← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 5423

المبسوط للسرخسي

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (6 278 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

الْمَهْرِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالْمُؤَدَّى، وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا غَيْرَ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْمُؤَدَّى؛ لِأَنَّ الْمُقَاصَّةَ وَقَعَتْ بِالنِّصْفِ الثَّانِي مِنْ مَهْرِهَا. وَلَوْ كَاتَبَ رَجُلٌ عَبْدَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَمَرَهُ فَضَمِنَهَا لِغَرِيمٍ لَهُ عَلَى الْمَوْلَى أَلْفُ دِرْهَمٍ وَقَبِلَ الْحَوَالَةَ بِهَا؛ فَذَلِكَ صَحِيحٌ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِكَفَالَةٍ وَلَا حَوَالَةٍ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَكِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ تَوْكِيلِ الْمَوْلَى غَرِيمَهُ بِاسْتِيفَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ مِنْ الْمُكَاتَبِ وَلَا فَرْقَ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ يُطَالِبُهُ الْمَوْلَى بِالْبَدَلِ وَبَيْنَ أَنْ يُطَالِبَهُ غَرِيمُ الْمَوْلَى. فَإِنْ أَعْتَقَ الْمَوْلَى الْمُكَاتَبَ؛ عَتَقَ وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ الضَّمَانِ وَفِي بَعْضِ نُسِخَ الْأَصْلِ قَالَ: وَبَرِئَ مِنْ الْكَفَالَةِ لِأَنَّهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ التَّوْكِيلِ وَبِإِعْتَاقِ الْمُكَاتَبِ يَسْقُطُ عَنْهُ بَدَلُ الْكِتَابَةِ حَتَّى لَا يُطَالِبَهُ الْمَوْلَى بِشَيْءٍ مِنْهُ فَكَذَلِكَ وَكِيلُهُ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ الْغَرِيمَ كَانَ يُطَالِبُهُ بِدَيْنِهِ قَبْلَ الْعِتْقِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُ دَيْنِهِ بِإِعْتَاقِ الْمُكَاتَبِ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ التَّوْكِيلِ وَحُكْمُ تَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ لِلْغَرِيمِ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِالْتِزَامِهِ فَأَمَّا الْمَطْلُوبُ فِي حَقِّ الْغَرِيمِ دَيْنُهُ وَمَا اعْتَرَضَ مِنْ الْعِتْقِ لَا يَبْقَى الْتِزَامُ الْمُطَالَبَةِ ابْتِدَاءً فَلَأَنْ لَا يَنْفِيَ بَقَاءَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ثُمَّ إذَا أَدَّى رَجَعَ عَلَى الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْعِتْقِ كَانَتْ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بِدَيْنِ الْكِتَابَةِ وَقَدْ انْعَدَمَ ذَلِكَ حِينَ سَقَطَ عَنْهُ دَيْنُ الْكِتَابَةِ بِالْعِتْقِ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ الْمَوْلَى وَالْمُكَاتَبُ مُدَبَّرٌ يُعْتَقُ وَعَتَقَ مِنْ ثُلُثِهِ أُمَّ وَلَدٍ فَعَتَقَتْ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ يَحْصُلُ بِهَذَا السَّبَبِ كَمَا يَحْصُلُ بِإِعْتَاقِ الْمَوْلَى إيَّاهُ. وَلَوْ كَفَلَ عَبْدٌ عَنْ مَوْلَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ بِأَمْرِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى فَأَدَّاهُ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمَوْلَى فَأَمَّا بَعْدَ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ يُطَالِبُهُ بِذَلِكَ الْمَالِ لِأَنَّهُ كَانَ مُطَالَبًا فِي حَالِ رِقِّهِ بِالْعِتْقِ وَهُوَ لَا يَزِيدُهُ إلَّا وِكَادَةً وَلِأَنَّ الْمَوْلَى شَغَلَهُ بِهِ حِينَ أَمَرَهُ بِالْكَفَالَةِ عَنْهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ عَلَيْهِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ؛ فَلَا يَرْجِعُ الْعَبْدُ بِهَا عَلَى الْمَوْلَى وَإِنْ أَدَّى مِنْ كَسْبٍ هُوَ خَالِصُ حَقِّهِ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ حِينَ وَقَعَتْ لَمْ تَكُنْ مُوجِبَةً لِرُجُوعِ الْكَفِيلِ عَلَى الْأَصِيلِ فَلَا يَصِيرُ مُوجِبًا لِلرُّجُوعِ بَعْدَ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ فَإِنَّ هُنَاكَ أَصْلُ الْكَفَالَةِ كَانَتْ مُوجِبَةً لِرُجُوعِ الْمُكَاتَبِ عَلَى الْمَوْلَى عِنْدَ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَسْتَوْجِبُ عَلَى مَوْلَاهُ دَيْنًا إلَّا أَنَّهُ كَانَتْ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ وَهُنَا أَصْلُ الْكَفَالَةِ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِرُجُوعِ الْعَبْدِ عَلَى الْمَوْلَى فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى مَوْلَاهُ دَيْنًا. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَضْمَنَهَا الْغَرِيمُ لَهُ ثُمَّ إنَّ الْآمِرَ وَهَبَهَا لِلْكَفِيلِ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَكَانَ لِلْمَكْفُولِ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ أَوْ الْحَوَالَةَ الْمُقَيَّدَةَ قَدْ اشْتَغَلَتْ بِمَا لِلْآمِرِ فِي ذِمَّةِ الْكَفِيلِ لِحَقِّ الطَّالِبِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْآمِرَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الرَّاهِنِ إذَا تَصَرَّفَ فِي الْمَرْهُونِ بِالْهِبَةِ أَوْ الْبَيْعِ مِنْ إنْسَانٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْفُذُ لِحَقِّ

стр. 4132

الْمُرْتَهِنِ. وَلَوْ مَاتَ الْآمِرُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَقْتَضِ الْمَكْفُولَ لَهُ الدَّرَاهِمَ؛ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ بَيْنَ سَائِرِ غُرَمَاءِ الْمَيِّتِ وَلَمْ يَكُنْ الْمَكْفُولُ لَهُ أَحَقَّ بِهَا مِنْهُمْ اسْتِحْسَانًا وَكَانَ ذَلِكَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَكْفُولِ لَهُ خَاصَّةً وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ﵀ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْمَرْهُونِ بِهِ؛ وَلِأَنَّ سَائِرَ الْغُرَمَاءِ يَثْبُتُ حَقُّهُمْ مِنْ جِهَةِ الْأَصِيلِ وَقَدْ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى الْأَصْلِ فِي هَذَا الْمَالِ فِي حَيَاتِهِ. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ الْمَكْفُولَ لَهُ لَمْ يَصِرْ أَحَقَّ بِغُرْمِ هَذَا الْمَالِ، حَتَّى لَوْ بَرِئَ مِمَّا فِي ذِمَّةِ الْكَفِيلِ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّ الْمَكْفُولِ لَهُ وَلَا يَكُونُ أَحَقَّ بِالْغُنْمِ، وَبِهِ فَارَقَ الرَّهْنَ فَقَدْ صَارَ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِغُرْمِ الرَّهْنِ هُنَاكَ. يُوَضِّحُهُ أَنَّ يَدَ الِاسْتِيفَاءِ ثَبَتَتْ لِلْمُرْتَهِنِ بِقَبْضِ الرَّهْنِ وَعَلَى ذَلِكَ يَنْبَنِي اخْتِصَاصُهُ بِهِ دُونَ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ. وَهُنَا يَدُ الِاسْتِيفَاءِ لَمْ تَثْبُتْ لِلْمَكْفُولِ لَهُ فِيمَا فِي ذِمَّةِ الْكَفِيلِ بَلْ هُوَ مَالُ الْأَصِيلِ فَيُقْسَمُ بَعْدَ مَوْتِهِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ بِالْحِصَصِ. وَلَوْ كَانَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ حَيًّا فَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذَا الْمَالَ لَهُ وَأَنَّهُ أَمَرَ فُلَانًا فَبَاعَ الْمَبِيعَ الَّذِي هَذَا الْمَالُ ثَمَنُهُ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُبْطِلَ الْكَفَالَةَ. فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَلَكِنَّهُ يَضْمَنُهُ لِلْبَائِعِ وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ تَبْطُلُ الْكَفَالَةُ وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْبُيُوعِ: أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ عِنْدَهُمَا - فِي نُفُوذِ تَصَرُّفِهِ فِي الثَّمَنِ - بِمَنْزِلَةِ الْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ وَيَضْمَنُ لِلْمُوَكِّلِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ لَا يَنْفُذُ مِنْ تَصَرُّفِهِ إلَّا مَا يَرْجِعُ إلَى الْقَبْضِ. وَلَوْ كَانَ الْمَالُ إلَى أَجَلٍ وَبِهِ كَفِيلٌ فَإِنْ مَاتَ الْأَصِيلُ؛ فَقَدْ حَلَّ الْمَالُ عَلَيْهِ وَلَا يَحِلُّ عَلَى الْكَفِيلِ حَتَّى يَمْضِيَ الْأَجَلُ؛ لِأَنَّ الْأَصِيلَ اسْتَغْنَى بِمَوْتِهِ عَنْ الْأَجَلِ. وَالْكَفِيلُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ. وَحُلُولُهُ عَلَى الْأَصِيلِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ مُؤَجَّلًا عَلَى الْكَفِيلِ؛ كَمَا لَوْ كَفَلَ الْكَفِيلُ بِمَالٍ هُوَ حَالٌّ عَلَى الْأَصِيلِ مُؤَجَّلًا إلَى سَنَةٍ وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ هُوَ الْكَفِيلُ؛ فَقَدْ حَلَّ الْمَالُ عَلَيْهِ لِوُقُوعِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْأَجَلِ وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ فِي الْحَالِ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ وَرَثَتُهُ عَلَى الْأَصِيلِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ ﵀: يَرْجِعُونَ عَلَى الْأَصِيلِ فِي الْحَالِ لِأَنَّهُمْ أَدَّوْا دَيْنًا عَلَيْهِ بَعْدَ تَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ فِيهِ شَرْعًا بِحُكْمِ الْكَفَالَةِ عَنْهُ بِأَمْرِهِ فَيَرْجِعُونَ إلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْكَفِيلَ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْمُقْرِضِ لِمَا أَدَّى عَنْ الْأَصِيلِ فَيَسْتَوْجِبُ الرُّجُوعَ بِهِ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ إلَّا إذَا قَصَدَ إثْبَاتَ حَقِّ الرُّجُوعِ لِنَفْسِهِ بِتَعْجِيلِهِ قَبْلَ حِلِّ الْأَجَلِ، وَلَمْ يُوجَدْ إذَا كَانَ سُقُوطُ الْأَجَلِ حُكْمًا لِمَوْتِهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ بِالْكَفَالَةِ كَمَا وَجَبَ الْمَالُ لِلطَّالِبِ عَلَى الْكَفِيلِ مُؤَجَّلًا وَالْأَصِيلُ بَاقٍ مُنْتَفِعٌ بِالْأَجَلِ فَكَمَا بَقِيَ الْمَالُ مُؤَجَّلًا فِي حَقِّ الطَّالِبِ بَعْدَ مَوْتِ الْكَفِيلِ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْكَفِيلِ لِلطَّالِبِ قَبْلَ حِلِّ الْأَجَلِ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْأَصِيلِ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ، فَهَذَا مِثْلُهُ. وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَكَفَلَ بِهَا عَنْهُ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ

стр. 4133

بَعْضُهُمْ كُفَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ بِالْمَالِ وَهُوَ حَالٌّ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ فَأَخَّرَ الطَّالِبُ أَحَدَ الْكُفَلَاءِ إلَى سَنَةٍ؛ فَهُوَ جَائِزٌ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهُمْ شَاءَ سَوَاءٌ بِجَمِيعِ الْمَالِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ كَفَلَ بِهِ مُؤَجَّلًا فِي الِابْتِدَاءِ؛ فَإِنَّ الْمَالَ يَكُونُ حَالًّا عَلَى الْبَاقِينَ، وَهَذَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفِيلٌ بِجَمِيعِ الْمَالِ. وَإِبْرَاءُ أَحَدِ الْكُفَلَاءِ لَا يُوجِبُ الْبَرَاءَةَ لِلْبَاقِينَ كَمَا لَا يُوجِبُ بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ فَكَذَلِكَ التَّأْخِيرُ عَنْ أَحَدِ الْكُفَلَاءِ إلَى سَنَةٍ. فَإِنْ أَدَّى الْمَالَ أَحَدُ الْكَفِيلَيْنِ الْآخَرَيْنِ؛ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ صَاحِبَهُ بِالنِّصْفِ لِيَسْتَوِيَ بِهِ فِي غُرْمِ الْكَفَالَةِ كَمَا هُوَ مُسَاوٍ لَهُ فِي الِالْتِزَامِ بِأَصْلِ الْكَفَالَةِ وَلَا يَأْخُذُ الَّذِي أَخَّرَهُ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ ثَابِتٌ فِي حَقِّهِ فَكَمَا لَا تَتَوَجَّهُ مُطَالَبَةُ الطَّالِبِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ لِمَكَانِ الْأَجَلِ فَكَذَلِكَ مُطَالَبَةُ الْكَفِيلِ الْآخَرِ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ وَقَدْ كَانَ أَخَذَ مِنْ صَاحِبِهِ النِّصْفَ بَيْعًا جَمِيعًا ذَلِكَ الْكَفِيلُ بِالثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُسَاوِيًا لَهُمَا فِي الْكَفَالَةِ، وَقَدْ كَانَ الْمَانِعُ لَهُمَا مِنْ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ الْأَجَلَ. وَقَدْ انْعَدَمَ فَيَرْجِعَانِ عَلَيْهِ بِقِسْطِهِ وَهُوَ الثُّلُثُ؛ لِيَسْتَوُوا فِي غُرْمِ الْكَفَالَةِ ثُمَّ يَرْجِعُونَ عَلَى الْأَصِيلِ بِجَمِيعِ الْمَالِ. فَلَوْ كَانَ الطَّالِبُ أَخَّرَ الْمَالَ عَلَى الْأَصِيلِ سَنَةً؛ كَانَ ذَلِكَ تَأْخِيرًا عَنْ جَمِيعِ الْكُفَلَاءِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَبْرَأَ الْأَصِيلَ. وَكَانَ ذَلِكَ مُوجِبًا بَرَاءَةَ الْكَفِيلِ أَوْ لَوْ كَانَ أَخَّرَ كَفِيلًا مِنْهُمْ شَهْرًا وَآخَرَ شَهْرَيْنِ وَآخَرَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ؛ كَانَ جَائِزًا عَلَى مَا سَمَّى. فَإِنْ حَلَّ عَلَى صَاحِبِ الشَّهْرِ؛ أَخَذَهُ مِنْ سَهْمِهِ وَلَا يَرْجِعُ هُوَ عَلَى الْآخَرَيْنِ لِقِيَامِ الْمَانِعِ وَهُوَ الْأَجَلُ، وَإِنْ أَخَّرَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ بَعْدَ هَذَا سَنَةً؛ كَانَ الْمَالُ عَلَيْهِمْ إلَى سَنَةٍ وَدَخَلَتْ الشُّهُورُ تَحْتَ السَّنَةِ؛ لِأَنَّ التَّأْجِيلَ فِي حَقِّ الْأَصِيلِ فَهُوَ فِي حَقِّ الْكَفِيلِ. وَلَوْ كَانَ أَخَّرَ الْكَفِيلَ شَهْرًا ثُمَّ أَخَّرَهُ سَنَةً؛ دَخَلَ الشَّهْرُ فِي السَّنَةِ فَهَذَا مِثْلُهُ. وَإِنْ كَانَ الْمَالُ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ غَصْبٍ وَبِهِ كَفِيلٌ فَأَخَّرَ الطَّالِبُ الْأَصِيلَ إلَى سَنَةٍ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ؛ فَالْمَالُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْكَفِيلِ حَالٌّ كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْمُطَالَبَةِ بِالتَّأْجِيلِ فِي حَقِّ الْأَصِيلِ بِمَنْزِلَةِ إسْقَاطِهِ بِالْإِبْرَاءِ. وَإِبْرَاءُ الْأَصِيلِ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ فَكَذَلِكَ التَّأْخِيرُ عَنْهُ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ فَيَبْقَى الْمَالُ عَلَيْهِ حَالًّا، وَكَذَلِكَ عَلَى الْكَفِيلِ لِأَنَّ التَّأْجِيلَ فِي حَقِّ الْأَصِيلِ يُجْعَلُ فِي حَقِّ الْكَفِيلِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَجَّلَ الْكَفِيلَ وَلَوْ أَجَّلَ الْكَفِيلَ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ الْمَالَ أَنْ يَثْبُتَ حَالًّا فَكَذَلِكَ إذَا أَجَّلَ الْأَصِيلَ وَهَذَا لِأَنَّ التَّأْجِيلَ لَا يُوجِبُ انْفِسَاخَ الْكَفَالَةِ سَوَاءٌ أَجَّلَ الْكَفِيلَ أَوْ الْأَصِيلَ. وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَكَفَلَ بِهَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ وَبَعْضُهُمْ كُفَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ ثُمَّ إنْ الطَّالِبُ وَهَبَ الْمَالَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ؛ فَالْمَالُ عَلَيْهِمْ كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ مِنْ الْكَفِيلِ تَمْلِيكٌ فَيَرْتَدُّ بِرَدِّ الْكَفِيلِ كَمَا

стр. 4134

يَرْتَدُّ بِرَدِّ الْأَصِيلِ إذَا وَهَبَ مِنْهُ، وَإِنْ قَبِلَ فَقَدْ تَمَلَّكَ الْمَالَ بِقَبُولِ الْهِبَة فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَهَبَهُ تَمَلُّكَهُ بِالْأَدَاءِ فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَى الْأَصِيلِ بِجَمِيعِ الْمَالِ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَى صَاحِبَيْهِ بِالثُّلُثَيْنِ إنْ وَجَدَهُمَا أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالنِّصْفِ إنْ وَجَدَهُ دُونَ الْآخَرِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَدَّى الْمَالَ فَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ غَائِبًا فَلَمْ يَقْبَلْ وَلَمْ يَرُدَّ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى مَاتَ؛ فَالْهِبَةُ جَائِزَةٌ وَيَرْجِعُ وَرَثَتُهُ عَلَى أَيِّهِمْ شَاءَ وَلِمَا بَيَّنَّا أَنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ إسْقَاطٌ يَتَضَمَّنُ التَّمْلِيكَ، فَإِنْ ضَمَّنَهُ مَعْنَى التَّمْلِيكِ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ مَا دَامَ حَيًّا، وَلِكَوْنِهِ إسْقَاطًا يُتَّهَمُ بِمَوْتِهِ قَبْلَ الرَّدِّ وَيَجْعَلُ تَمَامَهُ كَتَمَامِهِ بِقَبُولِهِ وَوَرَثَتُهُ قَائِمُونَ مَقَامَهُ فَيَرْجِعُونَ عَلَى أَيِّهِمْ شَاءَ كَمَا بَيَّنَّا. وَلَوْ وَهَبَهُ لِرَجُلَيْنِ مِنْ الْكُفَلَاءِ فَقَبِلَا؛ جَازَ وَرَجَعَا بِهِ عَلَى الْأَصِيلِ، وَإِنْ شَاءَا رَجَعَا عَلَى الْكَفِيلِ الثَّالِثِ بِالثُّلُثِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَدَّيَا وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَارَ مُتَمَلِّكًا خَمْسَمِائَةٍ وَهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ أَخَذَا الْكَفِيلَ الثَّالِثَ فَأَدَّى إلَيْهِمَا الثُّلُثَ ثُمَّ أَرَادَ هَذَا الْكَفِيلُ الْغَارِمُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى أَحَدِهِمَا بِنِصْفِ مَا أَدَّى إلَى الْآخَرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَلِّكٌ لِلثُّلُثِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَدَّوْا جَمِيعًا الْمَالَ إلَى الطَّالِبِ وَإِنَّمَا يَتْبَعُونَ الْأَصِيلَ بِالْأَلْفِ كُلِّهَا. فَإِذَا أَخَذُوهَا؛ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُ الْمَقْبُوضِ وَلَوْ أَنَّ الطَّالِبَ حِينَ وَهَبَ الْمَالَ لِهَذَيْنِ الْكَفِيلَيْنِ؛ قَبِلَ أَحَدُهُمَا الْهِبَةَ وَأَبَى الْآخَرُ أَنْ يَقْبَلَ؛ فَلِلَّذِي قَبِلَ أَنْ يَأْخُذَ ثُلُثَ هَذَا النِّصْفِ مِنْ الْكَفِيلَيْنِ الْآخَرَيْنِ لِأَنَّ تَمَلُّكَهُ نِصْفَ الْمَالِ بِقَبُولِ الْهِبَةِ كَتَمَلُّكِهِ بِأَدَاءِ النِّصْفِ فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَى الْكَفِيلَيْنِ مَعًا بِثُلُثَيْ ذَلِكَ النِّصْفِ، وَإِنْ شَاءَ عَلَى أَحَدِهِمَا بِنِصْفِ ذَلِكَ الثُّلُثِ وَيَأْخُذُ الطَّالِبُ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ أَيَّ الْكُفَلَاءِ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَى الْأَصِيلِ لِأَنَّ الْهِبَةَ بَطَلَتْ فِي هَذَا النِّصْفِ بِرَدِّ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَعَادَ الْحُكْمُ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْهِبَةِ. فَإِنْ قَبَضَ الطَّالِبُ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ شَيْئًا؛ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً، وَلِلطَّالِبِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَوْهُوبَ لَهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ النِّصْفَ الْبَاقِيَ مَا وَهَبَهُ مِنْهُ فَهُوَ فِيهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْكُفَلَاءِ. وَلَوْ وَهَبَ الطَّالِبُ نِصْفَ الْمَالِ لِأَحَدِ الْكُفَلَاءِ كَانَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ فَإِنْ رَجَعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَلَى الْكَفِيلَيْنِ بِثُلُثَيْ ذَلِكَ النِّصْفِ فَأَخَذَهُ مِنْهُمَا لَمْ يَتْبَعْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقُّ الِاتِّبَاعِ بَعْدَ الْأَدَاءِ؛ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي الِابْتِدَاءِ وَلَكِنْ لَوْ أَدَّيَا إلَى الطَّالِبِ خَمْسَمِائَةٍ؛ كَانَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِمَا بِثُلُثِ خَمْسِمِائَةٍ أُخْرَى فَيَرْجِعُ عَلَيْهِمَا بِتِلْكَ الْخَمْسِمِائَةِ حَتَّى يَكُونَ الْأَدَاءُ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ وَالنِّحْلَةُ وَالْعَطِيَّةُ. فَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ وَلَا يَرْجِعُ الْمُبْرَأُ مِنْ الْكُفَلَاءِ عَلَى أَحَدٍ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ إبْرَاءَ الْكَفِيلِ فَسْخٌ لِلْكَفَالَةِ وَلَيْسَ بِتَمَلُّكِ شَيْءٍ مِنْهُ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 4135

[بَابُ الْحَلِفِ فِي الْكَفَالَةِ] (قَالَ ﵀): وَإِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ لَا يَضْمَنُ لِفُلَانٍ شَيْئًا فَضَمِنَ لَهُ بِنَفْسٍ أَوْ مَالٍ فَهُوَ حَانِثٌ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَ لَهُ فَالْمَفْهُومُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ الْتِزَامُ الْمُطَالَبَةِ بِتَسْلِيمِ شَيْءٍ مَضْمُونٍ لَهُ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ كَفَلَ أَوْ قَبِلَ الْحَوَالَةَ لَهُ وَقَالَ: فِي الْحَوَالَةِ ضَمَانٌ وَزِيَادَةٌ وَالْكَفَالَةُ وَالضَّمَانُ عِبَارَتَانِ عَنْ عَقْدٍ وَاحِدٍ. وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِأَمْرِهِ فَهَذَا لَيْسَ بِضَمَانٍ وَإِنَّمَا هَذَا الْتِزَامٌ لِعَقْدِ الشِّرَاءِ وَعَقْدُ الشِّرَاءِ لَا يُسَمَّى كَفَالَةً عُرْفًا وَفِي الْأَيْمَانِ يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ. وَلَوْ ضَمِنَ لِعَبْدِهِ أَوْ مُضَارِبِهِ أَوْ شَرِيكٍ لَهُ مُفَاوِضٌ أَوْ عَنَانٍ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ وَقَعَ لِغَيْرِهِ فَإِنَّ الْمَضْمُونَ مَا تَجِبُ بِهِ الْمُطَالَبَةُ قِبَلَ الضَّامِنِ بِعَقْدِ الضَّمَانِ وَهُوَ غَيْرُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَأَمَّا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ إنْ تَوَجَّهَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ فَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ سَبَبٍ آخَرَ دُونَ عَقْدِ الضَّمَانِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الرَّدَّ وَالْقَبُولَ إنَّمَا يُعْتَبَرَانِ مِمَّنْ ضَمِنَهُ لَهُ دُونَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا لَوْ ضَمِنَ الرَّجُلُ فَمَاتَ فَوَرِثَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ صَارَ الضَّمَانُ لَهُ فِي الِانْتِهَاءِ لِأَنَّ الْأَصْلَ كَانَ لِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ بِاعْتِبَارِ سَبَبٍ آخَرَ وَهُوَ الْخِلَافَةُ عَنْ الْمُوَرَّثِ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَضْمَنُ لِأَحَدٍ شَيْئًا فَضَمِنَ إنْسَانٌ مَا أَدْرَكَهُ مِنْ دَرَكٍ فِي دَارٍ اشْتَرَاهَا أَوْ عَبْدٍ؛ حَنِثَ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَ لِلْمُشْتَرِي. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ يُسَمَّى فِي النَّاسِ ضَامِنًا مَنْ كَانَ ضَامِنًا لِلدَّرَكِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: إنْ لَمْ يُوَفِّك فُلَانٌ مَالَك إذَا حَلَّ أَوْ: إنْ مَاتَ فُلَانٌ قَبْلَ أَنْ يُوَفِّيَك؛ فَهُوَ عَلَيَّ أَوْ: فَأَنَا لَهُ ضَامِنٌ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا لَهُ وَيَكُونُ حَانِثًا فِي يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُطَالَبَةُ مُتَأَخِّرَةً عَنْهُ إلَى أَنْ يُوجَدَ مَا صَرَّحَ بِهِ وَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا فِي الْحَالِ فَكَذَلِكَ فِي الدَّرَكِ. وَلَوْ ضَمِنَ لِرَجُلٍ غَائِبٍ لَمْ يُخَاطِبْ عَنْهُ أَحَدٌ؛ لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَيَحْنَثُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى مَا سَبَقَ أَنَّ الْكَفَالَةَ لِلْغَائِبِ إذَا لَمْ يَقْبَلْ عَنْهُ أَحَدٌ بَاطِلَةٌ فِي قَوْلِهِمَا؛ فَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَالضَّمَانُ لَازِمٌ لِلْكَفِيلِ فَيَكُونُ حَانِثًا فِي يَمِينِهِ وَلَوْ خَاطَبَهُ عَنْهُ مُخَاطِبٌ؛ حَنِثَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ صَحِيحٌ فِي حَقِّ الضَّامِنِ وَإِنْ كَانَ لِلْمَضْمُونِ لَهُ الْخِيَارُ إذَا بَلَغَهُ بَيْنَ أَنْ يَرْضَى بِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ فَيَتِمَّ بِهِ شَرْطُ الْحِنْثِ فِي حَقِّهِ وَلَوْ ضَمِنَ لِصَبِيٍّ لِأَنَّ أَبَاهُ أَوْ وَصِيَّهُ لَوْ أَجَازَ ذَلِكَ؛ جَازَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ضَمِنَ الْغَائِبُ فَيَتِمُّ فِي حَقِّهِ إذَا خَاطَبَهُ بِهِ مُخَاطِبٌ. وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ يَحْلِفُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا فَضَمِنَ؛ فَهُوَ حَانِثٌ لِأَنَّ يَمِينَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ يَنْعَقِدُ لِكَوْنِهِ مُخَاطَبًا وَالِالْتِزَامُ بِالضَّمَانِ صَحِيحٌ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ إلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ لِحَقِّ مَوْلَاهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ

стр. 4136

ضَمِنَ الْغَائِبُ وَعَنْهُ مُخَاطِبٌ أَوْ ضَمِنَ لِإِنْسَانٍ بَعْدَ مَا حَلَفَ وَهُوَ مُفْلِسٌ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَكْفُلُ بِفُلَانٍ أَوْ لَا يَضْمَنُ فُلَانًا فَكَفَلَ عَنْهُ بِمَالٍ؛ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِفُلَانٍ إذَا أُطْلِقَتْ فَإِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهَا الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ. وَمُطْلَقُ اللَّفْظِ فِي الْيَمِينِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَتَفَاهَمُهُ النَّاسُ فِي مُخَاطَبَاتِهِمْ، فَإِنْ عَنَى الْمَالَ كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا عَنَى؛ لِأَنَّهُ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا الْجِنْسِ فِي كِتَابٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْكَفَالَةِ بِمَا لَا يَجُوزُ] (قَالَ ﵀): وَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِشَجَّةِ عَمْدٍ فِيهَا قِصَاصٌ وَلَا بِدَمِ عَمْدٍ فِيهِ قِصَاصٌ حَتَّى لَا يُؤَاخَذَ الْكَفِيلُ بِشَيْءٍ مِنْ الْقِصَاصِ وَلَا مِنْ الْأَرْشِ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ إنَّمَا تَصِحُّ بِمَضْمُونٍ تُجْرَى النِّيَابَةُ فِي إيفَائِهِ. وَالْقِصَاصُ عُقُوبَةٌ لَا تُجْرَى النِّيَابَةُ فِي إيفَائِهَا فَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُهَا بِالْكَفَالَةِ وَالْأَرْشُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَى الْأَصِيلِ بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مُوجِبٌ لِلْقِصَاصِ وَالْكَفِيلُ لَمْ يَكْفُلْ بِهِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ الْكَفَالَةُ بِحَدِّ الْقَذْفِ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ لَا تُجْرَى النِّيَابَةُ فِي إيفَائِهَا وَلِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهِ حَقُّ - اللَّهِ تَعَالَى - فَيَكُونُ عَلَى قِيَاسِ سَائِرِ الْحُدُودِ، وَكَذَلِكَ لَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَمَانَاتِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْأَصِيلِ وَلَا هُوَ مُطَالَبٌ بِإِيفَائِهَا مِنْ عِنْدَهُ. وَإِنَّمَا يَلْتَزِمُ الْكَفِيلُ الْمُطَالَبَةَ بِمَا هُوَ مَضْمُونُ الْإِيفَاءِ عَلَى الْأَصِيلِ. فَإِذَا اسْتَهْلَكَهَا بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ أَوْ خَالَفَ فِيهَا؛ لَمْ يَلْزَمْ الْكَفِيلُ ضَمَانَهَا؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْكَفَالَةِ لَمْ يَصِحَّ. وَالضَّمَانُ إنَّمَا لَزِمَ الْأَصِيلَ بِسَبَبٍ حَادِثٍ بَعْدَ الْكَفَالَةِ وَهُوَ مَا أَضَافَ الْكَفَالَةَ إلَى ذَلِكَ السَّبَبِ، وَكَذَلِكَ فِي الْقِصَاصِ لَوْ صَالَحَ الطَّالِبُ الْمَطْلُوبَ عَلَى مَالٍ لَمْ يَلْزَمْ الْكَفِيلَ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِعَقْدٍ بَعْدَ الْكَفَالَةِ وَالْكَفَالَةُ مَا أُضِيفَتْ إلَيْهِ وَكَمَا لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَكَذَلِكَ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ جَوَازَ الرَّهْنِ يَخْتَصُّ بِمَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ فَإِنَّ مُوجَبَهُ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ. وَكَذَلِكَ الْكَفَالَةُ بِالرَّهْنِ عَنْ الْمُرْتَهِنِ الرَّهْنُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الرَّهْنِ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَالْكَفَالَةُ بِتَسْلِيمِ الْأَمَانَةِ لَا تَصِحُّ كَالْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْمُضَارَبَةِ، وَكَذَلِكَ الْكَفَالَةُ لِلْمَوْلَى مَمْلُوكَةٌ وَهُوَ فِي بَيْتِ مَوْلَاهُ أَوْ قَدْ أَبَقَ عَنْهُ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ لِلْمَوْلَى عَلَى الْعَبْدِ فَإِنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ حَقًّا مَضْمُونًا وَهَذِهِ الْكَفَالَةُ دُونَ الْكَفَالَةِ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ لَلْمَوْلَى عَنْ مُكَاتَبِهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ فَهَذَا أَوْلَى. وَلَوْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى قَصَّارٍ لِيُقَصِّرَهُ وَضَمِنَهُ رَجُلٌ فَضَمَانُهُ بَاطِلٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَكَذَلِكَ مَنْ يُشْبِهُهُ

стр. 4137

مِنْ الصُّنَّاعِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ وَلِهَذَا لَوْ هَلَكَ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ؛ لَمْ يَضْمَنْ وَأَمَّا فِي قَوْلِ مَنْ يُضَمِّنُ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ مَا هَلَكَ عِنْدَهُ بِسَبَبٍ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - فَالْكَفِيلُ ضَامِنٌ لِأَنَّ الْعَيْنَ عِنْدَهُمَا مَضْمُونَةٌ فِي يَدِ الْقَابِضِ بِنَفْسِهَا وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ. وَلَوْ كَفَلَ بِعَبْدٍ رَجُلٌ إنْ هُوَ أَبَقَ مِنْ مَوْلَاهُ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مَا أَضَافَ الْكَفَالَةَ إلَى سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ فَالْإِبَاقُ لَيْسَ بِسَبَبٍ يُوجِبُ ضَمَانًا لِلْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَفَلَ بِدَابَّتِهِ إنْ انْفَلَتَتْ مِنْهُ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ إنْ تَلِفَ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ يَلْتَزِمُ مُطَالَبَةً هِيَ عَلَى الْأَصِيلِ وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ هُنَا. وَلَوْ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا وَدِيعَةً عَلَى أَنَّ هَذَا كَفِيلٌ بِهَا إنْ أَكَلَهَا أَوْ جَحَدَهَا؛ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى مَا شَرَطَ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْكَفَالَةَ إلَى سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِالشَّرْطِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْمُنْجَزِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنَا كَفِيلٌ بِمَا صَالَحْته عَلَيْهِ مِنْ مَالٍ مِنْ الْقِصَاصِ الَّذِي تَمْلِكُ عَلَيْهِ فِي نَفْسٍ أَوْ مِنْ مَالٍ لَك عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْكَفَالَةَ بِالْمَالِ إلَى سَبَبِ تَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ بِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إنْ قَتَلَك فُلَانٌ خَطَأً؛ فَأَنَا ضَامِنٌ لِدِيَتِك فَقَتَلَهُ فُلَانٌ خَطَأً؛ فَهُوَ ضَامِنٌ أَرْشَهُ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْكَفَالَةَ بِالْأَرْشِ إلَى سَبَبٍ مُوجِبٍ لَهُ وَهُوَ مِمَّا تُجْرَى النِّيَابَةُ فِي إيفَائِهِ وَلَوْ قَالَ: إنْ أَكَلَك سَبُعٌ أَوْ ذِئْبٌ فَأَنَا ضَامِنٌ لِدِيَتِك فَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ مَا أَضَافَ الضَّمَانَ إلَى سَبَبٍ مُوجِبٍ لَهُ وَلَوْ قَالَ: إنْ غَصَبَك إنْسَانٌ فَأَنَا ضَامِنٌ لَهُ فَغَصَبَهُ إنْسَانٌ شَيْئًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عَمَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَكْفُولَ عَنْهُ مَجْهُولٌ جَهَالَةً مُتَفَاحِشَةً وَذَلِكَ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْكَفَالَةِ مُضَافًا كَانَ أَوْ مُجَرَّدًا وَلَوْ خَصَّ إنْسَانًا أَوْ قَوْمًا لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَكْفُولَ عَنْهُ مَعْلُومٌ. وَلَوْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى قَصَّارٍ يُقَصِّرُهُ بِأُجْرَةٍ وَكَفَلَ بِهِ رَجُلٌ إنْ أَفْسَدَهُ كَانَ جَائِزًا لِأَنَّ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ ضَامِنٌ لِمَا جَنَتْ يَدُهُ فَقَدْ أَضَافَ الْكَفَالَةَ إلَى سَبَبٍ مُوجِبٍ الضَّمَانَ؛ فَصَحَّتْ الْكَفَالَةُ لِهَذَا. وَلَوْ ادَّعَى قِبَلَ رَجُلٍ قِصَاصًا فِي نَفْسٍ أَوْ دُونِهَا أَوْ حَدًّا فِي قَذْفٍ وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ وَقَالَ: بَيِّنَتِي حَاضِرَةٌ لَمْ يُجِبْهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ. فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ تَسْلِيمَ النَّفْسِ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْأَصِيلِ الطَّالِبِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ كَمَا فِي دَعْوَى الْمَالِ وَهَذَا لِأَنَّ تَسْلِيمَ النَّفْسِ تُجْرَى فِيهِ النِّيَابَةُ فَالْكَفِيلُ إنَّمَا يَلْتَزِمُ مَا يَقْدِرُ عَلَى إيفَائِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: تَسْلِيمُ النَّفْسِ هُنَا لِمَقْصُودٍ لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ وَهُوَ الْحَدُّ وَالْقِصَاصُ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى إعْطَاءِ الْكَفِيلِ بِالنَّفْسِ فِيهِمَا بِخِلَافِ الْمَالِ وَهَذَا لِأَنَّ الْعُقُوبَاتِ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ فَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ

стр. 4138

يَسْلُكَ فِيهَا طَرِيقَ الِاحْتِيَاطِ بِالْإِجْبَارِ عَلَى إعْطَاءِ الْكَفِيلِ بِالنَّفْسِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى الِاسْتِيثَاقِ وَهُوَ ضِدُّ مَوْضُوعِ الْعُقُوبَاتِ وَلَكِنَّ السَّبِيلَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: الْزَمْهُ مَا بَيْنَك وَبَيْنَ قِيَامِي فَإِنْ أَحْضَرَ الْبَيِّنَةَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ الْقَاضِي وَإِلَّا خَلَّى سَبِيلَهُ. وَلَوْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا لَا يَعْرِفْهُ الْقَاضِي فَإِنْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ أَوْ وَاحِدًا عَدْلًا يَعْرِفُهُ الْقَاضِي فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَحْبِسُهُ فِي السِّجْنِ حَتَّى يَسْأَلَ الشُّهُودَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُتَّهَمًا بِارْتِكَابِ الْحَرَامِ الْمُوجِبِ لِلْعُقُوبَةِ حِينَ تَمَّ أَحَدُ شَطْرَيْ الشَّهَادَةِ، وَالْحَبْسُ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ مِثْلِهِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الدَّاعِرَ يُحْبَسُ وَلَا يَكْفُلُ حَتَّى يَأْتِيَ بِشَاهِدٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ لِلِاسْتِيثَاقِ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَأَمَّا الْحَبْسُ لِلتَّعْزِيرِ فَهُوَ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ مُتَّهَمٌ بِارْتِكَابِ الْحَرَامِ وَعَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَحْبِسُهُ قَبْلَ تَمَامِ الْحُجَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَضَاءِ وَلَكِنَّهُ يَكْفُلُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا فِي دَعْوَى الْمَالِ. وَلَوْ ادَّعَى قِبَلَ رَجُلٍ مَالًا بِسَرِقَةٍ مِنْهُ وَقَالَ: بَيِّنَتِي حَاضِرَةٌ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ لَهُ مِنْهُ كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى مَالٌ وَالِاسْتِيثَاقُ بِالْكَفَالَةِ فِيهِ مَشْرُوعٌ فَإِنْ قَالَ: قَبَضْت مِنْهُ السَّرِقَةَ لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ كَفِيلٌ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ يَنْبَنِي عَلَى الْبُرْءِ وَالْإِسْقَاطِ فَلَا يَسْتَوْثِقُ بِأَخْذِ الْكَفِيلِ بِالنَّفْسِ فِيهِ وَكَذَلِكَ حَدُّ الزِّنَا فَإِنْ طَلَبَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْ الَّذِي شَهِدَ عَلَيْهِ بِالزِّنَا حَدَّ الْقَذْفِ فَقَالَ الشَّاهِدُ: عِنْدِي بِذَلِكَ أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ؛ أُجِّلَ فِيهِ إلَى قِيَامِ الْقَاضِي لِيَظْهَرَ عَجْزُهُ بِهَذَا الْإِمْهَالِ عَنْ إقَامَةِ أَرْبَعَةٍ مِنْ الشُّهَدَاءِ فَإِنْ لَمْ يُحْضِرْهُمْ؛ أَقَامَ عَلَيْهِ حَدَّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْحَدِّ قَدْ تَقَرَّرَ وَهُوَ الْقَذْفُ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ أَرْبَعَةٍ مِنْ الشُّهَدَاءِ وَلَمْ يَحِلَّ عَنْهُ وَلَا يَكْفُلْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى الِاسْتِيثَاقِ وَلَكِنَّ الطَّالِبَ يَلْزَمُهُ إلَى قِيَامِ الْقَاضِي مُرَاعَاةً لِحَقِّهِ حَتَّى لَا يَهْرُبَ. فَإِنْ قَالَ الشَّاهِدَانِ: الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَبْدٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ حُرِّيَّتِهِ بِطَرِيقِ الظَّاهِرِ وَبِمِثْلِهِ يُدْفَعُ الِاسْتِحْقَاقُ وَلَا يُسْتَحَقُّ الْحَدُّ، وَإِنْ طَلَبَ الْمَقْذُوفُ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ لَهُ مِنْهُ كَفِيلًا حَتَّى يُحْضِرَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ حُرٌّ لَمْ يُؤْخَذْ؛ لِأَنَّ هَذَا اسْتِيثَاقٌ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ وَلَكِنَّ الْقَاذِفَ يُحْبَسُ عَلَى وَجْهٍ لَهُ فَقَدْ اسْتَوْجَبَ ذَلِكَ بِإِشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ حُرًّا كَانَ الْمَقْذُوفُ أَوْ عَبْدًا وَيُؤَجَّلُ الْمَقْذُوفُ أَيَّامًا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَقَامَ رَجُلٌ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ بِالرِّقِّ فَزَعَمَ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً حَاضِرَةً عَلَى الْحُرِّيَّةِ وَكَمَا يُؤَجَّلُ هُنَاكَ أَيَّامًا لِيَتَمَكَّنَ مِنْ إثْبَاتِ حُرِّيَّتِهِ بِالْبَيِّنَةِ؛ فَكَذَلِكَ هُنَا، وَإِنْ أَقَامَ رَبُّ السَّرِقَةِ شَاهِدَيْنِ عَلَى السَّارِقِ وَعَلَى السَّرِقَةِ وَهِيَ بِعَيْنِهَا فِي يَدَيْهِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ كَفِيلٌ وَلَكِنَّهُ يُحْبَسُ وَتُوضَعُ السَّرِقَةُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ حَتَّى يُزَكِّيَ الشُّهُودُ؛ لِأَنَّ فِي الِاشْتِغَالِ بِأَخْذِ الْكَفِيلِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالْعَيْنِ الْمَسْرُوقَةِ اسْتِيثَاقًا لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ

стр. 4139

ذَلِكَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَلَكِنَّهُ يُحْبَسُ عَلَى وَجْهِ التَّعْزِيرِ وَتُوضَعُ السَّرِقَةُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ؛ لِأَنَّ السَّارِقَ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى الْعَيْنِ الْمَسْرُوقَةِ وَالْمُدَّعِي عَلَيْهِ الْمَالَ إذَا كَانَ يَخَافُ مِنْهُ أَنْ يُتْلِفَ الْمَالَ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَضَعَهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ حَتَّى يُزَكِّيَ الشُّهُودُ وَإِخْرَاجُ الْعَيْنِ فِيهِ نَوْعُ تَعْزِيرٍ لَهُ. وَإِذَا ادَّعَى عَبْدٌ عَلَى حُرٍّ قَذْفًا وَأَرَادَ أَنْ يَعْذِرَ لَهُ أَوْ ادَّعَى رَجُلٌ قِبَلَ رَجُلٍ مَسْأَلَةً فِيهَا تَعْزِيرٌ، وَقَالَ: بَيِّنَتِي حَاضِرَةٌ أَخَذَ لَهُ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدٍّ وَإِنَّمَا هُوَ تَعْزِيرٌ وَهُوَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ حَتَّى يَجُوزَ الْعَفْوُ عَنْهُ وَهُوَ مِمَّا لَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ الَّتِي هِيَ فِي مَعْنَى الْبَدَلِ بِمَنْزِلَةِ الْأَمْوَالِ. وَلَوْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ قَذَفَهَا وَالزَّوْجُ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ؛ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ كَفِيلٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ فِي قَذْفِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَدِّ فِي قَذْفِ الْأَجْنَبِيِّ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْخِلَافَ هُنَاكَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ ﵏ فَكَذَلِكَ هُنَا. وَلَوْ ادَّعَى الْوَلَدُ قِبَلَ الْوَالِدِ قَذْفًا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ كَفِيلٌ وَلَمْ يُتْرَكْ إنْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّ الِابْنَ لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى وَالِدِهِ شَيْئًا مِنْ نَوْعِ الْعُقُوبَةِ تَعْزِيرًا كَانَ أَوْ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا، وَكَذَلِكَ لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَيْهِ الْحَبْسَ فِي دَيْنٍ لَهُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَا يَسْتَوْجِبُ الْمُلَازَمَةَ فِي دَعْوَاهُ قِبَلَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَاهُ قِبَلَ وَالِدَتِهِ أَوْ جَدِّهِ أَوْ جَدَّتِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى عَبْدٌ أَنَّ مَوْلَاهُ قَذَفَ أُمَّهُ وَهِيَ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْمِلْكِ فِي إخْرَاجِ الْمَمْلُوكِ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِاسْتِيجَابِ الْعُقُوبَةِ عَلَى مَالِكِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوِلَادَةِ. وَلَوْ ادَّعَى حُرٌّ قِبَلَ عَبْدٍ قَذْفًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ أَوْ نَفْسِ مَوْلَاهُ وَخَافَ أَنْ لَا يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ مَوْلَاهُ لَمْ يُؤْخَذْ لَهُ الْكَفِيلُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَكِنَّهُ يُؤْمَرُ بِتَلَازُمِهِمَا إلَى أَنْ يَقُومَ الْقَاضِي فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ مَوْلَاهُ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ يُحْبَسُ لَهُ وَيُؤْخَذُ لَهُ مِنْ مَوْلَاهُ كَفِيلٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لَا يُحْبَسُ الْعَبْدُ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ لَهُ كَفِيلٌ بِنَفْسِ الْعَبْدِ خَاصَّةً دُونَ نَفْسِ الْمَوْلَى، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ يُؤْخَذُ لَهُ الْكَفِيلُ بِنَفْسِ الْعَبْدِ وَنَفْسِ مَوْلَاهُ وَاَلَّذِي قَالَ فِي الْكِتَابِ: إنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ ﵀ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إنَّمَا يُرِيدُ بِهِ أَخْذَ الْكَفِيلِ مِنْ الْمَوْلَى فَأَمَّا حَبْسُ الْعَبْدِ فَقَوْلُهُ كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا مَا بَيَّنَّا مِنْ أَخْذِ الْكَفِيلِ بِنَفْسِ الْمُدَّعِي قِبَلَهُ حَدَّ الْقَذْفِ، وَالْأُخْرَى: مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْآبِقِ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ بِالْبَيِّنَةِ لَا يُقَامُ عَلَى الْعَبْدِ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ مَوْلَاهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يُقَامُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ الْمَوْلَى. فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: لَا يَأْخُذُ الْكَفِيلَيْنِ بِنَفْسِ

стр. 4140

الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى حُضُورِهِ فِي إقَامَتِهِ الْحَدَّ وَيُؤْخَذُ الْكَفِيلُ بِنَفْسِ الْعَبْدِ وَلَا يُحْبَسُ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَلَا بَعْدَهَا قَبْلَ ظُهُورِ عَدَالَةِ الشُّهُودِ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ عِنْدَهُ فِي حُكْمِ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: يُؤْخَذُ الْكَفِيلُ بِنَفْسِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَضْرَةِ الْمَوْلَى لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْعَبْدِ عِنْدَهُ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي دَعْوَى حَدِّ الْقَذْفِ لَا يُجْبَرُ عَلَى إعْطَاءِ الْكَفِيلِ بِالنَّفْسِ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَلَكِنْ يُصَارُ فِيهِ إلَى الْمُلَازَمَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ حَضْرَةِ الْمَوْلَى عِنْدَهُ لِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَيَكُونُ لِلْمُدَّعِي أَنْ يُلَازِمَهُمَا وَبَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ يُحْبَسُ الْعَبْدُ تَعْزِيرًا كَمَا يُحْبَسُ الْحَرُّ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِالْقَذْفِ وَيُؤْخَذُ مِنْ مَوْلَاهُ كَفِيلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَضْرَةِ الْمَوْلَى لِإِقَامَةِ الْحَدِّ وَلَا سَبِيلَ إلَى حَبْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا ارْتَكَبَ حَرَامًا فَيُؤْخَذُ مِنْهُ كَفِيلٌ نَظَرًا لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي أَخْذِ الْكَفِيلِ مِنْ الْمَوْلَى هُنَا تَوَثُّقٌ بِحَدٍّ عَلَيْهِ إذْ لَا حَدَّ عَلَى الْمَوْلَى. وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ حَدًّا فِي قَذْفٍ فَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ أَوْ شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ لَمْ يَكْفُلْ وَلَمْ يُحْبَسْ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْحُجَّةِ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ. وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي سَرِقَةٍ أُخِذَ مِنْهُ كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَثْبُتُ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ فَإِنْ زَكَّوْا قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْمَالِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ جِرَاحَةٍ لَا قِصَاصَ فِيهَا لَا فِي دَعْوَى الْمَالِ، وَبِمِثْلِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ يَثْبُتُ الْمَالُ. فَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ دَمَ عَمْدٍ عَلَى ثَلَاثَةِ نَفَرٍ فَأَقَرَّ اثْنَانِ مِنْهُمْ بِذَلِكَ وَشَهِدَا عَلَى الثَّالِثِ أَنَّهُ قَتَلَ مَعَهُمَا عَمْدًا فَإِنَّهُمَا يُحْبَسَانِ فَإِقْرَارُهُمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِمُبَاشَرَةِ السَّبَبِ الْمُوجِبُ لِلْعُقُوبَةِ، وَلَا يُحْبَسُ الْآخَرُ بِشَهَادَتِهِمَا وَلَا يَكْفُلُ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا لَيْسَتْ بِمَقْبُولَةٍ عَلَى الثَّالِثِ فَإِنَّهُمَا فَاسِقَانِ وَلِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ بِفِعْلٍ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا وَلَا شَهَادَةَ لَهُمَا فِي مِثْلِهِ فَإِنَّمَا فِي حَقِّ الثَّالِثِ مُجَرَّدُ دَعْوَى الْمُدَّعِي وَبِهِ لَا يَثْبُتُ الْحَبْسُ وَلَا التَّكْفِيلُ. وَلَوْ كَانَ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ ثَلَاثَةً فَادَّعَى أَحَدُهُمْ عَلَى رَجُلٍ وَادَّعَى الْآخَرُ عَلَى الشَّرِيكِ قَتْلَ الْعَمْدِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي بَيِّنَةً حَاضِرَةً لَمْ يُحْبَسْ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفِيلٌ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى وَإِنَّمَا إنْهَاءُ الْمَالِ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَنْ بَيِّنَتُهُ عَلَيْهِ فِي دَعْوَى الْمَالِ يَكْفُلُ بِالنَّفْسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ قِبَلَ رَجُلٍ قَطْعَ يَدٍ عَمْدًا ثُمَّ أَبْرَأَهُ وَادَّعَاهُ عَلَى الْآخَرِ؛ لَمْ يَكْفُلْ الثَّانِي وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةٌ عَلَيْهِ لِوُجُودِ التَّنَاقُضِ مِنْهُ فِي الدَّعْوَى فَإِنْ أَقَرَّ الثَّانِي بِذَلِكَ قَضَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُنَاقِضٌ صَدَقَ خَصْمُهُ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الدَّعْوَى مِنْهُ عَلَى غَيْرِهِ يَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ مِنْهُ فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي حَقِّ الْقِصَاصِ

