Полный текст (6 278 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أَنْكَرَ عَلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ سُؤَالَهُ بِقَوْلِهِ يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ بِقَوْلِهِ لَا تُخْبِرْنَا، وَكَذَلِكَ إنْ أَنْتَنَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ جِيفَةٌ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى عَلَى بِئْرِ رُومَةَ فَوَجَدَ مَاءَهَا مُنْتِنًا فَأَخَذَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ مَجَّهُ فِي الْبِئْرِ فَعَادَ الْمَاءُ طَيِّبًا»، وَلِأَنَّ تَغَيُّرِ اللَّوْنِ قَدْ يَكُونُ بِوُقُوعِ الطَّاهِرِ كَالْأَوْرَاقِ، وَغَيْرِهَا، وَتَغَيُّرَ الرَّائِحَةُ يَكُونُ بِطُولِ الْمُكْثِ كَمَا قِيلَ الْمَاءُ إذَا سَكَنَ مُنْتِنُهُ تَحَرَّكَ نَتِنُهُ، وَإِذَا طَالَ مُكْثُهُ ظَهَرَ خُبْثُهُ فَلَا يَزُولُ أَصْلُ الطَّهَارَةِ بِهَذَا الْمُحْتَمَلِ فَلِهَذَا لَا نَدَعُ التَّوَضُّؤَ بِهِ.
قَالَ (وَإِذَا نَسِيَ الْمُتَوَضِّئُ مَسْحَ رَأْسِهِ فَأَصَابَهُ مَاءُ الْمَطَرِ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ، أَوْ لَمْ يَمْسَحْهُ أَجْزَأَهُ عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ)، وَكَذَلِكَ الْجُنُبُ إذَا وَقَفَ فِي الْمَطَرِ الشَّدِيدِ حَتَّى غَسَلَهُ، وَقَدْ أَنْقَى فَرْجَهُ، وَتَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَكَذَلِكَ الْمُحْدِثُ إذَا جَرَى الْمَاءُ عَلَى أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ بِنَفْسِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿، وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وَالطَّهُورُ الطَّاهِرُ فِي نَفْسِهِ الْمُطَهِّرُ لِغَيْرِهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ حُصُولُ التَّطَهُّرِ بِهِ عَلَى فِعْلٍ يَكُونُ مِنْهُ كَالنَّارِ فَإِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ حُصُولُ الِاحْتِرَاقِ بِهَا عَلَى فِعْلٍ يَكُونُ مِنْ الْعَبْدِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْمَغْسُولِ ثَبَتَ فِي الْمَمْسُوحِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ دُونَ الْمَغْسُولِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ إصَابَةُ الْبَلَّةِ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ قُلْنَا بِجَوَازِ الْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ بِدُونِ النِّيَّةِ.
(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀): لَا يَجُوزُ إلَّا بِالنِّيَّةِ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ هِيَ عِبَادَةٌ فَلَا تَتَأَدَّى بِدُونِ النِّيَّةِ كَالتَّيَمُّمِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِقَصْدٍ، وَعَزِيمَةٍ مِنْ الْعَبْدِ بِخِلَافِ غُسْلِ النَّجَاسَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ.
