Полный текст (6 278 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.
стр. 5356
عَاقِلَةِ الْحُرِّ، ثُمَّ يَأْخُذُهَا وَرَثَةُ الْحُرِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَارَ قَاتِلًا لِصَاحِبِهِ فَيَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْحُرِّ قِيمَةُ الْعَبْدِ، ثُمَّ إنْ تَلِفَ الْعَبْدُ الْجَانِي وَأَخْلَفَ بَدَلًا فَيَكُونُ بَدَلُهُ لِوَرَثَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْحُرُّ.
، وَإِذَا أَوْقَفَ الرَّجُلُ دَابَّتَهُ فِي مِلْكِهِ فَمَا أَصَابَتْ بِيَدٍ، أَوْ رِجْلٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي إيقَافِهَا فِي مِلْكِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمِلْكُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُوقِفَ دَابَّتَهُ فِي الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ وَيَسْتَوِي إنْ قَلَّ نَصِيبُهُ فِيهَا أَوْ كَثُرَ (أَرَأَيْت) لَوْ قَعَدَ فِي الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ، أَوْ تَوَضَّأَ فَعَطِبَ إنْسَانٌ بِوُضُوئِهِ أَكُنْتُ أُضَمِّنُهُ ذَلِكَ لَا أُضَمِّنُهُ شَيْئًا مِنْ هَذَا.
وَإِذَا سَارَ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فَضَرَبَهَا، أَوْ كَبَحَهَا بِاللِّجَامِ فَنَفَحَتْ بِرِجْلِهَا، أَوْ بِذَيْلِهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى ضَرْبِهَا، أَوْ كَبْحِهَا بِاللِّجَامِ فِي تَسْيِيرِهَا وَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْ النَّفْحَةِ بِالرِّجْلِ، وَالذَّنَبِ وَلَوْ خَبَطَتْ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ، أَوْ كَدَمَتْ، أَوْ صَدَمَتْ فَقَتَلَتْ إنْسَانًا، فَالضَّمَانُ عَلَى الرَّاكِبِ سَوَاءٌ كَانَ يَمْلِكُهَا، أَوْ لَا يَمْلِكُهَا؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ هَذَا كُلِّهِ مُمْكِنٌ وَلَوْ سَقَطَ عَنْهَا، ثُمَّ ذَهَبَتْ عَلَى وَجْهِهَا فَقَتَلَتْ إنْسَانًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا مُنْفَلِتَةٌ فَاَلَّذِي سَقَطَ مِنْهَا لَيْسَ بِرَاكِبٍ وَلَا قَائِدٍ وَلَا سَائِقٍ، وَالْمُنْفَلِتَةُ جُرْحُهَا جُبَارٌ؛ لِأَنَّهَا عَجْمَاءُ بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» وَهِيَ الْمُنْفَلِتَةُ عِنْدَنَا. ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 5357
[بَابُ النَّاخِسِ]
قَالَ ﵀) وَإِذَا سَارَ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّةٍ فِي الطَّرِيقِ فَنَخَسَهَا رَجُلٌ أَوْ ضَرَبَهَا فَنَفَحَتْ بِرِجْلِهَا رَجُلًا فَقَتَلَتْهُ كَانَ ذَلِكَ عَلَى النَّاخِسِ دُونَ الرَّاكِبِ لِأَنَّ نَخْسَهُ جِنَايَةٌ فَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا تَكُونُ النَّفْحَةُ بِالرِّجْلِ جُبَارًا إذَا كَانَ يَسِيرُ فِي الطَّرِيقِ قَالَ: بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَإِنْ نَفَحَتْ النَّاخِسَ كَانَ دَمُهُ هَدَرًا لِأَنَّ ذَلِكَ تَوَلَّدَ مِنْ نَخْسِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَنَى عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ أَلْقَتْ الرَّاكِبَ مِنْ تِلْكَ النَّخْسَةِ فَقَتَلَتْهُ كَانَتْ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ النَّاخِسِ لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ ذَلِكَ مِنْ نَخْسِهِ وَجِنَايَتِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ وَثَبَتَ مِنْ نَخْسِهِ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَتْهُ أَوْ وَطِئَتْ رَجُلًا فَقَتَلَتْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ تَوَلَّدَ مِنْ جِنَايَتِهِ وَالْوَاقِفَةُ فِي ذَلِكَ وَاَلَّتِي تَسِيرُ سَوَاءٌ لِأَنَّ ذَلِكَ تَوَلَّدَ مِنْ نَخْسِهِ فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
قَالَ: وَلَوْ نَخَسَهَا بِإِذْنِ الرَّاكِبِ كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ فِعْلِ الرَّاكِبِ لَوْ نَخَسَهَا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي نَفْحَتِهَا وَهِيَ تَسِيرُ لِأَنَّ النَّفْحَةَ فِي حَالِ السَّيْرِ هَدَرٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «الرِّجْلُ جُبَارٌ» وَلَوْ وَطِئَتْ رَجُلًا فِي سَيْرِهَا وَقَدْ نَخَسَهَا هَذَا بِإِذْنِ الرَّاكِبِ كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا إذَا كَانَ فِي فَوْرِهَا الَّذِي نَخَسَهَا فِيهِ لِأَنَّهُ لَمَّا نَخَسَ بِإِذْنِ الرَّاكِبِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ السَّائِقِ وَالرَّاكِبِ سَائِقًا وَرَاكِبًا كَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ وَهَذَا إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْفَوْرِ الَّذِي نَخَسَهَا فِيهِ فَأَمَّا إذَا انْقَطَعَ ذَلِكَ الْفَوْرُ كَمَا إذَا سَارَتْ سَاعَةً وَتَرَكَهَا مِنْ السَّوْقِ فَالضَّمَانُ عَلَى الرَّاكِبِ خَاصَّةً لِأَنَّ فِعْلَ النَّاخِسِ قَدْ انْقَطَعَ وَبَقِيَ فِعْلُ الرَّاكِبِ.
قَالَ: وَإِذَا نَخَسَ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ وَلَهَا سَائِقٌ بِغَيْرِ إذْنِ السَّائِقِ فَنَفَحَتْ رَجُلًا فَقَتَلَتْهُ فَالضَّمَانُ عَلَى النَّاخِسِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهَا قَائِدٌ لِأَنَّ ذَلِكَ تَوَلَّدَ مِنْ نَخْسِهِ وَإِنْ نَخَسَ بِإِذْنِ السَّائِقِ أَوْ بِإِذْنِ الْقَائِدِ فَنَفَحَتْ رَجُلًا فَقَتَلَتْهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهِمَا لِأَنَّ النَّاخِسَ صَارَ سَائِقًا وَالنَّفْحَةُ بِالرِّجْلِ جُبَارٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
قَالَ وَإِذَا قَادَ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ فَنَخَسَهَا رَجُلٌ آخَرُ فَانْفَلَتَتْ مِنْ الْقَائِدِ ثُمَّ
стр. 5358
أَصَابَتْ فِي فَوْرِهَا ذَلِكَ فَضَمَانُ ذَلِكَ عَلَى النَّاخِسِ لِأَنَّ حُكْمَ قَوَدِهِ قَدْ انْقَطَعَ وَصَارَ النَّاخِسُ جَانِيًا فَضَمَانُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ النَّاخِسُ عَبْدًا فَجِنَايَةُ الدَّابَّةِ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ يُدْفَعُ بِهَا أَوْ يَفْدِي لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ جِنَايَتِهِ بِيَدِهِ.
وَإِنْ كَانَ النَّاخِسُ صَبِيًّا فَهُوَ كَالرَّجُلِ فِي أَنَّ ضَمَانَ الدِّيَةِ يَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَإِنْ مَرَّتْ الدَّابَّةُ بِشَيْءٍ نُصِبَ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ فَنَخَسَهَا ذَلِكَ الشَّيْءُ فَنَفَحَتْ إنْسَانًا فَقَتَلَتْهُ فَهُوَ عَلَى الَّذِي نَصَبَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي نَصْبِ ذَلِكَ الشَّيْءَ فِي الطَّرِيقِ فَكَانَ نَخْسُ ذَلِكَ الشَّيْءِ لِلدَّابَّةِ بِمَنْزِلَةِ نَخْسِ الَّذِي نَصَبَهُ.
وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ يَسِيرُ فِي الطَّرِيقِ فَأَمَرَ عَبْدًا لِغَيْرِهِ فَنَخَسَ دَابَّتَهُ فَنَفَحَتْ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ كَفِعْلِ الْآمِرِ عَبْدًا كَانَ الْمَأْمُورُ أَوْ حُرًّا فَإِنْ وَطِئَتْ فِي فَوْرِهَا ذَلِكَ إنْسَانًا فَقَتَلَتْهُ فَعَلَى عَاقِلَةِ الرَّاكِبِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي عُنُقِ الْعَبْدِ نِصْفُ الدِّيَةِ يَدْفَعُهَا مَوْلَاهُ أَوْ يَفْدِيهِ بِمَنْزِلَةِ السَّائِقِ مَعَ الرَّاكِبِ إلَّا أَنَّ الْمَوْلَى يَرْجِعُ عَلَى الْآمِرِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَمِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ لِأَنَّهُ صَارَ لِلْعَبْدِ غَاصِبًا بِاسْتِعْمَالِهِ إيَّاهُ فِي نَخْسِ الدَّابَّةِ فَإِذَا لَحِقَهُ ضَمَانٌ بِذَلِكَ السَّبَبِ كَانَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْمُسْتَعْمِلِ لَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَرَهُ بِالسَّوْقِ أَوْ بِقَوْدِ الدَّابَّةِ.
وَلَوْ كَانَ الرَّاكِبُ عَبْدًا فَأَمَرَ عَبْدًا آخَرَ فَسَاقَ دَابَّتَهُ فَأَوْطَأَتْ إنْسَانًا فَقَتَلَتْهُ فَالدِّيَةُ فِي أَعْنَاقِهِمَا نِصْفَيْنِ يُدْفَعَانِ بِهَا أَوْ يَفْدِيَانِ بِمَنْزِلَةِ السَّائِقِ مَعَ الرَّاكِبِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّاكِبِ لِمَوْلَى الْعَبْدِ الْمَأْمُورِ إذَا كَانَ الرَّاكِبُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ حَتَّى يُعْتَقَ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ هَذَا الضَّمَانِ اسْتِعْمَالُهُ إيَّاهُ بِالْقَوْلِ وَالْمَحْجُورُ لَا يُؤَاخَذُ بِضَمَانِ الْقَوْلِ حَتَّى يُعْتَقَ وَإِذَا عَتَقَ كَانَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْمَأْمُورِ وَإِنْ كَانَ تَاجِرًا أَوْ مُكَاتَبًا فَهُوَ دَيْنٌ فِي عُنُقِهِ لِأَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِضَمَانِ الْقَوْلِ فَكَذَلِكَ السَّائِقُ فِي الْحَالِ
وَإِذَا أَقَادَ الرَّجُلُ قِطَارًا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَمَا وَطِئَ أَوَّلُ الْقِطَارِ وَآخِرُهُ فَالْقَائِدُ ضَامِنٌ لَهُ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ سَائِقٌ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ الْقَائِدَ مُقَرِّبٌ مَا أَصَابَ بِالصَّدْمَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ السَّائِقُ مُقَرِّبٌ مِنْ ذَلِكَ وَمُشْتَرِكَانِ فِي الضَّمَانِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَبِ وَهَذَا لِأَنَّ السَّوْقَ وَالْقَوْدَ فِي الطَّرِيقِ مُبَاحٌ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ بِمَنْزِلَةِ الرُّكُوبِ فَكَمَا أَنَّ الرَّاكِبَ يُجْعَلُ ضَامِنًا بِمَا تَلِفَ بِسَبَبٍ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَكَذَلِكَ السَّائِقُ وَالْقَائِدُ وَالْمَعْنَى فِي الْكُلِّ أَنَّ الدَّابَّةَ فِي يَدِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُتَحَرَّزَ عَمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فِي صَرْفِ الدَّابَّةِ بِسَوْقِهِ أَوْ بِقَوْدِهِ وَإِنْ كَانَ مَعَهَا سَائِقٌ لِلْإِبِلِ وَسَطَ الْقِطَارِ فَالضَّمَانُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا لِأَنَّ الَّذِي هُوَ فِي وَسَطِ الْقِطَارِ سَائِقٌ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّزَ عَمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ مِنْ الْإِبِلِ قَائِدًا لِمَا خَلْفَهُ وَالسَّائِقُ وَالْقَائِدُ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ سَوَاءٌ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ يَكُونُ أَحْيَانَا وَسَطَهَا وَأَحْيَانَا يَتَقَدَّمُ
стр. 5359
وَأَحْيَانَا يَتَأَخَّرُ لِأَنَّهُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ سَائِقٌ لِلْقِطَارِ أَوْ قَائِدٌ.
وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ رَاكِبًا وَسَطَ الْقِطَارِ عَلَى بَعِيرٍ وَلَا يَسُوقُ مِنْهَا شَيْئًا لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا مِمَّا تُصِيبُ الْإِبِلُ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَائِقٍ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنْ ثَقُلَ السَّوْقُ فِي الزَّجْرِ عَلَى الْإِبِلِ وَالضَّرْبُ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مَعَهُمْ فِي الضَّمَانِ فِيمَا أَصَابَ الْبَعِيرُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ وَمَا خَلْفَهُ أَمَّا مَا فِي الْبَعِيرِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ فَلِأَنَّهُ رَاكِبٌ وَالرَّاكِبُ شَرِيكُ السَّائِقِ وَالْقَائِدِ فِي الضَّمَانِ وَأَمَّا مَا خَلْفَهُ فَلِأَنَّهُ قَائِدٌ لِمَا خَلْفَهُ لِأَنَّ مَا خَلْفَهُ زِمَامُهُ مَرْبُوطٌ بِبَعِيرِهِ وَمَشْيُ الْبَعِيرِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ يُضَافُ إلَى الرَّاكِبِ فَيُجْعَلُ هُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى كَالْقَائِدِ لِمَا خَلْفَهُ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: هَذَا إذَا كَانَ زِمَامُ مَا خَلْفَهُ يَقُودُهُ بِيَدِهِ وَأَمَّا إذَا كَانَ هُوَ نَائِمًا عَلَى بَعِيرِهِ أَوْ قَاعِدًا لَا يَفْعَلُ شَيْئًا لَا يَكُونُ بِهِ قَائِدًا لِمَا خَلْفَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ فِي حَقِّ مَا خَلْفَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَتَاعِ الْمَوْضُوعِ عَلَى بَعِيرِهِ.
وَإِذَا أَتَى الرَّجُلُ بِبَعِيرٍ فَرَبَطَهُ إلَى الْقِطَارِ وَالْقَائِدُ لَا يَعْلَمُ وَلَيْسَ مَعَهَا سَائِقٌ فَأَصَابَ ذَلِكَ الْبَعِيرُ إنْسَانًا ضَمِنَ الْقَائِدُ لِأَنَّهُ قَائِدٌ لِذَلِكَ الْبَعِيرِ وَالْقَوْدُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ وَمَعَ تَحَقُّقِ سَبَبِ الضَّمَانِ لَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ لِجَهْلِهِ ثُمَّ يَرْجِعُ الْقَائِدُ عَلَى الَّذِي رَبَطَ الْبَعِيرَ بِذَلِكَ الضَّمَانِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَلْزَمَهُ ذَلِكَ الضَّمَانَ حِين رَبَطَ الْبَعِيرَ بِقِطَارِهِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِيمَا صَنَعَ فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الضَّمَانِ وَلَوْ كَانَ الْبَعِيرُ وَاقِعًا حِينَ رَبَطَهُ بِالْقِطَارِ ثُمَّ قَادَ فَأَصَابَ ذَلِكَ الْبَعِيرُ شَيْئًا فَالضَّمَانُ عَلَى الْقَائِدِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الَّذِي رَبَطَ الْبَعِيرَ بِذَلِكَ الضَّمَانِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي رَبَطَ الْبَعِيرَ بِقِطَارِهِ كَانَ هُوَ السَّبَبُ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الضَّمَانِ فَيَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِهِ عَلَيْهِ وَفِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا إنْ عَلِمَ صَاحِبُ الْقِطَارِ وَقَادَ الْقِطَارَ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الرَّابِطِ بِشَيْءٍ مِنْ الضَّمَانِ لِأَنَّهُ بَعْدَ مَا عَلِمَ لَمَّا قَادَ الْقِطَارَ فَقَدْ صَارَ ضَامِنًا بِفِعْلِهِ فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ رَبَطَ بِأَمْرِهِ.
وَلَوْ سَقَطَ شَيْءٌ مِمَّا يَحْمِلُ الْإِبِلُ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ أَوْ سَقَطَ بِالطَّرِيقِ فَعَثَرَ فَمَاتَ كَانَ الضَّمَانُ فِي ذَلِكَ عَلَى الَّذِي يَقُودُ الْإِبِلَ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ سَائِقٌ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ بِأَنْ يَشُدَّ الْحَمْلَ عَلَى الْبَعِيرِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْقُطُ وَإِنَّمَا يَسْقُطُ لِتَقْصِيرٍ كَانَ مِنْ الْقَائِدِ وَالسَّائِقِ فِي الشَّدِّ فَكَأَنَّهُ أَسْقَطَ ذَلِكَ بِيَدِهِ فَيَكُونُ ضَامِنًا لِمَا تَلِفَ بِسُقُوطِهِ عَلَيْهِ وَلِمَنْ يَعْثُرُ بِهِ بَعْدَ مَا سَقَطَ فِي الطَّرِيقِ لِأَنَّهُ شَيْءٌ أَحْدَثَهُ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِذَا سَارَ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي الطَّرِيقِ فَعَثَرَ بِحَجَرٍ وَضَعَهُ رَجُلٌ أَوْ بُدٍّ كَانَ قَدْ بَنَاهُ رَجُلٌ أَوْ بِمَاءٍ قَدْ صَبَّهُ رَجُلٌ فَوَقَعَتْ عَلَى إنْسَانٍ فَمَاتَ فَالضَّمَانُ عَلَى الَّذِي أَحْدَثَ ذَلِكَ فِي الطَّرِيقِ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ إحْدَاثِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ الطَّرِيقَ مُعَدٌّ لِمُرُورِ النَّاسِ فِيهِ فَمَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ
стр. 5360
أَوْ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُرُورِ فِيهِ يَكُونُ هُوَ مَمْنُوعًا مِنْ إحْدَاثِ ذَلِكَ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ يَصِيرُ الْمُحْدِثُ كَالدَّافِعِ لِلدَّابَّةِ عَلَى مَا سَقَطَتْ عَلَيْهِ فَيَكُونُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ دُونَ الرَّاكِبِ قَالُوا هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الرَّاكِبُ بِمَا أُحْدِثَ فِي الطَّرِيقِ فَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ وَسَيَّرَ الدَّابَّةَ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ قَصْدًا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ طَرَأَ عَلَى فِعْلِ الَّذِي أَحْدَثَ فِعْلٌ آخَرُ مِمَّنْ هُوَ مُخْتَارٌ فَيُفْسَخُ بِهِ حُكْمُ فِعْلِ الْأَوَّلِ وَيَكُونُ الضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَضَعَ حَجَرًا عَلَى الطَّرِيقِ فَزَحْزَحَهُ رَجُلٌ آخَرُ إلَى جَانِبٍ آخَرَ مِنْ الطَّرِيقِ ثُمَّ عَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ.
وَلَوْ سَارَ عَلَى دَابَّتِهِ فِي مِلْكِهِ فَأَوْطَأَتْ إنْسَانًا بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ فَقَتَلَتْهُ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ جَمِيعًا لِأَنَّ الرَّاكِبَ مُبَاشِرٌ لِلْقَتْلِ فِيمَا أَوْطَأَتْ دَابَّتُهُ وَالْمُبَاشَرَةُ فِي مِلْكِهِ وَفِي غَيْرِ مِلْكِهِ سَوَاءٌ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ كَالرَّمْيِ فَإِنْ رَمَى فِي مِلْكِهِ فَأَصَابَ إنْسَانًا كَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ وَإِنْ كَانَ سَائِقًا أَوْ قَائِدًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ بِتَقْرِيبِ الدَّابَّةِ مِنْ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ وَالْمُتَسَبِّبُ إنَّمَا يَكُونُ ضَامِنًا إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا بِسَبَبِهِ وَهُوَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ لَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا فِي سَوْقِ الدَّابَّةِ وَلَا قَوْدِهَا فَهُوَ نَظِيرُ الْقَاعِدِ فِي مِلْكِهِ إذَا تَعَثَّرَ بِهِ إنْسَانٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ أَنَّ السَّائِقَ وَالْقَائِدَ فِي الطَّرِيقِ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ لِانْعِدَامِ مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ مِنْهُ وَالرَّاكِبُ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ.
وَلَوْ أَوْقَفَهَا فِي مِلْكِهِ فَأَصَابَتْ إنْسَانًا مِنْ أَهْلِهِ أَوْ أَجْنَبِيًّا دَخَلَ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي إيقَافِهَا فِي مِلْكِهِ وَكَذَلِكَ الْكَلْبُ الْعَقُورُ فِي دَارِ مُخَلَّى عَنْهُ أَوْ مَرْبُوطًا لِأَنَّ صَاحِبَ الْكَلْبِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي إمْسَاكِهِ فِي مِلْكِهِ.
وَلَوْ رَبَطَ دَابَّتَهُ فِي الطَّرِيقِ فَجَالَتْ فِي رِبَاطِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحِلَّهَا أَحَدٌ فَمَا أَصَابَتْ فَهُوَ عَلَى الَّذِي رَبَطَهَا لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي رَبْطِهَا فِي الطَّرِيقِ وَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ وَقَفَتْ بَعْدَ أَنْ تَكُونَ مَرْبُوطَةً فَذَلِكَ يَكُون مُضَافًا إلَى مَنْ رَبَطَهَا لِأَنَّ الرَّابِطَ يَعْلَمُ حِينَ رَبَطَهَا أَنَّهُ تَحَوَّلَ فِي رِبَاطِهَا بِهَذَا الْقَدْرِ فَلَا يَكُونُ تَغْيِيرُهَا عَنْ حَالِهَا مُبْطِلًا الضَّمَانَ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ بِالرِّبَاطِ كَمَا هِيَ إلَّا أَنْ يَحِلَّ الرِّبَاطَ وَتَذْهَبَ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ فِي مَعْنَى الْمُنْفَلِتَةِ وَكَذَلِكَ كُلُّ بَهِيمَةٍ مِنْ سَبْعٍ أَوْ غَيْرِهِ إذَا أَوْقَفَهُ رَجُلٌ عَلَى الطَّرِيقِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا التَّسَبُّبِ حُكْمًا ضَامِنٌ لِمَا يَتْلَفُ بِهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ طَرَحَ بَعْضَ الْهَوَامِّ عَلَى رَجُلٍ فَلَدَغَهُ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا التَّسَبُّبِ وَلَا يُقَالُ قَدْ طَرَأَ عَلَى تَسَبُّبِهِ مُبَاشَرَةٌ وَهُوَ اللَّدْغُ مِنْ الْعَقْرَبِ أَوْ الْحَيَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ صَالِحٍ لِبِنَاءِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فَلَا يُقْطَعُ بِهِ حُكْمُ التَّسَبُّبِ الْمَوْجُودُ مِمَّنْ أَلْقَاهُ عَلَيْهِ
стр. 5361
بِمَنْزِلَةِ مَشْيِ الْمَاشِي وَفِعْلِهِ فِي نَفْسِهِ فِي مَسْأَلَةِ حَفْرِ الْبِئْرِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ نَاسِخًا لِلسَّبَبِ الْمَوْجُودِ مِنْ الْحَافِرِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ مَا يُحْدِثُ الرَّجُلُ فِي الطَّرِيقِ]
(قَالَ ﵀) وَإِذَا وَضَعَ الرَّجُلُ فِي الطَّرِيقِ حَجَرًا أَوْ بَنَى فِيهِ بِنَاءً أَوْ أَخْرَجَ مِنْ حَائِطِهِ جِذْعًا أَوْ صَخْرَةً شَاخِصَةً فِي الطَّرِيقِ أَوْ أَشْرَعَ كَنِيفًا أَوْ حِيَاضًا أَوْ مِيزَابًا أَوْ وَضَعَ فِي الطَّرِيقِ جِذْعًا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُسَبِّبٌ لِهَلَاكِ مَا تَلِفَ بِمَا أَحْدَثَهُ وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا التَّسَبُّبِ فَإِنَّهُ أَحْدَثَ فِي الطَّرِيقِ مَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمَارَّةُ أَوْ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُرُورِ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي هُوَ حَقُّهُمْ وَوُجُوبُ الضَّمَانِ لِصِيَانَةِ دَمِ الْمُتْلِفِ عَنْ الْهَدَرِ فَإِذَا أَمْكَنَ إيجَابُهُ عَلَى الْمُسَبِّبِ لِكَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا فِي تَسْبِيبِهِ نُوجِبُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَاتِلًا فِي الْحَقِيقَةِ حَتَّى لَا تَلْزَمَهُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَنَا وَلَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمَّا جُعِلَ التَّسَبُّبُ كَالْمُبَاشَرَةِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ الْكَفَّارَةِ وَحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْكَفَّارَةُ وَحِرْمَانُ الْمِيرَاثِ جَزَاءُ قَتْلٍ مَحْظُورٍ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي التَّسَبُّبِ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ أَنْ يُجْعَلَ قَاتِلًا بِإِحْدَاثِ ذَلِكَ وَلَا مَقْتُولًا عِنْدَ إحْدَاثِهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ قَاتِلًا عِنْدَ الْإِصَابَةِ فَلَعَلَّ الْمُحْدِثَ مَيِّتٌ عِنْدَ الْإِصَابَةِ وَكَيْفَ يَكُونُ الْمَيِّتُ قَاتِلًا؟.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْقَتْلَ لَا يَكُونُ إلَّا بِفِعْلِ الْقَاتِلِ وَالْقَتْلُ نَوْعَانِ: عَمْدٌ وَخَطَأٌ فَفِي كُلِّ مَا يُتَصَوَّرُ الْعَمْدُ فِي جِنْسِهِ يُتَصَوَّرُ الْخَطَأِ أَيْضًا وَالْقَتْلُ الْعَمْدُ بِهَذَا الطَّرِيقِ لَا يَتَحَقَّقُ فَكَذَلِكَ الْخَطَأُ وَحِرْمَانُ الْمِيرَاثِ بِاعْتِبَارِ تَوَهُّمِ الْقَصْدِ إلَى اسْتِعْجَالِ الْمِيرَاثِ وَذَلِكَ فِي الْعَمْدِ لَا يُشْكِلُ وَفِي الْخَطَأِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخَطَأُ أَظْهَرَ مِنْ نَفْسِهِ وَهُوَ قَاصِدٌ إلَى ذَلِكَ وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵏: الْكَفَّارَةُ وَحِرْمَانُ الْمِيرَاثِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ بِالْقَتْلِ لِأَنَّهُ جَزَاءُ قَتْلٍ مَحْظُورٍ وَفِعْلُ الصَّبِيِّ لَا يُوصَفُ بِذَلِكَ فَالْخَطَأُ شَرْعًا يُبْنَى عَلَى الْخِطَابِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُثْبِتُ الْكَفَّارَةَ وَحِرْمَانَ الْمِيرَاثِ فِي حَقِّهِمَا كَمَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ وَعَلَى هَذَا قُلْنَا: إذَا قَضَى الْقَاضِي عَلَى مُورِثِهِ بِالْقِصَاصِ لَمْ يُحْرَمْ الْمِيرَاثُ وَإِنْ رَجَعُوا لَا تَلْزَمُهُمْ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ ذَلِكَ جَزَاءُ فِعْلٍ مَحْظُورٍ وَالْقَاضِي بِقَضَائِهِ لَا يَصِيرُ قَاتِلًا وَكَذَلِكَ شُهُودُ الْقِصَاصِ لَا يُحْرَمُونَ الْمِيرَاثَ وَإِنْ رَجَعُوا لَا تَلْزَمُهُمْ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ ذَلِكَ جَزَاءُ قَتْلٍ مَحْظُورٍ وَهُمْ بِالشَّهَادَةِ مَا صَارُوا قَاتِلِينَ مُبَاشَرَةً فَإِنْ عَثَرَ بِمَا أَحْدَثَهُ فِي الطَّرِيقِ رَجُلٌ فَوَقَعَ عَلَى آخَرَ فَمَاتَا فَالضَّمَانُ عَلَى الَّذِي أَحْدَثَهُ فِي الطَّرِيقِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّافِعِ لِمَنْ يَعْثُرُ بِمَا أَحْدَثَهُ فَكَأَنَّهُ دَفَعَهُ بِيَدِهِ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الَّذِي عَثَرَ بِهِ لِأَنَّهُ مَدْفُوعٌ
стр. 5362
فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَالْمَدْفُوعُ كَالْآلَةِ وَإِذَا نَحَّى رَجُلٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَنْ مَوْضِعِهِ فَعَطِبَ بِهِ آخَرُ فَالضَّمَانُ عَلَى الَّذِي نَحَّاهُ وَقَدْ خَرَجَ الْأَوَّلُ مِنْ الضَّمَانِ لِأَنَّ حُكْمَ فِعْلِهِ قَدْ انْفَسَخَ بِفَرَاغِ الْمَوْضِعِ الَّذِي شَغَلَهُ بِمَا أَحْدَثَ فِيهِ وَإِنَّمَا شُغِلَ بِفِعْلِ الثَّانِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَهُوَ كَالْمُحْدِثِ لِذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَإِلْقَاءُ التُّرَابِ فِي الطَّرِيقِ وَاِتِّخَاذُ الطِّينِ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ إلْقَاءِ الْحَجَرِ وَالْخَشَبَةِ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَنَسَ الطَّرِيقَ فَعَطِبَ بِمَوْضِعٍ كَنَسَهُ إنْسَانٌ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فِي الطَّرِيقِ شَيْئًا إنَّمَا كَنَسَ الطَّرِيقَ لِكَيْ لَا يَتَضَرَّرَ بِهِ الْمَارَّةُ وَلَا يُؤْذِيَهُمْ التُّرَابُ فَلَا يَكُونُ هَذَا مُتَعَدِّيًا فِي هَذَا السَّبَبِ.
