Полный текст (6 278 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.
стр. 4656
عَلَيْهِ الْعَمَلَ مَعَهُ كَانَ بَاطِلًا، وَالْمُزَارَعَةُ بَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْمُزَارِعِ صَحِيحَةٌ بِالثُّلُثِ، وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ مَا شَرَطَ لِعَبْدِ الْعَامِلِ، فَهُوَ لِلْعَامِلِ سَوَاءٌ شَرَطَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ، وَالْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ، وَمَا شَرَطَ لِمُكَاتَبِهِ أَوْ لِابْنِهِ أَوْ لِامْرَأَتِهِ فَهُوَ كَالْمَشْرُوطِ لِأَجْنَبِيٍّ آخَرَ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ فَهَذَا الشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَذَلِكَ الثُّلُثُ لِلْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ بَذْرِهِ، وَصَاحِبُ الْأَرْضِ يَسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ إلَّا مَا شُرِطَ لَهُ، وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ، وَعَمِلَ مَعَهُ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ عَلَى الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّ الْمُزَارِعَ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ بِثُلُثِ الْخَارِجِ ثُمَّ اسْتَأْجَرَ الْعَامِلَ بِثُلُثِ الْخَارِجِ؛ لِيَعْمَلَ مَعَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ يَفْسُدُ بَيْنَهُمَا؛ لِانْعِدَامِ التَّخْلِيَةِ حِينَ شَرَطَ عَمَلَ صَاحِبِ الْبَذْرِ الْمُسْتَأْجِرِ لِلْأَرْضِ مَعَ الْعَامِلِ الْآخَرِ، وَلَكِنَّهُمَا عَقْدَانِ مُخْتَلِفَانِ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَخْصَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ؛ فَبِفَسَادِ أَحَدِهِمَا لَا يَفْسُدُ الْآخَرُ، فَيَكُونُ لِلْعَامِلِ الْآخَرِ أَجْرُ مِثْلِهِ عَلَى الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى عَمَلَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ ثُلُثُ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ لَهُ ذَلِكَ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ، وَثُلُثَا الزَّرْعِ طَيِّبٌ لِلْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ خُبْثٌ مِنْ جَانِبِ الْأَرْضِ، حَيْثُ صَحَّ الْعَقْدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ فَيَطِيبُ لَهُ ثُلُثُ الرِّيعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ عَمَلَ رَبِّ الْأَرْضِ فَهُوَ كَاشْتِرَاطِ بَقَرِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَذَلِكَ يُفْسِدُ الْمُزَارَعَةَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَعَبْدُ رَبِّ الْأَرْضِ إذَا كَانَ مَدْيُونًا بِمَنْزِلَةِ مُكَاتَبِهِ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ حَقُّ غُرَمَائِهِ، وَالْمَشْرُوطُ لَهُ لَا يَكُونُ مَشْرُوطًا لِمَوْلَاهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ فَالْمَشْرُوطُ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ مَشْرُوطًا عَلَى مَوْلَاهُ، فَيَكُونُ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ بَيْنَ الْعَامِلِ الَّذِي مِنْ قِبَلِهِ الْبَذْرُ وَبَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ بِثُلُثِ الْخَارِجِ كَمَا شُرِطَ لِرَبِّ الْأَرْضِ
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الْأَرْضَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِ وَعَمَلِهِ عَلَى أَنَّ لَهُ ثُلُثَ الْخَارِجِ، وَلِرَبِّ الْأَرْضِ ثُلُثُهُ، وَعَلَى أَنْ يَكْرُبَهَا، وَيُعَالِجَهَا بِبَقَرِ فُلَانٍ عَلَى أَنَّ لِفُلَانٍ ثُلُثَ الْخَارِجِ، فَرَضِيَ فُلَانٌ بِذَلِكَ، فَعَلَى الْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِ الْبَقَرِ بِثُلُثِ الْخَارِجِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْبَقَرَ لَا يَكُونُ مَقْصُودًا فِي الْمُزَارَعَةِ، فَكَانَ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا فَاسِدًا، وَقَدْ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ بَقَرِهِ، فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ عَلَيْهِ، وَثُلُثُ الْخَارِجِ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَثُلُثَاهُ لِلْعَامِلِ طَيِّبٌ؛ لِأَنَّهُ لَا فَسَادَ فِي الْعَقْدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ، وَإِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ كَانَ الثُّلُثَانِ لَهُ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ الْبَقَرِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَ الْعَامِلَ بِثُلُثِ الْخَارِجِ، وَهُوَ جَائِزٌ، وَاسْتِئْجَارُ الْبَقَرِ مَقْصُودٌ بِثُلُثِ الْخَارِجِ، وَهُوَ فَاسِدٌ، وَلَوْ كَانَا اشْتَرَطَا عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِنَفْسِهِ مَعَ بَقَرِهِ بِالثُّلُثِ حَتَّى اُسْتُحْصِدَ الزَّرْعُ جَازَ، وَهُمَا مُزَارِعَانِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْبَقَرِ هُنَا تَبَعٌ لِعَمَلِ صَاحِبِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا جَوَازَ اشْتِرَاطِ الْبَقَرِ عَلَى الْعَامِلِ فِي عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلَيْنِ
стр. 4657
أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا كَسَائِرِ الْآلَاتِ إذَا شَرَطَ عَلَى أَحَدِ الْعَامِلَيْنِ فِي الْإِجَارَةِ، وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ وَالْبَقَرُ مِنْ وَاحِدٍ، وَالْأَرْضُ مِنْ آخَرَ، وَالْعَمَلُ مِنْ ثَالِثٍ كَانَ فَاسِدًا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ الْبَذْرِ وَالْبَقَرِ مُزَارَعَةً، وَدَفْعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ مَقْصُودًا يُفْسِدُ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ، فَدَفْعُهُمَا أَوْلَى ثُمَّ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ، وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ أَرْضِهِ يَتَصَدَّقُ صَاحِبُ الْبَذْرِ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّهُ رَبَّى زَرْعَهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِسَبَبٍ فَاسِدٍ، وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ أَحَدِهِمْ، وَالْبَقَرُ مِنْ الْآخَرِ، وَالْأَرْضُ وَالْعَمَلُ مِنْ الْآخَرِ كَانَ فَاسِدًا أَيْضًا، وَفِيهِ حَدِيثُ مُجَاهِدٍ ﵀ كَمَا بَيَّنَّا
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا يَزْرَعُهَا سَنَتَهُ هَذِهِ بِبَذْرِهِ وَبَقَرِهِ وَعَمَلِهِ عَلَى أَنْ يَسْتَأْجِرَ فِيهَا أُجَرَاءَ مِنْ مَالِ الزَّارِعِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ يَقْتَضِيه الْعَقْدُ، فَإِنَّ الْعَمَلَ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ كُلِّهِ يَصِيرُ مُسْتَحَقًّا عَلَى الزَّارِعِ، وَلَهُ أَنْ يُقَيِّمَهَا بِنَفْسِهِ وَأَعْوَانِهِ وَأُجَرَائِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَأْجِرُهُمْ؛ لِذَلِكَ فَيَكُونُ الْأَجْرُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فَالشَّرْطُ لَا يَزِيدُهُ إلَّا وِكَادَةً، وَلَوْ اشْتَرَطَا أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأُجَرَاءَ مِنْ مَالِ رَبِّ الْأَرْضِ، فَهَذِهِ مُزَارَعَةٌ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَجِيرَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ مِنْ مَالِ رَبِّ الْأَرْضِ يَكُونُ أَجِيرًا لَهُ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ عَامِلًا لَهُ، وَاشْتِرَاطُ عَمَلِ أَجِيرِ رَبِّ الْأَرْضِ، كَاشْتِرَاطِ عَمَلِ رَبِّ الْأَرْضِ مَعَ الْمُزَارِعِ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْمُزَارَعَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَا أَنْ يَسْتَأْجِرَا الْأُجَرَاءَ مِنْ مَالِ الْمُزَارِعِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ بِهِ فِيمَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ نِصْفَيْنِ فَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي شَرَطَا فِيهِ رُجُوعَ الْمُزَارِعِ مِنْ الرِّيعِ بِمَنْزِلَةِ الْمَشْرُوطِ لِلْمُزَارِعِ، فَكَأَنَّهُ شَرَطَ لَهُ أَقْفِزَةً مَعْلُومَةً مِنْ الْخَارِجِ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ مَعَ حُصُولِهِ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلَ رَبِّ الْأَرْضِ فَاشْتَرَطَ عَلَى الزَّارِعِ أَجْرَ الْأُجَرَاءِ مِنْ مَالِهِ جَازَ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْعَمَلَ كُلَّهُ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إقَامَتِهَا بِنَفْسِهِ وَأُجَرَائِهِ، وَلَوْ شَرَطَ أَجْرَ الْأُجَرَاءِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ مِنْ مَالِهِ لَمْ يَجُزْ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ عَمَلِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ مَعَ الْمُزَارِعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَاهُ عَلَى الزَّارِعِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ بِهِ فِي الْخَارِجِ فَهُوَ فَاسِدٌ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَرَطَا لَهُ ذَلِكَ الْعَقْدَ مِنْ الْخَارِجِ فَيَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ، وَيَكُونُ الرِّيعُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ، وَأَجْرُ مِثْلِ أُجَرَائِهِ فِيمَا عَمِلُوا، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْمُضَارَبَةَ فَإِنَّهُ لَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ عَلَى أَنَّ أَجْرَ الْأُجَرَاءِ مِنْ الْمَالِ كَانَ جَائِزًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ يَقْتَضِيه الْعَقْدُ، فَإِنَّ أَجْرَ الْأُجَرَاءِ بِمَنْزِلَةِ نَفَقَةِ الْمُضَارِبِ إذَا خَرَجَ لِلْعَمَلِ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَذَلِكَ يَكُونُ فِي الْمَالِ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَأُجَرَاءُ الْعَمَلِ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ كَذَلِكَ
стр. 4658
فَالشَّرْطُ لَا يَزِيدُهُ إلَّا وِكَادَةً، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْمُضَارَبَةِ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا فِي الرِّبْحِ خَاصَّةً، وَالرِّبْحُ لَا يَظْهَرُ إلَّا بَعْدَ أَجْرِ الْأُجَرَاءِ، كَمَا لَا يَظْهَرُ إلَّا بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِ الْمَالِ، فَهَذَا الشَّرْطُ لَا يُغَيِّرُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَأَمَّا عَقْدُ الْمُضَارَبَةِ فَمُقْتَضَاهُ الشَّرِكَةُ فِي جَمِيعِ الرِّيعِ، فَاشْتِرَاطُ أَجْرِ الْأُجَرَاءِ مِنْ الرِّيعِ أَوْ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ الْعَامِلُ فِي الرِّيعِ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ رَفْعِ صَاحِبِ الْبَذْرِ بَذْرَهُ مِنْ الرِّيعِ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ، وَلَوْ كَانَا اشْتَرَطَا أَنَّ أَجْرَ الْأُجَرَاءِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ فِي مَالِهِ، وَعَلَى رَبِّ الْمَالِ فِي مَالِهِ كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا، وَتَفْسُدُ الْمُضَارَبَةُ؛ لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَإِنَّ أَجْرَ الْأُجَرَاءِ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَإِذَا شَرَطَ عَلَى أَحَدِهِمَا خَاصَّةً كَانَ هَذَا شَرْطًا مُخَالِفًا لِمُوجَبِ الْعَقْدِ، فَيَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ التَّوْلِيَةِ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالشَّرِكَةِ]
(قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) -: رَجُلٌ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا وَبَذْرًا يَزْرَعُهَا سَنَتَهُ هَذِهِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ فَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ فِيهِ الْأُجَرَاءَ بِمَالِهِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ عَمَلَ الزِّرَاعَةِ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ شَاءَ أَقَامَهُ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ بِأَعْوَانِهِ وَأُجَرَائِهِ، وَلَمَّا اسْتَأْجَرَهُ رَبُّ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ مُطْلَقًا لِعَمَلِ الزِّرَاعَةِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ قَدْ يَعْجِزُ عَلَى إقَامَةِ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ يُبْتَلَى بِسُوءٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُمْكِنُهُ إقَامَةُ الْعَمَلِ مَعَهُ، فَقَدْ صَارَ رَاضِيًا بِإِقَامَتِهِ الْعَمَلَ بِأَعْوَانِهِ وَأُجَرَائِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَهَا أَحَدًا، فَيَدْفَعَهَا إلَيْهِ مَعَ الْبَذْرِ يَعْمَلُهَا عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ لِلْغَيْرِ شَرِكَةً فِي الْخَارِجِ مِنْ يَدِ رَبِّ الْأَرْضِ، فَإِنَّمَا رَضِيَ رَبُّ الْأَرْضِ بِشَرِكَتِهِ لَا بِشَرِكَةِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ نَصِيبَهُ قَبْلَ إقَامَةِ الْعَمَلِ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إيجَابِهِ لِغَيْرِهِ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إيجَابِ نَصِيبِ رَبِّ الْأَرْضِ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ لَمْ يَرْضَ بِهِ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَمِلَهَا الرَّجُلُ فَالزَّرْعُ بَيْنَ الْآخَرِ وَالْأَوْسَطِ نِصْفَانِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ صَارَ غَاصِبًا لِلْأَرْضِ وَالْبَذْرِ بِتَوَلِّيهِ الْعَقْدَ فِيهِ إلَى الثَّانِي، وَإِيجَابِ الشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ، وَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا وَبَذْرًا وَدَفَعَهُمَا مُزَارَعَةً كَانَ الْخَارِجُ بَيْنَ الْغَاصِبِ وَالْمُزَارِعِ عَلَى شَرْطِهِمَا لَا شَيْءَ مِنْهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُضَمِّنَ بَذْرَهُ أَيَّهمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَاصِبٌ فَتَعَدَّى فِي حَقِّهِ الثَّانِيَ بِالْإِلْقَاءِ فِي الْأَرْضِ لَا عَلَى وَجْهٍ رَضِيَ بِهِ رَبُّ الْأَرْضِ وَالْأَوَّلُ بِالدَّفْعِ إلَى الثَّانِي مَعَ إيجَابِ الشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ نُقْصَانُ الْأَرْضِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ: يُضَمِّنُ أَيَّهمَا شَاءَ، فَأَمَّا فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ: فَإِنَّمَا يُضَمِّنُ نُقْصَانَ الْأَرْضِ الثَّانِيَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتْلِفُ بِعَمَلِهِ وَالْعَقَارُ
стр. 4659
يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ دُونَ الْغَصْبِ عِنْدَهُمَا، فَإِنْ ضَمِنَ الثَّانِي فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَتِهِ، وَإِنْ ضَمِنَ الْأَوَّلُ لَمْ يَرْجِعْ الثَّانِي بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْبَذْرَ بِالضَّمَانِ، فَإِنَّمَا دَفَعَ بَذْرَهُ مُزَارَعَةً، وَكَذَلِكَ نُقْصَانُ الْأَرْضِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ إذَا ضَمِنَ الْأَوَّلُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَإِنَّ الثَّانِيَ يَرْجِعُ عَلَى الْأَوَّلِ بِمَا يَضْمَنُهُ لِأَجْلِ الْغُرُورِ، وَلَوْ قَالَ لَهُ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَالتَّوْلِيَةُ جَائِزَةٌ، وَنِصْفُ الْخَارِجِ لِلْمُزَارِعِ الْآخَرِ، وَنِصْفُهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُزَارِعِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى رَأْيِهِ عَلَى الْعُمُومِ، وَالدَّفْعِ إلَى الْغَيْرِ مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ مِنْ رَأْيِهِ، فَيَقُومُ هُوَ مَقَامَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ ثُمَّ هُوَ يُقِيمُ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي ثُبُوتِ حَقِّ الشَّرِكَةِ لَهُ فِي الْخَارِجِ بِمُقَابَلَةِ عَمَلِهِ عِنْدَ حُصُولِهِ، وَقَدْ رَضِيَ بِهِ صَاحِبُ الْأَرْضِ حِينَ أَجَازَ صُنْعَهُ عَلَى الْعُمُومِ، فَهُوَ كَالْوَكِيلِ يُوَكِّلُ غَيْرَهُ فِيمَا وُكِّلَ بِهِ فَيَصِحُّ مِنْهُ إذَا قِيلَ لَهُ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ الثَّانِيَ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَوَّلِ، فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ الَّذِي كَانَ يَسْتَحِقُّهُ الْأَوَّلُ، وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ نَصِيبِ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ؛ فَلِهَذَا كَانَ الْخَارِجُ بَيْنَ الْمُزَارِعِ الْآخَرِ، وَبَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ نِصْفَيْنِ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ لَهُ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ فَأَشْرَكَ فِيهِ رَجُلًا بِبَذْرٍ مِنْ قِبَلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَاشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَا بِالْبَذْرَيْنِ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، فَعَمِلَا عَلَى هَذَا، فَجَمِيعُ الْخَارِجِ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَالْمُزَارِعُ الْأَوَّلُ ضَامِنٌ لِبَذْرِ صَاحِبِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لَهُ بِإِلْقَائِهِ فِي الْأَرْضِ عَلَى وَجْهٍ يُثْبِتُ لِلْغَيْرِ شَرِكَةً فِي الْخَارِجِ مِنْهُ، وَإِنْ خَلَطَهُ بِبَذْرِ الْآخَرِ، فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ بِالْخَلْطِ؛ لِأَنَّهُ اشْتِرَاكٌ لَمْ يَرْضَ بِهِ صَاحِبُ الْأَرْضِ، وَالْبَذْرِ ثُمَّ هُوَ بِالضَّمَانِ يَمْلِكُ بَذْرَ صَاحِبِ الْأَرْضِ، فَظَهَرَ أَنَّهُمَا زَرَعَا بِبَذْرٍ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَيَكُونُ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ عَلَى قَدْرِ الْبَذْرِ، وَهُمَا ضَامِنَانِ نُقْصَانَ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُمَا بَاشَرَا عَمَلَ الزِّرَاعَةِ، فَكَانَا مُبَاشِرَيْنِ إتْلَافَ الْجُزْءِ الَّذِي تَمَكَّنَ النُّقْصَانُ فِي الْأَرْضِ بِذَهَابِ قُوَّتِهَا فَعَلَيْهِمَا ضَمَانُ ذَلِكَ، وَلَا يَرْجِعُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِشَيْءٍ مِنْ النُّقْصَانِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ، وَالْأَوَّلَ كَالْمُعِيرِ مِنْهُ لِنِصْفِ الْأَرْضِ، وَالْمُسْتَعِيرُ لَا يَرْجِعُ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الضَّمَانِ عَلَى الْمُعِيرِ، ثُمَّ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ نَصِيبِهِ مَا غَرِمَ، وَمَا أَنْفَقَ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّهُ رَبَّى زَرْعَهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَلَوْ كَانَ أَمَرَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا بِرَأْيِهِ، وَيُشَارِكَ فِيهَا مَنْ أَحَبَّ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا جَازَ، وَنِصْفُ الْخَارِجِ لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ بَذْرِهِ، وَنِصْفُهُ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَرَبِّ الْأَرْضِ نِصْفَانِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ بَذْرِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَالْمُزَارِعُ مُوَافِقٌ لَهُ فِي عَمَلِ الزِّرَاعَةِ فِيهِ، فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ، وَلَا شَيْءَ لِرَبِّ الْأَرْضِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا
стр. 4660
لِأَنَّ نِصْفَ الْأَرْضِ زَرَعَهُ الْأَوَّلُ، وَنِصْفَهُ زَرَعَهُ الثَّانِي، وَالْأَوَّلُ كَالْمُعِيرِ مِنْهُ لِذَلِكَ النِّصْفِ، وَقَدْ رَضِيَ بِهِ رَبُّ الْأَرْضِ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِهِ، وَأَنْ يُشَارِكَ مَنْ أَحَبَّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَارَكَهُ، وَلَكِنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ الْبَذْرَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ، وَيَبْذُرَ مِثْلَهُ مِنْ عِنْدِهِ فِي الْأَرْضِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، فَهَذِهِ مُزَارَعَةٌ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُزَارِعَ الْأَوَّلَ قَائِمٌ فِي الدَّفْعِ مَقَامَ الْمَالِكِ حِينَ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى رَأْيِهِ عَلَى الْعُمُومِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَالِكَ إذَا دَفَعَ الْبَذْرَ وَالْأَرْضَ إلَى رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا مَعَ مِثْلِ ذَلِكَ الْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَنْفَعَةَ نِصْفِ الْأَرْضِ لَهُ بِإِزَاءِ عَمَلِهِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ، فَهَذَا مِثْلُهُ ثُمَّ الْمُزَارِعُ الْآخَرُ لَهُ نِصْفُ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ بَذْرِهِ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ نِصْفِ مِثْلِ نِصْفِ الْأَرْضِ لِرَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ نِصْفِ الْأَرْضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَاَلَّذِي يَلِي قَبْضَهُ مِنْ الْمُزَارِعِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِعَقْدِهِ، وَيَكُونُ نِصْفُ الزَّرْعِ بَيْنَ الْمُزَارِعِ الْأَوَّلِ وَرَبِّ الْأَرْضِ عَلَى الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ بَذْرِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَالْمَزَارِعُ الْأَوَّلُ لَمْ يَصِرْ مُخَالِفًا لَهُ بِالدَّفْعِ إلَى الثَّانِي بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِهِ، فَإِنَّمَا يَضْمَنُ بِالْخِلَافِ لَا بِالْفَسَادِ، وَيَطِيبُ لَهُمَا هَذَا النِّصْفُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَسَادَ فِي الْعَقْدِ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمَا، وَقَدْ صَارَ هَذَا النِّصْفُ مِنْ الزَّرْعِ مُرَبًّى فِي أَرْضِ رَبِّ الْأَرْضِ، فَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ الْخُبْثُ، وَأَمَّا الْمُزَارِعُ الْآخَرُ، فَيَأْخُذُ مِمَّا أَخْرَجَ بَذْرَهُ وَنَفَقَتَهُ، وَمَا غَرِمَ مِنْ الْأَجْرِ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّهُ رَبَّاهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَلَمْ يَكُنْ رَبُّ الْأَرْضِ أَمَرَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ بِرَأْيِهِ، أَوْ يُشَارِكَ فِي الْمُزَارَعَةِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا كَانَ الْخَارِجُ بَيْنَ الْمُزَارِعِ الْأَوَّلِ وَالْآخَرِ نِصْفَيْنِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ صَارَ ضَامِنًا بَذْرَ رَبِّ الْأَرْضِ بِالْخِلَافِ، فَالْخَارِجُ نَمَاءُ بَذْرِهِمَا بِسَبَبِ عَقْدٍ فَاسِدٍ جَرَى بَيْنَهُمَا فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ عَلَى قَدْرِ الْبَذْرِ، وَلِلْمُزَارِعِ الْأَوَّلِ عَلَى الْآخَرِ أَجْرُ مِثْلِ نِصْفِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ نِصْفِ الْأَرْضِ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ جَرَى بَيْنَهُمَا، وَالْأَوَّلُ، وَإِنْ صَارَ غَاصِبًا لِلْأَرْضِ، وَلَكِنَّ وُجُوبَ أَجْرِ الْمِثْلِ بِاعْتِبَارِ الْعَقْدِ، وَهُوَ الْعَاقِدُ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ غَصَبَ أَرْضًا، وَأَجَّرَهَا، وَيَضْمَنُهَا رَبُّ الْأَرْضِ نُقْصَانَ الْأَرْضِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ غَاصِبٌ لِلْأَرْضِ، وَالثَّانِي مُتْلِفٌ فِي مِقْدَارِ النُّقْصَانِ فَيُضَمِّنُ أَيَّهمَا شَاءَ، وَيَرْجِعُ بِهِ الْآخَرُ عَلَى الْأَوَّلِ، إذَا ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَتِهِ، وَالْغُرُورُ يَتَمَكَّنُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ، كَمَا يَتَمَكَّنُ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ، وَظَاهِرُ مَا نُقِلَ فِي الْكِتَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُضَمِّنُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ النُّقْصَانِ أَيَّهمَا شَاءَ، فَأَمَّا فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - فَإِنَّ رَبَّ الْأَرْضِ
