثِيرِهِ، وَهُوَ أَنَّ بِحُصُولِ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِهِ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ بِالدَّعْوَةِ، وَذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ الْإِبْطَالَ، وَإِنَّمَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ مَا كَانَ مُحْتَمِلًا لِلْإِبْطَالِ فَأَمَّا فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا إبْطَالَ الْحَالِ بَعْدَ الْبَيْعِ، وَقَبْلَهُ سَوَاءٌ، فَإِذَا بَقِيَ حَقُّ اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ لَهُ بَقِيَ مَا كَانَ ثَابِتًا وَهُوَ التَّفَرُّدُ بِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَصْدِيقِ الْمُشْتَرِي وَخَفَاءِ أَمْرِ الْعُلُوقِ يَكُونُ عُذْرًا لَهُ فِي إسْقَاطِ اعْتِبَارِ التَّنَاقُضِ، وَقَبُولِ قَوْلِهِ فِي إبْطَالِ الْبَيْعِ. كَمَا أَنَّ الزَّوْجَ إذَا كَذَّبَ نَفْسَهُ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِنَفْيِ النَّسَبِ ثَبَتَ مِنْهُ، وَبَطَلَ حُكْمُ الْحَاكِمِ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى التَّنَاقُضِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَعْلَمُ تَدَيُّنًا أَنَّ الْعُلُوقَ لَيْسَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ أَنَّهُ مِنْهُ، وَلَا

стр. 3560

يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا فِي دَعْوَى الْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ فَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْبَائِعِ فِيهِ فَإِنْ ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَى طَرِيقِ الْقِيَاسِ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ دَعْوَةَ الْبَائِعِ لَمْ تَصِحَّ، وَعَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِحْسَانِ لَمَّا ثَبَتَ النَّسَبُ مِنْ الْبَائِعِ لَا تَصِحُّ دَعْوَةُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ قَدْ انْتَقَضَ فَصَارَ هُوَ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ؛ وَلِأَنَّ الْوَلَدَ قَدْ اسْتَغْنَى عَنْ النَّسَبِ بِثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنْ الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي ادَّعَاهُ أَوَّلًا ثَبَتَ النَّسَبُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ فِي الْحَالِ يَمْلِكُ إعْتَاقَهَا، وَإِعْتَاقَ، وَلَدَهَا فَتَصِحُّ دَعْوَتُهُ أَيْضًا لِحَاجَةِ الْوَلَدِ إلَى النَّسَبِ وَالْحُرِّيَّةِ وَيَثْبُتُ لَهَا أُمِّيَّةُ الْوَلَدِ بِإِقْرَارِهِ. ثُمَّ لَا تَصِحُّ دَعْوَةُ الْبَائِعِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ قَدْ اسْتَغْنَى عَنْ النَّسَبِ حِينَ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَثْبُتُ فِيهِ مَا لَا يَحْتَمِلُ الْإِبْطَالَ وَهُوَ حَقِيقَةُ النَّسَبِ فَيَبْطُلُ بِهِ حَقُّ الِاسْتِلْحَاقِ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا لِلْبَائِعِ ضَرُورَةً فَإِنْ ادَّعَيَاهُ مَعًا ثَبَتَ النَّسَبُ مِنْ الْبَائِعِ عِنْدَنَا، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ﵀ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ لِلْمُشْتَرِي حَقِيقَةَ الْمِلْكِ فِيهَا وَفِي، وَلَدِهَا؛ وَلِلْبَائِعِ حَقٌّ وَالْحَقُّ لَا يُعَارِضُ الْحَقِيقَةَ كَمَا لَوْ جَاءَتْ جَارِيَةُ رَجُلٍ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ هُوَ، وَأَبُوهُ مَعًا ثَبَتَ النَّسَبُ مِنْ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ لَهُ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ فِيهَا؛ وَلِلْأَبِ حَقٌّ فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْحَقِّ فِي مُقَابَلَةِ الْحَقِيقَةِ، وَلَنَا أَنَّ دَعْوَةَ الْبَائِعِ دَعْوَةُ اسْتِيلَاءٍ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِهِ، وَدَعْوَةُ الْمُشْتَرِي دَعْوَةُ تَجْوِيزٍ فَإِنَّ أَصْلَ الْعُلُوقِ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ، وَلَا يُعَارِضُ دَعْوَةَ التَّجْوِيزِ دَعْوَةُ الِاسْتِيلَاءِ كَمَا لَا يُعَارِضُ نَفْسَ الْإِعْتَاقِ دَعْوَةُ الِاسْتِيلَادِ بِمَعْنَى أَنَّ دَعْوَةَ الِاسْتِيلَادِ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الْحَالِ بَلْ تَسْتَنِدُ إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ، وَدَعْوَةُ التَّحْرِيرِ تَقْتَصِرُ عَلَى الْحَالِ فَدَعْوَةُ الْبَائِعِ سَابِقَةٌ مَعْنًى فَكَأَنَّهَا سَبَقَتْ صُورَةً بِخِلَافِ دَعْوَةِ الْمَوْلَى مَعَ أَبِيهِ، فَإِنَّ شَرْطَ صِحَّةِ دَعْوَةِ الْأَبِ بِمِلْكِ الْجَارِيَةِ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ إذْ لَيْسَ لَهُ فِي مَالِ وَلَدِهِ مِلْكٌ، وَلَا حَقُّ الْمِلْكِ، فَاقْتِرَانُ دَعْوَةِ الْمَوْلَى بِدَعْوَةِ الْأَبِ يَمْنَعُ تَحْصِيلَ هَذَا الشَّرْطِ فَلِهَذَا أَثْبَتْنَا النَّسَبَ مِنْ الْمَوْلَى دُونَ أَبِيهِ، وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَعْتَقَ الْأُمَّ أَوْ اسْتَوْلَدَهَا أَوْ دَبَّرَهَا، ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ الْوَلَدَ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَحْتَاجُ إلَى النَّسَبِ بَعْدَ عِتْقِ الْأُمِّ وَهُوَ مَقْصُودٌ بِالدَّعْوَةِ، وَحَقُّ الِاسْتِيلَادِ فِي الْأُمِّ يَثْبُتُ تَبَعًا فَلَا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْأَصْلِ بِامْتِنَاعِ ثُبُوتِ الْبَيْعِ إذْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ نَسَبِ الْوَلَدِ ثُبُوتُ أُمِّيَّةِ الْوَلَدِ لِلْأُمِّ كَمَا فِي، وَلَدِ الْمَغْرُورِ يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ، وَلَا تَصِيرُ الْأُمُّ أُمَّ وَلَدٍ لِلْمَغْرُورِ، ثُمَّ يَرُدُّ الْبَائِعُ حِصَّةَ الْوَلَدِ مِنْ الثَّمَنِ دُونَ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ فَسْخُ الْبَيْعِ فِي الْأُمِّ لِمَا جَرَى فِيهَا مِنْ عِتْقِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّ أَمَةً تُوطَأُ بِالْمِلْكِ بَعْدَ مَا نَفَذَ الْعِتْقُ فِيهَا، وَلَمْ يَتَعَذَّرْ الْفَسْخُ فِي الْوَلَدِ، وَقَدْ صَارَ الْوَلَدُ مَقْصُودًا بِهَذَا الِاسْتِرْدَادِ فَتَصِيرُ لَهُ حِصَّةٌ

стр. 3561

مِنْ الثَّمَنِ فَلِهَذَا يَسْتَرِدُّ الْمُشْتَرِي حِصَّةَ الْوَلَدِ مِنْ الثَّمَنِ. وَلَوْ مَاتَتْ الْأُمُّ، ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ نَسَبَ الْوَلَدِ صَحَّتْ دَعْوَتُهُ لِمَا بَيَّنَّا وَيَرُدُّ الْبَائِعُ جَمِيعَ الثَّمَنِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يُمْسِكُ حِصَّةَ الْأُمِّ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ فَسْخُ الْبَيْعِ فِيهَا بِالْمَوْتِ كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْحَقِيقَةِ تُبْنَى عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْخِلَافِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ ﵏ فِي مَالِيَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا قِيمَةَ لِرِقِّهَا حَتَّى لَا يَضْمَنَ بِالْغَضَبِ، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَقَدْ زَعَمَ الْبَائِعُ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ، وَزَعْمُهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْلِهِمَا لِرِقِّهَا قِيمَةٌ حَتَّى يَضْمَنَ بِالْغَصْبِ فَيُمْسِكَ حِصَّتَهَا مِنْ الثَّمَنِ. ثُمَّ الْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بَيْنَ هَذَا وَالْأَوَّلِ أَنَّ هُنَاكَ الْقَاضِي كَذَّبَ الْبَائِعَ فِيمَا زَعَمَ حِينَ جَعَلَهَا مُعْتَقَةً مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ فَلَمْ يَبْقَ لِزَعْمِهِ غَيْرُهُ فَأَمَّا هُنَا بِمَوْتِهَا لَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِخِلَافِ مَا زَعَمَ الْبَائِعُ فَبَقِيَ زَعْمُهُ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّهِ فَلِهَذَا رَدَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي بَاعَ الْأُمَّ أَوْ، وَهَبَهَا أَوْ رَهَنَهَا أَوْ أَجَرَهَا أَوْ كَاتَبَهَا أَبْطَلْتُ جَمِيعَ ذَلِكَ وَرَدَدْتُهَا عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مُحْتَمِلَةٌ لِلنَّقْضِ كَالْبَيْعِ الْأَوَّلِ فَكَمَا يَجُوزُ نَقْضُ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ بِدَعْوَةِ الِاسْتِيلَاءِ مِنْ الْبَائِعِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ نَقْضُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ. وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَعْتَقَ الْوَلَدَ أَوْ دَبَّرَهُ، ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ نَسَبَهُ لَمْ يُصَدَّقْ فِي ذَلِكَ إذَا أَكْذَبَهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مَقْصُودٌ بِالدَّعْوَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ الْمُشْتَرِي فِيهِ مَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، وَهُوَ الْوَلَاءُ فَيَبْطُلُ بِهِ حَقُّ الِاسْتِلْحَاقِ الَّذِي كَانَ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ النَّسَبُ مِنْ الْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ حَقُّ الدَّعْوَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ إذَا ثَبَتَ الْوَلَاءُ لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَبِلَ الْوَلَدَ عِنْدَهُ، وَأَخَذَ قِيمَتَهُ، ثُمَّ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَتُهُ كَمَا لَوْ مَاتَ الْوَلَدُ؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ قَدْ اسْتَغْنَى عَنْ النَّسَبِ، وَصِحَّةُ دَعْوَةِ الْبَائِعِ لِحَاجَةِ الْوَلَدِ إلَى النَّسَبِ، ثُمَّ لَا يَرُدُّ الْأُمَّ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا تَبَعٌ لِحَقِّ الْوَلَدِ فِي النَّسَبِ، وَلَمْ يَثْبُتْ مَا هُوَ الْأَصْلُ فَلَا يَثْبُتُ مَا هُوَ بَيْعٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ كَانَ مَقْصُودًا لَا تَبَعًا. وَلَوْ قُطِعَتْ يَدُ الْوَلَدِ فَأَخَذَ الْمُشْتَرِي نِصْفَ قِيمَتِهِ، ثُمَّ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ صَحَّتْ دَعْوَتُهُ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ الْأَقْطَعَ مُحْتَاجٌ إلَى النَّسَبِ مَحَلٌّ لِانْتِقَاصِ الْبَيْعِ فِيهِ، وَلَكِنَّ الْأَرْشَ يَبْقَى سَالِمًا لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ إبَانَةَ الْيَدِ كَانَتْ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ، وَدَعْوَةُ الْبَائِعِ إنَّمَا تَعْمَلُ فِي الْقَائِمِ دُونَ الْيَدِ الْمُبَانَةِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ نَسَبِ الْوَلَدِ بُطْلَانُ حَقِّ الْمُشْتَرِي عَنْ الْأَرْشِ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَصِلُ عَنْهُ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ مَالٌ لَيْسَ مِنْ النَّسَبِ فِي شَيْءٍ فَيَرُدُّ الْجَارِيَةَ مَعَ، وَلَدِهَا عَلَى الْبَائِعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ إلَّا حِصَّةَ الْيَدِ فَقَدْ احْتَبَسَ بَدَلَهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَلَا يُسَلَّمُ لَهُ مَجَّانًا، وَلَكِنْ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ

стр. 3562

تُسَلَّمُ لِلْبَائِعِ كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا إذَا اُحْتُبِسَتْ الْأُمُّ عِنْدَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْقَطْعُ فِي الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ يَجْمَعُ الْكُلَّ، وَلَوْ فَقَأَ رَجُلٌ عَيْنَيْ الْوَلَدِ فَدَفَعَهُ الْمُشْتَرِي إلَى الْجَانِي، وَأَخَذَ قِيمَتَهُ، ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ نَسَبَهُ صَحَّتْ دَعْوَتُهُ؛ لِأَنَّ الْمَفْقُوءَةَ عَيْنَاهُ يَحْتَاجُ إلَى النَّسَبِ وَدَفْعُهُ بِالْجِنَايَةِ مُحْتَمِلٌ لِلنَّقْضِ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ دَعْوَةِ الْبَائِعِ فَيَرُدُّ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ عَلَى الْبَائِعِ، وَيَرُدُّ جَمِيعَ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْجَانِيَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِجَمِيعِ الْقِيمَةِ فَإِنَّ الْجُثَّةَ الْعَمْيَاءَ إذَا لَمْ تَسْلَمْ لِلْجَانِي لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حَتَّى لَوْ أَعَادَ الْمَوْلَى إمْسَاكَ الْجُثَّةِ وَالرُّجُوعَ بِنُقْصَانِ الْقِيمَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَهُ فَإِذَا لَمْ يُسَلَّمْ لِلْمُشْتَرِي شَيْءٌ مِنْ بَدَلِ الْعَيْنَيْنِ رَدَّ الْبَائِعُ جَمِيعَ الثَّمَنِ. وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْمُشْتَرِي يَرْجِعُ عَلَى الْجَانِي بِنُقْصَانِ الْعَيْنَيْنِ؛ لِأَنَّ فِي الِابْتِدَاءِ لَوْ أَرَادَ إمْسَاكَ الْجُثَّةِ وَالرُّجُوعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْنَيْنِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ فِي الِانْتِهَاءِ، وَإِذَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي نُقْصَانُ الْعَيْنَيْنِ رَدَّ الْبَائِعُ عَلَيْهِ جَمِيعَ الثَّمَنِ إلَّا حِصَّةَ النُّقْصَانِ، وَكَذَلِكَ لَوْ فُقِئَتْ عَيْنَا الْأُمِّ فَهُوَ عَلَى مَا بَيَّنَّا قَالَ: وَلَوْ ادَّعَى الْبَائِعُ نَسَبَ الْوَلَدِ، وَقَدْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَكَذَّبَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ قُتِلَ الْوَلَدُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ فَعَلَى الْجَانِي مِنْ ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْأَحْرَارِ؛ لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى ثَبَتَ النَّسَبُ وَصَارَ الْوَلَدُ حُرًّا فَإِنَّهُ لَا عِبْرَةَ لِتَكْذِيبِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّمَا حَصَلَتْ الْجِنَايَةُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى حُرٍّ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى الْأُمِّ كَانَ عَلَيْهِ مَا فِي جِنَايَةِ أُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ حَقَّ أُمِّيَّةِ الْوَلَدِ قَدْ ثَبَتَ لَهُ بِثُبُوتِ نَسَبِ الْوَلَدِ وَحَاصِلُ هَذَا أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي فِي إبْطَالِ هَذَا الْبَيْعِ وَعَوْدِهِمَا إلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِيهَا وَفِي، وَلَدِهَا بِنَفْسِ الدَّعْوَةِ مَا هُوَ مُنَافٍ لِلْبَيْعِ، وَإِنْ جَنَى الْوَلَدُ كَانَتْ جِنَايَتُهُ كَجِنَايَةِ الْحُرِّ وَجِنَايَةُ أُمِّهِ كَجِنَايَةِ أُمِّ الْوَلَدِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ فِيهَا بِنَفْسِ الدَّعْوَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْهُمَا قَبْلَ الدَّعْوَةِ فَهُوَ عَلَى الْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ بِالدَّعْوَةِ قَدْ صَارَ مُبْطِلًا مِلْكَ الْمُشْتَرِي فِيهِمَا بِغَيْرِ صُنْعٍ مِنْ الْمُشْتَرِي فَلَيْسَ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ مُوجِبِ جِنَايَتِهِمَا شَيْءٌ، وَلَكِنَّ الْبَائِعَ مُخْتَارٌ إنْ كَانَ عَالِمًا بِالْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ بِالدَّعْوَةِ أَثْبَتَ الْحُرِّيَّةَ لِلْوَلَدِ وَحَقَّ الْحُرِّيَّةِ لِلْأُمِّ فَيَكُونُ كَالْمُنْشِئِ لِذَلِكَ بَعْدَ الْجِنَايَةِ فَلِهَذَا صَارَ مُخْتَارًا وَلَوْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ لَمْ تَلِدْ بَعْدُ فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ حَبَلَهَا مِنْهُ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَيْسَ بِهَا حَبْلٌ، وَأَرَاهَا النِّسَاءَ فَقُلْنَ هِيَ حُبْلَى أَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي بِهَا حَبَلٌ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْك فَالْبَائِعُ لَا يُصَدَّقُ فِي الدَّعْوَةِ حَتَّى تَضَعَ؛ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لِمَعْرِفَةِ الْحَبَلِ حَقِيقَةً فَإِنَّهُ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤]؛ وَلِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ دَعْوَةِ الْبَائِعِ أَنْ تَلِدَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْبَيْعِ حَتَّى يَعْلَمَ يَقِينًا أَنَّ الْعُلُوقَ كَانَ فِي

стр. 3563

مِلْكِهِ، وَلَا يَدْرِي أَنَّهَا تَضَعُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَمْ لَا فَلَعَلَّهَا تُسْقِطُ سِقْطًا غَيْرَ مُسْتَبِينِ الْخَلْقِ أَوْ تَضَعَ الْوَلَدَ أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلِهَذَا لَا تَصِحُّ دَعْوَةُ الْبَائِعِ فَإِنْ جَاءَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ الْآنَ تَصِحُّ تِلْكَ الدَّعْوَةُ كَمَا لَوْ أَنْشَأَهَا بَعْدَ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّ الْعُلُوقَ حَصَلَ فِي مِلْكِهِ فَلَوْ جَاءَتْ بِالْوَلَدِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَادَّعَاهُ الْبَائِعُ، وَقَالَ: أَصْلُ الْحَبَلِ كَانَ عِنْدِي، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَمْ يَكُنْ عِنْدَك إنَّمَا كَانَ الْعُلُوقُ قَبْلَ شِرَائِك فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى اتِّصَالِ الْعُلُوقِ بِمِلْكِ الْبَائِعِ فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِلْبَائِعِ؛ وَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَدَّعِي تَارِيخًا سَابِقًا فِي الْعُلُوقِ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ فَلَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ تَارِيخًا سَابِقًا فِي مِلْكِهِ عَلَى الْعُلُوقِ وَمِلْكُهُ حَقُّهُ فَبَيِّنَتُهُ عَلَى سَبْقِ التَّارِيخِ فِيهِ مَقْبُولَةٌ، وَلَا شَكَّ فِي هَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَوْلُهُ هَكَذَا وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ. وَأَصْلُ هَذَا فِيمَا إذَا قَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْتهَا مِنْك مُنْذُ سَنَةٍ، وَقَالَ الْبَائِعُ إنَّمَا بِعْتهَا مِنْك مُنْذُ شَهْرٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَدَّعِي زِيَادَةَ تَارِيخٍ فِي شِرَائِهِ فَلَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ فَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْبَائِعِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ بِبَيِّنَتِهِ حُصُولَ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِهِ وَثُبُوتَ حَقِّ اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ لَهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ التَّارِيخِ فِي شِرَائِهِ بِالْبَيِّنَةِ فَيَثْبُتُ بِبَيِّنَتِهِ أَنَّ شِرَاءَهُ كَانَ مُنْذُ سَنَةٍ، وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ دَعْوَةِ الْبَائِعِ لِهَذَا قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ وَلَدَتْ الْجَارِيَةُ الْمَبِيعَةُ بِنْتًا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ وَلَدَتْ ابْنَتَهَا ابْنًا فَأَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الِابْنَ، ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ الِابْنَةَ فَهِيَ ابْنَتُهُ؛ لِأَنَّ الْعُلُوقَ بِهَا كَانَ فِي مِلْكِهِ، وَدَعْوَتَهُ فِيهَا دَعْوَةُ اسْتِيلَادٍ وَيُثْبِتُ حُرِّيَّةَ الْأَصْلِ فِيهَا. وَمِنْ ضَرُورَتِهِ إبْطَالُ عِتْقِ الْمُشْتَرِي عَلَى ابْنِهَا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَطْرَأُ عَلَى الرِّقِّ وَمِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهَا حُرَّةَ الْأَصْلِ أَنْ يَنْفَصِلَ الْوَلَدُ مِنْهَا حُرًّا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الِابْنَةُ وَلَدَتْ ابْنَتَانِ قَالَ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ رَجُلًا لَوْ وَلَدَتْ جَارِيَتُهُ عِنْدَهُ غُلَامًا، ثُمَّ وُلِدَ لِلْغُلَامِ ابْنٌ فَبَاعَ الْمَوْلَى ابْنَ الْوَلَدِ الَّذِي وُلِدَ عِنْدَهُ فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ ادَّعَى الْوَلَدَ الَّذِي كَانَ الْعُلُوقُ بِهِ فِي مِلْكِهِ صَحَّتْ دَعْوَتُهُ وَيَبْطُلُ بَيْعُ الِابْنِ وَعِتْقُ الْمُشْتَرِي إيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِصِحَّةِ دَعْوَتِهِ حُرِّيَّةَ الْأَصْلِ لِلْأَبِ وَذَلِكَ يُوجِبُ حُرِّيَّةَ الِابْنِ؛ لِأَنَّ الِابْنَ مَوْلُودٌ مِنْ أَمَةٍ كَانَتْ لِمُدَّعِي الْأَبِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مِلْكَ ابْنِ ابْنِهِ وَعَتَقَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ وَبَطَلَ بِهِ بَيْعُ الْمُشْتَرِي وَعِتْقُهُ قَالَ: وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ التَّوْأَمِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ التَّوْأَمَيْنِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ التَّوْأَمُ أَفْصَحُ كَمَا يُقَالُ هُمَا زَوْجٌ