وَلَوْ رَشَّ الطَّرِيقَ أَوْ تَوَضَّأَ فِي الطَّرِيقِ فَعَطِبَ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ إنْسَانٌ فَهُوَ ضَامِنٌ لِأَنَّ مَا أَحْدَثَ فِي الطَّرِيقِ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ يُلْحِقُ الضَّرَرَ بِالْمَارَّةِ وَيَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُرُورِ مَخَافَةَ أَنْ تَزِلَّ أَقْدَامُهُمْ وَهَذَا كُلُّهُ فِي طَرِيقٍ هُوَ لِلْعَامَّةِ فَإِنْ كَانَ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ وَاَلَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ السِّكَّةِ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ شَرِكَةً خَاصَّةً وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَحَدَ الشُّرَكَاءِ إذَا أَحْدَثَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا.
وَإِذَا أَشْرَع الرَّجُلُ جَنَاحًا إلَى الطَّرِيقِ ثُمَّ بَاعَ الدَّارَ فَأَصَابَ الْجَنَاحُ رَجُلًا فَقَتَلَهُ فَالضَّمَانُ عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّهُ كَانَ جَانِيًا بِوَضْعِ الْجَنَاحِ فَإِنَّ سِوَاءَ الطَّرِيقِ كَرَقَبَةِ الطَّرِيقِ فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهِ شَيْئًا يَكُونُ جَانِيًا وَبِالْبَيْعِ لَمْ يُنْسَخْ حُكْمُ فِعْلِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْزِعْ الْمَوْضِعَ الَّذِي شَغَلَهُ بِمَا أَحْدَثَهُ فَبَقِيَ ضَامِنًا عَلَى حَالِهِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ الْجَنَاحَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ كَانَ ضَامِنًا لِمَا تَلِفَ بِهِ فَلَمَّا كَانَ عَدَمُ الْمِلْكِ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ سَبَبِ الضَّمَانِ فَكَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ مَا أَحْدَثَ فِي الطَّرِيقِ شَيْئًا وَكَذَلِكَ الْمِيزَابُ فَإِنْ سَقَطَ الْمِيزَابُ يُصْرَفَانِ فَإِنْ أَصَابَ مَا كَانَ مِنْهُ فِي الْحَائِطِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَضَعَ ذَلِكَ الطَّرَفَ مِنْ الْمِيزَابِ فِي مِلْكِهِ وَإِحْدَاثُ شَيْءٍ فِي مِلْكِهِ لَا يَكُونُ تَعَدِّيًا وَإِنْ أَصَابَهُ مَا كَانَ خَارِجًا مِنْهُ مِنْ الْحَائِطِ فَالضَّمَانُ عَلَى الَّذِي وَضَعَهُ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي ذَلِكَ الطَّرَفِ فَإِنَّهُ شَغَلَ بِهِ هَوَاءَ الطَّرِيقِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَيَّهمَا أَصَابَهُ فَفِي الْقِيَاسِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أَصَابَهُ الطَّرَفُ الدَّاخِلُ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا وَإِنْ أَصَابَهُ الطَّرَفُ الْخَارِجُ فَهُوَ ضَامِنٌ وَالضَّمَانُ بِالشَّكِّ لَا يَجِبُ لِأَنَّ فَرَاغَ ذِمَّتِهِ ثَابِتٌ يَقِينًا وَفِي الْإِشْغَالِ شَكٌّ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُوَ ضَامِنٌ لِلنِّصْفِ لِأَنَّهُ فِي حَالٍ هُوَ ضَامِنٌ لِلْكُلِّ وَفِي حَالٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَيَتَوَزَّعُ الضَّمَانُ عَلَى الْأَحْوَالِ لِيَتَحَقَّقَ بِهِ مَعْنَى النَّظَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ.
وَإِذَا اسْتَأْجَرَ رَبُّ الدَّارِ الْفَعَلَةَ لِإِخْرَاجِ الْجَنَاحِ أَوْ الظُّلَّةِ فَوَقَعَ فَقَتَلَ إنْسَانًا فَإِنْ سَقَطَ مِنْ عَمَلِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغُوا مِنْهُ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمْ دُونَ رَبِّ الدَّارِ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَقَطَ لِتَقْصِيرِهِمْ فِي الْإِمْسَاكِ فَكَأَنَّهُمْ أَلْقَوْا ذَلِكَ
стр. 5363
فَيَكُونُونَ قَاتِلِينَ مُبَاشَرَةً فَلِيَلْزَمْهُمْ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ وَيُحْرَمُونَ الْمِيرَاثَ وَإِنْ سَقَطَ ذَلِكَ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْ الْعَمَلِ فَالضَّمَانُ فِيهِ عَلَى رَبِّ الدَّارِ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ هَذَا كَالْأَوَّلِ لِأَنَّهُمْ بَاشَرُوا إحْدَاثَ ذَلِكَ فِي الطَّرِيقِ وَصَاحِبُ الدَّارِ مَمْنُوعٌ مِنْ إحْدَاثِهِ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيمَا أَمَرَهُ فِي مَا لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ بِنَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ اُسْتُحْسِنَ لِحَدِيثِ شُرَيْحٍ فَإِنَّهُ قَضَى بِالضَّمَانِ عَلَى مِثْلِهِ عَلَى رَبِّ الدَّارِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ لَهُ وَلِهَذَا يَسْتَوْجِبُونَ الْأَجْرَ عَلَيْهِ وَقَدْ صَارَ عَمَلُهُمْ مُسَلَّمًا إلَيْهِ بِالْفَرَاغِ مِنْهُ فَكَأَنَّهُ عَمِلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْفَرَاغِ فَإِنَّهُ عَمَلُهُمْ لَمْ يَصِرْ مُسَلَّمًا إلَيْهِ بَعْدَ وَهَذَا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْدُثُ ذَلِكَ فِي فِنَائِهِ وَيُبَاحُ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ إحْدَاثُ مِثْلِ ذَلِكَ فِي فِنَائِهِ إذَا كَانَ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ غَيْرُهُ وَلَكِنْ لِكَوْنِ الْفِنَاءِ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ فَبِهَذَا اُعْتُبِرَ أَمْرُهُ فِي ذَلِكَ وَجُعِلَ هُوَ كَالْقَاتِلِ لِنَفْسِهِ.
وَلَوْ وَضَعَ سَاجَةً فِي الطَّرِيقِ أَوْ خَشَبَةً بَاعَهَا مِنْ رَجُلٍ وَبَرِئَ إلَيْهِ مِنْهَا فَتَرَكَهَا الْمُشْتَرِي حَتَّى عَطِبَ بِهَا إنْسَانٌ فَالضَّمَانُ عَلَى الَّذِي وَضَعَهَا لِأَنَّهُ كَانَ مُتَعَدِّيًا فِي وَضْعِهَا فَمَا بَقِيَتْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ بَقِيَ حُكْمُ فِعْلِهِ وَكَمَا أَنَّ انْعِدَامَ مِلْكِهِ فِي الْخَشَبَةِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بِوَضْعِهَا فِي الطَّرِيقِ فَكَذَلِكَ زَوَالُ مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ وَإِنْ كَانَ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا فِي مِلْكِ قَوْمٍ أَشْرَعُوهُ فِي مِلْكِهِمْ فَلَا ضَمَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَشْرَعَهُ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ يُرْفَعُ عَنْهُ بِحِصَّةِ مَا مَلَكَهُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ أَحَدَ الشُّرَكَاءِ لَا يَمْلِكُ الْبِنَاءَ فِي الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ بِغَيْرِ رِضَا شُرَكَائِهِ فَهُوَ جَانٍ بِاعْتِبَارِ إرْضَائِهِمْ غَيْرُ جَانٍ بِاعْتِبَارِ نَصِيبِهِ فَيَتَوَزَّعُ الضَّمَانُ عَلَى ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ فِي الْجَارِيَةِ إذَا وَطِئَهَا يَلْزَمُهُ الْعُقْرُ وَيُرْفَعُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ حِصَّتُهُ وَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَوَضَّأَ فِيهِ أَوْ صَبَّ فِيهِ مَاءً أَوْ وَضَعَ مَتَاعًا لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَمَكَّنُ مِنْ فِعْلِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ شَرْعًا فَيُسْتَحْسَنُ أَنْ لَا يَجْعَلَهُ ضَامِنًا بِهِ بِخِلَافِ الْبِنَاءِ.
وَإِذَا وَضَعَ فِي الطَّرِيقِ جَمْرًا فَأَحْرَقَ شَيْئًا فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي إحْدَاثِ النَّارِ فِي الطَّرِيقِ فَإِنْ حَرَّكَتْهُ الرِّيحُ فَذَهَبَ بِهِ إلَى مَوْضِعً آخَرَ ثُمَّ أَحْرَقَ شَيْئًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ حُكْمَ فِعْلِهِ قَدْ انْتَسَخَ بِالتَّحَوُّلِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ: وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْيَوْمُ يَوْمَ رِيحٍ فَإِنْ كَانَ رِيحًا فَهُوَ ضَامِنٌ لِأَنَّهُ كَانَ عَالِمًا حِين أَلْقَاهُ أَنَّ الرِّيحَ يَذْهَبُ بِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ فَلَا يُنْسَخُ حُكْمُ فِعْلِهِ بِذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدَّابَّةِ الَّتِي جَالَتْ بِرِبَاطِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْحَائِطِ الْمَائِلِ]
(قَالَ ﵀): وَإِذَا مَالَ حَائِطُ الرَّجُلِ أَوْ وَهِيَ فَوَقَعَ عَلَى الطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ فَقَتَلَ إنْسَانًا فَلَا
стр. 5364
ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ صُنْعٌ هُوَ تَعَدٍّ فَإِنَّهُ وَضَعَ الْبِنَاءَ فِي مِلْكِهِ فَلَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا فِي الْوَضْعِ وَلَا صُنْعَ لَهُ فِي مِثْلِ الْحَائِطِ وَلَكِنْ هَذَا إذَا كَانَ بِنَاءُ الْحَائِطِ مُسْتَوِيًا فَإِنْ كَانَ بَنَاهُ فِي الْأَصْلِ مَائِلًا إلَى الطَّرِيقِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَنْ يَسْقُطُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي شَغْلِ هَوَاءِ الطَّرِيقِ بِبِنَائِهِ وَهَوَاءُ الطَّرِيقِ كَأَصْلِ الطَّرِيقِ حَقُّ الْمَارَّةِ فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهِ شَيْئًا كَانَ مُتَعَدِّيًا ضَامِنًا فَأَمَّا إذَا بِنَاهٍ مُسْتَوِيًا فَإِنَّمَا شَغَلَ بِبِنَائِهِ هَوَاءَ مِلْكِهِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ تَعَدِّيًا مِنْهُ فَلَوْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْحَائِطِ الْمَائِلِ فَلَمْ يَهْدِمْهُ حَتَّى سَقَطَ وَأَصَابَ إنْسَانًا فَفِي الْقِيَاسِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ صُنْعٌ هُوَ تَعَدٍّ وَالْإِشْهَادُ فِعْلُ غَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ.
لَكِنْ اسْتَحْسَنَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ إيجَابَ الضَّمَانِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَعَنْ شُرَيْحٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ وَهَذَا لِأَنَّ هَوَاءَ الطَّرِيقِ قَدْ اُشْتُغِلَ بِحَائِطِهِ وَحِينَ قَدْ أُشْهِدَ عَلَيْهِ فَقَدْ طُولِبَ بِالتَّفْرِيغِ وَالرَّدِّ فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَا تَمَكَّنَ مِنْهُ كَانَ ضَامِنًا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ هَبَّتْ الرِّيحُ بِثَوْبٍ أَلْقَتْهُ فِي حِجْرِهِ فَطَالَبَهُ صَاحِبُهُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى هَلَكَ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْإِشْهَادِ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُطَالَبْ بِالتَّفْرِيغِ فَهُوَ نَظِيرُ الثَّوْبِ إذَا هَلَكَ فِي حِجْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُطَالِبَهُ صَاحِبُهُ بِالرَّدِّ ثُمَّ لَا مُعْتَبَرَ بِالْإِشْهَادِ وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ التَّقَدُّمُ إلَيْهِ فِي هَدْمِ الْحَائِطِ فَالْمُطَالَبَةُ تَتَحَقَّقُ وَيَنْعَدِمُ بِهِ مَعْنَى الْعُذْرِ فِي حَقِّهِ وَهُوَ الْجَهْلُ بِمَيْلِ الْحَائِطِ إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ الْإِشْهَادَ احْتِيَاطًا حَتَّى إذَا جَحَدَ صَاحِبُ الْحَائِطِ التَّقَدُّمَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَمْكَنَ إثْبَاتُهُ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ بِمَنْزِلَةِ الشَّفِيعِ فَالْمُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ طَلَبُ الشُّفْعَةِ وَلَكِنْ يُؤْمَرُ بِالْإِشْهَادِ عَلَى ذَلِكَ احْتِيَاطًا لِهَذَا الْمَعْنَى وَهَذَا التَّقَدُّمُ إلَيْهِ يَصِحُّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً لِأَنَّ النَّاسَ فِي الْمُرُورِ فِي الطَّرِيقِ شُرَكَاءُ وَالتَّقَدُّمُ إلَيْهِ صَحِيحٌ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَعِنْدَ غَيْرِ السُّلْطَانِ لِأَنَّهُ مُطَالَبَةٌ بِالتَّفْرِيغِ وَغَيْرُ مُطَالَبَةٍ فِي الطَّرِيقِ وَلِكُلِّ أَحَدٍ حَقٌّ فِي الطَّرِيقِ فَيَنْفَرِدُ بِالْمُطَالَبَةِ بِتَفْرِيغِهِ وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: إنَّ حَائِطَك هَذَا مَائِلٌ فَاهْدِمْهُ.
وَذَكَر عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي وَمَعَهُ رَجُلٌ فَقَالَ الرَّجُلُ: إنَّ هَذَا الْحَائِطَ لَمَائِلٌ وَهُوَ لِعَامِرٍ وَلَا يَعْلَمُ الرَّجُلُ أَنَّهُ عَامِرٌ فَقَالَ عَامِرٌ: مَا أَنْتَ بِاَلَّذِي يُفَارِقُنِي حَتَّى أَنْقُضَهُ فَبَعَثَ إلَى الْفَعَلَةِ فَنَقَضَهُ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْإِشْهَادَ بِهَذَا اللَّفْظِ يَتِمُّ وَبَعْدَ الْإِشْهَادِ إنْ تَلِفَ بِالْحَائِطِ مَالٌ فَالضَّمَانُ فِي مَالِهِ وَإِنْ تَلِفَ بِهِ نَفْسٌ فَضَمَانُ دِيَتِهِ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِأَنَّ هَذَا دُونَ الْخَطَأِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِيهِ لِانْعِدَامِ مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ مِنْهُ وَيَسْتَوِي إنْ شَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فِي التَّقَدُّمِ إلَيْهِ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِهَذَا التَّقَدُّمِ مَا لَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ وَهُوَ الْمَالُ
стр. 5365
وَإِذَا بَاعَ الْحَائِطَ بَعْدَ مَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ بَرِئَ مِنْ ضَمَانِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ جَانِيًا بِتَرْكِ الْهَدْمِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ وَبِالْبَيْعِ زَالَ تَمَكُّنُهُ مِنْ هَدْمِ الْحَائِطِ فَيَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ جَانِيًا فِيهِ بِخِلَافِ الْجَنَاحِ فَهُنَاكَ كَانَ جَانِيًا بِأَصْلِ الْوَضْعِ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ إذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ مَالِكًا لِلْحَائِطِ فَكَذَلِكَ لَا يَبْقَى حُكْمُ الْإِشْهَادِ بَعْدَ - زَوَالِ مِلْكِهِ بِخِلَافِ الْجَنَاحِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي الْحَائِطِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيْهِ فِي هَدْمِهِ فَحَالُهُ كَحَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ فِيهِ فَإِنْ شَهِدَ الْمُشْتَرِي فِي الْحَائِطِ فَإِنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُ إلَيْهِ فِي هَدْمِهِ فَحَالُهُ كَحَالِ الْبَائِعِ قَبْلَ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ فِيهِ فَإِنْ أَشْهَدَ عَلَى الْمُشْتَرِي بَعْدَ شِرَائِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِتَرْكِهِ تَفْرِيغَ الطَّرِيقِ بَعْدَ مَا طُولِبَ بِهِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ الْحَائِطُ رَهْنًا فَتَقَدَّمَ إلَى الْمُرْتَهِنِ فِيهِ لَمْ يَضْمَنْهُ الْمُرْتَهِنُ وَلَا الرَّاهِنُ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ هَدْمِهِ فَلَا يَصِحُّ التَّقَدُّمُ فِيهِ إلَيْهِ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ إلَى الرَّاهِنِ فِيهِ وَإِنْ تَقَدَّمَ فِيهِ إلَى الرَّاهِنِ كَانَ ضَامِنًا لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ أَنْ يَقْضِيَ الدَّيْنَ وَيَسْتَرِدَّ الْحَائِطَ فَهَدَمَهُ فَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَيْهِ فِيهِ وَإِنْ تَقَدَّمَ إلَى السَّاكِنِ الدَّارَ فِي بَعْضِ الْحَائِطِ الْمَائِلِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ سَوَاءٌ كَانَ سَاكِنًا بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ النَّقْضِ وَإِنْ تَقَدَّمَ إلَى رَبِّ الدَّارِ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ هَدْمِهِ فَإِذَا تَقَدَّمَ إلَى أَبِ الصَّبِيِّ أَوْ الْوَصِيِّ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَنْقُضْهُ حَتَّى سَقَطَ فَأَصَابَ شَيْئًا فَضَمَانُهُ عَلَى الصَّبِيِّ لِأَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ يَقُومَانِ مَقَامَهُ وَيَمْلِكَانِ هَدْمَ الْحَائِطِ فَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَيْهِمَا فِيهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَالتَّقَدُّمِ إلَى الصَّبِيِّ بَعْدَ بُلُوغِهِ ثُمَّ هُمَا فِي تَرْكِ الْهَدْمِ يَعْمَلَانِ لِلصَّبِيِّ وَيَنْظُرَانِ لَهُ فَلِهَذَا كَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ دُونَهُمَا.
وَإِذَا تَقَدَّمَ فِي الْحَائِطِ إلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ لِأَنَّ أَحَدَ الشُّرَكَاءِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِ الْحَائِطِ كَمَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ بِنَائِهِ وَلَمْ يُوجَدْ التَّقَدُّمُ إلَى الْبَاقِينَ فَلَا يَصِحُّ هَذَا الْإِشْهَادُ وَلَا يَكُونُ هُوَ مُتَعَدِّيًا فِي تَرْكِهِ التَّفْرِيغَ بَعْدَ هَذَا وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ فَنُضَمَّنُ هَذَا الَّذِي أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِحِصَّةِ نَصِيبِهِ مِمَّا أَصَابَ الْحَائِطَ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَنْ يَطْلُبَ شُرَكَاءَهُ لِيَجْتَمِعُوا عَلَى هَدْمِهِ وَهَذَا لِأَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى جَمَاعَتِهِ يَتَعَذَّرُ عَادَةً فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ الْإِشْهَادُ عَلَى بَعْضِهِمْ فِي نَصِيبِهِ أَدَّى إلَى الضَّرَرِ وَالضَّرَرُ مَدْفُوعٌ وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ وَالْحُرُّ وَالْمُكَاتَبُ فِي هَذَا الْإِشْهَادِ سَوَاءٌ لِأَنَّهُمْ فِي التَّطَرُّقِ فِي هَذَا الطَّرِيقِ سَوَاءٌ.
وَإِذَا تَقَدَّمَ إلَى الْعَبْدِ التَّاجِرِ فِي الْحَائِطِ فَأَصَابَ إنْسَانًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَهُوَ عَلَى عَاقِلَةِ مَوْلَاهُ لِأَنَّ الْعَبْدَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ هَدْمِ الْحَائِطِ فَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَيْهِ ثُمَّ الْحَائِطُ مِلْكُ الْمَوْلَى إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَالْمَوْلَى أَحَقُّ بِاسْتِخْلَاصِهِ لِنَفْسِهِ فَيُجْعَلُ فِي حُكْمِ الْجِنَايَةِ كَانَ الْمَوْلَى هُوَ الْمَالِكَ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا
стр. 5366
إذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي دَارِ الْعَبْدِ فَلِهَذَا كَانَ ضَمَانُ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَوْلَى وَإِنْ أَصَابَ مَالًا فَضَمَانُهُ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ يُبَاعُ فِيهِ وَيَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَوْلَى كَضَمَانِ النَّفْسِ وَلَكِنَّا اسْتَحْسَنَّا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فَقُلْنَا: الْعَبْدُ بِالْتِزَامِ ضَمَانِ الْمَالِ كَالْحُرِّ فَإِنَّهُ مُنْفَكُّ الْحَجْرِ عَنْهُ فِي اكْتِسَابِ سَبَبِ ذَلِكَ وَفِي الْتِزَامِ ضَمَانِ الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ هُوَ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِأَنَّ فَكَّ الْحَجْرِ بِالْإِذْنِ لَمْ يَتَنَاوَلْ ذَلِكَ فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَوْلَى.
وَإِذَا وَضَعَ الرَّجُلُ عَلَى حَائِطِهِ شَيْئًا فَوَقَعَ ذَلِكَ الشَّيْءُ فَأَصَابَ إنْسَانًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ لِأَنَّهُ وَضَعَهُ عَلَى مِلْكِهِ فَهُوَ لَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا فِيمَا يُحْدِثُهُ فِي مِلْكِهِ وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الْحَائِطُ مَائِلًا أَوْ غَيْرَ مَائِلٍ لِأَنَّهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَا يَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْ وَضْعِ مَتَاعَهُ عَلَى مِلْكِهِ.
وَإِذَا تَقَدَّمَ إلَى رَجُلٍ فِي حَائِطٍ مِنْ دَارِهِ فِي يَدِهِ فَلَمْ يَهْدِمْهُ حَتَّى سَقَطَ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ فَأَنْكَرَتْ الْعَاقِلَةُ أَنْ تَكُونَ الدَّارُ لَهُ أَوْ قَالُوا: لَا نَدْرِي هِيَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّ الدَّارَ لَهُ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ لَهُ بِاعْتِبَارِ الْيَدِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ وَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِاسْتِحْقَاقِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَهُوَ نَظِيرُ الْمُشْتَرِي لِلدَّارِ إذَا أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ مَا فِي يَدِ الشَّفِيعِ مِلْكَهُ كَانَ عَلَى الشَّفِيعِ إثْبَاتُ مِلْكِهِ بِالْبَيِّنَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ بِالْبَيِّنَةِ أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ الدَّارُ لَهُ وَالثَّانِي أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ فِي هَدْمِ الْحَائِطِ وَالثَّالِثُ أَنَّ الْمَقْتُولَ إنَّمَا مَاتَ بِسُقُوطِ الْحَائِطِ عَلَيْهِ فَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ بِالْبَيِّنَةِ فَحِينَئِذٍ يُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَإِنْ أَقَرَّ ذُو الْيَدِ أَنَّ الدَّارَ لَهُ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُقِرِّ أَيْضًا فِي الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَقَرَّ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْمُقِرُّ عَلَى الْغَيْرِ إذَا صَارَ مُكَذَّبًا فِي إقْرَارِهِ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ أَنْ نُضَمِّنَهُ الدِّيَةَ لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالتَّعَدِّي وَهُوَ تَرْكُ هَدْمِ الْحَائِطِ بَعْدَ مَا تَمَكَّنَ مِنْهُ وَإِنَّمَا هَذَا بِمَنْزِلَةِ جَنَاحٍ أَخْرَجَهُ فِي دَارِ فِي يَدِهِ إلَى الطَّرِيقِ فَوَقَعَ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ فَقَالَتْ الْعَاقِلَةُ: لَيْسَتْ الدَّارُ لَهُ وَإِنَّمَا أَخْرَجَ الْجَنَاحَ بِأَمْرِ رَبِّ الدَّارِ وَأَقَرَّ ذُو الْيَدِ أَنَّ الدَّارَ لَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا الدِّيَةَ فِي مَالِهِ فَهَذَا مِثْلُهُ.
وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ عَلَى حَائِطٍ لَهُ مَائِلٌ أَوْ غَيْرِ مَائِلٍ سَقَطَ بِهِ الْحَائِطُ فَأَصَابَ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ إنْسَانًا فَقَتَلَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ فِي الْحَائِطِ الْمَائِلِ إذَا كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ إلَيْهِ فِيهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا سِوَاهُ لِأَنَّهُ مَدْفُوعٌ بِالْحَائِطِ حِينَ سَقَطَ الْحَائِطُ وَسُقُوطُهُ عَلَى إنْسَانٍ بِمَنْزِلَةِ سُقُوطِ الْحَائِطِ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ وَلَوْ كَانَ هُوَ سَقَطَ مِنْ الْحَائِطِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْقُطَ الْحَائِطُ فَقَتَلَ إنْسَانًا كَانَ هُوَ ضَامِنًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَدْفُوعٍ هُنَا بِالْحَائِطِ فَإِنَّ الْحَائِطَ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَسْقُطْ وَلَكِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّائِمِ انْقَلَبَ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ يَكُونُ ضَامِنًا لَهُ وَلَوْ
стр. 5367
مَاتَ السَّاقِطُ بِطَرِيقِ الْأَسْفَلِ فَإِنْ كَانَ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي مَشْيِهِ فِي الطَّرِيقِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُتَحَرَّزَ عَنْ سُقُوطِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ وَاقِفًا فِي الطَّرِيقِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ نَائِمًا فَهُوَ ضَامِنٌ لِدِيَةِ السَّاقِطِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْوُقُوفِ وَالْقُعُودِ وَالنَّوْمِ فَيَكُونُ ضَامِنًا لِمَا يَتْلَفُ بِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَسْفَلُ فِي مِلْكِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي الْوُقُوفِ فِي مِلْكِهِ وَعَلَى الْأَعْلَى ضَمَانُ الْأَسْفَلِ فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ لِأَنَّ الْأَعْلَى مُبَاشِرٌ بِقَتْلِ مَنْ سَقَطَ عَلَيْهِ وَفِي الْمُبَاشَرَةِ الْمِلْكُ وَغَيْرُ الْمِلْكِ سَوَاءٌ وَكَذَلِكَ إنْ تَعَقَّلَ فَسَقَطَ أَوْ نَامَ فَانْقَلَبَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَ الْأَسْفَلَ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِثِقَلِهِ فَكَأَنَّهُ قَتَلَهُ بِيَدِهِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ إلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ وَمِلْكُهُ وَغَيْرُ مِلْكِهِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَكَذَلِكَ لَوْ سَقَطَ فِي بِئْرٍ احْتَفَرَهَا فِي مِلْكِهِ وَفِيهَا إنْسَانٌ فَقَتَلَ ذَلِكَ الْإِنْسَانَ كَانَ ضَامِنًا لِلْإِنْسَانِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَتَلَهُ - بِيَدِهِ وَإِنْ كَانَ الْبِئْرُ فِي الطَّرِيقِ كَانَ الضَّمَانُ عَلَى رَبِّ الْبِئْرِ فِيمَا أَصَابَ السَّاقِطَ وَالْمَسْقُوطَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْحَافِرَ لِلْبِئْرِ إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الدَّافِعِ لِمَنْ سَقَطَ فِي الْبِئْرِ وَالسَّاقِطُ بِمَنْزِلَةِ الْمَدْفُوعِ.
وَإِذَا شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ فِي حَائِطٍ مَائِلٍ شَاهِدَانِ فَأَصَابَ الْحَائِطُ أَحَدَ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ أَبَاهُ أَوْ عَبْدًا لَهُ أَوْ مُكَاتَبًا لَهُ وَلَا شَاهِدَ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ غَيْرُهُمَا لَمْ تَجُزْ شَهَادَةُ هَذَا الَّذِي يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ أَوْ إلَى أَحَدٍ مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ نَفْعًا لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ عَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ التَّقَدُّمُ إلَيْهِ فِي الْهَدْمِ وَهُوَ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ فَشَهَادَةُ الشُّهُودِ عَلَيْهِ بِهَذَا السَّبَبِ كَشَهَادَتِهِمْ عَلَيْهِ بِوُجُوبِ الضَّمَانِ بِسَبَبٍ آخَرَ.
وَلَوْ شَهِدَ عَبْدَانِ أَوْ صَبِيَّانِ أَوْ كَافِرَانِ ثُمَّ عَتَقَ الْعَبْدُ وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ وَأَدْرَكَ الصَّبِيَّانِ ثُمَّ وَقَعَ الْحَائِطُ فَأَصَابَ إنْسَانًا فَهُوَ ضَامِنٌ لِذَلِكَ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ السُّقُوطُ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَا أَوْ يُسْلِمَا أَوْ يُدْرِكَا ثُمَّ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ التَّقَدُّمُ إلَيْهِ وَالْإِشْهَادُ عِنْدَ ذَلِكَ مَحْضُ تَحَمُّلٍ فَيَكُونُ صَحِيحًا مِنْ هَؤُلَاءِ وَهُمْ أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ عِنْدَ الْأَدَاءِ فَوَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِمْ.
وَإِذَا شَهِدَ عَلَى اللَّقِيطِ فِي حَائِطِهِ ثُمَّ سَقَطَ فَقَتَلَ رَجُلًا فَدِيَتُهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ هَدْمِ حَائِطِهِ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى سَقَطَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ جِنَايَتِهِ بِيَدِهِ فَتَكُونُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ إذَا لَمْ يُوَالِ أَحَدًا وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ يُسْلِمُ وَلَمْ يُوَالِ أَحَدًا فَهُوَ كَاللَّقِيطِ يَعْقِلُ عَنْهُمَا جِنَايَتَهُمَا بَيْتُ الْمَالِ وَمِيرَاثُهُمَا لِبَيْتِ الْمَالِ
وَإِذَا مَالَ الْحَائِطُ عَلَى دَارِ قَوْمٍ فَأَشْهَدُوا عَلَيْهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَ عَلَيْهِ الْحَائِطُ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ لِأَنَّهُ بِمَيْلِ الْحَائِطِ شَغَلَ هَوَاءَ مِلْكِهِمْ فَتَكُونُ الْمُطَالَبَةُ بِالتَّفْرِيغِ إلَيْهِمْ فَإِذَا تَقَدَّمُوا إلَيْهِ أَوْ أَحَدُهُمْ صَحَّ التَّقَدُّمُ وَيَكُونُ هُوَ فِي تَرْكِهِ التَّفْرِيغَ بَعْدَ ذَلِكَ جَانِيًا وَكَذَلِكَ
стр. 5368
الْعُلْوُ إذَا وَهِيَ فَتَقَدَّمَ أَهْلُ السُّفْلِ فِيهِ إلَى أَهْلِ الْعُلْوِ وَكَذَلِكَ الْحَائِطُ يَكُونُ أَعْلَاهُ لِرَجُلٍ وَأَسْفَلُهُ لِآخَرَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إذَا مَالَ الْحَائِطُ إلَى مِلْكِ إنْسَانٍ وَبَيْنَ مَا إذَا مَالَ إلَى الطَّرِيقِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا التَّقَدُّمُ إلَيْهِ هَاهُنَا لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ الْمَالِكِ لِأَنَّهُ أَشْغَلَ بِالْحَائِطِ هَوَاءَ مِلْكِهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَنَّ صَاحِبَ الْمِلْكِ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ لَوْ أَخَّرَهُ أَيَّامًا أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ ذَلِكَ صَحَّ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ بِالْإِسْقَاطِ وَالتَّأْخِيرِ وَفِي الطَّرِيقِ لَوْ أَخَّرَهُ الَّذِي تَقَدَّمَ إلَيْهِ فِيهِ أَوْ أَبْرَأَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يَنُوبُ عَنْ الْعَامَّةِ فِي الْمُطَالَبَةِ بِحَقِّهِمْ لَا فِي إسْقَاطِ حَقِّهِمْ وَقَدْ صَحَّتْ الْمُطَالَبَةُ مِنْهُ فَلَا مُعْتَبَرَ بِإِسْقَاطِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا بِتَأْخِيرِهِ.
وَإِذَا مَالَ الْحَائِطُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ اثْنَيْنِ إلَى الطَّرِيقِ فَتَقَدَّمُوا فِيهِ إلَى أَحَدِهِمَا ثُمَّ سَقَطَ فَأَصَابَ إنْسَانًا فَإِنَّمَا يَضْمَنُ الَّذِي تُقُدِّمَ إلَيْهِ النِّصْفُ مِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْحَائِطُ هُوَ الَّذِي أَصَابَهُ كُلَّهُ وَكَذَلِكَ الْعُلْوُ وَالسُّفْلُ إذَا وَهَيَا أَوْ مَالَا إلَى الطَّرِيقِ فَتُقُدِّمَ إلَى أَحَدِهِمَا فِيهِ وَهَذَا عَلَى الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْوَرَثَةِ إذَا مَالَ حَائِطُ الرَّجُلِ بَعْضُهُ عَلَى الطَّرِيقِ وَبَعْضُهُ عَلَى دَارِ قَوْمٍ فَتَقَدَّمَ إلَيْهِ أَهْلُ الدَّارِ فِيهِ فَسَقَطَ مَا فِي الطَّرِيقِ مِنْهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ تَقَدَّمَ أَهْلُ الطَّرِيقِ إلَيْهِ فَسَقَطَ الْمَائِلُ إلَى الدَّارِ عَلَى أَهْلِ الدَّارِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ لِأَنَّهُ حَائِطٌ وَاحِدٌ فَإِذَا أَشْهَدَ عَلَى بَعْضِهِ فَقَدْ أَشْهَدَ عَلَى جَمِيعِهِ وَإِذَا كَانَ الْمُتَقَدِّمُ إلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ فَتَقَدُّمُهُ إلَيْهِ صَحِيحٌ فِي جَمِيعِ الْحَائِطِ فِيمَا مَالَ إلَى الدَّارِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ الْمَالِكُ وَفِيمَا مَالَ إلَى الطَّرِيقِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ النَّاسِ فَإِذَا كَانَ الَّذِي تَقَدَّمَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الدَّارِ فَتَقَدُّمُهُ صَحِيحٌ فِيمَا مَالَ مِنْهُ إلَى الطَّرِيقِ فَإِذَا صَحَّ فِي بَعْضِهِ صَحَّ فِي كُلِّهِ وَإِذَا وَهَى بَعْضُ الْحَائِطِ وَمَا بَقِيَ مِنْهُ صَحِيحٌ غَيْرُ وَاهٍ فَتَقَدَّمَ إلَيْهِ فِيهِ فَسَقَطَ مَا وَهَى وَمَا لَمْ يَهِ فَقَتَلَ إنْسَانًا فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ لِأَنَّهُ حَائِطٌ وَاحِدٌ فَإِذَا وَهَى بَعْضُهُ وَهَى كُلُّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَائِطًا طَوِيلًا بِحَيْثُ لَوْ وَهَى بَعْضُهُ لَمْ يَهِ مَا بَقِيَ مِنْهُ وَتَفَرَّقَ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَضْمَنُ مَا أَصَابَ الْوَاهِي مِنْهُ وَلَا يَضْمَنُ مَا أَصَابَ الَّذِي لَمْ يَهِ مِنْهُ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ حَائِطَيْنِ وَالتَّقَدُّمُ إلَيْهِ إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْحَائِطِ الْمَائِلِ أَوْ الْوَاهِي دُونَ الْحَائِطِ الصَّحِيحِ فَإِذَا أَصَابَ الَّذِي لَمْ يَهِ مِنْهُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ بِهِ عَلَيْهِ ضَمَانٌ لِأَنَّهُ لَمْ تَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ بِالْهَدْمِ فِيهِ
قَالَ: وَإِذَا كَانَ سُفْلُ الْحَائِطِ لِرَجُلٍ وَعُلْوُهُ لِآخَرَ وَقَدْ وَهَى فَتَقَدَّمَ فِيهِ إلَيْهِمَا ثُمَّ سَقَطَ الْعُلْوُ فَقَتَلَ إنْسَانًا فَالضَّمَانُ عَلَى صَاحِبِ الْعُلْوِ لِأَنَّ الْعُلْوَ غَيْرُ مَدْفُوعٍ بِالسُّفْلِ وَلَكِنَّهُ سَاقِطٌ بِنَفْسِهِ وَقَدْ صَحَّ التَّقَدُّمُ فِيهِ إلَى صَاحِبِهِ فَيُجْعَلُ صَاحِبُهُ كَالْمُتْلِفِ لِمَا سَقَطَ عَلَيْهِ الْعُلْوُ
قَالَ: وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ أُجَرَاءَ
стр. 5369
يَهْدِمُونَ لَهُ حَائِطًا فَقَتَلَ الْهَدْمُ مِنْ فِعْلِهِمْ رَجُلًا مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمْ وَالْكَفَّارَةُ دُونَ رَبِّ الدَّارِ لِأَنَّهُمْ مُبَاشِرُونَ إتْلَافَ مَنْ سَقَطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَيْدِيهِمْ فِي حَالَةِ الْعَمَلِ.
وَإِذَا تَقَدَّمَ إلَى الْمُشْتَرِي لِلدَّارِ فِي حَائِطٍ مِنْهَا مَائِلٍ وَهُوَ فِي خِيَارِ الشِّرَاءِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ رَدَّ الدَّارَ بِالْخِيَارِ بَطَلَ الْإِشْهَادُ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْمِلْكَ بِفَسْخِ الْبَيْعِ فَكَأَنَّهُ أَزَالَهُ بِالْبَيْعِ وَلَوْ اسْتَوْجَبَ الْبَيْعُ لَمْ يَبْطُلْ الْإِشْهَادُ لِأَنَّ التَّقَدُّمَ إلَيْهِ حِينَ تَقَدَّمَ صَحِيحٌ إمَّا لِأَنَّهُ مَالِكٌ أَوْ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ هَدْمِ الْحَائِطِ وَقَدْ تَقَرَّرَ ذَلِكَ بِإِسْقَاطِ الْخِيَارِ وَلَوْ كَانَ أَشْهَدَ عَلَى الْبَائِعِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّ الْبَائِعَ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ هَدْمِ الْحَائِطِ بَعْدَ مَا أَوْجَبْنَا الْبَيْعَ فِيهِ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَتَقَدَّمَ إلَيْهِ فِيهِ فَإِنْ نَقَضَ الْبَيْعَ فَالْإِشْهَادُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ كَانَ مَالِكًا مُتَمَكِّنًا مِنْ نَقْضِ الْحَائِطِ وَقَدْ تَقَرَّرَ ذَلِكَ حِينَ فَسَخَ الْبَيْعَ وَإِنْ أَوْجَبَهُ بَطَلَ الْإِشْهَادُ لِأَنَّهُ زَالَ الْحَائِطُ عَنْ مِلْكِهِ وَلَوْ تَقَدَّمَ إلَى الْمُشْتَرِي فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَمْ يَصِحَّ التَّقَدُّمُ لِأَنَّهُ مَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ هَدْمِ الْحَائِطِ يَوْمئِذٍ حَتَّى إنَّ الْبَائِعَ وَإِنْ أَوْجَبَ لَهُ الْبَيْعَ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِ ضَمَانٌ.
وَلَوْ تَقَدَّمَ إلَى رَجُلٍ فِي حَائِطٍ مَائِلٍ لَهُ عَلَيْهِ جَنَاحٌ شَاعَ قَدْ أَشْرَعهُ الَّذِي بَاعَ الدَّارَ فَسَقَطَ الْحَائِطُ وَالْجَنَاحُ فَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ هُوَ الَّذِي طَرَحَ الْجَنَاحَ كَانَ صَاحِبُ الْحَائِطِ ضَامِنًا لِمَا أَصَابَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْجَنَاحَ مَدْفُوعٌ هَاهُنَا وَالْحَائِطَ بِمَنْزِلَةِ الدَّافِعِ لَهُ وَقَدْ صَحَّ التَّقَدُّمُ فِي الْحَائِطِ إلَى صَاحِبِهِ وَلَوْ كَانَ الْجَنَاحُ هُوَ السَّاقِطُ وَحْدَهُ كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْبَائِعِ الَّذِي أَشَرَعَهُ لِأَنَّ الْبَائِعَ كَانَ مُتَعَدِّيًا فِي وَضْعِ الْجَنَاحِ وَشَغْلِ هَوَاءِ الطَّرِيقِ بِهِ وَالْجَنَاحُ الْآنَ هُوَ السَّاقِطُ مَقْصُودًا فَكَانَ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِهِ عَلَى الَّذِي وَضَعَ الْجَنَاحَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ الْبِئْرِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا]
(قَالَ ﵀): وَإِذَا احْتَفَرَ الرَّجُلُ بِئْرًا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فِي غَيْرِ فِنَائِهِ فَوَقَعَ فِيهَا حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ فَمَاتَ فَضَمَانُ ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ لِحَدِيثِ شُرَيْحٍ فَإِنَّ عَمْرَو بْنَ الْحَارِثِ حَفَرَ بِئْرًا عِنْدَ دَرْبِ أُسَامَةَ فَوَقَعَتْ فِيهَا بَغْلَةٌ فَضَمَّنَهُ شُرَيْحٌ قِيمَتَهَا وَكَانَ قَضَاؤُهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ ذَلِكَ وَلِأَنَّ الْحَافِرَ بِمَنْزِلَةِ الدَّافِعِ لِلْوَاقِعِ فِي مَهْوَاهُ فَإِنَّهُ بِفِعْلِهِ أَزَالَ الْمُسْكَةَ عَنْ الْأَرْضِ وَالْآدَمِيُّ لَا يُسْتَمْسَكُ إلَّا بِمُسْكَةٍ فَإِزَالَةُ مَا بِهِ كَانَ مُسْتَمْسِكًا إيجَادُ شَرْطِ الْوُقُوعِ.
وَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَى الشَّرْطِ مَجَازًا عِنْدَ إضَافَتِهِ إلَى السَّبَبِ وَالسَّبَبُ هَاهُنَا ثِقَلُ الْمَاشِي فِي
стр. 5370
نَفْسِهِ وَلَا يُمْكِنُ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَيْهِ إذْ لَا صُنْعَ لِأَحَدٍ مِنْ الْعِبَادِ فِيهِ فَيَصِيرُ مُضَافًا إلَى الشَّرْطِ وَلِأَنَّ الْحَافِرَ سَبَبٌ لِوُقُوعِهِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا السَّبَبِ لِأَنَّهُ أَحْدَثَ فِي الطَّرِيقِ مَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمَارَّةُ وَيَخْرُجُ بِهِ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَمَرًّا لَهُمْ ثُمَّ الضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِأَنَّهُ دُونَ الْمُخْطِئِ وَفِعْلُ الْمُخْطِئِ اتَّصَلَ بِالْمُتْلَفِ وَفِعْلُ الْحَافِرِ اتَّصَلَ بِالْأَرْضِ فَمَا يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ مِنْ فِعْلِ الْمُخْطِئِ يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ هَاهُنَا بِطَرِيقِ الْأُولَى وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِقَاتِلٍ مُبَاشَرَةً وَقَدْ يَكُونُ الْحَافِرُ مَبْنِيًّا عَلَى وُقُوعِ الْوَاقِعِ فِي الْبِئْرِ فَلَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ فِي ذَلِكَ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَوْجَبَ الضَّمَانَ عَلَى الْحَافِرِ مُطْلَقًا وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ هَذَا إذَا مَاتَ مِنْ وُقُوعِهِ فِي الْبِئْرِ فَإِنْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ فَمَاتَ جُوعًا أَوْ غَمًّا فَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَافِرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ مَاتَ جُوعًا فَكَذَلِكَ وَإِنْ مَاتَ غَمًّا فَالْحَافِرُ ضَامِنٌ لَهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ ضَامِنٌ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا فَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: إنَّمَا يَصِيرُ هَلَاكُهُ مُضَافًا إلَى الْحَافِرِ إذَا هَلَكَ بِسَبَبِ الْوُقُوعِ فَيُجْعَلُ الْحَافِرُ كَالدَّافِعِ لَهُ فَأَمَّا إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ سَبَبٌ آخَرُ لِهَلَاكِهِ كَالْجُوعِ الَّذِي هَاجَ مِنْ طَبْعِهِ أَوْ الْغَمُّ الَّذِي أَثَّرَ فِي قَلْبِهِ فَإِنَّمَا يَكُونُ هَلَاكُهُ مُضَافًا إلَى هَذَا السَّبَبِ وَلَا صُنْعَ لِلْحَافِرِ فِيهِ وَأَبُو يُوسُفَ لَمَا سَبَبٌ لِلْغَمِّ سِوَى الْوُقُوعِ فِي الْبِئْرِ فَأَمَّا الْجُوعُ فَلَهُ سَبَبٌ آخَرُ وَهُوَ بُعْدُ الطَّعَامِ عَنْهُ وَاحْتِرَاقُ مَعِدَتِهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَوَادِّ الطَّعَامِ وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: كُلُّ ذَلِكَ إنَّمَا حَدَثَ بِسَبَبِ الْوُقُوعِ فِي الْبِئْرِ لَوْلَاهُ لَكَانَ الطَّعَامُ قَرِيبًا مِنْهُ وَالْحَافِرُ مُتَعَدٍّ فِي ذَلِكَ السَّبَبِ وَالْحُكْمُ تَارَةً يُضَافُ إلَى السَّبَبِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَتَارَةً بِوَاسِطَةٍ فَكَذَلِكَ يُضَافُ إلَى الشَّرْطِ تَارَةً بِوَاسِطَةٍ وَتَارَةً بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَ عَلَيْهَا أُجَرَاءَ فَحَفَرُوهَا لَهُ فَذَلِكَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْآجِرِ إنْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهَا فِي غَيْرِ فِنَائِهِ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ الْحَارِثِ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الرُّؤَسَاءِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَا بَاشَرَ الْحَفْرَ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا اسْتَأْجَرَ الْأُجَرَاءَ لِذَلِكَ ثُمَّ ضَمَّنَّهُ شُرَيْحٌ وَهَذَا لِأَنَّ الْأُجَرَاءَ يَعْمَلُونَ لَهُ وَلِهَذَا يَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْهِ الْأَجْرَ وَقَدْ صَارُوا مَغْرُورِينَ مِنْ جِهَتِهِ حِينَ لَمْ يُعْلِمْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لَيْسَ مِنْ فِنَائِهِ وَإِنَّمَا حَفَرُوا اعْتِمَادًا عَلَى أَمْرِهِ وَعَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِنَائِهِ فَلِدَفْعِ ضَرَرِ الْغُرُورِ انْتَقَلَ فِعْلُهُمْ إلَى الْآمِرِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ حَفَرَ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهَا مِنْ غَيْرِ فِنَائِهِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ جُنَاةٌ فِي الْحَفْرِ وَأَمْرُهُ إيَّاهُمْ بِالْحَفْرِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لِلْحَفْرِ بِنَفْسِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ أَمْرُهُ لِإِثْبَاتِ صِفَةِ الْحِلِّ بِهِ وَلِدَفْعِ الْغُرُورِ عَنْ الْحَافِرِ بِهِ وَقَدْ انْعَدَمَا جَمِيعًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ أَمْرِهِ فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَى الَّذِينَ بَاشَرُوا الْحَفْرَ.
وَإِنْ كَانَ فِي فِنَائِهِ فَهُوَ عَلَى الْآمِرِ دُونَ الْأُجَرَاءِ عَلِمُوا أَوْ لَمْ
стр. 5371
يَعْلَمُوا لِأَنَّ أَمْرَهُ فِي فِنَائِهِ مُعْتَبَرٌ فَإِنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَهُ أَنْ يَحْفِرَ فِي فِنَائِهِ إذَا كَانَ لَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ مَا لَمْ يَمْنَعْهُ مَانِعٌ وَهَذَا لِأَنَّ الْفِنَاءَ اسْمٌ لِمَوْضِعٍ اخْتَصَّ صَاحِبُ الْمِلْكِ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ مِنْ حَيْثُ كَسْرُ الْحَطَبِ وَإِيقَافُ الدَّوَابِّ وَإِلْقَاءُ الْكُنَاسَةِ فِيهِ فَكَانَ أَمْرُهُ مُعْتَبَرًا فِي الْحِلِّ وَانْتَقَلَ فِعْلُ الْآمِرِ إلَيْهِ بِهَذَا الْأَمْرِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَإِنْ سَقَطَتْ فِيهِ دَابَّةٌ فَعَطِبَتْ فَضَمَانُهُ فِي مَالِهِ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَعْقِلُ الْمَالَ وَإِنَّمَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ النُّفُوسَ مِنْ الْأَحْرَارِ وَالْمَمَالِيكِ بِدَلِيلِ حَالَةِ الْخَطَأِ وَإِذَا وَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ مُتَعَمِّدًا لِلسُّقُوطِ فِيهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْحَافِرِ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا وَلَوْ أَوْقَعَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْحَافِرِ شَيْءٌ وَهَذَا لِأَنَّ وَضْعَهُ الْقَدَمَ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَعَ عِلْمِهِ تَعَدٍّ مِنْهُ وَمُبَاشَرَةُ فِعْلِ إلْقَاءِ النَّفْسِ فِي الْمَهْلَكَةِ وَإِنَّمَا يُضَافُ الْحُكْمُ إلَى الشَّرْطِ إذَا تَعَذَّرَ إضَافَتُهُ إلَى السَّبَبِ فَأَمَّا مَعَ إمْكَانِ الْإِضَافَةِ إلَى السَّبَبِ فَلَا يُضَافُ إلَى الشَّرْطِ
قَالَ: وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ أَرْبَعَةَ رَهْطٍ يَحْفِرُونَ لَهُ بِئْرًا فَوَقَعَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ حَفْرِهِمْ فَقَتَلَتْ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِينَ رُبْعُ دِيَتِهِ وَسَقَطَ الرُّبْعُ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا أَعْوَانًا لَهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَقَطَ عَلَيْهِمْ مَا سَقَطَ بِفِعْلِهِمْ فَكَانُوا مُبَاشِرِينَ لِسَبَبِ الْإِتْلَافِ وَالْقَتِيلُ أَحَدُ الْمُبَاشِرِينَ فَتُوَزَّعُ الدِّيَةُ عَلَيْهِمْ وَيَسْقُطُ مِنْهُ حِصَّةُ الْقَتِيلِ بِجِنَايَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَيَبْقَى حِصَّةُ الثَّلَاثَةِ بِجِنَايَتِهِمْ عَلَيْهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ عَشَرَةَ نَفَرٍ مَدُّوا الْحِلَّةَ فَسَقَطَتْ عَلَى أَحَدِهِمْ فَقَتَلَتْهُ فَقَضَى عَلِيٌّ ﵁ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ التِّسْعَةِ بِعُشْرِ الدِّيَةِ وَأَسْقَطَ الْعُشْرَ حِصَّةَ الْمَقْتُولِ وَعَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَضَى فِي الْقَارِصَةِ وَالْوَاقِصَةِ وَالْقَامِصَةِ بِالدِّيَةِ أَثْلَاثًا وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ ثَلَاثَ جَوَارٍ كُنَّ يَلْعَبْنَ فَرَكِبَتْ إحْدَاهُنَّ صَاحِبَتَهَا فَقَرَصَتْ الثَّالِثَةُ الْمَرْكُوبَةَ فَقَمَصَتْ الْمَرْكُوبَةُ وَوَقَعَتْ الرَّاكِبَةُ فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا فَقَضَى عَلِيٌّ ﵁ بِثُلُثِ الدِّيَةِ عَلَى الْقَارِصَةِ وَبِالثُّلُثِ عَلَى الْقَامِصَةِ وَأَسْقَطَ الثُّلُثَ حِصَّةَ الْوَاقِصَةِ وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَحْفِرُ بِئْرًا فِي فِنَائِهِ فَضَمَانُ مَا يَقَعُ فِيهَا عَلَى الْحَافِرِ وَلَوْ كَانَ فِي غَيْرِ فِنَائِهِ فَالضَّمَانُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ يَدْفَعُ بِهِ أَوْ يَفْدِي وَلَمْ يَفْصِلْ هَاهُنَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ عَالِمًا بِذَلِكَ أَوْ غَيْرَ عَالَمٍ بِخِلَافِ الْحُرِّ وَالْفَرْقُ هُنَاكَ لِمَعْنَى الْغُرُورِ وَلَا غُرُورَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ فَإِنَّ قَرَارَ الضَّمَانِ فِي الْفَصْلَيْنِ عَلَى السَّيِّدِ فَلِهَذَا جَعَلَ فِعْلَ عَبْدِهِ بِأَمْرِهِ كَفِعْلِهِ بِنَفْسِهِ.