стр. 4661
يُضَمِّنُ جَمِيعَ النُّقْصَانِ الْمُزَارِعَ الْآخَرَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتْلِفُ وَضَمَانُ النُّقْصَانِ فِي الْعَقَارِ يَجِبُ عَلَى الْمُتْلِفِ دُونَ الْغَاصِبِ عِنْدَهُ ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ الْمُزَارِعُ الْآخَرُ عَلَى الْأَوَّلِ بِحُكْمِ الْغُرُورِ
وَلَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا وَبَذْرًا يَزْرَعُهَا سَنَتَهُ هَذِهِ بِالنِّصْفِ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ فَدَفَعَهَا الْمُزَارِعُ إلَى رَجُلٍ آخَرَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا سَنَتَهُ هَذِهِ بِذَلِكَ الْبَذْرِ عَلَى أَنَّ لِلْآخَرِ ثُلُثَ الْخَارِجِ، وَلِلْأَوَّلِ ثُلُثَاهُ، فَعَمِلَهُمَا الثَّانِي عَلَى هَذَا فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثٌ، كَمَا شَرَطَاهُ فِي الْعَقْدِ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمَا، وَالْمُزَارِعُ الْأَوَّلُ صَارَ مُخَالِفًا بِإِشْرَاكِ الْغَيْرِ فِي الْخَارِجِ بِغَيْرِ رِضَا رَبِّ الْمَالِ، فَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُضَمِّنَ بَذْرَهُ أَيَّهمَا شَاءَ، وَكَذَلِكَ نُقْصَانُ الْأَرْضِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ، فَإِنْ ضَمَّنَهَا الْآخَرَ رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَإِنْ ضَمَّنَهَا الْأَوَّلَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْآخَرِ، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - إنَّمَا يَضْمَنُ نُقْصَانَ الْأَرْضِ لِلْأَجْرِ، وَيَرْجِعُ هُوَ عَلَى الْأَوَّلِ ثُمَّ يَأْخُذُ الْأَوَّلُ مِنْ نَصِيبِهِ بَذْرَهُ الَّذِي ضَمِنَ وَمَا غَرِمَ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ لِتَمَكُّنِ الْخُبْثِ فِي تَصَرُّفِهِ بِخِلَافِهِ، وَلَا يَتَصَدَّقُ الْآخَرُ بِشَيْءٍ قَالَ: لِأَنَّهُ كَانَ أَجِيرًا بِنِصْفِ الْخَارِجِ، وَهُوَ سَهْوٌ، وَالصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّهُ كَانَ أَجِيرًا بِثُلُثِ الْخَارِجِ، وَمَعْنَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ الْعَقْدَ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ غَاصِبًا مُخَالِفًا فَالثَّانِي إنَّمَا اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ عَلَى عَمَلِهِ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَهُنَاكَ الثَّانِي إنَّمَا اسْتَحَقَّ الْخَارِجَ بِكَوْنِهِ نَمَاءَ بَذْرِهِ، وَقَدْ رَبَّاهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِ الْأَرْضِ، وَلَوْ كَانَ رَبُّ الْأَرْضِ قَالَ لَهُ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا كَانَ ثُلُثُ الْخَارِجِ لِلْآخَرِ، وَنِصْفُهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَسُدُسُهُ لِلْمُزَارِعِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَصِرْ مُخَالِفًا بِالدَّفْعِ إلَى الثَّانِي، وَلَكِنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ ثُلُثَ الْخَارِجِ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ فَيَنْصَرِفُ ذَلِكَ إلَى نَصِيبِهِ خَاصَّةً، وَذَلِكَ ثُلُثَا نَصِيبِهِ، وَرَبُّ الْأَرْضِ مُسْتَحِقٌّ لِنِصْفِ الْخَارِجِ، كَمَا شَرَطَ لِنَفْسِهِ، وَيَبْقَى ثُلُثُ نَصِيبِ الْمُزَارِعِ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ سُدُسُ جَمِيعِ الْخَارِجِ لَهُ بِضَمَانِ الْعَمَلِ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ الْبَذْرَ وَالْأَرْضَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا سَنَتَهُ هَذِهِ فَمَا رَزَقَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَقَالَ لَهُ: اعْمَلْ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِكَ فَدَفَعَهَا الْمُزَارِعُ إلَى رَجُلٍ بِالنِّصْفِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَلِلْآخَرِ نِصْفُ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُزَارِعِ الْأَوَّلِ مَعَهُ بَعْدَ تَفْوِيضِ الْأَمْرِ إلَى رَأْيِ الْأَوَّلِ عَلَى الْعُمُومِ، كَعَقْدِ رَبِّ الْأَرْضِ، فَيَسْتَحِقُّ هُوَ نِصْفَ الْخَارِجِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ بَيْنَ الْأَوَّلِ، وَبَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ مَا شَرَطَ لِنَفْسِهِ هُنَا نِصْفَ جَمِيعِ الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا شَرَطَ لِنَفْسِهِ نِصْفَ مَا رَزَقَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - لِلْأَوَّلِ، وَذَلِكَ مَا وَرَاءَ نَصِيبِ الْآخَرِ، فَكَانَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَفِيمَا تَقَدَّمَ
стр. 4662
إنَّمَا شَرَطَ رَبُّ الْأَرْضِ لِنَفْسِهِ نِصْفَ جَمِيعِ الْخَارِجِ، فَلَا يَنْتَقِضُ حَقُّهُ بِعَقْدِ الْأَوَّلِ مَعَ الثَّانِي، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ عَلَى مَا أَخْرَجَ اللَّهُ لَكَ مِنْهَا مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَنَا نِصْفَانِ أَوْ قَالَ: مَا أَصَبْتُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَنَا نِصْفَانِ، فَهَذَا، وَقَوْلُهُ وَمَا رَزَقَكَ اللَّهُ سَوَاءٌ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ لَهُ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا كَانَ الْأَوَّلُ مُخَالِفًا ضَامِنًا حِينَ زَرَعَهَا الْآخَرُ لِمَا قُلْنَا، وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَلَا شَيْءَ مِنْهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَيُضَمِّنُ رَبَّ الْأَرْضِ بَذْرَهُ أَيَّهمَا شَاءَ، وَفِي نُقْصَانِ الْأَرْضِ خِلَافٌ كَمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ لَمْ يَزْرَعْ الْآخَرُ حَتَّى ضَاعَ الْبَذْرُ مِنْ يَدِهِ أَوْ غَرِقَتْ الْأَرْضُ فَفَسَدَتْ، وَدَخَلَهَا عَيْبٌ يُنْقِصُهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ بِمُجَرَّدِ الدَّفْعِ إلَى الثَّانِي لَا يَصِيرُ مُخَالِفًا.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الْبَذْرَ وَالْأَرْضَ، وَاسْتَعَانَ بِهِ فِي عَمَلِ الزِّرَاعَةِ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى ذَلِكَ بِدَرَاهِمَ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُخَالِفًا بِإِيجَابِ الشَّرِكَةِ لِلْغَيْرِ فِي الْخَارِجِ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَلَا بِدَفْعِ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ حَقِيقَةُ الشَّرِكَةِ عِنْدَ حُصُولِ الْخَارِجِ، وَسَبَبُهُ إلْقَاءُ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ عَلَى طَرِيقِ الْمُزَارَعَةِ، فَمَا لَمْ يُوجَدْ هَذَا السَّبَبُ لَا يَصِيرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مُخَالِفًا، فَلِهَذَا لَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّرِكَةَ بِعَقْدِ الْمُزَارَعَةِ لَا تَكُونُ فِي الْبَذْرِ بَلْ تَكُونُ فِي النَّمَاءِ الْحَاصِلِ مِنْ الْبَذْرِ وَسَبَبُهُ لَيْسَ هُوَ قَبْضُ الْمُزَارِعِ الْبَذْرَ، وَإِنَّمَا سَبَبُهُ إلْقَاءُ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا وَبَذْرًا يَزْرَعُهَا سَنَتَهُ هَذِهِ بِالنِّصْفِ، وَقَالَ لَهُ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ، فَدَفَعَهَا الْمُزَارِعُ إلَى آخَرَ مُزَارَعَةً عَلَى أَنَّ لِلْمُزَارِعِ الْآخَرِ الثُّلُثَيْنِ مِمَّا تُخْرِجُ الْأَرْضُ، وَلِلْأَوَّلِ الثُّلُثُ، فَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْأَوَّلِ لِلثَّانِي إنَّمَا يَصِحُّ فِي مِقْدَارِ نَصِيبِهِ مِنْ الْخَارِجِ، وَقَدْ أَوْجَبَ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ، فَالزِّيَادَةُ عَلَى مِقْدَارِ نَصِيبِهِ إنَّمَا يُوجِبُهَا لَهُ فِي نَصِيبِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ، وَهُوَ غَيْرُ رَاضٍ بِذَلِكَ، أَوْ قَالَ لَهُ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى رَأْيِهِ عَلَى الْعُمُومِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ نِصْفُ الْخَارِجِ؛ فَلِهَذَا فَسَدَ الْعَقْدُ، وَإِذَا حَصَلَ الْخَارِجُ كَانَ لِلْآخَرِ أَجْرُ مِثْلِهِ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى عَمَلَهُ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ جَرَى بَيْنَهُمَا، وَالزَّرْعُ بَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْمُزَارِعِ الْأَوَّلِ نِصْفَانِ؛ لِأَنَّ عَمَلَ أَجِيرِهِ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ بِمَنْزِلَةِ عَمَلِ أَجِيرِهِ أَنْ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ بِالدَّرَاهِمِ إجَارَةً صَحِيحَةً، وَذَلِكَ كَعَمَلِهِ بِنَفْسِهِ، فَيَكُونُ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ، وَيَطِيبُ لَهُمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا فَسَادَ فِي الْعَقْدِ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا الْفَسَادُ فِي الْعَقْدِ الْمَعْقُودِ عَلَى عَمَلِ الْمُزَارِعِ الْآخَرِ، وَلِسَبَبِهِ لَا يَتَمَكَّنُ الْخُبْثُ فِي الْخَارِجِ. قَالَ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْمُضَارَبَةَ يُرِيدُ بِهِ مَا بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْمُضَارَبَةِ: فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِعَيْنِهَا؛ لِأَنَّ لِلْمُضَارِبِ الْآخَرِ نِصْفَ الرِّبْحِ نَصِيبَ الْمُضَارِبِ الْأَوَّلِ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْأَوَّلِ
стр. 4663
بِسُدُسِ الرِّبْحِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ، فَاسْتِحْقَاقُ رَبِّ الْمَالِ بَعْضَ مَا شَرَطَهُ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي لَا يُبْطِلُ الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا، وَلَكِنْ يُثْبِتُ لِلْآخَرِ حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَى الْأَوَّلِ بِمِثْلِهِ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ بِأَعْيَانِهَا، فَاسْتُحِقَّتْ، وَفِي الْمُزَارَعَةِ الَّذِي أَوْجَبَهُ الْأَوَّلُ لِلْآخَرِ طَعَامٌ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ الْأَرْضِ، وَاسْتِحْقَاقُ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ بَعْضَ مَا أَوْجَبَهُ لَهُ يُبْطِلُ الْعَقْدَ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمَا يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّهُ لَا مُجَانَسَةَ بَيْنَ الْآخَرِ، وَبَيْنَ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ، فَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِلْمُزَارِعِ الْآخَرِ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ، وَفِي الْمُضَارَبَةِ الْأَجْرُ مِنْ جِنْسِ الرِّبْحِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا لِلْمُضَارِبِ الْآخَرِ عَلَى أَنَّ مَا يَأْخُذُ مِمَّا شُرِطَ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ مِقْدَارُ مَا تَمَكَّنَ الْأَوَّلُ مِنْ تَسْلِيمِهِ إلَيْهِ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إلَى تَمَامِ حَقِّهِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَالَ لَهُ اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا كَانَ الْمُزَارِعُ الْأَوَّلُ مُخَالِفًا، وَالْخَارِجُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ أَثْلَاثًا عَلَى شَرْطِهِمَا، وَيُضَمِّنُ رَبُّ الْأَرْضِ بَذْرَهُ أَيَّهمَا شَاءَ وَفِي نُقْصَانِ الْأَرْضِ اخْتِلَافٌ، كَمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ كَانَ رَبُّ الْأَرْضِ قَالَ لِلْأَوَّلِ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِك عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَنَا نِصْفَانِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا كَانَ ثُلُثَا الزَّرْعِ لِلْآخَرِ، وَالثُّلُثُ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَرَبِّ الْأَرْضِ نِصْفَانِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ مَا شَرَطَ هُنَا لِنَفْسِهِ نِصْفَ الْخَارِجِ، بَلْ نِصْفَ مَا يَرْزُقُهُ اللَّهُ - تَعَالَى - الْمُزَارِعَ الْأَوَّلَ، وَذَلِكَ مَا وَرَاءَ نَصِيبِ الْمُزَارِعِ الْآخَرِ، فَكَانَ لِلْمُزَارِعِ الْآخَرِ جَمِيعُ مَا شُرِطَ لَهُ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْأَوَّلِ وَرَبِّ الْأَرْضِ نِصْفَانِ عَلَى شَرْطِهِمَا
[بَابُ تَوْلِيَةِ الْمُزَارِعِ وَمُشَارَكَتِهِ وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ]
قَالَ ﵀: وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ أَرْضًا يَزْرَعُهَا سَنَتَهُ بِبَذْرِهِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَقَالَ لَهُ: اعْمَلْ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِك أَوْ لَمْ يَقُلْ فَدَفَعَهَا الْمُزَارِعُ، وَبَذْرًا مَعَهَا إلَى رَجُلٍ مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ هُنَا مُسْتَأْجِرٌ لِلْأَرْضِ بِنِصْفِ الْخَارِجِ، وَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي اسْتَأْجَرَهَا بِالدَّفْعِ مُزَارَعَةً عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَتَصَرَّفُ فِي أَرْضِ نَفْسِهِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَهَا بِدَرَاهِمَ كَانَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا مَعَ الْبَذْرِ مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْجَرَهَا بِبَعْضِ الْخَارِجِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَهُنَاكَ الْمُزَارِعُ أَجَّرَ رَبَّ الْأَرْضِ بِنِصْفِ الْخَارِجِ، وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ، فَإِنَّمَا يُوجِبُ الشَّرِكَةَ لِلْأَجِيرِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَأَمَّ الْأَجِيرُ عَامِلُ الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنَّمَا يُوجِبُ الشَّرِكَةَ لِلْآخَرِ فِي الْخَارِجِ مِنْ بَذْرِ رَبِّ الْأَرْضِ؛ فَلِهَذَا افْتَرَقَا
стр. 4664
ثُمَّ إذَا حَصَلَ الْخَارِجُ هُنَا فَنِصْفُهُ لِلْآخَرِ بِمُقَابَلَةِ عَمَلِهِ، كَمَا أَوْجَبَهُ لَهُ صَاحِبُ الْبَذْرِ، وَنِصْفُهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ بِإِزَاءِ مَنْفَعَةِ أَرْضِهِ، كَمَا شَرَطَ لَهُ صَاحِبُ الْبَذْرِ، وَلَا شَيْءَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لِغَيْرِهِ جَمِيعَ الْخَارِجِ مِنْ بَذْرِهِ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْآخَرِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُسْتَأْجِرٌ لِلْأَرْضِ بِنِصْفِ الْخَارِجِ ثُمَّ أَجَرَهَا مِنْ الْآخَرِ بِنِصْفِ الْخَارِجِ، وَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُؤَاجِرَ فِيمَا يَتَفَاوَتُ النَّاسُ فِي اسْتِيفَائِهِ، وَلَوْ كَانَ الشَّرْطُ لِلْمُزَارِعِ الْآخَرِ ثُلُثَ الْخَارِجِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا جَازَ، وَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ، وَلِرَبِّ الْأَرْضِ النِّصْفُ، وَلِلْأَوَّلِ السُّدُسُ طَيِّبٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ بَذْرِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَهُوَ فَاضِلٌ عَمَّا أَوْجَبَهُ لِغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ عَاقِدُ الْعَقْدَيْنِ جَمِيعًا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ، فَيُسَلَّمُ الْفَضْلُ لَهُ بِاعْتِبَارِ عَقْدِهِ، فَإِنْ قِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ هُوَ مُسْتَأْجِرُ الْأَرْضِ، وَقَدْ أَجَّرَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا اسْتَأْجَرَهُ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي مِنْ غَيْرِ أَنْ زَادَ مِنْ عِنْدِهِ شَيْئًا، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَطِيبَ لَهُ الزِّيَادَةُ، قُلْنَا: هَذَا فِي أَجْرٍ يَكُونُ مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ، فَيُقَالُ: إنَّهُ رِبْحٌ حَصَلَ لَا عَلَى ضَمَانِهِ فَأَمَّا فِي الْمُزَارَعَةِ فَلَا يَتَأَتَّى هَذَا لِأَنَّ الْأَجْرَ فِي الْعَقْدِ جُزْءٌ مِنْ الْخَارِجِ، وَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا فِي ذِمَّةِ أَحَدٍ، وَسَلَامَتُهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاعْتِبَارِ الشَّرِكَةِ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ، وَلَوْ كَانَ رَبُّ الْأَرْضِ دَفَعَهَا إلَيْهِ عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ أَوْ قَالَ: مَا أَصَبْت أَوْ مَا خَرَجَ لَك مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ فَدَفَعَهَا الْمُزَارِعُ، وَبَذْرًا مَعَهَا إلَى رَجُلٍ بِالنِّصْفِ، فَنِصْفُ الْخَارِجِ لِلْآخَرِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَرَبِّ الْأَرْضِ نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ إنَّمَا شَرَطَ لِنَفْسِهِ هُنَا نِصْفَ مَا يَرْزُقُ اللَّهُ الْمُزَارِعَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ مَا وَرَاءَ نَصِيبِ الْمُزَارِعِ الْآخَرِ، فَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْأَوَّلِ أَوْ الْآخَرِ، وَلَوْ دَفَعَ أَرْضَهُ إلَى الْأَوَّلِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَهَا بِبَذْرِهِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، فَدَفَعَهَا الْأَوَّلُ إلَى الْآخَرِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَهَا بِبَذْرِهِ عَلَى أَنَّ لِلْآخَرِ ثُلُثَيْ الْخَارِجِ، وَلِلْأَوَّلِ الثُّلُثُ، فَعَمِلَهَا عَلَى ذَلِكَ فَثُلُثَا الْخَارِجِ لِلْآخَرِ نَمَاءَ بَذْرِهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْغَيْرُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْهُ إلَّا بِالشَّرْطِ، وَإِنَّمَا شَرَطَ لِلْأَوَّلِ ثُلُثَ الْخَارِجِ ثُمَّ هَذَا الثُّلُثُ يَكُونُ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَلِرَبِّ الْأَرْضِ عَلَى الْمُزَارِعِ الْأَوَّلِ أَجْرُ مِثْلِ ثُلُثِ أَرْضِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهَا مِنْهُ بِنِصْفِ الْخَارِجِ، وَقَدْ حَصَلَ الْخَارِجُ، وَلَمْ يُسَلِّمْ لَهُ ثُلُثَ ذَلِكَ النِّصْفِ بَلْ اسْتَحَقَّهُ الْمُزَارِعُ لِلْأَجْرِ، وَاسْتِحْقَاقُ بَعْضِ مَا هُوَ أَجْرٌ لِلْأَرْضِ إذَا كَانَ بِعَيْنِهِ يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِحِصَّتِهِ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَحَقَّ جَمِيعَهُ رَجَعَ بِأَجْرِ مِثْلِ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَحَقَّ ثُلُثَهُ، وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْأَوَّلِ كَانَ ثُلُثَا الْخَارِجِ لِلْأَجِيرِ، كَمَا أَوْجَبَهُ لَهُ الْمُزَارِعُ الْأَوَّلُ، وَالثُّلُثُ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ ثُلُثِ
стр. 4665
أَرْضِهِ عَلَى الْمُزَارِعِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ قِيلَ هُنَا: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْخَارِجَ عَلَى الْأَوَّلِ بِالشَّرْطِ، وَشَرْطُ النِّصْفِ لِرَبِّ الْأَرْضِ كَانَ أَسْبَقَ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ الْأَجْرَ بِإِيجَابِ الْأَوَّلِ لَهُ شَيْئًا مِنْ النِّصْفِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ رَبُّ الْأَرْضِ، قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لَا يَثْبُتُ حَقِيقَةً قَبْلَ حُصُولِ الْخَارِجِ، وَحُكْمًا قَبْلَ لُزُومِ السَّبَبِ، وَالسَّبَبُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْبَذْرِ لَا يَلْزَمُ قَبْلَ إلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ فَصَحَّ مِنْهُ اشْتِرَاطُهُ ثُلُثَيْ الْخَارِجِ لِلْآخَرِ يُوَضِّحُهُ أَنَّا لَوْ أَبْطَلْنَا اسْتِحْقَاقَ الْأَجْرِ فِي بَعْضِ مَا شُرِطَ لَهُ بَطَلَ اسْتِحْقَاقُهُ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ لَهُ بَيْنَ أَجْرِ الْمِثْلِ وَشَيْءٍ مِنْ الْخَارِجِ، فَإِنَّهُ يَعْمَلُ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ، فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ، وَلَوْ أَبْطَلْنَا حَقَّ رَبِّ الْأَرْضِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ الْخَارِجِ اسْتَحَقَّ أَجْرَ الْمِثْلِ بِمُقَابَلَةِ ذَلِكَ الْجُزْءِ مِنْ الْأَرْضِ، فَالضَّرَرُ الَّذِي يَلْحَقُهُ يُعَوَّضُ بِعَدْلِهِ، وَالضَّرَرُ الَّذِي يَلْحَقُ الْآخَرَ بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ فَلِهَذَا كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ دَفَعَهَا إلَى الْآخَرِ مِنْحَةً عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا لِنَفْسِهِ فَالْخَارِجُ كُلُّهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ بَذْرِهِ، وَلَمْ يُوجِبْ مِنْهُ شَيْئًا لِغَيْرِهِ، وَالْمُزَارِعُ الْأَوَّلُ مُسْتَأْجِرٌ لِلْأَرْضِ، وَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَغْرَمَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ عَلَى الْأَوَّلِ أَجْرَ مِثْلِ أَرْضِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ مِنْهُ بِنِصْفِ الْخَارِجِ، وَقَدْ حَصَلَ الْخَارِجُ، وَاسْتَحَقَّهُ الْآخَرُ، فَيَكُونُ لِلْأَوَّلِ عَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِفَسَادِ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا بِاسْتِحْقَاقِ الْبَدَلِ، وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْأَوَّلِ، فَاسْتَعَانَ بِإِنْسَانٍ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ يَعْمَلُ لَهُ فِيهَا فَنِصْفُ الْخَارِجِ لِلْأَوَّلِ وَنِصْفُهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ عَمَلَ أَجِيرِهِ وَمُعِينِهِ، كَعَمَلِهِ بِنَفْسِهِ
وَلَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا يَزْرَعُهَا بِبَذْرِهِ بِالنِّصْفِ، وَلَمْ يَقُلْ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِك فَشَارَكَ فِيهَا رَجُلًا آخَرَ، فَأَخْرَجَا جَمِيعًا بَذْرًا عَلَى أَنْ يَعْمَلَا، وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ جَازَ لِأَنَّ؛ الْأَوَّلَ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ، فَهُوَ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الْمَالِكِ لِلْأَرْضِ، وَالْمَالِكُ لِلْأَرْضِ لَوْ شَارَكَ فِيهَا رَجُلًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا بِبَذْرٍ بَيْنَهُمَا، وَالْخَارِجُ نِصْفَانِ جَازَ، وَيَكُونُ هُوَ مُعِيرًا نِصْفَ الْأَرْضِ مِنْ الْآخَرِ، كَذَلِكَ هُنَا ثُمَّ نِصْفُ الْخَارِجِ لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ بَذْرِهِ، وَنِصْفُهُ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَرَبِّ الْأَرْضِ نِصْفَانِ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ لَهُ نِصْفَ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ بِإِزَاءِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ، وَهَذَا الْخَارِجُ الَّذِي حَصَلَ لَهُ خَارِجٌ مِنْ نِصْفِ الْأَرْضِ، فَيَسْتَحِقُّ نِصْفَهُ بِالشَّرْطِ وَعَلَى الْأَوَّلِ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ نِصْفِ أَرْضِهِ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ مِنْ النِّصْفِ الْآخَرِ قَدْ اسْتَحَقَّهُ الْمُزَارِعُ الْآخَرُ، وَقَدْ كَانَ الْمُزَارِعُ الْأَوَّلُ أَوْجَبَ لِرَبِّ الْأَرْضِ نِصْفَ ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ رَجَعَ عَلَيْهِ بِأَجْرِ الْمِثْلِ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ، وَلَوْ اشْتَرَطَا الْعَمَلَ عَلَى الْأَجِيرِ خَاصَّةً فَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْأَوَّلَ جَعَلَ لِلثَّانِي مَنْفَعَةَ نِصْفِ الْأَرْضِ بِمُقَابَلَةِ عَمَلِهِ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ مِنْ الْأَرْضِ لَهُ، وَالْمُزَارَعَةُ لَا تَحْتَمِلُ
стр. 4666