стр. 4141

دُونَ الْمَالِ وَهَذَا مُشْكِلٌ فَإِنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ لِمَعْنًى مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ وَهُوَ تَنَاقُضُهُ فِي الدَّعْوَى وَفِي مِثْلِهِ لَا يُقْضَى بِالدِّيَةِ كَمَا لَوْ قَالَ: قَتَلْت وَلِيَّك عَمْدًا فَقَالَ: لَا بَلْ قَتَلْته خَطَأً؛ لَا يُقْضَى بِالْمَالِ وَكُلُّ مَا لَا قِصَاصَ فِيهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخَطَأِ فِي حُكْمِ الْكَفَالَةِ حَتَّى إذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلَيْنِ قَطْعَ يَدٍ عَمْدًا أَخَذَ لَهُ مِنْهُمَا الْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ؛ لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ وَإِنَّمَا الدَّعْوَى فِيهِ دَعْوَى الْمَالِ. وَلَوْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ عَلَى قَتْلٍ خَطَأٍ؛ قُضِيَ لَهُ بِالدِّيَةِ وَلَا حَبْسَ عَلَى الْقَاتِلِ فِي ذَلِكَ وَلَا كَفَالَةَ؛ لِأَنَّ الْخَاطِئَ مَعْذُورٌ وَالْخَطَأُ مَوْضِعُ رَحْمَةٍ مِنْ الشَّرْعِ عَلَيْنَا فَالْخَاطِئُ لَا يَسْتَوْجِبُ التَّعْزِيرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ دَاعِرًا فَيُحْبَسُ لِلدِّعَارَةِ؛ لِأَنَّ فِي حَبْسِ الدَّاعِرِ تَسْكِينُ الْفِتْنَةِ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَطَعَ يَمِينَ رَجُلَيْنِ فَاجْتَمَعَا وَطَلَبَا كَفِيلًا بِنَفْسِهِ؛ لَا يُؤْخَذُ لَهُمَا مِنْهُ كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي الْقِصَاصَ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُضِيَ لَهُ بِالْقِصَاصِ وَإِذَا أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ قُضِيَ لَهُمَا بِالْقِصَاصِ حَتَّى إذَا بَادَرَ أَحَدُهُمَا وَاسْتَوْفَى كَانَ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ إلَّا أَنَّهُمَا إذَا اسْتَوْفَيَا الْقِصَاصَ يُقْضَى لَهُمَا حِينَئِذٍ بِأَرْشِ الْيَدِ وَقُضِيَ بِنِصْفِ طَرَفِهِ حَقًّا مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ دَعْوَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَعْوَى الْقِصَاصِ لَمْ يُؤْخَذْ الْكَفِيلُ بِنَفْسِهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ قِبَلَ رَجُلٍ قَطْعَ يَدٍ عَمْدًا وَيَدُ الْقَاطِعِ شَلَّاءُ فَقَالَ الْمُدَّعِي: أَنَا أَخْتَارُ الدِّيَةَ فَخُذْ لِي مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ، أَخَذَ لَهُ الْكَفِيلَ؛ لِأَنَّ بِاخْتِيَارِهِ يَتَعَيَّنُ حَقُّهُ فِي الْمَالِ وَفِي دَعْوَى الْمَالِ تُجْرَى الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ. وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ قِبَلَ رَجُلٍ شَتْمَةً فَاحِشَةً وَأَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ بِالشَّتْمَةِ لَمْ يُحْبَسْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ وَلِمَا بَيَّنَّا أَنَّ دَعْوَى التَّعْزِيرِ كَدَعْوَى الْمَالِ. وَفِي دَعْوَى الْمَالِ لَا يُحْبَسُ مَا لَمْ تَظْهَرْ عَدَالَةُ الشُّهُودِ ثُمَّ الْحَبْسُ نِهَايَةُ الْعُقُوبَةِ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى. (أَلَا تَرَى) أَنَّ بَعْدَ عَدَالَةِ الشُّهُودِ لَوْ رَأَى الْقَاضِي أَنْ يَحْبِسَهُ أَيَّامًا عُقُوبَةً وَلَا يُعَزِّرُ بِالسَّوْطِ؛ كَانَ لَهُ ذَلِكَ. فَلَمَّا كَانَ الْحَبْسُ لَهُ نِهَايَةَ الْعُقُوبَةِ هُنَا؛ لَا يُمْكِنُ إقَامَتُهَا قَبْلَ ظُهُورِ الْعَدَالَةِ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ وَالْحُدُودِ. وَأَشَارَ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ إلَى أَنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ ظُهُورِ عَدَالَةِ الشُّهُودِ يُحْبَسُ وَلَا يُؤْخَذُ الْكَفِيلُ وَلَكِنْ يَبْرَأُ الْكَفِيلُ إنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْهُ (تَأْوِيلُهُ): بَعْدَ ظُهُورِ الْعَدَالَةِ فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَشْتَغِلُ بِحَبْسِهِ عِنْدَهُمَا عَلَى مَا فَسَّرَهُ فِي دَعْوَى الْحَدِّ عَلَى الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الشَّتْمَةَ رَجُلًا لَهُ مُرُوءَةٌ وَخَطَرٌ؛ اسْتَحْسَنْت أَنْ لَا أَحْبِسَهُ وَلَا أُعَزِّرَهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَرَّةٍ؛ لِأَنَّ إحْضَارَهُ مَجْلِسَ الْقَاضِي فِيهِ نَوْعُ تَعْزِيرٍ فِي حَقِّهِ فَيَكْتَفِي بِهِ فِي أَوَّلِ مَرَّةً وَيُؤْخَذُ بِمَا رَوَاهُ

стр. 4142

الْحَسَنُ ﵀ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَجَافَوْا عَنْ ذَوِي الْمُرُوءَةِ إلَّا فِي الْحَدِّ.» وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ قِبَلَ رَجُلٍ شَيْئًا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ عُقُوبَةٌ فَأَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَهَرَبَ الْمَكْفُولُ بِهِ وَقَدَّمَ الطَّالِبُ الْكَفِيلَ إلَى الْقَاضِي؛ فَإِنَّهُ يَحْبِسُهُ حَتَّى يَجِيءَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ تَسْلِيمَ نَفْسِهِ فَيُحْبَسُ لِإِيفَاءِ مَا الْتَزَمَهُ. وَلَوْ ادَّعَى قِبَلَ رَجُلٍ أَنَّهُ ضَرَبَهُ وَخَنَقَهُ وَشَتَمَهُ وَأَنَّ لَهُ بَيِّنَةً حَاضِرَةً؛ أَخَذَ لَهُ مِنْهُ كَفِيلًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ أَقَامَ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدَيْنِ أَوْ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ شَاهِدَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ عُزِّرَ بِهِ؛ لِأَنَّ التَّعْزِيرَ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْحُدُودِ أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ سَوْطًا إذَا كَانَ فِي أَمْرٍ مُتَفَاحِشٍ، وَتَعْزِيرُ الْعَبْدِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ سَوْطًا عِنْدَهُ ذَكَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ هُنَا؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ حَدٌّ فِي حَقِّ الْعَبْدِ. وَقَدْ قَالَ ﷺ «مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنْ الْمُعْتَدِينَ» وَلَوْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ قِبَلَ زَوْجِهَا أَنَّهُ ضَرَبَهَا ضَرْبًا فَاحِشًا وَادَّعَتْ بَيِّنَةً حَاضِرَةً أَوْ ادَّعَى رَجُلٌ ذَلِكَ قِبَلَ وَلَدِهِ الْكَبِيرِ أَوْ قِبَلَ أَخِيهِ؛ يُؤْخَذُ مِنْهُ كَفِيلٌ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ يَدَّعِي الشَّتْمَةَ قِبَلَ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ، أَوْ الْعَبْدُ يَدَّعِيهَا قِبَلَ الْحَرِّ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى فِي هَذَا كُلِّهِ دَعْوَى التَّعْزِيرِ. وَالْكَفَالَةُ فِيهِ مَشْرُوعَةٌ. وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا فَكَفَلَ ابْنَهُ أَجْنَبِيٌّ لِلْغَرِيمِ بِمَا لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ؛ لَمْ تَجُزْ الْكَفَالَةُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَهِيَ جَائِزَةٌ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ ﵏ وَإِذَا كَانَ الْمَيِّتُ تَرَكَ وَفَاءً؛ جَازَتْ الْكَفَالَةُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا، وَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا لَيْسَ فِيهِ وَفَاءٌ فَإِنَّهُ يُلْزِمُ الْكَفِيلَ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ فِي قَوْلِهِ وَفِي قَوْلِهِمَا يَلْزَمُهُ جَمِيعُ مَا كَفَلَ بِهِ وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِجِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقَالَ ﷺ : هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنٌ فَقَالُوا: نَعَمْ، دِرْهَمَانِ أَوْ دِينَارَانِ فَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ. فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ ذَلِكَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » فَلَوْ لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ عَنْ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ؛ لَمَا صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الْكَفَالَةِ. وَعَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ «عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَمُوتَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ فَلْيَفْعَلْ فَإِنِّي شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أُتِيَ بِجِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ ﷺ : هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنٌ فَقَالُوا نَعَمْ فَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ: وَمَا يَنْفَعُكُمْ صَلَاتِي عَلَيْهِ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ مُرْتَهِنٌ بِدَيْنِهِ ثُمَّ قَالَ ﷺ -

стр. 4143

فَمَنْ ضَمِنَهُ قُمْت فَصَلَّيْت عَلَيْهِ» فَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى تَصْحِيحِ الضَّمَانِ عَنْ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ كَفَلَ بِدَيْنٍ وَاجِبٍ فَيَصِحُّ كَمَا فِي حَالِ حَيَاةِ الْمَدْيُونِ وَهَذَا لِأَنَّ الدَّيْنَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِإِيفَاءٍ أَوْ إبْرَاءٍ أَوْ انْفِسَاخِ سَبَبِ الْوُجُوبِ. وَبِالْمَوْتِ لَا يَتَحَقَّقُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِهِ فِي الْآخِرَةِ مَطْلُوبٌ بِهِ وَلَوْ تَبَرَّعَ إنْسَانٌ بِقَضَائِهِ جَازَ التَّبَرُّعُ إلَّا أَنَّهُ تَعَذَّرَتْ مُطَالَبَتُهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا بِمَوْتِهِ وَبِهَذَا لَا يَخْرُجُ الْحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا فِي نَفْسِهِ كَمَا لَوْ أَفْلَسَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَكَالْعَبْدِ إذَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِدَيْنٍ ثُمَّ كَفَلَ عَنْهُ كَفِيلٌ بِهِ صَحَّ، وَإِنْ كَانَ هُوَ لَا يُطَالِبُهُ فِي حَالِ رِقِّهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ مَطْلُوبٌ فِي نَفْسِهِ وَهَذَا لِأَنَّ ذِمَّتَهُ بَاقِيَةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ حُكْمًا؛ لِأَنَّهَا كَرَامَةٌ اُخْتُصَّ بِهَا الْآدَمِيُّ وَبِمَوْتِهِ لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحْتَرَمًا مُسْتَحِقًّا لِكَرَامَاتِ بَنِي آدَمَ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ مَاتَ مَلِيًّا بَقِيَ الدَّيْنُ بِبَقَاءِ ذِمَّتِهِ حُكْمًا لَا لِلِانْتِقَالِ إلَى الْمَالِ وَلَيْسَ بِمَحَلٍّ لِوُجُوبِ الدَّيْنِ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ مَحَلُّ الْقَضَاءِ الْوَاجِبِ مِنْهُ. وَلَوْ كَانَ بِالدَّيْنِ رَهْنٌ بَقِيَ الرَّهْنُ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ كَانَ مَاتَ عَنْ إفْلَاسٍ بِأَنْ كَانَ الرَّهْنُ مُسْتَعَارًا مِنْ إنْسَانٍ، وَبَقَاءُ الرَّهْنِ لَا يَكُونُ إلَّا بِاعْتِبَارِ بَقَاءِ الدَّيْنِ. وَلَوْ قُتِلَ عَمْدًا وَهُوَ مُفْلِسٌ فَكَفَلَ بِهِ كَفِيلٌ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ صَحَّ وَالْقِصَاصُ الْوَاجِبُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الذِّمَّةُ بَاقِيَةً حُكْمًا؛ لَمَا صَحَّتْ الْكَفَالَةُ هُنَا وَهَذَا بِخِلَافِ دَيْنِ الْكِتَابَةِ فَالْحَقُّ هُنَاكَ غَيْرُ مَطْلُوبٍ، وَكَذَلِكَ الدُّيُونُ الْوَاجِبَةُ لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهَا غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ فِي الْحُكْمِ فِي الدُّنْيَا وَالْكَفَالَةُ تَكُونُ بِالْحَقِّ فَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْحَقِّ مَطْلُوبًا فِي نَفْسِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُنَاكَ الْحَقُّ مَطْلُوبٌ فِي نَفْسِهِ وَبِمَوْتِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْحُكْمُ فَبَقِيَ مَطْلُوبًا. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْحَقَّ قَدْ تَوَى وَإِنَّمَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالْقَائِمِ مَثَلًا مِنْ الدَّيْنِ دُونَ التَّاوِي. وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ قِيَامُ الْحَقِّ بِدُونِ مَحَلِّهِ، وَمَحَلُّ الدَّيْنِ الذِّمَّةُ. وَقَدْ خَرَجَتْ ذِمَّتُهُ بِمَوْتِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا صَالِحًا لِوُجُوبِ الْحَقِّ فِيهَا فَإِنَّ الذِّمَّةَ عِبَارَةٌ عَنْ الْعُهْدَةِ. وَمِنْهُ يُقَالُ: أَهْلُ الذِّمَّةِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ مِنْ الْمِيثَاقِ الْمَأْخُوذِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه. قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّك مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الْآيَةَ وَتَمَامُهُ بِالْإِلْزَامِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكُلَّ إنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْحَيَاةِ قَبْلَهُ. فَأَمَّا بِالْمَوْتِ فَخَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِالْتِزَامِ شَيْءٍ مِنْ الْحُقُوقِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ ذِمَّةٌ صَالِحَةٌ تَكُونُ مَحَلًّا لِلْحَقِّ وَلَكِنَّهُ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ مُعَدٌّ لِلْحَيَاةِ فَتَبْقَى الذِّمَّةُ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَلِهَذَا كَانَ مُؤَاخَذًا بِهِ وَهُوَ مُعَدٌّ لِلْحَيَاةِ فِي الدُّنْيَا عَادَةً فَلَا تَبْقَى الذِّمَّةُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَبِاعْتِبَارِ الْمُطَالَبَةِ

стр. 4144

فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الْكَفَالَةِ كَمَا فِي دُيُونِ اللَّهِ - جَلَّتْ قُدْرَتُهُ -. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الذِّمَّةَ لَمْ تَبْقَ مَحَلًّا لِوُجُوبِ الْحَقِّ فِيهَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَكَمَا يُشْتَرَطُ الْمَحَلُّ لِابْتِدَاءِ الِالْتِزَامِ فَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ الْمَحَلُّ لِبَقَاءِ الْحَقِّ وَلَمْ يَبْقَ الْمَحَلُّ؛ فَلَا يَبْقَى فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا أَيْضًا. وَالْكَفِيلُ إنَّمَا يَلْتَزِمُ الْمُطَالَبَةَ بِمَا عَلَى الْأَصِيلِ وَلَا يَلْتَزِمُ أَصْلَ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ وَلَمْ يَبْقَ فِي ذِمَّةِ الْأَصِيلِ شَيْءٌ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ وَهَذَا الدَّيْنُ فِي حُكْمِ الْمُطَالَبَةِ دُونَ دَيْنِ الْكِتَابَةِ فَالْمُكَاتَبُ يُطَالَبُ بِالْمَالِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُحْبَسُ فِيهِ ثُمَّ هُنَاكَ الْكَفَالَةُ بِهِ لَا تَصِحُّ فَهُنَا أَوْلَى بِخِلَافِ الْمُفْلِسِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَإِنَّ ذِمَّتَهُ مَحَلٌّ صَالِحٌ لِوُجُوبِ الْحَقِّ فِيهَا ابْتِدَاءً فَبَقِيَ الْوَاجِبُ وَبِخِلَافِ الْعَبْدِ أَيْضًا فَإِنَّ لَهُ ذِمَّةً صَالِحَةً لِوُجُوبِ الْحَقِّ فِيهَا، وَإِنْ ضَعُفَتْ ذِمَّتُهُ بِسَبَبِ الرِّقِّ وَبِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ مَلِيًّا فَالْمَالُ هُنَاكَ خَلَفٌ عَنْ الذِّمَّةِ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الْمُطَالَبَةُ وَالِاسْتِيفَاءُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ يَكُونُ مِنْ الْمَالِ بِجَعْلِ الْأَصْلِ قَائِمًا حُكْمًا وَهُنَا لَمْ يَبْقَ خَلَفٌ بَعْدَ مَوْتِهِ مُفْلِسًا، وَتَوَهَّمْ أَنْ يَتَبَرَّعَ إنْسَانٌ بِمَالِهِ فَيُقْضَى عَنْهُ الدَّيْنُ لَا يُجْعَلُ مَالُ الْغَيْرِ خَلَفًا عَنْ ذِمَّتِهِ قَبْلَ جَعْلِ صَاحِبِهِ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بِالدَّيْنِ كَفِيلٌ؛ لِأَنَّ ذِمَّةَ الْكَفِيلِ هُنَا خَلَفٌ عَنْ ذِمَّتِهِ وَبَعْدَ صِحَّةِ الْكَفَالَةِ قَدْ يَتَحَوَّلُ الدَّيْنُ إلَى ذِمَّةِ الْكَفِيلِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَهُوَ عِنْدَ أَدَاءِ الْكَفِيلِ أَوْ الْهِبَةِ. وَقَدْ تَحَقَّقَتْ الضَّرُورَةُ هُنَا فَلِهَذَا بَقِيَ الْكَفِيلُ فِي الْكَفَالَةِ وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ خَلَفٌ عَنْ الذِّمَّةِ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْهُ بِقَدْرِ اسْتِيفَائِهِ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ وَإِذَا قُتِلَ عَمْدًا فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ﵏: لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ يَقُولُ: الْقِصَاصُ الْوَاجِبُ بِفَرْضِ أَنْ يَصِيرَ مَالًا بِعَفْوِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ أَوْ تَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فَتَوَهُّمُ تَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ فِي الدُّنْيَا بِقَضَاءِ ذَلِكَ الدَّيْنِ يَجْعَلُ الذِّمَّةَ بَاقِيَةً حُكْمًا فَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ لِهَذَا الْمَعْنَى وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِي الْبَابِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ أَوْ عَلِيٍّ ﵄ إقْرَارًا بِكَفَالَةٍ سَابِقَةٍ. فَإِنَّ لَفْظَ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْشَاءِ فِي الْكَفَالَةِ سَوَاءٌ وَالْعُمُومُ بِحِكَايَةِ الْحَالِ لَا يَثْبُتُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَعْدًا مِنْهُمَا لَا كَفَالَةً وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْتَنِعُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ لِيَظْهَرَ طَرِيقٌ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ فَلَمَّا ظَهَرَ الطَّرِيقُ لِوَعْدِهِمَا؛ صَلَّى عَلَيْهِ لِهَذَا. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِعَلِيٍّ ﵁ بَعْدَ ذَلِكَ: مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ حَتَّى قَالَ يَوْمًا: قَضَيْتهمَا فَقَالَ ﷺ الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدَتُهُ وَلَمْ يَجْبُرْهُ عَلَى الْأَدَاءِ وَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ كَانَ وَعْدًا لَا كَفَالَةً. وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ شَاذٌّ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَفَ أَنَّ لِذَلِكَ الرَّجُلِ مَالًا وَلَكِنَّهُ مَا كَانَ ظَاهِرًا عِنْدَ النَّاسِ فَلِهَذَا نَدَبَهُمْ إلَى الضَّمَانِ عَنْهُ لِيُصَلِّيَ

стр. 4145

عَلَيْهِ ثُمَّ هَذَا حُكْمٌ مَنْسُوخٌ؛ لِإِجْمَاعِنَا عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَدْيُونِ الْمُفْلِسِ وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْمَنْسُوخِ لَا يَقْوَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ كِتَابِ الْقَاضِي فِي الْكَفَالَةِ] (قَالَ ﵀): وَإِذَا كَتَبَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي كَفَالَةٍ بِنَفْسِ رَجُلٍ كَفَلَ بِهِ بِأَمْرِهِ فَأَرَادَ أَنْ يُقْبِلَ مَعَهُ حَتَّى يُوَافِيَهُ بِهِ فَأَقَامَ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي شَاهِدَيْ عَدْلٍ وَكَتَبَ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عِنْدَهُ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَنَّهُ كَفَلَ بِنَفْسِهِ بِأَمْرِهِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ حَتَّى يُوفِيَ مَكَانَهُ وَيُخَلِّصَهُ مِمَّا أَدْخَلَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ تَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ فَيَثْبُتُ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي. ثُمَّ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ عِنْدَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ وَلَوْ أَقَرَّ الْخَصْمُ بِذَلِكَ فِي الذِّمَّةِ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَهُ فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ حِينَ أَمَرَ أَنْ يَكْفُلَ بِنَفْسِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخَلِّصَهُ هَهُنَا كَمَا لَوْ أَمَرَ بِالْكَفَالَةِ بِالْمَالِ كَانَ عَلَيْهِ تَخْلِيصُهُ مِمَّا يَلْزَمُهُ بِهِ، فَإِنْ كَفَلَ بِالْبَصْرَةِ وَجَاءَ بِالْكِتَابِ مِنْ قَاضِي الْبَصْرَةِ إلَى قَاضِي الْكُوفَةِ بِذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ أَنْ يُوَافِيَهُ حَتَّى يُبْرِئَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي الْتَزَمَ التَّسْلِيمَ فِيهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِمُوَافَاةِ الْآمِرِ مَعَهُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ كَفَلَ بِهِ بِالْكُوفَةِ عَلَى أَنْ يُوَافِيَ بِهِ بِالْبَصْرَةِ فَأَخَذَ الطَّالِبُ بِالْكُوفَةِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُهُ الْقَاضِي أَنْ يُوَافِيَ مَعَهُ بِالْبَصْرَةِ حَتَّى يُبْرِئَهُ لِمَا قُلْنَا. وَلَوْ كَفَلَ بِنَفْسِهِ بِالْكُوفَةِ عَلَى أَنْ يَدْفَعَهُ بِالْكُوفَةِ وَأَخَذَهُ الطَّالِبُ بِالْبَصْرَةِ فَطَلَبَ كِتَابَ قَاضِي الْبَصْرَةِ إلَى قَاضِي الْكُوفَةِ بِذَلِكَ لِيَأْمُرَهُ بِأَنْ يُوَافِيَ مَعَهُ الْبَصْرَةَ لَمْ يُجِبْهُ إلَى ذَلِكَ وَلَوْ كَتَبَ لَهُ يُجْبِرُ قَاضِي الْكُوفَةِ الْمَكْفُولَ بِهِ عَلَى الذَّهَابِ مَعَهُ إلَى الْبَصْرَةِ؛ لِأَنَّ مُطَالَبَةَ الطَّالِبِ بِالْبَصْرَةِ لَا تُلْزِمُ الْكَفِيلَ شَيْئًا فَإِنَّهُ مَا الْتَزَمَ تَسْلِيمَهُ إلَيْهِ بِالْبَصْرَةِ. وَلَوْ طَلَب الْكَفِيلُ كِتَابَ قَاضِي الْبَصْرَةِ بِبَيِّنَةٍ بِالْكَفَالَةِ بِأَمْرِهِ فَإِنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ بِذَلِكَ حَتَّى إذَا قَدِمَ الْكُوفَةَ وَطَالَبَ الطَّالِبُ بِالتَّسْلِيمِ فَامْتَنَعَ الْأَصِيلُ وَجَحَدَ الْآمِرُ بِالْكَفَالَةِ كَانَ كِتَابُ قَاضِي الْبَصْرَةِ حُجَّةً لَهُ عَلَيْهِ. وَلَوْ كَتَبَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي كِتَابًا فِي كَفَالَةٍ بِنَفْسِ رَجُلٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي كَفَالَتِهِ أَنَّهُ كَفَلَ بِأَمْرِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ لَهُ بِذَلِكَ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَفَلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ كَفَلَ عَنْهُ بِمَالٍ بِغَيْرِ أَمْرِهِ؛ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَكَذَلِكَ إذَا كَفَلَ بِنَفْسِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ. وَإِذَا كَانَ الْكُفَلَاءُ بِالْمَالِ ثَلَاثَةً، وَبَعْضُهُمْ كُفَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ فَأَدَّى الْمَالَ أَحَدُهُمْ وَالْكَفِيلَانِ الْآخَرَانِ فِي بَلَدَيْنِ

