← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 5423

المبسوط للسرخسي

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (6 278 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ وَلَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلَيْنِ مَالًا مُضَارَبَةً وَأَمَرَهُمَا بِأَنْ يَعْمَلَا فِي ذَلِكَ بِرَأْيِهِمَا فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ إلَّا بِأَمْرِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ وَفَوَّضَ الْأَمْرَ فِي الْعَمَلِ إلَى رَأْيِهِمَا، وَرَأْيُ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ كَرَأْيِ الْمُثَنَّى. فَبِاعْتِبَارِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ، وَفِي الْوَكِيلَيْنِ الْجَوَابُ كَذَلِكَ وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ اشْتَرِ بِهِ الْبُرَّ وَبِعْ فَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ غَيْرَهُ وَلَيْسَ هَذَا بِنَهْيٍ إنَّمَا هُوَ مَشُورَةٌ كَمَا لَوْ قَالَ عِنْدَ الدَّفْعِ: خُذْهُ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ وَاشْتَرِ بِهِ الْبُرَّ، وَإِنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ دَفَعْتُهُ إلَيْكَ مُضَارَبَةً فِي الطَّعَامِ خَاصَّةً، وَقَالَ الْمُضَارِبُ فِي الْبُرِّ خَاصَّةً فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى تَعْيِينِ مُقْتَضَى مُطْلَقِ الْعَقْدِ بِالتَّقْيِيدِ، وَإِنْ أَقَامَ الْمُضَارِبُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا بَدَا لَهُ، وَأَقَامَ رَبُّ الْمَالِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ نَهَاهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ شَيْئًا غَيْرَ الطَّعَامِ وَقَدْ وُقِّتَتْ الْبَيِّنَتَانِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِبَيِّنَةِ الْوَقْتِ الْأَخِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا فَيُجْعَلُ كَأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ صَدَقَتَا، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ يَنْقُضُ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ بَعْدَ الْإِذْنِ صَحِيحٌ وَالْإِذْنُ بَعْدَ النَّهْيِ عَامِلٌ، وَإِنْ لَمْ تُوَقَّتْ الْبَيِّنَتَانِ وَقْتًا أَوْ وُقِّتَتْ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَيْهَا. فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُضَارِبِ لِدَعْوَاهُ الْإِطْلَاقَ؛ وَلِأَنَّ فِي بَيِّنَةِ رَبِّ الْمَالِ زِيَادَةَ إثْبَاتِ التَّقْيِيدِ، وَلَوْ كَانَ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْئًا خَاصًّا وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَإِنْ وُقِّتَتْ الْبَيِّنَتَانِ أُخِذَ بِالْوَقْتِ الْأَخِيرِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الثَّانِيَ يَنْقُضُ الْأَوَّلَ، وَإِنْ وُقِّتَتْ إحْدَاهُمَا أَوْ لَمْ تُوَقَّتَا فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُضَارِبِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ مَا ادَّعَاهُ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَلَوْ دَفَعَهُ إلَيْهِ مُضَارَبَةً عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِالنَّقْدِ وَيَبِيعَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ إلَّا بِالنَّقْدِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَقْيِيدٌ مُفِيدٌ فِي حَقِّ رَبِّ الْمَالِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنْ مَالِهِ مُسْتَرِدًّا، فَإِنْ قَالَ الْمُضَارِبُ: أَمَرْتنِي بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: أَمَرْتُكَ بِالنَّقْدِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُضَارِبِ مَعَ يَمِينِهِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي مَا هُوَ مُقْتَضَى مُطْلَقِ الْعَقْدِ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ الْمُعَيَّنِ بِالْبَيِّنَةِ، وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ بِالنَّسِيئَةِ وَلَا يَبِيعَ بِالنَّقْدِ فَبَاعَ بِالنَّقْدِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ هَذَا خَيْرٌ لِصَاحِبِ الْمَالِ وَالْخِلَافُ إلَى خَيْرٍ فِي جِنْسِ مَا أَمَرَ بِهِ لَا يَكُونُ خِلَافًا فِي الْمُضَارَبَةِ كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَبِيعَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَا يَبِيعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ لَا يَصِيرُ مُخَالِفًا وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَ مَا بِهِ يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْآمِرِ وَزِيَادَةُ خَيْرٍ، فَكَذَلِكَ إذَا أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ نَسِيئَةً فَبَاعَهُ بِالنَّقْدِ. قَالُوا: وَهَذَا إذَا بَاعَهُ بِالنَّقْدِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ بِمِثْلِ مَا سُمِّيَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ، فَإِنْ كَانَ بِدُونِ ذَلِكَ فَهُوَ مُخَالِفٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَحْصِيلُ مَقْصُودِ الْآمِرِ فِي الْقَدْرِ

стр. 4447

فَالشَّيْءُ يُشْتَرَى بِالنَّسِيئَةِ بِأَكْثَرَ مِمَّا يُشْتَرَى بِهِ بِالنَّقْدِ وَإِذَا دَفَعَهُ إلَيْهِ مُضَارَبَةً عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ الطَّعَامَ خَاصَّةً فَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ لِنَفْسِهِ دَابَّةً وَإِذَا خَرَجَ لِلطَّعَامِ خَاصَّةً كَمَا يَسْتَأْجِرُ لِلطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ تَوَابِعِ تِجَارَتِهِ فِي الطَّعَامِ، وَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ دَابَّةً يَرْكَبُهَا إذَا سَافَرَ كَمَا يَشْتَرِي التُّجَّارُ؛ لِأَنَّ رُكُوبَهُ إذَا سَافَرَ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ كَنَفَقَتِهِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَرُبَّمَا يَكُونُ شِرَاءُ الدَّابَّةِ أَوْفَقَ مِنْ اسْتِئْجَارِهِ وَذَلِكَ مِنْ صُنْعِ التُّجَّارِ عَادَةً وَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ أَيْضًا حَمُولَةً يُحْمَلُ عَلَيْهَا الطَّعَامُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ صُنْعِ التُّجَّارِ عَادَةً إذَا لَمْ يُوجَدْ الْكِرَاءُ أَوْ يَكُونُ الشِّرَاءُ أَوْفَقَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْكِرَاءِ، فَإِنْ اشْتَرَى سَفِينَةً يَحْمِلُ عَلَيْهَا الطَّعَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ صُنْعِ التُّجَّارِ عَادَةً وَلَا يُعَدُّ شِرَاءُ السَّفِينَةِ مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ فِي الطَّعَامِ فَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ يَشْتَرِي لِلطَّعَامِ الْحَمُولَةِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا فَاشْتَرَى شَيْئًا مِنْ الْحَمُولَةِ فَهُوَ جَائِزٌ اسْتِحْسَانًا فِي الْقِيَاسِ شِرَاءُ الْحَمُولَةِ لَيْسَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الطَّعَامِ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ مَا يَصْنَعُهُ التُّجَّارُ عَادَةً إذَا خَرَجُوا فِي حَمُولَةِ الطَّعَامِ فَذَلِكَ يَمْلِكُهُ الْمُضَارِبُ بِتَفْوِيضِ التَّصَرُّفِ إلَيْهِ فِي هَذَا الْمَالِ فِي الطَّعَامِ وَمَا لَيْسَ مِنْ صُنْعِ التُّجَّارِ عَادَةً كَشِرَاءِ السَّفِينَةِ يُؤْخَذُ بِأَصْلِ الْقِيَاسِ فِيهِ وَيَكُونُ مُشْتَرِيًا ذَلِكَ لِنَفْسِهِ فَإِنْ نَقَدَ ثَمَنَهَا مِنْ الْمُضَارَبَةِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا نَقَدَ؛ لِأَنَّهُ قَضَى بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ دَيْنَ نَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ دَفَعَ الْمَالَ إلَيْهِ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ وَلَمْ يُسَمِّ فَاشْتَرَى بِهَا طَعَامًا وَسَفِينَةً يَحْمِلُ عَلَيْهَا الطَّعَامَ أَوْ اشْتَرَى دَوَابَّ جَازَ ذَلِكَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ التِّجَارَةَ فِي الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ هُنَا مُطْلَقًا وَجَمِيعُ مَا اشْتَرَى مِنْ عُقُودِ التِّجَارَةِ. وَإِذَا اخْتَلَفَا بَعْدَ مَا اشْتَرَى بِهَا فِي غَيْرِ الْمِصْرِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا كَانَتْ الْمُضَارَبَةُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ وَالْبَيْعُ فِي الْمِصْرِ خَاصَّةً وَقَالَ الْآخَرُ لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا لِتَمَسُّكِهِ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ فِي مُقْتَضَاهُ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُدَّعِي الْمُحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ مَا يَدَّعِيهِ بِالْبَيِّنَةِ وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلَيْنِ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْمَالِ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا ﵏ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ مَا رَضِيَ بِرَأْيِ أَحَدِهِمَا فَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَرْضَى بِمَا لَمْ يَرْضَ رَبُّ الْمَالِ بِهِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَذِنَ لِصَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ يَكُونُ كَالْمُوَكِّلِ وَلِلْمُضَارِبِ أَنْ يُوَكِّلَ. وَلَوْ وَكَّلَ إنْسَانًا وَاحِدًا بِالتَّصَرُّفِ نَفَذَ تَصَرُّفُ الْوَكِيلِ بَيْعًا وَشِرَاءً، فَكَذَلِكَ إذَا وَكَّلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ. وَإِنْ أَبْضَعَ أَحَدُهُمَا بَعْضَ الْمَالِ بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهِ فَاشْتَرَى الْمُسْتَبْضِعُ وَبَاعَ وَرَبِحَ أَوْ وَضَعَ فَرِبْحُ ذَلِكَ لِلْمُضَارِبِ الَّذِي أَبْضَعَ وَوَضِيعَتُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ

стр. 4448

إبْضَاعَهُ صَحِيحٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ وَلَا فِي حَقِّ رَبِّ الْمَالِ فَيُجْعَلُ تَصَرُّفُ الْمُسْتَبْضِعِ لَهُ كَتَصَرُّفِهِ بِنَفْسِهِ وَلِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَضْمَنَ إنْ شَاءَ الْمُسْتَبْضِعُ وَيَرْجِعُ بِهِ الْمُسْتَبْضِعُ عَلَى الْآمِرِ وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُضَارِبُ الْآمِرَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَقِّهِ غَاصِبٌ فَإِنْ ضَمِنَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُسْتَبْضِعِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمَالَ بِالضَّمَانِ فَإِنَّمَا أَبْضَعَ مُلْكَ نَفْسِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمُسْتَبْضِعَ عَامِلٌ لَهُ لَوْ لَحِقَهُ ضَمَانٌ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ وَرُجُوعُ الْآمِرِ عَلَيْهِ بِالضَّمَانِ لَا يُفِيدُهُ شَيْئًا. فَإِنْ أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُضَارِبَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي أَنْ يُبْضِعَ مَا شَاءَ مِنْ الْمَالِ فَأَبْضَعَ أَحَدُهُمَا رَجُلًا وَأَبْضَعَ الْآخَرُ رَجُلًا فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِمَا وَعَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ بِمَنْزِلَةِ فِعْلِهِمَا جَمِيعًا. وَإِنْ بَاعَ الْمُضَارِبَانِ عَبْدًا مِنْ رَجُلٍ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَقْبِضَ نِصْفَ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ شَرِيكُهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَائِعٌ لِلنِّصْفِ وَحَقُّ قَبْضِ الثَّمَنِ إلَى الْعَاقِدِ وَالْعَاقِدُ فِي ذَلِكَ لِغَيْرِهِ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ وَلَا يَقْبِضُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الثَّمَنِ إلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ شَرِيكُهُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ كَمَا لَوْ وَكَّلَ بِهِ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ قَبْضِ النِّصْفِ الْآخَرِ لِلشَّرِيكِ. وَلَوْ قَالَ لَهُمَا حِينَ دَفَعَ الْمَالَ إلَيْهِمَا مُضَارَبَةً لَا تُبْضِعَا الْمَالَ فَأَبْضَعَاهُ فَهُمَا ضَامِنَانِ لَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا نَهْيٌ مُفِيدُ فَيَكُونُ عَامِلًا مَعَ الْعَقْدِ وَبَعْدَهُ، وَإِنْ أَبْضَعَاهُ رَبَّ الْمَالِ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ قَبُولَ رَبِّ الْمَالِ الْبِضَاعَةَ مِنْهُمَا وَالشِّرَاءَ لَهُمَا بِهِ فَسْخٌ مِنْهُ لِذَلِكَ النَّهْيِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَذِنَ لَهُمَا فِي الْإِبْضَاعِ أَوْ كَانَ الْعَقْدُ مُطْلَقًا، وَفِي ذَلِكَ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُبْضِعَا رَبَّ الْمَالِ أَوْ غَيْرَهُ. وَإِذَا أَبْضَعَ الْمُضَارِبُ فِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ يُعْتَبَرُ بِالْجَائِزِ فِي الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَعَرُّفُ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ الْفَاسِدِ إلَّا بِاعْتِبَارِهِ بِالْجَائِزِ فَكَمَا لَا يَصِيرُ مُخَالِفًا بِهِ فِي الْمُضَارَبَةِ الْجَائِزَةِ فَكَذَلِكَ لَا يَصِيرُ مُخَالِفًا فِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ، وَلِلْمُضَارِبِ أَجْرُ الْمِثْلِ فِيمَا عَمِلَ الْمُسْتَبْضِعُ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْمُسْتَبْضِعِ لَهُ بِأَمْرِهِ كَعَمَلِهِ بِنَفْسِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لَهُ فِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ قَالَ لَهُ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ، فَإِنَّهُ يُنَفِّذُ بَعْدَ هَذَا مَا يُنَفِّذُ فِي الْمُضَارَبَةِ الصَّحِيحَةِ فَلَا يَصِيرُ بِهِ ضَامِنًا. وَلَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلَيْنِ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا ثُلُثَ الرِّبْحِ وَلِلْآخَرِ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَثُلُثُ الرِّبْحِ لِلْمُضَارِبِ الَّذِي شَرَطَ لَهُ ثُلُثَ الرِّبْحِ وَمَا بَقِيَ مِنْ الرِّبْحِ فَهُوَ لِرَبِّ الْمَالِ وَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ لِلْمُضَارِبِ الْآخَرِ فِيمَا عَمِلَ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَاسِدَةٌ بِاشْتِرَاطِهِ لَهُ مِقْدَارًا مُسَمًّى مِنْ الْمَالِ، وَهَذَا الْمُفْسِدُ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِيمَا هُوَ مِنْ صُلْبِ الْعَقْدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي شَرَطَ لَهُ ثُلُثَ الرِّبْحِ فَاسْتَحَقَّ هُوَ ثُلُثَ الرِّبْحِ بِالشَّرْطِ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا فَإِنْ لَمْ يَعْمَلَا بِهِ حَتَّى أَبْضَعَ

стр. 4449

أَحَدُهُمَا الْمَالَ مَعَ صَاحِبِهِ فَعَمِلَ بِهِ أَيُّهُمَا كَانَ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ؛ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ عَمَلَ أَحَدِهِمَا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ كَعَمَلِهِمَا إذَا كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا فِي حَقِّهِمَا أَوْ فَاسِدًا، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ صَحِيحًا فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا فَاسِدًا فِي حَقِّ الْآخَرِ. وَالْمُضَارِبُ الَّذِي شَرَطَ لَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي الْعَمَلِ بِنِصْفِ الْمَالِ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْعَامِلُ أَوْ صَاحِبُهُ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ فِي النِّصْفِ لِصَاحِبِهِ وَعَمَلُ صَاحِبِهِ فِي النِّصْفِ لَهُ فَيَكُون كَعَمَلِهِ بِنَفْسِهِ. . وَإِذَا بَاعَ الْمُضَارِبُ مَتَاعَ الْمُضَارَبَةِ وَسَلَّمَهُ إلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَخَرَّ الثَّمَنَ عَنْ الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ أَوْ غَيْرِ عَيْبٍ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الْمُضَارَبَةِ وَلَا يَضْمَنُ الْمُضَارِبُ بِهَذَا التَّأْخِيرِ شَيْئًا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَهُنَاكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لَا يَصِحُّ تَأْجِيلُهُ فِي الثَّمَنِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَجُوزُ وَيَصِيرُ ضَامِنًا لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ يَمْلِكُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا بَاعَ بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ ثُمَّ يَبِيعُهُ بِمِثْلِهِ مُؤَجَّلًا فَكَذَلِكَ يَمْلِكُ أَنْ يُؤَجِّلَهُ فِي ذَلِكَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صُنْعِ التُّجَّارِ وَهُوَ يَمْلِكُ مَا هُوَ مِنْ صُنْعِ التُّجَّارِ فَأَمَّا الْوَكِيلُ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ لَا يَمْلِكُ الشِّرَاءَ وَالْبَيْعَ ثَانِيًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَكَذَلِكَ تَأْجِيلُهُ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ لَا يَصِحُّ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَحَالَ بِهِ الْمُضَارِبُ عَلَى إنْسَانٍ أَيْسَرَ مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ أَعْسَرَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ قَبُولَ الْحَوَالَةِ مِنْ صُنْعِ التُّجَّارِ وَلَوْ أَقَالَ الْعَقْدَ مَعَ الْأَوَّلِ ثُمَّ بَاعَهُ بِمِثْلِهِ مِنْ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ جَازَ فَكَذَلِكَ إذَا قَبِلَ الْحَوَالَةَ بِالثَّمَنِ عَلَيْهِ، وَبِهِ فَارَقَ الْوَكِيلَ وَالْمُضَارِبَ فِي هَذِهِ لَيْسَ نَظِيرَ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ فَإِنَّ قَبُولَهُمَا الْحَوَالَةَ عَلَى مَنْ هُوَ أَعَسْرُ مِنْ الْمُحِيلِ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُمَا مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ الْأَحْسَنِ وَالْأَصْلَحِ لَهُ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي قَبُولِ الْحَوَالَةِ عَلَى مَنْ هُوَ أَفْلَسَ، وَتَصَرُّفُ الْمُضَارِبِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِمِثْلِهِ بَلْ هُوَ مِنْ صُنْعِ التُّجَّارِ عَادَةً وَذَلِكَ يُوجَدُ هُنَا. وَكَذَلِكَ لَوْ حَطَّ شَيْئًا بِعَيْبٍ مِثْلَ مَا يَحُطُّ التُّجَّارُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْعَيْبِ أَوْ يَتَغَابَنُ بِهِ النَّاسُ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صُنْعِ التُّجَّارِ عَادَةً، وَلَوْ قَبِلَهُ بِالْعَيْبِ ثُمَّ بَاعَهُ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ ثَانِيًا جَازَ فَكَذَلِكَ إذَا حَطَّ عَنْهُ هَذَا الْمِقْدَارَ وَإِنْ حَطَّ عَنْهُ شَيْئًا فَاحِشًا أَوْ حَطَّ بِغَيْرِ عَيْبٍ جَازَ ذَلِكَ عَلَى الْمُضَارِبِ خَاصَّةً فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -: " وَهُوَ ضَامِنٌ ذَلِكَ لِرَبِّ الْمَالِ وَمَا قَبَضَهُ مِنْ الثَّمَنِ فَعَمِلَ بِهِ فَهُوَ عَلَى الْمُضَارِبِ خَاصَّةً وَرَأْسُ الْمَالِ فِي ذَلِكَ الَّذِي قَبَضَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي " وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: " لَا يَجُوزُ هَذَا الْحَطُّ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَطَّ " لَيْسَ مِنْ صُنْعِ التُّجَّارِ فَلَا يَمْلِكُهُ بِمُقْتَضَى عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ وَلَكِنَّهُ هُوَ الْعَاقِدُ فَيَكُونُ فِي هَذَا الْحَطِّ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ، وَالْحَطُّ وَالْإِبْرَاءُ عَنْ الثَّمَنِ مِنْ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ بَاطِلٌ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ صَحِيحٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَهُوَ ضَامِنٌ ذَلِكَ لِلْمُوَكِّلِ وَفِي مِقْدَارِ مَا صَارَ ضَامِنًا يَبْطُلُ حُكْمُ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْمُضَارَبَةِ

стр. 4450

الصَّحِيحَةِ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُضَارِبِ. وَإِذَا قَالَ رَبُّ الْمَالِ لِلْمُضَارِبِ اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ فَخَلَطَهُ بِمَالِهِ ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ جَازَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ بِتَعْمِيمِ التَّفْوِيضِ إلَى رَأْيِهِ يَمْلِكُ الْخَلْطَ بِمَالِهِ فَلَا يَصِيرُ بِهِ مُخَالِفًا، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ لَهُ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِك كَانَ هُوَ بِالْخَلْطِ مُخَالِفًا ضَامِنًا لِلْمَالِ وَالرِّبْحُ لَهُ وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِ لِبُطْلَانِ حُكْمِ الْمُضَارَبَةِ بِفَوَاتِ شَرْطِهَا، فَإِنْ لَمْ يَخْلِطْهُ وَلَكِنَّهُ اشْتَرَى بِهِ وَبِأَلْفٍ مِنْ مَالِهِ عَبْدًا وَاحِدًا وَقَبَضَهُ وَنَقَدَ الثَّمَنَ قَبْلَ أَنْ يَخْلِطَ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الْمُضَارَبَةِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى نِصْفَ الْعَبْدِ بِأَلْفِ الْمُضَارَبَةِ فِي صَفْقَةٍ وَنِصْفَهُ بِمَالِ نَفْسِهِ فِي صَفْقَةٍ أُخْرَى، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى وَهَذَا؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَاطَ إنَّمَا يَحْصُلُ حُكْمًا إمَّا لِاتِّحَادِ الصَّفْقَةِ أَوْ لِاتِّحَادِ الْمَحَلِّ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ مِنْ الْمُضَارِبِ فِي الْخَلْطِ وَبِمِثْلِهِ لَمْ يَصِرْ مُخَالِفًا ضَامِنًا كَمَا لَوْ اشْتَرَى الْعَبْدَ بِأَلْفَيْنِ يَنْفُذُ شِرَاؤُهُ فِي النِّصْفِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ وَإِنْ بَاعَ الْعَبْدَ بِأَلْفَيْنِ وَقَبَضَهُ مُخْتَلَطًا فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الْمُضَارَبَةِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الِاخْتِلَاطَ بِمَعْنًى حُكْمِيٍّ لَا بِفِعْلٍ بَاشَرَهُ الْمُضَارِبُ قَصْدًا، فَإِنْ عَزَلَ حِصَّةَ الْمُضَارِبِ ثُمَّ اشْتَرَى بِأَحَدِ الْمَالَيْنِ فَرَبِحَ أَوْ وَضَعَ فَالرِّبْحُ لَهُمَا، نِصْفُهُ لِلْمُضَارِبِ، وَنِصْفُهُ عَلَى مَا اشْتَرَطَا فِي الْمُضَارَبَةِ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ وَقِسْمَتُهُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُقَاسِمًا لِنَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ أَمِينًا فِي الْمُقَاسَمَةِ مَعَ نَفْسِهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ أَنَّ الْقِسْمَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِاثْنَيْنِ فَكَانَ هَذَا وَشِرَاؤُهُ بِبَعْضِ الْمَالِ قَبْلَ الْقَبْضِ سَوَاءً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ شِرَاءِ الْمُضَارِبِ وَبَيْعِهِ] (قَالَ ﵀): " وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلَيْنِ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ وَقَالَ: لَهُمَا اعْمَلَا بِرَأْيِكُمَا أَوْ لَمْ يَقُلْ فَاشْتَرَى أَحَدُهُمَا بِنِصْفِ الْمَالِ بِأَمْرِ صَاحِبِهِ وَبَاعَهُ حَتَّى أَصَابَ مَالًا وَعَمِلَ الْآخَرُ بِنِصْفِ الْمَالِ بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهِ حَتَّى أَصَابَ مَالًا فَالْعَامِلُ بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهِ مُخَالِفٌ ضَامِنٌ لِنِصْفِ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ فَوَّضَ التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ إلَى رَأْيِهِمَا وَلَمْ يَرْضَ بِرَأْيِ أَحَدِهِمَا فِيهِ وَالْعَامِلُ بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهِ يَنْفَرِدُ بِالرَّأْيِ فِيهِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَيَكُونُ مُخَالِفًا ضَامِنًا، وَمَا يُحَصِّلُ بِتَصَرُّفِهِ مِنْ الرِّبْحِ لَهُ وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ لِحُصُولِهِ لَهُ بِسَبَبٍ حَرَامٍ، وَأَمَّا الَّذِي عَمِلَ بِأَمْرِ صَاحِبِهِ فَتَصَرُّفُهُ حَاصِلٌ بِرَأْيِهِمَا حُكْمًا فَيَكُونُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ، وَيُؤْخَذُ مِمَّا فِي يَدِهِ نِصْفُ رَأْسِ الْمَالِ وَالْبَاقِي بَيْنَ الْمُضَارِبَيْنِ وَرَبِّ الْمَالِ عَلَى الشَّرْطِ كَمَا لَوْ عَمِلَا فِيهِ، فَإِنْ تَوِيَ مَا فِي يَدِ الْعَامِلِ بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهِ وَهُوَ مُعْسِرٌ فَإِنَّ رَبَّ الْمَالِ يَأْخُذُ جَمِيعَ رَأْسِ الْمَالِ مِمَّا فِي يَدِ الْمُضَارِبِ