стр. 3564

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ التَّوْأَمَانِ أَفْصَحُ كَمَا يُقَالُ هُمَا كُفْوَانِ، وَأَخَوَانِ. وَبَيَانُهُ جَارِيَةٌ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ مِنْ عُلُوقٍ كَانَ فِي مِلْكِ مَوْلَاهَا فَبَاعَ الْمَوْلَى أَحَدَهُمَا، وَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ أَنَّ الْبَائِعَ ادَّعَى نَسَبَ الَّذِي عِنْدَهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمَا خُلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ فَلَا يَنْفَصِلُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ نَسَبًا، وَقَدْ كَانَ الْعُلُوقُ بِهِمَا فِي مِلْكِهِ فَيَثْبُتُ حُرِّيَّةُ الْأَصْلِ لِلَّذِي عِنْدَ الْبَائِعِ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ ثُبُوتُ حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ لِلْآخَرِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلِهِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فِي إبْطَالِ عِتْقِ الْمُشْتَرِي وَشِرَائِهِ فِي الْآخَرِ فَكَذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ إذَا أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْأُمَّ، ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ نَسَبَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْطُلْ عِتْقُ الْمُشْتَرِي فِي الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورِيَّةِ حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ لِلْوَلَدِ ثُبُوتُ أُمِّيَّةِ الْوَلِيِّ لِلْأُمِّ فِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ؛ وَلِأَنَّ هُنَاكَ لَوْ أَبْطَلْنَا عِتْقَ الْمُشْتَرِي فِيهَا رَدَدْنَاهَا مِنْ حَالَةِ الْحُرِّيَّةِ إلَى حَالَةِ الرِّقِّ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ أَسْقَطَ الرِّقَّ وَالْمَسْقَطُ مُتَلَاشِي لَا يُتَصَوَّرُ عَوْدُهُ وَهُنَا لَوْ أَبْطَلْنَا عِتْقَ الْمُشْتَرِي رَدَدْنَاهُ إلَى حَالِ حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ وَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ الْوَلَاءِ الثَّابِتِ لِلْمُشْتَرِي وَالْوَلَاءُ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْمِلْكِ فَلَمْ يَجُزْ إسْقَاطُهُ إلَّا عِنْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ فَلِهَذَا أَبْطَلْنَا عِتْقَ الْمُشْتَرِي فِي هَذِهِ الْفُصُولِ. وَلَوْ لَمْ يَبِعْ ابْنَ الِابْنِ، وَلَكِنَّهُ بَاعَ الِابْنَ فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ ادَّعَاهُ لَمْ تَجُزْ دَعْوَتُهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالدَّعْوَةِ الِابْنُ، وَقَدْ اتَّصَلَ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي مَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، وَهُوَ الْوَلَاءُ فَيَبْطُلُ بِهِ حَقُّ الِاسْتِلْحَاقِ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا لِلْبَائِعِ فِيهِ وَعَتَقَ ابْنُ الِابْنِ الَّذِي فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِالْحُرِّيَّةِ حِينَ زَعَمَ أَنَّهُ ابْنُ ابْنِهِ، وَالْإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ فِي إثْبَاتِ النَّسَبِ لِمَانِعٍ كَانَ عَامِلًا فِي الْحُرِّيَّةِ كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ وَهُوَ مَعْرُوفُ النَّسَبِ مِنْ الْغَيْرِ هُوَ ابْنِي يُعْتَقُ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ اسْتَغْنَى عَنْ النَّسَبِ وَخَرَجَ الْبَيْعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحْتَمِلًا لِلنَّقْضِ فِيهِ فَلَمْ يُعْمِلْ دَعْوَةَ الْبَائِعِ فِي حَقِّهِ، وَعَتَقَ ابْنُ الِابْنِ بِإِقْرَارِهِ كَمَا بَيَّنَّا وَلَوْ كَانَ مَكَانُ الِابْنِ بِنْتًا فَمَاتَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ نَسَبَهَا لَمْ تَصِحَّ دَعْوَتُهُ فِي حَقِّهَا، وَلَا فِي حَقِّ ابْنَتِهَا، وَهَذَا، وَالْمُلَاعَنَةُ سَوَاءٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إذَا كَانَ وَلَدُ الْمُلَاعَنَةِ بِنْتًا فَوَلَدَتْ ابْنًا، ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمُّ، ثُمَّ أَكْذَبَ الْمُلَاعِنُ نَفْسَهُ لَمْ يَعْمَلْ إكْذَابُهُ فِي إثْبَاتِ نَسَبِهَا مَعَ بَقَاءِ ابْنٍ يَخْلُفُهَا فَكَذَلِكَ هُنَا وَالْمَعْنَى فِيهِمَا سَوَاءٌ وَهُوَ أَنْ يَنْسِبَ الْوَلَدَ الْقَائِمَ إلَى أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ فَيَحْمِلَ أُمَّهُ كَالْمَيِّتَةِ لَا عَنْ، وَلَدٍ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يُفَرِّقَانِ بَيْنَ هَذِهِ وَوَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ فَإِنَّ عِنْدَهُمَا هُنَاكَ وَلَدُ الِابْنَةِ كَوَلَدِ الِابْنِ فِي قِيَامِهِ مَقَامَ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ حَتَّى يَصِحَّ إكْذَابُ الْمُلَاعِنِ نَفْسَهُ وَيُثْبِتَ نَسَبَ، وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ أَصْلَ النَّسَبِ كَانَ

стр. 3565

ثَابِتًا بِالْفِرَاشِ فَاسْتَتَرَ بِاللِّعَانِ وَبَقِيَ مَوْقُوفًا عَلَى حَقِّهِ حَتَّى لَوْ ادَّعَاهُ غَيْرُهُ لَمْ يَصِحَّ فَيُجْعَلُ بَقَاءُ وَلَدِهِ كَبَقَائِهِ فِي صِحَّةِ الْإِظْهَارِ بِالدَّعْوَةِ. وَأَمَّا نَسَبُ وَلَدِ الْمَبِيعَةِ مَا كَانَ ثَابِتًا مِنْ الْبَائِعِ وَلَا مَوْقُوفًا عَلَى حَقِّهِ حَتَّى لَوْ ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ فَلَا تَعْمَلُ دَعْوَتُهُ فِي الْإِثْبَاتِ ابْتِدَاءً إلَّا فِي حَالِ بَقَائِهِ أَوْ بَقَاءِ مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ وَوَلَدُ الِابْنِ يَنْتَسِبُ إلَيْهِ بِالْبُنُوَّةِ دُونَ وَلَدِ الِابْنَةِ فَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بَعْدَ مَوْتٍ إلَّا بِنْتٌ بِالدَّعْوَةِ قَالَ: وَإِذَا حَبِلَتْ الْأَمَةُ فَوَلَدَتْ فِي يَدِ مَوْلَاهَا، ثُمَّ بَاعَهَا فَزَوَّجَهَا الْمُشْتَرِي مِنْ عَبْدِهِ فَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدًا، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ عَنْهَا فَاسْتَوْلَدَهَا الْمُشْتَرِي، ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ الْوَلَدَ الَّذِي عِنْدَهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْعُلُوقَ بِهِ كَانَ فِي مِلْكِهِ فَدَعْوَتُهُ فِيهِ دَعْوَةُ اسْتِيلَادٍ وَيَرُدُّ إلَيْهِ ابْنَ الْعَبْدِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُ أُمٍّ وُلِدَ فِي حَقِّهِ وَهُوَ ثَابِتُ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ وَوَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَوْلِدْ الْمُشْتَرِي الْأُمَّ كَانَا جَمِيعًا مَرْدُودِينَ عَلَيْهِ فَاسْتِيلَادُهُ الْأُمَّ يُثْبِتُ فِيهَا مَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَهُوَ حَقُّ الْعِتْقِ لِلْمُشْتَرِي فَنَزَلَ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ حَقِيقَةِ الْعِتْقِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ رَدَّ الْوَلَدِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْفَصِلُ عَنْ صَاحِبِهِ. فَإِنْ (قِيلَ): هَذَا الْوَلَدُ فِي حُكْمِ أُمِّيَّةِ الْوَلَدِ تَبَعٌ لِلْأُمِّ، وَلَا يُثْبِتُ الْبَائِعُ حَقَّ أُمِّيَّةِ الْوَلَدِ فِي الْأُمِّ فَكَيْفَ يَثْبُتُ فِي وَلَدِهَا (قُلْنَا) لَا كَذَلِكَ بَلْ هُمَا جَمِيعًا بَائِعَانِ لِلْوَلَدِ الَّذِي عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ بَيْعٌ، وَلَا بَيْعَ لِلتَّبَعِ فَتَعَذُّرُ رَدِّ أَحَدِهِمَا عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ رَدَّ الْآخَرِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَيُعْتَبَرُ فِي الِانْقِسَامِ قِيمَتُهَا وَقْتَ الْبَيْعِ وَقِيمَةُ الْوَلَدِ الثَّانِي وَقْتَ الِانْفِصَالِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا حَدَثَ فَحَقُّ أُمِّيَّةِ الْوَلَدِ فِيهِ ثَابِتٌ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا صَارَ مُتَقَوِّمًا عِنْدَ الِانْفِصَالِ فَيُعْتَبَرُ فِي الِانْقِسَامِ قِيمَتُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَيُعْتَقُ بِمَوْتِ الْبَائِعِ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ أُمِّ وَلَدِهِ فَإِنْ ادَّعَى الْبَائِعُ ابْنَ الْعَبْدِ أَنَّهُ ابْنُهُ عَتَقَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ، وَلَكِنَّهُ مَعْرُوفُ النَّسَبِ مِنْ الْغَيْرِ فَدَعْوَتُهُ إيَّاهُ كَإِعْتَاقِهِ. قَالَ: وَلَوْ بَاعَهَا وَهِيَ حُبْلَى فَوَلَدَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْبَيْعِ بِيَوْمٍ، ثُمَّ، وَلَدَتْ وَلَدًا آخَرَ بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ فَادَّعَى الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي الْوَلَدَيْنِ مَعًا فَهُمَا ابْنَا الْبَائِعِ أَمَّا الْأَكْبَرُ مِنْهُمَا فَلِأَنَّ الْعُلُوقَ بِهِ كَانَ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ يُثْبِتُ نَسَبَهُ مِنْهُ وَيَبْطُلُ الْبَيْعُ فِيهِ وَفِي أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ مِنْ حِينِ عَلِقَتْ وَالْوَلَدُ الثَّانِي مَرْدُودٌ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ ابْنُ أُمِّ وَلَدِهِ فَهُوَ إنَّمَا يَدَّعِي مِلْكَ نَفْسِهِ وَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي مِلْكَ الْغَيْرِ فَلِهَذَا كَانَ دَعْوَةُ الْبَائِعِ أَوْلَى فِيهِمَا. وَلَوْ بَدَأَ الْمُشْتَرِي فَادَّعَى الْوَلَدَ الْآخَرَ أَنَّهُ ابْنُهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْعُلُوقَ بِهِ حَصَلَ فِي مِلْكِهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى النَّسَبِ، وَصَارَتْ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ فَإِنْ ادَّعَى الْبَائِعُ بَعْدَهُ الْوَلَدَ الْأَوَّلَ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ بِحُصُولِ الْعُلُوقِ بِهِ فِي مِلْكِهِ وَيُرَدُّ إلَيْهِ الْوَلَدُ خَاصَّةً بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ فَسْخُ

