← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 5423

المبسوط للسرخسي

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (6 278 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

لَهُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ سَبَبٍ ظَاهِرٍ لِاسْتِحْقَاقِهِ كَمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ وَلِأَحَدِهِمَا عَلَيْهَا حِمْلٌ وَلِلْآخَرِ مِخْلَاةٌ يُقْضَى لِصَاحِبِ الْحِمْلِ وَيُؤْمَرُ الْآخَرُ بِرَفْعِ الْمِخْلَاةِ قُلْنَا؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْمِخْلَاةِ عَلَى دَابَّةِ الْغَيْرِ لَا يَكُونُ مُسْتَحَقًّا لَهُ فِي الْأَصْلِ بِسَبَبٍ فَكَانَ مِنْ ضَرُورَةِ الْقَضَاءِ بِالدَّابَّةِ لِصَاحِبِ الْحِمْلِ أَمْرُ الْآخَرِ بِرَفْعِ الْمِخْلَاةِ فَأَمَّا هُنَا فَقَدْ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ وَضْعِ الْجُذُوعِ عَلَى حَائِطٍ لِغَيْرِهِ بِأَنْ كَانَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا فِي أَصْلِ الْقِسْمَةِ فَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْحُكْمِ لِصَاحِبِ الِاتِّصَالِ اسْتِحْقَاقُ رَفْعِ الْجُذُوعِ عَلَى الْآخَرِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ وَقُضِيَ لَهُ بِهِ يُؤْمَرُ الْآخَرُ بِرَفْعِ جُذُوعِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ لِلِاسْتِحْقَاقِ فَيَسْتَحِقُّ صَاحِبُهَا رَفْعَ جُذُوعِهِ عَنْ مِلْكِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جُذُوعٌ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِيهِ فِي الْيَدِ حُكْمًا فَإِنَّهُ بِكَوْنِهِ بَيْنَ دَارَيْهِمَا يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ الْيَدُ حُكْمًا، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ عَشْرُ خَشَبَاتٍ وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ خَشَبَةٌ وَاحِدَةٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَحْتَ خَشَبَتِهِ وَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ اسْتَحْسَنَ ذَلِكَ فِي الْخَشَبَةِ وَالْخَشَبَتَيْنِ وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ. وَقَالَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ: الْحَائِطُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ عَشْرِ خَشَبَاتٍ إلَّا مَوْضِعَ الْخَشَبَةِ فَإِنَّهُ لِصَاحِبِهَا وَرَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏ أَنَّ الْحَائِطَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَهُوَ الْقِيَاسُ وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ بِمَوْضِعِ الْخَشَبَةِ يُثْبِتُ يَدَ صَاحِبِهَا عَلَيْهِ فَصَاحِبُ الْقَلِيلِ فِيهِ يَسْتَوِي بِصَاحِبِ الْكَثِيرِ كَمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي ثَوْبٍ عَامَّتُهُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَطَرَفٌ مِنْهُ فِي يَدِ الْآخَرِ كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ كِتَابِ الْإِقْرَارِ لِصَاحِبِ الْعَشْرِ خَشَبَاتٍ عَلَيْهِ حِمْلٌ مَقْصُودٌ يُبْنَى الْحَائِطُ لِأَجْلِهِ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْخَشَبَةِ الْوَاحِدَةِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْحَائِطَ لَا يُبْنَى لِأَجْلِ خَشَبَةٍ وَاحِدَةٍ عَادَةً وَإِنَّمَا يُنْصَبُ لِأَجْلِهَا أُسْطُوَانَةُ فَكَانَ صَاحِبُ الْعَشْرِ خَشَبَاتٍ أَوْلَى بِهِ كَمَا فِي الدَّابَّةِ إذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهَا حِمْلٌ مَقْصُودٌ وَلِلْآخَرِ مِخْلَاةٌ يُقْضَى بِهَا لِصَاحِبِ الْحِمْلِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ خَشَبَةَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ صَاحِبِ الْخَشَبَاتِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ يَسْتَحِقُّ بِهِ رَفْعَ الْخَشَبَةِ عَلَى الْآخَرِ وَأَمَّا وَجْهُ رِوَايَةِ كِتَابِ الدَّعْوَى أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِاعْتِبَارِ وَضْعِ الْخَشَبَةِ فَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمِلْكُ فِيمَا تَحْتَ خَشَبَتِهِ لِوُجُودِ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ بِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَأَمَّا مَا بَيْنَ الْخَشَبَاتِ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ يُقْضَى بِهِ لِأَيِّهِمَا؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا ﵏ مَنْ قَالَ يُقْضَى بِالْكُلِّ بَيْنَهُمَا عَلَى إحْدَى عَشَرَ سَهْمًا عَشَرَةٌ لِصَاحِبِ الْخَشَبَاتِ وَسَهْمٌ لِصَاحِبِ الْخَشَبَةِ الْوَاحِدَةِ اعْتِبَارًا لِمَا بَيْنَ الْخَشَبَاتِ بِمَا هُوَ تَحْتَ كُلِّ خَشَبَةٍ مِنْ الْحَائِطِ وَأَكْبَرِهِمْ عَلَى أَنَّهُ يُقْضَى بِهِ لِصَاحِبِ الْعَشْرِ

стр. 3747

- ﵏ وَعَلَيْهِ كُرُّ حِنْطَةٍ وَقَفِيزُ شَعِيرٍ. وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْكَلَامَ مَوْصُولٌ، وَفِي حَقِّ الشَّعِيرِ إنَّمَا اسْتَثْنَى بَعْضَ مَا أَقَرَّ بِهِ فَيَكُونُ صَحِيحًا كَمَا لَوْ بَدَأَ بِاسْتِثْنَاءِ الشَّعِيرِ، فَقَالَ: إلَّا قَفِيزَ شَعِيرٍ وَكُرَّ حِنْطَةٍ وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ اسْتِثْنَاؤُهُ كُرَّ حِنْطَةٍ بَاطِلٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ لَغْوًا مِنْ الْكَلَامِ، وَقَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الشَّعِيرِ وَمَتَى تَخَلَّلَ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَلَامٌ لَغْوٌ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْوَصْلُ وَالْكَلَامُ اللَّغْوُ فَاصِلٌ بِمَنْزِلَةِ السُّكُوتِ أَوْ أَبْلَغُ مِنْهُ فَإِنَّ التَّكَلُّمَ بِاللَّغْوِ إعْرَاضٌ عَنْ الْجِدِّ، وَلَيْسَ فِي السُّكُوتِ إعْرَاضٌ، وَهَذَا بَاطِلٌ نَظِيرُ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ قَالَ: لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ وَحُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الِاسْتِثْنَاءُ بَاطِلٌ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ الثَّانِيَ لَغْوٌ فَصَارَ فَاصِلًا وَعِنْدَهُمَا الِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحٌ لِكَوْنِ الْكَلَامِ مَوْصُولًا ظَاهِرًا. وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلِفُلَانٍ مِائَتَا دِينَارٍ إلَّا أَلْفَ دِرْهَمٍ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ جَائِزًا مِنْ الدَّنَانِيرِ؛ لِأَنَّ الْمُقَرُّ لَهُ إذَا كَانَ مُخْتَلِفًا فَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْمَالِ الَّذِي وَصَلَهُ بِهِ وَإِنَّمَا وَصَلَ الِاسْتِثْنَاءَ بِالدَّنَانِيرِ هُنَا وَاسْتِثْنَاءُ أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مِائَتَيْ دِينَارٍ صَحِيحٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ بَعْضِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ بِطَرِيقِ الْمُسْتَثْنَى الْمُعَيَّنِ. وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إلَّا مِائَةَ دِرْهَمٍ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِقْرَارِ بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ وَلَا هُوَ رَاجِعٌ إلَى تَأْكِيدِ الْإِقْرَارِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْلِ بِالسَّكْتَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ ذَكَرَ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ تَهْلِيلًا أَوْ تَكْبِيرًا أَوْ تَسْبِيحًا لِأَنَّ هَذِهِ كَلِمَةٌ لَيْسَتْ مِنْ الْإِقْرَارِ فِي شَيْءٍ فَيَتَحَقَّقُ الْفَصْلُ بِهَا كَمَا يَتَحَقَّقُ بِالسُّكُوتِ وَشَرْطُ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْوَصْلُ. وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةٌ يَا فُلَانُ إلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ جَائِزًا لِأَنَّ قَوْلَهُ يَا فُلَانُ نِدَاءٌ لِلْمُخَاطِبِ لِيُنَبِّهَهُ فَيَسْتَمِعَ كَلَامَهُ فَكَانَ كَلَامُهُ رَاجِعًا إلَى تَأْكِيدِ الْإِقْرَارِ فَلَا يُوجِبُ الْفَصْلَ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ. وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَاشْهَدُوا عَلَيَّ بِذَلِكَ إلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ بَاطِلًا لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى أَلْفٍ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَعَ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ فَاشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ كَلَامٌ آخَرُ أَعْقَبَ الْإِقْرَارَ بِهِ بِحَرْفِ التَّعْقِيبِ، وَهُوَ الْفَاءُ وَلَوْ عَطَفَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِحَرْفِ الْوَاوِ كَانَ فَاصِلًا بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَكَذَلِكَ إذَا أَعْقَبَهُ بِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُفِيدٌ مَفْهُومُ الْمَعْنَى بِنَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ تَابِعًا لِلْكَلَامِ الْأَوَّلِ بَلْ يَصِيرُ فَاصِلًا بِخِلَافِ قَوْلِهِ يَا فُلَانُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ مَفْهُومِ الْمَعْنَى بِنَفْسِهِ فَكَانَ مِنْ تَتِمَّةِ الْمُرَادِ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ

стр. 3748

فَلَا يُوجِبُ الْفَصْلَ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ. وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ أَقَبَضْتهَا إيَّاهُ كَانَتْ عَلَيْهِ الْأَلْفُ كُلُّهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَقَبَضْتهَا صِفَةُ الْعَشَرَةِ وَقَوْلَهُ إلَّا عَشَرَةً ظَاهِرُهُ اسْتِثْنَاءُ الْعَشَرَةِ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ وَاجِبًا أَصْلًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فِي الْحَالِ لِسُقُوطِهَا عَنْهُ بِالْقَضَاءِ فَكَانَ بَيَانُهُ الْمَذْكُورُ بِقَوْلِهِ أَقَبَضْتهَا مِنْ مُحْتَمَلَاتِ كَلَامِهِ فَيَصِحُّ مِنْهُ، وَإِذَا صَحَّ كَانَ مِنْهُ دَعْوَى الْقَضَاءِ فِي الْعَشَرَةِ وَدَعْوَى الْقَضَاءِ مِنْهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ سَوَاءٌ ادَّعَاهُ فِي بَعْضِ الْمَالِ أَوْ فِي كُلِّهِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ بِطَرِيقِ أَنَّهُ يَكُونُ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ هُنَا لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى أَصْلُ الْوُجُوبِ فِيمَا زَعَمَ أَنَّهُ قَضَاهُ مِنْ الْمَالِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ قَدْ أَقَبَضْتهَا إيَّاهُ؛ لِأَنَّ حَرْفَ قَدْ حَرْفُ التَّأْكِيدِ فَدَعْوَاهُ الْقَضَاءَ فِي الْعَشَرَةِ مَعَ حَرْفِ التَّأْكِيدِ وَبِدُونِ حَرْفِ التَّأْكِيدِ سَوَاءٌ وَلَوْ قَالَ: إلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَقَدْ أَقَبَضْتُهَا إيَّاهُ كَانَ عَلَيْهِ الْأَلْفُ إلَّا عَشَرَةً؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " وَقَدْ أَقَبَضْتُهَا " كَلَامٌ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُسْتَثْنَى فَلَا يَكُونُ لِلْمُسْتَثْنَى إذْ لَيْسَ بَيْنَ الْوُصُوفِ وَالْمُوَصَّفِ حَرْفُ الْعَطْفِ فَيَكُونُ هَذَا مِنْهُ دَعْوَى الْقَضَاءِ فِي أَصْلِ الْمَالِ فَيَبْقَى اسْتِثْنَاؤُهُ الْعَشَرَةَ صَحِيحًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ حَرْفَ الْعَطْفِ هُنَاكَ بَيْنَ الْعَشَرَةِ، وَذَكَرَ الْقَضَاءَ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ إذَا قَالَ: زَيْدٌ عَالِمٌ كَانَ صِفَةً لِزَيْدٍ، وَإِذَا قَالَ: زَيْدٌ وَعَالِمٌ لَا يَكُونُ قَوْلُهُ وَعَالِمٌ صِفَةً لِزَيْدٍ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا يُعْطَفُ عَلَى الْمَوْصُوفِ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا دِرْهَمًا أَقَبَضْتُهَا إيَّاهُ كَانَتْ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَقَبَضْتُهَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ صِفَةً لِلْمُسْتَثْنَى فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ حَرْفَ التَّأْنِيثِ فَيَكُونُ صِفَةً لِمَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِعِبَارَةِ التَّأْنِيثِ وَالْمُسْتَثْنَى يُعَبَّرُ عَنْهُ بِعِبَارَةِ التَّذْكِيرِ فَعَرَفْنَا بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ أَقَبَضْتهَا دَعْوَى الْقَضَاءِ مِنْهُ فِي أَصْلِ الْمَالِ فَبَقِيَ اسْتِثْنَاؤُهُ الدِّرْهَمَ صَحِيحًا. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ غَيْرَ دَانَقٍ مِنْ ثَمَنِ بَقْلٍ قَدْ أَقَبَضْتُهُ إيَّاهُ كَانَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي نُسَخِ أَبِي سُلَيْمَانَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ قَدْ أَقَبَضْتُهُ صِفَةٌ لِلدَّانِقِ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ فَكَانَ هَذَا مِنْهُ دَعْوَى الْقَضَاءِ فِي الدَّانِقِ لَا الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَزِمَهُ دِرْهَمٌ، وَقَالَ فِي نُسَخِ أَبِي حَفْصٍ ﵀ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ إلَّا دَانِقًا قَالَ الْحَاكِمُ ﵀ هَذَا أَقْرَبُ إلَى وِفَاقِ مَا اعْتَلَّ بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ لَا فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ: لِأَنَّهُ قَطَعَ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَبَيْنَ الْقَضَاءِ بِكَلَامٍ فَصَارَ الْقَضَاءُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَمَعْنَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ دَعْوَى الْقَضَاءِ إنَّمَا يَصِيرُ صِفَةً لِلدَّانِقِ إذَا وَصَلَهُ بِهِ، وَقَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ آخَرُ هُنَا، وَهُوَ قَوْلُهُ مِنْ ثَمَنِ بَقْلٍ فَصَارَ دَعْوَى الْقَضَاءِ مِنْهُ عَلَى دِرْهَمٍ وَبِهَذَا التَّعْلِيلِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْجَوَابَ الصَّحِيحَ مَا ذَكَرَهُ فِي نُسَخِ أَبِي

стр. 3749

بِهِ شَيْئًا، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّارِ أَنْ يَقْطَعَ الْجُذُوعَ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ كَذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ حُجَّةً لِذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ نَفْسُ الْجُذُوعِ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ لِصَاحِبِهَا فَلَا يَكُونُ لِصَاحِبِ الدَّارِ أَنْ يَقْطَعَهَا إلَّا بِحُجَّةِ وَالظَّاهِرُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً كَذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ جُذُوعًا لَا يَحْمِلُ عَلَى مِثْلِهَا شَيْئًا إنَّمَا هُوَ أَطْرَافُ جُذُوعٍ خَارِجَةٍ فِي دَارِهِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَقْطَعَهَا لِأَنَّ عَيْنَ الْجُذُوعِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بِعَيْنِهَا إنَّمَا الْمَقْصُودُ هُوَ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا فَمَا لَا يُبْنَى عَلَى مِثْلِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَقًّا لَهُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَكَانَ لِصَاحِبِ الدَّارِ أَنْ يَقْطَعَهَا وَمَا يُبْنَى عَلَيْهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَقًّا لَهُ بِسَبَبٍ فَلَا يَكُونُ لَهُ قَطْعُهَا مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ أَحْدَثَ نَصْبَهَا غَصْبًا. قَالَ: وَإِذَا كَانَ السُّفْلُ لِرَجُلٍ وَالْعُلْوُ لِآخَرَ فَانْهَدَمَ لَمْ يُجْبَرْ صَاحِبُ السُّفْلِ عَلَى بِنَاءِ السُّفْلِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَلَا يُجْبَرُ صَاحِبُ الْمِلْكِ عَلَى بِنَاءِ مِلْكِهِ فَلَهُ حَقُّ التَّدْبِيرِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ كَإِنْشَاءِ بَيْعٍ أَوْ بِنَاءٍ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ صَاحِبُ السُّفْلِ هُوَ الَّذِي هَدَمَهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُتَعَدِّيًا بِالْهَدْمِ لِمَا لِصَاحِبِ الْعُلْوِ فِي بِنَاءِ السُّفْلِ مِنْ حَقِّ قَرَارِ الْعُلْوِ عَلَيْهِ فَيُجْبَرُ عَلَى بِنَائِهِ بِحَقِّهِ كَالرَّاهِنِ إذَا قَبِلَ الْمَرْهُونَ أَوْ الْمَوْلَى قَبِلَ عَبْدَهُ الْمَدْيُونَ، فَأَمَّا عِنْدَ الِانْهِدَامِ لَمْ يُوجَدْ مِنْ صَاحِبِ السُّفْلِ فِعْلٌ هُوَ عُدْوَانٌ، وَلَكِنْ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ أَنْ يَبْنِيَ السُّفْلَ، ثُمَّ يَبْنِيَ عَلَيْهِ الْعُلْوَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى بِنَاءِ مِلْكِهِ إلَّا بِبِنَاءِ السُّفْلِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَتَطَرَّقَ بِبِنَاءِ السُّفْلِ لِيَتَوَصَّلَ إلَى حَقِّهِ، ثُمَّ يَمْنَعَ صَاحِبَ السُّفْلِ مِنْ أَنْ يَسْكُنَ سُفْلَهُ حَتَّى يَرُدَّ عَلَى صَاحِبِ الْعُلْوِ قِيمَةَ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى بِنَاءِ السُّفْلِ لِيَتَوَصَّلَ إلَى مَنْفَعَةِ مِلْكِهِ فَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِيهِ وَالْبِنَاءُ مِلْكُ الثَّانِي فَكَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْبِنَاءِ حَتَّى يَتَمَلَّكَهُ عَلَيْهِ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، وَذَكَرَ الْخَصَّافُ ﵀ أَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِ بِمَا أَنْفَقَ فِي بِنَاءِ السُّفْلِ وَوَجَّهَهُ أَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي هَذَا الْإِنْفَاقِ شَرْعًا فَيَكُونُ كَالْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ صَاحِبِ السُّفْلِ؛ لِأَنَّ لِلشَّرْعِ عَلَيْهِ وِلَايَةً وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْبِنَاءَ مِلْكُهُ فَيَتَمَلَّكُهُ عَلَيْهِ صَاحِبُ السُّفْلِ بِقِيمَتِهِ كَثَوْبِ الْغَيْرِ إذَا انْصَبَغَ بِصِبْغِ غَيْرِهِ فَأَرَادَ صَاحِبُ الثَّوْبِ أَنْ يَأْخُذَ ثَوْبَهُ يُعْطِي صَاحِبَ الثَّوْبِ مَا زَادَ الصِّبْغُ فِي الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ الصِّبْغَ مِلْكُ صَاحِبِ الصِّبْغِ فِي ثَوْبِهِ، وَذَكَرَ فِي الْأَمَالِي عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ السُّفْلَ كَالْمَرْهُونِ فِي يَدِ صَاحِبِ الْعُلْوِ، وَمُرَادُهُ مِنْ ذَلِكَ مَنْعُ صَاحِبِ السُّفْلِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِسُفْلِهِ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ بَيْتٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَوْ دَارٌ فَانْهَدَمَتْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُجْبِرَ صَاحِبَهُ عَلَى الْبِنَاءِ لِأَنَّ تَمْيِيزَ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ بِقِسْمَةِ السَّاحَةِ مُمْكِنٌ، فَإِنْ بَنَاهَا أَحَدُهُمَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى شَرِيكِهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ فِي هَذَا الْبِنَاءِ فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ مُطَالَبَةِ صَاحِبِهِ بِالْقِسْمَةِ لِيَبْنِيَ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ

стр. 3750

بِخِلَافِ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ. وَكَذَلِكَ الْحَائِطُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جُذُوعٌ؛ لِأَنَّ أُسَّ الْحَائِطِ مُحْتَمِلٌ لِلْقِسْمَةِ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ نَحْوَ الْحَائِطِ الْمَبْنِيِّ بِالْخَشَبَةِ فَحِينَئِذٍ يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى بِنَائِهِ، وَإِذَا بَنَاهُ أَحَدُهُمَا مُنِعَ صَاحِبُهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ إذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْكَسْبِ وَامْتَنَعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْحَائِطِ جُذُوعٌ لَهُمَا فَلِأَحَدِهِمَا أَنْ يُجْبِرَ صَاحِبَهُ عَلَى الْمُسَاعَدَةِ مَعَهُ فِي بِنَائِهِ، وَإِنْ لَمْ يُسَاعِدْهُ عَلَى ذَلِكَ بَنَاهُ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ وَضْعِ جُذُوعِهِ عَلَيْهِ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ قِيمَةَ حِصَّتِهِ مِنْ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقًّا فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ مِنْ حَيْثُ وَضَعَ الْجُذُوعَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يَبْطُلُ بِقِسْمَةِ أُسِّ الْحَائِطِ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَ الْجُذُوعُ عَلَى الْحَائِطِ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَلِصَاحِبِ الْجُذُوعِ أَنْ يُبَيِّنَ الْحَائِطَ وَلَا يُشَاجِرَ صَاحِبَهُ عَلَى الْمُطَالَبَةِ بِقِسْمَةِ الْحَائِطِ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقَّ وَضْعِ الْجُذُوعِ عَلَى نَصِيبِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي يُطَالِبُ بِالْقِسْمَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْقِسْمَةِ كَانَ لِحَقِّهِ، وَقَدْ رَضِيَ هُوَ بِسُقُوطِ حَقِّهِ وَصَارَ هُوَ فِي حَقِّ الْآخَرِ كَأَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ. وَكَذَلِكَ الْحَمَّامُ الْمُشْتَرَكُ إذَا انْهَدَمَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الدَّارِ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ السَّاحَةِ مُمْكِنٌ، فَإِذَا بَنَاهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ. قَالَ: وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ بَابٌ مِنْ دَارِهِ فِي دَارِ رَجُلٍ فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ فِي دَارِهِ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الدَّارِ فَصَاحِبُ الْبَابِ هُوَ الْمُدَّعِي لِلطَّرِيقِ فِي دَارِ الْغَيْرِ فَعَلَيْهِ إثْبَاتُهُ بِالْبَيِّنَةِ وَرَبُّ الدَّارِ هُوَ الْمُنْكِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَبِفَتْحِ الْبَابِ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا؛ لِأَنَّ فَتْحَ الْبَابِ رَفْعُ جُزْءٍ مِنْ الْحَائِطِ وَلَوْ رَفَعَ جَمِيعَ حَائِطِهِ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ شَيْئًا فَكَذَلِكَ إذَا فَتَحَ بَابًا، وَقَدْ يَكُونُ فَتْحُ الْبَابِ لِدُخُولِ الضَّوْءِ وَالرِّيحِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلِاسْتِئْنَاسِ بِالْجَارِ وَالتَّحَدُّثِ مَعَهُ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى طَرِيقٍ لَهُ فِي الدَّارِ، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ فِي هَذِهِ الدَّارِ مِنْ هَذَا الْبَابِ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِيَدٍ كَانَتْ لَهُ فِي هَذَا الطَّرِيقِ فِيمَا مَضَى وَبِهَذِهِ الشَّهَادَةِ لَا يَسْتَحِقُّ الْمُدَّعِي شَيْئًا. (أَلَا تَرَى) أَنَّا لَوْ عَايَنَّاهُ مَرَّ فِيهِ مَرَّةً لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّ لَهُ فِيهَا طَرِيقًا ثَابِتًا فَحِينَئِذٍ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ وَالطَّرِيقُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَقًّا لَهُ فِي دَارِ الْجَارِ فِي أَصْلِ الْقِسْمَةِ أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ فَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عَلَى إثْبَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدُوا الطَّرِيقَ، وَلَمْ يُسَمُّوا ذَرْعَ الْعَرْضِ وَالطُّولِ بَعْدَ أَنْ يَقُولُوا إنَّ لَهُ طَرِيقًا فِي هَذِهِ الدَّارِ مِنْ هَذَا الْبَابِ إلَى بَابِ الدَّارِ فَالشَّهَادَةُ مَقْبُولَةٌ وَمِنْ أَصْحَابِنَا ﵏ مَنْ يَقُولُ تَأْوِيلُهُ إذَا شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِ الْخَصْمِ بِذَلِكَ فَالْجَهَالَةُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ، فَأَمَّا إذَا