стр. 4146

وَصَاحِبُ الْأَصْلِ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ بِهِ؛ فَإِنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ بِثَلَاثَةِ كُتُبٍ إلَى كُلِّ بَلَدٍ بِصِفَةِ الْكَفَالَةِ وَحَالِهَا وَأَدَاءِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فَرُبَّمَا يَقْصِدُ أَخْذَ الثَّلَاثَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا يَكُونُ حُجَّةً لَهُ عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّهُ يَكْتُبُ إلَى كُلِّ قَاضٍ بِمَا كَتَبَ بِهِ إلَى الْقَاضِي الْآخَرِ عَلَى سَبِيلِ النَّظَرِ فِيهِ لِلْخُصُومِ لِكَيْ لَا يَلْتَبِسَ الْمُدَّعِي وَيَأْخُذَ مَالًا عَلَى حِدَةِ كُلِّ كِتَابٍ عَنْ كُلِّ خَصْمٍ وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُسَمِّيَ فِي كِتَابَةِ الشُّهُودِ آبَاءَهُمْ وَقَبَائِلهمْ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكتاب لِنَقْلِ الشَّهَادَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ إعْلَامِ الشَّاهِدِ فِيهِ، وَإِعْلَامُهُ بِذِكْرِ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَقَبِيلَتِهِ فَإِنْ أَخَذَ أَحَدُ الْكُفَلَاءِ؛ فَقَالَ: قَدْ أَخَذْت مِنْ الْكَفِيلِ مَعِي نِصْفَ الْمَالِ أَوْ مِنْ الْأَصِيلِ الْمَالَ؛ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّ الْأَصِيلَ لَوْ ادَّعَى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَهُ بِالْبَيِّنَةِ فَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَى ذَلِكَ الْكَفِيلُ وَهَذَا لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلرُّجُوعِ لَهُ بِنِصْفِ الْمَالِ عَلَى الَّذِي أَخَذَهُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ يَدَّعِي مَانِعًا أَوْ مُسْقِطًا فَعَلَيْهِ إثْبَاتُهُ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ حَلَفَ الَّذِي ادَّعَى الْمَالَ وَأَخَذَ مِنْهُ نِصْفَهُ، وَإِذَا أَدَّى الْكَفِيلُ الْمَالَ وَأَخَذَ بِهِ كِتَابَ قَاضٍ إلَى قَاضٍ فَلَمْ يَجِدْ صَاحِبَهُ هُنَاكَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ الَّذِي أَتَاهُ بِالْكِتَابِ يَكْتُبُ لَهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ بِمَا أَتَاهُ مِنْ قَاضِي كَذَا؛ لِأَنَّ عَلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ وَيَقْبِضَهُ عَلَى مَا يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى حَقِّهِ كَمَا هُوَ عَلَى الْكِتَابِ وَلِأَنَّ شُهُودَهُ قَدْ ثَبَتَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ بِالْكِتَابِ فَهُوَ كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِأَدَائِهِمْ الشَّهَادَةَ فِي مَجْلِسِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ إلَى قَاضِي الْبَلْدَةِ الَّتِي فِيهَا خَصْمُهُ وَإِنْ رَجَعَ الْقَاضِي الَّذِي كَتَبَ لَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَقَالَ: اُكْتُبْ لِي كِتَابًا آخَرَ فَإِنِّي لَمْ أَجِدْ خَصْمِي فِي الْبَلَدِ الَّذِي كُتِبَ إلَى قَاضِيهِ؛ لَمْ يَكْتُبْ لَهُ حَتَّى يَرُدَّ إلَيْهِ كِتَابَهُ الْأَوَّلَ نَظَرًا مِنْهُ لِخَصْمِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَقْصِدَ الْمُدَّعِي التَّلْبِيسَ لِيَأْخُذَ مَالًا بِكُلِّ كِتَابٍ وَإِنَّمَا حَقُّهُ فِي مَالٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَتَبَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِ كِتَابَهُ فَقَدْ أَسَاءَ فِي تَرْكِ النَّظَرِ لِأَيِّ الْخَصْمَيْنِ وَمَيْلِهِ إلَى أَحَدِهِمَا وَتَمْكِينِهِ مِنْ التَّلْبِيسِ وَلْيُبَيِّنْ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ قَدْ كَتَبَ لَهُ فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ إلَى قَاضِي كَذَا وَكَذَا فَبِهَذَا يَنْدَفِعُ بَعْضُ التَّلْبِيسِ وَيَحْصُلُ لِلْقَاضِي الْكَاتِبِ التَّحَرُّزُ عَنْ التَّمْكِينِ مِنْ الظُّلْمِ. وَإِذَا كَتَبَ لِلْقَاضِي بِمَالٍ أَدَّاهُ كَفِيلٌ عَنْ كَفِيلٍ؛ فَهُوَ جَائِزٌ وَيُؤْخَذُ بِهِ الْكَفِيلُ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي إذَا كَانَ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ وَلَا يُؤْخَذُ بِهِ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْكَفَالَةِ عَنْهُ وَإِنَّمَا أَمَرَهُ الْكَفِيلُ الْأَوَّلُ، وَالتَّخْلِيصُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ أَوْقَعَهُ بِأَمْرِهِ إيَّاهُ بِالْكَفَالَةِ فِي الْوَرْطَةِ فَإِنْ كَانَ الْأَصِيلُ هُوَ الَّذِي أَمَرَ الثَّانِيَ أَنْ يُضَمِّنَ مَنْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِشَيْءٍ، وَأَصْلُ الْمَالِ عَلَى الْأَصِيلِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِأَنْ يَكْفُلَ بِذَلِكَ الْمَالِ عَنْهُ وَبَيْنَ أَنْ يَأْمُرَهُ أَنْ يَكْفُلَ بِذَلِكَ الْمَالِ عَنْهُ وَبَيْنَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِأَنْ يَكْفُلَ بِهِ عَنْ كَفِيلِهِ وَإِذَا

стр. 4147

ادَّعَى الْكَفِيلُ الْمَال وَكَتَبَ لَهُ الْقَاضِي بِذَلِكَ وَلَمْ يَكْتُب فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ كَفَلَ بِأَمْرِهِ فَإِنَّ الَّذِي أَتَاهُ الْكِتَابُ لَا يَرُدُّ الْكَفِيلُ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّ الْأَصِيلَ لَوْ أَقَرَّ بِكَفَالَتِهِ عَنْهُ وَجَحَدَ أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فَكَذَلِكَ إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، وَإِنْ جَاءَ الْكَفِيلُ بِكِتَابٍ مِنْ قَاضٍ آخَرَ أَنَّهُ كَفَلَ عَنْهُ بِأَمْرِهِ فَهُوَ مُسْتَقِيمٌ وَيُؤْخَذُ لَهُ بِالْمَالِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَقَرَّ الْخَصْمُ بِذَلِكَ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ [بَابُ الشَّهَادَةِ وَالْيَمِينِ فِي الْحَوَالَةِ وَالْكَفَالَةِ] (قَالَ ﵀) وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ كَفَالَةً بِنَفْسِ رَجُلٍ وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ فَاخْتَلَفَا فِي الْوَقْتِ أَوْ فِي الْبَلَدِ الَّذِي وَقَعَتْ الْكَفَالَةُ فِيهِ أَوْ فِي الْأَجَلِ بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: إلَى شَهْرٍ، وَقَالَ الْآخَرُ: إلَى شَهْرَيْنِ، أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: حَالٌّ وَقَالَ الْآخَرُ: إلَى شَهْرٍ؛ فَالْكَفَالَةُ لَازِمَةٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ يُعَادُ وَيُكَرَّرُ فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَشْهُودُ بِهِ وَهُوَ أَصْلُ الْكَفَالَةِ بِاخْتِلَافِهِمَا فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَلَوْ شَهِدَا أَنَّ هَذَا كَفَلَ لِهَذَا بِنَفْسِ رَجُلٍ لَا نَعْرِفُهُ وَلَكِنْ نَعْرِفُ وَجْهَهُ إنْ جَاءَ بِهِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى قَوْلِ الْكَفِيلِ وَيُجْعَلُ مَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِ بِشَهَادَتِهِمَا كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِهِ فَيَقْضِي الْقَاضِي بِهِ وَيَأْمُرُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ عَلَى مَعْرِفَتِهِمَا وَلَوْ قَالَا لَا: نَعْرِفُ وَجْهَهُ أَيْضًا فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِالْكَفَالَةِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ لِهَذَا ثُمَّ يُقَالُ لَهُ أَيَّ رَجُلٍ أَتَيْت بِهِ، وَقُلْت: هُوَ هَذَا وَحَلَفْت عَلَيْهِ؛ فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ الْكَفَالَةِ وَهَذَا لِأَنَّ جَهَالَةَ الْمُقَرِّ بِهِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ فَالْقَوْلُ فِي بَيَانِهِ قَوْلُ الْمُقِرِّ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَ مِنْ فُلَانٍ شَيْئًا أَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى إقْرَارِهِ بِذَلِكَ وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: كَفَلَ بِنَفْسِ فُلَانٍ، وَقَالَ الْآخَرُ: كَفَلَ بِنَفْسِ فُلَانٍ الْآخَرِ لَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْمَشْهُودِ بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ فِيهِ وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ كَفَالَةً بِنَفْسِ رَجُلَيْنِ فَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ فَأَثْبَتَا كَفَالَةَ أَحَدِهِمَا وَاخْتَلَفَا فِي الْآخَرِ فَأَثْبَتَهُ أَحَدُهُمَا وَشَكَّ الْآخَرُ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِالْكَفَالَةِ الَّتِي اجْتَمَعَا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ فِيهَا قَدْ تَمَّتْ وَفِي الْآخَرِ لَمْ تَتِمَّ الْحُجَّةُ حِينَ شَكَّ فِيهِ أَحَدُهُمَا وَالْكَفَالَةُ بِأَحَدِهِمَا تَنْفَصِلُ عَنْ الْكَفَالَةِ بِالْآخَرِ وَلَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ كَفَلَ لِأَبِيهِمَا وَلِرَجُلٍ بِنَفْسِ فُلَانٍ كَانَتْ شَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةً؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَقَدْ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا فِي حَقِّ أَبِيهِمَا فَتَبْطُلُ فِي حَقِّ الْآخَرِ أَيْضًا؛ إذْ الْمَشْهُودُ بِهِ لَفْظٌ وَاحِدٌ وَلَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ كَفَلَ لِفُلَانٍ بِنَفْسِ فُلَانٍ فَإِنْ لَمْ يُوَافِ بِهِ غَدًا فَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِ وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ

стр. 4148

فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ أَوْ إقْرَارِ الْخَصْمِ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْوَقْتِ أَوْ الْمَكَانِ أَوْ الْأَجَلِ فَشَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ إذَا ادَّعَى الطَّالِبُ أَقْرَبَ الْأَجَلَيْنِ فَإِنْ ادَّعَى أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَكْذَبَ الَّذِي شَهِدَ بِإِقْرَارِهِمَا حِينَ ادَّعَى الْأَبْعَدَ، وَإِنَّمَا أَكْذَبَهُ فِيمَا شَهِدَ لَهُ بِهِ وَإِكْذَابُ الْمُدَّعِي شَاهِدَهُ فِيمَا شَهِدَ لَهُ يُبْطِلُ شَهَادَتَهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ إنَّمَا أَكْذَبَ الشَّاهِدَ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ فِيمَا شَهِدَ عَلَيْهِ بِهِ وَذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ادَّعَى أَلْفًا وَشَهِدَ لَهُ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ؛ لَا تُقْبَلُ، وَلَوْ ادَّعَى أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَشَهِدَ لَهُ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى مِقْدَارِ الْأَلْفِ لِهَذَا الْمَعْنَى وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْمَالِ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِدَرَاهِمَ وَالْآخَرُ بِدَنَانِيرَ؛ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إذَا ادَّعَى الطَّالِبُ النِّصْفَيْنِ وَقَالَ: لَمْ يَشْهَدْ لِي بِالنِّصْفِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ أَكْذَبَ أَحَدَهُمَا فِيمَا شَهِدَ لَهُ بِهِ فَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُمَا فِي جَمِيعِ مَا شَهِدَا بِهِ، وَإِنْ ادَّعَى النِّصْفَيْنِ جَمِيعًا جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَبَطَلَتْ فِي الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مَا أَكْذَبَ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَيُقْضَى بِشَهَادَتِهِمَا فِيمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَيَتَعَذَّرُ الْقَضَاءُ فِيمَا تَفَرَّدَ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ اتَّفَقَا فِي الْمَالِ أَنَّهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَرْضٌ، وَقَالَ الْآخَرُ: ثَمَنٌ مَبِيعٍ، وَقَالَ: لَمْ تَشْهَدْ لِي عَلَى الْقَرْضِ فَقَدْ أَكْذَبَ الشَّاهِدَ بِالْقَرْضِ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ ادَّعَى الطَّالِبُ أَلْفَيْنِ: أَلْفٌ قَرْضٌ وَأَلْفٌ ثَمَنُ مَبِيعٍ؛ فَهُوَ مَا أَكْذَبَ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا لَهُ فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَفِي أَلْفِ دِرْهَمٍ لَا يَقْبَلُهَا عَلَى وُجُوبِ الْأَلْفِ، وَاخْتِلَافُهُمَا فِي الْجِهَةِ لَا يَمْنَعُ الْقَضَاءَ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا وَلَمْ يَخْتَلِفَا بِقِلَّةٍ وَلِأَنَّ الْجِهَةَ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ بِعَيْنِهَا وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْمَالُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَقَدْ اخْتَلَفَا هُنَا فِي جِنْسِ الْمَالِ الَّذِي هُوَ مَقْصُودٌ وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ كَفِيلَيْنِ بِالْمَالِ عَنْ صَاحِبِ الْأَصْلِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ بِهَا إلَى أَنْفُسِهِمَا مَغْنَمًا فَإِنَّ الطَّالِبَ إذَا أَخَذَ الْمَالَ مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ اسْتَفَادَ الْبَرَاءَةَ بِهِ وَكَذَلِكَ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ وَلَدِهِمَا وَوَالِدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ يَنْفَعُهُمَا بِشَهَادَتِهِ وَكَذَلِكَ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ ابْنِ الْأَصِيلِ عَلَى الْكَفِيلِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَعُ أَبَاهُ فَإِنَّ الطَّالِبَ إذَا اسْتَوْفَى الْمَالَ مِنْ الْكَفِيلِ؛ بَرِئَ الْأَصِيلُ، وَكَذَلِكَ تَجُوزُ شَهَادَةُ ابْنِ الْكَفِيلِ إذَا أَقَرَّ بِهِ الْكَفِيلُ وَأَنْكَرَهُ الْأَصِيلُ؛ لِأَنَّهُ شَهِدَ لِأَبِيهِ فِي ثُبُوتِ حَقِّ الرُّجُوعِ عَلَى الْأَصِيلِ عِنْدَ الْأَدَاءِ، وَإِنْ جَحَدَ الْكَفِيلُ وَأَقَرَّ بِهِ الْأَصِيلُ جَازَتْ شَهَادَةُ ابْنِ الْكَفِيلِ؛ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَى أَبِيهِ لِلطَّالِبِ بِالْتِزَامِ الْمَالِ وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ كَفَلَ لَهُ بِنَفْسِ رَجُلٍ وَبِأَلْفِ دِرْهَمٍ لَهُ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يُوَافِ بِهِ غَدًا وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ شَاهِدَانِ وَشَهِدَا أَنَّ الْمَكْفُولَ بِهِ أَمَرَ الْكَفِيلَ بِذَلِكَ وَالْكَفِيلُ وَالْمَكْفُولُ بِهِ يُنْكِرَانِ

стр. 4149

الْمَالَ وَالْأَمْرَ فَقَضَى الْقَاضِي بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْكَفِيلِ وَلَمْ يُوَافِ بِهِ فَأَخَذَ الْمَالَ وَأَدَّاهُ؛ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ عِنْدَنَا وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْكَفَالَةِ عَنْهُ بِشَيْءٍ، وَإِقْرَارُهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ بِزَعْمِهِ مَظْلُومٌ فِيمَا أَخَذَ مِنْهُ الْمَالَ وَلَيْسَ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَظْلِمَ غَيْرَهُ وَلَكِنَّا نَقُولُ الْقَاضِي أَكْذَبَهُ فِي إقْرَارِهِ وَزَعْمِهِ حِينَ أَلْزَمَهُ الْمَالَ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ، وَالْمُقِرُّ مَتَى صَارَ مُكَذَّبًا فِي إقْرَارِهِ حُكْمًا؛ سَقَطَ اعْتِبَارُ إقْرَارِهِ كَالْمُشْتَرِي إذَا كَانَ أَقَرَّ بِالْمِلْكِ لِبَائِعِهِ فَاسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ مِنْ يَدِهِ بِالْبَيِّنَةِ؛ رَجَعَ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ وَلَوْ أَقَرَّ الْكَفِيلُ بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَقَالَ: لَمْ يَأْمُرْنِي بِذَلِكَ فَقَضَى عَلَيْهِ الْقَاضِي بِذَلِكَ ثُمَّ جَاءَ الْكَفِيلُ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ الْمَكْفُولَ عَنْهُ أَمَرَهُ بِالْكَفَالَةِ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُنَاقِضٌ فِي دَعْوَاهُ حِينَ أَقَرَّ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِذَلِكَ وَالْمُنَاقِضُ لَا يُقْبَلُ بَيِّنَةً عَلَى خَصْمِهِ وَلِأَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا قَضَى عَلَيْهِ بِالْكَفَالَةِ بِالْمَالِ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ. وَإِقْرَارُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْأَصِيلِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَالْقَضَاءُ هُنَاكَ كَانَ بِحُجَّةِ الْبَيِّنَةِ وَقَدْ قَامَتْ عَلَى الْكَفِيلِ وَالْأَصِيلِ جَمِيعًا. وَإِذَا كَفَلَ بِنَفْسِهِ بِأَمْرِهِ فَإِنْ لَمْ يُوَافِ بِهِ غَدًا فَعَلَيْهِ الْمَالُ وَلَوْ ادَّعَى الْكَفِيلُ أَنَّهُ وَافَى بِهِ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى مَانِعًا أَوْ مُسْقِطًا بَعْدَ مَا ظَهَرَ سَبَبُ وُجُوبِ الْمَالِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْكَفَالَةُ فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ؛ بَرِئَ مِنْ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ وَيَسْتَوِي إنْ شَهِدَا عَلَى الْمُوَافَاةِ أَوْ عَلَى إقْرَارِ الطَّالِبِ بِذَلِكَ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي مَكَانِ إقْرَارِهِ أَوْ وَقْتِهِ جَازَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ قَوْلٌ يُكَرَّرُ، وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ غَدْوَةً بِمَحْضَرٍ مِنْهُ بِغَيْرِ إقْرَارِهِ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ عَشِيَّةً بِمَحْضَرٍ مِنْهُ بِغَيْرِ إقْرَارٍ وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا وَقَالَ: دَفَعْته إلَيْهِ غَدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْمَشْهُودِ بِهِ فَإِنَّ الْفِعْلَ الْمَوْجُودَ فِي مَكَان أَوْ زَمَانٍ غَيْرَ الْفِعْلِ الْمَوْجُودِ فِي مَكَان أَوْ زَمَانٍ آخَرَ. وَلَوْ أَقَرَّ الْكَفِيلُ أَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ الرَّجُلَ إلَيْهِ وَأَنَّ الْمَالَ قَدْ لَزِمَهُ، وَالشُّهُودَ شَهِدُوا بِبَاطِلٍ وَقَدْ اتَّفَقَتْ شَهَادَتُهُمَا فَالْمَالُ لَازِمٌ لِلْكَفِيلِ لِإِكْذَابِهِ الشَّاهِدَيْنِ فِيمَا شَهِدَا بِهِ لَهُ وَلَا يَرْجِعُ بِهِ إذَا أَدَّاهُ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ بِهِ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ بَعْدَ مَا ظَهَرَتْ حُجَّةُ بَرَاءَتِهِ، وَإِقْرَارُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْأَصِيلِ إذَا كَفَلَ رَجُلٌ بِنَفْسِ رَجُلٍ فَإِنْ لَمْ يُوَافِ بِهِ غَدًا فَعَلَيْهِ الْمَالُ فَشَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ بِذَلِكَ مُعَايَنَةً وَالْآخَرُ بِإِقْرَارِهِ وَالْكَفِيلُ يَجْحَدُ ذَلِكَ لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ قَوْلٌ وَصِيغَةُ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْشَاءِ فِيهِ وَاحِدَةٌ، وَفِي مِثْلِهِ اخْتِلَافُ الشَّاهِدَيْنِ فِي الْإِقْرَارِ وَالْإِنْشَاءِ لَا يَضُرُّ كَالْبَيْعِ وَإِنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ كَفَلَ لِرَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَنْ

стр. 4150

فُلَانٍ وَاخْتَلَفَا فِي اللَّفْظِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: كَفَلَ بِهَا، وَقَالَ الْآخَرُ: ضَمِنَهَا، أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: هِيَ لِي، وَقَالَ الْآخَرُ: هِيَ عَلَيَّ؛ فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ لِاتِّفَاقِهِمَا فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الْكَفَالَةُ، وَالْأَلْفَاظُ قَوَالِبُ الْمَعَانِي فَعِنْدَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْعَقْدِ الْمَشْهُودِ بِهِ لَا يَضُرُّهُمَا اخْتِلَافُ الْعِبَارَةِ كَمَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْهِبَةِ وَالْآخَرُ بِالنِّحْلَةِ، وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: احْتَالَ بِهَا عَلَيْهِ، وَقَالَ الْآخَرُ: ضَمِنَهَا لَهُ عَلَى أَنْ أَبْرَأَ الْأَوَّلَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْبَرَاءَةَ وَادَّعَى الطَّالِبُ الضَّمَانَ أَوْ الْحَوَالَةَ وَالْبَرَاءَةَ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ بِالْمَالِ؛ لِاتِّفَاقِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْحَوَالَةِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْعِبَارَةِ أَوْ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْتِزَامِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لِلْمَالِ كَمَا إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالضَّمَانِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَرَاءَةَ وَهَذَا لِأَنَّ فِي الْحَوَالَةِ ضَمَانًا وَزِيَادَةً فَيُقْضَى بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَالْأَصِيلُ بَرِيءٌ بِإِقْرَارِ الطَّالِبِ لَا بِشَهَادَةِ أَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ بِالْحَوَالَةِ. وَلَوْ ادَّعَى الطَّالِبُ الضَّمَانَ بِغَيْرِ بَرَاءَةٍ وَقَالَ: لَمْ أُحِلْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ أَيَّهُمَا شَاءَ بِالْمَالِ لِاتِّفَاقِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى مِقْدَارِ الِالْتِزَامِ بِالضَّمَانِ، وَالطَّالِبُ مَا أَكْذَبَ الَّذِي شَهِدَ لَهُ بِالْحَوَالَةِ فِي شَهَادَتِهِ لَهُ وَإِنَّمَا أَكْذَبَهُ فِي شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ بَرَاءَةُ الْأَصِيلِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ كَمَا لَوْ شَهِدَا لَهُ بِالْمَالِ وَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اسْتَوْفَاهُ أَوْ أَنَّهُ أَبْرَأَ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ قَالَ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ كَفَلَ لَهُ بِالْمَالِ عَلَى أَنْ أَبْرَأَ الْأَوَّلَ وَالطَّالِبُ يَقُولُ: لَمْ أُبْرِئْ الْأَوَّلَ وَالْكَفِيلُ يَجْحَدُ الْكَفَالَةَ قَضَيْت لِلطَّالِبِ بِالْكَفَالَةِ وَأَبْرَأْت الْأَصِيلَ إذَا كَانَ هُوَ يَدَّعِي شَهَادَتَهُمَا عَلَى الْبَرَاءَةِ. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُمَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْبَرَاءَةِ يَشْهَدَانِ عَلَى الطَّالِبِ لَا لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَا بِالْحَوَالَةِ وَقَالَ الطَّالِبُ: إنَّمَا كَفَلَ لِي فَهُوَ مَا أَكْذَبَهُمَا فِيمَا شَهِدَا لَهُ مِنْ ضَمَانِ الْمَالِ وَلَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ كَفَلَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لِرَجُلٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا إلَى سَنَةٍ وَقَالَ الْآخَرُ حَالَّةً وَادَّعَى الطَّالِبُ حَالَّةً وَجَحَدَ الْكَفِيلُ أَوْ أَقَرَّ وَادَّعَى الْأَجَلَ فَالْمَالُ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الطَّالِبَ لَمْ يُكَذِّبْ شَاهِدَهُ فِيمَا شَهِدَ لَهُ بِهِ وَإِنَّمَا أَكْذَبَهُ فِيمَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ وَالشَّاهِدُ بِالْأَجَلِ لِلْكَفِيلِ وَاحِدٌ وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ زُفَرَ ﵀ يُخَالِفُنَا فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْفُصُولِ وَأَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْإِكْذَابِ فِيمَا شَهِدَ بِهِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ قِبَلَ رَجُلَيْنِ كَفَالَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ ضَامِنٌ بِهَا وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِذَلِكَ عَلَيْهِمَا وَشَهِدَ الْآخَرُ عَلَى أَحَدِهِمَا فَإِنَّ الطَّالِبَ يَأْخُذُ الَّذِي اجْتَمَعَا عَلَيْهِ بِالْأَلْفِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحُكْمِ هَذِهِ الْكَفَالَةِ مُطَالَبٌ بِجَمِيعِ الْمَالِ وَقَدْ تَمَّتْ الْحُجَّةُ عَلَى أَحَدِهِمَا وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَيْهِمَا وَشَهِدَ آخَرُ عَلَى أَحَدِهِمَا وَشَهِدَ الْآخَرُ عَلَى الْآخَرِ كَانَ لِلطَّالِبِ أَنْ يَأْخُذَهُمَا جَمِيعًا بِالْمَالِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ قَدْ تَمَّتْ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا لِشَهَادَةِ الْأَوَّلَيْنِ

