← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 5423

المبسوط للسرخسي

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (6 278 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

لِنَفْسِهِ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ مُنَاقِضًا. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ لِفُلَانٍ، ثُمَّ جَاءَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ لَهُ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ لِلتَّنَاقُضِ. وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ دَارًا، فَقَالَ هَذِهِ الدَّارُ لِي إلَّا هَذَا الْبَيْتَ وَجَحَدَهُ ذُو الْيَدِ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَنَّ الدَّارَ لَهُ، فَإِنْ قَالَ كَانَ الْبَيْتُ لِي فَبِعْتُهُ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ لِأَنَّ الشُّهُودَ، وَإِنْ شَهِدُوا لَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَاهُ إلَّا أَنَّهُ وَفَّقَ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ بِتَوْقِيفٍ مُحْتَمَلٍ فَيَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُكَذِّبًا لِشُهُودِهِ، وَإِنْ قَالَ لَمْ يَكُنْ الْبَيْتُ لِي قَطُّ فَهَذَا إكْذَابٌ مِنْهُ لِشُهُودِهِ إذَا شَهِدُوا لَهُ بِجَمِيعِ الدَّارِ وَالْمُدَّعِي إذَا أَكْذَبَ شُهُودَهُ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ سَأَلَهُ الْقَاضِي عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ بِبَيَانِهِ مِنْ سُؤَالِهِ، فَإِنْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي الظَّاهِرِ مُكَذِّبٌ شُهُودَهُ فَإِنَّهُمْ شَهِدُوا لَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَاهُ إلَّا أَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ التَّوْقِيفِ، فَإِذَا أَبَى أَنْ يُوقِفَ نَفَى ظَاهِرَ الْإِكْذَابِ أَرَأَيْتَ لَوْ قُضِيَ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ، ثُمَّ قَالَ الْمُدَّعِي مَا كَانَ الْبَيْتُ لِي قَطُّ لَمْ يَكُنْ بِحَقٍّ عَلَيْهِ إبْطَالُ قَضَائِهِ فَكَذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ لَا يُقْضَى إذَا لَمْ يُبَيِّنْ، وَعَلَى هَذَا لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ بِالْأَلْفِ دِرْهَمٍ وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِأَلْفَيْنِ، فَإِنْ قَالَ لَمْ يَكُنْ لِي عَلَيْهِ إلَّا أَلْفُ دِرْهَمٍ فَهَذَا إكْذَابٌ مِنْهُ لِشُهُودِهِ. وَإِنْ قَالَ كَانَ لِي عَلَيْهِ أَلْفَانِ فَأَبْرَأْتُهُ مِنْ أَلْفٍ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يُبَيِّنَ بَطَلَتْ الشَّهَادَةُ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ فِي الْفَصْلَيْنِ، وَفِي الْقِيَاسِ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَاتِ حُجَجٌ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا مَا أَمْكَنَ وَمَا دَامَ التَّوْقِيفُ مُمْكِنًا فَالْمَانِعُ مِنْ الْعَمَلِ بِالْبَيِّنَةِ غَيْرُ مُتَعَذِّرٍ وَلَكِنْ اُسْتُحْسِنَ لِلْإِكْذَابِ الظَّاهِرِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. وَإِذَا أَقَرَّتْ الْأَمَةُ بِالرِّقِّ لِرَجُلٍ فَبَاعَهَا الْمُقَرُّ لَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لَهُ فِيهَا بِإِقْرَارِهَا وَالْمِلْكُ مُطْلَقٌ لِلتَّصَرُّفِ، فَإِذَا ادَّعَتْ عِتْقًا بَعْدَ الْبَيْعِ وَأَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ عَلَى عِتْقٍ مِنْ الْبَائِعِ قَبْلَ الْبَيْعِ أَوْ عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ مِنْ الْأَصْلِ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهَا اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهَا انْقَادَتْ لِلْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ، وَذَلِكَ إقْرَارٌ مِنْهَا بِأَنَّهَا لَمْ يَجْرِ فِيهَا مِنْ الْبَائِعِ عِتْقٌ قَبْلَ هَذَا فَتَكُونُ مُنَاقَضَةً فِي دَعْوَى الْعِتْقِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِذَا ادَّعَتْ حُرِّيَّةَ الْأَصْلِ فَالتَّنَاقُضُ ظَاهِرٌ لِتَقَدُّمِ الْإِقْرَارِ مِنْهَا بِالرِّقِّ عَلَى نَفْسِهَا وَمَعَ التَّنَاقُضِ فِي الدَّعْوَى لَا تَكُونُ الْبَيِّنَةُ مَقْبُولَةً، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ، فَقَالَ التَّنَاقُضُ بِعَدَمِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ عَلَى عِتْقِ الْأَمَةِ يُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ الدَّعْوَى فَكَذَلِكَ مَعَ التَّنَاقُضِ، وَفِي الْكِتَابِ عَلَّلَ، فَقَالَ: لِأَنَّ هَذَا فَرْجٌ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَخْرُجَ الْفَرْجُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَتَكُونُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ مَقْبُولَةً حِسْبَةً، وَلَكِنْ هَذَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ، فَأَمَّا التَّنَاقُضُ مِنْ الْعَبْدِ فَيَمْنَعُ قَبُولَ الْبَيِّنَةِ عَلَى حُرِّيَّتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَهُنَا؛ لِأَنَّ التَّنَاقُضَ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْإِبْطَالَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَحُرِّيَّةُ الْأَصْلِ بَعْدَ تَأَكُّدِهَا لَا تَحْتَمِلُ الْإِبْطَالَ. وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يَكُونُ

стр. 3817

التَّنَاقُضُ فِيهِ مَانِعًا مِنْ قَبُولِ الْبَيِّنَةِ كَالنَّسَبِ فَإِنَّ التَّنَاقُضَ فِي دَعْوَى النَّسَبِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ حَتَّى أَكْذَبَ الْمُلَاعَنُ نَفْسَهُ لَثَبَتَ النَّسَبُ مِنْهُ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ عَبْدًا وَدَفَعَهُ إلَى الْمُشْتَرِي وَقَبَضَ ثَمَنَهُ وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَذَهَبَ بِهِ إلَى مَنْزِلِهِ وَالْعَبْدُ سَاكِتٌ، وَهُوَ مِمَّنْ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَهَذَا إقْرَارٌ مِنْهُ بِالرِّقِّ؛ لِأَنَّهُ إنْقَادٌ بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ شَرْعًا إلَّا فِي الرَّقِيقِ وَإِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالرِّقِّ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ بِمَنْزِلَةِ التَّصْرِيحِ بِالْإِقْرَارِ بِهِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الْحُرِّيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَسْعَى فِي بَعْضِ مَا تَمَّ بِهِ إلَّا أَنْ تَقُومَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ وَالتَّنَاقُضُ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ أَوْ دَفَعَهُ بِجِنَايَةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا تَصَرُّفٌ فِي الْعَيْنِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِرِقِّهِ فَانْقِيَادُهُ لِذَلِكَ إقْرَارٌ بِالرِّقِّ عَلَى نَفْسِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَجَّرَهُ، ثُمَّ قَالَ أَنَا حُرٌّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَصَرُّفٌ فِي مَنَافِعِهِ لَا فِي عَيْنِهِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ رِقُّ الْمَحَلِّ فَإِنَّ مَنَافِعَ الْحُرِّ تُمْلَكُ بِالْإِجَارَةِ عِنْدَ إيجَابِهِ أَوْ إيجَابِ الْغَيْرِ بِبَيَانِهِ وَتَكُونُ مَنْفَعَتُهُ حَقًّا لَهُ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَخْدُمُهُ، ثُمَّ قَالَ أَنَا حُرٌّ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فَكَذَلِكَ إذَا خَدَمَ الْمُسْتَأْجِرَ بِإِجَارَتِهِ، قَالَ: وَالْإِجَارَةُ لَيْسَتْ بِإِقْرَارٍ مِنْ الْخَادِمِ بِالرِّقِّ وَهِيَ إقْرَارٌ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ بِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ حَتَّى لَوْ ادَّعَاهُ بَعْدَ مَا اسْتَأْجَرَهُ لِنَفْسِهِ لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ تُمْلَكُ بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ فَمُبَاشَرَتُهُ سَبَبَ الْمِلْكِ فِي الْمَنْفَعَةِ مَقْصُودًا يَكُونُ إقْرَارًا مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ وَأَمَّا إيجَابُ الْمَنْفَعَةِ لِلْغَيْرِ فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا عَلَى نَفْسِهِ بِالْمِلْكِ فِي الْعَيْنِ لِأَحَدٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَعِرْنِي هَذَا يَخْدُمْنِي كَانَ هَذَا إقْرَارًا مِنْ الْمُسْتَعِيرِ أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ كَمَا أَنَّهُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى يَدِنَا. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنْ بَلَدٍ وَمَعَهُ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ يَخْدُمُونَهُ فَادَّعَى أَنَّهُمْ رَقِيقُهُ وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ كَانُوا أَحْرَارًا؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَا تَقْوَى عَلَى مَنْ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا أَغِلْمَةً عُجْمًا أَوْ سُودًا أَوْ حَبَشًا فَهَذِهِ الصِّفَاتُ لَا تُنَافِي حُرِّيَّةَ الْأَصْلِ. وَكَذَلِكَ إنْ عُلِمَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ يَدَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ أَقْوَى فَمَا لَمْ يُقِرَّ بِالْمِلْكِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمْ فِي الْحُرِّيَّةِ. وَلَوْ عَرَضَ جَارِيَةً عَلَى الْبَيْعِ وَهِيَ سَاكِتَةٌ لَمْ يَكُنْ هَذَا إقْرَارًا بِالرِّقِّ مِنْهَا. وَكَذَلِكَ الْغُلَامُ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُحْتَمَلٌ فَقَدْ يَكُونُ لِلتَّعْجِيبِ أَنَّهُ كَيْفَ تَعْرِضُنِي وَأَنَا حُرَّةٌ، وَقَدْ يَكُونُ لِلِاسْتِخْفَافِ فَعَلَيْهِ لَا الْتِفَاتَ إلَى كَلَامِهِ لِكَوْنِهِ لَاعِبًا فَلِهَذَا يُجْعَلُ إقْرَارًا بِالرِّقِّ. وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً زَوَّجَهَا رَجُلٌ مِنْ آخَرَ فَأَقَرَّتْ بِذَلِكَ، ثُمَّ ادَّعَى الَّذِي زَوَّجَهَا أَنَّهَا أَمَتُهُ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ انْقِيَادَهَا بِالنِّكَاحِ لَا يَكُونُ إقْرَارًا مِنْهَا بِالرِّقِّ كَانْقِيَادِهَا لِلْإِجَارَةِ فَإِنَّ الْحُرَّةَ مَحَلٌّ لِلنِّكَاحِ. وَلَوْ كَاتَبَهَا أَوْ أَعْتَقَهَا عَلَى مَالٍ أَوْ قَالَتْ كَاتِبْنِي أَوْ أَعْتِقْنِي أَوْ بِعْنِي نَفْسِي أَوْ بِعْنِي مِنْ فُلَانٍ أَوْ ارْهَنِّي مِنْ فُلَانٍ أَوْ

стр. 3818

تَزَوَّجْ فُلَانَةَ عَلَى رَقَبَتِي أَوْ قَالَتْ لِامْرَأَةٍ اخْتَلِعِي مِنْ زَوْجِكَ عَلَى رَقَبَتِي فَهَذَا كُلُّهُ إقْرَارٌ مِنْهَا بِالرِّقِّ؛ لِأَنَّ مَا صَرَّحَتْ بِهِ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهُ فِيهَا إلَّا بِرَقَبَتِهَا فَتَصْرِيحُهَا بِذَلِكَ إقْرَارٌ مِنْهَا بِالرِّقِّ عَلَى نَفْسِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَتْ أَجِّرْنِي مِنْ فُلَانٍ فَهَذَا لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالرِّقِّ لِمَا قُلْنَا. وَلَوْ قَالَ لِآخَرَ أَعْتِقْنِي كَانَ هَذَا إقْرَارًا بِالرِّقِّ لَهُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَصِحُّ فِيهِ إلَّا بَعْدَ الرِّقِّ مِمَّنْ هُوَ يَمْلِكُهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَلَمْ تَعْتِقْنِي أَمْسِ أَوَ لَيْسَ قَدْ أَعْتَقْتَنِي أَمْسِ أَوْ مَا أَعْتَقْتَنِي أَمْسِ كَانَ هَذَا إقْرَارًا بِالرِّقِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْإِقْرَارِ بِالنِّكَاحِ] (قَالَ ﵀) امْرَأَةٌ قَالَتْ لِرَجُلٍ طَلِّقْنِي فَهَذَا إقْرَارٌ مِنْهَا بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّهَا طَلَبَتْ مِنْهُ مَا لَا يَصِحُّ شَرْعًا إلَّا بَعْدَ صِحَّةِ النِّكَاحِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بِالنِّكَاحِ، وَهَذَا لِأَنَّ الطَّلَاقَ لِلْإِطْلَاقِ عَنْ قَيْدِ النِّكَاحِ فَكَأَنَّهَا قَالَتْ أَطْلِقْنِي عَنْ قَيْدِ النِّكَاحِ الَّذِي لَكَ عَلَيَّ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَتْ اخْلَعْنِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَهَذَا أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهَا الْتَزَمَتْ الْبَدَلَ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْبَدَلُ إلَّا بِزَوَالِ مِلْكِ النِّكَاحِ عَنْهَا بِالْخُلْعِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَتْ طَلَّقْتَنِي أَمْسِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ أَنْتِ مِنِّي مُظَاهِرٌ أَوْ مُولٍ فَإِنَّ شَيْئًا مِمَّا أَخْبَرَتْ بِهِ لَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ صِحَّةِ النِّكَاحِ فَإِقْرَارُهَا بِهِ تَضَمَّنَ الْإِقْرَارَ بِالنِّكَاحِ. وَلَوْ قَالَ الرَّجُلُ اخْتَلِعِي مِنِّي بِمَالٍ كَانَ هَذَا إقْرَارًا مِنْهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ بِمَالٍ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ صِحَّةِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَتْ لَهُ طَلِّقْنِي، فَقَالَ لَهَا اخْتَارِي أَوْ أَمْرُكَ بِيَدِكَ فِي الطَّلَاقِ فَهَذَا مِنْهُ إقْرَارٌ بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ تَفْوِيضَهُ الطَّلَاقَ إلَيْهَا لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ صِحَّةِ النِّكَاحِ. وَلَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ لَا يَكُونُ هَذَا إقْرَارًا مِنْهُ بِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُحْتَمَلٌ فَلَعَلَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ قُرْبَانِهَا لِعَدَمِ الْمِلْكِ لَهُ عَلَيْهَا وَلَعَلَّهُ قَصَدَ الْإِضْرَارَ بِهَا وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَكُونُ حُجَّةً، ثُمَّ هَذَا الْكَلَامُ نَفْيُ مُوجِبِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا وَنَفْيُ مُوجِبِ الْعَقْدِ لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالْعَقْدِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ بَائِنَةٌ أَوْ بَتَّةٌ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالْحُرْمَةِ وَمُوجَبُ النِّكَاحِ ضِدُّهُ، وَهُوَ الْحِلُّ فَوَصْفُهَا بِهِ لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالنِّكَاحِ إلَّا أَنْ تَقُولَ لَهُ طَلِّقْنِي فَيَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ غَيْرَ أَنَّ مُذَاكَرَةَ الطَّلَاقِ مُعَيِّنَةً لِلطَّلَاقِ وَلِهَذَا لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى الْبَيِّنَةِ وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ إقْرَارٌ مِنْهُ بِالنِّكَاحِ. وَلَوْ قَالَ: أَنَا مُولٍ مِنْكَ أَوْ مُظَاهِرٌ كَانَ إقْرَارًا مِنْهُ بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ وَالظِّهَارَ تَصَرُّفٌ مِنْهُ يَخْتَصُّ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ. وَلَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ هَذَا إخْبَارٌ مِنْهُ

стр. 3819

بِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ، وَهُوَ ضِدُّ مُوجَبِ النِّكَاحِ. وَلَوْ قَالَ أَلَمْ أُطَلِّقْكِ أَمْسِ أَوْ أَمَا طَلَّقْتُكِ أَمْسِ فَهَذَا إقْرَارٌ مِنْهُ بِالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الِاسْتِفْهَامِ مَعْنَى التَّقْرِيرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] أَيْ قَدْ أَتَاكُمْ وَتَقْرِيرُ الطَّلَاقِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ النِّكَاحِ فَكَانَ إقْرَارًا بِهِمَا. وَلَوْ قَالَ هَلْ طَلَّقْتُكِ أَمْسِ كَانَ هَذَا إقْرَارًا بِالنِّكَاحِ دُونَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ النِّكَاحِ فَكَانَ هَذَا إقْرَارًا بِالنِّكَاحِ. وَلَوْ قَالَتْ هَذَا ابْنِي مِنْكَ، فَقَالَ نَعَمْ فَهُوَ إقْرَارٌ مِنْهُمَا بِالنِّكَاحِ إذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً أَنَّهَا حُرَّةٌ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ بِاعْتِبَارِ الْفِرَاشِ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْفِرَاشُ الصَّحِيحُ وَالشَّرْعُ إنَّمَا يُرِيدُ الصَّحِيحَ دُونَ الْفَاسِدِ وَلَا يَثْبُتُ الْفِرَاشُ الصَّحِيحُ عَلَى الْحُرَّةِ إلَّا بِالنِّكَاحِ فَكَانَ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى النَّسَبِ اتِّفَاقًا عَلَى سَبَبِهِ، وَهُوَ النِّكَاحُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ إقْرَارِ الْمُكَاتَبِ وَالْحُرِّ] (قَالَ ﵀): وَإِذَا أَقَرَّ الْمُكَاتَبُ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ لِحُرٍّ أَوْ لِعَبْدٍ مِنْ ثَمَنِ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ غَصْبٍ فَهَذَا لَازِمٌ لَهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مِنْ التِّجَارَةِ وَعَقْدُ الْكِتَابَةِ يُوجِبُ انْفِكَاكَ الْحَجْرِ عَنْهُ مِمَّا هُوَ مِنْ التِّجَارَةِ، فَإِنْ عَجَزَ لَمْ يَبْطُلْ ذَلِكَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِإِقْرَارِهِ كَالثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْعَبْدَ لَوْ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ، ثُمَّ حَجَرَ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ لَمْ يَبْطُلْ إقْرَارُهُ فَالْمُكَاتَبُ أَوْلَى بِذَلِكَ. وَلَوْ أَقَرَّ الْمُكَاتَبُ لِمَوْلَاهُ بِدَيْنٍ جَازَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ صَارَ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ وَصَارَ الْمَوْلَى مِنْهُ كَالْأَجْنَبِيِّ. وَإِقْرَارُ الْمُكَاتَبِ بِالْحُدُودِ جَائِزٌ كَإِقْرَارِ الْعَبْدِ بِهَا، وَإِنْ أَقَرَّ بِمَهْرٍ مِنْ نِكَاحٍ لَمْ يَلْزَمْ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ وَلَا هُوَ سَبَبُ اكْتِسَابِ الْمَالِ فِي حَقِّ الزَّوْجِ إلَّا أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ إذَا أَقَرَّ بِالدُّخُولِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِ الْعَبْدِ التَّاجِرِ بِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَذْهَبَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فِي ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ افْتَضَّ امْرَأَةً بِأُصْبُعِهِ حُرَّةً أَوْ أَمَةً أَوْ صَبِيَّةً فَهَذَا يَلْزَمُهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ التَّاجِرَ لَوْ أَقَرَّ بِهِ كَانَ مُؤَاخَذًا بِهِ فِي الْحَالِ عِنْدَهُ فَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بِالْجِنَايَةِ. وَإِقْرَارُ الْمُكَاتَبِ بِالْجِنَايَةِ صَحِيحٌ فِي حَالِ قِيَامِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ يَجِبُ فِيهِ وَكَسْبُهُ حَقُّهُ، فَإِنْ عَجَزَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ بَطَلَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَجَازَ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا إذَا عَجَزَ بَعْدَ مَا قَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ قُلْنَا إذَا عَجَزَ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي يَبْطُلُ إقْرَارُهُ هَكَذَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا ﵏، وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْحَاكِمُ ﵀ وَجَعَلَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِهِ بِقَتْلِ

стр. 3820

رَجُلٍ خَطَأً، وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ عَنْهُ أَنَّ هُنَا الْجَوَابُ مُطْلَقٌ كَمَا قَالَ فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ الْخَطَأِ تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَتَحَوَّلُ إلَى كَسْبِهِ بِالْقَضَاءِ حَتَّى لَوْ عَجَزَ قَبْلَ الْقَضَاءِ لَدَفَعَ بِهِ، فَأَمَّا جِنَايَتُهُ بِالِافْتِضَاضِ بِالْأُصْبُعِ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ بِهِ بِحَالٍ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِكَسْبِهِ ابْتِدَاءً، فَإِنْ عَجَزَ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَ الْقَضَاءِ كَانَ مُطَالَبًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ لَمَّا كَانَ سَبَبُهُ إقْرَارَهُ لَمْ يُطَالَبْ بِهِ بَعْدَ الْعَجْزِ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِهِ بِالْجِنَايَةِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ قَضَاءُ الْقَاضِي، وَإِذَا قَضَى عَلَيْهِ بِأَرْشِ جِنَايَةِ الْخَطَأِ بَعْدَ مَا أَقَرَّ بِهِ فَأَدَّى بَعْضَهُ، ثُمَّ عَجَزَ بَطَلَ فِيهِ مَا بَقِيَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ لَوْ طُولِبَ بِهِ إنَّمَا يُطَالَبُ بِإِقْرَارِهِ بِالْجِنَايَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِيمَا هُوَ حَقُّ الْمَوْلَى، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ هُوَ لَازِمٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ دَيْنًا بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَالْتَحَقَ بِسَائِرِ الدُّيُونِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَجَزَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ دَيْنًا فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ الْعَجْزِ وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ ﵀. وَفِي مَسْأَلَةِ كِتَابِ الدِّيَاتِ وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ الْعَبْدَ تَاجِرٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ وَأَرَادَ مَوْلَاهُ أَخْذَهُ مِنْ الْمُقِرِّ فِي حَالِ غَيْبَةِ الْعَبْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ لِلْعَبْدِ يَدًا فِي مَكَاسِبِهِ مَحْجُورًا كَانَ أَوْ مَأْذُونًا حَتَّى لَا يَتِمَّ كَسْبُهُ لِمَوْلَاهُ إلَّا بِشَرْطِ الْفَرَاغِ مِنْ دَيْنِهِ فَأَخْذُ الْمَوْلَى لِذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ بِبُطْلَانِ حَقِّهِ عَنْهُ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ غَيْبَتِهِ. وَلَوْ أَقَرَّ الْحُرُّ لِعَبْدٍ بِوَدِيعَةٍ فَأَقَرَّ الْعَبْدُ أَنَّهَا لِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا جَازَ إقْرَارُهُ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَإِقْرَارُهُ بِهَا لِغَيْرِهِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ فِي يَدِ الْمُودَعِ. وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ الْعَبْدِ مَالٌ فَأَقَرَّ بِهِ لِغَيْرِهِ صَحَّ إنْ كَانَ مَأْذُونًا، وَلَمْ يَصِحَّ إنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ هُنَا. وَلَوْ أَقَرَّ الْحُرُّ لِعَبْدٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ بِدَيْنٍ، وَقَدْ أَذِنَ لَهُ أَحَدُهُمَا فِي التِّجَارَةِ دُونَ الْآخَرِ جَازَ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ لَا يَخْتَلِفُ بِكَوْنِ الْمُقَرِّ لَهُ مَأْذُونًا أَوْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَجَازَ، وَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ فَيَكُونُ بَيْنَ الْمَوْلَيَيْنِ نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ يُمْلَكُ بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ وَلَا يَخْتَصُّ الْإِذْنُ بِشَيْءٍ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ وَإِنَّمَا اخْتِصَاصُ الْإِذْنِ يُعَلِّقُ دَيْنَ الْعَبْدِ بِنَصِيبِهِ مِنْ الرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِمَالِيَّةِ الرَّقَبَةِ لَا بِصِحَّةِ الِاكْتِسَابِ مِنْ الْعَبْدِ غَيْرَ أَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَلَا يُسَلَّمُ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ شَيْءٌ لِلَّذِي لَمْ يَأْذَنْهُ مَا لَمْ يَقْضِ الْعَبْدُ دَيْنَهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ سَلَامَةَ الْكَسْبِ لِلْمَوْلَى مُتَعَلِّقَةٌ بِفَرَاغِهِ عَنْ حَاجَةِ الْعَبْدِ (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِالِاسْتِهْلَاكِ فَاكْتَسَبَ كَسْبًا كَانَ ذَلِكَ الْكَسْبُ مَصْرُوفًا إلَى دَيْنِهِ وَلَوْ أَقَرَّ هَذَا الْعَبْدُ بِدَيْنٍ لَزِمَهُ فِي حِصَّةِ الَّذِي أَذِنَ لَهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي حَقِّ مَوْلَاهُ وَنَصِيبُ الَّذِي