стр. 3751

وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَا: الْإِقْرَارُ وَالشَّهَادَةُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَبَرٌ عَنْ أَمْرٍ مَاضٍ وَمَا كَانَ مَاضِيًا فَلَيْسَ بِمُتَيَقَّنٍ عِنْدَهُ فِي الْحَالِ لَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَلَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ أَنَّ الدَّيْنَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ لِإِبْرَاءِ الطَّالِبِ إيَّاهُ وَاسْتِيفَائِهِ مِنْهُ تَبَرَّأَ مِنْ مَالِهِ أَوْ تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بِالْقَضَاءِ عَنْهُ أَوْ لِمُفْسِدٍ يُمْكِنُ فِي أَصْلِ السَّبَبِ فَيَمْتَنِعُ وُجُوبُ الْمَالِ بِهِ، وَكَانَ قَوْلُهُ فِيمَا أَعْلَمُ اسْتِثْنَاءً لِلْيَقِينِ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فِي عِلْمِي وَإِنْ قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ لَهُ عَلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَهَذَا إقْرَارٌ بِالِاتِّفَاقِ وَبِهِ يَسْتَدِلُّ أَبُو يُوسُفَ ﵀. وَالْفَرْقُ هُنَا أَنَّ حَرْفَ قَدْ لِلتَّأْكِيدِ فَقَدْ أَكَّدَ عِلْمَهُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ تَأْكِيدًا لِإِقْرَارِهِ وَالشَّاهِدُ لَوْ قَالَ: قَدْ عَلِمْت فَأَنَا أَشْهَدُ عَلَيْهِ بِمَا قَدْ عَلِمْت لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَدْحًا فِي شَهَادَتِهِ فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ قَدْحًا فِي إقْرَارِهِ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فِيمَا أَظُنُّ أَوْ فِيمَا ظَنَنْتُ أَوْ فِيمَا أَحْسَبُ أَوْ فِيمَا حَسِبْتُ أَوْ فِيمَا أَرَى أَوْ فِيمَا رَأَيْتُ فَهُوَ كُلُّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ إنَّمَا تُذْكَرُ فِي الْعَادَةِ لِبَيَانِ شَكِّهِ فِيهِ وَاسْتِثْنَاءِ بَقِيَّةٍ وَفَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِهِ فِيمَا رَأَيْتُ أَوْ حَسِبْتُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِيمَا قَدْ عَلِمْتُ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْعِلْمِ يُطْلَقُ عَلَى مَا يُتَيَقَّنُ بِهِ بِخِلَافِ الْحُسْبَانِ وَالظَّنِّ وَالرُّؤْيَةِ فَقَدْ يَتَرَاءَى شَيْءٌ لِلْإِنْسَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقِيقَةٌ كَالظَّمْآنِ يَرَى السَّرَابَ مِنْ بَعِيدٍ فَيَتَرَاءَى أَنَّهُ مَاءٌ وَلَا حَقِيقَةَ لِذَلِكَ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فِي شَهَادَةِ فُلَانٍ أَوْ فِي عِلْمِ فُلَانٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي الْعَادَةِ إنَّمَا تُذْكَرُ لِبَيَانِ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِ مَا يَشْهَدُ بِهِ فُلَانٌ أَوْ يَعْلَمُهُ وَيَكُونُ هَذِهِ إنْكَارًا لَا إقْرَارًا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ بِشَهَادَتِهِ أَوْ بِعِلْمِهِ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ وَلَا يَتَحَقَّقُ إلْصَاقٌ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَعِلْمِهِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ إلَّا بَعْدَ وُجُوبِهِ فَكَانَ مُقِرًّا بِوُجُوبِ الْمَالِ عَلَيْهِ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ بِعِلْمِ فُلَانٍ وَشَهَادَتِهِ. وَإِنْ قَالَ فِي قَوْلِهِ أَوْ بِقَوْلِهِ أَوْ بِحِسَابِهِ أَوْ فِي حِسَابِهِ أَوْ فِي كِتَابَتِهِ أَوْ فِي كِتَابِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فُلَانٍ لَا أَثَرَ لَهُ فِي وُجُوبِ الْمَالِ وَلَا حِسَابِهِ فَمَقْصُودُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ بَيَانُ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ فُلَانٌ وَيَحْسَبُهُ وَيَكْتُبُ بِهِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ وَالْعِلْمِ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِمَّا يُؤَكَّدُ بِهَا الْوَاجِبُ، وَالْعِلْمُ يُطْلَقُ عَلَى مَا يُتَيَقَّنُ بِهِ فَلِهَذَا فُرِّقَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَلَوْ قَالَ: بِصَكِّهِ أَوْ فِي صَكِّهِ أَوْ فِي صَكٍّ، وَلَمْ يُضِفْهُ إلَى أَحَدٍ فَالْمَالُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الصَّكَّ اسْمٌ خَالِصٌ لِمَا هُوَ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ الْوَاجِبِ فَهَذَا مِنْهُ تَأْكِيدٌ لِمَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الْمَالِ (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ قَالَ: فِي سِجِلٍّ أَوْ سِجِلِّهِ كَانَ الْمَالُ لَازِمًا لَهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: فِي كِتَابٍ أَوْ مِنْ كِتَابٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَوْ مِنْ حِسَابٍ أَوْ فِي حِسَابٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَهَذَا كُلُّهُ إقْرَارٌ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا اللَّفْظِ

стр. 3752

يُذْكَرُ لِبَيَانِ سَبَبِ وُجُوبِ الْمَالِ وَبَيَانِ الْمَحَلِّ الَّذِي أُثْبِتَ فِيهِ وُجُوبُ الْمَالِ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ قَدْحًا فِي إقْرَارِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: عَلَيَّ صَكٌّ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ كِتَابٌ أَوْ حِسَابٌ بِأَلْفٍ لَزِمَهُ الْمَالُ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ وَلَا يَتَحَقَّقُ إلْصَاقُ الْأَلْفِ بِالصَّكِّ وَالْكِتَابِ وَالْحِسَابِ إلَّا بَعْدَ وُجُوبِهِ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ شَرِكَةٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَوْ مِنْ شَرِكَةِ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَوْ مِنْ تِجَارَةٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَوْ مِنْ خُلْطَةٍ لَزِمَهُ الْأَلْفُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَرْفَ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ وَلَا يَتَحَقَّقُ كَوْنُ الْأَلْفِ مِنْ الشَّرِكَةِ وَالتِّجَارَةِ وَالْخُلْطَةِ بَيْنَهُمَا إلَّا بَعْدَ وُجُوبِهَا. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فِي قَضَاءِ فُلَانٍ، وَهُوَ قَاضٍ أَوْ فِي فُلَانٍ الْفَقِيهِ أَوْ هُنَا أَوْ فِي فِقْهِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي قَضَاءِ فُلَانٍ كَقَوْلِهِ فِي شَهَادَةِ فُلَانٍ أَوْ فِي عِلْمِ فُلَانٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ بَيَانُ الْأَمْرِ بِخِلَافِ مَا فِي عِلْمِهِ فَكَذَلِكَ هُنَا وَقَوْلُهُ شَهَادَةٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ بِقَوْلِ فُلَانٍ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ قَوْلُهُ، فَإِنْ قَالَ: بِقَضَاءِ فُلَانٍ وَفُلَانٌ قَاضٍ يَلْزَمُهُ الْمَالُ كَقَوْلِهِ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَبِعِلْمِهِ لِأَنَّهُ أَلْصَقَ الْقَضَاءَ بِالْمَالِ فَالْمَالُ الْمَقْضِيُّ بِهِ لَا يَكُونُ إلَّا وَاجِبًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فُلَانٌ قَاضِيًا، فَقَالَ الطَّالِبُ حَاكَمْته إلَيْهِ فَقَضَى لِي عَلَيْهِ لَزِمَهُ الْمَالُ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْحَكَمِ فِي حَقِّ الْخَصْمَيْنِ كَقَضَاءِ الْقَاضِي فِي حَقِّ النَّاسِ كَافَّةً فَكَانَ قَوْلُهُ بِقَضَائِهِ بَيَانًا لِتَأْكِيدِ الْمَالِ عَلَيْهِ بِهَذَا السَّبَبِ، وَإِنْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُحَاكِمْهُ إلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَصِبْ قَاضِيًا فِي حَقِّهِمَا قَطُّ فَلَا يَكُونُ قَضَاؤُهُ مُلْزِمًا إيَّاهُ شَيْئًا فَهَذَا وَقَوْلُهُ يَقِينُ فُلَانٍ سَوَاءٌ. وَإِنْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فِي ذِكْرِهِ أَوْ بِذِكْرِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ فِي حِسَابِهِ أَوْ بِحِسَابِهِ أَوْ فِي كِتَابِهِ أَوْ بِكِتَابِهِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ كِتَابَهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُلْتَزَمٍ فَكَيْفَ يَلْزَمُ غَيْرَهُ وَإِنْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ كُرُّ حِنْطَةٍ مِنْ سَلَمٍ أَوْ بِسَلَمٍ أَوْ بِسَلَفٍ أَوْ مِنْ سَلَفٍ لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ وَالسَّلَمَ عِبَارَتَانِ عَنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا أَخْذُ الْعَاجِلِ بِالْآجِلِ فَكَانَ هَذَا مِنْهُ بَيَانًا لِسَبَبِ وُجُوبِ الْكُرِّ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ مِنْ ثَمَنِ بَيْعٍ أَوْ بِبَيْعٍ أَوْ لِبَيْعٍ أَوْ مِنْ قِبَلِ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قِبَلِ إجَارَةٍ أَوْ بِإِجَارَةٍ أَوْ بِكَفَالَةٍ أَوْ لِكَفَالَةٍ أَوْ عَلَى كَفَالَةٍ لَزِمَ الْمَالُ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ بَيَانٌ وَسَبَبُ وُجُوبِ الْمَالِ مِنْهُ، وَهُوَ سَبَبٌ صَحِيحٌ فَيَلْزَمُهُ الْمَالُ بِهِ. وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا شَيْئًا يَلْزَمُهُ خَمْسُمِائَةٍ وَزِيَادَةٌ بِقَدْرِ مَا بَيْنَهُ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِي الْمُسْتَثْنَى لَا تَكُونُ أَكْثَرَ مَا يَبْرَأُ مِنْ الْجَهَالَةِ فِي الْمُقَرِّ بِهِ فَكَمَا أَنَّ جَهَالَةَ الْمُقَرِّ بِهِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ فَكَذَلِكَ جَهَالَةُ الْمُسْتَثْنَى لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ مُثْبَتٌ وَالْمُسْتَثْنَى غَيْرُ مُثْبَتٍ، فَإِذَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مَعَ الْجَهَالَةِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَهُ فِي بَيَانِ الْمُسْتَثْنَى سَوَاءٌ بَيَّنَهُ بِقَدْرِ النِّصْفِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ

стр. 3753

وَلَكِنَّا تَرَكْنَا هَذَا الْقِيَاسَ فِيهِ لِلْعَادَةِ فَإِنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ وَأَنَّهُ إنَّمَا يُخْتَارُ الْعَادَةُ عَنْ الْوَاجِبِ بِذِكْرِ حَمْلِهِ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ إذَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى أَقَلَّ مِنْ الْوَاجِبِ وَتَتَّضِحُ هَذِهِ الْعَادَةُ فِي هَذَا الْفَصْلِ فَإِنَّ قَوْلَهُ " إلَّا شَيْئًا " إنَّمَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْقَلِيلِ عَادَةً فَهُوَ وَقَوْلُهُ " إلَّا قَلِيلًا " سَوَاءٌ فَلِهَذَا لَزِمَهُ خَمْسُمِائَةٍ وَزِيَادَةٌ وَلَا طَرِيقَ لَنَا إلَى مَعْرِفَةِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ سِوَى الرُّجُوعِ إلَى بَيَانِهِ بِخِلَافِ إلَّا تِسْعَمِائَةٍ فَإِنَّ هُنَاكَ نَصَّ عَلَى بَيَانِ قَدْرِ الْمُسْتَثْنَى وَلَا مَعْنَى لِلْعَادَةِ مَعَ النَّصِّ بِخِلَافِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ زُهَاءُ أَلْفُ دِرْهَمٍ أَوْ عِظَمُ أَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ جُلُّ أَلْفُ دِرْهَمٍ أَوْ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَهَذَا وَمَا سَبَقَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الْوَاجِبَ بِأَنَّهُ عِظَمُ الْأَلْفِ وَلَنْ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ، وَقَدْرُ الزِّيَادَةِ عَلَى النِّصْفِ لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى مَعْرِفَتِهِ سِوَى الرُّجُوعِ إلَى بَيَانِهِ، فَإِنْ مَاتَ الْمُقِرُّ كَانَ الْقَوْلُ فِيمَا زَادَ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ إلَى وَرَثَتِهِ لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَهُ، وَقَضَاءُ الْمَالِ مِنْ التَّرِكَةِ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ فَلَمَّا كَانَ بَيَانُهُ مَقْبُولًا فَكَذَلِكَ بَيَانُهُمْ بَعْدَهُ. وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْغَصْبِ الْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالثِّيَابِ وَكُلِّ شَيْءٍ يَجُوزُ فِيهِ السَّلَمُ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إلَى مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَمُحَمَّدٍ ﵀ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَفِي قَوْلِ زُفَرَ ﵀ عَلَيْهِ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا وَالْقِيَاسُ مَا قَالَهُ زُفَرُ ﵀ فَإِنَّهُ جَعَلَ الدِّرْهَمَ الْأَوَّلَ وَالْآخِرَ حَدًّا وَلَا يَدْخُلُ الْحَدُّ فِي الْمَحْدُودِ كَمَنْ يَقُولُ لِفُلَانٍ مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ أَوْ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَائِطَيْنِ لَا يَدْخُلُ الْحَائِطَانِ فِي الْإِقْرَارِ فَكَذَلِكَ هُنَا لَا يَدْخُلُ الْحَدَّانِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَا هَذَا كَذَلِكَ فِي حَدٍّ هُوَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ كَمَا فِي الْمَحْسُوسَاتِ، فَأَمَّا فِيمَا لَيْسَ بِقَائِمٍ بِنَفْسِهِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ حَدًّا إذَا كَانَ وَاجِبًا، فَأَمَّا مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَا يُتَصَوَّرُ حَدًّا لِمَا هُوَ وَاجِبٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ الْأَصْلُ مَا قَالَهُ زُفَرُ ﵀ إنَّ الْحَدَّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ وَمَا لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ ذِكْرًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا إلَّا أَنَّ الْغَايَةَ الْأُولَى لَا بُدَّ مِنْ إدْخَالِهَا؛ لِأَنَّ الدِّرْهَمَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ وَاجِبٌ وَلَا يَتَحَقَّقُ الثَّانِي بِدُونِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَسْتَدْعِي ابْتِدَاءً، فَإِذَا أَخْرَجْنَا الْأَوَّلَ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا صَارَ الثَّانِي هُوَ الِابْتِدَاءُ فَيَخْرُجُ هُوَ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا، ثُمَّ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ هَكَذَا بَعْدَهُ فَلِأَجْلِ هَذِهِ الضَّرُورَةِ أَدْخَلْنَا فِيهِ الْغَايَةَ الْأُولَى وَلَا ضَرُورَةَ فِي إدْخَالِ الْغَايَةِ الثَّانِيَةِ فَأَخَذْنَا فِيهَا بِالْقِيَاسِ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَا بَيْنَ كُرِّ شَعِيرٍ إلَى كُرِّ حِنْطَةٍ فَعَلَيْهِ فِي

стр. 3754

قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ كُرُّ شَعِيرٍ وَكُرُّ حِنْطَةٍ إلَّا قَفِيزَ حِنْطَةٍ لِأَنَّ الْقَفِيزَ الْآخَرَ مِنْ الْحِنْطَةِ هُوَ الْغَايَةُ الثَّانِيَةُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَلْزَمُهُ الْكُرَّانِ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَا بَيْنَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ إلَى عَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَلْزَمُهُ الدَّرَاهِمُ وَتِسْعَةُ دَنَانِيرَ وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ الدَّرَاهِمُ وَعَشَرَةُ دَنَانِيرَ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَا بَيْنَ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ إلَى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَعَلَيْهِ الدَّرَاهِمُ وَتِسْعَةُ دَنَانِيرَ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أَبِي حَفْصٍ ﵀ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ عَلَيْهِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَتِسْعَةَ دَرَاهِمَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ الْغَايَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ الدَّرَاهِمِ هُنَا، وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ هُوَ الْأَوَّلُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بَعْدَ هَذَا، فَقَالَ: وَكَذَلِكَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ سَوَاءٌ اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ أَوْ اتَّفَقَا فَهُوَ سَوَاءٌ وَالْوَاحِدُ مِنْ الْأَكْثَرِ هُوَ الْغَايَةُ فَهَذَا بَيَانُ أَنَّ مَا يُنْتَقَصُ بِاعْتِبَارِ الْغَايَةِ عِنْدَهُ مِنْ الْأَفْضَلِ أَوْ آخِرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْقَدْرُ الْمُتَيَقَّنُ وَإِحْدَى الْغَايَتَيْنِ لَمَّا صَارَ خَارِجًا وَجَبَ الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ فِيهِ وَجَعْلُ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْضَلِ حَتَّى لَا يَلْزَمَهُ إلَّا الْمُتَيَقَّنُ بِهِ وَقَوْلُهُ مِنْ كَذَا إلَى كَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ مَا بَيْنَ كَذَا وَكَذَا فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْإِقْرَارِ بِشَيْءٍ غَيْرِ مُسَمَّى الْمَبْلَغِ] (قَالَ ﵀): وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ دَرَاهِمَ، وَلَمْ يُسَمِّيهَا لَزِمَهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ حَصَلَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَأَدْنَى الْجَمْعِ الْمُتَيَقَّنِ دَرَاهِمُ ثَلَاثَةٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵀ قَالَ: إنَّهُ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ أَدْنَى الْجَمْعِ الْمُثَنَّى؛ لِأَنَّ فِي الْمُثَنَّى مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ لِكَلَامِ الْعَرَبِ مَبَانٍ ثَلَاثَةٌ الْفَرْدُ وَالتَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ غَيْرُ التَّثْنِيَةِ وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْقُولُ فِي الْمُثَنَّى بِتَعَارُضِ الْإِقْرَارِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَلَا يَتَرَجَّحُ فِيهِ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ، وَفِي الثَّلَاثَةِ إنَّمَا يُعَارِضُ فَرْضَ الْمُثَنَّى فَيَغْلِبُ فِيهِ مَعْنَى الْجَمْعِ عَلَى مَعْنَى الْمُفْرَدِ، وَلَمْ يَرِدْ فِي الْكِتَابِ عَلَى هَذَا. وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ مُضَاعَفَةٌ لَزِمَهُ سِتَّةٌ؛ لِأَنَّ أَدْنَى الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ وَأَدْنَى التَّضْعِيفِ مَرَّةٌ. وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ دَرَاهِمُ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً يَلْزَمُهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّ أَضْعَافَ لَفْظِهِ الْجَمْعُ فَيَصِيرُ تِسْعَةً فَبِالْمُضَاعَفَةِ مَرَّةً يَصِيرُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مُضَاعَفَةً أَضْعَافًا؛ لِأَنَّ بِالْمُضَاعَفَةِ يَصِيرُ سِتَّةً وَالْأَضْعَافُ جَمْعٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ، فَقَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَأَضْعَافُهَا مُضَاعَفَةٌ يَلْزَمُهُ ثَمَانُونَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَأَضْعَافُهَا ثَلَاثُونَ وَهِيَ غَيْرُ الْعَشَرَةِ بِحَرْفِ الْعَطْفِ فَصَارَتْ

стр. 3755

أَرْبَعِينَ وَبِالْمُضَاعَفَةِ تَصِيرُ ثَمَانِينَ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ لَزِمَهُ عَشَرَةٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُتَنَاوَلُ هَذَا اللَّفْظُ مَقْرُونًا بِالْعَدَدِ عَشَرَةٍ، فَقَالَ: عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ مِنْ الدَّرَاهِمِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْغِنَى لِصَاحِبِهِ، وَهُوَ النِّصَابُ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَبْنِي الْجَوَابَ عَلَى اللَّفْظِ وَهُمَا عَلَى الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ بِاللَّفْظِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَنَانِيرُ كَثِيرَةٌ فَعَلَيْهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا عِشْرُونَ دِينَارًا بِاعْتِبَارِ نِصَابِ الزَّكَاةِ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا كَذَا دِرْهَمًا يَلْزَمُهُ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ عَدَدَيْنِ مُبْهَمَيْنِ مَرْكَبَيْنِ غَيْرَ مَعْطُوفَيْنِ وَأَدْنَى الْعَدَدَيْنِ الْمُفَسَّرَيْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَحَدَ عَشَرَ. وَلَوْ قَالَ: كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا يَلْزَمُهُ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا لِأَنَّهُ ذَكَرَ عَدَدَيْنِ مُبْهَمَيْنِ أَحَدُهُمَا مَعْطُوفٌ عَلَى الْآخَرِ وَأَدْنَى ذَلِكَ فِي الْمُفَسَّرَيْنِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ فَكَذَلِكَ الْمُبْهَمُ يُعَبَّرُ بِهِ، وَعَلَى هَذَا الدَّنَانِيرُ وَالْكَيْلُ وَالْوَزْنُ حَتَّى إذَا قَالَ: كَذَا وَكَذَا مَحْتُومًا مِنْ حِنْطَةٍ كَانَ عَلَيْهِ أَحَدَ عَشَرَ مَحْتُومًا. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا كَذَا دِرْهَمًا وَكَذَا وَكَذَا دِينَارًا لَزِمَهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَحَدَ عَشَرَ اعْتِبَارًا لِحَالَةِ الْجَمْعِ بِحَالَةِ الْإِقْرَارِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: كَذَا كَذَا دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا يَلْزَمُهُ أَحَدَ عَشَرَ مِنْهُمَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ فَسَّرَهُ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا وَلَوْ قَالَ: أَحَدَ عَشَرَ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا يَلْزَمُهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: أَحَدَ عَشَرَ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ إبْهَامِ الْعَدَدَيْنِ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَالٌ عَظِيمٌ مِنْ الدَّرَاهِمِ فَعَلَيْهِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَهُوَ مِائَتَا دِرْهَمٍ عَلَى قِيَاسِ مَذْهَبِهِمَا عِنْدَ الْوَصْفِ بِالْكَثْرَةِ، وَلَمْ يُذْكَرْ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ هُنَا وَقِيلَ مَذْهَبُهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ كَمَذْهَبِهِمَا؛ لِأَنَّهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ بَنَى عَلَى لَفْظِ الدَّرَاهِمِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَا وَالْأَصَحُّ أَنَّ قَوْلَهُ بَنَى عَلَى حَالِ الْمُقِرِّ فِي الْفَقْرِ وَالْغَنِيِّ فَإِنَّ الْقَلِيلَ عِنْدَ الْفَقِيرِ عَظِيمٌ وَأَضْعَافُ ذَلِكَ عِنْدَ الْغَنِيِّ لَيْسَ بِعَظِيمِ وَكَمَا أَنَّ الْمِائَتَيْنِ مَالٌ عَظِيمٌ فِي حُكْمِ الزَّكَاةِ فَالْعَشَرَةُ مَالٌ عَظِيمٌ فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ وَتَقْدِيرِ الْمَهْرِ بِهَا فَيَتَعَارَضُ فَيَرْجِعُ إلَى حَالِ الرَّجُلِ، وَعَلَى حَالِهِ يَبْنِي فِيمَا بَيَّنَهُ، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ الْبَيَانُ إلَى الْمُقِرِّ فِي ذَلِكَ فَأَيُّ مِقْدَارٍ بَيَّنَ يُؤْخَذُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِبْهَامَ حَصَلَ مِنْ جِهَتِهِ، وَهَذَا بَعِيدٌ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: عَلَيَّ مَالٌ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِشَيْءٍ يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَا يَجُوزُ إلْغَاءُ قَوْلِهِ عَظِيمٌ وَلَوْ قَبِلْنَا بَيَانَهُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ كُنَّا قَدْ أَلْغَيْنَا تَنْصِيصَهُ عَلَى وَصْفِ الْعَظِيمِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ مَالٌ فَالْقَوْلُ فِي بَيَانِ مِقْدَارِهِ قَوْلُهُ قَالَ: وَالدِّرْهَمُ مَالٌ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِيمَا دُونَ الدِّرْهَمِ لَا يُقْبَلُ بَيَانُهُ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ مِنْ