وَإِذَا حَفَرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَحَفَرَ مِنْهَا طَائِفَةً فِي أَسْفَلِهَا ثُمَّ وَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ فَمَاتَ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ أَنْ يَضْمَنَ الْأَوَّلُ كَأَنَّهُ الدَّافِعُ وَبِهِ يَأْخُذُ مُحَمَّدٌ لِأَنَّ الْأَوَّلَ بِمَا حَفَرَ مِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ يَصِيرُ كَالدَّافِعِ لِمَنْ سَقَطَ فِي
стр. 5372
الْقَعْرِ الَّذِي حَفَرَهُ صَاحِبُهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ جَوَابَ الِاسْتِحْسَانِ فِيهِ وَالِاسْتِحْسَانُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ هَلَاكَهُ كَانَ بِسَبَبِ فِعْلِهِمَا فَإِنَّ الْوَاقِعَ فِي الْبِئْرِ إنَّمَا يَهْلِكُ عِنْدَ عُمْقِ الْبِئْرِ وَإِتْمَامُ ذَلِكَ بِفِعْلِ الثَّانِي وَقَدْ انْضَمَّ فِعْلُهُ إلَى فِعْلِ الْأَوَّلِ فِي إتْمَامِ شَرْطِ الْإِتْلَافِ فَيَكُونُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا وَلَكِنَّهُ أَخَذَ بِالْقِيَاسِ لِأَنَّ وَجْهَ الْقِيَاسِ أَقْوَى فَإِنَّ التَّعَدِّيَ فِي التَّسْبِيبِ مِنْ حِينِ إزَالَةِ الْمِسْكَةِ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ وَإِخْرَاجُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَمَرًّا وَإِنَّمَا حَصَلَ ذَلِكَ بِفِعْلِ الْأَوَّلِ وَلَوْ وَسَّعَ أَحَدٌ رَأْسَهَا فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ فَمَاتَ كَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ وَتَأْوِيلُ هَذَا أَنَّ الثَّانِيَ وَسَّعَ رَأْسَهَا قَلِيلًا عَلَى وَجْهٍ يَعْلَمُ أَنَّ السَّاقِطَ إنَّمَا وَضَعَ قَدَمَهُ فِي مَوْضِعِ بَعْضِهِ مِنْ حَفْرِ الْأَوَّلِ وَبَعْضُهُ مِنْ فِعْلِ الثَّانِي فَأَمَّا إذَا وَسَّعَ رَأْسَهَا كَثِيرًا عَلَى وَجْهٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا وَضَعَ قَدَمَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي حَفَرَهُ الثَّانِي فَالضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي لِأَنَّ الثَّانِيَ كَالدَّافِعِ لِلْوَاقِعِ بِمَا حَفَرَ فِي الْبِئْرِ الَّذِي حَفَرَهَا الْأَوَّلُ وَالضَّمَانُ عَلَى الدَّافِعِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْوَاقِعَ إنَّمَا وَضَعَ قَدَمَهُ فِيمَا حَفَرَ الْأَوَّلُ خَاصَّةً فَالضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْجَدَ شَرْطَ وُقُوعِهِ حِينَ أَزَالَ الْمِسْكَةَ عَنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَ فِيهِ قَدَمَهُ
وَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ ثُمَّ سَدَّهَا بِطِينٍ أَوْ تُرَابٍ أَوْ جِصٍّ فَجَاءَ آخَرُ فَاحْتَفَرَهَا فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ فَمَاتَ كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي لِأَنَّ الْأَوَّلَ نَسَخَ فِعْلَهُ لِأَنَّهُ طَمَّهَا بِمَا تُطَمُّ بِهِ الْآبَارُ فَعَادَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ أَرْضًا كَمَا كَانَ وَإِنَّمَا الثَّانِي هُوَ الْحَافِرُ لِلْبِئْرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَوْ سَدَّ الْأَوَّلُ رَأْسَهَا وَاسْتَوْثَقَ مِنْهَا فَجَاءَ الْآخَرُ فَنَقَضَ ذَلِكَ كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ فِعْلَ الْأَوَّلِ مَا انْتَسَخَ فَإِنَّهَا بِئْرٌ وَإِنْ سَدَّ رَأْسَهَا إلَّا أَنَّهُ اسْتَتَرَ بِمَا فَعَلَ وَالثَّانِي إنَّمَا أَظْهَرَ فِعْلَ الْأَوَّلِ فَيَبْقَى الضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ وَهَذَا لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ الثَّانِي مِنْ فَتْحِ رَأْسِ الْبِئْرِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِهَلَاكِهِ لَوْلَا الْبِئْرُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَمَا فَعَلَهُ الثَّانِي هُنَاكَ مُوجِبٌ هَلَاكَ الْوَاقِعِ فِي الْبِئْرِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْفِعْلُ مِنْ الْأَوَّلِ أَصْلًا وَكَذَلِكَ إذَا جَعَلَ فِيهَا طَعَامًا أَوْ مَتَاعًا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا تُسَدُّ بِهِ الْآبَارُ فَجَاءَ إنْسَانٌ وَاحْتَمَلَ ذَلِكَ ثُمَّ وَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ فَالضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ حُكْمَ فِعْلِهِ لَمْ يُنْسَخْ بِمَا صَنَعَ فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ بِئْرٌ وَإِنْ جَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ وَفِعْلُ الْأَوَّلِ كَانَ حَفْرَ الْبِئْرِ وَمَا بَقِيَ اسْمُ الْبِئْرِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بَقِيَ حُكْمُ فِعْلِهِ فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ وَلَوْ تَعَقَّلَ بِحَجَرٍ فَسَقَطَ فِي الْبِئْرِ كَانَ الضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي إحْدَاثِ الْحَجَرِ فِي الطَّرِيقِ فَيَصِيرُ بِهِ كَالدَّافِعِ لِمَنْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ دَفَعَهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَضَعَ الْحَجَرَ أَحَدٌ فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ آخَرُ مِنْ شَفِيرِ الْبِئْرِ أَوْ جَاءَ بِهِ سَيْلٌ فَالضَّمَانُ عَلَى حَافِرِ الْبِئْرِ لِأَنَّ التَّعَقُّلَ بِالْحَجَرِ هَاهُنَا غَيْرُ صَالِحٍ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ حِينَ لَمْ
стр. 5373
يَكُنْ بِصُنْعِ أَحَدٍ مِنْ الْعِبَادِ فَبَقِيَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَى الْبِئْرِ وَلَوْ وَضَعَ رَجُلٌ فِي هَذِهِ الْبِئْرِ حَجَرًا أَوْ حَدِيدًا فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ فَقَتَلَهُ الْحَجَرُ أَوْ الْحَدِيدُ كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّافِعِ لِلْوَاقِعِ عَلَى الْحَجَرِ أَوْ الْحَدِيدِ وَإِنَّمَا يُضَافُ الْإِتْلَافُ إلَى الدَّافِعِ.
وَإِذَا حَفَرَ إنْسَانٌ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ فَوَقَعَ فِيهَا رَجُلٌ فَقُطِعَتْ يَدُهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا فَشَجَّهُ رَجُلَانِ فَمَرِضَ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا لِأَنَّ مَا حَصَلَ مِنْ الْجِرَاحَةِ بِالْوُقُوعِ فِي الْبِئْرِ مُضَافٌ إلَى الْحَافِرِ فَكَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِيَدِهِ وَالْمُعْتَبَرُ عَدَدُ الْجُنَاةِ لَا عَدَدُ الْجِنَايَاتِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ رَجُلَانِ وَشَجَّهُ رَجُلٌ آخَرُ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ اللَّذَيْنِ قَطَعَا يَدَيْهِ شَجَّهُ أَحَدُهُمَا شَجَّةً أُخْرَى لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ عَدَدُ الْجُنَاةِ فَقَدْ يَتْلَفُ الْمَرْءُ مِنْ جِرَاحَةٍ وَاحِدَةٍ وَيَسْلَمُ مِنْ عَشْرِ جِرَاحَاتٍ وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ جَرَحَهُ جُرْحَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً وَجَرَحَهُ الْآخَرُ جِرَاحَةً صَغِيرَةً كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَدَدِ الرِّجَالِ وَلَا يَكُونُ عَلَى عِظَمِ الْجِرَاحَةِ وَلَا عَلَى صِغَرِهَا وَلَا عَلَى عَدَدِ جِرَاحِهَا لِأَنَّ كُلَّ جِرَاحَةٍ عِلَّةٌ تَامَّةٌ لِلْإِتْلَافِ وَبِكَثْرَةِ الْعِلَلِ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ لَا يَزْدَادُ مَعْنًى بِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا
وَإِذَا وَقَعَ الرَّجُلُ فِي بِئْرٍ فِي الطَّرِيقِ فَتَعَلَّقَ بِآخَرَ وَتَعَلَّقَ الْآخَرُ بِآخَرَ فَوَقَعُوا جَمِيعًا فَمَاتُوا وَلَمْ يَقَعْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَدِيَةُ الْأَوَّلِ عَلَى الَّذِي حَفَرَ الْبِئْرَ وَدِيَةُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ وَدِيَةُ الثَّالِثِ عَلَى الثَّانِي وَالْحَاصِلُ إنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ.:
أَحَدُهُمَا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُمْ كَيْف مَاتُوا بِأَنْ خَرَجُوا مِنْ الْبِئْرِ أَحْيَاءَ وَأَخْبَرُوا بِذَلِكَ فَنَقُولُ فِي هَذَا الْوَجْهِ مَوْتُ الْأَوَّلِ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ مَاتَ بِوُقُوعِهِ فِي الْبِئْرِ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ لِأَنَّهُ كَالدَّافِعِ لَهُ فِي مَهْوَاهُ وَالثَّانِي أَنْ يَمُوتَ مِنْ وُقُوعِ الثَّانِي عَلَيْهِ فَدَمُهُ هَدَرٌ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَرَّ الثَّانِي عَلَى نَفْسِهِ فَيَكُونُ مُتْلِفًا نَفْسَهُ وَالثَّالِثُ أَنْ يَمُوتَ مِنْ وُقُوعِ الثَّالِثِ عَلَيْهِ فَتَكُونُ دِيَتُهُ عَلَى الثَّانِي لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَرَّ الثَّالِثَ وَالرَّابِعُ أَنْ يَمُوتَ مِنْ وُقُوعِهِ فِي الْبِئْرِ وَوُقُوعِ الثَّانِي عَلَيْهِ فَيَجِبُ نِصْفُ دِيَتِهِ عَلَيْهِ وَيُهْدَرُ نِصْفُهَا لِأَنَّهُ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ وَجَنَى عَلَيْهِ الْحَافِرُ وَالْخَامِسُ أَنْ يَمُوتَ بِوُقُوعِهِ فِي الْبِئْرِ وَوُقُوعِ الثَّالِثِ عَلَيْهِ فَتَكُونَ دِيَتُهُ عَلَى الْحَافِرِ وَعَلَى الثَّانِي نِصْفَيْنِ لِأَنَّ الثَّانِيَ جَانٍ عَلَيْهِ بِجَرِّ الثَّالِثِ وَالْحَافِرُ جَانٍ بِالْحَفْرِ وَالسَّادِسُ أَنْ يَمُوتَ مِنْ وُقُوعِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عَلَيْهِ فَيُهْدَرُ نِصْفُ دَمِهِ وَيَجِبُ نِصْفُ دِيَتِهِ عَلَى الثَّانِي لِأَنَّهُ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ وَجَنَى عَلَيْهِ الثَّانِي وَالسَّابِعُ أَنْ يَمُوتَ مِنْ وُقُوعِهِ فِي الْبِئْرِ وَمِنْ وُقُوعِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عَلَيْهِ فَيَجِبُ ثُلُثُ دِيَتِهِ عَلَى الْحَافِرِ وَثُلُثُهَا عَلَى الثَّانِي بِجَرِّ الثَّالِثِ عَلَيْهِ وَيُهْدَرُ ثُلُثُهَا لِأَنَّهُ بِجِنَايَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِجَرِّهِ الثَّانِيَ عَلَيْهِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِمَوْتِهِ وُجُوهٌ ثَلَاثَةٌ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ مَاتَ بِسَبَبِ الْوُقُوعِ فَتَكُونُ دِيَتُهُ عَلَى
стр. 5374
عَاقِلَةِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَرَّهُ إلَى مُهْوَاةٍ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الدَّافِعِ لَهُ وَالثَّانِي أَنْ يَمُوتَ مِنْ وُقُوعِ الثَّالِثِ عَلَيْهِ فَيَكُونَ دَمُهُ هَدَرًا لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَرَّ الثَّالِثَ عَلَى نَفْسِهِ وَالثَّالِثُ أَنْ يَمُوتَ مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْبِئْرِ وَوُقُوعِ الثَّالِثِ عَلَيْهِ فَيَجِبُ نِصْفُ دِيَتِهِ عَلَى الْأَوَّلِ وَيُهْدَرُ نِصْفُ دِيَتِهِ بِجِنَايَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِمَوْتِهِ سَبَبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَنْ يَمُوتَ بِوُقُوعِهِ فِي الْبِئْرِ فَتَكُونَ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَرَّهُ فِي مُهْوَاةٍ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّهُ إذَا مَاتُوا فِي الْبِئْرِ وَلَا يُعْلَمُ كَيْف مَاتُوا فَإِنْ لَمْ يَقَعْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَدِيَةُ الْأَوَّلِ عَلَى الَّذِي احْتَفَرَ الْبِئْرَ لِأَنَّهُ لَا سَبَبَ لِمَوْتِهِ سِوَى الْوُقُوعِ فِي الْبِئْرِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَهُ حِينَ جَرَّهُ إلَى مُهْوَاةٍ وَإِنْ وُجِدَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مَوْتَى وَلَا يُعْلَمُ كَيْف كَانَ حَالُهُمْ فَالْقِيَاسُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَنَّ صَاحِبَ الْبِئْرِ يَضْمَنُ الْأَوَّلَ وَيَضْمَنُ الْأَوَّلُ الثَّانِيَ وَيَضْمَنُ الثَّانِي الثَّالِثَ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ لِأَنَّ وُقُوعَ الْأَوَّلِ فِي الْبِئْرِ سَبَبٌ لِهَلَاكِهِ وَهُوَ أَسْبَقُ الْأَسْبَابِ وَقَدْ ظَهَرَ الْحُكْمُ عَقِيبَهُ فَيَكُونُ مُضَافًا إلَيْهِ وَلَا يُعْتَبَرُ احْتِمَالُ مَوْتِهِ مِنْ وُقُوعِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ عَلَيْهِ لِأَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ تَرَجَّحَ بِالسَّبْقِ وَالسَّابِقُ وُقُوعُهُ فِي الْبِئْرِ وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الثَّانِي أَسْبَقُ الْأَسْبَابِ الْوُقُوعُ فِي الْبِئْرِ وَهُوَ مُضَافٌ إلَى الْأَوَّلِ وَفِي حَقِّ الثَّالِثِ لَا سَبَبَ لِمَوْتِهِ سِوَى الْوُقُوعِ فِي الْبِئْرِ وَهُوَ مُضَافٌ إلَى الْأَوَّلِ فَضَمَانُهُ عَلَى الثَّانِي وَقَالَ: وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَنْ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ وَقِيلَ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا إنَّ دِيَةَ الْأَوَّلِ أَثْلَاثٌ فَثُلُثُهَا عَلَى الْحَافِرِ وَثُلُثُهَا عَلَى الثَّانِي وَثُلُثُهَا هَدَرٌ لِأَنَّهُ ظَهَرَ بِمَوْتِهِ أَسْبَابٌ ثَلَاثَةٌ وُقُوعُهُ فِي الْبِئْرِ وَوُقُوعُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عَلَيْهِ وَلَيْسَتْ الْإِضَافَةُ إلَى الْبَعْضِ بِأَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ فَالتَّرْجِيحُ فِي هَذَا لَا يَقَعُ بِالسَّبْقِ كَمَا فِي الْجِرَاحَاتِ فَيَكُونُ ثُلُثُ دِيَتِهِ عَلَى الْحَافِرِ وَثُلُثُهُ عَلَى الثَّانِي لِأَنَّهُ جَرَّ الثَّالِثَ إلَيْهِ وَثُلُثُهُ هَدَرٌ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَرَّ الثَّانِي عَلَيْهِ وَدِيَةُ الثَّانِي نِصْفَيْنِ نِصْفُهُ هَدَرٌ وَنِصْفُهُ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ ظَهَرَ لِمَوْتِهِ سَبَبَانِ فَيُضَافُ إلَيْهِمَا وَدِيَةُ الثَّالِثِ عَلَى الثَّانِي كُلِّهَا لِأَنَّهُ لَا سَبَبَ لِمَوْتِهِ سِوَى جَرِّ الثَّانِي إيَّاهُ إلَى نَفْسِهِ قَالَ: فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ مِنْ أَيِّ ذَلِكَ مَاتُوا يَبْطُلُ نِصْفُ ذَلِكَ وَيُؤْخَذُ بِالنِّصْفِ قِيلَ: لَيْسَ مُرَادُهُ حَقِيقَةَ الْمُنَاصَفَةِ بَلْ مُرَادُهُ التَّبْعِيضُ وَالِانْقِسَامُ فِي حَقِّ الْأَوَّلِ أَثْلَاثًا فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ الْمُنَاصَفَةَ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ حَقَّ الثَّانِي خَاصَّةً لِأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ جَمِيعَ دِيَةِ الثَّالِثِ وَاجِبٌ عَلَى الثَّانِي فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا قَالَ فِي الزَّوَائِدِ وَبِهَذَا الْقَوْلِ نَأْخُذُ.
وَإِذَا دَفَعَ رَجُلٌ رَجُلًا فِي بِئْرٍ فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي الطَّرِيقِ فَالضَّمَانُ عَلَى الدَّافِعِ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ لِإِتْلَافِهِ وَمُبَاشَرَةُ
стр. 5375
الْقَتْلِ لَا تَخْتَلِفُ فِي الْمِلْكِ وَغَيْرِ الْمِلْكِ كَالدَّمِ.
وَإِذَا سَقَطَ الرَّجُلُ فِي بِئْرٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ الْحَافِرُ: أَلْقَى نَفْسَهُ فِيهَا عَمْدًا، وَقَالَ وَرَثَةُ الرَّجُلِ: كَذَبَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْحَافِرِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا الْقَوْلُ قَوْلُ الْوَرَثَةِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يَشْهَدُ لَهُمْ فَالْإِنْسَانُ لَا يُلْقِي نَفْسَهُ فِي الْبِئْرِ عَمْدًا فِي الْعَادَةِ فَعِنْدَ الْمُنَازَعَةِ الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: الضَّمَانُ بِالشَّكِّ لَا يَجِبُ وَالظَّاهِرُ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً لِدَفْعِ الِاسْتِحْقَاقِ لَا لِإِثْبَاتِ الِاسْتِحْقَاقِ وَحَاجَةُ الْوَرَثَةِ هَاهُنَا إلَى الِاسْتِحْقَاقِ وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ فَلَا يَكْفِيهِمْ الظَّاهِرُ لِذَلِكَ بَلْ يَحْتَاجُونَ إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ فِيهَا بِغَيْرِ عَمْدٍ وَهَذَا الظَّاهِرُ يُقَابِلُهُ ظَاهِرٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبَصِيرَ يَرَى الْبِئْرَ أَمَامَهُ فِي مَمْشَاهُ فَيَتَقَابَلُ الظَّاهِرَانِ وَيَبْقَى الِاحْتِمَالُ فِي سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ فَلَا نُوجِبُهُ بِالشَّكِّ
وَإِذَا أَمَرَ الْمَوْلَى عَبْدَهُ أَنْ يَحْفِرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ لَيْسَ عِنْدَ دَارِهِ فَحَفَرَهَا كَانَ مَا وَقَعَ فِيهَا فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ يَدْفَعُهُ بِهِ الْمَوْلَى أَوْ يَفْدِيهِ وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْحُرِّ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْغُرُورَ لَا يَتَمَكَّنُ بَيْنَ الْمَوْلَى وَبَيْنَ عَبْدِهِ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ وَحُرًّا وَمُكَاتَبًا يَحْفِرُونَ لَهُ بِئْرًا فَحَفَرُوهَا فَوَقَعَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ حَفْرِهِمْ فَمَاتُوا فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فِي الْحُرِّ وَالْمُكَاتَبِ وَهُوَ ضَامِنٌ لَقِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ يُؤَدِّيهَا إلَى مَوْلَاهُ لِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا لِلْعَبْدِ بِالِاسْتِعْمَالِ وَالْعَبْدُ الْمَحْجُورُ يُضْمَنُ بِالْغَصْبِ بِخِلَافِ الْحُرِّ وَالْمُكَاتَبِ فَهُوَ ضَامِنٌ فَإِذَا مَاتُوا فِي حَالَةِ مَا كَانَ مُسْتَعْمَلًا لَهُمْ كَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَةِ الْعَبْدِ ثُمَّ هَذِهِ الْقِيمَةُ بَدَلٌ عَنْ الْعَبْدِ وَالْعَبْدُ الْجَانِي إذَا أَخْلَفَ بَدَلًا يَتَعَلَّقُ حَقُّ أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ بِذَلِكَ الْبَدَلِ.