стр. 3821

لَمْ يَأْذَنْ لَهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فَأَجْعَلُ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حُكْمِ الْإِقْرَارِ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ عَلَى حِدَةٍ وَمَا فِي يَدِهِ مِنْ كَسْبٍ يُقْضَى بِهِ دَيْنُهُ وَيَكُونُ الْبَاقِي بَيْنَ الْمَوْلَيَيْنِ نِصْفَيْنِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ التِّجَارَةِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَيَكُونُ نِصْفُهُ لِلَّذِي لَمْ يَأْذَنْ لَهُ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا فِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يَأْذَنْ لَهُ مِنْ الرَّقَبَةِ فَكَذَلِكَ فِي الْكَسْبِ الَّذِي لَا يَعْتَمِدُ فِي حُصُولِهِ عَلَى الْإِذْنِ كَالْمَوْهُوبِ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ مَا اكْتَسَبَهُ بِطَرِيقِ التِّجَارَةِ فَإِنَّ سَبَبَ حُصُولِ ذَلِكَ الْكَسْبِ تِجَارَةٌ وَالْإِقْرَارُ مِنْ التِّجَارَةِ وَالدَّيْنُ الْوَاجِبُ بِسَبَبٍ هُوَ تِجَارَةٌ يَظْهَرُ فِي الْكَسْبِ الْحَاصِلِ بِطَرِيقِ التِّجَارَةِ، وَإِذَا ظَهَرَ فِيهِ لَا يُسَلَّمُ شَيْءٌ مِنْهُ لِلَّذِي لَمْ يَأْذَنْ لَهُ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ دَيْنِهِ كَمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ مُعَايَنٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ إقْرَارِ الرَّجُلِ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ قِبَلَ فُلَانٍ] (قَالَ ﵀): وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ قِبَلَ فُلَانٍ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ الْإِقْرَارَ مَخْرَجَ الْعُمُومِ وَإِجْرَاؤُهُ عَلَى الْعُمُومِ مُمْكِنٌ لِجَوَازِ أَنْ يَنْفِيَ حُقُوقَهُ عَنْ فُلَانٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَأَمْكَنَ الْعَمَلُ بِمُوجَبِ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ مِنْ الْمُقِرِّ بِخِلَافِ قَوْلِهِ جَمِيعُ مَا فِي يَدِي لِفُلَانٍ فَإِنَّ الْعَمَلَ بِمُوجَبِ ذَلِكَ الْكَلَامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ إلَّا بِبَيَانِ الْمُقِرِّ وَلَا يُمْكِنُ إجْرَاؤُهُ الْكَلَامَ هُنَاكَ عَلَى الْعُمُومِ؛ لِأَنَّ زَوْجَتَهُ وَوَلَدَهُ فِي يَدِهِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلْمُقَرِّ لَهُ فَلِهَذَا وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى بَيَانِهِ هُنَاكَ، ثُمَّ يَدْخُلُ فِي هَذَا اللَّفْظِ كُلُّ عَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ وَكُلُّ كَفَالَةٍ أَوْ جِنَايَةٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ حَدٍّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا سَبَقَ فَكُلُّ هَذَا حَقٌّ مَالًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَالٍ، وَإِنْ قَالَ هُوَ بَرِيءٌ مِمَّا لِي عَلَيْهِ فَهُوَ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا غَيْرَ أَنَّهُ لَا تَدْخُلُ الْأَمَانَةُ فِي هَذَا اللَّفْظِ كَالْوَدِيعَةِ الْعَارِيَّةِ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ عَلَيَّ خَاصٌّ لِمَا هُوَ وَاجِبٌ فِي الذِّمَّةِ فَلَا تَدْخُلُ فِيهِ الْأَمَانَةُ إذْ لَا وُجُوبَ فِي ذِمَّةِ الْأَمِينِ. وَإِنْ قَالَ هُوَ بَرِيءٌ مِمَّا لِي عِنْدَهُ فَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي هَذَا اللَّفْظِ الْأَمَانَةُ خَاصَّةً، فَأَمَّا الْغُصُوبُ وَالْوَدَائِعُ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا فَقَدْ صَارَ ضَمَانُهَا مُسْتَحَقًّا فِي ذِمَّتِهِ بِمَنْزِلَةِ الدُّيُونِ فَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا اللَّفْظِ. وَإِنْ قَالَ هُوَ بَرِيءٌ مِمَّا لِي قِبَلَهُ بَرِئَ مِنْ الْأَمَانَةِ وَالْغُصُوبِ جَمِيعًا، وَإِنْ ادَّعَى الطَّالِبُ بَعْدَ ذَلِكَ حَقًّا لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَشْهَدَ شُهُودُهُ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ أَوْ يُوَقِّتُوا وَقْتًا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ بِهَذَا اللَّفْظِ اسْتَفَادَ الْبَرَاءَةَ عَلَى الْعُمُومِ وَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الدَّعْوَى إلَّا أَنْ يَعْلَمَ خُرُوجَ مَا ادَّعَاهُ الْعَامَّةُ فَإِنَّ الْعَمَلَ بِالْعَامِّ وَاجِبٌ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ

стр. 3822

الْخُصُوصِ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ فُلَانًا قَدْ بَرِئَ مِنْ حَقِّهِ قِبَلَهُ، ثُمَّ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ حَقٍّ لَهُ عَلَيَّ فَإِنَّ لَفْظَ الْجِنْسِ يَعُمُّ جَمِيعَ ذَلِكَ الْجِنْسِ بِمَنْزِلَةِ اللَّفْظِ الْعَامِّ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي لِي قِبَلَهُ أَوْ مِمَّا لِي قِبَلَهُ أَوْ مِنْ دَيْنِي عَلَيْهِ أَوْ مِنْ حَقِّي عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يَدْخُلُ فِي الْبَرَاءَةِ مِنْ الْحُقُوقِ الْكَفَالَةُ وَالْجِنَايَةُ الَّتِي فِيهَا قَوَدٌ أَوْ أَرْشٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِهِ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ قِبَلَ فُلَانٍ، ثُمَّ ادَّعَى قِبَلَهُ حَدَّ قَذْفٍ أَوْ سَرِقَةٍ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ، وَهُوَ وَدَعْوَى الدَّيْنِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ. وَلَوْ قَالَ إنَّهُ قَدْ بَرِئَ مِنْ قَذْفِهِ إيَّايَ، ثُمَّ طَلَبَهُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعَفْوِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ مُوجِبِ قَذْفِهِ إيَّايَ فَإِنَّ الْبَرَاءَةَ عَنْ عَيْنِ الْقَذْفِ لَا تَتَحَقَّقُ وَمُوجَبُ الْقَذْفِ عِنْدَنَا لَا يَسْقُطُ بِالْعَفْوِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ نَفَى حَقَّهُ مِنْ الْأَصْلِ فَكَانَ مُنْكِرًا لِلسَّبَبِ فِي حَدِّ الْقَذْفِ لَا مُسْقِطًا لِلْحَدِّ، وَلَوْ قَالَ: مَا قَذَفَنِي لَمْ تُسْمَعْ مِنْهُ دَعْوَى الْقَذْفِ بَعْدَ ذَلِكَ مُطْلَقًا فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لَا حَقَّ لِي قِبَلَهُ. وَلَوْ قَالَ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ السَّرِقَةِ الَّتِي ادَّعَيْتُهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ وَلَا قَطْعٌ؛ لِأَنَّ دَعْوَى السَّرِقَةِ حَقُّ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَهُوَ مِمَّا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ وُهِبَ الْمَسْرُوقَ مِنْ السَّارِقِ سَقَطَتْ خُصُومَتُهُ وَبِدُونِ خُصُومَتِهِ لَا تَظْهَرُ السَّرِقَةُ فِي حَقِّ الْمَالِ وَلَا فِي حَقِّ الْقَطْعِ. وَلَوْ قَالَ لَسْتُ مِنْ فُلَانٍ فِي شَيْءٍ، ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَالٍ لَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ هَذَا الْقَوْلِ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَهَذَا الْقَوْلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مَا تَعَرَّضَ فِي كَلَامِهِ لِلْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ وَإِنَّمَا تَعَرَّضَ لِنَفْسِهِ وَالْحَقُّ الَّذِي عَلَيْهِ غَيْرُ نَفْسِهِ فَلَا يَصِيرُ مَذْكُورًا بِذِكْرِ نَفْسِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: بَرِئْتُ مِنْ فُلَانٍ أَوْ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ فُلَانٍ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْقَوْلُ بَرَاءَةً مِنْ حَقٍّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا قِبَلَ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْبَرَاءَةَ إلَى نَفْسِهِ دُونَ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ فَلَا يَصِيرُ الْحَقُّ مَذْكُورًا بِهِ (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ نَفْسِ الْغَيْرِ تَكُونُ إظْهَارًا لِلْعَدَاوَةِ مَعَهُ وَالْبَرَاءَةُ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ إظْهَارٌ لِلْمَحَبَّةِ. وَلَوْ قَالَ لَسْتُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي فِي يَدِ فُلَانٍ فِي شَيْءٍ، ثُمَّ ادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ حَقًّا فِيهَا لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ الدَّارِ عَلَى الْعُمُومِ وَاتِّصَالُهُ بِالدَّارِ مِنْ حَيْثُ مِلْكُهُ أَوْ حَقٌّ لَهُ فِيهِ فَإِخْرَاجُهُ نَفْسَهُ مِنْهَا عَلَى الْعُمُومِ وَيَكُونُ إقْرَارًا بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا وَلَا مِلْكَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَسْتُ مِنْ فُلَانٍ فِي شَيْءٍ فَإِنَّ اتِّصَالَهُ مِنْ فُلَانٍ مِنْ حَيْثُ الْمَحَبَّةُ وَالتَّنَاصُرُ فَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا الْكَلَامُ إقْرَارًا مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا مَحَبَّةَ بَيْنَهُمَا وَلَا تَنَاصُرَ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ كَانَ هَذَا إقْرَارًا مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ تَبَرُّؤَهُ عَنْ الْعَيْنِ يَكُونُ إقْرَارًا بِانْقِطَاعِ سَبَبِ اتِّصَالِهِ بِهِ، وَذَلِكَ بِالْمَلْكِ أَوْ الْحَقِّ. وَلَوْ قَالَ: خَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ

стр. 3823

الدَّارِ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِفِعْلِهِ بِالْخُرُوجِ مِنْ الدَّارِ وَلَوْ عَايَنَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا انْتِفَاءَ حَقِّهِ عَنْهَا فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ خَرَجْتُ مِنْهَا. وَإِنْ قَالَ: قَدْ خَرَجْتُ مِنْهَا عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَقَبَضْتُهَا كَانَ إقْرَارًا بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ بِعِوَضٍ لَا يَكُونُ إخْبَارًا بِعَيْنِ الْفِعْلِ بَلْ يَكُونُ إخْبَارًا بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهَا بِعِوَضٍ بِطَرِيقِ الْبَيْعِ أَوْ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ فَيَكُونُ إقْرَارًا بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا، وَعَلَى هَذَا الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضُ وَالدَّيْنُ، فَإِنْ أَنْكَرَ ذُو الْيَدِ ذَلِكَ، وَقَالَ هُوَ لِي، وَقَدْ أَخَذْتُ مِائَةَ دِرْهَمٍ غَصْبًا حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ بِأَخْذِ الْمِائَةِ مِنْهُ وَادَّعَى لِأَخْذِهِ شَيْئًا، وَهُوَ الصُّلْحُ، فَإِذَا أَنْكَرَ صَاحِبُهُ السَّبَبَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ الْيَمِينِ وَيَسْتَرِدُّ الْمِائَةَ إذَا حَلَفَ وَيَكُونُ الْمُقِرُّ عَلَى خُصُومَتِهِ؛ لِأَنَّ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الصُّلْحِ قَدْ بَطَلَ بِإِنْكَارِ صَاحِبِهِ وَاسْتِرْدَادِهِ بَدَلَ الصُّلْحِ. وَإِذَا قَالَ الطَّالِبُ: قَدْ بَرِئْتُ مِنْ دَيْنِي عَلَى فُلَانٍ أَوْ هُوَ فِي حِلٍّ مِمَّا لِي عَلَيْهِ كَانَتْ هَذِهِ بَرَاءَةً لِلْمَطْلُوبِ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْبَرَاءَةَ إلَى الْحَقِّ الْوَاجِبِ عَلَى الْمَطْلُوبِ فَيَكُونُ مُسْقِطًا لَهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ وَهَبْتُ الَّذِي لِي عَلَيْهِ لَهُ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ يَكُونُ إسْقَاطًا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَيْنٍ قَابِلٍ لِلتَّمْلِيكِ مَقْصُودٍ، وَلَكِنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِلْإِسْقَاطِ فَتَصِيرُ الْهِبَةُ فِيهِ عِبَارَةً عَنْ الْإِسْقَاطِ مَجَازًا كَهِبَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ نَفْسِهَا يَكُونُ طَلَاقًا وَهِبَةُ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ يَكُونُ اعْتَاقَا وَهِبَةُ الْقِصَاصِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ يَكُونُ عَفْوًا، فَإِنْ كَانَ فُلَانٌ حَاضِرًا فَلَمْ يَقْبَلْ الْهِبَةَ أَوْ كَانَ غَائِبًا فَبَلَغَهُ، فَقَالَ لَا أَقْبَلُ فَالْمَالُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ فَرَدَّ الْإِبْرَاءَ وَهَذَا لِأَنَّ إبْرَاءَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَإِنْ كَانَ إسْقَاطًا فَفِيهِ مَعْنَى التَّمَلُّكِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ مَا فِي ذِمَّتِهِ وَيُسْقِطَ عَنْهُ كَمَا يَكُونُ عِنْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ أَوْ الشِّرَاءِ بِالدَّيْنِ فَلَمَّا كَانَ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ احْتَمَلَ الِارْتِدَادَ بِرَدِّهِ وَلِكَوْنِهِ إسْقَاطًا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِهِ حَتَّى لَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ فَهُوَ بَرِيءٌ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ حَصَلَتْ لَهُ بِنَفْسِ الْإِسْقَاطِ عَلَى احْتِمَالِ أَنْ يَعُودَ بِرَدِّهِ، فَإِذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ تَمَّ الْإِسْقَاطُ بِمَوْتِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ هُوَ فِي حِلٍّ مِمَّا لِي عَلَيْهِ فَهَذَا اللَّفْظُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِبْرَاءِ عُرْفًا فَهُوَ وَقَوْلُهُ هُوَ بَرِيءٌ مِمَّا لِي عَلَيْهِ سَوَاءٌ. وَلَوْ قَالَ لَيْسَ لِي مَعَ فُلَانٍ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ هَذَا إبْرَاءً مِنْ الدَّيْنِ، وَكَانَ بَرَاءَةً مِنْ كُلِّ أَمَانَةٍ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لَيْسَ عِنْدَ فُلَانٍ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ مَعَ لِلضَّمِّ وَكَلِمَةَ عِنْدَ لِلْقُرْبِ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي الْأَعْيَانِ دُونَ الدُّيُونِ. وَإِذَا أَقَرَّ الطَّالِبُ أَنَّ فُلَانًا قَدْ بَرِئَ إلَيْهِ مِمَّا لَهُ عَلَيْهِ فَهَذَا إقْرَارٌ بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِبَرَاءَتِهِ بِفِعْلٍ مِنْ الْمَطْلُوبِ مُتَّصِلٍ بِالطَّالِبِ حِينَ وَصَلَهُ بِنَفْسِهِ بِحَرْفِ إلَى، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِإِيفَاءِ الدَّيْنِ فَإِنَّ ابْتِدَاءَهُ مِنْ الْمَطْلُوبِ وَتَمَامَهُ مِنْ الطَّالِبِ بِقَبْضِهِ. وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ لَهُ قِبَلَ فُلَانٍ فَلَهُ أَنْ يَدَّعِيَ الْخَطَأَ وَالْحَدَّ؛ لِأَنَّ

стр. 3824

الْقِصَاصَ اسْمٌ خَاصٌّ لِعُقُوبَةٍ هِيَ عِوَضُ حَقِّ الْعِبَادِ وَاجِبٌ بِطَرِيقِ الْمُمَاثَلَةِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْخَطَأُ وَالْحَدُّ؛ لِأَنَّ مُوجَبَ الْخَطَأِ وَالْحَدِّ مَالٌ وَمُعْظَمُ الْحَقِّ فِي الْحَدِّ لِلَّهِ تَعَالَى. وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ لَا جِرَاحَةَ لَهُ خَطَأً قِبَلَ فُلَانٍ فَلَهُ أَنْ يَدَّعِيَ الْعَمْدَ إنْ كَانَ فِيهِ قِصَاصٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ صِفَةٌ لِلْفِعْلِ لَا لِمُوجَبِهِ وَالْعَمْدُ ضِدُّهُ فَلَا يَكُونُ نَفْيُهُ بِصِفَةٍ نَفْيًا مِنْهُ فِعْلًا بِضِدِّ تِلْكَ الصِّفَةِ فَإِنَّ مَا لَيْسَ بِمُعَيَّنٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ وَصْفِهِ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا جِرَاحَةَ لَهُ قِبَلَ فُلَانٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ جِرَاحَةً عَمْدًا وَلَا خَطَأً؛ لِأَنَّهُ نَفَى الْفِعْلَ مُطْلَقًا فَلَا يَتَقَيَّدُ بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ إذْ الْمُقَيَّدُ غَيْرُ الْمُطْلَقِ وَنَفْيُ الْفِعْلِ نَفْيٌ لِمُوجَبِهِ ضَرُورَةً وَلَهُ أَنْ يَدَّعِيَ الدَّمَ؛ لِأَنَّ الْجِرَاحَ اسْمٌ خَاصٌّ لِمَا دُونَ النَّفْسِ فَلَا يَتَنَاوَلُ النَّفْسَ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ فِي النَّفْسِ إزْهَاقُ الْحَيَاةِ، وَفِيمَا دُونَهَا أَمَانَةٌ لِجُزْءٍ مَا هُوَ دُونَهَا فِي الْجُرْحِ وَلَا مُغَايِرَةَ أَبَيْنَ مِنْ مُغَايِرَةِ مَحَلِّ الْفِعْلِ. وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُ قِبَلَ فُلَانٍ فَادَّعَى سَرِقَةً يَجِبُ فِيهَا الْقَطْعُ فَهُوَ عَلَى دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَفَى حَدًّا هُوَ حَقُّهُ وَحَدُّ السَّرِقَةِ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى لَا يَعْمَلَ فِيهِ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ وَلَا يُعْتَبَرُ خُصُومَةُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ فِي الْقَطْعِ وَإِنَّمَا حَقُّهُ فِي دَعْوَى الْمَالِ، وَهُوَ مَا نَفَى ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ. وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا دَمَ لَهُ قِبَلَ فُلَانٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ دَمًا خَطَأً وَلَا عَمْدًا؛ لِأَنَّهُ نَفَى بِإِقْرَارِهِ الدَّمَ مُطْلَقًا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ نَفْيَ السَّبَبِ نَفْيٌ لِمُوجَبِهِ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ مُوجَبُ الدَّمِ كَالْقِصَاصِ فِي الْعَمْدِ وَلَهُ أَنْ يَدَّعِيَ مَا دُونَ الدَّمِ، وَالدَّمُ فِي عَرْفِ اللِّسَانِ عِبَارَةٌ عَنْ النَّفْسِ خَاصَّةً، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ نَفْيِ النَّفْسِ نَفْيُ مَا دُونَهَا. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا أَرْشَ لَهُ قِبَلَ فُلَانٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ دِيَةً خَطَأً وَلَا صُلْحًا عَنْ دَمِ عَمْدٍ وَلَا عَنْ كَفَالَةٍ بِدِيَةِ نَفْسٍ وَلَا عَنْ قِبَلِ شَيْءٍ مِنْ الْجِرَاحَةِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْأَرْشِ يَعُمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا بِنَفْسِ الْفِعْلِ أَوْ بِالصُّلْحِ عَلَى الْأَصْلِ أَوْ عَلَى الْكَفِيلِ بِكَفَالَتِهِ بِهِ فَإِقْرَارُهُ بِنَفْيِ الْأَرْشِ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْإِقْرَارِ بِالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ] (قَالَ ﵀): وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ هَذَا أَمْسِ، وَهُوَ كَاذِبٌ عَتَقَ فِي الْقَضَاءِ، وَلَمْ يَعْتِقْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ خَبَرٌ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لَكِنَّ دِينَ الْمُقِرِّ وَعَقْلَهُ يَدْعُوَانِهِ إلَى الصِّدْقِ وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ الظَّاهِرِ، فَإِذَا تَرَجَّحَ جَانِبُ الصِّدْقِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ قَضَى الْقَاضِي بِعِتْقِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ، فَإِذَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْ الْمُقِرِّ فِيهِ عِتْقٌ كَانَ خَبَرُهُ فِي الْحَقِيقَةِ كَذِبًا وَالْكَذِبُ بِالْإِخْبَارِ عَنْهُ لَا يُصَيِّرُهُ حَقًّا كَإِقْرَارِ الْمُقِرِّينَ

стр. 3825

بِهِ لَا يُصَيِّرُهُ حَقًّا بِإِخْبَارِهِمْ بِهِ فَلِهَذَا لَا يَعْتِقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَوْ قَالَ أَعْتَقْتُكَ أَمْسِ وَقُلْتَ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَعْتِقْ لِمَا سَبَقَ أَنَّ عَمَلَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْكَلَامِ كَعَمَلِ الشَّرْطِ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِشَرْطٍ لَمْ يَكُنْ هَذَا إقْرَارًا بِالْعِتْقِ فَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ اسْتَثْنَى مَوْصُولًا. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَعْتَقْتُكَ أَمْسِ وَإِنَّمَا اشْتَرَاهُ الْيَوْمَ فَقَدْ أَضَافَ الْعِتْقَ إلَى وَقْتٍ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلْعِتْقِ فِيهِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ أَعْتَقْتُكَ قَبْلَ أَنْ اشْتَرَيْتُكَ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ هَذَا لَا بَلْ هَذَا عِتْقًا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ لِلْأَوَّلِ بَاطِلٌ، وَإِقَامَةُ الثَّانِي مَقَامَهُ فِي الْإِقْرَارِ بِعِتْقِهِ صَحِيحَةٌ فَلِهَذَا عَتَقَا. وَلَوْ قَالَ أَعْتَقْتُكَ عَلَى مَالٍ، وَقَالَ الْعَبْدُ أَعْتَقْتَنِي بِغَيْرِ مَالِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى أَقَرَّ بِعِتْقِهِ وَادَّعَى وُجُوبَ الْمَالِ لِنَفْسِهِ فِي ذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَنْزِلُ بِنَفْسِ الْقَبُولِ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَالْمَوْلَى مُقِرٌّ بِقَبُولِهِ فَلِهَذَا عَتَقَ الْعَبْدُ، وَهُوَ غَيْرُ مُصَدَّقٍ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْمَالِ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ أَوْ يَحْلِفَ الْعَبْدُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ. وَلَوْ قَالَ: جَعَلْتُ أَمْرَك بِيَدِكَ فِي الْعِتْقِ أَمْسِ فَلَمْ تُعْتِقْ نَفْسَكَ، وَقَالَ الْعَبْدُ بَلْ أَعْتَقْتُ نَفْسِي لَمْ يُصَدَّقْ الْعَبْدُ لِأَنَّ الْمَوْلَى مَا أَقَرَّ بِعِتْقِهِ فَإِنَّ جَعْلَ الْأَمْرِ فِي يَدِهِ لَا يُوجِبُ الْعِتْقَ مَا لَمْ يُعْتِقْ الْعَبْدُ نَفْسَهُ، وَالْعَبْدُ مُدَّعٍ لِذَلِكَ وَالْمَوْلَى مُنْكِرٌ وَلَا قَوْلَ لِلْعَبْدِ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ فَقَدْ خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهِ بِالْقِيَامِ مِنْ الْمَجْلِسِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَعْتَقْتُكَ عَلَى مَالِ أَمْسِ فَلَمْ تَقْبَلْ، وَقَالَ الْعَبْدُ بَلْ قَبِلْتُ أَوْ قَالَ أَعْتَقْتَنِي بِغَيْرِ شَيْءٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى لِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ بِعِتْقِهِ فَإِنَّ إعْتَاقَهُ بِمَالٍ تَعْلِيقٌ بِشَرْطِ الْقَبُولِ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ قَبْلَ قَبُولِ الْعَبْدِ وَلَوْ أَقَرَّ بِتَعْلِيقِ عِتْقِهِ بِشَرْطٍ آخَرَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْعَبْدِ فِي إيجَادِ الشَّرْطِ وَلَا فِي إنْكَارِ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ. وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الطَّلَاقِ، وَفِي قَوْلِهِ أَمْرُكِ بِيَدِكِ وَاخْتَارِي، فَإِنْ أَقَامَ الْعَبْدُ الْبَيِّنَةَ عَلَى قَبُولِهِ أَوْ عَلَى إعْتَاقِ الْمَوْلَى إيَّاهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ كَانَ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْمَوْلَى. وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: كَاتَبْتُكَ، وَلَمْ يُسَمِّ مَالًا، وَقَالَ الْعَبْدُ لَا بَلْ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنْ يُصَدَّقَ الْعَبْدُ وَلَا يُصَدَّقُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ الْمَوْلَى وَالْمُكَاتَبُ فِي مِقْدَارِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى وَيَتَحَالَفَانِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَسْمِيَةِ الْبَدَلِ وَيُحْتَمَلُ الْفَسْخُ كَالْبَيْعِ، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الْآخَرِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ إذَا تَمَّتْ بِالْعِتْقِ لَا تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ وَالطَّلَاقُ بِمَالٍ إذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي مِقْدَارِ الْبَدَلِ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ فِي الزِّيَادَةِ وَلَا يَجْرِي التَّحَالُفُ فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَصْلِهِمَا أَنَّ