مِثْلَ هَذِهِ الْمُقَابَلَةِ ثُمَّ نِصْفُ الزَّرْعِ لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ بَذْرِهِ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ لِلْمُزَارِعِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ نِصْفِ الْأَرْضِ الَّتِي كَانَتْ مُسْتَحَقَّةً لَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَيَتَصَدَّقُ الْمُزَارِعُ الْآخَرُ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّهُ رِبْحٌ حَصَلَ لَهُ بِسَبَبِ عَقْدٍ فَاسِدٍ تَمَكَّنَ فِي مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ، وَنِصْفُ الزَّرْعِ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَرَبِّ الْأَرْضِ نِصْفَانِ عَلَى شَرْطِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا فَسَادَ فِي الْعَقْدِ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمَا، فَمَا سَلِمَ لَهُمَا يَكُونُ عَلَى الشَّرْطِ بَيْنَهُمَا طَيِّبًا لَهُمَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ نِصْفِ أَرْضِهِ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ لَهُ النِّصْفَ مِمَّا يُخْرِجُ لَهُ جَمِيعُ الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا يُسَلِّمُ لَهُ النِّصْفَ مِمَّا أَخْرَجَهُ نِصْفُ الْأَرْضِ، فَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ النِّصْفُ الْآخَرُ فَقَدْ اسْتَحَقَّ الْمُزَارِعُ الْأَجْرَ كُلَّهُ؛ فَلِهَذَا كَانَ عَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ نِصْفِ الْأَرْضِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ دَفْعِ الْمُزَارِعِ الْأَرْضَ إلَى رَبِّ الْأَرْضِ أَوْ مَمْلُوكِهِ مُزَارَعَةً]
قَالَ ﵀: وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا وَبَذْرًا يَزْرَعُهَا سَنَتَهُ هَذِهِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، فَقَبَضَهَا ثُمَّ اسْتَعَانَ بِرَبِّ الْأَرْضِ عَلَى عَمَلِهَا لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ، وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ فِي الْمُزَارَعَةِ، وَالْأَجْرُ لَهُ فِي عَمَلِهِ؛ لِأَنَّ اسْتِعَانَتَهُ بِرَبِّ الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ اسْتِعَانَتِهِ بِغَيْرِهِ، وَعَمَلُ الْمُعِينِ بِمَنْزِلَةِ عَمَلِ الْمُسْتَعِينِ بِهِ، ثُمَّ رَبُّ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ مَا أَقَامَ الْعَمَلَ عَلَى سَبِيلِ النَّقْضِ مِنْهُ لِلْمُزَارَعَةِ، وَإِنَّمَا أَقَامَ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ مِنْهُ عَلَى عَامِلِهِ، وَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى ذَلِكَ بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ كَانَ الْأَجْرُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْأَجْرِ يَعْتَمِدُ تَسْلِيمَ الْعَمَلِ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَهُوَ عَامِلٌ فِي أَرْضِ نَفْسِهِ بِبَذْرِهِ، فَلَا يَكُونُ مُسَلِّمًا عَمَلَهُ إلَى غَيْرِهِ؛ فَلِهَذَا لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ الْأَجْرِ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَوْجِبْ الْأَجْرَ كَانَ هَذَا، وَمَا لَوْ عَمِلَهُ عَلَى سَبِيلِ الْإِعَانَةِ سَوَاءً، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ عَمَلُ رَبِّ الْأَرْضِ مَشْرُوطًا فِي عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ يَعْدَمُ التَّخْلِيَةَ بَيْنَ الْمُزَارِعِ وَبَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّخْلِيَةَ شَرْطُ الْعَقْدِ، فَكُلُّ شَرْطٍ يَفُوتُهُ أَنْ يَكُونَ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ، فَأَمَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَلَا يَنْعَدِمُ اسْتِحْقَاقُ التَّخْلِيَةِ بِإِعَانَةِ رَبِّ الْأَرْضِ الْمُزَارِعَ، فَهُوَ قِيَاسُ الْمَرْهُونِ إذَا أَعَادَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الرَّاهِنِ أَوْ غَصَبَهُ مِنْ الرَّاهِنِ لَمْ يَبْطُلْ بِهِ الرَّهْنُ بِخِلَافِ مَا إذَا شَرَطَا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ يَزْرَعُهَا عَلَى أَنَّ لَهُ ثُلُثَ نَصِيبِهِ، فَعَمِلَهَا عَلَى ذَلِكَ كَانَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْمُزَارَعَةِ الْأُولَى لَا يُفْسِدُهَا مَا صَنَعَا وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ لَا يَكُونُ مُسَلِّمًا عَمَلَهُ إلَى الْمُزَارِعِ، فَكَمَا لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَيْهِ بِمُقَابَلَةِ عَمَلِهِ
стр. 4667
دَرَاهِمَ، وَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ لَا يَسْتَوْجِبُ جُزْءًا مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ الْخَارِجِ، بَلْ يَكُونُ هُوَ مُتَبَرِّعًا فِي الْعَمَلِ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَمْ يُجْعَلْ هَذَا مِنْ الْمُزَارِعِ بِمَنْزِلَةِ الْحَطِّ لِبَعْضِ نَصِيبِهِ، فَقَدْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ نِصْفَ الْخَارِجِ فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ حَطَّ ثُلُثَهُ بِالْعَقْدِ الثَّانِي؟ قُلْنَا لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ بِعِوَضٍ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا كِنَايَةً عَنْ الْحَطِّ، كَمَا لَا يُجْعَلُ بَيْعُ الْمَبِيعِ مِنْ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ هِبَةً ثُمَّ هَذَا الْحَطُّ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ، بَلْ هُوَ بِمُقَابَلَةِ الْعَمَلِ، وَكَمَا لَا يَسْتَحِقُّ بِمُقَابَلَةِ عَمَلِهِ فِي أَرْضِهِ وَبَذْرِهِ عِوَضًا عَلَى الْغَيْرِ، فَكَذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّ حَطَّ شَيْءٍ مِمَّا اسْتَحَقَّهُ الْغَيْرُ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ اسْتَأْجَرَ عَلَى الْعَمَلِ أُجَرَاءَ كَانَ أَجْرُ الْأُجَرَاءِ عَلَى الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، فَإِنَّمَا اسْتَأْجَرَهُمْ لِإِيفَاءِ مَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ الْأَجْرُ لَهُمْ بِمُقَابَلَةِ دَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَوْ كَانَ اسْتَأْجَرَ عَلَى ذَلِكَ عَبْدَ رَبّ الْأَرْضِ بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ، وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَالْإِجَارَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ لِمَوْلَاهُ، فَكَمَا لَا يَسْتَحِقُّ الْمَوْلَى بِاعْتِبَارِ عَمَلِهِ أَجْرًا عَلَى الْمُزَارِعِ وَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّهُ بِعَمَلِ عَبْدِهِ، وَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَالْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ، وَالْأَجْرُ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ الْمَدْيُونِ لِغُرَمَائِهِ، فَاسْتِئْجَارُ الْعَبْدِ عَلَى الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، كَاسْتِئْجَارِ بَعْضِ غُرَمَائِهِ، وَإِنْ اسْتَأْجَرَ مُكَاتَبَ رَبِّ الْأَرْضِ أَوْ ابْنَهُ جَازَ، لِأَنَّ الْمَوْلَى مِنْ كَسْبِ مُكَاتَبِهِ، وَابْنُهُ أَبْعَدُ مِنْهُ مِنْ كَسْبِ عَبْدِهِ الْمَدْيُونِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ، فَهُمَا فِي الْمَعْنَى مُسْتَوِيَانِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ إنَّمَا يَعْمَلُ فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ فِي عَمَلِهِ فِي أَرْضِهِ لَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْمُعَامَلَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ قِيَاسُ الْمُزَارَعَةِ
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا وَبَذْرًا يَزْرَعُهَا سَنَتَهُ هَذِهِ بِالنِّصْفِ، فَلَمَّا تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ أَخَذَ صَاحِبُ الْأَرْضِ الْبَذْرَ، فَبَذَرَهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُزَارِعِ فَأَخْرَجَتْ زَرْعًا كَثِيرًا، فَذَلِكَ كُلُّهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَقَدْ بَطَلَتْ الْمُزَارَعَةُ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الْبَذْرِ قَبْلَ إلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ، فَيَنْفَرِدُ صَاحِبُ الْأَرْضِ بِفَسْخِ الْعَقْدِ، وَقَدْ صَارَ فَاسِخًا حِينَ أَخَذَهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُزَارِعِ وَزَرَعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مُعِينًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعَانَ بِهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُعِينَ غَيْرَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ، فَكَانَ فَاسِخًا لِلْعَقْدِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ فَإِنَّ هُنَاكَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مُعِينًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعَانَ بِهِ، فَلَا يُجْعَلُ فَاسِخًا لِلْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ الْعَمَلِ حَتَّى اسْتَعَانَ بِهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ قَصْدَهُ إعَانَتُهُ لَا فَسْخُهُ الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا كَانَ الزَّرْعُ لِرَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ لِلْبَذْرِ حِينَ أَخَذَهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُزَارِعِ، فَالْعَقْدُ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا فِي جَانِبِ الْمُزَارِعِ
стр. 4668
قَبْلَ إلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ، وَصَاحِبُ الْأَرْضِ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُلْزِمَهُ الْعَقْدَ بِغَيْرِ رِضَاهُ، فَيَصِيرُ هُوَ غَاصِبًا لِلْبَذْرِ، وَمَنْ غَصَبَ بَذْرًا فَزَرَعَهُ فِي أَرْضِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ كَانَ الْخَارِجُ كُلُّهُ لَهُ، وَعَلَيْهِ بَذْرُ مِثْلِ ذَلِكَ الْبَذْرِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ لِلْمُزَارِعِ شَيْءٌ مِنْ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ، وَلَكِنَّ رَبَّ الْأَرْضِ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ، وَلَوْ فَوَّتَهَا غَاصِبٌ آخَرُ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ عَلَى الْمُزَارِعِ شَيْءٌ فَهَذَا أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الشُّرُوطِ الَّتِي تُفْسِدُ الْمُزَارَعَةَ]
(قَالَ ﵀) -: وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا لَهُ مُزَارَعَةً عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا سَنَتَهُ هَذِهِ بِبَذْرِهِ وَعَمَلِهِ بِالنِّصْفِ عَلَى أَنْ يَكْرِيَ الْعَامِلُ أَنْهَارَهَا فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ مُؤَاجِرٌ أَرْضَهُ بِنِصْفِ الْخَارِجِ وَكَرْيُ الْأَنْهَارِ عَلَى الْمُؤَاجِرِ، كَمَا لَوْ أَجَّرَهَا بِدَرَاهِمَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ بِكَرْيِ الْأَنْهَارِ يَأْتِيهَا الْمَاءُ وَيَتَمَكَّنُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا، وَمَا لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الِانْتِفَاعِ لَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ كَرْيَ الْأَنْهَارِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، قُلْنَا: إذَا شُرِطَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَكَأَنَّهُ شَرَطَ لِنَفْسِهِ مَعَ نِصْفِ الْخَارِجِ مُؤْنَةَ كَرْي الْأَنْهَارِ بِمُقَابَلَةِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ ثُمَّ مَنْفَعَةُ كَرْي الْأَنْهَارِ تَبْقَى بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْمُزَارَعَةِ، وَشَرْطُ مَا تَبْقَى مَنْفَعَتُهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ عَلَى الْمُزَارِعِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ، فَإِنْ عَمِلَ عَلَى هَذَا، وَكَرَى الْأَنْهَارَ كَانَ الْخَارِجُ لِلْعَامِلِ؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ مِنْ قِبَلِهِ، وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ أَرْضِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ أَرْضِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَلِلْعَامِلِ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ فِي كَرْيِ الْأَنْهَارِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ عَمَلِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَيَتَقَاصَّانِ وَيَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَرْيُ الْأَنْهَارِ مَشْرُوطًا عَلَى الْعَامِلِ فِي الْعَقْدِ، وَلَكِنَّ الْعَامِلَ كَرَى الْأَنْهَارَ بِنَفْسِهِ، فَالْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ، وَلَا أَجْرَ لَهُ فِي كَرْيِهَا؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِإِيفَاءِ مَا لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ حَوَّطَهَا، وَكَذَلِكَ إصْلَاحُ الْمُسَنَّاةِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ كَرْيِ الْأَنْهَارِ، فَإِنْ شُرِطَ عَلَى الْمُزَارِعِ فِي الْعَقْدِ فَسَدَ بِهِ الْعَقْدُ، وَإِنْ بَاشَرَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَالْعَقْدُ جَائِزٌ، وَلَا أَجْرَ لَهُ فِيمَا عَمِلَ، وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ، وَقَدْ شَرَطَ عَلَى الْعَامِلِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا وَرَاءَ مَا يَقْتَضِيه الْمُزَارَعَةُ وَمَنْفَعَةُ هَذَا تَبْقَى بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْمُزَارَعَةِ، فَيَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ، وَيَكُونُ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ اسْتَوْفَى جَمِيعَ عَمَلِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَلَوْ اشْتَرَطَا عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ كَرْيَ الْأَنْهَارِ، وَإِصْلَاحَ الْمُسَنَّاةِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الشُّرْبُ كَانَتْ الْمُزَارَعَةُ جَائِزَةً عَلَى شَرْطِهِمَا سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ
стр. 4669
لِأَنَّ هَذَا الْعَمَلَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ بِدُونِ الشَّرْطِ فَالشَّرْطُ لَا يَزِيدُهُ إلَّا وِكَادَةً، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى الْعَامِلِ، فَاشْتِرَاطُهُمَا عَلَيْهِ اشْتِرَاطُ عِوَضٍ مَجْهُولٍ، وَهُوَ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ، فَيَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ، وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا بِدَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ عَلَى أَنْ يُطَيِّنَ رَبُّ الدَّارِ سُطُوحَهَا، وَعَلَى أَنْ يُصْلِحَ مَسَارِبَهَا لِمَسِيلِ الْمَاءِ جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا عَلَى رَبِّ الدَّارِ بِدُونِ الشَّرْطِ؛ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَفْعَلْهُ رَبُّ الدَّارِ فَوُكِفَتْ الْبُيُوتُ، وَجَاءَ مِنْ ذَلِكَ ضَرَرٌ بَيِّنٌ كَانَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الدَّارِ فَاشْتِرَاطُهُ عَلَيْهِ لَا يَزِيدُهُ إلَّا وِكَادَةً، وَلَوْ اشْتَرَطَ رَبُّ الدَّارِ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةً؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَهُ هَذِهِ الْأَعْمَالَ عَلَيْهِ، كَاشْتِرَاطِ مُؤْنَتِهَا لِنَفْسِهِ بِمُقَابَلَةِ مَنْفَعَةِ الدَّارِ، وَهِيَ مَجْهُولَةٌ، وَلَوْ اشْتَرَطَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ كِرَابَهَا أَوْ الْكِرَابَ وَالثُّنْيَانَ، فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي جَانِبِ الْأَرْضِ يَلْزَمُ بِنَفْسِهِ، وَمُوجَبُهُ التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالْمُزَارِعِ، وَاشْتِرَاطُ الْكِرَابِ وَالثُّنْيَانِ عَلَيْهِ يُفَوِّتُ مُوجَبَ الْعَقْدِ، فَيَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ ثُمَّ الْكِرَابُ وَالثُّنْيَانُ مِنْ عَمَلِ الزِّرَاعَةِ، وَاشْتِرَاطُ بَعْضِ عَمَلِ الزِّرَاعَةِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ، كَاشْتِرَاطِ الْحِفْظِ، ثُمَّ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ أَرْضِهِ وَعَمَلِهِ فِي الْكِرَابِ وَالثُّنْيَانِ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّ عَمَلَهُ فِي الْكِرَابِ وَالثُّنْيَانِ يُتَقَوَّمُ عَلَى الْعَامِلِ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُ يَغْرَمُ أَجْرَ مِثْلِ الْأَرْضِ مَكْرُوبَةً أَوْ مَكْرُوبَةً مُسَنَّاةً؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَتَهَا فِي وَقْتِ إلْقَاءِ الْبَذْرِ فِيهَا، وَهِيَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ فَالْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ لُزُومَ الْعَقْدِ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الْبَذْرِ لَا يَكُونُ قَبْلَ إلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ، وَالْكِرَابُ وَالثُّنْيَانُ يَسْبِقُ ذَلِكَ، فَاشْتِرَاطُهُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ الْكِرَابَ فِي الثُّنْيَانِ بِالْبَقَرِ يَكُونُ، وَاشْتِرَاطُ الْبَقَرِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ جَائِزٌ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ، وَلَا يَجُوزُ إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ، فَكَذَلِكَ اشْتِرَاطُ الْكِرَابِ وَالثُّنْيَانِ، وَلَوْ اشْتَرَطَ عَلَى أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ أَنْ يُسَرْقِنَهَا أَوْ يَعْذِرَهَا، وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلِ فَقَدْ شَرَطَ عَلَيْهِ مَا تَبْقَى مَنْفَعَتُهُ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْمُزَارَعَةِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ إتْلَافَ عَيْنِ مَالٍ لَا يَقْتَضِيه عَقْدُ الْمُزَارَعَةِ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ، وَإِنْ شَرَطَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ الْكِرَابِ وَالثُّنْيَانِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ عَمَلِ الزِّرَاعَةِ، فَاشْتِرَاطُهُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ يَكُونُ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ، وَيَكُونُ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِلْعَامِلِ، وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ أَرْضِهِ، وَأَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ فِيمَا عَمِلَ مِنْ ذَلِكَ وَقِيمَةُ سِرْقِينِهِ إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ مِنْ قِبَلِ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِرَبِّ الْأَرْضِ فِيمَا بَقِيَ
стр. 4670
لِأَنَّ الْعَامِلَ إنَّمَا عَمِلَ لِنَفْسِهِ، وَمَا بَقِيَ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَثَرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ لَمْ يُتَقَوَّمْ أَصْلُ عَمَلِهِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، فَكَذَلِكَ أَثَرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَالْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ الْكِرَابِ وَالثُّنْيَانِ، وَهَذَا، لِأَنَّ إلْقَاءَ السِّرْقِينَ وَالْعُذْرَةِ فِي الْأَرْضِ يَكُونُ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ، وَقَبْلَ الْكِرَابِ أَيْضًا، وَأَنَّ لُزُومَ الْعَقْدِ فِي جَانِبِ صَاحِبِ الْبَذْرِ عِنْدَ إلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ، فَكَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِلْعَمَلِ بِنِصْفِ الْخَارِجِ بَعْدَ مَا فَرَغَ مِنْ إلْقَاءِ الْعُذْرَةِ وَالسِّرْقِينِ، وَإِنْ شَرَطَاهُ عَلَى الْعَامِلِ فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا شَرَطَا عَلَى الْعَامِلِ مَا تَبْقَى مَنْفَعَتُهُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْمُزَارَعَةِ، وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ، وَقِيمَةُ مَا طَرَحَ مِنْ السِّرْقِينِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ اسْتَوْفَى ذَلِكَ كُلَّهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، فَهُوَ نَظِيرُ مَنْ اسْتَأْجَرَ صَبَّاغًا إجَارَةً فَاسِدَةً لِيَصْبُغَ ثَوْبَهُ بِصَبْغٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ، وَقِيمَةُ صَبْغِهِ وَلَوْ اشْتَرَطَ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ لَا يَعْذِرَهَا، وَلَا يُسَرْقِنَهَا، وَالْبَذْرُ مِنْهُ أَوْ مِنْ صَاحِبِ الْأَرْضِ فَالْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ لَا طَالِبَ بِهِ، فَإِنَّ فِي إلْقَاءِ الْعُذْرَةِ وَالسِّرْقِينِ فِي الْأَرْضِ مَنْفَعَةٌ لِلْأَرْضِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَضَرَّةٌ، وَالْمُطَالَبَةُ بِالْوَفَاءِ بِالشَّرْطِ يَكُونُ لِتَوَفُّرِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، فَإِذَا انْعَدَمَ ذَلِكَ فِي هَذَا الشَّرْطِ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَا مُطَالِبَ بِهِ فَلَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِهِ، وَاسْتَدَلَّ فِي الْكِتَابِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَجَّرَ أَرْضَهُ اشْتَرَطَ عَلَى صَاحِبِهَا أَنْ لَا يُدْخِلَهَا كَلْبًا، وَلَا يَعْذِرَهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَشْتَرِطُ ذَلِكَ لِمَعْنَى التَّقَذُّرِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي تُفْسِدُ الْإِجَارَةَ مَا اشْتَرَطَهُ ابْنُ عُمَرَ ﵁ عَلَى مَنْ اسْتَأْجَرَ مِنْهُ أَرَأَيْتَ لَوْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُدْخِلَهَا كَلْبًا، كَمَا اشْتَرَطَهُ ابْنُ عُمَرَ ﵁ كَانَ هَذَا مُفْسِدًا لِلْمُزَارَعَةِ، وَلَيْسَ يُفْسِدُهَا هَذَا، وَيَتَخَيَّرُ الْمُزَارِعُ إنْ شَاءَ أَدْخَلَهَا كَلْبًا، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُدْخِلْهَا، فَكَذَلِكَ إذَا شُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَعْذِرَهَا، وَلَا يُسَرْقِنَهَا يَتَخَيَّرُ الْمُزَارِعُ فِي ذَلِكَ، فَلَوْ اشْتَرَطَ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ دُولَابًا أَوْ دَالِيَةً بِأَدَاتِهَا، وَذَلِكَ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَبِّ الْأَرْضِ أَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ، فَاشْتَرَاهُ، فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ، فَعَمِلَ عَلَى هَذَا، وَالْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ، وَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ لِرَبِّ الْأَرْضِ عَلَى الْعَامِلِ جَازَ، وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ رَبُّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَسْقِي بِهِ الْأَرْضَ، وَالسَّقْيُ عَلَى الْعَامِلِ، فَاشْتِرَاطُهُ مَا يَتَأَتَّى بِهِ السَّقْيُ عَلَيْهِ يَكُونُ مُقَرِّرًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَلَيْسَ السَّقْيُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، فَاشْتِرَاطُ مَا يَتَأَتَّى بِهِ السَّقْيُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ السَّقْيِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ، وَكَذَلِكَ الدَّوَابُّ الَّتِي يَسْقِي عَلَيْهَا بِالدُّولَابِ إنْ اشْتَرَطَهَا عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ،
стр. 4671