стр. 3566

الْبَيْعِ فِي الْأُمِّ لِمَا ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي فِيهَا مِنْ حَقِّ أُمِّيَّةِ الْوَلَدِ، وَلَوْ لَمْ يَدَّعِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا حَتَّى لَوْ ادَّعَى الْبَائِعُ الْوَلَدَ الْآخَرَ لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّ الْعُلُوقَ بِالْوَلَدِ الْآخَرِ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ وَهُوَ لِلْحَالِ مَمْلُوكٌ لِلْمُشْتَرِي فَلَا دَعْوَةَ لَهُ فِيهِ مَقْصُودَةً، وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ الْأَوَّلُ، ثُمَّ ادَّعَاهُمَا الْبَائِعُ؛ لِأَنَّ دَعْوَتَهُ فِي الَّذِي مَاتَ لَمْ يَصِحَّ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ النَّسَبِ فَلَوْ صَحَّ كَانَ الْآخَرُ مَقْصُودًا وَالْعُلُوقُ بِهِ لَمْ يَحْصُلْ فِي مِلْكِهِ. قَالَ: وَإِنْ وَلَدَتْ الْأَمَةُ الْمَبِيعَةُ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ كِلَاهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَجَنَى عَلَى أَحَدِ الْوَلَدَيْنِ جِنَايَةً، وَأَخَذَ الْمُشْتَرِي الْأَرْشَ، ثُمَّ ادَّعَاهُمَا الْبَائِعُ فَدَعْوَتُهُ جَائِزَةٌ فِيهِمَا؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِحُصُولِ الْعُلُوقِ بِهِمَا فِي مِلْكِهِ فَإِنَّهُمَا خُلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ، وَاَلَّتِي وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ يَتَيَقَّنُ أَنَّ الْعُلُوقَ كَانَ فِي مِلْكِهِ فَيَتَبَيَّنُ أَيْضًا أَنَّ الْعُلُوقَ الثَّانِيَ كَانَ فِي مِلْكِهِ، وَإِنْ، وَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلِهَذَا ثَبَتَ نَسَبُهُمَا وَبَطَلَ الْبَيْعُ فِيهِمَا وَفِي الْأُمِّ وَلَكِنَّ الْأَرْشَ يَبْقَى سَالِمًا لِلْمُشْتَرِي لِمَا بَيَّنَّا فِي الْوَلَدِ الْوَاحِدِ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي الْيَدِ الْمُبَانَةِ لَا تَعْمَلُ فَيَبْقَى الْأَرْشُ لِلْمُشْتَرِي كَمَا كَانَ قَبْلَ الدَّعْوَةِ. وَكَذَلِكَ إنْ اكْتَسَبَ أَحَدُهُمَا كَسْبًا فَقَدْ كَانَ قَبْلَ الدَّعْوَةِ الْكَسْبُ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ صِحَّةِ الدَّعْوَةِ بُطْلَانُ مِلْكِهِ فِي الْكَسْبِ فَيَبْقَى سَالِمًا لَهُ، وَلَوْ كَانَ قَتَلَ أَحَدَهُمَا، ثُمَّ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ كَانَ قِيمَةُ الْمَوْصُولِ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ؛ لِأَنَّ بِثُبُوتِ حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ لِأَحَدِهِمَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ لِلْآخَرِ فَيَكُونُ بَدَلُهُ لِوَرَثَتِهِ ضَرُورَةً، وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَرْشِ وَالْكَسْبِ؛ لِأَنَّ التَّوْأَمَ لَا يَنْفَصِلُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ فِي النَّسَبِ، وَالْحُرِّيَّةِ، وَإِعْمَالُ ذَلِكَ فِي الْأَقْطَعِ مُمْكِنٌ فَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى إعْمَالِهِ فِي إبْطَالِ مِلْكِ الْمُشْتَرِي فِي الْأَرْشِ وَالْكَسْبِ فَأَمَّا الْوَاجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ بَدَلَ النَّفْسِ وَمِنْ ضَرُورَةِ إبْطَالِ الْبَيْعِ فِيهِ عِنْدَ بَقَاءِ مَا يَخْلُفُهُ أَنَّهُ لَا يُبْقِي لِلْمُشْتَرِي حَقًّا فِي بَدَلِ نَفْسِهِ فَكَانَ ذَلِكَ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ قَالَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَيُصَدَّقُ الْبَائِعُ فِي بَدَلِ النَّفْسِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قَالَ لَا يُصَدَّقُ فِي بَدَلِ النَّفْسِ، وَلَيْسَ هَذَا بِاخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ، وَلَكِنْ حَيْثُ قَالَ يُصَدَّقُ يَعْنِي فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي حَتَّى يُبْطِلَ حَقَّهُ عَنْ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ الْحُرِّيَّةِ لِلْمَقْتُولِ فِي الْأَصْلِ أَنْ لَا يَمْلِكَ بَدَلَ نَفْسِهِ بِمِلْكِ الْأَصْلِ، وَحَيْثُ قَالَ لَا يُصَدَّقُ يَعْنِي فِي حَقِّ الْجَانِي حَتَّى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ بَلْ يَكُونُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْقِيمَةَ كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ وُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَى قَاتِلِهِ فَكَمْ مِنْ قَتْلٍ غَيْرِ مُوجِبٍ لِلدِّيَةِ، وَمَا كَانَ ثُبُوتُهُ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْجُمْلَةُ دُونَ الْأَحْوَالِ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا، ثُمَّ قُتِلَ وَتَرَكَ مِيرَاثًا، وَأَخَذَ الْمُشْتَرِي دِيَتَهُ وَمِيرَاثَهُ بِالْوَلَاءِ، ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ الْوَلَدَيْنِ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا مِنْهُ، وَأَخَذَ الدِّيَةَ وَالْمِيرَاثَ مِنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ

стр. 3567

حُرِّيَّةَ الْأَصْلِ قَدْ ثَبَتَ لِلْمَقْتُولِ ضَرُورَةَ ثُبُوتِهَا فِي الْآخَرِ، وَذَلِكَ مُنَافٍ لِوَلَاءِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّمَا أَخَذَ مِيرَاثَهُ بِالْوَلَاءِ فَإِذَا ظَهَرَ الْمُنَافِي لِلْوَلَاءِ وَجَبَ رَدُّهُ. وَلَوْ أَعَادَهُمَا الْمُشْتَرِي أَوَّلًا فَإِنَّهُمَا ابْنَاهُ؛ لِأَنَّهُمَا مَمْلُوكَانِ لَهُ مُحْتَاجَانِ إلَى النَّسَبِ فَإِنْ ادَّعَاهُمَا الْبَائِعُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُصَدَّقْ لِوُقُوعِ الِاسْتِغْنَاءِ لَهُمَا عَنْ النَّسَبِ بِثُبُوتِ نَسَبِهِمَا مِنْ الْمُشْتَرِي قَالَ أَمَةٌ حَبِلَتْ فِي مِلْكِ رَجُلٍ فَوَلَدَتْ غُلَامًا، وَكَبُرَ فَزَوَّجَهُ الْوَلِيُّ أَمَةً لَهُ فَوَلَدَتْ غُلَامًا، ثُمَّ بَاعَ الْأَسْفَلَ، وَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ الِابْنَ الْأَوَّلَ فَهُوَ ابْنُهُ؛ لِأَنَّ الْعُلُوقَ بِهِ كَانَ فِي مِلْكِهِ وَيُنْتَقَضُ بَيْعُ الْمُشْتَرِي، وَعِتْقُهُ فِي ابْنِ الِابْنِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا قَبْلَ بَيْعِهِ فَإِنَّهُ إنَّمَا وُلِدَ مِنْ أَمَةِ الْمَوْلَى وَمِنْ مِلْكِ ابْنِ ابْنِهِ فَعَتَقَ عَلَيْهِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَابِقًا عَلَى بَيْعِهِ فَيَبْطُلُ بِهِ الْبَيْعُ، وَعِتْقُ الْمُشْتَرِي إيَّاهُ ضَرُورَةً، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّوْأَمِ كَمَا قَرَّرْنَا وَلَوْ لَمْ يَدَّعِ الْبَائِعُ الَّذِي عِنْدَهُ وَلَكِنْ ادَّعَى الَّذِي بَاعَ أَنَّهُ ابْنُهُ كَانَتْ دَعْوَتُهُ بَاطِلَةً؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ حَصَلَ الْعُلُوقُ فِي مِلْكِهِ فَقَدْ نَفَذَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي مَا لَا يَحْتَمِلُ الْإِبْطَالَ وَهُوَ الْعِتْقُ فَلِهَذَا لَا تَصِحُّ دَعْوَتُهُ فِيهَا قَالَ: أَمَةٌ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَكُنْ أَصْلُ الْحَبَلِ عِنْدَ هَذَا الْمَوْلَى فَبَاعَ أَحَدَهُمَا، وَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ ادَّعَاهُمَا الْبَائِعُ فَهُمَا ابْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَقِيَ أَحَدُ الْوَلَدَيْنِ عِنْدَهُ فَدَعْوَتُهُ فِيهِ صَادَفَتْ مِلْكَهُ فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ نَسَبِ أَحَدِهِمَا ثُبُوتُ نَسَبِ الْآخَرِ، وَلَكِنْ لَا يَنْتَقِضُ عِتْقُ الْمُشْتَرِي وَلَا الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْعُلُوقِ بِهِمَا لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ فَدَعْوَتُهُ دَعْوَةُ التَّحْرِيرِ فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْإِعْتَاقِ، وَالتَّوْأَمَانِ يَنْفَصِلُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ فِي الْإِعْتَاقِ، فَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ عِتْقِ أَحَدِهِمَا بِدَعْوَةِ الْبَائِعِ إبْطَالُ الْبَيْعِ، وَعِتْقُ الْمُشْتَرِي فِي الْآخَرِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْعُلُوقُ بِهِمَا فِي مِلْكِ الْبَائِعِ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُ هُنَاكَ دَعْوَةُ اسْتِيلَادٍ يَسْتَنِدُ إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ فَيَثْبُتُ بِهِ حُرِّيَّةُ الْأَصْلِ لِلَّذِي بَقِيَ عِنْدَهُ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ حُرِّيَّةُ الْأَصْلِ لِلْآخَرِ فَلِهَذَا بَطَلَ الْبَيْعُ وَالْعِتْقُ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرَكَةَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إذَا وَلَدَتْ فَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا فَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِهِمَا لَمْ يَضْمَنْ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ لِشَرِيكِهِ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَصْلُ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِهِمَا ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَةِ الْوَلَدِ لِشَرِيكِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا؛ لِأَنَّ دَعْوَتَهُ دَعْوَةُ تَحْرِيرٍ فَيُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ إعْتَاقِهِ الْوَلَدَ مَقْصُودًا قَالَ: أَمَةٌ فِي يَدِ رَجُلٍ وَفِي يَدِهِ وَلَدٌ لَهَا وَفِي يَدِ رَجُلٍ آخَرَ وَلَدٌ لَهَا فَادَّعَى الَّذِي فِي يَدِهِ الْوَلَدُ أَنَّ الْوَلَدَيْنِ جَمِيعًا ابْنَاهُ وُلِدَا مِنْ هَذِهِ الْأَمَةِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي بَطْنَيْنِ، وَأَنَّ الْأَمَةَ أَمَتُهُ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ وَادَّعَى الَّذِي فِي يَدَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِالْأَمَةِ وَالْوَلَدَيْنِ جَمِيعًا لِلَّذِي الْأَمَةُ فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي حَقَّ

