← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 5423

المبسوط للسرخسي

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (6 278 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

الْأُولَى، بِخِلَافِ إجَارَةِ الدُّورِ وَالرَّقِيقِ فَإِنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِوَقْتٍ عُرْفًا، فَرَاعَى فِيهَا مُطْلَقَ الْوَكَالَةِ، إنَّمَا الْمُزَارَعَةُ نَظِيرُ التَّوْكِيلِ بِإِكْرَاءِ الْإِبِلِ إلَى مَكَّةَ لِلْحَجِّ عَلَيْهَا، فَإِنَّهَا تَخْتَصُّ بِأَيَّامِ الْمَوْسِمِ فِي السَّنَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ عُرْفًا فَيُحْمَلُ عَلَى أَخَصِّ الْخُصُوصِ وَهُوَ وَقْتُ خُرُوجِ الْقَافِلَةِ مِنْ السَّنَةِ الْأُولَى خَاصَّةً. وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ كَانَ هَذَا أَيْضًا عَلَى أَنْ يَدْفَعَهُ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَوْكِيلٌ بِالِاسْتِئْجَارِ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ يَكُونُ مُسْتَأْجِرًا لِلْعَامِلِ، وَالتَّوْكِيلُ بِالِاسْتِئْجَارِ كَالتَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ، فَإِنَّمَا يَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ إذَا كَانَ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ، وَرَبُّ الْأَرْضِ هُوَ الَّذِي يَلِي قَبْضَ حِصَّتِهِ وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ قَبْضُهَا إلَّا بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ هُنَا مَا اسْتَحَقَّ نَصِيبَهُ بِعَقْدِ الْوَكِيلِ بَلْ بِكَوْنِهِ نَمَاءَ بَذْرِهِ، فَإِنْ دَفَعَهَا الْوَكِيلُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ كَانَ الْخَارِجُ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالْمُزَارِعِ عَلَى الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ بِالْخِلَافِ صَارَ غَاصِبًا لِلْأَرْضِ وَالْبَذْرِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ ضَمَانُ مِثْلِ ذَلِكَ الْبَذْرِ لِلْمُوَكِّلِ، فَإِنْ تَمَكَّنَ فِي الْأَرْضِ نُقْصَانٌ بِالزِّرَاعَةِ فَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُضَمِّنَ النُّقْصَانَ أَيَّهمَا شَاءَ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْمُزَارِعَ مُتْلِفٌ وَالْوَكِيلَ غَاصِبٌ، فَإِنْ ضَمِنَ الْمُزَارِعُ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْوَكِيلِ لِلْغَرُورِ، وَلَا يَتَصَدَّقُ الزَّارِعُ بِشَيْءٍ مِمَّا صَارَ لَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَلَكِنَّ الْوَكِيلَ يَأْخُذُ مِثْلَ مَا غَرِمَ مِنْ نُقْصَانِ الْأَرْضِ، وَبَذْرًا مِثْلَ الَّذِي غَرِمَ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّ الْخُبْثَ تَمَكَّنَ فِي تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ حِينَ صَارَ كَالْغَاصِبِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ، وَإِنَّمَا يَدْفَعُهَا لِلْوَكِيلِ مُزَارَعَةً هُنَا أَيْضًا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى خَاصَّةً اسْتِحْسَانًا، فَإِنْ دَفَعَهَا بَعْدَ مُضِيِّ تِلْكَ السَّنَةِ فَهُوَ مُخَالِفٌ غَاصِبٌ لِلْأَرْضِ وَالْبَذْرِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ مَا بَيَّنَّا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. وَإِذَا وَكَّلَ رَجُلًا بِأَنْ يَأْخُذَ لَهُ هَذِهِ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً هَذِهِ السَّنَةَ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُوَكِّلِ فَلِلْوَكِيلِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، وَإِنْ أَخَذَهَا بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ لَمْ يَجُزْ عَلَى الْمُوَكِّلِ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِهِ وَيَزْرَعَهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ بِالِاسْتِئْجَارِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ عَلَى الْمُوَكِّلِ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِهِ. وَزِرَاعَةُ الْمُوَكِّلِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِمَا صَنَعَ الْوَكِيلُ دَلِيلُ الرِّضَا بِهِ فَهُوَ كَصَرِيحِ الرِّضَا، فَإِنْ زَرَعَهَا الْمُوَكِّلُ فَحَصَلَ الْخَارِجُ كَانَ الْوَكِيلُ هُوَ الْمَأْخُوذُ بِحِصَّةِ رَبِّ الْأَرْضِ يَسْتَوْفِيهِ مِنْهُ الْمُوَكِّلِ فَيُسَلِّمُهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ، وَالْوَكِيلُ هُوَ الَّذِي شَرَطَ لَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ أَخَذَ ذَلِكَ رَبُّ الْأَرْضِ مِنْ الْمُوَكِّلِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْوَكِيلِ بَرِئَ الْوَكِيلُ لِوُصُولِ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ أَخَذَهَا بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ وَهُوَ لَمْ يُخْبِرْهُ بِذَلِكَ حَتَّى زَرَعَهَا الْمُوَكِّلُ، وَقَدْ

стр. 4727

أَمَرَهُ الْوَكِيلُ بِزِرَاعَتِهَا كَانَ الْخَارِجُ لِلْمُزَارِعِ عَلَى الْوَكِيلِ، وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ أَرْضِهِ مِمَّا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ اسْتَأْجَرَهَا بِمَا سَمَّى مِنْ الْخَارِجِ وَقَدْ حَصَلَ الْخَارِجُ، ثُمَّ اسْتَحَقَّ الْمُوَكِّلُ فَيَكُونُ لِرَبِّ الْأَرْضِ عَلَى الْوَكِيلِ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ مِمَّا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَلَا شَيْءَ لِلْوَكِيلِ عَلَى الْمُوَكِّلِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُ بِزِرَاعَتِهَا وَقَدْ كَانَ اسْتِئْجَارُهُ نَافِذًا عَلَيْهِ فَالْتَحَقَتْ هَذِهِ بِأَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ دَفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَزْرَعَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ شَيْئًا. وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ دَفَعَ إلَيْهِ الْأَرْضَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِزِرَاعَتِهَا وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِمَا أَخَذَهَا بِهِ فَالْخَارِجُ لِلْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ بَذْرِهِ، وَتَصَرُّفُ الْوَكِيلِ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ لَمْ يَنْفُذْ عَلَيْهِ، وَلَا شَيْءَ لِرَبِّ الْأَرْضِ عَلَى الْوَكِيلِ هُنَا؛ لِأَنَّ الزَّارِعَ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ حِينَ زَرَعَهَا بِغَيْرِ أَمْرِ الْوَكِيلِ. وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَغَصَبَهَا غَاصِبٌ وَزَرَعَهَا لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَجْرُهَا، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَإِنَّ هُنَاكَ الْوَكِيلُ أَمَرَ الزَّارِعَ بِزَرْعِهَا فَيُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ زَرَعَهَا بِنَفْسِهِ فَيَلْزَمُهُ أَجْرُ مِثْلِهَا لِصَاحِبِهَا، ثُمَّ عَلَى الزَّارِعِ هُنَا نُقْصَانُ الْأَرْضِ لِرَبِّ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ زَرَعَهَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِ الْأَرْضِ عَلَى وَجْهِ الْغَصْبِ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَمْ يَغُرَّهُ بَلْ هُوَ الَّذِي اغْتَرَّ حِينَ لَمْ يَسْأَلْ الْوَكِيلَ وَلَمْ يَسْتَكْشِفْ حَقِيقَةَ الْحَالِ، وَيَتَصَدَّقُ الزَّارِعُ بِالْفَضْلِ لِأَنَّهُ رَبَّى زَرْعَهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِسَبَبٍ خَبِيثٍ، وَإِذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْوَقْتَ لِلْوَكِيلِ هُنَا فَهُوَ عَلَى أَوَّلِ سَنَةٍ وَأَوَّلِ زِرَاعَةٍ اسْتِحْسَانًا. وَلَوْ كَانَ وَكَّلَهُ بِأَنْ يَأْخُذَ لَهُ أَرْضَ فُلَانٍ وَبَذْرًا مُزَارَعَةً فَإِنْ أَخَذَهَا بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ جَازَ، وَرَبُّ الْأَرْضِ هُوَ الَّذِي يَقْبِضُ نَصِيبَهُ مِنْ الزَّرْعِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ نَصِيبَهُ بِكَوْنِهِ نَمَاءَ بَذْرِهِ لَا بِشَرْطِ الْوَكِيلِ لَهُ ذَلِكَ بِالْعَقْدِ، وَإِنْ أَخَذَ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ لَمْ يَجُزْ عَلَى الْمُوَكِّلِ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ بِأَنْ يُؤَاجِرَهُ، وَذَلِكَ يَتَقَيَّدُ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ الْمُزَارَعَةَ، فَإِنْ عَمِلَ الْمُزَارِعُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا فَحَصَلَ الْخَارِجُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ، وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ أَخَذَهُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ مِنْ قِلَّةِ حِصَّةِ الْمُزَارِعِ وَأَمَرَ الْمُزَارِعَ فَعَمِلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ لَهُ - فَالْمُزَارِعُ مُتَطَوِّعٌ فِي عَمَلِهِ فِي الْقِيَاسِ، وَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ. وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ لَمْ يَنْفُذْ عَلَى الْمُوَكِّلِ مُعِينًا فِي إقَامَةِ الْعَمَلِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ إنَّمَا لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْوَكِيلِ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَبَقِيَ الْمُوَكِّلُ بِالْغَبْنِ؛ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُوَكِّلِ، وَالضَّرَرُ هُنَا فِي امْتِنَاعِ نُفُوذِ التَّصَرُّفِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَفَذَ تَصَرُّفُهُ عَلَيْهِ اسْتَحَقَّ مَا شُرِطَ لَهُ مِنْ الْخَارِجِ وَإِنْ قَلَّ ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَنْفُذْ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا عَلَى أَحَدٍ بِمُقَابَلَةِ عَمَلِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ فِي الْعَبْدِ

стр. 4728

إذَا أَجَّرَ نَفْسَهُ فِي عَمَلٍ وَسَلِمَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ، فَإِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ لَمْ يُسَمِّ لِلْوَكِيلِ الْوَقْتَ فَهُوَ عَلَى أَوَّلِ سَنَةٍ وَزِرَاعَةٍ اسْتِحْسَانًا، فَإِنْ مَضَتْ السَّنَةُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ ثُمَّ أَخَذَ لَمْ يُجْبَرْ الْمُوَكِّلُ عَلَى الْعَمَلِ، فَإِنْ رَضِيَ بِهِ وَعَمِلَ كَانَ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَخَذَ أَرْضًا وَبَذْرًا لِيَزْرَعَهَا. وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ نَخْلًا وَوَكَّلَهُ بِأَنْ يَدْفَعَهَا مُعَامَلَةً هَذِهِ السَّنَةَ أَوْ لَمْ يُسَمِّ لَهُ وَقْتًا - فَهَذَا عَلَى أَوَّلِ سَنَةٍ لِلْعُرْفِ، فَإِنْ دَفَعَهُ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ جَازَ وَصَاحِبُ النَّخْلِ هُوَ الَّذِي قَبَضَ نَصِيبَهُ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ التَّمْرَ بِمِلْكِهِ النَّخْلَ لَا بِالْعَقْدِ الَّذِي بَاشَرَهُ الْوَكِيلُ فَإِنْ دَفَعَهُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فَالْخَارِجُ لِصَاحِبِ النَّخْلِ؛ لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ بِاسْتِئْجَارِ الْعَامِلِ فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ عَلَى الْوَكِيلِ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ بِبَعْضِ الْخَارِجِ وَقَدْ حَصَلَ الْخَارِجُ وَاسْتَحَقَّهُ رَبُّ النَّخْلِ فَيَسْتَوْجِبُ الرُّجُوعَ بِأَجْرِ مِثْلِهِ. وَلَوْ وَكَّلَهُ بِأَنْ يَأْخُذَ نَخْلًا بِعَيْنِهِ فَأَخَذَهُ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ جَازَ عَلَى الشَّرْطِ، وَصَاحِبُ النَّخْلِ هُوَ الَّذِي يَلِي قَبْضَ نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِسَبَبِ تَوَلُّدِهِ مِنْ نَخْلِهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ مِنْ قِلَّةِ نَصِيبِ الْعَامِلِ لَمْ يَلْزَمْ الْعَامِلَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، فَإِنْ عَمِلَهُ وَقَدْ عَلِمَ نَصِيبَهُ مِنْهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ كَانَ لَهُ نَصِيبُهُ الَّذِي سَمَّى لَهُ، أَمَّا إذَا عَلِمَ بِهِ فَلِوُجُودِ دَلَالَةِ الرِّضَا مِنْهُ بِالْإِقْدَامِ عَلَى الْعَمَلِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَهُوَ اسْتِحْسَانٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ لِلْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ عَلَيْهِ لَمْ يَسْتَوْجِبْ شَيْئًا. وَإِذَا أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ نَخْلًا مُعَامَلَةً أَوْ أَرْضًا وَبَذْرًا مُزَارَعَةً وَلَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ عَاجِزٌ عَنْ تَحْصِيلِ مَقْصُودِ الْمُوَكِّلِ مَعَ هَذِهِ الْجَهَالَةِ الْمُسْتَتِمَّةِ، فَإِنَّ الْعَمَلَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّخْلِ وَالْأَرَاضِي عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُوقَفَ فِيهِ عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ. وَإِذَا أَمَرَهُ بِأَنْ يَدْفَعَ أَرْضَهُ مُزَارَعَةً أَوْ أَنْ يَدْفَعَ نَخْلَهُ مُعَامَلَةً إلَى رَجُلٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ الرَّجُلَ - جَازَ، لِأَنَّ دَفْعَ الْأَرْضِ مُزَارَعَةً بِمَنْزِلَةِ إجَارَتِهَا. وَمَنْ وَكَّلَ غَيْرَهُ بِأَنْ يُؤَاجِرَ أَرْضَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً جَازَ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ مَنْ يُؤَاجِرُهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنْفَعَةُ الْأَرَاضِي وَهِيَ مَعْلُومَةٌ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَوْفِي، وَكَذَلِكَ فِي الْمُعَامَلَةِ مِقْدَارُ الْعَمَلِ قَدْ صَارَ مَعْلُومًا بِبَيَانِ النَّخْلِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعَامِلِ. وَلَوْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَدْفَعَ أَرْضَهُ هَذِهِ مُزَارَعَةً فَأَعْطَاهَا رَجُلًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَزْرَعَهَا حِنْطَةً أَوْ شَعِيرًا أَوْ سِمْسِمًا أَوْ أُرْزًا فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْأَرْضِ مُزَارَعَةً لِهَذِهِ الْأَشْيَاءَ مُتَعَارَفٌ، فَمُطْلَقُ التَّوْكِيلِ يَنْصَرِفُ إلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَالْوَكِيلُ يَكُونُ مُمْتَثِلًا أَمْرَهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ هَذِهِ الْأَرْضَ وَبَذْرًا مَعَهَا مُزَارَعَةً فَأَخَذَهَا مَعَ بَذْرٍ حِنْطَةً أَوْ شَعِيرًا أَوْ غَيْرَ

стр. 4729

ذَلِكَ مِنْ الْحُبُوبِ - جَازَ ذَلِكَ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ لِيُؤَاجِرَهُ فِي عَمَلِ الزِّرَاعَةِ وَهُوَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مُتَعَارَفٌ، فَمُطْلَقُ التَّوْكِيلِ يَنْصَرِفُ إلَى جَمِيعِ ذَلِكَ. وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ هَذِهِ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً فَأَخَذَهَا مِنْ صَاحِبِهَا لِلْمُوَكِّلِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا حِنْطَةً أَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ شَعِيرًا أَوْ غَيْرَهُ - لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ إلَّا مَا شَرَطَ عَلَيْهِ رَبُّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ إذَا امْتَثَلَ أَمْرَهُ كَانَ عَقْدُهُ كَعَقْدِ الْمُوَكِّلِ بِنَفْسِهِ وَهُوَ لَوْ أَخَذَ أَرْضًا مُزَارَعَةً لِيَزْرَعَهَا حِنْطَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَزْرَعَهَا غَيْرَ الْحِنْطَةِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ إنَّمَا رَضِيَ بِأَنْ يَكُونَ أَجْرَ أَرْضِهِ الْحِنْطَةُ فَلَا يَمْلِكُ الْمُسْتَأْجِرُ أَنْ يُحَوِّلَهَا إلَى غَيْرِهِ. وَلَوْ وَكَّلَهُ بِأَنْ يَدْفَعَ أَرْضًا لَهُ مُزَارَعَةً هَذِهِ السَّنَةَ فَأَجَّرَهَا لِيَزْرَعَ حِنْطَةً أَوْ شَعِيرًا بِكُرٍّ مِنْ حِنْطَةٍ وَسَطٍ أَوْ بِكُرٍّ مِنْ شَعِيرٍ وَسَطٍ أَوْ سِمْسِمٍ أَوْ أُرْزٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ - فَذَلِكَ جَائِزٌ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ هُوَ مُخَالِفٌ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ إنَّمَا رَضِيَ بِالْمُزَارَعَةِ لِيَكُونَ شَرِيكًا فِي الْخَارِجِ وَقَدْ أَتَى بِغَيْرِ ذَلِكَ حِينَ أَجَّرَهَا بِأُجْرَةٍ مُسَمَّاةٍ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: قَدْ حَصَلَ مَقْصُودُ الْآمِرِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ أَنْفَعَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَهَا مُزَارَعَةً فَلَمْ يَزْرَعْهَا أَوْ أَصَابَ الزَّرْعَ آفَةٌ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ شَيْءٌ، وَهُنَا تَقَرَّرَ حَقُّ رَبِّ الْأَرْضِ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَأْجِرِ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ زِرَاعَتِهَا وَإِنْ لَمْ يَزْرَعْ أَوْ أَصَابَ الْأَرْضَ آفَةٌ، وَمَتَى أَتَى الْوَكِيلُ بِجِنْسِ مَا أُمِرَ بِهِ وَهُوَ أَنْفَعُ لِلْآمِرِ مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا كَانَ عَقْدُهُ كَعَقْدِ الْمُوَكِّلِ بِنَفْسِهِ، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَزْرَعَ مَا بَدَا لَهُ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْحِنْطَةِ أَوْ الشَّعِيرِ غَيْرُ مُفِيدٍ هُنَا فِي حَقِّ رَبِّ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ لَا شَرِكَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ بِخِلَافِ الدَّفْعِ مُزَارَعَةً. وَإِنْ أَجَّرَهَا بِدَرَاهِمَ أَوْ ثِيَابٍ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا لَا يُزْرَعُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَى الْمُوَكِّلِ لِأَنَّهُ خَالَفَ فِي الْجِنْسِ، فَرَبُّ الْأَرْضِ نَصَّ عَلَى أَنْ يَدْفَعَهَا مُزَارَعَةً وَذَلِكَ إجَارَةُ الْأَرْضِ بِشَيْءٍ تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ، فَإِذَا أَجَّرَهَا الْوَكِيلُ بِشَيْءٍ لَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ كَانَ مُخَالِفًا فِي جِنْسِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْمُوَكِّلُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إذَا بَاعَ بِأَلْفِ دِينَارٍ لَا يَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ. وَكَذَلِكَ إنْ أَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا هَذِهِ السَّنَةَ مُزَارَعَةً فِي الْحِنْطَةِ خَاصَّةً فَأَجَّرَهَا بِكُرِّ حِنْطَةٍ وَسَطٍ جَازَ، وَيَزْرَعُهَا الْمُزَارِعُ مَا بَدَا لَهُ مِنْ الزِّرَاعَاتِ مِمَّا يَكُونُ ضَرَرُهُ عَلَى الْأَرْضِ مِثْلَ ضَرَرِ الْحِنْطَةِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا؛ لِأَنَّ تَسْمِيَةَ رَبِّ الْأَرْضِ الْحِنْطَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الضَّرَرِ عَلَى الْأَرْضِ بِهِ، وَهُوَ لَمْ يُخَالِفْهُ فِي الْجِنْسِ حِينَ سَمَّى الْآخَرُ كُرَّ حِنْطَةٍ وَسَطٍ، وَإِنْ أَجَّرَ بِغَيْرِ الْحِنْطَةِ صَارَ مُخَالِفًا لِلْمُوَكِّلِ فِي جِنْسِ مَا سَمَّى لَهُ مِنْ أَجْرِ الْأَرْضِ فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ عَلَيْهِ. وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا مُزَارَعَةً بِالثُّلُثِ فَدَفَعَهَا عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ الثُّلُثَ جَازَ؛ لِأَنَّ حَرْفَ

стр. 4730

الْبَاءِ يَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ، وَرَبُّ الْأَرْضِ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْخَارِجَ عِوَضًا عَنْ مَنْفَعَةِ أَرْضِهِ، فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ التَّنْصِيصِ عَلَى اشْتِرَاطِ الثُّلُثِ لَهُ. فَإِنْ قَالَ رَبُّ الْأَرْضِ إنَّمَا عَنَيْت أَنَّ لِلْمُزَارِعِ الثُّلُثَ لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّ مَا يَدَّعِيه يُخَالِفُ الظَّاهِرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ الْمُزَارِعَ هُوَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ الْخَارِجَ عِوَضًا عَنْ عَمَلِهِ بِالشَّرْطِ. وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا مُزَارَعَةً بِالثُّلُثِ فَأَجَّرَهَا لِرَجُلٍ بِكُرِّ حِنْطَةٍ وَسَطٍ مُخَالِفٌ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ هُنَا نَصَّ عَلَى مَا هُوَ مَنَافِعُ أَرْضٍ وَهُوَ ثُلُثُ الْخَارِجِ وَقَدْ أَجَّرَهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ هُنَا نَصَّ عَلَى الشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ وَالْإِجَارَةُ بِكُرٍّ مِنْ حِنْطَةٍ لَيْسَ فِيهَا مَعْنَى الشَّرِكَةِ فَكَانَ هَذَا مُخَالَفَةً فِي الْجِنْسِ فِي الْعَقْدِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ، فَإِنْ زَرَعَهَا الْمُسْتَأْجِرُ كَانَ الْخَارِجُ لِلْمُزَارِعِ وَعَلَيْهِ كُرُّ حِنْطَةٍ وَسَطٍ لِلْمُؤَاجِرِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاجِرَ صَارَ غَاصِبًا لِلْأَرْضِ، وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُضَمِّنَ نُقْصَانَ الْأَرْضِ: إنْ شَاءَ الْمُزَارِعَ، وَإِنْ شَاءَ الْوَكِيلَ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - لِأَنَّ الْوَكِيلَ غَاصِبٌ وَالْمُزَارِعُ مُتْلِفٌ، فَإِنْ ضَمِنَهَا الْمُزَارِعُ رَجَعَ بِهَا عَلَى الْوَكِيلِ لِأَجْلِ الْغَرُورِ، وَيَأْخُذُ الْمُؤَاجِرُ مِنْ الْكُرِّ الَّذِي أَخْرَجَتْهُ الْأَرْضُ مَا ضَمِنَ وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّهُ كَسْبٌ خَبِيثٌ. وَإِنْ وَكَّلَهُ بِأَنْ يُؤَجِّرَهَا بِكُرِّ حِنْطَةٍ وَسَطٍ فَدَفَعَهَا مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا حِنْطَةً فَزَرَعَهَا فَهُوَ مُخَالِفٌ؛ لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ أَضَرُّ عَلَى الْمُوَكِّلِ مِمَّا أَمَرَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِعَقْدٍ يَتَقَرَّرُ بِهِ حَقُّهُ فِي الْأَجْرِ إذَا تَمَكَّنَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ؛ وَلِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى إجَارَةٍ مَحْضَةٍ وَقَدْ أَتَى بِعَقْدِ الشَّرِكَةِ فَكَانَ مُخَالِفًا، وَتَفْرِيعُ هَذِهِ كَتَفْرِيعِ الْأُولَى. وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَأْخُذَ هَذِهِ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً فَاسْتَأْجَرَهَا الْوَكِيلُ بِكُرِّ حِنْطَةٍ - لَمْ يَجُزْ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ أَضَرُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَلْزَمَهُ الْكُرَّ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ عِنْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الزِّرَاعَةِ وَإِنْ لَمْ يَزْرَعْ، وَهُوَ مَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِهِ. وَلَوْ وَكَّلَهُ بِأَنْ يَأْخُذَهَا لَهُ مُزَارَعَةً بِالثُّلُثِ فَأَخَذَهَا الْوَكِيلُ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا الْمُزَارِعُ وَيَكُونَ لِلْمُزَارِعِ ثُلُثُ الْخَارِجِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ ثُلُثَاهُ - لَمْ يَجُزْ هَذَا عَلَى الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي قَالَهُ الْمُزَارِعُ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ الثُّلُثَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْخَارِجَ عِوَضًا عَنْ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ، فَمَا يَصْحَبُهُ حَرْفُ الْبَاءِ يَكُونُ حِصَّتَهُ مِنْ الْخَارِجِ، وَقَدْ أَتَى بِضِدِّهِ. وَلَوْ كَانَ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْضَ وَالْبَذْرَ - وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا - جَازَ ذَلِكَ عَلَى الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُنَا هُوَ عَمَلُ الْعَامِلِ وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْخَارِجَ بِمُقَابَلَةِ عَمَلِهِ، فَإِذَا شَرَطَ الثُّلُثَ لَهُ كَانَ مُمْتَثِلًا أَمْرَهُ. وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَدْفَعَ نَخْلَهُ هَذَا مُعَامَلَةً بِالثُّلُثِ فَدَفَعَهَا عَلَى أَنَّ الثُّلُثَيْنِ لِلْعَامِلِ - لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ

стр. 4731

النَّخِيلِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْخَارِجَ بِالشَّرْطِ فَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ أَمْرُ رَبِّ النَّخِيلِ بِهَذَا اللَّفْظِ إلَى اشْتِرَاطِ الثُّلُثِ لَهُ. وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ نَخْلَ فُلَانٍ هَذِهِ السَّنَةَ مُعَامَلَةً بِالثُّلُثِ فَأَخَذَهُ عَلَى أَنَّ الثُّلُثَيْنِ لِرَبِّ النَّخْلِ جَازَ عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَا وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَأْخُذَ هَذِهِ الْأَرْضَ هَذِهِ السَّنَةَ وَبَذْرًا مَعَهَا مُزَارَعَةً فَأَخَذَ الْوَكِيلُ الْبَذْرَ وَالْأَرْضَ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَعَلَيْهِ لِلْمُزَارِعِ كُرُّ حِنْطَةٍ وَسَطٍ - فَهَذَا جَائِزٌ، كَانَ الْبَذْرُ مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ مَا بَاشَرَهُ مِنْ الْعَقْدِ أَنْفَعُ لِلْمُوَكِّلِ فَإِنَّهُ يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ بِتَسْلِيمِ النَّفْسِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ أَوْ أَصَابَ الزَّرْعَ آفَةٌ، وَإِنْ شَرَطَ الْآخَرُ دَرَاهِمَ أَوْ مَتَاعًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنَّمَا اُسْتُحْسِنَ إذَا شَرَطَ لَهُ شَيْئًا مِمَّا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ إنْ أَجَّرَهُ لِمَا بَيَّنَّا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا لَهُ بِالثُّلُثِ - وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا - لَمْ يَجُزْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى عَقْدِ الشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ هُنَا؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَنَّ ثُلُثَ الْخَارِجِ يَكُونُ مِثْلَ مَا شُرِطَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ. وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَأْخُذَ هَذَا النَّخْلَ مُعَامَلَةً فَأَخَذَهُ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ لِصَاحِبِ النَّخْلِ وَلِلْعَامِلِ كُرٌّ مِنْ تَمْرٍ فَارِسِيٍّ عَلَيْهِ - جَازَ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ لَهُ أَفْضَلَ مَا يَخْرُجُ مِنْ النَّخْلِ، وَهَذَا الْعَقْدُ أَنْفَعُ لَهُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا. وَإِنْ كَانَ شَرَطَ لَهُ كُرًّا مِنْ دَقَلٍ جَيِّدٍ نُظِرَ فِي النَّخْلِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ دَقَلًا جَازَ، وَإِنْ كَانَ فَارِسِيًّا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَرَطَ لَهُ كُرًّا مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ دِرْهَمًا، وَذَلِكَ لَا يَنْفُذُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِهِ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَهُ النَّخْلَ فِي الْمُعَامَلَةِ يَكُونُ تَنْصِيصًا عَلَى أَنْ يَكُونَ أَجْرُهُ مِنْ جِنْسِ مَا يُخْرِجُ ذَلِكَ النَّخْلُ. وَلَوْ وَكَّلَهُ بِأَنْ يَأْخُذَ لَهُ نَخْلَ فُلَانٍ مُعَامَلَةً بِالثُّلُثِ فَأَخَذَهُ بِكُرِّ تَمْرٍ فَارِسِيٍّ جَيِّدٍ لَمْ يَلْزَمْ الْعَامِلَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الثُّلُثَ أَكْثَرُ مِمَّا شُرِطَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الثُّلُثَ يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ بِتَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قُلْتُمْ إنَّهُ أُمِرَ بِعَقْدِ الشَّرِكَةِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَمَا أَتَى بِهِ مِنْ الْإِجَارَةِ غَيْرُ الشَّرِكَةِ - قُلْنَا: نَعَمْ. وَلَكِنَّ الْأَسْبَابَ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ بِعَيْنِهَا بَلْ بِمَقَاصِدِهَا، فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ اخْتِلَافُ السَّبَبِ إذَا لَمْ يُعْلَمْ بِأَنَّهُ حَصَلَ مَقْصُودُهُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ هُوَ أَنْفَعُ لَهُ، فَأَمَّا إذَا عَلِمْنَا ذَلِكَ يَقِينًا فَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِ الِاخْتِلَافِ فِي السَّبَبِ؛ فَلِهَذَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الزِّيَادَةِ وَالْحَطِّ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ] [قَالَ ﵀]: الْأَصْلُ أَنَّ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ فِي حُكْمِ الزِّيَادَةِ فِي الْبَدَلِ وَالْحَطِّ

стр. 4732

نَظِيرُ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الزِّيَادَةَ هُنَاكَ تَصِحُّ حَالَ قِيَامِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ يُبْطِلُ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ، وَلَا يَصِحُّ بَعْدَ هَلَاكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَالْحَطُّ صَحِيحٌ بَعْدَ هَلَاكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَطَّ إسْقَاطٌ مَحْضٌ، وَفِي الزِّيَادَةِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ، فَكَذَلِكَ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ. وَإِذَا تَعَاقَدَ الرَّجُلَانِ مُزَارَعَةً أَوْ مُعَامَلَةً بِالنِّصْفِ وَعَمِلَ فِيهَا الْعَامِلُ حَتَّى حَصَلَ الْخَارِجُ ثُمَّ زَادَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ مِنْ نَصِيبِهِ السُّدُسَ وَحَصَلَ لَهُ الثُّلُثَيْنِ وَرَضِيَ بِذَلِكَ الْآخَرُ: فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ اسْتِحْصَادِ الزَّرْعِ وَلَمْ يَتَنَاهَى عِظَمُ الْبُسْرِ - جَازَ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَصِحُّ مَا دَامَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَزْدَادُ بِعَمَلِ الْعَامِلِ فَتَصِحُّ الزِّيَادَةُ أَيْضًا مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ لِصَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ اسْتِحْصَادِ الزَّرْعِ وَتَنَاهِي عِظَمِ الْبُسْرِ: فَإِنْ كَانَ الزَّائِدُ صَاحِبَ النَّخْلِ وَصَاحِبَ الْبَذْرِ فِي الْمُعَامَلَةِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَصِحُّ فَكَانَ بِمَعْنَى الزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ بَعْدَ هَلَاكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ انْتَهَى فَلَا يُمْكِنُ إسْنَادُ الزِّيَادَةِ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِحَاقِ بِأَصْلِ الْعَقْدِ وَهِيَ فِي الْحَالِ هِبَةُ غَيْرِ مَقْسُومٍ فَلَا يَكُونُ صَحِيحًا، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ هُوَ الزَّائِدُ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَوْجَبُ بِالشَّرْطِ فَيَكُونُ هَذَا مِنْهُ حَطًّا لَا زِيَادَةً، فَإِنْ كَانَ شَرَطَ بِمُقَابَلَةِ عَمَلِهِ نِصْفَ الْخَارِجِ ثُمَّ حَطَّ ثُلُثَ هَذَا النِّصْفِ وَاكْتَفَى بِثُلُثِ الْخَارِجِ وَالْحَطُّ بَعْدَ هَلَاكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ صَحِيحٌ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ الَّذِي لَا بَذْرَ مِنْ قِبَلِهِ هُوَ الَّذِي زَادَ صَاحِبَ الْبَذْرِ لِأَنَّهُ يُسْتَوْجَبُ بِالشَّرْطِ بِمُقَابَلَةِ مَنْفَعَةِ أَرْضِهِ فَيَكُونُ هَذَا مِنْهُ حَطًّا لَا زِيَادَةً، وَإِذَا اشْتَرَطَا الْخَارِجَ فِي الْمُعَامَلَةِ وَالْمُزَارَعَةِ نِصْفَيْنِ وَاشْتَرَطَا لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ عِشْرِينَ دِرْهَمًا فَسَدَتْ الْمُزَارَعَةُ وَالْمُعَامَلَةُ. مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ الْبَذْرُ أَوْ الشَّرْطُ -؛ لِتَضَمُّنِ هَذَا الْعَقْدِ شِرَاءَ الْمَعْدُومِ أَوْ الْجَمْعَ بَيْنَ الشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ وَالْأُجْرَةِ دَيْنًا فِي الذِّمَةِ بِمُقَابَلَةِ عَمَلِ الْعَامِلِ أَوْ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ ثُمَّ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ فِي الْمُزَارَعَةِ وَلِصَاحِبِ النَّخْلِ فِي الْمُعَامَلَةِ - هَذَا هُوَ حُكْمُ فَاسِدِ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ زَادَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عِشْرِينَ قَفِيزًا إلَّا أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْخَارِجِ مَعَ حُصُولِ الْخَارِجِ وَهُوَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ النِّكَاحِ وَالصُّلْحِ مِنْ الْجِنَايَةِ وَالْخُلْعِ وَالْعِتْقِ] وَالْمُكَاتَبَةِ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ. [قَالَ ﵀:] وَإِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَةً بِمُزَارَعَةِ أَرْضِهِ هَذِهِ السَّنَةَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا بِبَذْرِهَا وَعَمَلِهَا فَمَا خَرَجَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ - فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ وَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِاشْتِرَاطِ أَحَدِ الْعَقْدَيْنِ

стр. 4733

فِي الْأَجْرِ وَالْمُزَارَعَةُ كَالْبَيْعِ تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، وَالنِّكَاحُ لَا يَبْطُلُ. هَكَذَا قَالَ إبْرَاهِيمُ: النِّكَاحُ يَهْدِمُ الشَّرْطَ، وَالشَّرْطُ يَهْدِمُ الْبَيْعَ. وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: التَّسْمِيَةُ صَحِيحَةٌ، وَصَدَاقُهَا أَجْرُ مِثْلِ نِصْفِ الْأَرْضِ. وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀: التَّسْمِيَةُ فَاسِدَةٌ، وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا إلَّا أَنْ يُجَاوِزَ ذَلِكَ بِأَجْرِ مِثْلِ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَحِينَئِذٍ لَهَا أَجْرُ مِثْلِ جَمِيعِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ التَّزَوُّجَ بَذْلُ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ بِمُقَابَلَةِ نِصْفِ الْخَارِجِ، وَبِمُقَابَلَةِ نِصْفِهَا فَإِنَّ الْمَشْرُوطَ لَهَا عَلَى الزَّوْجِ مِلْكُ النِّكَاحِ وَنِصْفُ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ مِنْ قِبَلِهَا، فَإِنَّمَا تَتَوَزَّعُ مَنْفَعَةُ الْأَرْضِ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ - كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ الْمُقَابَلَةِ - وَنِصْفُ الْخَارِجِ مَجْهُولٌ أَصْلًا وَجِنْسًا وَقَدْرًا؛ فَكَانَ مَا يُقَابِلُ الْبُضْعَ مِنْ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ مَجْهُولًا أَيْضًا جَهَالَةَ التَّسْمِيَةِ. وَمِثْلُ هَذِهِ الْجَهَالَةِ تَمْنَعُ صِحَّةَ التَّسْمِيَةِ؛ فَيَكُونُ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا بِثَوْبٍ إلَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ بِوُجُودِ الرِّضَا مِنْهَا، يَكُونُ صَدَاقُهَا مَنْفَعَةَ جَمِيعِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا رَضِيَتْ بِهِ بِمُقَابَلَةِ سِنِينَ كَانَتْ بِمُقَابَلَةِ أَحَدِهِمَا أَرْضَى؛ فَلِهَذَا لَا يُجَاوِزُ بِالصَّدَاقِ أَجْرَ مِثْلِ جَمِيعِ الْأَرْضِ. وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: الِانْقِسَامُ بَيْنَ الْبُضْعِ وَنِصْفِ الْخَارِجِ بِاعْتِبَارِ التَّسْمِيَةِ لَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ؛ فَيَتَوَزَّعُ نِصْفَيْنِ - كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ الْمُقَاسَمَةِ بَيْنَ الْمَجْهُولِ وَالْمَعْلُومِ - بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِفُلَانٍ وَلِلْمَسَاكِينِ، كَانَ لِفُلَانٍ نِصْفُ الثُّلُثِ، فَهُنَا أَيْضًا يَكُونُ الصَّدَاقُ مَنْفَعَةَ نِصْفِ الْأَرْضِ، وَالْمَنْفَعَةُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حُكْمِ الصَّدَاقِ، فَتَصِحُّ التَّسْمِيَةُ، وَيَلْزَمُ تَسْلِيمُ مَنْفَعَةِ نِصْفِ الْأَرْضِ إلَيْهَا، وَقَدْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ لِفَسَادِ الْمُزَارَعَةِ؛ فَيَكُونُ لَهَا أَجْرُ مِثْلِ نِصْفِ الْأَرْضِ. فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، كَانَ لَهَا - فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ نِصْفُ الْمُسَمَّى، وَهُوَ رُبُعُ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ. وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀: لَهَا الْمَنْفَعَةُ لِفَسَادِ التَّسْمِيَةِ. وَإِنْ زَرَعْت الْمَرْأَةُ زَرْعًا فَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ شَيْئًا أَوْ لَمْ تُخْرِجْ، فَجَمِيعُ الْخَارِجِ لِلْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ بَذْرِهَا، وَعَلَيْهَا - فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - نِصْفُ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ، وَلَا صَدَاقَ لَهَا عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهَا اسْتَوْفَتْ مَنْفَعَةَ جَمِيعِ الْأَرْضِ، وَنِصْفُ ذَلِكَ صَدَاقُهَا، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ اسْتَوْفَتْهُ بِحُكْمِ مُزَارَعَةٍ فَاسِدَةٍ؛ فَعَلَيْهَا أَجْرُ مِثْلِ نِصْفِ الْأَرْضِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ عَلَيْهَا أَجْرُ مِثْلِ جَمِيعِ الْأَرْضِ؛ فَيَتَقَاصَّانِ وَيَتَرَادَّانِ فَضْلًا إنْ كَانَ. وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ فَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ دَفَعَ أَرْضًا وَبَذْرًا مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ - وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا - فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ وَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ، وَلِلْمَرْأَةِ مَهْرُ مِثْلِهَا بَالِغًا مَا بَلَغَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ شَرَطَ لَهَا نِصْفَ الْخَارِجِ بِمُقَابَلَةِ الْبُضْعِ وَبِمُقَابَلَةِ الْعَمَلِ، وَالْخَارِجُ مَجْهُولُ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ، وَوُجُودُ أَصْلِهِ عَلَى خَطَرٍ؛ فَلَمْ يَصِحَّ تَسْمِيَتُهُ صَدَاقًا، فَكَانَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْجِنْسِ، أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْمَشْرُوطُ بِمُقَابَلَةِ الْبُضْعِ بَعْضَ

стр. 4734

الْخَارِجِ فَالتَّسْمِيَةُ فَاسِدَةٌ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا، وَمَتَى كَانَ الْمَشْرُوطُ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ أَوْ مَنْفَعَةَ الْعَامِلِ بِمُقَابَلَةِ الْبُضْعِ فَفِي صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ اخْتِلَافٌ - كَمَا بَيَّنَّا - حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَرْضَهَا لِيَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِ وَعَمَلِهِ بِالنِّصْفِ - فَلِلْمَرْأَةِ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ شَرَطَ لَهَا نِصْفَ الْخَارِجِ بِمُقَابَلَةِ بُضْعِهَا وَمَنْفَعَةِ الْأَرْضِ. وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَرْضَهَا وَبَذْرًا مَعَهَا مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ - فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى الِاخْتِلَافِ؛ لِأَنَّهَا شَرَطَتْ عَمَلَ الزَّوْجِ بِمُقَابَلَةِ بُضْعِهَا وَنِصْفِ الْخَارِجِ؛ فَيَكُونُ الصَّدَاقُ نِصْفَ عَمَلِ الزَّوْجِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ كَمَا بَيَّنَّا. وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهَا نَخْلًا مُعَامَلَةً بِالنِّصْفِ - فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ شَرَطَ لَهَا نِصْفَ الْخَارِجِ بِمُقَابَلَةِ بُضْعِهَا وَعَمَلِهَا. وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ دَفَعْت إلَيْهِ نَخْلًا مُعَامَلَةً بِالنِّصْفِ - فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ الْتَزَمَ الْعَمَلَ بِمُقَابَلَةِ بُضْعِهَا وَنِصْفِ الْخَارِجِ. فَهَذِهِ سِتُّ مَسَائِلَ فِي النِّكَاحِ، وَسِتٌّ أُخْرَى فِي الْخُلْعِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ. فَالْمَرْأَةُ فِي الْخُلْعِ بِمَنْزِلَةِ الزَّوْجِ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ بَذْلَ الْخُلْعِ عَلَيْهَا لَهُ، فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ ذَكَرْنَا فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ يَكُونُ لَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا فَفِي الْخُلْعِ يَجِبُ عَلَيْهَا رَدُّ الْمَقْبُوضِ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ لَا يُتَقَوَّمُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا يُقَوَّمُ بِاعْتِبَارِ رَدِّ الْمَقْبُوضِ. وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْمَسَائِلُ السِّتُّ فِي الصُّلْحِ مِنْ جِنَايَةِ الْعَهْدِ، إلَّا أَنَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَانَ الْوَاجِبُ فِي النِّكَاحِ صَدَاقَ مِثْلِهَا - فَفِي الصُّلْحِ مِنْ دَمِ الْعَمْدِ الْوَاجِبِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ بَذْلَ النَّفْسِ هُوَ الدِّيَةُ عِنْدَ فَسَادِ التَّسْمِيَةِ فِي الصُّلْحِ بِمَنْزِلَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي النِّكَاحِ. وَأَمَّا كُلُّ جِنَايَةٍ لَيْسَ فِيهَا قِصَاصٌ أَوْ جِنَايَةٌ خَطَأٌ وَقَعَتْ عَلَى الصُّلْحِ عَنْهَا عُقْدَةٌ مُزَارَعَةً أَوْ مُعَامَلَةً عَلَى مَا وَصَفْنَا - فَإِنَّ الْعَقْدَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فَاسِدٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ هَذَا صُلْحٌ عَنْ مَالٍ عَلَى مَالٍ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ كَمَا تَبْطُلُ الْمُزَارَعَةُ، فَاشْتِرَاطُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ فِي الْآخَرِ يُفْسِدُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. فَأَمَّا الْعِتْقُ عَلَى شَرْطِ الْمُزَارَعَةِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ - فَعَلَى الْعَبْدِ فِيهِ قِيمَةُ نَفْسِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَتْ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى إنَّمَا يُزِيلُ عَنْ مِلْكِهِ فِي الْعِتْقِ مَالًا مُتَقَوِّمًا، فَعِنْدَ فَسَادِ التَّسْمِيَةِ يَكُونُ رُجُوعُهُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى خَمْرٍ. وَلَا يَدْخُلُ هُنَا الْخِلَافُ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - عَلَى قِيَاسِ جَعْلِ الْعِتْقِ إذَا كَانَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ فَاسْتُحِقَّ أَوْ هَلَكَ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ التَّسْمِيَةَ كَانَتْ صَحِيحَةً وَهُنَا التَّسْمِيَةُ فَاسِدَةٌ فَيَكُونُ هَذَا نَظِيرَ الْعِتْقِ عَلَى الْخَمْرِ. وَأَمَّا الْكِتَابَةُ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ مَعَ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَصِحُّ إلَّا بِتَسْمِيَةِ الْبَدَلِ، وَهُوَ عَقْدٌ مُحْتَمِلٌ لِلْفَسْخِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ؛ فَاشْتِرَاطُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ فِي الْآخَرِ يُفْسِدُهُمَا جَمِيعًا. فَإِنْ عَمِلَهَا الْمُكَاتَبُ عَتَقَ إنْ خَرَجَ

стр. 4735

شَيْءٌ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ إذَا كَانَ مَحَلُّهُ مَحَلَّ آخَرَ بِأَنْ كَانَ الْمَوْلَى صَاحِبَ النَّخْلِ أَوْ صَاحِبَ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَى الْعَمَلَ الْمَشْرُوطَ عَلَيْهِ بِمُقَابَلَةِ رَقَبَتِهِ، وَمَعَ فَسَادِ التَّسْمِيَةِ يُتْرَكُ الْعِتْقُ بِإِيفَاءِ الْمَشْرُوطِ، كَمَا لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى خَمْرٍ فَأَدَّى الْخَمْرَ. ثُمَّ لِلْمُكَاتَبِ عَلَى مَوْلَاهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَلِلْمَوْلَى عَلَيْهِ رَقَبَتُهُ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ رَقَبَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ الْفَضْلَ، وَإِنْ كَانَ أَجْرُ مِثْلِهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ رَقَبَتِهِ - لَمْ يَكُنْ عَلَى مَوْلَاهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ نَالَ الْعِتْقَ بِمُقَابَلَةِ مَا أَوْفَى مِنْ الْعَمَلِ فَلَا يَتَمَكَّنُ اسْتِرْدَادُ شَيْءٍ مِنْهُ، وَاسْتِرْدَادُ بَدَلِهِ كَاسْتِرْدَادِهِ. ثُمَّ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ الْمَوْلَى أَحَقُّ بِمَنَافِعِهِ فَلَا يُتَقَوَّمُ عَلَيْهِ مَنَافِعُهُ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُكَاتَبُ، وَذَلِكَ مِقْدَارُ قِيمَةِ رَقَبَتِهِ وَإِذَا كَانَ مَحَلُّ الْمُكَاتَبِ مَحَلَّ الْمُسْتَأْجِرِ بِأَنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُكَاتَبِ لَمْ يُعْتَقْ وَإِنْ زَرَعَ الْأَرْضَ وَحَصَلَ الْخَارِجُ؛ لِأَنَّ الْجَعْلَ هُنَا بَعْضُ الْخَارِجِ وَهُوَ مَجْهُولُ اللَّوْنِ وَالْجِنْسِ وَالْقَدْرِ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْجَهَالَةِ تَمْنَعُ الْعِتْقَ وَإِنْ أَدَّى، كَمَا لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى ثَوْبٍ، ثُمَّ الْخَارِجُ كُلُّهُ فِي يَدِ الْعَبْدِ هُنَا إلَى أَنْ يَرُدَّهُ الْمَوْلَى رَقِيقًا، وَإِذَا رَدَّهُ الْمَوْلَى رَقِيقًا كَانَ الْخَارِجُ لِلْمَوْلَى بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ كَسْبُ عَبْدِهِ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَشْرُوطٌ فِي الْكِتَابَةِ، فَلِهَذَا لَا يُعْتَقُ الْعَبْدُ بِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ عَمَلِ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ فِيهَا بِأَمْرِ الْعَامِلِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ] [قَالَ ﵀]: وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا وَبَذْرًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا هَذِهِ السَّنَةَ بِالنِّصْفِ فَبَذَرَهُ الْعَامِلُ وَسَقَاهُ فَلَمَّا نَبَتَ قَامَ عَلَيْهِ رَبُّ الْأَرْضِ بِنَفْسِهِ وَأُجَرَائِهِ وَسَقَاهُ حَتَّى اُسْتُحْصِدَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُزَارِعِ - فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَرَبُّ الْأَرْضِ مُتَطَوِّعٌ فِيمَا صَنَعَ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمَا قَدْ انْعَقَدَتْ فِي الْخَارِجِ حِينَ بَذَرَهُ الْعَامِلُ وَسَقَاهُ، وَصَارَ الْعَقْدُ بِحَيْثُ لَا يَمْلِكُ رَبُّ الْأَرْضِ فَسْخَهُ، فَإِقَامَةُ الْعَمَلِ بَعْدَ ذَلِكَ كَإِقَامَةِ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ، وَلَوْ عَمِلَ أَجْنَبِيٌّ آخَرُ فِيهَا كَانَ مُتَطَوِّعًا فِيمَا صَنَعَ وَالْخَارِجُ بَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْمُزَارِعِ عَلَى الشَّرْطِ، فَكَذَلِكَ إذَا فَعَلَ رَبُّ الْأَرْضِ ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَ لِذَلِكَ فَعَمَلُ أَجِيرِهِ كَعَمَلِهِ وَأَجْرُ الْأَجِيرِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ، ثُمَّ رَبُّ الْأَرْضِ إنَّمَا عَمِلَ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَى غَيْرِهِ. وَلَوْ كَانَ الْمُزَارِعُ بَذَرَ الْبَذْرَ فَلَمْ يَنْبُتْ وَلَمْ يَسْقِهِ حَتَّى سَقَاهُ رَبُّ الْأَرْضِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَنَبَتَ فَلَمْ يَزَلْ يَقُومُ عَلَيْهِ وَيَسْقِيهِ حَتَّى اُسْتُحْصِدَ - فَالْخَارِجُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالْمُزَارِعُ مُتَطَوِّعٌ فِي عَمَلِهِ وَلَا أَجْرَ لَهُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ. وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ أَنْ يُجْعَلَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا وَيُجْعَلُ رَبُّ الْأَرْضِ مُتَطَوِّعًا فِيمَا عَمِلَ. وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ

стр. 4736

رَبَّ الْأَرْضِ اسْتَرَدَّ الْأَرْضَ وَالْبَذْرَ قَبْلَ انْعِقَادِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمَا فِي الْخَارِجِ لَا فِي الْبَذْرِ وَبِمُجَرَّدِ إلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ وَكَوْنِهِ فِي الْجَوَالِقِ سَوَاءٌ وَلَوْ أَخَذَ رَبُّ الْأَرْضِ الْبَذْرَ وَزَرَعَ بِنَفْسِهِ كَانَ الْخَارِجُ كُلُّهُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَرَدًّا فِي حَالٍ هُوَ يَمْلِكُ فَسْخَ الْمُزَارَعَةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَرَدَّهُ بَعْدَ الْإِلْقَاءِ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ السَّقْيِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ سَبَبَ الشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ إلْقَاءُ الْبَذْرِ فَيُقَامُ هَذَا السَّبَبُ مَقَامَ حَقِيقَةِ الشَّرِكَةِ بِبَيَانِ الزَّرْعِ. [أَلَا تَرَى] أَنَّهُ يُقَامُ مَقَامَهُ فِي لُزُومِ الْعَقْدِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ رَبُّ الْأَرْضِ فَسْخَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَصْدًا وَمَنْعَ الْمُزَارِعِ مِنْ الْعَمَلِ فَيَكُونَ هَذَا مِنْهُ إعَانَةً لِلْمُزَارِعِ أَوْ عَمَلَهُ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ فَيَكُونَ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. وَهُوَ نَظِيرُ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَذَرَ أَرْضًا لَهُ فَلَمْ يَنْبُتْ حَتَّى سَقَاهُ رَجُلٌ فَنَبَتَ كَانَ الزَّرْعُ الَّذِي سَقَاهُ فِي الْقِيَاسِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ غَصَبَ بَذْرًا وَزَرَعَهُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ الزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَاَلَّذِي سَقَاهُ مُعِينٌ لَهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ بَعْدَ الزِّرَاعَةِ يَكُونُ إذْنًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي سَقْيِهِ وَالْقِيَامِ عَلَيْهِ مُسْتَعِينًا بِهِ دَلَالَةً فَيُنَزَّلُ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ أَمْرِهِ إيَّاهُ بِذَلِكَ نَصًّا، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الزِّرَاعَةِ فَلَهُ تَدْبِيرٌ فِي تَقْدِيمِ عَمَلِ الزِّرَاعَةِ وَتَأْخِيرِهِ وَاخْتِيَارِ مَا يَزْرَعُهُ فِي كُلِّ أَرْضٍ، فَلَا يَكُونُ هُوَ آمِرًا لِلْغَاصِبِ بِأَنْ يَزْرَعَ بَذْرَهُ فِي أَرْضِهِ فَيَكُونَ الْغَاصِبُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُزَارَعَةِ بَعْدَ مَا بَذَرَهُ الْمُزَارِعُ هُوَ كَالْمُسْتَعِينِ بِصَاحِبِ الْأَرْضِ فِي سَقْيِهِ وَالْقِيَامِ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ نَصًّا، فَيَكُونُ رَبُّ الْأَرْضِ عَامِلًا لَهُ لَا لِنَفْسِهِ. وَلَوْ بَذَرَهُ رَبُّ الْأَرْضِ وَلَمْ يَسْقِهِ وَلَمْ يَنْبُتْ حَتَّى سَقَاهُ الْمُزَارِعُ وَقَامَ عَلَيْهِ حَتَّى اُسْتُحْصِدَ - فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا، أَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ بِأَمْرِ الْمُزَارِعِ فَهُوَ غَيْرُ مُشْكِلٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَذَرَهُ وَسَقَاهُ كَانَ مُعِينًا لِلْمُزَارِعِ، فَإِذَا بَذَرَهُ وَلَمْ يَسْقِهِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلِأَنَّ بِمُجَرَّدِ إلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ لَمْ يَحْصُلْ الْخَارِجُ وَإِنَّمَا حَصَلَ بِالسَّقْيِ وَالْعَمَلِ بَعْدُ، وَقَدْ بَاشَرَهُ الْمُزَارِعُ فَيَكُونُ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ، وَهَذَا الْفِعْلُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ مُحْتَمَلٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى طَرِيقِ الْفَسْخِ مِنْهُ لِعَقْدِ الْمُزَارَعَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ وَلِلْعَامِلِ كَيْ لَا يَفُوتَ الْوَقْتُ لِاشْتِغَالِ الْمُزَارِعِ بِعَمَلٍ آخَرَ أَوْ لِمَرَضٍ حَلَّ بِهِ، وَبِالِاحْتِمَالِ لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فَلِهَذَا كَانَ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ. وَلَوْ أَخَذَهُ رَبُّ الْأَرْضِ فَبَذَرَهُ فِي الْأَرْضِ وَسَقَاهُ فَنَبَتَ ثُمَّ إنَّ الْمُزَارِعَ يَقُومُ عَلَيْهِ وَيَسْقِيه حَتَّى اُسْتُحْصِدَ - فَالْخَارِجُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالْمُزَارِعُ مُتَطَوِّعٌ فِي عَمَلِهِ وَلَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحْكَمَ اسْتِرْدَادُ رَبِّ الْأَرْضِ حِينَ بَذَرَهُ وَسَقَاهُ حَتَّى نَبَتَ مِنْ حَيْثُ إنَّ بِالنَّبَاتِ تَحْصُلُ الشَّرِكَةُ

стр. 4737

فِي الْخَارِجِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ جِهَةِ الْمُزَارِعِ لِيَكُونَ شَرِيكًا فِي الْخَارِجِ فَإِنَّمَا نَبَتَ الْخَارِجُ كُلُّهُ عَلَى مِلْكِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَانْفَسَخَ عَقْدُ الْمُزَارَعَةِ فَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ الْمُزَارِعُ بِالْعَمَلِ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ مُتَطَوِّعٌ فَلَا يَسْتَوْجِبُ عَلَيْهِ الْأَجْرَ. وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ فَبَذَرَهُ وَلَمْ يَسْقِهِ حَتَّى سَقَاهُ رَبُّ الْأَرْضِ وَقَامَ عَلَيْهِ حَتَّى اُسْتُحْصِدَ فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ اسْتِحْسَانًا. وَكَذَلِكَ لَوْ بَذَرَهُ رَبُّ الْأَرْضِ وَلَمْ يَسْقِهِ حَتَّى سَقَاهُ الْمُزَارِعُ وَقَامَ عَلَيْهِ حَتَّى اُسْتُحْصِدَ فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ. وَلَوْ بَذَرَهُ رَبُّ الْأَرْضِ وَسَقَاهُ حَتَّى نَبَتَ ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ الْمُزَارِعُ وَسَقَاهُ فَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَهُوَ ضَامِنٌ لِمِثْلِ مَا أَخَذَ مِنْ الْبَذْرِ، وَالْمُزَارِعُ مُتَطَوِّعٌ فِي عَمَلِهِ لِأَنَّهُ كَانَ غَاصِبًا لِمَا أَخَذَ مِنْ الْبَذْرِ، وَقَدْ اسْتَحْكَمَ ذَلِكَ بِنَبَاتِ الْخَارِجِ عَلَى مِلْكِهِ فَكَانَتْ زِرَاعَتُهُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ وَفِي أَرْضٍ لَهُ أُخْرَى سَوَاءً فَيَكُونُ الْخَارِجُ كُلُّهُ لَهُ، وَالْمُزَارِعُ مُتَطَوِّعٌ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ فِي زَرْعِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ. وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ نَخْلًا لَهُ مُعَامَلَةً بِالنِّصْفِ فَقَامَ عَلَيْهِ الْعَامِلُ وَسَقَاهُ وَحَفِظَهُ فَلَمَّا خَرَجَ طَلْعُهُ أَخَذَهُ صَاحِبُ النَّخْلِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْعَامِلِ وَقَامَ عَلَيْهِ وَسَقَاهُ وَلَقَّحَهُ حَتَّى أَدْرَكَ الْخَارِجَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ قَدْ تَأَكَّدَتْ بِخُرُوجِ الطَّلْعِ فَيَكُونُ رَبُّ النَّخْلِ بَعْدَ ذَلِكَ مُعِينًا لِلْعَامِلِ فِي النَّخْلِ بِمَنْزِلَةِ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ بِعَيْنِهِ، وَلَا أَجْرَ لِصَاحِبِ النَّخْلِ فِي تَلْقِيحِهِ وَعَمَلِهِ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ فِيهِ لَمْ يَأْمُرْهُ الْعَامِلُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْعَامِلُ حِينَ قَبَضَ النَّخْلَ أَخَذَهُ صَاحِبُهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَسَقَاهُ وَقَامَ عَلَيْهِ حَتَّى طَلَعَ طَلْعُهُ ثُمَّ قَبَضَ مِنْهُ الْعَامِلُ فَلَقَّحَهُ وَسَقَاهُ وَقَامَ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ تَمْرًا - فَجَمِيعُ مَا خَرَجَ لِصَاحِبِ النَّخْلِ وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ مِنْهُ، لِأَنَّ الشَّرِكَةَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ بَيْنَهُمَا بِخُرُوجِ الطَّلْعِ، وَحِينَ خَرَجَ لَمْ يَكُنْ وُجِدَ مِنْ الْعَامِلِ عَمَلٌ فِيهِ لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا، فَيَكُونَ الْخَارِجُ كُلُّهُ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِ النَّخْلِ، ثُمَّ لَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِعَمَلِ الْعَامِلِ بَلْ هُوَ فِيمَا عَمِلَ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ، وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ النَّخْلِ قَبَضَهُ وَسَقَاهُ وَقَامَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَخْرُجْ طَلْعُهُ حَتَّى قَبَضَهُ الْعَامِلُ بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهِ فَسَقَاهُ وَقَامَ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ طَلْعُهُ ثُمَّ لَقَّحَهُ وَقَامَ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ تَمْرًا - فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الشَّرِكَةَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ عِنْدَ حُصُولِ الطَّلْعِ، وَقَدْ وُجِدَ الْعَمَلُ مِنْ الْعَامِلِ عِنْدَ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَتْهُ الْمُعَامَلَةُ فَيَصِيرُ الْخَارِجُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُزَارَعَةِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ هُنَاكَ رَبُّ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ يَمْلِكُ فَسْخَ الْعَقْدِ قَصْدًا قَبْلَ إلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ، وَهُنَا لَا يَمْلِكُ، ثُمَّ هُنَاكَ لَا يُجْعَلُ رَبُّ الْأَرْضِ مُسْتَرِدًّا فِيمَا أَقَامَ مِنْ الْعَمَلِ وَيُجْعَلُ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ، فَهُنَا أَوْلَى، وَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَوْ كَانَ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ فِعْلُ مَا فَعَلَ بِأَمْرِ الْعَامِلِ وَالْمُزَارِعِ كَانَ الْخَارِجُ

стр. 4738

بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْمُزَارِعَ اسْتَعَانَ بِهِ فِي الْعَمَلِ وَهُوَ قَصْدُ إعَانَتِهِ لَا إقَامَةُ الْعَمَلِ لِنَفْسِهِ، فَتَكُونُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِهِ. وَلَوْ كَانَ اسْتَأْجَرَ رَبَّ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ أَوْ رَبَّ النَّخْلِ عَلَى ذَلِكَ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ - فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ، وَلَا أَجْرَ لَهُ عَلَى الْمُزَارِعِ لِأَنَّهُ عَمِلَ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ، وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ لِذَلِكَ أُجَرَاءَ فَفَعَلَ فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ وَأَجْرُ الْأُجَرَاءِ عَلَيْهِ. وَلَوْ كَانَتْ الْمُزَارَعَةُ وَالْمُعَامَلَةُ الْأُولَى بِالنِّصْفِ ثُمَّ دَفَعَهَا الْعَامِلُ إلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ لِيَعْمَلَ عَلَى أَنَّ لَهُ الثُّلُثَيْنِ مِنْ الْخَارِجِ وَالثُّلُثَ لِلْعَامِلِ - فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ عَلَى الْمُزَارَعَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ اسْتَأْجَرَ رَبَّ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ لِلْعَمَلِ بِجُزْءٍ مِنْ نَصِيبِهِ. وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ بِدَرَاهِمَ لَمْ يَسْتَوْجِبْ الْأَجْرَ، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْجَرَهُ بِجُزْءٍ مِنْ نَصِيبِهِ، وَلَا يُجْعَلُ هَذَا حَطًّا مِنْهُ لِبَعْضِ نَصِيبِهِ مِنْ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَطَّ مِنْ ضِمْنِ الْعَقْدِ الثَّانِي لَا مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ، وَقَدْ بَطَلَ الْعَقْدُ الثَّانِي فَيَبْطُلُ مَا فِي ضِمْنِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ اشْتِرَاطِ بَعْضِ الْعَمَلِ عَلَى الْعَامِلِ] [قَالَ ﵀]: وَإِذَا دَفَعَ رَجُلٌ نَخْلًا لَهُ مُعَامَلَةً عَلَى أَنْ يُلَقِّحَهُ؛ فَمَا خَرَجَ مِنْهُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ صَاحِبُ النَّخْلِ عَلَى الْعَامِلِ مِنْ السَّقْيِ وَالْحِفْظِ وَالْعَمَلِ شَيْئًا غَيْرَ التَّلْقِيحِ - نَظَرْت فِيهِ: فَإِنْ كَانَ النَّخْلُ يَحْتَاجُ إلَى الْحِفْظِ وَالسَّقْيِ فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ لِأَنَّ الْعَمَلَ يُسْتَحَقُّ عَلَى الْعَامِلِ بِالشَّرْطِ وَلَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ إلَّا الْمَشْرُوطُ، وَإِذَا كَانَ الثَّمَنُ لَا يَحْصُلُ بِالْعَمَلِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ فَمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَعْمَالِ يَكُونُ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ. وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَسَدَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْمُعَامَلَةِ التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الْعَامِلِ وَبَيْنَ النَّخِيلِ، فَاشْتِرَاطُ بَعْضِ الْعَمَلِ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ بِعَدَمِ التَّخْلِيَةِ يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ، فَكَذَلِكَ اسْتِحْقَاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ ذَلِكَ اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ عَلَى الشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْعَمَلِ الَّذِي بِهِ يَحْصُلُ الْخَارِجُ، وَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَيَكُونُ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ ذَلِكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ تَسْلِيمِ نَصِيبِ الْعَامِلِ مِنْ الْخَارِجِ إلَيْهِ كَمَا شَرَطَهُ لَهُ، فَإِنْ لَقَّحَهُ الْعَامِلُ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ وَقِيمَةُ مَا لَقَّحَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ صَرَفَ عَيْنَ مَالِهِ وَمَنَافِعِهِ إلَى إصْلَاحِ مِلْكِ الْغَيْرِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَيَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ أَجْرَ مِثْلِهِ بِإِزَاءِ مَنَافِعِهِ وَقِيمَةِ مَا لَقَحَهُ بِهِ بِإِزَاءِ الْعَيْنِ الَّذِي صَرَفَهُ إلَى مِلْكِ الْغَيْرِ، فَإِنْ ابْتَغَى الْعِوَضَ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ وَلَمْ يَنَلْ حِينَ كَانَ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ النَّخْلِ فَكَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ وَقِيمَةُ مَا لَقَّحَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ

стр. 4739

لَا يَحْتَاجُ إلَى حِفْظٍ وَلَا إلَى سَقْيٍ وَلَا عَمَلَ غَيْرُ التَّلْقِيحِ - فَالْمُعَامَلَةُ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْخَارِجُ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْعَامِلِ بِالشَّرْطِ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فَيَكُونُ مُسْتَحَقًّا عَلَى رَبِّ النَّخْلِ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، فَذِكْرُهُ وَالسُّكُوتُ عَنْهُ سَوَاءٌ. وَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَاجُ إلَى سَقْيٍ وَلَكِنْ لَوْ سُقِيَ كَانَ أَجْوَدَ لِثَمَرَتِهِ إلَّا أَنَّ تَرْكَهُ لَا يَضُرُّهُ - فَالْمُعَامَلَةُ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ صِفَةُ السَّلَامَةِ فِي الْعِوَضِ، فَأَمَّا صِفَةُ الْجَوْدَةِ فَلَا تُسْتَحَقُّ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ، فَلَا يَكُونَ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ شَيْءٌ مِنْ الْعَمَلِ هُنَا. وَإِنْ كَانَ تَرْكُ السَّقْيِ يَضُرُّهُ وَيُفْسِدُ بَعْضَهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ كُلُّهُ - فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ، لِأَنَّ بِمُطْلَقِ الْمُعَاوَضَةِ يَسْتَحِقُّ صِفَةَ السَّلَامَةِ عَنْ الْعَيْبِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِالْعَمَلِ الْمَشْرُوطِ عَلَى الْعَامِلِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَوْلِ بِاسْتِحْقَاقِ بَعْضِ الْعَمَلِ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ وَهُوَ مَا تَحْصُلُ بِهِ صِفَةُ السَّلَامَةِ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ تَرَكَ اشْتِرَاطَ التَّلْقِيحِ عَلَيْهِ وَقَدْ اشْتَرَطَ مَا سِوَاهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ تَرْكَ التَّلْقِيحِ يَضُرُّهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّ النَّخِيلَ إذَا لَمْ يُلَقَّحْ أَحْشَفَ التَّمْرُ، فَقَدْ بَقِيَ بَعْضُ الْعَمَلِ عَلَى صَاحِبِ النَّخْلِ وَهُوَ مَا تَحْصُلُ بِهِ صِفَةُ السَّلَامَةِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ عَمَلٍ لَا يَصْلُحُ النَّخْلُ إلَّا بِهِ وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ عَلَى الْعَامِلِ. وَلَوْ كَانَ النَّخْلُ نَخْلًا لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّلْقِيحِ، وَكَانَ بِحَيْثُ يَحْصُلُ ثَمَرُهُ بِغَيْرِ تَلْقِيحٍ إلَّا أَنَّ التَّلْقِيحَ أَجْوَدُ لَهُ - فَالْمُعَامَلَةُ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ يَسْتَحِقُّ صِفَةَ السَّلَامَةِ لَا صِفَةَ الْجَوْدَةِ. وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ النَّخْلَ مُلَقَّحًا وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ الْحِفْظَ وَالسَّقْيَ جَازَ؛ لِأَنَّ التَّخْلِيَةَ بَيْنَ النَّخْلِ وَالْعَامِلِ إنَّمَا تُشْتَرَطُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَدْ وُجِدَ، بِخِلَافِ مَا إذَا دُفِعَ إلَيْهِ غَيْرَ مُلَقَّحٍ، وَاشْتِرَاطُ التَّلْقِيحِ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّخْلِيَةَ تَنْعَدِمُ عَقِيبَ الْعَقْدِ وَمَا يُلَقِّحُهُ صَاحِبُ النَّخْلِ، وَالْمُعَامَلَةُ تَلْزَمُ بِنَفْسِهَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَاشْتِرَاطُ مَا يُفَوِّتُ مُوجَبَهَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَفِي الْأَوَّلِ التَّلْقِيحُ مِنْ رَبِّ النَّخْلِ كَانَ قَبْلَ الْعَقْدِ فَمَا هُوَ مُوجَبُ الْعَقْدِ وَهُوَ التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الْعَامِلِ وَالنَّخْلِ عَقِيبَ الْعَقْدِ مَوْجُودٌ، وَإِنْ اشْتَرَطَا أَنْ يُلَقِّحَهُ صَاحِبُهُ ثُمَّ يَحْفَظَهُ الْعَامِلُ وَيَسْقِيَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ انْعَقَدَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالِ، فَالشَّرْطُ مُفَوِّتٌ مُوجَبَ الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ مُضَافًا إلَى مَا بَعْدَ فَرَاغِ صَاحِبِ النَّخْلِ مِنْ التَّلْقِيحِ - فَذَلِكَ مَجْهُولٌ لَا يَدْرِي يُعَجِّلُهُ صَاحِبُ النَّخْلِ أَوْ يُؤَخِّرُهُ، وَالْجَهَالَةُ فِي ابْتِدَاءِ مُدَّةِ الْمُعَامَلَةِ مُفْسِدَةٌ لِلْمُعَامَلَةِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يُلَقِّحَهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ صَاحِبُ النَّخْلِ عَلَى أَنْ يَحْفَظَهُ الْعَامِلُ وَيَسْقِيَهُ مِنْ غُرَّةِ الشَّهْرِ الدَّاخِلِ - فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ مُدَّةِ الْمُعَامَلَةِ هُنَا فِي غُرَّةِ الشَّهْرِ الدَّاخِلِ وَهُوَ مَعْلُومٌ، وَالْمُعَامَلَةُ عَقْدُ إجَارَةٍ فَتَجُوزُ إضَافَتُهَا إلَى وَقْتٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَلَوْ دَفَعَهُ إلَيْهِ وَاشْتَرَطَ التَّلْقِيحَ وَالسَّقْيَ عَلَى الْعَامِلِ وَالْحِفْظَ عَلَى رَبّ النَّخْلِ - لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يَعْدَمُ التَّخْلِيَةَ فِي

стр. 4740

جَمِيعِ مُدَّةِ الْمُعَامَلَةِ، فَالْحِفْظُ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا الْآنَ لِدَرْكِ الثِّمَارِ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْحِفْظِ فَتَجُوزُ الْمُعَامَلَةُ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ مِنْ الشُّرُوطِ مَا يَكُونُ مُفِيدًا، فَأَمَّا مَا لَا يُفِيدُ فَالذِّكْرُ وَالسُّكُوتُ عَنْهُ سَوَاءٌ. وَلَوْ اشْتَرَطَ التَّلْقِيحَ وَالْحِفْظَ عَلَى الْعَامِلِ وَالسَّقْيَ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يَعْدَمُ التَّخْلِيَةَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ يَصْلُحُ بِغَيْرِ سَقْيٍ إلَّا أَنَّ السَّقْيَ أَفْضَلُ لَهُ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا لِأَنَّ صِفَةَ الْجَوْدَةِ تُسْتَحَقُّ بِالشَّرْطِ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ تَحْصُلُ بِمَا شُرِطَ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ اعْتِبَارِهِ، وَإِنْ كَانَ السَّقْيُ لَا يَزِيدُ فِيهِ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّهُ تَرْكُهُ فَالْمُعَامَلَةُ جَائِزَةٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الشَّرْطِ فَائِدَةٌ، فَذِكْرُهُ وَالسُّكُوتُ عَنْهُ سَوَاءٌ. وَلَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا وَبَذْرًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا هَذِهِ السَّنَةَ فَمَا خَرَجَ مِنْهَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ سَقْيًا وَلَا حِفْظًا: فَإِنْ كَانَتْ أَرْضًا يَسْقِيهَا السَّمَاءُ لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى سَقْيٍ وَلَا حِفْظٍ مِثْلَ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ وَنَحْوِهَا - فَالْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ عَلَى شَرْطِهِمَا؛ لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْخَارِجُ قَدْ شُرِطَ عَلَى الْمُزَارِعِ، وَمَا سِوَاهُ مِنْ الْعَمَلِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فَلَا يَكُونُ مُسْتَحَقًّا عَلَى وَاحِدٍ. وَإِنْ كَانَ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ الْحِفْظِ وَالسَّقْيِ فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ عَلَى الْعَامِلِ إلَّا الْعَمَلُ الْمَشْرُوطُ، فَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ الْخَارِجُ يَكُونُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ فَكَأَنَّهُ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَهُوَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ لِانْعِدَامِ التَّخْلِيَةِ. وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ لَا يَحْتَاجُ إلَى السَّقْيِ وَلَكِنَّهُ لَوْ سُقِيَ كَانَ أَجْوَدَ لَهُ - فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى شَرْطِهِمَا، لِأَنَّ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ يَسْتَحِقُّ صِفَةَ السَّلَامَةِ لَا نِهَايَةَ الْجَوْدَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا شَرَطَ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْجَوْدَةِ تُسْتَحَقُّ بِالشَّرْطِ. وَإِنْ كَانَ إذَا تَرَكَ السَّقْيَ هَلَكَ بَعْضُهُ وَخَرَجَ بَعْضُهُ حَيًّا عَامِرًا عَطْشَانَ فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ يَسْتَحِقُّ صِفَةَ السَّلَامَةِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَا لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَى الْعَامِلِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُسْتَحَقًّا عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ. وَلَوْ اشْتَرَطَ جَمِيعَ الْعَمَلِ عَلَى الْعَامِلِ إلَّا الْحِفْظَ فَإِنَّهُ اشْتَرَطَهُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ - فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ لِأَنَّ بِهَذَا الشَّرْطِ تَنْعَدِمُ التَّخْلِيَةُ. وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَ السَّقْيَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ. وَلَوْ اشْتَرَطَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَبْذُرَهُ كَانَ هَذَا فَاسِدًا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَنْعَقِدُ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالِ، فَالتَّخْلِيَةُ تَنْعَدِمُ إلَى أَنْ يَفْرُغَ رَبُّ الْأَرْضِ مِنْ الْبَذْرِ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ السَّقْيَ وَالسَّقْيُ لَوْ تُرِكَ لَمْ يَضُرَّهُ وَلَكِنَّهُ أَجْوَدُ لِلزَّرْعِ إنْ سُقِيَ - فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْجَوْدَةِ تُسْتَحَقُّ بِالشَّرْطِ، وَإِنْ كَانَ السَّقْيُ لَا يَزِيدُهُ خَيْرًا فَالْمُزَارَعَةُ جَائِرَةٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ، وَإِنْ كَانَ الْمَطَرُ رُبَّمَا قَلَّ فَزَادَ الزَّرْعُ وَرُبَّمَا كَثُرَ فَلَمْ يَزِدْهُ السَّقْيُ خَيْرًا - لَمْ تَجُزْ الْمُزَارَعَةُ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مُعْتَبَرٌ مُقَيَّدٌ مِنْ وَجْهٍ. وَالْأَصْلُ فِي