стр. 4451

الَّذِي عَمِلَ بِأَمْرِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ لَا يَظْهَرُ مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ جَمِيعُ رَأْسِ مَالِهِ وَمَا أَخَذَهُ الْعَامِلُ الْآخَرُ تَاوٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ غَصَبَ بَعْضَ رَأْسِ الْمَالِ إنْسَانٌ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ وَتَوِيَ بَدَلُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ عَمِلَا بِمَا بَقِيَ وَفِي هَذَا يَأْخُذُ رَبُّ الْمَالِ جَمِيعَ رَأْسِ مَالِهِ ثُمَّ قِسْمَةُ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ جَمِيعُ الْمَالِ إلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَتَصَرَّفَا فِيهَا حَتَّى أَصَابَا مَالًا فَإِنَّهُ يَأْخُذُ رَبُّ الْمَالِ جَمِيعَ رَأْسِ مَالِهِ أَوَّلًا؟ فَهَذَا مِثْلُهُ فَإِنْ بَقِيَ مِنْ الرِّبْحِ شَيْءٌ أَخَذَ رَبُّ الْمَالِ نَصِفَهُ وَأَخَذَ هَذَا الْمُضَارِبُ رُبْعَهُ، وَالرُّبْعُ الْبَاقِي نَصِيبُ الْمُضَارِبِ الْمُخَالِفِ مِنْ الرِّبْحِ فَلَا يُدْفَعُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ نِصْفَ رَأْسِ الْمَالِ دَيْنٌ عَلَيْهِ، وَصَاحِبُ الدَّيْنِ إذَا ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ مِنْ مَالِ الْمَدْيُونِ يَأْخُذُهُ لِحَقِّهِ وَإِذَا ظَهَرَ أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ إلَيْهِ قُلْنَا: إنْ كَانَ هَذَا الرُّبْعُ مِثْلَ مَا تَوِيَ مِنْ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ أَخَذَ رَبُّ الْمَالِ وَالْمُوَافِقُ رُبْعَ الرِّبْحِ الَّذِي صَارَ لِلْمُخَالِفِ فَاقْتَسَمَاهُ أَثْلَاثًا عَلَى مِقْدَارِ حَقِّهِمَا فِي الرِّبْحِ. وَإِنْ كَانَ مَا تَوِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ أَوْ أَقَلَّ تَرَاجَعُوا بِالْفَضْلِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي كَانَ فِي يَدِ الْمُوَافِقِ إنْ كَانَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ فَأَخَذَ رَبُّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ أَلْفًا بَقِيَ خَمْسُمِائَةٍ فَيُجْمَعُ إلَى نِصْفِ رَأْسِ الْمَالِ الَّذِي اسْتَهْلَكَهُ الْمُضَارِبُ الْآخَرُ فَيُقَسَّمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ: لِرَبِّ الْمَالِ مِنْ ذَلِكَ النِّصْفُ، وَلِلْمُضَارِبِ الْعَامِلِ بِأَمْرِ صَاحِبِهِ الرُّبْعُ وَذَلِكَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ وَبَقِيَتْ حِصَّةُ الْمُضَارِبِ الْآخَرِ وَهُوَ الرُّبْعُ وَذَلِكَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ يُحْسَبُ لَهُمَا عَلَيْهِ وَيُقَسِّمُ رَبُّ الْمَالِ وَالْمُضَارِبُ الْآخَرُ خَمْسَمِائَةِ الْعَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ وَيَرْجِعَانِ عَلَى الْمُضَارِبِ الَّذِي اسْتَهْلَكَ نِصْفَ رَأْسِ الْمَالِ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا فَيَقْسِمَانِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَصَلَ إلَى رَبِّ الْمَالِ خَمْسُمِائَةٍ وَإِلَى الْمُضَارِبِ الْمُوَافِقِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ وَسُلِّمَ لِلْآخَرِ مِمَّا عَلَيْهِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ فَاسْتَقَامَ الْحِسَابُ. وَلَوْ لَمْ يَهْلِكْ مَا فِي يَدِهِ وَلَكِنْ هَلَكَ مَا فِي يَدِ الْعَامِلِ بِأَمْرِ صَاحِبِهِ فَإِنَّ رَبَّ الْمَالِ يُضَمِّنُ الْمُضَارِبَ الْمُخَالِفَ نِصْفَ رَأْسِ مَالِهِ لَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ نِصْفَ رَأْسِ الْمَالِ صَارَ دَيْنًا عَلَيْهِ بِالْخِلَافِ، وَتَصَرُّفُهُ كَانَ لِنَفْسِهِ. وَلَوْ كَانَ حِينَ قَبَضَا الْأَلْفَ مُضَارَبَةً اقْتَسَمَاهَا نِصْفَيْنِ فَاشْتَرَى أَحَدُهُمَا بِنِصْفِ الْمَالِ عَبْدًا ثُمَّ أَجَازَ صَاحِبُهُ شِرَاءَهُ لَمْ يَكُنْ الْعَبْدُ مِنْ الْمُضَارَبَةِ بِإِجَازَتِهِ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ إنَّمَا تَعْمَلُ فِي الْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ، وَالشِّرَاءُ هُنَا نَافِذٌ عَلَى الْمُشْتَرِي فَلَا يَكُونُ إجَازَةُ الْآخَرِ تَنْفِيذًا لِلْعَقْدِ فَيَكُونُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ. وَلَوْ اشْتَرَيَا جَمِيعًا بِالْأَلْفِ عَبْدًا ثُمَّ بَاعَهُ أَحَدُهُمَا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ فَأَجَازَهُ صَاحِبُهُ جَازَ لِأَنَّ الْبَيْعَ مِنْ أَحَدِهِمَا تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ الْآخَرِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ تَعَذَّرَ تَنْفِيذُهُ عَلَى الْعَاقِدِ؛ وَلِأَنَّ مِلْكَ الْعَيْنِ لِغَيْرِهِ فَتَكُونُ إجَازَتُهُ، فِي الِانْتِهَاءِ كَإِذْنِهِ فِي الِابْتِدَاءِ وَهُوَ

стр. 4452

نَظِيرُ فُضُولِيٍّ بَاعَ مَالَ الْغَيْرِ فَأَجَازَهُ الْمَالِكُ يَنْفُذُ بِإِجَازَتِهِ وَلَوْ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ يَنْفُذُ الشِّرَاءُ عَلَى الْعَاقِدِ وَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِإِجَازَةِ الْمُشْتَرِي لَهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَجَازَهُ رَبُّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْعَيْنِ لِرَبِّ الْمَالِ، وَالْمُضَارِبُ الْآخَرُ عَامِلٌ لَهُ فِي الْإِجَازَةِ فَإِذَا كَانَ الْعَقْدُ يَنْفُذُ بِإِجَازَةِ الْآخَرِ فَبِإِجَازَةِ رَبِّ الْمَالِ أَوْلَى، وَالْبَائِعُ هُوَ الَّذِي يَلِي قَبْضَ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ قَبْضَ الثَّمَنِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ فَيَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ وَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ الْمُشْتَرِيَ بِشَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا بِوَكَالَةٍ مِنْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يُعَامِلْهُ بِشَيْءٍ. وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا بَاعَ الْعَبْدَ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَأَجَازَهُ صَاحِبُهُ فَفِي الْقِيَاسِ لَا تَعْمَلُ إجَازَتُهُ؛ لِأَنَّ فِي بَيْعِ الْمُقَابَضَةِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ يَكُونُ مُشْتَرِيًا عَرَضَ صَاحِبِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الشِّرَاءَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ كَمَا اشْتَرَاهُ بِالدَّرَاهِمِ وَإِذَا لَمْ تَعْمَلْ إجَازَتُهُ فِيمَا اشْتَرَاهُ صَاحِبُهُ فَكَذَلِكَ لَا تَعْمَلُ فِي الْبَدَلِ الْآخَرِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَنْفُذُ الْعَقْدُ بِإِجَازَتِهِ وَيَكُونُ بَدَلَهُ مِنْ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ فِي الْعَرَضِ الَّذِي هُوَ مِنْ جِهَتِهِ هُوَ بَائِعٌ وَبَيْعُهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ صَاحِبِهِ وَتُجْعَلُ إجَازَتُهُ فِي الِانْتِهَاءِ بِمَنْزِلَةِ إذْنِهِ فِي الِابْتِدَاءِ، فَمِنْ ضَرُورَةِ أَعْمَالِ إجَازَتِهِ فِي نُفُوذِ الْعَقْدِ بِهِ فِي أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ أَعْمَالُهُ فِي الْبَدَلِ الْآخَرِ، ثُمَّ هَذَا الْعَقْدُ فِي أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ شِرَاءٌ وَفِي الْبَدَلِ الْآخَرِ بَيْعٌ وَلَكِنَّا رَجَّحْنَا جَانِبَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ الْآخَرَ مَذْكُورٌ فِي الْعَقْدِ عَلَى وَجْهِ الثَّمَنِ فَإِنَّهُمَا قَرَنَا بِهِ حَرْفَ الْبَاءِ وَحَرْفُ الْبَاءِ يَصْحَبُ الْأَبْدَالَ وَالْأَثْمَانَ. وَفِي تَرْجِيحِ جَانِبِ الْبَيْعِ بِصَحِيحِ الْعَقْدِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَصَدَ الْعَاقِدُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ وَبَقِيَ الضَّمَانُ عَلَى التَّصَرُّفِ، وَالضَّمَانُ لَا يَلْزَمُهُ بِالشَّكِّ فَلِهَذَا رَجَّحْنَا جَانِبَ الْبَيْعِ فَإِنْ لَمْ يُجِزْ الْآخَرُ حَتَّى قَبَضَ الْبَائِعُ مَا بَاعَ بِهِ الْعَبْدُ فَبَاعَهُ، ثُمَّ إنَّ الْمُضَارِبَ الْآخَرَ أَجَازَ مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فَإِجَازَتُهُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَجَازَ بَيْعَهُ قَبْلَ إجَازَتِهِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُشْتَرٍ لِلْعَرَضِ الْآخَرِ، وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِبَدَلٍ يُسْتَحَقُّ فَيَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ وَيَنْفُذُ بَيْعُهُ مِنْ جِهَتِهِ وَبَعْدَ مَا نَفَذَ بَيْعُهُ مِنْ جِهَةٍ لَا يَصِيرُ لِلْمُضَارَبَةِ بِإِجَازَةِ الْآخَرِ فَإِذَا بَطَلَتْ الْإِجَازَةُ يُسْتَرَدُّ الْعَبْدُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَيَكُونُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ وَعَلَى الْبَائِعِ ضَمَانُ الَّذِي قَبَضَهُ وَبَاعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَقَّ مَا يُقَابِلُهُ ظَهَرَ أَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْقَبْضِ بِسَبَبٍ فَاسِدٍ، وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ حِينَ بَاعَهُ فَعَلَيْهِ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ وَقِيمَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ، وَلَوْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ هُوَ الَّذِي أَجَازَ بَيْعَ الْعَبْدِ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ الْعَامِلُ فِي ثَمَنِهِ شَيْئًا جَازَ بَيْعُ الْعَبْدِ لِلْعَامِلِ الْبَائِعِ وَلَهُ ثَمَنُهُ وَهُوَ ضَامِنٌ قِيمَةَ الْعَبْدِ لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ اشْتَرَى الْعَرَضَ لِنَفْسِهِ وَأَعْطَى الْعَبْدَ بِمُقَابِلَتِهِ قَرْضًا عَلَى نَفْسِهِ، وَرَبُّ الْمَالِ مَالِكٌ لِلْإِقْرَاضِ فَيَصِيرُ بِالْإِجَازَةِ كَأَنَّهُ أَقْرَضَهُ الْعَبْدَ وَاسْتَقْرَضَ الْحَيَوَانَ وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا وَلَكِنَّهُ يَمْلِكُ بِالْقَبْضِ وَيَنْفُذُ فِيهِ تَصَرُّفُ الْمُسْتَقْرِضِ،

стр. 4453

وَهُوَ ضَامِنٌ قِيمَتَهُ لِلْمُقْرِضِ وَقَدْ بَطَلَتْ الْمُضَارَبَةُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَيْنًا عَلَى الْمُضَارِبِ الْبَائِعِ وَذَلِكَ يُنَافِي عَقْدَ الْمُضَارَبَةِ وَلَمْ يَحْصُلْ الْحُكْمُ عِنْدَ إجَازَةِ الْمُضَارِبِ الْآخَرِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ الْآخَرَ لَا يَمْلِكُ الْإِقْرَاضَ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَلَا يُمْكِنُ إعْمَالُ إجَازَتِهِ بِطَرِيقِ إقْرَاضِ الْعَبْدِ مِنْ صَاحِبِهِ فَاشْتَغَلْنَا بِتَرْجِيحِ جَانِبِ الْبَيْعِ لِإِعْمَالِ إجَازَتِهِ وَرَبُّ الْمَالِ يَمْلِكُ الْإِقْرَاضَ فَأَمْكَنَ أَنْ يَجْعَلَ إجَازَتَهُ إقْرَاضًا مِنْهُ فَلِهَذَا لَمْ يَشْتَغِلْ فِيهِ بِتَرْجِيحِ جَانِبِ الْبَيْعِ. وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ فَاشْتَرَى عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَمَّا قَبَضَهُ قَالَ: اشْتَرَيْتُهُ وَأَنَا أَنْوِي أَنْ يَكُونَ بِالْمُضَارَبَةِ وَكَذَّبَهُ رَبُّ الْمَالِ وَالْعَبْدُ قَائِمٌ أَوْ هَالِكٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمُضَارِبِ؛ لِأَنَّ مَا فِي ضَمِيرِهِ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ وَيَدْفَعُ مَالَ الْمُضَارَبَةِ فِي ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِيمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ فَيَكُونُ مَقْبُولَ الْقَوْلِ فِيهِ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا قَالَ: بِعْتُ وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ وَهَلَكَ فِي يَدِي يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهُ حَتَّى هَلَكَ الْمَالُ ثُمَّ قَالَ الْمُضَارِبُ: اشْتَرَيْتُهُ وَأَنَا أَنْوِي الْمُضَارَبَةَ وَقَدْ كَانَ الشِّرَاءُ قَبْلَ هَلَاكِ الْمَالِ وَالْعَبْدُ قَائِمٌ أَوْ هَالِكٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ وَالْعَبْدُ لِلْمُضَارِبِ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ يُرِيدُ بِهَذَا الْبَيَانِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِأَلْفٍ أُخْرَى لِيَدْفَعَهُ فِي ثَمَنِ الْعَبْدِ وَهُوَ لَمْ يَكُنْ مُسَلَّطًا مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْمَالِ عَلَى ذِمَّتِهِ لِالْتِزَامِ الْمَالِ فِيهَا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ إنَّمَا يُرِيدُ دَفْعَ الْأَلْفِ الَّذِي فِي يَدِهِ فِي ثَمَنِهِ، وَهُوَ مُسَلَّطٌ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْمَالِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ هُنَاكَ تَمَلُّكٌ هُوَ دَفْعُ مَا فِي يَدِهِ بِإِنْشَاءِ الشِّرَاءِ لِلْمُضَارَبَةِ فَيَمْلِكُ ذَلِكَ بِالْإِقْرَارِ بِهِ أَيْضًا، وَفِي هَذَا الْفَصْلِ لَا يَمْلِكُ إلْزَامَ شَيْءٍ فِي ذِمَّةِ رَبِّ الْمَالِ بِإِنْشَاءِ الشِّرَاءِ لِلْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِدَانَةٌ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَالْمُضَارِبُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ بِطَرِيقِ الْإِقْرَارِ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ الْمُضَارِبِ قَبْلَ هَلَاكِ الْمَالِ وَكَذَّبَهُ رَبُّ الْمَالِ ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَائِمًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُضَارِبِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ دَفْعَ الْمَالِ بِمُقَابَلَةِ هَذَا الْعَبْدِ بِطَرِيقِ إنْشَاءِ الشِّرَاءِ فَكَذَلِكَ بِطَرِيقِ الْإِقْرَارِ. وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ هَالِكًا حِينَ قَالَ الْمُضَارِبُ هَذَا الْقَوْلُ ثُمَّ ضَاعَتْ الْأَلْفُ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَهَا الْمُضَارِبُ لِلْبَائِعِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَقَرَّ مَا كَانَ يَمْلِكُ إنْشَاءَ الشِّرَاءِ فِي هَذَا الْعَبْدِ لِكَوْنِهِ هَالِكًا فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ إقْرَارِهِ كَالْإِنْشَاءِ، وَإِنَّمَا أَعْمَلْنَا إقْرَارَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَمِينٌ فِيمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ، وَذَلِكَ الْمَعْنَى يَنْعَدِمُ بِهَلَاكِ الْمَالِ فِي يَدِهِ قَبْلَ الدَّفْعِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ. وَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ كَانَ عِنْدَ الْإِقْرَارِ مُتَمَكِّنًا مِنْ إنْشَاءِ الشِّرَاءِ فِي هَذَا الْعَبْدِ الْقَائِمِ فَيُجْعَلُ إقْرَارُهُ كَإِنْشَائِهِ وَالْمُضَارِبُ، إذَا اشْتَرَى شَيْئًا لِلْمُضَارَبَةِ ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ فِي يَدِهِ قَبْلَ دَفْعِ الثَّمَنِ

стр. 4454

رَجَعَ بِمِثْلِهِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ فِي الشِّرَاءِ كَانَ عَامِلًا لَهُ فَهَذَا مِثْلُهُ وَلَوْ كَانَ الْمُضَارِبُ اشْتَرَى الْعَبْدَ بِأَلْفِ الْمُضَارَبَةِ ثُمَّ نَقَدَ ثَمَنَهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَقَالَ: اشْتَرَيْتُهُ لِنَفْسِي وَكَذَّبَهُ رَبُّ الْمَالِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ وَيَأْخُذُ الْمُضَارِبُ أَلْفَ الْمُضَارَبَةِ قِصَاصًا بِمَا أَدَّاهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لِرَبِّ الْمَالِ فَإِضَافَةُ الشِّرَاءِ إلَى الْأَلْفِ الْمُضَارَبَةِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الشِّرَاءَ لِلْمُضَارَبَةِ، ثُمَّ لَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِنَقْدِهِ الثَّمَنَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَقَدْ يَحْتَاجُ الْمُضَارِبُ إلَى ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ وُصُولِهِ إلَى الْمُضَارَبَةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُطَالِبُهُ الْبَائِعُ بِإِيفَاءِ الثَّمَنِ، وَلَا يَكُونُ هُوَ مُتَبَرِّعًا فِيمَا نَقَدَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فِيمَا اشْتَرَاهُ لِلْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى بِهِ عَلَيْهِ وَلَكِنْ يَأْخُذُ أَلْفَ الْمُضَارَبَةِ قِصَاصًا بِمَا أَدَّاهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صَارَ دَيْنًا لَهُ عَلَى مَالِ الْمُضَارَبَةِ وَلَوْ كَانَ اشْتَرَى الْعَبْدَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَمْ يُسَمِّ مُضَارَبَةً وَلَا غَيْرَهَا ثُمَّ قَالَ: اشْتَرَيْتُهُ لِنَفْسِي فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ هُنَا يَنْبَنِي عَلَى قَصْدِهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ الشِّرَاءَ لِلْمُضَارَبَةِ لِنَفْسِهِ بِالْأَلْفِ الْمُرْسَلَةِ عَلَى السَّوَاءِ وَمَا فِي ضَمِيرِهِ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ فَيَكُونُ هُوَ مَقْبُولَ الْقَوْلِ فِيهِ. وَلَوْ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا، ثُمَّ اشْتَرَى عَبْدًا آخَرَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: نَوَيْتُهَا لِلْمُضَارَبَةِ وَلَمْ يَنْقُدْهَا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصَدَّقَهُ رَبُّ الْمَالِ أَوْ كَذَّبَهُ فِيهِمَا، فَالْعَبْدُ الْأَوَّلُ مِنْ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ اشْتَرَاهُ كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ مِثْلُ ثَمَنِهِ فَصَحَّ شِرَاؤُهُ لِلْمُضَارَبَةِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، وَحِينَ اشْتَرَى الْعَبْدَ الثَّانِيَ هُوَ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا شِرَاءَهُ لِلْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمُضَارَبَةِ صَارَ مُسْتَحَقًّا فِي ثَمَنِ الْأَوَّلِ فَلَوْ نَفَّذَ الشِّرَاءَ الثَّانِي عَلَى الْمُضَارَبَةِ كَانَ اسْتِدَانَةً وَالْمُضَارِبُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ فَصَارَ مُشْتَرِيًا الْعَبْدَ الثَّانِيَ لِنَفْسِهِ وَإِنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ إنَّمَا اشْتَرَيْتُ الثَّانِي لِلْمُضَارَبَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَى الْعَبْدَ الثَّانِيَ لِلْمُضَارَبَةِ فَيَثْبُتُ ذَلِكَ بِتَصَادُقِهِمَا وَذَلِكَ كَالْإِقْرَارِ مِنْ الْمُضَارِبِ أَنَّهُ مَا اشْتَرَى الْأَوَّلَ لِلْمُضَارَبَةِ فَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَى الْأَوَّلَ لِلْمُضَارَبَةِ كَانَ مُنَاقِضًا وَالْمُنَاقِضُ لَا قَوْلَ لَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا صَدَّقَهُ رَبُّ الْمَالِ فِيهِمَا أَوْ فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ مُنَاقِضٌ صَدَّقَهُ خَصْمُهُ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَذَّبَهُ رَبُّ الْمَالُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ الشِّرَاءِ الْأَوَّلِ كَانَ هُوَ مَالِكًا الشِّرَاءَ لِلْمُضَارَبَةِ بِيَقِينٍ فَيَجِبُ قَبُولُ قَوْلِهِ فِيهِ وَإِنْ كَذَّبَهُ، وَعِنْدَ الشِّرَاءِ الثَّانِي مَا كَانَ يَمْلِكُ ذَلِكَ بِيَقِينٍ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الثَّانِي مَعَ تَكْذِيبِ رَبِّ الْمَالِ إيَّاهُ. وَلَوْ كَانَ الْمُضَارِبُ اشْتَرَى الْعَبْدَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَالَ: نَوَيْت كُلَّ وَاحِدٍ بِالْأَلْفِ الْمُضَارَبَةِ وَصَدَّقَهُ رَبُّ الْمَالِ فِي ذَلِكَ فَنِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ لِلْمُضَارِبِ وَنِصْفُهُمَا لِلْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهُمَا مَعًا فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِجَعْلِهِ لِلْمُضَارَبَةِ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ وَلَيْسَ قَبُولُ الْمُضَارَبَةِ فِي أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى

стр. 4455

مِنْهُ فِي الْآخَرِ وَلَا يُمْكِنُ تَنْفِيذُ شِرَائِهِ لَهُمَا عَلَى الْمُضَارَبَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِدَانَة عَلَى الْمَالِ، فَصَارَ مُشْتَرِيًا نِصْفَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْمُضَارَبَةِ وَنِصْفَهُ لِنَفْسِهِ. وَلَوْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ: اشْتَرَيْتُ هَذَا بِعَيْنِهِ لِلْمُضَارَبَةِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لِتَصَادُقِهِمَا أَنَّهُ اشْتَرَى ذَلِكَ الْعَبْدَ لِلْمُضَارَبَةِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْمُضَارِبَ مِنْ دَعْوِي الشِّرَاءِ لِلْمُضَارَبَةِ فِي الْعَبْدِ الْآخَرِ. وَلَوْ قَالَ الْمُضَارِبُ اشْتَرَيْتهمَا بِأَلْفٍ مِنْ عِنْدِي وَبِأَلْفٍ مِنْ الْمُضَارَبَةِ فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: اشْتَرَيْتُ هَذَا بِعَيْنِهِ بِأَلْفِ الْمُضَارَبَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُضَارِبِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ يَدَّعِي تَفَرُّقَ الصَّفْقَةِ وَالْمُضَارِبُ مُنْكَرٌ لِذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَنِصْفُ الْعَبْدَيْنِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ، وَنِصْفُهُمَا لِلْمُضَارِبِ. وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ ثُمَّ نَهَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ فَإِنْ كَانَ الْمَالُ بِعَيْنِهِ فِي يَدِهِ فَنَهْيُ رَبِّ الْمَالِ جَائِزٌ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُضَارَبَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ بِنَفْسِهِ فَيَمْلِكُ رَبُّ الْمَالِ فَسْخَهُ بِنَهْيِهِ عَنْ التَّصَرُّفِ، وَهَذَا فِي الِابْتِدَاءِ وَكَالَةٌ، وَالْمُوَكِّلُ يَمْلِكُ عَزْلَ الْوَكِيلِ قَبْلَ تَصَرُّفِهِ فَإِنْ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ مُشْتَرٍ لِنَفْسِهِ لِانْفِسَاخِ الْمُضَارَبَةِ بِنَهْيِ رَبِّ الْمَالِ. وَإِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ نَهَاهُ بَعْدَ مَا اشْتَرَى بِالْمَالِ شَيْئًا فَنَهْيُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمَالَ بَعْدَ مَا صَارَ عُرُوضًا بِتَصَرُّفِ الْمُضَارِبِ قَدْ ثَبَتَ فِيهِ حَقُّهُ فِي الرِّبْحِ فَلَا يَمْلِكُ رَبُّ الْمَالِ إبْطَالَ حَقِّهِ عَلَيْهِ بِالنَّهْيِ عَنْ التَّصَرُّفِ، وَبِخِلَافِ مَا قَبْلَ الشِّرَاءِ فَلَا حَقَّ هُنَاكَ لِلْمُضَارِبِ فِي الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ، ثُمَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْعُرُوضِ بِمَا بَدَا لَهُ مِنْ الْعُرُوضِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ثُمَّ يَبِيعُ ذَلِكَ بِمَا بَدَا لَهُ كَمَا قَبْلَ نَهْيِ رَبِّ الْمَالِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ وَهُوَ الرِّبْحُ قَدْ لَا يَحْصُلُ بِالْبَيْعِ بِالنَّقْدِ فَقَدْ لَا يَجِدُ مَنْ يَشْتَرِي ذَلِكَ مِنْهُ بِالنَّقْدِ فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ بِمَا شَاءَ لِيَحْصُلَ مَقْصُودُهُ مِنْ الرِّبْحِ الَّذِي هُوَ حَقُّهُ فَإِنْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِدَرَاهِمَ بِمَا شَاءَ أَوْ دَنَانِيرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ؛ لِأَنَّ الْمَالَ صَارَ نَقْدًا فِي يَدِهِ فَيَعْمَلُ ذَلِكَ النَّهْيُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ نَقْدًا فِي الِابْتِدَاءِ حِينَ نَهَاهُ عَنْ التَّصَرُّفِ، وَيَسْتَوِي إنْ صَارَ بَعْضُ الْمَالِ أَوْ جَمِيعُهُ نَقْدًا فِي أَنَّ النَّهْيَ يَعْمَلُ فِيمَا صَارَ مِنْهُ نَقْدًا، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَبِيعَ الدَّنَانِيرَ بِالدَّرَاهِمِ حَتَّى يُوَفِّيَ رَبَّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ؛ لِأَنَّ النُّقُودَ فِي حُكْمِ الْمُضَارَبَةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فَيَعْمَلُ النَّهْيُ لِذَلِكَ، وَلَكِنْ إنَّمَا يَرُدُّ رَأْسَ الْمَالِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْ جِنْسِ مَا قَبَضَ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَلَا يَتَهَيَّأُ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِمُبَادَلَةِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخِرِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ سُودًا وَالْحَاصِلُ فِي يَدِهِ بِيضٌ فَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا مِثْلَ رَأْسِ الْمَالِ وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ رَبُّ الْمَالِ فَإِنَّ مَوْتَهُ وَنَهْيَهُ سَوَاءٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَعْمَلُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى إبْطَالِ الْحَقِّ الثَّابِتِ لِلْمُضَارِبِ. وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا مُضَارَبَةً وَأَجَازَ مَا صَنَعَ فِي ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ

стр. 4456

فَاشْتَرَى بِهَا خَمْرًا، أَوْ خِنْزِيرًا، أَوْ مَيْتَةً، أَوْ مُدَبَّرًا، أَوْ مُكَاتَبًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَوْ لَا يَعْلَمُ فَقَبَضَ ذَلِكَ وَدَفَعَ الدَّرَاهِمَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ إنَّمَا أَمَرَهُ بِشِرَاءِ مَا يَتَمَكَّنُ مِنْ بَيْعِهِ وَالرِّبْحُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ، وَقَدْ اشْتَرَى بِهَا مَالًا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِيهِ فَلَا يَنْفُذُ شِرَاؤُهُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ وَإِنَّمَا يَكُونُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ سَوَاءٌ عَلِمَ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَإِنْ نَفَذَ فِيهِ مَالُ الْمُضَارَبَةِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْخِلَافِ. وَلَوْ اشْتَرَى بِالْمُضَارَبَةِ عَبْدًا شِرَاءً فَاسِدًا أَوْ اشْتَرَى بِهَا دَرَاهِمَ أَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ أَقَلَّ وَدَفَعَ الْمَالَ وَقَبَضَ مَا اشْتَرَى فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا دَفَعَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا يَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ فِيهِ. فَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا يَمْلِكُ بِالْقَبْضِ فَلَا يُمْكِنُ تَضْمِينُهُ بِالْخِلَافِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ وَالْمُضَارِبُ لَا يَضْمَنُ بِالْفَسَادِ كَالْوَكِيلِ. وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَلْفًا مُضَارَبَةً، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِهِ فَاشْتَرَى بِهَا عَبْدًا يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ فَهُوَ مُخَالِفٌ مُشْتَرٍ لِنَفْسِهِ ضَامِنٌ لِلْمَالِ إنْ دَفَعَهُ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ، وَالْمُضَارِبُ فِي الشِّرَاءِ كَالْوَكِيلِ وَالْوَكِيلُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ. وَلَوْ اشْتَرَى الْعَبْدَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَهُوَ يُسَاوِي تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ جَازَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ قَدْرَ الْخَمْسِينَ فِي الْأَلْفِ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ، وَذَلِكَ عَفْوٌ فِي حَقِّ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ. وَلَوْ اشْتَرَى بِهَا عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا ثُمَّ بَاعَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ جَازَ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ فِيمَا يَبِيعُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ، وَمِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْفَرْقَ لَهُ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا الثِّيَابَ وَيَقْطَعَهَا بِيَدِهِ وَيَخِيطَهَا عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى مَا اشْتَرَطَا؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ الْمَشْرُوطَ عَلَيْهِ مِمَّا يَصْنَعُهُ التُّجَّارُ عَلَى قَصْدِ تَحْصِيلِ الرِّبْحِ فَهُوَ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا الْجُلُودَ وَالْأَدَمَ وَيَخْرُزَهَا خِفَافًا وَدِلَاءً وَرَوَايَا وَأَجْرِبَةً فَكُلُّ هَذَا مِنْ صُنْعِ التُّجَّارِ عَلَى قَصْدِ تَحْصِيلِ الرِّبْحِ فَيَجُوزُ شَرْطُهُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ. وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا مُضَارَبَةً عَلَى أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ فِي الرِّبْحِ وَلَمْ يُسَمِّ نِصْفًا وَلَا غَيْرَهُ فَهُوَ جَائِزٌ وَلِلْمُضَارِبِ نِصْفُ الرِّبْحِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الشَّرِكَةِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ قَالَ اللَّهُ ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] وَلَوْ قَالَ عَلَى أَنَّ لِلْمُضَارِبِ شِرْكًا فِي الرِّبْحِ فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الشِّرْكِ وَالشَّرِكَةِ فِي اقْتِضَاءِ ظَاهِرِ اللَّفْظِ التَّسْوِيَةَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: " هَذِهِ مُضَارَبَةٌ فَاسِدَةٌ "؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى النَّصِيبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ٤٠] فَكَأَنَّهُ قَالَ عَلَى أَنَّ لِلْمُضَارِبِ نَصِيبًا وَذَلِكَ مَجْهُولٌ، تَوْضِيحُهُ أَنَّ الشَّرِكَةَ الَّتِي تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ مَا يَكُونُ مُضَافًا إلَى الشَّرِيكَيْنِ كَمَا فِي قَوْلِهِ عَلَى أَنَّهُمَا

стр. 4457

شَرِيكَانِ وَهُنَا أَضَافَ الشَّرِكَةَ إلَى الْمُضَارِبِ خَاصَّةً عَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّصِيبُ. وَإِذَا دَفَعَ فِي مَرَضِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ فَعَمِلَ الْمُضَارِبُ فَرَبِحَ أَلْفًا ثُمَّ مَاتَ رَبُّ الْمَالِ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ وَأَجَّرَ مِثْلَ الْمُضَارِبِ أَقَلَّ مِمَّا شَرَطَ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ فِيمَا عَمِلَ وَعَلَى رَبّ الْمَالِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَا بِهِ فَلِلْمُضَارِبِ نِصْفُ الرِّبْحِ يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ دَيْنِ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُضَارَبَةِ قَدْ صَحَّ، فَنَصِيبُ الْمُضَارِبِ مِنْ الرِّبْحِ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لِرَبِّ الْمَالِ قَطُّ حَتَّى يَكُونَ إيجَابُهُ لِلْمُضَارِبِ بِطَرِيقِ الْوَصِيَّةِ بِخِلَافِ الْأُجْرَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، فَيَعْتَبِرُ مَا زَادَ عَلَى أَجْرِ مِثْلِهِ بَعْدَ الدَّيْنِ بِطَرِيقِ الْوَصِيَّةِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُمَا شَرِيكَانِ فِي الرِّبْحِ وَأَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لَا يَتَمَلَّكُ عَلَى صَاحِبِهِ شَيْئًا إنَّمَا يَمْلِكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ كَمَا حَدَثَ ابْتِدَاءً، تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْمَشْرُوطَ لَهُ بَعْضُ مَا يَحْدُثُ بِعَمَلِهِ، وَهُوَ يَمْلِكُ أَنْ يَجْعَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ لَهُ بِأَنْ يُقْرِضَهُ الْمَالَ لِيَتَصَرَّفَ فِيهِ لِنَفْسِهِ فَيَكُونُ رِبْحُهُ كُلُّهُ لَا سَبِيلَ لِلْغُرَمَاءِ وَوَرَثَةِ الْمَرِيضِ عَلَيْهِ، فَلَأَنْ يَمْلِكَ جَعَلَ بَعْضَ الرِّبْحِ لَهُ بِطَرِيقِ الْمُضَارَبَةِ أَوْلَى، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ سَمَّى لِلْمُضَارِبِ رِبْحًا كَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَى الْمَرِيضِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ فَيَضْرِبُ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ فِي تَرِكَتِهِ وَلَا حَقَّ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّبْحِ لِيَسْتَحِقَّ التَّقْدِيمَ فِيهِ عَلَى سَائِرِ الْغُرَمَاءِ. وَلَوْ دَفَعَ الصَّحِيحُ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً إلَى مَرِيضٍ عَلَى أَنَّ لِلْمُضَارِبِ عُشْرَ الرِّبْحِ، وَأَجْرُ مِثْلِهِ خَمْسُمِائَةٍ فَرَبِحَ أَلْفًا ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ كَثِيرٌ فَلِلْمُضَارِبِ عُشْرُ الرِّبْحِ، لَا يُزَادَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي مِنْ جِهَتِهِ مَا لَا حَقَّ فِيهِ لِلْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ وَهُوَ الْعَمَلُ بِمَنَافِعِهِ، وَلَوْ تَبَرَّعَ بِهِ بِأَنْ عَمِلَ لَا عَلَى وَجْهِ الْمُضَارَبَةِ بَلْ عَلَى وَجْهِ الْبِضَاعَةِ لَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ سَبِيلٌ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ، فَإِذَا شَرَطَ لِنَفْسِهِ بِمُقَابَلَةِ عَمَلِهِ شَيْئًا كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ؛ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ دُونَ أَجْرِ مِثْلِهِ. وَإِذَا أَرَادَ الْمُضَارِبُ أَنْ يَرُدَّ عَبْدًا اشْتَرَاهُ بِالْعَيْبِ فَطَلَبَ الْبَائِعُ يَمِينَ الْمُضَارِبِ مَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ وَلَا عَرَضَهُ عَلَى بَيْعٍ مُنْذُ رَآهُ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِهِ تَعَذَّرَ الرَّدُّ فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ بَقِيَ الْعَبْدُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى هَذَا النُّكُولِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْلِفَ كَاذِبًا، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْبُيُوعِ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ مُلْزَمًا لِلْمُوَكِّلِ فَيَكُونُ الْمُضَارِبُ أَوْلَى. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ الْمُضَارِبُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ يَتَضَمَّنُ لُزُومَ الْبَيْعِ فِيهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ شِرَائِهِ ابْتِدَاءً وَهُوَ يَمْلِكُ ذَلِكَ بِأَنْ يُقِيلَهُ الْعَقْدَ ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ ثَانِيًا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ. وَلَوْ ادَّعَى الْبَائِعُ الرِّضَا عَلَى الْآمِرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُضَارِبَ وَلَا رَبَّ الْمَالِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ بِمَنْزِلَةِ الْمُوَكِّلِ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ أَنَّ دَعْوَى الرِّضَا عَلَى الْمُوَكِّلِ لَا يُوجِبُ الْيَمِينَ عَلَى الْوَكِيلِ وَلَا عَلَى الْمُوَكِّلِ فَكَذَلِكَ فِي الْمُضَارَبَةِ وَلَوْ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ عَبْدًا لَمْ يَرَهُ وَقَدْ رَآهُ

стр. 4458

رَبُّ الْمَالِ فَلِلْمُضَارِبِ أَنْ يَرُدَّهُ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ رَبِّ الْمَالِ لَا تَكُونُ دَلِيلَ الرِّضَا مِنْهُ بِهِ فَإِنَّهُ مَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُضَارِبَ يَشْتَرِي ذَلِكَ الْعَبْدَ بِعَيْنِهِ لَا عِنْدَ رُؤْيَتِهِ وَلَا عِنْدَ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ، وَبَعْدَ الرُّؤْيَةِ لَوْ اشْتَرَاهُ رَبُّ الْمَالِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ عِنْدَ الشِّرَاءِ أَنَّهُ ذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يَسْقُطُ خِيَارُ رُؤْيَتِهِ فَإِذَا اشْتَرَاهُ مُضَارَبَةً أَوْلَى أَنْ لَا يَسْقُطَ الْخِيَارُ بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ. وَلَوْ رَآهُ الْمُضَارِبُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا خِيَارٌ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ رَبُّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ عَالِمٌ عِنْدَ الشِّرَاءِ بِأَنَّهُ يَشْتَرِي ذَلِكَ الَّذِي رَآهُ فَالرُّؤْيَةُ السَّابِقَةُ مِنْهُ دَلِيلُ الرِّضَا بِهِ، وَفِيمَا يُبْنَى عَلَى الرِّضَا وَلُزُومِ الْعَقْدِ الْعَاقِدُ لِغَيْرِهِ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ. وَلَوْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ أَعْوَرُ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ الْمُضَارِبُ فَاشْتَرَاهُ الْمُضَارِبُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ مَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ مُضَارِبَهُ يَشْتَرِي ذَلِكَ الْعَبْدَ بِعَيْنِهِ، فَعِلْمُهُ بِالْعَوَرِ لَا يَكُونُ دَلِيلَ الرِّضَا مِنْهُ بِعَيْبِهِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمُضَارِبَ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ يَسْتَحِقُّ صِفَةَ السَّلَامَةِ فَإِنَّهُ مَا كَانَ يَعْلَمُ بِالْعَيْبِ عَلَى الْعَبْدِ وَلَا عِلْمَ لِرَبِّ الْمَالِ بِعَيْبِهِ، فَبِفَوَاتِ صِفَةِ السَّلَامَةِ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ، وَالْوَكِيلُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ بِمَنْزِلَةِ الْمُضَارِبِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا. وَلَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا مُضَارَبَةً عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ عَبْدَ فُلَانٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ يَبِيعَهُ فَاشْتَرَاهُ الْمُضَارِبُ وَلَمْ يَرَهُ وَقَدْ رَآهُ رَبُّ الْمَالِ فَلَا خِيَارَ لِلْمُضَارِبِ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ الْمُضَارِبَ نَائِبٌ عَنْهُ فِي الشِّرَاءِ وَرُؤْيَةُ رَبِّ الْمَالِ هُنَا دَلِيلُ الرِّضَا مِنْهُ بِذَلِكَ الْعَيْبِ حِينَ أَمَرَ نَائِبَهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُضَارِبُ رَآهُ وَلَمْ يَرَهُ رَبُّ الْمَالِ فَهَذَا كَالْأَوَّلِ فِي هَذَا الْحُكْمِ. وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ أَعْوَرَ وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَحَدُهُمَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَرُدَّهُ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُضَارِبُ عَالِمًا بِهِ فَهُوَ مَا اسْتَحَقَّ صِفَةَ السَّلَامَةِ بِالْإِقْدَامِ عَلَى الشِّرَاءِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ وَإِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ هُوَ الَّذِي عَلِمَ لَهُ، فَأَمْرُهُ إيَّاهُ بِالشِّرَاءِ بِعَيْنِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِعَيْبِهِ دَلِيلُ الرِّضَا مِنْهُ بِالْعَيْبِ، وَرِضَا رَبِّ الْمَالِ مُعْتَبَرٌ فِي إسْقَاطِ خِيَارِ الْعَيْبِ لِلْمُضَارِبِ. وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ إذَا اشْتَرَاهُ وَقَدْ كَانَ الْآمِرُ رَآهُ أَوْ عَلِمَ بِهِ فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَرُدَّهُ لِمَا قُلْنَا. وَإِذَا دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا مُضَارَبَةً أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ الثِّيَابَ وَيَبِيعَ فَاسْمُ الثِّيَابِ اسْمُ جِنْسٍ لِلْمَلْبُوسِ فِي حَقِّ بَنِي آدَمَ فَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ مَا شَاءَ مِنْ ذَلِكَ كَالْخَزِّ، وَالْحَرِيرِ، وَالْقَزِّ، وَثِيَابِ الْقُطْنِ، وَالْكَتَّانِ، وَالْأَكْسِيَةِ، والْأنْبَجانِيَّات، وَالطَّيَالِسَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُسُوحَ، وَالسُّتُورَ، وَالْأَنْمَاطَ، وَالْوَسَائِدَ، وَالطَّنَافِسَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ جِنْسِ الْفُرُشِ لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الثِّيَابِ فِي الْعَادَةِ مُطْلَقًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ بَائِعَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يُسَمَّى ثَيَّابًا بَلْ الثِّيَابِيُّ فِي النَّاسِ مَنْ يَبِيعُ مَا يَلْبَسُهُ النَّاسُ، وَمُطْلَقُ اللَّفْظِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَفْهُومِ عُرْفًا وَلَوْ دَفَعَهُ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ

стр. 4459

الْبَزَّ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ مِنْ ثِيَابِ الْخَزِّ وَالْحَرِيرِ، وَالطَّيَالِسَةِ، وَالْأَكْسِيَةِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يَشْتَرِي ثِيَابَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْبَزَّازَ فِي عُرْفِ النَّاسِ مَنْ يَبِيعُ ثِيَابَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ لَا مَنْ يَبِيعُ الْخَزَّ وَالْحَرِيرَ، وَهَذَا شَيْءٌ مَبْنَاهُ عَلَى عُرْفِ النَّاسِ لَيْسَ مِنْ فِقْهِ الشَّرِيعَةِ فِي شَيْءٍ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ. وَإِذَا بَاعَ الْمُضَارِبُ عَبْدًا مِنْ الْمُضَارَبَةِ ثُمَّ قَبِلَهُ بِعَيْبٍ يَحْدُثُ مِثْلُهُ بِإِقْرَارٍ أَوْ غَيْرِهِ بِحُكْمٍ أَوْ إقَالَةٍ فَهُوَ سَوَاءٌ، وَهُوَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ لَا يَمْلِكُ الشِّرَاءَ لِلْمُوَكِّلِ ابْتِدَاءً، وَالْمُضَارِبُ يَمْلِكُ الشِّرَاءَ كَمَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ فَقَبُولُهُ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ لَا يَكُونُ فَوْقَ شِرَائِهِ ابْتِدَاءً فَيَجُوزُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ. وَلَوْ أَنْكَرَ الْمُضَارِبُ الْعَيْبَ ثُمَّ صَالَحَهُ مِنْهُ عَلَى إنْ زَادَهُ مَعَ الْعَبْدِ دِينَارًا أَوْ ثَوْبًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْمُضَارَبَةِ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى رَبِّ الْمَالِ إنْ كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ الْعَيْبِ أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ أَبْطَلْتُهُ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ عَنْ الْعَيْبِ عَلَى مِثْلِ هَذَا مُتَعَارَفٌ بَيْنَ التُّجَّارِ وَالْمُضَارِبُ يَمْلِكُ مَا هُوَ مِنْ صُنْعِ التُّجَّارِ فَأَمَّا الصُّلْحُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ حِصَّةِ الْعَيْبِ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فَلَيْسَ مِنْ صُنْعِ التُّجَّارِ بَلْ هُوَ كَالْبُرِّ الْمُبْتَدَأِ، ثُمَّ هُوَ مَأْمُورٌ بِالصُّلْحِ لِإِصْلَاحِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ لَا لِإِفْسَادِ الْمَالِ، وَفِي الصُّلْحِ عَلَى مِثْلِ حِصَّةِ الْعَيْبِ أَوْ زِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ إصْلَاحٌ فَأَمَّا فِي الصُّلْحِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فَإِفْسَادٌ بِهِ وَلَوْ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ بِأَلْفِ الْمُضَارَبَةِ مِنْ وَلَدِهِ أَوْ وَالِدَيْهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ أَوْ عَبْدِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الْمُضَارَبَةِ. وَإِنْ كَانَ يُسَاوِي أَقَلَّ مِنْهُ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فَهُوَ مُشْتَرٍ لِنَفْسِهِ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -: " هُوَ جَائِزٌ عَلَى الْمُضَارَبَةِ " إلَّا مَا اشْتَرَى مِنْ عَبْدِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ فَإِنَّ قَوْلَهُمَا فِي ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَدْ أُطْلِقَ فِي الْوَكِيلِ جَوَابُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ وَلَمْ يُفْصَلْ بَيْنَ الشِّرَاءِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَبَيْنَ الشِّرَاءِ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا ﵏ مَنْ يَقُولُ تَقْسِيمُهُ هُنَا تَقْسِيمٌ فِي الْوَكِيلِ، وَالْخِلَافُ فِي الْفَصْلَيْنِ فِي الشِّرَاءِ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ، فَأَمَّا الشِّرَاءُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ فَجَائِزٌ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ يَعْتَبِرُ التُّهْمَةَ وَذَلِكَ إنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ الشِّرَاءِ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ، وَفِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَبَبٌ مُوجِبُ التُّهْمَةِ فَيُحْمَلُ شِرَاؤُهُ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ عَلَى أَنَّهُ خَفِيٌّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَفِي حَقِّ الْآبَاءِ وَالْأَوْلَادِ بَيْنَهُمَا سَبَبُ التُّهْمَةِ فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى الْمَيْلِ إلَيْهِ وَإِيثَارِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ فَأَمَّا فِي الشِّرَاءِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مَعْنَى التُّهْمَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ هَذَا التَّقْسِيمُ فِي الْمُضَارِبِ فَأَمَّا الْوَكِيلُ فَلَا يَمْلِكُ الشِّرَاءَ مِنْ هَؤُلَاءِ لِمُوَكِّلِهِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ -

стр. 4460

أَنَّ الْمُضَارِبَ شَرِيكٌ فِي الرِّبْحِ فَيَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ تَرْكِ الِاسْتِقْصَاءِ وَالنَّظَرِ وَإِنْ كَانَ يُعَامِلُ أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤْثِرُ نَفْسَهُ عَلَيْهِمَا فَلِهَذَا جَازَتْ مُعَامَلَتُهُ مَعَهُمْ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ، فَأَمَّا الْوَكِيلُ فَعَامِلٌ لِلْمُوَكِّلِ وَلَا حَقَّ لَهُ فِيمَا يَشْتَرِيهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَتْرُكُ الِاسْتِقْصَاءَ فِي الْمُعَامَلَةِ مَعَ هَؤُلَاءِ فَلِهَذَا لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ مَعَهُمْ عَلَى الْمُوَكِّل، يُوضِحُهُ أَنَّ الْمُضَارِبَ أَعَمُّ تَصَرُّفًا مِنْ الْوَكِيلِ وَقَدْ يُسْتَبَدُّ بِالتَّصَرُّفِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمْلِكُ رَبُّ الْمَالِ نَهْيَهُ وَهُوَ بَعْدَ مَا صَارَ الْمَالُ عُرُوضًا، وَقَدْ يَكُونُ نَائِبًا مَحْضًا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَلِشَبَهِهِ بِالْمُسْتَبِدِّ بِالتَّصَرُّفِ قُلْنَا: يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ مَعَ هَؤُلَاءِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ، وَلِشَبَهِهِ بِالنَّائِبِ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ مَعَهُمْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ، فَأَمَّا الْوَكِيلُ فَنَائِبٌ مَحْضٌ وَهُوَ نَائِبٌ فِي تَصَرُّفٍ خَاصٍّ فَيَكُونُ مُتَّهَمًا فِي تَصَرُّفِهِ مَعَ هَؤُلَاءِ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ وَإِنْ كَانَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ يُسَاوِي أَلْفًا فَأَرَادَ الْمُضَارِبُ أَنْ يَبِيعَهُ مُرَابَحَةً لَمْ يَبِعْهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حَتَّى يُبَيِّنَ وَعِنْدَهُمَا يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ إلَّا مَا اشْتَرَاهُ مِنْ مُكَاتَبِهِ وَعَبْدِهِ الْمَدْيُونِ فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ وَلَوْ اشْتَرَى بِأَلْفِ الْمُضَارَبَةِ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ أَوْ أَخَاهُ أَوْ وَلَدَهُ وَلَا فَضْلَ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبِ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْهُ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ فَضْلٌ فَهُوَ يَتَمَكَّنُ مِنْ بَيْعِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَشْتَرِيَ لِلْمُضَارَبَةِ مَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ وَإِنْ كَانَ فِي فَضْلِ يَوْمٍ اشْتَرَاهُ فَهُوَ مُشْتَرٍ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَفَذَ شِرَاؤُهُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ مَلَكَ مِنْهُ مِقْدَارَ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْجُزْءُ وَلَا يُمْكِنُهُ بَيْعُهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُضَارِبَ لَا يَشْتَرِي لِلْمُضَارَبَةِ مَالًا يُمْكِنُ بَيْعُهُ فَكَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ فَعَتَقَ عَلَيْهِ وَإِنْ نَقَدَ ثَمَنَهُ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَضَى بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ دَيْنَ نَفْسِهِ. وَلَوْ اشْتَرَى أَبَا رَبِّ الْمَالِ أَوْ ابْنَهُ أَوْ أَخَاهُ وَفِيهِ فَضْلٌ أَوْ لَا فَضْلَ فِيهِ فَهُوَ مُشْتَرٍ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَفَذَ شِرَاؤُهُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ مَلَكَهُ رَبُّ الْمَالِ وَعَتَقَ عَلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ فَلَا يَتَمَكَّنُ الْمُضَارِبُ مِنْ بَيْعِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ مَا لَا يُمْكِنُهُ بَيْعُهُ فَكَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَأَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَقْبِضَ مِنْ الْمَدْيُونِ جَمِيعَ مَالِهِ عَلَيْهِ، وَيَعْمَلَ بِهِ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ فَقَبَضَ الْمَأْمُورُ نِصْفَ مَا عَلَى الْمَدْيُونِ ثُمَّ عَمِلَ بِهِ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الْمُضَارَبَةِ، وَرَأْسُ الْمَالِ فِيهِ مَا قَبَضَهُ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَقْتَضِيَ التَّرْتِيبَ فَكَانَ هُوَ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْمَالِ مَأْمُورًا بِالْقَبْضِ وَالْعَمَلِ بِهِ مُضَارَبَةً فَإِذَا قَبَضَ الْبَعْضَ وَعَمِلَ بِهِ كَانَ مُمْتَثِلًا أَمْرَ رَبِّ الْمَالِ وَلَوْ قَالَ لَهُ اقْبِضْ جَمِيعَ الْأَلْفِ الَّتِي لِي عَلَى فُلَانٍ ثُمَّ اعْمَلْ بِهَا مُضَارَبَةً كَانَ مُخَالِفًا فِيمَا صَنَعَ ضَامِنًا لِلْمَالِ،