стр. 3568

الْعِتْقِ فِيهَا بِسَبَبِ أُمِّيَّةِ الْوَلَدِ فَكَانَ دَعْوَاهُ حَقِيقَةَ الْعِتْقِ فِيهَا وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ قَامَتْ لِإِثْبَاتِ الْوَلَاءِ، وَالْوَلَاءُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ فَيَتَرَجَّحُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ فَإِذَا قَضَيْنَا بِالْأَمَةِ لَهُ أَثْبَتْنَا نَسَبَ الْوَلَدَيْنِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمَا وَلَدُ أُمِّ، وَلَدِهِ قَدْ ادَّعَاهُمَا، وَأَجْنَبِيٌّ ادَّعَى نَسَبَ وَلَدِ أُمِّ وَلَدِ الْغَيْرِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْأَصْلِ بِالْبَيِّنَةِ تُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الزَّوَائِدِ الْمُنْفَصِلَةِ. قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ أَمَةٌ فِي يَدِ رَجُلٍ، وَفِي يَدَيْهِ وَلَدٌ لَهَا فَجَاءَ آخَرُ يَدَّعِيهَا، وَلَا يَدَّعِي وَلَدَهَا وَفِي يَدِهِ، وَلَدٌ لَهَا آخَرُ يَدَّعِيهِ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُ، وَأَقَامَ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْأَمَةَ أَمَتُهُ، وَلَدَتْ الِابْنَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ مِنْهُ، وَلَا يَعْرِفُ أَيَّ الْوَلَدَيْنِ أَكْبَرُ، وَقَدْ وَلَدَتْهُمَا فِي بَطْنَيْنِ قَضَيْتُ بِالْأَمَةِ لِلَّذِي فِي يَدَيْهِ لِدَعْوَاهُ أَمَتَهُ الْوَلَدَ فِيهَا، وَقَضَيْتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالِابْنِ الَّذِي ادَّعَاهُ وَهُوَ فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي نَسَبَ أَحَدِ الْوَلَدَيْنِ وَخَصْمُهُ لَا يُنَازِعُهُ فِي ذَلِكَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَلَدَيْنِ مُحْتَاجٌ إلَى النَّسَبِ، وَذَلِكَ كَافٍ لِلْقَضَاءِ بِنِسْبَةٍ مِنْهُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَةِ فَكَيْفَ إذَا أَثْبَتُهُ بِالْبَيِّنَةِ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فَإِنَّ الْمُنَازَعَةَ بَيْنَهُمَا هُنَاكَ فِي نَسَبِ الْوَلَدَيْنِ فَرَجَّحْنَا الْمَقْضِيَّ لَهُ بِالْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ الْأَصْلَ شَاهِدٌ لَهُ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ نَسَبِ الْوَلَدِ؛ وَلِأَنَّا قَضَيْنَا لَهُ بِالْفِرَاشِ حِينَ قَضَيْنَا بِأُمِّيَّةِ الْوَلَدِ مِنْ جِهَتِهِ فِي الْأُمِّ، وَثُبُوتِ النَّسَبِ بِاعْتِبَارِ الْفِرَاشِ فَإِذَا ادَّعَاهُ كَانَ أَوْلَى بِهِ، وَإِذَا نَفَاهُ ثَبَتَ مِنْ الَّذِي ادَّعَاهُ لِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، وَاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِمَا ادَّعَاهُ سَبَبًا صَحِيحًا قَالَ أَمَةٌ فِي يَدِ رَجُلٍ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ فَادَّعَى آخَرُ أَنَّ الَّذِي الْأَمَةُ فِي يَدَيْهِ زَوْجُهَا مِنْهُ، وَوَلَدَتْ عَلَى فِرَاشِهِ هَذَا الْوَلَدَ، وَأَقَامَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الْأَمَةُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْأَمَةَ لِهَذَا الْمُدَّعِي، وَأَنَّهُ زَوَّجَهَا مِنْهُ وَوَلَدَتْ عَلَى فِرَاشِهِ هَذَا الْوَلَدَ فَالْأَمَةُ بِمَنْزِلَةِ أُمٍّ مَوْقُوفَةٍ فِي يَدِ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ لَا يَطَؤُهَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَقَرَّ بِوِلَادَتِهَا مِنْهُ وَالْمِلْكُ فِيهَا لِأَحَدِهِمَا فَيُثْبِتُ أُمِّيَّةَ الْوَلَدِ فِيهَا، ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفِيهَا عَنْ نَفْسِهِ وَيَقُولُ: إنَّهَا فِي مِلْكِ صَاحِبِي، وَقَدْ ادَّعَى نَسَبَ وَلَدِهَا فَصَارَتْ بِمَنْزِلَةِ أُمِّ الْوَلَدِ لَهُ فَبَقِيَتْ مَوْقُوفَةً لَا يَطَؤُهَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا كَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا، ثُمَّ أَنَّ الْبَائِعَ أَعْتَقَهُ وَجَحَدَ الْبَائِعُ ذَلِكَ كَانَ مَوْقُوفَ الْوَلَاءِ فَأَيُّهُمَا مَاتَ عَتَقَتْ هِيَ؛ لِأَنَّ الْحَيَّ مِنْهُمَا قَدْ أَقَرَّ بِعِتْقِهَا بِمَوْتِ صَاحِبِهِ، وَصَاحِبُهُ كَانَ مُقِرًّا بِأَنَّ إقْرَارَ الْحَيِّ فِيهِمَا كَانَ نَافِذًا فَلِهَذَا تُعْتَقُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَالْوَلَدُ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُمَا فِيهِ دَعْوَى النَّسَبِ وَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ فِي دَعْوَى النَّسَبِ تَتَرَجَّحُ عَلَى جَانِبِ الْخَارِجِ قَالَ أَمَةٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ وَفِي يَدِهِ وَلَدٌ لَهَا فَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ إذْنِ مَوْلَاهُ فَوَلَدَتْ لَهُ عَلَى فِرَاشِهِ هَذَا الْوَلَدَ الَّذِي فِي يَدِ مَوْلَاهَا، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَقَامَ الْمَوْلَى

стр. 3569

الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ مِنْ أَمَتِهِ هَذِهِ فَإِنِّي أَقْضِي بِالْوَلَدِ لِلزَّوْجِ، وَأُثْبِتُ نَسَبَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ بِاعْتِبَارِ الْفِرَاشِ، وَفِرَاشُ النِّكَاحِ أَقْوَى فِي إثْبَاتِ النَّسَبِ مِنْ فِرَاشِ الْمِلْكِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ النَّسَبَ الَّذِي يَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ لَا يَنْتَفِي بِمُجَرَّدِ النَّفْيِ وَاَلَّذِي يَثْبُتُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ يَنْتَفِي بِمُجَرَّدِ النَّفْيِ وَالضَّعِيفُ لَا يَظْهَرُ فِي مُقَابَلَةِ الْقَوِيِّ فَلِهَذَا أَثْبَتْنَا النَّسَبَ مِنْ الزَّوْجِ، وَلَكِنَّهُ يُعْتَقُ بِإِقْرَارِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ حِينَ ادَّعَى نَسَبَهُ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ بِمَنْزِلَةِ أُمِّ الْوَلَدِ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ كَمَا أَقَرَّ لِلْوَلَدِ بِالْحُرِّيَّةِ فَقَدْ أَقَرَّ لَهَا بِحَقِّ الْحُرِّيَّةِ بِسَبَبٍ هُوَ مُحْتَمَلٌ فِي نَفْسِهِ فَيَثْبُتُ لَهَا حَقُّ أُمِّيَّةِ الْوَلَدِ حَتَّى إذْ مَاتَ الْمَوْلَى عَتَقَتْ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِإِقْرَارِهِ فِي إبْطَالِ مَا صَارَ مُسْتَحَقًّا لِغَيْرِهِ، وَهُوَ النَّسَبُ فَأَمَّا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ يُجْعَلُ هُوَ كَالْمُقِرِّ بِالْحَقِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقٍّ لِأَحَدٍ قَالَ حُرَّةٌ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ فَكَبُرَا وَاكْتَسَبَا مَالًا، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا عَنْ ابْنَيْنِ، ثُمَّ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ، وَأَنَّهُمَا ابْنَاهُ مِنْهَا، وَأَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا بِذَلِكَ فَإِنَّهَا لَا تُصَدَّقُ عَلَى غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ الثَّانِي كَبِيرٌ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ الْغَيْرِ بِدَعْوَاهُ إلَّا عِنْدَ تَصْدِيقِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَيِّتُ مِنْهُمَا ابْنَاهُ قَائِمَانِ مَقَامَهُ فَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ بِدَعْوَاهُ إلَّا بِتَصْدِيقِهِمَا، وَلَمْ يُوجَدْ، وَإِقْرَارُ الْمَرْأَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهَا فَيُشْرِكُهَا فِي نَصِيبِهَا مِنْ مِيرَاثِ ابْنِهَا؛ لِأَنَّهَا زَعَمَتْ أَنَّ الْمَيِّتَ مِنْهُمَا خَلَّفَ ابْنَيْنِ، وَأَبَوَيْنِ فَلِلْأَبَوَيْنِ السُّدُسَانِ وَالْبَاقِي لِلِابْنَيْنِ فَقَدْ أَقَرَّتْ بِأَنَّ حَقَّ الْأَبِ وَحَقَّهَا فِي تَرِكَتِهِ سَوَاءٌ فَيُقْسَمُ مَا فِي يَدِهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الشَّرِكَةِ فِي الْمِيرَاثِ فِي نَصِيبِ الْمُقِرِّ ثُبُوتُ النَّسَبِ فَإِنَّ الْمَالَ يُسْتَحَقُّ بِأَسْبَابٍ، وَأَصْلُهُ فِي أَحَدِ الْأَخَوَيْنِ إذَا أَقَرَّ بِأَخٍ ثَالِثٍ فَإِنْ أَقَرَّ الِابْنُ الثَّانِي بِذَلِكَ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا جَمِيعًا مِنْهُ؛ لِأَنَّ نَسَبَ الْمُقِرِّ قَدْ ثَبَتَ بِتَصْدِيقِهِ وَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ نَسَبِ الْآخَرِ فَإِنَّهُمَا تَوْأَمٌ، وَإِنْ أَقَرَّ ابْنُ الْمَيِّتِ بِذَلِكَ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْمَيِّتِ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَيِّتِ، وَهُوَ فِي حَيَاتِهِ لَوْ صُدِّقَ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا مِنْهُ فَكَذَلِكَ إذَا صَدَّقَهُ مَنْ يَخْلُفُهُ قَالَ أَمَةٌ وَلَدَتْ غُلَامًا فَأَقَرَّ الْمَوْلَى أَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مِنْ زَوْجٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ مَعْرُوفٍ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمَقَرُّ لَهُ أَوْ كَانَ مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا، ثُمَّ ادَّعَى الْمَوْلَى أَنَّهُ ابْنُهُ عَتَقَ بِدَعْوَاهُ لِإِقْرَارِهِ بِحُرِّيَّتِهِ، وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ مِنْ الْمَقَرِّ لَهُ بِحُكْمِ إقْرَارِهِ وَعِنْدَ التَّصْدِيقِ غَيْرُ مُشْكِلٍ، وَعِنْدَ غَيْبَتِهِ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى حَقِّهِ فَلَا يَمْلِكُ أَنْ يَدَّعِيَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَقَرُّ لَهُ حَاضِرًا فَكَذَّبَهُ، ثُمَّ ادَّعَاهُ الْمُقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمُقِرِّ قَدْ بَطَلَ بِتَكْذِيبِ