стр. 4741

الشَّرَائِطِ فِي الْعَقْدِ أَنَّهُ يَجِبُ اعْتِبَارُهَا إلَّا عِنْدَ التَّيَقُّنِ بِخُلُوِّهَا عَنْ الْفَائِدَةِ، وَيَبْقَى هُنَا مُوجَبُ اعْتِبَارِ الشَّرْطِ، وَبِاعْتِبَارِهِ يَفْسُدُ الْعَقْدُ لِانْعِدَامِ التَّخْلِيَةِ. وَإِذَا بَذَرَ الرَّجُلُ فَلَمْ يَنْبُتْ شَيْءٌ حَتَّى دَفَعَهَا إلَى رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَسْقِيَهُ وَيَحْفَظهُ فَمَا خَرَجَ مِنْهُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ - فَهُوَ جَائِزٌ لِوُجُودِ التَّخْلِيَةِ بَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْمُزَارِعِ عَقِيبَ الْعَقْدِ. وَلَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَبْذُرَهَا عَلَى أَنْ يَبْذُرَهَا رَبُّ الْأَرْضِ وَيَسْقِيَهَا الْمُزَارِعُ وَيَحْفَظَهَا - فَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ انْعَقَدَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالِ، وَالتَّخْلِيَةُ تَنْعَدِمُ إلَى أَنْ يَبْذُرَهَا رَبُّ الْأَرْضِ. وَإِنْ كَانَ رَبُّ الْأَرْضِ اشْتَرَطَ لَهُ أَنْ يَبْذُرَ عَلَى أَنْ يَحْفَظَ الزَّرْعَ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَسْقِيَهُ - لَمْ يَجُزْ أَيْضًا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُمَا أَضَافَا الْعَقْدَ إلَى وَقْتِ فَرَاغِ رَبِّ الْأَرْضِ مِنْ الْبَذْرِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَقَدْ يُعَجِّلُ رَبُّ الْأَرْضِ الْبَذْرَ وَقَدْ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ، وَجَهَالَةُ مُدَّةِ الْمُزَارَعَةِ تُفْسِدُ الْعَقْدَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَزْرَعَ فِي هَذَا الشَّهْرِ عَلَى أَنْ يَحْفَظَهُ الْعَامِلُ وَيَسْقِيَهُ مِنْ غُرَّةِ الشَّهْرِ الدَّاخِلِ - فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُمَا أَضَافَا الْعَقْدَ إلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ فَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ بَعْدَ مَجِيءِ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَالتَّخْلِيَةُ تُوجَدُ عَقِيبَ انْعِقَادِ الْعَقْدِ. وَلَوْ أَنَّ الْبَذْرَ مِنْ الْمُزَارِعِ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَلِي طَرْحَ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ رَبُّ الْأَرْضِ وَاشْتَرَطَا لِذَلِكَ وَقْتًا يَكُونُ السَّقْيُ وَالْحِفْظُ بَعْدَهُ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطَا - فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ مُؤَاجِرٌ لِأَرْضِهِ، وَالْعَقْدُ يَلْزَمُ مِنْ جَانِبِهِ بِنَفْسِهِ فَيُلْزِمُهُ تَسْلِيمَ الْأَرْضِ، فَإِذَا شَرَطَ عَلَيْهِ طَرْحَ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ فَهَذَا شَرْطٌ يَعْدَمُ التَّخْلِيَةَ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ إنَّمَا يَلْزَمُ الْعَقْدُ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الْبَذْرِ بَعْدَ إلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ فَيَكُونُ إضَافَةَ الْمُزَارَعَةِ إلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ، وَلَكِنْ يَدْخُلُ عَلَى هَذَا الْحَرْفِ الْمُعَامَلَةُ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ بِنَفْسِهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْجَوَابَ فِيهَا وَفِي الْمُزَارَعَةِ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ - سَوَاءٌ. فَالْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ: اشْتِرَاطُ طَرْحِ الْبَذْرِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ الْبَقَرِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ - غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلْعَقْدِ، وَإِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ فَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَطَا طَرْحَ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَ الْحِفْظَ وَالسَّقْيَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ فَهَذَا شَرْطٌ يَعْدَمُ التَّخْلِيَةَ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْحِفْظَ وَالسَّقْيَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَدَفَعَهَا إلَيْهِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا بِالنِّصْفِ - جَازَ وَكَانَ السَّقْيُ وَالْحِفْظُ عَلَى الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ إنَّمَا أَجَّرَ أَرْضَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَإِنَّمَا الْعَمَلُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْخَارِجُ عَلَى الْمُزَارِعِ، فَالْمَسْكُوتُ عَنْهُ بِمَنْزِلَةِ الِاشْتِرَاطِ عَلَى الْمُزَارِعِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلْعَقْدِ. وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِ وَعَمَلِهِ بِالنِّصْفِ فَزَرَعَهَا، فَلَمَّا صَارَ الزَّرْعُ بَقْلًا بَاعَ رَبُّ الْأَرْضِ الْأَرْضَ بِمَا فِيهَا مِنْ الزَّرْعِ أَوْ لَمْ يُسَمِّ زَرْعَهَا - فَالْبَيْعُ مَوْقُوفٌ؛ لِأَنَّ الْمُزَارِعَ مُسْتَأْجِرٌ

стр. 4742

لِلْأَرْضِ، وَمَعَ الْمُؤَاجِرِ الْعَيْنُ الْمُسْتَأْجَرَةُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ تَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّ فِي نُفُوذِ الْعَقْدِ ضَرَرًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاجِرَ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّسْلِيمِ إلَّا بِإِجَازَةِ الْمُسْتَأْجِرِ فَيَتَوَقَّفُ الْبَيْعُ عَلَى إجَازَتِهِ كَالرَّاهِنِ إذَا بَاعَ الْمَرْهُونَ: فَإِنْ أَجَازَهُ الْمُزَارِعُ جَازَ؛ لِأَنَّ إجَازَتَهُ فِي الِانْتِهَاءِ كَالْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَالْمَانِعُ مِنْ نُفُوذِ الْعَقْدِ حَقُّهُ وَقَدْ زَالَ بِإِجَازَتِهِ، ثُمَّ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْضَ بِمَا فِيهَا مِنْ الزَّرْعِ أَوْ يَدَعَ إذَا كَانَ بَاعَهَا بِزَرْعِهَا؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ تَبَعُ الْأَرْضِ مَا دَامَ مُتَّصِلًا بِهَا فَيَثْبُتُ لِلشَّفِيعِ حَقُّ الشُّفْعَةِ فِيهِ. وَلَوْ أَرَادَ أَخْذَ الْأَرْضِ دُونَ الزَّرْعِ أَوْ الزَّرْعَ دُونَ الْأَرْضِ أَوْ أَخْذَ الْأَرْضِ وَحِصَّةِ رَبِّ الْأَرْضِ مِنْ الزَّرْعِ دُونَ حِصَّةِ الْمُزَارِعِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِ الْكُلِّ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْبَعْضَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي، ثُمَّ يُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَةِ الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ، فَحِصَّةُ الْأَرْضِ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَحِصَّةُ الزَّرْعِ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الزَّرْعِ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ بَعْدَ إلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ الْعَقْدُ لَزِمَ مِنْ جِهَتِهِ فَلَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ إلَّا بِإِجَازَةِ الْمُزَارِعِ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ حَتَّى اُسْتُحْصِدَ الزَّرْعُ وَمَضَتْ السَّنَةُ وَقَدْ بَاعَهَا مَعَ الزَّرْعِ - فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْضَ وَنِصْفَ الزَّرْعِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ إذَا قُسِّمَ عَلَى قِيمَةِ الْأَرْضِ وَقِيمَةِ الزَّرْعِ يَوْمَ وَقَعَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ قَدْ انْتَهَتْ بِاسْتِحْصَادِ الزَّرْعِ فَزَالَ الْمَانِعُ مِنْ التَّسْلِيمِ فَيَتِمُّ الْعَقْدُ فِيمَا هُوَ مِلْكُ الْبَائِعِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ ابْتِدَاءُ الْبَيْعِ مِنْهُ بَعْدَ اسْتِحْصَادِ الزَّرْعِ كَانَ جَائِزًا فِي الْأَرْضِ وَحِصَّتِهِ مِنْ الزَّرْعِ؟ فَهَذَا مِثْلُهُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَاعَ الرَّاهِنُ الْمَرْهُونَ ثُمَّ افْتَكَّهُ الرَّاهِنُ قَبْلَ أَنْ يُفْسَخَ الْبَيْعُ، ثُمَّ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ مَا تَمَّ فِيهِ الْعَقْدُ وَهُوَ الْأَرْضُ وَحِصَّةُ رَبِّ الْأَرْضِ مِنْ الزَّرْعِ مَا لَمْ يُحْصَدْ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ. وَالْجَوَابُ فِي الْمُعَامَلَةِ قِيَاسُ الْجَوَابِ فِي الْمُزَارَعَةِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَيْعَ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِجَازَةِ الْعَامِلِ، وَبَعْدَ الْإِدْرَاكِ يَجُوزُ فِي حِصَّةِ رَبِّ النَّخْلِ فِي التَّمْرِ مَعَ النَّخْلِ، وَفِي حِصَّةِ الْعَامِلِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِجَازَتِهِ، فَإِنْ جُدَّ النَّخْلُ وَحُصِدَ الزَّرْعُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الشَّفِيعُ ذَلِكَ - لَمْ يَكُنْ لِلشَّفِيعِ عَلَى الزَّرْعِ وَلَا عَلَى التَّمْرِ سَبِيلٌ لِزَوَالِ الِاتِّصَالِ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ الْأَرْضَ وَالنَّخْلَ بِحِصَّتِهِمَا مِنْ الثَّمَنِ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْبَائِعُ التَّمْرَ وَالزَّرْعَ فِي الْبَيْعِ لَمْ يَدْخُلْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ، سَوَاءٌ ذَكَرَ فِي الْبَيْعِ كُلَّ حَقٍّ هُوَ لَهَا أَوْ مُرَافِقُهَا أَوْ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فَإِنَّهُ يَقُولُ: بِذِكْرِ الْحُقُوقِ وَالْمَرَافِقِ يَدْخُلُ التَّمْرُ وَالزَّرْعُ. وَإِنْ قَالَ بِكُلِّ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ هُوَ فِيهَا أَوْ مِنْهَا - دَخَلَ الزَّرْعُ وَالتَّمْرُ إلَّا أَنْ يَكُونَ

стр. 4743

قَالَ: مِنْ حُقُوقِهَا. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ. وَلَوْ اخْتَصَمَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَحْصَدَ الزَّرْعُ وَتَكْمُلَ السَّنَةُ، وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا نَقْضَ الْبَيْعِ، وَقَدْ أَبَى الْمُزَارِعُ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ - فَالْأَمْرُ فِي نَقْضِ الْبَيْعِ إلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ عَاجِزٌ عَنْ التَّسْلِيمِ إلَيْهِ لَمَّا أَبَى الْمُزَارِعُ الْإِجَازَةَ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ إلَّا أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ الْبَائِعُ مَا بَاعَهُ. وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الَّذِي أَرَادَ نَقْضَ الْبَيْعِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ نَافِذٌ مِنْ جِهَتِهِ لِمُصَادَفَتِهِ مِلْكَهُ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي إبْقَائِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ، وَهَكَذَا فِي الْمَرْهُونِ إذَا أَبَى الْمُرْتَهِنُ أَنْ يُسَلِّمَ. فَإِنْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي فَسْخَ الْعَقْدِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ الْبَائِعُ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إذَا أَبَى الْمُشْتَرِي. وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْمُزَارِعَ أَوْ الْمُرْتَهِنَ إذَا أَرَادَ نَقْضَ الْبَيْعِ هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي بَقَاءِ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا، إنَّمَا الضَّرَرُ عَلَيْهِ فِي الْإِخْرَاجِ مِنْ يَدِهِ وَلَهُ أَنْ يَسْتَدِيمَ الْيَدَ إلَى أَنْ تَنْتَهِيَ الْمُدَّةُ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي بَقَاءَ الْعَقْدِ؛ فَلِهَذَا لَا يَكُونُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُ الْعَقْدِ. فَإِنْ لَمْ يُرِدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا نَقْضَ الْبَيْعِ، وَحَضَرَ الشَّفِيعُ فَأَرَادَ أَخْذَ ذَلِكَ بِالشُّفْعَةِ - فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الشُّفْعَةِ يَعْتَمِدُ لُزُومَ الْعَقْدِ وَتَمَامِهِ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرِي إنْ سَلَّمَ لَهُ الْمَبِيعَ وَإِلَّا نَقَضَهُ، فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي: لَا يَسْلَمُ لَك الْبَيْعُ حَتَّى يَسْلَمَ لِلْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ لَهُمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ سَابِقٌ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي شَرْعًا، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ فِيهِ إلَى الشَّفِيعِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرِي فِي جَمِيعِ ذَلِكَ حِينَ قَدَّمَهُ الشَّرْعُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا طَلَبَ الشُّفْعَةَ. وَإِنْ عَلِمَ الشَّفِيعُ بِهَذَا الشِّرَاءِ فَلَمْ يَطْلُبْهُ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، وَإِنْ سَلِمَ الشِّرَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي فَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَطْلُبَ الشُّفْعَةَ - فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ حَقِّهِ قَدْ تَقَرَّرَ فَتَرْكُهُ الطَّلَبَ بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ يُبْطِلُ شُفْعَتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَخْذِهِ. وَإِنْ طَلَبَ الشُّفْعَةَ حِينَ عَلِمَ فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ: هَاتِ الثَّمَنَ وَخُذْهَا بِالشُّفْعَةِ وَإِلَّا فَلَا شُفْعَةَ لَك: فَإِنْ سَلَّمَ الْبَائِعُ الْأَرْضَ لِلشَّفِيعِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ الثَّمَنَ، وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ الْأَرْضَ فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَمْنَعَ الثَّمَنَ حَتَّى يُعْطِيَهُ الْأَرْضَ؛ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ، وَلَا حَقَّ لِلْبَائِعِ فِي اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ مَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلَا يُبْطِلُ ذَلِكَ شُفْعَتَهُ لِأَنَّهُ قَدْ طَلَبَهَا حِينَ عَلِمَ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي مُعَامَلَةِ النَّخِيلِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ مَوْتِ الْمُزَارِعِ وَلَا يُدْرَى مَا صَنَعَ فِي الزَّرْعِ] وَاخْتِلَافِهِمَا فِي الْبَذْرِ وَالشَّرْطِ. [قَالَ ﵀]: وَإِذَا مَاتَ الْمُزَارِعُ بَعْدَ مَا اُسْتُحْصِدَ الزَّرْعُ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْأَرْضِ زَرْعٌ

стр. 4744

وَلَا يُدْرَى مَا فَعَلَ - فَضَمَانُ حِصَّةِ رَبِّ الْأَرْضِ فِي مَالِ الْمُزَارِعِ مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ الْبَذْرُ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ رَبِّ الْأَرْضِ كَانَ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُزَارِعِ، فَإِذَا مَاتَ مُجْهِلًا لَهُ كَانَ دَيْنًا فِي تَرِكَتِهِ كَالْوَدِيعَةِ يَصِيرُ دَيْنًا بِمَوْتِ الْمُودِعِ فِي تَرِكَتِهِ إذَا كَانَ لَا يُعْلَمُ مَا صَنَعَ بِهَا. وَكَذَلِكَ إذَا مَاتَ الْعَامِلُ بَعْدَ مَا طَلَعَ التَّمْرُ فَبَلَغَ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ فَلَمْ يُوجَدْ فِي النَّخِيلِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ رَبِّ النَّخْلِ كَانَ أَمَانَةً فِي يَدِ الْعَامِلِ. وَإِذَا مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ أَوْ الْمُزَارِعُ أَوْ مَاتَا جَمِيعًا فَاخْتَلَفَ وَرَثَتُهُمَا أَوْ اخْتَلَفَ الْحَيُّ مِنْهُمَا مَعَ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ فِي شَرْطِ الْأَنْصِبَاءِ - فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْبَذْرِ أَوْ وَرَثَتِهِ مَعَ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِالشَّرْطِ. فَإِذَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ زِيَادَةٌ فِي الْمَشْرُوطِ وَأَنْكَرَهُ هُوَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ إنْ كَانَ حَيًّا. وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَوَرَثَتُهُ يَخْلُفُونَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ بِاَللَّهِ عَلَى عِلْمِهِمْ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْآجِرِ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ الزِّيَادَةَ بِبَيِّنَتِهِ. فَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي صَاحِبِ الْبَذْرِ أَيْضًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُزَارِعِ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى الثَّبَاتِ إنْ كَانَ حَيًّا. وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَرَثَتِهِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ عَلَى الْعِلْمِ، لِأَنَّ الْخَارِجَ فِي يَدِ الْمُزَارِعِ أَوْ فِي يَدِ وَرَثَتِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ ذِي الْيَدِ عِنْدَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مُحْتَاجٌ إلَى الْإِثْبَاتِ بِالْبَيِّنَةِ. وَلَوْ كَانَا حَيَّيْنِ فَاخْتَلَفَا فَأَقَامَ صَاحِبُ الْأَرْضِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ صَاحِبُ الْبَذْرِ وَأَنَّهُ شَرَطَ لِلْمُزَارِعِ الثُّلُثَ، وَأَقَامَ الْمُزَارِعُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ صَاحِبُ الْبَذْرِ وَأَنَّهُ شَرَطَ لِرَبِّ الْأَرْضِ الثُّلُثَ - فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْخَارِجُ الْمُحْتَاجُ إلَى الْإِثْبَاتِ بِالْبَيِّنَةِ وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ الْبَذْرَ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُزَارِعِ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ الزِّيَادَةَ بِبَيِّنَتِهِ. وَإِذَا مَرِضَ رَجُلٌ وَفِي يَدِهِ أَرْضٌ لِرَجُلٍ قَدْ أَخَذَهَا مُزَارَعَةً، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فِي الصِّحَّةِ، وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ فَأَقَرَّ أَنَّهُ شَرَطَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ الثُّلُثَيْنِ، ثُمَّ مَاتَ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْغَ رَمَاءُ: فَإِنْ كَانَ أَقَرَّ بَعْدَ مَا اسْتَحْصَدَ الزَّرْعَ - بُدِئَ بِدَيْنِ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بِالْعَيْنِ، وَالْمَرِيضُ إذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ لَمْ يُصَدَّقْ فِي حَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّة فَيُبْدَأُ بِدَيْنِهِمْ فَيُقْضَى، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ كَانَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ مِقْدَارُ أَجْرِ مِثْلِهَا مِنْ الثُّلُثَيْنِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ، وَلِأَنَّ فِي مِقْدَارِ أَجْرِ الْمِثْلِ أَقَرَّ بِسَبَبٍ مُوجِبٍ لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَهُوَ يَمْلِكُ مُبَاشَرَةَ ذَلِكَ السَّبَبِ فِي حَقِّ وَرَثَتِهِ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْ الثُّلُثَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ كَانَ لَهُ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى مِقْدَارِ أَجْرِ الْمِثْلِ مُحَابَاةٌ مِنْهُ، وَالْمَرِيضُ لَوْ أَنْشَأَ الْمُحَابَاةَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ اُعْتُبِرَتْ مِنْ ثُلُثِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِهِ. وَإِنْ كَانَ أَقَرَّ بِذَلِكَ حِينَ طَلَعَ الزَّرْعُ وَفِي ثُلُثَيْ الزَّرْعِ فَضْلٌ عَنْ أَجْرِ الْمِثْلِ يَوْمَ أَقَرَّ بِذَلِكَ فَلَمْ يُثْبِتْ حَتَّى اسْتَحْصَدَ الزَّرْعَ ثُمَّ مَاتَ - فَإِنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ يَضْرِبُ مَعَ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ بِمِقْدَارِ أَجْرِ مِثْلِ

стр. 4745

الْأَرْضِ مِنْ الثُّلُثَيْنِ فَيَتَحَاصُّونَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ، فَإِنَّ ابْتِدَاءَ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ قَبْلَ إدْرَاكِ الزَّرْعِ صَحِيحٌ فَتُنْفَى التُّهْمَةُ عَنْ إقْرَارِهِ فِي مِقْدَارِ أَجْرِ الْمِثْلِ وَيُجْعَلُ كَمَا لَوْ أَنْشَأَ الْعَقْدَ ابْتِدَاءً فَتَثْبُتُ الْمُزَاحَمَة بَيْنَ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ وَبَيْنَ صَاحِبِ الْأَرْضِ فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ بَعْدَ اسْتِحْصَادِ الزَّرْعِ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ بَيْنَهُمَا فَيَتَمَكَّنُ فِي إقْرَارِهِ تُهْمَةٌ فِي حَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ. وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ فِي الْمَرَضِ فَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ يَتَحَاصُّونَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِدَيْنٍ ثُمَّ تَعَيَّنَ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْإِقْرَارَيْنِ حَالَةَ الْمَرَضِ فَكَأَنَّهُمَا وُجِدَا مَعًا. وَفِي الْفَصْلِ الثَّانِي بُدِئَ بِأَجْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي إقْرَارِهِ فِي حَالٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ إنْشَاءِ الْعَقْدِ، وَلِهَذَا كَانَ مُزَاحِمًا لِغُرَمَاءِ الصِّحَّةِ، وَمَنْ يُزَاحِمُ غُرَمَاءَ الصِّحَّةِ يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ فِي الْمَرَضِ. وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ كَانَ الْمَرِيضُ مُصَدَّقًا فِيمَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الْبَذْرِ هُنَا فِي مِقْدَارِ مَا شَرَطَ لَهُ. وَلَوْ أَنَّ الْمَرِيضَ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ مُعِينًا لَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ. فَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ مُزَارَعَةً بِجُزْءٍ يَسِيرٍ أَوْلَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ - وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنُ الصِّحَّةِ - لِأَنَّ إقْرَارَهُ هُنَا تَصَرُّفٌ مِنْهُ فِي مَنَافِعِهِ وَلَا حَقَّ لِلْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ فِي ذَلِكَ. وَلَوْ كَانَ الْمَرِيضُ رَبَّ الْأَرْضِ وَعَلَيْهِ دَيْنُ الصِّحَّةِ فَأَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بَعْدَ مَا اسْتَحْصَدَ الزَّرْعَ أَنَّهُ شَرَطَ لِلْمُزَارِعِ الثُّلُثَيْنِ ثُمَّ مَاتَ - بُدِئَ بِدَيْنِ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ هَذَا إقْرَارٌ مِنْهُ بِالْعَيْنِ فِي مَرَضِهِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ كَانَ لِلْمُزَارِعِ مِقْدَارُ أَجْرِ مِثْلِهِ مِنْ ثُلُثَيْ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ صَحِيحٌ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ فَإِنَّهُ يُقِرُّ بِالْعَيْنِ بِسَبَبٍ لَا مُحَابَاةَ فِيهِ وَلَوْ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ بَعْدَ إقْرَارِهِ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ، ثُمَّ الْبَاقِي مِنْ الثُّلُثَيْنِ وَصِيَّةٌ لَهُ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ مُحَابَاةٌ فَيَكُونُ وَصِيَّةً تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ أَقَرَّ بِهَا أَوْ أَنْشَأَهَا. وَإِنْ كَانَ أَقَرَّ بِذَلِكَ حِينَ زَرَعَ الْمُزَارِعُ وَفِي ثُلُثَيْ الزَّرْعِ يَوْمئِذٍ فَضْلٌ عَنْ أَجْرِ مِثْلِهِ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ مَا اسْتَحْصَدَ الزَّرْعَ يُحَاصُّ الْمُزَارِعُ غُرَمَاءَ الصِّحَّةِ بِمِقْدَارِ أَجْرِ مِثْلِهِ مِنْ ثُلُثَيْ مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَنْشَأَ الْعَقْدَ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ هَذَا الْقَدْرِ بِسَبَبٍ لَا تُهْمَةَ فِيهِ، ثُمَّ الْبَاقِي وَصِيَّةٌ لَهُ. وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى الْمَرِيضِ بِإِقْرَارِهِ فِي مَرَضِهِ فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَتَحَاصُّونَ، وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي بُدِئَ بِأَجْرِ مِثْلِ الْمُزَارِعِ. وَحَالُ رَبِّ الْأَرْضِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَحَالِ الْمُزَارِعِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُعَامَلَةِ إذَا مَرِضَ صَاحِبُ النَّخْلِ وَأَقَرَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ نَظِيرُ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّخْرِيجِ. وَإِنْ كَانَ الْمَرِيضُ هُوَ الْعَامِلُ فَقَالَ: شَرَطَ لِي صَاحِبُ النَّخْلِ السُّدُسَ - فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إذَا صَدَّقَهُ صَاحِبُ النَّخْلِ؛ لِأَنَّ الَّذِي مِنْ جِهَتِهِ مُجَرَّدُ الْعَمَلِ. وَلَوْ قَالَ كُنْت مُعِينًا لَهُ كَانَ الْقَوْلُ