فَنَقُولُ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْجِنَايَةِ: إنَّ مَوْتَهُمْ حَصَلَ مِنْ فِعْلِهِمْ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَكُونُ جَانِيًا عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ فَيَنْقَسِمُ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَثْلَاثًا فَالْعَبْدُ الْمَحْجُورُ أَتْلَفَ ثُلُثَ الْحُرِّ فَيَرْجِعُ وَلِيُّهُ بِثُلُثِ دِيَةِ الْحُرِّ فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ وَأَتْلَفَ ثُلُثَ الْمُكَاتَبِ فَيَرْجِعُ وَلِيُّ الْمُكَاتَبِ بِثُلُثِ قِيمَةِ الْمُكَاتَبِ فِي تِلْكَ الْقِيمَةِ فَيُقْسِمُونَ الْقِيمَةَ الَّتِي أَخَذَهَا مَوْلَاهُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ فَيَكُونَ الْفَضْلُ لِلْمَوْلَى لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْتَوْفَى كَمَالَ حَقِّهِ ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَوْلَى عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ بِمَا أَخَذُوا مِنْهُ مِنْ الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ كَانَ غَصَبَ الْعَبْدَ فَارِغًا وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ الْقِيمَةَ مَشْغُولًا بِجِنَايَةٍ كَانَتْ مِنْ الْعَبْدِ فِي يَدِهِ فَإِذَا اُسْتُحِقَّتْ بِذَلِكَ الشَّغْلِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا مَرَّةً أُخْرَى لِتَسْلَمَ لَهُ قِيمَةُ عَبْدِهِ فَارِغًا ثُمَّ الْمُسْتَأْجِرُ قَدْ مَلَكَ الْعَبْدَ حِينَ تَقَرَّرَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ وَقَدْ تَلِفَ ثُلُثُ نَفْسِهِ بِجِنَايَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَيَكُونُ هَدَرًا وَثُلُثُهُ بِجِنَايَةِ الْحُرِّ عَلَيْهِ فَيَرْجِعُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى عَاقِلَةِ الْحُرِّ بِثُلُثِ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَكَذَلِكَ أَوْلِيَاءُ
стр. 5376
الْمُكَاتَبِ يَرْجِعُونَ عَلَى عَاقِلَةِ الْحُرِّ بِثُلُثِ قِيمَةِ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّ ثُلُثَ نَفْسِهِ تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْحُرِّ فَيَجْمَعُ مَا أَخَذَ أَوْلِيَاءُ الْمُكَاتَبِ إلَى مَا تَرَكَهُ فَيَنْظُرُ قِيمَتَهُ مِنْ ذَلِكَ فَيُقَرِّرُ فَيَخْرُجُ وَيَضْرِبُ فِيهَا أَوْلِيَاءُ الْحُرِّ بِثُلُثِ دِيَةِ الْحُرِّ وَالْمُسْتَأْجِرُ بِثُلُثِ قِيمَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ جَنَى عَلَى ثُلُثِ الْحُرِّ وَعَلَى ثُلُثِ الْعَبْدِ وَلَكِنَّ جِنَايَةَ الْمُكَاتَبِ تُوجِبُ عَلَيْهِ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ نَفْسِهِ وَمِنْ الْأَرْشِ فَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ نَفْسِهِ أَقَلَّ كَانَ الْمُسْتَوْفِي مِنْ تَرِكَتِهِ قِيمَتَهُ يُضْرَبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهَا بِجَمِيعِ حَقِّهِ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ حُرًّا وَعَبْدًا يَحْفِرَانِ لَهُ بِئْرًا فَوَقَعَتْ عَلَيْهِمَا فَمَاتَا وَلِلْعَبْدِ مَوْلَيَانِ قَدْ أَذِنَ لَهُ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْآخَرُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فِي الْحُرِّ وَلَا فِي نَصِيبِ الْآذِنِ مِنْ الْعَبْدِ وَهُوَ ضَامِنٌ لِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ نَصِيبَ الَّذِي لَمْ يَأْذَنْ لَهُ لِأَنَّ الْغَصْبَ بِالِاسْتِعْمَالِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي هَذَا النِّصْفِ ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهِ وَرَثَةُ الْحُرِّ بِرُبْعِ دِيَةِ الْحُرِّ لِأَنَّ الْعَبْدَ كُلَّهُ مُتْلِفٌ لِنُصَفَّ الْحُرّ فَإِنَّ مَوْتَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَصَلَ بِفِعْلِهِمَا جَمِيعًا فَهَذَا النِّصْفُ مِنْ الْعَبْدِ إنَّمَا جَنَى عَلَى رُبْعِ الْحُرِّ وَقَدْ مَاتَ وَأَخْلَفَ بَدَلَا فَتَرْجِعُ وَرَثَةُ الْحُرِّ فِي ذَلِكَ الْبَدَلِ بِرُبْعِ دِيَةِ الْحُرِّ وَيَرْجِعُ الْمَوْلَى الَّذِي لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ النِّصْفِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ نِصْفَ الْقِيمَةِ مَشْغُولًا فَإِذَا اسْتَحَقَّ بِذَلِكَ بِشُغْلٍ صَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا فَرَجَعَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى لِيُسَلِّمَ لَهُ نِصْفَ قِيمَةِ الْعَبْدِ فَارِغًا ثُمَّ الْمُسْتَأْجِرُ قَدْ مَلَكَ هَذَا النِّصْفَ بِالضَّمَانِ وَقَدْ تَلِفَ نِصْفُ هَذَا النِّصْفِ بِجِنَايَةِ الْحُرِّ فَيَرْجِعُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى عَاقِلَةِ الْحُرِّ بِرُبْعِ قِيمَةِ الْعَبْدِ فَيُسَلِّمُ لَهُ ذَلِكَ وَيَرْجِعُ الْآذِنُ لِلْعَبْدِ عَلَى عَاقِلَةِ الْحُرِّ بِرُبْعِ قِيمَةِ الْعَبْدِ ثُمَّ هَذَا النِّصْفُ مِنْ الْعَبْدِ كَانَ جَنَى عَلَى رُبْعِ الْحُرِّ وَقَدْ فَاتَ وَأَخْلَفَ بَدَلًا فَيَرْجِعُ وَرَثَةُ الْحُرِّ فِي ذَلِكَ الرُّبْعِ بِرُبْعِ دِيَةِ الْحُرِّ وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ كَانَ عَلَى عَاقِلَةِ الْحُرِّ نِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّ مَعْنَى الْغَصْبِ هَاهُنَا قَدْ انْعَدَمَ وَإِنَّمَا يَبْقَى حُكْمُ الْجِنَايَةِ وَقَدْ جَنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِ صَاحِبِهِ فَيَكُونُ عَلَى عَاقِلَةِ الْحُرِّ نِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ ثُمَّ يَرْجِعُ بِذَلِكَ وَرَثَةُ الْحُرِّ عَلَى مَوْلَى الْعَبْدِ فَيَأْخُذُونَهُ بِنِصْفِ الدِّيَةِ فَإِنَّ الْعَبْدَ قَدْ جَنَى عَلَى نِصْفِ الْحُرِّ وَقَدْ فَاتَ وَأَخْلَفَ هَذَا الْبَدَلَ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّهُ كَانَ يَضْمَنُ فِيمَا سَبَقَ بِاعْتِبَارِ الْغَصْبِ وَقَدْ انْعَدَمَ ذَلِكَ حِينَ كَانَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا لَهُ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ عَبْدَيْنِ أَحَدُهُمَا مَأْذُونٌ لَهُ وَالْآخَرُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فَحَفَرَا بِئْرًا فَوَقَعَتْ عَلَيْهِمَا فَمَاتَ فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِمَوَالِيهِ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ لَهُ بِاسْتِعْمَالِهِ ثُمَّ يَرْجِعُ مَوْلَى الْمَأْذُونِ لَهُ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ فِي تِلْكَ الْقِيمَةِ لِأَنَّ الْمَحْجُورَ كَانَ جَنَى عَلَى نِصْفِ الْمَأْذُونِ وَقَدْ مَاتَ وَأَخْلَفَ قِيمَةً فَيَرْجِعُ مَوْلَى الْمَأْذُونِ فِي تِلْكَ الْقِيمَةِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْمَأْذُونِ ثُمَّ يَضْمَنُ الْمُسْتَأْجِرُ لِمَوْلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مَا أَخَذَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ
стр. 5377
الْمَأْخُوذَ اُسْتُحِقَّ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ الَّتِي كَانَتْ مِنْ الْعَبْدِ فِي يَدِهِ ثُمَّ الْمُسْتَأْجِرُ مَلَكَ الْعَبْدَ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ بِالضَّمَانِ وَقَدْ جَنَى الْمَأْذُونُ عَلَى نِصْفِهِ ثُمَّ مَاتَ الْمَأْذُونُ وَأَخْلَفَ نِصْفَ الْقِيمَةِ فَيَرْجِعُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِيمَا أَخَذَهُ مَوْلَى الْمَأْذُونِ حَتَّى يُسَلِّمَ لَهُ نِصْفَ قِيمَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ
وَإِذَا احْتَفَرَ الرَّجُلُ بِئْرًا فِي دَارٍ لَا يَمْلِكُهَا بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا وَقَعَ فِيهَا لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْحَفْرِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ كَمَا هُوَ مُتَعَدٍّ بِالْحَفْرِ فِي الطَّرِيقِ فَإِنْ أَقَرَّ رَبُّ الدَّارِ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقِيَاسِ لِأَنَّ الضَّمَانَ قَدْ وَجَبَ عَلَى عَاقِلَةِ الْحُرِّ وَهُوَ بِقَوْلِهِ يُرِيدُ إسْقَاطَ ذَلِكَ الضَّمَانِ وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فِي إسْقَاطِ حَقِّهِمْ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ لِأَنَّ رَبَّ الدَّارِ أَقَرَّ بِمَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ فَإِنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ بِالْحَفْرِ الْآنَ فِي مِلْكِهِ صَحَّ إذْنُهُ وَمَنْ أَقَرَّ بِمَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ يَكُونُ مُصَدَّقًا فِي ذَلِكَ فَكَانَ الثَّابِتُ مِنْ الْإِذْنِ بِإِقْرَارِهِ كَالثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ وَالْحَافِرُ يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا فَإِذَا احْتَفَرَ الرَّجُلُ بِئْرًا فِي طَرِيقِ مَكَّةَ أَوْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفَيَافِي فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِالْحَفْرِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إذْ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ أَحَدٌ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يَمْلِكُ بِالْحَفْرِ مَوْضِعَ بِئْرِهِ وَمَا حَوْلَهُ مِنْ الْحَرِيمِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ كَذَلِكَ إذَا كَانَ حَفَرَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا الْحَفْرِ فَهُوَ كَالْحَافِرِ فِي مِلْكِهِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَ هُنَاكَ فُسْطَاطًا أَوْ اتَّخَذَ تَنُّورًا يَخْبِزُ فِيهِ أَوْ رَبَطَ هُنَاكَ دَابَّتَهُ لَمْ يَضْمَنْ مَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ فَعَلَهُ فِي مِلْكِهِ وَهَذَا إذَا كَانَ فِي غَيْرِ الْمَحَجَّةِ فَأَمَّا إذَا احْتَفَرَ فِي مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا يَقَعُ فِيهِ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِلْعَامَّةِ فَالتَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ التَّصَرُّفِ فِي الْأَمْصَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ النَّهْرِ]
(قَالَ ﵀): وَإِذَا احْتَفَرَ الرَّجُلُ نَهْرًا فِي مِلْكِهِ أَوْ جَعَلَ عَلَيْهِ جِسْرًا أَوْ قَنْطَرَةً فِي أَرْضِهِ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِيمَا أَحْدَثَهُ فِي مِلْكِهِ وَالْمُسَبِّبُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا لَا يَكُونُ ضَامِنًا وَإِذَا حَفَرَ الْبِئْرَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبِئْرِ فَيَكُونُ ضَامِنًا لِكَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا فِي السَّبَبِ وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ عَلَيْهِ جِسْرًا أَوْ قَنْطَرَةً فِي غَيْرِ مِلْكِهِ وَالْجِسْرُ اسْمٌ لِمَا يُوضَعُ وَيُرْفَعُ فَلَا يَرْجِعُ وَالْقَنْطَرَةُ مَا يُحْكَمُ بِنَاؤُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ ضَامِنًا فِي هَذَا وَإِنْ أَحْدَثَهُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ مُحْتَسِبٌ فِيمَا صَنَعَ فَإِنَّ النَّاسَ يَنْتَفِعُونَ بِمَا أَحْدَثَهُ
стр. 5378
فَلَا يَكُونُ هُوَ مُتَعَدِّيًا فِيهِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: إنَّمَا يَكُونُ مُحْتَسِبًا إذَا جَعَلَهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ بِمَنْزِلَةِ حَفْرِ الْبِئْرِ فَإِنَّهُ مُحْتَسِبٌ فِيهِ أَيْضًا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ وَمَعَ ذَلِكَ إذَا فَعَلَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ كَانَ ضَامِنًا لِمَا يُعْطَبُ بِهِ فَإِنْ مَشَى عَلَى جِسْرِهِ إنْسَانٌ مُتَعَمِّدًا لِذَلِكَ فَانْخَسَفَ بِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ هَذَا تَعَمَّدَ الْمَشْيَ عَلَيْهِ فَيُعْتَبَرُ وُقُوعُهُ مُضَافًا إلَى فِعْلِهِ لَا إلَى تَسَبُّبِ مَنْ اتَّخَذَ الْجِسْرَ.
وَلَوْ حَفَرَ نَهْرًا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَانْشَقَّ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ مَاءٌ فَغَرَق أَرْضًا أَوْ قَرْيَةً كَانَ ضَامِنًا لِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَسَالَ الْمَاءَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: هُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ أَوْ يُقَالُ هُوَ مُبَاحٌ لَهُ وَلَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَالتَّلَفُ بِهَذَا مِمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَكَانَ ضَامِنًا كَالْمَشْيِ وَالسَّيْرِ عَلَى الدَّابَّةِ فِي الطَّرِيقِ وَلَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا لِأَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ مُطْلَقٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ سَقَى أَرْضَهُ فَخَرَجَ الْمَاءُ مِنْهَا إلَى غَيْرِهَا لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّ سَقْيَ أَرْضِهِ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِهِ وَذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ مُطْلَقًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْرَقَ حَشِيشًا فِي أَرْضِهِ أَوْ حَصَائِدَ أَوْ أَجَمَةً فَخَرَجَتْ النَّارُ إلَى أَرْضِ غَيْرِهِ وَأَحْرَقَتْ شَيْئًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِهِ مُبَاحٌ لَهُ مُطْلَقًا قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: هَذَا إذَا كَانَتْ الرِّيَاحُ سَاكِنَةً حِينَ أَوْقَدَ النَّارَ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْيَوْمُ رِيحًا عَلَى وَجْهٍ يَعْلَمُ أَنَّ الرِّيحَ يَذْهَبُ بِالنَّارِ إلَى أَرْضِ جَارِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ اسْتِحْسَانًا بِمَنْزِلَةِ مَنْ صَبَّ الْمَاءَ فِي مِيزَابٍ لَهُ وَتَحْتَ الْمِيزَابِ مَتَاعٌ لِإِنْسَانٍ يَفْسُدُ بِهِ قَالَ: هُوَ ضَامِنٌ فَكَذَلِكَ النَّارُ يُوقِدُهَا الرَّجُلُ فِي دَارِهِ أَوْ تَنُّورِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا احْتَرَقَ لِأَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِهِ مُبَاحٌ لَهُ مُطْلَقًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ حَفَرَ نَهْرًا أَوْ بِئْرًا فِي دَارِهِ فَنَزَّتْ مِنْ ذَلِكَ أَرْضُ جَارِهِ لَمْ يَضْمَنْ بِهَذَا السَّبَبِ شَيْئًا وَلَا يُؤْمَرُ بِأَنْ يُحَوِّلَ ذَلِكَ عَنْ مَوْضِعِهِ لِأَنَّهُ أَحْدَثَهُ فِي مِلْكِهِ إلَّا أَنَّهُ بَقِيَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ أَنْ يَكُفَّ عَمَّا يُؤْذِي جَارَهُ فَأَمَّا الْحُكْمُ فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَرُ أَنْ يُحَوِّلَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ.
وَلَوْ صَبَّ الْمَاءَ فِي مِلْكِهِ فَخَرَجَ مِنْ صَبِّهِ ذَلِكَ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ فَأَفْسَدَهُ كَانَ هَذَا وَالْأَوَّلُ فِي الْقِيَاسِ سَوَاءً إلَّا أَنَّ صَبَّ الْمَاءِ فِي مِلْكِهِ مُبَاحٌ لَهُ مُطْلَقًا غَيْرَ أَنَّ الْأَخْذَ بِالْقِيَاسِ هَاهُنَا يَقْبُحُ لِأَنَّ الْمَاءَ سَيَّالٌ بِطَبْعِهِ فَإِذَا كَانَ عِنْدَ صَبِّ الْمَاءِ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسِيلُ إلَى مِلْكِ جَارِهِ يَكُونُ ضَامِنًا لِمَا يُفْسِدُ بِهِ اسْتِحْسَانًا.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ صَبَّهُ فِي مِيزَابٍ لَهُ فَأَفْسَدَ مَتَاعًا لَهُ تَحْتَهُ يَكُونُ ضَامِنًا وَيُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ جِنَايَتِهِ بِمَنْزِلَةِ مُبَاشَرَتِهِ بِيَدِهِ وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِيمَا يُشْبِهُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ مَا يَحْدُثُ فِي الْمَسْجِدِ وَالسُّوقِ]
(قَالَ ﵀): وَإِذَا احْتَفَرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فِيهِ بِئْرًا لِمَاءِ الْمَطَرِ أَوْ وَضَعُوا فِيهِ حُبًّا فَصُبَّ
стр. 5379
فِيهِ الْمَاءُ أَوْ طَرَحُوا فِيهِ بَوَارِي أَوْ حَصَى أَوْ رَكَّبُوا فِيهِ بَابًا أَوْ عَلَّقُوا فِيهِ قَنَادِيلَ أَوْ ظَلَّلُوهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيمَا عَطِبَ بِذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ التَّصَرُّفِ مُبَاحٌ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ فِي مَسْجِدِهِمْ مُطْلَقًا فَإِنَّ حَقَّ التَّدْبِيرِ فِي الْمَسْجِدِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْإِصْلَاحِ إلَيْهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَكُونُ لِلْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ فَكَمَا أَنَّ الْمَالِكَ لَا يَكُونُ جَانِيًا بِإِحْدَاثِ شَيْءٍ مِنْ هَذَا فِي مِلْكِهِ فَكَذَلِكَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فِي مَسْجِدِهِمْ وَكَذَلِكَ إنْ فَعَلَهُ غَيْرُهُمْ بِإِذْنِهِمْ لَا يَكُونُ فِعْلُ الْمَأْذُونِ مِنْ جِهَتِهِمْ كَفِعْلِهِمْ وَإِنْ فَعَلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ فَهُوَ ضَامِنٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ إذَا كَانَ مَسْجِدٌ لِلْعَامَّةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ اسْتِحْسَانًا إلَّا الْبِنَاءَ وَالْحَفْرَ.
وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ هَذَا مِمَّا يَرْجِعُ إلَى إصْلَاحِ الْمَسْجِدِ وَعِمَارَةُ الْمَسْجِدِ مِمَّا نَدَبَ اللَّهُ إلَيْهَا كُلَّ مُسْلِمٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨] الْآيَةُ ثُمَّ بِتَعْلِيقِ الْقِنْدِيلِ وَبَسْطِ الْحُصْرِ يَتَمَكَّنُ النَّاسُ مِنْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ سَوَاءٌ فِي إقَامَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ فَكَذَلِكَ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى التَّمَكُّنِ مِنْهُ إلَّا أَنَّ أَهْلَ الْمَسْجِدِ أَخَصُّ بِالتَّدْبِيرِ فَهُمْ فِي ذَلِكَ كَالْمُلَّاكِ وَغَيْرُهُمْ كَالسُّكَّانِ نَحْوُ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ فِي الدَّارِ ثُمَّ الْمُسْتَعِيرُ لَا يَكُونُ جَانِيًا فِي وَضْعِ الْأَمْتِعَةِ وَصَبِّ الْمَاءِ وَنَصْبِ الْقِنْدِيلِ فِي الدَّارِ وَيَكُونُ جَانِيًا فِي الْبِنَاءِ وَحَفْرِ الْبِئْرِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِ الدَّارِ فَكَذَلِكَ غَيْرُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ فِي الْمَسْجِدِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مُعَدٌّ لِلصَّلَاةِ فِيهِ وَالْبِنَاءُ وَالْحَفْرُ يُخْرِجُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُصَلَّى فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّدْبِيرِ لَا مِنْ بَابِ التَّمْكِينِ مِنْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ فَيَخْتَصُّ بِهِ أَهْلُ الْمَسْجِدِ دُونَ غَيْرِهِمْ فَيَكُونُ جَانِيًا إذَا فَعَلَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ وَإِذْنِهِمْ فَأَمَّا بَسْطُ الْحَصِيرِ وَنَصْبُ الْقِنْدِيلِ فَمِنْ بَابِ التَّمْكِينِ مِنْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ فَغَيْرُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ فِيهِ كَأَهْلِ الْمَسْجِدِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: اخْتَصَّ أَهْلُ الْمَسْجِدِ بِالتَّدْبِيرِ فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ فَغَيْرُهُمْ إذَا أَرَادَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يُبَاحُ لَهُ فِعْلُهُ وَلَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَشْيِ وَالسَّيْرِ عَلَى الدَّابَّةِ فِي الطَّرِيقِ وَالدَّلِيلُ عَلَى اخْتِصَاصِ أَهْلِ الْمَسْجِدِ بِهِ أَنَّ التَّدْبِيرَ فِي فَتْحِ الْبَابِ وَإِغْلَاقِهِ وَنَصْبِ الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْمُتَوَلِّي يَكُونُ إلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ دُونَ غَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ لَوْ وُجِدَ فِي مَسْجِدِهِمْ قَتِيلٌ كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْبِنَاءُ وَالْحَفْرُ فَإِنَّ أَهْلَ الْمَسْجِدِ هُمْ الْمُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ وَإِذَا فَعَلَهُ غَيْرُهُمْ وَكَانَ فِيهِ إصْلَاحٌ لِلْمَسْجِدِ كَانَ مُبَاحًا لَهُمْ وَلَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الصَّلَاةُ فِيهِ سَوَاءً ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَخْتَصُّ أَهْلُهُ بِالتَّدْبِيرِ فِيهِ كَالْكَعْبَةِ فَالنَّاسُ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الطَّوَافُ سَوَاءٌ وَقَدْ اخْتَصَّ بَنُو شَيْبَةَ بِالتَّدْبِيرِ فِيهَا حَتَّى إنَّ النَّبِيَّ ﵊ لَمَّا أَخَذَ الْمِفْتَاحَ مِنْهُمْ يَوْمَ الْفَتْحِ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يَأْمُرُهُ بِالرَّدِّ قَالَ اللَّهُ
стр. 5380
تَعَالَى ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
وَإِذَا قَعَدَ الرَّجُلُ فِي مَسْجِدٍ لِحَدِيثٍ أَوْ نَامَ فِيهِ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ أَوْ مَرَّ فِيهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَ كَمَا يَضْمَنُ فِي الطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُصَلِّيًا فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ لَمْ يَضْمَنْ مَا يَعْطَبُ بِهِ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ جَالِسًا فِيهِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ بِمَنْزِلَةِ الْجَالِسِ فِي مِلْكِهِ وَهَذَا لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ قُرْبَةٌ كَالصَّلَاةِ وَالْمُعْتَكِفُ يَتَحَدَّثُ وَيَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْجُلُوسُ لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ قَالَ ﵊: «الْمُنْتَظِرُ لِلصَّلَاةِ فِي الصَّلَاةِ مَا دَامَ يَنْتَظِرُهَا» «وَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ» وَكَذَلِكَ الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ لِتَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَتَعَلُّمِهِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُبَاحًا مُطْلَقًا وَالْمُبَاحُ الْمُطْلَقُ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى الْحُرِّ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الْمَسْجِدُ مُعَدٌّ لِلصَّلَاةِ وَالْقُعُودُ وَالنَّوْمُ فِيهِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ كَالطَّرِيقِ فَإِنَّهُ مُعَدٌّ لِلْمَشْيِ فِيهِ فَالْجُلُوسُ أَوْ النَّوْمُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ يَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ إذَا احْتَاجَ مَنْ يُصَلِّي فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَى إزْعَاجِهِ لِيُصَلِّيَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ شَرْعًا وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْمُصَلِّي أَنْ يُزْعِجَ الْمُصَلِّيَ عَنْ مَكَانِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مُعَدٌّ لِلصَّلَاةِ فِيهِ فَشَغْلُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا أَوْ مَنْدُوبًا إلَيْهِ وَلَا يَكُونُ هَذَا أَقْوَى مِنْ الرَّمْيِ إلَى الْكَافِرِ أَوْ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ أَوْ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَمَعَ ذَلِكَ إذَا أَصَابَ مُسْلِمًا كَانَ ضَامِنًا لَهُ.
وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إذَا مَشَى فِي الْمَسْجِدِ فَأَوْطَأَ إنْسَانًا أَوْ نَامَ فِيهِ فَانْقَلَبَ عَلَى إنْسَانٍ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ لِإِتْلَافِهِ وَبِمِثْلِ هَذَا السَّبَبِ يَضْمَنُ فِي مِلْكِهِ فَفِي الْمَسْجِدِ أَوْلَى.
وَإِذَا احْتَفَرَ الرَّجُلُ فِي سُوقِ الْعَامَّةِ بِئْرًا أَوْ بَنَى فِيهَا دُكَّانًا بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا عَطِبَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا السَّبَبِ فَأُلْحِقَ بِالطَّرِيقِ الْعَامَّةُ وَمَا يَكُونُ حَقًّا لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَالتَّدْبِيرُ فِيهِ إلَى الْإِمَامِ فَإِذَا أَحْدَثَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ كَانَ مُتَعَدِّيًا وَإِذَا فَعَلَهُ بِأَمْرِ السُّلْطَانَ لَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا فِي هَذَا التَّسَبُّبِ فَلَا يَكُونُ ضَامِنًا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَتَلَهُ بِمِلْكِهِ.
وَإِذَا أَوْقَفَ دَابَّةً فِي السُّوقِ فَمَا أَصَابَتْ دَابَّتُهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ وَلِأَنَّهُ مُتَعَدِّيًا بِإِيقَافِهَا فِي الطَّرِيقِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَارَّةِ وَالْمُرُورِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَإِنْ كَانَ مَوْقِفًا تَقِفُ فِيهِ الدَّوَابُّ لِلْبَيْعِ وَقَدْ أَذِنَ لَهُ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ فَأَوْقَفَ فِيهِ الدَّابَّةَ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا فِيمَا أَصَابَتْ الدَّابَّةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ السُّلْطَانُ أَذِنَ فِيهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِأَنَّ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ يَصِيرُ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مُعَدًّا لِإِيقَافِ الدَّوَابِّ فِيهِ فَيَكُونُ إيقَافُهَا فِيهِ بِمَنْزِلَةِ إيقَافِهَا فِي مِلْكِهِ فَأَمَّا
стр. 5381
بِدُونِ إذْنِ السُّلْطَانِ فَهُوَ مَمَرٌّ وَلَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِإِيقَافِ الدَّابَّةِ فَإِذَا أَوْقَفَ فِيهِ دَابَّتَهُ أَوْ أَرْسَلَهَا فِيهِ كَانَ ضَامِنًا لِمَا تَلِفَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ أَوْقَفَهَا وَلَا أَرْسَلَهَا فِيهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا دَابَّةٌ مُنْفَلِتَةٌ فَجُرْحُهَا هَدَرٌ وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ مَعَ أَنَّهُ يُنْكِرُ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ فِي الْمَوْضِعِ الْمُعَدِّ لِإِيقَافِ الدَّوَابِّ إذَا سَارَ عَلَى دَابَّتِهِ فِيهِ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا لِلنَّفْحَةِ بِالرِّجْلِ وَالذَّنَبِ لِأَنَّ هَذَا جُزْءٌ مِنْ الطَّرِيقِ كَسَائِرِ أَجْزَاءِ الطَّرِيقِ فَالسَّيْرُ فِيهِ يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ فِيمَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ دُونَ مَا لَا يُمْكِنُ فَإِذَا أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ أَرْسَلَهَا فَهُوَ يُنْكِرُ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي ذَلِكَ فَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ جِنَايَةِ الْعَبْدِ .]