стр. 4151

وَفِي حَقِّ الْآخَرِ بِشَهَادَةِ الْآخَرِ أَخَذَ الْأَوَّلَيْنِ مَعَ الثَّالِثِ، وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى أَحَدِهِمَا أَنَّهُ كَفَلَ لَهُ هُوَ وَفُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهمَا شَاءَ وَشَهِدَ لَهُ الْآخَرَانِ عَلَى كَفِيلٍ الْآخَرِ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ بِجَمِيعِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ قَدْ تَمَّتْ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْتِزَامِهِ جَمِيعَ الْمَالِ وَلَوْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِالْمَالِ حَالًّا عَلَى الْأَوَّلِ وَشَهِدَ لَهُ آخَرَانِ عَلَى الْآخَرِ بِالْمَالِ إلَى أَجَلٍ عَلَى مِثْلِ شَهَادَةِ الْأَوَّلِ كَانَ جَائِزًا وَأَخَذَ الطَّالِبُ صَاحِبَ الْأَجَلِ بِالْمَالِ إلَى أَجَلِهِ وَالْآخَرَ بِالْمَالِ حَالًّا اعْتِبَارًا لِلثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ بِالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَ الْفَرِيقَانِ فِي مَبْلَغِ الْمَالِ أَخَذَ الطَّالِبُ أَيَّهُمَا شَاءَ بِمَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدَانِ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا بِمَا لَوْ أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِذَلِكَ الْقَدْرِ وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ كَفَالَةَ أَلْفُ دِرْهَمٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ قَدْ سَمَّاهُ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ كَفَلَ لَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَنْ رَجُلٍ وَقَالَا: رَأَيْنَاهُ وَلَمْ نَعْرِفْهُ، أَوْ لَمْ نَرَهُ وَلَكِنَّ الْكَفِيلَ أَشْهَدَنَا عَلَى ذَلِكَ فَالْمَالُ لَازِمٌ لِلْكَفِيلِ؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى قَوْلِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ شَهَادَتِهِمَا عَلَى إقْرَارِهِ، وَالْمَشْهُودُ لَهُ مَعْلُومٌ إذَا أَدَّى الْكَفِيلُ الْمَالَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ لَهُ شَاهِدَانِ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ الطَّالِبُ أَنْ يَأْخُذَ الْأَصِيلَ دُونَ الْكَفِيلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إذَا جَحَدَ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الْأُولَى لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عَلَى الْأَصِيلِ حِينَ لَمْ يَعْرِفْهُ الشُّهُودُ أَوْ لَمْ يَرَوْهُ وَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَحَالَ بِهَا فُلَانٌ الْغَائِبُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَأَدَّى إلَيْهِ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ؛ رَجَعَ بِهَا عَلَى الْمُحِيلِ وَلَمْ يُكَلَّفْ إعَادَةَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ الْتَزَمَ بِالْحَوَالَةِ بِالْمَالِ الَّذِي هُوَ عَلَى الْأَصِيلِ وَإِنَّمَا يَتَحَوَّلُ إلَى ذِمَّتِهِ مَا كَانَ فِي ذِمَّةِ الْأَصِيلِ عَلَى أَنْ يَكُونَ هُوَ خَلَفًا عَنْ الْأَصِيلِ وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ مُفْلِسًا عَادَ الْمَالُ إلَى الْأَصِيلِ فَانْتَصَبَ هُوَ خَصْمًا عَنْهُ وَمِنْ ضَرُورَةِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِالْحَوَالَةِ بِالْأَمْرِ: الْقَضَاءُ بِالْمَالِ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ. وَلَوْ كَانَ الطَّالِبُ غَائِبًا فَأَقَامَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْأَصِيلِ أَنَّهُ كَانَ لِفُلَانٍ عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ وَأَحَلْته بِهَا عَلَيَّ وَأَدَّيْتهَا إلَيْهِ؛ قَضَيْت بِهَا لَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَضَاءٌ عَلَى الطَّالِبِ بِالِاسْتِيفَاءِ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى لِنَفْسِهِ الْمَالَ عَلَى الْأَصِيلِ وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْأَدَاءِ إلَى الطَّالِبِ وَلَا يَتَوَصَّلُ الْأَصِيلُ إلَى دَفْعِ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ إلَّا بِإِنْكَارِ قَبْضِ الطَّالِبِ بِالِاسْتِيفَاءِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى جُحُودِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا حَضَرَ وَالْكَفَالَةُ فِي هَذَا قِيَاسُ الْحَوَالَةِ وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ كَفَالَةً بِنَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ حَوَالَةٍ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ اسْتَحْلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ حَلَفَ؛ بَرِئَ وَرَجَعَ الْمُدَّعِي عَلَى صَاحِبِ الْأَصِيلِ بِالْمَالِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْكَفَالَةِ فَإِنَّ الْكَفَالَةَ لَا تُوجِبُ سُقُوطَ مُطَالَبَةِ الطَّالِبِ عَنْ الْأَصِيلِ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَوَالَةِ؛ لِأَنَّ

стр. 4152

الْأَصِيلَ إنَّمَا يَبْرَأُ إذَا ثَبَتَتْ الْحَوَالَةُ وَلَمْ تَثْبُتْ حِينَ حَلَفَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ حِينَ جَحَدَ وَحَلَفَ؛ قَدْ تَحَقَّقَ التَّوَى وَذَلِكَ يُوجِبُ عَوْدَ الْمَالِ إلَى الْأَصِيلِ كَمَا لَوْ مَاتَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ وَأَدَّى الْمَالَ رَجَعَ عَلَى الْأَصِيلِ إنْ كَانَ مُقِرًّا أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَيْهِ بِالْأَمْرِ. وَجُحُودُ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ لَا يُبْطِلُ تِلْكَ الْحَوَالَةَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُكَذَّبًا فِي ذَلِكَ حِينَ قَضَى الْقَاضِي بِهِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَجْعَلْ نُكُولَهُ هُنَا بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِهِ بَلْ جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى هَذَا النُّكُولِ وَإِنَّمَا لَحِقَتْهُ هَذِهِ الضَّرُورَةُ فِي عَمَلٍ بَاشَرَهُ لِغَيْرِهِ فَهُوَ نَظِيرُ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فِي دَعْوَى الْعَيْبِ فَرَدَّ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ رَدًّا عَلَى الْمُوَكِّلِ. وَلَوْ كَانَ قَضَى بِالْمَالِ عَلَى الْكَفِيلِ أَوْ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ قَامَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَأَنَّ فُلَانًا أَمَرَهُ بِهِ فَأَدَّى الْمَالَ وَصَاحِب الْأَصْلِ جَاحِدٌ لِلْأَمْرِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُكَذَّبًا شَرْعًا بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي قَامَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وَلَوْ كَانَ قَضَى عَلَيْهِ بِالْمَالِ بِنُكُولِهِ عَنْ الْيَمِينِ وَأَدَّاهُ؛ فَلَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْأَصِيلَ بِاَللَّهِ مَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى النُّكُولِ إلَّا أَنَّ نُكُولَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْأَصِيلِ فِي الْأَمْرِ فَيُحَلِّفُهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ ادَّعَى قِبَلَ رَجُلٍ كَفَالَةً بِنَفْسٍ أَوْ مَالٍ فَقَالَ الْكَفِيلُ: لَمْ أَكْفُلْ لَهُ بِشَيْءٍ وَقَدْ أَبْرَأَنِي مِنْ هَذِهِ الدَّعْوَى فَاسْتَحْلِفْهُ مَا أَبْرَأَنِي وَقَالَ الطَّالِبُ: بَلْ فَاسْتَحْلِفْهُ مَا كَفَلَ بِهِ لِي فَإِنِّي أَسْتَحْلِفُهُ بِاَللَّهِ مَا لَهُ قِبَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا يَشْتَغِلُ بِالِاسْتِحْلَافِ عَلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ قِيَامُ الْكَفَالَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالِ فَيُحَلِّفُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ حَلَفَ؛ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَتْهُ الْكَفَالَةُ وَلَمْ يُسْتَحْلَفْ الطَّالِبُ بِاَللَّهِ مَا أَبْرَأَهُ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ يَدَّعِي عَلَيْهِ الْبَرَاءَةَ فَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ لِحَقِّهِ فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ؛ بَرِئَ الْكَفِيلُ مِنْ كَفَالَتِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِبَرَاءَتِهِ، وَإِنْ ادَّعَى الْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ أَنَّهُ دَفْعَهُ إلَى وَكِيلِ الطَّالِبِ؛ حَلَفَ الطَّالِبُ عَلَى عِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِحْلَافٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى الدَّفْعَ إلَيْهِ فَإِنَّهُ اسْتِحْلَافٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فَيَكُونُ عَلَى الْبَتَاتِ وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ قِبَلَ رَجُلٍ كَفَالَةً فَقَالَ: أَخَذَك غُلَامِي حَتَّى كَفَلْت لِي بِفُلَانٍ وَجَحَدَ الْكَفِيلُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ تَسْلِيمُ النَّفْسِ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ لَهُ بِحَضْرَةِ غُلَامِهِ دُونَهُ فَإِنْ أَنْكَرَ يُسْتَحْلَفُ عَلَيْهِ لِرَجَاءِ النُّكُولِ. وَإِذَا طَلَبَ مُدَّعِي الْكَفَالَةِ بِنَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَنْ يَحْلِفَ الْكَفِيلُ بِاَللَّهِ مَا كَفَلَ؛ لَمْ يَحْلِفْ كَذَلِكَ وَلَكِنَّهُ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا لَهُ قِبَلَك هَذِهِ الْكَفَالَةَ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَكْفُلُ لِغَيْرِهِ ثُمَّ يَبْرَأُ مِنْ كَفَالَتِهِ بِسَبَبٍ فَلَوْ حَلَّفَهُ الْقَاضِي مَا كَفَلَ يَضُرُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْلِفَ، وَإِنْ كَانَ هُوَ مُحِقًّا فِي إنْكَارِهِ الْكَفَالَةَ فِي الْحَالِ وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالنَّظَرِ لِلْخَصْمَيْنِ فَلِهَذَا يُحَلِّفُهُ بِاَللَّهِ مَا لَهُ قِبَلَكَ هَذِهِ الْكَفَالَةَ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي كُلِّ دَيْنٍ وَمَالِ وَدِيعَةٍ وَعَارِيَّةٍ وَشِرَاءٍ وَإِجَارَةٍ

стр. 4153

فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ: مَا اشْتَرَيْتَ وَلَا اسْتَوْدَعَكَ وَلَا أَعَارَكَ وَلَا اسْتَأْجَرْتَ مِنْهُ وَلَكِنْ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ: مَا لَهُ قِبَلَكَ مَا ادَّعَى بِهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا إذَا عَرَّضَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَالَ: أَيُّهَا الْقَاضِي قَدْ يَكْفُلُ الْإِنْسَانُ ثُمَّ يَبْرَأُ مِنْهُ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَشْتَغِلْ بِهَذَا التَّعْرِيضِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا كَفَلْت؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحْلَفُ عَلَى جُحُودِهِ وَقَدْ جَحَدَ الْكَفَالَةَ أَصْلًا فَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ فَإِذَا عَرَّضَ فَقَدْ طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ لَهُ فَعَلَى الْقَاضِي إجَابَتُهُ إلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُعَرِّضْ؛ فَهُوَ الَّذِي لَمْ يَنْظُرْ لِنَفْسِهِ فَلَا يَنْظُرُ الْقَاضِي لَهُ وَلَكِنَّهُ يُحَلِّفُهُ عَلَى جُحُودِهِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَالَ: هَذَا التَّعْرِيضُ لَا يَهْتَدِي إلَيْهِ كُلُّ خَصْمٍ وَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يَصُونَ قَضَاءَ نَفْسِهِ عَنْ الْجَوْرِ وَنَفْسَهُ عَنْ الظُّلْمِ فَيُحَلِّفَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا عَرَّضَ الْخَصْمُ أَوْ لَمْ يُعَرِّضْ. وَلَوْ قَالَ الْكَفِيلُ لِلْقَاضِي: حَلِّفْ الطَّالِبَ أَنَّ لَهُ قِبَلِي هَذِهِ الْكَفَالَةَ فَإِنِّي أَرُدُّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ فَإِنَّهُ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُنْكِرِ فَإِذَا رَدَدْت الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي؛ فَقَدْ خَالَفْت الْأَثَرَ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الدَّعْوَى. وَلَوْ جَاءَ الطَّالِبُ بِشَاهِدَيْهِ عَلَى قَوْلِهِ فَقَالَ الْمَطْلُوبُ: اسْتَحْلِفْهُ بِاَللَّهِ لَقَدْ شَهِدَتْ شُهُودُهُ عَلَى حَقٍّ؛ لَمْ أَسْتَحْلِفْهُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي. فَإِذَا جَعَلْت عَلَيْهِ مَعَ الْبَيِّنَةِ يَمِينًا؛ فَقَدْ جَعَلَتْ مَا لَمْ يَجْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ كَفَالَةِ الرَّجُلَيْنِ عَلَى شَرْطِ لُزُومِ الْمَالِ بِتَرْكِ الْمُوَافَاةِ] (قَالَ ﵀): وَإِذَا كَفَلَ رَجُلٌ لِرَجُلَيْنِ بِنَفْسِ رَجُلٍ فَإِنْ لَمْ يُوَافِ بِهِ؛ أَدَّى مَا ادَّعَيَا بِهِ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ مَا لَهُمَا عَلَيْهِ وَسَمَّى لِكُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمَا الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ مُخْتَلِفٌ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ نَجَّزَ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَعَلَّقَ الْكَفَالَةَ بِالْمَالِ بِشَرْطِ عَدَمِ الْمُوَافَاةِ إذَا دَعَيَاهُ وَذَلِكَ صَحِيحٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ الِانْفِرَادِ فِي حَقِّهِمَا. فَإِنْ دَعَاهُ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُوَافِ بِهِ لَزِمَهُ مَا لَهُ عَلَيْهِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ فِي حَقِّهِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ مَالُ الْآخَرِ حَتَّى يَدْعُوَهُ بِهِ. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ هَذَا فِي الْمَعْنَى لَيْسَ بِتَعْلِيقٍ لِلْكَفَالَةِ بِالْمَالِ بِالشَّرْطِ وَلَكِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْكَفِيلِ بِالْمَالِ بِشَرْطِ إبْرَائِهِ مِنْ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمُوَافَاتِهِ بِهِ إذَا دَعَيَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا تَعْلِيقًا بِالشَّرْطِ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ بِوُجُودِ بَعْضِ الشَّرْطِ. وَإِذَا دَعَاهُ أَحَدُهُمَا فَلَمْ يُوَافِهِ بِهِ فَالْمَوْجُودُ بَعْضُ الشَّرْطِ وَقَالَ: يَلْزَمُهُ الْمَالُ عَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الْمُوَافَاةَ كَانَتْ مُبَرِّئَةً لَهُ وَلَمْ تُوجَدْ. وَلَوْ بَدَأَ بِالْمَالِ فَضَمِنَهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَالَ: إنْ وَافَيْتُكُمَا بِنَفْسِهِ إذَا دَعَوْتُمَانِي بِهِ؛ فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْمَالِ فَهُوَ مِثْلُ الْأَوَّلِ وَتَقْدِيمُ

стр. 4154

الْمَالِ فِي هَذَا وَتَأْخِيرُهُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ أَخَّرَ الْكَفَالَةَ بِالْمَالِ فِي لَفْظِهِ فَهُوَ فِي الْمَعْنَى مُقَدَّمٌ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ عِنْدَ الْمُوَافَاةِ بِنَفْسِهِ إذَا دَعَيَاهُ بِهِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَأْخُذَ بِكَفَالَتِهِ دُونَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى كَفِيلٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ وَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ دُونَ الْآخَرِ، وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْعَقْدِ لَفْظًا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَقَرَّ لَهُمَا بِمَالٍ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُ دُونَ الْآخَرِ وَلَوْ كَانَ الطَّالِبُ رَجُلَيْنِ مُتَفَاوِضَيْنِ لَهُمَا عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَكَفَلَ لَهُمَا رَجُلٌ بِنَفْسِ الْمَطْلُوبِ فَإِنْ وَافَاهُمَا بِهِ غَدًا فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْمَالِ فَوَافَى بِهِ أَحَدُهُمَا وَدَفَعَهُ إلَيْهِ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ كَفَالَتِهِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ لَهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْمُتَفَاوِضَيْنِ كَشَخْصٍ وَاحِدٍ مَا بَقِيَتْ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَائِمٌ مَقَامَ صَاحِبِهِ فِي اسْتِيفَاءِ مَا وَجَبَ لِصَاحِبِهِ كَمَا هُوَ قَائِمٌ مَقَامَ صَاحِبِهِ فِي كَوْنِهِ مُطَالَبًا بِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَلَوْ كَانَا شَرِيكَيْنِ شَرِكَةَ عَنَانٍ؛ بَرِئَ مِنْ حِصَّةِ الَّذِي وَافَاهُ بِهِ وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْكَفَالَةِ لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا هُوَ وَاجِبٌ لِصَاحِبِهِ بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيِّ فِي الِاسْتِيفَاءِ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْغَرِيمَ بِهِ فَكَذَلِكَ لَا يَبْرَأُ عَنْ كَفَالَةِ صَاحِبِهِ بِمُوَافَاتِهِ بِهِ وَلَوْ كَفَلَ رَجُلَانِ بِنَفْسِ رَجُلٍ عَلَى أَنْ يُوَافِيَا بِهِ غَدًا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا؛ فَالْمَالُ عَلَيْهِمَا فَوَافَى بِهِ أَحَدُهُمَا عَنْهُ وَعَنْ صَاحِبِهِ وَلَمْ يَحْضُرْ الْآخَرُ؛ فَهُمَا بَرِيئَانِ؛ لِأَنَّهُمَا الْتَزَمَا التَّسْلِيمَ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ وَلَوْ الْتَزَمَا مَالًا فَأَدَّاهُ أَحَدُهُمَا بَرِئَا مِنْهُ جَمِيعًا فَكَذَلِكَ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ. وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ مَضَى الْأَجَلُ وَلَمْ يُوَافِيَا بِهِ لَزِمَ الْحَيَّ مِنْهُمَا نِصْفُ الْمَالِ، وَفِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ نِصْفُ الْمَالِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ عَدَمُ الْمُوَافَاةِ بِهِ وَلَوْ كَانَ وَافَى بِهِ بَعْضَ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ قَبْلَ الْأَجَلِ بَرِئَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ فِي التَّسْلِيمِ وَلَوْ كَانَ كَفَلَ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ فَاشْتَرَطَ الطَّالِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوَافِ بِهِ إلَى وَقْتِ كَذَا؛ فَعَلَيْهِ الْمَالُ فَوَافَى بِهِ أَحَدُهُمَا فَدَفَعَهُ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ كَفَالَتِهِ وَلَا يَبْرَأُ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ هُنَا مُخْتَلِفَةٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْنَبِيٌّ عَنْ عَقْدِ صَاحِبِهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ الَّذِي جَاءَ بِهِ: دَفَعْتُهُ عَنْ نَفْسِي وَعَنْ صَاحِبِي وَيَقْبَلُهُ الطَّالِبُ عَلَى ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ جَاءَ بِهِ أَجْنَبِيٌّ آخَرُ فَدَفَعَهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا وَقَبِلَهُ الطَّالِبُ. وَلَوْ دَفَعَ الْمَكْفُولُ بِهِ نَفْسَهُ إلَى الطَّالِبِ عَنْهُمَا جَمِيعًا؛ كَانَا بَرِيئَيْنِ، سَوَاءٌ قَبِلَهُ الطَّالِبُ أَوْ لَمْ يَقْبَلْهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ دَفَعَاهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَصِيلٌ فِي هَذَا التَّسْلِيمِ غَيْرُ مُتَبَرِّعٍ بِهِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ الْكَفَالَةِ بِالْأَعْيَانِ] (قَالَ ﵀): وَإِذَا ادَّعَى عَبْدًا فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَلَمْ يُقَدِّمْهُ إلَى الْقَاضِي وَأَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ

стр. 4155

وَبِالْعَبْدِ فَمَاتَ الْعَبْدُ فِي يَدَيْ الْمَطْلُوبِ وَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْعَبْدَ عِنْدَهُ فَإِنَّ الْقَاضِي يَقْضِي لَهُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَإِنْ شَاءَ عَلَى الْكَفِيلِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ الْعَبْدَ كَانَ مَغْصُوبًا وَالْكَفَالَةُ بِالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ تُوجِبُ عَلَى الْكَفِيلِ رَدَّ الْقِيمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ كَمَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَصِيلِ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ وَلَكِنَّ الْمَطْلُوبَ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَقَضَى عَلَيْهِ الْقَاضِي بِالْعَبْدِ فَمَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ؛ فَإِنَّهُ يَقْضِي لَهُ بِقِيمَتِهِ عَلَى الْأَصِيلِ دُونَ الْكَفِيلِ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ كَإِقْرَارِهِ أَوْ كَبَدَلِهِ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْكَفِيلِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ الْكَفِيلُ بِمِثْلِ ذَلِكَ أَوْ يَأْبَى الْيَمِينَ فَيَلْزَمُهُ مِثْلُ مَا يَلْزَمُ الْمَطْلُوبَ وَلَوْ غَصَبَ رَجُلٌ عَبْدًا فَضَمِنَهُ رَجُلٌ لِصَاحِبِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ فَإِنْ هَلَكَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْمُطَالَبَةَ بِمَا عَلَى الْأَصِيلِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْكَفِيلِ فِي قِيمَتِهِ لِإِنْكَارِهِ الزِّيَادَةَ كَالْأَصِيلِ فَإِنْ أَقَرَّ الْغَاصِبُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ لَزِمَهُ الْفَضْلُ بِإِقْرَارِهِ وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى الْكَفِيلِ وَلَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ جَارِيَةً مِنْ رَجُلٍ فَقَبَضَهَا وَجَاءَ آخَرُ فَادَّعَاهَا وَأَخَذَ بِهَا كَفِيلًا وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا جَارِيَتُهُ فَقُضِيَ لَهُ بِهَا فَقَالَ الْمَطْلُوبُ: قَدْ مَاتَتْ أَوْ أَبَقَتْ، وَقَالَ الطَّالِبُ: كَذَبْت فَإِنِّي أَحْبِسُ الْكَفِيلَ حَتَّى يَأْتِيَ بِهَا كَمَا أَحْبِسُ فُلَانًا الْأَصِيلَ حَتَّى يَثْبُتَ إبَاقُهَا فَإِنْ طَالَ ذَلِكَ - يَعْنِي مُدَّةَ الْحَبْسِ - ضَمَّنَهُمَا قِيمَتَهَا مُرَاعَاةً لِحَقِّ الطَّالِبِ إذَا طَلَبَ، وَإِنْ قَالَ: هِيَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَحَلَفَا عَلَيْهَا، وَقَالَ الطَّالِبُ: أَلْفُ دِرْهَمٍ ضَمَّنَهُمَا مِائَةَ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ انْتَفَتْ أَنْ تَكُونَ قِيمَتَهَا مَا لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ بِهَا. وَيَأْخُذُ بِهَا أَيًّا شَاءَ فَإِذَا ظَهَرَتْ الْجَارِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَخَذَ الْجَارِيَةَ وَرَدَّ الْقِيمَةَ، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ الْجَارِيَةَ وَسُلِّمَتْ الْمِائَةُ لَهُ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الْغَصْبِ قَالَ: وَلَا يَسَعُ الْغَاصِبُ أَنْ يَطَأَهَا مَا كَانَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِيهَا خِيَارٌ؛ لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ يَمْلِكُ الْجَارِيَةَ مِنْ الْغَصْبِ بِالْقِيمَةِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ تَمْلِيكِهَا بِالْبَيْعِ، وَمَا بَقِيَ لَهُ الْخِيَارُ - يَعْنِي لِلْبَائِعِ - فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَطَأَهَا فَهَذَا مِثْلُهُ وَلَوْ كَانُوا تَصَادَقُوا عَلَى الْقِيمَةِ أَوْ قَامَتْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ أَوْ نَكَلَا عَنْ الْيَمِينِ فَأَخَذَهَا الْمَغْصُوبُ مِنْهُ ثُمَّ ظَهَرَتْ الْجَارِيَةُ؛ لَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَيْهَا سَبِيلٌ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ الْقِيمَةَ رِضًا مِنْهُ بِخُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ فَإِنَّ الْبَدَلَ وَالْمُبْدَلَ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مِلْكٍ. وَكَانَ لِلْغَاصِبِ أَنْ يَطَأَهَا بَعْدَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ لِتَمَامِ التَّمَلُّكِ فِيهَا وَإِذَا كَانَ عَبْدٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَادَّعَاهُ رَجُلٌ وَأَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِهِ وَوَكَّلَ فِي خُصُومَتِهِ وَلَمْ يَغِبْ الْمَطْلُوبُ وَغَيَّبَ الْعَبْدَ فَإِنَّ الْكَفِيلَ يُحْبَسُ حَتَّى يَجِيءَ بِهِ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِالْكَفَالَةِ إحْضَارَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ ظَهَرَ الْمَطْلُوبُ وَغَيَّبَ الْعَبْدَ؛ حُبِسَ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي تَغْيِيبِهِ قَاصِدًا الْإِضْرَارَ بِالْمُدَّعِي فَإِنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْعَيْنِ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْهُ. فَإِنْ قَالَ