стр. 4461

وَالرِّبْحُ لَهُ وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَرْفَ ثُمَّ لِلتَّعْقِيبِ مَعَ التَّرَاخِي فَهُوَ أَخَّرَ الْأَمْرَ بِالْعَمَلِ مُضَارَبَةً عَنْ قَبْضِ جَمِيعِ الْمَالِ فَمَا لَمْ يَقْبِضْ جَمِيعَ الْأَلْفِ لَا يَأْتِي، أَوْ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمَالِ مُضَارَبَةً فَإِذَا عَمِلَ بِالْبَعْضِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْكُلَّ كَانَ مُخَالِفًا. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: اقْبِضِي جَمِيعَ الْمَالِ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ ثُمَّ أَنْتِ طَالِقٌ فَقَبَضَتْ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ لَمْ تَطْلُقْ؟ وَلَوْ قَالَ اقْبِضِي جَمِيعَ الْمَالِ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ وَأَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ لِلْحَالِ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَ شَيْئًا إذَا لَمْ يَزِدْ الزَّوْجُ وَاوَ الْحَالِ. وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الصَّبِيِّ أَوْ إلَى الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مَالًا مُضَارَبَةً فَاشْتَرَى بِهِ فَرَبِحَ أَوْ وَضَعَ بِغَيْرِ إذْنِ وَالِدِ الصَّبِيِّ وَمَوْلَى الْعَبْدِ جَازَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ لِكَوْنِهِ مُمَيَّزًا وَإِنَّمَا يُلَاقِي تَصَرُّفُهُ مَالَ رَبِّ الْمَالِ وَهُوَ رَاضٍ بِتَصَرُّفِهِ. وَلَوْ اسْتَعَانَ بِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ شَيْءٍ مِنْ الرِّبْحِ لَهُ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ فِي حَقِّهِ فَإِذَا شَرَطَ لَهُمَا نَصِيبًا مِنْ الرِّبْحِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَحْضُ مَنْفَعَةٍ لَهُمَا، وَالْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ لَا يَلْحَقُهُمَا الْحَجْرُ بِتَمَحُّضِ مَنْفَعَةٍ، وَالْعُهْدَةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَا وَكِيلَيْنِ لَهُ بِالْبَيْعِ؛ لِأَنَّ فِي إلْزَامِ الْعُهْدَةِ إيَّاهُمَا ضَرَرًا وَهُمَا مَحْجُورَانِ عَنْ اكْتِسَابِ سَبَبِ الضَّرَرِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ إيجَابُ الْعُهْدَةِ عَلَيْهِمَا لَزِمَتْ الْعُهْدَةُ مَنْ يَنْتَفِعُ بِهَذَا الْعَقْدِ بَعْدَهُمَا وَهُوَ رَبُّ الْمَالِ، ثُمَّ لَا تَنْتَقِلُ الْعُهْدَةُ إلَى الصَّبِيِّ وَإِنْ كَبِرَ وَتَنْتَقِلُ إلَى الْعَبْدِ إذَا عَتَقَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مُخَاطَبٌ مِنْ أَهْلِ إلْزَامِ الْعُهْدَةِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَلَكِنَّ حَقَّ الْمَوْلَى كَانَ مَانِعًا مِنْ إلْزَامِ الْعُهْدَةِ إيَّاهُ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ لَزِمَتْهُ الْعُهْدَةُ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ إلْزَامِ الْعُهْدَةِ أَصْلًا فَلَا يَلْحَقُهُ ذَلِكَ وَإِنْ بَلَغَ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْكَفَالَةِ وَالْإِقْرَارِ. وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ فِي عَمَلِ الْمُضَارَبَةِ وَقُتِلَ الصَّبِيُّ وَهُوَ فِي عَمَلِ الْمُضَارَبَةِ بَعْدَ مَا رَبِحَا فَإِنَّ مَوْلَى الْعَبْدِ يُضَمِّنُ رَبَّ الْمَالِ قِيمَةَ عَبْدِهِ يَوْمَ عَمِلَ فِي مَالِهِ مُضَارَبَةً بِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا لَهُ بِاسْتِعْمَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ، وَإِذَا ضَمِنَ قِيمَتَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ فَجَمِيعُ مَا رَبِحَ الْعَبْدُ لِرَبِّ الْمَالِ دُونَ مَوْلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَسْبٌ اكْتَسَبَهُ الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ وَالْكَسْبُ لِلْغَاصِبِ إذَا مَلَكَ الْعَبْدَ بِالضَّمَانِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُضَارَبَةَ لَوْ كَانَتْ فَاسِدَةً كَانَ لِلْعَبْدِ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي حَيَاتِهِ فَإِذَا مَاتَ غَرِمَ رَبُّ الْمَالِ قِيمَتَهُ وَبَطَلَ الْأَجْرُ عَنْهُ؟ فَهَذَا مِثْلُهُ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ إذَا قُتِلَ فِي عَمَلِ رَبّ الْمَالِ بَعْدَ مَا رَبِحَ فَعَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ الدِّيَةُ وَإِنْ شَاءَ وَرَثَةُ الصَّبِيِّ ضَمَّنُوا عَاقِلَةَ رَبّ الْمَالِ لِأَنَّهُ بِاسْتِعْمَالِهِ صَارَ مُتَسَبِّبًا لِهَلَاكِهِ وَهَذَا سَبَبٌ هُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ جِنَايَتِهِ بِيَدِهِ فِي إيجَابِ الدِّيَةِ عَلَى قَاتِلِهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ غَصَبَ صَبِيًّا حُرًّا وَقَرَّبَهُ إلَى مَسْبَعَةٍ حَتَّى افْتَرَسَهُ السَّبُعُ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى عَاقِلَةِ رَبِّ الْمَالِ بِهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهُمْ قَامُوا

стр. 4462

مَقَامَ وَرَثَةِ الصَّبِيِّ حِينَ ضَمِنُوا لَهُمْ دِيَتَهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ مُبَاشِرٌ، وَالْمُتَسَبِّبُ يَرْجِعُ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الضَّمَانِ عَلَى الْمُبَاشِرِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَرَّرَ عَلَيْهِ بِمُبَاشَرَتِهِ فَكَأَنَّهُ أَلْزَمَهُ إيَّاهُ ابْتِدَاءً ثُمَّ يُسَلِّمُ لِوَرَثَةِ الصَّبِيِّ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ الْحُرَّ لَا يَمْلِكُ بِضَمَانِ الدِّيَةِ؛ وَلِأَنَّ عَاقِلَةَ رَبِّ الْمَالِ إنَّمَا غَرِمُوا الدِّيَةَ بِهَلَاكِ الصَّبِيِّ فِي عَمَلِهِ لِرَبِّ الْمَالِ لَا لِاسْتِعْمَالِ رَبِّ الْمَالِ إيَّاهُ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الصَّبِيَّ لَوْ مَاتَ وَلَمْ يُقْتَلْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ بَرِيئًا مِنْ دِيَتِهِ؟ فَلِهَذَا يُسَلِّمُ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ لِوَرَثَتِهِ. وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلَيْنِ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً. فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، فَقَالَ الْبَاقِي مِنْهُمَا: قَدْ هَلَكَ الْمَالُ فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي نِصْفِ الْمَالِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ فِيمَا كَانَ فِي يَدِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إذَا أَخْبَرَ بِهَلَاكِهِ مَعَ يَمِينِهِ. وَأَمَّا الْمَيِّتُ، فَإِنَّ نِصْفَ مَالِ الْمُضَارَبَةِ دَيْنٌ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْمَالِ كَانَ أَمَانَةً فِي يَدِهِ وَقَدْ مَاتَ مُجَهَّلًا، وَالْأَمِينُ بِالتَّجْهِيلِ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ يَصِيرُ مُتَمَلِّكًا فَيَكُونُ ضَامِنًا. وَإِذَا دَفَعَ الْمُسْلِمُ إلَى النَّصْرَانِيِّ مَالًا مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ، فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي ذَلِكَ كَالْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فَلَا نَأْمَنُ أَنْ يُؤَكِّلَهُ حَرَامًا، إمَّا لِجَهْلِهِ، أَوْ لِقَصْدِهِ، فَإِنَّهُمْ لَا يُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨] أَيْ لَا يُقَصِّرُونَ فِي فَسَادِ أَمْرِ دِينِكُمْ؛ وَلِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَيَعْمَلُ بِالرِّبَا، وَلَا يَتَحَرَّزُ فِي ذَلِكَ، فَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَكْتَسِبَ الرِّبْحَ بِتَصَرُّفٍ مِثْلِهِ لَهُ، وَلَكِنْ مَعَ هَذَا جَازَتْ الْمُضَارَبَةُ؛ لِأَنَّ الَّذِي مِنْ جَانِبِ الْمُضَارِبِ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، وَالنَّصْرَانِيُّ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ، فَإِنْ اتَّجَرَ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فَرَبِحَ، جَازَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ. وَعِنْدَهُمَا، تَصَرُّفُهُ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لَا يَجُوزُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ، وَهُوَ فَرْعُ الِاخْتِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّا فِي الْبُيُوعِ، فِي الْمُسْلِمِ يُوَكِّلُ الذِّمِّيَّ بِشِرَاءِ الْخَمْرِ، فَإِنْ اشْتَرَى مَيْتَةً فَنَقَدَ فِيهَا مَالَ الْمُضَارَبَةِ فَهُوَ مُخَالِفٌ ضَامِنٌ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَأَنَّ تَصَرُّفَهُمْ فِي الْمَيْتَةِ لَا يَكُونُ نَافِذًا، وَالْمُضَارِبُ لَا يَشْتَرِي بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ مَالًا يُمْكِنُهُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَإِنْ أَرْبَى فَاشْتَرَى دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا؛ لِأَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ الْمُعَامَلَةِ بِالرِّبَا لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا يُمْنَعُ الْمُسْلِمُ مِنْهُ وَلَكِنْ لَا يَصِيرُ ضَامِنًا لِمَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُضَارِبَ لَا يَصِيرُ مُخَالِفًا بِإِفْسَادِ الْعَقْدِ إذَا كَانَ هُوَ يَتَمَكَّنُ مِنْ بَيْعِ مَا اشْتَرَاهُ. وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا يَمْلِكُ بِالْقَبْضِ، فَيَنْفُذُ الْبَيْعُ فِيهِ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذَ الْمُسْلِمُ مَالَ النَّصْرَانِيِّ مُضَارَبَةً، وَلَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَلِي التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ هُنَا الْمُسْلِمُ، وَهُوَ

стр. 4463

يَتَحَرَّزُ مِنْ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ فِي تَصَرُّفِهِ فِي مَالِ غَيْرِهِ، كَمَا يَتَحَرَّزُ عَنْهُ فِي تَصَرُّفِهِ فِي مَالِ نَفْسِهِ، فَإِنْ اشْتَرَى بِهِ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ مَيْتَةً، وَنَقَدَ الْمَالَ فَهُوَ مُخَالِفٌ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ مَا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَبِيعَهُ، فَيَكُونُ مُخَالِفًا كَمَا لَوْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ مُسْلِمًا، فَإِنْ رَبِحَ فِي ذَلِكَ، رَدَّ الرِّبْحَ عَلَى مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ بِسَبَبٍ فَاسِدٍ، فَيَسْتَحِقُّ رَدَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُهُ تَصَدَّقَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ بِكَسْبٍ خَبِيثٍ، وَلَا يُعْطِي رَبُّ الْمَالِ النَّصْرَانِيَّ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ مَا وَقَعَ لَهُ حِينَ اشْتَرَى مَا لَا يُمْكِنُهُ بَيْعُهُ، وَصَارَ بِهِ مُخَالِفًا وَلَوْ دَفَعَ الْمُسْلِمُ مَالَهُ مُضَارَبَةً إلَى مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ، جَازَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ؛ لِأَنَّ النَّصْرَانِيَّ هُنَا لَا يَنْفَرِدُ بِالتَّصَرُّفِ مَا لَمْ يُسَاعِدْهُ الْمُسْلِمُ عَلَيْهِ، وَالْمُسْلِمُ لَا يُسَاعِدُهُ فِي الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ، وَالتَّصَرُّفُ فِي الْخَمْرِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُضَارِبُ نَصْرَانِيًّا وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ يَنْفَرِدُ بِالتَّصَرُّفِ هُنَاكَ وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ مَالَهُ مُضَارَبَةً إلَى عَبْدِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ إلَى مُكَاتَبِهِ أَوْ إلَى وَلَدِهِ، فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى مَا اشْتَرَطَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ كَسْبِ هَؤُلَاءِ، كَالْأَجْنَبِيِّ فَكَسَبَ الْعَبْدُ الْمُسْتَغْرِقُ بِالدَّيْنِ حَقَّ الْغُرَمَاءِ. وَإِذَا دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلَيْنِ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ، فَاشْتَرَيَا بِهَا عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَقَبَضَاهُ فَبَاعَهُ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهِ بِعَرَضٍ يُسَاوِي أَلْفًا، وَأَجَازَ ذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ مُشْتَرٍ ذَلِكَ الْعَرَضَ لِنَفْسِهِ، مُسْتَقْرِضٌ عَبْدَ الْمُضَارَبَةِ حِينَ جَعَلَهُ عِوَضًا عَمَّا اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ، وَرَبُّ الْمَالِ بِالْإِجَازَةِ صَارَ مُقْرِضًا الْعَبْدَ مِنْهُ، فَتَعْمَلُ إجَازَتُهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَيَكُونُ عَلَى الْمُضَارِبِ الْعَامِلِ قِيمَةُ الْعَبْدِ، أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، أَلْفٌ مِنْ ذَلِكَ يَأْخُذُهَا رَبُّ الْمَالِ بِرَأْسِ مَالِهِ، وَأَلْفٌ أُخْرَى رِبْحُهُ يَأْخُذُ رَبُّ الْمَالِ نِصْفَهَا، وَنِصْفُهَا بَيْنَ الْمُضَارِبَيْنِ، فَيَطْرَحُ عَنْ الْعَامِلِ مِقْدَارَ نَصِيبِهِ مِنْ الرِّبْحِ، وَذَلِكَ رُبْعُ الْأَلْفِ، وَيَغْرَمُ مَا سِوَى ذَلِكَ، وَحَقُّ الْمُضَارِبِ الْآخَرِ بَيْعٌ لِحَقِّ رَبِّ الْمَالِ فَلَا يَمْتَنِعُ لِأَجْلِهِ نُفُوذُ إجَازَةِ رَبِّ الْمَالِ فِي حِصَّتِهِ. وَلَوْ كَانَ الْمُضَارِبُ بَاعَ الْعَبْدَ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَأَجَازَ ذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ، جَازَ عَلَى الْمُضَارِبَيْنِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُشْتَرٍ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ شَيْئًا، بَلْ هُوَ تَابِعٌ لِمَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَاسْتِقْرَاضُهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ كَانَ ضِمْنًا لِشِرَائِهِ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ هُنَا فَكَانَ فِعْلَهُ بَيْعًا مُطْلَقًا، إنْ أَجَازَهُ صَاحِبُهُ نَفَذَ لِاجْتِمَاعِ رَأْيِهِمَا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَجَازَهُ رَبُّ الْمَالِ نَفَذَ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ نَائِبٌ عَنْهُ فِي التَّصَرُّفِ، وَإِذَا كَانَ يَنْفُذُ الْعَقْدُ بِإِجَازَةِ النَّائِبِ فَبِإِجَازَةِ الْمَنُوبِ عَنْهُ أَوْلَى، وَيُؤْخَذُ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَلْفَانِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَاعَاهُ جَمِيعًا. وَلَوْ كَانَ الْمُضَارِبُ بَاعَ الْعَبْدَ بِأَقَلَّ مِنْ أَلْفَيْنِ بِقَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ، أَوْ لَا يُتَغَابَنُ فِيهِ، فَأَجَازَ ذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ فَإِجَازَتُهُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ نُقْصَانًا يَدْخُلُ عَلَى

стр. 4464

الْمُضَارِبِ الْآخَرِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَا رِبْحَ فِي الْمُضَارَبَةِ حَتَّى يُسْتَوْفَى رَأْسُ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِالْبَيْعِ، فَإِذَا لَمْ يَرْضَ بِهِ رَبُّ الْعَبْدِ حَتَّى يَبِيعَهُ الْمُضَارِبَانِ جَازَ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّ الْإِجَازَةَ إنَّمَا تَصِحُّ مِمَّنْ يَمْلِكُ مُبَاشَرَةَ الْعَقْدِ، وَرَبُّ الْمَالِ لَا يَمْلِكُ بَيْعَ مَالِ الْمُضَارَبَةِ بِغَبَنٍ يَسِيرٍ مُرَاعَاةً لِحَقِّ الْمُضَارِبِ فِي الرِّبْحِ، فَكَذَلِكَ لَا يُمْلَكُ إجَازَةُ الْبَيْعِ بِغَبَنٍ يَسِيرٍ مِنْ أَحَدِ الْمُضَارِبَيْنِ، أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ، وَهُوَ يَمْلِكُ مُبَاشَرَةَ الْبَيْعِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ، فَكَذَلِكَ يَمْلِكُ إجَازَةَ بَيْعِ أَحَدِهِمَا بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ غَيْرُ مُسَلَّطٍ عَلَى هَذَا التَّصَرُّفِ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ، وَهُوَ الْمُضَارِبُ، فَيَسْتَوِي فِي حَقِّهِ الْغَبَنُ الْيَسِيرُ، وَالْفَاحِشُ كَالْمَرِيضِ فِي حَقِّ وَرَثَتِهِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ، فَإِنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَى التَّصَرُّفِ مِنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ، فَيُجْعَلُ الْغَبَنُ الْيَسِيرُ عَفْوًا فِي حَقِّهِ، بِخِلَافِ الْوَصِيِّ فَهُوَ مُسَلَّطٌ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ شَرْعًا، فَيُقَامُ ذَلِكَ مَقَامَ التَّسْلِيطِ مِنْ جِهَتِهِ أَنْ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ هُوَ الَّذِي بَاعَهُ، وَأَجَازَهُ أَحَدُ الْمُضَارِبَيْنِ، فَإِنْ كَانَ بَاعَهُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ، فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ بَاعَهُ بِدُونِ الْقِيمَةِ بِقَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُجِيزَاهُ جَمِيعًا. وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْمُضَارِبَيْنِ بَاعَ بِبَعْضِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الثَّمَنِ فَأَجَازَهُ الْمُضَارِبُ الْآخَرُ وَلَمْ يُجِزْ رَبُّ الْمَالِ، فَهُوَ جَائِزٌ إنْ كَانَ بَاعَهُ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ. لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ بَاعَاهُ جَمِيعًا، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْوَكِيلَيْنِ بِالْبَيْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ نَفَقَةِ الْمُضَارِبِ] (قَالَ ﵀:) وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى رَجُلٍ مَالًا مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ، فَعَمِلَ بِهِ فِي مِصْرِهِ، أَوْ فِي أَهْلِهِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهُ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَلَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ الْمُضَارِبُ النَّفَقَةَ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ بِحَالٍ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ، أَوْ الْمُسْتَبْضِعِ عَامِلٍ لِغَيْرِهِ بِأَمْرِهِ، أَوْ بِمَنْزِلَةِ الْأَجِيرِ لَمَّا شَرَطَ لِنَفْسِهِ مِنْ بَعْضِ الرِّبْحِ، وَوَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ لَا يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فِي الْمَالِ الَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ، إلَّا أَنَّا تَرَكْنَا هَذَا الْقِيَاسَ فِيمَا إذَا سَافَرَ بِالْمَالِ لِأَجَلِ الصَّرْفِ، فَبَقِيَ مَا قَبْلَ السَّفَرِ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَقَامَهُ فِي مِصْرِهِ أَوْ فِي أَهْلِهِ؛ لِكَوْنِهِ مُتَوَطِّنًا فِيهِ لَا لِأَجَلِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ قَبْلَ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ كَانَ مُتَوَطِّنًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؟ وَكَانَتْ نَفَقَتُهُ فِي مَالِ نَفْسِهِ؟ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمُضَارَبَةِ، فَأَمَّا إذَا خَرَجَ بِالْمَالِ إلَى مِصْرٍ يَتَّجِرُ فِيهِ، كَانَتْ نَفَقَتُهُ فِي مَالِ

стр. 4465

الْمُضَارَبَةِ فِي طَرِيقِهِ، وَفِي الْمِصْرِ الَّذِي يَأْتِيهِ لِأَجَلِ الْعَادَةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُ وَسَفَرَهُ لِأَجَلِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَتَحَمَّلُ هَذِهِ الْمَشَقَّةَ، ثُمَّ يُنْفِقُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِأَجْلِ رِبْحٍ مَوْهُومٍ، عَسَى يَحْصُلُ وَعَسَى لَا يَحْصُلُ، بَلْ إنَّمَا رَضِيَ بِتَحَمُّلِ هَذِهِ الْمَشَقَّةِ، بِاعْتِبَارِ مَنْفَعَةٍ تَحْصُلُ لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا بِالْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِهِ الَّذِي فِي يَدِهِ، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى كِفَايَتِهِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ، وَالْمُسْتَبْضِعِ، فَإِنَّهُ مُتَبَرِّعٌ فِي عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ، غَيْرُ طَامِعٍ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ لِأَجْلِهِ، وَبِخِلَافِ الْأَجِيرِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ بِبَدَلٍ مَضْمُونٍ فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ بِيَقِينٍ، فَأَمَّا هَذَا فَغَيْرُ مُتَبَرِّعٍ، وَلَا هُوَ مُسْتَوْجِبٌ بَدَلًا مَضْمُونًا، بَلْ حَقُّهُ فِي رِبْحٍ عَسَى يَحْصُلُ أَوْ لَا يَحْصُلُ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ بِإِزَاءِ مَا تَحَمَّلَ مِنْ الْمَشَقَّةِ، شَيْءٌ مَعْلُومٌ. وَذَلِكَ نَفَقَتُهُ فِي الْمَالِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّرِيكِ، وَالشَّرِيكُ إذَا سَافَرَ بِمَالٍ الشَّرِكَةِ، فَنَفَقَتُهُ فِي ذَلِكَ الْمَالِ. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ فَالْمُضَارِبُ كَذَلِكَ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ فَرَّغَ نَفْسَهُ عَنْ أَشْغَالِهِ لِأَجْلِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَهُوَ كَالْمَرْأَةِ إذَا فَرَّغَتْ نَفْسَهَا لِزَوْجِهَا بِالْمُقَامِ فِي بَيْتِهِ، فَأَمَّا فِي الْمِصْرِ فَمَا فَرَّغَ نَفْسَهُ لِمَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَلَا يَسْتَوْجِبُ نَفَقَتَهُ فِيهِ. وَنَفَقَتُهُ، طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ وَدَهْنُهُ، وَغَسْلُ ثِيَابِهِ، وَرُكُوبُهُ فِي سَفَرِهِ إلَى الْمِصْرِ الَّذِي أَتَاهُ بِالْمَعْرُوفِ عَلَى قَدْرِ نَفَقَةِ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي السَّفَرِ، وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - أَنَّ دَهْنَهُ لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ النَّفَقَةِ وَكَأَنَّهُمَا أَرَادَا بِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى اسْتِعْمَالِ الدَّهْنِ عَادَةً، فَتَكُونُ الْحَاجَةُ إلَيْهِ نَادِرَةً، وَالثَّابِتُ عُرْفًا لَا يَثْبُتُ فِيمَا هُوَ نَادِرٌ. وَمُرَادُ مُحَمَّدٍ ﵀ إذَا سَافَرَ إلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى اسْتِعْمَالِ الدَّهْنِ عَادَةً، وَذَلِكَ فِي دِيَارِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ، ثُمَّ الْمُسْتَحَقُّ نَفَقَةُ الْمِثْلِ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ، كَمَا فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، فَإِنْ أَنْفَقَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ حُسِبَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ نَفَقَةُ مِثْلِهِ وَكَانَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، فَإِذَا رَجَعَ إلَى مِثْلِهِ، وَقَدْ بَقِيَ مَعَهُ ثِيَابٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ غَيْرُهُ، رَدَّهُ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ قَدْ انْتَهَى بِرُجُوعِهِ إلَى مِصْرِهِ فَعَلَيْهِ رَدُّ مَا بَقِيَ، كَالْحَاجِّ عَنْ الْغَيْرِ إذَا بَقِيَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ النَّفَقَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِ، وَكَالْمَوْلَى إذَا بَوَّأَ أُمَّتَهُ مَعَ زَوْجِهَا بَيْتًا، ثُمَّ شَغَلَهَا بِخِدْمَتِهِ، وَقَدْ بَقِيَ مَعَهَا شَيْءٌ مِنْ النَّفَقَةِ، كَانَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَسْتَرِدَّ ذَلِكَ مِنْهَا، فَأَمَّا الدَّوَاءُ وَالْحِجَامَةُ وَالْكُحْلُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَفِي مَالِهِ خَاصَّةً دُونَ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمُضَارَبَةِ مُدَّةَ سَفَرِهِ فِي حَاجَتِهِ، كَمَالِ نَفْسِهِ، فَكَمَا أَنَّهُ يَصْرِفُ مَالَ نَفْسِهِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، كَمَا يَصْرِفُ فِي النَّفَقَةِ، فَكَذَلِكَ مَالُ الْمُضَارَبَةِ. وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ. وَثَمَنُ الدَّوَاءِ، وَأُجْرَةُ الْحَجَّامِ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْعِلَاجِ لَيْسَ مِنْ النَّفَقَةِ،