(قَالَ ﵀): وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً خَطَأً فَمَوْلَاهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ دَفَعَهُ بِهَا وَإِنْ شَاءَ فَدَاهُ بِالْأَرْشِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ جِنَايَتُهُ تَكُونُ دَيْنًا فِي رَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَقْضِيَ الْمَوْلَى دَيْنَهُ وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: يُخَيَّرُ الْمَوْلَى فِي خَطَأِ عَبْدِهِ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ وَمَذْهَبُهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄ فَإِنَّهُمَا قَالَا: عَبِيدُ النَّاسِ أَمْوَالُهُمْ وَجِنَايَتُهُمْ فِي قِيَمِهِمْ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْقِيمَةِ الثَّمَنَ، وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ هَذَا فِعْلٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ فَإِذَا تَحَقَّقَ مِنْ الْعَبْدِ كَانَ الضَّمَانُ الْوَاجِبُ بِهِ دَيْنًا فِي رَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ اسْتِهْلَاكِ الْأَمْوَالِ وَهَذَا لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا عَاقِلَةَ لَهُ وَضَمَانُ الْجِنَايَةِ فِي حَقِّ مَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ بِمَنْزِلَةِ ضَمَانِ الْمَالِ فَيَكُونُ وَاجِبًا فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ وَيَكُونُ شَاغَلَا لِمَالِيَّةِ رَقَبَتِهِ فَيُبَاعُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَقْضِيَ الْمَوْلَى دَيْنَهُ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالْجِنَايَةِ عَلَى النُّفُوسِ نَفْسُ الْجَانِي إذَا أَمْكَنَ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي جِنَايَةِ الْعَمْدِ الْمُسْتَحَقُّ نَفْسُ الْجَانِي قِصَاصًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا فَكَذَلِكَ فِي الْخَطَأِ إلَّا أَنَّ اسْتِحْقَاقَ النَّفْسِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا بِطَرِيقِ الْإِتْلَافِ عُقُوبَةً وَالْآخَرُ بِطَرِيقِ التَّمَلُّكِ عَلَى وَجْهِ الْجُبْرَانِ وَالْحُرُّ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَسْتَحِقَّ فِيهِ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ لَا بِطَرِيقِ التَّمْلِيكِ وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَسْتَحِقَّ نَفْسَهُ بِالطَّرِيقَيْنِ جَمِيعًا فَيَكُونُ الْعَبْدُ مُسَاوِيًا لِلْحُرِّ فِي حَالَةِ الْعَمْدِ وَيَكُونُ مُفَارِقًا لَهُ فِي حَالَةِ الْخَطَأِ لِأَنَّ عُذْرَ الْخَطَأِ لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ نَفْسِهِ تَمْلِيكًا وَالسَّبَبُ يُوجِبُ الْحُكْمَ فِي مَحَلِّهِ وَفِي حَقِّ الْحُرِّ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ وَفِي حَقِّ الْعَبْدِ السَّبَبُ صَادَفَ مَحَلَّهُ فَيَكُونُ مُقَيَّدًا حُكْمُهُ وَهُوَ أَنَّ نَفْسَهُ صَارَتْ مُسْتَحِقَّةً لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ تَمْلِيكًا لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الصِّيَانَةِ عَنْ الْهَدَرِ إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ فَيَكُونُ لَهُ ذَلِكَ لَا مَقْصُودَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ يَحْصُلُ بِهِ وَبَدَلُ الْمُتْلَفِ يَصِلُ
стр. 5382
إلَيْهِ بِكَمَالِهِ بِخِلَافِ إتْلَافِ الْمَالِ فَالْمُسْتَحَقُّ بِهِ بَدَلُ الْمُتْلَفِ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُتْلِفِ وَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ بَدَلَ الْمُتْلَفِ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُتْلِفِ وَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ نَفْسَ الْمُتْلَفِ بِحَالٍ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي أَنَّ مُوجِبَ جِنَايَةِ الْخَطَأِ يَتَبَاعَدُ عَنْ الْجَانِي لِكَوْنِهِ مَعْذُورًا فِي ذَلِكَ وَيَكُونُ الْخَطَأُ مَوْضُوعًا شَرْعًا وَيَتَعَلَّقُ بِأَقْرَبِ النَّاسِ لِإِظْهَارِ صِيَانَةِ الْمَحَلِّ الْمُحْتَرَمِ وَالتَّخْفِيفِ عَلَى الْمُخْطِئِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي حَقِّ الْحُرِّ تَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِهَذَا الْمَعْنَى فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْعَبْدِ إلَّا أَنَّ عَاقِلَةَ الْعَبْدِ مَوْلَاهُ لِأَنَّ الْحُرَّ مُسْتَنْصِرٌ بِعَاقِلَتِهِ وَمُزَادٌ قُوَّةً وَجُرْأَةً بِهِمْ كَمَا أَنَّ الْمَمْلُوكَ يَسْتَنْصِرُ بِمَوْلَاهُ فَيَجِبُ ضَمَانُ جِنَايَتِهِ عَلَى الْمَوْلَى إلَّا أَنَّ لِلْمَوْلَى أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا لَحِقَنِي هَذَا الْبَلَاءُ بِسَبَبِ مِلْكِي فِيهِ فَلِي أَنْ أَتَخَلَّصَ عَنْهُ بِنَقْلِ مِلْكِي فِيهِ إلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَأَدْفَعُهُ بِالْجِنَايَةِ فَإِذَا دَفَعَهُ صَارَ كَأَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ هُوَ الْمَالِكُ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ آخَرُ عَلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ وَإِذَا لَمْ يَدْفَعْهُ كَانَ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ ضَمَانِ الْمَالِ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِي ذِمَّةِ الْمُتْلِفِ وَلَا يُخَاطَبُ غَيْرُهُ كَمَا فِي حَقِّ الْحُرِّ إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: لَا شَيْءَ عَلَى الْمَوْلَى فِي ذَلِكَ حَتَّى يَظْهَرَ حَالُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا لِجِنَايَةِ الْعَبْدِ بِجِنَايَةِ الْحُرِّ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا يَتَأَتَّى فِي جِنَايَةِ الْحُرِّ لِأَنَّ مُوجِبَهَا يَخْتَلِفُ بِالسِّرَايَةِ وَعَدَمِ السِّرَايَةِ فَلَا يَصِيرُ ذَلِكَ مَعْلُومًا قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ وَالْقَضَاءُ بِالْمَجْهُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ ثُمَّ الْوَاجِبُ هَاهُنَا الدَّفْعُ أَوْ الْفِدَاءُ وَالْمَوْلَى يُخَيَّرُ فِي ذَلِكَ وَاخْتِلَافُهُ بِالْبُرْءِ وَالسِّرَايَةِ وَالْخَطَأِ وَالْعَمْدِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ مَا لَمْ يَبْلُغْ النَّفْسَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا قِصَاصَ بَيْنَ الْعَبِيدِ وَالْأَحْرَارِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَيَكُونُ مُوجِبُ جِنَايَتِهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ الْمَالُ بِكُلِّ حَالٍ فَلِهَذَا كَانَ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ فِيهِ سَوَاءً فَإِذَا بَلَغَ النَّفْسَ وَهُوَ عَمْدٌ فَفِيهِ الْقِصَاصُ وَوُجُوبُ الْقِصَاصِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ نَفْسٌ مُخَاطَبَةٌ وَالْمَمْلُوكُ فِي ذَلِكَ كَالْحُرِّ وَالْمُسْتَحَقُّ بِالْقِصَاصِ دَمُهُ وَالْمَمْلُوكُ فِي حُكْمِ الدَّمِ مُبْقَى عَلَى الْحُرِّيَّةِ وَلِهَذَا اسْتَحَقَّ الْمَوْلَى عَلَيْهِ الْقِصَاصَ إذَا تَقَرَّرَ سَبَبُهُ كَمَا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ وَالصَّغِيرُ مِنْ الْجِرَاحَاتِ فِي ذَلِكَ وَالْكَبِيرُ سَوَاءٌ عَلَى الْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى بِمَنْزِلَةِ الْمَوْجُودِ مِنْ الْحُرِّ فَكَمَا أَنَّ هُنَاكَ لَا يَتْلَفُ مُوجِبُ الْجِنَايَةِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ فَكَذَلِكَ بِجِنَايَةِ الْعَبْدِ. .
وَلَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ شَيْئًا مِنْ جِنَايَةِ الْعَبْدِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالْجِنَايَةِ نَفْسُهُ وَنَفْسُهُ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِلْعَاقِلَةِ وَالْمَوْلَى وَلِأَنَّ الْمَوْلَى فِي كَوْنِهِ مُخَاطَبًا بِجِنَايَةِ الْعَبْدِ بِمَنْزِلَةِ الْعَاقِلَةِ وَلَا يَتَحَمَّلُ غَيْرُ الْعَاقِلَةِ عَوَاقِلَهُمْ فَكَذَلِكَ لَا يَتَحَمَّلُ جِنَايَةَ الْعَبْدِ عَاقِلَةُ مَوْلَاهُ بَلْ سَبَبُ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَى الْمَوْلَى مِلْكُهُ رَقَبَتَهُ وَكَسْبَهُ وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِذَلِكَ دُونَ عَوَاقِلِهِ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَوْلَى مُوجِبُ جِنَايَةِ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ كَسْبَهُ بَلْ الْمُكَاتَبُ أَحَقُّ بِمَكَاسِبِهِ فَيَكُونُ مُوجِبُ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ دُونَ مَوْلَاهُ وَالْمُسْتَسْعَى فِي بَعْضِ قِيمَتِهِ
стр. 5383
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَالْمُكَاتَبِ.
فَأَمَّا جِنَايَةُ الْعَبْدِ عَلَى الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ فَتَكُونُ دَيْنًا فِي عُنُقِهِ تُقْضَى مِنْ كَسْبِهِ أَوْ يُبَاعُ فِيهَا وَكَذَلِكَ لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً مُكْرَهَةً فَذَلِكَ دَيْنٌ فِي عُنُقِهِ يُبَاعُ فِيهِ لِأَنَّ الْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ مِمَّا يُمْلَكُ بِالْعَقْدِ سَوَاءٌ كَانَ فِي حُكْمِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُلْتَزِمُ بِذَلِكَ حُرًّا كَانَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ دُونَ عَوَاقِلِهِ بِأَنْ وَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ أَوْ مُسْتَكْرَهَةً وَسَقَطَ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ يَكُونُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ وَالدَّيْنُ عَلَيْهِ يَكُونُ شَاغِلًا لِمَالِيَّةِ رَقَبَتِهِ وَلَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى الْمَمَالِيكِ خَطَأً فِيهَا دُون النَّفْسِ وَإِنْ كَانَ الْجَانِي حُرًّا لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقِصَاصُ بِحَالٍ لِأَنَّ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ الْمُتْلَفُ جُزْءٌ مِنْ الْجِسْمِ وَالْجِسْمُ يَدْخُلُ تَحْتَ الْقَهْرِ وَالِاسْتِيلَاءِ فَيَصِيرُ مَمْلُوكًا مَآلًا فَيَكُونُ إتْلَافُهُ فِي حُكْمِ إتْلَافِ الْمَالِ فَيَجِبُ فِيهِ الضَّمَانُ عَلَى الْمُتْلِفِ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَيَكُونُ ذَلِكَ حَالًا فِي مَالِهِ وَلَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ بِمَنْزِلَةِ إتْلَافِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ.
فَإِذَا بَلَغَ النَّفْسَ عَقَلَتْهُ الْعَاقِلَةُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ كَمَا هُوَ أَصْلُهُ وَقَدْ اعْتَبَرَهُ فِي حُكْمِ الْقِصَاصِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَعْقِلُ نَفْسَ الْعَبْدِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَاسْتَدَلَّ فِيهِ بِقَوْلِهِ ﵇: «وَلَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا» وَالْمُرَادُ أَنَّ نَفْسَ الْعَبْدِ لَا تَعْقِلُهَا الْعَاقِلَةُ وَهَذَا لِأَنَّ الْعَبْدَ يَحِلُّ لِلتَّمَلُّكِ بِالْعَقْدِ فَمَا يَجِبُ مِنْ الضَّمَانِ بِإِتْلَافِهِ يَكُونُ عَلَى الْمُتْلِفِ فِي مَالِهِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ الْقِيمَةُ الْوَاجِبَةُ بِإِتْلَافِ نَفْسِ الْعَبْدِ بِمَنْزِلَةِ الدِّيَةِ الْوَاجِبَةِ بِإِتْلَافِ نَفْسِ الْحُرِّ وَذَلِكَ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلًا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ فَهَذَا مِثْلُهُ وَهَذَا لِأَنَّ مَعْنَى النَّفْسِيَّةِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقَهْرِ فَلَا يَتَنَاوَلُهَا الْمُلَّك بَلْ الْعَبْدُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ عَمْدًا كَمَا يَتَعَلَّقُ بِقَتْلِ الْحُرِّ وَكَذَلِكَ الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَأِ وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِصَاصِ وَلَا كَفَّارَةً فِي ضَمَانِ الْأَمْوَالِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمَالَ وَاجِبٌ هَاهُنَا بِالنَّصِّ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْمَالَ لَا يَكُونُ مَثَلًا لِمَا لَيْسَ بِمَالِ وَمَا لَا يَكُونُ مَمْلُوكًا مِنْ الْآدَمِيِّ لَا يَكُونُ مَالًا وَإِنَّمَا وُجُوبُ الْمَالِ بِقَوْلِهِ ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] إلَّا أَنَّ هَذِهِ الدِّيَةَ فِي حَقِّ الْعَبْدِ الْقِيمَةُ وَفِي حَقِّ الْحُرِّ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ كَمَا بَيَّنَهُ الشَّرْعُ وَالدِّيَةُ تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلَةً فِي ثَلَاثِ سِنِينَ فِي حَالَةِ الْخَطَأِ وَبِهَذَا الْمَعْنَى خَالَفَ النَّفْسَ مَا دُونَ النَّفْسِ لِأَنَّ مَا دُونَ النَّفْسِ لَا مَدْخَلَ فِيهِ لِلْكَفَّارَةِ وَالْقِصَاصِ وَتَأْوِيلُ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَعْقِلُ جِنَايَةَ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِ الْعَبْدِ وَبِهِ نَقُولُ ثُمَّ الْوَاجِبُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ الْمَمْلُوكِ قِيمَتُهُ قُلْت قِيمَتُهُ أَوْ كَثُرَتْ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تُزَادُ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ وَلَا تَنْقُصُ عَنْ عَشَرَةِ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةِ دَرَاهِمَ إذَا كَانَ الْعَبْدُ كَبِيرَ الْقِيمَةِ فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا ﵏ -
стр. 5384
وَفِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ تَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ أَمَةً فَإِنَّهَا لَا تُزَادُ قِيمَتُهَا عَلَى خَمْسَةِ آلَافٍ وَيَنْقُصُ مِنْ ذَلِكَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ فَأَمَّا فِي قَطْعِ طَرَفِ الْعَبْدِ فَيَجِبُ نِصْفُ قِيمَتِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْجَوَابِ إلَّا رِوَايَةً عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجِبُ فِي قَطْعِ يَدِ الْعَبْدِ خَمْسَةُ آلَافٍ إلَّا خَمْسَةً ذَكَرَهُ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْوَكَالَةِ
وَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا فِي قَتْلِ الْعَبْدِ قِيمَتَهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَلِأَنَّ الْمُتْلَفَ مَاتَ فَيَجِبُ ضَمَانُ قِيمَتِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ وَهَذَا لِأَنَّ ضَمَانَ الْمَالِ يَجِبُ بِطَرِيقِ الْجُبْرَانِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْجُبْرَانُ بِمَا يَكُونُ مِثْلًا لَهُ فِي صِفَةِ الْمَالِيَّةِ وَلِهَذَا يَضْمَنُ الْمَمْلُوكُ عِنْدَ الْغَصْبِ بِقِيمَتِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْقَتْلِ وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنَّهُ مَالٌ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ لِلْمَوْلَى وَمِلْكُهُ فِي عَبْدِهِ مِلْكُ مَالٍ وَالضَّمَانُ الْوَاجِبُ لَهُ يَكُونُ ضَمَانَ الْمَالِ إذَا أَمْكَنَ وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي حَالَةِ الْعَمْدِ لِأَنَّ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ يَقُولُ الْقِصَاصُ يَكُونُ بَدَلًا عَنْ الْمَالِيَّةِ أَيْضًا إلَّا أَنَّ الْمَالِيَّةَ تَرْقُبُ بِهَذَا الْمَحَلِّ فَتَصِيرُ مَضْمُونَةً بِالنُّقْصَانِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَالُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ مَضْمُونًا بِالْقِصَاصِ بِمَنْزِلَةِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ يَكُونُ مَضْمُونًا بِاعْتِبَارِ حُرْمَةِ الْمَحَلِّ بِمَا لَا يَضْمَنُ بِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ وَهَذَا لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ الْعَمْدَ وَالتَّكَافُؤَ وَذَلِكَ تُمْكِنُ مُرَاعَاتُهُ فِي هَذَا الْمَالِ دُونَ سَائِرِ الْأَمْوَالِ فَكَانَ هَذَا الْمَالُ مَضْمُونًا بِالْقِصَاصِ دُونَ سَائِرِ الْأَمْوَالِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ فِي الْأَسْوَاقِ لِيُوجِبَ بِهِ حِينَ يَنْفُذُ السُّوقُ وَهَذَا يَخْتَصُّ بِضَمَانِ الْأَمْوَالِ فَأَمَّا فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ فَإِنَّمَا تَجِبُ الْإِبِلُ وَلَا مَدْخَلَ لِلْإِبِلِ هَاهُنَا.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ بِاخْتِلَافِ أَوْصَافِ الْمُتْلَفِ فِي الْجِنْسِ وَالْجَمَالِ وَالْمَالِيَّةِ تَخْتَلِفُ هَذِهِ الْأَوْصَافُ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ عَنْ الدِّيَةِ نُقْصَانًا غَيْرَ مُعْتَبَرٍ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ ضَمَانُ مَالٍ أَوْ يَكُونُ الْمُتْلَفُ عَبْدًا فَتَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ كَمَا لَوْ كَانَ قَلِيلَ الْقِيمَةِ وَهَذَا لِأَنَّ فِي الْعَبْدِ مَعْنَيَيْنِ: مَعْنَى النَّفْسِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ بَدَلًا عَنْ الْمَالِيَّةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى تَرْجِيحِ مَعْنَى الْمَالِيَّةِ صَيْرُورَتُهُ مَحِلًّا قَابِلًا لِلتَّصَرُّفَاتِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ وَخُرُوجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلْوِلَايَاتِ الَّتِي اخْتَصَّتْ بِهَا النُّفُوسُ الْمُحْتَرَمَةُ عَلَى أَنَّا نَعْتَبِرُ كِلَا الْوَصْفَيْنِ فَنَقُولُ: مَتَى كَانَ الْوَاجِبُ بِإِتْلَافِهِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَهُوَ الْقِصَاصُ يَتَرَجَّحُ مَعْنَى النَّفْسِيَّةِ وَلِهَذَا لَا يَخْتَلِفُ بِقِلَّةِ الْمَالِيَّةِ وَكَثْرَةِ الْمَالِيَّةِ وَهَذَا لِأَنَّ ضَمَانَ الْمَالِ بِالْمَالِ أَصْلٌ وَضَمَانٌ مَا لَيْسَ بِمَالٍ يَكُون عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَمَهْمَا أَمْكَنَ إيجَابُ الضَّمَانِ عَلَى مُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ فَلَا مَعْنَى لِلْمَصِيرِ إلَى إيجَابِهِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ
стр. 5385
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ إذَا قُبِضَ فَالْبَيْعُ يَبْقَى بِبَقَاءِ الْقِيمَةِ وَإِنَّمَا يَبْقَى الْبَيْعُ إذَا فَاتَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَأَخْلَفَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الضَّمَانُ بَدَلَ الْمَالِيَّةِ لَمَا بَقِيَ الْعَقْدُ بِاعْتِبَارِهِ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَتَنَاوَلُ الْمَالِيَّةَ.
وَالرَّاهِنُ إذَا قَتَلَ الْمَرْهُونَ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَلَا حَقَّ لِلْمُرْتَهِنِ إلَّا فِي الْمَالِيَّةِ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ بِحَالٍ لِأَنَّ الْقِصَاصَ بَدَلٌ عَنْ النَّفْسِيَّةِ فَلَوْ كَانَتْ الْقِيمَةُ كَذَلِكَ لَمَا وَجَبَ عَلَى الرَّاهِنِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الِاعْتِبَارِ فَنَقُولُ: إذَا كَانَ الْعَبْدُ كَبِيرَ الْقِيمَةِ يَجِبُ مِقْدَارُ الدِّيَةِ لِاعْتِبَارِ مَعْنَى النَّفْسِيَّةِ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إلَى تَمَامِ الْقِيمَةِ لِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْمَالِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَتَلَ حُرًّا وَمَزَّقَ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ ﵀ عَنْهُ أَنَّ مِقْدَارَ الدِّيَةِ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إلَى تَمَامِ الْقِيمَةِ يَكُونُ فِي مَالِ الْجَانِي لِهَذَا الْمَعْنَى وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ لَا تَبْلُغُ قِيمَةُ الْعَبْدِ دِيَةَ الْحُرِّ وَيَنْقُصُ مِنْهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَهَذَا كَالْمَرْوِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّ الْمَقَادِيرَ لَا تُعْرَفُ بِالْقِيَاسِ وَإِنَّمَا طَرِيقُ مَعْرِفَتِهَا التَّوْقِيفُ وَالسَّمَاعُ مِنْ صَاحِبِ الْوَحْيِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ هَذَا ضَمَانٌ وَجَبَ بِقَتْلِ الْآدَمِيّ فَلَا يُزَادُ عَلَى الدِّيَاتِ كَمَا لَوْ وَجَبَ بِقَتْلِ الْحُرِّ وَهَذَا لِأَنَّ زِيَادَةَ الْبَدَلِ تَكُونُ بِزِيَادَةِ الْفَضِيلَةِ وَمَا مِنْ فَضْلٍ فِي الْعَبِيدِ إلَّا وَيُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْأَحْرَارِ وَزِيَادَةً ثُمَّ الْحُرُّ مَعَ أَنَّهُ مَجْمَعُ الْقِصَاصِ لَا يُزَادُ بَدَلُهُ عَلَى أَعْلَى الدِّيَاتِ فَالْعَبْدُ أَوْلَى وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ الضَّمَانَ وَجَبَ بِالْقَتْلِ هَاهُنَا لِأَنَّ الْقَتْلَ سَبَبٌ تُضْمَنُ بِهِ النَّفْسُ بِالدِّيَةِ وَهُوَ حُكْمٌ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] وَنَفْسُ الْعَبْدِ فِي هَذَا دَاخِلَةٌ كَنَفْسِ الْحُرِّ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهَا تُضْمَنُ بِالْكَفَّارَةِ كَنَفْسِ الْحُرِّ فَكَذَلِكَ بِالدِّيَةِ وَالدِّيَةُ بِمُقَابَلَةِ النَّفْسِ مُقَدَّرَةٌ بِالنَّصِّ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا بِالرَّأْيِ فَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُهَا بِالرَّأْيِ فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ هَاهُنَا بِاعْتِبَارِ النَّفْسِيَّةِ وَأَنَّ الْوَاجِبَ الدِّيَةُ لِأَنَّا لَوْ لَمْ نَجْعَلْهُ وَاجِبًا بِاعْتِبَارِ النَّفْسِيَّةِ كُنَّا قَدْ أَسْقَطْنَا بِالرَّأْيِ مَا هُوَ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ ضَمَانَ النَّفْسِ بِالدِّيَةِ لِإِظْهَارِ حُرْمَةِ الْمَحَلِّ وَصِيَانَتِهِ عَنْ الْإِهْدَارِ وَنَفْسُ الْعَبْدِ مُحْتَرَمَةٌ كَنَفْسِ الْحُرِّ فَلَا يَجُوزُ إهْدَارُهَا مَا أَمْكَنَ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ صِفَةَ الْمَالِيَّةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ تَبَعٌ لِلنَّفْسِيَّةِ لِأَنَّ قِوَامَ الْمَالِيَّةِ بِبَقَاءِ النَّفْسِيَّةِ وَهَذَا هُوَ عَلَامَةُ التَّبَعِ مَعَ الْمَتْبُوعِ.
وَلَا يَجُوزُ إهْدَارُ الْأَصْلِ بِحَالٍ لِمُرَاعَاةِ التَّبَعِ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْأَصْلِ اعْتِبَارَ التَّبَعِ وَلَيْسَ فِي اعْتِبَارِ التَّبَعِ اعْتِبَارَ الْأَصْلِ وَإِذَا جَعَلْنَا الضَّمَانَ وَاجِبًا بِاعْتِبَارِ النَّفْسِيَّةِ كُنَّا اعْتَبَرْنَا مَا هُوَ الْأَصْلُ وَبِاعْتِبَارِهِ يَحْصُلُ اعْتِبَارُ التَّبَعِ فَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُجْعَلَ بِمُقَابَلَةِ الْمَالِيَّةِ وَيُهْدَرُ مَعْنَى النَّفْسِيَّةِ
стр. 5386
وَلِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي الْبَابِ أَنْ تَثْبُتَ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ النَّفْسِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ وَلَكِنْ مَعَ الْمُسَاوَاةِ تَتَرَجَّحُ النَّفْسِيَّةُ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ وَهُوَ الْقَتْلُ لِأَنَّ الْقَتْلَ سَبَبٌ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْأَمْوَالُ عَادَةً وَإِنَّمَا يَقْصِدُ بِهِ النُّفُوسَ لِمَعْنَى التَّشَفِّي وَالِانْتِقَامِ فَأَمَّا الْأَمْوَالُ فَإِنَّمَا تَقْصِدُ بِالْغَصْبِ فَلَا جَرَمَ ضَمَانُ الْغَصْبِ يَكُونُ ضَمَانَ مَالٍ يَجِبُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَلَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْأَحْرَارِ وَضَمَانُ الْقَتْلِ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ النَّفْسِيَّةِ سَوَاءٌ بِقَتْلِ الْحُرِّ أَوْ وَجَبَ بِقَتْلِ الْعَبْدِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى بِقَتْلِ عَبْدِهِ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْفَائِدَةِ فَإِنَّ مَا يَجِبُ بِمُقَابِلَةِ نَفْسِ الْعَبْدِ يَكُونُ لِمَوْلَاهُ عَلَى سَبِيلِ الْخِلَافَةِ عَنْهُ وَالْخِلَافَةُ بِسَبَبِ الْمِلْكِ لَا تَنْعَدِمُ حُكْمًا بِالْقَتْلِ فَلَوْ وَجَبَ وَجَبَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا فَضْلُ الْقِصَاصِ فَإِنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى النَّفْسِيَّةِ ثُمَّ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى إذَا قَتَلَ عَبْدَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ فَكَذَلِكَ الْمَالُ.