(وَلَنَا) آيَةُ الْوُضُوءِ فَفِيهَا تَنْصِيصٌ عَلَى الْغُسْلِ، وَالْمَسْحِ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِدُونِ النِّيَّةِ فَاشْتِرَاطُ النِّيَّةِ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ إذْ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ الْمَنْصُوصِ مَا يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ، وَالزِّيَادَةُ لَا تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَا بِالْقِيَاسِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْقَصْدِ لُغَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿، وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] فَفِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهِ، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ فَكَانَتْ كَغُسْلِ النَّجَاسَةِ، وَتَأْثِيرُ مَا قُلْنَا أَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ فِي نَفْسِهِ، وَالْحَدَثُ الْحُكْمِيُّ دُونَ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ فَإِذَا عَمِلَ الْمَاءُ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ بِدُونِ النِّيَّةِ فَفِي إزَالَةِ الْحَدَثِ الْحُكْمِيِّ أَوْلَى، وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ الْوُضُوءَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَا يَكُونُ عِبَادَةً، وَلَكِنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهَا تَبَعٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ إنَّمَا الْمَقْصُودُ إزَالَةُ الْحَدَثِ، وَزَوَالُ الْحَدَثِ يَحْصُلُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَوُجِدَ شَرْطُ جَوَازِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ الْقِيَامُ إلَيْهَا طَاهِرًا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى فَيَجُوزُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا فِي الِابْتِدَاءِ، وَبِهِ نُجِيبُ عَنْ اسْتِدْلَالِهِ بِالْحَدِيثِ فَإِنَّ الْمُرَادَ أَنَّ ثَوَابَ الْعَمَلِ بِحَسَبِ النِّيَّةِ، وَبِهِ نَقُولُ، وَعَنْ التَّيَمُّمِ فَإِنَّ التُّرَابَ غَيْرُ مُزِيلٍ
стр. 72
لِلْحَدَثِ أَصْلًا، وَلِهَذَا لَوْ أَبْصَرَ الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ كَانَ مُحْدِثًا بِالْحَدَثِ السَّابِقِ فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ إلَّا مَعْنَى التَّعَبُّدِ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ النِّيَّةِ. يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّ النِّيَّةَ تَقْتَرِنُ بِالْفِعْلِ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْفِعْلِ فِي التَّيَمُّمِ حَتَّى إذَا أَصَابَ الْغُبَارُ وَجْهَهُ، وَذِرَاعَيْهِ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ التَّيَمُّمِ. وَفِي الْوُضُوءِ، وَالِاغْتِسَالِ لَا مُعْتَبَرَ بِالْفِعْلِ حَتَّى إذَا سَالَ مَاءُ الْمَطَرِ عَلَى أَعْضَائِهِ زَالَ بِهِ الْحَدَثُ فَكَذَلِكَ بِدُونِ النِّيَّةِ.
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِالتَّمَسُّحِ بِالْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ) لِحَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ فَوَضَعْنَا لَهُ مَاءً فَاغْتَسَلَ، وَالْتَحَفَ بِمِلْحَفَةٍ وَرْسِيَّةٍ حَتَّى أَثَّرَ الْوَرْسُ فِي عُكَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ »، وَلِأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَلْبَسَ ثِيَابَهُ فَإِنَّ مَنْ اغْتَسَلَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ لَا يَأْمُرُهُ أَحَدٌ بِالْمُكْثِ عُرْيَانًا حَتَّى يَجِفَّ فَلَعَلَّهُ يَمُوتُ قَبْلَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّمَسُّحِ بِثِيَابِهِ، أَوْ بِمِنْدِيلٍ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ مَا زَايَلَ الْعُضْوَ فَأَمَّا الْبَلَّةُ الْبَاقِيَةُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلَةٍ حَتَّى لَوْ جَفَّ كَانَ طَاهِرًا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمْسَحَ ذَلِكَ بِالْمِنْدِيلِ.
قَالَ (وَلَا بَأْسَ لِلْجُنُبِ أَنْ يَنَامَ، أَوْ يُعَاوِدَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ) لِحَدِيثِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصِيبُ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَنَامُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً فَإِذَا انْتَبَهَ رُبَّمَا عَاوَدَ، وَرُبَّمَا قَامَ فَاغْتَسَلَ»، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ بِغُسْلِ وَاحِدٍ فَكُنَّا نَتَحَدَّثُ بِذَلِكَ فِيمَا بَيْنَنَا، وَنَقُولُ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُعْطِيَ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا».
قَالَ (وَإِنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ فَهُوَ أَفْضَلُ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَصَابَ مِنْ أَهْلِهِ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ نَامَ»، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ، وَالْوُضُوءَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِلصَّلَاةِ لَا لِلنَّوْمِ، وَالْمُعَاوَدَةِ إلَّا أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ ازْدَادَ نَظَافَةً فَكَانَ أَفْضَلَ.
(فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ، وَيَتَمَضْمَضَ، ثُمَّ يَأْكُلُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْجُنُبِ أَيَأْكُلُ، وَيَشْرَبُ قَالَ نَعَمْ إذَا تَوَضَّأَ»، وَالْمُرَادُ غَسْلُ الْيَدِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ لَا تَخْلُو عَنْ نَجَاسَةٍ عَادَةً فَالْمُسْتَحَبُّ إزَالَتُهَا بِالْمَاءِ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَتَوَضَّأْ حَتَّى شَرِبَ كَانَ مِنْ وَجْهٍ شَارِبًا لِلْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ يَدِهِ أَصْلٌ، وَفِي النَّجَاسَةِ شَكٌّ.