стр. 4466

أَلَا تَرَى) أَنَّ الزَّوْجَةَ لَا تَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى زَوْجِهَا بِخِلَافِ النَّفَقَةِ؟ ثُمَّ الْحَاجَةُ إلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ غَيْرُ مُعْتَادَةٍ، بَلْ هِيَ نَادِرَةٌ وَالنَّادِرُ لَا يُسْتَحَقُّ بِطَرِيقِ الْعَادَةِ. وَكَذَلِكَ جَارِيَةُ الْوَطْءِ وَالْخِدْمَةِ، لَا يُحْتَسَبُ بِثَمَنِهَا فِي الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهِ بَلْ يَكُونُ لِلتَّرَفُّهِ وَقَضَاءِ الشَّهْوَةِ؛ وَلِأَنَّ مَا قَصَدَ لِشِرَائِهَا، لَا تَرْجِعُ مَنْفَعَتُهُ إلَى مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا يَخْدُمُهُ فِي سَفَرِهِ وَفِي مِصْرِهِ الَّذِي أَتَاهُ لِيَخْبِزَ لَهُ وَيَطْبُخَ وَيَغْسِلَ ثِيَابَهُ وَيَعْمَلَ لَهُ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، اُحْتُسِبَ بِذَلِكَ عَلَى الْمُضَارِبِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْتَأْجِرْ احْتَاجَ إلَى إقَامَةِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَإِذَا عَمِلَ لَهُ أَجِيرُهُ، تَفَرَّغَ هُوَ لِلْعَمَلِ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَكَانَ فِي هَذَا الِاسْتِئْجَارِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُضَارَبَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَهُ غِلْمَانٌ لَهُ يَعْمَلُونَ فِي الْمَالِ، كَانُوا بِمَنْزِلَتِهِ، وَنَفَقَتُهُمْ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ كَنَفَقَتِهِ وَهُمْ يَعْمَلُونَ لَهُ فِي الْمَالِ كَمَا يَعْمَلُ هُوَ، وَمَنْ يَسْتَحِقُّ نَفَقَتَهُ عَلَى إنْسَانٍ يَسْتَحِقُّ نَفَقَةَ خَادِمِهِ كَالْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا، إلَّا أَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَى خَادِمٍ وَاحِدٍ فِي عَمَلِهَا لِلزَّوْجِ فِي بَيْتِهِ، وَقَدْ يَحْتَاجُ الْمُضَارِبُ إلَى غِلْمَانٍ يَعْمَلُونَ فِي الْمَالِ مَعَهُ، فَلِهَذَا كَانَتْ نَفَقَتُهُمْ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لِلْمُضَارِبِ دَوَابُّ يُحْمَلُ عَلَيْهَا مَتَاعُ الْمُضَارَبَةِ إلَى مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ، كَانَ عَلَفُهَا عَلَى الْمُضَارَبَةِ مَادَامَ فِي عَمَلِهَا؛ لِأَنَّهَا بِالْعَلَفِ تَتَقَوَّى عَلَى حَمْلِ الْمَتَاعِ، وَمَنْفَعَةُ ذَلِكَ رَاجِعَةٌ إلَى مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَإِذَا أَرَادَ الْقِسْمَةَ، بَدَأَ بِرَأْسِ الْمَالِ، فَأُخْرِجَ مِنْ الْمَالِ، وَجُعِلَتْ النَّفَقَةُ مِمَّا بَقِيَ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَهُوَ الرِّبْحُ يُقَسَّمُ بَيْنَ الْمُضَارِبِ وَرَبِّ الْمَالِ عَلَى مَا اشْتَرَطَا. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَنْفَقَ فِي سَفَرِهِ مِنْ الْمَالِ بَعْضَهُ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ اشْتَرَى بِالْبَاقِي وَبَاعَ وَرَبِحَ، اسْتَوْفَى رَبُّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ كَامِلًا؛ لِأَنَّ مَا أَنْفَقَهُ الْمُضَارِبُ يُجْعَلُ كَالتَّاوِي وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْعَقْدَ يَبْقَى فِي الْكُلِّ بَعْدَ هَلَاكِ بَعْضِ رَأْسِ الْمَالِ، فَيُحَصِّلُ جَمِيعَ رَأْسِ الْمَالِ، وَمَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ. وَلَوْ دَفَعَ الْمَالَ مُضَارَبَةً إلَيْهِ، فَخَرَجَ إلَى السَّوَادِ يَشْتَرِي بِهِ الطَّعَامَ وَذَلِكَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَأَقَامَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ يَشْتَرِي وَيَبِيعُ، فَإِنَّهُ يُنْفِقُ فِي طَرِيقِهِ وَمُقَامُهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَهَذَا وَمَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْمَعْنَى سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا فَارَقَ وَطَنَهُ لِعَمَلِهِ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَيْضًا، فَيَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْمِصْرِ الَّذِي فِيهِ أَهْلُهُ، إلَّا أَنَّ الْمِصْرَ عِظَمُ أَهْلِهِ فِي أَقْصَاهُ، وَالْمَقَامُ الَّذِي يَتَّجِرُ فِيهِ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَكَانَ يُقِيمُ هُنَاكَ لِيَتَّجِرَ وَلَا يَرْجِعُ إلَى أَهْلِهِ، فَلَا نَفَقَةَ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ نَوَاحِيَ الْمِصْرِ فِي حُكْمِ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُقِيمَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الْمِصْرِ يَكُونُ مُقِيمًا فِي جَمِيعِ نَوَاحِيهِ؟ وَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِهِ عَلَى قَصْدِ السَّفَرِ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا

стр. 4467

مَا لَمْ يَنْفَصِلْ مِنْ عُمْرَانِ الْمِصْرِ؟ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَقَامَهُ فِي الْمِصْرِ لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الْمُضَارَبَةِ، وَعَلَى هَذَا قِيلَ لَوْ كَانَ يَخْرُجُ لِلْعَمَلِ إلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ، وَيَعُودُ إلَى أَهْلِهِ قَبْلَ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ لَا يُنْفِقُ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ فِي أَهْلِهِ إذَا كَانَ خُرُوجُهُ إلَى مَوْضِعٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَبِيتَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ بِالْكُوفَةِ وَأَهْلٌ بِالْبَصْرَةِ، وَوَطَنُهُ فِيهِمَا جَمِيعًا، فَخَرَجَ بِالْمَالِ مِنْ الْكُوفَةِ لِيَتَّجِرَ فِيهِ بِالْبَصْرَةِ، فَإِنَّهُ يُنْفِقُ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ فِي طَرِيقِهِ، فَإِذَا دَخَلَ الْبَصْرَةَ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ مَا دَامَ بِهَا، فَإِذَا خَرَجَ مِنْهَا رَاجِعًا إلَى الْكُوفَةِ أَنْفَقَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ فِي سَفَرِهِ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ فِي الذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ لِأَجْلِ الْمُضَارَبَةِ، أَمَّا فِي الْبَلْدَتَيْنِ فَهُوَ مُقِيمٌ فِي أَهْلِهِ، وَإِقَامَتُهُ فِي أَهْلِهِ لَيْسَ لِأَجْلِ الْمُضَارَبَةِ، فَفِي الْبَلْدَتَيْنِ يُنْفِقُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ. وَلَوْ كَانَ أَهْلُ الْمُضَارِبِ بِالْكُوفَةِ، وَأَهْلُ رَبّ الْمَالِ بِالْبَصْرَةِ، فَخَرَجَ بِالْمَالِ إلَى الْبَصْرَةِ مَعَ رَبّ الْمَالِ لِيَتَّجِرَ فِيهِ، فَنَفَقَتُهُ فِي طَرِيقِهِ بِالْبَصْرَةِ، وَفِي رُجُوعِهِ إلَى الْكُوفَةِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ مَقَامَهُ بِالْبَصْرَةِ لِأَجْلِ الْمُضَارَبَةِ، إذْ لَيْسَ لَهُ أَهْلٌ بِالْبَصْرَةِ؛ لِتَكُونَ الْبَصْرَةُ وَطَنُ الْإِقَامَةِ لَهُ، وَيَسْتَوِي إنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ أَقَلَّ؛ لِأَنَّ التَّاجِرَ فِي الْمَالِ الْعَظِيمِ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْمَقَامِ فِي بَلَدِهِ لِأَجْلِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ، وَبِهَذِهِ النِّيَّةِ تَصِيرُ الْبَصْرَةُ وَطَنًا مُسْتَعَارًا لَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ لَهُ بِهَا أَهْلٌ أَوْ تَأَهَّلَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَصِيرُ الْبَصْرَةُ وَطَنُ إقَامَتِهِ، وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ مُضَارَبَةً وَهُمَا بِالْكُوفَةِ، وَلَيْسَتْ الْكُوفَةُ بِوَطَنٍ لِلْمُضَارِبِ، لَمْ يُنْفِقْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْمَالِ مَا دَامَ بِالْكُوفَةِ؛ لِأَنَّ إقَامَتَهُ بِالْكُوفَةِ - عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ - لَيْسَ لِأَجْلِ الْمُضَارَبَةِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ قَبْلَ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ كَانَ مُقِيمًا بِهَا، فَلَا يَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا إلَى وَطَنِهِ ثُمَّ عَادَ إلَيْهَا فِي تِجَارَتِهِ، أَنْفَقَ بِالْكُوفَةِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ سَافَرَ بَعْدَ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ اسْتَوْجَبَ النَّفَقَةَ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَصَارَتْ الْكُوفَةُ فِي حَقِّهِ كَسَائِرِ الْبُلْدَانِ؛ لِأَنَّ وَطَنَهُ بِهَا كَانَ مُسْتَعَارًا، وَقَدْ انْتَقَضَ بِالسَّفَرِ، فَرُجُوعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْكُوفَةِ وَذَهَابُهُ إلَى مِصْرٍ آخَرَ سَوَاءٌ، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِهَا امْرَأَةً وَاِتَّخَذَهَا وَطَنًا، زَالَتْ نَفَقَتُهُ عَنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ مَقَامَهُ بِهَا بَعْدَ مَا تَزَوَّجَ بِهَا وَاِتَّخَذَهَا دَارًا لِأَجْلِ أَهْلِهِ لَا لِأَجْلِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ وَطَنِهِ الْأَصْلِيِّ. وَإِذَا سَافَرَ الْمُضَارِبُ بِالْمَالِ، فَأَعَانَهُ رَبُّ الْمَالِ بِغِلْمَانِهِ يَعْمَلُونَ مَعَهُ فِي الْمُضَارَبَةِ، أَوْ أَعَانَهُ بِدَوَابِّهِ لِحَمْلِ الْمَتَاعِ الَّذِي يَشْتَرِي بِالْمُضَارَبَةِ عَلَيْهَا، فَإِنَّ الْمُضَارَبَةَ لَا تَفْسُدُ بِهَذَا، كَمَا لَوْ أَعَانَهُ بِنَفْسِهِ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ، وَنَفَقَةُ الْغِلْمَانِ وَالدَّوَابِّ عَلَى رَبِّ الْمَالِ دُونَ مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ غِلْمَانِ رَبِّ الْمَالِ وَعَلَفَ دَوَابِّهِ كَنَفَقَةِ نَفْسِهِ، وَرَبُّ الْمَالِ لَوْ سَافَرَ مَعَهُ لِيُعِينَهُ عَلَى الْعَمَلِ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ، لَمْ يَسْتَوْجِبْ نَفَقَةً فِي مَالِ

стр. 4468

الْمُضَارَبَةِ بِهَذَا السَّبَبِ، فَكَذَلِكَ نَفَقَةُ غِلْمَانِهِ وَدَوَابِّهِ بِخِلَافِ غِلْمَانِ الْمُضَارِبِ وَدَوَابِّهِ فَإِنَّ نَفَقَتَهُمْ كَنَفَقَتِهِ، وَهُوَ يَسْتَوْجِبُ نَفَقَةً فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ إذَا سَافَرَ لِأَجْلِهِ، فَكَذَلِكَ نَفَقَةُ غِلْمَانِهِ وَدَوَابِّهِ، فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَى غِلْمَانِ رَبّ الْمَالِ وَدَوَابِّهِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ بِغَيْرِ أَمْرِ رَبّ الْمَالِ، ضَمِنَهُ مِنْ مَالِهِ، بِمَنْزِلَةِ مَا يُنْفِقُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ صَرَفَ مَالَ الْمُضَارَبَةِ إلَى وَجْهٍ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ صَرْفُهُ إلَيْهِ بِحُكْمِ الْمُضَارَبَةِ، فَيَصِيرُ كَالْمُسْتَهْلِكِ لِذَلِكَ الْمَالِ. وَإِنْ كَانَ أَنْفَقَهُ بِأَمْرِ رَبِّ الْمَالِ حُسِبَ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ إلَى مِلْكِهِ بِأَمْرِهِ بِمَنْزِلَةِ صَرْفِهِ إلَيْهِ، فَيُحْسَبُ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَفِي الْأَصْلِ أَوْضَحَ هَذَا الْفَرْقَ فَقَالَ: لَوْ لَمْ أَجْعَلْ نَفَقَةَ غِلْمَانِ الْمُضَارِبِ فِي الْمُضَارَبَةِ جَعَلْتُهَا عَلَى الْمُضَارِبِ لَا مَحَالَةَ، وَكُلُّ نَفَقَةٍ تَلْحَقُ الْمُضَارِبَ فِي سَفَرِهِ فِي الْمُضَارَبَةِ، فَذَلِكَ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَنَفَقَةُ غِلْمَانِ رَبِّ الْمَالِ لَوْ لَمْ أَجْعَلْهَا فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ، كَانَ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَهَذَا فِي الْمَعْنَى اعْتِبَارُ نَفَقَةِ هَؤُلَاءِ بِنَفَقَةِ نَفْسِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَلَوْ دَفَعَ الْمُضَارِبُ مَالَ الْمُضَارَبَةِ إلَى عَبْدِهِ لِيَخْرُجَ بِهِ إلَى مِصْرٍ فَيَشْتَرِيَ بِهِ وَيَبِيعَ، فَخَرَجَ بِهِ، كَانَتْ نَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ عَبْدِهِ كَنَفَقَتِهِ، وَهُوَ لَوْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ، أَنْفَقَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَكَذَلِكَ عَبْدُهُ إذَا خَرَجَ. (أَلَا تَرَى) أَنِّي لَوْ لَمْ أَجْعَلْ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ، جَعَلْتُهَا عَلَى الْمُضَارِبِ؟ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَبْدَ رَبِّ الْمَالِ بِإِعَانَتِهِ وَإِذْنِهِ، فَنَفَقَتُهُ عَلَى مَوْلَاهُ، وَلَا تَكُونُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ خَرَجَ رَبُّ الْمَالِ بِنَفْسِهِ عَلَى وَجْهِ الْإِعَانَةِ لِلْمُضَارِبِ فِي عَمَلِهِ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ أَنْفَقَ نَفْسَهُ بِأَمْرِ رَبِّ الْمَالِ، فَذَلِكَ مَحْسُوبٌ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ. وَلَوْ أَبْضَعَهُ الْمُضَارِبُ مَعَ رَجُلٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَبْضِعِ نَفَقَةٌ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَبْضِعَ مُتَبَرِّعٌ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُسَافِرُ عَادَةً لِأَجْلِ الْبِضَاعَةِ بِخِلَافِ الْمُضَارِبِ، وَلَوْ أَبْضَعَهُ الْمُضَارِبُ مَعَ رَبّ الْمَالِ فَعَمِلَ بِهِ، فَهُوَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ مُعَيَّنٌ لِلْمُضَارِبِ مُتَبَرِّعٌ فِيمَا أَقَامَ مِنْ الْعَمَلِ، فَلَا يَفْسُدُ بِهِ عَقْدُ الْمُضَارَبَةِ بَيْنَهُمَا؛ كَالشَّرِيكَيْنِ فِي الْمَالِ، إذَا عَمِلَ أَحَدُهُمَا، وَلَمْ يَعْمَلْ الْآخَرُ شَيْئًا، وَلَا نَفَقَةَ لِرَبِّ الْمَالِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَبْضِعِ إذَا كَانَ أَجْنَبِيًّا. وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا مُضَارَبَةً، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ بِرَأْيِهِ، فَدَفَعَهُ الْمُضَارِبُ إلَى آخَرَ مُضَارَبَةً، فَسَافَرَ الْآخَرُ بِالْمَالِ إلَى مِصْرٍ لِيَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ، فَنَفَقَتُهُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُضَارِبِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ بَعْدَ قَوْلِ رَبِّ الْمَالِ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ. لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَدْفَعَهُ مُضَارَبَةً، وَيَقُومَ هُوَ فِي ذَلِكَ مَقَامَ رَبِّ الْمَالِ، فَكَمَا أَنَّ نَفَقَةَ الْمُضَارِبِ الْأَوَّلِ فِي سَفَرِهِ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَكَذَلِكَ نَفَقَةُ الْمُضَارِبِ الثَّانِي وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً، فَخَرَجَ الْمُضَارِبُ فِيهَا وَفِي

стр. 4469

عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ إلَى مِصْرٍ لِيَشْتَرِيَ بِهَا وَيَبِيعَ، فَإِنَّ نَفَقَتُهُ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا، جُزْءٌ مِنْهَا فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَعَشَرَةُ أَجْزَاءٍ فِي مَالِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُ لِأَجَلِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُ لِأَجْلِ مَالِ نَفْسِهِ، احْتِمَالًا عَلَى السَّوَاءِ، فَيَنْظُرُ إلَى مَنْفَعَةِ خُرُوجِهِ وَعَمَلِهِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِقِلَّةِ الْمَالِ وَكَثْرَتِهِ، فَيَقْسِمُ النَّفَقَةَ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَغْرَمَ مُقَابِلٌ بِالْمَغْنَمِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ فَخَلَطَ مَالَهُ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ، ثُمَّ خَرَجَ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ لَا يَصِيرُ ضَامِنًا بِالْخَلْطِ، فَكَانَ إخْرَاجُهُ الْمَالَيْنِ بَعْدَ الْخَلْطِ؛ كَإِخْرَاجِهِ قَبْلَ الْخَلْطِ، وَكُلُّ مُضَارَبَةٍ فَاسِدَةٍ فَلَا نَفَقَةَ لِلْمُضَارِبِ فِيهَا عَلَى مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ بَعْدَ فَسَادِ الْمُضَارَبَةِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَجِيرِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ يَسْتَوْجِبُ أَجْرَ الْمِثْلِ، رَبِحَ أَوْ لَمْ يَرْبَحْ؟ وَالْإِجَارَةُ الْفَاسِدَةُ مُعْتَبَرَةٌ بِالصَّحِيحَةِ، فَكَمَا أَنَّ فِي الْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ لَا يَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ عَلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْجَبَ بَدَلًا مَضْمُونًا بِمُقَابَلَةِ عَمَلِهِ، فَكَذَلِكَ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْمَالِ حُسِبَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ، وَأُخِذَ بِمَا زَادَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ أَنْفَقَ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ دَيْنٍ ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ مِنْ مَالِ مَدْيُونِهِ، وَأَخَذَ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ، وَفِي هَذَا يَلْزَمُهُ رَدُّ الزِّيَادَةِ. وَإِذَا أَنْفَقَ فِي الْمُضَارَبَةِ الصَّحِيحَةِ فِي سَفَرِهِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَلَمَّا انْتَهَى إلَى الْمِصْرِ الَّذِي قَصَدَهُ، لَمْ يَشْتَرِ شَيْئًا حَتَّى رَجَعَ بِالْمَالِ إلَى مِصْرِهِ فَأَخَذَ رَبُّ الْمَالِ مَا بَقِيَ مِنْهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُضَارِبِ ضَمَانُ مَا أَنْفَقَ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ لَهُ فَإِنَّ سَفَرَهُ كَانَ لِأَجْلِ الْمُضَارَبَةِ، وَبِأَنْ لَمْ يَشْتَرِ شَيْئًا لَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ سَفَرَهُ لَا يَكُونُ لِأَجْلِ الْمُضَارَبَةِ. فَالتَّاجِرُ لَا يَشْتَرِي بِالْمَالِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَأْتِيهِ لِلتِّجَارَةِ لَا مَحَالَةَ، وَلَكِنْ إنْ وَجَدَ مَا يَرْبَحُ عَلَيْهِ اشْتَرَى، وَإِلَّا رَجَعَ بِالْمَالِ، وَذَلِكَ أَرْفَقُ الْوَجْهَيْنِ لَهُ، فَإِنْ كَانَ مَا فَعَلَهُ مِنْ صُنْعِ التُّجَّارِ، لَا يَخْرُجُ هُوَ بِهِ، مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلنَّفَقَةِ عَلَى الْمَالِ فَلَا يَضْمَنُ مَا أَنْفَقَ. وَإِذَا مَرَّ الْمُضَارِبُ عَلَى الْعَاشِرِ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَأَخْبَرَهُ بِهِ وَأَخَذَ مِنْهُ الْعُشْرَ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُضَارِبِ فِيمَا أَخَذَ مِنْهُ الْعَاشِرُ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلِ ﵀ الْعَاشِرُ يَأْخُذُ مِنْهُ الزَّكَاةَ، وَعَلَى قَوْلِهِ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا - لَا يَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا، فَمَا أَخَذَهُ الْعَاشِرُ إمَّا أَنْ يَكُونَ تَاوِيًا أَوْ مَأْخُوذًا بِحَقٍّ، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ عَلَى الْمُضَارِبِ. وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَعْطَى الْعَاشِرَ بِغَيْرِ إلْزَامٍ مِنْ الْعَاشِرِ لَهُ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَعْطَى. وَكَذَلِكَ إنْ صَانَعَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَالِ حَتَّى كَفَّ عَنْهُ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَعْطَى؛ لِأَنَّهُ أَعْطَى بِاخْتِيَارِهِ إلَى مَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِي أَخْذِهِ مِنْهُ فَيَكُونُ هُوَ مُسْتَهْلِكًا لِمَا أَعْطَى، كَمَا لَوْ وَهَبَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ ﵀: وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ ﵀ يَقُولُ: الْجَوَابُ

стр. 4470

فِي زَمَانِنَا بِخِلَافِ هَذَا. وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُضَارِبِ فِيمَا يُعْطِي مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ إلَى سُلْطَانٍ طَمِعَ فِيهِ وَقَصَدَ أَخْذَهُ بِطَرِيقِ الْغَصْبِ. وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ إذَا صَانَعَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ؛ لِأَنَّهُمَا يَقْصِدَانِ الْإِصْلَاحَ بِهَذِهِ الْمُصَانَعَةِ، فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ، أَخَذَ الطَّامِعُ جَمِيعَ الْمَالِ، فَدَفَعَ الْبَعْضَ لِإِحْرَازِ مَا بَقِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْحِفْظِ فِي زَمَانِنَا، وَالْأَمِينُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْحِفْظِ يَكُونُ ضَامِنًا، كَمَا لَوْ وَقَعَ الْحَرِيقُ فِي بَيْتِ الْمُودَعِ فَنَاوَلَ الْوَدِيعَةَ أَجْنَبِيًّا. فَأَمَّا فِي زَمَانِهِمْ فَكَانَتْ الْقُوَّةُ لِسَلَاطِينِ الْعَمَلِ، فَكَانَ الْأَمِينُ مُتَمَكِّنًا مِنْ دَفْعِ الْأَمْرِ إلَيْهِمْ؛ لِيَدْفَعُوا الظَّالِمَ عَنْ الْأَمَانَةِ، فَلِهَذَا قَالَ: إذَا صَانَعَ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَالِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَعْطَى. وَإِذَا اشْتَرَى الْمُضَارِبُ بِالْمَالِ مَتَاعًا، أَوْ لَمْ يَشْتَرِ بِهِ شَيْئًا، فَنَهَاهُ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْبَلْدَةِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ، أَمَّا قَبْلَ الشِّرَاءِ بِالْمَالِ فَالْجَوَابُ صَحِيحٌ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ نَهْيَهُ عَنْ التَّصَرُّفِ أَصْلًا، مَا بَقِيَ الْمَالُ نَقْدًا فِي يَدِهِ، فَإِذَا قَيَّدَ الْأَمْرَ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، كَانَ أَقْرَبَ إلَى الصِّحَّةِ، وَالْحَالُ قَبْلَ الشِّرَاءِ بَعْدَ الْعَقْدِ؛ كَحَالِ الْعَقْدِ فِي انْتِفَاءِ صِفَةِ اللُّزُومِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَانْعِدَامِ حَقِّ الْمُضَارِبِ، فَكَمَا أَنَّهُ يَمْلِكُ التَّقْيِيدَ عِنْدَ الْعَقْدِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْلَ الشِّرَاءِ بِالْمَالِ. فَأَمَّا بَعْدَ الشِّرَاءِ بِالْمَالِ؛ فَمِنْ أَصْحَابِنَا ﵏ مَنْ يَقُولُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ الْجَوَابُ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي رُوِيَتْ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يُسَافِرَ بِالْمَالِ بِمُطْلَقِ الْمُضَارَبَةِ، وَمَوْضُوعُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فِيمَا إذَا قَالَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ. فَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْمُسَافَرَةَ، بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَهُوَ يَمْلِكُ رَفْعَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ بَعْدَ الشِّرَاءِ، فَكَذَلِكَ يَمْلِكُ التَّقَيُّدَ فِيمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي قُلْنَا بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ؛ لَهُ حَقُّ الْمُسَافَرَةِ بِالْمَالِ لَا يَسْتَقِيمُ هَذَا الْجَوَابُ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ صَيْرُورَةِ الْمَالِ عُرُوضًا، لَا يَمْلِكُ نَهْيَهُ عَمَّا صَارَ مُسْتَفَادًا لَهُ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ، وَهُوَ حَقُّ التَّصَرُّفِ فِيهِ، فَكَذَلِكَ لَا يَمْلِكُ التَّقْيِيدَ فِيهِ بِالنَّهْيِ عَنْ الْمُسَافَرَةِ بِالْمَالِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ نَهْيَهُ عَنْ الْمُسَافَرَةِ بِالْمَالِ، عَامِلٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنْ كَانَ بِمُطْلَقِ الْمُسَافَرَةِ لِدَلَالَةِ اسْمِ الْعَقْدِ، فَالْمُضَارَبَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ، أَوْ لِمُرَاعَاةِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ رَبُّ الْمَالِ مِنْ حِفْظِهِ الْمَالَ بِنَفْسِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ مُسَافِرًا كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ. وَهَذَا كُلُّهُ يَنْعَدِمُ بِالنَّهْيِ عَنْ الْمُسَافَرَةِ بِالْمَالِ بِخِلَافِ أَصْلِ التَّصَرُّفِ، فَإِنَّ حَقَّ الْمُضَارِبِ يَثْبُتُ بِالتَّصَرُّفِ حِينَ صَارَ الْمَالُ عَرَضًا؛ لِأَنَّ رِبْحَهُ لَا يَظْهَرُ إلَّا بِالتَّصَرُّفِ، وَرَبُّ الْمَالِ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حَقِّهِ، إمَّا بِالنَّهْيِ عَنْ الْمُسَافَرَةِ بِالْمَالِ، فَلَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْمُضَارِبِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْبَلْدَةِ، وَإِنَّمَا فِيهِ إيفَاءُ حَقِّ رَبِّ الْمَالِ فِي أَنْ يَكُونَ مَالُهُ مَصُونًا عَنْ أَسْبَابِ الْهَلَاكِ، وَهَذَا مَمْلُوكٌ بَعْدَ مَا صَارَ الْمَالُ عُرُوضًا كَمَا كَانَ قَبْلَهُ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ، ضَمِنَهُ لِلْخِلَافِ، وَالْأَمِينُ مَتَى خَالَفَ مَا أُمِرَ بِهِ نَصًّا، كَانَ ضَامِنًا، وَمَا أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ،