وَإِنْ اشْتَرَطَهَا عَلَى الْعَامِلِ جَازَ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الدُّولَابِ لِلسَّقْيِ، كَاشْتِرَاطِ الْبَقَرِ لِلْكِرَابِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ اشْتِرَاطَ الْبَقَرِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ، وَاشْتِرَاطُهَا عَلَى الْعَامِلِ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ، فَكَذَلِكَ اشْتِرَاطُ الدَّوَابِّ لِلسَّقْيِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَ الدُّولَابَ وَالدَّوَابَّ عَلَى الْعَامِلِ، وَشَرَطَ عَلَفَ الدَّوَابِّ كَذَا مَخْتُومًا شَعِيرًا وَسَطًا كُلَّ شَهْرٍ وَكَذَا مِنْ الْقَتِّ وَكَذَا مِنْ التِّبْنِ بِشَيْءٍ مَعْرُوفٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ مَا يَشْتَرِطُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ لِعَلْفِ دَوَابِّ الْمُزَارِعِ يَكُونُ مَشْرُوطًا لِلْمُزَارِعِ، وَاشْتِرَاطُ شَيْءٍ لَهُ مِنْ غَيْرِ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ يَكُونُ مُفْسِدًا لِلْمُزَارَعَةِ؛ فَإِنَّهَا شَرِكَةٌ فِي الْخَارِجِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَحَقَّ بِهَا مَالٌ آخَرُ، فَإِنْ حَصَلَ الْخَارِجُ فَهُوَ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ أَرْضِهِ وَمِثْلِ مَا أَخَذَ مِنْ الْمُزَارِعِ مِنْ الشَّعِيرِ وَالْقَتِّ وَالتِّبْنِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى ذَلِكَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَلَوْ كَانَ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْعَامِلِ جَازَ؛ لِأَنَّ عَلْفَ دَوَابِّهِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ شَرْطٍ، فَالشَّرْطُ لَا يَزِيدُهُ إلَّا وِكَادَةً، وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ فَاشْتِرَاطُ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى صَاحِبِ الْعَمَلِ جَازَ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ الْبَقَرِ لِلْكِرَابِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَطَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ الْبَقَرَ لِلْكِرَابِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَجُوزُ، فَكَذَلِكَ إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ الدُّولَابَ وَالدَّوَابَّ لِلسَّقْيِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُزَارِعَ أَجِيرُهُ، فَإِنَّمَا اسْتَأْجَرَهُ؛ لِيُقِيمَ الْعَمَلَ بِأَدَاةِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ، وَإِذَا اشْتَرَطَا الدَّوَابَّ وَالدُّولَابَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَعَلَفَ الدَّوَابِّ شَيْئًا مَعْرُوفًا عَلَى الْمُزَارِعِ فَسَدَتْ الْمُزَارَعَةُ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ عَلَى الْمُزَارِعِ عَلْفَ دَوَابِّ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ رَبِّ الْأَرْضِ عَلَى الْمُزَارِعِ طَعَامَ غُلَامِهِ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْمُزَارَعَةِ سَوَاءٌ سَمَّى طَعَامًا مَعْرُوفًا أَوْ لَمْ يُسَمِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الِاشْتِرَاطِ مِنْهُ لِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَا الدَّوَابَّ وَالدُّولَابَ عَلَى الْمُزَارِعِ وَعَلْفَ الدَّوَابِّ عَلَى رَبِّ الْأَرْضَ وَلَوْ اشْتَرَطَا الدَّابَّةَ وَعَلْفَهَا عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالدُّولَابَ عَلَى الْآخَرِ جَازَ؛ لِأَنَّ عَلْفَ الدَّابَّةِ مَشْرُوطٌ عَلَى صَاحِبِ الدَّابَّةِ، وَهُوَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ شَرْطٍ ثُمَّ فِي هَذَا الْفَصْلِ اشْتِرَاطُ الدَّوَابِّ وَالدُّولَابِ عَلَى أَحَدِهِمَا صَحِيحٌ أَيَّهمَا كَانَ، فَكَذَلِكَ اشْتِرَاطُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ يَكُونُ صَحِيحًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْمُزَارَعَةِ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْمُعَامَلَةُ]
(قَالَ ﵀) -: وَإِذَا دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا بَيْضَاءَ مُزَارَعَةً، وَفِيهَا نَخِيلٌ عَلَى أَنْ
стр. 4672
يَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِ وَعَمَلِهِ عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَاشْتَرَطَا ذَلِكَ سِنِينَ مَعْلُومَةً فَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ فِي حَقِّ الْأَرْضِ الْعَامِلَ مُسْتَأْجِرٌ لَهَا بِنِصْفِ الْخَارِجِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِ، وَفِي حَقِّ النَّخِيلِ رَبُّ النَّخِيلِ مُسْتَأْجِرٌ لِلْعَامِلِ لِيَعْمَلَ فِيهَا بِنِصْفِ الْخَارِجِ، فَهُمَا عَقْدَانِ مُخْتَلِفَانِ لِاخْتِلَافِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ جُعِلَ أَحَدُ الْعَقْدَيْنِ شَرْطًا فِي الْآخَرِ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﵊ عَنْ صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ. ثُمَّ الْخَارِجُ مِنْ الْأَرْضِ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، وَيَتَصَدَّقُ الْمُزَارِعُ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّهُ رَبَّى زَرْعَهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَالْخَارِجُ مِنْ النَّخْلِ كُلِّهِ لِصَاحِبِ النَّخْلِ، وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ فِيمَا عَمِلَ فِي النَّخِيلِ، وَيَطِيبُ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ النَّخْلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الشَّرْطُ بَيْنَهُمَا فِي النَّخْلِ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ أَوْ فِي الزَّرْعِ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ فَالْجَوَابُ وَاحِدٌ، وَهَذَا أَبْيَنُ لِلْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّ الْعَقْدَ مُخْتَلِفٌ فِيهَا، وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ صَاحِبِ الْأَرْضِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا جَازَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَ الْعَامِلَ لِيَعْمَلَ فِي أَرْضِهِ وَنَخْلِهِ، فَيَكُونُ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا وَاحِدًا لِاتِّحَادِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَنْفَعَةُ الْعَامِلِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضَيْنِ مُزَارَعَةً؛ لِيَزْرَعَهَا بِبَذْرِ صَاحِبِ الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَا عَلَى الْعَامِلِ فِي النَّخِيلِ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الثِّمَارِ، وَفِي الزَّرْعِ النِّصْفَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مِقْدَارِ الْبَذْرِ الْمَشْرُوطِ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَبِدِينَارٍ يَكُونُ الْعَقْدُ وَاحِدًا، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ الْعَقْدُ بِاخْتِلَافِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَاحِدٌ، وَهُوَ عَمَلُ الْعَامِلِ، وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا وَكَرْمًا عَلَى نَحْوِ هَذَا كَانَ الْجَوَابُ كَالْجَوَابِ فِي النَّخْلِ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي الْمَعْنَى، وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا بَيْضَاءَ فِيهَا نَخِيلٌ فَقَالَ: أَدْفَعُ إلَيْك هَذِهِ الْأَرْضَ تَزْرَعُهَا بِبَذْرِك وَعَمَلِك عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَك نِصْفَانِ، وَأَدْفَعُ إلَيْك مَا فِيهَا مِنْ النَّخِيلِ مُعَامَلَةً عَلَى أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ، وَتَسْقِيَهُ، وَتُلَقِّحَهُ، فَمَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ نِصْفَانِ أَوْ قَالَ: لَك مِنْهُ الثُّلُثُ، وَلِي الثُّلُثَانِ، وَقَدْ وَقَّتَا لِذَلِكَ سِنِينَ مَعْلُومَةً فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ أَحَدَ الْعَقْدَيْنِ هُنَا شَرْطًا فِي الْآخَرِ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ لَا لِلشَّرْطِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ جَعَلَ أَحَدَ الْعَقْدَيْنِ شَرْطًا فِي الْآخَرِ لِأَنَّ حَرْفَ عَلَى لِلشَّرْطِ (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَبِيعُكَ هَذِهِ الدَّارَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ تَسْتَأْجِرَ مِنِّي هَذِهِ الدَّارَ الْأُخْرَى شَهْرًا بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ كَانَ هَذَا فَاسِدًا؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ شُرِطَتْ فِيهِ إجَارَةٌ، وَلَوْ قَالَ: أَبِيعُك هَذِهِ الدَّارَ بِأَلْفٍ وَأُؤَجِّرُ كَهَذِهِ الدَّارَ الْأُخْرَى شَهْرًا بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ كَانَ جَائِزًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ أَحَدَهُمَا شَرْطًا فِي صَاحِبِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَبِيعُكَ هَذِهِ الدَّارَ
стр. 4673
بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ أَبِيعَكَ هَذِهِ الْأَمَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: وَأَبِيعُكَ هَذِهِ الْأَمَةَ، وَقَدْ أَجَابَ فِي الزِّيَادَاتِ فِي مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ بِخِلَافِ هَذَا، وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ الرِّوَايَاتِ وَالتَّوْفِيقَ فِيمَا أَمْلَيْنَا مِنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ، وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا وَكَرْمًا، وَقَالَ: ازْرَعْ هَذِهِ الْأَرْضَ بِبَذْرِكَ عَلَى هَذَا الْكَرْمِ فَاكْسَحْهُ وَاسْقِهِ، فَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مَا شَرَطَ أَحَدَ الْعَقْدَيْنِ فِي الْآخَرِ فَلَا يَفْسُدُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[بَابُ الْخِلَافِ فِي الْمُزَارَعَةِ]
قَالَ ﵀: وَإِذَا دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ سَنَتَهُ هَذِهِ فَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُسَمِّيَا الْبَذْرَ مِنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَنْ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَنْفَعَةُ الْعَامِلِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَنْفَعَةُ الْأَرْضِ، وَجَهَالَةُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مُفْسِدَةٌ لِلْعَقْدِ ثُمَّ هَذِهِ جَهَالَةٌ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِك، وَلَيْسَ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنْ الرُّجُوعِ إلَى قَوْلِ الْآخَرِ، وَيُحْكَى عَنْ الْهِنْدُوَانِيَّ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ عُرْفٌ ظَاهِرٌ يَكُونُ الْبَذْرُ مِنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، أَوْ كَانَ الْعُرْفُ مُشْتَرَكًا فَأَمَّا فِي مَوْضِعٍ يَكُونُ فِيهِ عُرْفٌ ظَاهِرٌ يَكُونُ الْبَذْرُ مِنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ فَإِنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ صَحِيحًا، وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْعُرْفِ كَالثَّابِتِ بِالشَّرْطِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِدَرَاهِمَ مُطْلَقَةٍ تَنْصَرِفُ إلَى نَقْدِ الْبَلَدِ لِلْعُرْفِ، فَتَنْقَطِعُ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا بِالرُّجُوعِ إلَى الظَّاهِرِ الْمُتَعَارَفِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِلْمُزَارِعِ: عَلَى أَنْ تَزْرَعَهَا سَنَتَكَ هَذِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ لَا يَتَعَيَّنُ بِهَذَا اللَّفْظِ فَالْمَزَارِعُ هُوَ الَّذِي يَزْرَعُ الْبَذْرَ سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ أَوْ مِنْ قِبَلِهِ، وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنْ تَزْرَعَهَا سَنَتَكَ هَذِهِ لِنَفْسِك بِالنِّصْفِ فَهُوَ جَائِزٌ اسْتِحْسَانًا، وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ فَيَكُونُ هُوَ مُسْتَأْجِرًا لِلْأَرْضِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ، فَيَكُونُ هُوَ أَجِيرًا عَامِلًا لِرَبِّ الْأَرْضِ، فَفِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْبَذْرِ عَلَى الْمُزَارِعِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَالتَّصْرِيحِ بِهِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ حَتَّى يُسَمِّيَ مَا يَزْرَعُهَا؛ لِأَنَّ بَعْضَ الزَّرْعِ أَضَرُّ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَا لَمْ يُبَيَّنْ جِنْسُ الْبَذْرِ لَا يَصِيرُ مِقْدَارُ مَا يَسْتَوْفِيهِ مِنْ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ مَعْلُومًا، وَهَذِهِ الْجَهَالَةُ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ يُطَالِبُهُ بِأَنْ يَزْرَعَ فِيهَا أَقَلَّ مَا يَكُونُ ضَرَرًا عَلَى الْأَرْضِ، وَالْمُزَارِعُ
стр. 4674
يَأْبَى إلَّا أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا أَضَرَّ الْأَشْيَاءِ بِالْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ فِي جَهَالَةِ جِنْسِ الْبَذْرِ جَهَالَةُ جِنْسِ الْأَجْرِ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ جُزْءٌ مِنْ الْخَارِجِ، وَذَلِكَ لَا يَصِيرُ مَعْلُومًا إلَّا بِتَسْمِيَةِ جِنْسِ الْبَذْرِ، وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ أَنْ نُجِيزَ الْعَقْدَ، وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْ يَزْرَعَهَا مَا بَدَا لَهُ مِنْ غَلَّةِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالرُّطَبَةِ وَالسِّمْسِمِ وَالشَّعِيرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، إمَّا لِأَنَّ بِطَرِيقِ الْعُرْفِ يَحْصُلُ تَعْيِينُ جِنْسِ الْبَذْرِ بِتَعْيِينِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ أَهْلَ الصَّنْعَةِ يَعْلَمُونَ كُلَّ أَرْضٍ صَالِحَةٍ لِزِرَاعَةِ شَيْءٍ مَعْلُومٍ فِيهَا أَوْ؛ لِأَنَّهُ لَا تَجْرِي الْمُنَازَعَةُ بَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْمُزَارِعِ فِيهَا لِمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْحَظِّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ؛ لِأَنَّ الْمُزَارِعَ مُسْتَأْجِرٌ لِلْأَرْضِ، وَمَنْفَعَةُ الْأَرْضِ مَعْلُومَةٌ بِتَعْيِينِ الْأَرْضِ، وَالضَّرَرُ فِي أَنْوَاعِ مَا يَزْرَعُهَا فِيهَا يَتَفَاوَتُ فَلَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ، كَمَا لَوْ أُسْتَأْجَر دَارًا لِلسُّكْنَى، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَنْ يَسْكُنُهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَغْرِسَ فِيهَا كَرْمًا وَلَا شَجَرًا؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْعَقْدِ: ازْرَعْهَا لِنَفْسِكَ، وَعَمَلُ الْغَرْسِ غَيْرُ عَمَلِ الزِّرَاعَةِ، وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا فِي الضَّرَرِ عَلَى الْأَرْضِ فَاحِشٌ فَلَا يَسْتَفِيدُ أَعْظَمَ الضَّرَرَيْنِ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِأَدْنَاهُمَا، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا لِيَسْكُنَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُقْعِدَ فِيهَا قَصَّارًا، وَلَا حَدَّادًا، وَلَوْ كَانَ دَفَعَهَا إلَيْهِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَ سَنَتَهُ هَذِهِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ بِالنِّصْفِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَالْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ زَارِعًا لِصَاحِبِ الْأَرْضِ إنْ كَانَ هُوَ أَجِيرًا لَهُ فِي الْعَمَلِ، وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الزَّارِعَ فِي زِرَاعَةِ مَا بَدَا لَهُ فِيهَا مِنْ غَلَّةِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ اسْتِحْسَانًا، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ حَتَّى يُبَيِّنَ مَا يَزْرَعُ، أَوْ يَشْتَرِطَ التَّعْمِيمَ، فَيَقُولَ: عَلَى أَنْ يَزْرَعَ لِي مَا بَدَا لِي مِنْ غَلَّةِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ يَتَفَاضَلُ فِي ذَلِكَ، وَالْعَمَلُ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الزَّرْعِ يَكُونُ أَشَدَّ عَلَى الْعَامِلِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَمَّا أَنْ يُبَيِّنَ جِنْسَ الْبَذْرِ لِيَصِيرَ مِقْدَارُ الْعَمَلِ بِهِ مَعْلُومًا، أَوْ يُصَرِّحَ بِاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ لِنَفْسِهِ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنْ فِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يُشْتَرَطُ هَذَا؛ لِمَا قُلْنَا، وَلَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا سَنَتَهُ هَذِهِ مَا بَدَا لِلْمُزَارِعِ مِنْ غَلَّةِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ تَفْوِيضَ الْأَمْرِ إلَى رَأْيِهِ عَلَى الْعُمُومِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ فِي الزِّرَاعَةِ، وَلَوْ قَالَ: مَا بَدَا لِرَبِّ الْأَرْضِ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى كَوْنِ الرَّأْيِ فِيهِ إلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُزَارِعَ عَامِلٌ لَهُ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ رَبُّ الْأَرْضِ: تَزْرَعُهَا مَا أَحْبَبْتُ أَنَا أَوْ مَا شِئْت أَنَا أَوْ مَا أَرَدْت أَنَا فَهَذَا كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبَذْرَ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَلَوْ قَالَ: مَا شِئْتَ أَنْتَ أَوْ مَا أَحْبَبْتَ أَنْتَ، أَوْ مَا أَرَدْتَ أَنْتَ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبَذْرَ مِنْ الْعَامِلِ، وَالْعَقْدُ جَائِزٌ فِي الْفَصْلَيْنِ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ: لَا يَجُوزُ حَتَّى يُبَيِّنَا مَنْ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ أَيُّهُمَا هُوَ؛ لِأَنَّ مَعَ اشْتِرَاطِ
стр. 4675
الرَّأْيِ لِأَحَدِهِمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْآخَرِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُمَا لَوْ صَرَّحَا بِذَلِكَ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ، فَإِذَا سَكَتَا عَنْ ذِكْرِهِ كَانَ مَنْ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ مَجْهُولًا مِنْهُمَا، وَلَكِنْ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا شَرَطَ الْمَشِيئَةَ وَالْمَحَبَّةَ وَالْإِرَادَةَ فِي الْبَذْرِ عَلَى الْعُمُومِ لِمَنْ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ، وَهَذَا الظَّاهِرُ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهِ، وَعِنْدَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهِ يَبْقَى مُعْتَبَرًا، كَتَقْدِيمِ الْمَائِدَةِ بَيْنَ يَدَيْ إنْسَانٍ يَكُونُ إذْنًا فِي التَّنَاوُلِ بِدَلِيلِ الْعُرْفِ، وَإِنْ صَرَّحَ بِخِلَافِهِ، فَقَالَ: لَا تَأْكُلْ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إذْنًا فِي التَّنَاوُلِ
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا وَبَذْرًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا سَنَتَهُ هَذِهِ بِالرُّبُعِ، وَلَمْ يُسَمِّيَا غَيْرَ ذَلِكَ فَالْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ، وَالرُّبُعُ لِلزَّارِعِ إنْ اخْتَلَفَا فِيهِ قَبْلَ الْعَمَلِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ حَرْفَ الْبَاءِ لِلْإِلْصَاقِ، وَإِنَّمَا يَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ، فَيَكُونُ هَذَا اشْتِرَاطَ الرُّبُعِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْخَارِجَ عِوَضًا، وَهُوَ الْمُزَارِعُ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ عِوَضًا عَنْ عَمَلِهِ، فَأَمَّا صَاحِبُ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ، فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ لِأَنَّهُ نَمَاءُ بَذْرِهِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمُزَارِعَ هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَى بَيَانِ نَصِيبِهِ بِالشَّرْطِ، فَاشْتِرَاطُ الرُّبُعِ مُطْلَقًا إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى بَيَانِ نَصِيبِ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى الشَّرْطِ، وَلَوْ قَالَ: دَفَعْت إلَيْك هَذِهِ الْأَرْضَ عَلَى أَنْ تَزْرَعَهَا بِبَذْرِك وَعَمَلِكَ بِالرُّبُعِ كَانَ الرُّبُعُ لِرَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْخَارِجَ هُنَا عِوَضًا عَنْ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ، وَهُوَ الْمُحْتَاجُ إلَى الشَّرْطِ لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَلَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا حِنْطَةً مِنْ عِنْدِهِ بِالنِّصْفِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَزْرَعَهَا غَيْرَ الْحِنْطَةِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ ضَرَرًا عَلَى الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُمَا شَرَطَا زِرَاعَةَ الْحِنْطَةِ فِي عَقْدٍ لَازِمٍ، وَهَذَا شَرْطٌ مُفِيدٌ فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَهَا بِدَرَاهِمَ لِيَزْرَعَهَا حِنْطَةً، فَزَرَعَهَا شَيْئًا هُوَ أَقَلُّ ضَرَرًا عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يَضْمَنْ، وَعَلَيْهِ الْأَجْرُ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْحِنْطَةِ هُنَاكَ غَيْرُ مُفِيدٍ فِي حَقِّ رَبِّ الْأَرْضِ؛ فَإِنَّ حَقَّهُ فِي الْأَجْرِ، وَهُوَ دَرَاهِمُ يَسْتَوْجِبُهَا بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الزِّرَاعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهَا فَلَا يُعْتَبَرُ تَعْيِينُهَا بِالْحِنْطَةِ إلَّا فِي مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الضَّرَرِ عَلَى الْأَرْضِ، فَإِذَا زَرَعَ فِيهَا مَا هُوَ أَقَلُّ ضَرَرًا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا أَمَّا فِي الْمُزَارَعَةِ فَتَعْيِينُ الْحِنْطَةِ شَرْطٌ مُفِيدٌ فِي حَقِّ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ حَقَّ رَبِّ الْأَرْضِ فِي نِصْفِ الْخَارِجِ، فَإِنَّمَا جَعَلَ لَهُ الْأَجْرَ مِنْ الْحِنْطَةِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُحَوِّلَ حَقَّهُ إلَى شَيْءٍ آخَرَ بِزِرَاعَتِهِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَقَلَّ ضَرَرًا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: خُذْ هَذِهِ الْأَرْضَ لِتَزْرَعَهَا حِنْطَةً، فَهَذَا شَرْطٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: عَلَى أَنْ تَزْرَعَهَا الْحِنْطَةَ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْفُصُولَ فِي الْمُضَارَبَةِ
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الْأَرْضَ وَالْبَذْرَ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْمُزَارِعِ رُبُعُ الْخَارِجِ، وَلِرَبِّ الْأَرْضِ نِصْفُهُ فَهُوَ جَائِزٌ، وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الزَّرْعِ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ، لِأَنَّ الْمُزَارِعَ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ فَلَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَ مَا شُرِطَ لَهُ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ يَكُونُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ؛
стр. 4676
لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ يَكُونُ نَمَاءَ بَذْرِهِ بِالشَّرْطِ، وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا، فَقَالَ: قَدْ أَجَّرْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ هَذِهِ السَّنَةَ مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ أَوْ لِتَزْرَعَهَا بِالنِّصْفِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَالْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ مُؤَاجِرٌ لِلْأَرْضِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَجَّرْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ هَذِهِ السَّنَةَ عَلَى أَنْ تَزْرَعَهَا بِالنِّصْفِ فَهُوَ جَائِزٌ وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلَ الْعَامِلِ، وَلَوْ قَالَ: أَجَّرْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ هَذِهِ السَّنَةَ بِالنِّصْفِ كَانَ فَاسِدًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ زَرْعًا وَلَا غَرْسًا، وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا فِي الضَّرَرِ عَلَى الْأَرْضِ فَاحِشٌ، وَرَبُّ الْأَرْضِ هُوَ الْمُؤَاجِرُ لِأَرْضِهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِذَا لَمْ يُبَيِّنَا ذَلِكَ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا، فَإِنْ لَمْ يَتَفَاسَخَا حَتَّى زَرَعَهَا أَوْ غَرَسَهَا، وَقَدْ أَجَّرَهَا إيَّاهُ سِنِينَ مُسَمَّاةً كَانَ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي الِانْتِهَاءِ قَبْلَ وُجُوبِ الْبَدَلِ فَيُجْعَلُ كَتَعَيُّنِهِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَاتِ إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِلرُّكُوبِ أَوْ ثَوْبًا لِلُبْسٍ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَنْ يَرْكَبُهَا، وَلَا مَنْ يَلْبَسُهَا، وَلَوْ قَالَ لَهُ: اسْتَأْجَرْتُكَ هَذِهِ السَّنَةَ تَزْرَعُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ بِالنِّصْفِ جَازَ، وَالْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ، فَمَا أَعْطَاهُ مِنْ حُبُوبٍ أَوْ رُطَبَةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَزْرَعَهَا؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِاسْتِئْجَارِهِ لِلزِّرَاعَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ رَبُّ الْأَرْضِ مُسْتَأْجِرًا لِلزَّرْعِ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ، وَلَوْ أَرَادَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ شَجَرًا أَوْ كَرْمًا يَغْرِسُهُ فِيهَا فَلِلْعَامِلِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِلزِّرَاعَةِ، وَهَذَا الْعَمَلُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الزِّرَاعَةِ مُطْلَقًا إنَّمَا يُسَمَّى غِرَاسَةً، وَمَا شَرَطَ عَلَيْهِ فِي الْعَقْدِ عَمَلُ الْغِرَاسَةِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُكَلِّفَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ اسْتَأْجَرْتُكَ تَعْمَلُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ عَشْرَ سِنِينَ بِالنِّصْفِ، فَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ الْمَشْرُوطَ عَلَيْهِ مَجْهُولٌ، وَبَيْنَ عَمَلِ الزِّرَاعَةِ وَالْغِرَاسَةِ تَفَاوُتٌ عَظِيمٌ، فَإِنْ لَمْ يَتَفَاسَخَا حَتَّى أَعْطَاهُ رَبُّ الْأَرْضِ بَذْرًا فَبَذَرَهُ، أَوْ غَرْسًا فَغَرَسَهُ، وَعَمِلَهُ كَانَ الْخَارِجُ مِنْهُمَا عَلَى شَرْطِهِمَا اسْتِحْسَانًا، وَجُعِلَ التَّعْيِينُ فِي الِانْتِهَاءِ بِتَرَاضِيهِمَا، كَالتَّعْيِينِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْأَوَّلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[بَابُ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْمُزَارَعَةِ فِيمَا شَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ]
قَالَ ﵀: وَإِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ، فَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ زَرْعًا كَثِيرًا فَقَالَ رَبُّ الْأَرْضِ: شَرَطْتُ لَك الثُّلُثَ، وَقَالَ الْمُزَارِعُ: شَرَطْتَ لِي النِّصْفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمُزَارِعَ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الْخَارِجَ بِمُقَابَلَةِ عَمَلِهِ بِالشَّرْطِ، فَهُوَ يَدَّعِي زِيَادَةً فِيمَا شَرَطَ لَهُ، وَرَبُّ الْأَرْضِ يُنْكِرُ تِلْكَ الزِّيَادَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَعَلَى الْمُزَارِعِ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَا ادَّعَى وَتَتَرَجَّحُ
стр. 4677
بَيِّنَتُهُ عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ إثْبَاتِ الزِّيَادَةِ، وَلَا يُصَارُ إلَى التَّحَالُفِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا ﵏ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْفَائِدَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْإِجَارَاتِ وَإِنْ اخْتَلَفَا قَبْلَ أَنْ يَزْرَعَ شَيْئًا تَحَالَفَا، وَتُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَهُنَا أَوَّلُ الْمُزَارَعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ عَقْدٌ مُحْتَمِلٌ لِلْفَسْخِ، فَإِذَا اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الْبَدَلِ فِيهِ حَالَ قِيَامِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تَحَالَفَا، وَتَرَادَّا، وَيُبْدَأُ بِالْمُزَارِعِ فِي الْيَمِينِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرُ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْبُيُوعِ أَنَّ الْبُدَاءَةَ فِي الْبَيْعِ بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ أَوَّلَ التَّسْلِيمَيْنِ عَلَيْهِ، فَأَوَّلُ التَّسْلِيمَيْنِ عَلَى الْمُزَارِعِ ثُمَّ الْعَقْدُ لَازِمٌ فِي جَانِبِهِ حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ مِنْ الْفَسْخِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَصَاحِبُ الْبَذْرِ يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَتْ الْيَمِينُ فِي جَانِبِهِ أَلْزَمَ، وَأَيُّهُمَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ دَعْوَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ كَإِقْرَارِهِ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ قَبْلَ التَّحَالُفِ أَوْ بَعْدَهُ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ لِلزِّيَادَةِ، وَالْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ أَحَقُّ أَنْ تُرَدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا، وَالْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ، وَقَدْ أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ الزَّرْعَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْخَارِجَ عَلَيْهِ بِالشَّرْطِ، فَإِذَا ادَّعَى زِيَادَةً فِيمَا شُرِطَ لَهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَ تِلْكَ الزِّيَادَةَ بِالْبَيِّنَةِ، وَعَلَى الْآخَرِ الْيَمِينُ؛ لِإِنْكَارِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَا قَبْلَ أَنْ يَزْرَعَ تَحَالَفَا، وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ صَاحِبِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ التَّسْلِيمَيْنِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ لُزُومَ الْعَقْدِ هُنَا فِي جَانِبِهِ
وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا وَبَذْرًا يَزْرَعُهَا سَنَتَهُ هَذِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمُزَارِعِ ثُلُثَ الْخَارِجِ ثُلُثُهُ مِنْ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، وَالثُّلُثَانِ مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ فَهَذَا جَائِزٌ، وَلَهُ سِتَّةٌ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَالْبَاقِي بَيْنَ صَاحِبَيْ الْأَرْضِ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ مِنْهُ لِلَّذِي شَرَطَ لِلْمُزَارِعِ الثُّلُثَيْنِ مِنْ نَصِيبِهِ، وَسَبْعَةٌ لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْمُزَارِعَ أَجِيرُهُمَا فِي الْعَمَلِ، وَقَدْ اسْتَأْجَرَاهُ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ الْخَارِجِ، وَبَيَّنَّا مِقْدَارَ مَا لَهُ مِنْ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ، وَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ، فَالْأَجِيرُ قَدْ تَسَامَحَ مَعَ أَحَدِ الْمُسْتَأْجِرِينَ دُونَ الْآخَرِ، وَقَدْ تَعَيَّنَتْ مَعَ أَحَدِهِمَا، وَطَلَبَ الْأَجْرَ مِنْ الْآخَرِ، فَإِذَا صَحَّ هَذَا الشَّرْطُ احْتَجْنَا فِي التَّخْرِيجِ إلَى حِسَابٍ لَهُ ثُلُثٌ يَنْقَسِمُ أَثْلَاثًا، وَذَلِكَ تِسْعَةٌ إلَّا أَنَّ أَصْلَ الْخَارِجِ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، فَلَيْسَ لِتِسْعَةٍ نِصْفٌ صَحِيحٌ فَيَضْعُفُ الْحِسَابُ، وَيُجْعَلُ الْخَارِجُ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تِسْعَةٌ، وَقَدْ شَرَطَا لِلْمُزَارِعِ ثُلُثَ الْخَارِجِ، وَهُوَ سِتَّةٌ ثُلُثَا ذَلِكَ، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ مِنْ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَنَصِيبُهُ كَانَ تِسْعَةً، فَإِذَا اسْتَحَقَّ الْمُزَارِعُ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةً بَقِيَ لَهُ خَمْسَةٌ، وَثُلُثُ ذَلِكَ، وَهُوَ سَهْمَانِ مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ، وَقَدْ كَانَ نَصِيبُهُ تِسْعَةً، فَلَمَّا اسْتَحَقَّ الْمُزَارِعُ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةً بَقِيَ لَهُ خَمْسَةٌ، وَثُلُثُ ذَلِكَ هُوَ سَهْمَانِ مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ، وَقَدْ كَانَ نَصِيبُهُ تِسْعَةً، فَلَمَّا اسْتَحَقَّ الْمُزَارِعُ مِنْ ذَلِكَ سَهْمَيْنِ بَقِيَ لَهُ سَبْعَةٌ، وَلَوْ كَانَ اشْتَرَطَا لِلْمُزَارِعِ الثُّلُثَ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا كَانَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّ الْمَشْرُوطَ
стр. 4678
لِلْمُزَارِعِ مُطْلَقًا يَكُونُ مِنْ النَّصِيبَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ، فَإِذَا اسْتَحَقَّ الْمُزَارِعُ ثُلُثَ الْخَارِجِ بَقِيَ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا عَلَى مَا كَانَ أَصْلَ الْخَارِجِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا وَلَوْ كَانَا اشْتَرَطَا الثُّلُثَ لِلزَّارِعِ ثُلُثُهُ مِنْ نَصِيبِ هَذَا بِعَيْنِهِ، وَالثُّلُثُ مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ، وَمَا بَقِيَ مِنْ صَاحِبَيْ الْأَرْضِ نِصْفَيْنِ، فَلِلْمُزَارِعِ الثُّلُثُ سِتَّةٌ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا لِأَحَدِهِمَا خَمْسَةٌ، وَلِلْآخَرِ سَبْعَةٌ، كَمَا خَرَّجْنَا، وَاشْتِرَاطُ الْمُنَاصَفَةِ فِيمَا بَيْنَهُمَا فِيمَا بَقِيَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي شَرَطَ لِلْمُزَارِعِ ثُلُثَيْ الثُّلُثِ مِنْ نَصِيبِهِ بِاشْتِرَاطِ الْمُنَاصَفَةِ فِي الْبَاقِي يَسْتَوْهِبُ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ سَهْمًا وَاحِدًا؛ لِيَكُونَ سِتَّةً لَهُ مِنْ الْبَاقِي، وَلِصَاحِبِهِ سِتَّةٌ، وَاسْتِيهَابُ الْمَعْدُومِ بَاطِلٌ، وَهُوَ طَمَعٌ مِنْهُ فِي غَيْرِ مَطْمَعٍ؛ وَلِأَنَّهُ طَمِعَ فِي شَيْءٍ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ مِنْ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَرْضٌ وَلَا بَذْرٌ وَلَا عَمَلٌ، وَعَقْدُ الْمُزَارَعَةِ إنَّمَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمُزَارِعِ، وَالشَّرْطُ الْبَاطِلُ فِيمَا بَيْنَهُمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ الَّذِي بَيْنَهُمَا، وَبَيْنَ الْمُزَارِعِ،
وَلَوْ دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلَيْنِ أَرْضًا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِيَزْرَعَاهَا بِبَذْرِهِمَا وَعَمَلِهِمَا عَلَى أَنَّ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ثُلُثَ الْخَارِجِ ثُلُثُهُ مِنْ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، وَثُلُثَاهُ مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ أَجَّرَ الْأَرْضَ مِنْهُمَا بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ الْخَارِجِ، وَفَاوَتَ بَيْنَهُمَا ذَلِكَ الْأَجْرَ، وَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ؛ فَإِنَّهُ لَا تَتَفَرَّقُ الصَّفْقَةُ فِي حَقِّهِ بِهَذَا التَّفَاوُتِ، فَإِذَا حَصَلَ الْخَارِجُ كَانَ لَهُ الثُّلُثُ سِتَّةٌ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَالْبَاقِي بَيْنَ الْعَامِلَيْنِ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا، خَمْسَةٌ لِلَّذِي شَرَطَ لِرَبِّ الْأَرْضِ ثُلُثَيْ الثُّلُثِ مِنْ نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ كَانَ تِسْعَةً، وَقَدْ أَوْجَبَ لِلْمُزَارِعِ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةً، فَبَقِيَ لَهُ خَمْسَةٌ، وَالْآخَرُ إنَّمَا أَوْجَبَ لِرَبِّ الْأَرْضِ سَهْمَيْنِ مِنْ نَصِيبِهِ، فَبَقِيَ لَهُ سَبْعَةٌ، فَإِذَا كَانَا اشْتَرَطَا أَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ الثُّلُثِ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، فَهَذِهِ مُزَارَعَةٌ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي شَرَطَ ثُلُثَيْ الثُّلُثِ مِنْ نَصِيبِهِ لِرَبِّ الْأَرْضِ شَرَطَ لِنَفْسِهِ سَهْمًا مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ لِيَسْتَوِيَ بِهِ، وَكَانَ صَاحِبُهُ عَاقَدَهُ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ فِي نَصِيبِهِ بِهَذَا السَّهْمِ الَّذِي شَرَطَ لَهُ، وَشَرَطَ عَمَلَهُ مَعَهُ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِعَقْدِ الْمُزَارَعَةِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ لَيْسَ بَيْنَ صَاحِبَيْ الْأَرْضِ شُبْهَةُ عَقْدٍ، فَاشْتِرَاطُ أَحَدِهِمَا لِنَفْسِهِ سَهْمًا مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ اسْتِيهَابٌ لِلْمَعْدُومِ، وَإِذَا فَسَدَ الْعَقْدُ كَانَ الْخَارِجُ بَيْنَ الْمُزَارِعَيْنِ نِصْفَيْنِ، وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ أَرْضِهِ، أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ شَيْئًا أَوْ لَمْ تُخْرِجْ فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْسُدَ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ مُمْكِنٌ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ فِي الْعَقْدِ الَّذِي فِيمَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ قُلْنَا: الْعَقْدُ كُلُّهُ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ بَعْضُهُ مَشْرُوطٌ فِي الْبَعْضِ فَيَتَمَكَّنُ الْمُفْسِدُ مِنْهُ، وَفِي جَانِبٍ مِنْهُ يُفْسِدُ الْكُلَّ، ثُمَّ قَدْ يَتَمَكَّنُ الْمُفْسِدُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي شَرَطَ الثُّلُثَيْنِ لِرَبِّ الْأَرْضِ مِنْ نَصِيبِهِ كَأَنَّهُ شَرَطَ رُبُعَ ذَلِكَ
стр. 4679
عَلَى صَاحِبِهِ لِيَسْتَوِيَ بِهِ فِيمَا بَقِيَ، وَاشْتِرَاطُ شَيْءٍ مِنْ الْأَجْرِ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ يَكُونُ مُفْسِدًا لِلْإِجَارَةِ
وَلَوْ دَفَعَ رَجُلَانِ أَرْضًا وَبَذْرًا إلَى رَجُلٍ؛ لِيَزْرَعَهَا عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ ثُلُثَ الْخَارِجِ، وَالثُّلُثَانِ مِنْ ذَلِكَ لِأَحَدِ صَاحِبَيْ الْأَرْضِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَلِلْآخَرِ رُبُعُهُ، فَعَمِلَ عَلَى ذَلِكَ فَلِلْعَامِلِ ثُلُثُ الْخَارِجِ، وَالْبَاقِي بَيْنَ صَاحِبَيْ الْأَرْضِ نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَالْعَامِلُ أَجِيرُهُمَا بِالثُّلُثِ، فَاسْتَحَقَّ الثُّلُثَ بِمُطْلَقِ الشَّرْطِ مِنْ نَصِيبِهِمَا سَهْمَيْنِ، وَكَانَ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَاَلَّذِي شُرِطَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مَا بَقِيَ يَكُونُ شَرْطُهَا لَهُ نِصْفَ مَا بَقِيَ مِنْ صَاحِبِهِ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا مِنْهُ اسْتِيهَابُ الْمَعْدُومِ، أَوْ طَمَعٌ فِي غَيْرِ مَطْمَعٍ، فَيَلْغُو، وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا جَازَ، وَكَانَ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ، ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ لِلَّذِي شُرِطَ ذَلِكَ لَهُ، وَرُبُعُهُ لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ هُنَا مُسْتَأْجِرٌ لِلْأَرْضِ مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا اسْتِحْقَاقُ الْخَارِجِ عَلَيْهِ بِالشَّرْطِ، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِقْدَارُ مَا شُرِطَ لِأَحَدِهِمَا، ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الثُّلُثَيْنِ، وَلِلْآخَرِ الرُّبُعُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَاسْتِحْقَاقهمَا هُنَاكَ يَكُونُ مِنْ الْخَارِجِ نَمَاءَ بَذْرِهِمَا لَا بِالشَّرْطِ فَإِنْ قِيلَ: هُنَا الْعَامِلُ يَكُونُ مُسْتَأْجِرًا نَصِيبَ أَحَدِهِمَا مِنْ الْأَرْضِ بِجَمِيعِ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ مِنْ نِصْفِ الْأَرْضِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الثُّلُثَيْنِ مِثْلُ مَا شُرِطَ لَهُ، وَاسْتِئْجَارُ الْأَرْضِ فِي الْمُزَارَعَةِ بِجَمِيعِ الْخَارِجِ لَا يَجُوزُ قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنْ لَا يُمَيِّزُ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَمَكُّنِ الشُّيُوعِ فِي الْعَقْدِ فِي نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِذَا لَمْ يُمَيِّزْ لَمْ يَتَحَقَّقْ هَذَا الْمَعْنَى، فَبَقِيَ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا عَلَى جَمِيعِ الْأَرْضِ بِثُلُثَيْ الْخَارِجِ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ بَيْنَهُمَا، وَبَيْنَ صَاحِبِ الْبَذْرِ ثُمَّ جَعَلَا ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الثُّلُثَيْنِ بِمُقَابَلَةِ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا مِنْ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ وَالرُّبُعَ بِمُقَابَلَةِ نَصِيبِ الْآخَرِ، وَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ فِيمَا بَيْنَهُمَا أَيْضًا
وَلَوْ دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلَيْنِ أَرْضًا يَزْرَعُهَا بِبَذْرِهِمَا وَعَمَلِهِمَا عَلَى أَنَّ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ثُلُثَ الْخَارِجِ وَلِلْعَامِلَيْنِ الثُّلُثَيْنِ، الرُّبُعُ مِنْ ذَلِكَ لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ لِلْآخَرِ، فَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَأْجَرَا الْأَرْضَ عَلَى أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْأَجْرِ عَلَى أَحَدِهِمَا وَهُوَ الَّذِي شُرِطَ لَهُ الرُّبْعُ مِنْ الْبَاقِي؛ لِأَنَّ الَّذِي شَرَطَ لِنَفْسِهِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ مَا بَقِيَ قَدْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ جَمِيعَ مَا يُخْرِجُهُ بَذْرُهُ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ شَرَطَ نَصِيبَهُ مِنْ الْأَجْرِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ وَيُوَضِّحُهُ أَنَّهُمَا شَرَطَا لِرَبِّ الْأَرْضِ الثُّلُثَ، وَذَلِكَ مِنْ نَصِيبِهِمَا نِصْفَيْنِ، فَلَمَّا شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ مَا بَقِيَ، فَكَأَنَّ الْآخَرَ عَقَدَ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ بِنِصْفِ الْبَاقِي مِنْ نَصِيبِهِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ هُوَ مَعَهُ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْمُزَارَعَةِ وَإِذَا فَسَدَتْ كَانَ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِلْمُزَارِعَيْنِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ أَرْضِهِ أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ شَيْئًا أَوْ لَمْ تُخْرِجْ، وَهُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ،
وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ أَرْضًا يَزْرَعُهَا
стр. 4680
بِبَذْرِهِ وَعَمَلِهِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، فَلَمَّا حَصَلَ الْخَارِجُ قَالَ صَاحِبُ الْبَذْرِ شَرَطْتُ لَكَ عِشْرِينَ قَفِيزًا مِنْ الْخَارِجِ وَقَالَ رَبُّ الْأَرْضِ: شَرَطْتَ لِي النِّصْفَ مِنْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْبَذْرِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ يَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ نِصْفِ الْخَارِجِ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الِاسْتِحْقَاقَ لَهُ، وَلَا يُقَالُ: الظَّاهِرُ يَشْهَدُ لِرَبِّ الْأَرْضِ، فَإِنَّ الْعَقْدَ الَّذِي يَجْرِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الْأَصْلُ فِيهِ الصِّحَّةُ؛ لِأَنَّ هَذَا الظَّاهِرَ يَصْلُحُ لِدَفْعِ الِاسْتِحْقَاقِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ بِهِ، وَحَاجَةُ رَبِّ الْأَرْضِ إلَى ابْتِدَاءِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَإِذَا حَلَفَ صَاحِبُ الْبَذْرِ أَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِ أَرْضِهِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ لَهُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ، وَإِنْ لَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا فَقَالَ الْمُزَارِعُ شَرَطْتُ لَهُ النِّصْفَ، وَقَالَ رَبُّ الْأَرْضِ: شَرَطْتَ لِي عِشْرِينَ قَفِيزًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ أَجْرَ الْمِثْلِ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُزَارِعِ وَالْمُزَارِعُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ، ثُمَّ الظَّاهِرُ يَشْهَدُ لِلْمُزَارِعِ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ الصِّحَّةُ، وَحَاجَةُ الْمُزَارِعِ إلَى دَفْعِ اسْتِحْقَاقِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَالظَّاهِرُ يَكْفِي لِذَلِكَ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُزَارِعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ بِبَيِّنَتِهِ اشْتِرَاطَ نِصْفِ الْخَارِجِ، وَرَبُّ الْأَرْضِ لَيْسَ يُثْبِتُ بِبَيِّنَتِهِ مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِاشْتِرَاطِ عِشْرِينَ قَفِيزًا، وَذَلِكَ لَا يُسْتَحَقُّ بِالشَّرْطِ بَلْ يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ، فَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ، فَتَتَرَجَّحُ بَيِّنَةُ مَنْ تُثْبِتُ بَيِّنَتُهُ صِحَّةَ الْعَقْدِ وَصِحَّةَ الشَّرْطِ، وَلَوْ لَمْ يَزْرَعْ حَتَّى اخْتَلَفَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّ الْأَرْضِ، وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَهَا بِأَقْفِزَةٍ مَعْلُومَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُزَارِعَ يَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ وَوُجُوبَ تَسْلِيمِهَا إلَيْهِ، وَرَبُّ الْأَرْضِ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ ادَّعَى رَبُّ الْأَرْضِ أَنَّهُ دَفَنَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُزَارِعِ أَنَّهُ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ قَفِيزًا مَعَ يَمِينِهِ عَلَى مَا ادَّعَى رَبُّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ بَعْضِ الْخَارِجِ عَلَيْهِ، وَالْمُزَارِعُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ وَقِيلَ لَا مَعْنَى لِيَمِينِ الْمُزَارِعِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ فَسْخِ الْعَقْدِ قَبْلَ إلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ ادَّعَى مَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ، فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْفَسْخِ مِنْهُ ثُمَّ الْيَمِينُ إنَّمَا تَنْبَنِي عَلَى دَعْوَى مُلْزِمَةٍ، وَدَعْوَى رَبِّ الْأَرْضِ لَا تُلْزِمُهُ شَيْئًا قَبْلَ الزِّرَاعَةِ، فَلَا مَعْنَى لِاسْتِحْلَافِهِ، فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ صَاحِبِ الْأَرْضِ فَلَمَّا أَدْرَكَ الزَّرْعَ قَالَ الْعَامِلُ: شَرَطْتَ لِي النِّصْفَ، وَقَالَ رَبُّ الْأَرْضِ: شَرَطْتُ لَكَ عِشْرِينَ قَفِيزًا مِنْ الْخَارِجِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ جُزْءٍ مِنْ الْخَارِجِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ بِالشَّرْطِ، وَرَبُّ الْأَرْضِ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الِاسْتِحْقَاقَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا، فَقَالَ الْعَامِلُ:
стр. 4681