قَالَ (وَإِنْ كَانَتْ الْجَبَائِرُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مَسَحَ عَلَيْهَا)، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شُجَّ وَجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَدَاوَاهُ بِعَظْمٍ بَالٍ، وَعَصَبَ عَلَيْهِ فَكَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْعِصَابَةِ»، «وَلَمَّا كُسِرَتْ إحْدَى زَنْدَيْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَوْمَ حُنَيْنٍ حَتَّى سَقَطَ اللِّوَاءُ مِنْ يَدِهِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ اجْعَلُوهَا فِي يَسَارِهِ
стр. 73
فَإِنَّهُ صَاحِبُ لِوَائِي فِي الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ فَقَالَ مَاذَا أَصْنَعُ بِجَبَائِرِي فَقَالَ امْسَحْ عَلَيْهَا».
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يَضُرُّهُ الْغُسْلُ بِنَوْعٍ مِنْ الْمَاءِ حَارٌّ، أَوْ بَارِدٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَهُ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَضُرُّهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ أَقْوَى مِنْ الْمَسْحِ، وَلَمَّا سَقَطَ الْغُسْلُ عَنْ هَذَا الْمَوْضِعِ لِخَوْفِ الضَّرَرِ فَكَذَلِكَ الْمَسْحُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّهُ الْمَسْحُ مَسَحَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ فَإِنْ تَرَكَ الْمَسْحَ، وَهُوَ لَا يَضُرُّهُ
قَالَ فِي الْأَصْلِ - لَمْ يُجْزِهِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ، وَقِيلَ هُوَ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إلَى قَوْلِهِمَا.
وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْغُسْلَ، وَهُوَ لَا يَضُرُّهُ لَمْ يُجْزِهِ فَكَذَلِكَ الْمَسْحُ اعْتِبَارًا لِلْبَدَلِ بِالْأَصْلِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ لَوْ أَلْزَمْنَاهُ الْمَسْحَ كَانَ بَدَلًا عَنْ الْغُسْلِ، وَنَصْبُ الْأَبْدَالِ بِالْآحَادِ مِنْ الْأَخْبَارِ لَا يَجُوزُ الْبَدَلُ، ثُمَّ وُجُوبُ الْبَدَلِ فِي مَوْضِعٍ كَانَ يَجِبْ الْأَصْلُ، وَهَا هُنَا لَوْ كَانَ هَذَا الْمَوْضِعُ بَادِيًا لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ فَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ بَدَلًا عَنْهُ، وَبِهِ فَارَقَ الْخُفَّ.
قَالَ (وَإِنْ مَسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ سَقَطَتْ الْجَبَائِرُ عَنْهُ مَضَى عَلَى صَلَاتِهِ)، وَهَذَا إذَا كَانَ سُقُوطُهَا عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ فَإِنْ كَانَ عَنْ بُرْءٍ فَعَلَيْهِ غُسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَاسْتِقْبَالُ الصَّلَاةِ لِزَوَالِ الْعُذْرِ فَأَمَّا إذَا سَقَطَ عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ فَالْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ كَالْغُسْلِ لِمَا تَحْتَهُ مَا دَامَتْ الْعِلَّةُ بَاقِيَةً، وَلِهَذَا لَا يَتَوَقَّفُ بِخِلَافِ الْمَسْحِ بِالْخُفِّ.
قَالَ (وَإِنْ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ فِي جَانِبِ رَأْسِهِ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِقْدَارَ الْمَسْحِ)؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ مِنْ الْمَسْحِ مِقْدَارُ رُبُعِ الرَّأْسِ، وَقَدْ وُجِدَ هَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْمَحَلِّ صَحِيحًا فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ، وَالْعِرَاقِيُّونَ يَقُولُونَ فِي مِثْلِ هَذَا: إنْ ذَهَبَ عِيرٌ فَعِيرٌ فِي الرِّبَاطِ.