стр. 3570

الْمَقَرِّ لَهُ وَبَقِيَ الْوَلَدُ مُحْتَاجًا إلَى النَّسَبِ فَإِذَا ادَّعَاهُ الْمَوْلَى فِي حَالِ حَاجَتِهِ وَلَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ غَيْرِهِ يَثْبُتُ مِنْهُ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لِلْعَبْدِ إذَا أَقَرَّ بِالْوَلَاءِ لِلْبَائِعِ، وَكَذَّبَهُ الْبَائِعُ، ثُمَّ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ ثَبَتَ الْوَلَاءُ مِنْهُ وَالْوَلَاءُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ فِي أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْإِبْطَالَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، ثُمَّ هُنَاكَ بِالتَّكْذِيبِ يَبْطُلُ إقْرَارُهُ لِغَيْرِهِ وَيَصِيرُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فَكَذَلِكَ هُنَا وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: فِي كَلَامِهِ الْأَوَّلِ إقْرَارٌ بِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا: ثُبُوتُ النَّسَبِ مِنْ الْغَيْرِ، وَالْآخَرُ: خُرُوجُهُ مِنْ دَعْوَى هَذَا النَّسَبِ أَصْلًا، وَبِتَكْذِيبِ الْمُقَرِّ لَهُ إنَّمَا يَبْطُلُ مَا هُوَ مِنْ حَقِّهِ فَأَمَّا مَا لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ لَا يَبْطُلُ الْإِقْرَارُ فِيهِ بِتَكْذِيبٍ، وَخُرُوجُ الْمُقِرِّ مِنْ دَعْوَى هَذَا النَّسَبِ لَيْسَ بِحَقٍّ لِلْمُقَرِّ لَهُ فَيَبْقَى الْحَالُ فِيهِ بَعْدَ التَّكْذِيبِ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ بِتَكْذِيبِهِ لَا يَبْطُلُ الْإِقْرَارُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْإِبْطَالَ أَصْلًا بَلْ بَقِيَ مَوْقُوفًا عَلَى حَقِّهِ حَتَّى لَوْ ادَّعَاهُ ثَبَتَ مِنْهُ فَلَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى دَعْوَاهُ لِنَفْسِهِ فِي حَالِ تَوَقُّفِهِ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ كَوَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ إذَا ادَّعَى غَيْرُ الْمُلَاعِنِ نَسَبَهُ لَا يَثْبُتُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى مَوْقُوفًا عَلَى حَقِّ الْمُلَاعِنِ فَيَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ دَعْوَةِ غَيْرِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَلَاءِ فَإِنَّهُ أَثَرٌ مِنْ أَثَرِ الْمِلْكِ وَأَصْلُ الْمِلْكِ مُحْتَمِلُ النَّقْلِ مِنْ شَخْصٍ إلَى شَخْصٍ فَكَذَلِكَ أَثَرُهُ إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا لَا يَحْتَمِلُ الْإِبْطَالَ بَعْدَ تَقَرُّرِ سَبَبِهِ وَهُوَ الْعِتْقُ مِنْ وَاحِدٍ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ ذَلِكَ السَّبَبِ مِنْ غَيْرِهِ حَتَّى لَوْ تُصَوِّرَ بِأَنْ كَانَتْ أَمَةً فَارْتَدَّتْ، وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَسُبِيَتْ فَمَلَكَهَا رَجُلٌ، وَأَعْتَقَهَا كَانَ وَلَاؤُهَا لَهُ دُونَ الْأَوَّلِ، وَهُنَا السَّبَبُ كَانَ مَوْقُوفًا لَمْ يَتَقَرَّرْ لِلْبَائِعِ وَيَحْتَمِلُ تَقَرُّرُهُ مِنْ قِبَلِ الْمُشْتَرِي بِدَعْوَاهُ لِنَفْسِهِ فَلِهَذَا يَثْبُتُ الْوَلَاءُ لَهُ بِخِلَافِ النَّسَبِ، وَلَوْ لَمْ يُقِرَّ الْمَوْلَى بِشَيْءٍ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَجْنَبِيٌّ قَالَ هَذَا الْوَلَدُ ابْنُ الْمَوْلَى فَأَنْكَرَهُ الْمَوْلَى، ثُمَّ اشْتَرَاهُ الْأَجْنَبِيُّ أَوْ وَرِثَهُ فَادَّعَى أَنَّهُ ابْنُهُ عَتَقَ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالنَّسَبِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ يُعْتَبَرُ فِيمَا لَا يَتَنَاوَلُ حَقَّ الْمُقِرِّ مَالِكًا كَانَ أَوْ أَجْنَبِيًّا، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِنَسَبٍ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ ادَّعَى لِنَفْسِهِ، ثُمَّ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ بِشَهَادَتِهِ لِغَيْرِهِ قَدْ أَخْرَجَ نَسَبَهُ مِنْ ذَلِكَ النَّسَبِ فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَدَّعِيَهُ لِنَفْسِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ: وَلَوْ شَهِدَتْ امْرَأَةٌ عَلَى صَبِيٍّ أَنَّهُ ابْنُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، وَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا بِالنَّسَبِ، ثُمَّ ادَّعَتْ الشَّاهِدَةُ أَنَّ الصَّبِيَّ ابْنُهَا، وَأَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدَيْنِ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا بِشَهَادَتِهَا قَدْ أَخْرَجَتْ نَفْسَهَا مِنْ دَعْوَى نَسَبِ هَذَا الْوَلَدِ فَإِنَّ الْوَلَدَ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ الْمَرْأَةِ إلَّا بِانْفِصَالِهِ عَنْهَا وَبَعْدَ مَا زَعَمَتْ أَنَّهُ انْفَصَلَ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهَا لَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَدَّعِيَ انْفِصَالَهُ مِنْهَا، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى النَّسَبِ بِدُونِ الدَّعْوَى لَا تَكُونُ مَقْبُولَةً وَلَوْ

стр. 3571

كَبُرَ الصَّبِيُّ فَادَّعَى أَنَّهُ ابْنُهَا، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدَيْنِ قَضَى الْقَاضِي بِنَسَبِهِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الِابْنَ يَدَّعِي مَا هُوَ مِنْ حَقِّهِ فَإِنَّ نَسَبَهُ، وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا إلَى أَبِيهِ فَإِذَا كَانَ ثَابِتَ النَّسَبِ مِنْ أُمِّهِ يَكُونُ كَرِيمَ الطَّرَفَيْنِ، وَلَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ مَا يُنَاقِضُ وَيَمْنَعُهُ مِنْ هَذِهِ الدَّعْوَى فَوَجَبَ قَبُولُ بَيِّنَتِهِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْأُمَّ لَوْ كَانَتْ جَاحِدَةً أَصْلًا قُبِلَتْ بَيِّنَةُ الِابْنِ عَلَيْهَا فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ مُنَاقِضَةً فِي قَوْلِهَا. وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ صَبِيًّا فِي يَدِ امْرَأَةٍ أَنَّهُ ابْنُهُ وَهِيَ تُنْكِرُ فَشَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ فَلَمْ يَقْبَلْ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ، ثُمَّ إنَّ الشَّاهِدَ ادَّعَى الصَّبِيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ امْرَأَتُهُ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّ بِشَهَادَتِهِ صَارَ مُخْرِجًا نَفْسَهُ مِنْ هَذِهِ الدَّعْوَى وَلَوْ ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِ، وَأَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهَا؛ لِأَنَّهَا تَدَّعِي مَا هُوَ مِنْ حَقِّهَا فَإِنَّ فِي ثُبُوتِ نَسَبِ وَلَدِهَا مِنْ رَجُلٍ دَفْعَ تُهْمَةِ الزِّنَا عَنْهَا حَتَّى تَكُونَ مُحْصَنَةً، وَلَمْ يَسْبِقْ مِنْهَا مَا يَمْنَعُهَا مِنْ هَذِهِ الدَّعْوَى فَوَجَبَ قَبُولُ بَيِّنَتِهَا عَلَيْهِ قَالَ: وَلَوْ ادَّعَى رَجُلَانِ صَبِيًّا فِي يَدِ امْرَأَةٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ: هُوَ ابْنِي مِنْهَا بِنِكَاحٍ وَهِيَ تُنْكِرُ، ثُمَّ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا، وَهَذَا الصَّبِيُّ لَهَا مِنْهُ وَشَهِدَ لَهَا بِذَلِكَ الرَّجُلَانِ الْمُدَّعِيَانِ لِلصَّبِيِّ لَمْ أَقْبَلْ شَهَادَتَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا بِالدَّعْوَى الْأُولَى صَارَا مُنَاقِضَيْنِ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَتَأْثِيرُ التَّنَاقُضِ فِي الشَّهَادَةِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الدَّعْوَى فَإِذَا كَانَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ التَّنَاقُضِ يَمْنَعُهُ الدَّعْوَى فَلَأَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الشَّهَادَةِ كَانَ أَوْلَى. وَكَذَلِكَ صَبِيٌّ فِي يَدِ امْرَأَةٍ شَهِدَ رَجُلٌ أَنَّهُ ابْنُ فُلَانٍ وَرَدَّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ، ثُمَّ شَهِدَ هُوَ وَآخَرُ أَنَّهُ ابْنُ رَجُلٍ آخَرَ لَمْ تُقْبَلْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ لِكَوْنِهِ أَحَدَ الشَّاهِدَيْنِ مُتَنَاقِضًا فِيهَا قَالَ: وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّ أُمَّتَهُ حُبْلَى مِنْ رَجُلٍ قَدْ مَاتَ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ مِنْهُ فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ عَتَقَ لِإِقْرَارِهِ بِحُرِّيَّتِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِوُجُودِهِ فِي بَطْنِ الْأُمِّ حِينَ أَقَرَّ بِنَسَبِهِ لِغَيْرِهِ وَثُبُوتُ النَّسَبِ مِنْ، وَقْتِ الْعُلُوقِ، وَالْإِقْرَارُ بِهِ حَالَ كَوْنِهِ مَوْجُودًا فِي الْبَطْنِ وَالْإِقْرَارُ بِهِ بَعْدَ الِانْفِصَالِ سَوَاءٌ فَلَا تُسْمَعُ مِنْهُ الدَّعْوَى لِنَفْسِهِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ. وَهَذِهِ هِيَ الْحِيلَةُ أَنْ يَشْتَرِيَ جَارِيَةً حَامِلًا إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَحَرَّزَ عَنْ دَعْوَى الْبَائِعِ بِأَمْرِهِ بِأَنْ يُقِرَّ أَنَّ الْحَبَلَ بِهَا مِنْ فُلَانٍ الْمَيِّتِ، ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا الْمُشْتَرِي فَإِذَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ بَعْدَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَلَا يَبْطُلُ مِلْكُ الْمُشْتَرِي فِيهَا وَلَا فِي وَلَدِهَا. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ الْحَبَلَ بِهَا مِنْ زَوْجٍ، ثُمَّ مَكَثَ سَنَةً، ثُمَّ قَالَ هِيَ حَامِلٌ مِنِّي فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الْإِقْرَارِ الْآخَرِ فَهُوَ ابْنُ الْمَوْلَى ثَابِتُ النَّسَبِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ دَعْوَى نَسَبِهِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي الْبَطْنِ عِنْدَ كَلَامِهِ الْأَوَّلِ إنَّمَا هُوَ مِنْ عُلُوقٍ حَادِثٍ. فَإِنْ (قِيلَ) هُوَ مَالِكٌ لِأُمِّ الْوَلَدِ، وَقَدْ أَقَرَّ أَنَّهَا مَنْكُوحَةُ