стр. 4746

قَوْلَهُ فَهُنَا أَوْلَى وَلَا يَقْبَلُ بَيِّنَةَ غُرَمَاءِ الْعَامِلِ وَوَرَثَتِهِ عَلَى دَعْوَى الزِّيَادَةِ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَالشُّهُودُ إنَّمَا يُثْبِتُونَ الْحَقَّ لَهُ، فَبَعْدَ مَا أَكَذَبَهُمْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ لَهُ وَالْوَرَثَةُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ. وَلَوْ ادَّعَى هُوَ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ فَكَذَلِكَ غُرَمَاؤُهُ وَوَرَثَتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَلَا يَمِينَ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ يَنْبَنِي عَلَى دَعْوَى صَحِيحَةٍ. وَإِنْ كَانَ الْمَرِيضُ صَاحِبَ النَّخْلِ وَالْعَامِلُ أَحَدَ وَرَثَتِهِ فَأَقَرَّ لَهُ بِشَرْطِ النِّصْفِ بَعْدَ مَا بَلَغَ التَّمْرُ - فَإِقْرَارُهُ بَاطِلُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالْعَيْنِ لَهُ وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ بِالْعَيْنِ بَاطِلٌ. وَإِنْ كَانَ أَقَرَّ حِينَ بَدَأَ بِالْعَمَلِ وَطَلَعَ الْكُفُرَّى ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ مَا بَلَغَ التَّمْرُ - أَخَذَ الْعَامِلُ مِقْدَارَ أَجْرِ مِثْلِهِ مِنْ نِصْفِ التَّمْرِ، لِأَنَّ إقْرَارَهُ هُنَا بِمَنْزِلَةِ إنْشَاءِ الْعَقْدِ فَلَا تَتَمَكَّنُ فِيهِ التُّهْمَةُ بِقَدْرِ أَجْرِ الْمِثْلِ، وَيُحَاصُّ أَصْحَابَ دَيْنِ الصِّحَّةِ بِهِ وَيُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ الدَّيْنِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ فِي مَرَضِهِ، وَلَا حَقَّ لَهُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ وَصِيَّةٌ لِلْوَارِثِ وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ. وَإِنْ أَرَادَ الْوَارِثُ الْعَامِلُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ بَقِيَّةَ الْوَرَثَةِ عَلَى مَا بَقِيَ لَهُ مِمَّا أَقَرَّ لَهُ بِهِ الْمَرِيضُ بَعْدَ مَا أَخَذَ أَجْرَ مِثْلِهِ - فَإِنَّ إقْرَارَ الْمُعَامَلَةِ كَانَ فِي الْمَرَضِ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ أَقَرُّوا بِمَا ادَّعَى لَمْ يَلْزَمْهُمْ شَيْءٌ، وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهَا كَانَتْ فِي الصِّحَّةِ وَأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِهَا فِي الْمَرَضِ - اُسْتُحْلِفُوا عَلَى عَمَلِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ أَقَرُّوا بِمَا ادَّعَى لَزِمَهُمْ، فَإِنْ أَنْكَرُوا اُسْتُحْلِفُوا عَلَى عَمَلِهِمْ لِرَجَاءِ نُكُولِهِمْ. وَإِنْ كَانَ الْمَرِيضُ هُوَ الْعَامِلُ وَرَبُّ النَّخْلِ مِنْ وَرَثَتِهِ صُدِّقَ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ قِلَّةِ نَصِيبِهِ، كَمَا لَوْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ مُعِينًا لَهُ، وَهَذَا لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِي مَنَافِعِهِ وَلِلْمَرِيضِ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِمَنَافِعِهِ عَلَى وَارِثِهِ إلَّا أَنَّ بَيِّنَةَ غُرَمَائِهِ وَوَرَثَتِهِ عَلَى الزِّيَادَةِ مَقْبُولَةٌ فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَلَهُمْ أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمَرِيضِ فِيمَا يَكُونُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْوَرَثَةِ بَاطِلٌ. وَلَوْ لَمْ يُقِرَّ بِذَلِكَ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ مِنْهُمْ عَلَى دَعْوَى الزِّيَادَةِ مَقْبُولَةً وَيُسْتَحْلَفُ الْخَصْمُ إذَا أَنْكَرَ، فَكَذَلِكَ إذَا طَلَبَ إقْرَارَهُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ فِي الرَّهْنِ] [قَالَ ﵀]: رَجُلٌ رَهَنَ عِنْدَ رَجُلٍ أَرْضًا وَنَخْلًا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ لَهُ، فَلَمَّا قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ قَالَ لَهُ الرَّاهِنُ: احْفَظْهُ وَاسْقِهِ وَلَقِّحْهُ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَنَا نِصْفَانِ فَفَعَلَ ذَلِكَ - فَالْخَارِجُ وَالْأَرْضُ وَالنَّخِيلُ كُلُّهُ رَهْنٌ وَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الْمَرْهُونِ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْجِبَ شَيْئًا بِمُقَابَلَتِهِ عَلَى الرَّاهِنِ. [أَلَا تَرَى] أَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ عَلَى الْحِفْظِ لَمْ يَجُزْ الِاسْتِئْجَارُ؟ فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ مَا سِوَى الْحِفْظِ مِنْ الْأَعْمَالِ فَتَكُونُ الْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةً وَالْخَارِجُ

стр. 4747

كُلُّهُ لِرَبِّ النَّخْلِ إلَّا أَنَّهُ مَرْهُونٌ؛ لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ عَيْنِ رَهْنٍ، وَلِلْمُرْتَهِنِ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي التَّلْقِيحِ وَالسَّقْيِ دُونَ الْحِفْظِ؛ لِأَنَّ الْحِفْظَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الرَّهْنِ، أَمَّا التَّلْقِيحُ وَالسَّقْيُ فَقَدْ أَوْفَاهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَلَا يُقَالُ: يَنْبَغِي أَنْ يُبْطَلَ عَقْدُ الرَّهْنِ بِعَقْدِ الْمُعَامَلَةِ؛ لِأَنَّ الْمَرْهُونَ هُوَ النَّخْلُ وَالْأَرْضُ وَعَقْدُ الْمُعَامَلَةِ يَتَنَاوَلُ مَنْفَعَةَ الْعَامِلِ، وَالْعَقْدُ فِي مَحَلٍّ لَا يَرْفَعُ عَقْدًا آخَرَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الرَّهْنُ أَرْضًا مَزْرُوعَةً وَقَدْ صَارَ الزَّرْعُ فِيهَا بَقْلًا. وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ أَرْضًا بَيْضَاءَ فَزَارَعَهُ الرَّاهِنُ عَلَيْهَا بِالنِّصْفِ، وَالْبَذْرُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ - جَازَ وَالْخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ مُسْتَأْجِرٌ لِلْأَرْضِ، وَالْمُرْتَهِنُ إذَا اسْتَأْجَرَ الْمَرْهُونَ مِنْ الرَّاهِنِ يَبْطُلُ عَقْدُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ أَلْزَمُ مِنْ الرَّهْنِ، وَقَدْ طَرَأَ الْعَقْدَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَكَانَ الثَّانِي رَافِعًا لِلْأَوَّلِ؛ فَلِهَذَا كَانَ الْخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُعِيدَهَا رَهْنًا. وَإِنْ مَاتَ الرَّاهِنُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَكُنْ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِهَا مِنْ غُرَمَائِهِ لِبُطْلَانِ عَقْدِ الرَّهْنِ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الرَّاهِنِ كَانَتْ الْمُزَارَعَةُ جَائِزَةً وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُعِيدَ الْأَرْضَ فِي الرَّهْنِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ هُنَا يُرَدُّ عَلَى عَمَلِ الْمُزَارِعِ فَلَا يُبْطَلُ بِهِ عَقْدُ الرَّهْنِ، إلَّا أَنَّ الْمُرْتَهِنَ صَارَ كَالْمُعِيرِ لِلْأَرْضِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ. [أَلَا تَرَى] أَنَّهُ لَوْ دَفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ مُزَارَعَةً بِرِضَا الْمُرْتَهِنِ، وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الرَّاهِنِ كَانَ الْمُرْتَهِنُ كَالْمُعِيرِ لِلْأَرْضِ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِأَنْ يَنْتَفِعَ هُوَ بِالْأَرْضِ؟ وَذَلِكَ بِإِعَارَةٍ فَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ ضَمَانِ الرَّهْنِ، وَلَكِنْ لَا يُبْطَلُ بِهِ عَقْدُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الْإِعَارَةَ أَضْعَفُ مِنْ الرَّهْنِ فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُعِيدَ الْأَرْضَ فِي الرَّهْنِ. وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ أَرْضًا بَيْضَاءَ وَفِيهَا مَحَلٌّ فَأَمَرَهُ الرَّاهِنُ بِأَنْ يَزْرَعَ الْأَرْضَ بِبَذْرِهِ وَعَمَلِهِ بِالنِّصْفِ، وَيَقُومَ عَلَى النَّخْلِ وَيَسْقِيَهُ وَيُلَقِّحَهُ وَيَحْفَظَهُ بِالنِّصْفِ أَيْضًا فَفَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَقَدْ خَرَجَتْ الْأَرْضُ مِنْ الرَّهْنِ وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُعِيدَهَا فِيهِ، وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ صَارَ مُسْتَأْجِرًا لِلْأَرْضِ. وَأَمَّا النَّخْلُ وَالتَّمْرُ فَلَا تَصِحُّ الْمُعَامَلَةُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي النَّخْلِ يَرِدُ عَلَى مَنْفَعَةِ الْعَامِلِ فَلَا يُبْطَلُ بِهِ عَقْدُ الرَّهْنِ، وَبِبَقَاءِ عَقْدِ الرَّهْنِ الْحِفْظُ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، ثُمَّ النَّخْلُ وَالتَّمْرُ لَا يَفْتَكُّهُمَا إلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ الدَّيْنَ. وَإِنْ هَلَكَ النَّخْلُ وَالتَّمْرُ هَلَكَ بِحِصَّةِ قِيمَةِ النَّخْلِ مِنْ الدَّيْنِ مَعَ قِيمَةِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَضْمُونًا بِذَلِكَ الْقَدْرِ حِينَ رَهَنَهُ، وَالتَّمْرُ الَّذِي هَلَكَ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ فِي النَّخْلِ لَا فِي الْحِفْظِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ إلَّا أَنَّ الْأَرْضَ تَعُودُ رَهْنًا هُنَا إذَا انْقَضَتْ الْمُزَارَعَةُ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ هُنَا فِي مَعْنَى الْمُعِيرِ لَهَا مِنْ الرَّاهِنِ، فَإِنْ مَاتَ الرَّاهِنُ كَانَ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِهَا مِنْ غُرَمَائِهِ، سَوَاءٌ مَاتَ بَعْدَ مَا انْقَضَتْ الْمُزَارَعَةُ أَوْ قَبْلَهَا لِبَقَاءِ عَقْدِ الرَّهْنِ، وَاخْتِصَاصِ الْمُرْتَهِنِ

стр. 4748

بِالْمَرْهُونِ بِحُكْمِ عَقْدِ الرَّهْنِ. وَإِنْ نَقَصَهَا الزَّرْعُ شَيْئًا ذَهَبَ مِنْ مَالِ الرَّاهِنِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الرَّهْنِ حِينَ كَانَ الْمُرْتَهِنُ مُعِيرًا مِنْ الرَّاهِنِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي تَبْطُلُ وَتَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ] [قَالَ ﵀]: وَإِذَا شَرَطَ الْمُزَارِعُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ مَعَ حِصَّتِهِ مِنْ الزَّرْعِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً أَوْ شَيْئًا مِنْ الْعَمَلِ - فَسَدَتْ الْمُزَارَعَةُ؛ لِأَنَّ بِاشْتِرَاطِ شَيْءٍ مِنْ الْعَمَلِ عَلَيْهِ تَنْعَدِمُ التَّخْلِيَةُ، وَبِاشْتِرَاطِ الدَّرَاهِمِ عَلَيْهِ يَجْتَمِعُ الْإِجَارَةُ مَعَ الشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْمُزَارَعَةِ. فَإِنْ قَالَ: أُبْطِلَ الشَّرْطُ لِتَجُوزَ الْمُزَارَعَةُ لَمْ يَجُزْ وَلَمْ يَبْطُلْ بِإِبْطَالِهِ، لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ تَمَكَّنَ فِيمَا هُوَ مِنْ صُلْبِ الْعَقْدِ وَمِنْ مُوجَبَاتِهِ، فَبِإِسْقَاطِهِ لَا يَنْقَلِبُ الْعَقْدُ صَحِيحًا كَاشْتِرَاطِ الْخَمْرِ مَعَ الْأَلْفِ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ. وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ الْحَصَادَ أَوْ الدِّيَاسَ أَوْ التَّنْقِيَةَ. وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ الْعَقْدِ فِي هَذَا الشَّرْطِ وَمَا فِيهِ مِنْ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ ثُمَّ هَذَا الشَّرْطُ مِنْ صُلْبِ الْعَقْدِ فَلَا يَنْقَلِبُ الْعَقْدُ صَحِيحًا إذَا أَسْقَطَهُ مَنْ شُرِطَ لَهُ. وَلَوْ اشْتَرَطَا لِأَحَدِهِمَا خِيَارًا مَعْلُومًا فِي الْمُزَارَعَةِ جَازَ عَلَى مَا اشْتَرَطَا؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ فَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِيهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، وَإِنْ كَانَ خِيَارًا غَيْرَ مُؤَقَّتٍ أَوْ إلَى وَقْتٍ مَجْهُولٍ - فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ، فَإِنْ أَبْطَلَ صَاحِبُ الْخِيَارِ خِيَارَهُ وَأَجَازَ الْمُزَارَعَةَ جَازَتْ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ زَائِدٌ عَلَى مَا تَمَّ بِهِ الْعَقْدُ فَهُوَ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ فِيمَا هُوَ مُوجَبُ الْعَقْدِ، وَالْمُعَامَلَةُ قِيَاسُ الْمُزَارَعَةِ فِي ذَلِكَ. وَإِنْ اشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّ مَا صَارَ لَهُ لَمْ يَبِعْهُ وَلَمْ يَهَبْهُ - فَالْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالشَّرْطُ الَّذِي لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لَيْسَ لَهُ مُطَالِبٌ فَيَلْغُو وَيَبْقَى الْعَقْدُ صَحِيحًا. وَذُكِرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْأَصْلِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ تَبْطُلُ الْمُزَارَعَةُ بِهَذَا الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالشَّرْطُ الَّذِي فِيهِ الضَّرَرُ كَالشَّرْطِ الَّذِي فِيهِ الْمَنْفَعَةُ لِأَحَدِهِمَا، فَكَمَا أَنَّ ذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ فَكَذَا هَذَا. قَالَ: لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ فِيهِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَسَدَتْ الْمُزَارَعَةُ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الشَّرْطِ مَنْفَعَةً، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي فِيهِ مَنْفَعَةٌ يُطَالِبُ بِهِ الْمُنْتَفِعُ، وَالشَّرْطَ الَّذِي فِيهِ الضَّرَرُ لَا تَتَوَجَّهُ الْمُطَالَبَةُ مِنْ أَحَدٍ، فَإِنْ أَبْطَلَ صَاحِبُ الشَّرْطِ شَرْطَهُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي لَمْ تَجُزْ الْمُزَارَعَةُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِي الْبَيْعِ مَنْفَعَةً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يُبْطَلُ الشَّرْطُ بِإِبْطَالِ أَحَدِهِمَا إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى إبْطَالِهِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ الْعَقْدُ. وَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَهَبَ لَهُ

стр. 4749

نَصِيبَهُ فَسَدَتْ الْمُزَارَعَةُ؛ لِلْمَنْفَعَةِ فِي هَذَا الشَّرْطِ لِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ أَبْطَلَهُ صَاحِبُهُ جَازَتْ الْمُزَارَعَةُ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِي هَذَا الشَّرْطِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ خَاصَّةً فَتَسْقُطُ، وَهُوَ شَرْطٌ وَرَاءَ مَا تَمَّ بِهِ الْعَقْدُ، فَإِذَا سَقَطَ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فَبَقِيَ الْعَقْدُ صَحِيحًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [كِتَابُ الشِّرْبِ] قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ ﵀ إمْلَاءً اعْلَمْ بِأَنَّ الشِّرْبَ هُوَ نَصِيبٌ مِنْ الْمَاءِ لِلْأَرَاضِيِ كَانَتْ أَوْ لِغَيْرِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] وَقِسْمَةُ الْمَاءِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ جَائِزَةٌ. بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ، وَالنَّاسُ تَعَامَلُوهُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرِ مُنْكِرٍ، وَهُوَ قِسْمَةٌ تَجْرِي بِاعْتِبَارِ الْحَقِّ دُونَ الْمِلْكِ إذْ الْمَاءُ فِي النَّهْرِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ، وَالْقِسْمَةُ تَجْرِي تَارَةً بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ كَقِسْمَةِ الْمِيرَاثِ وَالْمُشْتَرَى وَتَارَةً بِاعْتِبَارِ الْحَقِّ كَقِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ ثُمَّ بَدَأَ الْكِتَابُ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵀ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «قَالَ: مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ مَا حَوْلَهُ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ» وَالْمُرَادُ الْحَفْرُ فِي الْمَوَاتِ مِنْ الْأَرْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا لَا يُشْتَرَطُ إذْنُ الْإِمَامِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَشْهَدُ لَهُمَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ الْحَفْرَ فَقَطْ وَمِثْلُ هَذَا فِي لِسَانِ صَاحِبِ الشَّرْعِ لِبَيَانِ السَّبَبِ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فَهُوَ حُرٌّ» وَلَكِنْ أَبُو الْحَسَنِ ﵀ يَقُولُ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لَا يُثْبِتُ نَفْسَ الْحَفْرِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي الْمَوَاتِ مِنْ الْأَرْضِ، وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِظَاهِرِهِ إلَّا بِزِيَادَةٍ لَا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْهَا، فَلَا يَقْوَى الِاسْتِدْلَال بِهَا ثُمَّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبِئْرَ لَهَا حَرِيمٌ مُسْتَحَقٌّ مِنْ قِبَلِ أَنَّ حَافِرَ الْبِئْرِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِبِئْرِهِ إلَّا بِمَا حَوْلَهُ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَقِفَ عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ يَسْقِي الْمَاءَ، وَإِلَى أَنْ يَبْنِيَ عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ مَا يُرَكِّبُ عَلَيْهِ الْبَكَرَةَ، وَإِلَى أَنْ يَبْنِيَ حَوْضًا يَجْمَعُ فِيهِ الْمَاءَ، وَإِلَى مَوْضِعٍ تَقِفُ فِيهِ مَوَاشِيهِ عِنْدَ الشُّرْبِ، وَرُبَّمَا يَحْتَاجُ أَيْضًا إلَى مَوْضِعٍ تَنَامُ فِيهِ مَوَاشِيهِ بَعْدَ الشُّرْبِ فَاسْتَحَقَّ الْحَرِيمَ لِذَلِكَ. وَقَدَّرَ الشَّرْعُ ذَلِكَ بِأَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْمَقَادِيرِ النَّصُّ دُونَ الرَّأْيِ إلَّا أَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ ﵏ مَنْ يَقُولُ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا مِنْ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ

стр. 4750

عَشَرَةُ أَذْرُعٍ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ يَجْمَعُ الْجَوَانِبَ الْأَرْبَعَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُرَادَ التَّقْدِيرُ بِأَرْبَعِينَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ صَاحِبِ الْبِئْرِ الْأَوَّلِ لِكَيْ لَا يَحْفِرَ أَحَدٌ فِي حَرِيمِهِ بِئْرًا أُخْرَى فَيَتَحَوَّلُ إلَيْهَا مَا بِبِئْرِهِ، وَهَذَا الضَّرَرُ رُبَّمَا لَا يَنْدَفِعُ بِعَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَإِنَّ الْأَرَاضِيَ تَخْتَلِفُ بِالصَّلَابَةِ وَالرَّخَاوَةِ، وَفِي مِقْدَارِ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ يُتَيَقَّنُ بِدَفْعِ هَذَا الضَّرَرِ، وَيَسْتَوِي فِي مِقْدَارِ الْحَرِيمِ بِئْرُ الْعَطَنِ وَبِئْرُ النَّاضِحِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا حَرِيمُ بِئْرِ الْعَطَنِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَحَرِيمُ بِئْرِ النَّاضِحِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَاسْتَدَلَّا بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ «قَالَ: حَرِيمُ الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَحَرِيمُ بِئْرِ الْعَطَنِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا وَحَرِيمُ بِئْرِ النَّاضِحِ سِتُّونَ ذِرَاعًا»؛ وَلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْحَرِيمِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ، وَحَاجَةُ صَاحِبِ الْبِئْرِ النَّاضِحِ إلَى الْحَرِيمِ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مَوْضِعٍ يَسِيرُ فِيهِ النَّاضِحُ لِيَسْتَقِيَ فِيهِ الْمَاءَ مِنْ الْبِئْرِ بِذَلِكَ، وَفِي بِئْرِ الْعَطَنِ إنَّمَا يَسْتَقِي بِيَدِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَاسْتِحْقَاقُ الْحَرِيمِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ (أَلَا تَرَى) أَنَّ صَاحِبَ الْعَيْنِ يَسْتَحِقُّ مِنْ الْحَرِيمِ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُ الْبِئْرِ؛ لِأَنَّ مَاءَ الْعَيْنِ يَفِيضُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَحْتَاجُ صَاحِبُهُ إلَى اتِّخَاذِ الْمَزَارِعِ حَوْلَ ذَلِكَ لِيَنْتَفِعَ بِمَا يَفِيضُ مِنْ الْمَاءِ، وَإِلَى أَنْ يَبْنِيَ غَدِيرًا يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ فَاسْتَحَقَّ لِذَلِكَ زِيَادَةَ الْحَرِيمِ وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ ﵊ «قَالَ مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ مَا حَوْلَهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا» وَلَيْسَ فِيهِ فَصْلٌ بَيْنَ بِئْرِ الْعَطَنِ وَالنَّاضِحِ وَمِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْعَامَّ الْمُتَّفَقَ عَلَى قَبُولِهِ، وَالْعَمَلِ بِهِ يَتَرَجَّحُ عَلَى الْخَاصِّ الْمُخْتَلَفِ فِي قَبُولِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَلِهَذَا رَجَّحَ قَوْلَهُ ﵊ «مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ فَفِيهِ الْعُشْرُ» عَلَى قَوْلِهِ ﵊ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» وَعَلَى قَوْلِهِ ﵊ «لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ» وَرَجَّحَ أَصْحَابُنَا ﵏ قَوْلَهُ ﵊ «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» عَلَى خَبَرِ الْعَرَايَا؛ وَلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْحَرِيمِ حُكْمٌ ثَبَتَ بِالنَّصِّ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِاعْتِبَارِ عَمَلِهِ. ، وَعَمَلُهُ فِي مَوْضِعِ الْبِئْرِ خَاصَّةً فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ الْحَرِيمِ، وَلَكِنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِالنَّصِّ فَبِقَدْرِ مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْآثَارُ ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الْأَثَرُ لَا يَثْبُتُ اسْتِحْقَاقُهُ بِالشَّكِّ هَذَا أَصْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي مَسَائِلِ الْحَرِيمِ، وَلِهَذَا لَمْ يَجْعَلْ لِلنَّهْرِ حَرِيمًا، وَكَذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَسْتَحِقُّ الْغَازِي لِفَرَسِهِ إلَّا سَهْمًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ ثَبَتَ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا الْقَدْرُ الْمُتَيَقَّنُ بِهِ فَأَمَّا حَرِيمُ الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ؛ لِأَنَّ الْآثَارَ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ.