قَالَ (وَإِذَا قَلَسَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ فِيهِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ) إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ يَقُولُ ثَبَتَ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الْقَلْسَ حَدَثٌ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ، وَكَثِيرِهِ كَالْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ.
(وَلَنَا) قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حِينَ عَدَّ الْأَحْدَاثَ فَقَالَ أَوْ دَسْعَةً تَمْلَأُ الْفَمَ، وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ أَنَّ الْقَلْسَ لَا يَكُونُ حَدَثًا؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ خَارِجٌ نَجِسٌ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ، وَالْقَلْسُ مُخْرَجٌ لَا خَارِجٌ فَإِنَّ مِنْ طَبْعِ الْأَشْيَاءِ السَّيَّالَةِ أَنَّهَا لَا تَسِيلُ مِنْ فَوْقٍ إلَى فَوْقٍ إلَّا بِدَافِعٍ دَفَعَهَا، أَوْ جَاذِبٍ جَذَبَهَا فَهُوَ كَالدَّمِ إذَا ظَهَرَ عَلَى رَأْسِ الْجُرْحِ
стр. 74
فَمَسَحَهُ، وَلَكِنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ عِنْدَ مِلْءِ الْفَمِ - بِالْآثَارِ فَبَقِيَ مَا دُونَهُ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ، وَلِأَنَّ فِي الْقَلِيلِ مِنْهُ بَلْوًى فَإِنَّ مَنْ يَمْلَأُ مِنْ الطَّعَامِ إذَا رَكَعَ فِي الصَّلَاةِ يَعْلُو شَيْءٌ إلَى حَلْقِهِ فَلِلْبَلْوَى جَعَلْنَا الْقَلِيلَ عَفْوًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ إذَا تَجَشَّأَ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ، وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنْ قَلِيلِ شَيْءٍ، وَلِهَذَا خَبُثَ رِيحُهُ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْخَارِجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ فَإِنَّ الْفُسَاءَ جُعِلَ حَدَثًا، وَحَدُّ مِلْءِ الْفَمِ أَنْ يَعُمَّهُ، أَوْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْكَلَامِ، وَقِيلَ أَنْ يَزِيدَ عَلَى نِصْفِ الْفَمِ، وَعَلَى هَذَا حِكَايَةُ عَابِدٍ بِبَلْخٍ يُقَالُ عَلِيُّ بْنُ يُونُسَ أَنَّ ابْنَتَهُ سَأَلَتْهُ فَقَالَتْ إنْ خَرَجَ مِنْ حَلْقِي شَيْءٌ فَقَالَ لَهَا إذَا وَجَدْتِ طَعْمَهُ فِي حَلْقِكِ فَأَعِيدِي الْوُضُوءَ، ثُمَّ رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَا يَا عَلِيُّ حَتَّى يَمْلَأَ الْفَمَ فَجَعَلْت عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أُفْتِي بَعْدَ هَذَا أَبَدًا.
(فَإِنْ قَاءَ مِلْءَ الْفَمِ مُرَّةً، أَوْ طَعَامًا، أَوْ مَاءً فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ قَاءَ، أَوْ رَعَفَ، أَوْ أَمْذَى فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ، وَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ»، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْقَيْءُ لَيْسَ بِحَدَثٍ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ، وَقَالَ الْحَسَنُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا شَرِبَ الْمَاءَ، وَقَاءَ مِنْ سَاعَتِهِ لَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ، وَجَعَلَهُ قِيَاسَ خُرُوجِ الدَّمْعِ، وَالْعَرَقِ، وَالْبُزَاقِ، وَهَذَا فَاسِدٌ فَإِنَّهُ بِالْوُصُولِ إلَى الْمَعِدَةِ يَتَنَجَّسُ فَإِنَّمَا يَخْرُجُ، وَهُوَ نَجِسٌ فَكَانَ كَالْمُرَّةِ، وَالطَّعَامِ سَوَاءٌ.
(وَإِنْ قَاءَ بَلْغَمًا، أَوْ بُزَاقًا لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ) أَمَّا الْبُزَاقُ طَاهِرٌ، وَبِخُرُوجِ الطَّاهِرِ مِنْ الْبَدَنِ لَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ، وَالْبَلْغَمُ كَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ نَجِسٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إذَا مَلَأَ الْفَمَ قِيلَ إنَّمَا أَجَابَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا يَعْلُو مِنْ جَوْفِهِ، وَهُمَا فِيمَا يَنْحَدِرُ مِنْ رَأْسِهِ.