стр. 3826

الْكِتَابَةَ عَلَى قِيَاسِ الْبَيْعِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْبَيْعِ أَنَّ إقْرَارَهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ الثَّمَنِ بَاطِلٌ فَكَذَلِكَ فِي الْكِتَابَةِ فَيَبْقَى الْعَبْدُ مُدَّعِيًا لِلْكِتَابَةِ بِخَمْسِمِائَةٍ وَلَا يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ فَإِقْرَارُهُ بِهِ صَحِيحٌ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ مَالًا، ثُمَّ نَقُولُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الْآخَرِ الْمَوْلَى لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إنْكَارِ أَصْلِ الْكِتَابَةِ بَعْدَ مَا أَقَرَّ بِهَا، وَإِنْ ادَّعَى مَالًا خِلَافَ مَا أَقَرَّ بِهِ الْعَبْدُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ قَدْ وَجَبَ تَصْدِيقُ الْعَبْدِ عِنْدَهُمَا إذَا ادَّعَى الْمَوْلَى خِلَافَ مَا أَقَرَّ بِهِ الْعَبْدُ لَمْ يُصَدَّقْ الْعَبْدُ وَتَحَالَفَا فَكَذَلِكَ هُنَا. وَلَوْ قَالَ: كَاتَبْتُكَ أَمْسِ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَمْ تَقْبَلْ الْكِتَابَةَ، وَقَالَ الْعَبْدُ بَلْ قَبِلْتُهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ فِي هَذَا قِيَاسُ الْبَيْعِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ وَيَلْزَمُ الْإِيجَابُ فِيهَا قَبْلَ الْقَبُولِ فَإِقْرَارُهُ بِالْعَقْدِ يَكُونُ إقْرَارًا بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ جَمِيعًا، ثُمَّ قَوْلُهُ فَلَمْ تُقْبَلْ يَكُونُ رُجُوعًا عَنْ الْإِقْرَارِ فَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ عَبْدَهُ مِنْ فُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَمْ يَقْبَلْ، وَقَالَ فُلَانٌ: قَبِلْتُ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ، وَالْإِيجَابُ فِيهِ لَازِمٌ قَبْلَ الْقَبُولِ فَإِقْرَارُهُ بِفِعْلِهِ لَا يَكُونُ إقْرَارًا مِنْهُ بِقَبُولِ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدَهُ هَذَا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ لَا بَلْ هَذَا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْكِتَابَةَ جَازَ ذَلِكَ لَهُمَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ رُجُوعَهُ عَنْ الْإِقْرَارِ لِلْأَوَّلِ بَاطِلٌ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَاتَبَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ إلَّا هَذَا؛ لِأَنَّهُ هُنَاكَ أَخْرَجَ كَلَامَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحٌ مَوْصُولًا فَإِنَّمَا يَصِيرُ مُقِرًّا بِمَا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى، وَفِي الْأَوَّلِ أَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الرُّجُوعِ وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ مَوْصُولًا وَمَفْصُولًا. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَاتَبَهُ، وَهُوَ صَبِيٌّ، فَقَالَ الْمُكَاتَبُ بَلْ كَاتَبْتَنِي وَأَنْتَ رَجُلٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْإِقْرَارَ إلَى حَالٍ مَعْهُودَةٍ تُنَافِي الْكِتَابَةَ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَاتَبَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهُ أَوْ أَنَّهُ كَاتَبَهُ أَمْسِ، وَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ كَلَامَهُ بِمَا يَنْفِي أَصْلَ الْكِتَابَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ الْمَوْلَى: اشْتَرَطْتُ الْخِيَارَ لَانْتَفَى أَصْلُ الْعَقْدِ فَإِنَّ تَأْثِيرَ الْخِيَارِ فِي تَغْيِيرِ وَصْفِ الْعَقْدِ وَجَعْلِ حُكْمِهِ كَالْمُتَعَلِّقِ بِالشَّرْطِ لَا أَنْ يَصِيرَ أَصْلُ السَّبَبِ مُتَعَلِّقًا فَلَمْ يَكُنِ الْمَوْلَى بِدَعْوَى الْخِيَارِ مُنْكِرًا لِأَصْلِ الْعَقْدِ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْبَيْعِ فِي هَذَا قِيَاسُ الْكِتَابَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ إقْرَارِ الْكُفَّارِ] (قَالَ ﵀) وَإِذَا أَقَرَّ الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِدَيْنٍ لِمُسْلِمٍ فَهُوَ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُ

стр. 3827

أَهْلٌ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْحَقُّ لِلْمُسْلِمِ بِالْمُعَامَلَةِ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ لَهُ، وَهُوَ سَبَبٌ حَادِثٌ فَيُحَالُ بِهِ عَلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ، وَهُوَ مَا بَعْدَ دُخُولِ دَارِنَا بِأَمَانٍ، فَإِنْ قَالَ أَدَانَنِي فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَقَالَ الْمُسْلِمُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَالدَّيْنُ لَازِمٌ عَلَيْهِ سَوَاءٌ قَالَ ذَلِكَ مَوْصُولًا بِإِقْرَارِهِ أَوْ مَفْصُولًا؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي تَارِيخًا سَابِقًا لِمَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الْمَالِ، وَهُوَ غَيْرُ مُصَدَّقٍ فِي دَعْوَى التَّارِيخِ، وَإِنْ وَصَلَ كَلَامُهُ، وَلِأَنَّ بِهَذِهِ الْإِضَافَةِ لَا يُنْكِرُ وُجُوبَ أَصْلِ الْمَالِ فَإِنَّ الْمُدَايَنَةَ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْمَالِ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا تُسْمَعُ الْخُصُومَةُ فِيهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَا لَمْ يُسْلِمْ أَوْ يَصِرْ ذِمِّيًّا فَيَصِيرُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ دَعْوَى الْأَجَلِ، وَإِنْ ادَّعَاهُ مَوْصُولًا بِإِقْرَارِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ لِمُسْتَأْمَنٍ مِثْلِهِ أَوْ لِذِمِّيٍّ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ فِي يَدَيْهِ أَنَّهُ لَهُ. وَإِقْرَارُ الْمُسْتَأْمَنِ بِالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْوَلَدِ وَالْجِرَاحَاتِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالْإِجَارَةِ وَالْكَفَالَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا كُلِّهِ حَقُّ الْعِبَادِ، وَالْمُسْتَأْمَنُ مُلْتَزِمٌ لِذَلِكَ مُدَّةَ مُقَامِهِ فِي دَارِنَا حَتَّى إذَا بَاشَرَ سَبَبَ ذَلِكَ كَانَ مُؤَاخَذًا بِهِ فَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِهِ وَلَوْ أَقَرَّ بِحَدِّ زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ فَقَدْ عُرِفَ أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَمُحَمَّدٍ ﵀ الْحُدُودُ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى لَا تُقَامُ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ، وَإِنْ ثَبَتَ سَبَبُهَا بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْمُعَايَنَةِ. وَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ تُقَامُ الْحُدُودُ عَلَيْهِ كَمَا تُقَامُ عَلَى الذِّمِّيِّ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِهَا كَمَا يَصِحُّ إقْرَارُ الذِّمِّيِّ وَهِيَ مَسْأَلَةُ كِتَابِ الْحُدُودِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدَّ وَحَدِّ الْقَذْفِ مَعْرُوفٌ أَنَّ فِيهِ حَقَّ الْعَبْدِ وَيَضْمَنُ السَّرِقَةَ إذَا أَقَرَّ بِهَا؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ. وَلَوْ أَقَرَّ مُسْلِمٌ لِذِمِّيٍّ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فِي يَدِهِ جَازَ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ مَالٌ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ فَيُؤْمَرُ بِرَدِّهَا عَلَيْهِ بِحُكْمِ إقْرَارِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ الذِّمِّيُّ لِلْمُسْلِمِ بِعَيْنِهَا؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لِلْمُسْلِمِ مَمْلُوكَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَالًا مُتَقَوِّمًا فَيُؤْمَرُ الذِّمِّيُّ بِرَدِّهَا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ وَيُؤْمَرُ الْمُسْلِمُ أَنْ يُخَلِّلَهَا. وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ مُسْتَهْلَكٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ كَمَا لَوْ عَايَنَاهُ اسْتَهْلَكَ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِجِلْدِ شَاةٍ مَيِّتَةٍ يُؤْمَرُ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِذِمِّيٍّ يَعْنِي بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ مُسْتَهْلَكٍ لَزِمَهُ قِيمَتُهَا؛ لِأَنَّهَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِ يَضْمَنُ مُتْلِفُهَا عَلَيْهِ عِنْدَنَا. وَإِذَا أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ فَأَقَرَّ ذِمِّيٌّ أَنَّهُ اسْتَهْلَكَ لَهُ خِنْزِيرًا بَعْدَ إسْلَامِهِ، وَقَالَ الْمُسْلِمُ: اسْتَهْلَكْتُهُ قَبْلَ إسْلَامِي فَهُوَ ضَامِنٌ لَقِيمَتِهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ. إذَا قَالَ لِحَرْبِيٍّ أَسْلَمَ أَتْلَفْتُ مَالَكَ أَوْ قَطَعْتُ يَدَكَ حِينَ كُنْتَ حَرْبِيًّا، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْخِلَافَ فَهَذَا قِيَاسُهُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ ذِمِّيًّا أَقَرَّ بِخَمْرٍ، وَقَالَ اسْتَهْلَكْتُهَا وَأَنَا حَرْبِيٌّ، وَقَدْ عُلِمَ كَوْنُهُ حَرْبِيًّا مِنْ قَبْلُ فَهُوَ

стр. 3828

عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّا. وَإِقْرَارُ الْمُرْتَدِّ بِالْحُقُوقِ جَائِزٌ إنْ أَسْلَمَ، وَإِنْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ فِي كَسْبِ إسْلَامِهِ وَيَجُوزُ إقْرَارُهُ فِيمَا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَإِقْرَارُ الْمُرْتَدَّةِ بِذَلِكَ كُلِّهِ جَائِزٌ وَعِنْدَهُمَا إقْرَارُهُمَا جَائِزٌ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ هُوَ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِ الصَّحِيحِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ هُوَ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِ الْمَرِيضِ وَهَذَا نَظِيرُ اخْتِلَافِهِمْ فِي تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ فَإِنَّ الْإِقْرَارَ تَصَرُّفٌ مِنْهُ كَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، وَهُوَ مَسْأَلَةُ كِتَابِ السِّيَرِ. وَلَوْ أَقَرَّ الْمُرْتَدُّ بِمُكَاتَبَةِ عَبْدٍ لَهُ أَوْ بِعِتْقِهِ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إنْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَيَجُوزُ عِنْدَهُمَا إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا ﵀ يَقُولُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِ الْمَرِيضِ. وَإِذَا أَقَرَّتْ الْمُرْتَدَّةُ أَوْ الْمُرْتَدُّ بِحَدٍّ فِي قَذْفٍ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ زِنًا أَوْ جِرَاحَةِ عَمْدٍ فِيهَا قِصَاصٌ فَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ بِسَبَبِ الزِّيَادَةِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الْحَجْرِ بِسَبَبِ الرِّقِّ، وَلِأَنَّ تَوَقُّفَ تَصَرُّفُهُ فِي الْمَالِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِتَوَقُّفِ مِلْكِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْعُقُوبَاتِ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ الْجِرَاحَاتِ الَّتِي تُوجِبُ الْمَالَ فَإِقْرَارُهُ بِهَا يُوقَفُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَيَكُونُ نَافِذًا عِنْدَهُمَا عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَذَكَرَ حَدِيثَ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدًا أَتَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - فَأَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ مَرَّتَيْنِ فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى يَدِهِ مُعَلَّقَةً فِي عُنُقِهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ إقْرَارِ الْعَبْدِ بِالْأَسْبَابِ الْمُوجَبَةِ لِلْعُقُوبَةِ وَبِهِ يَسْتَدِلُّ أَبُو يُوسُفَ ﵀ فِي اشْتِرَاطِ التَّكْرَارِ فِي الْإِقْرَارِ بِالْإِقْرَارِ إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدًا رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَا فِي الْحَدِيثِ أَقَرَّ مَرَّتَيْنِ فَقَطَعَهُ، وَلَيْسَ فِيهِ لَوْ لَمْ يُكَرِّرْ إقْرَارَهُ لَمْ يَقْطَعْهُ وَالسُّكُوتُ لَا يَكُونُ حُجَّةً وَذُكِرَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ﵀ قَالَ أَتَى عَبْدٌ قَدْ رَأَيْتُهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَأَقَرَّ عِنْدَهُ بِالزِّنَا فَأَمَرَ بِهِ قَنْبَرًا، وَقَالَ اضْرِبْهُ، فَإِذَا قَالَ اُتْرُكْنِي فَاتْرُكْهُ فَلَمَّا وَفَّاهُ خَمْسِينَ جَلْدَةً قَالَ لَهُ الْعَبْدُ اُتْرُكْنِي فَتَرَكَهُ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ إقْرَارِ الْعَبْدِ بِالْحَدِّ عَلَى نَفْسِهِ وَلِقَوْلِهِ " فَإِذَا قَالَ اُتْرُكْنِي فَاتْرُكْهُ " تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إذَا رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ فَاقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ وَالثَّانِي أَنَّهُ عَلِمَ فِقْهَ الْعَبْدِ فِي أَنَّهُ لَا يَقُولُ لَهُ اُتْرُكْنِي إلَّا بَعْدَ أَنْ يُتِمَّ عَلَيْهِ حَدَّ الْعَبِيدِ، وَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ حِينَ قَالَ لَهُ اُتْرُكْنِي بَعْدَ خَمْسِينَ جَلْدَةً. وَإِذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ بِدَمِ عَمْدٍ وَلَهُ وَلِيَّانِ فَعَفَا أَحَدُهُمَا لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ مَالٌ فِي عِتْقِهِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ إقْرَارِهِ يَكُونُ مُوجَبًا لِلْعُقُوبَةِ عَلَيْهِ وَكَوْنُ دَمِهِ خَالِصَ حَقِّهِ، فَإِذَا آلَ الْأَمْرُ إلَى أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ مَالًا بَطَلَ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ حَقُّ مَوْلَاهُ، وَكَانَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِهِ بِالْقَتْلِ الْخَطَأِ. وَلَوْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ لَا يَجِبُ فِي مِثْلِهَا الْقَطْعُ كَانَ إقْرَارُهُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ وَمَالِيَّةَ رَقَبَتِهِ حَقٌّ لِمَوْلَاهُ فَلَا يُصَدَّقُ فِي

стр. 3829

إقْرَارِهِ وَإِقْرَارُهُ بِالْمَالِ بِهَذَا السَّبَبِ صَحِيحٌ كَإِقْرَارِهِ بِالْغَصْبِ. وَإِقْرَارُ الصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَالْمَعْتُوهِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمِ بَاطِلٌ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِمْ. وَإِقْرَارُ السَّكْرَانِ جَائِزٌ كَإِقْرَارِ الصَّاحِي بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ يَنْفُذُ مِنْ السَّكْرَانِ كَمَا يَنْفُذُ مِنْ الصَّحِيحِ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ إقْرَارُهُ بِالْمَالِ أَوْ بِالْحَدِّ أَوْ بِمَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْهُ أَوْ بِمَا لَا يَصِحُّ إذَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ؛ لِأَنَّ السُّكْرَ عِبَارَةٌ عَنْ غَلَبَةِ السُّرُورِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي عَقْلِهِ شَيْئًا فَيَنْفُذُ إقْرَارُهُ كَمَا يَنْفُذُ مِمَّنْ هُوَ صَاحٍ. وَكَذَلِكَ الْأَصَمُّ وَالْأَعْمَى وَالْمُقْعَدُ وَالْمَفْلُوجُ فَهَذِهِ الْآفَاتِ لَا تُؤَثِّرُ فِي عَقْلِهِ وَلَا فِي لِسَانِهِ فَهُوَ فِي أَقَارِيرِهِ كَالصَّاحِي. وَإِقْرَارُ الْأَخْرَسِ إذَا كَانَ يَكْتُبُ وَيَعْقِلُ جَائِزٌ فِي الْقِصَاصِ وَحُقُوقِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ لَهُ إشَارَةً مَفْهُومَةً تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ بِتِلْكَ الْإِشَارَةِ وَيَحْتَاجُ إلَى الْمُعَامَلَةِ مَعَ النَّاسِ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ مَا خَلَا الْحُدُودَ فَإِنَّ الْإِقْرَارَ بِهَا يَسْتَدْعِي التَّصْرِيحَ بِلَفْظِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَبِإِشَارَتِهِ لَا يَحْصُلُ هَذَا، وَلِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ فَلَعَلَّ فِي نَفْسِهِ شُبْهَةً لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إظْهَارِهَا بِإِشَارَتِهِ إذْ هُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إظْهَارِ كُلِّ شَيْءٍ بِإِشَارَتِهِ وَلِهَذَا لَا تُقَامُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ بِالْبَيِّنَةِ أَيْضًا لِأَنَّا لَوْ أَقَمْنَاهَا كَانَ إقَامَةً لِلْحَدِّ مَعَ الشُّبْهَةِ. وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ الْمَعْتُوهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالٍ أَوْ جِنَايَةٍ؛ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ مِنْهُ عَلَى غَيْرِهِ وَشَهَادَةُ الْوَاحِدِ عَلَى غَيْرِهِ لَا تَكُونُ مُلْزِمَةً، وَلِأَنَّ وِلَايَةَ الْأَبِ عَلَى وَلَدِهِ مُقَيَّدَةٌ بِشَرْطِ النَّظَرِ فِي الْمَصْلَحَةِ لَهُ عَاجِلًا، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِإِقْرَارِهِ عَلَيْهِ، وَكَانَ هُوَ فِي الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْإِقْرَارِ بِالْكِتَابِ] (قَالَ ﵀): وَإِذَا كَتَبَ الرَّجُلُ ذِكْرَ حَقٍّ عَلَى نَفْسِهِ بِشَهَادَةِ قَوْمٍ أَوْ كَتَبَ وَصِيَّةً، ثُمَّ قَالَ اشْهَدُوا بِهَذَا لِفُلَانٍ عَلَيَّ، وَلَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِمْ الصَّكَّ، وَلَمْ يَقْرَأْهُ عَلَيْهِ فَهَذَا جَائِزٌ إذَا كَتَبَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ بِيَدِهِ أَوْ أَمْلَاهُ عَلَى إنْسَانٍ فَكَتَبَهُ؛ لِأَنَّ الْمَكْتُوبَ مَعْلُومٌ لَهُمْ، وَهُوَ بِقَوْلِهِ اشْهَدُوا بِهَذَا لِفُلَانٍ عَلَيَّ صَارَ مُقِرًّا بِجَمِيعِ مَا فِي الْكِتَابِ مُشْهِدًا لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَا إظْهَارَ أَتَمَّ مِنْ هَذَا فَالْإِقْرَارُ بَيَانٌ بِاللِّسَانِ، وَذَلِكَ بِالْإِمْلَاءِ حَاصِلٌ، وَلَكِنْ لَا يُؤْمَنُ النِّسْيَانُ فَالْكِتَاب يُؤْمَنُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَكُونُ مِنْ الْبَيَانِ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا كِتَابَتَهُ وَلَا إمْلَاءَهُ لَمْ تَجُزْ شَاهِدَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِمَا فِي الْكِتَابِ حِينَ لَمْ يَقْرَأْهُ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] فَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا شَهِدَ عَلَيْهِ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ. وَإِنْ كَتَبَ رَجُلٌ كِتَابًا إلَى رَجُلٍ مِنْ فُلَانٍ إلَى فُلَانٍ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ لَكَ عَلَيَّ مِنْ قِبَلِ

стр. 3830

فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِ إذَا كَتَبَ مَا يَكْتُبُ النَّاسُ فِي الرَّسَائِلِ، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ مُحْتَمِلٌ قَدْ يَكُونُ لِتَجْرِبَةِ الْخَطِّ وَالْقِرْطَاسِ، وَقَدْ يَكُونُ لِيُعَلَّمَ كَتْبَ الرِّسَالَةِ وَالْمُحْتَمِلُ لَا يَكُونُ حَجَّةً، وَلَكِنَّهُ اُسْتُحْسِنَ لِلْعَادَةِ الظَّاهِرَةِ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ إنَّمَا يَكْتُبُونَ كِتَابَ الرَّسَائِلِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِإِظْهَارِ الْحَقِّ وَإِعْلَامِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْوَاجِبِ، فَإِذَا تَرَجَّحَ هَذَا الْجَانِبُ بِدَلِيلِ الْعُرْفِ حُمِلَ الْكِتَابُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ لَفْظٍ مُحْتَمِلٍ يَتَرَجَّحُ فِيهِ مَعْنًى بِدَلِيلِ الْعُرْفِ، وَإِنْ جَحَدَ وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ كَتَبَهُ أَوْ أَمْلَاهُ جَازَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ. وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ مَا خَلَا الْقِصَاصَ وَالْحَدَّ فَإِنِّي آخُذُ فِيهَا بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَاتٌ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ فَاحْتِمَالُ جِهَاتٍ أُخْرَى سِوَى مَا تَرَجَّحَ بِدَلِيلِ الْعُرْفِ يَصِيرُ شُبْهَةً فِي ذَلِكَ، وَهُوَ نَظِيرُ الِاسْتِحْسَانِ فِي صِحَّةِ إقْرَارِ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يُجْعَلُ حُجَّةً فِي الْقِصَاصِ وَالْحُدُودِ أَخْذًا بِالْقِيَاسِ لِبَقَاءِ شُبْهَةِ عَدَمِ الْخُصُومَةِ حَقِيقَةً فِي الْإِقْرَارِ، وَلَكِنَّهُ يَضْمَنُ السَّرِقَةَ بِهَذَا الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ. وَإِنْ كَتَبَ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي صَحِيفَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا عُرْفَ فِي إظْهَارِ الْحَقِّ الْوَاجِبِ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَيَبْقَى مُحْتَمِلًا فِي نَفْسِهِ وَالْمُحْتَمِلُ لَا يَكُونُ حُجَّةً بِخِلَافِ الْمَكْتُوبِ عَلَى رَسْمِ كَتْبِ الرَّسَائِلِ لِلْعُرْفِ الظَّاهِرِ فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: لَا أُجِيزُ كِتَابَ الْقَاضِي حَتَّى يَشْهَدَ الشُّهُودُ عَلَى مَا فِي جَوْفِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ مَا فِي الْكِتَابِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِلشُّهُودِ وَأَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا كَتَبَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَقَالَ اشْهَدُوا عَلَيْهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَعْلُومًا لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا الْكِتَابَ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ حَتَّى يَقْرَأَ عَلَيْهِمْ، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ إذَا أَشْهَدَهُمْ عَلَى الْكِتَابِ وَالْخَاتَمِ وَشَهِدُوا عَلَى ذَلِكَ أُجِيزُهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا مَا فِيهِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي قَدْ يَشْتَمِلُ عَلَى شَيْءٍ لَا يُرِيدُ أَنْ يَقِفَ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ فَفِي تَكْلِيفِ إعْلَامِهِمْ مَا فِي الْكِتَابِ نَوْعُ حَرَجٍ وَبِالْخَتْمِ يَقَعُ الْأَمْنُ مِنْ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ فَلِهَذَا اسْتَحْسَنَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ قَبُولَ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالَا كِتَابُ الْخُصُومَةِ لَا يَشْتَمِلُ عَلَى التَّبْدِيلِ لِذَلِكَ كِتَابٌ آخَرُ فَلَا بُدَّ مِنْ إعْلَامِ الشُّهُودِ مَا فِي الْكِتَابِ. وَلَوْ قَرَأَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ صَكَّا، فَقَالَ أَشْهَدُ عَلَيْكَ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَقَالَ نَعَمْ فَسَمِعَ ذَلِكَ آخَرُ وَسِعَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ اشْهَدْ عَلَى جَمِيعِ مَا قُرِئَ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ لِلسَّامِعِ وَالْقَارِئِ جَمِيعًا وَهَذَا مِنْ الْمُجِيبِ إقْرَارٌ تَامٌّ فَلِمَنْ سَمِعَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَشْهَدَهُ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يُشْهِدْهُ قَالَ الشَّعْبِيُّ ﵀ إذَا