стр. 4751

وَلَكِنْ عِنْدَ بَعْضِهِمْ الْخَمْسُمِائَةِ فِي الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا وَالْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ خَمْسَمِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْأَمَالِي هَذَا مُفَسَّرًا فِي بِئْرِ النَّاضِحِ قَالَ: يَتَقَدَّرُ حَرِيمُهُ بِسِتِّينَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّشَا أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ التَّقْدِيرُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ بِمَا سُمِّيَ مِنْ الذُّرْعَانِ، ثُمَّ الِاسْتِحْقَاقُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فِي الْمَوَاتِ مِنْ الْأَرْضِ بِمَا لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ. أَمَّا فِيمَا هُوَ حَقُّ الْغَيْرِ فَلَا حَتَّى لَوْ حَفَرَ إنْسَانٌ بِئْرًا، فَجَاءَ آخَرُ وَحَفَرَ عَلَى مُنْتَهَى حَدِّ حَرِيمِهِ بِئْرًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْحَرِيمَ مِنْ الْجَانِبِ الَّذِي هُوَ حَرِيمُ صَاحِبِ الْبِئْرِ الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْجَوَانِبِ الْأُخَرِ فِيمَا لَا حَقَّ فِيهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الْجَانِبِ الْأَوَّلِ قَدْ سَبَقَ إلَيْهِ، وَقَدْ ثَبَتَ اسْتِحْقَاقُهُ كَمَا قَالَ ﵊: «مِنَّا مُبَاحٌ مَنْ سَبَقَ» فَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ أَنْ يُبْطِلَ عَلَيْهِ حَقَّهُ، وَيُشَارِكَهُ فِيهِ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ أَسْفَلُ النَّهْرِ آمِرٌ عَلَى أَهْلِ أَعْلَاهُ حَتَّى يَرْوُوا. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَهْلِ الْأَعْلَى أَنْ يُسَكِّرُوا النَّهْرَ وَيَحْبِسُوا الْمَاءَ عَنْ أَهْلِ الْأَسْفَلِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ جَمِيعًا ثَابِتٌ فَلَا يَكُونُ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَمْنَعَ حَقَّ الْبَاقِينَ وَيَخْتَصَّ بِذَلِكَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَاءُ فِي النَّهْرِ حَيْثُ لَا يَجْرِي فِي أَرْضِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا بِالسَّكْرِ، فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِأَهْلِ الْأَسْفَلِ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْأَعْلَى أَنْ يُسَكِّرُوا لِيَرْتَفِعَ الْمَاءُ إلَى أَرَاضِيِهِمْ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ فِي السَّكْرِ إحْدَاثَ شَيْءٍ فِي وَسَطِ النَّهْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي حَقِّ جَمِيعِ الشُّرَكَاءِ، وَحَقُّ أَهْلِ الْأَسْفَلِ ثَابِتٌ مَا لَمْ يَرْوُوا، فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا أَهْلَ الْأَعْلَى مِنْ السَّكْرِ، وَلِهَذَا سَمَّاهُمْ آمِرًا؛ لِأَنَّ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا أَهْلَ الْأَعْلَى مِنْ السَّكْرِ، وَعَلَيْهِمْ طَاعَتُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ تَلْزَمُك طَاعَتُهُ فَهُوَ أَمِيرُك. بَيَانُهُ فِي قَوْلِهِ ﵊ «صَاحِبُ الدَّابَّةِ الْقَطُوفِ أَمِيرٌ عَلَى الرَّاكِبِ»؛ لِأَنَّهُ يَأْمُرُهُمْ بِانْتِظَارِهِ، وَعَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ بِحَقِّ الصُّحْبَةِ فِي السَّفَرِ، وَفِيهِ حِكَايَةُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ حِينَ رَكِبَ مَعَ الْخَلِيفَةِ يَوْمًا فَتَقَدَّمَهُ الْخَلِيفَةُ لِجَوْدَةِ دَابَّتِهِ فَنَادَاهُ أَيُّهَا الْقَاضِي الْحَقْ بِي فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنَّ دَابَّتَك إذَا حُرِّكَتْ طَارَتْ، وَإِنَّ دَابَّتِي إذَا حُرِّكَتْ قَطَفَتْ، وَإِذَا تُرِكَتْ وَقَفَتْ فَانْتَظِرْنِي فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ «صَاحِبُ الدَّابَّةِ الْقَطُوفِ أَمِيرٌ عَلَى الرَّاكِبِ» فَأَمَرَ بِأَنْ يُحْمَلَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ عَلَى جَنَبَةٍ لَهُ وَقَالَ: أَحْمِلُ إيَّاكَ عَلَى هَذَا أَهْوَنُ مِنْ تَأْمِيرِك عَلَيَّ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ يَرْفَعُهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ «قَالَ: إذَا بَلَغَ الْوَادِي الْكَعْبَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْأَعْلَى أَنْ يَحْبِسُوهُ عَنْ الْأَسْفَلِ»، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَاءُ فِي الْوَادِي وَالْوَادِي اسْمٌ لِمَوْضِعٍ فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ يَنْحَدِرُ الْمَاءُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِنْ الْجَبَلِ فَيَجْتَمِعُ

стр. 4752

فِيهِ، وَيَجْرِي إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ فَقَوْلُهُ: إذَا بَلَغَ الْوَادِي الْكَعْبَيْنِ لَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لَازِمٍ بِالْكَعْبَيْنِ بَلْ الْإِشَارَةُ إلَى كَثْرَةِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ فِي مَوْضِعِ الْوَادِي سَعَةً، فَإِذَا بَلَغَ الْمَاءُ فِيهِ هَذَا الْمِقْدَارَ فَهُوَ كَثِيرٌ يَتَوَصَّلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ عَادَةً فَإِذَا أَرَادَ أَهْلُ الْأَعْلَى أَنْ يَحْبِسُوهُ عَنْ أَهْلِ الْأَسْفَلِ فَإِنَّمَا قَصَدُوا بِذَلِكَ الْإِضْرَارَ بِأَهْلِ الْأَسْفَلِ فَكَانُوا مُتَعَنِّتِينَ فِي ذَلِكَ لَا مُنْتَفِعِينَ بِالْمَاءِ، وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ دُونَ ذَلِكَ فَرُبَّمَا لَا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَةِ أَهْلِ الْأَعْلَى فَهُمْ مُنْتَفِعُونَ بِهَذَا الْحَبْسِ، وَالْمَاءُ الَّذِي يَنْحَدِرُ مِنْ الْجَبَلِ إلَى الْوَادِي عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ فَمَنْ يَسْبِقْ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ، بِمَنْزِلَةِ النُّزُولِ فِي الْمَوْضِعِ الْمُبَاحِ. كُلُّ مَنْ سَبَقَ إلَى مَوْضِعٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَنَّتَ، وَيَقْصِدَ الْإِضْرَارَ بِالْغَيْرِ فِي مَنْعِهِ عَمَّا وَرَاءَ مَوْضِعِ الْحَاجَةِ، فَعِنْدَ قِلَّةِ الْمَاءِ بَدَا أَهْلُ الْأَعْلَى أَسْبَقَ إلَى الْمَاءِ فَلَهُمْ أَنْ يَحْبِسُوهُ عَنْ أَهْلِ الْأَسْفَلِ. بِهِ «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵁ فِي حَادِثَةٍ مَعْرُوفَةٍ»، وَعِنْدَ كَثْرَةِ الْمَاءِ يَتِمُّ انْتِفَاعُ صَاحِبِ الْأَعْلَى مِنْ غَيْرِ حَبْسٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَنَّتَ بِحَبْسِهِ عَنْ أَهْلِ الْأَسْفَلِ. وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ فِي الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ» وَفِي الرِّوَايَاتِ: النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ فَفِيهِ إثْبَاتُ الشَّرِكَةِ لِلنَّاسِ كَافَّةً: الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَتَفْسِيرُ هَذِهِ الشَّرِكَةِ فِي الْمِيَاهِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْأَوْدِيَةِ، وَالْأَنْهَارِ الْعِظَامِ كَجَيْحُونَ وَسَيْحُونَ، وَفُرَاتٍ، وَدِجْلَةٍ، وَنِيلٍ فَإِنَّ الِانْتِفَاعَ بِهَا بِمَنْزِلَةِ الِانْتِفَاعِ بِالشَّمْسِ، وَالْهَوَاءِ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ، وَغَيْرُهُمْ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الِانْتِفَاعِ بِالطُّرُقِ الْعَامَّةِ مِنْ حَيْثُ التَّطَرُّقُ فِيهَا. ، وَمُرَادُهُمْ مِنْ لَفْظَةِ الشَّرِكَةِ بَيْنَ النَّاسِ بَيَانُ أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الِانْتِفَاعِ لَا أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُمْ فَالْمَاءُ فِي هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ لَيْسَ بِمِلْكٍ لِأَحَدٍ. فَأَمَّا مَا يَجْرِي فِي نَهْرٍ خَاصٍّ لِأَهْلِ قَرْيَةٍ فَفِيهِ نَوْعُ شَرِكَةٍ لِغَيْرِهِمْ، وَهُوَ حَقُّ السَّعَةِ مِنْ حَيْثُ الشِّرْبُ، وَسَقْيُ الدَّوَابِّ فَإِنَّهُمْ لَا يَمْنَعُونَ أَحَدًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الشَّرِكَةَ أَخَصُّ مِنْ الْأَوَّلِ فَلَيْسَ لِغَيْرِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ أَنْ يَسْقُوا نَخِيلَهُمْ، وَزُرُوعَهُمْ مِنْ هَذَا النَّهْرِ، وَكَذَلِكَ الْمَاءُ فِي الْبِئْرِ فِيهِ لِغَيْرِ صَاحِبِ الْبِئْرِ شَرِكَةٌ لِهَذَا الْقَدْرِ، وَهُوَ السَّعَةُ، وَكَذَلِكَ الْحَوْضُ فَإِنَّ مَنْ جَمَعَ الْمَاءَ فِي حَوْضِهِ، وَكَرْمِهِ، فَهُوَ أَخَصُّ بِذَلِكَ الْمَاءِ مَعَ بَقَاءِ حَقِّ السَّقْيِ فِيهِ لِلنَّاسِ، حَتَّى إذَا أَخَذَ إنْسَانٌ مِنْ حَوْضِهِ مَاءً لِلشُّرْبِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ، وَإِذَا أَتَى إلَى بَابِ كَرْمِهِ لِيَأْخُذَ الْمَاءَ مِنْ حَوْضِهِ لِلشُّرْبِ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ كَرْمَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِلْكٌ خَاصٌّ لَهُ. وَلَكِنْ إنْ كَانَ يَجِدُ الْمَاءَ قَرِيبًا

стр. 4753

مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي غَيْرِ مِلْكِ أَحَدٍ يَقُولُ لَهُ: اذْهَبْ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَخُذْ حَاجَتَك مِنْ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجِدُ ذَلِكَ فَإِمَّا أَنْ يُخْرِجَ الْمَاءَ إلَيْهِ أَوْ يُمَكِّنَهُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ فَيَأْخُذَ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقَّ السَّعَةِ فِي الْمَاءِ الَّذِي فِي حَوْضِهِ عَنَدَ الْحَاجَةِ. فَأَمَّا إذَا أَحْرَزَ الْمَاءَ فِي جُبٍّ أَوْ جَرَّةٍ أَوْ قِرْبَةٍ فَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ حَتَّى يَجُوزَ بَيْعُهُ فِيهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْهُ إلَّا بِرِضَاهُ، وَلَكِنْ فِيهِ شُبْهَةُ الشَّرِكَةِ مِنْ وَجْهٍ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ الْقَطْعُ لِسَرِقَتِهِ، وَعَلَى هَذَا حُكْمُ الشَّرِكَةِ فِي الْكَلَإِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهَا بَيْنَ النَّاسِ فِيهِ شَرِكَةٌ عَامَّةٌ، فَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ. فَأَمَّا مَا نَبَتَ مِنْ الْكَلَإِ فِي أَرْضِهِ مِمَّا لَمْ يُنْبِتْهُ أَحَدٌ فَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّاسِ أَيْضًا حَتَّى إذَا أَخَذَهُ إنْسَانٌ فَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ أَرْضَهُ لِيَأْخُذَ ذَلِكَ فَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الدُّخُولِ فِي أَرْضِهِ، وَلَكِنْ إنْ كَانَ يَجِدُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يَأْمُرُهُ بِالذَّهَابِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجِدُ، وَكَانَ بِحَيْثُ يَخَافُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَإِمَّا أَنْ يُخْرِجَ إلَيْهِ مِقْدَارَ حَاجَتِهِ أَوْ يُمَكِّنَهُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ أَرْضَهُ فَيَأْخُذَ مِقْدَارَ حَاجَتِهِ. فَأَمَّا مَا أَنْبَتَهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ بِأَنْ سَقَى أَرْضَهُ، وَكَرَبَهَا لِنَبْتِ الْحَشِيشِ فِيهَا لِدَوَابِّهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْهُ إلَّا بِرِضَاهُ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِكَسْبِهِ، وَالْكَسْبُ لِلْمُكْتَسِبِ، وَهَذَا الْجَوَابُ فِيمَا لَمْ يُنْبِتْهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ مِنْ الْحَشِيشِ دُونَ الْأَشْجَارِ، فَأَمَّا فِي الْأَشْجَارِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْأَشْجَارِ النَّابِتَةِ فِي أَرْضِهِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَشْجَارَ تُحْرَزُ عَادَةً، وَقَدْ صَارَ مُحْرِزًا لَهُ مِنْ يَدِهِ الثَّابِتَةِ عَلَى أَرْضِهِ، فَأَمَّا الْحَشِيشُ فَلَا يُحْرَزُ عَادَةً. وَتَفْسِيرُ الْحَشِيشِ مَا تَيَسَّرَ عَلَى الْأَرْضِ مِمَّا لَيْسَ لَهُ سَاقٌ، وَالشَّجَرُ مَا يَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] وَالنَّجْمُ مَا يَنْجُمُ فَتَيَسَّرَ عَلَى الْأَرْضِ، وَالشَّجَرُ مَا لَهُ سَاقٌ. وَبَيَانُ الشَّرِكَةِ فِي النَّارِ أَنَّ مَنْ أَوْقَدَ نَارًا فِي صَخْرٍ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَنْتَفِعَ بِنَارِهِ مِنْ حَيْثُ الِاصْطِلَاءُ بِهَا، وَتَجْفِيفُ الثِّيَابِ، وَالْعَمَلُ بِضَوْئِهَا، فَأَمَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ الْجَمْرِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إذَا مَنَعَهُ صَاحِبُ النَّارِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَطَبٌ أَوْ فَحْمٌ قَدْ أَحْرَزَهُ الَّذِي أَوْقَدَ النَّارَ، وَإِنَّمَا الشَّرِكَةُ الَّتِي أَثْبَتَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّارِ، وَالنَّارُ جَوْهَرُ الْحَرِّ دُونَ الْحَطَبِ، وَالْفَحْمِ فَإِنْ أَخَذَ شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ ذَلِكَ الْجَمْرِ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَا لَهُ قِيمَةٌ إذَا جَعَلَهُ صَاحِبُهُ فَحْمًا كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَا قِيمَةَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ. وَلَهُ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَمْنَعُونَ هَذَا الْقَدْرَ عَادَةً، وَالْمَانِعُ يَكُونُ مُتَعَنِّتًا لَا مُنْتَفِعًا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُتَعَنِّتَ مَمْنُوعٌ

стр. 4754

مِنْ التَّعَنُّتِ شَرْعًا. ، وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ بُقَعِ الْمَاءِ» يَعْنِي الْمُسْتَنْقَعَ فِي الْحَوْضِ، وَبِهِ نَأْخُذُ فَإِنَّ الْبَيْعَ تَمْلِيكٌ فَيَسْتَدْعِي مَحَلًّا مَمْلُوكًا، وَالْمَاءُ فِي الْحَوْضِ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لِصَاحِبِ الْحَوْضِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فَلِظَاهِرِ الْحَدِيثِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الشِّرْبِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ مَا يَجْرِي فِي النَّهْرِ الْخَاصِّ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لِلشُّرَكَاءِ، وَالْبَيْعُ لَا يَسْبِقُ الْمِلْكَ، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ لِلشُّرَكَاءِ فِي النَّهْرِ الْخَاصِّ حَقُّ الِاخْتِصَاصِ بِالْمَاءِ مِنْ حَيْثُ سَقْيُ النَّخِيلِ، وَالزَّرْعِ، وَلِصَاحِبِ الْمُسْتَنْقَعِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَبَيْعُ الْحَقِّ لَا يَجُوزُ، وَعَنْ الْهَيْثَمِ أَنَّ قَوْمًا، وَرَدُوا مَاءً فَسَأَلُوا أَهْلَهُ أَنْ يَدُلُّوهُمْ عَلَى الْبِئْرِ فَأَبَوْا، فَسَأَلُوهُمْ أَنْ يُعْطُوهُمْ دَلْوًا، فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُمْ فَقَالُوا لَهُمْ: إنَّ أَعْنَاقَنَا، وَأَعْنَاقَ مَطَايَانَا قَدْ كَادَتْ تُقْطَعُ، فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُمْ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِعُمَرَ ﵁ فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ فَهَلَّا، وَضَعْتُمْ فِيهِمْ السِّلَاحَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُمْ إذَا مَنَعُوهُمْ لِيَسْتَقُوا الْمَاءَ مِنْ الْبِئْرِ فَلَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ بِالسِّلَاحِ فَإِذَا خَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَوْ عَلَى ظُهُورِهِمْ مِنْ الْعَطَشِ كَانَ لَهُمْ فِي الْبِئْرِ حَقُّ السَّعَةِ، فَإِذَا مَنَعُوا حَقَّهُمْ، وَقَصَدُوا إتْلَافَهُمْ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَعَنْ ظُهُورِهِمْ كَمَا لَوْ قَصَدُوا قَتْلَهُمْ بِالسِّلَاحِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَاءُ مُحْرَزًا فِي إنَاءٍ فَلَيْسَ لِلَّذِي يَخَافُ الْهَلَاكَ مِنْ الْعَطَشِ أَنْ يُقَاتِلَ صَاحِبَ الْمَاءِ بِالسِّلَاحِ عَلَى الْمَنْعِ، وَلَكِنْ يَأْخُذُ مِنْهُ فَيُقَاتِلُهُ عَلَى ذَلِكَ بِغَيْرِ سِلَاحٍ، وَكَذَلِكَ فِي الطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ مُحْرَزٌ لِصَاحِبِهِ، وَلِهَذَا كَانَ الْآخِذُ ضَامِنًا لَهُ فَإِذَا جَازَ لَهُ أَخْذُهُ لِحَاجَتِهِ فَالْمَانِعُ يَكُونُ دَافِعًا عَنْ مَالِهِ. وَقَالَ ﵊ «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» فَكَيْفَ يُقَاتِلُ مَنْ إذَا قَتَلَهُ كَانَ شَهِيدًا عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَّا الْبِئْرُ مُبَاحٌ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِصَاحِبِ الْبِئْرِ فَلَا يَكُونُ هُوَ فِي الْمَنْعِ دَافِعًا عَنْ مِلْكِهِ، وَلَكِنَّهُ مَانِعٌ عَنْ الْمُضْطَرِّ حَقَّهُ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِالسِّلَاحِ، وَلِلْأَوَّلِ أَنْ يُقَاتِلَ بِمَا دُونَ السِّلَاحِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَاء مَأْمُورٌ بِأَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُ بِهِ الضَّرُورَةَ عَنْهُ فَهُوَ فِي الْمَنْعِ مُرْتَكِبٌ مَا لَا يَحِلُّ فَيُؤَدِّبُهُ عَلَى ذَلِكَ بِغَيْرِ سِلَاحٍ، وَلَيْسَ مُرَادُ عُمَرَ ﵁ الْمُقَاتَلَةَ بِالسِّلَاحِ عَلَى مَنْعِ الدَّلْوِ فَإِنَّ الدَّلْوَ كَانَ مِلْكًا لَهُمْ. وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ ذَلِكَ فَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ فَهَلَّا وَضَعْتُمْ فِيهِمْ السِّلَاحَ أَيْ رَهَنْتُمْ عِنْدَهُمْ مَا مَعَكُمْ مِنْ السِّلَاحِ لِيَطْمَئِنُّوا إلَيْكُمْ فَيُعْطُونَكُمْ الدَّلْوَ لَا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْأَمْرَ بِالْقِتَالِ. ، وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «قَالَ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ»، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَوَاتَ مِنْ الْأَرَاضِي يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ. وَأَصَحُّ مَا قِيلَ فِي حَدِّ الْمَوَاتِ أَنْ يَقِفَ الرَّجُلُ فِي طَرَفِ الْعُمْرَانِ فَيُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ فَإِلَى أَيِّ مَوْضِعٍ يَنْتَهِي صَوْتُهُ، يَكُونُ مِنْ فِنَاءِ الْعُمْرَانِ؛ لِأَنَّ سُكَّانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ يَحْتَاجُونَ إلَى ذَلِكَ

стр. 4755

لِرَعْيِ الْمَوَاشِي، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْمَوَاتِ ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إنَّمَا يَمْلِكُهَا بِالْإِحْيَاءِ بَعْدَ إذْنِ الْإِمَامِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا حَاجَةَ فِيهِ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ، وَمَلَّكَهَا مِمَّنْ أَحْيَاهَا أَوْ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهَا فَكُلُّ مَنْ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهَا، وَتَمَّ إحْرَازُهُ لَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا كَمَنْ أَخَذَ صَيْدًا، أَوْ حَطَبًا أَوْ حَشِيشًا أَوْ وَجَدَ مَعْدِنًا، أَوْ رِكَازًا فِي مَوْضِعٍ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ ﵊: «لَيْسَ لِلْمَرْءِ إلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إمَامِهِ»، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ عَامًّا فَمِنْ أَصْلِهِ: أَنَّ الْعَامَ الْمُتَّفَقَ عَلَى قَبُولِهِ يَتَرَجَّحُ عَلَى الْخَاصِّ. وَقَالَ ﷺ «إلَّا أَنَّ عَادِيَّ الْأَرْضِ هِيَ لِلَّهِ، وَرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنْ بَعْدُ» فَمَا كَانَ مُضَافًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالرَّسُولِ ﷺ فَالتَّدْبِيرُ فِيهِ إلَى الْإِمَامِ فَلَا يَسْتَبِدُّ أَحَدٌ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ كَخُمُسِ الْغَنِيمَةِ فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَشَارَ إلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَرَاضِيَ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ صَارَتْ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ فَكَانَ ذَلِكَ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﵊، وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يَخْتَصَّ أَحَدٌ بِشَيْءٍ مِنْهُ دُونَ إذْنِ الْإِمَامِ كَالْغَنَائِمِ. وَقَوْلُهُ: ﷺ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً» لِبَيَانِ السَّبَبِ، وَبِهِ نَقُولُ إنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ بَعْدَ إذْنِ الْإِمَامِ هُوَ الْإِحْيَاءُ، وَلَكِنَّ إذْنَ الْإِمَامِ شَرْطٌ، وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ مَا يَنْفِي هَذَا الشَّرْطَ بَلْ فِي قَوْلِهِ ﵊: «وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» إشَارَةٌ إلَى هَذَا الشَّرْطِ فَالْإِنْسَانُ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، وَالْأَخْذُ بِطَرِيقِ التَّغَالُبِ فِي مَعْنَى عِرْقٍ ظَالِمٍ، وَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﵊ «وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» أَنَّ الرَّجُلَ إذَا غَرَسَ أَشْجَارًا فِي مِلْكِهِ فَخَرَجَتْ عُرُوقُهَا إلَى أَرْضِ جَارِهِ، أَوْ خَرَجَتْ أَغْصَانُهَا إلَى أَرْضِ جَارِهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مِنْ أَرْضِ جَارِهِ بِتِلْكَ الْأَغْصَانِ وَالْعُرُوقِ الظَّالِمَةِ فَالظُّلْمُ عِبَارَةٌ عَنْ تَحْصِيلِ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ قِيلَ: الْمُرَادُ بِعِرْقٍ ظَالِمٍ أَنْ يَتَعَدَّى فِي الْإِحْيَاءِ مَا وَرَاءَ أَحَدِ الْمَوَاتِ فَيَدْخُلَ فِي حَقِّ الْغَيْرِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ شَيْئًا مِنْ حَقِّ الْغَيْرِ، وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ حَقٌّ وَالْمُرَادُ بِالْمُحَجَّرِ الْمُعَلَّمُ بِعَلَامَةٍ فِي مَوْضِعٍ، وَاشْتِقَاقُ الْكَلِمَةِ مِنْ الْحَجْرِ، وَهُوَ الْمَنْعُ فَإِنَّ مَنْ أَعْلَمَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاتِ عَلَامَةً فَكَأَنَّهُ مَنَعَ الْغَيْرَ مِنْ إحْيَاءِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَسُمِّيَ فِعْلُهُ تَحْجِيرًا. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا مَرَّ بِمَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاتِ فَقَصَدَ إحْيَاءَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَوَضَعَ حَوْلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَحْجَارًا أَوْ حَصَدَ مَا فِيهَا مِنْ الْحَشِيشِ، وَالشَّوْكِ، وَجَعَلَهَا حَوْلَ ذَلِكَ فَمَنَعَ الدَّاخِلَ مِنْ الدُّخُولِ فِيهَا فَهَذَا تَحْجِيرٌ، وَلَا يَكُونُ إحْيَاءً إنَّمَا الْإِحْيَاءُ أَنْ يَجْعَلَهَا صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ بِأَنْ

стр. 4756

كَرَبَهَا أَوْ ضَرَبَ عَلَيْهَا الْمُسَنَّاةَ أَوْ شَقَّ لَهَا نَهْرًا ثُمَّ بَعْدَ التَّحْجِيرِ لَهُ مِنْ الْمُدَّةِ ثَلَاثُ سِنِينَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ عُمَرُ ﵁؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَرْجِعَ إلَى وَطَنِهِ، وَيُهَيِّئَ أَسْبَابَهُ ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَيُحْيِيَهُ فَيُجْعَلُ لَهُ مِنْ الْمُدَّةِ لِلرُّجُوعِ إلَى وَطَنِهِ سَنَةً، وَإِصْلَاحِ أُمُورِهِ فِي وَطَنِهِ سَنَةً، وَالرُّجُوعِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ سَنَةً فَإِلَى ثَلَاثِ سِنِينَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَغِلَ بِإِحْيَاءِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ غَيْرُهُ، وَلَكِنْ يَنْتَظِرُهُ لِيَرْجِعَ، وَبَعْدَ مُضِيِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ الظَّاهِرَ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُرِيدُ الرُّجُوعَ إلَيْهَا فَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ إحْيَاؤُهَا هَذَا مِنْ طَرِيقِ الدِّيَانَةِ فَأَمَّا فِي الْحُكْمِ إذَا أَحْيَاهَا إنْسَانٌ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَهِيَ لَهُ؛ لِأَنَّ بِالتَّحْجِيرِ لَمْ تَصِرْ مَمْلُوكَةً لِلْأَوَّلِ فَسَبَبُ الْمِلْكِ هُوَ الْإِحْيَاءُ دُونَ التَّحْجِيرِ، وَعَنْ طَاوُسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ عَادِيَّ الْأَرْضِ لِلَّهِ، وَرَسُولِهِ فَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ»، وَالْمُرَادُ الْمَوَاتُ مِنْ الْأَرَاضِي سَمَّاهُ عَادِيًّا عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا مَا خَرِبَتْ عَلَى عَهْدِ عَادٍ، وَفِي الْعَادَاتِ الظَّاهِرَةِ مَا يُوصَفُ بِطُولِ مُضِيِّ الزَّمَانِ عَلَيْهِ يُنْسَبُ إلَى عَادٍ فَمَعْنَاهُ مَا تَقَدَّمَ خَرَابُهُ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ، وَعَنْ أَبِي مُعَسِّرٍ عَنْ أَشْيَاخِهِ رَفَعُوهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَضَى فِي السِّرَاجِ مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ الْكَعْبَيْنِ أَنْ لَا يَحْبِسَهُ إلَّا عَلَى جَارِهِ» قَالَ أَبُو مُعَسِّرٍ السِّرَاجُ: السَّوَاقِي، وَهِيَ الْجَدَاوِلُ الَّتِي عِنْدَ سَفْحِ الْجَبَلِ يَجْتَمِعُ مَاءُ السَّيْلِ فِيهَا ثُمَّ يَنْحَدِرُ مِنْهَا إلَى الْوَادِي، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ الْعِبَارَةُ عَنْ كَثْرَةِ الْمَاءِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ بْنِ عَمْرٍو بْنِ نُفَيْلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ بِغَيْرِ حَقٍّ طَوَّقَهُ اللَّهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» قِيلَ: مَعْنَاهُ مَنْ تَطَوَّقَ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ فَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَضَعُ عَلَيْهِ الْقَدَمَ بِمَنْزِلَةِ شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَنْ نَقَصَ مِنْ الْمُسَنَّاةِ فِي جَانِبِ أَرْضِهِ بِأَنْ حَوَّلَ ذَلِكَ إلَى أَرْضِ جَارِهِ فَذَلِكَ قَدْرُ شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ أَخَذَهُ أَوْ كَانَ أَرْضُهُ بِجَنْبِ الطَّرِيقِ فَجَعَلَ الْمُسَنَّاةَ عَلَى الطَّرِيقِ لِتَتَّسِعَ بِهِ أَرْضُهُ فَهُوَ فِي مَعْنَى شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الطَّرِيقِ. يَعْنِي الْعَلَامَةَ بَيْنَ الْأَرَضِينَ. وَقِيلَ: إنَّمَا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشِّبْرَ عَلَى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْمَنْعِ مِنْ غَصْبِ الْأَرَاضِي، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ التَّحْقِيقَ ثُمَّ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ عِظَمِ الْمَاءِ ثُمَّ فِي غَصْبِ الْأَرَاضِي، وَهُوَ دَلِيلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى غَاصِبِ الْأَرَاضِي فِي الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ بَيَّنَ جَزَاءَ الْآخِذِ بِالْوَعِيدِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْقِيَامَةِ، وَلَوْ كَانَ حُكْمُ الضَّمَانِ ثَابِتًا لَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُبَيِّنَهُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى مَعْرِفَتِهِ أَمَسُّ ثُمَّ جَعَلَ الْمَذْكُورَ مِنْ الْوَعِيدِ جَمِيعَ جَزَائِهِ فَلَوْ أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ الْوَعْدُ جَمِيعَ جَزَائِهِ