وَهَذَا ضَعِيفٌ فَالْمُنْحَدِرُ مِنْ رَأْسِهِ طَاهِرٌ بِالِاتِّفَاقِ سَوَاءٌ خَرَجَ مِنْ جَانِبِ الْفَمِ، أَوْ الْأَنْفِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلنَّجَاسَاتِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا يَعْلُو مِنْ الْجَوْفِ فَأَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ: الْبَلْغَمُ إحْدَى الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعَةِ فَكَانَ نَجِسًا كَالْمُرَّةِ، وَالصَّفْرَاءِ، وَلِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ مَوْضِعِ النَّجَاسَاتِ فَكَانَ نَجِسًا بِالْمُجَاوَرَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَا: الْبَلْغَمُ بُزَاقٌ، وَالْبُزَاقُ طَاهِرٌ.
وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الرُّطُوبَةَ فِي أَعْلَى الْحَلْقِ تَرِقُّ فَتَكُونُ بُزَاقًا، وَفِي أَسْفَلِهِ تَثْخُنُ فَيَكُونُ بَلْغَمًا، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ خُرُوجَهُ لَيْسَ مِنْ الْمَعِدَةِ بَلْ مِنْ أَسْفَلِ الْحَلْقِ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلنَّجَاسَةِ فَالْبَلْغَمُ هُوَ النُّخَامَةُ «، وَقَالَ ﷺ لِعَمَّارٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا نُخَامَتُك، وَدُمُوعُ عَيْنِكَ، وَالْمَاءُ الَّذِي فِي رَكْوَتِكَ إلَّا سَوَاءً».
(قَالَ)، وَإِنْ قَاءَ دَمًا فَعَلَى
стр. 75
قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ بِقَلِيلِهِ، وَكَثِيرِهِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ حَتَّى يَمْلَأَ الْفَمَ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْقَيْءِ فَيُعْتَبَرُ بِسَائِرِ الْأَنْوَاعِ، وَاحْتَجَّا بِأَنَّ الْمَعِدَةَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ الدَّمِ فَخُرُوجُ الدَّمِ مِنْ فَرْجِهِ فِي الْجَوْفِ فَإِذَا سَالَ بِقُوَّةِ نَفَسِهِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ كَانَ نَاقِضًا لِلْوُضُوءِ كَالسَّائِلِ مِنْ جُرْحٍ فِي الظَّاهِرِ (وَرَوَى) الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ هَذَا إذَا قَاءَ دَمًا رَقِيقًا فَإِنْ كَانَ شِبْهَ الْعَلَقِ لَمْ يُنْتَقَضْ الْوُضُوءُ حَتَّى يَمْلَأَ الْفَمَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ سَوْدَاءُ مُحْتَرِقٌ.
قَالَ (وَإِنْ خَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ دَمٌ، أَوْ صَدِيدٌ، أَوْ قَيْحٌ فَسَالَ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ نَقَضَ الْوُضُوءَ عِنْدَنَا)، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ ﷺ «لَا وُضُوءَ إلَّا مِنْ حَدَثٍ، قِيلَ وَمَا الْحَدَثُ؟ قَالَ: صَوْتٌ، أَوْ رِيحٌ»، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى مَوْضِعِ الْحَدَثِ لَا عَيْنَيْهِ فَدَلَّ أَنَّ الْحَدَثَ مَا يَكُونُ مِنْ السَّبِيلِ الْمُعْتَادِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ قَلِيلَ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ لَيْسَ بِحَدَثٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَمَا يَكُونُ حَدَثًا فَالْقَلِيلُ مِنْهُ، وَالْكَثِيرُ سَوَاءٌ كَالْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الرِّيحُ إذَا خَرَجَ مِنْ الْجُرْحِ لَمْ يَكُنْ حَدَثًا بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَقَامَ الْمَخْرَجَ مَقَامَ الْخَارِجِ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الْحَدَثِ فَمَا لَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا النَّجَاسَةُ جُعِلَ الْخَارِجُ مِنْهُ حَدَثًا، وَنَجِسًا، وَمَا يَخْتَلِفُ الْخَارِجُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ حَدَثًا، وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ مَا هُوَ نَجِسٌ تَيْسِيرًا لِلْأَمْرِ.