стр. 4156

الْمُدَّعِي: أَنَا آتِي بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ عَبْدِي قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ لِيَسْتَحِقَّ بِهِ الْعَيْنَ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَالْقِيمَةَ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْعَبْدِ فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَاهُ أَنَّهُ الْعَبْدُ الَّذِي ضَمِنَ هَذَا بِهِ وَسَمَّيَاهُ وَجَلَّيَاهُ عِنْدَ فُلَانٍ قَضَيْت لَهُ بِالْعَبْدِ عَلَى الْكَفِيلِ فَإِنْ أَتَى بِهِ وَإِلَّا قَضَيْت لَهُ بِقِيمَتِهِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعِي بِاَللَّهِ مَا خَرَجَ مِنْ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ قِيلَ: إنَّمَا يَحْلِفُ عَلَى هَذَا عِنْدَ طَلَبِ الْكَفِيلِ وَقِيلَ: بَلْ يَحْلِفُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ الْكَفِيلُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ مِنْ الْقَاضِي لِلْغَائِبِ وَالصِّيَانَةِ لِقَضَائِهِ، وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَاهُ أَنَّ الْعَبْدَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ فُلَانٌ الْفُلَانِيُّ وَجَلَّيَاهُ لِفُلَانٍ لَمْ أَقْبَلْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يُوَافِقُ الْجَلِيَّةَ فَلَا يُثْبِتُ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ ضَامِنٌ لِلْعَبْدِ الْمَشْهُودِ بِهِ أَنَّهُ مِلْكٌ لِلْمُدَّعِي وَلَكِنَّ الْكَفِيلَ يُحْبَسُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ إحْضَارَهُ بِالْكَفَالَةِ قَبْلَ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ. فَإِنْ مَاتَ الْكَفِيلُ أُخِذَ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ ظَهَرَ الْعَبْدُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ بَعْدَ أَنْ يُوَافِقَ جَلِيَّةَ الْعَبْدِ الَّذِي ظَهَرَ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ لِيَتَمَكَّنَ الْمُدَّعِي مِنْ إثْبَاتِ مِلْكِهِ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ الْمَوْلَى بِالْعَبْدِ جُلِيَتْ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى مَا ضَمِنَ شَيْئًا وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي قَامَتْ عَلَى الِاسْمِ وَالْجَلِيَّةِ وَلَيْسَ الْمَوْلَى فِي هَذَا كَالْكَفِيلِ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ الْتَزَمَ الْإِحْضَارَ بِكَفَالَتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ وَالْمَوْلَى لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا فَلَا يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَلَا يُلْزِمُهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ. وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ فِي يَدِ رَجُلٍ فَادَّعَاهُ آخَرُ وَكَفَلَ بِهِ رَجُلَانِ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ؛ حُبِسَ الْكَفِيلَانِ حَتَّى يَدْفَعَاهُ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ أُخِذَ الْكَفِيلَانِ بِإِحْضَارِ مَا الْتَزَمَا إحْضَارَهُ بِالْكَفَالَةِ فَإِنْ قَالَا: قَدْ مَاتَ الْعَبْدُ أَوْ أَبَقَ وَأَقَامَا عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً؛ فَإِنِّي أُخْرِجُهُمَا مِنْ السِّجْنِ؛ لِأَنَّهُمَا حُبِسَا لِإِحْضَارِهِ وَقَدْ ثَبَتَ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ عَجْزُهُمَا عَنْ إحْضَارِهِ وَلَكِنْ لَا أُبَرِّئُهُمَا مِنْ الْكَفَالَةِ؛ لِأَنَّ بِتِلْكَ الْكَفَالَةِ هُمَا ضَامِنَانِ لِلْقِيمَةِ إذَا ثَبَتَ مِلْكُ الطَّالِبِ فِي الْعَبْدِ بِالْحُجَّةِ وَادَّعَى الطَّالِبُ بِشُهُودِهِ أَنَّ الْعَبْدَ عَبْدُهُ فَإِنْ أَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً أَخَذَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَفِيلَيْنِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْكَفِيلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الْكَفِيلِ وَيُؤَجَّلُ الْكَفِيلَانِ فِي الْإِبَاقِ أَجَلًا حَتَّى يَأْتِيَا بِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْحُكْمَ فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ إذَا غَابَ الْأَصِيلُ عَنْ الْبَلْدَةِ وَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ فِي يَدَيْ الرَّجُلِ أَرْضًا أَوْ حَمَّامًا أَوْ بُسْتَانًا وَقَالَ: بَيِّنَتِي حَاضِرَةٌ أُخِذَ لَهُ مِنْهُ كَفِيلٌ بِالْمُدَّعِي بِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقَارَ لَا يُغَيَّبُ وَلَا يُحَرَّكُ وَلَا يُحَوَّلُ؛ وَلِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى إحْضَارِهِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ لِتَقَعَ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ وَلَوْ اسْتَوْدَعَ رَجُلٌ رَجُلًا عَبْدًا فَجَحَدَهُ ذَلِكَ وَأَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ وَبِالْعَبْدِ فَمَاتَ الْعَبْدُ وَأَقَامَ رَبُّ الْعَبْدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اسْتَوْدَعَهُ وَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا كَانَتْ قِيمَتِهِ يَوْمَ كَفَلَ بِهِ الْكَفِيلُ فَالْمُسْتَوْدَعُ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ يَوْمَ اُسْتُوْدِعَهُ عَلَى مَا شَهِدَتْ

стр. 4157

الشُّهُودُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ وُصُولُهُ إلَى يَدِهِ وَعَلَى هَذِهِ الْقِيمَةِ. وَالْجُحُودُ مُوجِبٌ عَلَيْهِ ضَمَانَ تِلْكَ الْقِيمَةِ بِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْيَدِ وَلَا يَضْمَنُ الْكَفِيلُ مِنْ قِيمَتِهِ إلَّا مَا يُقِرُّ بِهِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ إنَّمَا يَضْمَنُ بِعَقْدِ الْكَفَالَةِ لِاعْتِبَارِ يَدِ الْمُسْتَوْدِعِ وَلَمْ يُثْبِتْ بِالْبَيِّنَةِ مِقْدَارَ قِيمَتِهِ عِنْدَ الْكَفَالَةِ وَلَكِنْ مَا عُرِفَ ثُبُوتُهُ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الظَّاهِرِ يَصْلُحُ حُجَّةً لِدَفْعِ الِاسْتِحْقَاقِ لَا لِإِثْبَاتِ الِاسْتِحْقَاقِ فَلِهَذَا لَا يَضْمَنُ الْكَفِيلُ مِنْ قِيمَتِهِ إلَّا مَا يُقِرُّ بِهِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ يَوْمَ اخْتَصَمُوا فِيهِ أَعْمَى وَجَحَدَهُ الْمُسْتَوْدَعُ فَشَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ اُسْتُوْدِعَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ يُسَاوِي أَلْفًا فَكَفَلَ بِهِ الْكَفِيلُ وَهُوَ أَعْمَى فَرَفَعُوهُ إلَى الْقَاضِي وَهُوَ كَذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ فِي يَدِ الْمُسْتَوْدَعِ وَزَكَّى شُهُودُهُ فَالْمُسْتَوْدَعُ ضَامِنٌ قِيمَتَهُ أَعْمَى عَلَى الْحَالِ الَّذِي جَحَدَ فِيهَا وَكَذَلِكَ الْكَفِيلُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ إنَّمَا يَصِيرُ ضَامِنًا عِنْدَ الْجُحُودِ وَقَدْ عَلِمَ الْقَاضِي تَغَيُّرَهُ عَنْ الْقِيمَةِ الَّتِي شَهِدَتْ بِهَا الشُّهُودُ فَلَا تُعْتَبَرُ تِلْكَ الْقِيمَةُ فِي الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ هَلَاكَهُ قَبْلَ الْجُحُودِ؛ لَمْ يُضَمِّنْهُ شَيْئًا، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ؛ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ. فَكَذَلِكَ إذَا عَلِمَ فَوَاتَ جُزْءٍ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَلَكِنَّ السُّوقَ اُتُّضِعَتْ، وَجَحَدَهُ يَوْمَ جَحَدَهُ وَهُوَ يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ وَعَلِمَ ذَلِكَ الْقَاضِي لَمْ يُضَمِّنْهُ إلَّا قِيمَتَهُ خَمْسَمِائَةٍ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ ضَمَّنَ الْمُسْتَوْدَعَ أَلْفَ دِرْهَمٍ كَمَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ، وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ بَيِّنَةً عَلَى اتِّضَاعِ السُّوقِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ النَّفْيُ وَالْبَيِّنَاتُ لِلْإِثْبَاتِ لَا لِلنَّفْيِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ بَعْدَ مَا جَحَدَ لَوْ قَالَ: قَدْ مَاتَ الْعَبْدُ؛ لَمْ أَلْتَفِتْ إلَى قَوْلِهِ وَلَمْ أَقْبَلْ مِنْهُ بَيِّنَةً عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ نَفْيُ الضَّمَانِ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْقَاضِي أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ جُحُودِهِ أَوْ يُقِرَّ الْخَصْمُ بِهِ وَلَوْ اسْتَعَارَ دَابَّةً مِنْ رَجُلٍ إلَى مَكَان مَعْلُومٍ فَجَاوَزَ ذَلِكَ الْمَكَانَ ضَمِنَهَا. وَلَوْ أَعْطَاهُ كَفِيلًا بِهَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا ضَامِنًا بِالْمُجَاوَزَةِ وَكَذَلِكَ الْمُسْتَوْدَعُ. إذَا جَارَ فِي بَعْضِ الْوَدِيعَةِ؛ جَازَتْ الْكَفَالَةُ بِقَدْرِ مَا جَارَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُودَعِ وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ رَجُلٍ وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ وَأَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِالْعَبْدِ حَتَّى يَدْفَعَهُ إلَيْهِ فَمَاتَ الْعَبْدُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْكَفِيلِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ انْفَسَخَ بِمَوْتِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَرِئَ الْأَصِيلُ عَنْ تَسْلِيمِ عَيْنِهِ. فَكَذَلِكَ الْكَفِيلُ وَالْكَفِيلُ مَا ضَمِنَ الثَّمَنَ فَلَا يُطَالَبُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ ضَمِنَ الدَّرَكَ فِي الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَيْسَ يُدْرَكُ وَإِنَّمَا الدَّرَكُ لِلِاسْتِحْقَاقِ وَلَوْ قَبَضَهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَرَدَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْكَفِيلِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ لَيْسَ يُدْرَكُ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ بِهِ عَيْبًا وَلَكِنْ اُسْتُحِقَّ بِصِفَةٍ فَرَدَّ الْمُشْتَرِي النِّصْفَ الْبَاقِيَ؛ لَمْ يَضْمَنْ الْكَفِيلُ إلَّا ثَمَنَ النِّصْفِ الْمُسْتَحَقِّ؛ لِأَنَّ الدَّرَكَ تَحَقَّقَ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ الْآخَرِ فَإِنَّمَا رَدَّهُ الْمُشْتَرِي

стр. 4158

بِعَيْبِ التَّبْعِيضِ وَذَلِكَ لَيْسَ بِدَرَكٍ. وَإِذَا كَفَلَ رَجُلٌ بِالرَّهْنِ وَفِيهِ فَضْلٌ عَلَى الدَّيْنِ فَهَلَكَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْكَفِيلِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الرَّهْنِ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى مِقْدَارِ الدَّيْنِ مِنْ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ أَمَانَةٌ فَلَا يَضْمَنُ الْكَفِيلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِالْكَفَالَةِ وَلَوْ كَانَ ضَمِنَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ مَا نَقَصَ الرَّهْنُ مِنْ دَيْنِهِ وَكَانَ الرَّهْنُ قِيمَتُهُ تِسْعَمِائَةٍ وَالدِّينُ أَلْفًا؛ ضَمِنَ الْكَفِيلُ مِائَةَ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِالْكَفَالَةِ دَيْنًا مَضْمُونًا فِي ذِمَّةِ الْأَصِيلِ وَلَوْ أَنَّ جَارِيَةً بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَخَذَهَا أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهِ فَكَفَلَ رَجُلٌ لِصَاحِبِهِ بِنَصِيبِهِ مِنْهَا جَازَ؛ لِأَنَّ الْآخِذَ غَاصِبٌ ضَامِنٌ لِنَصِيبِ شَرِيكِهِ. وَلَوْ كَانَ أَخَذَهَا بِرِضَاهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْقَابِضِ وَلَوْ اسْتَعَارَ الرَّهْنَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ عَلَى إنْ أَعْطَاهُ كَفِيلًا بِهِ فَهَلَكَ عِنْدَ الرَّاهِنِ؛ كَانَ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الِاسْتِيفَاءِ بِاعْتِبَارِ يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ مَا اسْتَعَارَهُ الرَّاهِنُ وَلَمْ يَلْزَمْ الْكَفِيلَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى الْأَصِيلِ بِسَبَبِ هَذَا الْقَبْضِ فَلَا يَضْمَنُ الْكَفِيلُ أَيْضًا شَيْئًا، وَلَوْ كَانَ أَخَذَهُ بِغَيْرِ رِضَا الْمُرْتَهِنِ جَازَ ضَمَانُ الْكَفِيلِ وَأُخِذَ بِهِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ ضَامِنٌ مَالِيَّةَ الْعَيْنِ هُنَا. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ؛ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِلْمُرْتَهِنِ فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْكَفَالَةِ بِالْمَغْصُوبِ وَلَوْ اسْتَقْرَضَ مِنْ رَجُلٍ مَالًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ فُلَانًا عِنْدَهُ رَهْنًا وَكَفَلَ لَهُ بِذَلِكَ الرَّهْنِ كَفِيلٌ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْكَفِيلِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْقَبْضِ فَقَبْلَ الْقَبْضِ لَيْسَ هُنَا شَيْءٌ مَضْمُونٌ عَلَى الْأَصِيلِ لِتَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِهِ وَلَوْ أَجَرَ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً وَعَجَّلَ الْأَجْرَ وَلَمْ يَقْبِضْ الْعَبْدَ وَلَا الدَّابَّةَ، وَكَفَلَ لَهُ كَفِيلٌ بِذَلِكَ حَتَّى يَدْفَعَهُ إلَيْهِ؛ فَالْكَفِيلُ يُؤْخَذُ لَهُ مَا دَامَ حَيًّا؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْأَصِيلِ وَهُوَ مِمَّا تُجْرَى فِيهِ النِّيَابَةُ فَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ فَإِنْ هَلَكَ مَا اسْتَأْجَرَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْكَفِيلِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ انْفَسَخَتْ وَخَرَجَ الْأَصِيلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُطَالَبًا بِتَسْلِيمِ الْعَيْنِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ رَدُّ الْأَجْرِ وَالْكَفِيلُ مَا كَفَلَ بِالْأَجْرِ وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِأَمَةٍ وَهِيَ حُبْلَى وَلِآخَرَ بِمَا فِي بَطْنِهَا وَهِيَ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ فَأَخَذَ صَاحِبُ الْحَبَلِ مِنْ صَاحِبِ الْأَمَةِ كَفِيلًا بِمَا فِي بَطْنِهَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْبَطْنِ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى صَاحِبِ الْأَمَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَ الْأَمَةَ إلَى صَاحِبِ الْوَلَدِ تَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى إنْ أَعْطَاهُ بِهَا كَفِيلًا لَمْ تَجُزْ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِيهَا حِينَ قَبَضَهَا بِإِذْنِ صَاحِبِهَا، وَلَوْ أَخَذَهَا بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَأَعْطَاهُ بِهَا كَفِيلًا جَازَ؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ لَهَا، ضَامِنٌ. وَلَوْ أَخَذَ صَاحِبُ الْأَمَةِ الْأَمَةَ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِ الْوَلَدِ وَأَعْطَاهُ كَفِيلًا بِالْوَلَدِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ بِأَخْذِ الْأُمِّ لَا يَصِيرُ غَاصِبًا ضَامِنًا لِمَا فِي بَطْنِهَا وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِخَادِمٍ وَلِآخَرَ بِخِدْمَتِهَا؛ فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَ صَاحِبِ الْخِدْمَةِ فَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ كَفِيلًا بِهَا

стр. 4159

وَقَدْ أَخَذَهَا صَاحِبُ الْخِدْمَةِ بِإِذْنِهِ؛ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْكَفِيلِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ لَهُ تَبَرُّعًا فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الْأَخْذُ مُوجِبًا عَلَيْهِ ضَمَانًا فَلَا يَلْزَمُ الْكَفِيلَ ذَلِكَ بِالْكَفَالَةِ. وَلَوْ أَخَذَهَا صَاحِبُ الرَّقَبَةِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِ الْخِدْمَةِ ثُمَّ أَعْطَاهُ كَفِيلًا بِهَا حَتَّى يُسَلِّمَهَا إلَيْهِ أُخِذَ بِهَا الْكَفِيلُ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ الْعَيْنِ إلَى صَاحِبِ الْخِدْمَةِ مُسْتَحَقٌّ عَلَى صَاحِبِ الرَّقَبَةِ هُنَا وَهُوَ مِمَّا تُجْرَى فِيهِ النِّيَابَةُ فَيَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِالْكَفَالَةِ، فَإِنْ مَاتَتْ بَرِئَ الْكَفِيلُ؛ لِأَنَّ حَقَّ صَاحِبِ الْخِدْمَةِ بَطَلَ بِمَوْتِهَا وَسَقَطَتْ الْمُطَالَبَةُ عَنْ صَاحِبِ الرَّقَبَةِ بِالتَّسْلِيمِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِالْغَلَّةِ مَكَانَ الْخِدْمَةِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ مِنْ رَجُلٍ عَيْنًا فَادَّعَى رَجُلٌ فِيهِ دَعْوَى فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْبَائِعِ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَا أَدْرَكَهُ فِي ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى عَلَى الْمُشْتَرِي لَا يَسْتَحِقُّ الْمُدَّعِي عَلَى الْبَائِعِ شَيْئًا فَلَا يُجْبَرُ عَلَى إعْطَاءِ الْكَفِيلِ وَلَكِنَّهُ لَوْ أَعْطَاهُ كَفِيلًا بِمَا أَدْرَكَهُ فِي ذَلِكَ جَازَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَعْطَاهُ ذَلِكَ عِنْدَ الشِّرَاءِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ دَعْوَى الْمُدَّعِي وَلَوْ ادَّعَى ذِمِّيٌّ قِبَلَ ذِمِّيٍّ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا بِعَيْنِهِ فَأَخَذَ مِنْهُ بِهِ كَفِيلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ جَازَ، وَإِنْ كَفَلَ بِهِ مُسْلِمٌ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ لَيْسَا بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْتِزَامُ تَسْلِيمِهِ بِالْكَفَالَةِ كَمَا لَا يَصِحُّ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ، وَإِنْ هَلَكَ ذَلِكَ عِنْدَهُ ثُمَّ ضَمِنَهُ الْمُسْلِمُ لَهُ ثُمَّ أَقَامَ الْمُدَّعِي عَلَى ذَلِكَ شُهُودًا مُسْلِمِينَ ضَمِنَ قِيمَةَ الْخِنْزِيرِ وَلَمْ يَضْمَنْ الْخَمْرَ؛ لِأَنَّ الْخِنْزِيرَ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ عِنْدَ الْهَلَاكِ وَقِيمَتُهُ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ فَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهَا مِنْ الْمُسْلِمِ وَأَمَّا الْخَمْرُ فَإِنَّهَا مَضْمُونَةٌ بِالْمِثْلِ فَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهَا مِنْ الْمُسْلِمِ كَمَا لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالْعَيْنِ حَالَ قِيَامِهَا وَلَوْ تَقَبَّلَ مِنْ رَجُلٍ بِنَاءَ دَارٍ مَعْلُومٍ أَوْ كِرَابِ أَرْضٍ مَعْلُومٍ أَوْ كَرْيَ نَهْرٍ مَعْلُومٍ فَأَعْطَاهُ بِهَا كَفِيلًا كَانَ جَائِزًا؛ لِأَنَّ هَذَا عَمَلٌ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْأَصِيلِ، مَضْمُونٌ بِالْعَقْدِ وَهُوَ مِمَّا تُجْرَى النِّيَابَةُ فِي إيفَائِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَكْرَاهُ إبِلًا إلَى مَكَّةَ فَأَعْطَاهُ كَفِيلًا بِذَلِكَ جَازَ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَهَا مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْأَصِيلِ وَلَوْ كَانَتْ الْإِبِلُ بِأَعْيَانِهَا فَأَعْطَاهُ كَفِيلًا بِهَا كَانَ جَائِزًا مَا دَامَتْ قَائِمَةً بِأَعْيَانِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصِيلَ مُطَالَبٌ بِتَسْلِيمِهَا بِالْعَقْدِ فَإِذَا هَلَكَتْ؛ فَقَدْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ وَبَرِئَ الْأَصِيلُ عَنْ التَّسْلِيمِ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْكَفِيلِ فَلَوْ أَعْطَاهُ كَفِيلًا بِالْحُمُولَةِ لَمْ يَجُزْ فِيمَا كَانَ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُجْرَى النِّيَابَةُ فِيهِ فَإِنَّ إبِلَ الْكَفِيلِ لَا تَقُومُ مَقَامَ تِلْكَ الْحُمُولَةِ الْمُعَيَّنَةِ فِي إيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَجَازَ فِيمَا كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْأَصِيلِ بِالْعَقْدِ وَهُوَ مِمَّا تُجْرَى فِيهِ النِّيَابَةُ بِإِيفَائِهِ وَإِنَّمَا يَلْتَزِمُ الْكَفِيلُ تَسْلِيمَ مَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَإِذَا كَتَبَ ذِكْرَ حَقٍّ عَلَى رَجُلٍ وَكَتَبَ فِيهِ: وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لَهُ وَأَيَّهُمَا شَاءَ فُلَانٌ أَخَذَهُ بِهَذَا الْمَالِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُمَا

стр. 4160

جَمِيعًا، وَإِنْ شَاءَ شَتَّى كَيْفَ شَاءَ وَكُلَّمَا شَاءَ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مِنْهُمَا هَذَا الْمَالَ وَإِنَّمَا يُكْتَبُ ذَلِكَ احْتِيَاطًا لِصَاحِبِ الْحَقِّ مِنْ اخْتِلَافِ الْقُضَاةِ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ - عِنْدَنَا - أَنَّهُ إذَا كَفَلَ بِمَالٍ فَلِلطَّالِبِ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهمَا شَاءَ بِجَمِيعِ الْمَالِ كَيْفَ شَاءَ وَكُلَّمَا شَاءَ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ﵀: بَرِئَ الْأَصِيلُ وَالْمَالُ عَلَى الْكَفِيلِ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ أَجَزْته وَأَيُّهُمَا أَجَازَ أَبْرَأْت الْآخَرَ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ أَنْ يَأْخُذَهُمَا جَمِيعًا أَوْ شَتَّى فَأُدْخِلَا فِي الصَّكِّ جَمِيعًا أَوْ شَتَّى لِذَلِكَ وَقَالَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵀: إنْ أُدْخِلَا جَمِيعًا أَوْ شَتَّى؛ أَجَزْته، فَإِنْ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْآخَرَ إلَّا أَنْ يُفْلِسَ هَذَا أَوْ يَمُوتَ وَلَا يَتْرُكُ شَيْئًا فَأُدْخِلَا فِي الصَّكِّ كَيْفَ شَاءَ وَكُلَّمَا شَاءَ حَتَّى يَكُونَ لَهُ الِاخْتِيَارُ كُلَّ مَرَّةٍ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْكِتَابَ لِلتَّوَثُّقِ فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ يَكْتُبُ الْكِتَابَ أَنْ يَحْتَاطَ لِصَاحِبِهِ بِكُلِّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ التَّوَثُّقِ وَيَحْتَاطَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ اخْتِلَافِ الْقُضَاةِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ [بَابٌ مِنْ الْكَفَالَةِ] أَيْضًا (قَالَ ﵀): وَإِذَا أَقْرَضَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ قَرْضًا عَلَى أَنْ يَكْفُلَ بِهِ فُلَانٌ؛ كَانَ جَائِزًا حَاضِرًا كَانَ فُلَانٌ أَوْ غَائِبًا ضَمِنَ أَوْ لَمْ يَضْمَنْ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ أَنْ يُحِيلَهُ بِهِ عَلَى فُلَانٍ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَائِزِ مِنْ الشُّرُوطِ فَلَا يُفْسِدُهُ الْبَاطِلُ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَوْ شَرَطَ فِيهِ كَفَالَةً أَوْ حَوَالَةً مِنْ مَجْهُولٍ أَوْ مَعْلُومٍ غَيْرِ حَاضِرٍ؛ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ مِنْ الشُّرُوطِ مُبْطِلٌ لِلْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْجَائِزِ مِنْ الشُّرُوطِ. فَأَمَّا ضَمَانُ الْقَرْضِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِالْقَبْضِ شَرْعًا وَلَا أَثَرَ لِلشُّرُوطِ فِيهِ كَضَمَانِ الْغَصْبِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ مِنْ دَمِ عَمْدٍ وَجِرَاحَةٍ فِيهَا قِصَاصٌ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا. وَجِنَايَةُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ إذَا ضَمِنَهَا فَشَرَطَ لَهُ فِي ذَلِكَ كَفَالَةً أَوْ حَوَالَةً فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَرْضِ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا يُبْطَلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ. وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ وَلَوْ قَبِلَ الْكَفِيلُ الْكَفَالَةَ أَوْ الْحَوَالَةَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَازِمٌ يُطَالِبُ بِهِ الْأَصِيلُ وَتُجْرَى النِّيَابَةُ فِي إيفَائِهِ وَبَدَلُ الْعِتْقِ بِمَالٍ لَيْسَ كَبَدَلِ الْكِتَابَةِ فِي حُكْمِ الْكَفَالَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِدَيْنٍ قَوِيٍّ وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ فَسَادَ شَرْطِ الْكَفَالَةِ لَا يُبْطِلُ هَذِهِ الْعُقُودَ: مَا قَالَ فِي الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ يُرَدُّ وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعَقْدِ وَلَكِنْ يُسْتَحَقُّ بِهِ الْفَسْخُ بَعْدَ الِانْعِقَادِ، وَهَذِهِ الْعُقُودُ لَا تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بَعْدَ التَّمَامِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الشَّرْطُ الْفَاسِدُ وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ حَالٌّ مِنْ ثَمَنِ