وَمَنْ يَقُولُ: الْقِصَاصُ وَاجِبٌ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ فَهُوَ لَغْوٌ مِنْ الْكَلَامِ لِأَنَّ الْمَالَ لَا يُضْمَنُ بِالْقِصَاصِ بِحَالٍ فَكَيْفَ يُضْمَنُ بِالْقِصَاصِ وَالْمَقْصُودُ بِالْمَالِ التَّمَوُّلُ وَالِادِّخَارُ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ وَلَيْسَ فِي الْقِصَاصِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلِهَذَا يَتَبَيَّنُ تَرْجِيحُ مَعْنَى النَّفْسِيَّةِ عَلَى مَعْنَى الْمَالِيَّةِ لِأَنَّ الْمُتْلَفَ فِي حَالِ الْخَطَأِ مَا هُوَ الْمُتْلَفُ فِي حَالَةِ الْعَمْدِ فَإِذَا جَعَلَ الْمَضْمُونَ مِنْهُ فِي حَالَةِ الْعَمْد مَعْنَى النَّفْسِيَّةِ فَكَذَلِكَ فِي حَالَةِ الْخَطَأِ وَمَنْ يَقُولُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَذَلِكَ فَضْلٌ مِنْ الْكَلَامِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هَاهُنَا طَرِيقٌ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ الدِّيَةَ مَعَ كَمَالِ الْقِيمَةِ وَيُسْتَوْفَى فِي حَالَةِ الْعَمْدِ الْقِصَاصُ بِاعْتِبَارِ النَّفْسِيَّةِ وَالْقِيمَةُ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ وَأَحَدٌ لَا يَقُولُ ذَلِكَ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِمَا بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ مِنْ الْمُغَايَرَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّضَادِّ فَأَمَّا النُّقْصَانُ فَنَقُولُ: بَدَلُ النَّفْسِ قَدْ يَنْقُصُ عَنْ أَعْلَى الدِّيَاتِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى مُوجِبٍ لِلنُّقْصَانِ فِي الْمَحَلِّ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ يَنْقُصُ بِالْأُبُوَّةِ وَبِالْكُفْرِ عَنْ أَصْلِ الْخَصْمِ وَبِالِاجْتِنَانِ فِي الْبَطْنِ بِالِاتِّفَاقِ فَإِنَّ بَدَلَ الْجَنِينِ دُونَ بَدَلِ الْمُنْفَصِلِ وَإِنْ كَانَ الْوُجُوبُ بِاعْتِبَارِ النَّفْسِيَّةِ هُنَاكَ إذْ لَا مَالِيَّةَ فِي الْجَنِينِ حُرًّا كَانَ أَوْ مَمْلُوكًا فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَ عَنْ أَعْلَى الدِّيَاتِ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَمْلُوكِيَّةِ وَهَذَا لِأَنَّ تَكْمِيلَ الدِّيَةِ بِاعْتِبَارِ كَمَالِ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ بَدَلَ الْأُنْثَى عَلَى النِّصْفِ مِنْ بَدَلِ الذَّكَرِ لِأَنَّ الذَّكَرَ أَهْلٌ لِمَالِكِيَّةِ الْمَالِ وَالنِّكَاحِ وَالْأُنْثَى أَهْلٌ لِمَالِكِيَّةِ الْمَالِ دُونَ مَالِكِيَّةِ النِّكَاحِ فَإِنَّهَا مَمْلُوكَةٌ نِكَاحًا فَيَتَنَصَّفُ بَدَلُهَا بِذَلِكَ وَالْجَنِينُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي الْحَالِ وَلَكِنَّ فِيهِ عُرْضَةَ الْأَهْلِيَّةِ لِذَلِكَ إذَا انْفَصَلَ حَيًّا فَبِاعْتِبَارِهِ يَنْقُصُ بَدَلُهُ غَايَةَ النُّقْصَانِ إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ بِسَبَبِ الرِّقِّ تَنْتَقِصُ صِفَةُ الْمَالِكِيَّةِ لِأَنَّهُ صَارَ مَمْلُوكًا مَآلًا وَلَمْ يَبْقَ مَالِكًا لِلنِّكَاحِ بِنَفْسِهِ إلَّا أَنَّ هَذَا النُّقْصَانَ عَارِضٌ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ بِأَنْ يُعْتَقَ فَيَجُوزُ أَنْ يُزَادَ بَدَلُ الرَّقِيقِ عَلَى بَدَلِ الْأُنْثَى لِهَذَا
стр. 5387
وَيَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَ بِاعْتِبَارِ الْحَالِ وَهُوَ أَنَّهُ دُونَ الْأُنْثَى فِي صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ ثُمَّ صِفَةِ الْمَمْلُوكِيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَخْتَلِفُ فِي الرَّقِيقِ وَلَكِنْ يَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْوَصْفِ مَا يَخْتَلِفُ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ الْمَالِيَّةُ فَإِنْ أَمْكَنَ إظْهَارُ النُّقْصَانِ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنْ كَانَ قَلِيلَ الْقِيمَةِ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ لِإِظْهَارِ النُّقْصَانِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بِأَنْ كَانَ كَثِيرَ الْقِيمَةِ فَحِينَئِذٍ يُصَارُ فِي النُّقْصَانِ إلَى مَعْنَى شَرْعِيٍّ.
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ النُّقْصَانَ إذَا كَانَ فَبِاعْتِبَارِ الْمَالِكِيَّةِ وَإِنَّمَا النُّقْصَانُ بِاعْتِبَارِ الْمَمْلُوكِيَّةِ وَذَلِكَ لَا يُزَادُ بِزِيَادَةِ الْمَالِيَّةِ وَإِنَّمَا اعْتِبَارُ الْمَالِيَّةِ لِإِظْهَارِ مِقْدَارِ النُّقْصَانِ إذَا أَمْكَنَ لَا لِثُبُوتِ أَصْلِ النُّقْصَانِ عَلَى أَنَّ بِزِيَادَةِ الْمَالِيَّةِ يَزْدَادُ النُّقْصَانُ وَعِنْدَ قِلَّةِ الْمَالِيَّةِ يَنْتَقِصُ الْوَاجِبُ عَنْ الدِّيَةِ لَا عَنْ الْقِيمَةِ وَعِنْدَ كَثْرَةِ الْمَالِيَّةِ يُنْتَقَصُ الْوَاجِبُ عَنْ الْقِيمَةِ وَعَنْ الدِّيَةِ جَمِيعًا وَإِنَّمَا قَرَّرْنَا النُّقْصَانَ بِعَشَرَةٍ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَلِأَنَّ صِفَةَ الْمَمْلُوكِيَّةِ تُظْهِرُ التَّفَاوُتَ بَيْنَهُمَا فِيمَا يَتَقَدَّرُ بِالْعَشَرَةِ وَهُوَ الْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ اسْتِيفَاءُ ذَلِكَ مِنْ الْحُرِّ إلَّا بِعَقْدٍ يَتَقَدَّرُ الْبَدَلُ فِيهِ بِعَشَرَةٍ وَيَجُوزُ اسْتِيفَاءُ ذَلِكَ مِنْ الْأَمَةِ بِعَقْدٍ مُتَعَدٍّ عَنْ الْبَدَلِ وَهُوَ الْهِبَةُ فَإِنَّ الْجَارِيَةَ الْمَوْهُوبَةَ يُبَاحُ وَطْؤُهَا فَإِذَا ظَهَرَ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَمْلُوكِيَّةِ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا فِيمَا هُوَ مُقَدَّرٌ بِالْعَشَرَةِ نَصًّا قَدَّرْنَا النُّقْصَانَ بِالْعَشَرَةِ لِهَذَا وَلِهَذَا قُلْنَا فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً فَالنُّقْصَانُ عَنْ الدِّيَةِ يَتَقَدَّرُ بِعَشَرَةٍ وَالرُّجُوعُ إلَى تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ قَدْ يَكُونُ فِيمَا يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ النَّفْسِيَّةِ كَحُكُومَةِ الْعَدْلِ وَالْوُجُوبُ لِلْمَوْلَى لِأَنَّهُ يَخْلُفُهُ خِلَافُ الْوَارِثِ الْمُوَرِّثِ وَلِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَالِكِيَّةِ قِوَامِهَا بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَحَلِّ فَمَا يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ الْمَحَلِّ فِي حَقِّهِ يُجْعَلُ كَالْوَاجِبِ بِمُقَابَلَةِ الْمَالِيَّةِ وَلِهَذَا قُلْنَا: الْبَيْعُ يَبْقَى إذَا قُتِلَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ لِأَنَّ صِحَّةَ الْبَيْعِ بِاعْتِبَارِ بَقَاءِ مَعْنَى الْمَالِيَّةِ الَّتِي تُمْلَكُ بِالْبَيْعِ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَحَلِّ فَيُجْعَلُ بَدَلُ الْمَحَلِّ بِمَنْزِلَةِ بَدَلِ الْمَالِيَّةِ فِي بَقَاءِ الْبَيْعِ بِاعْتِبَارِهِ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا حَتَّى وَجَبَ الْقِصَاصُ بَقِيَ الْبَيْعُ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ إذَا قَتَلَهُ الرَّاهِنُ فَإِنَّ إيجَابَ الضَّمَانِ هُنَاكَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى النَّفْسِيَّةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِمَا قَرَّرْنَا فِي الْمَوْلَى إذَا قَتَلَ عَبْدَهُ فَجَعَلْنَا الْوَاجِبَ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ وَلِهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقِصَاصُ بِحَالٍ فَتَجِبُ فِيهِ الْمَالِيَّةُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ فَأَمَّا طَرَفُ الْمَمْلُوكِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ الْمَالِيَّةُ فَقَطْ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِالْقِصَاصِ وَلَا بِالْكَفَّارَةِ فَلِهَذَا قَالَ: كَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ الْقِيمَةَ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا ﵀ قَالَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: الْقَوْلُ بِهَذَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَجِبَ بِقَطْعِ طَرَفِ الْعَبْدِ فَوْقَ مَا يَجِبُ بِقَتْلِهِ بِأَنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ بَلَغَتْ أَلْفًا فَيَجِبُ بِقَطْعِ طَرَفِهِ خَمْسَةَ عَشْرَ أَلْفًا أَوْ عَشَرَةُ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةً وَهَذَا قَبِيحٌ جِدًّا فَلِهَذَا قَالَ: لَا يُزَادُ عَلَى نِصْفِ
стр. 5388
بَدَلِ نَفْسِهِ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ خَمْسَةَ آلَافٍ إلَّا خَمْسَةً.
وَلَوْ قَتَلَ الْعَبْدُ قَتِيلًا وَلَهُ وَلِيَّانِ فَعَفَا أَحَدُهُمَا دَفَعَ الْمَوْلَى إلَى الْبَاقِي نِصْفَهُ أَوْ فَدَاهُ بِنِصْفِ الدِّيَةِ لِأَنَّ النَّصِيبَ الَّذِي لَمْ يَعْفُ انْقَلَبَ مَالًا عِنْدَ عَفْوِ الشَّرِيكِ فَيَكُونُ هَذَا فِي نَصِيبِهِ كَالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْخَطَأُ وَلَوْ قَتَلَ قَتِيلًا خَطَأً وَفَقَأَ عَيْنَ آخَرَ دَفَعَهُ الْمَوْلَى إلَيْهِمَا أَوْ فَدَاهُ فَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَدَاهُ بِالْأَرْشِ وَذَلِكَ دِيَةُ النَّفْسِ عَشَرَةُ آلَافٍ وَأَرْشُ الْعَيْنِ خَمْسَةُ آلَافٍ.
وَإِذَا اخْتَارَ الدَّفْعَ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَصَرَّفَ فِيهِ بِجَمِيعِ حَقِّهِ وَحَقُّ وَلِيِّ الْقَتِيلِ عَشَرَةُ آلَافٍ وَحَقُّ الْمَفْقُودِ عَيْنُهُ خَمْسَةُ آلَافٍ فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى وَهُوَ يَعْلَمُ بِالْجِنَايَتَيْنِ فَهُوَ مُخْتَارٌ وَعَلَيْهِ خَمْسَةَ عَشْرَ أَلْفًا فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ فَوَّتَ مَحَلَّ الدَّفْعِ بِالْإِعْتَاقِ وَبَعْدَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ كَانَ هُوَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ فَتَفْوِيتُهُ مَحَلَّ الدَّفْعِ يَكُونُ اخْتِيَارَ الْفِدَاءِ دَلَالَةَ التَّصَرُّفِ فَهُوَ كَالتَّصْرِيحِ بِالِاخْتِيَارِ وَكَذَلِكَ لَوْ دَبَّرَهُ أَوْ بَاعَهُ أَوْ كَاتَبَهُ فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ دَفْعُهُ بِمَا أَنْشَأَ مِنْ التَّصَرُّفِ فَيَتَضَمَّنُ الَّذِي اخْتَارَ الْفِدَاءَ مِنْهُ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ أَمَةً فَاسْتَوْلَدَهَا فَإِنْ جَامَعَهَا وَلَمْ تَلِدْ فَلَيْسَ هَذَا بِاخْتِيَارٍ وَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يَقُولُ: الْوَطْءُ دَلِيلُ الِاخْتِيَارِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا كَانَ بِالْخِيَارِ فَوَطِئَ الْمَبِيعَةَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ اخْتِيَارًا لِلْفَسْخِ وَهَذَا لِأَنَّ الْوَطْءَ دَلِيلُ تَقْرِيرِ مِلْكِهِ فِيهَا وَلِأَنَّ الْوَطْءَ فِي حُكْمِ الْجِنَايَةِ وَلَوْ جَنَى عَلَيْهَا كَانَ لِلْفِدَاءِ وَجْهٌ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْوَطْءَ لَا يُمْكِنُ نُقْصَانًا فِي عَيْنِهَا إذَا كَانَتْ ثَيِّبًا وَلَا يُعْجِزُهُ عَنْ دَفْعِهَا فَيَكُونُ إقْدَامُهُ عَلَيْهِ دَلِيلَ الِاخْتِيَارِ كَالِاسْتِخْدَامِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِأَنَّ هُنَاكَ لَوْ لَمْ يَجْعَلْهُ فَاسِخًا لِلْعَقْدِ بِالْوَطْءِ لَكَانَ إذَا أَجَازَ الْعَقْدَ مَلَكَهَا الْمُشْتَرِي مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ وَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ زَوَائِدَهَا فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ الْوَطْءَ حَصَلَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَلِلتَّحَرُّزِ عَنْ هَذَا جَعَلْنَاهُ فَاسِخًا وَهَا هُنَا إذَا دَفَعَهَا بِالْجِنَايَةِ مَلَكَهَا وَلِيُّ الْجِنَايَةِ مِنْ وَقْتِ الدَّفْعِ وَلِهَذَا لَا يُسَلَّمُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ زَوَائِدِهَا فَلَا يَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّ الْوَطْءَ كَانَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ وَالْوَطْءُ وَإِنْ كَانَ كَالْجِنَايَةِ لَكِنَّ الْجِنَايَةَ لَا يَبْقَى لَهَا أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ فَلَا يَكُونُ اخْتِيَارًا وَكَذَا الْوَطْءُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ زَوَّجَهَا لِأَنَّ التَّزْوِيجَ كَالِاسْتِخْدَامِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُمْكِنُ نُقْصَانًا فِي عَيْنِهَا وَلَا يُعْجِزُهُ عَنْ دَفْعِهَا بِالْجِنَايَةِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَجَّرَهَا أَوْ رَهَنَهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الدِّيَاتِ يَقُولُ: الْإِجَارَةُ وَالرَّهْنُ يَكُونُ اخْتِيَارًا مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّ الْبَدَلَ بِهَذَيْنِ الْعَقْدَيْنِ يَصِيرُ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ وَذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنْ دَفْعِهَا بِالْجِنَايَةِ فَيُجْعَلُ اخْتِيَارُ الْفِدَاءِ كَالْكِتَابَةِ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْإِجَارَةَ تُنْقَضُ بِالْقَدْرِ فَيَكُونُ قِيَامُ حَقِّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فِيهَا عُذْرًا فِي نَقْضِ الْإِجَارَةِ وَالرَّاهِنُ يَتَمَكَّنُ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ
стр. 5389
وَاسْتِرْدَادِ الرَّهْنِ مَتَى شَاءَ وَلَمْ يَتَحَقَّقَ عَجْزُهُ عَنْ دَفْعِهَا بِهَذَيْنِ الْعَقْدَيْنِ فَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ اخْتِيَارًا بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ ثَبَتَ لَهُ اسْتِحْقَاقٌ لَا يَمْلِكُ الْوَلِيُّ إبْطَالَهُ وَذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنْ دَفْعِهَا وَإِنْ ضَرَبَ الْعَبْدَ ضَرْبًا لَزِمَهُ مِنْهُ عَيْبٌ فَاحِشٌ أَوْ جَرَحَهُ أَوْ قَتَلَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ فَمُخْتَارٌ لِأَنَّ حَقَّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ يَثْبُتُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ وَقَدْ فُوِّتَ جُزْءٌ فَامْتَنَعَ الدَّفْعُ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ وَهُوَ لَا يَتَحَمَّلُ التَّجَزُّؤَ فِي الدَّفْعِ بِالْجِنَايَةِ فَتَفْوِيتُ جُزْءٍ مِنْهُ كَتَفْوِيتِ كُلِّهِ.
وَلَوْ دَفَعَ الْعَبْدَ فِي بِئْرٍ حَفَرَهَا الْمَوْلَى فِي الطَّرِيقِ أَوْ أَصَابَهُ جُنَاحٌ أَشْرَعهُ الْمَوْلَى فَلَيْسَ هَذَا بِاخْتِيَارٍ لِأَنَّ الْمَوْلَى إنْ كَانَ فَعَلَ هَذَا قَبْلَ جِنَايَةِ الْعَبْدِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ صُنْعٌ بَعْدَ جِنَايَتِهِ إذْ لَا صُنْعَ لَهُ فِي وُقُوعِ الْعَبْدِ فِي الْبِئْرِ وَإِنْ كَانَ الْحَفْرُ مِنْهُ بَعْدَ جِنَايَتِهِ فَهُوَ عِنْدَ الْحَفْرِ مَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ عَبْدَهُ يَقَعُ بِهِ وَلَا قَصَدَ ذَلِكَ بِحَفْرِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَافِرَ الْبِئْرِ يَصِيرُ قَاتِلًا وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَالِاخْتِيَارُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِمُبَاشَرَةِ فِعْلٍ مِنْ الْمَوْلَى يَكُونُ مُقَوِّيًا لَهُ مَحَلَّ الدَّفْعِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا لَا يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى فِيهِ الْكَفَّارَةُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارٍ مِنْهُ وَلَكِنْ عَلَى الْمَوْلَى الْقِيمَةُ إنْ مَاتَ الْعَبْدُ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا لِأَنَّ الْمَوْلَى سَبَبٌ لِهَلَاكِهِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِي ذَلِكَ التَّسَبُّبِ وَلَوْ أَتْلَفَهُ مُبَاشَرَةً عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَصِرْ مُخْتَارًا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْجِنَايَةِ كَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ فَكَذَلِكَ إذَا أَتْلَفَهُ بِطَرِيقِ التَّسْبِيبِ.
وَلَوْ أَوَطْأَهُ الْمَوْلَى وَهُوَ يَسِيرُ عَلَى دَابَّتِهِ أَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ بِجِنَايَةِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَتَعَمَّدْ الْوَطْءَ وَلَا الْوُقُوعَ فَهَذَا اخْتِيَارٌ وَعَلَيْهِ الْأَرْشُ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ قَتْلَهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَلِهَذَا يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَمُبَاشَرَةُ الْقَتْلِ بِتَفْوِيتِ مَحَلِّ الدَّفْعِ فَإِذَا كَانَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ يُجْعَلُ اخْتِيَارًا وَلَا مُعْتَبَرُ بِتَعَمُّدِهِ الْوَطْءَ وَالْوُقُوعَ عَلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَاطِنِهِ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ كَاتَبَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِجِنَايَتِهِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِأَنَّهُ مَنَعَ الدَّفْعَ بِمَا أَحْدَثَ مِنْ التَّصَرُّفِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَصِرْ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ حِينَ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْجِنَايَةِ فَيَكُونُ مُسْتَهْلِكًا مَحَلَّ الدَّفْعِ وَذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْقِيمَةَ لِمَوْلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ كَالرَّاهِنِ إذَا اسْتَهْلَكَ الْمَرْهُونَ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَإِنْ كَانَ عَلِمَ بِإِحْدَى الْجِنَايَتَيْنِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْأُخْرَى فَهُوَ مُخْتَارٌ لِلَّذِي عَلِمَ بِهَا وَعَلَيْهِ الْأَرْشُ وَلِلْأُخْرَى حِصَّتُهَا مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ تَصَرُّفَهُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجِنَايَتَيْنِ كَأَنَّهُ لَا جِنَايَةَ سِوَاهَا فَفِيمَا كَانَ عَالِمًا بِهَا يَجْعَلُ مُخْتَارًا لِوُجُودِ دَلِيلِ الِاخْتِيَارِ وَفِيمَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهَا مُسْتَهْلِكًا مَحَلَّ الدَّفْعِ فَعَلَيْهِ حِصَّتُهَا مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ.
وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً لَمْ تَبْلُغْ النَّفْسَ فَأَعْتَقَهُ الْمَوْلَى وَهُوَ يَعْلَمُ بِهَا قَبْلَ الْبُرْءِ ثُمَّ انْتَقَضَتْ الْجِرَاحَةُ فَمَاتَ وَهُوَ مُخْتَارٌ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِتَخَيُّرِ الْمَوْلَى جِنَايَةُ الْعَبْدِ وَإِنَّمَا وُجِدَ الْإِعْتَاقُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهَا فَيَكُونُ
стр. 5390
ذَلِكَ مِنْهُ اخْتِيَارًا لِلْأَرْشِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ أَدَاءَ الْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْجُرْحِ قَبْلَ زَهُوقِ الرُّوحِ جَائِزٌ بِمَنْزِلَةِ أَدَائِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا أَعْتَقَهُ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ بَرِئَتْ فَقَدْ صَارَ مُخْتَارًا لِمَا يَجِبُ مِنْ الْأَرْشِ بَرَأَتْ أَوْ سَرَتْ.
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ ضَرَبْت فُلَانًا بِالسَّيْفِ أَوْ بِالْعَصَا أَوْ بِسَوْطٍ أَوْ بِيَدِك أَوْ شَجَجْتَهُ أَوْ جَرَحْتَهُ فَأَنْتِ حُرٌّ فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ فَمَاتَ مِنْهُ عَتَقَ وَالْمَوْلَى مُخْتَارٌ لِلدِّيَةِ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْمُنْجَزِ وَلِأَنَّ الْمَوْلَى لَمَّا عَلَّقَ عِتْقَهُ بِشَرْطٍ هُوَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْأَرْشِ وَتَخَيُّرِهِ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاء فَقَدْ صَارَ رَاضِيًا بِالْتِزَامِ الْفِدَاءِ بِمَنْزِلَةِ الصَّحِيحِ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إذَا مَرِضْتُ فَمَرِضَ وَمَاتَ يَصِيرُ فَارًّا مِنْ مِيرَاثِهَا فَإِنْ كَانَتْ جِنَايَةُ الْعَبْدِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا الْقِصَاصُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَوْلَى لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْقِصَاصُ عَلَى الْعَبْدِ وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ فَلَا يَصِيرُ الْمَوْلَى بِالْعِتْقِ مُفَوِّتًا حَقَّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
وَإِذَا جَرَحَ الْعَبْدُ رَجُلًا فَخُوصِمَ فِيهِ الْمَوْلَى فَاخْتَارَ الْعَبْدَ وَأَعْطَى الْأَرْشَ ثُمَّ انْتَقَضَتْ الْجِرَاحَةُ فَمَاتَ الْمَجْرُوحُ فَالْقِيَاسُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْلَى مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرُ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُخَيَّرُ الْمَوْلَى خِيَارًا مُسْتَقْبَلًا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَرَجَعَ أَبُو يُوسُفَ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ إلَى الْقِيَاسِ وَأَخَذَ مُحَمَّدٌ ﵀ بِالِاسْتِحْسَانِ وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ فِي الْكُتُبِ ثَلَاثَ مَسَائِلَ هَذِهِ وَمَسْأَلَةُ تَكْرَارِ تِلَاوَةِ السَّجْدَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الْمَوْلَى اخْتَارَ الْأَرْشَ بَعْدَ مَا تَقَرَّرَ السَّبَبُ فَنَزَلَ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ اخْتِيَارِهِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ وَهَذَا لِأَنَّهُ أَقْدَمُ عَلَى الِاخْتِيَارِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ قَدْ يَبْرَأُ وَقَدْ يَنْتَقِضُ فَيَسْرِي إلَى النَّفْسِ.
يُوضِحُهُ أَنَّ الِاخْتِيَارَ قَدْ يَكُونُ مِنْهُ حُكْمًا وَقَدْ يَكُونُ قَصْدًا فَقَدْ صَارَ مُخْتَارًا لِمَا يَجِبُ بِهَا ثُمَّ الِاخْتِيَارُ بِطَرِيقِ الْحُكْمِ يُسَوَّى فِيهِ بَيْنَ مَا قَبْلَ الْبُرْءِ وَمَا بَعْدَهُ وَهُوَ الْإِعْتَاقُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ اخْتِيَارٌ لِمُوجِبِ الْفِعْلِ فَكَذَلِكَ فِي الِاخْتِيَارِ قَصْدًا وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمَوْلَى اخْتَارَ الْأَرْشَ عَلَى حُسْبَانِ أَنَّ الْبُرْءَ قَدْ تَمَّ وَإِنَّ الْوَاجِبَ أَرْشُ الطَّرَفِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ دَلِيلَ اخْتِيَارِهِ الدِّيَةَ فَالْإِنْسَانُ قَدْ يَخْتَارُ الشَّيْءَ إذَا كَانَ قَلِيلًا وَلَا يَخْتَارُهُ إذَا كَانَ كَثِيرًا فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْوَاجِبَ كَانَ هُوَ الدِّيَةَ قُلْنَا يُخَيَّرُ خِيَارًا مُسْتَقْبَلًا بِمَنْزِلَةِ الشَّفِيعِ إذَا أَخْبَرَ بِثَمَنٍ قَلِيلٍ فَطَلَبَ الشُّفْعَةَ وَقَضَى لَهُ بِهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الثَّمَنَ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ عَلَى خِيَارِهِ وَلَوْ أَخْبَرَ أَنَّ الثَّمَنَ كَثِيرٌ فَسَلَّمَ الشُّفْعَةَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ كَانَ هُوَ عَلَى حَقِّهِ بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ فَإِنَّهُ تَفْوِيتٌ لِمَحَلِّ الدَّفْعِ وَلَا يُمْكِنُ إبْقَاءُ خِيَارِهِ بَعْدَهُ قَائِمًا وَعِنْدَ الِاخْتِيَارِ قَصْدًا لَا يَفُوتُ مَحَلُّ الدَّفْعِ فَلِهَذَا كَانَ عَلَى خِيَارِهِ إلَّا أَنَّهُ
стр. 5391
رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ مَا إذَا أَعْطَى الْأَرْشَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَبَيْنَ مَا إذَا أَعْطَاهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، قَالَ: إذَا أَعْطَاهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَإِنَّ الْمَجْرُوحَ يُخَيَّرُ خِيَارًا مُسْتَقْبَلًا بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْطَاهُ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي فَإِنَّ ذَلِكَ اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِلدِّيَةِ طَوْعًا بِمَنْزِلَةِ مَنْ اشْتَرَى دَارًا بِعَبْدٍ فَأَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الْعَبْدُ فَإِنْ أَخَذَهَا بِقَضَاءِ الْقَاضِي بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهَا وَإِنْ أَخَذَهَا بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي جَعَلَ ذَلِكَ كَالشِّرَاءِ الْمُبْتَدَإِ وَعَنْ زُفَرَ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا يَصِيرُ مُخْتَارًا لِأَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا قَضَى بِالْأَرْشِ بِنَاءً عَلَى اخْتِيَارِهِ.