стр. 4471

أَوْ عَلَى الْمَالِ، بَعْدَ مَا صَارَ ضَامِنًا لَهُ، فَهُوَ فِي مَالِهِ خَاصَّةً بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ، فَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ حَدَثًا حَتَّى رَدَّهُ إلَى الْبَلَدِ، فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّهُ عَادَ إلَى الْوِفَاقِ بَعْدَ مَا خَالَفَ، وَالْعَقْدُ قَائِمٌ بَيْنَهُمَا، فَيَعُودُ أَمِينًا كَمَا كَانَ. وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَنْهَهُ، وَلَكِنَّ رَبَّ الْمَالِ مَاتَ، وَالْمُضَارَبَةُ فِي يَدِ الْمُضَارِبِ عَيْنٌ، أَوْ مَتَاعٌ فَسَافَرَ بِهِ الْمُضَارِبُ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ بِالْمَوْتِ انْتَقِلْ إلَى الْوَرَثَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ الرِّضَا بِسَفَرِهِ بِهِ قَطُّ، وَمَا كَانَ مِنْ رِضَا رَبِّ الْمَالِ بِهِ، قَدْ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِ، بِمَنْزِلَةِ نَهْيِهِ عَنْ الْمُسَافَرَةِ بِالْمَالِ إذَا بَلَغَهُ، فَالنَّهْيُ لَا يَعْمَلُ فِي حَقِّهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَوْتِ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ بِهِ أَوْ لَا يَعْلَمَ؛ لِأَنَّهُ عَزْلٌ حُكْمِيٌّ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ كَعَزْلِ الْوَكِيلِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ. وَإِذَا سَافَرَ الْمُضَارِبُ بِالْمَالِ، فَاشْتَرَى بِهِ مَتَاعًا فِي بَلَدٍ آخَرَ، فَمَاتَ رَبُّ الْمَالِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِمَوْتِهِ، ثُمَّ سَافَرَ بِالْمَتَاعِ حَتَّى أَتَى مِصْرًا، فَنَفَقَةُ الْمُضَارِبِ بَعْدَ مَوْتِ رَبِّ الْمَالِ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُضَارَبَةِ فِي حَقِّ الْمُسَافَرَةِ بِالْمَالِ قَدْ انْتَهَى بِمَوْتِ رَبِّ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُضَارِبُ، وَبِاعْتِبَارِهِ كَانَ يُنْفِقُ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَنَفَقَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي سَفَرِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا يَهْلِكُ مِنْ الْمَتَاعِ فِي الطَّرِيقِ، فَإِنْ سَلِمَ حَتَّى يَبِيعَهُ جَازَ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ بِالْمَوْتِ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ بَيْعُهُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ بَاعَهُ؛ كَمَا لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنْ التَّصَرُّفِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ؛ لِمَا فِي التَّصَرُّفِ مِنْ حَقِّ الْمُضَارِبِ. وَقَدْ سَبَقَ ثُبُوتُ حَقِّهِ بِثُبُوتِ حَقِّ الْوَرَثَةِ، فَلَا يَبْطُلُ لِحَقِّهِمْ لَوْ كَانَ الْمُضَارِبُ خَرَجَ بِالْمَتَاعِ مِنْ ذَلِكَ الْمِصْرِ قَبْلَ مَوْتِ رَبِّ الْمَالِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ، وَكَانَتْ نَفَقَتُهُ فِي سَفَرِهِ، حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْمِصْرِ، وَيَبِيعَ الْمَتَاعَ عَلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مِنْ الْمَقَامِ فِي الْمَفَازَةِ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ بَيْعِ الْمَتَاعِ؛ كَمَا هُوَ عَادَةُ التُّجَّارِ فَهُوَ فِي نَفَقَتِهِ عَلَى السَّفَرِ، إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْمِصْرِ، وَيَبِيعَ الْمَتَاعَ مُوَافِقٌ لَا مُخَالِفٌ فَتَكُونُ نَفَقَتُهُ فِي الْمَالِ. وَلَوْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ مَاتَ وَالْمُضَارِبُ بِمِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ غَيْرِ مِصْرِ رَبّ الْمَالِ، وَالْمُضَارَبَةُ مَتَاعٌ فِي يَدِهِ فَخَرَجَ بِهَا إلَى مِصْرِ رَبّ الْمَالِ، فَفِي الْقِيَاسِ هُوَ ضَامِنٌ، وَلَا يَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ فِي الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ يُنْشِئُ سَفَرًا بِالْمَالِ بَعْدَ مَا انْعَزَلَ عَنْهُ بِمَوْتِ رَبِّ الْمَالِ، وَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ فِي مَوْضِعٍ آمِنٍ، وَيَتَمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ، وَهَذَا سَفَرُهُ إلَى مِصْرٍ آخَرَ سَوَاءٌ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَنَفَقَتُهُ حَتَّى يَبْلُغَ مِصْرَ رَبِّ الْمَالِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا سَفَرٌ لَا يَجِدُ الْمُضَارِبُ مِنْهُ بُدًّا، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُسَلِّمَ الْمَالَ إلَى الْوَرَثَةِ لِيُسَلَّمَ لَهُ نَصِيبُهُ مِنْ الرِّبْحِ، وَلَا يَتَأَتَّى لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِالْعَوْدِ إلَى مِصْرِهِ؛ لِأَنَّ وَرَثَتَهُ فِيهِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَمْصَارِ، وَالْعَقْدُ يَبْقَى لِأَجْلِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ؛ كَمَا إذَا مَاتَ صَاحِبُ السَّفِينَةِ وَهِيَ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ، أَوْ مَاتَ الْمُكَارِي لِلدَّابَّةِ فِي طَرِيقِ

стр. 4472

الْحَجِّ. بِخِلَافِ سَفَرِهِ إلَى مِصْرٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ حَيًّا، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا يَنْهَاهُ عَنْ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ، وَفِي يَدِهِ مَتَاعٌ، فَخَرَجَ بِهَا إلَى مِصْرِ رَبّ الْمَالِ، فَإِنِّي لَا أُضَمِّنُهُ مَا هَلَكَ مِنْ الْمَتَاعِ فِي سَفَرِهِ، وَأَجْعَلُ نَفَقَتَهُ فِي الْمَالِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ بِالْمَالِ إلَى مِصْرِ رَبِّ الْمَالِ، كَمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَبِيعَهُ إذَا نَهَاهُ فِي الْمِصْرِ، فَكَمَا أَنَّ نَهْيَهُ فِي ذَلِكَ لَا يَعْمَلُ إيفَاءً لِحَقِّ الْمُضَارِبِ فِي حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ، فَكَذَلِكَ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ لَا يَعْمَلُ نَهْيُهُ. وَلَوْ كَانَتْ الْمُضَارَبَةُ فِي يَدِهِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، فَمَاتَ رَبُّ الْمَالِ، وَالْمُضَارِبُ فِي مِصْرٍ آخَرَ، وَكَانَ رَبُّ الْمَالِ حَيًّا، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ يَنْهَاهُ عَنْ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ، فَأَقْبَلَ الْمُضَارِبُ بِالْمَالِ إلَى مِصْرِ رَبّ الْمَالِ، فَهَلَكَ فِي الطَّرِيقِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ رَدِّ الْمَالِ عَلَيْهِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَأْتِ بِهِ مِصْرَهُ، فَيُسَلِّمَهُ إلَيْهِ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ هُنَاكَ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَخَرَجَ إلَى مِصْرِ رَبِّ الْمَالِ، كَانَ مُخَالِفًا ضَامِنًا، وَهُوَ بِمَا صَنَعَ يَتَحَرَّزُ عَنْ الْخِلَافِ، فَلَا يَضْمَنُهُ لِانْعِدَامِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ، فَإِنْ سَلِمَ حَتَّى قَدِمَ، وَقَدْ أَنْفَقَ مِنْهُ عَلَى سَفَرِهِ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِلنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُضَارَبَةِ لَا يَبْقَى بَعْدَ مَوْتِ رَبِّ الْمَالِ، أَوْ نَهْيِهِ، إذَا كَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ نَقْدًا، فَإِنَّ بَقَاءَ الْعَقْدِ بِبَقَاءِ حَقِّ الْمُضَارِبِ فِي الْمَالِ، وَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْمَالِ هُنَا، فَهَذَا الْمَالُ بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ فِي يَدِهِ، وَالْمُودَعُ لَا يَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ فِي مَالِ الْوَدِيعَةِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ شَيْئًا لِرَبِّ الْمَالِ؟ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ ضَامِنًا؟ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَالُ عُرُوضًا، فَقَدْ بَقِيَ الْعَقْدُ هُنَاكَ؛ لِبَقَاءِ حَقِّ الْمُضَارِبِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ يَمْلِكُ الْبَيْعَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؟ فَكَذَلِكَ يَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ فِي سَفَرٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَإِذَا اشْتَرَى الْمُضَارِبُ بِالْمَالِ وَبَاعَ، فَصَارَ الْمَالُ دَيْنًا عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ أَبَى أَنْ يَتَقَاضَاهُ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ أُجْبِرَ عَلَى أَنْ يَتَقَاضَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ فَضْلٌ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى أَنْ يَتَقَاضَاهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِيهِ فَضْلٌ، فَقَدْ اسْتَحَقَّ الْمُضَارِبُ نَصِيبَهُ مِنْ الرِّبْحِ بِعَمَلِهِ، فَيُجْبَرُ عَلَى إكْمَالِ الْعَمَلِ كَالْأَجِيرِ، وَذَلِكَ بِالتَّقَاضِي حَتَّى يَقْبِضَ الْمَالَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ، فَالْمُضَارِبُ كَالْوَكِيلِ فِي التَّصَرُّفِ، إذَا لَمْ يَسْتَوْجِبْ بِإِزَاءِ تَصَرُّفِهِ شَيْئًا، وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ لَا يُجْبَرُ عَلَى تَقَاضِي الثَّمَنِ، وَلَكِنْ يُؤْمَرُ بِأَنْ يُحِيلَ بِهِ الْمُوَكِّلَ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَكَذَلِكَ هُنَا يُؤْمَرُ بِأَنْ يُحِيلَ بِهِ رَبَّ الْمَالِ عَلَى الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ مُطَالَبَتِهِمْ إذَا لَمْ يُعَامِلْهُمْ، وَلَيْسَ فِي امْتِنَاعِ الْمُضَارِبِ مِنْ أَنْ يُحِيلَهُ بِالْمَالِ عَلَيْهِمْ إلَّا التَّعَنُّتُ، وَالْقَصْدُ إلَى إتْوَاءِ مَالِهِ، فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. تَوْضِيحُ الْفَرْقِ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْمَالِ فَضْلٌ، فَلَا بُدَّ لِلْمُضَارِبِ مِنْ أَنْ يَتَقَاضَى نَصِيبَهُ مِنْ الرِّبْحِ وَيَقْبِضَ، فَإِذَا قَبَضَ سَلَّمَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ يُؤْمَرُ بِتَسْلِيمِهِ إلَى رَبِّ الْمَالِ،

стр. 4473

بِحِسَابِ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَصِلْ رَأْسُ الْمَالِ رَبَّ الْمَالِ، لَا يُسَلَّمُ شَيْءٌ مِنْ الرِّبْحِ لِلْمُضَارِبِ، ثُمَّ يَقْبِضُ ثَانِيًا مِثْلَهُ فَيُسَلِّمُهُ إلَيْهِ، فَلَا يَزَالُ هَكَذَا حَتَّى يَقْبِضَ جَمِيعَ الْمَالِ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ فَضْلٌ، فَلَا حَاجَةَ بِالْمُضَارِبِ إلَى تَقَاضِي شَيْءٍ مِنْهُ؛ إذْ لَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْمَالِ، فَيُؤْمَرُ أَنْ يُحِيلَ بِهِ رَبَّ الْمَالِ عَلَى الْغُرَمَاءِ، كَمَا يُؤْمَرُ بِهِ الْوَكِيلُ. وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ وَهُوَ فِي مِصْرِهِ، فَأَنْفَقَ فِي تَقَاضِيهِ، وَخُصُومَةِ أَصْحَابِهِ، وَطَعَامِهِ، وَرُكُوبِهِ، نَفَقَةً لَمْ يَرْجِعْ بِهَا فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ بِمَنْزِلَةِ تَصَرُّفِهِ فِي الْمَالِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مَا دَامَ يَتَصَرَّفُ فِي مِصْرِهِ، لَا يَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ وَلِأَنَّهُ بِمَا صَنَعَ يُحْيِي حِصَّةً مِنْ الرِّبْحِ، فَهُوَ كَبَيْعِهِ الْعُرُوضَ فِي مِصْرِهِ. وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ غَائِبًا عَنْ مِصْرِ الْمُضَارِبِ، فَأَنْفَقَ فِي سَفَرِهِ، وَتَقَاضِيهِ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، حُسِبَ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ وَسَعْيَهُ كَانَ لِأَجْلِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَتَكُونُ نَفَقَتُهُ فِي الْمَالِ؛ كَمَا لَوْ سَافَرَ لِلتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمُضَارِبَ إذَا أَنْفَقَ فِي السَّفَرِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، اسْتَوْجَبَ الرُّجُوعَ بِهِ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ ذَلِكَ؛ بِأَنْ لَا تَصِلَ يَدُهُ إلَى مَالِ الْمُضَارَبَةِ عِنْدَ كُلِّ حَاجَةٍ إلَى نَفَقَةٍ، فَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِيمَا يُنْفِقُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ؛ كَالْوَصِيِّ يَشْتَرِي لِلْيَتِيمِ وَيُؤَدِّي الثَّمَنَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ، إلَّا أَنْ تَزِيدَ نَفَقَةُ الْمُضَارِبِ عَلَى الدَّيْنِ، فَلَا يَرْجِعُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ لَا فِي ذِمَّةِ رَبِّ الْمَالِ فَلَوْ اسْتَوْجَبَ الزِّيَادَةَ، إنَّمَا يَسْتَوْجِبُهَا فِي ذِمَّةِ رَبِّ الْمَالِ؛ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّ سَعْيَهُ لِإِصْلَاحِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ وَلِمَنْفَعَةِ رَبِّ الْمَالِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَنْعَدِمُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْمَالِ. وَإِذَا سَافَرَ الْمُضَارِبُ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ فَاشْتَرَى طَعَامَهُ وَكِسْوَتَهُ، وَاسْتَأْجَرَ مَا يَرْكَبُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؛ لِيَرْجِعَ بِهِ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ. فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ حَتَّى تَوِيَ مَالُ الْمُضَارَبَةِ ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِتِلْكَ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ كَانَ فِي الْمَالِ لَا فِي ذِمَّةِ رَبِّ الْمَالِ، وَبِهَلَاكِ الْمَالِ فَاتَ مَحَلُّ حَقِّهِ فَيَبْطُلُ حَقُّهُ؛ كَالْعَبْدِ الْجَانِي، أَوْ الْمَدْيُونِ إذَا مَاتَ. وَمَالُ الزَّكَاةِ إذَا هَلَكَ، لَا تَبْقَى الزَّكَاةُ وَاجِبَةً بَعْدَ هَلَاكِ الْمَالِ. وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ نَقَدَ مَالَهُ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ ثَمَنُ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ، وَأُجْرَةُ الدَّابَّةِ دَيْنًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِمُبَاشَرَةِ سَبَبِ الِالْتِزَامِ، فَلَا يَسْتَوْجِبُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي ذِمَّةِ رَبِّ الْمَالِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً؛ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مَتَاعَ الْمُضَارَبَةِ، أَوْ اشْتَرَى طَعَامًا لِلْمُضَارَبَةِ، فَضَاعَ الْمَالُ قَبْلَ أَنْ يَنْفُذَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا يَشْتَرِي لِلْمُضَارَبَةِ عَامِلٌ لِرَبِّ الْمَالِ بِأَمْرِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنْ عُهْدَةِ عَمَلِهِ، وَذَلِكَ فِي رُجُوعِهِ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ فِي الْأُجْرَةِ فِيمَا تَعَذَّرَ إيفَاؤُهُ مِنْ الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ. فَأَمَّا فِيمَا يَشْتَرِي أَوْ يَسْتَأْجِرُ

стр. 4474

لِحَاجَةِ نَفْسِهِ، هُوَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ فِيمَا هُوَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ لَا يَسْتَوْجِبُ الرُّجُوعَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْعُهْدَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَرْجِعُ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ سَعْيَهُ لِأَجْلِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي مَالٍ آخَرَ لِرَبِّ الْمَالِ، فَلَا يَسْتَوْجِبُ الرُّجُوعَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ هَلَاكِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ. وَإِذَا ادَّانَ الْمُضَارِبُ مَالَ الْمُضَارَبَةِ فِي غَيْرِ مِصْرِهِ، وَرَبِحَ فِيهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَتَقَاضَاهُ وَتَكُونُ نَفَقَتُهُ مِنْهُ، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: بَلْ أَتَقَاضَاهُ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ تَكُونَ أَنْتَ الْمُتَقَاضِي. فَإِنَّ رَبَّ الْمَالِ يُجْبَرُ عَلَى تَرْكِ التَّقَاضِي لِلْمُضَارِبِ، وَتَكُونُ نَفَقَتُهُ عَلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُضَارِبِ ثَابِتٌ فِي نَصِيبِهِ مِنْ الرِّبْحِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَتَقَاضَى حِصَّةً مِنْ الرِّبْحِ، وَإِذَا أَخَذَ ذَلِكَ، أَخَذَهُ رَبُّ الْمَالِ مِنْهُ بِحِسَابِ رَأْسِ الْمَالِ ثَانِيًا، أَوْ ثَالِثًا، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُضَارِبَ مُتَقَاضٍ لِرَبِّ الْمَالِ، وَأَنَّ نَفَقَتَهُ فِي الْمَالِ، فَرَبُّ الْمَالِ فِيمَا يَسْأَلُ يَقْصِدُ إسْقَاطَ حَقِّ الْمُضَارِبِ، وَهُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ. فَقَالَ الْمُضَارِبُ: أَنَا أَتَقَاضَاهُ، وَتَكُونُ نَفَقَتِي مِنْهُ حَتَّى أَقْبِضَهُ. وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: أَحِلْنِي بِهِ أُجْبِرَ الْمُضَارِبُ عَلَى أَنْ يُحِيلَ بِهِ رَبَّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا حِصَّةَ لِلْمُضَارِبِ فِي الْمَالِ هُنَا وَلَا حَقَّ، فَهُوَ بِمُطَالَبَتِهِ، يُرِيدُ أَنْ يُلْزِمَهُ نَفَقَةَ نَفْسِهِ فِي مَالِ غَيْرِهِ، فَلِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ، وَيَتَقَاضَى بِنَفْسِهِ وَإِذَا اشْتَرَى الْمُضَارِبُ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ مَتَاعًا، وَفِيهِ فَضْلٌ أَوْ لَا فَضْلَ فِيهِ، فَأَرَادَ الْمُضَارِبُ أَنْ يُمْسِكَهُ حَتَّى يَجِدَ بِهِ رِبْحًا كَثِيرًا، وَأَرَادَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَبِيعَهُ فَإِنْ كَانَ لَا فَضْلَ فِيهِ، أُجْبِرَ الْمُضَارِبُ عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ، أَوْ يُعْطِيَهُ رَبَّ الْمَالِ بِرَأْسِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمُضَارِبِ فِي الْمَالِ فِي الْحَالِ، فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَحُولَ بَيْنَ رَبِّ الْمَالِ، وَبَيْنَ مَالِهِ بِحَقٍّ مَوْهُومٍ عَسَى يَحْصُلُ لَهُ وَعَسَى لَا يَحْصُلُ، وَفِيهِ إضْرَارٌ بِرَبِّ الْمَالِ، وَالضَّرَرُ مَدْفُوعٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ، وَكَانَ رَأْسُ الْمَالِ أَلْفًا، وَالْمَتَاعُ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ، فَالْمُضَارِبُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ؛ لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِهِ حَيْلُولَةً بَيْنَ رَبِّ الْمَالِ، وَبَيْنَ مَالِهِ، وَهُوَ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ حِينَ عَاقَدَهُ عَقْدَ الْمُضَارَبَةِ، إلَّا أَنَّ لِلْمُضَارِبِ هُنَا أَنْ يُعْطِيَ رَبَّ الْمَالِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْمَتَاعِ بِرَأْسِ مَالِهِ، وَحِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ، وَيُمْسِكُ رُبْعَ الْمَتَاعِ، وَحِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ، وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ حَقٌّ، وَالْإِنْسَانُ لَا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ مِلْكِ نَفْسِهِ لِتَحْصِيلِ مَقْصُودِ شَرِيكِهِ، وَكَمَا يَجِبُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ رَبِّ الْمَالِ، يَجِبُ دَفْعُهُ عَنْ الْمُضَارِبِ فِي حِصَّتِهِ، وَالطَّرِيقُ الَّذِي يَعْتَدِلُ فِيهِ النَّظَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مَا ذَكَرْنَا وَإِذَا دَفَعَ مَالًا مُضَارَبَةً، وَأَمَرَ الْمُضَارِبَ أَنْ يَعْمَلَ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِهِ، أَوْ لَمْ يَأْمُرْهُ، فَاسْتَأْجَرَ الْمُضَارِبُ بِبَعْضِهِ أَرْضًا بَيْضَاءَ، وَاشْتَرَى بِبَعْضِهِ طَعَامًا فَزَرَعَهُ فِي الْأَرْضِ، فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الْمُضَارَبَةِ بِمَنْزِلَةِ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الزِّرَاعَةِ مِنْ صُنْعِ التُّجَّارِ يَقْصِدُونَ بِهِ تَحْصِيلَ النَّمَاءِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ صَاحِبُ الشَّرْعِ ﷺ «

стр. 4475

الزَّارِعُ يُتَاجِرُ رَبَّهُ». وَمَا كَانَ مِنْ عَمَلِ التُّجَّارِ، يَمْلِكُهُ الْمُضَارِبُ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا بَيْضَاءَ عَلَى أَنْ يَغْرِسَ فِيهَا شَجَرًا أَوْ أَرْطَابًا، فَقَالَ: ذَلِكَ مِنْ الْمُضَارَبَةِ. فَهُوَ جَائِزٌ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَالرِّبْحُ عَلَى مَا اشْتَرَطَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ يَقْصِدُونَ بِهِ اسْتِنْمَاءَ الْمَالِ. وَلَوْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ، وَقَالَ لَهُ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ. فَأَخَذَ الْمُضَارِبُ نَخْلًا وَشَجَرًا وَأَرْطَابًا مُعَامَلَةً، عَلَى أَنَّ مَا أَخْرَجَ اللَّهُ بَعْدُ مِنْ ذَلِكَ، فَنِصْفُهُ لِصَاحِبِ النَّخْلِ، وَنِصْفُ الْمُضَارِبِ عَلَى الْمُضَارِبِ، فَعَمِلَ، وَأَنْفَقَ مَالَ الْمُضَارَبَةِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ مَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَ صَاحِبِ النَّخْلِ وَالْمُضَارِبِ نِصْفَيْنِ، وَلَا يَكُونُ لِرَبِّ الْمَالِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّ النِّصْفَ بِعَقْدِ الْمُعَامَلَةِ، وَفِي عَقْدِ الْمُعَامَلَةِ الْعَامِلُ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ، وَصَاحِبُ الْمَالِ إنَّمَا فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى رَأْيِهِ فِي الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ يَدِهِ فِيمَا يَسْتَوْجِبُ بِإِقَامَتِهِ الْعَمَلَ بِمَنَافِعِهِ، تَكُونُ لَهُ خَاصَّةً، وَالنَّفَقَةُ الَّتِي أَنْفَقَهَا مِنْ مَالِهِ خَاصَّةً، وَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَنْفَقَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ صَرَفَ إلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ رَبُّ الْمَالِ فِيهِ. وَلَوْ كَانَ الْمُضَارِبُ أَخَذَ مِنْ رَجُلٍ أَرْضًا بَيْضَاءَ، عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا طَعَامًا، فَمَا خَرَجَ مِنْهَا، فَنِصْفُهُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، وَنِصْفُهُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ، فَاشْتَرَى طَعَامًا بِبَعْضِ الْمَالِ فَزَرَعَهُ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ أَنْفَقَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُضَارَبَةِ عَلَيْهِ حَتَّى بَلَغَ، فَهَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَأْجِرٌ الْأَرْضَ بِنِصْفِ الْخَارِجِ مِنْهَا، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا بِدَرَاهِمَ جَازَتْ الْمُضَارَبَةُ فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْجَرَهَا بِنِصْفِ الْخَارِجِ مِنْهَا وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا بِدَرَاهِمَ جَازَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ لِذَلِكَ، وَتَصَرُّفُهُ هُنَا فِي الْمَالِ، فَإِنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لِلْخَارِجِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ بِمَا بَذَرَهُ، وَالْبَذْرُ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَلِهَذَا كَانَ نِصْفُ الْخَارِجِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، وَنِصْفُهُ يُبَاعُ. يَسْتَوْفِي رَبُّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُضَارِبِ عَلَى الشَّرْطِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ لَهُ اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ، فَالْمُضَارِبُ ضَامِنٌ لِلْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَكَ غَيْرَهُ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ، لَا يَمْلِكُ الْمُضَارِبُ الْإِشْرَاكَ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ دَفْعِهِ بَعْضَ الْمَالِ مُضَارَبَةً إلَى غَيْرِهِ، وَإِذَا صَارَ مُخَالِفًا بِتَصَرُّفِهِ ضَمِنَ مَالَ الْمُضَارَبَةِ، وَهُوَ مِلْكُ الْمَضْمُونِ بِهِ، فَمَا خَرَجَ مِنْ الزَّرْعِ بَيْنَ الْمُضَارِبِ وَرَبِّ الْمَالِ نِصْفَيْنِ عَلَى الشَّرْطِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْمُرَابَحَةِ فِي الْمُضَارَبَةِ] قَالَ ﵁: قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ بَعْضِ مَسَائِلِ الْبَابِ فِي الْبُيُوعِ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا أَنْفَقَ الْمُضَارِبُ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَلْحَقُهُ بِرَأْسِ الْمَالِ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ، بِخِلَافِ مَا أَنْفَقَ عَلَى الْمَتَاعِ