شَرَطْتَ لِي عِشْرِينَ؛ قَفِيزًا، وَقَالَ رَبُّ الْأَرْضِ: شَرَطْتُ لَكَ النِّصْفَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ يَدَّعِي أَجْرَ الْعَمَلِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الْأَرْضِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ بِبَيِّنَتِهِ صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَيَشْهَدُ شُهُودُهُ بِاشْتِرَاطِ مَا يُثْبِتُ بِالشَّرْطِ فِي الْمُزَارَعَةِ، وَالْآخَرُ إنَّمَا يَشْهَدُ شُهُودُهُ بِاشْتِرَاطِ مَا لَا يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ فِي الْمُزَارَعَةِ، فَكَانَ الْإِثْبَاتُ فِي بَيِّنَةِ رَبِّ الْأَرْضِ أَظْهَرَ، وَلَوْ لَمْ يَزْرَعْ حَتَّى اخْتَلَفَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي يَدَّعِي الْفَسَادَ مِنْهُمَا مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ وُجُوبَ تَسْلِيمِ شَيْءٍ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الَّذِي يَدَّعِي الْمُزَارَعَةَ بِالنِّصْفِ أَيُّهُمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ بِبَيِّنَتِهِ صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَكَوْنَهُ سَبَبًا لِلِاسْتِحْقَاقِ، فَتَتَرَجَّحُ بَيِّنَتُهُ بِذَلِكَ، وَلَوْ أَخْرَجَ زَرْعًا كَثِيرًا، فَقَالَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ: شَرَطْتُ لَكَ النِّصْفَ وَزِيَادَةَ عَشَرَةِ أَقْفِزَةٍ، وَقَالَ الْعَامِلُ: شَرَطْتَ لِي النِّصْفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى اشْتِرَاطِ النِّصْفِ ثُمَّ ادَّعَى رَبُّ الْأَرْضِ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ، وَالْعَامِلُ مُنْكِرٌ لِتِلْكَ الزِّيَادَةِ، ثُمَّ رَبُّ الْأَرْضِ مُتَعَنِّتٌ فِي كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ لَهُ بِزِيَادَةٍ لِيُبْطِلَ بِهِ أَصْلَ اسْتِحْقَاقِهِ، لَا لِيُثْبِتَ حَقَّهُ فِيمَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ، وَقَوْلُ الْمُتَعَنِّتِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ بِبَيِّنَتِهِ زِيَادَةَ الشَّرْطِ؛ وَلِأَنَّهُ يُثْبِتُ بِبَيِّنَتِهِ فَسَادَ الْعَقْدِ بَعْدَ مَا ظَهَرَ بِاتِّفَاقِهِمَا مَا هُوَ شَرْطُ الصِّحَّةِ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ نِصْفِ الْخَارِجِ فَالزِّيَادَةُ هَاهُنَا فِي بَيِّنَتِهِ، وَلَوْ ادَّعَى رَبُّ الْأَرْضِ أَنَّهُ اشْتَرَطَ لَهُ نِصْفَ مَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ إلَّا خَمْسَةَ أَقْفِزَةٍ، وَقَالَ الْعَامِلُ: لَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُقَيَّدَ بِالِاسْتِثْنَاءِ يَكُونُ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى، فَالْمُزَارِعُ يَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ نِصْفٍ كَامِلٍ بِالشَّرْطِ، وَرَبُّ الْأَرْضِ يُنْكِرُ الشَّرْطَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ النِّصْفِ مَعْنًى، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِإِنْكَارِهِ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ صِحَّةَ الْمُزَارَعَةِ، وَالْفَضْلَ فِيمَا يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ إنْ لَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا، وَقَالَ الْمُزَارِعُ: شَرَطْتَ لِي النِّصْفَ وَزِيَادَةَ عَشَرَةِ أَقْفِزَةٍ، وَقَالَ رَبُّ الْأَرْضِ: شَرَطْتُ لَكَ النِّصْفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى اشْتِرَاطِ النِّصْفِ، وَتَفَرَّدَ الْمُزَارِعُ بِدَعْوَى الزِّيَادَةِ لَا لِيَسْتَحِقَّهَا، بَلْ لِيُبْطِلَ الْعَقْدَ بِهَا، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ زِيَادَةَ شَرْطٍ بِبَيِّنَتِهِ، وَيُثْبِتُ لِنَفْسِهِ أَجْرَ الْمِثْلِ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَلَوْ قَالَ الْمُزَارِعُ: شَرَطْتَ لِي النِّصْفَ إلَّا عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ، وَقَالَ رَبُّ الْأَرْضِ: شَرَطْتُ لَكَ النِّصْفَ، وَلَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْمُزَارِعَ يَدَّعِي الْأَجْرَ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَرَبُّ الْأَرْضِ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الْأَرْضِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ بِبَيِّنَتِهِ شَرْطَ صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا قَبْلَ الْعَمَلِ فَقَالَ الْمُزَارِعُ: شَرَطْتَ لِي
стр. 4682
النِّصْفَ وَزِيَادَةَ عَشَرَةِ أَقْفِزَةٍ، وَقَالَ رَبُّ الْأَرْضِ: شَرَطْتُ لَكَ النِّصْفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى جَوَازَ الْمُزَارَعَةِ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُزَارِعِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ يَدَّعِي صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَمِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الصِّحَّةَ. بَيَانُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي السَّلَمِ إذَا ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الْأَجَلَ فِي السَّلَمِ، وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْأَجَلَ أَيُّهُمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَعِنْدَهُمَا الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ السَّلَمِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ إذَا كَانَ يَدَّعِي الْأَجَلَ، وَرَبُّ السَّلَمِ مُنْكِرٌ لِدَعْوَاهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي إنْكَارِهِ إفْسَادُ الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مُنْكِرًا لِلْأَجَلِ فَهُوَ مُتَعَنِّتٌ فِي هَذَا الْإِنْكَارِ؛ لِأَنَّ رَبَّ السَّلَمِ يُقِرُّ لَهُ بِالْأَجَلِ، وَهُوَ يُنْكِرُ ذَلِكَ تَعَنُّتًا لِيُفْسِدَ بِهِ الْعَقْدَ فَهُنَا كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يُجْعَلُ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَعِنْدَهُمَا يُجْعَلُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارِ، فَرَبُّ الْأَرْضِ يَدَّعِي عَلَى الْمُزَارِعِ اسْتِحْقَاقَ تَسْلِيمِ النَّفْسِ لِإِقَامَةِ الْعَمَلِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي إنْكَارِهِ إفْسَادُ الْعَقْدِ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُزَارِعِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ السَّبَبَ الْمُفْسِدَ بَعْدَ تَصَادُقِهِمَا عَلَى مَا هُوَ شَرْطُ الصِّحَّةِ، وَلَا يُثْبِتُ الْفَضْلَ فِيمَا شَرَطَ لَهُ وَلَوْ قَالَ الْمُزَارِعُ: شَرَطْتَ لِي النِّصْفَ إلَّا عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ، وَقَالَ رَبُّ الْأَرْضِ: شَرَطْتُ لَكَ النِّصْفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ فَلِأَنَّهُ يَدَّعِي الصِّحَّةَ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا؛ فَلِأَنَّ الْمُزَارِعَ مُتَعَنِّتٌ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ يُقِرُّ لَهُ بِزِيَادَةٍ فِيمَا شَرَطَ لَهُ، وَالْمُزَارِعُ يُكَذِّبُهُ فِيمَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ، لِيُفْسِدَ بِهِ الْعَقْدَ، فَكَانَ مُتَعَنِّتًا، فَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ شَرْطَ صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَاسْتِحْقَاقُ الْعَمَلِ عَلَى الْمُزَارِعِ بِبَيِّنَتِهِ، وَلَوْ قَالَ الْمُزَارِعُ قَبْلَ الْعَمَلِ: شَرَطْتُ لِي النِّصْفَ وَقَالَ رَبُّ الْأَرْضِ شَرَطْتُ لَكَ النِّصْفَ وَزِيَادَةَ عَشَرَةِ أَقْفِزَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى شَرْطِ صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ النِّصْفِ ثُمَّ رَبُّ الْأَرْضِ يَدَّعِي شَرْطَ الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِيُفْسِدَ بِهِ الْعَقْدَ، وَالْمُزَارِعُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِإِثْبَاتِهِ الشَّرْطَ الْمُفْسِدَ مَعَ تَصَادُقِهِمَا عَلَى مَا هُوَ شَرْطُ صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَلَوْ قَالَ رَبُّ الْأَرْضِ: شَرَطْتُ لَكَ النِّصْفَ إلَّا عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ، وَقَالَ الْمُزَارِعُ: شَرَطْتَ لِي النِّصْفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْمُزَارِعَ يَدَّعِي زِيَادَةَ أَقْفِزَةٍ فِيمَا شُرِطَ، وَرَبُّ الْأَرْضِ مُنْكِرٌ؛ لِمَا قُلْنَا: إنَّ الْكَلَامَ الْمُصَدَّرَ بِالِاسْتِثْنَاءِ يَصِيرُ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ الْفَضْلَ
стр. 4683
فِي الْمَشْرُوطِ لَهُ بِبَيِّنَتِهِ، وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ كَانَ حَالُهُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ بِمَنْزِلَةِ حَالِ رَبِّ الْأَرْضِ حَتَّى كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ لِلْمَعْنَى الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ
وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى رَجُلَيْنِ أَرْضًا وَبَذْرًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَاهَا سَنَتَهُمَا هَذِهِ، فَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْ ذَلِكَ فَلِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ الثُّلُثُ مِنْهُ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ الثُّلُثَانِ، وَلِلْآخَرِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى مَا اشْتَرَطُوا؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَ أَحَدَهُمَا بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ لِعَمَلِ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَاسْتَأْجَرَ الْآخَرَ بِجُزْءٍ مِنْ الْخَارِجِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْعَقْدَيْنِ جَائِزٌ عِنْدَ الِانْفِرَادِ، فَكَذَا عِنْدَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ زَرْعًا كَثِيرًا فَاخْتَلَفَ الْعَامِلَانِ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا صَاحِبُ الثُّلُثِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ الثُّلُثَ عَلَيْهِ بِالشَّرْطِ فَإِذَا صَدَقَ أَحَدُهُمَا فَقَدْ أَقَرَّ لَهُ بِالثُّلُثِ وَأَنْكَرَ اسْتِحْقَاقَ الْآخَرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي بَيَانِ مَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْرِ أَوْ ثُلُثِ الْخَارِجِ، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ صَاحِبُ الثُّلُثِ أَخَذَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ رَبُّ الْأَرْضِ الثُّلُثَ بِإِقْرَارِهِ وَأَخَذَ الْآخَرُ الثُّلُثَ بِبَيِّنَتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ مَا ادَّعَاهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ؛ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ اسْتِحْقَاقِهِ ثُلُثَ الْخَارِجِ ابْتِغَاءَ الْأَجْرِ الَّذِي بِهِ أَقَرَّ لَهُ رَبُّ الْأَرْضِ، وَلَوْ لَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا صَاحِبُ الْأَجْرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ لِمَا قُلْنَا، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ مِائَةُ دِرْهَمٍ لِأَحَدِهِمَا بِإِقْرَارِ رَبِّ الْأَرْضِ لَهُ، وَلِلْآخَرِ بِإِثْبَاتِهِ بِالْبَيِّنَةِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى بَيِّنَةِ رَبِّ الْأَرْضِ فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مَعَ بَيِّنَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا الْمُدَّعِيَانِ لِلْحَقِّ قَبْلَهُ وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي دُونَ الْمُنْكِرِ، وَلَوْ كَانَ دَفَعَ الْأَرْضَ إلَيْهِمَا عَلَى أَنْ يَزْرَعَاهَا بِبَذْرِهِمَا عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْهُ فَلِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ نِصْفُهُ، وَلِرَبِّ الْأَرْضِ عَلَيْهِ أَجْرُ مِائَةِ دِرْهَمٍ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُ الزَّرْعِ، وَلِرَبِّ الْأَرْضِ سُدُسُ الزَّرْعِ فَهَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ أَجَّرَ الْأَرْضَ مِنْهُمَا نِصْفُهَا مِنْ أَحَدِهِمَا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَنِصْفُهَا مِنْ الْآخَرِ بِثُلُثِ مَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ النِّصْفُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْعَقْدَيْنِ صَحِيحٌ عِنْدَ الِانْفِرَادِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ بِاخْتِلَافِ الْبَدَلِ لَا تَتَفَرَّقُ الصَّفْقَةُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْأَرْضِ، فَإِنْ زَرَعَهَا، فَلَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِرَبِّ الْأَرْضِ: أَنَا شَرَطْتُ لَكَ سُدُسَ الزَّرْعِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا زَعَمَ أَنَّهُ شَرَطَ لَهُ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ يُصَدِّقُ أَحَدَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَيَدَّعِي عَلَى الْآخَرِ وُجُوبَ الْأَجْرِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَهَذَا مُنْكِرٌ لِذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِإِنْكَارِهِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ أُخِذَ بِبَيِّنَةِ رَبِّ الْأَرْضِ
стр. 4684
لِأَنَّهُ يُثْبِتُ لِلْآخَرِ بِبَيِّنَتِهِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَلَوْ أَخْرَجَتْ زَرْعًا كَثِيرًا، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي شَرَطَ لَهُ الْأَجْرَ، وَادَّعَى صَاحِبُ الْأَرْضِ عَلَى أَحَدِهِمَا الْأَجْرَ، وَعَلَى الْآخَرِ سُدُسَ الزَّرْعِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْأَجْرَ مِنْ الَّذِي ادَّعَاهُ عَلَيْهِ لِتَصَادُقِهِمَا عَلَى ذَلِكَ، وَفِي حَقِّ رَبِّ الْأَرْضِ يَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ بَعْضِ الْخَارِجِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَيُقَالُ لِرَبِّ الْأَرْضِ: أَقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى السُّدُسِ الَّذِي ادَّعَيْتَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أُخِذَ بِبَيِّنَةِ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُدَّعِي الْمُثْبِتُ لِحَقِّهِ بِبَيِّنَتِهِ
وَلَوْ دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِ وَعَمَلِهِ، فَمَا خَرَجَ مِنْهُ فَثُلُثَاهُ لِلْعَامِلِ، وَالثُّلُثُ لِأَحَدِ صَاحِبَيْ الْأَرْضِ بِعَيْنِهِ، وَلِلْآخَرِ مِائَةُ دِرْهَمٍ أَجْرُ نَصِيبِهِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَ مِنْ أَحَدِهِمَا نَصِيبَهُ بِأَجْرٍ مُسَمًّى، وَاسْتَأْجَرَ مِنْ الْآخَرِ نَصِيبَهُ بِثُلُثِ مَا يُخْرِجُهُ نَصِيبُهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَقِيمٌ، فَإِنْ أَخْرَجَتْ زَرْعًا كَثِيرًا، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيْ الْأَرْضِ أَنَّهُ صَاحِبُ الثُّلُثِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّارِعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ الْخَارِجِ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيْ الْأَرْضِ الْبَيِّنَةَ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا بِثُلُثِ الْخَارِجِ، وَالْآخَرُ أَثْبَتَ بِبَيِّنَتِهِ اسْتِحْقَاقَ ثُلُثِ الْخَارِجِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى بَيِّنَةِ الْمُزَارِعِ مَعَ بَيِّنَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا الْمُدَّعِيَانِ، وَالْبَيِّنَةُ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي دُونَ الْمُنْكِرِ
وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى رَجُلَيْنِ أَرْضًا وَبَذْرًا عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ ثُلُثَ الْخَارِجِ وَلِلْآخَرِ عِشْرِينَ قَفِيزًا مِنْ الْخَارِجِ، وَلِرَبِّ الْأَرْضِ مَا بَقِيَ، فَزَرَعَاهَا، فَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ زَرْعًا كَثِيرًا فَالثُّلُثُ لِلَّذِي سُمِّيَ لَهُ الثُّلُثُ، وَالثُّلُثَانِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، وَلِلْآخَرِ أَجْرُ مِثْلِهِ: أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ شَيْئًا، أَوْ لَمْ تُخْرِجْ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي شُرِطَ لَهُ الثُّلُثُ صَحِيحٌ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ لَهُ شَرْطًا يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ مَعَ حُصُولِهِ، وَالْمُزَارَعَةُ بِمِثْلِ هَذَا الشَّرْطِ تَفْسُدُ، وَلَكِنَّ عَقْدَهُ مَعَ أَحَدِهِمَا مَعْطُوفٌ عَلَى الْعَقْدِ مَعَ الْآخَرِ بِحَرْفِ الْعَطْفِ، وَلَيْسَ بِمَشْرُوطٍ فِيهِ، فَفَسَادُ الْعَقْدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدِهِمَا لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الَّذِي شُرِطَ لَهُ الثُّلُثُ مِنْهُمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي الِاسْتِحْقَاقَ عَلَيْهِ بِالشَّرْطِ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ الْخَارِجِ لِأَحَدِهِمَا بِإِقْرَارِ رَبِّ الْأَرْضِ لَهُ بِهِ، وَلِلْآخَرِ بِإِثْبَاتِهِ بِالْبَيِّنَةِ، وَلَوْ لَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّ الْأَرْضِ فِي الَّذِي لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ مِنْهُمَا، فَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ صَدَّقَ أَحَدَهُمَا فِيمَا ادَّعَى عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ، وَإِنَّمَا بَقِيَتْ الدَّعْوَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ، وَرَبُّ الْأَرْضِ بِبَيِّنَةٍ تُثْبِتُ شَرْطَ
стр. 4685
صِحَّةِ الْعَقْدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ وَالْآخَرُ يَنْفِي ذَلِكَ بِبَيِّنَتِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْبَيِّنَةَ الَّتِي تُثْبِتُ شَرْطَ صِحَّةِ الْعَقْدِ تَتَرَجَّحُ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَهُنَاكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ صَحِيحٌ، فَلَا يَكُونُ رَبُّ الْأَرْضِ بِبَيِّنَتِهِ مُثْبِتًا شَرْطَ صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ اثْنَيْنِ عَلَى مِثْلِ هَذَا الشَّرْطِ دَفَعَاهُ إلَى وَاحِدٍ، وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ كَانَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ مِثْلَ مَا بَيَّنَّا مِنْ حُكْمِ صَاحِبِ الْأَرْضِ حِينَ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَعْنَى، وَذَلِكَ يَتَّضِحُ لَك إذَا تَأَمَّلْتَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[بَابُ الْعُشْرِ فِي الزِّرَاعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ]
(قَالَ ﵀) -: وَإِذَا دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا سَنَتَهُ هَذِهِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِ وَعَمَلِهِ بِالنِّصْفِ، فَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ زَرْعًا كَثِيرًا، وَالْأَرْضُ أَرْضُ عُشْرٍ، فَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَ الْمُزَارَعَةَ يَكُونُ لِلْمُزَارِعِ نِصْفُ الْخَارِجِ كَامِلًا، وَيَأْخُذُ السُّلْطَانُ عُشْرَ جَمِيعِ الْخَارِجِ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِ الْأَرْضِ، إنْ كَانَتْ تَشْرَبُ سَحًّا أَوْ تَسْقِيهَا السَّمَاءُ، وَإِنْ كَانَتْ تُسْقَى بِدَلْوٍ، أَوْ دَالِيَةٍ فَنِصْفُ عُشْرِ جَمِيعِ الْخَارِجِ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ مُؤَاجِرٌ لِأَرْضِهِ بِجُزْءٍ مِنْ الْخَارِجِ، وَمِنْ أَصْل أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ مَنْ أَجَّرَ أَرْضَهُ الْعُشْرِيَّةَ فَالْعُشْرُ يَكُونُ عَلَى الْآخَرِ، وَعِنْدَهُمَا الْعُشْرُ فِي الْخَارِجِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، فَهُنَا أَيْضًا عِنْدَهُمَا الْعُشْرُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْخَارِجِ نِصْفَانِ، وَإِنْ سُرِقَ الْخَارِجُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَوْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَا عُشْرَ عَلَيْهِمَا لِفَوَاتِ مَحَلِّ الْحَقِّ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عُشْرُ جَمِيعِ الْخَارِجِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، فَإِنْ سُرِقَ الطَّعَامُ بَعْدَ مَا حُصِدَ أَوْ حُرِقَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ السُّلْطَانُ الْعُشْرَ يَبْطُلُ عَنْ رَبِّ الْأَرْضِ نِصْفُهُ، وَلَزِمَهُ فِي مَالِهِ نِصْفُهُ؛ لِأَنَّ حِصَّةَ النِّصْفِ الَّذِي صَارَ لِلْمُزَارِعِ مِنْ الْعُشْرِ صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ رَبِّ الْأَرْضِ، فَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْهُ بِهَلَاكِ الْخَارِجِ، وَفِي النِّصْفِ الَّذِي هُوَ مِلْكُ رَبِّ الْأَرْضِ الْعُشْرُ بَاقٍ فِي عَيْنِهِ، فَإِذَا هَلَكَ سَقَطَ عُشْرُ ذَلِكَ عَنْهُ؛ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ، فَإِنَّهُ مُسْتَأْجِرٌ لِلْعَامِلِ بِنِصْفِ الْخَارِجِ، فَيَكُونُ عُشْرُ الْكُلِّ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْعُشْرَ مُؤْنَةُ الْأَرْضِ النَّامِيَةِ، كَالْخَرَاجِ، وَهُوَ الْمَالِكُ لِلْأَرْضِ، فَإِذَا سُرِقَ الطَّعَامُ بَعْدَ الْحَصَادِ سَقَطَ عَنْهُ النِّصْفُ حِصَّةُ نَصِيبِهِ مِنْ الْخَرَاجِ، وَأَمَّا حِصَّةُ نَصِيبِ الْمُزَارِعِ فَصَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ بِتَمْلِيكِهِ إيَّاهُ مِنْ الْمُزَارِعِ فَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْهُ بِهَلَاكِ الْخَارِجِ، وَلَوْ أَجَّرَ أَرْضِهِ مِنْ رَجُلٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ يَزْرَعُهَا هَذِهِ السَّنَةَ، فَأَخْرَجَتْ زَرْعًا كَثِيرًا ثُمَّ تَوِيَ الْأَجْرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ - فَعُشْرُ جَمِيعِ الطَّعَامِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ
стр. 4686
فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَدْ صَارَ ذَلِكَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَلِلْآخَرِ دَيْنٌ لَهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، فَإِنْ تَوِيَ دَيْنُهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنْ سُرِقَ طَعَامُ الْمُسْتَأْجِرِ لَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُؤَاجِرِ الْعُشْرُ الَّذِي صَارَ دَيْنًا عَلَيْهِ. وَلَوْ اُسْتُحْصِدَ الزَّرْعُ فَلَمْ يُحْصَدْ حَتَّى هَلَكَ فَالْأَجْرُ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْأَجْرِ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَمَكَّنَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ اسْتَوْفَاهُ حَقِيقَةً، وَلَا عُشْرَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْعُشْرِ عِنْدَ الْحَصَادِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وَإِنَّمَا يَصِيرُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْآجِرِ بَعْدَ وُجُوبِهِ، فَإِذَا هَلَكَ الْخَارِجُ قَبْلَ الْحَصَادِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا هَلَكَ بَعْدَ الْحَصَادِ؛ لِأَنَّ الْعُشْرَ قَدْ تَقَرَّرَ وُجُوبُهُ هُنَا وَصَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْآجِرِ. وَكَذَلِكَ فِي الْمُزَارَعَةِ إذَا هَلَكَ الزَّرْعُ بَعْدَ مَا اُسْتُحْصِدَ قَبْلَ أَنْ يُحْصَدَ فَلَا عُشْرَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا، سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ فَاتَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ وَقْتُ وُجُوبِ الْعُشْرِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اُسْتُهْلِكَ النِّصَابُ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ، وَالْهَلَاكُ هُنَا فِي حَقِّ الْمُؤَاجِرِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِهْلَاكِ فِي مَالِ الزَّكَاةِ حَتَّى إذَا اُسْتُهْلِكَ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ فَالزَّكَاةُ دَيْنٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا هَلَكَ هُنَا بَعْدَ الْحَصَادِ يَكُونُ الْعُشْرُ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي مُعَامَلَةِ النَّخِيلِ وَالْكُرُومِ، وَهُوَ مِثْلُ الْجَوَابِ فِي الْمُزَارَعَةِ أَنَّهُ إذَا هَلَكَ قَبْلَ الْجُذَاذِ فَلَا عُشْرَ عَلَى رَبِّ النَّخِيلِ، وَإِنْ هَلَكَ بَعْدَ الْجُذَاذِ فَعُشْرُ نَصِيبِ الْعَامِلِ دَيْنٌ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّ الْجُذَاذَ فِي الثِّمَارِ بِمَنْزِلَةِ الْحَصَادِ فِي الزَّرْعِ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ رَجُلٌ فَلَيْسَ عَلَى رَبِّ النَّخِيلِ فِي حِصَّتِهِ شَيْءٌ مِنْ الْعُشْرِ إلَّا أَنْ يَسْتَوْفِيَ بَدَلَهُ مِنْ الْمُسْتَهْلِكِ، فَحِينَئِذٍ يُؤَدِّي عُشْرَهُ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ فَاتَ وَأَخْلَفَ بَدَلًا، وَإِنْ اسْتَوْفَى مِنْهُ بَعْضَ الْبَدَلِ يُؤَدِّي الْعُشْرَ بِقَدْرِ ذَلِكَ اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ. وَلَوْ صَالَحَ الْإِمَامُ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى أَنْ صَارُوا ذِمَّةً لَهُ، وَوَضَعَ عَلَى رُءُوسِهِمْ شَيْئًا مَعْلُومًا، وَجَعَلَ خَرَاجَ أَرَاضِيِهِمْ وَنَخِيلِهِمْ وَأَشْجَارِهِمْ الْمُنَاصَفَةَ - فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَرُبَّمَا يَكُونُ خَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ أَنْفَعُ لِلْفَرِيقَيْنِ مِنْ خَرَاجِ الْوَظِيفَةِ.