стр. 3572

الْغَيْرِ وَفِرَاشُ النِّكَاحِ لِلْغَيْرِ عَلَيْهَا يَمْنَعُ الْمَوْلَى مِنْ دَعْوَى نَسَبِهَا (قُلْنَا) ذَلِكَ الْإِقْرَارُ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِنِكَاحِ الْغَيْرِ عِنْدَ الْعُلُوقِ بِالثَّانِي؛ لِأَنَّ بَقَاءَ مَا عُرِفَ ثُبُوتُهُ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الْمُزِيلِ لَا لِوُجُودِ الدَّلِيلِ الْمَنْفِيِّ، وَدَعْوَاهُ نَسَبَ الْوَلَدِ الثَّانِي تَنْصِيصٌ مِنْهُ عَلَى كَوْنِهَا فِرَاشٌ لَهُ حِينَ عَلِقَتْ بِالثَّانِي فَهَذَا دَلِيلٌ مُوجِبٌ لِفِرَاشِهِ فَلَا يُعَارِضُهُ مَا كَانَ ثَابِتًا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الْمُزِيلِ حَتَّى يَكُونَ دَافِعًا لَهُ قَالَ: رَجُلٌ قَالَ لِأَمَتِهِ الْحَامِلِ إنْ كَانَ حَمْلُهَا غُلَامًا فَهُوَ مِنِّي، وَإِنْ كَانَ جَارِيَةً فَهُوَ مِنْ زَوْجٍ زَوَّجْتُهَا إيَّاهُ أَوْ قَالَ إنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَلَيْسَتْ مِنِّي فَوَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُمَا وَلَدَاهُ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ يَشْتَمِلُ عَلَى شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا مُعْتَبَرٌ، وَالْآخَرُ لَغْوٌ فَالْمُعْتَبَرُ دَعْوَاهُ نَسَبَ مَا فِي بَطْنِهَا وَاللَّغْوُ التَّقْسِيمُ فِيمَا بَيْنَ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ نَفْيًا، وَإِثْبَاتًا فَإِنَّ هَذَا رَجْمٌ بِالْغَيْبِ وَلَا طَرِيقَ لَهُ إلَى مَعْرِفَتِهِ فَاعْتُبِرَ مِنْ كَلَامِهِ مَا أَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ، وَقَدْ تَيَقَّنَّا بِوُجُودِهِمَا فِي الْبَطْنِ ادَّعَى نَسَبَ أَحَدِهِمَا وَهُمَا تَوْأَمٌ فَدَعْوَاهُ نَسَبَ أَحَدِهِمَا كَدَعْوَاهُ نَسَبَهُمَا فَلِذَا قَضَى بِأَنَّهُمَا وَلَدَاهُ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَوَّجَ أُمَّتَهُ رَجُلًا غَائِبًا، وَهُوَ حَيٌّ لَمْ يَمُتْ، ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ قَوْلِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَادَّعَاهُ الْمَوْلَى لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالنِّكَاحِ بِزَوْجٍ مَعْرُوفٍ إقْرَارٌ صَحِيحٌ فَيَثْبُتُ بِهِ نِكَاحُ الْغَائِبِ فِي حَقِّهِ فَدَعْوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي إبْطَالِ حَقِّ ذَلِكَ الْغَائِبِ غَيْرُ مَسْمُوعٍ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إقْرَارِهِ أَنَّهُ مِنْ زَوْجٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ بِالنِّكَاحِ لِلْمَجْهُولِ. وَالْإِقْرَارُ لِلْمَجْهُولِ بَاطِلٌ وَلَيْسَ فِي دَعْوَاهُ نَسَبَ وَلَدٍ عَلِقَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي إبْطَالِ حَقٍّ ثَابِتٍ لِغَيْرِهِ فَلِهَذَا أَثْبَتْنَا النَّسَبَ مِنْهُ. قَالَ: وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَلَدُ مُكَاتَبِهِ مِنْ زَوْجٍ، ثُمَّ ادَّعَى هُوَ نِسْبَتَهُ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ أَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ دَعْوَى نَسَبِ هَذَا الْوَلَدِ، وَلَكِنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْمُكَاتَبَةِ مُكَاتَبٌ مَعَ أُمِّهِ فَكَانَ مَمْلُوكًا لِلْمَوْلَى كَالْأَمَةِ حَتَّى يَمْلِكَ إعْتَاقَهُ فَكَذَلِكَ يَمْلِكُ إقْرَارَهُ فِيهِ بِمَا يُوجِبُ الْحُرِّيَّةَ، وَلَا يَضْمَنُ لِلْمُكَاتَبَةِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بَعْضُ مَقْصُودِهَا فَإِنَّهَا إنَّمَا تَسْعَى لِتَحْصِيلِ الْحُرِّيَّةِ لِنَفْسِهَا؛ وَلِأَوْلَادِهَا، وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فِيمَا ذَكَرْنَا، وَكَذَلِكَ أَمَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَلَدَتْ فَأَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ ابْنُ الْآخَرِ، ثُمَّ ادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى النَّسَبِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهُ ابْنٌ لِشَرِيكِهِ وَذَلِكَ يُخْرِجُهُ مِنْ دَعْوَى نَسَبِهِ فَلَا تَصِحُّ دَعْوَاهُ لِنَفْسِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ عَتَقَ الْوَلَدُ بِقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى حُرِّيَّتِهِ سَوَاءٌ كَانَ ابْنَهَا لِهَذَا أَوْ لِذَاكَ وَصَارَتْ الْأُمُّ بِمَنْزِلِهِ أُمِّ الْوَلَدِ مَوْقُوفَةً لِتَصَادُقِهِمَا عَلَى ثُبُوتِ حَقِّ أُمِّيَّةِ الْوَلَدِ لَهَا وَنَفْيِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ فَأَيُّهُمَا مَاتَ عَتَقَتْ؛ لِأَنَّ الْحَيَّ مِنْهُمَا يَزْعُمُ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِلْمَيِّتِ، وَقَدْ عَتَقَتْ بِمَوْتِهِ وَالْمَيِّتُ كَانَ مُقِرًّا بِنُفُوذِ إقْرَارِ الْحَيِّ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ فَلِهَذَا عَتَقَتْ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا قَالَ رَجُلٌ

стр. 3573

عَلِقَتْ جَارِيَتُهُ فِي مِلْكِهِ فَوَلَدَتْ فَادَّعَى الْوَلَدَ أَبُوهُ ثَبَتَ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ وَصَارَتْ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَعَلَيْهِ لِلْمَوْلَى قِيمَةُ الْوَلَدِ لِلْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَضَافَ مَالَ الْوَلَدِ إلَى الْأَبِ بِقَوْلِهِ ﷺ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» وَأَثْبَتَ لَهُ حَقَّ تَمَلُّكِ الْمَالِ عَلَى وَلَدِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ وَحَاجَتُهُ إلَى النَّفَقَةِ لِإِبْقَاءِ نَفْسِهِ إلَى الِاسْتِيلَادِ لِإِبْقَاءِ نَسْلِهِ فَإِنَّ بَقَاءَهُ مَعْنِيٌّ بِبَقَاءِ نَسْلِهِ إلَّا أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى إبْقَاءِ النَّفْسِ أَصْلِيٌّ فَيَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ صَرْفِ مَالِ الْوَلَدِ إلَى حَاجَتِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ وَحَاجَتُهُ إلَى إبْقَاءِ نَسْلِهِ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ فَلَا يَبْطُلُ حَقُّ الْوَلَدِ عَنْ مَالِيَّةِ الْجَارِيَةِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِضَمَانِ الْقِيمَةِ نَظَرًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَرُوِيَ عَنْ بِشْرٍ ﵀ أَنَّهُ قَالَ آخِرُ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ الْجَارِيَةَ لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَبِ، وَلَكِنَّ الْوَلَدَ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِ الْمَغْرُورِ فَيَغْرَمُ الْأَبُ عُقْرَهَا وَقِيمَةَ، وَلَدِهَا؛ لِأَنَّ حَقَّ مِلْكِ الْأَبِ فِي مَالِ وَلَدِهِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ حَقِّ مِلْكِ الْمَوْلَى فِي كَسْبِ مُكَاتَبِهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ رَقَبَةَ الْمُكَاتَبِ، وَلَا يَمْلِكُ رَقَبَةَ وَلَدِهِ، ثُمَّ لَوْ ادَّعَى وَلَدَ جَارِيَةٍ مُكَاتَبَةٍ لَا تَصِيرُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَلَكِنْ إنْ صَدَّقَهُ الْمُكَاتَبُ فَالْوَلَدُ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ فَكَذَلِكَ هُنَا إلَّا أَنَّ هُنَاكَ يَحْتَاجُ إلَى تَصْدِيقِ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى حَجَرَ عَلَى نَفْسِهِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي كَسْبِ مُكَاتَبِهِ وَدَعْوَةُ النَّسَبِ تَصَرُّفٌ مِنْهُ فَلَا يَنْفُذُ إلَّا بِتَصْدِيقِهِ. وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ لِلْمَوْلَى فِي كَسْبِ الْمُكَاتَبِ حَقَّ الْمِلْكِ وَذَلِكَ كَافٍ لِثَبَاتِ النَّسَبِ فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى تَمَلُّكِ الْجَارِيَةِ، وَإِذَا لَمْ يَتَمَلَّكْهَا لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَلَيْسَ لِلْوَالِدِ فِي مَالِ وَلَدِهِ حَقُّ الْمِلْكِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُبَاحُ لِلِابْنِ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةَ نَفْسِهِ فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ النَّسَبِ فِيهِ إلَّا بِتَقْدِيمٍ بِمِلْكِ الْجَارِيَةِ فِيهِ عَلَى الِاسْتِيلَادِ صِيَانَةً لِمَائِهِ مِنْ الضَّيَاعِ، وَإِذَا صَارَ مُتَمَلِّكًا لَهَا فَإِنَّمَا اسْتَوْلَدَ مِلْكَ نَفْسِهِ فَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ فَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ قِيمَةُ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ عَلِقَ حُرَّ الْأَصْلِ، وَلَا عُقْرَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَلَيْهِ الْعُقْرُ؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ حَصَلَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَلَا يَخْلُو عَنْ إيجَابِ حَدٍّ وَعُقْرٍ، وَقَدْ سَقَطَ الْحَدُّ لِشُبْهَةٍ فَيَجِبُ الْعُقْرُ كَمَا لَوْ وَطِئَهَا فَلَمْ تَحْبَلْ؛ وَهَذَا لِأَنَّ مِلْكَهُ إيَّاهَا أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الْعُلُوقِ، وَلَكِنْ لَا يَضِيعُ مَاؤُهُ فَيَبْقَى أَصْلُ الْوَطْءِ حَاصِلًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ إحْصَانُ الْأَبِ وَلَنَا أَنَّ مِلْكَهُ إيَّاهَا مُقَدَّمٌ عَلَى فِعْلِ الِاسْتِيلَادِ، وَأَصْلُ الْوَطْءِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْعُلُوقُ يَكُونُ اسْتِيلَادًا كَالْجُرْحِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ زَهُوقُ الرُّوحِ يَكُون قَتْلًا مِنْ الْأَصْلِ فَإِذَا تَقَدَّمَ مِلْكُهُ إيَّاهَا عَلَى فِعْلِ الِاسْتِيلَادِ كَانَ وَاطِئًا مِلْكَ نَفْسِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْعُقْرُ غَيْرَ أَنَّ تَقْدِيمَ هَذَا الْمِلْكِ ضَرُورَةَ تَصْحِيحِ الِاسْتِيلَادِ فَلَا يَعْدُو مَوْضِعَ الضَّرُورَةِ فَفِي حُكْمِ الْإِحْصَانِ لَا يَظْهَرُ هَذَا الْمِلْكُ لِانْعِدَامِ الضَّرُورَةِ