стр. 4757

وَلِلْفُقَهَاءِ فِي مَعْنَى مِثْلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا الْحَمْلُ عَلَى حَقِيقَتِهِ أَنَّهُ يُطَوَّقُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فِي الْقِيَامَةِ لِيُعْرَفَ بِهِ مَا فَعَلَهُ، وَيَكُونَ ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُ كَمَا قَالَ ﵊: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْكَزُ عِنْدَ بَابِ اسْتِهِ تُعْرَفُ بِهِ غَدْرَتُهُ». وَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ شِدَّةِ الْعُقُوبَةِ لَا حَقِيقَةَ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ يُطَوَّقُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مِنْ الْأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «قَالَ: لَا تَمْنَعُوا الْمَاءَ مَخَافَةَ الْكَلَإِ» يُرِيدُ بِهِ أَنَّ صَاحِبَ الْبِئْرِ إذَا كَانَ لَهُ مَرْعًى حَوْلَ بِئْرِهِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ يَسْتَقِي الْمَاءَ مِنْ بِئْرِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِظُهُورِهِ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَ ظَهْرُهُ مِنْ ذَلِكَ الْكَلَإِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي حَقِّ الشُّقَّةِ فِي مَاءِ الْبِئْرِ فَلَا يَمْنَعُهُ حَقَّهُ، وَلَكِنْ يَحْفَظُ جَانِبَ أَرْضِهِ، وَمَا فِيهِ مِنْ الْكَلَإِ حَتَّى لَا يُدْخِلَ دَابَّةَ الْمُسْتَقِي فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَخْرَجَ إلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ مِقْدَارَ حَاجَتِهِ، وَحَاجَةَ ظَهْرِهِ، وَعَنْ نَافِعٍ رَفَعَ حَدِيثَهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ «قَالَ: لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا مَاءً وَلَا كَلَأً وَلَا نَارًا فَإِنَّهُ مَتَاعٌ لِلْمُقْوِينَ وَقُوَّةٌ لِلْمُسْتَعِينِينَ»، وَالْمُقْوِي هُوَ الَّذِي فَنِيَ زَادُهُ، وَالْمُسْتَعِينُ هُوَ الْمُضْطَرُّ الْمُحْتَاجُ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ ﵊ أَثْبَتَ بَيْنَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ شَرِكَةً عَامَّةً بِطَرِيقِ الْإِبَاحَةِ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ أَحَدًا مِمَّا جَعَلَهُ الشَّرْعُ حَقًّا لَهُ. وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ نَهْرٌ أَوْ بِئْرٌ أَوْ قَنَاةٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ أَنْ يَسْقِيَ مِنْهَا فَيَشْرَبَ، وَيَسْقِيَ دَابَّتَهُ، وَبَعِيرَهُ، وَشِيَاهَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الشُّقَّةِ، وَالشُّقَّةُ عِنْدَنَا الشِّرْبُ لِبَنِي آدَمَ، وَالْبَهَائِمِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْمَاءِ تَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَمَنْ سَافَرَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ الْمَاءَ مِنْ وَطَنِهِ لِذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى أَخْذِ الْمَاءِ مِنْ الْآبَارِ، وَالْأَنْهَارِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى طَرِيقِهِ، وَفِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ حَرَجٌ، وَكَمَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ لِنَفْسِهِ فَكَذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِظَهْرِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْعَادَةِ يَعْجِزُ عَنْ السَّفَرِ بِغَيْرِ مَرْكَبٍ، وَكَذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ لِلطَّبْخِ وَالْخَبْزِ، وَغَسْلِ الثِّيَابِ، وَأَحَدٌ لَا يَمْنَعُ أَحَدًا مِنْ ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ لَهُ جَدْوَلٌ يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ إلَى أَرْضِهِ، وَبِجَنْبِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ صَاحِبُ مَاشِيَةٍ إذَا شَرِبَتْ الْمَاشِيَةُ مِنْهَا انْقَطَعَ الْمَاءُ لِكَثْرَةِ الْمَوَاشِي، وَقِلَّةِ مَاءِ الْجَدْوَلِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ ﵏ فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هَذَا مِنْ الشُّقَّةِ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْجَدْوَلِ أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ الشُّقَّةَ مَا لَا يَضُرُّ بِصَاحِبِ النَّهْرِ وَالْبِئْرِ فَأَمَّا مَا يَضُرُّ بِهِ، وَيَقْطَعُ حَقَّهُ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ اعْتِبَارًا بِسَقْيِ الْأَرَاضِي، وَالنَّخِيلِ وَالشَّجَرِ، وَالزَّرْعِ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ يُرِيدُ سَقْيَ نَخْلِهِ وَشَجَرِهِ، وَزَرْعِهِ مِنْ نَهْرِهِ أَوْ قَنَاتِهِ أَوْ بِئْرِهِ

стр. 4758

أَوْ عَيْنِهِ. وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِهِ إمَّا لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُسَوِّيَ نَفْسَهُ بِصَاحِبِ الْحَقِّ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ فَالنَّهْرُ وَالْقَنَاةُ إنَّمَا يُشَقُّ لِهَذَا الْمَقْصُودِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُسَوِّيَ نَفْسَهُ بِالْمُسْتَحِقِّ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِخِلَافِ الشُّقَّةِ، فَذَلِكَ بَيْعٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ؛ لِأَنَّ النَّهْرَ، وَالْقَنَاةَ لَا يُشَقُّ فِي الْعَادَةِ لِأَجْلِهِ أَوْ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَحْفِرَ نَهْرًا مِنْ هَذَا النَّهْرِ إلَى أَرْضِهِ فَيَكْسِرَ بِهِ ضِفَّةَ النَّهْرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَكْسِر ضِفَّة نَهْر الْغَيْر، وَكَذَلِكَ فِي الْبِئْر يَحْتَاج إلَى أَنْ يَشُقّ نَهْرًا مِنْ رَأْس الْبِئْر إلَى أَرْضه، وَمَا حَوْل الْبِئْر حَقُّ صَاحِب الْبِئْر حَرِيمًا لَهُ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنه، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ يُرِيد أَنْ يَجْرِي مَاؤُهُ فِي هَذَا النَّهْر مَعَ صَاحِب النَّهْر لِيَسْقِيَ بِهِ أَرْضه؛ لِأَنَّ النَّهْر مِلْك خَاصّ لِأَهْلِ النَّهْر فَلَا يَجُوز لَهُ أَنْ يَنْتَفِع بِمُلْكِ الْغَيْر إلَّا بِإِذْنِهِ فَإِنْ كَانَ قَدْ اتَّخَذَ شَجَره أَوْ خَضِرَة فِي دَاره فَأَرَادَ أَنْ يَسْقِي ذَلِكَ الْمَوْضِع بِحَمْلِ الْمَاء إلَيْهِ بِالْجَرَّةِ فَقَدْ اسْتَقْضَى فِيهِ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَئِمَّة بَلْخِي ﵏، وَقَالُوا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِب النَّهْر، وَالْأَصَحّ أَنَّهُ لَا يَمْنَع مِنْ هَذَا الْمِقْدَار؛ لِأَنَّ النَّاس يَتَوَسَّعُونَ فِيهِ، وَالْمَنْع مِنْهُ يُعَدُّ مِنْ الدَّنَاءَة قَالَ ﵊ «أَنَّ اللَّه يُحِبّ مَعَالِي الْأُمُور، وَيُبْغِض سَفْسَافهَا» فَإِنْ أَذِنَ لَهُ صَاحِب النَّهْر فِي سُقِيَ أَرْضه أَوْ عَادَة ذَلِكَ الْمَوْضِع فَلَا بَأْس بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَنْع كَانَ لِمُرَاعَاةِ حَقّه فَإِذَا رَضِيَ بِهِ فَقَدْ زَالَ الْمَانِع. وَإِنْ بَاعَهُ شِرْبَ يَوْمٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ فِي النَّهْرِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ إنَّمَا هُوَ حَقُّ صَاحِبِ النَّهْرِ، وَبَيْعُ الْحَقِّ لَا يَجُوزُ؛ وَلِأَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا يَدْرِي مِقْدَارَ مَا يُسَلَّمُ لَهُ مِنْ الْمَاءِ فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَبَيْعُ الْمَجْهُولِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ غَرَرٌ فَلَا تَدْرِي أَنَّ الْمَاءَ يَجْرِي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي النَّهْرِ أَوْ لَا يَجْرِي، وَإِذَا انْقَطَعَ الْمَاءُ فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ تَمَكُّنُ إجْرَائِهِ «، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ»، وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ؛ لِأَنَّهُ يَلْتَزِمُ تَسْلِيمَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ أَوْ تَسْلِيمَ مَا لَا يَعْرِفُ مِقْدَارَهُ ثُمَّ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الِاسْتِئْجَارِ الْمَاءُ، وَهُوَ عَيْنٌ، وَالِاسْتِئْجَارُ الْمَقْصُودُ لِاسْتِهْلَاكِ الْعَيْنِ لَا يَجُوزُ كَاسْتِئْجَارِ الْمَرْعَى لِلرَّاعِي، وَاسْتِئْجَارِ الْبَقَرَةِ لِمَنْفَعَةِ اللَّبَنِ بِخِلَافِ اسْتِئْجَارِ الظِّئْرِ فَإِنَّ لَبَنَ الْآدَمِيَّةِ فِي حُكْمِ الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ كُلِّ عُضْوٍ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ فَمَنْفَعَةُ الثَّدْيِ اللَّبَنُ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ لَبَنِ الْآدَمِيَّةِ؛ وَلِأَنَّ الْعَقْدَ هُنَاكَ يُرَدُّ عَلَى مَنْفَعَةِ التَّرْبِيَةِ، وَاللَّبَنُ آلَةٌ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى غَسْلِ الثِّيَابِ فَالْحَرَضُ وَالصَّابُونُ آلَةٌ فِي ذَلِكَ، وَالِاسْتِئْجَارُ لِعَمَلِ الصِّنَاعَةِ فَإِنَّ الصُّنْعَ بِمَنْزِلَةِ الْآلَةِ فِي ذَلِكَ فَأَمَّا هُنَا لَا مَقْصُودَ فِي هَذَا الِاسْتِئْجَارِ سِوَى الْمَاءِ، وَهُوَ عَيْنٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ فِي إجَارَتِهِ أَوْ شَرَابِهِ شُرْبَ هَذِهِ الْأَرْضِ، وَهَذَا الشَّجَرِ، وَهَذَا

стр. 4759

الزَّرْعِ أَوْ قَالَ حَتَّى يَكْتَفِيَ فَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ لِمَعْنَى الْجَهَالَةِ، وَالْغَرَرِ. وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ شِرْبَ مَاءٍ، وَمَعَهُ أَرْضٌ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ عَيْنٌ مَمْلُوكَةٌ مَقْدُورَةُ التَّسْلِيمِ فَالْعَقْدُ يَرِدُ عَلَيْهَا، وَالشِّرْبُ يَسْتَحِقُّ بَيْعًا، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ بَيْعُ مَا لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ كَالْأَطْرَافِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْبَيْعِ ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْعًا فِي بَيْعِ الْأَصْلِ، وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا ﵏ أَفْتَى أَنْ يَبِيعَ الشِّرْبَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَرْضٌ لِلْعَادَةِ الظَّاهِرَةِ فِيهِ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ، وَهَذِهِ عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِنَسَفَ قَالُوا الْمَأْجُورُ الِاسْتِصْنَاعُ لِلتَّعَامُلِ، وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ يَأْبَاهُ فَكَذَلِكَ بَيْعُ الشِّرْبِ بِدُونِ الْأَرْضِ. وَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا مَعَ شِرْبِهَا جَازَ كَمَا يَجُوزُ الشِّرَاءُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الِانْتِفَاعُ بِالْأَرْضِ مِنْ حَيْثُ الزِّرَاعَةِ، وَالْغِرَاسَةِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ بِالشِّرْبِ فَذِكْرَ الشِّرْبِ مَعَ الْأَرْضِ فِي الِاسْتِئْجَارِ لِتَحْقِيقِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالِاسْتِئْجَارِ فَلَا يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ. وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ أَرْضًا لَمْ يَكُنْ لَهُ شِرْبُهَا، وَلَا مَسْكُ مَا بِهَا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَتَنَاوَلُ عَيْنَ الْأَرْضِ بِذِكْرِ حُدُودِهَا فَمَا يَكُونُ خَارِجًا مِنْ حُدُودِهَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْعَقْدِ إلَّا بِالتَّسْمِيَةِ، وَالشِّرْبُ وَالْمَسِيلُ خَارِجٌ مِنْ الْحُدُودِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ اشْتَرَطَ شِرْبَهَا فَلَهُ الشِّرْبُ، وَلَيْسَ لَهُ الْمَسِيلُ؛ لِأَنَّ الشِّرْبَ غَيْرُ الْمَسِيلِ فَالْمَسِيلُ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَسِيلُ فِيهِ الْمَاءُ، وَالشِّرْبُ الْمَاءُ الَّذِي يَسِيلُ فِي الْمَسِيلِ فَبِاشْتِرَاطِ أَحَدِهِمَا لَا يَثْبُتُ لَهُ اسْتِحْقَاقُ الْأَجْرِ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْمَشْرُوطَ خَاصَّةً، وَيُجْعَلُ فِيمَا لَمْ يُذْكَرْ كَأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا. وَلَوْ اشْتَرَطَ مَسِيلَ الْمَاءِ مَعَ الشِّرْبِ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالشَّرْطِ، وَلَوْ اشْتَرَاهَا بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهَا كَانَ لَهُ الْمَسِيلُ، وَالشِّرْبُ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِهَا فَالْمَقْصُودُ بِالْأَرَاضِيِ الِانْتِفَاعُ بِهَا، وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ بِالْمَسِيلِ، وَالشِّرْبِ فَكَانَتْ مِنْ حُقُوقِهَا كَالطَّرِيقِ لِلدَّارِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَ مَرَافِقَهَا؛ لِأَنَّ الْمَرَافِقَ مَا يُتَرَفَّقُ بِهِ فَإِنَّمَا يَتَأَتَّى التَّرَفُّقُ بِالْأَرْضِ بِالشِّرْبِ، وَالْمَسِيلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَ كُلَّ قَلِيلٍ، وَكَثِيرٍ هُوَ فِيهَا أَوْ مِنْهَا كَانَ لَهُ الشِّرْبُ، وَالْمَسِيلُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ثُمَّ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ مِنْهَا أَيْ مِنْ حُقُوقِهَا، وَلَكِنَّهُ حَذَفَ الْمُضَافَ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ، وَمِثْلُ هَذَا الْحَذْفِ عُرْفُ أَهْلِ اللِّسَانِ. وَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَلَيْسَ لَهُ مَسِيلُ مَاءٍ، وَلَا شِرْبٌ فِي الْقِيَاسِ إذَا أَطْلَقَ الْعَقْدَ كَمَا فِي الشِّرَاءِ فَالْمُسْتَأْجِرُ يَسْتَحِقُّ بِالْعَقْدِ بِذِكْرِ الْحُدُودِ كَالْمُشْتَرِي فَكَمَا أَنَّ الشِّرْبَ، وَالْمَسِيلَ الَّذِي هُوَ خَارِجٌ عَنْ الْحُدُودِ الْمَذْكُورَةِ لَا يُسْتَحَقُّ بِالشِّرَاءِ فَكَذَلِكَ بِالِاسْتِئْجَارِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَجَعَلَ لِلْمُسْتَأْجِرِ مَسِيلَ الْمَاءِ، وَالشِّرْبِ هُنَا بِخِلَافِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ جَوَازَ الِاسْتِئْجَارِ بِاعْتِبَارِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُ كَالْمُهْرِ

стр. 4760

الصَّغِيرِ، وَالْأَرْضِ السَّبِخَةِ، وَالِانْتِفَاعُ بِالْأَرْضِ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِالشِّرْبِ، وَالْمَسِيلِ فَلَوْ لَمْ يَدْخُلْهُمَا يُفْسَخُ الْعَقْدُ، وَالْمُتَعَاقِدَانِ قَصَدَا تَصْحِيحَ الْعَقْدِ فَكَانَ هُنَا ذِكْرُ الشِّرْبِ، وَالْمَسِيلِ بِخِلَافِ الشِّرَاءِ فَمُوجَبُهُ مِلْكُ الْعَيْنِ (أَلَا تَرَى) أَنَّ شِرَاءَ مَا لَا يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ بِهِ جَائِزٌ نَحْوَ الْأَرْضِ السَّبْخَةِ، وَالْمُهْرِ الصَّغِيرِ فَلَا يَدْخُلُ فِي الشِّرَاءِ مَا وَرَاءَ الْمُسَمَّى بِذِكْرِ الْحُدُودِ، وَفِي الْكِتَابِ ذَكَرَ حَرْفًا آخَرَ فَقَالَ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ يَدِ صَاحِبِهَا يَعْنِي أَنَّ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ لَا يَتَمَلَّكُ الْمُسْتَأْجِرُ شَيْئًا مِنْ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ بِهِ فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَلَوْ أَدْخَلْنَا الشِّرْبَ، وَالْمَسِيلَ لَمْ يَتَضَرَّرْ صَاحِبُ الْأَرْضِ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهَا، وَفِي إدْخَالِهِمَا تَصْحِيحُ الْعَقْدِ فَأَمَّا الْبَيْعُ يُزِيلُ مِلْكَ الْعَيْنِ عَنْ الْبَائِعِ فَفِي إدْخَالِ الشِّرْبِ، وَالْمَسِيلِ فِي الْبَيْعِ إزَالَةُ مِلْكِهِ عَمَّا لَمْ يُظْهِرْ رِضَاهُ بِهِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَهَذَا نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الثِّمَارَ، وَالزَّرْعَ يَدْخُلُ فِي رَهْنِ الْأَشْجَارِ، وَالْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْهِبَةِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ بِدُونِ الشَّرْطِ يَدْخُلُ الشِّرْبُ، وَالْمَسِيلُ فِي الْأَشْجَارِ فَمَعَ الشَّرْطِ أَوْلَى، وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطَ كُلَّ حَقٍّ هُوَ لَهَا أَوْ مَرَافِقَهَا أَوْ كُلَّ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، هُوَ فِيهَا أَوْ مِنْهَا فَعِنْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ يَدْخُلُ الشِّرْبُ، وَالْمَسِيلُ فِي الشِّرَاءِ فَفِي الْإِجَارَةِ أَوْلَى. وَإِذَا كَانَ نَهْرٌ بَيْنَ قَوْمٍ لَهُمْ عَلَيْهِ أَرْضُونَ، وَلَا يُعْرَفُ كَيْف كَانَ أَصْلُهُ بَيْنَهُمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، وَاخْتَصَمُوا فِي الشِّرْبِ فَإِنَّ الشِّرْبَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَرَاضِيِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالشِّرْبِ سَقْيُ الْأَرَاضِي، وَالْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ تَخْتَلِفُ بِقِلَّةِ الْأَرَاضِي، وَكَثْرَتِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الشِّرْبِ بِقَدْرِ أَرْضِهِ، وَقَدْرِ حَاجَتِهِ، وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ، وَاجِبٌ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافَهُ فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ اسْتَوَوْا فِي إثْبَاتِ الْيَدِ عَلَى الْمَالِ فِي النَّهْرِ، وَالْمُسَاوَاةُ فِي الْيَدِ تُوجِبُ الْمُسَاوَاةَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ قُلْنَا لَا كَذَلِكَ فَالْيَدُ لَا تَثْبُتُ عَلَى الْمَاءِ فِي النَّهْرِ لِأَحَدٍ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا ذَلِكَ الِانْتِفَاعُ بِالْمَاءِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ انْتِفَاعَ مَنْ لَهُ عَشَرُ قِطَاعٍ لَا يَكُونُ مِثْلَ انْتِفَاعِ مَنْ لَهُ قِطْعَةٌ وَاحِدَةٌ ثُمَّ الْمَاءُ لَا يُمْكِنُ إحْرَازُهُ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا إحْرَازُهُ بِسَقْيِ الْأَرَاضِي فَإِنَّمَا ثَبَتَ الْيَدُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَهَذَا بِخِلَافِ الطَّرِيقِ إذَا اخْتَصَمَ فِيهِ الشُّرَكَاءُ فَإِنَّهُمْ يَسْتَوُونَ فِي مِلْكِ رُقْبَةِ الطَّرِيقِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ سَعَةُ الدَّارِ، وَضِيقُهَا؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ عَيْنٌ تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ، وَالْمَقْصُودُ التَّطَرُّقُ فِيهِ، وَالتَّطَرُّقُ فِيهِ إلَى الدَّارِ الْوَاسِعَةِ، وَإِلَى الدَّارِ الضَّيِّقَةِ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ بِخِلَافِ الشِّرْبِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَإِنْ كَانَ الْأَعْلَى لَا يَشْرَبُ حَتَّى يَسْكُرَ النَّهْرَ عَلَى الْأَسْفَلِ، وَلَكِنَّهُ يَشْرَبُ بِحِصَّتِهِ؛ لِأَنَّ فِي السَّكْرِ قَطْعَ مَنْفَعَةِ الْمَاءِ عَنْ أَهْلِ الْأَسْفَلِ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ، وَلَيْسَ لِبَعْضِ الشُّرَكَاءِ هَذِهِ الْوِلَايَةُ فِي نَصِيبِ شُرَكَائِهِ يُوضِحُهُ أَنَّ فِي السَّكْرِ