стр. 3756

الْكُسُورِ لَا يُطْلَقُ اسْمُ الْمَالِ عَلَيْهِ عَادَةً قَالَ الْحَسَنُ لَعَنَ اللَّهُ الدَّانِقَ وَمِنْ دَنَّقَ الدَّانِقَ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ حِنْطَةٌ فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ مَا قَالَ رُبُعُ حِنْطَةٍ فَمَا فَوْقَهُ فَإِنَّ الرُّبُعَ أَدْنَى الْمَقَادِيرِ فِي الْحِنْطَةِ كَالدِّرْهَمِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَنَيِّفٌ فَالْقَوْلُ فِي النَّيِّفِ مَا قَالَ دِرْهَمٌ أَوْ أَقَلُّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرُ لِأَنَّ النَّيِّفَ عِبَارَةٌ عَنْ الزِّيَادَةِ يُقَالُ جَبَلٌ مُنِيفٌ إذَا كَانَ مُشْرِفًا عَلَى الْجِبَالِ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْأَنْفُ لِزِيَادَةِ خِلْقَتِهِ فِي الْوَجْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ عَشَرَةٌ وَزِيَادَةٌ وَاسْمُ الزِّيَادَةِ يَتَنَاوَلُ الدَّانِقَ وَمَا زَادَ، فَإِذَا كَانَ بَيَانُهُ مُطَابِقًا لِلَفْظِهِ كَانَ مَقْبُولًا مِنْهُ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ بِضْعَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا فَالْبِضْعَةُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُصَهُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّ الْبِضْعَ مِنْ ثَلَاثَةٍ إلَى سَبْعَةٍ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤] خَاطَرَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ قُرَيْشًا عَلَى أَنَّ الرُّومَ تَغْلِبُ فَارِسًا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه «كَمْ تَعُدُّونَ الْبِضْعَ فِيكُمْ قَالَ: مِنْ ثَلَاثٍ إلَى سَبْعٍ، فَقَالَ ﷺ زِدْ فِي الْخَطَرِ وَأَبْعِدْ فِي الْأَجَلِ» فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبِضْعَ ثَلَاثَةٌ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ حَقٌّ أَوْ لَهُ قِبَلِي شَيْءٌ فَالْقَوْلُ فِي بَيَانِ مِقْدَارِهِ وَجِنْسِهِ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي إقْرَارِهِ يَنْطَلِقُ عَلَى مَا قَلَّ وَكَثُرَ مِنْ الْمَالِ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَدَانِقٌ فَالدَّانِقُ فِضَّةٌ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ سُدُسِ الدِّرْهَمِ وَالْمَعْطُوفُ مِنْ جِنْسِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَقِيرَاطٌ فَالْقِيرَاطُ مِنْ الْفِضَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ مِنْ جِنْسِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الدِّرْهَمَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ فَعَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَدِرْهَمٌ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ وَالْقَوْلُ فِي بَيَانِ الْمِائَةِ قَوْلُهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مِائَةٌ وَدِينَارٌ أَوْ مِائَةٌ وَقَفِيزُ حِنْطَةٍ فَذَكَرَ شَيْئًا مِنْ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ فَهُوَ كُلُّهُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَإِنْ قَالَ: مِائَةٌ وَعَبْدٌ يَلْزَمُهُ الْعَبْدُ وَالْقَوْلُ فِي بَيَانِ الْمِائَةِ قَوْلُهُ. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: مِائَةٌ وَثَوْبٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي قَوْلِهِ مِائَةٌ وَثَوْبٌ أَنَّ الْكُلَّ مِنْ الثِّيَابِ. وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ مِائَةٌ وَشَاةٌ أَمَّا الشَّافِعِيُّ ﵀، فَقَالَ: إنَّهُ أَبْهَمَ الْإِقْرَارَ بِالْمِائَةِ وَقَوْلُهُ " وَدِرْهَمٌ " لَيْسَ بِتَفْسِيرٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عَطْفٌ عَلَيْهِ بِحَرْفِ الْوَاوِ وَالْعَطْفُ لَمْ يُوضَعْ لِلتَّفْسِيرِ لُغَةً فَيَلْزَمُهُ مَا أَقَرَّ بِهِ مُفَسَّرًا فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا وَيَكُونُ الْقَوْلُ فِيمَا أَبْهَمَ قَوْلَهُ. وَكَذَلِكَ لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِرْهَمَانِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: مِائَةٌ وَثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ لِأَنَّهُ عَطَفَ أَحَدَ الْعَدَدَيْنِ الْمُبْهَمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِالدَّرَاهِمِ فَيَنْصَرِفُ التَّفْسِيرُ إلَيْهِمَا جَمِيعًا لِحَاجَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى التَّفْسِيرِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ وَدِرْهَمٌ بَيَانٌ لِلْمِائَةِ عَادَةً وَدَلَالَةً أَمَّا مِنْ حَيْثُ الْعَادَةُ فَلِأَنَّ النَّاسَ يَحْتَرِزُونَ

стр. 3757

عَنْ تَطْوِيلِ الْعِبَارَاتِ فَيَأْتُونَ بِهِ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى الدَّرَاهِمِ عِنْدَ ذِكْرِ كُلِّ عَدَدٍ وَيَكْتَفُونَ بِذَكَرِهِ مَرَّةً، وَهَذَا شَيْءٌ لَا يُمْكِنُ إنْكَارُهُ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُمْ يَقُولُونَ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا فَيَكْتَفُونَ بِذِكْرِ الدِّرْهَمِ مَرَّةً وَيَجْعَلُونَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِلْكُلِّ. وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الدَّلَالَةُ فَلِأَنَّ الْمَعْطُوفَ مَعَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُضَافِ مَعَ الْمُضَافِ إلَيْهِ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلتَّعْرِيفِ، ثُمَّ الْمُضَافُ يُجْعَلُ تَعْرِيفًا لِلْمُضَافِ إلَيْهِ إذَا كَانَ صَالِحًا لَهُ فَكَذَلِكَ الْمَعْطُوفُ يُجْعَلُ تَعْرِيفًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ صَالِحًا لَهُ وَالصَّلَاحِيَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مَعَ جَمِيعِ الْمُعَامَلَاتِ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا وَيَجُوزُ الِاسْتِقْرَاضُ فِيهَا وَلِعُمُومِ الْبَلْوَى جَعَلْنَا الْعَطْفَ فِيهَا تَفْسِيرًا بِخِلَافِ قَوْلِهِ وَثَوْبٌ وَشَاةٌ لِأَنَّ الثَّوْبَ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ دَيْنًا إلَّا مَبِيعًا مُسَلَّمًا فِيهِ وَالشَّاةُ لَا تَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ أَصْلًا يَعْنِي بِهِ ثُبُوتًا لَازِمًا فَلَمْ يَصْلُحْ قَوْلُهُ وَثَوْبٌ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلْمِائَةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ عِبَارَةٌ عَمَّا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مُطْلَقًا ثُبُوتًا صَحِيحًا فَلِهَذَا كَانَ الْبَيَانُ إلَيْهِ وَجْهُ رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ الثِّيَابَ وَالْغَنَمَ تُقَسَّمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً بِخِلَافِ الْعَبِيدِ فَإِنَّهَا لَا تُقَسَّمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً يَتَحَقَّقُ فِي أَعْدَادِهَا الْمُجَانَسَةُ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْمُفَسَّرُ مِنْهُ تَفْسِيرًا لِلْمُبْهَمِ وَمَا لَا يُقَسَّمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً لَا يَتَحَقَّقُ فِي أَعْدَادِهِ الْمُجَانَسَةُ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْمُفَسَّرُ تَفْسِيرًا لِلْمُبْهَمِ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ وَمِائَةُ أَثْوَابٍ فَالْكُلُّ مِنْ الثِّيَابِ بِالِاتِّفَاقِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ عَطَفَ الْعَدَدَ الْمُبْهَمَ عَلَى عَدَدِ مُبْهَمٍ، ثُمَّ فُسِّرَ بِمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلْكُلِّ فَيَكُونُ الْكُلُّ مِنْ الثِّيَابِ وَالْقَوْلُ فِي بَيَانِ جِنْسِهَا قَوْلُ الْمُقِرِّ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَتَا مِثْقَالٍ فِضَّةً وَذَهَبًا فَعَلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفُ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْعَدَدَ الْمَذْكُورَ إلَى الْجِنْسَيْنِ وَالْمُسَاوَاةُ فِي الْإِضَافَةِ تَقْتَضِي التَّوَزُّعَ عَلَى سَبِيلِ التَّسَاوِي إلَّا أَنَّ الْوَاجِبَ هُنَا مِنْ كُلِّ جِنْسٍ مِثْقَالٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَدِينَارٌ فَهُنَاكَ يَلْزَمُهُ مِائَةُ دِينَارٍ تَامًّا قِيلَ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ وَزْنَ سَبْعَةٍ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى الْمَثَاقِيلِ هُنَا، فَقَالَ: مِائَتَا مِثْقَالٍ، ثُمَّ فَسَّرَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةُ مِثْقَالٍ وَهُنَاكَ أَطْلَقَ اسْمَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمُ عِبَارَةٌ عَنْ وَزْنِ سَبْعَةٍ، ثُمَّ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يُعَيِّنُ أَحَدَ الْوَصْفَيْنِ، وَعَلَى هَذَا جَمِيعُ مَا يُقِرُّ بِهِ مِنْ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ بِأَيِّ سَبَبٍ أَقَرَّ بِهِ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ كُرٌّ مِنْ حِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ وَسِمْسِمٍ فَعَلَيْهِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ الثُّلُثُ؛ لِأَنَّ الْكُرَّ عِبَارَةٌ عَنْ أَرْبَعِينَ قَفِيزًا، وَقَدْ فَسَّرَهُ بِالْأَجْنَاسِ الثَّلَاثَةِ فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ جِنْسِ الثُّلُثُ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ قَفِيزٌ مِنْ حِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ إلَّا رُبُعًا فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ مَا يَتَنَاوَلُ كَلَامُهُ وَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ قَفِيزٍ مِنْ كُلِّ

стр. 3758

وَاحِدٍ النِّصْفُ اعْتِبَارًا لِإِقْرَارِهِ بِبَعْضِ الْقَفِيزِ بِإِقْرَارِهِ بِالْكُلِّ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَهُ قِبَلِي مَثَاقِيلُ مِنْ مِسْكٍ وَزَعْفَرَانٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ عَلَيَّ قَفِيزٌ مِنْ حِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ فَعَلَيْهِ لَهُمَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ قَفِيزٍ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْإِقْرَارِ وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْجِنْسَيْنِ فِي التَّفْسِيرِ. وَإِنْ قَالَ: اسْتَوْدَعَنِي ثَلَاثَةَ أَثْوَابِ زُطِّيٍّ وَيَهُودِيٍّ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ، فَإِنْ شَاءَ قَالَ: يَهُودِيٌّ وَزُطِّيَّانِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ الْوَاحِدَ لَا يَتَبَعَّضُ فَتَعَيَّنَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ يَهُودِيًّا وَالْآخَرُ زُطِّيًّا بَقِيَ الثَّالِثُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ وَصْفَيْنِ، فَإِنْ بَيَّنَهُ بِالْيَهُودِيِّ فَقَدْ الْتَزَمَ الزِّيَادَةَ، وَإِنْ بَيَّنَهُ بِالزُّطِّيِّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ ثَوْبٌ زُطِّيٌّ أَوْ يَهُودِيٌّ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي لَهُ عَلَى فُلَانٍ لِفُلَانٍ، وَكَانَ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ فِي صَكٍّ وَعَشَرَةَ دَنَانِيرَ فِي صَكٍّ، فَقَالَ الْمُقِرُّ عَنَيْتُ أَحَدَهُمَا وَادَّعَاهُمَا الْمُقَرُّ لَهُ فَهُمَا جَمِيعًا لِلْمُقَرِّ لَهُ وَأَمَّا صِحَّةُ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ فَلِأَنَّهُ إخْبَارٌ مِنْ الْغَائِبِ عَنْ وَاجِبٍ سَابِقٍ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي الدُّيُونِ كَمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْأَعْيَانِ بِخِلَافِ التَّمْلِيكِ ابْتِدَاءً، وَتَصْحِيحُ الْإِقْرَارِ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ تَصْحِيحِ التَّمْلِيكِ فَإِنَّ الْإِقْرَارَ بِالْخَمْرِ صَحِيحٌ وَتَمْلِيكُهَا ابْتِدَاءً لَا يَصِحُّ مِنْ الْمُسْلِمِ، ثُمَّ أَدْخَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي قَوْلِهِ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ، وَذَلِكَ لِلْجِنْسِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَعْهُودِ فَيَتَنَاوَلُ جِنْسَ مَالِهِ عَلَى فُلَانٍ نَصًّا فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ " عَنَيْتُ أَحَدَهُمَا " يَكُون رُجُوعًا وَلَوْ غَابَ الْمُقِرُّ لَمْ يَكُنْ لِلْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يَتَقَاضَى الْمَالَ مِنْ الْغَرِيمِ، وَإِنْ صَدَّقَهُ الْغَرِيمُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الدَّفْعِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِالْمِلْكِ لَا بِحَقِّ الْقَبْضِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِ الدَّيْنِ مِلْكًا لِلْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يَكُونَ حَقُّ الْقَبْضِ إلَيْهِ فَإِنَّ لِلْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ حَقَّ قَبْضِ الثَّمَنِ، وَهُوَ مِلْكٌ لِلْمُوَكِّلِ وَلِهَذَا قَالَ: لَوْ دَفَعَهُ الْغَرِيمُ إلَيْهِ بَرِئَ كَمَا لَوْ دَفَعَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ إلَى الْمُوَكِّلِ وَفِي الْأَصْلِ عَلَّلَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ، وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ بِالْإِقْرَارِ جَائِزٌ، وَلَكِنَّ مُرَادَهُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ فِي هَذَا إبْطَالَ حَقِّ الْغَائِبِ فِي الْقَبْضِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِنِصْفِ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى فُلَانٍ لِغَيْرِهِ جَازَ وَالْمُقِرُّ هُوَ الَّذِي يُتَقَاضَى فَيُعْطِي الْمُقَرَّ لَهُ نِصْفَ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى فُلَانٍ لِغَيْرِهِ جَازَ وَالْمُقِرُّ هُوَ الَّذِي يُتَقَاضَى فَيُعْطِي الْمُقَرَّ لَهُ نِصْفَ مَا يَسْتَوْفِي لِمَا بَيَّنَّا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. فَإِنْ ادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُقِرِّ، وَقَالَ: أَدَّيْتُهُ بِغَيْرِ أَمْرِي، فَإِنْ قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ لِلْمُقِرِّ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ لِلْمُقِرِّ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ صَيْرُورَةِ الْمَالِ دَيْنًا عَلَيْهِ مُبَاشَرَةٌ لِأَدَائِهِ فَلَعَلَّهُ صَارَ دَيْنًا عَلَيْهِ بِاسْتِهْلَاكٍ مِنْهُ أَوْ بِأَدَائِهِمَا جَمِيعًا فَالْمُقَرُّ لَهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ بِسَبَبِ الضَّمَانِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ، فَإِنْ قَالَ: أَدَّيْتُهُ بِأَمْرِكَ كَانَ ضَامِنًا لِنَصِيبِهِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ الْمُقَرُّ لَهُ مَا أَذِنَ لَهُ فِي

стр. 3759

ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ وَادَّعَى الْمُسْقِطَ، وَهُوَ الْإِذْنُ. وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ كُرُّ شَعِيرٍ وَكُرُّ تَمْرٍ وَكُرُّ حِنْطَةٍ فَأَقَرَّ أَنَّ نِصْفَ طَعَامِهِ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ لِفُلَانٍ فَلَهُ نِصْفُ الْحِنْطَةِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الطَّعَامِ مُطْلَقًا يَتَنَاوَلُ الْحِنْطَةَ وَدَقِيقَهَا، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي طَعَامًا أَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ الطَّعَامِ يَنْصَرِفُ إلَى شِرَاءِ الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا خَاصَّةً لِأَنَّ ذِكْرَ الطَّعَامِ مُطْلَقًا يَتَنَاوَلُ الْحِنْطَةَ وَدَقِيقَهَا فَإِنَّ بَائِعَهَا يُسَمَّى بَائِعَ الطَّعَامِ وَسُوقُ الطَّعَامِ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْحِنْطَةُ وَدَقِيقُهَا وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي طَعَامًا أَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ الطَّعَامِ يَنْصَرِفُ إلَى شِرَاءِ الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا خَاصَّةً وَالْإِقْرَارُ مِنْ جِنْسِ التِّجَارَةِ فَمُطْلَقُ لَفْظِ الطَّعَامِ فِيهِ يَتَنَاوَلُ الْحِنْطَةَ دُونَ الشَّعِيرِ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ قَرْضٌ وَوَدِيعَةٌ فَهُوَ ضَامِنٌ لِنِصْفِهَا قَرْضًا وَالنِّصْفِ الْآخَرِ وَدِيعَةً؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ قَرْضٌ وَوَدِيعَةٌ تَفْسِيرٌ لِلْأَلْفِ فَيَتَنَصَّفُ بَيْنَهُمَا إذْ هُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مُضَارَبَةٌ وَقَرْضٌ، فَإِنْ وَصَلَ الْكَلَامَ، فَقَالَ: مِائَةٌ مِنْهَا قَرْضٌ وَتِسْعُمِائَةٍ مُضَارَبَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَنْزِلُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ احْتِمَالِ التَّفَاوُتِ، وَكَانَ هَذَا بَيَانًا مُعْتَبَرًا لِظَاهِرِ لَفْظِهِ بِمَا هُوَ مُحْتَمَلٌ وَمِثْلُ هَذَا الْبَيَانِ يَصِحُّ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَهُ قِبَلِي كُرٌّ مِنْ حِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ الْحِنْطَةُ مَحْتُومٌ وَالشَّعِيرُ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مَحْتُومًا قُبِلَ بَيَانُهُ مَوْصُولًا لِمَا قُلْنَا. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ هِبَةٌ أَوْ وَدِيعَةٌ فَإِنَّهَا وَدِيعَةٌ وَلَا يَكُونُ هِبَةً؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَهُوَ لَمْ يَقْبِضْهَا، وَكَانَتْ وَدِيعَةً. وَلَوْ قَالَ: غَصَبْتُكَ شِيَاهًا كَثِيرَةً فَهُوَ عَلَى أَرْبَعِينَ شَاةً لِمَا قُلْنَا أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى مَا يُسْتَفَادُ بِهِ الْغِنَى مِنْ هَذَا الْجِنْسِ وَأَدْنَاهُ أَرْبَعُونَ شَاةً. وَلَوْ قَالَ: غَصَبْتُكَ إبِلًا كَثِيرَةً فَهُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ مَا يَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ مِنْ جِنْسِهِ، فَأَمَّا الْخَمْسَةُ، وَإِنْ كَانَتْ نِصَابَ الزَّكَاةِ، وَلَكِنَّهَا قَلِيلَةٌ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ وَلِقِلَّتِهَا لَا تَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ مِنْ جِنْسِهَا وَالْكَثِيرُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مَا يَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ مِنْ جِنْسِهِ وَأَدْنَى ذَلِكَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ. وَإِذَا قَالَ: حِنْطَةٌ كَثِيرَةٌ فَهِيَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمَا أَنَّ النِّصَابَ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا، وَلَمْ يُبَيِّنْ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِيهِ وَقِيلَ: الْبَيَانُ فِيهِ إلَى الْمُقِرِّ عَلَى قَوْلِهِ بَعْدَ أَنْ يُبَيِّنَ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْحِنْطَةِ أَنْ لَوْ أَقَرَّ بِهَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالْحِنْطَةِ مُطْلَقًا وَبَيَّنَهُ بِالرُّبُعِ كَانَ مَقْبُولًا مِنْهُ، فَإِذَا نَصَّ مِنْهُ عَلَى صِفَةِ الْكَثْرَةِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُبَيِّنَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ يَحْتَمِلُهُ هَذَا اللَّفْظُ. لَوْ أَقَرَّ أَنَّ الْوَدِيعَةَ الَّتِي عِنْدَ فُلَانٍ لِفُلَانٍ فَهُوَ جَائِزٌ، وَلَيْسَ لَلْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ الْمُسْتَوْدِعِ، وَلَكِنَّ

стр. 3760

الْمُقِرَّ يَأْخُذُهَا فَيَدْفَعُهَا إلَيْهِ عَلَى قِيَاسِ مَا بَيَّنَّاهُ فِي الدَّيْنِ، وَفِي هَذَا بَعْضُ إشْكَالٍ فَإِنَّ قَبْضَ الْوَدِيعَةِ إلَى صَاحِبِهَا، وَلَكِنَّهُ اُعْتُبِرَ إقْرَارُهُ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ مِلْكِ الْعَيْنِ لَهُ ثُبُوتُ حَقِّ الْقَبْضِ لَهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ مُرْتَهِنًا فِيهِ أَوْ بَائِعًا مِنْ الْمُقَرِّ لَهُ، وَكَانَ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ بِالْيَمِينِ فِي يَدِ الْمُودَعِ فَلِهَذَا كَانَ حَقُّ الْقَبْضِ إلَى الْمُقِرِّ، وَإِنْ دَفَعَهَا الْمُسْتَوْدِعُ إلَى الْمُقِرِّ لَهُ بَرِئَ عَلَى قِيَاسِ مَا بَيَّنَّا فِي الدَّيْنِ، وَهَذَا لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بِالْمُحْتَمَلِ لَا يَكُونُ بَلْ بِحَقٍّ ثَابِتٍ لِلْمُقِرِّ فِي الْعَيْنِ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ وَدَائِعُ، فَقَالَ: عَنَيْتُ بَعْضَهَا لَمْ يُصَدَّقْ لِإِدْخَالِهِ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي قَوْلِهِ الْوَدِيعَةُ كَمَا بَيَّنَّا فِي الدَّيْنِ. فَإِنْ قَالَ فُلَانٌ مَا اسْتَوْدَعَنِي الْمُقِرُّ شَيْئًا، وَقَالَ الْمُقِرُّ لَهُ اسْتَوْدَعْتهَا إيَّاهُ بِغَيْرِ أَمْرِي فَالْمُقِرُّ ضَامِنٌ لَهَا بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ الْمُقَرُّ لَهُ مَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالْإِيدَاعِ هُنَا، وَهُوَ فِعْلٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ الْإِذْنُ، وَلَمْ يَثْبُتْ الْإِذْنُ إذَا حَلَفَ الْمُقَرُّ لَهُ. وَإِنْ أَقَرَّ بِالْأَمْرِ، وَقَالَ الْمُسْتَوْدِعُ قَدْ رَدَدْتهَا إلَى الْمُقِرِّ أَوْ قَالَ: دَفَعْتهَا إلَى الْمُقَرِّ لَهُ أَوْ قَالَ: قَدْ ضَاعَتْ فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ أَخْبَرَ بِمَا هُوَ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ الَّذِي يَلِي خُصُومَتَهُ فِي ذَلِكَ وَاسْتِحْلَافَهُ الْمُقِرُّ إذَا كَانَ أَوْدَعَهُ بِإِذْنِ الْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الِاسْتِرْدَادِ إلَيْهِ فَتَكُونُ الْخُصُومَةُ لَهُ مَعَ الْمُودِعِ فِي الِاسْتِحْلَافِ، وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مَسْأَلَةً أُخْرَى إذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ فَالْقَوْلُ فِي بَيَانِهِ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَسِّرْهُ بِشَيْءٍ فَالْقَوْلُ فِي تَفْسِيرِهِ إلَيْهِ سَوَاءٌ فَسَّرَهُ بِمَا يَتَفَاوَتُ مِنْ الْعَدَدِيَّاتِ أَوْ لَا يَتَفَاوَت. وَذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ غَيْرُ الْأَلْفِ فَعَلَيْهِ أَلْفَانِ وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ غَيْرُ دِرْهَمٍ فَعَلَيْهِ دِرْهَمَانِ؛ لِأَنَّ الْغَيْرَ اسْمٌ لِمَا يُقَابِلُ الشَّيْءَ فَيُوجِبُ الْمُغَايَرَةَ فِيهِ، وَفِي الدَّرَاهِمِ إنَّمَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِدِرْهَمٍ آخَرَ، وَفِي الْأَلْفِ بِأَلْفٍ آخَرَ، وَفِيمَا دُونَهُ لَا يَتَغَيَّرُ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ أَلْفٌ وَمِائَةٌ وَتِسْعُمِائَةٍ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْمُغَايَرَةُ بِأَلْفٍ آخَرَ فَيَلْزَمُهُ أَلْفَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْإِقْرَارِ بِكَذَا لَا بَلْ كَذَا] (قَالَ ﵀): وَإِذَا أَقَرَّ، فَقَالَ: عَلَيَّ لِفُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ لَا بَلْ خَمْسُمِائَةٍ فَعَلَيْهِ الْأَلْفُ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: خَمْسُمِائَةٍ لَا بَلْ أَلْفٌ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ لَا بَلْ لِاسْتِدْرَاكِ الْغَلَطِ، وَرُجُوعُهُ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ لَا يَصِحُّ وَاخْتِيَارُهُ بِوُجُوبِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ صَحِيحٌ، فَإِذَا قَالَ: خَمْسُمِائَةٍ لَا بَلْ أَلْفٌ فَقَدْ اسْتَدْرَكَ الْغَلَطَ بِالْتِزَامِ خَمْسِمِائَةٍ أُخْرَى زِيَادَةً عَلَى الْخَمْسِمِائَةِ الْأُولَى فَعَلَيْهِ أَلْفٌ، وَإِذَا قَالَ: أَلْفٌ لَا بَلْ خَمْسُمِائَةٍ فَقَدْ