стр. 4476

وَالرَّقِيقِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَلْحَقُهُ؛ وَيَقُولُ: قَامَ عَلَيَّ بِكَذَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفَسِّرَهُ؛ لِوُجُودِ الْعَادَةِ بَيْنَ التُّجَّارِ فِي إلْحَاقِ النَّفَقَةِ عَلَى الْمَتَاعِ بِرَأْسِ الْمَالِ دُونَ إلْحَاقِ مَا أَنْفَقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَفِي حَقِّ الْمُشْتَرِي لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَصَرِّفُ مُضَارِبًا أَوْ مَالِكًا، فَكَمَا أَنَّ الْمَالِكَ لَا يَلْحَقُ مَا أَنْفَقَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِرَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ ذَلِكَ لَا تَرْجِعُ إلَى الْمَتَاعِ خَاصَّةً، فَكَذَلِكَ مَا أَنْفَقَهُ الْمُضَارِبُ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنْ أَلْحَقَ مَا أَنْفَقَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِرَأْسِ الْمَالِ، وَبَاعَهُ مُرَابَحَةً أَوْ تَوْلِيَةً عَلَى الْجُمْلَةِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ، فَذَلِكَ جِنَايَةٌ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَقَاوِيلَهُمْ فِي الْجِنَايَةِ فِي الْمُرَابَحَةِ وَالتَّوْلِيَةِ فِي الْبُيُوعِ. وَفِي قَوْلِ زُفَرَ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَلَوْ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ مَتَاعًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَرَقَّمَهُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قَالَ لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ: ابْتَعْهُ مُرَابَحَةً. عَلَى رَقْمِهِ ، فَإِنْ بَيَّنَ لِلْمُشْتَرِي كَمْ رَقْمُهُ فَهُوَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي مَقَالَتِهِ، فَرَقْمُهُ مَا أَخْبَرَهُ، وَلَمْ يُخْبِرْهُ أَنَّهُ قَامَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْبُيُوعِ رِوَايَةَ أَبِي يُوسُفَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِعَادَةِ التُّجَّارِ أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ بِذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي كَمْ رَقْمُهُ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ لِجَهْلِهِ بِمِقْدَارِ الثَّمَنِ، فَإِذَا عَلِمَ بِالرَّقْمِ كَمْ هُوَ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُكْشَفُ لَهُ الْحَالُ الْآنَ. وَخِيَارُ كَشْفِ الْحَالِ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْبُيُوعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَإِنْ قَبَضَهُ فَبَاعَهُ، ثُمَّ عَلِمَ مَا رَقْمُهُ فَرَضِيَ بِهِ، فَرِضَاهُ بَاطِلٌ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْقَبْضِ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ، فَنَفَذَ بَيْعُهُ فِيهِ، وَتَقَرَّرَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ، فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ بِالرَّقْمِ وَرِضَاهُ بِهِ؛ لِأَنَّ إزَالَةَ الْمُفْسِدِ إنَّمَا تُصَحِّحُ الْعَقْدَ إذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ قَائِمًا فِي مِلْكِهِ. وَالتَّوْلِيَةُ فِي هَذِهِ كَالْمُرَابَحَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمُضَارِبُ وَلَّاهُ رَجُلًا بِرَقْمِهِ، وَلَا يَعْلَمُ الْمُشْتَرِي مَا رَقَمُهُ، ثُمَّ بَاعَهُ الْمُضَارِبُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ آخَرَ بَيْعًا صَحِيحًا، جَازَ إنْ لَمْ يَكُنْ الْأَوَّلُ قَبَضَهُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ كَانَ فَاسِدًا، وَلَمْ يَمْلِكْهُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ، فَصَحَّ الْبَيْعُ الثَّانِي مِنْ الْمُضَارِبِ وَانْتَقَضَ بِهِ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ. وَلِذَلِكَ لَوْ كَانَ الْأَوَّلُ عَلِمَ بِرَقْمِهِ فَسَكَتَ حَتَّى بَاعَهُ الْمُضَارِبُ مِنْ آخَرَ، بَيْعًا صَحِيحًا؛ لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ مَا لَمْ يَرْضَ بِهِ، فَإِنْ رَضِيَ الْأَوَّلُ بَعْدَ مَا عَلِمَ، ثُمَّ بَاعَهُ الْمُضَارِبُ مِنْ آخَرَ بَيْعًا صَحِيحًا، فَالْبَيْعُ لِلثَّانِي بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ قَدْ تَمَّ بِرِضَا الْمُشْتَرِي بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ، فَصَارَ الْمَبِيعُ مَمْلُوكًا لِلْمُشْتَرِي. وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ قَبَضَ الْمَتَاعَ مِنْ الْمُضَارِبِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ ثُمَّ بَاعَهُ الْمُضَارِبَ مِنْ آخَرَ، كَانَ بَيْعُهُ الثَّانِي بَاطِلًا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ بِالْقَبْضِ صَارَ مَالِكًا فَمَا لَمْ يَسْتَرِدَّهُ الْمُضَارِبُ مِنْهُ لَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ عَلِمَ الْأَوَّلُ بِالرَّقْمِ فَنَقَضَ الْبَيْعَ، لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ الثَّانِي أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ عَوْدُ الْمِلْكِ إلَيْهِ، فَلَا يَنْفُذُ بِعَوْدِهِ إلَيْهِ مِنْ بَعْدُ؛ كَمَنْ بَاعَ مَالًا يَمْلِكُهُ ثُمَّ مَلَكَهُ. وَلَوْ كَانَ الْمُضَارِبُ

стр. 4477

اشْتَرَى الْمَتَاعَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قَالَ لِرَجُلٍ: أَبِيعُك هَذَا الْمَتَاعَ مُرَابَحَةً بِرِبْحِ مِائَةٍ عَلَى أَلْفَيْ دِرْهَمٍ. وَلَمْ يُسَمِّ رَقْمًا وَلَا غَيْرَهُ، فَاشْتَرَاهُ بِرَقْمِهِ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الْمُضَارِبَ كَانَ اشْتَرَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ، فَالْبَيْعُ لَازِمٌ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَلَا بَأْسَ لِلْمُضَارِبِ بِمَا صَنَعَ؛ لِأَنَّهُ مَا بَاعَهُ مُرَابَحَةً عَلَى رَأْسِ مَالِهِ فِيهِ، بَلْ بَاعَهُ مُرَابَحَةً عَلَى أَلْفَيْ دِرْهَمٍ. وَإِنَّمَا يُكْرَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ، أَوْ بِمَا فِيهِ شُبْهَةُ الْكَذِبِ، فَأَمَّا إذَا خَلَا كَلَامُهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ، وَقَدْ بَاعَهُ بِثَمَنٍ مُسَمًّى مَعْلُومٍ فَيَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ أَسْرَفَ فِيمَا أَنْفَقَ عَلَى الرَّقِيقِ فَإِنَّمَا يَضُمُّ إلَى رَأْسِ مَالِهِ مِنْ ذَلِكَ نَفَقَةَ مِثْلِهِ، فَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ كَالتَّبَضُّعِ مِنْهُ فَلَا يَلْحَقُ بِرَأْسِ الْمَالِ. وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً، فَاشْتَرَى بِهَا جَارِيَةً ثُمَّ بَاعَهَا بِأَلْفَيْنِ، وَاشْتَرَى بِأَلْفَيْنِ جَارِيَةً تُسَاوِي أَلْفَيْ دِرْهَمٍ مِنْ الْغَرِيمِ، لَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَهَا مُرَابَحَةً، وَلَا يُبَيِّنُ أَنَّ ثَمَنَهَا كَانَ دَيْنًا، بِخِلَافِ مَا إذَا صَالَحَهُ عَلَى هَذِهِ الْجَارِيَةِ صُلْحًا، فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُهَا مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ، وَالصُّلْحُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّجَاوُزِ بِدُونِ الْحَقِّ. فَعِنْدَ ذَلِكَ لَفْظُ الصُّلْحِ يُمْكِنُ شُبْهَةُ الْحَطِيطَةِ، وَالشُّبْهَةُ كَالْحَقِيقَةِ فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَمَانَةِ وَلَوْ اشْتَرَى بِأَلْفِ الْمُضَارَبَةِ جَارِيَةً نَسِيئَةً سَنَةً، فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ فِي يَدِهِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ مِثْلَ ثَمَنِهَا، فَلَا يَكُونُ هَذَا اسْتِدَانَةً عَلَى الْمُضَارَبَةِ، وَالشِّرَاءُ بِالنَّسِيئَةِ مِنْ عَادَةِ التُّجَّارِ كَالشِّرَاءِ بِالنَّقْدِ، ثُمَّ لَا يَبِيعُهَا مُرَابَحَةً عَلَى الْأَلْفِ مَا لَمْ يُبَيِّنْ؛ لِمَا فِي الشِّرَاءِ بِالنَّسِيئَةِ مِنْ شُبْهَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الْبُيُوعِ. وَلَوْ اشْتَرَى بِبَعْضِ الْجَارِيَةِ ثِيَابًا، ثُمَّ فَتَلَهَا أَوْ قَصَّرَهَا بِأَجْرٍ أَوْ صَبَغَهَا بِأَجْرٍ، فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مُرَابَحَةً عَلَى الثَّمَنِ وَالْأَجْرِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا جَرَى الرَّسْمُ بِهِ بَيْنَ التُّجَّارِ فِي إلْحَاقِهِ بِرَأْسِ الْمَالِ. وَلَوْ مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ، فَعُشْرُهُ لَمْ يَلْحَقْ ذَلِكَ بِرَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إمَّا أَنْ يَكُونَ زَكَاةً فَلَا يُلْحِقُهُ بِرَأْسِ الْمَالِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَصْبًا فَلَا بَيْعَ عَلَى مَا غُصِبَ مِنْهُ مُرَابَحَةً. وَلَوْ اشْتَرَى الْمَتَاعَ بِجَمِيعِ الْمَالِ ثُمَّ قَصَرَهُ مِنْ مَالِهِ، فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ قَالَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ أَوْ لَمْ يَقُلْ؛ لِأَنَّ الْقَصَّارَةَ تُزِيلُ الدَّرَنَ وَلَا تَزِيدُ فِي الْعَيْنِ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَلَا يَصِيرُ هُوَ مُخَالِفًا بِمَا صَنَعَ؛ لِأَنَّهُ زَادَ الْمَتَاعَ خَيْرًا بِمَا صَنَعَ، وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَمْ يَرْضَ بِرُجُوعِهِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي ذِمَّتِهِ، فَعَمَلُهُ ذَلِكَ فِي مَتَاعِ الْمُضَارَبَةِ وَمَتَاعٍ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ سَوَاءٌ. وَإِذَا بَاعَهُ مُسَاوَمَةً أَوْ مُرَابَحَةً كَانَ الثَّمَنُ كُلُّهُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ فَتَلَ الثَّوْبَ أَوْ صَبَغَهُ أَسْوَدَ مِنْ مَالِهِ فَنَقَصَهُ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَزِدْ فِيهِ، وَإِنْ صَبَغَهُ مِنْ مَالِهِ صَبْغًا يَزِيدُ كَالْعُصْفُرِ وَالزَّعْفَرَانِ. وَإِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ أَمَرَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ لَمْ يَأْمُرْهُ

стр. 4478

لِذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلثِّيَابِ؛ لِأَنَّهُ خَلَطَ مَالَهُ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَالصِّبْغُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ لِلْمُضَارِبِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُضَارِبَ بِالْخَلْطِ يَصِيرُ ضَامِنًا إذْ لَمْ يَقُلْ لَهُ رَبُّ الْمَالِ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ. ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ، فَرَبُّ الْمَالِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ وَأَعْطَى الْمُضَارِبَ مَا زَادَ عَلَى الصِّبْغ فِيهِ يَوْمَ يَخْتَصِمُونَ، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ لَهُ الثَّوْبَ وَضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ كُلَّهُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَالْمُضَارِبُ فِيمَا صَنَعَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ غَصَبَ ثَوْبَ إنْسَانٍ وَصَبَغَهُ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا حَتَّى بَاعَهَا الْمُضَارِبُ مُسَاوِمَةً أَوْ مُرَابَحَةً، جَازَ بَيْعُهُ؛ لِبَقَاءِ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ بَيْنَهُمَا فِي الثَّوْبِ بَعْدَ الصِّبْغِ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ فِي الْبَيْعِ كَالْوَكِيلِ، وَالْوَكَالَةُ بِالْبَيْعِ لَا تَبْطُلُ بِالْخِلَافِ مِنْ طَرِيقِ الْفِعْلِ، وَبَرِئَ مِنْ ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّهُ عَادَ إلَى الْوِفَاقِ مِنْ بَعْدِ تَصَرُّفِهِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ، وَيُقَسَّمُ الثَّمَنُ فِي الْمُسَاوَمَةِ عَلَى قِيمَةِ الثَّوْبِ وَقِيمَةِ مَا زَادَ الصِّبْغُ فِيهِ، فَيَكُونُ حِصَّةُ الصِّبْغِ لِلْمُضَارِبِ، وَيَسْتَوْفِي رَبُّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ مِنْ حِصَّةِ الثَّوْبِ وَالْبَاقِي رِبْحٌ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الصِّبْغَ عَيْنُ مَالٍ قَائِمٍ فِي الثَّوْبِ لِلْمُضَارِبِ، وَقَدْ تَنَاوَلَهُ الْبَيْعُ كَالثَّوْبِ فَيُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَيْهِمَا، بِخِلَافِ الْقَصَّارَةِ، وَإِنْ كَانَ بَاعَهُ مُرَابَحَةً قَسَّمَ الثَّمَنَ عَلَى مَا اشْتَرَى بِهِ الْمُضَارِبُ وَعَلَى أَجْرِ الصِّبْغِ يَوْمَ صَبَغَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَيُقْسَمُ عَلَيْهِ. وَفِي بَيْعِ الْمُسَاوَمَةِ بِمُقَابَلَةِ الْمِلْكِ فَيُقْسَمُ عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ، وَإِنْ كَانَ صِبْغُهُ أَسْوَدَ، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ السَّوَادَ عِنْدَهُمَا زِيَادَةٌ كَالْحُمْرَةِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ السَّوَادُ فِي الثَّوْبِ نُقْصَانٌ. فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَتْلِ وَالْقَصَّارَةِ فِي أَنَّهُ لَا حِصَّةَ لِلْمُضَارِبِ مِنْ الثَّمَنِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلِطْ مَالَ الْمُضَارَبَةِ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ لَهُ. وَإِذَا اشْتَرَى الْمُضَارِبُ الْمَتَاعَ بِأَلْفِ الْمُضَارَبَةِ وَقَبَضَهُ وَلَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ حَتَّى ضَاعَتْ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِأَلْفٍ أُخْرَى فَيَنْقُدُهَا إيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ فِي الشِّرَاءِ كَانَ عَامِلًا لِرَبِّ الْمَالِ بِأَمْرِهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا لَحِقَهُ مِنْ الْعُهْدَةِ، وَهُوَ فِي هَذَا كَالْوَكِيلِ إذَا دَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ قَبْلَ الشِّرَاءِ وَهَلَكَ فِي يَدِهِ بَعْدَ الشِّرَاءِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ بَعْدَ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَرْجِعُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنَّ شِرَاءَ الْوَكِيلِ يُوجِبُ الثَّمَنَ عَلَيْهِ لِلْبَائِعِ، وَلَهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ، فَإِذَا رَجَعَ عَلَى الْمُوَكِّلِ بَعْدَ الشِّرَاءِ صَارَ مُقْتَضِيًا مَا اسْتَوْجَبَهُ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَصَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ، فَإِذَا هَلَكَ يَهْلِكُ مِنْ ضَمَانِهِ فَأَمَّا الْمُضَارِبُ إذَا رَجَعَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فَمَا يَقْبِضُهُ يَكُونُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ عِنْدَ الْقِسْمَةِ يَرُدُّ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَوَّلًا جَمِيعَ مَا اسْتَوْفَى ثُمَّ يُقَاسِمُهُ الرِّبْحَ، وَمِنْ شَرْطِ الْمُضَارَبَةِ: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُضَارِبِ فَإِذَا هَلَكَ ثَانِيًا كَانَ هَلَاكُهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى يَصِلَ الثَّمَنُ إلَى الْبَائِعِ، وَلَا يَبِيعُ الْمَتَاعَ مُرَابَحَةً إلَّا

стр. 4479

عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَلْفٍ. وَمَا هَلَكَ فِي يَدِهِ مِنْ رَأْسِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَلَا يُلْحِقُهُ بِرَأْسِ الْمَالِ، فَإِذَا بَاعَ الْمَتَاعَ أَخَذَ رَبُّ الْمَالِ بِرَأْسِ مَالِهِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ ذَلِكَ إلَى الْمُضَارِبِ بِسَبَبِ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ، فَيَكُونُ جَمِيعُ رَأْسِ مَالِهِ يُرَدُّ عَلَيْهِ ثُمَّ الْبَاقِي رِبْحٌ بَيْنَهُمَا. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ اشْتَرَى بِأَلْفٍ جَارِيَةً فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى ادَّعَى الْمُضَارِبُ أَنَّهُ قَدْ نَقَدَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ، وَجَحَدَ الْبَائِعُ ذَلِكَ وَحَلَفَ، فَإِنَّ الْمُضَارِبَ يَرْجِعُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِأَلْفٍ أُخْرَى، فَيَدْفَعُهَا إلَى الْبَائِعِ وَيَأْخُذُ الْجَارِيَةَ. فَتَكُونُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ عُهْدَةٌ لَحِقَتْهُ فِي عَمَلٍ بَاشَرَهُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَإِذَا اقْتَسَمُوا الْمُضَارَبَةَ، أَخَذَ رَبُّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، لِمَا ذَكَرْنَا وَالْمُضَارِبُ فِي هَذَا مُخَالِفٌ لِلْوَكِيلِ، فَإِنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ لَوْ قَالَ: دَفَعْتُ الْأَلْفَ إلَى الْبَائِعِ. وَجَحَدَ الْبَائِعُ، غَرِمَهَا الْوَكِيلُ مِنْ مَالِهِ فَيَدْفَعُهَا إلَى الْبَائِعِ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ الْجَارِيَةَ، فَتُسَلَّمُ إلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ قَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ اقْتَضَى دَيْنَهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِمَا قَضَى بِهِ دَيْنَ نَفْسِهِ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ فَيُسَلِّمُهَا إلَى الْآمِرِ، وَإِقْرَارُهُمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْبَائِعِ فِي قَضَاءِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَعْوَى مِنْهُ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فِي الِاقْتِضَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ مِنْهُ وَبَعْدَ مَا صَارَ مُقْتَضِيًا لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِشَيْءٍ فَأَمَّا الْمُضَارِبُ يَدْفَعُ الثَّمَنَ إلَى الْبَائِعِ يَكُونُ قَاضِيًا لَا مُقْتَضِيًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَارَ مُقْتَضِيًا كَانَ ضَامِنًا وَرَأْسُ الْمَالِ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، فَإِذَا لَمْ تَصِحَّ دَعْوَاهُ فِي الْقَضَاءِ بِجُحُودِ الْبَائِعِ بَقِيَ الْمَقْبُوضُ كَالْهَالِكِ فِي يَدِهِ، فَيَرْجِعُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِأَلْفٍ أُخْرَى. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْوَكِيلَ لَوْ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ الثَّمَنَ حَتَّى اشْتَرَى، ثُمَّ قَبَضَ الثَّمَنَ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُوَكِّلِ مَرَّةً أُخْرَى؟ وَالْمُضَارِبُ فِي مِثْلِهِ يَرْجِعُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ثَانِيًا حَتَّى يَدْفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْبَائِعِ. وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، ثُمَّ بَاعَهُ مُرَابَحَةً، فَقَالَ لِلْمُشْتَرِي. أَبِيعُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِرِبْحِ الدِّرْهَمِ دِرْهَمٌ. فَالثَّمَنُ عِشْرُونَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّهُ سَمَّى بِمُقَابَلَةِ كُلِّ دِرْهَمٍ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ دِرْهَمًا رِبْحًا، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْجِنْسِ فِيمَا يُمْكِنُ اسْتِغْرَاقُ الْجِنْسِ فِيهِ إذْ لَا مَعْهُودَ لَهُ فِيهِ لَيُحْمَلَ عَلَى الْمَعْهُودِ، فَهَذَا وَقَوْلُهُ يَرْبَحُ كُلُّ دِرْهَمٍ دِرْهَمًا سَوَاءً. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ بِرِبْحِ كُلِّ دِرْهَمٍ اثْنَيْنِ، فَالثَّمَنُ ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا، وَلَوْ قَالَ بِرِبْحِ الْعَشَرَةِ خَمْسَةٌ أَوْ بِرِبْحِ الدِّرْهَمِ نِصْفُ دِرْهَمٍ، كَانَ الثَّمَنُ خَمْسَةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّهُ سَمَّى بِمُقَابَلَةِ كُلِّ دِرْهَمٍ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ نِصْفَ دِرْهَمٍ رِبْحًا، أَوْ بِمُقَابَلَةِ جَمِيعِ رَأْسِ الْمَالِ خَمْسَةً رِبْحًا. وَلَوْ قَالَ: أَبِيعُك بِرِبْحِ الْعَشَرَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ. فَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّهُ ضَمَّ إلَى رَأْسِ الْمَالِ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا رِبْحًا، وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ لِلْعَادَةِ الظَّاهِرَةِ بَيْنَ التُّجَّارِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: يَده يازده سُود فروحب. وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ أَنَّ الْخَمْسَةَ رِبْحٌ وَالْعَشَرَةَ رَأْسُ

стр. 4480

مَالٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: بِرِبْحِ الْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ. أَوْ قَالَ: يَده يازده، فَالرِّبْحُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ اللَّفْظِ مَحْمُولٌ عَلَى مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ وَمَا يَتَفَاهَمُونَهُ فِي مُخَاطَبَاتِهِمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: بِرِبْحِ عَشَرَةٍ أَحَدَ عَشَرَ وَنِصْفٌ. فَالرِّبْحُ دِرْهَمٌ وَنِصْفٌ، أَوْ قَالَ: أَحَدَ عَشَرَ وَدَانِقٌ. فَالرِّبْحُ دِرْهَمٌ وَدَانِقٌ، وَلَوْ قَالَ: بِرِبْحِ الْعَشَرَةِ عَشَرَةٌ وَخَمْسَةٌ أَوْ خَمْسَةٌ وَعَشَرَةٌ. فَالثَّمَنُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَ أَحَدَ الْعَدَدَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِي تَسْمِيَةِ الرِّبْحِ وَضَمَّ الْعَدَدَ إلَى رَأْسِ مَالِهِ، وَلَيْسَ بَيْنَ التُّجَّارِ عَادَةً فِي مِثْلِ هَذَا اللَّفْظِ فَيَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَيَكُونُ رِبْحُهُ الْعَدَدَيْنِ جَمِيعًا وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ انْتَقَصَ عِنْدَهُ حَتَّى صَارَ يُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، ثُمَّ بَاعَهُ بِوَضِيعَةِ الدِّرْهَمُ دِرْهَمٌ. كَانَ الثَّمَنُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْوَضِيعَةِ كَبَيْعِ الْمُرَابَحَةِ، فَكَمَا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ التَّضْعِيفُ عَلَى الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، فَكَذَلِكَ فِي بَيْعِ الْوَضِيعَةِ يُوجِبُ التَّنْصِيفَ. وَلَوْ كَانَ بِوَضِيعَةِ الدِّرْهَمِ دِرْهَمَيْنِ كَانَ الثَّمَنُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَثُلُثًا؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ ضِعْفَ رَأْسِ الْمَالِ، فَفِي بَيْعِ الْوَضِيعَةِ نِصْفُ الثَّمَنِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا كَانَ النُّقْصَانُ مِنْ الْعَشَرَةِ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ؛ لِأَنَّ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ هَذَا اللَّفْظَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ مِثْلَ نِصْفِ رَأْسِ الْمَالِ. فَفِي الْوَضِيعَةِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ النُّقْصَانُ مِثْلَ نِصْفِ الْبَاقِي فِي ذَلِكَ فِي أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي مِنْ الثَّمَنِ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ، وَالنُّقْصَانُ ثَلَاثَةً وَثُلُثًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ بِوَضِيعَةِ الْعَشَرَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ اعْتِبَارًا لِلْوَضِيعَةِ بِالْمُرَابَحَةِ. وَلَوْ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ عَبْدًا وَقَبَضَهُ ثُمَّ بَاعَهُ بِجَارِيَةٍ وَقَبَضَهَا وَدَفَعَ الْعَبْدَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْجَارِيَةَ مُرَابَحَةً عَلَى الثَّمَنِ وَلَا تَوْلِيَةً إلَّا مِنْ الَّذِي يَمْلِكُ الْعَبْدَ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ وَالتَّوْلِيَةِ بَيْعٌ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَزِيَادَةُ رِبْحٍ مُسَمًّى فِي عَقْدِ الْمُرَابَحَةِ، وَالْعَبْدُ لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ جِنْسِهِ، فَلَوْ بَاعَهَا مُرَابَحَةً أَوَتَوْلِيَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْلِكَ الْعَبْدَ، لَكَانَ هَذَا بَيْعًا بِقِيمَةِ الْعَبْدِ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْحَزْرِ وَالظَّنِّ دُونَ الْحَقِيقَةِ، فَأَمَّا مِمَّنْ يَمْلِكُ الْعَبْدَ، إنَّمَا يَبِيعُهَا عَلَى الْعَبْدِ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَإِنْ بَاعَهَا تَوْلِيَةً جَازَ، وَإِنْ بَاعَهَا مُرَابَحَةً بِرِبْحِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ جَازَ، وَيَأْخُذُ الْعَبْدُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. وَإِنْ بَاعَهَا مُرَابَحَةً بِرِبْحِ عَشَرَةٍ أَحَدَ عَشَرَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ وَرَأْسُ الْمَالِ لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ جِنْسِهِ لِيَضُمَّ إلَيْهِ مِقْدَارَ الرِّبْحِ مِنْ جِنْسِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ اشْتَرَاهَا بِمَا لَهُ مِثْلٌ مِنْ جِنْسِهِ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، فَإِنَّ هُنَاكَ يَبِيعُهَا مُرَابَحَةً مِمَّنْ شَاءَ فَسَوَاءٌ سَمَّى مِقْدَارًا مَعْلُومًا مِنْ الرِّبْحِ، أَوْ قَالَ: بِرِبْحِ عَشَرَةٍ أَحَدَ عَشَرَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اشْتَرَى بِمَا لَهُ مِثْلٌ مِنْ جِنْسِهِ فَهُوَ وَالْمُشْتَرِي بِالنَّقْدِ سَوَاءٌ. وَلَوْ كَانَ الَّذِي اشْتَرَى الْعَبْدَ بَاعَهُ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ، أَوْ