стр. 3574

فِيهِ؛ وَلِأَنَّ الْمُسْتَوْفَى فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْ عَيْنِهَا، وَقَدْ غَرِمَ بِفِعْلِهِ جَمِيعَ بَدَلِ نَفْسِهَا وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ بَدَلِ الْجُزْءِ كَمَنْ قَطَعَ يَدَ إنْسَانٍ خَطَأً، ثُمَّ قَتَلَهُ خَطَأً قَبْلَ الْبُرْءِ أَمَّا إذَا اشْتَرَاهَا الِابْنُ حَامِلًا فَوَلَدَتْ بَعْدَ الشِّرَاءِ بِيَوْمٍ فَادَّعَاهُ أَبُوهُ لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ مِنْهُ إذَا أَكْذَبَهُ الِابْنُ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ مِنْ الْأَبِ بِشَرْطِ تَمَلُّكِهَا عَلَى الِابْنِ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ إيجَادُ هَذَا الشَّرْطِ هُنَا؛ لِأَنَّهَا عِنْدَ الْعُلُوقِ مَا كَانَتْ فِي مِلْكِ الِابْنِ، وَلَا كَانَ لِلْأَبِ فِيهَا وِلَايَةُ النَّقْلِ إلَى نَفْسِهِ لِحَاجَةٍ؛ وَلِأَنَّ دَعْوَتَهُ هُنَا دَعْوَةُ التَّحْرِيرِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى الْحَالِ، وَلَا كَانَ لِلْأَبِ فِيهَا وِلَايَةٌ وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْإِعْتَاقِ وَلَيْسَ لِلْأَبِ وِلَايَةُ الْإِعْتَاقِ فِي مَالِ وَلَدِهِ بِخِلَافِ الْأُولَى فَإِنَّ دَعْوَتَهُ دَعْوَةُ الِاسْتِيلَادِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ فَقَالَ لَوْ جَعَلْتُهُ ابْنَهُ لَمْ أُضَمِّنْهُ قِيمَةَ الْأُمِّ لِتَعَذُّرِ تَمَلُّكِهِ عَلَيْهِ إيَّاهَا مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ وَكُلُّ وَلَدٍ لَا يَضْمَنُ الْأَبُ فِيهِ قِيمَةَ الْأُمِّ فَهُوَ غَيْرُ مُصَدَّقٍ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الِابْنُ فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ إذَا ادَّعَاهُ فَصَدَّقَهُ الْمَوْلَى؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا فَمَا تَصَادَقَا عَلَيْهِ مُحْتَمَلٌ فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ حَقٌّ وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَهَا الِابْنُ قَبْلَ أَنْ تَلِدَ، ثُمَّ وَلَدَتْ فَادَّعَاهُ أَبُ الْبَائِعِ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَتُهُ لِتَعَذُّرِ إيجَادِ شَرْطِهِ وَهُوَ يَمْلِكُ الْأُمَّ عَلَيْهِ حِينَ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِ الْوَلَدِ وَقْتَ الدَّعْوَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَهَا بَعْدَ الْعُلُوقِ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا فَوَلَدَتْ؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ دَعْوَتِهِ تَمَلُّكُهَا عَلَيْهِ مُسْتَنِدٌ إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ لِمَا تَخَلَّلَ مِنْ زَوَالِ مِلْكِ الِابْنِ، وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرَةُ بِحَبَلٍ فِي مِلْكِ مَوْلَاهَا، وَتَلِدُ فَادَّعَى الْوَلَدَ الْأَوَّلَ أَبُوهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ الشَّرْطُ وَهُوَ النَّقْلُ إلَى مِلْكِ الْأَبِ بِضَمَانِ الْقِيمَةِ مُتَعَذَّرٌ فِي الْمُدَبَّرَةِ. وَكَذَلِكَ أُمُّ الْوَلَدِ إذَا وَلَدَتْ وَلَدًا فَنَفَاهُ الْمَوْلَى فَادَّعَاهُ أَبُوهُ وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الْمُدَبَّرَةِ أَنَّ دَعْوَةَ الْأَبِ صَحِيحَةٌ يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدُ مِنْهُ يَضْمَنُ عُقْرَهَا وَقِيمَةَ الْوَلَدِ مُدَبَّرًا، وَهَذَا عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَا لِأَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ لَا يَتَمَلَّكُ الْجَارِيَةَ، وَلَكِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَغْرُورِ فِي دَعْوَى النَّسَبِ، وَفِي هَذَا الْقِنَّةُ وَالْمُدَبَّرَةُ سَوَاءٌ إلَّا أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مُدَبَّرًا؛ لِأَنَّهُ كَمَا انْفَصَلَ عَنْ أُمِّهِ انْفَصَلَ مُدَبَّرًا فَإِنَّمَا يَضْمَنُ قِيمَتَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَتْلَفَهُ بِدَعْوَتِهِ وَفَرَّقَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ وَوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ فَقَالَ: وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ ثَابِتُ النَّسَبِ مِنْ مَوْلَاهَا لِمَا لَهُ عَلَيْهَا مِنْ الْفِرَاشِ فَيَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ دَعْوَةِ الْأَبِ، وَإِنْ نَفَاهُ الْمَوْلَى كَمَا فِي وَلَدِ الْمُلَاعِنَةِ فَأَمَّا وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ غَيْرُ ثَابِتِ النَّسَبِ مِنْ مَوْلَاهَا فَتَصِحُّ دَعْوَةُ أَبِيهِ فِيهِ. وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ يَدَّعِيهِ أَبُ مَوْلَاهَا فَإِنَّهُ غَيْرُ مُصَدَّقٍ عَلَى ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ شَرْطِ صِحَّةِ الدَّعْوَةِ وَهُوَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِ بِضَمَانِ الْقِيمَةِ فَإِنْ وَلَدَتْهُ وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ أَوْ كَاتَبَهَا بَعْدَ مَا وَلَدَتْ أَوْ كَاتَبَ الْوَلَدَ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَةُ الْأَبِ

стр. 3575

فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الِابْنِ مَا يَمْنَعُ نَقْلَهُ إلَى الْأَبِ فَلِهَذَا لَمْ تَصِحَّ دَعْوَتُهُ، وَإِنْ كَاتَبَ الْأُمَّ بَعْدَ الْوِلَادَةِ، ثُمَّ ادَّعَى الْأَبُ نَسَبَ الْوَلَدِ قَالَ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ: لَا تَصِحُّ دَعْوَتُهُ، وَقَالَ بَعْدَ هَذَا: تَصِحُّ دَعْوَتُهُ وَيَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي حَقِّ الْأُمِّ وَمَا ذُكِرَ هُنَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ وَمَا ذُكِرَ بَعْدَ هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ نَصَّ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْجَامِعِ فِي الْبَيْعِ إذَا بَاعَ الْأُمَّ بَعْدَ الْوِلَادَةِ، ثُمَّ ادَّعَى أَبُوهُ نَسَبَ الْوَلَدِ يَثْبُتُ نَسَبُهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَكَذَلِكَ إذَا كَاتَبَهَا. وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الدَّعْوَةِ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِ بِضَمَانِ الْقِيمَةِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ حِينَ كَاتَبَهَا أَوْ بَاعَهَا فَلَمْ تَصِحَّ دَعْوَتُهُ كَوَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ الْوَلَدَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالدَّعْوَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ لِلْأَبِ حَقُّ اسْتِلْحَاقِ نَسَبِهِ بِالدَّعْوَةِ قَبْلَ كِتَابَةِ الْأُمِّ فَلَا يَتَعَيَّنُ بِذَلِكَ كِتَابَةُ الْأُمِّ بِخِلَافِ وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فَإِنَّ الْمَانِعَ هُنَاكَ فِي الْوَلَدِ مُوَازَاتُهُ مَا نَحْنُ فِيهِ أَنْ لَوْ كَاتَبَهَا جَمِيعًا. قَالَ: وَإِنْ ادَّعَى وَلَدَ جَارِيَةِ ابْنِهِ، وَالِابْنُ حُرٌّ مُسْلِمٌ وَالْأَبُ عَبْدٌ أَوْ مُكَاتَبٌ أَوْ كَافِرٌ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَتُهُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ ثُبُوتِ النَّسَبِ وِلَايَةُ النَّقْلِ فِيهَا إلَى نَفْسِهِ بِضَمَانِ الْقِيمَةِ وَالرَّقِيقُ وَالْكَافِرُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى وَلَدِهِ فَلَمْ تَصِحَّ دَعْوَتُهُ لِتَعَذُّرِ اتِّحَادِ شَرْطِهِ فَلَوْ كَانَ الْأَبُ مُسْلِمًا وَالِابْنُ كَافِرًا صَحَّتْ دَعْوَتُهُ وَطَعَنَ عِيسَى ﵀ فِي هَذَا الْحَرْفِ فَقَالَ كَمَا لَيْسَ لِلْكَافِرِ وِلَايَةٌ عَلَى وَلَدِهِ الْمُسْلِمِ فَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ وِلَايَةٌ عَلَى وَلَدِهِ الْكَافِرِ حَتَّى لَا يَرِثَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ التَّزْوِيجِ وَالتَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ فِي صِغَرِهِ فَلَا يَتَمَلَّكُهُ بِالِاسْتِيلَادِ وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَ فِي بَعْضِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَالْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّمَلُّكَ بِالِاسْتِيلَادِ إبْقَاءُ أَثَرِ الْوِلَايَةِ الَّتِي كَانَتْ ثَابِتَةً فِي حَالِ الصِّغَرِ فَإِذَا كَانَ الْأَبُ مُسْلِمًا فَلَا يَكُونُ الِابْنُ مُقَرًّا عَلَى كُفْرِهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ إسْلَامُ الْأَبِ طَارِئًا، وَقَدْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ قَبْلَ إسْلَامِهِ فَيَبْقَى أَثَرُهُ حَقُّ الْمِلْكِ بِالِاسْتِيلَادِ فَأَمَّا الِابْنُ إذَا كَانَ مُسْلِمًا فَهُوَ مُسْلِمٌ أَصْلِيٌّ بِإِسْلَامِ أُمِّهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْكَافِرِ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ قَطُّ فَلَا يَبْقَى أَثَرٌ؛ وَلِابْنِهِ فِي الِاسْتِيلَادِ؛ وَلِأَنَّ التَّمَلُّكَ بِالِاسْتِيلَادِ لِكَرَامَةِ الْأَبِ فَيَثْبُتُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ الْوِلَايَةُ الَّتِي يَرْجِعُ إلَى كَرَامَةِ الْمُسْلِمِ كَوِلَايَةِ الشَّهَادَةِ، وَلَا يَثْبُتُ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ مِثْلُ هَذِهِ الْوِلَايَةِ فَلِهَذَا افْتَرَقَا، وَلَوْ كَانَا جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَمِلَلُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ جَازَتْ دَعْوَةُ الْأَبِ فِيهِ؛ لِأَنَّ لِبَعْضِهِمْ عَلَى الْبَعْضِ وِلَايَةً مَعَ اخْتِلَافِ الْمِلَلِ قَالَ: وَلَا تَجُوزُ دَعْوَةُ الْجَدِّ إذَا كَانَ الْأَبُ حَيًّا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى النَّافِلَةِ، وَلَا فِي مَالِهِ فِي حَيَاةِ الْأَبِ فَكَانَ هُوَ كَسَائِرِ الْأَجَانِبِ فَإِنْ كَانَ الْأَبُ
следующие страницы →