стр. 3831

أَشْهَدَ الرَّجُلُ قَوْمًا عَلَى شَهَادَةٍ فَسَمِعَ ذَلِكَ آخَرُونَ فَشَهِدُوا فَهِيَ شَهَادَةٌ جَائِزَةٌ. وَإِذَا كَتَبَ الرَّجُلُ ذِكْرَ حَقٍّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ بِكَذَا، وَعِنْدَهُمْ قَوْمٌ حُضُورٌ، ثُمَّ قَالَ اخْتِمُوا عَلَيْهِ فَلَيْسَتْ هَذِهِ بِشَهَادَةٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ اخْتِمُوا مُحْتَمِلٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لَا تَظْهَرُوهُ فَإِنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيَّ وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَكُونُ حُجَّةً فَإِنَّ الشَّيْءَ يُخْتَمُ عَلَيْهِ لِيَكُونَ مَحْفُوظًا تَارَةً وَلِيَكُونَ مَكْتُومًا أُخْرَى. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالُوا أَنَشْهَدُ عَلَيْكَ، فَقَالَ اخْتِمُوهُ وَلَوْ قَالُوا نَخْتِمُ هَذَا الصَّكَّ، فَقَالَ اشْهَدُوا كَانَ جَائِزًا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَكُونُ إلَّا لِلِاسْتِئْمَانِ بِالْحَقِّ وَالْأَمْنِ مِنْ الْجُحُودِ فَيَصِيرُ بِهَذَا اللَّفْظُ مُقِرًّا بِوُجُوبِ الْحَقِّ عَلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ لَفْظَ الشَّهَادَةِ خَاصٌّ شَرْعًا لِإِظْهَارِ الْحُقُوقِ (أَلَا تَرَى) أَنَّ الشَّاهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي لَوْ أَبْدَلَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ بِلَفْظَةٍ أُخْرَى لَمْ يَقْبَلْ الْقَاضِي مِنْهُ شَهَادَتَهُ فَكَذَلِكَ الَّذِي يَشْهَدُ عَلَى الْكِتَابِ إذَا أَبْدَلَهُ بِلَفْظٍ آخَرَ هُوَ مُحْتَمِلٌ لَا يَكُونُ إظْهَارًا لِلْحَقِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ. وَلَوْ كَتَبَ رِسَالَةً مِنْ فُلَانٍ إلَى فُلَانٍ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ كَتَبْتَ إلَيَّ أَنِّي ضَمِنْتُ لَكَ عَنْ فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلَمْ أَضْمَنْ لَكَ أَلْفًا وَإِنَّمَا ضَمِنْتُ لَكَ عَنْهُ خَمْسَمِائَةٍ، وَعِنْدَهُ رَجُلَانِ شَهِدَا كِتَابَتَهُ، ثُمَّ مَجِيءُ كِتَابِهِ فَشَهِدَا بِذَلِكَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَهُمَا اشْهَدَا وَلَا اخْتِمَا فَلِلِاسْتِحْسَانِ الَّذِي بَيَّنَّا مِنْ حَيْثُ الْعُرْفُ لَا تُكْتَبُ الرِّسَالَةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إلَّا لِلْإِعْلَامِ بِالْحَقِّ الْوَاجِبِ، ثُمَّ مَحْوُهُ الْكِتَابَةَ بِمَنْزِلَةِ الرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ فَفَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الصَّكِّ فَإِنَّ هُنَاكَ مَا لَمْ يَقُلْ اشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا لَا يَكُونُ مُلْزِمًا إيَّاهُ وَهَذَا فَرْقٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعُرْفِ أَيْضًا فَإِنَّ الصُّكُوكَ تَوْثِيقُ بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهَا عَادَةً وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِهَا وَكُتُبِ الرَّسَائِلِ تَخْلُو عَنْ الْإِشْهَادِ عَلَيْهَا عَادَةً فَلِهَذَا كَانَ مُجَرَّدُ الْكِتَابَةِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مُلْزِمًا إيَّاهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ اشْهَدُوا. وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَكُلُّ حَقٍّ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ. وَلَوْ كَتَبَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ قُدَّامَ رَجُلَيْنِ أُمِّيَّيْنِ لَا يَقْرَآنِ وَلَا يَكْتُبَانِ فَأَمْسَكَ الْكِتَابَ عِنْدَهُمَا وَشَهِدُوا بِهِ عَلَيْهِ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَمَّا لَوْ أَقْرَأَ الْكِتَابَ عِنْدَهُمَا وَشَهِدَا بِهِ عَلَيْهِ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَقْرَأَ الْكِتَابَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ كَتَبَهُ إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُفَسِّرَ الْقَاضِي مَا فِيهِ وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ عِلْمَ الشُّهُودِ بِمَا فِي الْكِتَابِ لَيْسَ بِشَرْطٍ. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَلَا يَجُوزُ حَتَّى يَعْلَمَا مَا فِي الْكِتَابِ أَوْ يَقْرَآنِهِ عِنْدَ الْقَاضِي مُفَسَّرًا وَأَصْلُهُ فِيمَا ذُكِرَ كِتَابُ أَدَبِ الْقَاضِي أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا وَجَدَ فِي خَرِيطَتِهِ سِجِلًّا فِيهِ حُكْمُهُ وَخَتْمُهُ، وَلَمْ يَتَذَكَّرْ الْحَادِثَةَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ فَمُحَمَّدٌ ﵀ يُفَرِّقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ تِلْكَ فَيَقُولُ أَصْلُ الْحَادِثَةِ هُنَاكَ

стр. 3832

كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُ، ثُمَّ نَسِيَهُ، وَقَدْ أَمِنَ مِنْ التَّبْدِيلِ فِيهِ لِكَوْنِهِ تَحْتَ خَاتِمِهِ وَهُنَا أَصْلُ الْحَادِثَةِ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لِلشَّاهِدِ، وَهُوَ أُمِّيٌّ لَا يَعْرِفُ الْكَاتِبَ، وَلَمْ يَسْمَعْ الْكَاتِبَ يُخْبِرْ فَلَمْ يُسْنَدْ عِلْمُ الشَّهَادَةِ بِهِ أَصْلًا. وَلَوْ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ صَكَّا قُدَّامَ أُمِّيَّيْنِ، ثُمَّ قَالَ اشْهَدَا عَلَيْهِ وَهُمَا لَا يَعْلَمَانِ مَا فِيهِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى مَا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لِلشَّاهِدِ بَاطِلٌ فَذِكْرُهُ كَعَدَمِهِ وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ يُفَرِّقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْأَوَّلِ فَيَقُولُ الْإِشْهَادُ عَلَى كِتَابِ الرِّسَالَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَعِلْمُ الشَّاهِدِ بِمَا فِيهِ لَا يَكُونُ شَرْطًا أَيْضًا وَالْإِشْهَادُ عَلَى الصَّكِّ شَرْطٌ لِجَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ فَعِلْمُ الشَّاهِدِ بِمَا فِيهِ يَكُونُ شَرْطًا أَيْضًا. وَلَوْ كَتَبَ رِسَالَةً فِي تُرَابٍ لَمْ يَجُزْ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ انْعِدَامِ الْفَرْقِ الْمُرَجِّحِ فِي هَذَا إلَّا أَنْ يَقُولَ اشْهَدَا عَلَيَّ بِهَذَا فَحِينَئِذٍ هُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ بِالْكِتَابَةِ فِي التُّرَابِ صَارَ مَعْلُومًا لَهُمْ، فَإِذَا أَشْهَدَهُمْ عَلَى مَعْلُومٍ صَارَ كَأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ بَيْنَ أَيْدِيهمْ. وَكَذَلِكَ إنْ كَتَبَهُ فِي خِرْقَةٍ أَوْ صَحِيفَةٍ أَوْ لَوْحٍ بِمِدَادٍ أَوْ بِغَيْرِ مِدَادٍ إلَّا أَنَّهُ لَا يَسْتَبِينُ فِيهِ الْخَطَّ، ثُمَّ قَالَ اشْهَدَا عَلَيَّ بِذَلِكَ أَوْ أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ كَانَ كَتَبَ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ الَّتِي لَا يَسْتَبِينُ فِيهَا الْخَطُّ كَالصَّوْتِ الَّذِي لَا يَسْتَبِينُ فِيهِ الْحُرُوفُ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِشَيْءٍ فَكَذَلِكَ هُنَا، وَهَذَا لِأَنَّ الْإِشْهَادَ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى مَا يَكُونُ مَعْلُومًا لِلشُّهُودِ وَالْكِتَابَةُ الَّتِي يَسْتَبِينُ فِيهَا الْخَطُّ لَا تُوجِبُ إعْلَامَ شَيْءٍ لَهُمْ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْكِتَابِ الْحِفْظُ عَنْ النِّسْيَانِ وَشَيْءٌ مِنْ هَذَا الْمَقْصُودِ لَا يَحْصُلُ بِالْكِتَابَةِ الَّتِي لَا يَسْتَبِينُ فِيهَا الْخَطُّ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ. وَلَوْ كَتَبَ فِي صَحِيفَةِ حِسَابِهِ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَشَهِدَ شَاهِدَانِ حَضَرَا ذَلِكَ أَوْ أَقَرَّ هُوَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا أَنْ يَقُولَ اشْهَدُوا عَلَيَّ بِهِ؛ لِأَنَّ مَا يُكْتَبُ فِي صَحِيفَةِ الْحِسَابِ مُحْتَمِلٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِيَارَ أَئِمَّةِ بَلْخِي ﵏ فِيهِ فِيمَا سَبَقَ. وَلَوْ كَتَبَ أَنَّ لِي عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي صَكٍّ بِخَطِّهِ قُدَّامَ شَاهِدَيْنِ وَبِمَحْضَرٍ مِمَّنْ عَلَيْهِ الْمَالُ، وَهُوَ كَانَ يَعْرِفُ مَا يَكْتُبُ، ثُمَّ قَالَ لِلشَّاهِدَيْنِ اشْهَدَا، فَقَالَ فُلَانٌ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ نَعَمْ فَهُوَ جَائِزٌ وَهُمَا فِي سَعَةٍ بِأَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ أَقَرَّ وَأَشْهَدَهُمَا عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ كِتَابَةَ صَاحِبِ الْحَقِّ صَارَ مَعْلُومًا كَمَا يَصِيرُ مَعْلُومًا كِتَابَةُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَتَمَامُ الصَّكِّ بِالْإِشْهَادِ، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ نَعَمْ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ نَعَمْ فَاشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي الْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ صَاحِبُ الْحَقِّ فَيَقُولُ أَلَيْسَ لِي عَلَيْك كَذَا فَيَقُولُ مَنْ عَلَيْهِ بَلَى وَبَيْنَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ فَكَذَلِكَ فِي الْكِتَابِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 3833

[بَابُ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ فِي الْحَيَوَانِ] (قَالَ ﵀) فَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَوْ الْمَرْأَةُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ عَبْدًا، ثُمَّ أَنْكَرَهُ فَإِنَّهُ يَقْضِي عَلَيْهِ بِقِيمَةِ عَبْدٍ وَسَطٍ كَمَا يَقْضِي فِي الْمَهْرِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: الْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فَمُحَمَّدٌ ﵀ يَقُولُ إقْرَارُهُ بِالْعَبْدِ دَيْنًا عَلَيْهِ كَإِقْرَارِهِ بِغَصْبِ عَبْدٍ هُوَ عَيْنٌ فِي يَدِهِ، وَذَلِكَ لَا يَتَعَيَّنُ بِهِ وَصْفٌ بَلْ عَلَى أَيِّ وَصْفٍ بَيَّنَهُ قَبْلَ قَوْلِهِ فِيهِ فَكَذَلِكَ هُنَا، وَلِأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ مَجْهُولٌ فَيَكُونُ الْبَيَانُ فِيهِ إلَى الْمُقِرِّ وَلَا يَتَعَيَّنُ لِوُجُوبِ الْمُقَرِّ بِهِ سَبَبٌ هَذَا لِمُطْلَقِ إقْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي إقْرَارِهِ لِسَبَبٍ وَبَيْنَ الْأَسْبَابِ مُعَارَضَةٌ فَلَا تَتَعَيَّنُ وَتَعْيِينُ صِفَةِ الْوَسَطِ بِتَعْيِينِ بَعْضِ الْأَسْبَابِ وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ إنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَبْدِ مُطْلَقًا فَيُضْرَبُ مُطْلَقُ الْإِقْرَارِ إلَى السَّبَبِ الَّذِي يُثْبِتُ بِهِ الْعَبْدُ الْمُطْلَقُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ. وَذَلِكَ كَالنِّكَاحِ وَيَتَعَيَّنُ فِيهِ وَكَأَنَّهُ صَرَّحَ بِذَلِكَ فَأَقَرَّ لِامْرَأَةٍ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ صَدَاقًا وَلَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ تَعَيَّنَ فِيهِ الْوَسَطُ فَكَذَلِكَ هُنَا. وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ بِهِ لِرَجُلٍ فَلَعَلَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ زَوَّجَهُ ثَلَاثَةً عَلَى عَبْدِهِ، ثُمَّ مَاتَتْ فَصَارَ ذَلِكَ مِيرَاثًا لِلْأَبِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُقِرَّ امْرَأَةٌ فَلَعَلَّهَا ضَمِنَتْ الصَّدَاقَ عَنْ الزَّوْجِ، ثُمَّ مَاتَتْ الْمَنْكُوحَةُ فَصَارَ ذَلِكَ مِيرَاثًا لِأَبِيهَا عَلَى الضَّامِنَةِ مَعَ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُطْلَقَ كَمَا يَثْبُتُ صَدَاقًا يَثْبُتُ فِي الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَيَتَعَيَّنُ فِيهِ الْوَسَطُ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ الْوَاجِبُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ قِيمَتِهِ فَأَيُّهُمَا أَتَى بِهِ جُبِرَ الطَّالِبُ عَلَى قَبُولِهِ فَبِالْإِقْرَارِ تَثْبُتُ هَذِهِ الصِّفَةُ أَيْضًا وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْحَقِيقَةِ تَنْبَنِي عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ مُطْلَقُ الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ يَنْصَرِفُ إلَى الْتِزَامٍ بِسَبَبِ عَقْدٍ مَشْرُوعٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لَا تَتَعَيَّنُ هَذِهِ الْجِهَةُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْإِقْرَارِ لِلْجَنِينِ. وَإِذَا قَالَ لَهُ عَبْدٌ فُرِضَ عَلَيْهِ قِيمَةُ عَبْدٍ وَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ فَظَاهِرٌ. وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ هُنَا؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالْقَرْضِ. وَكَذَلِكَ يُمْنَعُ مَعَ تَعْيِينِ الْعُقُودِ الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا الْحَيَوَانُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ وَتَتَعَيَّنُ الصِّفَةُ الْمُتَوَسِّطَةُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ، فَإِذَا سَقَطَ اعْتِبَارُهُ بَقِيَ إقْرَارُهُ بِقَبْضِ عَبْدِهِ بِطَرِيقِ الْقَرْضِ وَاسْتِقْرَاضِ الْحَيَوَانِ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فَالْمَقْبُوضُ يَصِيرُ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ كَالْمَغْصُوبِ وَلَوْ أَقَرَّ بِالْغَصْبِ كَانَ الْقَوْلُ فِي تَعْيِينِهِ قَوْلَهُ وَلَوْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا فَالْقَوْلُ فِي بَيَانِ قِيمَتِهِ قَوْلُهُ فَكَذَلِكَ هُنَا. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَابَّةٌ كَانَ عَلَيْهِ قِيمَةُ أَيِّ الدَّوَابِّ لِأَنَّ اسْمَ الدَّابَّةِ يَتَنَاوَلُ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةً وَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُهَا فِي

стр. 3834

شَيْءٍ مِنْ الْعُقُودِ بِهَذَا اللَّفْظِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ لِمَا أَقَرَّ بِهِ وَضْعًا بَلْ الْبَيَانُ فِي ذَلِكَ إلَى الْمُقِرِّ، فَإِذَا جَاءَ بِدَابَّةٍ بِعَيْنِهَا، وَقَالَ هِيَ هَذِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إنْ جَاءَ بِفَرَسٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ أَوْ بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ وَلَا أَقْبَلُ مِنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الدَّابَّةِ يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ الثَّلَاثَةِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ الدَّابَّةَ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا هَذِهِ الْأَجْنَاسَ الثَّلَاثَةَ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْبَيَانُ مِنْ الْمُقِرِّ إذَا كَانَ مُطْلِقًا لِلَفْظِهِ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ دَارًا أَوْ أَرْضًا أَوْ نَخْلًا أَوْ بُسْتَانًا فَحَقِيقَةُ هَذَا الْكَلَامِ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ إقْرَارٌ بِالدَّيْنِ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَا تَكُونُ دَيْنًا بِحَالٍ، وَلَكِنْ إذَا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَةِ الْكَلَامِ وَلَهُ مَجَازٌ مُحْتَمِلٌ يُحْمَلُ عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ عَلَيَّ رَدُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قَالَ ﷺ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِهِ بِغَصْبِ دَارٍ أَوْ بُسْتَانٍ فَيُؤْخَذُ بِأَدْنَى مَا يَكُونُ ذَلِكَ حَتَّى يَدْفَعَهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَدْنَى هُوَ الْمُتَيَقَّنُ بِهِ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ ثَوْبًا هَرَوِيًّا فَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ ثَوْبٍ هَرَوِيٍّ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ قَبْلَ هَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْصَرِفَ إقْرَارُهُ إلَى الْوَسَطِ عَلَى قِيَاسِ الْعَبْدِ وَصَحَّ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ يُفَرِّقُ فَيَقُولُ هُنَاكَ الْعَبْدُ الْمُطْلَقُ لَا يَثْبُتُ إلَّا دَيْنًا إلَّا فِي مُعَاوَضَةِ مَالٍ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَيَتَعَيَّنُ فِيهِ الْوَسَطُ وَهُنَا الثَّوْبُ الْهَرَوِيُّ يَثْبُتُ دَيْنًا فِي مُبَادَلَةِ مَالٍ كَالسَّلَمِ فَلَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْوَسَطُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الْوَصْفِ فِيهِ فَلَا يَتَعَيَّنُ لِإِقْرَارِهِ هُنَا بِبَعْضِ الْأَسْبَابِ فَلِهَذَا قُبِلَ قَوْلُهُ فِي بَيَانِهِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ إذَا ادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ شَيْئًا آخَرَ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ عَلَى ثَوْبٍ، وَلَمْ يُسَمِّ جِنْسَهُ فَأَيُّ ثَوْبٍ جَاءَ بِهِ قُبِلَ مِنْهُ اللَّبِيسُ وَالْجَدِيدُ فِيهِ سَوَاءٌ وَلَا يُتْرَكُ حَتَّى يُسَمِّيَ ثَوْبًا؛ لِأَنَّ بِمُطْلَقِ اسْمِ الثَّوْبِ لَا يَثْبُتُ الثَّوْبُ دَيْنًا فِي شَيْءٍ مِنْ الْعُقُودِ فَيَصِيرُ كَلَامُهُ عِبَارَةً عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْغَصْبِ وَمَعَ بَيَانِ الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْأَجَلِ يَثْبُتُ دَيْنًا فَلِهَذَا كَانَ الْقَوْلُ فِي بَيَانِهِ قَوْلَ الْمُقِرِّ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا هِبَةَ لَهُ قِبَلَ فُلَانٍ، ثُمَّ ادَّعَى صَدَقَةً أَوْ شِرَاءً فَهُوَ عَلَى دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى غَيْرَ مَا نَفَاهُ. وَلَوْ قَالَ لَا بَيْعَ لِي قِبَلَ فُلَانٍ، ثُمَّ ادَّعَى عَبْدًا جَعَلَهُ لَهُ مِنْ صُلْحٍ أَوْ قَالَ لَا صُلْحَ لِي قِبَلَ فُلَانٍ، ثُمَّ ادَّعَى عَبْدًا شِرَاءً كَانَ عَلَى دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى غَيْر مَا نَفَاهُ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ شَيْءٌ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ قَبْلَ إقْرَارِهِ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُنَاقِضٌ فِي كَلَامِهِ فَفِيمَا اشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ مِنْ الْقَبْضِ وَالْخُصُومَةِ فِي الْعَبْدِ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ وَلَوْ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ بَعْدَ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ فَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ. وَإِذَا أَقَرَّ بِالرَّهْنِ فِي السَّلَمِ لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الْأَوَّلِ حَتَّى يُعَايِنَ الشُّهُودُ التَّسْلِيمَ وَيَجُوزُ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ

стр. 3835

وَهُوَ قَوْلُهُمَا، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا سَبَقَ، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ أُمِرَ بِالدَّفْعِ إلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ إقْرَارِهِ بِالْبَيِّنَةِ كَثُبُوتِهِ بِالْمُعَايَنَةِ، وَإِنْ تَصَادَقَا فِي رَهْنٍ بِغَيْرِ قَبْضٍ أَوْ عَلَى رَهْنٍ مَشَاعٍ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ وَالشُّيُوعُ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْيَدِ بِحُكْمِ الرَّهْنِ عِنْدَنَا فَإِنَّمَا تَصَادَقَا عَلَى سَبَبٍ غَيْرِ مُلْزِمٍ وَلَوْ عَايَنَا مَا تَصَادَقَا عَلَيْهِ لَا يُجْبَرُ عَلَى التَّسْلِيمِ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ رَهَنَ هَذَا الْعَبْدَ مِنْ فُلَانٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَأَنَّهُ قَدْ قَبَضَهُ مِنْهُ، وَقَالَ فُلَانٌ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ، وَهُوَ مِائَةُ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَدَّعِي زِيَادَةً فِي دَيْنِهِ وَالزِّيَادَةُ لَا تَثْبُتُ بِدَعْوَاهُ وَالدَّيْنُ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ الرَّهْنِ فَاخْتِلَافُهُمَا فِي مِقْدَارِ الدَّيْنِ لَا يَتَضَمَّنُ التَّكْذِيبَ فِي أَصْلِ الرَّهْنِ فَلِهَذَا كَانَ رَهْنًا بِمَا اتَّفَقَا مِنْ الْمَالِ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْإِقْرَارِ بِكَذَا وَإِلَّا فَعَلَيْهِ كَذَا] (قَالَ ﵀) قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْخِلَافِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي قَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَإِلَّا فَلِفُلَانٍ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَوْ لِفُلَانٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ هُوَ لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي فَفَرَّعَ عَلَى مَا ذُكِرَ ثَمَّةَ، وَقَالَ إذَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ أَقْرَضَنِيهَا أَمْسِ وَإِلَّا فَعَبْدُهُ حُرٌّ فَهَذَا مِنْهُ تَأْكِيدٌ لِلْإِقْرَارِ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ فَيَلْزَمُهُ الْمَالُ وَلَا يَعْتِقُ الْعَبْدُ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ بِطَلَاقٍ أَوْ بِحَجٍّ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ اسْتَقْرَضَ مِنْ فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَبَضَهَا أَوْ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَالْإِقْرَارُ لِلْأَوَّلِ جَائِزٌ وَالثَّانِي مُخَاطَرَةٌ لَا يَلْزَمُهُ. أَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا مُجَانَسَةَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ فَإِنَّ الْقَبْضَ بِحُكْمِ الِاسْتِقْرَاضِ فِعْلٌ وَآخِرُ كَلَامِهِ قَوْلٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ وَإِلَّا بِمَعْنَى التَّرْدِيدِ كَحَرْفٍ أَوْ فَبَقِيَ مُقِرًّا بِالْمَالِ لِلْأَوَّلِ وَمُعَلِّقًا إقْرَارَهُ لِلثَّانِي بِشَرْطِ عَدَمِ الِاسْتِقْرَاضِ وَالْقَبْضُ مِنْ الْأَوَّلِ وَتَعْلِيقُ الْإِقْرَارِ بِالشَّرْطِ لَا يَجُوزُ. . وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: ابْتَعْتُ مِنْ فُلَانٍ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَإِلَّا فَلِفُلَانٍ عَلَيَّ خَمْسُمِائَةٍ إلَّا أَنَّ هُنَا إنْ أَقَرَّ رَبُّ الْعَبْدِ بِبَيْعِ الْعَبْدِ لَزِمَهُ الْأَلْفُ، وَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ صَارَ رَادًّا لِإِقْرَارِهِ حِينَ أَنْكَرَ بَيْعَ الْعَبْدِ مِنْهُ وَإِقْرَارُهُ بِالْخَمْسِمِائَةِ كَانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ. وَلَوْ قَالَ قَدْ أَعْتَقْتُ عَبْدِي هَذَا وَإِلَّا فَغُلَامِي هَذَا حُرٌّ عَتَقَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ أَكَّدَ عِتْقَ الْأَوَّلِ بِالْيَمِينِ بِعِتْقِ الثَّانِي إذْ لَا مُجَانَسَةَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ لِمَحَلِّ قَوْلِهِ أَوْ وَلَوْ قَالَ هَذَا حُرٌّ وَإِلَّا فَهَذَا أَوْ أَعْتَقْتُ هَذَا وَإِلَّا فَقَدْ