فَإِذَا دَفَعَ رَجُلٌ أَرْضًا مُزَارَعَةً وَالْبَذْرُ مِنْهُ أَوْ مِنْ الْعَامِلِ، أَوْ أَجَّرَهَا بِدَرَاهِمَ، أَوْ أَعَارَهَا رَجُلًا لِيَزْرَعَهَا لِنَفْسِهِ، أَوْ دَفَعَ الْأَشْجَارَ مُعَامَلَةً - كَانَ الْجَوَابُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا فِي الْعُشْرِ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ هُنَا بِجُزْءٍ مِنْ الْخَارِجِ لَا يَجِبُ إلَّا بَعْدَ حُصُولِ الْخَارِجِ حَقِيقَةً، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْعُشْرِ فِي التَّخْرِيجِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ كَمَا بَيَّنَّا، بِخِلَافِ خَرَاجِ الْوَظِيفَةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَزْرَعْ كَانَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا.
وَإِذَا دَفَعَ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ وَبَذْرًا إلَى رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا سَنَتَهُ هَذِهِ، عَلَى أَنَّ لِلْمُزَارِعِ
стр. 4687
عِشْرِينَ قَفِيزًا مِنْ الْخَارِجِ فَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ زَرْعًا كَثِيرًا - فَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ وَعَلَى رَبِّ الْأَرْضِ عُشْرُ جَمِيعِ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَ الْعَامِلَ إجَارَةً فَاسِدَةً، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ إجَارَةً صَحِيحَةً بِدَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ لِلْعَمَلِ - كَانَ عُشْرُ جَمِيعِ الْخَارِجِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ فَكَذَلِكَ هُنَا، وَلَا يَرْفَعُ مِمَّا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ نَفَقَةً وَلَا أَجْرَ عَامِلٍ؛ لِأَنَّ بِإِزَاءِ مَا غَرِمَ مِنْ الْأَجْرِ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ الْعِوَضُ وَهُوَ مَنْفَعَةُ الْعَامِلِ، وَصَارَ إقَامَةُ الْعَمَلِ بِأَجِيرِهِ كَإِقَامَتِهِ بِنَفْسِهِ. وَلَوْ زَرَعَ الْأَرْضَ كَانَ عَلَيْهِ عُشْرُ جَمِيعِ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْفَعَ مِنْ ذَلِكَ بَذْرًا أَوْ نَفَقَةً أَنْفَقَهَا فَكَذَلِكَ أَجْرُ الْعَامِلِ، وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ كَانَ الْخَارِجُ لَهُ وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ، ثُمَّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عُشْرُ جَمِيعِ الْخَارِجِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، وَعِنْدَهُمَا الْعُشْرُ فِي الْخَارِجِ اعْتِبَارًا لِلْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ بِالْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ فِي الْقَوْلَيْنِ. وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الْأَرْضَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا بِبَذْرٍ مِنْهُمَا، فَمَا خَرَجَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ - فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ؟ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَنْفَعَةَ نِصْفِ الْأَرْضِ لِلْعَامِلِ مُقَابِلَةً عَمَلَهُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ لِرَبِّ الْأَرْضِ، ثُمَّ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَالْخَارِجُ نَمَاءُ الْبَذْرِ، وَعُشْرُ الطَّعَامِ كُلُّهُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُؤَاجِرًا نِصْفَ الْأَرْضِ بِمَا شَرَطَ بِمُقَابَلَتِهِ مِنْ عَمَلِهِ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَجَّرَهَا بِدَرَاهِمَ، وَعِنْدَهُمَا الْعُشْرُ فِي الْخَارِجِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ نِصْفُ أَجْرِ مِثْلِ أَرْضِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ نِصْفِ الْأَرْضِ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ الْعُشْرُ فِي نَصِيبِ الْعَامِلِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَهُ مَنْفَعَةُ ذَلِكَ النِّصْفِ مِنْ الْأَرْضِ وَهُوَ أَجْرُ الْمِثْلِ، وَلَا أَجْرَ لِلْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَى غَيْرِهِ.
وَلَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَرْضَ عُشْرٍ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِ وَعَمَلِهِ بِالنِّصْفِ فَاسْتُحْصِدَ الزَّرْعُ وَلَمْ يُحْصَدْ حَتَّى اسْتَهْلَكَهُ رَجُلٌ أَوْ سَرَقَهُ وَهُوَ مُقِرٌّ بِهِ - فَلَا عُشْرَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُؤَدِّيَ الْمُسْتَهْلِكُ مَا عَلَيْهِ، وَمَا أَدَّى مِنْ شَيْءٍ كَانَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ عُشْرُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ أَوْ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْبَدَلِ حُكْمُ الْمُبْدَلِ، وَسَلَامَتُهُ بِأَنْ يُسْتَوْفَى مِمَّنْ عَلَيْهِ، فَأَمَّا مَا كَانَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ فَهُوَ كَالتَّاوِي، وَفِي قَوْلِهِمَا: مَا خَرَجَ مِنْ شَيْءٍ أَخَذَ السُّلْطَانُ عُشْرَ ذَلِكَ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ مِمَّا صَالَحَ الْإِمَامُ أَهْلَهَا عَلَى أَنْ جَعَلَ خَرَاجَهَا نِصْفَ الْخَارِجِ - فَإِنَّ خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ بِمَنْزِلَةِ الْعُشْرِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَجَّرَ أَرْضِهِ الْعُشْرِيَّةَ بِدَرَاهِمَ فَزَرَعَهَا الْمُسْتَأْجِرُ فَاسْتُحْصِدَ زَرْعُهَا ثُمَّ اسْتَهْلَكَهَا مُسْتَهْلِكٌ - فَلَا عُشْرَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُؤَدِّيَ الْمُسْتَهْلِكُ مَا عَلَيْهِ
стр. 4688
مِنْ الْبَدَلِ، فَإِذَا أَدَّى شَيْئًا مِنْهُ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عُشْرُ مِقْدَارِ مَا وَصَلَ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، وَعِنْدَهُمَا عُشْرُ ذَلِكَ الْقَدْرِ فِي الْخَارِجِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ فِي حُكْمِ الْعُشْرِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ زَرَعَهَا بِنَفْسِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ أَرْضَ عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ فَزَرَعَهَا فَأَخْرَجَتْ زَرْعًا كَثِيرًا، وَلَمْ تُنْقِصْهَا الزِّرَاعَةُ شَيْئًا - فَالْخَارِجُ عَلَى الزَّارِعِ، وَالْعُشْرُ عَلَيْهِ فِي الْخَارِجِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ، وَلَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا مَعَ مَنْعِ الْغَاصِبِ إيَّاهُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يَلْزَمُهُ عُشْرٌ وَلَا خَرَاجٌ، فَإِذَا تَعَذَّرَ إيجَابُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَجَبَ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ سَلِمَتْ لَهُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، فَكَمَا الْتَحَقَ هُوَ بِالْمَالِكِ فِي سَلَامَةِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ لَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَكَذَلِكَ فِي وُجُوبِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ عَلَيْهِ. وَلَوْ كَانَتْ الْمُزَارَعَةُ نَقَصَتْ الْأَرْضَ فَعَلَى الزَّارِعِ غُرْمُ النُّقْصَانِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْجُزْءَ تَلِفَ بِفِعْلِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ، ثُمَّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو يُوسُفَ: عُشْرُ جَمِيعِ مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضُ خَرَاجٍ فَعَلَيْهِ خَرَاجُهَا؛ لِأَنَّ مَا اسْتَوْفَى هُوَ مِنْ قِيمَةِ النُّقْصَانِ مَنْفَعَةٌ سَلِمَتْ لَهُ بِاعْتِبَارِ عَمَلِ الزِّرَاعَةِ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَجَّرَ الْأَرْضَ بِذَلِكَ الْقَدْرِ، فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ، سَوَاءٌ كَانَ مَا وَصَلَ إلَيْهِ مِثْلَ الْعُشْرِ أَوْ الْخَرَاجِ الْوَاجِبِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ. وَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَصْحَابِنَا ﵏: إنَّ نُقْصَانَ الْأَرْضِ عِوَضٌ عَنْ مَنْفَعَتِهَا، وَإِنَّ الطَّرِيقَ فِي مَعْرِفَةِ النُّقْصَانِ أَنْ يُنْظَرَ بِكَمْ تُؤَجَّرُ الْأَرْضُ قَبْلَ الْمُزَارَعَةِ وَبَعْدَهَا فَمِقْدَارُ التَّفَاوُتِ هُوَ نُقْصَانُ الْأَرْضِ. وَفِي هَذَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَئِمَّةِ بَلْخِي، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْمَنْفَعَةَ عِنْدَنَا لَا تُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ، وَلَكِنَّ النُّقْصَانَ فِي حُكْمِ بَدَلِ جُزْءٍ فَائِتٍ مِنْ الْعَيْنِ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ أَنْ يُنْظَرَ بِكَمْ كَانَتْ تُشْتَرَى تِلْكَ الْأَرْضُ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ وَبِكَمْ تُشْتَرَى بَعْدَهَا، فَتَفَاوُتُ مَا بَيْنَهُمَا هُوَ النُّقْصَانُ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ بِنَاءً عَلَى الْجَوَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا، فَإِنَّهُ جَعَلَ النُّقْصَانَ بِمَنْزِلَةِ الْأُجْرَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَأَمَّا فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَإِنْ كَانَ نُقْصَانُ الْأَرْضِ مِثْلَ الْخَرَاجِ أَوْ أَكْثَرَ فَلِرَبِّ الْأَرْضِ قِيمَةُ النُّقْصَانِ عَلَى الْغَاضِبِ، وَالْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ. يُعْطِيهِ بِمَا يَسْتَوْفِي، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ النُّقْصَانِ أَقَلَّ مِنْ الْخَرَاجِ فَالْخَرَاجُ عَلَى الْغَاصِبِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ النُّقْصَانِ لِرَبِّ الْأَرْضِ، فَكَأَنَّهُ اسْتَحْسَنَ ذَلِكَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ رَبِّ الْأَرْضِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ مُوجَبَيْنِ عَلَى الْغَاصِبِ بِسَبَبِ زِرَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ نُقْصَانٌ فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَجِبَ الْخَرَاجُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَلَا يَتَضَرَّرُ بِهِ رَبُّ الْأَرْضِ. وَأَمَّا الْعُشْرُ عَلَى قَوْلِهِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَفِي الْخَارِجِ، وَالْخَارِجُ لِلْغَاصِبِ فَيُؤَدِّي
стр. 4689
عُشْرَ الْخَارِجِ وَيَغْرَمُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ النُّقْصَانَ مَعَ ذَلِكَ كَمَا يَغْرَمُ الْأَجْرَ لَوْ كَانَ اسْتَأْجَرَهَا مِنْهُ. وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْأَصْلِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ فِي تَخْرِيجِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ وَهُوَ سَهْوٌ، إنَّمَا الصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْمُعَامَلَةِ]
[قَالَ ﵀]: وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ نَخْلًا مُعَامَلَةً سِنِينَ مَعْلُومَةً بِالنِّصْفِ - فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى جَوَازَ الْمُزَارَعَةِ. وَكَذَلِكَ مُعَامَلَةُ الشَّجَرِ وَالْكَرْمِ وَالرِّطَابِ فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا ﵏. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ الْمُعَامَلَةُ إلَّا فِي النَّخِيلِ وَالْكُرُومِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ جَوَازَ ذَلِكَ بِالْأَثَرِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ الْأَثَرُ فِي النَّخِيلِ وَالْكُرُومِ، وَهُوَ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ، وَلَكِنَّ هَذَا فَاسِدٌ، فَقَدْ كَانَ أَهْلُ خَيْبَرَ يَعْمَلُونَ فِي الْأَشْجَارِ وَالرِّطَابِ أَيْضًا كَمَا يَعْمَلُونَ فِي النَّخِيلِ وَالْكُرُومِ، ثُمَّ هَذَا الْكَلَامُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ مِمَّنْ لَا يَرَى تَعْلِيلَ النُّصُوصِ، فَإِذَا كَانَ الشَّافِعِيُّ يَرَى تَعْلِيلَ النُّصُوصِ فَلَا يَسْتَقِيمُ مِنْهُ مَعْنًى؛ فَيَصِيرُ حُكْمُ الْمُعَامَلَةِ عَلَى النَّخِيلِ وَالْكُرُومِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَثَرَ وَرَدَ فِيهَا، فَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ النَّخِيلِ أَنْ يُخْرِجَ الْعَامِلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ عُذْرٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ دَفَعَ الْأَرْضَ وَالْبَذْرَ مُزَارَعَةً؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُلْقِيَ بَذْرَهُ فِي الْأَرْضِ وَفِيهِ إتْلَافُ مِلْكِهِ؛ فَلَهُ أَنْ لَا يَرْضَى بِهِ، وَهُنَا صَاحِبُ النَّخِيلِ لَا يَحْتَاجُ فِي إيفَاءِ الْعَقْدِ إلَى إتْلَافِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، فَيَلْزَمُهُ الْعَقْدُ فِي الْجَانِبَيْنِ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِفَسْخِهِ إلَّا بِعُذْرٍ كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ، وَالْعُذْرُ هُنَا أَنْ يَلْحَقَهُ دَيْنٌ فَادِحٌ لَا وَفَاءَ عِنْدَهُ إلَّا بِبَيْعِ النَّخِيلِ، أَوْ يَكُونَ الْعَامِلُ سَارِقًا مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ فَخَافَ مِنْهُ عَلَى أَخْذِ سَعَفِ النَّخْلِ وَسَرِقَتِهِ أَوْ عَلَى سَرِقَتِهِ الثِّمَارَ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا عُذْرٌ فِي سَائِرِ الْإِجَارَاتِ نَحْوِ إجَارَةِ الظِّئْرِ لِمَا يَلْحَقُهُ فِيهِ مِنْ ضَرَرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ بِالْعَقْدِ، فَكَذَلِكَ فِي الْمُعَامَلَةِ. وَإِنْ كَانَ الثَّمَرُ قَدْ خَرَجَ وَلَمْ يَبْلُغْ، ثُمَّ لَحِقَهُ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ عِنْدَهُ إلَّا بِبَيْعِ النَّخِيلِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْمُعَامَلَةَ، وَلَا يَبِيعَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الثَّمَرُ، فَيُبَاعَ نَصِيبُ صَاحِبِ النَّخْلِ مِنْ النَّخْلِ مِنْ الثَّمَرِ فِي الدَّيْنِ وَتُنْتَقَضَ الْمُعَامَلَةُ فِيمَا بَقِيَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمَعْنَى فِيهِمَا سَوَاءٌ، فَإِنَّ الشَّرِكَةَ انْعَقَدَتْ بَيْنَهُمَا فِي الثَّمَرِ، وَلِإِدْرَاكِهِ نِهَايَةً مَعْلُومَةً فَفِي الِانْتِظَارِ تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَفِي نَقْضِ الْمُعَامَلَةِ فِي الْحَالِ إضْرَارٌ بِالْعَامِلِ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقِّهِ مِنْ نَصِيبِ الثَّمَرِ، فَلِدَفْعِ الضَّرَرِ قُلْنَا: يُخْرِجُ رَبُّ النَّخِيلِ مِنْ الشَّجَرِ وَتَبْقَى الْمُعَامَلَةُ بَيْنَهُمَا إلَى أَنْ يُدْرِكَ مَا خَرَجَ
стр. 4690
مِنْ الثَّمَرِ، وَلَوْ أَرَادَ الْعَامِلُ تَرْكَ الْعَمَلِ قَبْلَ خُرُوجِ الثَّمَرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَمْرَضَ مَرَضًا يَضْعُفُ عَنْ الْعَمَلِ مَعَهُ فَيَكُونَ ذَلِكَ عُذْرًا، وَلَا يُقَالُ: يَنْبَغِي أَنْ يُؤْمَرَ فِي الْمَرَضِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَامِلًا لِيُقِيمَ الْعَمَلَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إلْحَاقَ ضَرَرٍ بِهِ لَمْ يَلْتَزِمْهُ بِعَقْدِ الْمُعَامَلَةِ، وَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ فِي إيفَاءِ الْعَقْدِ ضَرَرٌ فَوْقَ مَا الْتَزَمَهُ يَصِيرُ ذَلِكَ عُذْرًا فِي فَسْخِ الْمُعَامَلَةِ، قَالَ فِي الْأَصْلِ: أَوْ يُرِيدُ سَفَرًا أَوْ يَتْرُكُ ذَلِكَ الْعَمَلَ فَيَكُونُ هَذَا عُذْرًا لَهُ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّ فِي هَذَا الْفَصْلِ رِوَايَتَيْنِ، وَتَأْوِيلُ مَا ذُكِرَ هُنَا أَنَّ الْعَمَلَ كَانَ مَشْرُوطًا بِيَدِهِ.
وَلَوْ دَفَعَ رَجُلٌ نَخْلًا أَوْ شَجَرًا أَوْ كَرْمًا مُعَامَلَةً بِالنِّصْفِ وَلَمْ يُسَمِّ الْوَقْتَ - جَازَ اسْتِحْسَانًا عَلَى أَوَّلِ ثَمَرَةٍ تَخْرُجُ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ. وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ هَذَا اسْتِئْجَارٌ لِلْعَامِلِ وَبِهَذَا لَا يَصِيرُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا إلَّا بِبَيَانِ الْمُدَّةِ، فَإِذَا لَمْ يُبَيِّنَا لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ كَمَا فِي الْمُزَارَعَةِ. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ لِإِدْرَاكِ الثَّمَرِ أَوَانًا مَعْلُومًا فِي الْعَادَةِ، وَنَحْنُ نَتَيَقَّنُ أَنَّ إيفَاءَ الْعَقْدِ مَقْصُودٌ هُنَا إلَى إدْرَاكِ الثِّمَارِ، وَالثَّابِتُ بِالْعَادَةِ كَالثَّابِتِ بِالشَّرْطِ فَصَارَتْ الْمُدَّةُ مَعْلُومَةً، وَإِنْ تَقَدَّمَ، أَوْ تَأَخَّرَ فَذَلِكَ يَسِيرٌ لَا يَقَعُ بِسَبَبِهِ مُنَازَعَةٌ بَيْنَهُمَا فِي الْعَادَةِ، بِخِلَافِ الْمُزَارَعَةِ فَإِنَّ آخِرَ الْمُدَّةِ هُنَاكَ مَجْهُولٌ لِجَهَالَةِ أَوَّلِهَا؛ لِأَنَّ مَا يُزْرَعُ فِي الْخَرِيفِ يُدْرَكُ فِي آخِرِ الرَّبِيعِ، وَمَا يُزْرَعُ فِي الرَّبِيعِ يُدْرَكُ فِي آخِرِ الصَّيْفِ، وَمَا يُزْرَعُ فِي الصَّيْفِ يُدْرَكُ فِي آخِرِ الْخَرِيفِ، فَلِجَهَالَةِ وَقْتِ ابْتِدَاءِ عَمَلِ الْمُزَارَعَةِ يَصِيرُ وَقْتُ النِّهَايَةِ مَجْهُولًا، وَهَذِهِ الْجَهَالَةُ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ بَيْنَهُمَا؛ فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ بِبَيَانِ الْمُدَّةِ. ثُمَّ فِي الْمُعَامَلَةِ يُتَيَقَّنُ أَنَّ الْعَقْدَ تَنَاوَلَ أَوَّلَ ثَمَرِهِ وَفِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ شَكٌّ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا الْمُتَيَقَّنُ، وَإِذَا لَمْ يَخْرُجْ ثَمَرُهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ اُنْتُقِضَتْ الْمُعَامَلَةُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْ الْمُدَّةِ، فَكَأَنَّهُمَا نَصَّا عَلَى ذَلِكَ. وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أُصُولَ رَطْبَةٍ ثَابِتَةً فِي الْأَرْضِ مُعَامَلَةً وَلَمْ يُسَمِّ الْوَقْتَ - فَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الرَّطْبَةَ لَيْسَ لَهَا غَايَةٌ يَنْتَهِي إلَيْهَا نُمُوُّهَا، وَلَكِنَّهَا تَنْمُو مَا تُرِكَتْ فِي الْأَرْضِ، بِخِلَافِ الثِّمَارِ فَإِنَّ لَهَا غَايَةً تَنْتَهِي إلَيْهَا، فَإِذَا تُرِكَتْ بَعْدَ ذَلِكَ تَفْسُدُ، فَإِنْ كَانَتْ لِلرَّطْبَةِ غَايَةٌ مَعْلُومَةٌ تَنْتَهِي إلَيْهَا فِي نَبَاتِهَا حَتَّى تُقْطَعَ ثُمَّ تُخْرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ - فَهَذِهِ مُعَامَلَةٌ جَائِزَةٌ، وَالْمُعَامَلَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَوَّلِ جُزْءٍ كَمَا فِي الثِّمَارِ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا أَخَّرْنَا فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْقُضَ الْمُعَامَلَةَ إلَّا مِنْ عُذْرٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْلُومَ بِالْعَادَةِ مِنْ الْمُدَّةِ لَمَّا جُعِلَ كَالْمَشْرُوطِ لَهَا فِي جَوَازِ الْعَقْدِ، فَكَذَلِكَ فِي لُزُومِهِ
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ نَخْلًا فِيهِ طَلْعٌ مُعَامَلَةً بِالنِّصْفِ أَوْ لَمْ يُسَمِّ الْوَقْتَ أَوْ دَفَعَهُ إلَيْهِ بَعْدَ مَا صَارَ بُسْرًا أَخْضَرَ أَوْ أَحْمَرَ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَنْتَهِ عِظَمُهُ - فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ بِحَيْثُ يَنْمُو بِعَمَلِ الْعَامِلِ وَلَهُ نِهَايَةٌ مَعْلُومَةٌ فَيَجُوزُ الْعَقْدُ بِاعْتِبَارِهِ، وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ بَعْدَ مَا تَنَاهَى عِظَمُهُ وَلَيْسَ يَزِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُرْطِبْ - فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ
стр. 4691
لِأَنَّهُ لَا يَزْدَادُ بِعَمَلِهِ، وَالشَّرِكَةُ بِعَقْدِ الْمُعَامَلَةِ إنَّمَا تَصِحُّ فِيمَا يَحْدُثُ بِعَمَلِ الْعَامِلِ أَوْ يَزْدَادُ بِعَمَلِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا. وَإِنْ عَمِلَ فِيهِ الْعَامِلُ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ. وَلَوْ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ طَلْعًا فِي نَخْلٍ، أَوْ بُسْرًا أَخْضَرَ؛ فَتَرَكَهُ فِي النَّخْلِ بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهِ حَتَّى صَارَ تَمْرًا - تَصَدَّقَ الْمُشْتَرِي بِالزِّيَادَةِ؛ لِتَمَكُّنِ الْخُبْثِ فِي الْمُشْتَرَى بِالزِّيَادَةِ الْحَاصِلَةِ فِيهِ مِنْ نَخْلِ صَاحِبِ النَّخْلِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَلَوْ اشْتَرَاهُ وَهُوَ بُسْرٌ أَحْمَرُ قَدْ انْتَهَى عِظَمُهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ مِنْ النَّخْلِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا النُّضْجُ وَاللَّوْنُ وَالطَّعْمُ يَحْدُثُ فِيهِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسَبَبُ ذَلِكَ عَلَى مَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَبَبًا - الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْكَوَاكِبُ، فَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ خُبْثٌ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا لِإِيضَاحِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ بَيَّنَّا تَمَامَ هَذَا الْفَصْلِ فِي الْبُيُوعِ.