(وَلَنَا) حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ»، وَقَالَ سَلْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالدَّمُ يَسِيلُ مِنْ أَنْفِي فَقَالَ أَحْدِثْ لِمَا حَدَثَ بِكَ وُضُوءً»، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ خَارِجٌ نَجِسٌ، وَصَلَ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَكَانَ حَدَثًا كَالْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْخَارِجِ دُونَ الْمَخْرَجِ حَتَّى الْوَاجِبِ بِاخْتِلَافِ الْخَارِجِ فَخُرُوجُ الْمَنِيِّ يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَخُرُوجُ الْمَذْيِ يُوجِبُ الْوُضُوءُ، وَالْمَخْرَجُ وَاحِدٌ، وَهُوَ بِخِلَافِ الْقَلِيلِ الَّذِي لَمْ يَسِلْ؛ لِأَنَّهُ مَا صَارَ خَارِجًا إنَّمَا تَقَشَّرُ عَنْهُ الْجِلْدُ فَظَهَرَ مَا هُوَ فِي مَوْضِعِهِ، وَالشَّيْءُ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ، وَفِي السَّبِيلِ، وَإِنْ قَلَّ مَا ظَهَرَ فَقَدْ فَارَقَ مَكَانَهُ، وَكَذَلِكَ الرِّيحُ إذَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلِ، وَمَعَهُ قَلِيلُ شَيْءٍ، وَذَلِكَ كَافٍ فِي انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ بِخِلَافِ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ. يُقَرِّرُ مَا قُلْنَا أَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ غُسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِمَعْنًى مِنْ
стр. 76
بَدَنِهِ فَيَكُونُ حَدَثًا كَالْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَسِلْ فَإِنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ غُسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ غُسْلِهِ لَمْ يَكُنْ لِمَعْنًى مِنْ بَدَنِهِ فَلَا تَتَغَيَّرُ صِفَةُ طَهَارَةِ بَدَنِهِ، ثُمَّ حَاصِلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الدَّمَ سَالَ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ حَتَّى انْحَدَرَ انْتَقَضْ بِهِ الْوُضُوءُ، وَإِنْ لَمْ يَنْحَدِرْ، وَلَكِنَّهُ عَلَا فَصَارَ أَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ الْجُرْحِ لَمْ تُنْتَقَضَ بِهِ الطَّهَارَةُ إلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ إنْ مَسَحَهُ قَبْلَ أَنْ يَسِيلَ فَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ تُرِكَ لَسَالَ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَسِلْ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ فِي الدَّمِ إذْ سَالَ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ فَهُوَ حَدَثٌ، وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ (فَإِنْ بَزَقَ فَخَرَجَ مِنْ بُزَاقِهِ دَمٌ فَإِنْ كَانَ الْبُزَاقُ هُوَ الْغَالِبُ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّ الدَّمَ مَا خَرَجَ بِقُوَّةِ نَفَسِهِ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ الْبُزَاقُ، وَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ (وَإِنْ كَانَ الدَّمُ هُوَ الْغَالِبُ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ)؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ بِقُوَّةِ نَفَسِهِ.
وَإِنْ كَانَا سَوَاءً فَفِي الْقِيَاسِ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ بِصِفَةِ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ فِي شَكٍّ مِنْ الْحَدَثِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ الْبُزَاقُ سَائِلٌ بِقُوَّةِ نَفَسِهِ فَمَا سَاوَاهُ يَكُونُ سَائِلًا بِقُوَّةِ نَفَسِهِ أَيْضًا. ثُمَّ اعْتِبَارُ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ يُوجِبُ الْوُضُوءَ، وَاعْتِبَارُ الْجَانِبِ الْآخَرِ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَالْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ أَوْلَى لِقَوْلِهِ ﷺ «مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ، وَالْحَرَامُ فِي شَيْءٍ إلَّا وَقَدْ غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ».