стр. 3836

أَعْتَقْتُ هَذَا كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَهُمَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَجَانَسَ الْكَلَامَانِ فَقَوْلُهُ وَإِلَّا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَوْ كَمَا لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَإِلَّا فَلِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةُ دِينَارٍ أَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ فِي هَذَا كُلِّهِ فَالْأَوَّلُ إيجَابٌ صَحِيحٌ وَالثَّانِي بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ إقْرَارِ الرَّجُلِ فِي نَصِيبِهِ] (قَالَ ﵀): وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا أَنَّ نَصِيبَهُ مِنْهَا لِفُلَانٍ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ صَحَّ إقْرَارُهُ لِثُبُوتِ وِلَايَةِ التَّصَرُّفِ لَهُ عَلَى نَصِيبِهِ. وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ بِبَعْضِ نَصِيبِهِ مِنْ نِصْفٍ أَوْ عُشْرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِنِصْفِ الدَّارِ مُطْلَقًا يَنْصَرِفُ إقْرَارُهُ إلَى نَصِيبِهِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ تَصْحِيحُ كَلَامِهِ وَلَا يَصِحُّ إلَّا بِأَنْ يُحْمَلَ إقْرَارُهُ عَلَى نَصِيبِهِ. وَلَوْ قَالَ لَهُ رُبْعُ جَمِيعِ هَذِهِ الدَّارِ وَلِي رُبْعٌ وَنِصْفٌ وَلِصَاحِبِي رُبْعٌ وَنِصْفُهُ وَجَحَدَ شَرِيكُهُ ذَلِكَ فَإِنَّ نِصْفَ الدَّارِ حِصَّةُ الْمُقَرِّ بَيْنَ الْمُقِرِّ وَالْمُقَرِّ لَهُ عَلَى خَمْسَةٍ لِلْمُقِرِّ سَهْمَانِ وَلِلْمُقَرِّ لَهُ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ يُعَامِلُ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ نَفْسَهُ كَأَنَّ مَا أَقَرَّ بِهِ حَقٌّ وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ زَعَمَ الْمُقِرُّ هُنَا أَنْ حَقَّ الْمُقَرِّ لَهُ فِي سَهْمَيْنِ مِنْ ثُلُثِهِ وَحَقِّي فِي ثُلُثِهِ وَحَقُّ شَرِيكِي فِي ثُلُثِهِ إلَّا أَنَّ شَرِيكَهُ ظَلَمَهُمَا حِينَ أَخَذَ زِيَادَةً عَلَى مِقْدَارِ حَقِّهِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الظُّلْمُ عَلَى أَحَدِهِمَا خَاصَّةً بَلْ يُجْعَلُ ذَلِكَ كَالتَّاوِي وَيَبْقَى مَا فِي يَدِ الْمُقِرِّ تَصَرَّفَ فِيهِ الْمُقَرُّ لَهُ بِسَهْمَيْنِ وَالْمُقِرُّ بِثُلُثِهِ فَيَكُونُ مَقْسُومًا بَيْنَهُمَا عَلَى خَمْسَةٍ. وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ أَلْفًا وَأَنَّهُ قَدْ قَضَاهَا إيَّاهُ فَوَصَلَ الْإِقْرَارُ بِهَذَا، ثُمَّ جَاءَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ قَضَاهَا إيَّاهُ قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يُقْبَلُ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ﵀؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ مُحَالٌ فَإِنَّهُ أَقَرَّ بِوُجُوبِ الْمَالِ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ وَمَا قَضَاهُ قَبْلَ هَذَا لَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ فَكَانَ مُنَاقِضًا فِي دَعْوَى الْقَضَاءِ وَالْكَلَامُ الْمُحَالُ وَالتَّنَاقُضُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَلَكِنْ اُسْتُحْسِنَ لِلْعُرْفِ فَإِنَّ النَّاسَ يَذْكُرُونَ هَذَا اللَّفْظَ وَيُرِيدُونَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ هَذَا الثَّوْبُ لِلْأَمِيرِ كَسَانِيهِ أَوْ هَذِهِ الدَّابَّةُ لِلْأَمِيرِ حَمَلَنِي عَلَيْهَا وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ لَا أَنَّهُ فِي الْحَالِ لَهُ كَذَلِكَ هُنَا. وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ مَا سَكَتَ قَضَيْتُهَا إيَّاهُ قَبْلَ أَنْ أُقِرَّ بِهَا وَجَاءَ بِالْبَيِّنَةِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ قَضَيْتُهَا إيَّاهُ بَيَانٌ مُغَايِرٌ لِظَاهِرِ كَلَامِهِ فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ الْإِخْبَارُ بِوُجُوبِ الْمَالِ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ عَلَى احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّهُ كَانَ وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ إنَّمَا يُسْمَعُ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا، فَإِذَا سَكَتَ تَقَرَّرَ الْمَالُ عَلَيْهِ وَاجِبًا فِي الْحَالِ فَهُوَ فِي قَوْلِهِ

стр. 3837

قَضَيْتُهَا إيَّاهُ قَبْلَ أَنْ أُقِرَّ بِهَا مُنَاقِضٌ فِي كَلَامِهِ. وَلَوْ قَالَ كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قَالَ قَدْ قَضَيْتُهَا إيَّاهُ قَبْلَ أَنْ أُقِرَّ بِهِ وَجَاءَ بِالْبَيِّنَةِ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ كَانَ كَذَا لَا يَكُونُ تَصْرِيحًا مِنْهُ بِقِيَامِهِ فِي الْحَالِ وَإِنَّمَا يُجْعَلُ قَائِمًا بِاعْتِبَارِ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ؛ لِأَنَّ مَا عُرِفَ ثُبُوتُهُ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ إذَا لَمْ يَقُمْ الدَّلِيلُ بِخِلَافِهِ، وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ هُنَا حِينَ أَتَى بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَا ادَّعَى مِنْ الْقَضَاءِ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فَإِنَّ كَلَامَهُ الْأَوَّلَ هُنَا تَصْرِيحٌ بِوُجُوبِ الْمَالِ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ فَهُوَ بِقَوْلِهِ كُنْتُ قَضَيْتُهَا مِنْ قَبْلُ يَكُونُ مُنَاقِضًا فِيمَا صَرَّحَ بِهِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ هَذَا الْعَبْدُ لِفُلَانٍ اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ فَوَصَلَهُ بِإِقْرَارِهِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ اسْتِحْسَانًا وَلَوْ قَالَ بَعْدَ مَا سَكَتَ اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ قَبْلَ الْإِقْرَارِ أَوْ وَهَبَهُ لِي أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيَّ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ اسْتِحْسَانًا فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ الَّذِي فِي يَدِهِ عَبْدٌ لِفُلَانٍ اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَنَقَدْتُهُ الثَّمَنَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ اشْتَرَيْتُهُ مِنْ فُلَانٍ الْآخَرِ بِخَمْسِمِائَةٍ دِرْهَمٍ وَنَقَدْتُهُ الثَّمَنَ، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فَهُوَ جَائِزٌ وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ لِلْأَوَّلِ وَالثَّمَنُ لِلْآخَرِ وَمُرَادُهُ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى التَّعْيِينِ فَقَطْ دُونَ نَقْدِ الثَّمَنِ، فَأَمَّا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى نَقْدِ الثَّمَنِ فَلَا شَيْءَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِذَا أَقَامَ عَلَى التَّعْيِينِ فَقَطْ فَالْمَبِيعُ مَقْبُوضٌ لَهُ وَثَمَنُ الْمَبِيعِ الْمَقْبُوضِ يَكُونُ مُتَأَكِّدًا عَلَى الْمُشْتَرِي، وَفِي الذِّمَّةِ سَعَةٌ بِالْحُقُوقِ فَلِهَذَا لَزِمَهُ الثَّمَنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِذَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَالْعَبْدُ لِلْأَوَّلِ إذَا جَحَدَ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالشِّرَاءِ مِنْهُ إقْرَارٌ بِمِلْكِ أَصْلِ الْعَبْدِ لَهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ شِرَاؤُهُ مِنْهُ حِينَ جَحَدَهُ فَعَلَيْهِ رَدُّ الْعَبْدِ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَقَرَّ لِلثَّانِي أَنَّهُ قَبَضَ الْعَبْدَ مِنْهُ بِجِهَةِ الْبَيْعِ، فَإِنْ صَدَّقَهُ فِي ذَلِكَ فَلَهُ الثَّمَنُ خَمْسُمِائَةٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُصَدَّقٍ عَلَيْهِ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ نَقْدِ الثَّمَنِ إذَا لَمْ يُصَدِّقْهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ جَحَدَ الْبَيْعَ ضَمِنَ لَهُ الْمُقِرُّ قِيمَةَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ عَلَى جِهَةِ الشِّرَاءِ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ عَلَى الْقَابِضِ كَالْمَقْبُوضِ بِحَقِيقَةِ الشِّرَاءِ إذَا لَمْ يَجِبْ بِهِ الثَّمَنُ الْمُسَمَّى. وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الدَّارِ وَالْأَرْضِ وَالْعُرُوضِ. وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ فِي يَدَيْهِ بَيِّنَةَ وَبَيْنَ فُلَانٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ بَيْنِي وَبَيْنَ فُلَانٍ الْآخَرِ، ثُمَّ تَخَاصَمُوا إلَى الْقَاضِي فَإِنَّهُ يَقْضِي لِلْأَوَّلِ بِنَصِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ شَرَّكَهُ بِنَفْسِهِ فِي الْعَبْدِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ هُوَ كَانَ مَالِكًا لِجَمِيعِ الْعَبْدِ ظَاهِرًا فَيَكُونُ كَلَامُهُ إقْرَارًا بِالنِّصْفِ، ثُمَّ سَاوَى الثَّانِيَ بِنَفْسِهِ فِي الْعَبْدِ، وَعِنْدَ إقْرَارِهِ لِلثَّانِي مَا كَانَ يَمْلِكُ فِي الْمُقَرِّ بِهِ إلَّا نِصْفَهُ فَصَارَ مُقَرًّا لَهُ بِنِصْفِ ذَلِكَ النِّصْفِ وَسَاوَى الثَّالِثَ بِنَفْسِهِ فِي الْعَبْدِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ مَا كَانَ يَمْلِكُ مِنْ الْعَبْدِ إلَّا رُبْعَهُ فَصَارَ مُقَرًّا لَهُ بِنِصْفِ ذَلِكَ الرُّبْعِ، وَهُوَ الثُّمْنُ وَيَبْقَى فِي يَدِ الْمُقِرِّ الثُّمْنُ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ عَلَى مَيِّتٍ

стр. 3838

هُوَ وَارِثُهُ فَإِقْرَارُهُ فِيمَا يَخْلُفُ الْمَيِّتَ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ ابْتِدَاءً. وَلَوْ أَقَرَّ بِالْعَبْدِ كُلِّهِ لِفُلَانٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ لِفُلَانٍ فَإِنَّهُ لِلْأَوَّلِ وَلَا شَيْءَ لِلْآخَرِ إلَّا أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى الْأَوَّلِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ فَحِينَئِذٍ يَضْمَنُ لِلْآخَرِ قِيمَتَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْفُصُولَ فِي إقْرَارِهِ بِالْغَصْبِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ. وَلَوْ كَانَتْ دَابَّةٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ، فَقَالَ اسْتَوْدَعَنِي فُلَانٌ نِصْفَ هَذِهِ الدَّابَّةِ، ثُمَّ قَالَ اسْتَوْدَعَنِي فُلَانٌ نِصْفَ هَذِهِ الدَّابَّةِ، ثُمَّ قَالَ اسْتَوْدَعَنِي فُلَانٌ آخَرُ نِصْفَ هَذِهِ الدَّابَّةِ فَيَنْصَرِفُ مُطْلَقُ إقْرَارِهِ إلَى ذَلِكَ، ثُمَّ يَضْمَنُ لِلثَّالِثِ نِصْفَ قِيمَتِهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ إذَا دَفَعَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ إلَى الْأَوَّلَيْنِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ سَوَاءٌ دَفَعَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ أَوْ بِقَضَاءٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ فِي دَارٍ فِي يَدِ رَجُلٍ، ثُمَّ أَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهَا لَهُ وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَقَرَّ أَنَّهَا لَهُ فَالثَّابِتُ مِنْ الْإِقْرَارَيْنِ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ فَيَتَغَايَرَانِ لِلتَّعَارُضِ فَتَبْقَى الدَّارُ فِي يَدِهِ عَلَى مَا كَانَ، وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ جَازَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى أَلْفٍ، وَإِنْ ادَّعَى الْمُدَّعِي أَكْثَرَ الْمَالَيْنِ لِاتِّفَاقِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى أَلْفٍ لَفْظًا وَمَعْنًى. وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفَيْنِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ هُنَا لِاخْتِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ فِي اللَّفْظِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ دَوَّارَةٌ فِي الْكُتُبِ مَعْرُوفَةٌ بَيَّنَّاهَا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ. وَإِنْ شَهِدَا عَلَى أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا كُنَّا جَمِيعًا، وَقَالَ الْآخَرُ كُنْت وَحْدِي فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ قَوْلٌ يُعَادُ وَيُكَرَّرُ وَيَكُونُ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ فَبِهَذَا لَا يَخْتَلِفُ الْمَشْهُودُ بِهِ. وَلَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَقَالَ قَدْ أَخَذْت مِنْهَا شَيْئًا فَقَدْ أَقَرَّ بِهَا؛ لِأَنَّ الْهَاءَ وَالْأَلِفَ فِي قَوْلِهِ مِنْهَا كِنَايَةٌ عَنْ الْأَلْفِ فَكَأَنَّهُ قَالَ قَدْ أَخَذْتُ مِنْ الْأَلْفِ الَّتِي لَكَ عَلَيَّ شَيْئًا. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ كَمْ وَزْنُهَا أَوْ مَتَى حِلُّهَا أَوْ مَا ضَرْبُهَا أَوْ قَدْ بَرِئْتُ إلَيْكَ مِنْهَا أَوْ قَدْ أَدَّيْتُهَا إلَيْكَ فَهَذَا كُلُّهُ إقْرَارٌ بِأَلْفٍ لِمَا بَيَّنَّا. وَلَوْ قَالَ قَدْ بَرِئْتُ إلَيْكَ مِنْ كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ كَانَ لَكَ عَلَيَّ لَمْ يَكُنْ هَذَا إقْرَارًا بِالْأَلْفِ، وَلَكِنَّهُ إقْرَارٌ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ الْإِيفَاءُ فَيَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارُ بِشَيْءٍ مَجْهُولِ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ فَيَكُونُ مُجْبَرًا عَلَى بَيَانِهِ، وَإِذَا بَيَّنَهُ يَحْلِفُ الطَّالِبُ مَا قَبَضَهُ مِنْهُ وَيَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ مَا عَلَيْهِ غَيْرُ هَذَا؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ يَدَّعِي عَلَيْهِ زِيَادَةً، وَهُوَ لِذَلِكَ مُنْكِرٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْإِقْرَارِ بِمَا قَبَضَهُ مِنْ غَيْرِهِ] (قَالَ ﵀) وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ أَخَذَ ثَوْبًا مِنْ دَارٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ فَادَّعَى عَلَيْهِ الشَّرِيكُ

стр. 3839

نِصْفَ الثَّوْبِ وَأَنْكَرَ الْمُقِرُّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ فِي يَدِهِ وَإِقْرَارُهُ بِالْأَخْذِ مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ لَا يَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ بِالثَّوْبِ غَيْرِ مُتَوَلَّدٍ مِنْ الدَّارِ بَلْ مَوْضُوعٌ فِيهَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ سَاكِنٌ فِي الدَّارِ يَضَعُ أَمْتِعَتَهُ فِيهَا، ثُمَّ يَأْخُذُهَا مِنْهَا فَلَا يَكُونُ مُقِرًّا بِالْيَدِ لَلشَّرِيكِ فِي الثَّوْبِ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْ بَيْتِ فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قَالَ هُوَ لِي فَالْمَالُ لِصَاحِبِ الْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالْأَخْذِ مِنْ بَيْتِهِ فَهُوَ كَإِقْرَارِهِ بِالْأَخْذِ مِنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّ مَا فِي مِلْكِ الْإِنْسَانِ يَكُونُ فِي يَدِهِ حُكْمًا لَوْ نَازَعَهُ فِيهِ غَيْرُهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فَيُؤْمَرُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ حَتَّى يُثْبِتَ مَا يَدَّعِيهِ مِنْ الْمِلْكِ لِنَفْسِهِ. وَكَذَلِكَ إنْ زَعَمَ أَنَّهُ لِآخَرَ إلَّا أَنَّهُ يَضْمَنُ لِلثَّانِي مِثْلَهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ حُجَّةٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَقَدْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ قَبَضَ مِلْكَهُ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَدُّهُ فَيَضْمَنُ لَهُ مِثْلَهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ قَبَضْتُ مِنْ صُنْدُوقِ فُلَانٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ أَوْ مِنْ كِيسِهِ أَوْ سَفَطِهِ ثَوْبًا هَرَوِيًّا أَوْ مِنْ قَرْيَتِهِ كُرًّا مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ مِنْ نَخْلِهِ كُرًّا مِنْ تَمْرٍ أَوْ مِنْ زَرْعِهِ كُرًّا مِنْ حِنْطَةٍ فَهَذَا كُلُّهُ إقْرَارٌ بِأَنَّهُ أَخَذَ مَا كَانَ فِي يَدِ فُلَانٍ فَعَلَيْهِ رَدُّهُ. وَلَوْ قَالَ قَبَضْتُ مِنْ أَرْضِ فُلَانٍ عِدْلَ زُطِّيٍّ، ثُمَّ قَالَ مَرَرْتُ فِيهَا مَارًّا فَنَزَلْتُهَا لَمْ يُصَدَّقْ إذَا لَمْ يُعْرَفْ نُزُولُهُ فِيهَا وَيُقْضَى بِالزُّطِّيِّ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ طَرِيقًا مَعْرُوفًا لِلنَّاسِ أَوْ يَكُونَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ حِينَئِذٍ. وَكَذَلِكَ الْقَرْيَةُ إذَا كَانَ الطَّرِيقُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِالنُّزُولِ فَيَكُونُ قِيَاسُ الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي يُمْكِنُ كُلُّ شَرِيكٍ مِنْ السُّكْنَى فِيهَا فَلَا يَتَضَمَّنُ كَلَامُهُ الْإِقْرَارَ بِأَنَّهُ آخِذٌ لِلْعَدْلِ مِنْ صَاحِبِ الْأَرْضِ. وَلَوْ قَالَ أَخَذْتُ مِنْ دَارِ فُلَانٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قَالَ كُنْت فِيهَا سَاكِنًا بِأُجْرَةٍ، فَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ أَوْ بَيَّنَهُ بِالْبَيِّنَةِ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْمَالِ وَإِلَّا لَمْ يُصَدَّقْ وَأُمِرَ بِرَدِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ سَبَبُ يَدِهِ عَلَى الدَّارِ فِي وَقْتٍ مَا يَكُونُ هَذَا إقْرَارًا مِنْهُ بِأَخْذِ الْمِائَةِ مِنْ صَاحِبِ الدَّارِ. وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ فُلَانًا أَتَى أَرْضَ فُلَانٍ هَذِهِ فَاحْتَفَرَ فِيهَا وَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ وَزْنَ سَبْعَةٍ وَادَّعَاهَا رَبُّ الْأَرْضِ وَجَحَدَ الْحَافِرُ أَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ وَادَّعَى أَنَّ الْمَالَ لَهُ فَإِنِّي أَقْضِي بِهَا لِرَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ عَلَى أَخْذِهَا مِنْ مِلْكِهِ كَشَهَادَتِهِمْ عَلَى أَخْذِهَا مِنْ يَدِهِ أَرَأَيْتَ لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ ضَرَبَ صَاحِبَ الْأَرْضِ حَتَّى أَوْقَعَهُ أَوْ قَاتَلَهُ حَتَّى غَلَبَهُ، ثُمَّ احْتَفَرَ الْأَرْضَ وَأَخْرَجَ الْمَالَ أَمَا كَانَ يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ فَهَذَا مِمَّا لَا يُشْكِلُ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِرَدِّهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ مَنْزِلِهِ كَذَا أَوْ مِنْ حَانُوتِهِ أَوْ أَخَذَ دُهْنًا مِنْ قَارُورَتِهِ أَوْ سَمْنًا مِنْ زِقِّهِ فَهَذَا وَشَهَادَتُهُمْ عَلَى الْأَخْذِ مِنْ يَدِهِ سَوَاءٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَخَذَ سَرْجًا كَانَ عَلَى دَابَّةِ فُلَانٍ أَوْ لِجَامًا أَوْ حِمْلًا مِنْ حِنْطَةٍ كَانَتْ عَلَى دَابَّةِ فُلَانٍ أَوْ

стр. 3840

طَعَامًا كَانَ فِي جُوَالِقِ فُلَانٍ قُضِيَ بِهِ لَهُ لِإِقْرَارِهِ بِالْأَخْذِ مِنْ يَدِهِ فَإِنَّ دَابَّةَ فُلَانٍ وَمَا عَلَيْهَا مِنْ يَدِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَخَذَ بِطَانَةَ جُبَّتِهِ أَوْ سِتْرَ بَابِهِ فَالْإِضَافَةُ لِمِلْكِهِ بِمَنْزِلَةِ الْإِضَافَةِ إلَيْهِ فِي أَنَّهُ إقْرَارٌ بِالْمِلْكِ لَهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ رَكِبَ دَابَّةَ فُلَانٍ أَوْ لَبِسَ ثَوْبَ فُلَانٍ أَوْ اسْتَخْدَمَ خَادِمَهُ، ثُمَّ أَخَذَهُ فُلَانٌ آخَرُ مِنْهُ فَهَذَا كُلُّهُ إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ بِفِعْلٍ هُوَ غَصْبٌ مِنْ مِلْكِ الْأَوَّلِ فَيُؤْمَرُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الرَّدِّ كَانَ ضَامِنًا. وَلَوْ قَالَ فُلَانٌ حَمَلَنِي عَلَى دَابَّتِهِ أَوْ فِي سَفِينَتِهِ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ مَا فَعَلَ بِنَفْسِهِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَإِنَّمَا أَقَرَّ بِفِعْلِ صَاحِبِ الدَّابَّةِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُوجَبٍ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ حُمِلَ عَلَى دَابَّةِ فُلَانٍ هَذَا فِعْلُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ فَلَا يَصِيرُ بِهِ مُضِيفًا لِلْحَمْلِ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا مُقِرًّا عَلَى نَفْسِهِ بِسَبَبٍ مُوجَبٍ لِلضَّمَانِ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَخَذَ ثِيَابًا مِنْ حَمَّامِ فُلَانٍ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَدْخُلُونَ الْحَمَّامَ فَيَضَعُونَ ثِيَابَهُمْ فِيهَا، ثُمَّ يَأْخُذُونَهَا فَلَا يَتَضَمَّنُ هَذَا اللَّفْظُ الْإِقْرَارَ بِيَدٍ أَصْلِيَّةٍ لِصَاحِبِ الْحَمَّامِ فِي الثِّيَابِ. وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ الْجَامِعُ وَالْكَعْبَةُ وَالْخَانُ وَالْأَرْضُ يَنْزِلُهَا النَّاسُ وَيَضَعُونَ فِيهَا الْأَمْتِعَةَ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَضَعَ ثَوْبَهُ فِي بَيْتِ فُلَانٍ لَمْ يَضْمَنْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إنْ ادَّعَاهُ رَبُّ الْبَيْتِ وَيَضْمَنُهُ عِنْدَهُمَا، وَهُوَ نَظِيرُ مَا سَبَقَ إذَا قَالَ أَسْكَنْتُهُ دَارِي، ثُمَّ أَخَذْتهَا مِنْهُ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَخَذَ ثَوْبًا مِنْ طَرِيقِ فُلَانٍ أَوْ مِنْ فِنَاءِ فُلَانٍ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْفِنَاءَ اسْمُ لِسَعَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ مِلْكِهِ مُعَدَّةٍ لِمَنَافِعِهِ مِنْ كَسْرِ الْحَطَبِ وَإِلْقَاءِ الْكُنَاسَةِ وَنَحْوِهَا فَلَا تَكُونُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةُ فِي يَدِ فُلَانٍ عَلَى الْخُصُوصِ بَلْ لِلنَّاسِ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِهَا. وَكَذَلِكَ الطَّرِيقُ. وَلَوْ قَالَ أَخَذْتُ ثَوْبًا مِنْ أَجِيرِ فُلَانٍ فَهُوَ لِلْأَجِيرِ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ مِنْ يَدِهِ وَيَدُ الْأَجِيرِ فِي أَمْتِعَتِهِ يَدُ نَفْسِهِ حَتَّى لَوْ نَازَعَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْأَجِيرِ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَخَذَ ثَوْبًا مِنْ مَسْجِدِ فُلَانٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسْجِدُ لَهُ خَاصَّةً فِي دَارِهِ فَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ مِلْكِهِ وَمَا فِيهِ يَكُونُ فِي يَدِهِ فَيَضْمَنُهُ وَلَوْ قَالَ مِنْ هَذِهِ الْبِيعَةِ أَوْ الْكَنِيسَةِ أَوْ بَيْتِ النَّارِ أَوْ الْقَنْطَرَةِ أَوْ الْجِسْرِ أَوْ كُلِّ مَوْضِعٍ لِلْعَامَّةِ مِمَّا لَا يَدَ عَلَيْهِ فِيهِ لَا حَدَّ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقُّ وَضْعِ الْأَمْتِعَةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فَلَا يَتَضَمَّنُ كَلَامُهُ الْإِقْرَارَ بِأَخْذِهِ مِنْ يَدِ إنْسَانٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ إقْرَارِ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ] (قَالَ ﵀): وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِفُلَانٍ عَلَيَّ، وَعَلَى فُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَجَحَدَ الْآخَرُ لَزِمَ الْمُقِرَّ نِصْفُهُ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَ الْآخَرَ عَلَى نَفْسِهِ وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي الْخَبَرِ وَإِقْرَارُهُ عَلَى