стр. 3761

قَصَدَ الِاسْتِدْرَاكَ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْأَلْفِ إلَى الْخَمْسِمِائَةِ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ بِيضٍ لَا بَلْ سُودٍ أَوْ قَالَ: سُودٌ لَا بَلْ بِيضٌ أَوْ قَالَ: جَيِّدٌ لَا بَلْ رَدِيءٌ أَوْ رَدِيءٌ لَا بَلْ جَيِّدٌ فَعَلَيْهِ أَفْضَلُهُمَا؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ وَاحِدٌ وَمِثْلُ هَذَا الْغَلَطِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ يَقَعُ فَاسْتِدْرَاكُهُ بِالْتِزَامِ زِيَادَةِ الْوَصْفِ صَحِيحٌ وَرُجُوعُهُ عَنْ وَصْفِ الْتِزَامِهِ بَاطِلٌ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ لَا بَلْ دِينَارٌ فَعَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَدِينَارٌ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ مُخْتَلِفٌ وَالْغَلَطُ لَا يَقَعُ فِي الْجِنْسِ الْمُخْتَلِفِ عَادَةً فَرُجُوعُهُ عَنْ الْأَوَّلِ بَاطِلٌ وَالْتِزَامُهُ الثَّانِيَ صَحِيحٌ وَمَا ذَكَرَهُ ثَانِيًا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْكَلَامُ الْأَوَّلُ أَصْلًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ ثَانِيًا قَدْ تَنَاوَلَهُ الْكَلَامُ الْأَوَّلُ بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ إنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ بِصِفَتِهِ عَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ هُنَاكَ إلْحَاقُ الْوَصْفِ بِالْأَصْلِ وَهُنَا الْمُرَادُ الْتِزَامُ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ كُرُّ حِنْطَةٍ لَا بَلْ شَعِيرٍ فَعَلَيْهِ الْكُرَّانِ جَمِيعًا، وَإِنْ قَالَ: قَفِيزُ حِنْطَةٍ جَيِّدَةٍ لَا بَلْ رَدِيءٌ أَوْ رَدِيءٌ لَا بَلْ جَيِّدٌ فَهُوَ قَفِيزٌ جَيِّدٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَحْتُومٌ مِنْ دَقَلٍ لَا بَلْ فَارِسِيٍّ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَحْتُومُ دَقِيقٍ رَدِيءٍ لَا بَلْ حَوَارِيٍّ فَهُوَ حَوَارِيٌّ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ وَاحِدٌ، وَذَكَرَ الْكَلَامَ الثَّانِيَ لِاسْتِدْرَاكِ الْغَلَطِ بِالْتِزَامِ زِيَادَةِ وَصْفٍ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ رَطْلٌ مِنْ بَنَفْسَجٍ لَا بَلْ حَبْرِيٍّ لَزِمَاهُ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ مُخْتَلِفٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ رَطْلٌ مِنْ سَمْنِ الْغَنَمِ لَا بَلْ مِنْ سَمْنِ الْبَقَرِ فَعَلَيْهِ الرَّطْلَانِ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ مُخْتَلِفٌ. وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ لَا بَلْ لِفُلَانٍ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ مُخْتَلِفٌ، وَهُوَ نَظِيرُ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ فِي الْمُقَرِّ بِهِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ الْإِقْرَارِ لِلْأَوَّلِ وَإِقَامَةُ الثَّانِي مَقَامَهُ فِي الْإِقْرَارِ لَهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الثَّانِي مُكَاتَبًا لِلْمُقَرِّ لَهُ الْأَوَّلِ أَوْ عَبْدًا تَاجِرًا لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى مِنْ كَسْبِ مُكَاتَبِهِ وَعَبْدِهِ الْمَدْيُونِ بِمَنْزِلَةِ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ فَتَحَقَّقَ إقْرَارُهُ بِشَخْصَيْنِ صُورَةً وَمَعْنًى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَفِي الْقِيَاسِ كَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ مُجَرَّدُ مُطَالَبَةٍ فِي الْحَالِ، وَفِيمَا لِلْعَبْدِ هُوَ الْمُطَالَبُ دُونَ الْمَوْلَى فَكَانَ إقْرَارُهُ بِشَخْصَيْنِ فَيَكُونُ رُجُوعًا فِي حَقِّ الْأَوَّلِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا أَلْفٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مَمْلُوكٌ لِمَوْلَاهُ فَفِي قَوْلِهِ لَا بَلْ لِعَبْدِهِ لَا يَكُونُ رُجُوعًا عَمَّا أَقَرَّ بِهِ لِلْمَوْلَى، وَلَكِنَّهُ يَلْحَقُهُ زِيَادَةُ كَلَامِهِ فِي أَنَّ لِعَبْدِهِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِذَلِكَ الْمَالِ فَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَالٌ وَاحِدٌ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ ثَمَنِ جَارِيَةٍ بَاعَنِيهَا لَا بَلْ فُلَانٌ بَاعَنِيهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُصَدَّقٍ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ أَنَّ مُبَايَعَةَ الثَّانِي مَعَهُ كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْمُكَاتَبَةِ لِلنِّيَابَةِ عَنْ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ هُوَ رَاجِعًا عَنْ الْإِقْرَارِ لِلْأَوَّلِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ

стр. 3762

مِنْهُمَا أَلْفٌ لِإِقْرَارِهِ بِتَقَرُّرِ بَيِّنَتِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يُقِرَّ الثَّانِي أَنَّهَا لِلْأَوَّلِ فَحِينَئِذٍ عَلَيْهِ فِي الْقِيَاسِ أَلْفَانِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ عَلَيْهِ أَلْفٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ رَاجِعٍ عَنْ الْإِقْرَارِ لِلْأَوَّلِ بَلْ هُوَ مُلْحَقٌ بِهِ وَثُبُوتُ حَقِّ الْمُطَالَبَةِ لِلثَّانِي، وَهَذَا وَفَصْلُ الْمَأْذُونِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ. وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ بِيضٍ وَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ سُودٍ فَأَقَرَّ الطَّالِبُ أَنَّهُ اقْتَضَى مِنْهُ دِرْهَمًا أَبْيَضَ لَا بَلْ أَسْوَدَ وَادَّعَى الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ دِرْهَمَيْنِ وَأَبَى أَلْزَمَ الطَّالِبَ الدِّرْهَمَ الْأَبْيَضَ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالِاسْتِيفَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ فَإِنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا مِثْلَهُ فِي الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَفْضَلُهُمَا فَهَذَا مِثْلُهُ. وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ فِي صَكٍّ وَمِائَةٌ فِي صَكٍّ آخَرَ، فَقَالَ: قَبَضْتُ مِنْكَ عَشَرَةً مِنْ هَذَا الصَّكِّ لَا بَلْ مِنْ هَذَا وَهِيَ عَشَرَةٌ وَاحِدَةٌ فَعَلَى قِيَاسِ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ يَجْعَلُهَا مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ الَّذِي قَضَاهُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي مَلَّكَهُ فَالِاخْتِيَارُ فِي بَيَانِ جِهَتِهِ إلَيْهِ وَتَتَبَيَّنُ فَائِدَتُهُ فِيمَا إذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا كَفِيلٌ. وَلَوْ كَانَ لَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةُ دَنَانِيرَ، فَقَالَ: قَبَضْتُ مِنْكَ دِينَارًا لَا بَلْ دِرْهَمًا لَزِمَاهُ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ كَمَا فِي الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ. وَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلَيْنِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: قَبَضْتُ مِنْ هَذَا عَشَرَةً لَا بَلْ مِنْ هَذَا لَزِمَهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَشَرَةٌ لِاخْتِلَافِ الْمُقَرِّ لَهُ وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلًا عَنْ صَاحِبِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ كَفِيلًا بِذَلِكَ عَنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ مِنْ كُلِّ كَفِيلٍ يُثْبِتُ حَقَّ الرُّجُوعِ لِذَلِكَ الْكَفِيلِ عَلَى الْأَصِيلِ؛ لِأَنَّ الْمُقَرُّ لَهُ مُخْتَلِفٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ وَاحِدًا. وَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: دَفَعْتَ إلَيَّ مِنْهَا مِائَةً بِيَدِكَ لَا بَلْ أَرْسَلْتَ بِهَا لِي مَعَ غُلَامِكَ فَهِيَ مِائَةٌ وَاحِدَةٌ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَقَالَ الْمَطْلُوبُ وَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَرْسَلْتُ بِهَا إلَيْكَ مَعَ فُلَانٍ وَثَوْبٌ بِعْتُكَهُ بِعَشَرَةٍ، فَقَالَ الطَّالِبُ: قَدْ صَدَقْتُ فَقَدْ دَخَلَ هَذَا فِي هَذِهِ الْمِائَةِ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ بَيَانَهُ هَذَا تَقْرِيرٌ لِمَا أَقَرَّ بِهِ أَوَّلًا فَإِنَّهُ قَابِضٌ مِنْهُ مَا أَوْصَلَهُ إلَيْهِ رَسُولُهُ وَقَابِضٌ بِشِرَاءِ الثَّوْبِ أَيْضًا حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَقْبِضَ حَقَّهُ فَقَبَضَ بِهَذَا الطَّرِيق بَرَّ فِي يَمِينِهِ وَالْبَيَانُ الْمُقَرَّرُ لِأَوَّلِ الْكَلَامِ مَقْبُولٌ مِنْ الْمُبِينِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، فَقَالَ الْمَطْلُوبُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَرْسَلْت بِهَا إلَيْكَ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَهَذَا أَوْضَحُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّفْسِيرِ لِلْجِهَةِ فِيمَا أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَهُ. وَلَوْ كَانَ بِهِ كَفِيلٌ، فَقَالَ: قَدْ قَبَضْتُ مِنْكَ مِائَةً لَا بَلْ مِنْ كَفِيلِكَ لَزِمَهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةٌ؛ لِأَنَّ مَا يَقْبِضُهُ مِنْ الْكَفِيلِ يَثْبُتُ بِهِ حَقُّ الرُّجُوعِ لِلْكَفِيلِ عَلَى الْأَصِيلِ بِخِلَافِ مَا يَقْبِضُهُ مِنْ الْأَصِيلِ فَكَانَ الْمُقَرُّ لَهُ مُخْتَلِفًا فَلِهَذَا كَانَ مُقِرًّا بِالْمَالَيْنِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَحْلِفَ

стр. 3763

كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ يَمِينٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ بِذَلِكَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا يَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ لِلْمُقِرِّ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْإِقْرَارِ بِمَالٍ دَفَعَهُ إلَيْهِ آخَرُ] (قَالَ ﵀): وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ دَفَعَ إلَيَّ هَذِهِ الْأَلْفَ فُلَانٌ فَهِيَ لِفُلَانٍ فَلَوْ ادَّعَى الْأَلْفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَهِيَ لِلدَّافِعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ لَهُ بِالْمَالِ أَوَّلًا حِينَ الْإِقْرَارِ بِوُصُولِهِ إلَى يَدِهِ مِنْ جِهَتِهِ ثُمَّ إقْرَارُهُ لِلثَّانِي حَصَلَ بِمَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ لِغَيْرِهِ بِيَدِهِ فَلَا يَكُونُ مُلْزِمًا إيَّاهُ شَيْئًا وَالْمَالُ لِلدَّافِعِ، فَإِذَا رَدَّهُ الْمُقَرُّ عَلَيْهِ بَرِئَ مَالِكًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَالِكٍ فَإِنَّ الْمُودَعَ مِنْ الْغَاصِبِ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ يَبْرَأُ كَالْمُودَعِ مِنْ الْمَالِكِ. وَإِذَا قَالَ: هَذِهِ الْأَلْفُ لِفُلَانٍ دَفَعَهَا إلَيَّ فُلَانٌ فَهِيَ لِلْمُقَرِّ لَهُ الْأَوَّلِ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالْمِلْكِ لِلْأَوَّلِ فَإِقْرَارُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْيَدِ لِلثَّانِي لَا يَكُونُ صَحِيحًا فِي حَقِّ الْأَوَّلِ، فَإِنْ ادَّعَاهَا الدَّافِعُ فَعَلَيْهِ أَوَّلًا أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهَا مَا هِيَ لِفُلَانٍ، لِأَنَّ الْمُقِرَّ يَقُولُ أَنَا. وَإِنْ أَقْرَرْتَ بِأَنَّكَ دَفَعْتَهَا إلَيَّ، وَلَكِنَّ الْمِلْكَ كَانَ لِفُلَانٍ، وَقَدْ رَدَدْتَهَا عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ فَلِهَذَا يَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَى الثَّانِي، فَإِنْ حَلَفَ أَنَّهَا مَا هِيَ لِفُلَانٍ ضَمِنَ الْمُقَرُّ لَهُ أَلْفًا أُخْرَى الْوَدِيعَةُ وَالْعَارِيَّةُ فِيهِ سَوَاءٌ أَمَّا إذَا كَانَ دَفَعَهَا إلَى الْأَوَّلِ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي فَهُوَ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا إقْرَارُ الْمُقِرِّ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ الْمَالَ وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الثَّانِي، فَإِذَا دَفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ بِاخْتِيَارِهِ كَانَ ضَامِنًا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ كَانَ دَفَعَهَا بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّهُ بِتَبَيُّنِ الْإِقْرَارِ لِلْأَوَّلِ مَا أَتْلَفَ عَلَى الثَّانِي شَيْئًا وَلَا اخْتِيَارَ لَهُ فِي الدَّفْعِ بَلْ الْقَاضِي أَلْزَمَهُ ذَلِكَ فَلَا يَضْمَنُ لِلثَّانِي شَيْئًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ هُوَ ضَامِنٌ لِلثَّانِي أَلْفًا؛ لِأَنَّهُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ لِلْأَوَّلِ سَلَّطَ الْقَاضِيَ عَلَى هَذَا الْقَضَاءِ، وَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا مِنْ الثَّانِي وَالْمُودَعُ بِهَذَا التَّسْلِيطِ يَصِيرُ ضَامِنًا كَمَا لَوْ دَلَّ سَارِقًا عَلَى سَرِقَةِ الْوَدِيعَةِ. وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ الْأَلْفُ لِفُلَانٍ أَقْرَضَنِيهَا فُلَانٌ آخَرُ فَادَّعَيَاهَا فَهِيَ لِلَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهَا أَوَّلًا لِتَقَدُّمِ الْإِقْرَارِ لَهُ بِهَا وَلِلْمُقْرِضِ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ أَلْفًا مِنْ الثَّانِي بِحُجَّةِ الْقَرْضِ وَالْقَبْضُ بِحُجَّةِ الْقَرْضِ يُوجِبُ ضَمَانَ الْمَقْبُوضِ عَلَى الْقَابِضِ. وَإِذَا كَانَ فِي يَدِهِ عَبْدٌ، فَقَالَ: هُوَ لِفُلَانٍ بَاعَنِيهِ فُلَانٌ آخَرُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ فَالْعَبْدُ لِلْمُقَرِّ لَهُ أَوَّلًا يَدْفَعُهُ إلَيْهِ إذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لِلْآخَرِ فِي بَيْعِهِ لِتَقَدُّمِ الْإِقْرَارِ بِالْعَيْنِ لَهُ وَيَقْضِي بِالْيَمِينِ لِلْبَائِعِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِشِرَائِهِ مِنْ الثَّانِي وَيَثْبُتُ هَذَا السَّبَبُ بِإِقْرَارِهِ فِي حَقِّهِ، وَهُوَ تَامٌّ يَقْبِضُهُ فَيَقْضِي لَهُ عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ قَالَ:

стр. 3764

وَلَا يُشْبِهُ الْبَيْعُ وَالْقَرْضُ الْوَدِيعَةَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قَالَ: وَلَا يُشْبِهُ الْقَرْضُ وَالْبَيْعُ الْوَدِيعَةُ مَا سِوَاهَا، وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ عَلَى ظَاهِرِ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ أَجَابَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِجَوَابٍ وَاحِدٍ وَأَشَارَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ الْبَابِ حَيْثُ قَالَ: يَدْفَعُ الْمَالَ إلَى الدَّافِعِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلثَّانِي، فَأَمَّا اللَّفْظُ الْأَوَّلُ فَهُوَ مُسْتَقِيمٌ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀؛ لِأَنَّهُ فِي الْوَدِيعَةِ قَالَ: إذَا دَفَعَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي لَمْ يَغْرَمْ لِلثَّانِي، وَفِي الْقَرْضِ وَالْبَيْعِ إنْ دَفَعَهُ إلَى الْأَوَّلِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَهُوَ ضَامِنٌ لِلثَّانِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَيَانَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَرْضِ الْوَدِيعَةِ فِي أَنَّ الْوَدِيعَةَ لَا تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ لِلثَّانِي مَا لَمْ يَدْفَعْ إلَى الْأَوَّلِ، وَفِي الْقَرْضِ وَالْبَيْعِ الْمَالُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِلثَّانِي، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ إلَى الْأَوَّلِ شَيْئًا، وَهَذَا فَرْقٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْإِقْرَاضَ وَالْمُبَايَعَةَ سَبَبَا ضَمَانٍ بِخِلَافِ الْإِيدَاعِ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ لِفُلَانٍ غَصَبَهُ فُلَانٌ الْمُقَرُّ لَهُ مِنْ فُلَانٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهِ لِلْمُقَرِّ لَهُ وَلَا يَقْضِي لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِالْمِلْكِ لِلْأَوَّلِ شَاهِدٌ عَلَيْهِ بِالْغَصْبِ لِلثَّانِي وَشَهَادَتُهُ عَلَيْهِ بِالْغَصْبِ لَا تَكُونُ مَقْبُولَةً، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي لَفْظِ السُّؤَالِ لِفُلَانٍ غَصْبُهُ مِنْ فُلَانٍ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْمُقَرِّ لَهُ فَيَكُونُ الْمَفْهُومُ مِنْهُ إقْرَارَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْغَصْبِ لِلثَّانِي وَجَوَابُهُ أَنَّ الْعَبْدَ لِلْأَوَّلِ وَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ قَالَ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ قَالَ: هَذَا الصَّبِيُّ ابْنُ فُلَانٍ غَصَبْتُهُ مِنْ فُلَانٍ آخَرَ وَادَّعَى الصَّبِيُّ أَنَّهُ ابْنُهُ وَادَّعَى الْمَغْصُوبُ مِنْهُ أَنَّهُ عَبْدُهُ قَضَى بِهِ لِلْأَبِ، وَهُوَ ثَابِتُ النَّسَبِ مِنْهُ لِتَقَدُّمِ الْإِقْرَارِ لَهُ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ قَالَ: هَذَا الصَّبِيُّ ابْنُ فُلَانٍ أَرْسَلَ بِهِ إلَيَّ مَعَ فُلَانٍ كَانَ الِابْنُ لِلْأَوَّلِ إذَا ادَّعَاهُ دُونَ الرَّسُولِ لِتَقَدُّمِ الْإِقْرَارِ لَهُ، وَفِي جَمِيعِ هَذَا إنْ ادَّعَى الرَّسُولُ ذَلِكَ كَانَ لَهُ عَلَى الْمُقِرِّ مِثْلُهُ لِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ وَصَلَ إلَى يَدِهِ مِنْ جِهَتِهِ وَتَعَذُّرِ الرَّدِّ عَلَيْهِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ لِلْأَوَّلِ وَدَفَعَ إلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ مَا خَلَا الِابْنَ، فَإِنْ كَانَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَأَقَرَّ أَنَّهُ ابْنُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْمُقِرُّ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُقِرِّ لِلدَّافِعِ؛ لِأَنَّ مَنْ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا هُوَ فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ لِلْغَيْرِ يَدٌ مُوجِبَةٌ لِلِاسْتِحْقَاقِ إذَا لَمْ يُقِرَّ بِالرِّقِّ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَتَكَلَّمُ فَعَلَى الْمُقِرِّ قِيمَتُهُ لِلرَّسُولِ إذَا ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ وَأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ لِصِغَرِهِ يَثْبُتُ عَلَيْهِ يَدٌ مُوجِبَةٌ لِلِاسْتِحْقَاقِ بِمَنْزِلَةِ الْبَنَاتِ وَغَيْرِهَا. وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ الْأَلْفُ لِفُلَانٍ أَرْسَلَ بِهَا إلَيَّ مَعَ فُلَانٍ وَدِيعَةً وَادَّعَاهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَهِيَ لِلْأَوَّلِ لِتَقَدُّمِ الْإِقْرَارِ لَهُ بِهَا، فَإِنْ قَالَ: الْأَوَّلُ لَيْسَتْ لِي، وَلَمْ أُرْسِلْ بِهَا فَهِيَ لِلرَّسُولِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ بِالْكَلَامِ الثَّانِي أَنَّ وُصُولَهَا إلَى يَدِهِ كَانَ مِنْ يَدِ الرَّسُولِ وَإِنَّمَا أُمِرَ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ لِثُبُوتِ الِاسْتِحْقَاقِ فِيهَا

стр. 3765

لِلْأَوَّلِ، وَقَدْ بَطَلَ ذَلِكَ بِتَكْذِيبِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ غَائِبًا لَمْ يَكُنْ لِلرَّسُولِ أَنْ يَأْخُذَهَا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ يَدَّعِيهَا لِنَفْسِهِ فَقَدْ صَارَ مُكَذَّبًا فِيمَا إذَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ رَسُولًا بِالدَّفْعِ إلَيْهِ وَحَقُّ الْغَائِبِ فِيهَا ثَابِتٌ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مُلْزِمٌ بِنَفْسِهِ مَا لَمْ يُكَذِّبْ الْمُقَرُّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الرَّسُولُ مُصَدِّقًا لَهُ فِيمَا أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ رَسُولًا فِيهِ مِنْ جِهَةِ فُلَانٍ فَقَدْ انْتَهَتْ الرِّسَالَةُ بِإِيصَالِ الْمَالِ إلَيْهِ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الِاسْتِرْدَادِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَإِذَا أَقَرَّ الْخَيَّاطُ أَنَّ الثَّوْبَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ لِفُلَانٍ أَسْلَمَهُ إلَيْهِ فُلَانٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِيهِ فَهُوَ لِلَّذِي أَقَرَّ لَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ لِتَقَدُّمِ الْإِقْرَارِ لَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ سَبَبُ الضَّمَانِ فِي حَقِّ الثَّانِي فَإِنَّ إسْلَامَهُ إلَيْهِ لَا يَكُونُ سَبَبًا فِي اسْتِحْقَاقِهِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الرِّسَالَةِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الصُّنَّاعِ. وَلَوْ كَانَ إقْرَارُهُ بِهَذَا الثَّوْبِ أَسْلَمَهُ إلَيْهِ فُلَانٌ لِيَقْطَعَهُ قَمِيصًا، وَهُوَ لِفُلَانٍ وَادَّعَيَاهُ فَهُوَ لِلَّذِي أَسْلَمَهُ إلَيْهِ لِتَقَدُّمِ الْإِقْرَارِ لَهُ بِهِ، وَلَيْسَ لِلثَّانِي شَيْءٌ، وَهَذَا نَظِيرُ مَسْأَلَةٍ أَوَّلَ الْبَابِ، وَهُوَ مَا إذَا قَالَ: دَفَعَهُ إلَيَّ فُلَانٌ، وَهُوَ لِفُلَانٍ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ هَذَا الثَّوْبَ اسْتِعَارَةٌ مِنْ فُلَانٍ فَبَعَثَ بِهِ إلَيْهِ مَعَ فُلَانٍ فَهُوَ لِلَّذِي أَعَارَهُ إيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِرًّا بِالْمِلْكِ وَالْيَدِ لِلْمُعِيرِ الَّذِي اسْتَعَارَهُ مِنْهُ دُونَ الَّذِي أَوْصَلَهُ إلَيْهِ بِطَرِيقِ الرِّسَالَةِ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ فُلَانًا أَتَاهُ بِهَذَا الثَّوْبِ عَارِيَّةً مِنْ قِبَلِ فُلَانٍ فَادَّعَاهُ فَهُوَ لِلرَّسُولِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَوَّلًا بِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى يَدِهِ مِنْ جِهَتِهِ، وَذَلِكَ يُلْزِمُهُ الرَّدَّ عَلَيْهِ فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ عَنْهُ بِإِقْرَارِهِ لِغَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ الْإِقْرَارِ بِالِاقْتِضَاءِ] (قَالَ ﵀): وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ اقْتَضَى مِنْ رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ وَقَبَضَهَا، فَقَالَ فُلَانٌ: أَخَذْتَ مِنِّي هَذَا الْمَالَ، وَلَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ فَرُدَّهُ عَلَيَّ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَرُدَّ الْمَالَ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ ﵀ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ﵀ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْمُقِرِّ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ عَلَى نَفْسِهِ لِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا أَقَرَّ بِوُصُولِ حَقِّهِ إلَيْهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُلْزِمٍ إيَّاهُ شَيْئًا وَكُنَّا نَقُولُ الِاقْتِضَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ قَبْضِ مَالٍ مَضْمُونٍ مِنْ مِلْكِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ يَسْتَوْفِي مِنْ مَالِ الْمَدْيُونِ مِثْلَ مَالِهِ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ قِصَاصًا بِدَيْنِهِ وَالْقَبْضُ الْمَضْمُونُ مِنْ مِلْكِ الْغَيْرِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَقَرَّ بِهِ، ثُمَّ ادَّعَى لِنَفْسِهِ دَيْنًا عَلَى صَاحِبِهِ وَلَا يَثْبُتُ الدَّيْنُ لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ بِدَعْوَاهُ، وَلَكِنْ يَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ، فَإِذَا جَانَبَ لَزِمَهُ رَدُّ الْمَقْبُوضِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْ فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ كَانَتْ وَدِيعَةً لَهُ عِنْدَهُ أَوْ هِبَةً وَهَبَهَا لَهُ، فَقَالَ: بَلْ هِيَ مَالِي