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ رَطْبَةً لَهُ فِي أَرْضٍ قَدْ صَارَتْ بَلَحًا وَلَمْ تَنْتَهِ إلَى أَنْ تُجَذَّ فَدَفَعَهَا إلَيْهِ مُعَامَلَةً عَلَى أَنْ يَسْقِيَهَا وَيَقُومَ عَلَيْهَا بِالنِّصْفِ، وَلَمْ يُسَمِّ وَقْتًا مَعْلُومًا - فَهُوَ فَاسِدٌ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلرَّطْبَةِ غَايَةٌ مَعْلُومَةٌ تَنْتَهِي إلَيْهَا - فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ.
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ رَطْبَةً قَدْ انْتَهَى إحْرَازُهَا عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهَا وَيَسْقِيَهَا حَتَّى تُخْرِجَ بَذْرَهَا عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي ذَلِكَ مِنْ الْبَذْرِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَلَمْ يُسَمِّيَا وَقْتًا - فَهُوَ جَائِزٌ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ لِإِدْرَاكِ الْبَذْرِ أَوَانًا مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُزَارِعِينَ، وَالْبَذْرُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِعَمَلِ الْعَامِلِ فَاشْتِرَاطُ الْمُنَاصَفَةِ فِيهِ يَكُونُ صَحِيحًا، وَالرَّطْبَةُ لِصَاحِبِهَا. وَلَوْ اشْتَرَطَا أَنَّ الرَّطْبَةَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَسَدَتْ الْمُعَامَلَةُ؛ لِأَنَّهُمَا شَرَطَا الشَّرِكَةَ فِيمَا لَا يَنْمُو بِعَمَلِ الْعَامِلِ، وَالرَّطْبَةُ لِلْبَذْرِ بِمَنْزِلَةِ الْأَشْجَارِ لِلثِّمَارِ، فَكَمَا أَنَّ شَرْطَ الشَّرِكَةِ فِي الْأَشْجَارِ الْمَدْفُوعَةِ إلَيْهِ مَعَ الثِّمَارِ يَكُونُ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ، فَكَذَلِكَ هُنَا. وَلَوْ كَانَ دَفَعَهَا إلَيْهِ وَهِيَ قِدَاحٌ لَمْ تَتَنَاهَ - وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا - جَازَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الرُّطَبَةَ هُنَا تَنْمُو بِعَمَلِهِ فَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْمُنَاصَفَةِ فِيهِ، وَلِإِدْرَاكِ الْبَذْرِ أَوَانٌ مَعْلُومٌ فَلَا يَضُرُّهُمَا تَرْكُ التَّوْقِيتِ.
وَلَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ غِرَاسَ شَجَرٍ أَوْ كَرْمٍ أَوْ نَخْلٍ قَدْ عَلِقَ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يَبْلُغْ الثَّمَرُ عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ وَيَسْقِيَهُ وَيُلَقِّحَ نَخْلَهُ، فَمَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ - فَهَذِهِ مُعَامَلَةٌ فَاسِدَةٌ إلَّا أَنْ يُسَمِّي سِنِينَ مَعْلُومَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي فِي كَمْ تَحْمِلُ النَّخْلُ وَالشَّجَرُ وَالْكَرْمُ، وَالْأَشْجَارُ تَتَفَاوَتُ فِي ذَلِكَ بِتَفَاوُتِ مَوَاضِعِهَا مِنْ الْأَرْضِ بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، فَإِنْ بَيَّنَّا مُدَّةً مَعْلُومَةً صَارَ مِقْدَارُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ الْعَامِلِ مَعْلُومًا فَيَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنَا ذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ نَخْلًا أَوْ كَرْمًا أَوْ شَجَرًا قَدْ أَطْعَمَ، وَبَلَغَ سِنِينَ مَعْلُومَةً عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ وَيَسْقِيَهُ وَيُلَقِّحَ نَخْلَهُ وَيَكْسَحَ كَرْمَهُ، عَلَى أَنَّ النَّخْلَ وَالْكَرْمَ وَالشَّجَرَ وَالْخَارِجَ كُلَّهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ - فَهَذَا فَاسِدٌ لِاشْتِرَاطِهِمَا الشَّرِكَةَ فِيمَا هُوَ حَاصِلٌ لَا بِعَمَلِ الْعَامِلِ وَهُوَ الْأَشْجَارُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ دَفَعَ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً عَلَى
стр. 4692
أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أُصُولَ رَطْبَةٍ عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهَا وَيَسْقِيَهَا حَتَّى تَذْهَبَ أُصُولُهَا وَيَنْقَطِعَ نَبْتُهَا عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ - فَهُوَ فَاسِدٌ، وَكَذَلِكَ النَّخْلُ وَالشَّجَرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِذَلِكَ نِهَايَةٌ مَعْلُومَةٌ بِالْعَادَةِ، وَجَهَالَةُ الْمُدَّةِ فِي الْمُعَامَلَةِ تُفْسِدُ الْمُعَامَلَةَ.
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ نَخْلًا أَوْ شَجَرًا أَوْ كَرْمًا مُعَامَلَةً أَشْهُرًا مَعْلُومَةً يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تُخْرِجُ ثَمَرَةً فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، بِأَنْ دَفَعَهَا أَوَّلَ الشِّتَاءِ إلَى أَوَّلِ الرَّبِيعِ - فَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمُعَامَلَةِ الشَّرِكَةُ فِي الْخَارِجِ، وَهَذَا الشَّرْطُ يَمْنَعُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ فَيَكُونُ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ. وَلَوْ اشْتَرَطَا وَقْتًا قَدْ يَبْلُغُ الثَّمَرُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَقَدْ يَتَأَخَّرُ عَنْهَا - جَازَ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ تَفْوِيتَ مُوجَبِ الْعَقْدِ، فَهَذَا الشَّرْطُ إنَّمَا يُوهِمُ ذَلِكَ، وَهَذَا التَّوَهُّمُ فِي كُلِّ مُعَامَلَةٍ وَمُزَارَعَةٍ، فَقَدْ يُصِيبُ الزَّرْعَ وَالثِّمَارَ آفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ، فَإِنْ خَرَجَ الثَّمَرُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا، وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ، إنْ كَانَ تَأْخِيرُ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ ذَهَابٍ فِي تِلْكَ السَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا سَمَّيَا مِنْ الْمُدَّةِ مَا لَا تَخْرُجُ الثِّمَارُ فِيهَا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا، فَكَذَلِكَ إذَا تَبَيَّنَ فِي الِانْتِهَاءِ، وَبِهَذَا يُسْتَدَلُّ عَلَى جَوَابِ مَسْأَلَةِ السَّلَمِ أَنَّهُ إذَا انْقَطَعَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ فِي خِلَالِ الْمُدَّةِ بِآفَةٍ؛ فَإِنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِهِ فَسَادُ الْعَقْدِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ مُنْقَطِعًا عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحَالَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ فَلَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا فَهَذِهِ مُعَامَلَةٌ جَائِزَةٌ وَلَا أَجْرَ لِلْعَامِلِ فِي عَمَلِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَا حَصَلَ مِنْ الْآفَةِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الثِّمَارَ كَانَتْ لَا تَخْرُجُ فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ الْمُفْسِدَ بَقِيَ الْعَقْدُ صَحِيحًا وَمُوجِبًا الشَّرِكَةَ فِي الْخَارِجِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ الْخَارِجُ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ خَرَجَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَلَمْ يَحِلَّ إلَّا أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ انْقَضَى قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الثَّمَرُ - فَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ الْمُفْسِدُ لِلْعَقْدِ، وَهُوَ أَنَّهُمَا ذَكَرَا مُدَّةً كَانَتْ الثِّمَارُ لَا تَخْرُجُ فِيهَا، وَلَوْ كَانَ هَذَا مَعْلُومًا فِي الِابْتِدَاءِ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا، فَكَذَلِكَ إذَا تَبَيَّنَ فِي الِانْتِهَاءِ فِي الْمُعَامَلَةِ الْفَاسِدَةِ لِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ؛ لِأَنَّ رَبَّ النَّخِيلِ اسْتَوْفَى عَمَلَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[بَابٌ مِنْ الْمُعَامَلَةِ]
قَالَ [﵀]: وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا بَيْضَاءَ سِنِينَ مُسَمَّاةً عَلَى أَنْ يَغْرِسَهَا نَخْلًا وَشَجَرًا وَكَرْمًا، عَلَى أَنَّ مَا أَخْرَجَ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْ ذَلِكَ مِنْ نَخْلٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ كَرْمٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَعَلَى أَنَّ الْأَرْضَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ - فَهَذَا كُلُّهُ فَاسِدٌ لِاشْتِرَاطِهِمَا الشَّرِكَةَ فِيمَا كَانَ حَاصِلًا
стр. 4693
لَا بِعَمَلِهِ، وَهُوَ الْأَرْضُ، فَإِنْ قَبَضَهَا وَغَرَسَهَا فَأَخْرَجَتْ ثَمَرًا كَثِيرًا، فَجَمِيعُ الثَّمَرِ وَالْغَرْسِ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَلِلْغَارِسِ قِيمَةُ غَرْسِهِ وَأَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَيْنِ لِمَشَايِخِنَا ﵏ فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ: إحْدَاهُمَا، أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ نِصْفَ الْغَرْسِ بِنِصْفِ الْأَرْضِ وَالْأُخْرَى أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ جَمِيعَ الْغَرْسِ بِنِصْفِ الْأَرْضِ. وَالْأَصَحُّ فِيهِ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِيَجْعَلَ أَرْضَهُ بُسْتَانًا بِآلَاتِ نَفْسِهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ أَجْرُهُ نِصْفَ الْبُسْتَانِ الَّذِي يَظْهَرُ بِعَمَلِهِ وَآلَاتِهِ، وَذَلِكَ فِي مَعْنَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ فَيَكُونُ فَاسِدًا، ثُمَّ الْغِرَاسُ عَيْنُ مَالٍ قَائِمَةٌ كَانَتْ لِلْعَامِلِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا عَلَيْهِ لِلِاتِّصَالِ بِالْأَرْضِ، فَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا مَعَ أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ فِيمَا عَمِلَ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ دَفَعَ إلَى خَيَّاطٍ ظِهَارَةً عَلَى أَنْ يُبَطِّنَهَا أَوْ يَحْشُوَهَا وَيَخِيطَهَا جُبَّةً بِنِصْفِ الْجُبَّةِ - كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا وَكَانَتْ لَهُ قِيمَةُ الْبِطَانَةِ وَالْحَشْوِ وَأَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ فِيمَا عَمِلَ. وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَهُ مِنْ الْأَرْضِ شَيْئًا، وَلَكِنَّهُ قَالَ: عَلَى أَنْ يَكُونَ لَك عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ، أَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ كُرَّ حِنْطَةٍ، أَوْ شَرَطَ لَهُ نِصْفَ أَرْضٍ أُخْرَى مَعْرُوفَةٍ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ فِي هَذَا كُلِّهِ؛ لِجَهَالَةِ الْغِرَاسِ الَّذِي شَرَطَهُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الزَّرْعِ.
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا سَنَتَهُ هَذِهِ كُرًّا مِنْ حِنْطَةٍ بِالنِّصْفِ، وَعَلَى أَنَّ لِلْمُزَارِعِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ مِائَةَ دِرْهَمٍ - كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا لِاشْتِرَاطِ الْأَجْرِ الْمُسَمَّى لِلْمُزَارِعِ مَعَ نِصْفِ الْخَارِجِ، ثُمَّ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَعَلَيْهِ كُرُّ حِنْطَةٍ مِثْلُ الْكُرِّ الَّذِي بَذَرَهُ الْمُزَارِعُ وَأَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ فِيمَا عَمِلَ، أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ شَيْئًا أَوْ لَمْ تُخْرِجْ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْمُزَارِعِ فِي ذَلِكَ لِرَبِّ الْأَرْضِ بِأَمْرِهِ، فَيَكُونُ كَعَمَلِ رَبِّ الْأَرْضِ بِنَفْسِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْغَرْسُ عِنْدَ رَبِّ الْأَرْضِ وَاشْتَرَطَ مَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَعَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ مِائَةَ دِرْهَمٍ - فَهُوَ فَاسِدٌ لِاشْتِرَاطِ أَجْرِ الْمُسَمَّى لِلْعَامِلِ مَعَ الشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ، فَإِنَّهُ لَوْ صَحَّ هَذَا كَانَ شَرِيكًا فِي الْخَارِجِ فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ بِعَمَلِهِ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ، وَإِذَا عَمِلَ عَلَى هَذَا فَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ كُرَّ حِنْطَةٍ وَسَطٍ، أَوْ شَرَطَ أَنَّ الْأَرْضَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ. وَلَوْ كَانَ الْغَرْسُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ وَقَدْ اشْتَرَطَ أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ عَلَى الْمُزَارِعِ مِائَةَ دِرْهَمٍ - فَهَذَا فَاسِدٌ لِاشْتِرَاطِ الْأَجْرِ الْمُسَمَّى لِصَاحِبِ الْأَرْضِ مَعَ الشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ، فَإِنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ كَانَ هُوَ يَسْتَوْجِبُ أَجْرَ الْأَرْضِ لِلْعَامِلِ فِيمَا هُوَ مَشْغُولٌ مِنْ الْأَرْضِ بِنَصِيبِ رَبِّ الْأَرْضِ مِنْ الْغِرَاسِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، ثُمَّ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِلْعَامِلِ، وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ أَرْضِهِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ هُنَا اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ وَعَمِلَ فِيهَا لِنَفْسِهِ حِينَ شَرَطَ لِرَبِّ الْأَرْضِ عَلَى نَفْسِهِ أَجْرًا مِائَةَ دِرْهَمٍ مَعَ
стр. 4694
بَعْضِ الْخَارِجِ، فَيَكُونُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ، وَقَدْ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ فَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ. وَلَوْ كَانَ الْغَرْسُ وَالْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَعَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ عَلَى الْمُزَارِعِ مِائَةَ دِرْهَمٍ - فَهُوَ فَاسِدٌ أَيْضًا، ثُمَّ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِلْعَامِلِ، وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ أَرْضِهِ وَقِيمَةُ غَرْسِهِ وَبَذْرٌ مِثْلُ بَذْرِهِ عَلَى الزَّارِعِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُشْتَرِي لِلْبَذْرِ وَالْغَرْسِ بِبَعْضِ الْمِائَةِ الَّتِي شَرَطَهَا لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ، وَظَهَرَ أَنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ وَأَنَّهُ مُسْتَأْجِرٌ لِلْأَرْضِ مُشْتَرٍ لِلْغَرْسِ وَالْبَذْرِ بِالْمِائَةِ وَبِنِصْفِ الْخَارِجِ، فَفَسَدَ الْعَقْدُ لِجَهَالَةِ الْغَرْسِ، ثُمَّ صَارَ قَابِضًا لِلْغَرْسِ وَالْبَذْرِ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ، وَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَدُّهُ، فَيُلْزِمُهُ الْقِيمَةُ فِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ، وَالْمِثْلُ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ، وَيُلْزِمُهُ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّهُ رَبَّاهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ لَهُ الْغَارِسُ مَكَانَ الْمِائَةِ حِنْطَةً أَوْ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ - فَالْكُلُّ فِي الْمَعْنَى الَّذِي يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ سَوَاءٌ.
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الْأَرْضَ عَلَى أَنْ يَغْرِسَهَا الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ لِنَفْسِهِ مَا بَدَا لَهُ مِنْ الْغَرْسِ وَيَزْرَعَهَا مَا بَدَا لَهُ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَعَلَى أَنَّ لِلْغَارِسِ عَلَى رَبّ الْأَرْضِ مِائَةُ دِرْهَمٍ، أَوْ سَمَّى شَيْئًا غَيْرَ الْمِائَةِ - فَهُوَ فَاسِدٌ، وَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِلْغَارِسِ، وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ أَرْضِهِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ وَإِنْ صَارَ كَالْمُشْتَرِي لِلْغَرْسِ وَالْبَذْرِ بِمَا شَرَطَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْمَالِ الْمُسَمَّى، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ لِفَسَادِ الْعَقْدِ وَانْعِدَامِ الْقَبْضِ مِنْ جِهَتِهِ، فَيَكُونُ الْغَارِسُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ، فَكَانَ الْكُلُّ لَهُ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَهُنَاكَ الْغَارِسُ يَصِيرُ قَابِضًا لِمَا اشْتَرَاهُ شِرَاءً فَاسِدًا. فَإِنْ قِيلَ: هُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ رَبُّ الْأَرْضِ قَابِضًا أَيْضًا بِاتِّصَالِهِ بِأَرْضِهِ. قُلْنَا: ابْتِدَاءُ عَمَلِهِ فِي الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ يَكُونُ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَّصِلَ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ هُوَ فِي يَدِ الْغَارِسِ حَقِيقَةً، وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا وَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ الْمُشْتَرَى بِالْقَبْضِ فَرَدُّهُ مُسْتَحَقٌّ شَرْعًا لِفَسَادِ الْعَقْدِ فَلَا يَجُوزُ جَعْلُهُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي حُكْمًا مَعَ كَوْنِهِ فِي يَدِ الْبَائِعِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ يَدَ الْبَائِعِ فِيهِ يَدٌ بِحَقٍّ وَيَدَ الْمُشْتَرِي مُحَرَّمٌ شَرْعًا، فَأَمَّا فِيمَا سَبَقَ فَبِنَقْضِ الْعَامِلِ يَخْرُجُ مِنْ يَدِ رَبِّ الْأَرْضِ وَيَصِيرُ الْعَامِلُ قَابِضًا لَهُ حَقِيقَةً. وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْمِائَةَ وَاشْتَرَطَ أَنَّ الْأَرْضَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ. وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ وَالْغَرْسُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ، عَلَى أَنْ يَغْرِسَهُ وَيَبْذُرَهُ الْعَامِلُ لِرَبِّ الْأَرْضِ، عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَعَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ عَلَى الْعَامِلِ أَجْرًا مِائَةَ دِرْهَمٌ - فَهُوَ فَاسِدٌ، وَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ فِي كَلَامِهِ بِمَا يَنْفِي بَيْعَ الْغَرْسِ وَالْبَذْرِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ عَامِلًا لِرَبِّ الْأَرْضِ إذَا كَانَ الْغَرْسُ وَالْبَذْرُ
стр. 4695
مِنْ جِهَتِهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مَا بَاعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْعَامِلِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِلْعَمَلِ بِنِصْفِ الْخَارِجِ وَشَرَطَ عَلَيْهِ بِإِزَاءِ نِصْفِ الْخَارِجِ لِنَفْسِهِ أَيْضًا مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَكَانَ فَسَادُ الْعَقْدِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْعَامِلَ اشْتَرَى مِنْهُ بَعْضَ الْخَارِجِ الَّذِي هُوَ مَعْدُومٌ بِالْمُسَمَّى مِنْ الْمِائَةِ، فَكَانَ الْخَارِجُ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ.
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ نَخْلًا مُعَامَلَةً سِنِينَ مُسَمَّاةً، عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ وَيَسْقِيَهُ وَيُلَقِّحَهُ، فَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَعَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ عَلَى الْعَامِلِ مِائَةَ دِرْهَمٍ، أَوْ اشْتَرَطَ الْعَامِلُ عَلَى رَبّ الْأَرْضِ مِائَةَ دِرْهَمٍ - فَهُوَ فَاسِدٌ لِاشْتِرَاطِ الْأَرْضِ الْمُسَمَّاةِ مَعَ بَعْضِ الْخَارِجِ لِأَحَدِهِمَا، وَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ النَّخْلِ؛ لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ نَخِيلِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ قَالَ لِلْعَامِلِ: اعْمَلْ ذَلِكَ لِنَفْسِك، أَوْ قَالَ: اعْمَلْ لِي أَوْ قَالَ اعْمَلْ، وَلَمْ يَقُلْ لِي وَلَا لَك، فَهُوَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ النَّخِيلَ مَمْلُوكَةٌ لِصَاحِبِهَا، فَيَكُونُ الْعَامِلُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا عَامِلًا لَهُ، سَوَاءٌ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَوْ بِخِلَافِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْأَرْضِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يَعْمَلَانِ فِيهَا أَوْ أَحَدُهُمَا]
قَالَ ﵀: وَإِذَا كَانَتْ الْأَرْضُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَاشْتَرَطَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَا فِيهَا جَمِيعًا سَنَتَهُمَا هَذِهِ بِبَذْرِهِمَا وَبَقَرِهِمَا، فَمَا خَرَجَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ - فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَامِلٌ فِي نَصِيبِهِ مِنْ الْأَرْضِ بِبَذْرِهِ وَبَقَرِهِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِصَاحِبِهِ شَيْئًا مِنْ الْخَارِجِ مِنْهُ، فَإِنْ اشْتَرَطَا أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا كَانَ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ الَّذِي شَرَطَ لِنَفْسِهِ الثُّلُثَ، كَأَنَّهُ دَفَعَ نَصِيبَهُ مِنْ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ إلَى صَاحِبِهِ مُزَارَعَةً بِثُلُثِ الْخَارِجِ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ هُوَ مَعَهُ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ، وَلِأَنَّ مَا شُرِطَ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى النِّصْفِ لِصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ، يَكُونُ أَجْرَهُ لَهُ عَلَى عَمَلِهِ، وَإِنَّمَا يَعْمَلُ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ. وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُمَا أَثْلَاثًا وَالْخَارِجُ كَذَلِكَ - كَانَ جَائِزًا؛ لِأَنَّ الَّذِي شَرَطَ لِنَفْسِهِ ثُلُثَ الْخَارِجِ كَأَنَّهُ أَعَارَ شَرِيكَهُ ثُلُثَ نَصِيبِهِ مِنْ الْأَرْضِ، وَأَعَانَهُ بِبَعْضِ الْعَمَلِ وَذَلِكَ جَائِزٌ. وَلَوْ اشْتَرَطَا أَنَّ الْخَارِجَ نِصْفَانِ كَانَ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْهُ ثُلُثُ الْبَذْرِ شَرَطَ لِنَفْسِهِ بَعْضَ الْخَارِجِ مِنْ بَذْرِ شَرِيكِهِ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بِعَمَلِهِ، وَالْعَامِلُ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ لَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَى غَيْرِهِ، إذْ هُوَ يَصِيرُ دَافِعًا سُدُسَ الْأَرْضِ مِنْ شَرِيكِهِ مُزَارَعَةً بِجَمِيعِ الْخَارِجِ مِنْهُ، وَذَلِكَ فَاسِدٌ، ثُمَّ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ بَذْرِهِمَا، وَعَلَى صَاحِبِ ثُلُثَيْ الْبَذْرِ أَجْرُ مِثْلِ سُدُسِ الْأَرْضِ لِشَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ الْأَرْضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَيَكُونُ لَهُ نِصْفُ الزَّرْعِ طَيِّبًا لَا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِنْهُ
следующие страницы →