стр. 4481

وَهَبَهُ وَسَلَّمَهُ، ثُمَّ بَاعَهُ الْمُضَارِبُ الْجَارِيَةَ مُرَابَحَةً أَوْ تَوْلِيَةً، كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ الْعَبْدُ فِي مِلْكِهِ فَهُوَ فِي هَذَا الشِّرَاءِ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ. وَلَوْ بَاعَ الْمُضَارِبُ الْجَارِيَةَ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِالْغُلَامِ مُرَابَحَةً أَوْ تَوْلِيَةً جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الْغُلَامِ فِي مِلْكِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاهِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. وَلَوْ بَاعَ الْمُضَارِبُ الْجَارِيَةَ مِنْ رَجُلٍ لَا يَمْلِكُ الْعَبْدَ بِرِبْحِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ، فَأَجَازَ رَبُّ الْعَبْدِ الْبَيْعَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ بِإِجَازَةِ رَبِّ الْعَبْدِ قَدَرَ الْمُشْتَرِي عَلَى التَّسْلِيمِ لِلْعَبْدِ فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْمَالِكِ لِلْعَبْدِ، فَإِنَّ بِمِلْكِهِ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَقَدْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ بِإِجَازَةِ رَبِّ الْعَبْدِ وَالْمَانِعُ مِنْ جَوَازِ هَذَا الْعَقْدِ عَجْزُهُ عَنْ تَسْلِيمِ الْعَبْدِ، ثُمَّ الْجَارِيَةُ تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْمُضَارِبِ، وَيَأْخُذُ الْمُضَارِبُ الْغُلَامَ وَيَأْخُذُ مِنْ الْمُشْتَرَى مِنْهُ الْجَارِيَةَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَيَرْجِعُ مَوْلَى الْغُلَامِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِقِيمَةِ الْغُلَامِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي لِلْجَارِيَةِ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ فِي شِرَائِهَا، فَنَفَذَ الشِّرَاءُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى إجَازَةِ رَبِّ الْغُلَامِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَقْرَضَ مِنْهُ الْغُلَامَ لِيَدْفَعَهُ فِي ثَمَنِهَا، وَهُوَ بِالْإِجَازَةِ صَارَ مُقْرِضًا مِنْهُ وَاسْتِقْرَاضُ الْحَيَوَانِ وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا لَكِنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّ الْغُلَامِ بِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِ الْمُسْتَقْرِضِ وَصَيْرُورَتِهِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ. وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ الْمُضَارِبِ جَارِيَةٌ مِنْ الْمُضَارَبَةِ فَبَاعَهَا بِغُلَامٍ وَتَقَابَضَا، ثُمَّ إنَّ الْمُضَارِبَ بَاعَ الْغُلَامَ مِنْ صَاحِبِ الْجَارِيَةِ بِرِبْحِ الْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ مُوجَبَ هَذَا اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَيْسَ لِلْجَارِيَةِ مِثْلٌ مِنْ جِنْسِهَا. وَلَوْ بَاعَ الْغُلَامَ مِنْ رَبِّ الْجَارِيَةِ بِوَضِيعَةِ الْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا، وَيُعْطِيهِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْجَارِيَةِ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا؛ لِأَنَّ مُوجَبَ هَذَا اللَّفْظِ فِي الْوَضِيعَةِ نُقْصَانُ جُزْءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ ثَمَنِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْبُيُوعِ فِيمَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، فَكَذَلِكَ هُنَا يَصِيرُ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ بَاعَ الْغُلَامَ مِنْ رَبِّ الْجَارِيَةِ بِعَشَرَةِ أَجْزَاءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ الْجَارِيَةِ. وَلَوْ قَالَ أَبِيعُك هَذَا الْغُلَامَ بِرِبْحِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ كَانَ جَائِزًا، وَيَأْخُذُ الْجَارِيَةَ وَعَشَرَةَ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ مَا سَمَّاهُ رِبْحًا وَضَمَّهُ إلَى الْجَارِيَةِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، وَلَوْ قَالَ أَبِيعُك بِوَضِيعَةٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ مُوجَبَ لَفْظِ الْوَضِيعَةِ النُّقْصَانَ، وَإِنَّمَا يَنْقُصُ مِنْ ثَمَنِ الْجَارِيَةِ مِقْدَارُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ مِنْهَا، وَذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالتَّقْوِيمِ. وَالْبَيْعُ بِالْوَضِيعَةِ كَالْبَيْعِ مُرَابَحَةً فِي أَنَّهُ إذَا وَقَعَتْ الْجَارِيَةُ إلَى التَّقْوِيمِ كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ الْقِيمَةِ الْحَزْرُ وَالظَّنُّ، يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ يَصِيرُ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ قَالَ: بِعْتُك هَذَا الْغُلَامَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ إلَّا مِقْدَارَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ مِنْهَا وَذَلِكَ بَاطِلٌ.

стр. 4482

وَإِنْ كَانَتْ الْمُضَارَبَةُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ بِخِيَّةٍ فَاشْتَرَى بِهَا عَبْدًا، ثُمَّ بَاعَهُ بِالْكُوفَةِ مُرَابَحَةً بِرِبْحِ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَعَلَى الْمُشْتَرِي أَلْفُ دِرْهَمٍ بِخِيَّةٍ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ غَلَّةُ نَقْدِ الْكُوفَةِ، وَلَوْ قَالَ: أَبِيعُك بِرِبْحِ عَشَرَةٍ أَحَدَ عَشَرَ كَانَ الثَّمَنُ وَالرِّبْحُ كُلُّهُ بَخِّيَّةً؛ لِأَنَّ مُوجَبَ هَذَا اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ مِنْ جِنْسِ ثَمَنِ الْأَوَّلِ بِصِفَتِهِ لِيَكُونَ الرِّبْحُ جُزْءًا مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ جَمِيعِ الثَّمَنِ الثَّانِي، وَاللَّفْظُ الْأَوَّلُ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ مِائَةَ دِرْهَمٍ، كَمَا سُمِّيَ فِيهِ وَتَسْمِيَةُ مِائَةِ دِرْهَمٍ فِي الْبَيْعِ مُطْلَقًا يَنْصَرِفُ إلَى غَلَّةِ الْكُوفَةِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَبِيعُكَ بِرِبْحِ دِينَارٍ كَانَ الثَّمَنُ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِخِيَّةٍ وَدِينَارًا مِنْ نَقْدِ الْكُوفَةِ، وَلَوْ كَانَ بَاعَهُ بِوَضِيعَةٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ، أَوْ بِوَضِيعَةٍ عَشَرَةً أَحَدَ عَشَرَ كَانَتْ الْوَضِيعَةُ مِنْ الْبَخِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْوَضِيعَةَ لَا تَكُونُ أَبَدًا إلَّا مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ طَرَحَ بَعْضَ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ بِأَيِّ لَفْظٍ ذَكَرَهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَطْرُوحُ جُزْءًا مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَالرِّبْحُ لَيْسَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ؛ فَلِهَذَا افْتَرَقَا. وَإِذَا دَفَعَ مَالًا مُضَارَبَةً إلَى رَجُلٍ فَاشْتَرَى بِهِ جَارِيَةً وَقَبَضَهَا وَبَاعَهَا بِغُلَامٍ وَتَقَابَضَا فَزَادَتْ الْجَارِيَةُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، أَوْ وَلَدَتْ ثُمَّ بَاعَ الْمُضَارِبُ الْغُلَامَ مِنْ رَبّ الْجَارِيَةِ بِرِبْحِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْوِلَادَةِ فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْبَدَنِ أَخَذَ الْجَارِيَةَ وَمِائَةَ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُنْفَصِلَةَ لَا تُعْتَبَرُ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ بِالْجَارِيَةِ عَيْبًا رَدَّهَا مَعَ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ، فَكَانَ وُجُودُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ كَعَدَمِهَا. وَإِنْ كَانَتْ وَلَدَتْ فَإِنْ شَاءَ الْمُضَارِبُ أَخَذَ الْجَارِيَةَ وَمِائَةَ دِرْهَمٍ، وَإِنْ شَاءَ نَقَضَ الْبَيْعَ وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا بَاعَ الْغُلَامَ بِالْجَارِيَةِ، وَالْوَلَدُ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا عِنْدَ هَذَا الْعَقْدِ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ، وَلَكِنْ إنْ كَانَتْ الْوِلَادَةُ نَقَصَتْ الْجَارِيَةَ فَلَا إشْكَالَ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْمُضَارِبِ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَهَا مَعِيبَةً وَلَمْ يَكُنْ الْمَالُ بِعَيْبِهَا، وَإِنْ لَمْ يُلْفِ فِيهَا نُقْصَانَ الْوِلَادَةِ فَعَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْجَوَابُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْوِلَادَةَ فِي هَذِهِ الْجَارِيَةِ عَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ عَيْبٌ لَازِمٌ أَبَدًا بِخِلَافِ رِوَايَةِ كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ الرِّوَايَتَيْنِ ثَمَّةَ، وَالتَّوْلِيَةُ فِي هَذَا كَالْمُرَابَحَةِ، وَمَقْصُودُ بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ أَنَّهُ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ، فَلَوْ جَازَ بَقِيَ الْوَلَدُ رِبْحًا لِلْمُشْتَرِي بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَهُوَ الرِّبَا بِعَيْنِهِ فَأَمَّا التَّوْلِيَةُ، أَوْ الْمُرَابَحَةُ فَلَا تُوجِبُ فَسْخَ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، فَيُمْكِنُ تَصْحِيحُ ذَلِكَ فِي الْجَارِيَةِ مَعَ سَلَامَةِ الْوَلَدِ لِلْمُشْتَرِي. وَإِنْ كَانَتْ الْمُضَارَبَةُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَاشْتَرَى بِهَا جَارِيَةً وَبَاعَهَا بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِأَلْفٍ بَاعَهَا مُرَابَحَةً عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الْبُيُوعِ أَنَّ مِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ضَمَّ أَحَدِ الْعَقْدَيْنِ إلَى الْآخَرِ،

стр. 4483

وَاعْتِبَارَ الْحَاصِلِ مِمَّا بَقِيَ مِنْ ضَمَانِهِ فَإِنَّ مَا يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً عَلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةٍ هُنَا. وَلَوْ كَانَ بَاعَهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَكُرِّ حِنْطَةٍ وَسَطٍ، أَوْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَدِينَارٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِأَلْفٍ لَمْ يَبِعْهَا مُرَابَحَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَبِيعُهَا مُرَابَحَةً عَلَى حَاصِلِ مَا بَقِيَ فِي ضَمَانِهِ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلَّا بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ؛ لِأَنَّهُ غَرِمَ فِيهَا مَرَّتَيْنِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَرَجَعَ إلَيْهِ أَلْفٌ وَكُرُّ حِنْطَةٍ، أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ فَلَا بُدَّ مِنْ طَرْحِ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَيْنِ، وَطَرْحُ الْحِنْطَةِ وَالدِّينَارِ مِنْ الدَّرَاهِمِ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهَا الْحَزْرُ وَالظَّنُّ، وَلَوْ كَانَ بَاعَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَقِيمَتُهَا أَكْثَرُ مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَبِعْهَا مُرَابَحَةً فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ فِي الصُّورَةِ جِنْسَانِ وَفِي الْمَعْنَى كَجِنْسٍ وَاحِدٍ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي شِرَاءِ مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ جَعَلَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ كَجِنْسٍ وَاحِدٍ لِلِاحْتِيَاطِ وَفِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ كَذَلِكَ، وَإِذَا كَانَا كَجِنْسٍ وَاحِدٍ فَلَا بُدَّ مِنْ طَرْحِ مِائَةِ دِينَارٍ مِنْ الْأَلْفَيْنِ غَرِمَهَا فِي ثَمَنِهَا مَرَّتَيْنِ، وَلَا طَرِيقَ لِذَلِكَ إلَّا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فَلِهَذَا لَا يَبِيعُهَا مُرَابَحَةً عِنْدَهُ. وَلَوْ كَانَ الْمُضَارِبُ بَاعَ الْجَارِيَةَ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَكِيلِ، أَوْ الْمَوْزُونِ، أَوْ بِعَرَضٍ قِيمَتِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مُرَابَحَةً عَلَى الْأَلْفِ؛ لِأَنَّ مَا عَادَ إلَيْهِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا غَرِمَ فِيهَا حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَضُمَّ بَعْضُ الْعُقُودِ إلَى الْبَعْضِ، كَمَا لَا يَكُونُ عِنْدَ اخْتِلَافِ جِنْسِ النُّقُودِ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْعَقْدَيْنِ هِبَةً، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ فِيمَا غَرِمَ فِيهِ وَفِيمَا عَادَ إلَيْهِ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ شِرَاءِ مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ، فَإِنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ بِكُرِّ حِنْطَةٍ قِيمَتُهُ أَقَلُّ مِمَّا بَاعَهُ بِهِ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ كَانَ جَائِزًا بِخِلَافِ النُّقُودِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْمُضَارِبِ يَبِيعُ الْمَالَ ثُمَّ يَشْتَرِيهِ لِنَفْسِهِ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ] (قَالَ ﵁): قَدْ بَيَّنَّا فِي الْبُيُوعِ أَنَّ مَنْ بَاعَ أَوْ بِيعَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمَبِيعَ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ إذَا لَمْ يَتَعَيَّبْ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَعَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ بُنِيَ الْبَابُ. قَالَ: إذَا اشْتَرَى الْمُضَارِبُ بِأَلْفِ الْمُضَارَبَةِ جَارِيَةً وَقَبَضَهَا ثُمَّ بَاعَهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَمْ يَنْقُدْ ثَمَنَهَا حَتَّى اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ بِخَمْسِمِائَةٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْبَائِعُ لَهَا، وَالْبَائِعُ لِغَيْرِهِ كَالْبَائِعِ لِنَفْسِهِ فِي حَقِّ قَبْضِ الثَّمَنِ، فَكَذَلِكَ فِي الْمَنْعِ مِنْ الشِّرَاءِ بِأَقَلَّ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهَا رَبُّ الْمَالِ لِنَفْسِهِ بِخَمْسِمِائَةٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ بَاعَهَا لَهُ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ مِمَّا لَحِقَهُ مِنْ الْعُهْدَةِ فَكَأَنَّهُ

стр. 4484

بَاعَهَا بِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَلْفَيْ دِرْهَمٍ يَوْمَ اشْتَرَاهَا الْمُضَارِبُ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ فِي مِقْدَارِ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ يَبِيعُهَا لِنَفْسِهِ لَا لِرَبِّ الْمَالِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ شِرَاءُ رَبِّ الْمَالِ فِي ذَلِكَ الرِّبْحِ؛ لِأَنَّهُ مَا بَاعَهُ وَلَا بِيعَ لَهُ وَلَكِنَّهُ قَالَ: حَقُّ الْمُضَارِبِ تَبَعٌ لِحَقِّ رَبِّ الْمَالِ لَا يَظْهَرُ قَبْلَ وُصُولِ رَأْسِ الْمَالِ إلَى رَبِّ الْمَالِ، فَبَيْعُهُ فِي جَمِيعِهَا كَانَ لِرَبِّ الْمَالِ حُكْمًا. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ اسْتَوْفَى مِنْ الْمُشْتَرِي أَلْفًا مِنْ الثَّمَنِ وَتَوَى عَلَيْهِ أَلْفٌ كَانَ الْمَقْبُوضُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْمَالِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ فَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ بَيْعَهُ فِي جَمِيعِهَا وَقَعَ لِرَبِّ الْمَالِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُضَارِبُ بَاعَهَا بِأَلْفَيْنِ وَقَبَضَ الثَّمَنَ إلَّا دِرْهَمًا ثُمَّ اشْتَرَاهَا الْمُضَارِبُ لِنَفْسِهِ، أَوْ اشْتَرَاهَا رَبُّ الْمَالِ لِنَفْسِهِ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الشِّرَاءِ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ حُكْمٌ ثَبَتَ لِعَدَمِ قَبْضِ الثَّمَنِ فَيَبْقَى مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ غَيْرُ مَقْبُوضٍ كَحَقِّ الْحَبْسِ لِلْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهَا أَحَدُهُمَا بِدَنَانِيرَ، قِيمَتُهَا أَقَلُّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ فِي هَذَا الْحُكْمِ كَجِنْسٍ وَاحِدٍ اسْتِحْسَانًا، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْبُيُوعِ. وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهَا ابْنُ أَحَدِهِمَا، أَوْ أَبُوهُ، أَوْ عَبْدُهُ، أَوْ مُكَاتَبُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَفِي قَوْلِهِمَا شِرَاءُ هَؤُلَاءِ جَائِزٌ إلَّا الْمُكَاتَبَ وَالْعَبْدَ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الْبُيُوعِ. وَلَوْ وَكَّلَ الْمُضَارِبُ ابْنَهُ بِشِرَائِهَا أَوْ ابْنَ رَبِّ الْمَالِ لَمْ يَجُزْ الشِّرَاءُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِلْوَكِيلِ، وَلِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَكِيلَ لَا يَمْلِكُ شِرَاءَهَا لِنَفْسِهِ بِهَذَا الثَّمَنِ فَلَا يَمْلِكُ شِرَاءَهَا لِغَيْرِهِ أَيْضًا كَالْمُسْلِمِ فِي الْخَمْرِ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَكَّلَ أَجْنَبِيًّا، فَإِنَّ الْأَجْنَبِيَّ يَمْلِكُ شِرَاءَهَا لِنَفْسِهِ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَيَصِحُّ مِنْهُ شِرَاؤُهَا لِلْمُضَارِبِ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمُسْلِمِ يُوَكِّلُ ذِمِّيًّا بِشِرَاءِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْبُيُوعِ الْفَرْقَ بَيْنَ شِرَاءِ الْوَكِيلِ لِلْبَائِعِ، وَبَيْنَ شِرَاءِ ابْنِ الْآمِرِ لِنَفْسِهِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَلَوْ وَكَّلَ الْمُضَارِبُ رَبَّ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لَهُ، أَوْ وَكَّلَ رَبُّ الْمَالِ الْمُضَارِبَ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَمْلِكُ شِرَاءَهَا لِنَفْسِهِ. وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا مِنْ الْهَرَوِيِّ خَاصَّةً، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَمَا يَشْتَرِي بِهَا مِنْ النَّاشِئِ فَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَمَا يَشْتُ رِيّ بِهَا مِنْ الزُّطِّيِّ فَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْمُضَارِبِ فَهُوَ عَلَى مَا سَمَّى؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَى رَأْيِهِ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ مِنْ الْعَمَلِ إمَّا الْعَمَلُ عَلَى طَرِيقِ الْمُضَارَبَةِ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْبِضَاعَةِ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْقَرْضِ لِنَفْسِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَ مُبَاشَرَتِهِ الْعَمَلَ، وَالْجَهَالَةُ عِنْدَ الْعَقْدِ لَا تُفْضِي إلَى تَمَكُّنِ الْمُنَازَعَةِ بَيْنَهُمَا فَيَصِحُّ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَى الْهَرَوِيَّ فَهُوَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ كَمَا اشْتَرَطَا. وَإِنْ كَانَ اشْتَرَى بِهَا النَّسَائِيَّ فَهُوَ بِضَاعَةٌ فِي يَدِهِ وَالرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَى بِهَا الزُّطِّيَّةَ فَالْمَالُ

стр. 4485

قَرْضٌ عَلَيْهِ، وَالرِّبْحُ لَهُ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِ وَإِذَا اشْتَرَى الْمُضَارِبُ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ جَارِيَتَيْنِ تُسَاوِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ بَاعَ إحْدَاهُمَا بِأَلْفٍ وَالْأُخْرَى بِأَلْفَيْنِ وَقَبَضَهُمَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ لَقِيَهُ الْمُضَارِبُ وَقَالَ: زِدْنِي فِي ثَمَنِهَا فَزَادَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ، وَقَبَضَهَا الْمُضَارِبُ ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا رَدَّهَا بِثَمَنِهَا وَنِصْفِ الْمِائَةِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ أُضِيفَتْ إلَيْهِمَا، وَالْتَزَمَهَا الْمُشْتَرِي بِمُقَابِلِهَا فَيَتَوَزَّعُ عَلَى قِيمَتِهِمَا كَأَصْلِ الثَّمَنِ إذَا سُمِّيَ بِمُقَابِلِهِمَا جُمْلَةً وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ فَانْقَسَمَتْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ. وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي طَعَنَ فِيهِمَا بِعَيْبٍ فَصَالَحَهُ الْمُضَارِبُ عَلَى أَنْ حَطَّ مِنْ الثَّمَنِ مِائَةَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ ذَلِكَ بِاَلَّذِي اشْتَرَاهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَيْبًا رَدَّهَا بِأَلْفٍ غَيْرَ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ وَثُلُثٍ؛ لِأَنَّهُ حَطَّ الْمِائَةَ مِنْ الثَّمَنَيْنِ فَيُقْسَمُ عَلَى قَدْرِ الثَّمَنَيْنِ ثُلُثَاهُ مِنْ ثَمَنِ الَّتِي بَاعَهَا بِأَلْفَيْنِ، وَثُلُثُهُ مِنْ ثَمَنِ الَّتِي بَاعَهَا بِأَلْفٍ، وَثُلُثُ الْمِائَةِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ فَلِهَذَا يُنْتَقَصُ مِنْ ثَمَنِهَا وَهُوَ أَلْفٌ هَذَا الْمِقْدَارُ. وَهَذَا لِمَا قَدَّمْنَا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَطَّ مِنْ الثَّمَنِ، وَالزِّيَادَةُ لَيْسَتْ مِنْ الثَّمَنِ إنَّمَا هِيَ مَالٌ الْتَزَمَهُ الْمُشْتَرِي بِمُقَابَلَةِ الْجَارِيَتَيْنِ فَهُوَ كَالْمَالِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ الْجَارِيَتَيْنِ وَلَوْ كَانَ الْمُضَارِبُ اشْتَرَى الْجَارِيَتَيْنِ مِنْ الْمُشْتَرِي بِرِبْحِ مِائَةِ دِرْهَمٍ عَلَى مَا بَاعَهُمَا بِهِ، ثُمَّ وَجَدَ بِإِحْدَاهُمَا عَيْبًا رَدَّهَا بِثَمَنِهَا، وَحِصَّتُهَا مِنْ الرِّبْحِ إذَا قُسِمَتْ عَلَى الثَّمَنَيْنِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الثَّمَنَ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَصْلُهُ وَرِبْحُهُ. وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَى إحْدَى الْجَارِيَتَيْنِ بِأَلْفٍ وَالْأُخْرَى بِأَلْفَيْنِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهُمَا مُرَابَحَةً عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَاصِلَ مَا غَرِمَ فِي ثَمَنِهِمَا ثَلَاثَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَإِنْ بَاعَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ مُرَابَحَةً عَلَى ثَمَنِهَا جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الْبُيُوعِ. فَإِنْ زَادَ فِي ثَمَنِهِمَا مِائَةَ دِرْهَمٍ وَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَهُمَا مُرَابَحَةً بَاعَهُمَا جَمِيعًا عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَمِائَةِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ بِمِقْدَارِ مَا غَرِمَ فِي ثَمَنِهِمَا، فَيَبِيعُهُمَا عَلَى ذَلِكَ مُرَابَحَةً، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ إحْدَاهُمَا مُرَابَحَةً عَلَى حِدَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمِائَةَ الزَّائِدَةَ إنَّمَا تُقَسَّمُ عَلَى قِيمَتِهَا، وَطَرِيقَةُ مَعْرِفَةِ الْقِيمَةِ الْحَزْرُ وَالظَّنُّ وَذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنْ بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ، كَمَا لَوْ كَانَ اشْتَرَاهُمَا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ، لَهُ أَنْ يَبِيعَهُمَا جَمِيعًا مُرَابَحَةً عَلَى الثَّمَنِ وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُ إحْدَاهُمَا مُرَابَحَةً عَلَى حِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [بَابُ عَمَلِ رَبِّ الْمَالِ مَعَ الْمُضَارِبِ] (قَالَ ﵁): وَإِذَا وَقَعَتْ الْمُضَارَبَةُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ رَبُّ الْمَالِ مَعَ الْمُضَارِبِ فَالْمُضَارَبَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا التَّخْلِيَةَ بَيْنَ الْمُضَارِبِ وَبَيْنَ رَبِّ الْمَالِ، وَهَذَا الشَّرْطُ بِعَدَمِ التَّخْلِيَةِ
следующие страницы →