قَالَ: وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً فَاخْتَارَ الْمَوْلَى إمْسَاكَ عَبْدِهِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ قَاضٍ أَوْ عِنْدَ غَيْرِ قَاضٍ فَالْعَبْدُ عَبْدُهُ وَالْأَرْشُ دَيْنٌ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إنْ أَدَّى الدِّيَةَ مَكَانَهُ وَإِلَّا دَفَعَ الْعَبْدَ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْأَوْلِيَاءُ أَنْ يَتْبَعُوهُ بِالدِّيَةِ عَلَى مَا قَالَ فَإِنْ رَضُوا بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَرْجِعُوا فِي الْعَبْدِ. وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ نَفْسَ صَاحِبِ الْعَبْدِ صَارَ حَقًّا لِمَوْلَى الْجِنَايَةِ إلَّا أَنَّ الْمَوْلَى يَتَمَكَّنُ مِنْ تَحْوِيلِ حَقِّهِمْ مِنْ الْعَبْدِ إلَى الْأَرْشِ بِاخْتِيَارِهِ الْفِدَاءَ فَإِذَا أَعْطَاهُمْ الْأَرْشَ كَانَ هَذَا تَحْوِيلًا لِحَقِّهِمْ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ فِيهِ وَفَاءٌ بِحَقِّهِمْ فَيَكُونُ صَحِيحًا مِنْهُ وَإِذَا كَانَ مُفْلِسًا كَانَ هَذَا مِنْهُ إبْطَالًا لِحَقِّهِمْ لَا تَحْوِيلًا مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ يُعَدُّ لَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ بَاطِلًا مِنْ الْمَوْلَى وَهَذَا لِأَنَّ ثُبُوتَ الْخِيَارِ لِلْمَوْلَى كَانَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ مِنْ الشَّرْعِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ صَاحِبُ الْحَقِّ.
فَإِذَا آلَ الْأَمْرُ إلَى الضَّرَرِ كَانَ بَاطِلًا بِمَنْزِلَةِ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ إذَا مَاتَ مُفْلِسًا فَإِنَّ الدَّيْنَ يَعُودُ إلَى ذِمَّةِ الْمُحِيلِ لِأَنَّهُ حَوَّلَ حَقَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ بِشَرْطِ أَنْ يُسْلِمَ لَهُ فَإِذَا لَمْ يُسْلِمْ عَادَ كَمَا كَانَ وَفِي بَيْعِ الْمُعَاوَضَةِ إذَا هَلَكَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْعَقْدُ فِي الْآخَرِ لِأَنَّ صَاحِبَهُ حَوَّلَ حَقَّهُ إلَى الْعِوَضِ الْآخَرِ بِشَرْطِ أَنْ يُسْلِمَ لَهُ فَإِذَا لَمْ يُسْلِمْ عَادَ كَمَا كَانَ وَكَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ وَالْآخَرُ بِالشُّفْعَةِ إنْ سَلَّمَ الثَّمَنَ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الدَّارَ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي فَصْلِ الشُّفْعَةِ بِالتَّسْلِيمِ فَهَاهُنَا أَيْضًا إنْ رَضِيَ الْمَوْلَى كَانَ مُسْقِطًا حَقَّهُ فِي الْعَبْدِ وَإِنْ أَبَى كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ بِجِنَايَةِ الْعَبْدِ يُخَيَّرُ الْمَوْلَى بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ وَالْمُخَيَّرُ بَيْنَ اثْنَيْنِ إذَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ وَاجِبًا مِنْ الْأَصْلِ كَالْمُكَفِّرِ إذَا اخْتَارَ أَحَدَ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فَهَاهُنَا بِاخْتِيَارِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الدِّيَةُ فِي ذِمَّةِ الْمَوْلَى مِنْ الْأَصْلِ وَأَنَّ الْعَبْدَ فَارِغٌ مِنْ الْجِنَايَةِ فَلَا يَكُونُ لِأَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ.
يُوضِحُهُ أَنَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ شَرْعًا يَسْتَبِدُّ بِالْخِيَارِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى رِضَا صَاحِبِهِ وَلَوْ
стр. 5392
رَضِيَ الْأَوْلِيَاءُ أَنْ يَتْبَعُوا بِالدِّيَةِ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ حَقٌّ فِي الْعَبْدِ فَكَذَلِكَ إذَا اخْتَارَ الْمَوْلَى ذَلِكَ فِي حَالِ مَا ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ شَرْعًا وَقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْحَقِيقَةِ تُبْنَى عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي التَّفْلِيسِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ التَّفْلِيسُ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَالْمَالُ غَادٍ وَرَائِحٌ وَهَذَا التَّصَرُّفُ مِنْ الْمَوْلَى يَكُونُ تَحْوِيلًا لِحَقِّ الْأَوْلِيَاءِ إلَى ذِمَّتِهِ لَا إبْطَالًا وَعِنْدَهُمَا التَّفْلِيسُ مُعْتَبَرٌ وَالْمَالُ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ يَكُونُ تَأَوِّيًا فَيَكُونُ هَذَا الِاخْتِيَارُ مِنْ الْمَوْلَى إبْطَالًا لِحَقِّ الْأَوْلِيَاءِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ اخْتِيَارَ الْمَوْلَى هَاهُنَا مُعْتَبَرٌ حَتَّى لَا يَكُونَ لِأَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ حَقُّ تَمَلُّكِ الْعَبْدِ بِالْأَخْذِ بَعْدَ هَذَا الِاخْتِيَارِ وَلَكِنْ يُبَاعُ الْعَبْدُ فِيهِ فَيَدْفَعُ ثَمَنَهُ إلَى الْأَوْلِيَاءِ مِنْ حِسَابِ الدِّيَةِ الَّتِي عَلَى الْمَوْلَى وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ فِي الْحَجْرِ بِسَبَبِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: الْقَاضِي يَحْجُرُ عَلَى الْمَدْيُونِ وَيَبِيعُ عَلَيْهِ مَالَهُ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الْحَجْرِ.
قَالَ: وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً خَطَأً ثُمَّ أَقَرَّ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ حُرٌّ قَبْلَ الدَّفْعِ إلَيْهِ فَلَا حَقَّ لَهُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَلَا عَلَى الْمَوْلَى لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ حُرٌّ وَأَنَّ جِنَايَتَهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لَا يَسْتَحِقُّ بِهَا رَقَبَتَهُ وَزَعْمُهُ مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّهِ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ بَعْدَ هَذَا الْإِقْرَارِ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْمَوْلَى لِأَنَّهُ لَمْ يُدْعَ عَلَى الْمَوْلَى بَعْدَ الْجِنَايَةِ حَتَّى يَصِيرَ بِهِ مُخْتَارًا أَوْ مُسْتَهْلَكًا وَلَوْ كَانَ إقْرَارُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا دَفَعَ إلَيْهِ الْعَبْدَ فَهُوَ حُرٌّ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالدَّفْعِ وَقَدْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ فَيُعْتَق بِإِقْرَارِهِ وَيَكُونُ مَوْقُوفَ الْوَلَاءِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّ الْبَائِعَ كَانَ أَعْتَقَهُ.
قَالَ: وَإِذَا جَنَتْ الْأَمَةُ جِنَايَةً ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا أَوْ اكْتَسَبَتْ كَسْبًا فَإِنَّ مَوْلَاهَا يَدْفَعُهَا بِالْجِنَايَةِ وَلَا يَدْفَعُ وَلَدَهَا وَلَا كَسْبَهَا لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ نَفْسِهَا بِالْجِنَايَةِ الْخَطَأِ كَاسْتِحْقَاقِ نَفْسِهَا بِالْعَمْدِ قِصَاصًا وَذَلِكَ لَا يَسْرِي إلَى الْكَسْبِ وَالْوَلَدِ وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ غَيْرُ مُتَأَكِّدٍ فِي عَيْنِهَا.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمَوْلَى مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَهَا أَوْ يَفْدِيَهَا بِالْأَرْشِ وَإِنَّمَا يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ مَا يَكُونُ مُتَأَكِّدًا فِي الْأَصْلِ حِينَ انْفَصَلَ الْوَلَدُ عَنْهَا وَأَمَّا الْكَسْبُ فَإِنَّمَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَصْلِ وَعِنْدَ الِاكْتِسَابِ كَانَ مِلْكُ الْأَصْلِ لِلْمَوْلَى دُونَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَإِنْ جَنَى عَلَيْهَا فَأَخَذَ الْمَوْلَى لِذَلِكَ أَرْشًا فَإِنَّهُ يَدْفَعُ الْأَرْشَ مَعَهَا لِأَنَّ الْأَرْشَ عِوَضٌ عَنْ الْجُزْءِ الْفَائِتِ مِنْهَا بِالْجِنَايَةِ وَحَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ كَانَ ثَابِتًا فِيهَا بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا فَيَثْبُتُ فِي بَدَلِ جُزْءٍ مِنْهَا أَيْضًا وَالْجُزْءُ مُعْتَبَرٌ بِالْكُلِّ وَلَوْ قُتِلَتْ وَأَخَذَ الْمَوْلَى قِيمَتَهَا كَانَ عَلَيْهِ دَفْعُ تِلْكَ الْقِيمَةِ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ.
فَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَ أَرْشَ جُزْءٍ مِنْهَا بِخِلَافِ الْوَلَدِ فَإِنَّهُ حُرٌّ وَهُوَ زِيَادَةٌ حَادِثَةٌ بَعْدَ الْجِنَايَةِ وَحَقُّ الْوَلِيِّ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْأَجْزَاءِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَ الْجِنَايَةِ وَإِنْ كَانَ جَنَى عَلَيْهَا قَبْلَ جِنَايَتِهَا لَمْ يَدْفَعْ الْمَوْلَى ذَلِكَ الْأَرْشَ مَعَهَا لِأَنَّ الْجُزْءَ الْفَائِتَ بِتِلْكَ الْجِنَايَةِ
стр. 5393
لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ جِنَايَتِهَا فَلَا يَثْبُتُ حَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فِيهِ وَلَا فِي بَدَلِهِ بِخِلَافِ الْفَائِتِ بَعْدَ جِنَايَتِهَا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَيْهَا كَانَ قَبْلَ جِنَايَتِهَا أَوْ بَعْدَهُ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمَوْلَى لِأَنَّ الْأَرْشَ الْمَقْبُوضَ فِي يَدِ الْمَوْلَى فَأَوْلِيَاءُ الْجِنَايَةِ يَدَّعُونَ اسْتِحْقَاقَ ذَلِكَ عَلَى الْمَوْلَى وَهُوَ يُنْكِرُ وَلِأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَهَا بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْمَوْلَى فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى فِي بَيَانِ صِفَتِهَا حِينَ ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ لَهُمْ وَإِنْ كَانَ وَجَبَ الْأَرْشُ بَعْدَ جِنَايَتِهَا فَأَمْسَكَهَا الْمَوْلَى وَفَدَاهَا فَلَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِذَلِكَ الْأَرْشِ فِي الْفِدَاءِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ الْفِدَاءَ حَتَّى اسْتَهْلَكَ أَوْ وَهَبَهُ الْجَانِي عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ مُخْتَارًا وَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا لِأَنَّ الْأَرْشَ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا فَتَصَرُّفُهُ فِي الْأَرْشِ لَا يَكُونُ تَصَرُّفًا فِيهَا وَلَا يَتَعَذَّرُ دَفْعُهَا فَكَانَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ حَدَثَتْ الْجِنَايَةُ مِنْ أَمَتَيْنِ فَاسْتَهْلَكَ أَحَدَهُمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ الْأُخْرَى بِجِنَايَتِهَا ثُمَّ عَلَيْهِ أَنْ يَغْرَمَ مِثْلَ مَا اسْتَهْلَكَ فَيَدْفَعُهُ مَعَهَا لِأَنَّ حَقَّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ ثَبَتَ فِي ذَلِكَ الْأَرْشِ وَقَدْ أَتْلَفَهُ الْمَوْلَى بِتَصَرُّفِهِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَتْلَفَ الْمَوْلَى جُزْءًا مِنْهَا بِجِنَايَتِهِ لِأَنَّ هُنَاكَ الْمَوْلَى تَصَرَّفَ فِيهِ بِالْجِنَايَةِ وَالْجُزْءُ الَّذِي أَتْلَفَهُ بِجِنَايَتِهِ كَانَ مُتَّصِلًا بِهَا وَلِهَذَا صَارَ الْمَوْلَى بِهِ مُخْتَارًا وَإِنْ كَانَ الْجَانِي عَلَيْهَا عَبْدًا فَدَفَعَهُ الْمَوْلَى كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهُمَا جَمِيعًا أَوْ يَفْدِيَهُمَا بِالدِّيَةِ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمَدْفُوعَ قَائِمٌ مَقَامَ الْجُزْءِ الْفَائِتِ مِنْهَا فَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ فَهَذَا اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِلْأَمَةِ وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَكَذَلِكَ إنْ أَعْتَقَ الْأَمَةَ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ وَاحِدًا مِنْهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ لِأَنَّ الْعَبْدَ قَائِمٌ مَقَامَ الْجُزْءِ الْفَائِتِ وَحُكْمُ الدَّفْعِ فِيهَا لَا يَتَجَزَّأُ بَلْ إذَا تَعَذَّرَ دَفْعُ بَعْضِهَا بِتَصَرُّفِ الْمَوْلَى يَتَعَذَّرُ دَفْعُ كُلِّهَا فَكَذَلِكَ حَالُ الْعَبْدِ الْمَدْفُوعِ مَكَانَ الْجُزْءِ الْفَائِتِ مِنْهَا وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَرْشِ الْمُسْتَوْفَى مِنْ الْجَانِي إذَا كَانَ جُزْءًا لِأَنَّ الْأَرْشَ دَرَاهِمُ وَفِي الدَّرَاهِمِ لَا يَثْبُتُ لِلْمَوْلَى الْخِيَارُ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ وَإِقْدَامُهُ عَلَى التَّصَرُّفِ إنَّمَا يَكُونُ دَلِيلَ الِاخْتِيَارِ إذَا صَادَفَ مَحَلًّا ثَبَتَ لَهُ فِيهِ الْخِيَارُ فَأَمَّا هُنَا فَالْخِيَارُ ثَابِتٌ لَهُ فِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُفِيدُ التَّخَيُّرَ فِيهِ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ فَإِعْتَاقُهُ أَحَدَهُمَا يَكُونُ تَصَرُّفًا فِي الْمَحَلِّ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ فِيهِ الْخِيَارُ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ اخْتِيَارًا وَهَذَا الِاخْتِيَارُ يَثْبُتُ لَهُ فِيهِمَا بِاعْتِبَارِ جِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَكُونُ اخْتِيَارُهُ أَحَدَهُمَا اخْتِيَارًا لَهُمَا جَمِيعًا بِخِلَافِ الْأَمَتَيْنِ إذَا جَنَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِأَنَّ ثُبُوتَ الْخِيَارِ لَهُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِاعْتِبَارِ جِنَايَةٍ عَلَى حِدَةٍ فَلَا يَكُونُ اخْتِيَارُهُ إحْدَى الْجِنَايَتَيْنِ دَلِيلُ الِاخْتِيَارِ مِنْهُ فِي الْأُخْرَى فَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْجِنَايَةِ ثُمَّ اخْتَارَ دَفْعَ الْأَمَةِ دَفَعَ مَعَهَا قِيمَةَ الْعَبْدِ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَوْ كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ كَانَ عَلَيْهِ دَفْعُهُ مَعَهَا وَقَدْ صَارَ مُسْتَهْلِكًا لَهُ بِالْإِعْتَاقِ حِينَ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْجِنَايَةِ فَكَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ.
(أَلَا تَرَى)
стр. 5394
أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ الْأَمَةَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْجِنَايَةِ كَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا وَلَوْ كَانَ هَذَا الْعَبْدُ فَقَأَ عَيْنَ الْأَمَةِ فَدَفَعَ بِهَا وَأَخَذَتْ الْجَارِيَةُ فَإِنَّ الْعَبْدَ يَصِيرُ مَكَانَهَا يَدْفَعُهُ الْمَوْلَى أَوْ يَفْدِيَهُ بِالدِّيَةِ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهَا حِينَ دَفَعَ بِهَا وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَهَا عَبْدٌ فَدَفَعَ بِهَا وَلَوْ قَتَلَهَا حُرٌّ خَطَأً فَأَخَذَ الْمَوْلَى قِيمَتَهَا لَمْ يَقُلْ لِلْمَوْلَى: ادْفَعْهَا أَوْ افْدِهَا وَلَكِنَّهُ يَدْفَعُ قِيمَتَهَا لِأَنَّ الْقِيمَةَ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ وَالْأَرْشُ كَذَلِكَ وَلَا مَعْنَى لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ الَّتِي قَبَضَهَا إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَالْمَدْفُوعُ هُنَاكَ عَبْدٌ وَلِلنَّاسِ فِي الْأَعْيَانِ أَغْرَاضٌ فَتَخْيِيرُهُ بَيْنَ دَفْعِ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْفِدَاءِ بِالْقِيمَةِ يَكُونُ مُقَيَّدًا.
وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا قَتَلَ رَجُلًا خَطَأً ثُمَّ قَتَلَتْ جَارِيَةُ الْمَوْلَى الْعَبْدَ خَطَأً قِيلَ لِلْمَوْلَى: ادْفَعْهَا أَوْ افْدِهَا بِقِيمَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْجَانِيَ صَارَ مُسْتَحَقًّا لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَجِنَايَةُ جَارِيَةِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ جِنَايَتِهَا عَلَى عَبْدٍ مَمْلُوكٍ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ وَلَوْ قَتَلَتْ عَبْدًا أَوْ مَمْلُوكًا لَهُ كَانَ عَلَى الْمَوْلَى أَنْ يَدْفَعَهَا أَوْ يَفْدِيَهَا بِقِيمَةِ الْعَبْدِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُلْزِمَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا لِأَنَّ إعْطَاءَهُ قِيمَةَ الْعَبْدِ بِمَنْزِلَةِ إعْطَائِهِ الْعَبْدَيْنِ لَوْ كَانَ قَائِمًا وَلَوْ أَعْطَاهُمْ الْعَبْدَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ فَكَذَلِكَ إذَا أَعْطَاهُمْ قِيمَتَهُ بَعْدَ مَا قَتَلَتْهُ أَمَتُهُ.
قَالَ: وَإِذَا قَتَلَ الْعَبْدُ رَجُلًا خَطَأً وَقَتَلَتْ الْأَمَةُ رَجُلًا وَهُمَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ ثُمَّ إنَّ الْعَبْدَ قَتَلَ الْأَمَةَ خَطَأً وَاخْتَارَ الْمَوْلَى دَفْعَهُ فَإِنَّهُ يُقْسِمُ عَلَى قِيمَة الْأَمَةِ وَدِيَةِ الْحُرِّ لِأَنَّ الْأَمَةَ كَانَتْ مُسْتَحَقَّةً لِأَوْلِيَاءِ جِنَايَتِهَا وَقَدْ جَنَى الْعَبْدُ عَلَيْهَا فَثَبَتَ حَقُّ أَوْلِيَاءِ جِنَايَتِهَا فِي مِقْدَارِ قِيمَتِهَا وَحَقُّ أَوْلِيَاءِ الْحُرِّ فِي الدِّيَةِ وَمَوْلَاهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ فَإِنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ ضَرَبَ فِيهِ أَوْلِيَاءُ الْحُرِّ بِدِيَةِ الْحُرِّ وَأَوْلِيَاءُ الْأَمَةِ بِقِيمَتِهَا فَيُقْسَمُ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَدَاهُ بِدِيَةِ الْحُرِّ وَبِقِيمَةِ الْأَمَةِ لِأَوْلِيَاءِ جِنَايَتِهَا.
قَالَ وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً فَفَدَاهُ الْمَوْلَى مِنْهَا ثُمَّ جَنَى جِنَايَةً أُخْرَى قِيلَ لَهُ ادْفَعْهُ بِهَا أَوْ افْدِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا فَدَاهُ مِنْ الْأُولَى فَقَدْ طَهَّرَهُ مِنْهَا فَكَأَنَّهُ مَا وَجَدَ مِنْهُ إلَّا الْجِنَايَةَ الْأُخْرَى فَيُخَاطَبُ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَقْضِ مِنْ الْأُولَى شَيْئًا حَتَّى جَنَى الثَّانِيَةَ دَفَعَهُ بِهِمَا أَوْ فَدَاهُ لِأَنَّ الْجِنَايَتَيْنِ اجْتَمَعَتَا فِي رَقَبَتِهِ وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَتَخَلَّصَ بِدَفْعِهِ وَيَقُولَ إنَّمَا لَحِقَنِي هَذَا الشَّغْلُ بِسَبَبِ مِلْكِي رَقَبَةَ الْعَبْدِ وَأَنَا أَتَخَلَّصُ بِدَفْعِهِ فَيَدْفَعُهُ بِالْجِنَايَتَيْنِ أَوْ يَفْدِيهِ بِأَرْشِهِمَا.
وَإِذَا أَعْتَقَ الْعَبْدَ ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ جَنَى فِي حَالِ رِقِّهِ جِنَايَةً عَمْدًا أَوْ خَطَأً لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ مِنْهَا إلَّا الْقَوَدَ فِي النَّفْسِ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِهَا قَبْلَ الْعِتْقِ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ إلَّا بِالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَوَدِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْعِتْقِ وَهَذَا لِأَنَّهُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا إنَّمَا يُقِرُّ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنَّ جِنَايَةَ الْعَبْدِ فِيمَا يُوجِبُ الْمَالَ يَكُونُ عَلَى الْمَوْلَى لَا شَيْءَ مِنْهُ عَلَى الْعَبْدِ قَبْلَ عِتْقِهِ وَلَا بَعْدَ عِتْقِهِ وَإِقْرَارُهُ عَلَى غَيْرِهِ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي الْحَالَيْنِ
стр. 5395
فَأَمَّا مَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْقَوَدِ فَإِقْرَارُهُ يَكُونُ عَلَى نَفْسِهِ.
وَلَوْ جَنَتْ أَمَةٌ جِنَايَةَ فَقَالَ الْمَوْلَى كُنْت أَعْتَقْتهَا قَبْلَ الْجِنَايَةِ أَوْ دَبَّرْتهَا أَوْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدِي فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ مِنْ أَجْلِ الْجِنَايَةِ وَهُوَ مُخْتَارٌ لِلْفِدَاءِ إنْ قَالَ هَذَا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ وَإِنْ قَالَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ فَيُجْعَلُ إقْرَارُهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْشَاءِ فِي حَقِّهِمْ وَإِنْ أَنْشَأَ الْعِتْقَ أَوْ التَّدْبِيرَ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ مَا بَيَّنَّا فَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ مُسْتَنِدًا إلَى مَا قَبْلَ الْجِنَايَةِ لِأَنَّ هَذَا الْإِسْنَادَ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ حِينَ لَمْ يُصَدِّقْهُ أَوْلِيَاءُ الْجِنَايَةِ فِيهِ.
وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً فَأَخْبَرَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ وَلِيَّ الْعَبْدِ فَأَعْتَقَهُ فَقَالَ لَمْ أُصَدِّقْهُ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ فَهُوَ مُخْتَارٌ لِلْفِدَاءِ لِأَنَّ وَلِيَّ الْجِنَايَةِ فِي اخْتِيَارِهِ يَطْلُبُ بِحَقِّهِ فَعَلَى الْمَوْلَى أَنْ يَنْظُرَ فِي خَبَرِهِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ الْقَاضِيَ بِذَلِكَ وَطَالَبَهُ بِإِحْضَارِ الْمَوْلَى وَتَكْلِيفِهِ الْجَوَابَ أَجَابَهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ فَكَذَلِكَ إذَا أَخْبَرَ الْمَوْلَى بِذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى خَبَرِهِ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ وَأَعْتَقَ الْعَبْدَ كَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْإِعْتَاقِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ فَيَكُونُ مُخْتَارًا وَكَذَلِكَ إنْ أَخْبَرَهُ رَسُولُ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَاسِقًا كَانَ الرَّسُولُ أَوْ عَدْلًا لِأَنَّ عِبَارَةَ الرَّسُولِ كَعِبَارَةِ الْمُرْسِلِ فَأَمَّا إذَا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فُضُولِيٌّ فَإِنْ صَدَّقَهُ فِيمَا أَخْبَرَهُ بِهِ ثُمَّ أَعْتَقَ الْعَبْدَ فَهُوَ مُخْتَارٌ لِلْفِدَاءِ أَيْضًا وَإِنْ كَذَّبَهُ فِي ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُ وَلَمْ يُكَذِّبْهُ حَتَّى أَعْتَقَ الْعَبْدَ فَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ عَدْلًا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ لِأَنَّ خَبَرَ الْعَدْلِ مَقْبُولٌ فِيمَا يَكُونُ مُلْزِمًا وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ فَاسِقًا فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَكُونُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ وَلَكِنْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ بِاسْتِهْلَاكِهِ إيَّاهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ هُوَ مُخْتَارٌ لِلْفِدَاءِ وَهَذَا مِنْ الْجِنْسِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي الْمَأْذُونِ أَنَّ عِنْدَهُمَا خَبَرَ الْوَاحِدِ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَقْبُولٌ عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ لَا يُعْتَبَرُ خَبَرُ الْفَاسِقِ وَهَذَا خَبَرُ الْمُلْزَمِ فِي حَقِّ الْمَوْلَى لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ يَلْزَمُهُ الْفِدَاءُ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ خَبَرُ الْفَاسِقِ إذَا كَانَ فُضُولِيًّا وَإِنْ أَخْبَرَهُ بِهِ فَاسِقٌ فَفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ كَذَلِكَ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَكُونُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ لِأَنَّهُ تَمَّ إحْدَى شَطْرَيْ الْحُجَّةِ وَهُوَ الْعَدَدُ فَيُعْتَبَرُ بِمَا لَوْ وَجَدَ الشَّطْرَ الْآخَرَ وَهُوَ الْعَدَالَةُ فِي حَقِّ الْمُخْبِرِ الْوَاحِدِ.
وَلَوْ جَنَى عَبْدُهُ جِنَايَةً فَقَالَ الْمَوْلَى كُنْتُ بِعْتُهُ مِنْ فُلَانٍ قَبْلَ الْجِنَايَةِ وَصَدَّقَهُ فُلَانٌ أَوْ قَالَ هُوَ لَهُ لَمْ يَكُنْ لِي قَطُّ وَصَدَّقَهُ فُلَانٌ قِيلَ لِفُلَانٍ ادْفَعْهُ أَوْ افْدِهِ لِأَنَّ الْمَوْلَى مَا أَتْلَفَ عَلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ شَيْئًا حِينَ أَخْرَجَهُ إلَى مِلْكِ رَجُلٍ يُخَاطَبُ بِدَفْعِهِ أَوْ الْفِدَاءِ كَمَا كَانَ هُوَ يُخَاطِبُ بِهِ فَإِنْ كَذَّبَهُ فُلَانٌ قِيلَ لِلْمَوْلَى ادْفَعْهُ أَنْتَ أَوْ افْدِهِ لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ لَهُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ وَالْإِقْرَارُ بَطَلَ بِتَكْذِيبِ الْمَقَرِّ لَهُ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَيُخَاطَبُ ذُو الْيَدِ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ.
وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا فِي يَدِ
следующие страницы →