стр. 4761

إحْدَاثَ شَيْءٍ فِي وَسَطِ النَّهْرِ، وَرَقَبَةُ النَّهْرِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمْ فَلَيْسَ لِبَعْضِ الشُّرَكَاءِ أَنْ يُحْدِثَ فِيهَا شَيْئًا بِدُونِ إذْنِ الشُّرَكَاءِ، وَرُبَّمَا يَنْكَسِرُ النَّهْرُ بِمَا يَحْدُثُ فِيهَا عِنْدَ السَّكْرِ فَإِنْ تَرَاضَوْا عَلَى أَنَّ الْأَعْلَى يَسْكُرُ النَّهْرَ حَتَّى تُشْرَبَ حِصَّتُهُ أَجَزْت ذَلِكَ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ حَقُّهُمْ، وَقَدْ انْعَدَمَ بِتَرَاضِيهِمْ فَإِنْ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَسْكُرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي يَوْمِهِ أَجَزْته أَيْضًا فَإِنَّ قِسْمَةَ الْمَاءِ فِي النَّهْرِ تَكُونُ بِالْأَجْرِ تَارَةً، وَبِالْأَيَّامِ أُخْرَى فَإِنْ تَرَاضَوْا عَلَى الْقِسْمَةِ بِالْأَيَّامِ جَازَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَهَذَا لِحَاجَتِهِمْ إلَى ذَلِكَ فَقَدْ يَقِلُّ الْمَاءُ فِي النَّهْرِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِحِصَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِالسَّكْرِ، وَلَكِنَّهُ إنْ تَمَكَّنَ مِنْ أَنْ يَسْكُرَ بِلَوْحٍ أَوْ بَابٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْكُرَ بِالطِّينِ وَالتُّرَابِ؛ لِأَنَّ بِهِ يَنْكَسِرُ النَّهْرُ عَادَةً، وَفِيهِ إضْرَارٌ بِالشُّرَكَاءِ إلَّا أَنْ يُظْهِرُوا التَّرَاضِي عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ اخْتَلَفُوا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَسْكُرَهُ عَلَى صَاحِبِهِ. وَإِنْ أَرَادَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَكْتَرِيَ مِنْهُ نَهْرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاءٍ مِنْ أَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ فِي كَرِي النَّهْرِ كَسْرُ ضِفَّةِ النَّهْرِ الْمُشْتَرَكِ بِقَدْرِ فُوَّهَةِ النَّهْرِ الَّذِي يُكْرِيه، وَفِي الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ لَيْسَ لِبَعْضِ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاءِ أَصْحَابِهِ كَمَا لَوْ أَرَادَ هَدْمَ الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ أَوْ إحْدَاثَ بَابٍ فِيهِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصِبَ عَلَيْهِ رَحًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِرِضًا مِنْ أَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ مَا يُنْصَبُ مِنْ الرَّحَا إنَّمَا يَضَعُهُ فِي مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ رَحًا لَا تَضُرُّ بِالنَّهْرِ، وَلَا بِالْمَاءِ فَيَكُونُ مَوْضِعُهَا فِي أَرْضٍ خَاصٍّ لَهُ فَإِنْ كَانَ هَكَذَا فَهُوَ جَائِزٌ يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ يُغَيِّرُ الْمَاءَ عَنْ سُنَّتِهِ. وَلَا يَمْنَعُ جَرَيَانَ الْمَاءِ بِسَبَبِ الرَّحَا بَلْ يَجْرِي كَمَا كَانَ يَجْرِي قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَضَعُ الرَّحَا فِي مِلْكٍ خَاصٍّ لَهُ فَإِذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ رِضَا الشُّرَكَاءِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحْدِثُ مَا يُحْدِثُهُ مِنْ الْأَبْنِيَةِ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ، وَبِسَبَبِ الرَّحَا لَا يَنْتَقِصُ الْمَاءُ بَلْ يَنْتَفِعُ صَاحِبُ الرَّحَا بِالْمَاءِ مَعَ بَقَاءِ الْمَاءِ عَلَى حَالِهِ فَمَنْ يَمْنَعُهُ عَنْ ذَلِكَ يَكُونُ مُتَعَنِّتًا قَاصِدًا إلَى الْإِضْرَارِ بِهِ لَا دَافِعًا الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى تَعَنُّتِهِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصِبَ عَلَيْهَا دَالِيَةً أَوْ سَانِيَةً، وَكَانَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِالنَّهْرِ، وَلَا بِالشِّرْبِ، وَكَانَ بِنَاءُ ذَلِكَ فِي مِلْكِهِ خَاصَّةً كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ، وَلَا يُلْحِقُ الضَّرَرَ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ أَرَادَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ أَنْ يُكْرُوا هَذَا النَّهْرَ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ قَالَ عَلَيْهِمْ مُؤْنَةُ الْكِرَاءِ مِنْ أَعْلَاهُ فَإِذَا جَاوَزَ أَرْضَ رَجُلٍ دَفَعَ عَنْهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْكِرَاءُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ بِحِصَصِ الشِّرْبِ، وَالْأَرَاضِي، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الشُّرَكَاءَ فِي النَّهْرِ إذَا كَانُوا عَشَرَةً فَمُؤْنَةُ الْكِرَاءِ مِنْ أَوَّلِ النَّهْرِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ إلَى أَنْ يُجَاوِزَ أَرْضَ أَحَدِهِمْ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ مُؤْنَةُ الْكِرَاءِ عَلَى الْبَاقِينَ اتِّسَاعًا إلَى أَنْ يُجَاوِزَ أَرْضًا

стр. 4762

أُخْرَى ثُمَّ يَكُونُ عَلَى الْبَاقِينَ أَثْمَانٌ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ إلَى آخِرِ النَّهْرِ وَعِنْدَهُمَا الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِمْ اعْتِبَارًا مِنْ أَوَّلِ النَّهْرِ إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّ لِصَاحِبِ الْأَعْلَى حَقًّا فِي أَسْفَلِ النَّهْرِ، وَهُوَ تَسْيِيلُ الْفَاضِلِ عَنْ حَاجَتِهِ مِنْ الْمَاءِ فِيهِ فَإِذَا سَدَّ ذَلِكَ فَاضَ الْمَاءُ عَلَى أَرْضِهِ فَأَفْسَدَ زَرْعَهُ فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَنْتَفِعُ بِالنَّهْرِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَسْتَحِقَّ الشُّفْعَةَ بِمِثْلِ هَذَا النَّهْرِ، وَحَقُّ أَهْلِ الْأَعْلَى، وَأَهْلِ الْأَسْفَلِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فَإِذَا اسْتَوَوْا فِي الْغُنْمِ يَسْتَوُونَ فِي الْغُرْمِ أَيْضًا، وَهُوَ مُؤْنَةُ الْكِرَاءِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ مُؤْنَةُ الْكِرَاءِ عَلَى مَنْ يَنْتَفِعُ بِالنَّهْرِ بِسَقْيِ الْأَرْضِ مِنْهُ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الشُّقَّةِ مِنْ مُؤْنَةِ الْكِرَاءِ شَيْءٌ، وَإِذَا جَاوَزَ الْكِرَاءُ أَرْضَ رَجُلٍ فَلَيْسَ لَهُ فِي كِرَاءِ مَا بَقِيَ مَنْفَعَةُ سَقْيِ الْأَرْضِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ مُؤْنَةِ الْكِرَاءِ ثُمَّ مَنْفَعَتُهُ فِي أَسْفَلِ النَّهْرِ مِنْ حَيْثُ إجْرَاءُ فَضْلِ الْمَاءِ فِيهِ، وَصَاحِبُ الْمَسِيلِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ عِمَارَةِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِاعْتِبَارِ تَسْيِيلِ الْمَاءِ فِيهِ (أَلَا تَرَى) أَنَّ مَنْ لَهُ حَقُّ تَسْيِيلِ مَاءِ سَطْحِهِ عَلَى سَطْحِ جَارِهِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ عِمَارَةِ سَطْحِ جَارِهِ بِهَذَا الْحَقِّ ثُمَّ هُوَ يَتَمَكَّنُ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ بِدُونِ كَرِي أَسْفَلِ النَّهْرِ بِأَنْ يَسُدَّ فُوَّهَةَ النَّهْرِ مِنْ أَعْلَاهُ إذَا اسْتَغْنَى عَنْ الْمَاءِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْحَاجَةَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي الْتِزَامِ مُؤْنَةِ الْكِرَاءِ الْحَاجَةُ إلَى سَقْيِ الْأَرْضِ. فَرَّعَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا ﵏ أَنَّ الْكِرَاءَ إذَا انْتَهَى إلَى فُوَّهَةِ أَرْضِهِ مِنْ النَّهْرِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مُؤْنَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ عَلَيْهِ مُؤْنَةَ الْكِرَاءِ إلَى أَنْ يُجَاوِزَ حَدَّ أَرْضِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ لَهُ رَأْيًا فِي اتِّحَادِ فُوَّهَةِ الْأَرْضِ مِنْ أَعْلَاهَا، وَأَسْفَلِهَا فَهُوَ مُنْتَفِعٌ بِالْكِرَاءِ مَنْفَعَةَ سَقْيِ الْأَرْضِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ أَرْضَهُ، وَيَخْتَلِفُونَ فِيمَا إذَا جَاوَزَ الْكِرَاءُ أَرْضَ رَجُلٍ فَسَقَطَ عَنْهُ مُؤْنَةُ الْكِرَاءِ هَلْ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ الْمَاءَ لِسَقْيِ أَرْضِهِ. مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكِرَاءَ قَدْ انْتَهَى فِي حَقِّهِ حِينَ سَقَطَتْ مُؤْنَته، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَفْرُغْ شُرَكَاؤُهُ مِنْ الْكَرِي كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْكُرَ عَلَى شُرَكَائِهِ فَيَخْتَصُّ بِالِانْتِفَاعِ بِالْمَأْذُونِ شُرَكَاؤُهُ، وَلِأَجْلِ التَّحَرُّزِ عَنْ هَذَا الْخِلَافِ جَرَى الرَّسْمُ بِأَنْ يُوجَدَ فِي الْكِرَاءِ مِنْ أَسْفَلِ النَّهْرِ أَوْ يَتْرُكَ بَعْضَ النَّهْرِ مِنْ أَعْلَاهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ أَسْفَلِهِ قَالَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِيمَا أَعْلَمُ لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الشُّقَّةِ مِنْ الْكِرَاءِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُحْصَوْنَ فَمُؤْنَةُ الْكِرَاءِ لَا تُسْتَحَقُّ عَلَى قَوْمٍ لَا يُحْصَوْنَ؛ وَلِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ الشُّفْعَةَ لِحَقِّ الشُّفْعَةِ؛ وَلِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ، وَالْمُؤْنَةُ عَلَى الْأُصُولِ دُونَ الْأَتْبَاعِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الدِّيَةَ فِي الْقَتِيلِ الْمَوْجُودِ فِي الْمَحَلَّةِ عَلَى عَاقِلَةِ أَصْحَابِ الْحِطَّةِ دُونَ الْمُشْتَرِينَ، وَالسُّكَّانِ. قَالَ: وَالْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا شُرَكَاءُ فِي الْفُرَاتِ، وَفِي كُلِّ نَهْرٍ عَظِيمٍ أَوْ وَادٍ يَسْتَقُونَ مِنْهُ، وَيَسْقُونَ مِنْهُ

стр. 4763

الشُّقَّةَ، وَالْخُفَّ، وَالْحَافِرَ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَنْهَارِ كَالِانْتِفَاعِ بِالطُّرُقِ الْعَامَّةِ فَكَمَا لَا يَمْنَعُ أَحَدٌ أَحَدًا مِنْ التَّطَرُّقِ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ فَكَذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَذَا النَّهْرِ الْعَظِيمِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ فِي هَذِهِ الْأَنْهَارِ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ حَقٌّ عَلَى الْخُصُوصِ فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ قَهْرِ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ قَهْرَ الْمَاءِ يَمْنَعُ قَهْرَ غَيْرِهِ فَالِانْتِفَاعُ بِهِ كَالِانْتِفَاعِ بِالشَّمْسِ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ شِرْبُ أَرْضِهِمْ، وَنَخْلِهِمْ، وَشَجَرِهِمْ، لَا يُحْبَسُ عَنْ أَحَدٍ دُونَ أَحَدٍ، وَإِنْ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يُكْرِيَ مِنْهُ نَهْرًا فِي أَرْضِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَضُرُّ بِالنَّهْرِ الْأَعْظَمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِهِ فَلَهُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ فِي الطَّرِيقِ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَضُرَّ بِالْمَارَّةِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِهِمْ فِي الْمَنْعِ مِنْ التَّطَرُّقِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فَكَذَلِكَ فِي النَّهْرِ الْأَعْظَمِ فَإِنَّ كَسْرَ ضِفَّةِ النَّهْرِ الْأَعْظَمِ رُبَّمَا يَضُرُّ بِالنَّاسِ ضَرَرًا عَامًّا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَاءَ يُفِيضُ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ ﵊ «لَا ضَرَرَ، وَلَا ضِرَارَ» فِي الْإِسْلَامِ، وَعِنْدَ خَوْفِ الضَّرَرِ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، وَعَلَى السُّلْطَانِ كِرَاءُ هَذَا النَّهْرِ الْأَعْظَمِ إنْ احْتَاجَ إلَى الْكِرَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَاجَةِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَالُ بَيْتِ الْمَالِ مُعَدٌّ لِذَلِكَ فَإِنَّ مَالَ الْمُسْلِمِينَ أُعِدَّ لِلصَّرْفِ إلَى مَصَالِحِهِمْ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ مَالَ الْقَنَاطِرِ، وَالْجُسُورِ، وَالرِّبَاطَاتِ عَلَى الْإِمَامِ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ فَكَذَا كِرَاءُ هَذَا النَّهْرِ الْأَعْظَمِ، وَكَذَلِكَ إصْلَاحُ مَسَنَّاتِهِ إنْ خَافَ مِنْهُ غَرَقًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ فَلَهُ أَنْ يُجْبِرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ، وَيُحْرِجَهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِيهِ لِلْعَامَّةِ فَفِي تَرْكِهِ ضَرَرٌ عَامٌّ، وَالْإِمَامُ نُصِّبَ نَاظِرًا فَيَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ فِيمَا كَانَ الضَّرَرُ فِيهِ عَامًّا؛ لِأَنَّ الْعَامَّةَ قَلَّ مَا يُنْفِقُونَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إجْبَارٍ، وَفِي نَظِيرِهِ قَالَ عُمَرُ ﵁ لَوْ تُرِكْتُمْ لَبِعْتُمْ أَوْلَادَكُمْ، وَلَيْسَ هَذَا النَّهْرَ خَاصٌّ لِقَوْمٍ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْقِيَ مِنْ نَهْرِهِمْ أَرْضَهُ، وَشَجَرَهُ، وَزَرْعَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَرِكَةٌ خَاصَّةٌ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ بِهِ الشُّفْعَةُ بِخِلَافِ الشَّرِكَةِ فِي الْوَادِي، وَالْأَنْهَارِ الْعِظَامِ فَإِنَّهُ لَا تُسْتَحَقُّ بِهِ الشُّفْعَةُ ثُمَّ فِي الشَّرِكَةِ الْخَاصَّةِ التَّدْبِيرُ فِي الْكِرَاءِ إلَيْهِمْ، وَمُؤْنَةُ الْكِرَاءِ عَلَيْهِمْ فِي مَالِهِمْ، وَإِنْ طَلَبَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يُجْبِرَ الْبَاقِينَ عَلَى ذَلِكَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ فَأَمَّا إذَا اتَّفَقُوا عَلَى تَرْكِ الْكِرَاءِ فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يُجْبِرُهُمْ الْإِمَامُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا لَوْ امْتَنَعُوا مِنْ عِمَارَةِ أَرَاضِيهمْ، وَدُورِهِمْ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا ﵏ يُجْبِرُهُمْ عَلَى ذَلِكَ لِحَقِّ أَصْحَابِ الشُّقَّةِ فِي النَّهْرِ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَسَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ عَنْ الرَّجُلِ اسْتَأْجَرَ النَّهْرَ يَصِيدُ فِيهِ السَّمَكَ أَوْ اسْتَأْجَرَ جِهَةً يَصِيدُ

стр. 4764

فِيهَا السَّمَكَ قَالَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذَا الِاسْتِئْجَارِ مَا هُوَ عَيْنٌ، وَهُوَ السَّمَكُ؛ وَلِأَنَّ السَّمَكَ فِي النَّهْرِ وَالْأَجَمَةِ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ لَا اخْتِصَاصَ بِهِ لِصَاحِبِ النَّهْرِ وَالْأَجَمَةِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعِوَضَ عَنْهُمْ بِطَرِيقِ الْإِجَارَةِ، وَالْبَيْعِ ثُمَّ اسْتِئْجَارُ النَّهْرِ لِصَيْدِ السَّمَكِ كَاسْتِئْجَارِ الْمَقَابِضِ لِلِاصْطِيَادِ فِيهَا، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ بَابِ الْغَرَرِ. وَلَوْ اشْتَرَى عُشْرَ نَهْرٍ أَوْ عُشْرَ قَنَاةٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ عَيْنِ مَاءٍ بِأَرْضِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ أَصْلَهَا مَمْلُوكَةٌ فَقَدْ اشْتَرَى جُزْءًا مَمْلُوكًا مَعْلُومًا مِنْ عَيْنٍ مَمْلُوكَةٍ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى الشِّرْبَ بِغَيْرِ أَرْضِهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَاعَ عُشْرَ الطَّرِيقِ يَجُوزُ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَ حَقَّ التَّطَرُّقِ فِيهِ. وَلَوْ اسْتَأْجَرَ حَوْضًا أَوْ بِرْكَةً أَوْ بِئْرًا يَسْتَقِي مِنْهُ الْمَاءَ كُلَّ شَهْرٍ بِأَجْرٍ مُسَمًّى لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَاءُ، وَهُوَ عَيْنٌ لَا يَسْتَحِقُّ إتْلَافَهُ بِالْإِجَارَةِ. نَهْرٌ جَارٍ لِرَجُلٍ فِي أَرْضِ رَجُلٍ فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمُسَنَّاةَ، وَلَا يُعْرَفُ فِي يَدِ مَنْ هِيَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ هِيَ لِرَبِّ الْأَرْضِ يَغْرِسُ فِيهَا مَا بَدَا لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَهْدِمَهَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ الْمُسَنَّاةُ لِصَاحِبِ النَّهْرِ، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ حَفَرَ نَهْرًا بِإِذْنِ الْإِمَامِ فِي مَوْضِعٍ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَسْتَحِقُّ لَهُ حَرِيمًا وَعِنْدَهُمَا يَسْتَحِقُّ لَهُ حَرِيمًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ لِمُلْقَى طِينِهِ، وَالْمَشْيُ عَلَيْهِ لِإِجْرَاءِ الْمَاءِ فِي النَّهْرِ، وَحَرِيمُ النَّهْرِ عِنْدَهُمَا بِقَدْرِ عَرْضِ النَّهْرِ حَتَّى إذَا كَانَ قَدَّرَ عَرْضَ النَّهْرِ بِقَدْرِ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فَلَهُ مِنْ الْحَرِيمِ بِقَدْرِ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا، وَفِي اخْتِيَارِ الطَّحَاوِيِّ ﵀ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ذِرَاعٌ، وَنِصْفٌ فِيمَا نَقَلَ عَنْهُ الْكَرْخِيُّ ﵀ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ بِقَدْرِ عَرْضِ النَّهْرِ عِنْدَهُمَا فَاسْتِحْقَاقُ الْحَرِيمِ لِأَجَلِ الْحَاجَةِ، وَصَاحِبُ النَّهْرِ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ كَصَاحِبِ الْبِئْرِ، وَالْعَيْنِ، وَمَتَى كَانَ الْمَعْنَى فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مَعْلُومًا تَعَدَّى الْحُكْمَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى إلَى الْفَرْعِ، وَحَاجَةُ صَاحِبِ النَّهْرِ إلَى الْمَشْيِ عَلَى حَافَّتَيْ النَّهْرِ لِيُجْرِيَ الْمَاءَ فِي النَّهْرِ إذَا احْتَبَسَ بِشَيْءٍ وَقَعَ فِي النَّهْرِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَمْشِيَ فِي وَسَطِ النَّهْرِ، وَكَذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى مَوْضِعٍ يُلْقِي فِيهِ الطِّينَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ عِنْدَ الْكِرَاءِ لِمَا فِي النَّقْلِ إلَى أَسْفَلِهِ مِنْ الْحَرَجِ مَا لَا يَخْفَى وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ اسْتِحْقَاقُ الْحَرِيمِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ، وَجْهٍ، وَالنَّهْرُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْبِئْرِ، وَالْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْحَرِيمِ هُنَاكَ مُتَحَقِّقَةٌ فِي الْحَالِ، وَهُنَا الْحَاجَةُ مَوْهُومَةٌ بِاعْتِبَارِ الْكِرَاءِ، وَقَدْ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ، وَقَدْ لَا يَحْتَاجُ ثُمَّ هُنَاكَ الِانْتِفَاعُ لَا يَتَأَتَّى بِالْبِئْرِ بِدُونِ الْحَرِيمِ، وَهُنَا يَتَأَتَّى إلَّا فِي أَنْ يُلْحِقَهُ ذَلِكَ بَعْضَ الْحَرَجِ فِي نَقْلِ الطِّينِ أَوْ الْمَشْيِ فِي، وَسَطِ النَّهْرِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ يُؤْخَذُ فِيهِ بِأَصْلِ الْقِيَاسِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ مَنْ بَنَى قَصْرًا فِي مَغَارَةٍ لَا يَسْتَحِقُّ لِذَلِكَ

стр. 4765

حَرِيمًا، وَإِنْ كَانَ وَقَدْ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ لِإِلْقَاءِ الْكُنَاسَةِ فِيهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْحَرِيمِ لَا يَكُونُ بِدُونِ التَّقْدِيرِ فِيهِ، وَنَصْبُ الْمَقَادِيرِ بِالرَّأْيِ لَا يَكُونُ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مِنْ أَصْلِهِمَا أَنَّ صَاحِبَ النَّهْرِ يَسْتَحِقُّ الْحَرِيمَ قُلْنَا عِنْدَ الْمُنَازَعَةِ الظَّاهِرُ شَاهِدٌ لَهُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَمَّا كَانَ لَا يَسْتَحِقُّ لِلنَّهْرِ حَرِيمًا فَالظَّاهِرُ شَاهِدٌ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، وَعَلَى سَبِيلِ الِابْتِدَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُمَا يَقُولَانِ عِنْدَ الْمُنَازَعَةِ الْقَوْلُ قَوْلُ ذِي الْيَدِ، وَصَاحِبُ النَّهْرِ مُسْتَعْمِلٌ لِحَرِيمِ النَّهْرِ لِاسْتِمْسَاكِ الْمَاءِ فِي النَّهْرِ، وَإِلْقَاءِ الطِّينِ عَلَيْهِ، وَالِاسْتِعْمَالُ يَدْفَعُهَا فَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُ فِي يَدِهِ جَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَهُ كَمَا لَوْ اخْتَصَمَا فِي ثَوْبٍ، وَأَحَدُهُمَا لَابِسُهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ الْحَرِيمُ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ صَالِحٌ لِمَا تَصْلُحُ لَهُ الْأَرْضُ، وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ النَّهْرِ، وَمِنْ حَيْثُ الِانْتِفَاعِ كَمَا أَنَّ صَاحِبَ النَّهْرِ يَمْسِكُ الْمَاءَ بِالْحَرِيمِ فِي نَهْرِهِ فَصَاحِبُ الْأَرْضِ يَدْفَعُ الْمَاءَ بِالْحَرِيمِ عَنْ أَرْضِهِ فَقَدْ اسْتَوَيَا فِي اسْتِعْمَالِ الْحَرِيمِ، وَيَتَرَجَّحُ جَانِبُ صَاحِبِ الْأَرْضِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَا فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ فَلَهُ أَنْ يَغْرِسَ فِيهِ مَا بَدَا لَهُ مِنْ الْأَشْجَارِ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَهْدِمَهُ؛ لِأَنَّ لِصَاحِبِ النَّهْرِ حَقُّ اسْتِمْسَاكِ الْمَاءِ فِي نَهْرِهِ فَلَا يَكُونُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يُبْطِلَ حَقَّهُ بِهَدْمِهِ بِمَنْزِلَةِ حَائِطٍ لِرَجُلٍ، وَلِآخَرَ عَلَيْهِ جُذُوعٌ لَا يَكُونُ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ أَنْ يَهْدِمَ الْحَائِطَ، وَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ لِمُرَاعَاةِ حَقِّ صَاحِبِ الْجُذُوعِ. وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِرَجُلٍ اسْقِنِي يَوْمًا مِنْ نَهَرِك عَلَى أَنْ أَسْقِيك يَوْمًا مِنْ نَهْرِي الَّذِي فِي مَكَانِ كَذَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ مُعَاوَضَةَ الْمَاءِ بِالْمَاءِ لَا تَجُوزُ وَإِنْ كَانَ الْبَدَلُ مَعْلُومًا لِجَهَالَةِ الشِّرْبِ وَمَعْنَى الْغَرَرِ فَلَأَنْ لَا تَجُوزُ مُعَاوَضَةُ الشِّرْبِ بِالشِّرْبِ، وَمَعْنَى الْغَرَرِ، وَالْجَهَالَةِ فِيهِ أَظْهَرُ وَأَوْلَى، وَكَذَا لَوْ قَالَ اسْقِنِي يَوْمًا نَخْدُمُك عَبْدِي هَذَا شَهْرًا أَوْ بِرَقَبَتِهِ أَوْ بِرُكُوبِ دَابَّتِي هَذِهِ شَهْرًا أَوْ بِرُكُوبِهَا كَذَا كَذَا يَوْمًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهُوَ كُلُّهُ بَاطِلٌ لِمَعْنَى الْغَرَرِ، وَالْجَهَالَةِ، وَعَلَى الَّذِي أَخَذَ الْعَبْدَ رَدُّهُ إنْ كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ، وَقِيمَتُهُ إنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا، وَإِنْ كَانَ شَرَطَ خِدْمَتَهُ شَهْرًا، وَقَدْ اسْتَوْفَاهَا فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ خِدْمَةَ الْعَبْدِ، وَرَقَبَتَهُ مَحَلٌّ لِلْعَقْدِ فَإِذَا اسْتَوْفَاهُ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ كَانَ عَلَيْهِ عِوَضُهُ، وَلَيْسَ لَهُ بِمَا أَخَذَ الْآخَرُ مِنْ شِرْبِهِ قِيمَةٌ، وَلَا عِوَضٌ؛ لِأَنَّ الشِّرْبَ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْعَقْدِ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْعَقْدُ فَاسِدًا، وَلَا جَائِزًا، وَكُلُّ عَقْدٍ لَا جَوَازَ لَهُ بِحَالٍ فَهُوَ كَالْإِذْنِ فَكَمَا أَنَّهُ لَوْ سَقَى أَرْضَهُ بِإِذْنِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ عِوَضِ الْمَاضِي فَكَذَا بِحُكْمِ الْعَقْدِ الْبَاطِلِ فِيهِ لَا يَتَقَوَّمُ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. وَسُئِلَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ نَهْرِ مَرْوَ، وَهُوَ نَهْرٌ عَظِيمٌ قَرِيبٌ مِنْ الْفُرَاتِ إذَا دَخَلَ مَرْوَ كَانَ مَاؤُهُ قِسْمَةً بَيْنَ أَهْلِهِ بِالْحِصَصِ لِكُلِّ قَوْمٍ كُوًى مَعْرُوفَةٌ فَأَخَذَ رَجُلٌ أَرْضًا كَانَتْ مَوَاتًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ ذَلِكَ
следующие страницы →