стр. 3841

نَفْسِهِ حُجَّةٌ، وَعَلَى الْآخَرِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ سَمَّى اثْنَيْنِ مَعَهُ لَزِمَهُ الثُّلُثُ. وَكَذَلِكَ لَوْ سَمَّى عَبْدًا مَحْجُورًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ حَرْبِيًّا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ رَجُلًا لَا يُعْرَفُ فَعَلَى الْمُقِرِّ حِصَّتُهُ عَلَى عَدَدِهِمْ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَنْ سَمَّى ذِمَّتُهُ صَالِحُهُ لِالْتِزَامِ الْمَالِ فَيَتَحَقَّقُ الِاشْتِرَاكُ وَيَكُونُ مُقِرًّا عَلَى نَفْسِهِ بِحِصَّتِهِ خَاصَّةً. وَلَوْ قَالَ إنَّ لِفُلَانٍ عَيْنًا أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدًا، ثُمَّ قَالَ عَنَيْتُ فُلَانًا وَفُلَانًا لَزِمَهُ الْمَالُ كُلُّهُ إنْ ادَّعَاهُ الطَّالِبُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ ﵀ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا حِصَّتُهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَحَقِيقَةُ لَفْظِ الْجَمْعِ لَا تَتَنَاوَلُ الْمُفْرَدَ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي بَيَانِ الْعَدَدِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْإِقْرَارُ؛ لِأَنَّ إبْهَامَ الْعَدَدِ فِي الْمُقَرِّ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَتِهِ فِي الْمُقَرِّ بِهِ فَيَرْجِعُ فِي بَيَانِهِ إلَيْهِ وَكُنَّا تَرَكْنَا هَذِهِ الْحَقِيقَةَ لِدَلِيلِ عُرْفِ النَّاسِ فَقَدْ يُخْبِرُ الْوَاحِدُ عَنْ نَفْسِهِ بِعِبَارَةٍ الْجَمْعِ تَارَةً وَبِعِبَارَةِ الْمُفْرَدِ أُخْرَى. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْعُظَمَاءَ مِنْ النَّاسِ يَقُولُونَ فَعَلْنَا كَذَا وَأَمَرْنَا بِكَذَا وَنَحْنُ نَقُولُ كَذَا وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْفُسَهُمْ وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] وقَوْله تَعَالَى ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] وقَوْله تَعَالَى ﴿إنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ [ق: ٤٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فَإِذَا كَانَ عُرْفٌ ظَاهِرٌ جَعَلْنَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ مُخْبِرًا عَنْ نَفْسِهِ فَيَلْزَمُهُ الْمَالُ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ عَلَيْنَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى آخَرِينَ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِلَفْظِهِ لَا بِإِشَارَتِهِ فَوُجُودُ هَذِهِ الْإِشَارَةِ كَعَدَمِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ رَهْطٌ قُعُودٌ، فَقَالَ لِفُلَانٍ عَلَيْنَا جَمِيعًا أَوْ عَلَيْنَا كُلِّنَا وَأَشَارَ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَيْهِمْ فَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا حِصَّتُهُ عَلَى عَدَدِ الْقَوْمِ الَّذِينَ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ قَرَنَ بِكَلَامِهِ لَفْظًا يَمْنَعُنَا أَنْ نَحْمِلَ كَلَامَهُ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ نَفْسِهِ خَاصَّةً، وَهُوَ قَوْلُهُ كُلُّنَا فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مُضِيفٌ الْإِقْرَارَ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ هُمْ جُلُوسٌ مَعَهُ، وَقَدْ أَظْهَرَ ذَلِكَ بِإِشَارَتِهِ إلَيْهِمْ فَلَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا حِصَّتُهُ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ. وَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَى رَجُلٍ مِنَّا كُرٌّ أَوْ رَجُلَيْنِ مِنَّا كُرٌّ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى مَجْهُولٍ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمُقَرَّ عَلَيْهِ مُنَكَّرًا، وَهُوَ مَعْرِفَةٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ لَفْظُهُ عِبَارَةً عَنْ نَفْسِهِ. وَلَوْ قَالَ يَا فُلَانُ لَكَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ لَزِمَهُ الْمَالُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ خَاطَبَ الْمُقَرَّ لَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَقَدْ يُخَاطَبُ الْمُفْرَدُ بِعِبَارَةِ الْجَمْعِ تَعْظِيمًا وَهَذَا ظَاهِرٌ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَنْتُمْ يَا فُلَانُ لَكُمْ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ أَوْ قَالَ نَحْنُ يَا فُلَانُ لَكَ عَلَيْنَا أَلْفُ دِرْهَمٍ فَهُوَ إقْرَارٌ لَهُ بِالْمَالِ عَلَى نَفْسِهِ لِمَا قُلْنَا. وَلَوْ قَالَ يَا فُلَانُ لَكُمَا عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ كَانَ لِفُلَانٍ مِنْهُمَا النِّصْفُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَاطَبُ الْمُفْرَدُ بِعِبَارَةِ التَّثْنِيَةِ إذْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ غَرَضٌ فَإِنَّ فِي عِبَارَةِ الْجَمْعِ لِلْمُفْرَدِ مَعْنَى التَّعْظِيمِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي عِبَارَةِ التَّثْنِيَةِ فَإِنَّمَا صَارَ مُقِرًّا لَهُ وَلِمَجْهُولٍ آخَرَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا نِصْفُ الْأَلْفِ وَبَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ يَقُولُونَ يَلْزَمُهُ الْأَلْفُ لَهُ فَخِطَابُ التَّثْنِيَةِ لِلْمُفْرَدِ يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ

стр. 3842

الْعَزِيزِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ٢٤]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [ق: ٢٦]، وَلَكِنَّ مُحَمَّدًا ﵀ أَبْقَى الْجَوَابَ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ بَيْنَ الْعَوَامّ مِنْ النَّاسِ. وَلَوْ قَالَ أَقْرَضَنَا فُلَانٌ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ اسْتَوْدَعَنَا أَوْ أَعَارَنَا أَوْ غَصَبْنَا مِنْهُ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْمَالِ وَلَا يُصَدَّقُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ غَيْرَهُ مَعَهُ لِمَا قُلْنَا. وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُ وَمَعِي فُلَانٌ مِنْ فُلَانٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ لَزِمَهُ النِّصْفُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ وَمَعِي فُلَانٌ جَالِسٌ؛ لِأَنَّهُ مَتَى ذَكَرَ لِلثَّانِي خَبَرًا لَا يَكُونُ اشْتِرَاكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ فِي الْخَبَرِ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ خَبَرًا تَحَقَّقَ الِاشْتِرَاكُ لِلْعَطْفِ كَمَا إذَا قَالَ زَيْنَبُ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَعَمْرَةُ تَطْلُقُ ثَلَاثًا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ وَعَمْرَةُ طَالِقٌ. وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ مَثَاقِيلَ فِضَّةً، ثُمَّ قَالَ هِيَ سُودٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ بَيَانَهُ مُقَرِّرٌ لِأَوَّلِ كَلَامِهِ فَإِنَّ اسْمَ الْفِضَّةِ يَتَنَاوَلُ السُّودَ وَالْبِيضَ عَلَى السَّوَاءِ فَيَكُونُ بَيَانُهُ مَقْبُولًا. وَلَوْ قَالَ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ قَرْضًا، وَلَمْ أَقْبِضْهَا لَمْ يُصَدَّقْ، وَإِنْ وَصَلَ لِأَنَّ الْمَالَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِالْقَرْضِ إلَّا بِالْقَبْضِ فَكَانَ هَذَا رُجُوعًا. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ عِنْدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةٌ أَوْ غَصْبٌ لَمْ أَقْبِضْهَا لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَا يَصِيرُ وَدِيعَةً عِنْدَهُ وَلَا غَصْبًا قَبْلَ الْقَبْضِ. وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ ثَمَنِ مَتَاعٍ بَاعَنِيهِ وَنِسَائِي إلَى الْعَطَاءِ لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْأَجَلِ إذَا أَنْكَرَهُ الطَّالِبُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ادَّعَى أَجَلًا صَحِيحًا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، فَإِذَا ادَّعَى أَجَلًا فَاسِدًا كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى. وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى فِيهِ شَرْطًا يُفْسِدُهُ أَوْ زَادَ مَعَ ذَلِكَ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ لِمَا بَيَّنَّا وَأَوْرَدَ فِي اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذَا قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ زُيُوفٌ، وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ بَلْ هِيَ جِيَادٌ فَعِنْدَنَا يَلْزَمُهُ الْمَالُ كَمَا أَقَرَّ بِهِ، وَعِنْدَ زُفَرَ ﵀ إقْرَارُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ إقْرَارَهُ وَادَّعَى عَلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ فَقِيَاسُ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ ﵀ هُنَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ إقْرَارُهُ بَاطِلًا وَأَوْرَدَ أَيْضًا، ثُمَّ إنَّهُ لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ ثَمَنُ هَذَا الْعَبْدِ لَا بَلْ ثَمَنُ جَارِيَةٍ وَادَّعَاهُمَا الْمُقَرُّ لَهُ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَلْزَمُهُ أَلْفٌ وَاحِدٍ، وَعِنْدَ زُفَرَ ﵀ يَلْزَمُهُ أَلْفَانِ وَلَوْ قَالَ لَا بَلْ هِيَ ثَمَنُ جَارِيَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا أَلْفٌ وَاحِدٌ بِالِاتِّفَاقِ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ فِي اسْتِدْرَاكِ الْغَلَطِ بِقَوْلِهِ لَا بَلْ. وَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ بَلْ هِيَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ فَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ ﵀ يَبْطُلُ إقْرَارُهُ، وَعِنْدَنَا يَكُونُ الْمَالُ الثَّانِي اسْتِحْسَانًا وَنَظَائِرُ هَذَا الْفَصْلِ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي الْجَامِعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْإِقْرَارِ فِي غَيْرِ الْمَرَضِ] (قَالَ ﵀) وَإِقْرَارُ الصَّحِيحِ بِالدَّيْنِ وَالْقَرْضِ وَالْغَصْبِ الْوَدِيعَةِ لِوَارِثِهِ وَغَيْرِ وَارِثِهِ

стр. 3843

وَالْمُكَاتَبَةِ وَإِقْرَارُ الْمُكَاتَبِ لِمَوْلَاهُ جَائِزٌ كُلُّهُ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِي مَالِ الصَّحِيحِ وَلَا تُهْمَةَ فِي إقْرَارِهِ فَإِنَّهُ مُمَكَّنٌ مِنْ تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ بِطَرِيقِ الْإِنْشَاءِ. وَإِذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ، فَقَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ حَقٌّ فَصَدِّقُوهُ فِيمَا قَالَ، ثُمَّ مَاتَ الْمَرِيضُ فَفِي الْقِيَاسِ لَا يُصَدَّقُ عَلَى مَا يَدَّعِي فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ وَصِيَّةٌ بِخِلَافِ حُكْمِ الشَّرْعِ فَإِنَّ مِنْ حُكْمِ الشَّرْعِ أَنْ لَا يُصَدَّقَ فِي دَعْوَاهُ قَالَ ﷺ «لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ» الْحَدِيثَ وَوَصِيَّتُهُ بِخِلَافِ الشَّرْعِ بَاطِلَةٌ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ، فَقَالَ يُصَدَّقُ الطَّالِبُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ، وَهُوَ مَالِكٌ لِتَسْلِيطِهِ عَلَى قَدْرِ الثُّلُثِ فِي مَالِهِ إيجَابًا لَهُ فَكَذَلِكَ يَصِحُّ تَسْلِيطُهُ إيَّاهُ عَلَى قَدْرِ الثُّلُثِ إخْبَارًا بِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ ثُلُثَ الْمَالِ حَقًّا لِلْمَرِيضِ لِيَفُكَّ بِهِ نَفْسَهُ وَيَصْرِفَهُ فِي حَوَائِجِهِ وَمِنْ حَوَائِجِهِ تَفْرِيغُ ذِمَّتِهِ وَرُبَّمَا يَعْلَمُ بِوُجُوبِ الْحَقِّ لِلْغَيْرِ عَلَيْهِ وَيَشْتَبِهُ عَلَيْهِ مِقْدَارُهُ فَيُقِرُّ بِهِ وَيُفَوِّضُ بَيَانَ الْمِقْدَارِ إلَى صَاحِبِ الْحَقِّ لِعِلْمِهِ بِأَمَانَتِهِ فَلِهَذَا صَحَّحْنَا وَصِيَّتَهُ فِي التَّصْدِيقِ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَإِنْ ادَّعَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَلَكِنْ يُحَلِّفُ الْوَرَثَةَ عَلَى عِلْمِهِمْ؛ لِأَنَّا كُنَّا نُصَدِّقُهُ بِاعْتِبَارِ وَصِيَّةِ الْمُوصِي وَوَصِيَّتُهُ لَا تَكُونُ مُلْزِمَةً فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَإِنْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِدَيْنٍ مُسَمًّى بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ الدَّيْنُ الْمُسَمَّى أَوْلَى فِي جَمِيعِ تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ صَاحِبِ الدَّيْنِ الْمُسَمَّى مَعْلُومٌ ثَابِتٌ بِمَا هُوَ حُجَّةٌ، وَهُوَ الْإِقْرَارُ وَحَقُّ الْآخَرِ مَجْهُولٌ وَيُشْبِهُ دَعْوَى الْمُدَّعِي وَلَا يَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَ الضَّعِيفِ مِنْ السَّبَبِ وَبَيْنِ الْقَوِيِّ فَلِهَذَا كَانَ صَاحِبُ الدَّيْنِ الْمُسَمَّى أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِدَيْنٍ مُسَمًّى، وَلَكِنَّهُ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ مَعْلُومَةٍ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ مَعْلُومٌ مُسَمًّى وَالْمَجْهُولُ لَا يُزَاحِمُ الْمَعْلُومَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا فِي الْكِتَابِ وَأَوْرَدَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ إذَا أَخَذَ الثُّلُثَ يُقَالُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يُقِرَّ بِشَيْءٍ لِآخَرَ فَنُعْطِيَهُ ثُلُثَ ذَلِكَ مِمَّا فِي يَدِكَ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ شَرِيكُ الْآخَرِ الْوَارِثِ، وَقَدْ أَقَرَّ الْمَيِّتُ لِلْآخَرِ بِدَيْنٍ مَجْهُولٍ وَالدَّيْنُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ فَلَا بُدَّ لِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يُبَيِّنَ كَمَا لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ لِلْوَارِثِ، وَلَكِنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ فِيمَا إذَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دَيْنٌ فَصَدِّقُوهُ وَهُنَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ حَقٌّ فَصَدِّقُوهُ فَمَا زَادَ عَلَى هَذَا مِنْ الْكَلَامِ فِيهِ فَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ. وَلَوْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ، ثُمَّ بِدَيْنٍ آخَرَ تَخَاصَمُوا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَقَدَّمَ الْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ فَقَدْ صَارَ مَالُهُ مَشْغُولًا بِحَقِّ الْغَرِيمِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حَقِّهِ عَنْهُ فَإِقْرَارُهُ الْوَدِيعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ إقْرَارٌ بِوَدِيعَةٍ مُسْتَهْلَكَةٍ فَهُوَ كَالْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ. وَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا دِرْهَمًا أَوْ غَيْرَ دِرْهَمٍ أَوْ نُقْصَانَ دِرْهَمٍ كَانَ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْ جِنْسِ

стр. 3844

الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ حَقِيقَةً فَتَصْرِيحُهُ فِي الْمُسْتَثْنَى بِالدَّرَاهِمِ يَكُونُ بَيَانًا فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَنَّهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ. وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا تِسْعَمِائَةٍ فَعَلَيْهِ مِائَةٌ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ صَحِيحٌ مَتَى بَقِيَ وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى شَيْئًا قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ، وَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ وَنِصْفُ دِرْهَمٍ كَانَتْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَ الْعَشَرَةَ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِالدِّرْهَمِ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لَهُمَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ " عَشَرَةُ دَرَاهِمَ "، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظَائِرَهُ فِي قَوْلِهِ " مِائَةُ دِرْهَمٍ ". وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ إلَى أَجَلٍ بَطَلَ الْأَجَلُ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، وَلِأَنَّ حَقَّ الْغَرِيمِ صَارَ كَالْعَيْنِ فِي التَّرِكَةِ وَالْأَعْيَانُ لَا تَقْبَلُ الْآجَالَ فَلَا فَائِدَةَ فِي إبْقَاءِ الْأَجَلِ بَعْدَ مَوْتِهِ لَهُ وَلَا لِوَارِثِهِ لِأَنَّهُ يَبْقَى مُرْتَهَنًا بِالدَّيْنِ وَلَا تَنْبَسِطُ يَدُ وَارِثِهِ فِي التَّرِكَةِ لِمَكَانِ الدَّيْنِ. وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْمَرِيضِ بِالدَّيْنِ لِقَابِلِهِ وَلَا لِعَبْدِ قَابِلِهِ وَلَا لِمُكَاتَبِ قَابِلِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ إقْرَارَهُ بِالدَّيْنِ لِلْقَابِلِ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِهِ لِلْوَارِثِ عَلَى قِيَاسِ الْوَصِيَّةِ فَكَذَلِكَ لِعَبْدِهِ وَمُكَاتَبِهِ. وَإِنْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ لِمُكَاتَبِ نَفْسِهِ بِدَيْنٍ فَهُوَ جَائِزٌ إذَا كَانَ كَاتَبَهُ فِي الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَحَقَّ بِنَفْسِهِ وَمَكَاسِبِهِ، وَهُوَ مِنْ مَوْلَاهُ بِمَنْزِلَةِ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ فِي أَنَّهُ يَثْبُتُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ لَهُ أَيْضًا كَمَا يَصِحُّ لِأَجْنَبِيٍّ آخَرَ، وَإِنْ كَانَ كَاتَبَهُ فِي الْمَرَضِ لَمْ يَجُزْ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ إعْتَاقِهِ إيَّاهُ فَإِنَّ إقْرَارَهُ لَهُ بِالدَّيْنِ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِهِ بِاسْتِيفَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ لَمْ يَصِحَّ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَاتَبَهُ فِي الصِّحَّةِ، وَهَذَا لِأَنَّ تُهْمَةَ الْمُوَاضَعَةِ تَتَمَكَّنُ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَتْ الْكِتَابَةُ فِي الْمَرَضِ فَلِهَذَا جَعَلْنَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ إعْتَاقِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَثْبَتَهُ أَنَّ مِثْلَ الْكِتَابَةِ عِتْقٌ وَسَعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لِمَا قُلْنَا. وَإِذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ أَنَّ عَلَى أَبِيهِ لِفُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ دَيْنًا، وَفِي دَارٍ لِأَبِيهِ، وَعَلَى الْمَرِيضِ دَيْنٌ مَعْرُوفٌ فِي الصِّحَّةِ فَدَيْنُهُ الَّذِي فِي الصِّحَّةِ أَوْلَى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ عَلَى أَبِيهِ فِي مَرَضِهِ كَإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ دُونَ ذَلِكَ فَيُقَدِّمُ دَيْنَ الصِّحَّةِ وَلَوْ كَانَ أَقَرَّ بِذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ كَانَ دَيْنُ الْأَبِ أَوْلَى فِي تَرِكَةِ الْأَبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بِالْعَيْنِ فَإِنَّ حَقَّ غُرَمَاءِ الْأَبِ يَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِهِ وَصِحَّةُ إقْرَارِ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ بِاعْتِبَارِ مَا فِي يَدِهِ مِنْ التَّرِكَةِ، فَإِذَا حَصَلَ إقْرَارُهُ فِي الصِّحَّةِ صَارَ ذَلِكَ مُسْتَحَقًّا لِغُرَمَاءِ الْأَبِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ غُرَمَاءِ الِابْنِ. وَإِذَا مَرِضَ الرَّجُلُ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَفِي يَدِهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ، فَقَالَ لِفُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ عَلَى أَبِي وَلِفُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَوَصَلَ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لِأَنَّ فِي آخَرِ كَلَامِهِ مَا يُغَايِرُ أَوَّلَهُ فَتَوَقَّفَ أَوَّلُهُ عَلَى آخِرِهِ وَصَارَ هَذَا كَقَوْلِهِ لَهُمَا " عَلَى أَبِي أَلْفُ دِرْهَمٍ ". وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ " لِفُلَانٍ عَلَى أَبِي أَلْفُ دِرْهَمٍ " وَهَذِهِ وَدِيعَةٌ عِنْدَ أَبِي لِفُلَانٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ إذَا قَدَّمَ الْإِقْرَارَ بِالدَّيْنِ

стр. 3845

فَإِنَّ الْإِقْرَارَ الْوَدِيعَةِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ بِوَدِيعَةٍ مُسْتَهْلَكَةٍ فَيَتَحَاصَّانِ بِخِلَافِ مَا إذَا انْعَدَمَ الْإِقْرَارُ الْوَدِيعَةِ. وَلَوْ كَانَ أَبُوهُ تَرَكَ عَبْدًا، فَقَالَ رَجُلٌ لِي عَلَى أَبِيكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الْعَبْدُ قَدْ أَعْتَقَنِي أَبُوكَ، فَقَالَ صَدَقْتُمَا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الدَّيْنُ أَوْلَى، وَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَسْعَى فِي عِتْقِهِ؛ لِأَنَّ نُفُوذَ الْعِتْقِ عِنْدَ إقْرَارِ الْوَارِثِ كَنُفُوذِهِ لَوْ بَاشَرَهُ الْأَبُ فِي مَرَضِهِ فَيَكُونُ مُؤَخَّرًا عَنْ الدَّيْنِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَعْتِقُ الْعَبْدُ وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ مُقِرٌّ أَنَّهُ لَمْ يَصِرْ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ تَرِكَتِهِ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ عَلَيْهِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْحَقِيقَةِ تَنْبَنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ إذَا ادَّعَى رَجُلٌ وَدِيعَةً فِي يَدِ أَبِيهِ بِعَيْنِهَا وَادَّعَى الْآخَرُ دَيْنًا فَصَدَّقَهُمَا الْوَارِثُ وَهُنَاكَ عِنْدَهُمَا مُدَّعِي الْعَيْنِ أَوْلَى فَكَذَلِكَ هُنَا الْعَبْدُ بِمَنْزِلَةِ مُدَّعِي الْعَيْنِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَهُنَاكَ يَتَحَاصَّانِ وَصَارَتْ دَعْوَى الْعَيْنِ كَدَعْوَى الدَّيْنِ حِينَ أَقَرَّ الْوَارِثُ بِهِمَا مَعًا فَهُنَا أَيْضًا يَصِيرُ مُقِرًّا بِالدَّيْنِ وَالتَّبَرُّعِ فَيُقَدَّمُ الدَّيْنُ عِنْدَهُ. وَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَى أَبِي أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنًا وَدَفَعَهَا إلَيْهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، ثُمَّ أَقَرَّ لِآخَرَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَيْهِ لَمْ يَضْمَنْ لَهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ إقْرَارِهِ مَا صَارَ مُتْلِفًا شَيْئًا مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ وَالدَّفْعُ حَصَلَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ دَفَعَ إلَى الْأَوَّلِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ ضَمِنَ الثَّانِي خَمْسَمِائَةٍ بِإِقْرَارِهِ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي خَمْسِمِائَةٍ مِنْ التَّرِكَةِ فَإِنَّهُ بِالدَّفْعِ إلَى الْأَوَّلِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ صَارَ مُتْلِفًا حَقَّ الثَّانِي فَيَضْمَنُ لَهُ نَصِيبَهُ. وَلَوْ كَانَ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَى أَبِي أَلْفُ دِرْهَمٍ لَا بَلْ لِفُلَانٍ فَالْأَلْفُ لِلْأَوَّلِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُقِرِّ لِلثَّانِي وَرُجُوعُهُ فِي إبْطَالِ اسْتِحْقَاقِ الْأَوَّلِ بَاطِلٌ، وَلَكِنَّهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ صَحِيحٌ، فَإِذَا دَفَعَهَا بِغَيْرِ قَضَاءٍ صَارَ مُتْلِفًا جَمِيعَ الْأَلْفِ عَلَى الثَّانِي بِزَعْمِهِ فَيَضْمَنُ لَهُ مِثْلَهَا. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِهَذَا لَا بَلْ لِهَذَا فَالثُّلُثُ لِلْأَوَّلِ وَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ دَفَعَ الثُّلُثَ إلَى الْأَوَّلِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ فَحِينَئِذٍ يَغْرَمُ لِلثَّانِي مِثْلَهُ، وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ ﵀ يَدْفَعُ ثُلُثًا إلَى الْأَوَّلِ وَثُلُثًا إلَى الثَّانِي. وَلَوْ كَانَ قَالَ أَوْصَى أَبِي بِثُلُثِ مَالِهِ لِفُلَانٍ لَا بَلْ لِفُلَانٍ فَعِنْدَ زُفَرَ ﵀ يَدْفَعُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثَ الْمَالِ وَيَخْرُجُ مِنْ الْوَسَطِ، وَعِنْدَنَا الثُّلُثُ لِلْأَوَّلِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْآخَرَيْنِ إذَا دَفَعَهُ بِقَضَاءٍ وَهَذَا قِيَاسُ مَا سَبَقَ. وَلَوْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِدَيْنٍ لِوَارِثِهِ فَخَاصَمَهُ الْوَارِثُ فِي ذَلِكَ أَمَرَهُ الْقَاضِي بِأَنْ يُوَفِّيَهُ حَقَّهُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجَبَ لِلْمَالِ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالْمُبْطِلُ لَهُ، وَهُوَ مَوْتُهُ مِنْ مَرَضِهِ مَوْهُومٌ وَالْمَوْهُومُ لَا يُعَارِضُ الْمَعْلُومَ فَيَأْمُرُهُ بِالْقَضَاءِ، فَإِنْ بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ بَطَلَ إقْرَارُهُ حِينَئِذٍ فَيَأْمُرُ الْوَارِثَ بِرَدِّ الْمَقْبُوضِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 3846