стр. 4161

بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ غَصْبٍ فَسَأَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَنْهُ نُجُومًا عَلَى أَنْ يَضْمَنَهُ لَهُ فُلَانٌ الْغَائِبُ فَصَالَحَهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَدِمَ الْكَفِيلُ فَأَبَى أَنْ يَضْمَنَ؛ فَالصُّلْحُ مُنْتَقَضٌ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ عَلَى التَّنْجِيمِ فِي الْمَالِ يَعْتَمِدُ تَمَامَ الرِّضَا وَهُوَ مَا رَضِيَ بِذَلِكَ إلَّا بِكَفَالَةِ الْكَفِيلِ فَإِذَا أَبَى أَنْ يَكْفُلَ كَانَ الْمَالُ حَالًّا عَلَيْهِ كَمَا كَانَ وَإِنْ ضَمِنَ الْكَفِيلُ بَعْدَ مَا حَضَرَ جَازَ الصُّلْحُ لِتَمَامِ الرِّضَا بِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُ فِي مَجْلِسِ الصُّلْحِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْعَقْدِ مِنْ التَّمْلِيكِ شَيْءٌ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتِمَّ الرِّضَا بِهِ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَ الْمَجْلِسِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ مَالٌ بِمَالٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّيِّقِ فَإِذَا لَمْ يَحْضُرْ الْكَفِيلُ فِي الْمَجْلِسِ صَارَ اشْتِرَاطُ كَفَالَتِهِ شَرْطًا فَاسِدًا. وَالْبَيْعُ يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَهَذَا لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى الْقَبُولِ بَعْدَ الْمَجْلِسِ فَكَذَلِكَ لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى قَبُولِ الْكَفَالَةِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ بَعْدَ الْمَجْلِسِ وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا فَأَبَى أَنْ يَضْمَنْ لَمْ يَجُزْ الصُّلْحُ لِانْعِدَامِ تَمَامِ الرِّضَا بِهِ، وَإِنْ ضَمِنَ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ اشْتَرَطَ فِي التَّأْخِيرِ أَنَّهُ إنْ أَخَّرَهُ عَنْ مَحَلِّهِ فَالْمَالُ كُلُّهُ حَالٌّ أَوْ إنْ أَخَّرَ نَجْمًا عَنْ مَحَلِّهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ؛ فَالْمَالُ كُلُّهُ حَالٌّ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى مَا اشْتَرَطَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الصُّلْحِ مِنْ مَعْنَى التَّمْلِيكِ شَيْءٌ وَهَذَا الشَّرْطُ فِي الصُّلْحِ مُتَعَارَفٌ وَلَوْ أَعْطَاهُ كَفِيلًا عَلَى أَنْ جَعَلَ لَهُ أَجَلًا مَعْلُومًا؛ كَانَ جَائِزًا فِي جَمِيعِ الدُّيُونِ إلَّا الْقَرْضَ فَإِنَّهُ حَالٌّ عَلَى الْأَصِيلِ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ حَقُّ الْأَصِيلِ كَالْعَارِيَّةِ لَا يَلْزَمُ فِيهِ الْأَجَلُ وَهُوَ مُؤَجَّلٌ عَلَى الْكَفِيلِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْكَفِيلِ بِعَقْدِ الْكَفَالَةِ. وَالدَّيْنُ الْوَاجِبُ بِالْعَقْدِ يَقْبَلُ الْأَجَلَ. وَإِذَا كَفَلَ الْمَرِيضُ بِمَالٍ ثُمَّ مَاتَ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ مِنْ ثُلُثِهِ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ تَبَرُّعٌ وَتَبَرُّعَاتِ الْمَرِيضِ تَصِحُّ مِنْ ثُلُثِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَفَلَ بِهِ فِي الصِّحَّةِ؛ لَزِمَهُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَالِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِوَارِثٍ وَلَا عَنْ وَارِثٍ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ فِي الصِّحَّةِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ وَإِقْرَارُهُ فِي الْمَرَضِ بِسَبَبِ وُجُوبِ الدَّيْنِ مُضَافًا إلَى حَالِ الصِّحَّةِ يَكُونُ إقْرَارًا بِالدَّيْنِ. وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِلْأَجْنَبِيِّ بِالدَّيْنِ صَحِيحٌ وَلِلْوَارِثِ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ عَنْ وَارِثٍ فَهَذَا قَوْلٌ مِنْ الْمَرِيضِ فِيهِ مَنْفَعَةُ وَارِثِهِ. وَالْمَرِيضُ مَحْجُورٌ عَنْ مِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ دَيْنَ الصِّحَّةِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ فِي الْمَرَضِ فَمَا بَقِيَ دَيْنُ الصِّحَّةِ لَمْ يُعْتَبَرْ إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ فِي الْمَرَضِ، وَإِذَا كَفَلَ فِي الصِّحَّةِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ فُلَانٌ لِفُلَانٍ وَلَمْ يُسَمِّهِ ثُمَّ مَرِضَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ فَأَقَرَّ الْمَكْفُولُ عَنْهُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ لَزِمَ الْمَرِيضَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَالِهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْمَالِ قَدْ تَمَّ مِنْهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَهُوَ الْكَفَالَةُ، وَالدَّيْنُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ السَّبَبِ بِمَنْزِلَةِ دَيْنِ الصِّحَّةِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّ الْمُقِرَّ لَهُ يُخَلِّصُ غُرَمَاءَ الْكَفِيلِ بِذَلِكَ

стр. 4162

لِأَنَّ أَصْلَهُ كَانَ فِي الصِّحَّةِ وَكَانَ قَدْ لَزِمَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَنْهُ وَإِبْطَالَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَفَلَ بِمَا ذَابَ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَوْ بِمَا صَارَ لَهُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لِوَارِثٍ أَوْ عَنْ وَارِثٍ أَوْ لِوَارِثٍ عَنْ وَارِثٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الصِّحَّةِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ ضَمَانِ الدَّرَكِ فَإِنَّهُ لَوْ كَفَلَ فِي صِحَّتِهِ بِمَا أَدْرَكَهُ مِنْ دَرَكٍ فِي دَارٍ اشْتَرَاهَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ الدَّارُ فِي مَرَضِ الْكَفِيلِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَضْرِبُ مَعَ غُرَمَاءِ الْكَفِيلِ الْمَيِّتِ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الدَّيْنِ كَانَ فِي الصِّحَّةِ بِخِلَافِ الْكَفَالَةِ فِي الْمَرَضِ. وَإِنْ كَفَلَ فِي الْمَرَضِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ ثُمَّ اسْتَدَانَ دَيْنًا يُحِيطُ بِمَالِهِ ثُمَّ مَاتَ فَالْكَفَالَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ مَا لَزِمَهُ فِي الْمَرَضِ مِنْ الدَّيْنِ بِسَبَبٍ مُعَايِنٍ بِمَنْزِلَةِ دَيْنِ الصِّحَّةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْكَفَالَةَ فِي الْمَرَضِ لَا تَصِحُّ إذَا كَانَ دَيْنُ الصِّحَّةِ مُحِيطًا بِمَالِهِ وَإِذَا كَفَلَ رَجُلٌ لِرَجُلَيْنِ وَقَالَ: قَدْ كَفَلْت لِفُلَانٍ بِمَالِهِ عَلَى فُلَانٍ، أَوْ كَفَلْت لِفُلَانٍ الْآخَرَ بِمَالِهِ عَلَى فُلَانٍ؛ فَهَذَا بَاطِلٌ سَوَاءٌ كَانَ الْمَالَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَكْفُولَ لَهُ وَالْمَكْفُولَ عَنْهُ مَجْهُولٌ فَتَكُونُ الْجَهَالَةُ مُتَفَاحِشَةً وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْجَهَالَةِ تَمْنَعُ الْكَفَالَةَ وَلَوْ كَانَ الْحَقُّ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى رَجُلَيْنِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ: كَفَلْت لَكَ بِمَالِكٍ عَلَى فُلَانٍ فَهَذَا جَائِزٌ سَوَاءٌ كَانَ الْمَالَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ هُنَا يَسِيرَةٌ مُسْتَدْرَكَةٌ وَهِيَ جَهَالَةُ الْمَكْفُولِ عَنْهُ وَمِثْلُ هَذِهِ الْجَهَالَةِ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ الْمَبْنِيِّ عَلَى التَّوَسُّعِ وَهَذَا لِأَنَّ الطَّالِبَ مَعْلُومٌ فَتَتَوَجَّهُ الْمُطَالَبَةُ مِنْ جِهَتِهِ عَلَى الْكَفِيلِ وَإِنَّمَا بَقِيَ الْخِيَارُ فِي حَقِّ الْكَفِيلِ فِي أَنْ يُؤَدِّيَ أَيَّ الْمَالَيْنِ شَاءَ. وَلَوْ كَفَلَ عَنْ وَاحِدٍ بِأَحَدِ الْمَالَيْنِ؛ جَازَ فَهَذَا مِثْلُهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَالْمُطَالَبَةُ هُنَاكَ لَا تَتَوَجَّهُ مِنْ الْمَجْهُولِ عَلَى الْكَفِيلِ وَالْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فِي هَذَا مِثْلُ الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: كَفَلْت لَك بِنَفْسِ فُلَانٍ فَإِنْ لَمْ أُوَافِكَ بِهِ غَدًا فَعَلَيَّ مَا لَك عَلَيْهِ وَهُوَ الْمِائَةُ دِينَارٍ أَوْ بِنَفْسِ فُلَانٍ فَإِنْ لَمْ أُوَافِك بِهِ غَدًا فَعَلَيَّ مَا لَك عَلَيْهِ وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَلَمْ يُوَافِ بِهِ غَدًا؛ فَهُوَ ضَامِنٌ لِأَحَدِهِمَا أَحَدَ الْمَالَيْنِ أَيُّ ذَلِكَ شَاءَ؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ وَاحِدٌ مَعْلُومٌ، وَإِنْ دَفَعَ أَحَدُهُمَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ بَرِئَ مِنْ الْكَفَالَةِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ بِدَفْعِ أَحَدِهِمَا اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِكَفَالَتِهِ فَتَبْطُلُ عَنْهُ كَفَالَتُهُ عَنْ الْآخَرِ بِهَذَا الِاخْتِيَارِ وَقَدْ وُجِدَتْ الْمُوَافَاةُ فِي حَقِّ الَّذِي اخْتَارَ فَيَبْرَأُ مِنْ كَفَالَتِهِ أَيْضًا وَلَوْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى رَجُلٍ مَالٌ فَقَالَ رَجُلٌ لِأَحَدِهِمَا: كَفَلْت بِنَفْسِ غَرِيمِك فُلَانٍ فَإِنْ لَمْ أُوَافِك بِهِ غَدًا فَمَا لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ فَهُوَ عَلَيَّ؛ جَازَتْ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ كَفَلَ بِهَا لِمَعْلُومٍ مُطْلَقًا وَبَطَلَتْ الْكَفَالَةُ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهَا مُخَاطَرَةٌ فَإِنَّ الْحَقَّ لَيْسَ لِلْمَكْفُولِ لَهُ بِالنَّفْسِ وَمَا كَانَ صِحَّةُ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَالِ لِتَثْبُتَ الْكَفَالَةُ بِهَا

стр. 4163

تَبَعًا لِلْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ فَيَكُونُ هَذَا تَعْلِيقَ الْتِزَامِ الْمَالِ بِمَحْضِ الشَّرْطِ وَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ بِدُخُولِ الدَّارِ، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِلرَّجُلِ كَفَلْت لَك بِنَفْسِ فُلَانٍ فَإِنْ لَمْ أُوَافِك بِهِ غَدًا فَأَنَا كَفِيلٌ بِنَفْسِ فُلَانٍ لِإِنْسَانٍ آخَرَ فَالْكَفَالَةُ الثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ تَوَابِعِ الْكَفَالَةِ الْأُولَى فَيَكُونُ تَعْلِيقًا لِالْتِزَامِ التَّسْلِيمِ بِمَحْضِ الشَّرْطِ وَلَوْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ عَنْ وَاحِدٍ فَقَالَ: كَفَلْت لَك بِنَفْسِ فُلَانٍ فَإِنْ لَمْ أُوَافِك بِهِ غَدًا فَمَا لِفُلَانٍ عَلَيْهِ وَهُوَ أَلْفٌ عَلَيَّ؛ فَرَضِيَ بِذَلِكَ الْآخَرُ فَالْكَفَالَةُ الْأُولَى جَائِزَةٌ وَالنِّيَابَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ مَا كَانَتْ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَالِ فَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ تَبَعًا لِلْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ. وَلَوْ قَالَ كَفَلْت لَك بِنَفْسِ فُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ بِمَالِهِ عَلَيْهِ أَوْ بِنَفْسِهِ فَهَذَا بَاطِلٌ كُلُّهُ لِجَهَالَةِ الْمَكْفُولِ لَهُ وَلَوْ قَالَ: كَفَلْت لَك بِأَحَدِ غَرِيمَيْك هَذَيْنِ أَوْ بِأَحَدِ مَالَيْك عَلَى هَذَيْنِ كَانَ جَائِزًا؛ لِأَنَّهُ الْمَكْفُولُ لَهُ وَالْمُطَالَبَةُ تَتَوَجَّهُ مِنْ جِهَتِهِ وَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِ مَا الْتَزَمَهُ الْكَفِيلُ إلَيْهِ. وَإِذَا كَفَلَ عَنْ رَجُلٍ بِمَالٍ بِأَمْرِهِ فَرَهَنَهُ الْمَكْفُولُ عَنْهُ رَهْنًا بِهِ وَفَاءً فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ بِنَفْسِ الْكَفَالَةِ كَمَا وَجَبَ الْمَالُ لِلطَّالِبِ عَلَى الْكَفِيلِ؛ وَجَبَ لِلْكَفِيلِ عَلَى الْأَصِيلِ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا وَالرَّهْنُ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ صَحِيحٌ فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ عِنْدَ الْكَفِيلِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ فَكَأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقِيقَةً حَتَّى إذَا أَدَّى الْكَفِيلُ الْمَالَ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ، وَإِنْ أَدَّاهُ الْأَصِيلُ إلَى الطَّالِبِ رَجَعَ عَلَى الْكَفِيلِ بِمِثْلِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَوْفَاهُ مِنْهُ حَقِيقَةً. وَلَوْ كَفَلَ عَنْ رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ بِأَمْرِهِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ بِهَا هَذَا الْعَبْدَ رَهْنًا فَوَقَعَتْ الْكَفَالَةُ بِهَذَا بِغَيْرِ شَرْطٍ مِنْ الْكَفِيلِ عَلَى الْمَكْفُولِ لَهُ ثُمَّ إنْ الْمَكْفُولُ عَنْهُ أَبَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الْعَبْدَ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَكُونُ رَهْنًا؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ لَمْ يَقْبِضْهُ وَالرَّهْنُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ وَلَا يُجْبَرُ الْمَكْفُولُ عَنْهُ عَلَى دَفْعِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَعْدًا مِنْ جِهَتِهِ وَالْمَوَاعِيدُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا اللُّزُومُ وَالْكَفَالَةُ لَازِمَةٌ لِلْكَفِيلِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْمَالَ لِلطَّالِبِ بِالْكَفَالَةِ الْمُطْلَقَةِ عِنْدَ شَرْطٍ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَ الْكَفِيلُ اشْتَرَطَ عَلَى الطَّالِبِ فَقَالَ لَهُ: أَكْفُلُ لَك بِهَذَا الْمَالِ عَنْ فُلَانٍ عَلَى إنْ رَهَنَ بِهِ فُلَانٌ هَذَا الْعَبْدَ فَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيَّ؛ فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْكَفَالَةِ فَكَفَلَ لَهُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ الرَّهْنَ بَرِئَ الْكَفِيلُ مِنْ الْكَفَالَةِ وَالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَضِيَ بِالْتِزَامِ الْمَالِ بِدُونِ هَذَا الشَّرْطِ وَالْتِزَامُ الْمَالِ بِالْكَفَالَةِ يَعْتَمِدُ تَمَامَ الرِّضَا وَلِأَنَّهُ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ إذَا لَمْ يُعْطِهِ الرَّهْنَ وَالشَّرْطُ أَمْلَكُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَفَلَ عَنْهُ بِالْمَالِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ بِذَلِكَ الْمَطْلُوبِ كَفِيلًا فَوَقَعَتْ الْكَفَالَةُ لِلطَّالِبِ عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ ثُمَّ إنْ الْمَكْفُولُ عَنْهُ أَبَى أَنْ يُعْطِيَ الْكَفِيلَ كَفِيلًا فَإِنَّ الْكَفَالَةَ عَلَى الْكَفِيلِ جَائِزَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْكَفِيلُ شَرَطَ عَلَى الطَّالِبِ: إنْ لَمْ يُعْطِ كَفِيلًا بِهَذَا الْمَالِ فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ كَفَالَتِي فَهُوَ عَلَيَّ

стр. 4164

شَرْطُهُ إنْ لَمْ يُعْطِهِ كَفِيلًا؛ بَرِئَ مِنْ الْكَفَالَةِ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الرَّهْنِ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مَعَ الطَّالِبِ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ فَكَذَلِكَ فِي الْكَفَالَةِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْكَفِيلِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّوَثُّقُ وَالنَّظَرُ لِنَفْسِهِ حَتَّى لَا يَلْحَقَهُ غُرْمٌ، وَإِنْ كَتَبَ الْكَفِيلُ عَلَى دَارِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ شِرَاءً بِالْمَالِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ شِرَاءٌ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَهَذَا قَضَاءٌ مِنْ الْمَكْفُولِ عَنْهُ لِلْكَفِيلِ بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ فَكَأَنَّهُ أَوْفَاهُ الدَّيْنَ حَقِيقَةً وَلَوْ كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ عَلَى أَنَّهُ لِلْكَفِيلِ إنْ لَمْ يُوَافِ بِهِ إلَى سَنَةٍ فَعَلَيْهِ الْمَالُ الَّذِي عَلَيْهِ وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَعْطَى الْمَكْفُولَ عَنْهُ رَهْنًا بِالْمَالِ قَبْلَ السَّنَةِ فَالرَّهْنُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْكَفِيلِ بَعْدُ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْتِزَامَ الْمَالِ بِشَرْطِ عَدَمِ الْمُوَافَاةِ فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا قَبْلَ الشَّرْطِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ نَفْسَهُ إلَيْهِ قَبْلَ الْأَجَلِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ شَيْءٌ فَإِنْ قِيلَ: فَأَيْنَ ذَهَبَ قَوْلُكُمْ إنَّ فِي كَلَامِهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا أَوْ: إنَّهُ الْتَزَمَ الْمَالَ ثُمَّ جَعَلَ الْمُوَافَاةَ بِنَفْسِهِ صَرْفًا لَهُ عَنْ الْمَالِ قُلْنَا: ذَلِكَ طَرِيقٌ صَارَ إلَيْهِ بَعْضُ مَشَايِخِنَا ﵏ لِتَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ بِالْمَالِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُوَافَاةِ بِالنَّفْسِ فَأَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْمَالُ بِالْتِزَامِهِ وَهُوَ مَا الْتَزَمَ الْمَالَ إلَّا بَعْدَ عَدَمِ الْمُوَافَاةِ بِالنَّفْسِ غَدًا فَلَا يَكُونُ الْمَالُ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي الْحَالِ وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ عَلَى وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يَخْتَصُّ بِحَقٍّ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ فَإِنَّ مُوجَبَهُ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ إنْ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ رَهْنًا بِغَيْرِ مَالٍ. وَضَمَانُ الرَّهْنِ ضَمَانُ اسْتِيفَاءٍ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ بِدُونِ الدَّيْنِ. وَإِذَا كَفَلَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ بِمَا لَمْ يَحِلَّ عَلَيْهِ بَعْدُ فَقَالَ: إذَا حَلَّ الْمَالُ فَهُوَ عَلَيَّ وَأَعْطَى الْمَكْفُولُ عَنْهُ الْكَفِيلَ رَهْنًا كَانَ جَائِزًا؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْمَالَ بِعَقْدِ الْكَفَالَةِ وَجَعَلَ مُطَالَبَةَ الطَّالِبِ عَنْهُ مُتَأَخِّرَةً إلَى مَا بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَانِعٍ وُجُوبَ أَصْلِ الْمَالِ عَلَى الْأَصِيلِ فَكَذَلِكَ عَلَى الْكَفِيلِ وَإِذَا وَجَبَ الْمَالُ عَلَى الْكَفِيلِ وَجَبَ لِلْكَفِيلِ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ أَيْضًا فَيَجُوزُ الرَّهْنُ بِهِ. وَلَوْ قَالَ: إنْ تَوَى مَا لَك عَلَيْهِ فَهُوَ عَلَيَّ وَأَعْطَاهُ بِذَلِكَ رَهْنًا لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَمْ يَجِبْ بَعْدُ فَإِنَّهُ عَلَّقَ الْتِزَامَ الْمَالِ بِالشَّرْطِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إنْ مَاتَ وَلَمْ يُوَفِّك الْمَالَ فَهُوَ عَلَيَّ فَأَعْطَاهُ الْمَكْفُولُ عَنْهُ بِهِ رَهْنًا فَالرَّهْنُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَمْ يَجِبْ بَعْدُ وَالْكَفَالَةُ جَائِزَةٌ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُتَعَارَفٌ فِي الْكَفَالَاتِ وَلَوْ أَخَذَ الْكَفِيلُ بِالدَّرَكِ رَهْنًا فَالرَّهْنُ بَاطِلٌ وَالْكَفَالَةُ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَالَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الْكَفِيلِ قَبْلَ لُحُوقِ الدَّرَكِ فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا عَلَى الْأَصِيلِ فَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ وَكُلُّ مَا أَبْطَلْنَا فِيهِ الرَّهْنَ بِالْمَالِ

стр. 4165

فَكَانَ الرَّهْنُ فِي يَدَيْ الْكَفِيلِ حَتَّى يَحِلَّ عَلَيْهِ الْمَالُ وَيُؤْخَذُ بِهِ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَمْسِكَ الرَّهْنَ بِذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الرَّهْنِ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا لَمْ يَثْبُتْ بِقَبْضِهِ يَدٌ لِلِاسْتِيفَاءِ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهُ بَعْدَ ذَلِكَ - وَإِنْ وَجَبَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ - وَلَوْ آجَرَ مِنْهُ إبِلًا إلَى مَكَّةَ وَكَفَلَ عَنْهُ رَجُلٌ بِالْأَجْرِ وَبِالْحُمُولَةِ فَأَخَذَ الْكَفِيلُ مِنْهُ بِذَلِكَ رَهْنًا فَإِنَّ الرَّهْنَ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ مَأْخُوذٌ بِالْكَفَالَةِ وَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ أَمَّا عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ فَلِأَنَّ الْأَجْرَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ مُؤَجَّلًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ سَبَبُ الْوُجُوبِ مُتَقَرِّرٌ، وَإِنْ تَأَخَّرَ وُجُوبُ الْمَالِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنْهُ صَحِيحٌ فَيَجُوزُ الرَّهْنُ بِهِ سَوَاءٌ ارْتَهَنَ مِنْ الْكَفِيلِ أَوْ ارْتَهَنَ الْكَفِيلُ مِنْ الْمَكْفُولِ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَحَالَ عَلَى رَجُلٍ بِمَالٍ وَأَعْطَاهُ بِهِ رَهْنًا جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَالَ بِالْحَوَالَةِ يَجِبُ لِلْمُحْتَالِ عَلَيْهِ عَلَى الْمُحِيلِ كَمَا يَجِبُ لِلطَّالِبِ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ عَلَيْهِ يَتَأَخَّرُ إلَى حِينِ أَدَائِهِ الْمَالَ. وَإِذَا ادَّعَى مُسْلِمٌ عَلَى كَافِرٍ مَالًا وَأَدَّى كَفَالَةَ مُسْلِمٍ بِذَلِكَ وَأَقَامَ بَيِّنَةً مِنْ الْكُفَّارِ بِذَلِكَ؛ ثَبَتَ الْمَالُ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْأَصِيلِ دُونَ الْكَفِيلِ الْمُسْلِمِ وَشَهَادَةُ الْكُفَّارِ لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُسْلِمِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَصْلُ الْمَالِ عَلَى كَافِرٍ فَشَهِدَ كَافِرَانِ عَلَى مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ أَنَّهُمَا كَفَلَا عَنْهُ بِهَذَا الْمَالِ، وَبَعْضُهُمْ كُفَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ جَازَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْأَصِيلِ وَعَلَى الْكَفِيلِ الْكَافِرِ وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْكَفِيلِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْكَفَالَةِ تَنْفَصِلُ عَنْ الْبَعْضِ فَإِنَّمَا يَقْضِي بِقَدْرِ مَا قَامَتْ الْحُجَّةُ بِهِ. وَإِذَا ادَّعَى مُسْلِمٌ مَالًا وَجَحَدَهُ الْمَطْلُوبُ وَادَّعَى الطَّالِبُ كَفَالَةَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَنْهُ بِالْمَالِ بِأَمْرِهِ وَجَحَدَ الْكَفِيلُ وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ ذِمِّيَّانِ؛ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى الْكَفِيلِ وَلَمْ تَجُزْ عَلَى الْمُسْلِمِ حَتَّى إنَّ الْكَفِيلَ إذَا أَدَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُسْلِمِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْكُفَّارِ لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُسْلِمِ فَكَمَا لَا يَثْبُتُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ الدَّيْنُ لِلطَّالِبِ عَلَى الْمُسْلِمِ فَكَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِهَا أَمْرُ الْكَفِيلِ بِالْكَفَالَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَالُ عَلَيْهِمَا فِي الصَّكِّ وَالْمُسْلِمُ فِي صَدْرِ الصَّكِّ وَالذِّمِّيُّ كَفِيلٌ بَعْدَهُ أَوْ كَانَ الصَّكُّ عَلَيْهِمَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ عَنْ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْمَالِ عَلَى أَحَدِهِمَا يَنْفَصِلُ عَنْ وُجُوبِ الْمَالِ عَلَى الْآخَرِ فَإِنَّمَا يَقْضِي الْقَاضِي بِقَدْرِ مَا قَامَتْ الْحُجَّةُ بِهِ وَهَذِهِ الْبَيِّنَةُ حُجَّةٌ عَلَى الْكَافِرِ دُونَ الْمُسْلِمِ. وَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ لِرَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ فَكَفَلَ أَحَدُهُمَا لِشَرِيكِهِ بِحِصَّتِهِ عَنْ الْمَطْلُوبِ لَمْ يَجُزْ مِنْ قِبَلِ الشَّرِكَةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا. مَعْنَاهُ أَنَّ أَصْلَ الْمَالِ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هُوَ كَفِيلًا بِنَصِيبِ صَاحِبِهِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى قِسْمَةِ الدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ كَفِيلًا بِالنِّصْفِ مِنْ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ هَذَا