стр. 3766

قَبَضْتَهُ مِنِّي فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ لِإِقْرَارِهِ بِقَبْضِ الْمَالِ مِنْ يَدِ الْغَيْرِ، وَعَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ، وَلَمْ يَثْبُتْ مَا ادَّعَى مِنْ الْحَقِّ فِيهِ لِنَفْسِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ. وَلَوْ قَالَ: أَسْكَنْتُ بَيْتِي فُلَانًا هَذَا، ثُمَّ أَخْرَجْتُهُ مِنْهُ وَدَفَعَهُ إلَيَّ وَادَّعَى السَّاكِنُ أَنَّهُ لَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْبَيْتِ اسْتِحْسَانًا، وَعَلَى السَّاكِنِ الْبَيِّنَةُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْقَوْلُ قَوْلُ السَّاكِنِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ وَوَجْهُهُ هُوَ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِوُصُولِ الْبَيْتِ إلَى يَدِهِ كَانَ مِنْ جِهَةِ السَّاكِنِ وَادَّعَى لِنَفْسِهِ فِيهِ مِلْكًا قَدِيمًا، وَلَمْ يَثْبُتْ مَا ادَّعَاهُ فَعَلَيْهِ رَدُّ مَا أَقَرَّ بِقَبْضِهِ كَمَا فِي الْفَصْلِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَا أَقَرَّ لِلسَّاكِنِ بِيَدٍ أَصْلِيَّةٍ فِي الْبَيْتِ إنَّمَا أَخْبَرَ بِأَنَّ يَدَهُ كَانَتْ بِنَاءً عَنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّ يَدَ السَّاكِنِ تُبْنَى عَلَى الْمَسْكَنِ وَالْحُكْمُ لِلْيَدِ الْأَصْلِيَّةِ لَا لِمَا هُوَ بِنَاءٌ فَلَمْ يَصِرْ مُقِرًّا بِمَا يُوجِبُ الِاسْتِحْقَاقَ لَهُ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الِاقْتِضَاءِ؛ لِأَنَّهُ هُنَا أَقَرَّ بِيَدٍ أَصْلِيَّةٍ كَانَتْ لَهُ فِيمَا اسْتَوْفَاهُ مِنْهُ وَبِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْوَدِيعَةِ لِأَنَّهُ هُنَاكَ أَقَرَّ بِفِعْلِ نَفْسِهِ، وَهُوَ قَبْضُهُ الْمَالَ مِنْ فُلَانٍ، وَذَلِكَ إقْرَارٌ بِيَدٍ أَصْلِيَّةٍ كَانَتْ لِفُلَانٍ فِي هَذَا الْمَالِ فَبَعْدَ ذَلِكَ هُوَ فِي قَوْلِهِ كَانَتْ لِي عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ بِنَاءً بَعْدَ مَا أَقَرَّ أَنَّهَا كَانَتْ أَصْلِيَّةً فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْإِعَارَةَ بَيْنَ النَّاسِ مَعْرُوفَةٌ، وَفِي الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ هُنَا قَطْعُ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ عَنْ النَّاسِ لِأَنَّ الْمُعِيرَ يُتَحَرَّزُ عَنْ الْإِعَارَةِ لِلسُّكْنَى إذَا عَرَفَ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِقَوْلِهِ عِنْدَ الِاسْتِرْدَادِ فَتُرِكَ الْقِيَاسُ فِيهِ لِتَوْفِيرِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ عَلَى النَّاسِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّابَّةُ أَعَرْتهَا فُلَانًا، ثُمَّ قَبَضْتهَا مِنْهُ أَوْ هَذَا الثَّوْبُ لِي أَعَرْتُهُ فُلَانًا، ثُمَّ قَبَضْتُهُ مِنْهُ. وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّ فُلَانًا الْخَيَّاطَ خَاطَ قَمِيصَهُ هَذَا بِنِصْفِ دِرْهَمٍ وَقَبَضَ مِنْهُ الْقَمِيصَ، وَقَالَ الْخَيَّاطُ هُوَ قَمِيصِي أَعَرْتُكَهُ فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْأُولَى. وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ أُسْلِمَ إلَى الصَّبَّاغِ. وَإِنْ قَالَ رَبُّ الثَّوْبِ خَاطَ لِي الْخَيَّاطُ قَمِيصِي هَذَا بِنِصْفِ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَقُلْ قَبَضْتُهُ مِنْهُ فَفِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا لَا يَرْجِعُ عَلَى الْخَيَّاطِ أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِيَدِ الْخَيَّاطِ هُنَا فِي الثَّوْبِ لِأَنَّهُ قَدْ يَخِيطُ الثَّوْبَ، وَهُوَ فِي يَدِ صَاحِبِهِ بِأَنْ كَانَ أَجِيرًا وُجِدَ فِي بَيْتِهِ يَعْمَلُ لَهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ هُنَاكَ قَدْ أَقَرَّ بِالْقَبْضِ مِنْهُ، وَذَلِكَ إقْرَارٌ بِكَوْنِهِ فِي يَدِهِ. وَلَوْ كَانَ الثَّوْبُ مَعْرُوفًا أَنَّهُ لِلْمُقِرِّ أَوْ الدَّابَّةُ أَوْ الدَّارُ، فَقَالَ: أَعَرْتُهُ فُلَانًا وَقَبَضْتُهُ مِنْهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ مَعْرُوفٌ لِلْمُقِرِّ فَلَا يَكُونُ مُجَرَّدَ الْيَدِ فِيهِ لِغَيْرِهِ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ إذَا أَقَرَّ الْخَيَّاطُ أَنَّ الثَّوْبَ الَّذِي فِي يَدِهِ لِفُلَانٍ أَسْلَمَهُ إلَيْهِ فُلَانٌ لِيَخِيطَهُ فَهُوَ لِلَّذِي أَقَرَّ لَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلَا يَضْمَنُ لِلثَّانِي مِثْلَهُ، وَهَذَا دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ

стр. 3767

- ﵀ فِي الْخِلَافِيَّاتِ لِإِقْرَارِهِ أَنَّ يَدَ الَّذِي أَسْلَمَهُ إلَيْهِ بِنَاءً لَا ابْتِدَاءً، وَلَكِنَّ مَشَايِخَنَا ﵏ قَالُوا هُوَ عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ الْإِسْكَانِ أَوْ مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مُؤْتَمَنٌ فَلَا يَصِيرُ ضَامِنًا بِمُجَرَّدِ إقْرَارِهِ لِلْأَوَّلِ وَعِنْدَهُمَا الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ ضَامِنٌ فَيَضْمَنُ الثَّوْبَ الَّذِي أَسْلَمَهُ إلَيْهِ إذَا لَمْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ وَهَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَذَكَرَ أَيْضًا فِيمَا إذَا قَالَ: هَذَا الْمَالُ لِفُلَانٍ أَرْسَلَ بِهِ إلَيَّ مَعَ فُلَانٍ وَدِيعَةً أَنَّ الْمَالَ لِلْأَوَّلِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُقِرِّ لِلرَّسُولِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَقَرَّ لَهُ بِيَدٍ هِيَ بِنَاءٌ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلِاسْتِحْقَاقِ عِنْدَهُ بِخِلَافِ الدَّيْنِ، وَهُوَ مَا إذَا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ أَرْسَلَ بِهَا إلَيَّ مَعَ فُلَانٍ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الدَّيْنِ الذِّمَّةُ وَفِي الذِّمَّةِ سَعَةٌ فَيَكُونُ مُقِرًّا بِوُجُوبِ الْمَالِ عَلَيْهِ لِلثَّانِي لِمَا أَقَرَّ أَنَّ وُصُولَهُ إلَى يَدِهِ مِنْ جِهَتِهِ، وَفِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ أَوْرَدَ الْمَسْأَلَةَ فِي مَوْضِعَيْنِ، قَالَ فِي أَحَدِهِمَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلدَّافِعِ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَفِي الثَّانِي قَالَ: عَلَيْهِ مِثْلُهُ لِلدَّافِعِ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا بَعْضَهُ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ. وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّ فُلَانًا سَكَنَ هَذَا الْبَيْتَ فَادَّعَى فُلَانٌ الْبَيْتَ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهِ لِلسَّاكِنِ عَلَى الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّ السُّكْنَى تُثْبِتُ الْيَدَ لِلسَّاكِنِ عَلَى الْمَسْكَنِ وَإِقْرَارُهُ بِالْيَدِ لِلْغَيْرِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَمَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ كَالْمُعَايَنِ فِي حَقِّهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّ فُلَانًا زَرَعَ هَذِهِ الْأَرْضَ أَوْ بَنَى هَذِهِ الْأَرْضَ أَوْ بَنَى هَذِهِ الدَّارَ أَوْ غَرَسَ هَذَا الْكَرْمَ أَوْ الْبُسْتَانَ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي يَدِ الْمُقِرِّ، فَقَالَ: كُلُّهُ لِي وَاسْتَعَنْتُ بِكَ فَفَعَلْتَ ذَلِكَ أَوْ فَعَلْتَهُ بِأَجْرٍ، وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ هُوَ مِلْكِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّ يَدَهُ لِلْحَالِ ظَاهِرَةٌ، وَلَمْ يُقِرَّ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِ غَيْرِهِ مِنْ قَبْلُ لِأَنَّ فِعْلَ الزِّرَاعَةِ وَالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ لَا يُوجِبُ الْيَدَ لِلْفَاعِلِ فِي الْمَفْعُولِ، وَقَدْ يَفْعَلُهُ الْمُعِينُ وَالْأَجِيرُ وَالْمُعِينُ فِي يَدِ صَاحِبِهِ فَهَذَا وَقَوْلُهُ خَاطَ لِي الْقَمِيصَ سَوَاءٌ، ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ الَّذِي بَيَّنَّا فِيمَا إذَا قَالَ لِمُعْتَقِهِ أَخَذْتُ مِنْكَ مَالًا قَبْلَ الْعِتْقِ أَوْ قَطَعْتُ يَدَكَ قَبْلَ الْعِتْقِ وَإِنَّمَا أَعَادَهَا لِفُرُوعٍ، فَقَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ وَسَلَّمَهُ، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ قَطَعَ يَدَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي وَالْمَوْهُوبُ لَهُ بَلْ فَعَلْتُهُ بَعْدَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ وَالتَّسْلِيمَ يَثْبُتُ الْحَقُّ فِيهِ لِلْمُتَمَلِّكِ كَمَا أَنَّ الْعِتْقَ يُثْبِتُ الْحَقَّ لِلْمُعْتَقِ فِي نَفْسِهِ وَأَطْرَافِهِ فَيَكُونُ الْخِلَافُ فِي الْفَصْلَيْنِ وَاحِدًا. وَلَوْ قَالَ: قَطَعْتُ يَدَهُ، ثُمَّ بِعْتُهُ أَوْ وَهَبْتُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ بِالْفِعْلِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنَّهُ أَقَرَّ بِالْقَطْعِ قَبْلَ ظُهُورِ بَيْعِهِ لِأَنَّ ظُهُورَ الْبَيْعِ بِإِقْرَارِهِ، وَقَدْ أَقَرَّ بِالْقَطْعِ سَابِقًا عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْبَيْعِ فَلِهَذَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ

стр. 3768

إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى هِبَتِهِ أَوْ بَيْعِهِ قَبْلَ إقْرَارِهِ بِهَذَا فَيَكُونُ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ. وَلَوْ أَعْتَقَ أَمَةً، ثُمَّ قَالَ: أَخَذْتُ مِنْكِ هَذَا الْوَلَدَ قَبْلَ الْعِتْقِ، وَقَالَتْ بَلْ أَخَذْتَهُ مِنِّي بَعْدَ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ عَلَيْهَا، وَهُوَ حُرٌّ لِأَنَّ الْوَلَدَ قَائِمٌ بِعَيْنِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْمَالِ الْقَائِمِ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ أَخَذَهُ قَبْلَ الْعِتْقِ يُصَدَّقُ وَعَلَيْهِ رَدُّهُ فِي أَنَّهُ أَخَذَهُ قَبْلَ الْعِتْقِ فَعَلَيْهِ رَدُّهُ عَلَيْهَا وَالْقَوْلُ فِي حُرِّيَّتِهِ قَوْلُهَا وَلَوْ لَمْ يَقُلْ أَخَذْتُهُ مِنْكِ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: أَعْتَقْتُكِ بَعْدَ مَا وَلَدْتِيهِ، وَقَالَتْ بَلْ أَعْتَقْتَنِي قَبْلَ أَنْ أَلِدَهُ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ فِي يَدِ الْمَوْلَى فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِيَدٍ فِيهِ لَهَا مِنْ قَبْلِ وِلَادَتِهَا، وَلِأَنَّهَا تَدَّعِي سَبْقَ تَارِيخٍ فِي الْعِتْقِ حِينَ ادَّعَتْ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْوِلَادَةِ وَالْمَوْلَى يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَالْعِتْقُ فِعْلٌ حَادِثٌ مِنْ الْمَوْلَى فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي إنْكَارِهِ سَبْقَ التَّارِيخِ فِيهِ، وَلِأَنَّ عِتْقَهَا ظَهَرَ فِي الْحَالِ وَالْوَلَدُ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا وَعِتْقُهَا غَيْرُ مُوجِبٍ الْعِتْقَ لِلْوَلَدِ الْمُنْفَصِلِ، وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ فِي يَدِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ يَدَهَا تُوجِبُ الِاسْتِحْقَاقَ لَهَا فِي الْحَالِ، وَقَدْ أَقَرَّتْ بِالْحُرِّيَّةِ لِلْوَلَدِ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِحُرِّيَّتِهِ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدًا فَأَقَرَّ رَجُلٌ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُ أَلْفًا، وَهُوَ عَبْدٌ، وَقَالَ الْعَبْدُ أَخَذْتَهَا مِنِّي بَعْدَ الْعِتْقِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْقَابِضَ يَدَّعِي سَبْقَ تَارِيخٍ فِي قَبْضِهِ وَالتَّارِيخُ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، وَلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ لِلْعَبْدِ، وَهُوَ أَخْذُهُ مِنْهُ وَشَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَالَ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَوْلَى فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَيَبْقَى الْمَالُ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ لِلْعَبْدِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَاتَبَهُ مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْكَسْبِ لِلْمُكَاتَبِ وَاعْتِبَارِ يَدِهِ فِيهِ لِحَقِّهِ كَالْعِتْقِ. وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ، ثُمَّ أَقَرَّ رَجُلٌ أَنَّهُ غَصَبَ مِنْهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ، وَهُوَ عِنْدَ مَوْلَاهُ الْأَوَّلِ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ غَصَبْتَهُ، وَهُوَ عِنْدِي فَالْمَالُ لِلْآخَرِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِكَسْبِهِ بَعْدَ الشِّرَاءِ كَمَا أَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِكَسْبِهِ بَعْدَ الْكِتَابَةِ فَكَمَا لَا يُصَدَّقُ الْمُقِرُّ هُنَاكَ، وَفِيمَا يَدَّعِي مِنْ سَبْقِ التَّارِيخِ فَكَذَلِكَ هُنَا. وَلَوْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ فَقَأَ عَيْنَ فُلَانٍ عَمْدًا، ثُمَّ ذَهَبَتْ عَيْنُ الْفَاقِئِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ الْمَفْقُوءُ عَيْنُهُ بَلْ فَقَأْتَ عَيْنِي وَعَيْنُكَ ذَاهِبَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَفْقُوءِ عَيْنُهُ؛ لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى الْجَانِي، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُهُ قَائِمَةً وَقْتَ الْفَقْءِ فَالْوَاجِبُ قِصَاصٌ، وَهُوَ فِيهَا وَاجِبٌ بِاعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُهُ ذَاهِبَةً فَالْوَاجِبُ الْأَرْشُ فَعَرَفْنَا أَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى وُجُوبِ الضَّمَانِ وَادَّعَى الْفَاقِئُ مَا يُسْقِطُهُ بِفَوَاتِ الْمَحَلِّ بَعْدَ الْوُجُوبِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ يَدَّعِي تَارِيخًا سَابِقًا فِي الْفَقْءِ وَالتَّارِيخُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِحُجَّةٍ. وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا أُعْتِقَ، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّ هَذَا الرَّجُلِ خَطَأً، وَهُوَ عَبْدٌ، وَقَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ قَتَلْتُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ فَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ فِي هَذَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِوُجُوبِ الضَّمَانِ فَإِنَّ جِنَايَتَهُ قَبْلَ الْعِتْقِ

стр. 3769

لَا تُوجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانَ فِي الْحَالِ وَلَا بَعْدَ الْعِتْقِ إنَّمَا هُوَ عَلَى مَوْلَاهُ فِي الْحَالِ يُخَاطَبُ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ بِالْجِنَايَةِ يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى الْغَيْرِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. وَإِذَا أَقَرَّ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَنَّهُ كَفَلَ عَنْ صَاحِبِهِ بِمَهْرِ أَوْ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ أَوْ جِنَايَتِهِ لَزِمَهُ وَلَزِمَ صَاحِبَهُ أَيْضًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يَلْزَمُهُ وَلَا يَلْزَمُ صَاحِبَهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَقَرَّ بِوُجُوبِ الْمَالِ عَلَى صَاحِبِهِ بِطَرِيقٍ غَيْرِ التِّجَارَةِ وَلَا قَوْلَ لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ لَا بِطَرِيقِ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ فِيمَا يَجِبُ لَا بِطَرِيقِ التِّجَارَةِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْنَبِيٌّ عَنْ صَاحِبِهِ يَبْقَى إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِوُجُوبِ الْمَالِ بِطَرِيقِ الْكَفَالَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ كَفَالَةَ أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَوْ إقْرَارَهُ بِالْكَفَالَةِ يَلْزَمُ شَرِيكَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَلَا يَلْزَمُ عِنْدَهُمَا فَهَذَا بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ. وَلَوْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا أَنَّ عَلَى صَاحِبِهِ دَيْنًا قَبْلَ الشَّرِكَةِ لِفُلَانٍ فَأَنْكَرَهُ صَاحِبُهُ وَالطَّالِبُ ادَّعَى أَنَّ هَذَا الدَّيْنَ كَانَ فِي الشَّرِكَةِ لَزِمَهُمَا جَمِيعًا الْمَالُ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِمُطْلَقِ الدَّيْنِ يَنْصَرِفُ إلَى جِهَةِ التِّجَارَةِ وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِدَيْنٍ مُطْلَقٍ يَلْزَمُ شَرِيكَهُ، وَفِيمَا هُوَ وَاجِبٌ بِطَرِيقِ التِّجَارَةِ وَإِقْرَارُ أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَى شَرِيكِهِ سَوَاءٌ. وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الشَّرِكَةِ لَا يُصَدَّقُ فِي الْإِسْنَادِ إذَا أَكْذَبَهُ الطَّالِبُ فَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِهِ عَنْ صَاحِبِهِ، وَإِذَا لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْإِسْنَادِ لَزِمَ الْمُقِرَّ الْمَالُ بِإِقْرَارِهِ وَلَزِمَ شَرِيكَهُ بِالْكَفَالَةِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ فِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْمَالِ، وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ دُونَ شَرِيكِهِ قَبْلَ الشَّرِكَةِ وَادَّعَى الطَّالِبُ أَنَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الشَّرِكَةِ فَالْمَالُ عَلَيْهِمَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُصَدَّقٍ فِي الْإِسْنَادِ، وَإِنْ تَصَادَقَا أَنَّ الدَّيْنَ كَانَ قَبْلَ الشَّرِكَةِ لَمْ يُؤْخَذْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِدَيْنِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْكَفَالَةِ بَيْنَهُمَا إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْمُفَاوَضَةِ فَيَكُونُ ثَابِتًا فِيمَا يَجِبُ بَعْدَ الْمُفَاوَضَةِ لَا فِيمَا كَانَ وَاجِبًا قَبْلَهَا. وَإِذَا أَقَرَّ أَحَدُهُمَا أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الْآخَرُ لَا بَلْ لِفُلَانٍ لَزِمَهُمَا جَمِيعًا الْمَالُ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي قَالَ لِفُلَانٍ لَزِمَهُمَا جَمِيعًا وَلَا أَثَرَ لِاخْتِلَافِ الْمُقَرِّ لَهُمَا فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ ذَلِكَ صَاحِبُهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَلْزَمُ صَاحِبَهُ وَهُمَا بَعْدَ الْمُفَاوَضَةِ كَشَخْصٍ وَاحِدٍ فِي أَسْبَابِ الْتِزَامِ الْمَالِ بِالتِّجَارَةِ. وَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ تَفَرَّقَا، ثُمَّ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِمَا فِي الشَّرِكَةِ لَزِمَهُ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ فِي الْإِسْنَادِ غَيْرُ مُصَدَّقٍ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ فَيَبْقَى مُلْتَزِمًا الْمَالَ فِي الْحَالِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سَبَبٌ يُوجِبُ كَفَالَةَ صَاحِبِهِ عَنْهُ فِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْمَالِ فِي الْحَالِ فَلِهَذَا كَانَ الْمَالُ عَلَيْهِ خَاصَّةً، وَعَلَى صَاحِبِهِ الْيَمِينُ إنْ ادَّعَاهُ الطَّالِبُ. وَإِنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَيْهِمَا مَالًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا وَأَبَى

стр. 3770

الْآخَرُ أَنْ يَحْلِفَ لَزِمَهُمَا جَمِيعًا الْمَالُ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ عَنْ الْيَمِينِ كَإِقْرَارِهِ وَلِأَنَّ حَلِفَ أَحَدِهِمَا لَا يُسْقِطُ الْيَمِينَ عَنْ الْآخَرِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى لَهُمَا عَلَى إنْسَانٍ فَاسْتَحْلَفَ أَحَدُهُمَا الْمَطْلُوبَ فَحَلَفَ لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ؛ لِأَنَّ النِّيَابَةَ فِي الِاسْتِحْلَافِ تُجْزِئُ، وَفِي الْحَلِفِ لَا تُجْزِئُ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْحَالِفُ مِنْهُمَا نَائِبًا عَنْ صَاحِبِهِ فِي الْيَمِينِ، وَلِأَنَّهُ بَعْدَ مَا حَلَفَ أَحَدُهُمَا كَانَ اسْتِحْلَافُ الْآخَرِ مُفِيدًا؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي التَّحَرُّزِ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ أَمَّا بَعْدَ مَا اسْتَحْلَفَ أَحَدُهُمَا الْمَطْلُوبَ كَانَ اسْتِحْلَافُ الْآخَرِ إيَّاهُ غَيْرَ مُفِيدٍ لِعِلْمِنَا أَنَّهُ يَحْلِفُ لَا مَحَالَةَ. وَلَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ لِابْنِهِ أَوْ لِامْرَأَتِهِ أَوْ لِمُكَاتَبِهِ بِدَيْنٍ لَمْ يُصَدَّقْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ فِيمَا يُوجَبُ لَهُمْ عَلَى الْغَيْرِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا فِي الْمُكَاتَبِ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ فِي الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ يَبِيعُ مِنْ أَحَدِ هَؤُلَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْإِقْرَارِ فِي الْمُضَارَبَةِ وَالشَّرِكَةِ] (قَالَ ﵀): وَإِذَا أَقَرَّ الْمُضَارِبُ بِدَيْنٍ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ وَجَحَدَهُ رَبُّ الْمَالِ فَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التِّجَارَةِ وَلِهَذَا يَمْلِكُهُ الصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ وَالْمُضَارِبُ مُسْتَنِدٌ لِمَا هُوَ مِنْ التِّجَارَةِ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ فِيهَا بِأَجْرِ أَجِيرِ أَوْ أَجْرِ دَابَّةٍ أَوْ حَانُوتٍ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِإِنْشَاءِ سَبَبِ وُجُوبِ هَذِهِ الدُّيُونِ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَصَحَّ إقْرَارُهُ بِهَا، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ الْتِزَامِ الدَّيْنِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ وَيَحْصُلُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْمُضَارَبَةِ، فَإِنْ كَانَ دَفَعَهَا إلَى رَبِّ الْمَالِ، فَقَالَ: هَذَا مِنْ رَأْسِ مَالِكَ فَاقْبِضْهُ، ثُمَّ أَقَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِبَعْضِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّيْنِ لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّهُ مُنَاقِضٌ فِي كَلَامِهِ فَإِنَّ الْمَدْفُوعَ إنَّمَا يَكُونُ سَالِمًا لِرَبِّ الْمَالِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إذَا فَرَغَ عَنْ الدَّيْنِ فَكَانَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ مُقِرًّا بِأَنَّهُ لَا دَيْنَ فِيهِ، وَلِأَنَّ حُكْمَ الْمُضَارَبَةِ قَدْ انْتَهَى فِيمَا وَصَلَ إلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْمُضَارِبُ إنْشَاءَ التَّصَرُّفِ فِيهِ. وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي ذَلِكَ. وَلَوْ كَانَ الْمُضَارِبُ رَجُلَيْنِ وَمَالُ الْمُضَارَبَةِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَرَبِحَا أَلْفًا فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا أَنَّ خَمْسَمِائَةٍ لِفُلَانٍ، وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ الْأَلْفُ كُلُّهَا رِبْحٌ فَإِنَّ الْمُقِرَّ يُصَدَّقُ فِي مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ مِمَّا فِي يَدِهِ لِفُلَانٍ فَإِنَّ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الْمَالِ، وَقَدْ أَقَرَّ بِخَمْسِمِائَةٍ شَائِعَةٍ فِي الْكُلِّ وَنِصْفُهَا فِيمَا فِي يَدِهِ وَنِصْفُهَا فِيمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ فَإِقْرَارُهُ فِيمَا فِي يَدِهِ صَحِيحٌ، وَفِيمَا فِي يَدِ الْآخَرِ بَاطِلٌ