[بَابُ الْإِقْرَارِ بِالْقَبْضِ] (قَالَ ﵀): وَإِذَا أَقَرَّ الطَّالِبُ أَنَّهُ قَبَضَ مِمَّا لَهُ عَلَى فُلَانٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَقَالَ فُلَانٌ: قَدْ قَبَضْتُ مِنِّي مِائَةً وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا مِنْ قَبْلِ كَذَا، فَقَالَ الطَّالِبُ نَعَمْ، وَلَكِنَّهَا قَدْ دَخَلَتْ فِي الْمِائَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الطَّالِبِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ الْمَطْلُوبُ بَعْدَ مَا أَقَرَّ لَهُ الطَّالِبُ بِاسْتِيفَائِهِ فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِلطَّالِبِ فَجَعَلْنَا الْقَوْلَ قَوْلَهُ، وَلِأَنَّ الْمَطْلُوبَ يَدَّعِي زِيَادَةً فِيمَا أَوْفَاهُ وَالطَّالِبُ يُنْكِرُ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمَطْلُوبُ بِعْتُكَ ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ مِمَّا لَكَ عَلَيَّ، فَقَالَ الطَّالِبُ نَعَمْ قَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الْمِائَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الطَّالِبِ؛ لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْمَطْلُوبِ مِنْ الْبَيْعِ سَبَبٌ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ بِالثَّمَنِ وَإِقْرَارُ الطَّالِبِ بِاسْتِيفَائِهَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ فَمَالُ الْمَطْلُوبِ لِسَبَبٍ فِي الْبَعْضِ لَا يَزْدَادُ مَا أَوْفَاهُ مِنْ الْمَالِ. وَلَوْ قَالَ كَانَ فِي يَدِ الْمَطْلُوبِ شَاةٌ، فَقَالَ الطَّالِبُ ابْتَعْتُهَا مِنْكَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ مِنْ هَذِهِ الْمِائَةِ، وَقَالَ الْمَطْلُوبُ لَمْ أَبِعْهَا، وَقَدْ أَخَذْتَ مِنِّي مِائَةَ دِرْهَمٍ فَالْقَوْلُ لِلْمَطْلُوبِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى أَنَّ الشَّاهَ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِلْمَطْلُوبِ وَادَّعَى الطَّالِبُ تَمَلُّكَهَا عَلَيْهِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ فَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ وَيَبْقَى إقْرَارُ الطَّالِبِ بِقَبْضِ الْمِائَةِ فَذَلِكَ لَازِمٌ عَلَيْهِ. وَإِذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِقَبْضِ مَالِهِ عَلَى فُلَانٍ وَسَمَّاهُ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ لَهُ فَيَصِحُّ إذَا كَانَ أَجْنَبِيًّا، وَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ وَارِثُهُ أَوْ كَفِيلًا عَنْ وَارِثِهِ وَالْوَارِثُ كَفِيلٌ عَنْهُ فَالْإِقْرَارُ بَاطِلٌ لِمَا فِيهِ مِنْ اتِّصَالِ النَّفْعِ إلَى وَارِثِهِ، وَإِذَا جَاءَ الْوَارِثُ بِالْمَالِ فَأَدْخَلَهُ عَلَيْهِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الشُّهُودِ بَرِئَ الْوَارِثُ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي السَّبَبِ الْمُعَايَنِ فَالْأَجْنَبِيُّ وَالْوَارِثُ فِيهِ سَوَاءٌ. وَإِذَا أَقَرَّ الطَّالِبُ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْ الْمَطْلُوبِ خَمْسَمِائَةٍ، ثُمَّ خَمْسَمِائَةٍ، ثُمَّ قَالَ وَجَدْتُهَا زُيُوفًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِقَبْضِ الدَّرَاهِمِ مُطْلَقًا وَالزُّيُوفُ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ يَتَنَاوَلُهَا مُطْلَقُ اسْمِ الدَّرَاهِمِ فَكَانَ بَيَانُهُ هَذَا مُقَرِّرًا لِكَلَامِهِ. وَلَوْ قَالَ قَبَضْتُ مِنْهُ حَقِّي أَوْ قَبَضْتُ مِنْهُ الَّذِي لِي عَلَيْهِ أَوْ قَبَضْتُ مِنْهُ مَالِي عَلَيْهِ أَوْ الْأَلْفَ الَّتِي كَانَتْ لِي عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ وَجَدْتُهَا زُيُوفًا لَمْ يُصَدَّق إلَّا أَنْ يَصِلَهُ بِكَلَامِهِ لِأَنَّ لَفْظَهُ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقِّ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْجِيَادُ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ عَلَى احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْبُوضُ زُيُوفًا، وَقَالَ ذَلِكَ لِجَهَالَتِهِ بِهَا فَكَانَ هَذَا بَيَانًا مُغَايِرًا لِكَلَامِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ فَيَصِحُّ وَلَا يَصِحُّ مَفْصُولًا. وَلَوْ قَالَ قَبَضْتُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ وَجَدْتُهَا سُتُّوقًا أَوْ رَصَاصًا لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِقَبْضِ الدَّرَاهِمِ وَالسَّتُّوقُ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ

стр. 3847

الدَّرَاهِمِ فَكَانَ بَيَانُهُ هَذَا مُغَايِرًا وَرُجُوعًا عَمَّا أَقَرَّ بِهِ فَلَا يَصِحُّ مَفْصُولًا. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ مِمَّا لَهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَدْتُهَا زُيُوفًا لَمْ يُصَدَّقْ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِ جَمِيعِ مَا عَلَيْهِ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ زُيُوفًا لَمْ يُصَدَّقْ إذَا كَانَ مَفْصُولًا فَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِبَعْضِ مَالِهِ عَلَيْهِ وَلَا يَمِينَ عَلَى الْمَطْلُوبِ أَنَّهَا كَانَتْ جِيَادًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ إذَا اتَّهَمْتُهُ حَلَّفْتُهُ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي سَبَقَ إذَا أَقَرَّ الْبَائِعُ بِقَبْضِ الثَّمَنِ، ثُمَّ قَالَ لَمْ أَقْبِضْهُ لَمْ يُحَلَّفْ خَصْمُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يُحَلَّفُ لِلْعُرْفِ الظَّاهِرِ فِي الْإِقْرَارِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ بِالِاسْتِيفَاءِ لِلْإِشْهَادِ فَكَذَلِكَ هُنَا فَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ اعْتَبَرَا التَّنَاقُضَ وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ اعْتَبَرَ الْعُرْفَ أَنَّهُ قَدْ يُقِرُّ بِالِاسْتِيفَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُسْتَوْفَى جِيَادٌ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ زُيُوفٌ فَلِهَذَا قَالَ إذَا اتَّهَمْتُهُ حَلَّفْتُهُ. وَلَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِ خَمْسِمِائَةٍ وَلَهُ شَرِيكٌ فِي الدَّيْنِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ هِيَ زُيُوفٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَبْضِ الدَّرَاهِمِ، وَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الزُّيُوفَ حَقِيقَةً وَلِلشَّرِيكِ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ شَارَكَهُ فِي الْمَقْبُوضِ مِنْ الزُّيُوفِ، وَإِنْ شَاءَ أَتْبَعَ الْمَطْلُوبَ الْجِيَادَ، وَإِنْ قَالَ بَعْدَ مَا سَكَتَ: هِيَ رَصَاصٌ، لَمْ يُصَدَّقْ وَلِلشَّرِيكِ نِصْفُهَا جِيَادٌ؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ عَنْ الْإِقْرَارِ فَإِنَّ اسْمَ الدَّرَاهِمِ لَا يَتَنَاوَلُ الرَّصَاصَ حَقِيقَةً، وَإِنْ قَالَ هُوَ رَصَاصٌ مَوْصُولًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الرَّصَاصَ مِنْ الدَّرَاهِمِ صُورَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الدَّرَاهِمُ مَعْنًى فَكَانَ هَذَا بَيَانًا مُغَايِرًا لِظَاهِرِ كَلَامِهِ إلَى مَا هُوَ مُحْتَمَلٌ فَيَصِحُّ مَوْصُولًا، وَإِذَا صَحَّ فَلَا شَيْءَ لِلشَّرِيكِ مِنْهَا لِأَنَّهُ بِقَبْضِ الرَّصَاصِ لَا يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا شَيْئًا مِنْ حُقُوقِهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْآخَرِ حَقُّ الْمُشَارَكَةِ مَعَهُ فِيمَا يَقْبِضُ مِنْ حَقِّهِ. وَإِنْ قَالَ قَبَضْتُ مِنْ مَالِي وَلِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ خَمْسُمِائَةٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ هِيَ زُيُوفٌ لَمْ يُصَدَّقْ لِإِقْرَارِهِ بِأَنَّ الْمَقْبُوضَ مِمَّا لَهُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ جِيَادٌ فَلَا يُصَدَّقُ فِي حَقِّ الشَّرِيكِ مَفْصُولًا كَمَا لَا يُصَدَّقُ فِي حَقِّ الْمَطْلُوبِ فَلِهَذَا كَانَ لِلشَّرِيكِ نِصْفُهَا جِيَادًا. وَإِذَا أَقَرَّ الطَّالِبُ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْ الْمَطْلُوبِ كُرَّ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ رَدِيءٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الرَّدَاءَةَ فِي الْحِنْطَةِ بَيَانٌ لِلنَّوْعِ لَا بَيَانٌ لِلْعَيْبِ فَإِنَّ الْعَيْبَ لَا يَخْلُو عَنْهُ أَصْلُ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ وَفِي بَيَانِ نَوْعِ الْمَقْبُوضِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْقَابِضِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذِهِ الْفُصُولِ فِيمَا سَبَقَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 3848

[كِتَابُ الْوَكَالَةِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْوَكَالَةِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ ﵀ إمْلَاءً: اعْلَمْ أَنَّ الْوَكَالَةَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْحِفْظِ، وَمِنْهُ الْوَكِيلُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى الْحَفِيظِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وَلِهَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ فِيمَنْ قَالَ لِآخَرَ: " وَكَّلْتُك بِمَالِي ": إنَّهُ يَمْلِكُ بِهَذَا اللَّفْظِ الْحِفْظَ فَقَطْ، وَقِيلَ مَعْنَى الْوَكَالَةِ: التَّفْوِيضُ وَالتَّسْلِيمُ، وَمِنْهُ التَّوَكُّلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الأعراف: ٨٩]، يَعْنِي فَوَّضْنَا إلَيْهِ أُمُورَنَا وَسَلَّمْنَا، فَالتَّوْكِيلُ تَفْوِيضُ التَّصَرُّفِ إلَى الْغَيْرِ وَتَسْلِيمُ الْمَالِ إلَيْهِ لِيَتَصَرَّفَ فِيهِ، ثُمَّ لِلنَّاسِ إلَى هَذَا الْعَقْدِ حَاجَةٌ مَاسَّةٌ. فَقَدْ يَعْجِزُ الْإِنْسَانُ عَنْ حِفْظِ مَالِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ لِلسَّفَرِ، وَقَدْ يَعْجِزُ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ لِقِلَّةِ هِدَايَتِهِ وَكَثْرَةِ اشْتِغَالِهِ، أَوْ لِكَثْرَةِ مَالِهِ، فَيَحْتَاجُ إلَى تَفْوِيضِ التَّصَرُّفِ إلَى الْغَيْرِ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ، وَقَدْ عُرِفَ جَوَازُ هَذَا الْعَقْدِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩] وَهَذَا كَانَ تَوْكِيلًا، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ وَكَّلَ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ﵁ بِشِرَاءِ الْأُضْحِيَّةِ، وَبِهِ وَكَّلَ عُرْوَةَ الْبَارِقِيَّ فَلَمَّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا أَعْطَاهُ عَلَامَةً، وَقَالَ: ائْتِ وَكِيلِي بِخَيْبَرَ لِيُعْطِيَكَ مَا سَأَلْتنِي بِهَذِهِ الْعَلَامَةِ» وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: الْحَدِيثُ الَّذِي بَدَأَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﵀ الْكِتَابَ وَرَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - عَنْ سَالِمٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ «عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ﵂ قَالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْيَمَنِ فَوَكَّلَ أَخَاهُ بِنَفَقَتِي فَخَاصَمْتُهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَجْعَلْ لِي نَفَقَةً وَلَا سُكْنَى» فَفِي هَذَا جَوَازُ التَّوْكِيلِ بِالِاتِّفَاقِ، وَبِظَاهِرِ الْحَدِيثِ يَسْتَدِلُّ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ﵀ فَيَقُولُ: " لَيْسَ لِلْمَبْتُوتَةِ نَفَقَةٌ وَلَا سُكْنَى ". وَلَكِنَّا نَقُولُ إنْ صَحَّ الْحَدِيثُ فَلَهُ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهَا كَانَتْ بَذِيئَةَ اللِّسَانِ بَذِيَّةً عَلَى أَحْمَاءِ زَوْجِهَا فَأَخْرَجُوهَا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ مَكْتُومٍ ﵂ تَسْكِينًا لِلْفِتْنَةِ، فَظَنَّتْ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا نَفَقَةً وَلَا

стр. 3849

سُكْنَى، الثَّانِي - أَنَّهُ وَكَّلَ أَخَاهُ بِأَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا خُبْزَ الشَّعِيرِ وَلَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ حَاضِرًا لِيَقْضِيَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، فَلِهَذَا قَالَتْ: " وَلَمْ يَجْعَلْ لِي نَفَقَةً وَلَا سُكْنَى ". وَذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ - وَجْهَهُ لَا يَحْضُرُ خُصُومَةً أَبَدًا وَكَانَ يَقُولُ: " إنَّ الشَّيْطَانَ لَيَحْضُرُهَا وَإِنَّ لَهَا قُحَمًا " الْحَدِيثُ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ الْخُصُومَةِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ ﵁ أَنَّهُ مَوْضِعٌ لِحَضْرَةِ الشَّيْطَانِ، وَأَنَّ لِلْخُصُومَةِ قُحَمًا أَيْ مَهَالِكَ. وَقَالَ ﷺ «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ لَا يَزَالَ مُخَاصِمًا، قَالَ: وَكَانَ إذَا خُوصِمَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِ وَكَّلَ عَقِيلًا ﵁»، وَفِيهِ جَوَازُ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ، وَبِظَاهِرِهِ يَسْتَدِلُّ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - فِي جَوَازِ التَّوْكِيلِ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ يَطْلُبْ رِضَا خُصُومِهِ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ خُصُومَهُ كَانُوا يَرْضَوْنَ بِتَوْكِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَهْدَى إلَى طُرُقِ الْخُصُومَةِ مِنْ غَيْرِهِ لِوُفُورِ عِلْمِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَخْتَارُ عَقِيلًا ﵁؛ لِأَنَّهُ كَانَ ذَكِيًّا حَاضِرَ الْجَوَابِ، حَتَّى حُكِيَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ اسْتَقْبَلَهُ يَوْمًا وَمَعَهُ عَنْزٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى سَبِيلِ الدُّعَابَةِ: أَحَدُ الثَّلَاثَةِ أَحْمَقُ، فَقَالَ عَقِيلٌ ﵁ أَمَّا أَنَا وَعَنْزِي فَعَاقِلَانِ، قَالَ فَلَمَّا كَبِرَ سِنُّ عَقِيلٍ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، إمَّا أَنَّهُ وَقَّرَهُ لِكِبَرِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ انْتَقَصَ ذِهْنُهُ فَكَانَ يُوَكِّلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ﵁، وَكَانَ ذَكِيًّا شَابًّا، وَقَالَ: " هُوَ وَكِيلِي فَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَا قُضِيَ لَهُ فَهُوَ لِي ". وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ، وَأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُوَكِّلِ، قَالَ فَخَاصَمَنِي طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ فِي ضَفِيرٍ أَحْدَثَهُ عَلِيٌّ ﵁ بَيْنَ أَرْضِ طَلْحَةَ وَأَرْضِ نَفْسِهِ، وَالضَّفِيرُ: الْمُسَنَّاةُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْتَصِمُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَلَا نَظُنُّ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ سِوَى الْجَمِيلِ، لَكِنْ كَانَ يُسْتَبْهَمُ عَلَيْهِمْ الْحُكْمُ فَيَخْتَصِمُونَ إلَى الْحَاكِمِ لِيُبَيِّنَهُ لَهُمْ، وَلِهَذَا كَانُوا يُسَمُّونَ الْحَاكِمَ فِيهِمْ: الْمُفْتِيَ، فَوَقَعَ عِنْدَ طَلْحَةَ ﵁ أَنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - أَضَرَّ بِهِ وَحَمَلَ عَلَيْهِ السَّيْلَ، وَلَمْ يَرَ عَلِيٌّ ﵁ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا حِينَ أَحْدَثَهُ، قَالَ: فَوَعَدَنَا عُثْمَانُ ﵁ أَنْ يَرْكَبَ مَعَنَا فَيَنْظُرَ إلَيْهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِيمَا تَفَاقَمَ مِنْ الْأَمْرِ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُبَاشِرَهُ بِنَفْسِهِ، وَأَنْ يَرْكَبَ إنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ إنِّي وَطَلْحَةَ نَخْتَصِمُ فِي الْمَوَاكِبِ، وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ أَمَامَ الْمَوْكِبِ قَدْ قَدِمَ قَبْلَ ذَلِكَ وَافِدًا، فَأَلْقَى كَلِمَةً عَرَفْتُ أَنَّهُ أَعَانَنِي بِهَا، قَالَ: أَرَأَيْتُ هَذَا الضَّفِيرَ كَانَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ﵁؟، قَالَ: قُلْت نَعَمْ، قَالَ: لَوْ كَانَ جَوْرًا مَا تَرَكَهُ عُمَرُ ﵁، وَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ ﵄ فِي أَوَّلِ

стр. 3850

الْأَمْرِ، سِوَى الْجَمِيلِ إلَى أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنَهُمَا، فَوَقَعَ مَا وَقَعَ، قَالَ: فَسَارَ عُثْمَانُ ﵁ حَتَّى رَأَى الضَّفِيرَ فَقَالَ: مَا أَرَى ضَرَرًا، وَقَدْ كَانَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ﵁ وَلَوْ كَانَ جَوْرًا لَمْ يَدَعْهُ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْعَدْلِ وَدَفْعِ الظُّلْمِ، عَلَى مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيْنَمَا دَارَ عُمَرُ فَالْحَقُّ مَعَهُ»، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا وُجِدَ قَدِيمًا يُتْرَكُ كَذَلِكَ وَلَا يُغَيَّرُ إلَّا بِحُجَّةٍ، فَإِنَّ عُثْمَانَ ﵁ تَرَكَ الضَّفِيرَ عَلَى حَالِهِ بِسَبَبِ أَنَّهُ كَانَ قَدِيمًا، وَذُكِرَ عَنْ شُرَيْحٍ ﵀ أَنَّهُ يُجِيزُ بَيْعَ كُلِّ مُجِيزٍ، الْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ، وَالْمُجِيزُ: مَا يَتِمُّ الْعَقْدُ بِإِجَازَتِهِ، وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْعُقُودَ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ، وَأَنَّ مَنْ يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْعَقْدِ يَمْلِكُ إجَازَتَهُ، وَصِيًّا كَانَ، أَوْ وَكِيلًا، أَوْ مَالِكًا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَنْ يَكُونَ تَمَامُ الْعَقْدِ بِرَأْيِهِ، وَذَلِكَ مَا حَصَلَ بِإِجَازَتِهِ، وَذُكِرَ عَنْ شُرَيْحٍ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ اشْتَرَطَ الْخَلَاصَ فَهُوَ أَحْمَقُ، سَلَّمَ مَا بِعْتَ، أَوْ ذَرَّ مَا أَخَذْتَ وَلَا خَلَاصَ " وَبِهِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ﵀ أَنَّ مَنْ بَاعَ عَبْدًا يُؤَاخَذُ بِخَلَاصِهِ، يَعْنِي: إذَا شُرِطَ. (وَهَذِهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ) الْأَوَّلُ - اشْتِرَاطُ الدَّرَكِ، وَتَفْسِيرُهُ: رَدُّ الْيَمِينِ لِاسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ، وَهُوَ شَرْطٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ يُلَائِمُ مُوجَبَ الْعَقْدِ، وَهُوَ ثَابِتٌ بِدُونِ الشَّرْطِ، فَلَا يَزِيدُهُ الشَّرْطُ إلَّا وَكَادَةً، وَالثَّانِي - شَرْطُ الْعُهْدَةِ وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ ضَمَانِ الدَّرَكِ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ هُوَ بَاطِلٌ، وَتَفْسِيرُهُ: الصَّكُّ الْأَصْلِيُّ الَّذِي كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ يَشْتَرِطُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ، وَهَذَا شَرْطٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَلَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ فَكَانَ بَاطِلًا، وَالثَّالِثُ - شَرْطُ الْخَلَاصِ، وَتَفْسِيرُهُ: أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْبَائِعِ أَنَّ الْمَبِيعَ إذَا اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِهِ يُخَلِّصْهُ حَتَّى يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ بِأَيِّ طَرِيقٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ، فَالْمُسْتَحِقُّ رُبَّمَا لَا يُسَاعِدُهُ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا يَنْسِبُهُ شُرَيْحٌ ﵀ إلَى الْحَمَاقَةِ، حَيْثُ الْتَزَمَ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ بِالْخُصُومَةِ فِي شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمُبَاشَرَةَ بِنَفْسِهِ، فَيَمْلِكُ هُوَ صَكَّهُ إلَى غَيْرِهِ لِيَقُومَ فِيهِ مَقَامَهُ، وَقَدْ يُحْتَاجُ لِذَلِكَ، إمَّا لِقِلَّةِ هِدَايَتِهِ، أَوْ لِصِيَانَةِ نَفْسِهِ عَنْ الِابْتِذَالِ فِي مَجْلِسِ الْخُصُومَةِ، وَقَدْ جَرَى الرَّسْمُ عَلَى التَّوْكِيلِ عَلَى أَبْوَابِ الْقُضَاةِ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا، مِنْ غَيْرِ نَكِيرِ مُنْكِرٍ، وَلَا زَجْرِ زَاجِرٍ ، فَإِنْ أَقَرَّ الْوَكِيلُ عَلَى الَّذِي وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ مُطْلَقًا فِي الْقِيَاسِ، لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي، أَوْ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ، وَقَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ ﵏ ثُمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ فَقَالَ يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي، وَفِي غَيْرِ مَجْلِسِ