стр. 4166

يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا نَفْسَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ أَحَدَهُمَا لَوْ اسْتَوْفَى نَصِيبَهُ مِنْ الْمَطْلُوبِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ كَانَ لِلْآخَرِ أَنْ يُشَارِكَهُ فِيهِ فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَوْفَاهُ مِنْ شَرِيكِهِ الْكَفِيلِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هُوَ بِهَذِهِ الْكَفَالَةِ مُسْقِطًا حَقَّهُ فِي الْمُشَارَكَةِ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ قَبْلَ وُجُوبِ سَبَبِ الْوُجُوبِ بَاطِلٌ وَالسَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلشَّرِكَةِ لَهُ فِي الْمَقْبُوضِ الْقَبْضُ وَالْكَفَالَةُ يُسْتَحَقُّ ذَلِكَ فَلِهَذَا بَطَلَتْ الْكَفَالَةُ وَلَيْسَتْ الْكَفَالَةُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ التَّبَرُّعِ بِالْأَدَاءِ فَإِنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ لَوْ تَبَرَّعَ بِأَدَاءِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ عَنْ الْمَدْيُونِ جَازَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إسْقَاطٌ لِحَقِّ الْمُشَارَكَةِ فِي الْمَقْبُوضِ مُتَقَرِّبًا بِالسَّبَبِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا كَفَلَ بِالْيَمِينِ عَنْ الْمُشْتَرِي لِلْمُوَكِّلِ؛ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ ادَّعَى عَنْهُ جَازَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَفَلَ بِنَفْسِ إنْسَانٍ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ لَا يَجُوزُ وَلَوْ تَبَرَّعَ بِأَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ عَنْ الْمُكَاتَبِ؛ جَازَ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الدَّيْنُ لِوَاحِدٍ فَمَاتَ فَوَرِثَهُ ابْنَاهُ فَكَفَلَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بِحِصَّتِهِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا إرْثًا فَهُوَ قِيَاسُ دَيْنٍ مُشْتَرَكٍ بِسَبَبٍ آخَرَ. وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ كَفَلَ بِهَا عَنْهُ رَجُلٌ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ثُمَّ مَاتَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ وَارِثُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْكَفِيلِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مَلَكَ مَا فِي ذِمَّتِهِ بِالْمِيرَاثِ فَسَقَطَ عَنْهُ وَبَرَاءَتُهُ تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْكَفِيلِ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ وَارِثٌ آخَرُ لِلطَّالِبِ فَإِنَّمَا يُسْقِطُ عَنْ الْكَفِيلِ حِصَّةَ الْمَطْلُوبِ وَلِوَارِثِ الْآخَرِ أَنْ يُطَالِبَ الْكَفِيلَ بِحِصَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حِصَّتِهِ قَائِمٌ مَقَامَ الطَّالِبِ وَإِنَّمَا يَبْرَأُ الْكَفِيلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَبْرَأُ بِهِ الْأَصِيلُ وَلَوْ كَانَ احْتَالَ بِهَا عَلَيْهِ فَكَفَلَ بِهَا عَلَى أَنْ أَبْرَأَ الطَّالِبُ الْمَطْلُوبَ ثُمَّ مَاتَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ وَارِثُهُ وَكَانَتْ الْحَوَالَةُ بِأَمْرِهِ؛ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْكَفِيلِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمَالَ صَارَ مَمْلُوكًا لِلْمَطْلُوبِ بِمَوْتِ الطَّالِبِ فَلَوْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْكَفِيلِ وَالْمُحْتَالِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ وَالْكَفَالَةَ كَانَتْ فَاسِدَةً فَلَا يَكُونُ مُقَيَّدًا بِقَضَاءٍ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ رَجَعَ بِهَا عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ أَوْ الْكَفِيلِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الطَّالِبِ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَهَذَا رُجُوعٌ مُفِيدٌ فَإِنَّ الْكَفِيلَ وَالْمُحْتَالَ عَلَيْهِ إنْ كَانَا مُتَطَوِّعَيْنِ هُنَا لَا يَسْتَوْجِبَانِ الرُّجُوعَ عِنْدَ الْأَدَاءِ عَلَى أَحَدٍ بِشَيْءٍ وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ أَصْلَ الْمَالِ هُنَاكَ فِي ذِمَّةِ الْمَطْلُوبِ فَهُوَ إنَّمَا يَمْلِكُ بِالْإِرْثِ مَا فِي ذِمَّةِ نَفْسِهِ فَسَقَطَ عَنْهُ وَلَا يَرْجِعُ الْكَفِيلُ بِشَيْءٍ سَوَاءٌ كَفَلَ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ. وَهُنَا أَصْلُ الْمَالِ تَحَوَّلَ إلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ فَالْأَصِيلُ إنَّمَا يَمْلِكُ مَا فِي ذِمَّةِ غَيْرِهِ فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ إذَا كَانَ دَيْنًا مُفِيدًا. وَإِذَا كَفَلَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ بِدِينٍ عَلَى رَجُلٍ وَعَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ الْمَدْيُونِ لِغُرَمَائِهِ. فَهَذِهِ الْكَفَالَةُ فِي الصُّورَةِ لِلْعَبْدِ وَفِي الْمَعْنَى لِلْغُرَمَاءِ وَالْعَبْدُ الْمَدْيُونُ يَسْتَوْجِبُ

стр. 4167

عَلَى مَوْلَاهُ الدَّيْنَ بِسَائِرِ الْأَسْبَابِ فَكَذَلِكَ بِالْكَفَالَةِ فَإِنْ قَضَى الْعَبْدُ الدَّيْنَ بَطَلَتْ الْكَفَالَةُ عَنْ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ صَارَ لَهُ وَلَا يَكُونُ كَفِيلًا لِنَفْسِهِ عَنْ نَصِيبِهِ وَكَانَ الدَّيْنُ لِلْعَبْدِ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ عَلَى حَالِهِ يَأْخُذُهُ بِهِ؛ لِأَنَّ بَرَاءَةَ الْمَوْلَى هُنَا بِمَنْزِلَةِ الْفَسْخِ لِلْكَفَالَةِ فَلَا تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ. وَإِذَا كَفَلَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ مَاتَ الطَّالِبُ وَالْكَفِيلُ وَارِثُهُ؛ بَرِئَ الْكَفِيلُ مِنْهُ وَالْمَالُ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ عَلَى حِلِّهِ يَأْخُذُهُ بِهِ إنْ كَانَ كَفَلَ عَنْهُ بِأَمْرِهِ، وَإِنْ كَانَ كَفَلَ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَالَ صَارَ لِلْكَفِيلِ مِيرَاثًا بِمَوْتِ الطَّالِبِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ صَارَ لَهُ بِهِبَةِ الطَّالِبِ مِنْهُ أَوْ بِقَضَائِهِ إيَّاهُ وَلَوْ قَضَاهُ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ فِي حَيَاتِهِ؛ رَجَعَ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ إنْ كَانَ كَفَلَ بِأَمْرِهِ، وَإِنْ كَانَ كَفَلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فَهَذَا مِثْلُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الطَّالِبُ أَبْرَأَ مِنْهُ الْمَطْلُوبَ عَلَى أَنْ ضَمَّنَهُ هَذَا بِأَمْرِ الْمَطْلُوبِ أَوْ عَلَى أَنْ احْتَالَ بِهِ عَلَى هَذَا ثُمَّ مَاتَ الطَّالِبُ وَالْكَفِيلُ وَارِثُهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْأَصِيلَ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمَطْلُوبِ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ تَمَلُّكَهُ مَا فِي ذِمَّتِهِ بِالْإِرْثِ بِمَنْزِلَةِ تَمَلُّكِهِ بِالْأَدَاءِ وَإِذَا كَفَلَ الْعَبْدُ بِأَمْرِ سَيِّدِهِ لِرَجُلَيْنِ بِأَلْفَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ ثُمَّ اسْتَدَانَ أَلْفًا ثُمَّ بِيعَ بِأَلْفٍ كَانَ ثَمَنُهُ بَيْنَهُمْ يَضْرِبُ صَاحِبُ الْكَفَالَةِ بِجَمِيعِهَا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ دَيْنِهِ ثَبَتَ عَلَى الْعَبْدِ بِكَفَالَتِهِ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ حِينَ كَانَ فَارِغًا عَنْ الدَّيْنِ فَلَوْ كَانَ اسْتَدَانَ أَوَّلًا أَلْفًا وَكَانَتْ الْكَفَالَةُ بَعْدَ ذَلِكَ فَالثَّمَنُ لِلْمَدِينِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ مِنْهُ كَانَتْ بَعْدَ مَا اُشْتُغِلَتْ مَالِيَّتُهُ بِالدَّيْنِ فَكَفَالَتُهُ بِأَمْرِ الْمَوْلَى إقْرَارٌ لِلْمَوْلَى فِي الْفَصْلَيْنِ عَلَيْهِ جَمِيعًا وَلَوْ كَانَ كَفَلَ بِأَلْفٍ ثُمَّ اسْتَدَانَ أَلْفًا ثُمَّ بِيعَ بِأَلْفٍ كَانَتْ الْأَلْفُ الْوُسْطَى بَاطِلَةً؛ لِأَنَّهُ كَفَلَ بِهَا وَمَالِيَّتُهُ اُشْتُغِلَتْ بِالْكَفَالَةِ الْأُولَى وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَقَرَّ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ اسْتَدَانَ أَلْفًا ثُمَّ بِيعَ بِأَلْفٍ وَتَمَامُ بَيَانِ هَذِهِ الْفُصُولِ فِي كِتَابِ الْمَأْذُونِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [كِتَابُ الصُّلْحِ] (قَالَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ ﵀ إمْلَاءً اعْلَمْ بِأَنَّ الصُّلْحَ عَقْدٌ جَائِزٌ عُرِفَ جَوَازُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهُ

стр. 4168

نِهَايَةٌ فِي الْخَيْرِيَّةِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَالَحَ أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ» «وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ فَرَأَى رَجُلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ فِي ثَوْبٍ فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا هَلْ لَكَ إلَى الشَّطْرِ هَلْ لَكَ إلَى الثُّلُثَيْنِ فَدَعَاهُمَا إلَى الصُّلْحِ وَمَا كَانَ يَدْعُوهُمَا إلَّا إلَى عَقْدٍ جَائِزٍ» وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» وَهَكَذَا كَتَبَ عَلِيٌّ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ كُلُّ صُلْحٍ جَائِزٌ بَيْنَ النَّاسِ إلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا وَهَذَا اللَّفْظُ مِنْ الْأَوَّلِ لِكِتَابِ عُمَرَ ﵁ إلَى أَبِي مُوسَى ﵁ الْأَشْعَرِيِّ قَدْ اُشْتُهِرَ فِيمَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَمَا ذُكِرَ فِيهِ فَهُوَ كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَبِظَاهِرِ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ لِإِبْطَالِ الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ فَإِنَّهُ صُلْحٌ حَرَّمَ حَلَالًا؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ إنْ كَانَ مُحِقًّا كَانَ أَخْذُ الْمَالِ حَلَالًا لَهُ قَبْلَ الصُّلْحِ وَحَرُمَ بِالصُّلْحِ وَإِنْ كَانَ مُبْطِلًا فَقَدْ كَانَ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى الدَّعْوَى الْبَاطِلَةِ حَرَامًا عَلَيْهِ قَبْلَ الصُّلْحِ فَهُوَ صُلْحٌ حَرَّمَ حَلَالًا وَأَحَلَّ حَرَامًا وَلَكِنَّا نَقُولُ لَيْسَ الْمُرَادُ هَذَا فَإِنَّ الصُّلْحَ عَنْ الْإِقْرَارِ لَا يَخْلُو عَنْ هَذَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ فِي الْعَادَةِ يَقَعُ عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ فَمَا زَادَ عَلَى الْمَأْخُوذِ إلَى تَمَامِ الْحَقِّ كَانَ حَلَالًا لِلْمُدَّعِي أَخْذُهُ قَبْلَ الصُّلْحِ وَحَرُمَ بِالصُّلْحِ وَكَانَ حَرَامًا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْعُهُ قَبْلَ الصُّلْحِ وَحَلَّ بِالصُّلْحِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ هَذَا وَالصُّلْحُ الَّذِي حَرَّمَ حَلَالًا وَهُوَ أَنْ يُصَالِحَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ عَلَى أَنْ لَا يَطَأَ الْأُخْرَى أَوْ يُصَالِحَ زَوْجَتَهُ عَلَى أَنْ لَا يَطَأَ جَارِيَتَهُ وَالصُّلْحُ الَّذِي أَحَلَّ حَرَامًا هُوَ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الصُّلْحِ بَاطِلٌ عِنْدَنَا وَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَرَامَ الْمُطْلَقَ مَا هُوَ حَرَامٌ لِعَيْنِهِ وَالْحَلَالَ الْمُطْلَقَ مَا هُوَ حَلَالٌ لِعَيْنِهِ (ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ) أَنَّهُ أَتَى فِي شَيْءٍ فَقَالَ: إنَّهُ لَجَوْرٌ وَلَوْلَا أَنَّهُ صُلْحٌ لَرَدَدْتُهُ وَفِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ الصُّلْحِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَجَوْرٌ أَيْ هُوَ مَائِلٌ عَمَّا يَقْتَضِيهِ الْحُكْمُ أَوْ عَمَّا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ اجْتِهَادِي مِنْ حُكْمِ الْحَادِثَةِ وَالْجَوْرُ هُوَ الْمَيْلُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل: ٩] أَيْ مَائِلٌ وَفِيهِ قَالَ إنَّ الصُّلْحَ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الْحُكْمِ جَائِزٌ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ التَّرَاضِيَ مِنْهُمَا وَبِالتَّرَاضِي يَنْعَقِدُ بَيْنَهُمَا السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِنَقْلِ حَقِّ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَهَذَا لَمْ يَرُدَّهُ عَلِيٌّ وَذُكِرَ عَنْ شُرَيْحٍ ﵀ أَنَّهُ قَالَ أَيُّمَا امْرَأَةٍ صُولِحَتْ عَلَى ثَمَنِهَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهَا كَمْ تَرَكَ زَوْجُهَا فَتِلْكَ الرِّيبَةُ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الرُّبْيَةُ وَمَعْنَى اللَّفْظِ الْأَوَّلِ الشَّكُّ يَعْنِي إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهَا كَمْ تَرَكَ زَوْجُهَا فَذَلِكَ يُوقِعُهَا فِي الشَّكِّ لَعَلَّ نَصِيبَهَا أَكْثَرُ مِمَّا أَخَذَتْ وَقَوْلُهُ

стр. 4169

الرُّبْيَةُ تَصْغِيرُ الرِّبَا يَعْنِي إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهَا كَمْ تَرَكَ زَوْجُهَا يَتَمَكَّنُ فِي هَذَا الصُّلْحِ شُبْهَةُ الرِّبَا بِأَنْ يَكُونَ نَصِيبُهَا مِنْ جِنْسِ مَا أَخَذَتْ مِنْ النَّقْدِ مِثْلَ مَا أَخَذَتْ أَوْ فَوْقَهُ وَفِيهِ دَلِيلُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يُصَالِحُوا بَعْضَهُمْ عَلَى شَيْءٍ يُخْرِجُوهُ بِذَلِكَ مِنْ مُزَاحَمَتِهِمْ. وَإِنَّ جَهَالَةَ مَا يُصَالِحُ عَنْهُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصُّلْحِ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ إنَّمَا تُفْسِدُ الْعَقْدَ لِتَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ مَعَهَا وَالْمُصَالَحُ عَنْهُ لَا يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَهُ بِالصُّلْحِ فَجَهَالَتُهُ لَا تَمْنَعُ جَوَازَ الصُّلْحِ. ثُمَّ إذَا صُولِحَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى ثَمَنِهَا فَإِنْ كَانَ بَعْضُ تَرِكَةِ الزَّوْجِ دَيْنًا عَلَى النَّاسِ فَصَالَحُوهَا عَنْ الْكُلِّ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ مُمَلَّكَةً نَصِيبَهَا مِنْ الدَّيْنِ مِنْ سَائِرِ الْوَرَثَةِ بِمَا تَأْخُذُ مِنْهُمْ مِنْ الْعَيْنِ وَتَمْلِيكُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِعِوَضٍ لَا يَجُوزُ فَإِذَا فَسَدَ الْعَقْدُ فِي حِصَّةِ الدَّيْنِ فَسَدَ فِي الْكُلِّ وَهُوَ دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي مَسْأَلَةِ الْبُيُوعِ أَنَّ الْعَقْدَ الْوَاحِدَ إذَا فَسَدَ فِي بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَسَدَ فِي الْكُلِّ وَهُمَا يَقُولَانِ: حِصَّةُ الْعَيْنِ هُنَا مِنْ الْبَدَلِ الْمَأْخُوذِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ وَالدَّيْنُ لَيْسَ بِمَالٍ أَصْلًا مَا لَمْ يُقْبَضْ فَلَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلتَّمْلِيكِ بِبَدَلٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ فِي الْبَيْعِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَلِهَذَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي الْكُلِّ، وَإِنْ صَالَحُوهَا مِنْ حِصَّتِهَا مِنْ الْعَيْنِ خَاصَّةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ يُصَالِحُوهَا عَلَى أَحَدِ النَّقْدَيْنِ أَمَّا الدَّرَاهِمُ أَوْ الدَّنَانِيرُ فَهُوَ جَائِزٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي التَّرِكَةِ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ النَّقْدِ مِقْدَارُ مَا يَكُونُ نَصِيبُهَا مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَتْ فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مُبَادَلَةَ مَالِ الرِّبَا بِحِصَّتِهِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِطَرِيقِ الْمُمَاثَلَةِ فَإِنْ كَانَ نَصِيبُهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَتْ كَانَ الْفَضْلُ فِي هَذَا الْجِنْسِ مِنْ نَصِيبِهَا مِنْ سَائِرِ التَّرِكَةِ رِبًا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ نَصِيبُهَا ثَمَنُ هَذَا الْجِنْسِ مِثْلَ مَا أَخَذَتْ فَنَصِيبُهَا مِنْ سَائِرِ التَّرِكَةِ يَكُونُ فَضْلًا خَالِيًا عَنْ الْعِوَضِ وَهُوَ الرِّبَا بِعَيْنِهِ. وَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ فِي التَّرِكَةِ مِنْ النَّقْدَيْنِ مَا يَكُونُ نَصِيبُهَا مِنْ كُلِّ جِنْسٍ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَتْ بِطَرِيقِ صَرْفِ الْجِنْسِ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ فَتَصْحِيحُ الْعُقُودِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَاجِبٌ وَالصُّلْحُ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ لِمَا فِي امْتِدَادِهَا مِنْ الْفَسَادِ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ فَإِنْ صَالَحُوهَا عَلَى عَرَضٍ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ بِنَفْسِ مَالِ الرِّبَا فَسَوَاءٌ كَانَ فِي التَّرِكَةِ مِنْ جِنْسِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ مَا يَكُونُ نَصِيبُهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَتْ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَذَلِكَ لَا يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا قَالَ الْحَاكِمُ ﵀ إنَّمَا يَبْطُلُ الصُّلْحُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ نَصِيبِهَا مِنْ الرِّبَا فِي حَالِ التَّصَادُقِ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَأَمَّا حَالُ الْمُنَاكَرَةِ فَالصُّلْحُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ مَعَ الْإِنْكَارِ لَيْسَ لَهَا حَقٌّ مُسْتَقِرٌّ وَفِي ذَلِكَ الْجِنْسِ أَكْثَرُ

стр. 4170

مِمَّا أَخَذَتْ وَعِنْدَ الْإِنْكَارِ الْمُعْطِي يُؤَدِّي الْمَالَ لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ وَالْخُصُومَةِ وَيَفْدِي بِهِ يَمِينَهُ فَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ الرِّبَا عَلَى مَا بَيَّنَهُ وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: رُدُّوا الْخُصُومَ حَتَّى يَصْطَلِحُوا فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُحْدِثُ بَيْنَهُمْ الضَّغَائِنَ وَفِيهِ دَلِيلُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَجِّلَ وَأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَى أَنْ يَرُدَّ الْخُصُومَ لِيَصْطَلِحُوا عَلَى شَيْءٍ وَيَدْعُوَهُمْ إلَى ذَلِكَ فَالْفَصْلُ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ يَكُونُ أَقْرَبَ إلَى بَقَاءِ الْمَوَدَّةِ وَالتَّحَرُّزِ عَنْ النُّفْرَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَكِنَّ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَبِينَ وَجْهُ الْقَضَاءِ. فَأَمَّا بَعْدَ مَا اسْتَبَانَ ذَلِكَ فَلَا يَفْعَلُهُ إلَّا بِرِضَا الْخَصْمَيْنِ وَلَا يَفْعَلُهُ إلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ لِمَا فِي الْإِطَالَةِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِمَنْ ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ لَهُ فِي تَأْخِيرِ حَقِّهِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَجُرُّ إلَيْهِ تُهْمَةَ الْمَيْلِ وَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يَتَحَرَّزَ عَنْ ذَلِكَ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّ إحْدَى نِسَاءِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ صَالَحُوهَا عَلَى ثَلَاثَةٍ وَثَمَانِينَ أَلْفًا عَلَى أَنْ أَخْرَجُوهَا مِنْ الْمِيرَاثِ وَهِيَ تُمَاضِرُ كَانَ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ فَاخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فِي مِيرَاثِهَا مِنْهُ، ثُمَّ صَالَحُوهَا عَلَى الشَّطْرِ وَكَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَحَظُّهَا رُبْعُ الثُّمُنِ وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ جُزْءًا فَصَالَحُوهَا عَلَى نِصْفِ ذَلِكَ وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا وَأَخَذَتْ بِهَذَا الْحِسَابِ ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا وَلَمْ يُشِرْ لِذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَذُكِرَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ ثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ أَلْفَ دِينَارٍ فَهَذَا دَلِيلُ ثَرْوَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَيَسَارِهِ وَكَانَ قَدْ قَسَمَ لِلَّهِ تَعَالَى مَالَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي حَيَاتِهِ تَصَدَّقَ فِي كُلٍّ بِالنِّصْفِ وَأَمْسَكَ النِّصْفَ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِجَمْعِ الْمَالِ وَاكْتِسَابِ الْغَنِيِّ مِنْ حِلِّهِ فَابْنُ عَوْفٍ مِنْ الصَّحَابَةِ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ وَأَيَّدَ هَذَا الْقَوْلَ قَوْلُهُ ﷺ «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» وَلَكِنْ مَعَ هَذَا تَرْكُ الْجَمْعِ وَالِاسْتِكْثَارِ وَإِنْفَاقُ الْمَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى وَهُوَ الطَّرِيقُ الَّذِي اخْتَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ بِقَوْلِهِ ﷺ «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ» وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ «فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ مَا أَبْطَأَ بِكَ عَنِّي يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّكَ آخِرُ أَصْحَابِي لُحُوقًا بِي بَعْدَ الْقِيَامَةِ وَأَقُولُ أَيْنَ كُنْت فَيَقُولُ مَنَعَنِي عَنْكَ الْمَالُ كُنْت مَحْبُوسًا مَا تَخَلَّصْتُ إلَيْكَ حَتَّى الْآنَ» وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: يَتَخَارَجُ أَهْلُ الْمِيرَاثِ يَعْنِي يُخْرِجُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِطَرِيقِ الصُّلْحِ وَذَلِكَ جَائِزٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَيْسِيرِ الْقِسْمَةِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ لَوْ اشْتَغَلُوا بِقِسْمَةِ الْكُلِّ عَلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ رُبَّمَا يَشُقُّ
следующие страницы →