стр. 3771

فَيَدْفَعُ هُوَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ وَيُقَسِّمُ مِثْلَهَا بَيْنَ رَبِّ الْمَالِ وَبَيْنَ الْمُضَارِبِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا بَلْ هِيَ لِفُلَانٍ فَلَا يَكُونُ لَهُ فِيهَا نَصِيبٌ وَمَا بَقِيَ مِنْ الرِّبْحِ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ كَمَا بَيَّنَّا. وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ بِهَذِهِ الْخَمْسِمِائَةِ لِأَبِيهِ أَوْ لِابْنِهِ فَهُوَ وَمَا سَبَقَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمُضَارِبِ لِهَؤُلَاءِ صَحِيحٌ وَلِإِنْشَائِهِ التَّصَرُّفَ مَعَهُمْ. وَلَوْ أَقَرَّ الْمُضَارِبُ بِرِبْحِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فِي الْمَالِ، ثُمَّ قَالَ: غَلِطْت إنَّمَا هُوَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ لَمْ يُصَدَّقْ، وَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الْمَالِ لِأَنَّهُ مُنَاقِضٌ فِي كَلَامِهِ رَاجِعٌ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ، وَلِأَنَّهُ جَاحِدٌ لِمَا أَقَرَّ بِهِ بِحُصُولِهِ فِي يَدِهِ رِبْحًا، وَهُوَ أَمِينٌ فِي الرِّبْحِ فَيَضْمَنُ ذَلِكَ بِالْجُحُودِ. وَإِنْ بَقِيَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ، فَقَالَ: هَذَا رِبْحٌ، وَقَدْ دَفَعْت رَأْسَ الْمَالِ إلَى رَبِّ الْمَالِ وَكَذَّبَهُ رَبُّ الْمَالِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ يُرِيدُ اسْتِحْقَاقَ شَيْءٍ مِمَّا فِي يَدِهِ وَإِنَّمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْأَمِينِ فِي دَفْعِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ أَمَّا فِي الِاسْتِحْقَاقِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَلَكِنْ يَحْلِفُ رَبُّ الْمَالِ بِدَعْوَى الْمُضَارِبِ، فَإِنْ حَلَفَ يَأْخُذُ مَا فِي يَدِهِ بِحِسَابِ رَأْسِ مَالِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُضَارِبِ فِي الرِّبْحِ وَلَا يَظْهَرُ الرِّبْحُ مَا لَمْ يَصِلْ رَأْسُ الْمَالِ إلَى رَبِّ الْمَالِ. وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ: فُلَانٌ شَرِيكِي مُفَاوَضَةً، فَقَالَ: نَعَمْ أَوْ أَجَلْ أَوْ قَالَ: صَدَقَ أَوْ قَالَ: هُوَ كَمَا قَالَ أَوْ قَالَ: هُوَ صَادِقٌ فَهَذَا كُلُّهُ سَوَاءٌ وَهُمَا شَرِيكَانِ فِي كُلِّ مَالٍ عَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ عَقَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ مَا أَتَى مِنْ الْجَوَابِ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ فَيَصِيرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِطَابِ مُعَادًا فِيهِ حَتَّى يَثْبُتَ بِهِ تَصَادُقُهُمَا عَلَى شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ، وَالثَّابِتُ بِاتِّفَاقِهِمَا كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ وَلَوْ عَايَنَا شَرِكَةَ الْمُفَاوَضَةِ بَيْنَهُمَا كَانَ مَا فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُفَاوَضَةَ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ وَلَفْظُ الشَّرِكَةِ يُوجِبُ ذَلِكَ الْإِطْعَامَ مِثْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِسْوَتِهِ وَكِسْوَةِ أَهْلِهِ فَلِمَنْ فِي يَدِهِ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَلَكِنْ يَصِيرُ مُسْتَثْنًى مِمَّا هُوَ مُوجَبُ شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهِ مَعْلُومٌ وُقُوعُهَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مُدَّةِ الْمُفَاوَضَةِ وَلِهَذَا لَوْ كَانَتْ الشَّرِكَةُ ظَاهِرَةً بَيْنَهُمْ كَانَ مَا اشْتَرَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا إلَّا الطَّعَامَ وَالْكِسْوَةَ. وَكَذَلِكَ إذَا ثَبَتَ الْعَقْدُ بِإِقْرَارِهِمَا. وَكَذَلِكَ أُمُّ وَلَدِ أَحَدِهِمَا أَوْ مُدَبَّرَتُهُ؛ لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَيْسَتْ بِمَالٍ وَالْمُدَبَّرَةَ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِلتِّجَارَةِ وَمُقْتَضَى الْمُفَاوَضَةِ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا فِي كُلِّ مَالٍ قَابِلٍ لِلتِّجَارَةِ وَالتَّصَرُّفِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَنْكُوحَةِ فَكَذَلِكَ فِي الْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُكَاتَبًا قَدْ كَاتَبَهُ قَبْلَ إقْرَارِهِ فَمَا عَلَيْهِ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّصَرُّفِ وَالِانْتِقَالِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الدُّيُونِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ رَقَبَةَ

стр. 3772

الْمُكَاتَبِ لَا تَصِيرُ مِيرَاثًا وَمَا عَلَيْهِ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ يَصِيرُ مِيرَاثًا لِلْوَرَثَةِ فَكَذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ تَثْبُتُ الشَّرِكَةُ لِلْآخَرِ فِي بَدَلِ الْكِتَابَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَثْبُتُ فِي الرَّقَبَةِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فَكَذَلِكَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْبَدَلِ قَبْلَ عَجْزِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: هُوَ مُفَاوِضِي فِي الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ يُضَافُ إلَيْهِمَا تَارَةً وَإِلَى أَحَدِهِمَا أُخْرَى وَثُبُوتُ حُكْمِ الْمُفَاوَضَةِ لَا يَخْتَصُّ بِأَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَكَانَتْ الْإِضَافَةُ إلَى أَحَدِهِمَا بِمَنْزِلَةِ الْإِضَافَةِ إلَيْهِمَا. وَلَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الْمُفَاوِضَيْنِ لِشَرِيكٍ ثَالِثٍ مَعَهُمَا وَأَنْكَرَ الْآخَرُ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ الْمُفَاوَضَةَ مِنْ جُمْلَةِ التِّجَارَةِ، وَهُوَ مِنْ صُنْعِ التِّجَارَةِ فَإِقْرَارُ أَحَدِهِمَا بِهِ كَإِقْرَارِهِمَا فِي سَائِرِ التِّجَارَاتِ. وَإِذَا أَقَرَّ الذِّمِّيُّ لِمُسْلِمٍ بِالْمُفَاوَضَةِ أَوْ أَقَرَّ الْمُسْلِمُ لِلذِّمِّيِّ بِهَا فَهُوَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَكُونَانِ مُتَفَاوِضَيْنِ، وَلَكِنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ أَنَّ الْمُفَاوَضَةَ لَا تَصِحُّ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا فِي التَّصَرُّفِ فِي أَنْوَاعِ الْمَالِ، وَإِذَا كَانَ عِنْدَهُمَا لَا يَصِحُّ إنْشَاءُ هَذَا الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِمَا مَا أَقَرَّا بِهِ فَمُوجَبُ هَذَا الْإِقْرَارِ كَوْنُ مَا بِيَدِهِمَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَمَا فِي يَدِهِمَا مَحَلٌّ لِذَلِكَ فَيَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ أَصْلُ الْمُفَاوَضَةِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الْأَخَوَيْنِ بِأَخٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يُشَارِكُهُ فِي الْمِيرَاثِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ ابْتِدَاءُ الْمُفَاوَضَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ صَحِيحٌ فَكَذَلِكَ يَظْهَرُ بِإِقْرَارِ الْحُرِّ لِعَبْدٍ مَأْذُونٍ أَنَّهُ شَرِيكُهُ مُفَاوَضَةً أَوْ أَقَرَّ بِهِ لِمُكَاتَبٍ وَصَدَّقَهُ فِي ذَلِكَ لَمْ تَثْبُتْ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ إنْشَاءَ الْمُفَاوَضَةِ بَيْنَهُمَا لَا يَصِحُّ، وَلَكِنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى ذَلِكَ وَاحْتِمَالِ أَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمَا لِلشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِدَيْنٍ وَلَا وَدِيعَةٍ؛ لِأَنَّ نُفُوذَ إقْرَارِ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ صِحَّةِ الْمُفَاوَضَةِ، وَلَمْ تَصِحَّ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَقَرَّ لِصَبِيٍّ تَاجِرٍ بِالْمُفَاوَضَةِ أَوْ أَقَرَّ الصَّبِيُّ التَّاجِرُ لِصَبِيٍّ تَاجِرٍ وَصَدَّقَهُ الْآخَرُ فَمَا فِي أَيْدِيهِمَا بَيْنَهُمَا لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا تَثْبُتُ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ إنْشَاءَ هَذَا الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا لَا يَصِحُّ فَإِنَّ مُوجَبَ الْمُفَاوَضَةِ الْكَفَالَةُ الْعَامَّةُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ. وَإِذَا أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِالشَّرِكَةِ مُفَاوَضَةً وَأَنْكَرَ الْآخَرُ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ تَكْذِيبَ الْمُقَرِّ لَهُ مُبْطِلٌ لِلْإِقْرَارِ. وَلَوْ قَالَ الْآخَرُ أَنَا شَرِيكُكَ فِيمَا فِي يَدِكَ غَيْرَ مُفَاوَضَةٍ وَلَسْتَ شَرِيكِي فِيمَا فِي يَدِي فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيمَا فِي يَدِهِ وَادَّعَى لِنَفْسِهِ مَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ

стр. 3773

وَقَدْ صَدَّقَهُ فِي إقْرَارِهِ وَكَذَّبَهُ فِي دَعْوَاهُ فَيَثْبُتُ مَا أَقَرَّ بِهِ وَيَكُونُ عَلَى صَاحِبِهِ الْيَمِينُ فِي إنْكَارِ مَا ادَّعَاهُ، وَهَذَا لِأَنَّ تَكْذِيبَ الْمُقَرِّ لَهُ فِي الْجِهَةِ لَا يُوجِبُ تَكْذِيبَهُ فِي أَصْلِ الْمَالِ كَمَا لَوْ قَالَ: لَكَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ قَرْضًا، وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ هِيَ غَصْبٌ يَلْزَمُهُ الْمَالُ فَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ انْتِفَاءِ الْمُفَاوَضَةِ بِتَكْذِيبِهِ انْتِفَاءُ الشَّرِكَةِ فِيمَا فِي يَدِهِ كَمَا فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَإِذَا أَقَرَّ لِصَبِيٍّ لَا يَتَكَلَّمُ بِشَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ وَصَدَّقَهُ أَبُوهُ كَانَ مَا فِي يَدِ الرَّجُلِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِنِصْفِ مَا فِي يَدِهِ، وَقَدْ اتَّصَلَ بِهِ التَّصْدِيقُ مِنْ أَبِيهِ، وَلَكِنْ لَا يَكُونَانِ مُتَفَاوِضَيْنِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْمُفَاوَضَةِ بَيْنَهُمَا يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا فِي التَّصَرُّفِ وَالصَّبِيُّ الَّذِي لَا يَتَكَلَّمُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلتَّصَرُّفِ. وَإِذَا أَقَرَّ لِرَجُلٍ أَنَّهُ شَرِيكُ فُلَانٍ فِي قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، فَقَالَ فُلَانٌ نَعَمْ فَهُمَا شَرِيكَانِ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ الشَّرِكَةِ تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا جَعَلْنَا مَا فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ عَقْدِ الْمُفَاوَضَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ بِإِقْرَارِهِمَا حِينَ لَمْ يُصَرِّحَا بِلَفْظِ الْمُفَاوَضَةِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُمَا لَوْ أَنْشَآ عَقْدَ الشَّرِكَةِ الْعَامَّةِ بَيْنَهُمَا لَا تَكُونُ مُفَاوَضَةً إلَّا أَنْ يُصَرِّحَا بِلَفْظِ الْمُفَاوَضَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْعَوَامَّ مِنْ النَّاسِ قَلَّمَا يَعْرِفُونَ جَمِيعَ أَحْكَامِ الْمُفَاوَضَةِ لِيَذْكُرُوا ذَلِكَ عِنْدَ الْعَقْدِ فَأَقَامَ الشَّرْعُ التَّنْصِيصَ مِنْهُمَا عَلَى لَفْظِ الْمُفَاوَضَةِ مَقَامَ ذِكْرِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ، وَإِذَا كَانَ عَقْدُ الْإِنْشَاءِ لَا يُثْبِتُ الْمُفَاوَضَةَ إلَّا بِالتَّصْرِيحِ بِلَفْظِهَا فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْإِقْرَارِ. وَلَوْ كَانَ أَقَرَّ أَنَّهُ شَرِيكُهُ فِي التِّجَارَاتِ كَانَ مَا فِي يَدِهِمَا مِنْ مَتَاعِ التِّجَارَةِ بَيْنَهُمَا وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَسْكَنٌ وَلَا كِسْوَةٌ وَلَا طَعَامٌ؛ لِأَنَّ التَّصَادُقَ مِنْهُمَا كَانَ مُقَيَّدًا بِمَالِ التِّجَارَةِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَقَدْ تَصَادَقَا هُنَاكَ فِي الشَّرِكَةِ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَذَلِكَ يَعُمُّ الدَّارَ وَالْخَادِمَ وَغَيْرَهُمَا. وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِمَا دَارٌ أَوْ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ تِجَارَتِنَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْيَانَ لَيْسَتْ لِلتِّجَارَةِ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ فَمَنْ قَالَ: إنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ التِّجَارَةِ فَهُوَ مُتَمَسِّكٌ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ، وَلِأَنَّ التَّصَادُقَ مِنْهُمَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمَا بِصِفَةِ الْعُمُومِ وَإِنَّمَا حَصَلَ خَاصًّا فِي مَتَاعِ التِّجَارَةِ، وَالسَّبَبُ مَتَى كَانَ مُقَيَّدًا بِوَصْفٍ لَا يَكُونُ مُوجِبًا بِدُونِ ذَلِكَ الْوَصْفِ فَمَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ مِنْ التِّجَارَةِ لَا يَتَحَقَّقُ سَبَبُ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا فَلِهَذَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ ذِي الْيَدِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ هَذَا مَالٌ فِي يَدِي مِنْ غَيْرِ الشَّرِكَةِ أَصَبْتُهُ مِنْ مِيرَاثٍ أَوْ جَائِزَةٍ أَوْ بِضَاعَةٍ لِإِنْسَانٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَقُومَ لِلْآخَرِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ مِنْ الشَّرِكَةِ أَوْ

стр. 3774

كَانَ فِي يَدِهِ يَوْمَ أَقَرَّ بِهِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِهِ وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ يَوْمَ أَقَرَّ كَانَ فِي الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ مِنْ التِّجَارَةِ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ وَأَنَّهُمَا خُلِقَا لِذَلِكَ وَلِهَذَا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهِمَا بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ التِّجَارَةِ، فَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ فِي يَدِهِ وَقْتَ الْإِقْرَارِ بِقَدْرِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلشَّرِكَةِ فِيهِ فَهُوَ يُرِيدُ إخْرَاجَهُ مِنْ الشَّرِكَةِ بَعْدَ مَا تَنَاوَلَهُ الْإِقْرَارُ بِهَا فَلَا يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ. وَلَوْ كَانَ فِي التِّجَارَةِ، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ التِّجَارَةِ الَّتِي بَيْنَنَا، وَلَمْ يَزَلْ فِي يَدِي قَبْلَ الشَّرِكَةِ كَانَ الْمَتَاعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ بِثُبُوتِ التِّجَارَةِ فِيهِ صَارَ الْإِقْرَارُ بِالشَّرِكَةِ مُتَنَاوِلًا لَهُ فَلَا يُصَدَّقُ فِي إخْرَاجِهِ بَعْدَ مَا تَنَاوَلَهُ الْإِقْرَارُ. وَلَوْ قَالَ: فُلَانٌ شَرِيكِي، وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: عَنَيْتُ فِي هَذِهِ الدَّارِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ فِي بَيَانِهِ تَقْرِيرًا لِمَا أَقَرَّ بِهِ لَا تَغْيِيرًا فَيَصِحُّ مَوْصُولًا وَمَفْصُولًا، وَلِأَنَّ مُطْلَقَ الْإِقْرَارِ بِالشَّرِكَةِ غَيْرُ مُضَافٍ إلَى مَحَلٍّ لَا يُثْبِتُ مِنْ الْمَالِ إلَّا قَدْرَ مَا لَا يَتَحَقَّقُ هَذَا الْوَصْفُ لَهُمَا إلَّا بِهِ، وَهَذَا الْوَصْفُ يَتَحَقَّقُ لَهُمَا بِالشَّرِكَةِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فَيُثْبِتُ الْقَدْرَ الْمُتَيَقَّنَ بِهِ وَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي إنْكَارِ الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَهُ. وَلَوْ قَالَ: فُلَانٌ شَرِيكِي فِي تِجَارَةِ الزُّطِّيِّ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ إقْرَارَهُ بِمَحَلٍّ سَمَّاهُ وَتَقْيِيدُ الْمُقِرِّ إقْرَارَهُ مَوْصُولًا بِكَلَامِهِ صَحِيحٌ. وَلَوْ قَالَ: فُلَانٌ شَرِيكِي فِي كُلِّ تِجَارَةٍ، وَقَالَ فُلَانٌ: أَنَا شَرِيكُكَ فِيمَا فِي يَدِكَ وَلَسْتَ بِشَرِيكِي فِيمَا فِي يَدِي كَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِنِصْفِ مَا فِي يَدِهِ وَادَّعَى لِنَفْسِهِ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ، وَقَدْ صَدَّقَهُ فِي الْإِقْرَارِ وَكَذَّبَهُ فِي دَعْوَاهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ حَانُوتٌ، فَقَالَ: فُلَانٌ شَرِيكِي فِيمَا فِي هَذَا الْحَانُوتِ، ثُمَّ قَالَ: أَدْخَلْتُ هَذَا الْعِدْلَ بَعْدَ الْإِقْرَارِ مِنْ غَيْرِ الشَّرِكَةِ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ عَلَى الشَّرِكَةِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَا يَدَّعِي قَالَ: لِأَنَّ الْحَانُوتَ وَمَا فِي الْحَانُوتِ مَعْلُومٌ وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ وَقَعَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ بَيَانِ الْمُقِرِّ فِي مَعْرِفَةِ مَا أَقَرَّ بِهِ بِتَعْيِينِهِ مَحَلَّهُ، وَهُوَ الْحَانُوتُ فَلَا يَبْقَى لَهُ قَوْلٌ فِي الْبَيَانِ، وَلَكِنَّ جَمِيعَ مَا يُوجَدُ فِي الْحَانُوتِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ إلَّا مَا يُثْبِتُ بِالْحُجَّةِ أَنَّهُ أَدْخَلَهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَبْرَأَ غَيْرَهُ مِنْ كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ لَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ ادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَقَالَ: قَدْ حَدَثَ وُجُوبُهُ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ، وَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَلْ كَانَ قَبْلَ الْإِبْرَاءِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ الْمُدَّعِي بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ وَجَبَ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: جَمِيعُ مَا فِي يَدِي مُشْتَرَكٌ بَيْنِي وَبَيْنَ فُلَانٍ، ثُمَّ قَالَ لِمَتَاعٍ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّهُ حَدَثَ فِي يَدِي بَعْدَ الْإِقْرَارِ فَالْقَوْل قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَا وَقَعَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ بَيَانِهِ هُنَاكَ فَإِنَّ مَا فِي يَدِهِ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِقَوْلِهِ فَلِهَذَا جَعَلْنَا بَيَانَهُ مَقْبُولًا فِيهِ وَأَوْرَدَ مَسْأَلَةَ الْحَانُوتِ بَعْدَ هَذَا وَأَجَابَ

стр. 3775

فِيهَا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقِرِّ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ جَمِيعُ مَا فِي يَدِي بَيْنِي وَبَيْنَ فُلَانٍ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالْأَصَحُّ هُوَ الْأَوَّلُ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ إقْرَارَهُ تَقَيَّدَ بِمَحَلٍّ خَاصٍّ، وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي الْحَانُوتِ وَقْتَ إقْرَارِهِ فَمَا لَمْ يَثْبُتْ هَذَا الْقَيْدُ بِالْحُجَّةِ لَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُقَرُّ لَهُ لِأَنَّ وُجُودَهُ فِي الْحَانُوتِ فِي الْحَالِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْحَانُوتِ عِنْدَ الْإِقْرَارِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ وَالظَّاهِرُ حُجَّةٌ لِدَفْعِ الِاسْتِحْقَاقِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ. وَلَوْ قَالَ: فُلَانٌ شَرِيكِي فِي كُلِّ تِجَارَةٍ وَأَقَرَّ بِذَلِكَ فُلَانٌ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا، وَفِي يَدِهِ مَالٌ، فَقَالَ وَرَثَتُهُ هَذَا مَالٌ اسْتَفَادَهُ مِنْ غَيْرِ الشَّرِكَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَهُ وَلَوْ قَالَ: هُوَ فِي هَذَا الْفَصْلِ لِمَالٍ فِي يَدِهِ إنَّهُ حَادِثٌ فِي يَدِي مِنْ غَيْرِ الشَّرِكَةِ وَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ فَكَذَلِكَ يُقْبَلُ قَوْلُ وَرَثَتِهِ، وَإِنْ أَقَرُّوا أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ يَوْمَ أَقَرُّوا أَنَّهُ مِنْ التِّجَارَةِ فَهُوَ مِنْ الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُمْ بِهَذَا بَعْدَ مَوْتِهِ كَإِقْرَارِهِ بِهِ فِي حَيَاتِهِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ صَكٌّ بِاسْمِهِ عَلَى رَجُلٍ بِمَالٍ تَارِيخُهُ قَبْلَ الْإِقْرَارِ بِالشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِالشَّرِكَةِ فِي كُلِّ تِجَارَةٍ، وَذَلِكَ يَعُمُّ الْعَيْنَ وَالدَّيْنَ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ تَارِيخُ الصَّكِّ بَعْدَ الشَّرِكَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَرَثَةِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الشَّرِكَةِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُكْتَبُ فِي الصَّكِّ تَارِيخُ وُجُوبِ الدَّيْنِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِقْرَارِ إنْ كَانَ هَذَا دَيْنًا حَدَثَ وُجُوبُهُ فَلَا تَثْبُتُ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا فِيهِ وَالظَّاهِرُ شَاهِدٌ لِلْوَرَثَةِ فِي ذَلِكَ وَحَاجَتُهُمْ إلَى دَفْعِ اسْتِحْقَاقِ الْمُقَرِّ لَهُ وَالظَّاهِرُ يَكْفِي لِهَذَا. وَلَوْ قَالَ: فُلَانٌ شَرِيكِي فِي الطَّحْنِ، وَفِي يَدِ الْمُقِرِّ رَحًا وَإِبِلٌ وَمَتَاعُ الطَّحَّانِينَ فَادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ الشَّرِكَةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّ الطَّحْنَ اسْمٌ لِلْعَمَلِ دُونَ الْآلَاتِ، وَلَيْسَ مِنْ الضَّرُورَةِ كَوْنُهُ شَرِيكًا لَهُ فِي الْآلَاتِ، وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُقِرِّ فِي الْأَوَّلِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ عَامِلٍ فِي يَدِهِ حَانُوتٌ، وَفِيهِ مَتَاعٌ مِنْ مَتَاعِ عَمَلِهِ فَأَقَرَّ أَنَّهُ شَرِيكٌ لِفُلَانٍ فِي عَمَلِ كَذَا فَهُمَا شَرِيكَانِ فِي الْعَمَلِ دُونَ الْمَتَاعِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا بِإِقْرَارِهِ إنَّمَا يَثْبُتُ فِيمَا صَرَّحَ بِهِ أَوْ فِيمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ مَا صَرَّحَ بِهِ. وَلَوْ قَالَ: هُوَ شَرِيكِي فِي هَذَا الْحَانُوتِ فِي عَمَلِ كَذَا فَكُلُّ شَيْءٍ فِي ذَلِكَ الْحَانُوتِ مِنْ عَمَلٍ أَوْ مَتَاعِ ذَلِكَ الْعَمَلِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَ لِمَا أَقَرَّ بِهِ مَحَلًّا، وَهُوَ الْحَانُوتُ، وَذَكَرَ الْعَمَلَ لِتَقْيِيدِ الْإِقْرَارِ بِمَتَاعِ ذَلِكَ الْعَمَلِ فَمَا كَانَ فِي الْحَانُوتِ مِنْ مَتَاعِ ذَلِكَ الْعَمَلِ فَقَدْ تَنَاوَلَهُ إقْرَارُهُ فَكَانَ بَيْنَهُمَا. وَلَوْ كَانَ الْحَانُوتُ وَمَا فِيهِ فِي أَيْدِيهِمَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا فُلَانٌ شَرِيكِي فِي عَمَلِ كَذَا، فَأَمَّا الْمَتَاعُ فَهُوَ لِي، وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ الْمَتَاعُ بَيْنَنَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ ثُبُوتَ يَدِهِمَا عَلَى الْحَانُوتِ سَبَبٌ لِثُبُوتِ الْيَدِ لَهُمَا عَلَى مَا فِي الْحَانُوتِ فَكَانَ فِي قَوْلِهِ الْمَتَاعُ لِي مُدَّعِيًا لِلنِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ

стр. 3776

بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ الْحَانُوتَ هُنَاكَ فِي يَدِ الْمُقِرِّ فَمَا فِيهِ يَكُونُ فِي يَدِهِ أَيْضًا. وَلَوْ قَالَ: فُلَانٌ شَرِيكِي فِي كُلِّ زُطِّيٍّ اشْتَرَيْتُهُ، وَفِي يَدِهِ عِدْلَانِ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ أَحَدَهُمَا وَوَرِثْتُ الْآخَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ قَيَّدَ الْمُقَرَّ بِهِ بِالزُّطِّيِّ الْمُشْتَرَى فَمَا لَمْ يَثْبُتْ هَذَا الْوَصْفُ فِي مَحَلٍّ لَا يَتَنَاوَلُ إقْرَارُهُ لِذَلِكَ الْمَحَلِّ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: هُوَ شَرِيكِي فِي كُلِّ زُطِّيٍّ عِنْدِي لِلتِّجَارَةِ، ثُمَّ قَالَ: اشْتَرَيْتُ أَحَدَهُمَا مِنْ خَاصِّ مَالِي لِغَيْرِ التِّجَارَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الشِّرَاءِ فِي الزُّطِّيِّ لَا يَجْعَلُ الْمُشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ بِدُونِ النِّيَّةِ (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إذَا لَمْ يَنْوِ بِهِ التِّجَارَةَ وَنِيَّةُ التِّجَارَةِ لَا يُوقَفُ عَلَيْهَا إلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَإِذَا قَيَّدَ الْإِقْرَارَ بِمَا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِ فِيهِ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُمَا فِي يَدِهِ لِلتِّجَارَةِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا مِنْ خَاصَّةِ مَالِي لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الشَّرِكَةِ قَدْ تَقَرَّرَ فِيهِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي إخْرَاجِهِ. وَلَوْ قَالَ: هُوَ شَرِيكِي فِي كُلِّ زُطِّيٍّ قَدِمَ لِي مِنْ الْأَهْوَازِ أَمْسِ، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّ الْأَعْدَالَ الْعَشَرَةَ قَدِمَتْ لَهُ مِنْ الْأَهْوَازِ أَمْسِ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا مِنْ خَاصَّةِ مَالِي وَالْآخَرُ بِضَاعَةُ فُلَانٍ، وَقَالَ الشَّرِيكُ هِيَ كُلُّهَا مِنْ الشَّرِكَةِ فَالْكُلُّ مِنْ الشَّرِكَةِ لِثُبُوتِ الْوَصْفِ الَّذِي قَيَّدَ الْإِقْرَارَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَعْدَالِ بِإِقْرَارِهِ إلَّا أَنَّ الْعِدْلَ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ بِضَاعَةٌ يُصَدَّقُ عَلَى حِصَّتِهِ مِنْهُ وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ لِغَيْرِهِ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ صَحِيحٌ وَيَضْمَنُ لِصَاحِبِ الْبِضَاعَةِ نِصْفَ قِيمَةِ هَذَا الْعِدْلِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُتْلِفًا بِإِقْرَارِهِ السَّابِقِ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِالشَّرِكَةِ وَإِقْرَارُهُ لِلثَّانِي عَلَى نَفْسِهِ صَحِيحٌ فَيَصِيرُ بِهِ ضَامِنًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظَائِرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ. وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ فَأَقَرَّا بِهِ بَيْنَهُمَا مِنْ شَرِكَتِهِمَا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا اسْتَوْدَعَنَاهُ فُلَانٌ فَهُوَ مُصَدَّقٌ عَلَى حِصَّتِهِ غَيْرُ مُصَدَّقٍ عَلَى حِصَّةِ شَرِيكِهِ وَلَا يَضْمَنُ لِلْمُقَرِّ لَهُ شَيْئًا مِنْ نَصِيبِ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ قَطُّ وَالْمُودَعُ فِيمَا لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ يَدُهُ لَا يَصِيرُ ضَامِنًا وَمَا كَانَ فِي يَدِهِ، وَهُوَ الْمُقِرُّ النِّصْفَ فَقَدْ سَلَّمَهُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ. وَإِذَا قَالَ: فُلَانٌ شَرِيكِي فِي هَذَا الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ، وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ أَنْتَ أَدَّيْتَهُ بِغَيْرِ إذْنِي، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَرِكَةٌ، فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ هُوَ الَّذِي بَاعَ الْمَبِيعَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِنِصْفِ قِيمَةِ الْمَتَاعِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا فِي الثَّمَنِ إقْرَارٌ مِنْهُ أَنَّ الْأَصْلَ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الثَّمَنَ يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَصْلِ، وَهُوَ الَّذِي بَاشَرَ الْبَيْعَ فِيهِ، وَذَلِكَ سَبَبٌ مُوجِبٌ الضَّمَانَ عَلَيْهِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ الْإِذْنُ، وَهُوَ يُنْكِرُ الْإِذْنَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِ الْحَقِّ أَنَّهُ بَاعَهُ الْمَتَاعَ، فَقَالَ: لَمْ أَبِعْهُ أَنَا، وَلَكِنْ بِعْنَاهُ جَمِيعًا وَكَتَبَ الصَّكَّ بِاسْمِي فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ سَبَبَ

стр. 3777

وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي نَصِيبِهِ بَيْعَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَهُوَ لِذَلِكَ مُنْكِرٌ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ كَتْبِهِ الصَّكَّ بِاسْمِهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُبَاشِرَ لِلْبَيْعِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لِإِنْكَارِهِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ أَرَادَ الْمُقَرُّ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الَّذِي عَلَيْهِ الصَّكُّ نِصْفَهُ قِيمَةَ الْمَتَاعِ، وَقَالَ: قَبَضْتَ مَتَاعِي بِغَيْرِ إذْنِي، وَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الصَّكُّ مَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ شَيْئًا بَاعَنِي الْمَتَاعَ الَّذِي الصَّكُّ بِاسْمِهِ فَلَا ضَمَانَ لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ عَلَيْهِ حَقًّا، وَهُوَ يُنْكِرُهُ وَلَوْ ضَمَّنَهُ إنَّمَا يُضَمِّنُهُ بِإِقْرَارِ الْمُقِرِّ وَإِقْرَارُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمُشْتَرِي فَلَا ضَمَانَ لَهُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ الْمَالَ الَّذِي فِي الصَّكِّ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ وَحَقُّ الْمُطَالَبَةِ لِمَنْ بِاسْمِهِ الصَّكُّ. وَإِذَا كَانَ عَبْدٌ فِي يَدِ رَجُلٍ، وَقَالَ: هَذَا مُضَارَبَةٌ لِفُلَانٍ مَعِي بِالنِّصْفِ، ثُمَّ بَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ، وَقَالَ: كَانَ رَأْسُ الْمَالِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ دَفَعْتُ الْعَبْدَ إلَيْكَ بِعَيْنِهِ لِلْمُضَارَبَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمِلْكِ الْعَبْدِ لَهُ حِينَ قَالَ: إنَّهُ مُضَارَبَةٌ لِفُلَانٍ مَعِي هَذَا فَإِنَّ اللَّامَ لِلتَّمْلِيكِ فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي الْعَبْدِ لِرَبِّ الْمَالِ فِي إقْرَارِهِ وَالثَّمَنُ يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَصْلِ، فَإِذَا ادَّعَى الْمُضَارِبُ لِنَفْسِهِ جُزْءًا مِنْ ثَمَنِهِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ فَكَانَ الثَّمَنُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْمَالِ وَعَلَيْهِ لِلْمُضَارِبِ أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنَّ الْمُضَارَبَةَ بِالْعُرُوضِ فَاسِدَةٌ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْمُضَارِبُ بِسَبَبِهِ أَجْرَ مِثْلِ عَمَلِهِ. وَإِذَا أَقَرَّ الْمُضَارِبُ أَنَّ مَعَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ لِفُلَانٍ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ وَأَنَّهُ قَدْ رَبِحَ فِيهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ بَلْ رَأْسُ مَالِي أَلْفَا دِرْهَمٍ فَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ﵀ الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ بَعْضِ مَالِهِ لِنَفْسِهِ فَإِنَّ جَمِيعَ مَا فِي يَدِهِ حَاصِلٌ مِنْ مَالِهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ، ثُمَّ رَجَعَ، وَقَالَ الْمُضَارِبُ مَعَ يَمِينِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُمَا فِي مِقْدَارِ الْمَقْبُوضِ، وَفِي مِقْدَارِ الْمَقْبُوضِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْقَابِضِ إذَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ إقْرَارٌ بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ الْآنَ فَكَانَ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَقَرَّ بِقَبْضِهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَالْبَاقِي رِبْحٌ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. وَلَوْ قَالَ: هَذَا الْمَالُ مَعِي مُضَارَبَةً لِفُلَانٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ لِفُلَانٍ وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَهُ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ، ثُمَّ عَمِلَ بِهِ الْمُضَارِبُ فَرَبِحَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ رَأْسَ الْمَالِ إلَى الْأَوَّلِ وَنِصْفَ الرِّبْحِ وَيَدْفَعُ الْآخَرُ مِثْلَ رَأْسِ الْمَالِ غُرْمًا مِنْ مَالِهِ وَلَا يَضْمَنُ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ شَيْئًا هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ يَضْمَنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرَ رَأْسِ مَالِهِ وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْمُضَارَبَةِ أَنَّ الْمُضَارِبَ إذَا جَحَدَ، ثُمَّ أَقَرَّ وَتَصَرَّفَ وَرَبِحَ كَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرِكَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ الرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْمُضَارِبِ فَهُنَا الْأَوَّلُ لَمَّا تَقَدَّمَ إقْرَارُ

стр. 3778

الْمُضَارِبِ لَهُ ثَبَتَ حَقُّهُ وَصَارَ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ، ثُمَّ بِإِقْرَارِهِ لِلثَّانِي صَارَ جَاحِدًا لِحَقِّ الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا هُوَ تَصَرَّفَ وَرَبِحَ بَعْدَ جُحُودِهِ فَيَكُونُ نِصْفُ الرِّبْحِ لِلْأَوَّلِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَجَمِيعُ الرِّبْحِ لِلْمُضَارِبِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀، وَلَكِنَّهُ بِسَبَبِ جَلْبِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ وَيَغْرَمُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ رَأْسِ مَالِهِ أَمَّا لِلْأَوَّلِ فَغَيْرُ مُشْكِلٍ وَأَمَّا لِلثَّانِي فَلِإِقْرَارِهِ بِأَنَّهُ كَانَ أَمِينًا مِنْ جِهَتِهِ، وَقَدْ دَفَعَ الْأَمَانَةَ إلَى غَيْرِهِ وَبِإِقْرَارِهِ صَارَ ضَامِنًا لَهُ. وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّ الْمَالَ مُضَارَبَةٌ فِي يَدِهِ لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَصَدَّقَاهُ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَحَدِهِمَا الثُّلُثَانِ وَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ لَمْ يُصَدَّقْ، وَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْإِضَافَةِ إلَيْهِمَا يَقْتَضِي الْمُنَاصَفَةَ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ بَيَانُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُغَيِّرًا فَيَصِحُّ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا. وَلَوْ أَقَرَّ الْمُضَارِبَانِ بِمَالٍ فِي أَيْدِيهِمَا أَنَّهُ مُضَارَبَةٌ لِفُلَانٍ وَصَدَّقَهُمَا فِي ذَلِكَ، ثُمَّ أَقَرَّ رَبُّ الْمَالِ لِأَحَدِهِمَا بِثُلُثِ الرِّبْحِ وَلِلْآخَرِ بِرُبُعِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ تَصْدِيقِهِ إيَّاهُمَا الْإِقْرَارُ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ لَهُمَا مِنْ الرِّبْحِ وَالْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا فِي الرِّبْحِ بَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَسْتَوْجِبُ الرِّبْحَ عَلَيْهِ بِالشَّرْطِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي بَيَانِ شَرْطِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَإِذَا أَقَرَّ بِمُضَارَبَةٍ لِرَجُلٍ، وَلَمْ يُسَمِّيهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يُسَمِّي مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ جُهِلَ الْمُقَرُّ بِهِ فَالْقَوْلُ فِي بَيَانِهِ قَوْلُهُ، وَإِنْ مَاتَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَارِثِهِ؛ لِأَنَّهُ خَلْفٌ عَنْهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْإِقْرَارِ بِالْبَرَاءَةِ وَغَيْرِهَا] (قَالَ ﵀): وَإِذَا قَالَ الْإِنْسَانُ لَا حَقَّ لِي عَلَى فُلَانٍ فِيمَا أَعْلَمُ، ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ حَقًّا مُسَمًّى قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْبَرَاءَةُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا بِقَوْلِهِ فِيمَا أَعْلَمُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي الْإِقْرَارِ يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا فَكَذَلِكَ فِي الْبَرَاءَةِ وَالْإِقْرَارِ بِهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ هُنَا فَقِيلَ هُوَ عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا وَقِيلَ بَلْ أَبُو يُوسُفَ ﵀ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا وَيَقُولُ: إنَّ بِانْتِفَاءِ حُقُوقِهِ عَنْ الْغَيْرِ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى مَعْرِفَتِهِ حَقِيقَةً فَقَوْلُهُ فِيمَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِنَفْيِ الْيَقِينِ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ وَأَمَّا وُجُوبُ الْحَقِّ لِلْغَيْرِ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَهُ بِمَعْرِفَةِ سَبَبِهِ حَقِيقَةً فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ فِيمَا أَعْلَمُ لِلتَّشْكِيكِ فِيهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: فِي عِلْمِي أَوْ فِي نَفْسِي أَوْ فِي ظَنِّي أَوْ فِي رَأْيِي أَوْ فِيمَا أَرَى أَوْ فِيمَا أَظُنُّ أَوْ فِيمَا أَحْسَبُ أَوْ حِسَابِي أَوْ كِتَابِي لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ إنَّمَا تُذْكَرُ لِاسْتِثْنَاءِ الْيَقِينِ فِيمَا يُقَرِّرُ بِهِ كَلَامَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ غَرِيمًا أَوْ مُوجِبًا لِلْبَرَاءَةِ. وَلَوْ قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِي قِبَلَ فُلَانٍ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ بَيِّنَةٌ إلَّا بِتَارِيخٍ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالْبَرَاءَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: قَدْ

стр. 3779

اسْتَيْقَنْتُ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ لِتَأْكِيدِ مَعْنَى الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ فَإِنَّ قَوْلَهُ " قَدْ عَلِمْتُ " خَبَرٌ عَنْ الْمَاضِي، وَقَدْ يُقَرِّرُهُ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ. وَلَوْ أَطْلَقَ الْإِقْرَارَ بِالْإِبْرَاءِ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ دَعْوَى إلَّا بِتَارِيخٍ بَعْدَهُ، فَإِذَا أَكَّدَ بِمَا يُقْرَنُ بِهِ أَوْلَى. وَإِذَا قَالَ: لَا حَقَّ لِي عَلَيْكَ فَأَشْهَدْ لِي عَلَيْكَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الْآخَرُ أَجَلْ لَا حَقَّ لَكَ عَلَيَّ، ثُمَّ أَشْهَدَ لَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَالشُّهُودُ يَسْمَعُونَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَهَذَا بَاطِلٌ وَلَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَسَعُ الشُّهُودَ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَصَادُقِهِمَا عَلَى انْتِفَاءِ حَقِّهِ عَنْهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الزُّورُ وَالْبَاطِلُ وَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَا يَصِيرُ بِالْإِشْهَادِ وَاجِبًا، وَإِذَا عَلِمَ الشُّهُودُ انْتِفَاءَ وُجُوبِ الْمَالِ حَقِيقَةً لَا يَسَعُهُمْ أَنْ يُلْزِمُوهُ بِشَهَادَتِهِمْ شَيْئًا. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي لَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فَكَذَلِكَ لَا يَسَعُ الشُّهُودَ أَنْ يَشْهَدُوا بِهِ عَلَيْهِ. وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ تَلْجِئَةً، فَقَالَ الطَّالِبُ بَلْ هُوَ حَقٌّ، فَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ لَمْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ تَلْجِئَةٌ فَالْمَالُ لَازِمٌ لِلْمُقِرِّ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُقِرِّ تَلْجِئَةً كَالرُّجُوعِ مِنْهُ عَنْ الْإِقْرَارِ فَإِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ عَلَى إقْرَارِ حَقٍّ لَازِمٍ وَمَا يَكُونُ تَلْجِئَةً فَهُوَ بَاطِلٌ وَرُجُوعُهُ عَنْ الْإِقْرَارِ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ بِذَلِكَ فَحِينَئِذٍ هُوَ مِثْلُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى أَنَّ الْإِقْرَارَ كَانَ زُورًا وَالْإِقْرَارُ بِالزُّورِ لَا يُوجِبُ عَلَى الْمُقِرِّ شَيْئًا. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: اشْهَدُوا أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ زُورًا وَبَاطِلًا وَكَذِبًا، فَقَالَ فُلَانٌ صَدَقَ فِي جَمِيعِ مَا قَالَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، فَإِنْ قَالَ صَدَقَ فِي الْمَالِ وَكَذَبَ فِي قَوْلِهِ زُورًا وَبَاطِلًا أَخَذْتُهُ بِالْأَلْفِ لِمَا بَيَّنَّا، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ دَارِهِ مِنْ فُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمِ تَلْجِئَةً لَزِمَ الْمُقِرَّ الْبَيْعُ إذَا كَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي قَوْلِهِ تَلْجِئَةً، وَإِنْ صَدَّقَهُ فِي جَمِيعِ مَا قَالَ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ قَالَ صَدَقَ فَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ التَّصْدِيقِ يَنْصَرِفُ إلَى جَمِيعِ مَا أَقَرَّ بِهِ إذَا لَمْ يَخُصَّ فِيهِ شَيْئًا. وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ فُلَانٌ مَا لِي عَلَيْكَ شَيْءٌ فَقَدْ بَرِئَ الْمُقِرُّ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَهُ فِي الْإِقْرَارِ، وَلِأَنَّهُ صَارَ مِيرَاثًا لَهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا لِي عَلَيْكَ شَيْءٌ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا لِي عَلَيْكَ شَيْءٌ فِي الْحَالِ لِأَنِّي أَبْرَأْتُكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ مَا كَانَ لِي عَلَيْكَ شَيْءٌ وَمِنْ ضَرُورَةِ نَفْيِ حَقِّهِ فِي الْمَاضِي نَفْيُهُ فِي الْحَالِ، فَإِنْ أَعَادَ الْإِقْرَارَ، وَقَالَ: بَلْ لَكَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ أَجَلْ هِيَ لِي عَلَيْكَ لَزِمَتْهُ أَمَّا عَلَى الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ بَطَلَ بِالتَّكْذِيبِ فَصَارَ كَالْمَعْدُومِ بَقِيَ إقْرَارُهُ الثَّانِي، وَقَدْ صَدَّقَهُ فِيهِ، وَعَلَى الطَّرِيقِ الثَّانِي الْإِبْرَاءُ إنَّمَا يَعْمَلُ فِيمَا كَانَ وَاجِبًا وَقْتَ الْإِبْرَاءِ، فَأَمَّا فِيمَا يَجِبُ بَعْدَهُ بِسَبَبٍ بَاشَرَهُ فَلَا يَعْمَلُ فِيهِ ذَلِكَ الْإِبْرَاءُ وَالْإِقْرَارُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْمَالِ فِي الْحُكْمِ فَلَا يَبْطُلُ بِالْإِبْرَاءِ السَّابِقِ. وَلَوْ أَقَرَّ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ لِفُلَانٍ

стр. 3780

غَصَبَهَا إيَّاهُ فُلَانٌ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ لِي بَطَلَ إقْرَارُهُ بِالرَّدِّ، فَإِنْ ادَّعَاهَا الْمُقَرُّ لَهُ وَقَعَتْ إلَيْهِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْإِقْرَارَ الْأَوَّلَ صَارَ كَالْمَعْدُومِ فَكَأَنَّهُ أَنْشَأَ الْإِقْرَارَ الْآنَ وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ. وَلَوْ قَالَ: هَذَا الْعَبْدُ لَك، فَقَالَ: لَيْسَ هُوَ لِي، ثُمَّ قَالَ: بَلَى هُوَ لِي لَمْ يَكُنْ لَهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ قَدْ بَطَلَ بِالتَّكْذِيبِ، وَلَمْ يُوجَدْ إقْرَارٌ آخَرُ فَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ قَبُولِ الْبَيِّنَةِ دَعْوَى صَحِيحَةٌ وَبَعْدَ مَا قَالَ لَيْسَ هُوَ لِي لَا يَصِحُّ دَعْوَاهُ أَنَّهُ لَهُ لِكَوْنِهِ مُنَاقِضًا فِيهِ فَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ، ثُمَّ ادَّعَاهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ إلَّا عَلَى حَقٍّ يَحْدُثُ لَهُ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ إقْرَارٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى عَنْ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ إلَى غَيْرِ وِلَايَتِهِ وَبِالدَّعْوَى بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لِي يَصِيرُ مُنَاقِضًا وَبَيِّنَةُ الْمُنَاقِضِ فِي الدَّعْوَى لَا تَكُونُ مَقْبُولَةً. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: خَرَجْت مِنْ الْعَبْدِ أَوْ خَرَجَ هَذَا الْعَبْدُ عَنْ مِلْكِي أَوْ عَنْ يَدِي لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِهَذَا مَقْصُورٌ عَلَى مَحَلِّ وِلَايَتِهِ لَا يَتَعَدَّى إلَى إثْبَاتِ الْمِلْكِ فِيهِ لِغَيْرِهِ فَأُقِيمَ بِهِ وَحْدَهُ فَيَكُونُ هُوَ فِي الدَّعْوَى بَعْدَ ذَلِكَ مُنَاقِضًا وَقِيلَ هَذَا الْجَوَابُ فِي قَوْلِهِ خَرَجَ عَنْ يَدِي غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُوَقِّفَ فَيَقُولَ هُوَ مِلْكِي، وَقَدْ خَرَجَ عَنْ يَدِي بِغَصْبِ ذِي الْيَدِ أَوْ إعَارَتِي مِنْهُ فَلَا يَثْبُتُ التَّنَاقُضُ. وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلْمَرْأَةِ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُشْهِدَ أَنِّي قَدْ تَزَوَّجْتُكِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ تَزَوُّجًا بَاطِلًا وَتَلْجِئَةً، وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ نَعَمْ أَنَا أَفْعَلُ هَذَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ حَضَرَ الشُّهُودُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، ثُمَّ أَشْهَدَ أَنَّهُ قَدْ تَزَوَّجَهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ لَازِمٌ لَهُمَا؛ لِأَنَّ بِالْإِشْهَادِ السَّابِقِ تَبَيَّنَ أَنَّ مَقْصُودَهُمَا بِهَذَا الْعَقْدِ الْهَزْلُ دُونَ الْجِدِّ، وَفِي النِّكَاحِ الْجِدُّ وَالْهَزْلُ سَوَاءٌ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ»، وَلِأَنَّ تَأْثِيرَ التَّلْجِئَةِ انْعِدَامُ ضَامِنِهَا بِالْعَقْدِ النَّافِذِ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ وَلَا يُشْتَرَطُ الْخِيَارُ فِي النِّكَاحِ فَكَذَلِكَ التَّلْجِئَةُ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا تُؤَثِّرُ التَّلْجِئَةُ فِيمَا هُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْفَسْخِ بَعْدَ تَمَامِهِ وَالنِّكَاحُ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ لِلْفَسْخِ بَعْدَ تَمَامِهِ وَلِهَذَا لَا يَجْرِي فِيهِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ التَّلْجِئَةُ. وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ عَلَى مَالٍ وَغَيْرِ مَالٍ وَالْخُلْعُ وَالْمَالُ وَاجِبٌ فِيمَا سُمِّيَ فِيهِ الْمَالُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلسَّبَبِ فَكَمَا لَا تُؤَثِّرُ التَّلْجِئَةُ فِي أَصْلِ السَّبَبِ فَكَذَلِكَ لَا تُؤَثِّرُ فِيمَا يَتْبَعُهُ كَالْهَزْلِ وَأَمَّا بِالْكِتَابَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَبَاطِلَةٌ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِلْفَسْخِ بَعْدَ انْعِقَادِهِ كَالْبَيْعِ. وَلَوْ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أُلْجِئَ إلَيْكَ دَارِي هَذِهِ وَأُشْهِدَ عَلَيْكَ بِالْبَيْعِ وَقَبْضِ الثَّمَنِ تَلْجِئَةً مِنِّي إلَيْكَ لَا حَقِيقَةً، وَقَالَ الْآخَرُ نَعَمْ فَأُشْهِدَ لَهُ بِالْبَيْعِ، وَقَدْ حَضَرَ الشُّهُودُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ فِيمَا أَعْلَمُ يَقَعُ الْبَيْعُ