стр. 3851

الْقَاضِي إقْرَارُهُ بَاطِلٌ، وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ، وَالْخُصُومَةُ اسْمٌ لِكَلَامٍ يَجْرِي بَيْنَ اثْنَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْمُنَازَعَةِ وَالْمُشَاحَّةِ، وَالْإِقْرَارُ اسْمٌ لِكَلَامٍ يَجْرِي عَلَى سَبِيلِ الْمُسَالَمَةِ وَالْمُوَافَقَةِ، وَكَانَ ضِدَّ مَا أُمِرَ بِهِ، وَالتَّوْكِيلُ بِالشَّيْءِ لَا يَتَضَمَّنُ ضِدَّهُ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ الْهِبَةَ وَالْبَيْعَ أَوْ الصُّلْحَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: بُطْلَانُ إقْرَارِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ عَلَى الصَّبِيِّ مَعَ أَنَّ وِلَايَتَهُمَا أَعَمُّ مِنْ وِلَايَةِ الْوَكِيلِ. وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ: " الْمُوَكِّلُ أَقَامَ الْوَكِيلَ مَقَامَ نَفْسِهِ مُطْلَقًا فَيَقْتَضِي أَنْ يَمْلِكَ مَا كَانَ الْمُوَكِّلُ مَالِكًا لَهُ، وَالْمُوَكِّلُ مَالِكٌ لِلْإِقْرَارِ بِنَفْسِهِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَفِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، فَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ مَا لَا يَكُونُ مُوجَبًا إلَّا بِانْضِمَامِ الْقَضَاءِ إلَيْهِ كَالْبَيِّنَةِ وَالْيَمِينِ، فَأَمَّا الْإِقْرَارُ فَهُوَ مُوجِبٌ لِلْحَقِّ بِنَفْسِهِ، سَوَاءٌ حَصَلَ مِنْ الْوَكِيلِ أَوْ مِنْ الْمُوَكِّلِ، فَمَجْلِسُ الْقَضَاءِ فِيهِ وَغَيْرُ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ سَوَاءٌ. " وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - قَالَا: حَقِيقَةُ الْخُصُومَةِ مَا قَالَ زُفَرُ ﵀ وَلَكِنَّا تَرَكْنَا هَذِهِ الْحَقِيقَةَ وَجَعَلْنَا هَذَا تَوْكِيلًا مَجَازًا بِالْجَوَابِ، وَالْإِقْرَارُ جَوَابٌ تَامٌّ وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى هَذَا الْمَجَازِ؛ لِأَنَّ تَوْكِيلَهُ إنَّمَا يَصِحُّ شَرْعًا بِمَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ، وَاَلَّذِي يَتَيَقَّنُ بِهِ أَنَّهُ مُمَلَّكٌ لِلْمُوَكِّلِ الْجَوَابُ لَا الْإِنْكَارُ، فَإِنَّهُ إذَا عُرِفَ الْمُدَّعِي مُحِقًّا لَا يَمْلِكُ الْإِنْكَارَ شَرْعًا، وَتَوْكِيلُهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ لَا يَجُوزُ شَرْعًا، وَالدِّيَانَةُ تَمْنَعُهُ مِنْ قَصْدِ ذَلِكَ، فَلِهَذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَجَازِ كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، يَبِيعُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ فَيَنْصَرِفُ بَيْعُهُ إلَى نَصِيبِهِ مُطْلَقًا لِيُصَحِّحَ عُقْدَةَ هَذَا الطَّرِيقِ، غَيْرَ أَنَّهُ إنَّمَا سَمَّى الْجَوَابَ خُصُومَةً مَجَازًا، إذَا حَصَلَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَرَتَّبَ عَلَى خُصُومَةِ الْآخَرِ إيَّاهُ سُمِّيَ بِاسْمِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وَالْمُجَازَاةُ لَا تَكُونُ سَيِّئَةً حَقِيقَةً؛ وَلِأَنَّ مَجْلِسَ الْحُكْمِ الْخُصُومَةُ، فَمَا يَجْرِي فِيهِ يُسَمَّى خُصُومَةً مَجَازًا، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ؛ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَعَانَ بِالْوَكِيلِ فِيمَا يَعْجِزُ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ - وَذَلِكَ فِيمَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ الْجَوَابُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ بِخِلَافِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ - فَإِنَّ تَصَرُّفَهُمَا مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ الْأَنْظَرِ وَالْأَصْلَحِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ إصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وَقَالَ : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وَذَلِكَ لَا يَظْهَرُ بِالْإِقْرَارِ، فَلِهَذَا لَا يَمْلِكُهُ، وَإِنْ وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ غَيْرُ جَائِزٍ الْإِقْرَارُ عَلَيْهِ، صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ بِاعْتِبَارِ قِيَامِ الْوَكِيلِ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ، وَهَذَا حُكْمُ الْوَكَالَةِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ. كَمَا لَوْ وَكَّلَ بِالْبَيْعِ عَلَى أَنْ لَا يَقْبِضَ الْوَكِيلُ الثَّمَنَ، أَوْ لَا يُسَلِّمَ الْمَبِيعَ، كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ بَاطِلًا، فَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَالِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ إقْرَارِ

стр. 3852

الْوَكِيلِ - بِاعْتِبَارِ تَرْكِ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ إلَى نَوْعٍ مِنْ الْمَجَازِ - فَهُوَ بِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ يُبَيِّنُ أَنَّ مُرَادَهُ حَقِيقَةُ الْخُصُومَةِ، لَا الْجَوَابُ الَّذِي هُوَ مَجَازٌ، بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ نِصْفَ الْعَبْدِ شَائِعًا مِنْ النَّصِيبَيْنِ أَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ إلَى نَصِيبِهِ، خَاصَّةً عِنْدَ التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَطْلَقَ، وَالثَّانِي أَنَّ صِحَّةَ إقْرَارِهِ وَإِنْكَارِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِعُمُومِ الْمَجَازِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَوَابٌ، وَلِاعْتِبَارِ الْمُنَاظَرَةِ فِي الْمُعَامَلَاتِ بِالْمُنَاظَرَةِ فِي الدِّيَانَاتِ مُنِعَ مَوْضِعُهُ، فَإِذَا اُسْتُثْنِيَ الْإِقْرَارُ كَانَ هَذَا اسْتِثْنَاءً لِبَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ مُطْلَقُ الْكَلَامِ، أَوْ هُوَ بَيَانٌ مُغَايِرٌ لِمُقْتَضَى مُطْلَقِ الْكَلَامِ فَيَكُونُ صَحِيحًا، كَمَنْ حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَانٍ فَدَخَلَهَا مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا حَنِثَ لِعُمُومِ الْمَجَازِ، فَإِنْ قَالَ فِي يَمِينِهِ مَاشِيًا فَدَخَلَهَا رَاكِبًا لَمْ يَحْنَثْ لِمَا قُلْنَا، وَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ إنَّمَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ الْإِقْرَارَ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا عَنْ الْوَكَالَةِ، وَعَلَى الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ مَوْصُولًا وَمَفْصُولًا، قَالُوا وَكَذَلِكَ لَوْ اُسْتُثْنِيَ الْإِنْكَارُ صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ﵀ وَهَذَا لِأَنَّ إنْكَارَ الْوَكِيلِ قَدْ يَضُرُّ الْمُوَكِّلَ، بِأَنْ كَانَ الْمُدَّعَى وَدِيعَةً أَوْ بِضَاعَةً فَأَنْكَرَ الْوَكِيلُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ دَعْوَى الرَّدِّ وَالْهَلَاكِ بَعْدَ صِحَّةِ الْإِنْكَارِ، وَيَسْمَعُ مِنْهُ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِنْكَارِ، فَإِذَا كَانَ إنْكَارُهُ قَدْ يَضُرُّ الْمُوَكِّلَ صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ الْإِقْرَارَ، ثُمَّ إذَا أَقَرَّ الْوَكِيلُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي فَلَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ عِنْدَهُمَا، كَانَ خَارِجًا مِنْ الْوَكَالَةِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُنَاقَضًا فِي كَلَامِهِ، وَالْمُنَاقَضُ لَا دَعْوَى لَهُ فَيُسْتَبْدَلُ بِهِ، كَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ إذَا لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُمَا عَلَى الصَّبِيِّ لَا يَمْلِكَانِ الْخُصُومَةَ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِذَا وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ فِي دَارٍ يَدَّعِي فِيهَا دَعْوَى، ثُمَّ عَزَلَهُ عَنْهَا، ثُمَّ شَهِدَ لَهُ الْوَكِيلُ بِهَا، فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ قَدْ خَاصَمَ إلَى الْقَاضِي جَازَتْ شَهَادَتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَلَمْ تَجُزْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِتَعْيِينِهِ لِلتَّوْكِيلِ صَارَ خَصْمًا قَائِمًا مَقَامَ الْمُوَكِّلِ، وَلِهَذَا جَازَ إقْرَارُهُ فَيَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا بِنَفْسِ التَّوْكِيلِ، وَعِنْدَهُمَا إنَّمَا يَصِيرُ خَصْمًا فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي، فَكَذَلِكَ إنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا إذَا خَاصَمَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي لَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَإِذَا وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ فَلَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ مَتَى شَاءَ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْوَكَالَةِ لِحَاجَةِ الْمُوَكِّلِ إلَيْهِ وَلِمَا لَهُ فِيهَا مِنْ الْمَنْفَعَةِ، وَذَلِكَ فِي جَوَازِهَا دُونَ لُزُومِهَا، وَلِأَنَّ الْوَكِيلَ مُعِيرُهُ مَنَافِعَهُ، وَالْإِعَارَةُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا اللُّزُومُ إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ - وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْخَصْمُ قَدْ أَخَذَهُ حَتَّى جَعَلَهُ وَكِيلًا فِي الْخُصُومَةِ - فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْهَا إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْخَصْمِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الْوَكَالَةِ حَقُّ الْخَصْمِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا خَلَّى سَبِيلَهُ اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إثْبَاتِ حَقِّهِ عَلَى الْوَكِيلِ مَتَى شَاءَ، فَلَوْ جَوَّزْنَا

стр. 3853

عَزْلَهُ بِدُونِ مَحْضَرٍ مِنْ الْخَصْمِ؛ بِأَنْ يَعْزِلَ الْمُوَكِّلُ وَكِيلَهُ وَيُخْفِي شَخْصَهُ فَلَا يَتَوَصَّلُ الْخَصْمُ إلَى إثْبَاتِ حَقِّهِ، فَلِمُرَاعَاةِ حَقِّ الْخَصْمِ قُلْنَا: " لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ عَزْلِ الْوَكِيلِ، كَالْعَزْلِ فِي بَابِ الرَّهْنِ إذَا كَانَ مُسَلَّطًا عَلَى بَيْعِهِ لَا يَمْلِكُ الرَّاهِنُ عَزْلَهُ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ ". وَعَلَى هَذَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا ﵏: " إذَا وَكَّلَ الزَّوْجُ وَكِيلًا بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ بِالْتِمَاسِهَا ثُمَّ سَافَرَ لَا يَمْلِكُ عَزْلَ الْوَكِيلِ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْهَا " وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ هُنَاكَ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَرْأَةِ فِي سُؤَالِ الطَّلَاقِ، وَالتَّوْكِيلُ عِنْدَ سَفَرِ الزَّوْجِ، وَهُنَا لِلْخَصْمِ حَقٌّ أَنْ يَمْنَعَ خَصْمَهُ مِنْ أَنْ يُسَافِرَ وَأَنْ يُلَازِمَهُ لِيَثْبُتَ حَقُّهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ إنَّمَا تَرَكَ ذَلِكَ بِتَوْكِيلِهِ وَعَلَى هَذَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا ﵏ إذَا قَالَ الزَّوْجُ لِلْوَكِيلِ بِالطَّلَاقِ " كُلَّمَا عَزَلْتُك فَأَنْتَ وَكِيلٌ " لَا يَمْلِكُ عَزْلَهُ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا عَزَلَهُ تَجَدَّدَتْ وَكَالَتُهُ، فَإِنَّ تَعْلِيقَ الْوَكَالَةِ بِالشَّرْطِ صَحِيحٌ، وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ يَمْلِكُ عَزْلَهُ بِأَنْ يَقُولَ " عَزَلْتُك عَنْ جَمِيعِ الْوَكَالَاتِ " فَيَنْصَرِفُ ذَلِكَ إلَى الْمُعَلَّقِ وَالْمُنَفَّذِ؛ لِأَنَّا لَوْ لَمْ نُجِزْ ذَلِكَ أَدَّى إلَى تَغْيِيرِ حُكْمِ الشَّرْعِ بِجَعْلِ الْوَكَالَةِ مِنْ اللَّوَازِمِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ. وَإِذَا وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ وَهُوَ مُقِيمٌ بِالْبَلَدِ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ، إلَّا بِرِضًا مِنْ خَصْمِهِ أَوْ يَكُونُ مَرِيضًا أَوْ غَائِبًا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالثَّيِّبُ وَالْبِكْرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ﵀ يَقُولُ " لِلْبِكْرِ أَنْ تُوَكِّلَ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ "، وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ أَوَّلًا: " لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُوَكِّلَ بِذَلِكَ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا إذَا لَمْ يَكُنْ مُرُوءَةٌ "، وَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -: " الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ، لَهُمْ التَّوْكِيلُ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ " وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّ التَّوْكِيلَ حَصَلَ بِمَا هُوَ مِنْ خَالِصِ حَقِّ الْمُوَكِّلِ، فَيَكُونُ صَحِيحًا بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ، كَالتَّوْكِيلِ بِالْقَبْضِ وَالْإِيفَاءِ وَالتَّقَاضِي، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ الَّذِي هُوَ إنْكَارٌ، وَمَنْ أَفْسَدَ هَذَا التَّوْكِيلَ إنَّمَا يُفْسِدُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَإِنَّ التَّوْكِيلَ بِالْإِقْرَارِ صَحِيحٌ، وَالْإِنْكَارُ خَالِصُ حَقِّ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِهِ الْخَصْمَ عَنْ نَفْسِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِمَا هُوَ مِنْ خَالِصِ حَقِّهِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: " هُوَ بِهَذَا التَّوْكِيلِ قَصَدَ الْإِضْرَارَ بِخَصْمِهِ فِيمَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فَلَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِرِضَاهُ كَالْحَوَالَةِ بِالدَّيْنِ " وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْحُضُورَ وَالْجَوَابَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْطَعُهُ عَنْ أَشْغَالِهِ وَيُحْضِرُهُ لِيُجِيبَ خَصْمُهُ، وَإِنَّمَا يُحْضِرُهُ لِإِيفَاءِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ، وَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي هَذَا الْجَوَابِ، فَرُبَّ إنْكَارٍ يَكُونُ أَشَدَّ دَفْعًا لِلْمُدَّعِي مِنْ إنْكَارٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُوَكِّلَ إنَّمَا يَطْلُبُ مِنْ الْوَكِيلِ، وَذَلِكَ الْأَشَدُّ الَّذِي لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ لَوْ أَجَابَ الْخَصْمُ بِنَفْسِهِ وَفِيهِ إضْرَارٌ بِالْخَصْمِ، إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - قَالَا: ذَلِكَ حَقُّ الْمُوَكِّلِ

стр. 3854

لَوْ أَتَى بِهِ بِنَفْسِهِ كَانَ مَقْبُولًا مِنْهُ، وَصِحَّةُ التَّوْكِيلِ بِاعْتِبَارِ مَا هُوَ حَقٌّ لِلْمُوَكِّلِ دُونَ مَا لَيْسَ الْأَشَدَّ لِحَقٍّ لَهُ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بَنَى عَلَى الْعُرْفِ الظَّاهِرِ هُنَا، وَقَالَ: النَّاسُ إنَّمَا يَقْصِدُونَ بِهَذَا التَّوْكِيلِ أَنْ يَشْتَغِلَ الْوَكِيلُ بِالْحِيَلِ الْأَبَاطِيلِ، لِيَدْفَعَ حَقَّ الْخَصْمِ عَنْ الْمُوَكِّلِ، وَأَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَكُونَ تَوْكِيلُهُ بِمَا هُوَ مِنْ خَالِصِ حَقِّهِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ يَتَّصِلُ بِهِ ضَرَرٌ بِالْغَيْرِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا لَا يَمْلِكُ بِدُونِ رِضَاهُ - كَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِرُكُوبِهِ أَوْ ثَوْبًا لِلُبْسِهِ - لَا يَمْلِكُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِهِ، وَهِيَ الْمَنْفَعَةُ وَلَكِنْ يَتَّصِلُ بِهِ ضَرَرٌ بِمِلْكِ الْغَيْرِ وَهُوَ الْعَيْنُ، لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي اللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ، فَكَذَلِكَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْعَبْدِ إذَا كَاتَبَهُ كَانَ لِلْآخَرِ أَنْ يَفْسَخَ، وَإِنْ حَصَلَ تَصَرُّفُ الْمُكَاتَبِ فِي مِلْكِهِ لَا ضَرَرَ يَتَّصِلُ بِالشَّرِيكِ، وَهَذَا بِخِلَافِ التَّوْكِيلِ بِالْقَبْضِ وَالْإِيفَاءِ، فَإِنَّ الْحَقَّ مَعْلُومٌ بِصِفَتِهِ، فَلَا يَتَّصِلُ بِهَذَا التَّوْكِيلِ ضَرَرٌ بِالْآخَرِ، وَكَذَلِكَ التَّقَاضِي لَهُ حَدٌّ مَعْلُومٌ مُنِعَ الْوَكِيلُ مِنْ مُجَاوَزَةِ ذَلِكَ الْحَدِّ، لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ بِهِ الْخَصْمُ، فَأَمَّا الْخُصُومَةُ فَلَيْسَ لَهَا حَدٌّ مَعْلُومٌ يُعْرَفُ حَتَّى إذَا جَاوَزَهُ مُنِعَ مِنْهُ فَلِهَذَا شَرَطْنَا رِضَا الْخَصْمِ، وَهَذَا الشَّرْطُ لَيْسَ مُؤَثِّرًا فِي صِحَّةِ الْوَكَالَةِ، فَالتَّوْكِيلُ صَحِيحٌ وَلَكِنَّ الْكَلَامَ فِي إسْقَاطِ حَقِّ الْمُطَالَبَةِ بِجَوَابِ الْمُوَكِّلِ، وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْخَصْمِ فِي التَّوْكِيلِ عِنْدَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ أَوْ مَرَضِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْخَصْمِ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِإِحْضَارِ الْمُوَكِّلِ فَلَا يَكُونُ فِي التَّوْكِيلِ إسْقَاطُ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ، وَهُوَ نَظِيرُ شَهَادَةِ الْفُرُوعِ عَلَى شَهَادَةِ الْأُصُولِ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ عِنْد مَرَضِ الْأُصُولِ وَغَيْبَتِهِمْ مُدَّةَ السَّفَرِ، وَلَا تَصِحُّ عِنْدَ حُضُورِهِمْ لِاسْتِحْقَاقِ الْحُضُورِ بِأَنْفُسِهِمْ لِلْأَدَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ﵀ كَانَ يَقُولُ: " الْمَقْصُودُ بِإِحْضَارِ الْبِكْرِ لَا يَحْصُلُ لِأَنَّهَا تَسْتَحِي فَتَسْكُتُ، وَالشَّرْعُ مَكَّنَهَا مِنْ ذَلِكَ فَجَازَ لَهَا أَنْ تُوَكِّلَ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ "، وَهَكَذَا يَقُولُ أَبُو يُوسُفَ ﵀ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مُعْتَادَةَ مُخَالَطَةِ الرِّجَالِ، فَإِنَّهَا لَا تَتَمَكَّنُ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ إذَا حَضَرَتْ مَجْلِسَ الْحُكْمِ، فَإِنَّ حِشْمَةَ الْقَضَاءِ تَمْنَعُهَا مِنْ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ لَا يَحْصُلُ بِحُضُورِهَا جَازَ لَهَا أَنْ تُوَكِّلَ، وَاَلَّذِي نَخْتَارُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْجَوَابِ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا عَلِمَ مِنْ الْمُدَّعِي التَّعَنُّتَ فِي إبَاءِ الْوَكِيلِ، لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ ذَلِكَ وَيَقْبَلُ التَّوْكِيلَ مِنْ الْخَصْمِ، وَإِذَا عَلِمَ مِنْ الْمُوَكِّلِ الْقَصْدَ إلَى الْإِضْرَارِ بِالْمُدَّعِي فِي التَّوْكِيلِ، لَا يَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ إلَّا بِرِضَا الْخَصْمِ، فَيَصِيرُ إلَى دَفْعِ الضَّرَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. وَإِذَا وَكَّلَتْ امْرَأَةٌ رَجُلًا، أَوْ رَجُلٌ امْرَأَةً، أَوْ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا، أَوْ ذِمِّيٌّ مُسْلِمًا، أَوْ حُرٌّ عَبْدًا أَوْ مُكَاتَبًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ، فَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَى الْوَكَالَةِ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ. قَالَ

стр. 3855

وَالْوَكَالَةُ فِي كُلِّ خُصُومَةٍ جَائِزَةٌ، مَا خَلَا الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ أَوْ سِلْعَةً تُرَدُّ مِنْ عَيْبٍ، وَالْمُرَادُ التَّوْكِيلُ بِاسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، فَإِنَّ التَّوْكِيلَ بِاسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ، وَالْحُدُودُ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ فَلَا تُسْتَوْفَى بِمَا يَقُومُ مَقَامَ الْغَيْرِ فِي ذَلِكَ مِنْ ضَرْبٍ وَشِبْهِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تُسْتَوْفَى فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، وَالشَّهَادَةِ عَلَى شَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ، وَكَذَلِكَ التَّوْكِيلُ بِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ لَا يَجُوزُ، وَلَا يُسْتَوْفَى فِي حَالِ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَسْتَوْفِيهِ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ حَقِّ الْعِبَادِ، وَمَبْنَى حُقُوقِ الْعِبَادِ عَلَى الْحِفْظِ وَالصِّيَانَةِ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ لِصَاحِبِ الْقِصَاصِ أَنْ لَا يَحْضُرَ بِنَفْسِهِ وَيُوَكِّلَ بِاسْتِيفَائِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ هَذِهِ عُقُوبَةٌ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، فَلَا تُسْتَوْفَى بِمَنْ يَقُومُ مَقَامَ الْغَيْرِ كَالْحُدُودِ، وَلِهَذَا لَا تُسْتَوْفَى فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، وَلَا بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّهُ لَوْ اسْتَوْفَى فِي حَالِ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ كَانَ اسْتِيفَاءً مَعَ تَمَكُّنِ شَهَادَةِ الْعَفْوِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ عَفَا بِنَفْسِهِ، وَالْوَكِيلُ لَا يَشْعُرُ بِهِ، وَلِهَذَا إذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ؛ لِأَنَّهُ لَا تَتَمَكَّنُ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَفْوِ، وَقَدْ يَحْتَاجُ الْمُوَكِّلُ إلَى ذَلِكَ، إمَّا لِعِلَّةِ هِدَايَتِهِ فِي الِاسْتِيفَاءِ، أَوْ لِأَنَّ قَلْبَهُ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ، فَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الِاسْتِيفَاءِ عِنْدَ حَضْرَتِهِ اسْتِحْسَانًا. فَأَمَّا قَوْلُهُ أَوْ سِلْعَةً تُرَدُّ بِالْعَيْبِ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ: أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ فِي هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا أَثْبَتَ الْعَيْبَ فَادَّعَى الْبَائِعُ رِضَا الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ، فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُشْتَرِي فَيَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ يَقْبِضُ الدَّيْنَ إذَا ادَّعَى الْمَطْلُوبُ أَنَّ الطَّالِبَ قَدْ اسْتَوْفَى دَيْنَهُ أَوْ أَبْرَأَ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ: ادْفَعْ الْمَالَ إلَى الْوَكِيلِ وَأَنْتَ عَلَى خُصُومَتِك فِي اسْتِحْلَافِ الْمُوَكِّلِ إذَا حَضَرَ، وَالْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّ الدَّيْنَ حَقٌّ ثَابِتٌ بِنَفْسِهِ إذْ لَيْسَ فِي دَعْوَى الِاسْتِيفَاءِ وَالْإِبْرَاءِ مَا يُنَافِي أَصْلَ حَقِّهِ، لَكِنَّهُ يَدَّعِي إسْقَاطَهُ بَعْدَ تَقْرِيرِ السَّبَبِ الْمُوجَبِ، فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْوَكِيلِ الِاسْتِيفَاءُ مَا لَمْ يَثْبُتْ الْمُسْقَطُ، فَأَمَّا فِي الْعَيْبِ إنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ وَقْتَ الْبَيْعِ، يَمْنَعُ ثُبُوتَ حَقِّهِ فِي الرَّدِّ أَصْلًا، فَالْبَائِعُ لَيْسَ يَدَّعِي مُسْقَطًا بَلْ زَعَمَ أَنَّ حَقَّهُ فِي الرَّدِّ لَمْ يَثْبُتْ أَصْلًا، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَحْضُرَ الْمُوَكِّلُ وَيَحْلِفَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الرَّدِّ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي - أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَسْخٌ لِلْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ إذَا انْفَسَخَ فَلَا يَعُودُ فَلَوْ أَثْبَتْنَا حَقَّ الرَّدِّ عَلَيْهِ تَضَرَّرَ الْخَصْمُ بِانْفِسَاخِ عَقْدِهِ عَلَيْهِ، فَأَمَّا قَضَاءُ الدَّيْنِ فَلَيْسَ فِيهِ فَسْخُ عَقْدٍ، وَإِذَا حَضَرَ الْمُوَكِّلُ فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ تَوَصَّلَ الْمَطْلُوبُ إلَى حَقِّهِ، فَلِهَذَا أُمِرَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ. وَفِي الْوَكِيلِ يَأْخُذُ الدَّارَ بِالشُّفْعَةِ إذَا ادَّعَى الْخَصْمُ
следующие страницы →