стр. 3781

وَالْمَقَالَةُ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ بَاطِلَةٌ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ الْبَيْعُ بَاطِلٌ عَلَى الْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ أُلْجِئَ أَيْ أَجْعَلَكَ ظَهْرًا لِي لِأَتَمَكَّنَ بِجَاهِكَ مِنْ صِيَانَةِ مِلْكِي يُقَالُ الْتَجَأَ فُلَانٌ إلَى فُلَانٍ وَأَلْجَأَ ظَهْرَهُ إلَى كَذَا وَالْمُرَادُ هَذَا الْمَعْنَى وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَا مُلْجَأٌ مُضْطَرٌّ إلَى مَا أُبَاشِرُهُ مِنْ الْبَيْعِ مَعَكَ وَلَسْتُ بِقَاصِدٍ حَقِيقَةَ الْبَيْعِ، ثُمَّ صَحَّحَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ رِوَايَتَهُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِقَوْلِهِ فِيمَا أَعْلَمُ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ الْغَيْرِ كَالشَّهَادَةِ، وَهَذَا اللَّفْظُ شَكٌّ فِي الشَّهَادَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَلَكِنْ رَوَى الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ﵏ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ مُطْلَقًا وَرَوَى مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْإِمْلَاءِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا إذَا تَصَادَقَا أَنَّهُمَا بَنَيَا عَلَى تِلْكَ الْمُوَاضَعَةِ فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا كَمَا ذَكَرَاهُ فِي الْبَيْعِ نَصًّا، وَإِنْ تَصَادَقَا أَنَّهُمَا أَعْرَضَا عَنْ تِلْكَ الْمُوَاضَعَةِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمُوَاضَعَةَ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ وَلَا تَكُونُ أَقْوَى مِنْ الْمُعَاقَدَةِ وَلَوْ تَبَايَعَا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ كَانَ الثَّانِي مُبْطِلًا لِلْأَوَّلِ، فَإِذَا تَوَاضَعَا، ثُمَّ تَعَاقَدَا أَوْلَى، وَإِذَا اخْتَلَفَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا بَنَيْنَا عَلَى تِلْكَ الْمُوَاضَعَةِ، وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ أَعْرَضْنَا عَنْهَا فَعِنْدَهُمَا الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْبِنَاءَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ وَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ، وَلِأَنَّا نَجْعَلُ كَأَنَّ أَحَدَهُمَا أَعْرَضَ عَنْ تِلْكَ الْمُوَاضَعَةِ وَالْآخَرَ بَنَى عَلَيْهَا وَتِلْكَ الْمُوَاضَعَةُ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ مِنْهُمَا وَلَوْ شَرَطَا الْخِيَارَ، ثُمَّ أَسْقَطَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَتِمَّ الْبَيْعُ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ الْأَصْلُ فِي الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ الصِّحَّةُ وَاللُّزُومُ فَمَنْ يَقُولُ لَمْ نَبْنِ عَلَى تِلْكَ الْمُوَاضَعَةِ يَتَمَسَّكُ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ تِلْكَ الْمُوَاضَعَةَ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ بَلْ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِإِبْطَالِهَا فَإِعْرَاضُ أَحَدِهِمَا عَنْ تِلْكَ الْمُوَاضَعَةِ كَإِعْرَاضِهِمَا، وَإِنْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا نِيَّةٌ عِنْدَ الْعَقْدِ فَعِنْدَهُمَا، وَهُوَ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْبَيْعُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُمَا مَا قَصَدَا بِالْمُوَاضَعَةِ السَّابِقَةِ إلَّا بِنَاءَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُمَا بَنَيَا، وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْبَيْعُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَهُ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ وَالْمُوَاضَعَةُ السَّابِقَةُ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْعَقْدِ فَلَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِيهِ كَمَا لَوْ تَوَاضَعَا عَلَى شَرْطِ خِيَارٍ أَوْ أَجَلٍ، وَلَمْ يَذْكُرَا ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ لَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ وَلَا الْأَجَلُ فَهَذَا مِثْلُهُ. وَلَوْ قَالَ أَشْهِدْ لِي عَلَيْكَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّهَا بَاطِلٌ أَوْ عَلَى أَنَّكَ مِنْهَا بَرِيءٌ فَفَعَلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا؛ لِأَنَّ نُفُوذَ الْإِقْرَارِ يَعْتَمِدُ تَمَامَ الرِّضَا وَلِهَذَا كَانَ الْإِكْرَاهُ مَانِعًا صِحَّةَ الْإِقْرَارِ فَهُوَ وَالْبَيْعُ سَوَاءٌ بِخِلَافِ النِّكَاحِ. وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ إنِّي أُمْهِرُكِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي السِّرِّ وَأَظْهَرَ فِي الْعَلَانِيَةِ أَلْفَيْنِ وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ فَالْمَهْرُ لَهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْأَلْفِ سَمَّيَاهُ

стр. 3782

سُمْعَة وَبَاطِلًا فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مُوجِبًا. وَلَوْ تَوَاضَعَا عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ فِي السِّرِّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَأَنَّهُمَا يُظْهِرَانِ الْعَقْدَ بِمِائَةِ دِينَارٍ سُمْعَةً فَفَعَلَا ذَلِكَ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ مَا تَوَاضَعَا عَلَيْهِ لَمْ يَذْكُرَاهُ فِي الْعَقْدِ وَثُبُوتُ الْمُسَمَّى إنَّمَا يَكُونُ بِالتَّسْمِيَةِ وَمَا سَمَّيَاهُ فِي الْعَقْدِ يَقْصِدَانِ بِهِ السُّمْعَةَ فَبَقِيَ النِّكَاحُ خَالِيًا عَنْ تَسْمِيَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَكَذَا لَوْ قَالَا هَذَا فِي الْبَيْعِ وَأَمَّا فِي الْأَلْفِ دِرْهَمٍ وَالْمِائَةِ دِينَارٍ فَفِي الْقِيَاسُ الْبَيْعُ بَاطِلٌ لَوْ لَمْ يُسَمِّيَا ثَمَنًا وَفِي الِاسْتِحْسَانِ الْبَيْعُ صَحِيحٌ بِمِائَةِ دِينَارٍ؛ لِأَنَّهُمَا قَصَدَا تَصْحِيحَ أَصْلِ الْعَقْدِ وَإِنَّمَا قَصَدَا السُّمْعَةَ فِي الثَّمَنِ وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ أَصْلِ الْعَقْدِ هُنَا إلَّا بِاعْتِبَارِ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى فِيهِ وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَتَصْحِيحُ أَصْلِ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى فِيهِ مُمْكِنٌ وَلَوْ كَانَ هَذَا الْأَلْفُ وَالْأَلْفَانِ فِي الْبَيْعِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِيمَا أَعْلَمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الْبَيْعُ بِأَلْفَيْنِ وَهَكَذَا رَوَاهُ الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏ وَرَوَى مُحَمَّدٌ ﵀ فِي إمْلَائِهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا لِأَنَّهُمَا قَصَدَا السُّمْعَةَ بِذِكْرِ أَحَدِ الْأَلْفَيْنِ وَلَا حَاجَةَ فِي تَصْحِيحِ الْبَيْعِ إلَى اعْتِبَارِ تَسْمِيَتِهِمَا الْأَلْفَ الثَّانِيَةَ فَهَذَا وَالنِّكَاحُ سَوَاءٌ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَسْمِيَةِ الثَّمَنِ، فَإِذَا وَجَبَ اعْتِبَارُ بَعْضِ الْمُسَمَّى وَجَبَ اعْتِبَارُ كُلِّهِ كَمَا فِي اخْتِلَافِ الْجِنْسِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ وَقِيلَ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْأَلْفَيْنِ غَيْرُ الْأَلْفِ وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِالْأَلْفِ وَالْآخَرُ بِالْأَلْفَيْنِ لَمْ يُقْبَلْ عِنْدَهُ فَهُوَ وَاخْتِلَافُ الْجِنْسِ سَوَاءٌ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَلَكِنَّ هَذَا يُنْصِفُ بِالنِّكَاحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْإِقْرَارِ بِالْجِنَايَةِ] (قَالَ ﵀): وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَقَرَّ بِقَتْلِ رَجُلٍ خَطَأً وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِهِ عَلَى آخَرَ وَادَّعَى الْوَلِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى الْمُقِرِّ نِصْفُ الدِّيَةِ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ قَدْ أَقَرَّ لَهُ بِدِيَةٍ كَامِلَةٍ حِينَ زَعَمَ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِالْقَتْلِ، وَقَدْ صَدَّقَهُ فِي النِّصْفِ حِينَ زَعَمَا أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي الْقَتْلِ وَتَصْدِيقُهُ فِي بَعْضِ مَا أَقَرَّ بِهِ صَحِيحٌ فَإِنَّ الشُّهُودَ شَهِدُوا لَهُ عَلَى الْآخَرِ بِدِيَةٍ كَامِلَةٍ، وَهُوَ قَدْ ادَّعَى عَلَيْهِ نِصْفَ الدِّيَةِ وَالشَّهَادَةُ بِالْأَكْثَرِ مِمَّا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي لَا تَكُونُ مَقْبُولَةً لِمَعْنًى، وَهُوَ أَنَّهُ صَارَ مُكَذِّبًا لِشُهُودِهِ فِي بَعْضِ مَا شَهِدُوا لَهُ وَتَكْذِيبُ الْمُدَّعِي شُهُودَهُ يُبْطِلُ شَهَادَتَهُمْ وَصَارَ مُكَذِّبًا لِلْمُقِرِّ أَيْضًا فِي بَعْضِ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَلَكِنَّ تَكْذِيبَ الْمُقَرِّ لَهُ فِي الْبَعْضِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ التَّصْدِيقِ فِي

стр. 3783

الْبَعْضِ وَلَوْ ادَّعَى الْوَلِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى الْمُقِرِّ كَانَ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَدَّقَهُ فِي جَمِيعِ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَلَكِنَّ مَا ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ لَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ لِلْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «لَا نَعْقِلُ صُلْحًا وَلَا عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلَا اعْتِرَافًا»، وَهَذَا لِأَنَّ قَوْلَ الْمُقِرِّ حُجَّةٌ عَلَى نَفْسِهِ خَاصَّةً دُونَ عَاقِلَتِهِ وَلَوْ ادَّعَى ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى الَّذِي قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُكَذِّبًا لِلْمُقِرِّ فَبَطَلَ إقْرَارُهُ وَبَقِيَتْ دَعْوَاهُ عَلَى الَّذِي شَهِدَ لَهُ الشُّهُودُ، وَقَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ قَتْلُ الْخَطَأِ بِالْبَيِّنَةِ فَتَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ. وَلَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا عَمْدًا وَحْدَهُ وَأَقَرَّ آخَرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَقَالَ الْوَلِيُّ قَتَلْتُمَاهُ جَمِيعًا كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَارَ مُقِرًّا لَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقِصَاصِ، وَقَدْ صَدَّقَهُ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأَسْبَابَ مَطْلُوبَةٌ لِأَحْكَامِهَا فَبَعْدَ مَا وُجِدَ التَّصَادُقُ فِي الْحُكْمِ لَا يُعْتَبَرُ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْإِقْرَارِ وَالتَّصْدِيقِ فِي السَّبَبِ. وَلَوْ قَالَ لِأَحَدِهِمَا أَنْتَ قَتَلْتَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ لِأَنَّهُ كَذَّبَ الْآخَرَ فِي إقْرَارِهِ فَبَطَلَ ذَلِكَ الْإِقْرَارُ وَيَبْقَى الْإِقْرَارُ الثَّانِي، وَقَدْ صَدَّقَهُ فِيهِ وَلَوْ قَالَ صَدَقْتُمَا فِيهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ تَكْرَارُ الْقَتْلِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ شَخْصَيْنِ عَلَى وَاحِدٍ فَكَانَ فِي تَصْدِيقِ الْأَكْثَرِ مِنْهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ وَحْدَهُ تَكْذِيبُ الْأَصْغَرِ. وَكَذَلِكَ فِي تَصْدِيقِهِ الْأَصْغَرَ أَنَّهُ قَتَلَهُ وَحْدَهُ تَكْذِيبُ الْأَكْبَرِ فَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. وَلَوْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِمِثْلِ ذَلِكَ عَلَى آخَرَ فَادَّعَى الْوَلِيُّ أَحَدَهُمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ الْمُقِرَّ؛ لِأَنَّهُ صَدَّقَهُ فِيمَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ مِنْ الْقِصَاصِ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْآخَرِ لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ قَتْلًا مُشْتَرَكًا وَالشُّهُودُ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِقَتْلٍ انْفَرَدَ هُوَ بِهِ فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ أَزْيَدَ مِنْ الدَّعْوَى، وَلِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ فِي السَّبَبِ يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ كَمَا لَوْ ادَّعَى أَلْفًا غَصْبًا وَشَهِدَ لَهُ الشُّهُودُ بِأَلْفٍ قَرْضٍ بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ مِنْ الْإِقْرَارِ] (قَالَ ﵀): وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ اقْتَضَى مِنْ فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَقَالَ فُلَانٌ مَا كَانَ لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ، وَلَكِنَّكَ أَخَذْتَهَا مِنِّي ظُلْمًا أَمَرَ الْقَاضِي بِرَدِّهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا مَرَّةً وَأَعَدْنَاهَا لِفُرُوعٍ نَذْكُرُهَا هُنَا، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: قَبَضْتُهَا بِوَكَالَةٍ مِنْ فُلَانٍ كَانَتْ لَهُ عَلَيْكَ أَوْ وَهَبْتَهَا لَهُ فَأَمَرَنِي فَقَبَضْتُهَا وَدَفَعْتُهَا إلَيْهِ كَانَ ضَامِنًا لِلْمَالِ وَإِقْرَارُهُ بِالْقَبْضِ لِغَيْرِهِ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ كَإِقْرَارِهِ بِالْقَبْضِ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَنْتَفِي عَنْهُ فِي الْفَصْلَيْنِ بِثُبُوتِ الْمَالِ لَهُ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ وَلِمَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ قَبَضَ

стр. 3784

لَهُ، وَلَمْ يُثْبِتْ ذَلِكَ بِدَعْوَاهُ فَكَانَ ضَامِنًا لِلْمَالِ. وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَجَحَدَ ذَلِكَ فُلَانٌ وَادَّعَى الطَّالِبُ أَنَّ الْمَالَ عَلَى الْمُقِرِّ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْمُقِرَّ مِنْ ذَلِكَ النِّصْفُ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْأَلْفِ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى غَيْرِهِ مُوجِبَةٌ لِلِانْقِسَامِ فَصَارَ مُقِرًّا بِنِصْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَبِنِصْفِهِ عَلَى الْآخَرِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْآخَرَ لَوْ صَدَّقَهُ كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهَا، فَإِذَا كَذَّبَهُ بَطَلَ مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَيْهِ وَبَقِيَ مُؤَاخَذًا بِمَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ النِّصْفُ. وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ بِمِثْلِهِ مِنْ غَصْبٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ مُضَارَبَةٍ أَوْ قَتْلِ خَطَأٍ أَوْ جِرَاحَةٍ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ لِمَا بَيَّنَّا. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَطَعَ يَدَ فُلَانٍ هُوَ وَفُلَانٍ عَمْدًا وَجَحَدَ فُلَانٌ ذَلِكَ وَادَّعَى الطَّالِبُ أَنَّ الْمُقِرَّ قَطَعَهُ وَحْدَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ فِي الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِنِصْفِ الْأَرْشِ فَإِنَّ الْيَدَيْنِ لَا يُقْطَعَانِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَنَا، وَلَكِنْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَالَيْنِ بِنِصْفِ الْأَرْشِ وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي عَلَيْهِ الْقِصَاصَ فَكَانَ مُكَذِّبًا لَهُ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ مُدَّعِيًا عَلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ، وَلَكِنْ اسْتَحْسَنَ، فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ نِصْفُ أَرْشِ الْيَدِ، وَهَذَا نَظِيرُ مَا قَالَ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ إذَا قَالَ: قَتَلْتَ وَلِيَّ هَذَا عَمْدًا، فَقَالَ بَلْ قَتَلْتُهُ خَطَأً تَقْضِي بِالدِّيَةِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَقَرَّ بِهِ مَعَ إصْرَارِهِ عَلَى الدَّعْوَى بِأَنْ يَقُولَ حَقِّي فِي الْقِصَاصِ، وَلَكِنَّهُ طَلَبَ مِنِّي أَنْ آخُذَ الْمَالَ عِوَضًا عَنْ الْقِصَاصِ، وَهَذَا جَائِزٌ. وَكَذَلِكَ هُنَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَهُوَ نِصْفُ الْأَرْشِ مَعَ إصْرَارِهِ عَلَى دَعْوَى الْقِصَاصِ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي النَّفْسِ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ الْمُقِرَّ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْمُثَنَّى يَقْتُلُ الْوَاحِدَ، وَقَالَ وَالْقِيَاسُ فِي النَّفْسِ هَكَذَا أَنْ لَا يُسْتَوْفَى الْمُثَنَّى بِالْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ الْمُمَاثَلَةَ وَالْوَاحِدُ لَا يَكُونُ مِثْلًا لِلْمُثَنَّى وَكَيْفَ يَكُونُ مِثْلًا لَهُمَا، وَهُوَ مِثْلٌ لِكُلِّ وَاحِدِ مِنْهُمَا وَكُنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ فِي النَّفْسِ لِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَتَلَ سَبْعَةً مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ بِوَاحِدٍ، وَقَالَ لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ، وَهَذَا الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ إلَّا هُنَا. وَلَوْ قَالَ أَقْرَضَنِي أَنَا فُلَانٌ أَلْفَ دِرْهَمٍ لَزِمَهُ النِّصْفُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِنِصْفِ الْمَالِ قَالَ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَفُلَانٍ، ثُمَّ قَالَ عَنَيْتُ الْآخَرَ مَعِي فِي الدَّيْنِ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ الدَّيْنُ لَهُمَا عَلَيْهِ نِصْفَيْنِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَوَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلِفُلَانٍ، وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَهُ. وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلِفُلَانٍ كَانَتْ الْأَلْفُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَحَدِهِمَا سِتُّمِائَةٍ وَلِلْآخَرِ أَرْبَعُمِائَةٍ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا أَنْ يَصِلَ كَلَامَهُ؛ لِأَنَّ

стр. 3785

مُقْتَضَى أَوَّلِ كَلَامِهِ الْمُنَاصَفَةُ بَيْنَهُمَا فَكَانَ بَيَانُهُ مُغَيِّرًا، وَلَكِنَّهُ مِنْ مُحْتَمِلَاتِ كَلَامِهِ فَيَصِحُّ مَوْصُولًا وَلَا يَصِحُّ مَفْصُولًا إلَّا أَنَّهُ إذَا فَصَلَ فَعَلَيْهِ لِلَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِأَرْبَعِمِائَةٍ خَمْسُمِائَةٍ؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ عَنْ الْإِقْرَارِ لَهُ فِي قَدْرِ الْمِائَةِ وَعَلَيْهِ لِلْآخَرِ سِتُّمِائَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ فِي بَيَانِهِ بِمِائَةٍ زَائِدَةٍ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ. وَلَوْ قَالَ أَقْرَضَنِي فُلَانٌ أَلْفَ دِرْهَمٍ مَعَ فُلَانٍ كَانَتْ الْأَلْفُ لَهُمَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ أَقْرَضَنِي فُلَانٌ مَعَ فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ مَعَ لِلْقِرَانِ فَيُوجِبُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا كَحَرْفِ الْوَاوِ. وَلَوْ قَالَ: أَقْرَضَنِي فُلَانٌ أَلْفَ دِرْهَمٍ عِنْدَ فُلَانٍ كَانَتْ الْأَلْفُ لِلْأَوَّلِ لِأَنَّهُ مَا أَشْرَكَ الثَّانِيَ مَعَ الْأَوَّلِ فِي الْإِقْرَاضِ وَإِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّ الْإِقْرَاضَ مِنْ الْأَوَّلِ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْ الثَّانِي. وَلَوْ قَالَ أَقْرَضَنِي وَفُلَانًا مَعِي أَلْفَ دِرْهَمٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ خَمْسُمِائَةٍ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فُلَانًا مَنْصُوبًا فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ فِي مَحَلِّ الْمَفْعُولِ كَالْمُقِرِّ وَأَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ أُقِرَّ فِيهِمَا جَمِيعًا بِالْأَلْفِ فَلِهَذَا كَانَتْ عَلَيْهِ خَمْسُمِائَةٍ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفُلَانٌ مَعِي وَالْأَصَحُّ هُوَ الْأَوَّلُ. وَإِنْ قَالَ: أَقْرَضَنِي - وَفُلَانٌ مَعِي شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ - فُلَانٌ أَلْفَ دِرْهَمٍ كَانَتْ الْأَلْفُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ لِلثَّانِي خَبَرًا، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ شَاهِدًا فَلَا يَدْخُلُ مَعَهُ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ الِاسْتِقْرَاضِ فَإِنَّمَا يَكُونُ مُقِرًّا عَلَى نَفْسِهِ خَاصَّةً بِاسْتِقْرَاضِ الْأَلْفِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَفُلَانٌ مَعِي حَالَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ إقْرَارِ الْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ بِالْقَبْضِ] (قَالَ ﵀): وَإِذَا أَقَرَّ الْوَصِيُّ أَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى جَمِيعَ مَا لِلْمَيِّتِ عَلَى فُلَانٍ، وَلَمْ يُسَمِّ كَمْ هُوَ صَحَّ إقْرَارُهُ فِي بَرَاءَةِ الْغَرِيمِ؛ لِأَنَّهُ فِي الِاسْتِيفَاءِ قَائِمٌ مَقَامَ الْوَصِيِّ فَإِقْرَارُهُ بِهِ كَإِقْرَارِ الْمُوصِي بِالِاسْتِيفَاءِ مِنْهُمَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى بَيَانِ الْمُسْتَوْفَى فِيمَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْقَبْضِ وَمَا تَمَّ اسْتِيفَاؤُهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْقَبْضِ فَتَرْكُ الْبَيَانِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ. وَلَوْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّمَا قَبَضْتُ مِنْهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الْغَرِيمُ كَانَ لِلْمَيِّتِ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَقَدْ صَحَّ فَيَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يُطَالِبَهُ بِشَيْءٍ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ بَيَانَ الْمِقْدَارِ مِنْ الْوَصِيِّ لِلْمُسْتَوْفَى غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي حَقِّ الْغَرِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ فِي أَنْ يُلْزِمَ ذِمَّتَهُ شَيْئًا، وَقَدْ اسْتَفَادَ الْبَرَاءَةَ بِإِقْرَارِهِ مُطْلَقًا، وَلَكِنْ لَا ضَمَانَ عَلَى الْوَصِيِّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْغَرِيمِ فِي بَيَانِ مِقْدَارِ الدَّيْنِ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي إلْزَامِ الضَّمَانِ عَلَى الْوَصِيِّ فَإِنَّ إقْرَارَ الْمَرْءِ إنَّمَا يَصِحُّ فِيمَا يُلْزِمُ نَفْسَهُ لَا غَيْرَهُ، وَهُوَ بِهَذَا الْإِقْرَارِ لَا يُلْزِمُ نَفْسَهُ وَإِنَّمَا يُلْزِمُ الْوَصِيَّ فَلَا
следующие страницы →