وَفِي الْكِتَابِ قَالَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ، وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْمَيْدَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْوُضُوءُ لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ (وَالْقَهْقَهَةُ فِي الصَّلَاةِ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَالتَّبَسُّمُ لَا يَنْقُضُهُ) أَمَّا التَّبَسُّمُ فَلِحَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ «مَا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَّا تَبَسَّمَ، وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ»، وَرُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ تَبَسَّمَ فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا فَرَغَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵊ فَقَالَ مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا» فَدَلَّ أَنَّ التَّبَسُّمَ لَا يَضُرُّ الْمُصَلِّي فَأَمَّا الْقَهْقَهَةُ فِي الصَّلَاةِ لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ قِيَاسًا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀؛ لِأَنَّ انْتِقَاضَ الْوُضُوءِ يَكُونُ بِالْخَارِجِ النَّجِسِ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَلَوْ كَانَ هَذَا حَدَثًا لَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَغَيْرِهَا كَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ، وَقَاسَ بِالْقَهْقَهَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، وَاسْتَحْسَنَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - إذْ أَقْبَلَ أَعْمَى فَوَقَعَ فِي بِئْرٍ، أَوْ رَكِيَّةٍ هُنَاكَ فَضَحِكَ بَعْضُ الْقَوْمِ فَلَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ، وَالصَّلَاةَ».
وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ قَالَ قَالَ
стр. 77
- ﷺ «مَنْ ضَحِكَ فِي صَلَاتِهِ حَتَّى قَرْقَرَ فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ، وَالصَّلَاةَ»، وَتَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِالسُّنَّةِ.، وَالضَّحِكُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لَيْسَ فِي مَعْنَى الضَّحِكِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ حَالَ الصَّلَاةِ حَالَ الْمُنَاجَاةِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فَتَعْظُمُ الْجِنَايَةُ مِنْهُ بِالضَّحِكِ فِي حَالِ الْمُنَاجَاةِ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ، وَكَذَلِكَ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ، وَالْمَخْصُوصُ مِنْ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ لَا يَلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
قَالَ (وَلَا يَنْقُضُ النَّوْمُ الْوُضُوءَ مَا دَامَ قَائِمًا، أَوْ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا، أَوْ قَاعِدًا، وَيَنْقُضُهُ مُضْطَجِعًا، أَوْ مُتَّكِئًا، أَوْ عَلَى إحْدَى أَلْيَتَيْهِ) أَمَّا نَوْمُ الْمُضْطَجِعِ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ عَيْنَهُ حَدَثٌ بِالسُّنَّةِ الْمَرْوِيَّةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ طَاهِرًا ثَابِتٌ بِيَقِينٍ، وَلَا يُزَالُ الْيَقِينُ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ، وَخُرُوجُ شَيْءٍ مِنْهُ لَيْسَ بِيَقِينٍ فَعَرَفْنَا أَنَّ عَيْنَهُ حَدَثٌ، وَالثَّانِي، وَهُوَ: أَنَّ الْحَدَثَ مَا لَا يَخْلُو عَنْهُ النَّائِمُ عَادَةً فَيُجْعَلَ كَالْمَوْجُودِ حُكْمًا فَإِنَّ نَوْمَ الْمُضْطَجِعِ يَسْتَحِكُمْ فَتَسْتَرْخِي مَفَاصِلُهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ «الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ فَإِذَا نَامَتْ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ».
وَهُوَ ثَابِتٌ عَادَةً كَالْمُتَيَقِّنِ بِهِ، وَكَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ: لَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِالنَّوْمِ مُضْطَجِعًا حَتَّى يَعْلَمَ بِخُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ، وَكَانَ إذَا نَامَ أَجْلَسَ عِنْدَهُ مَنْ يَحْفَظُهُ فَإِذَا انْتَبَهَ سَأَلَهُ فَإِنْ أُخْبِرَ بِظُهُورِ شَيْءٍ مِنْهُ أَعَادَ الْوُضُوءَ، وَالْمُتَّكِئُ كَالْمُضْطَجِعِ؛ لِأَنَّ مَقْعَدَهُ زَائِلٌ عَنْ الْأَرْضِ فَأَمَّا الْقَاعِدُ إذَا نَامَ لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ، وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ إنْ طَالَ النَّوْمُ قَاعِدًا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَحُجَّتُنَا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «نِمْتُ قَاعِدًا فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى وَقَعَ ذَقَنِي عَلَى صَدْرِي فَوَجَدْت بَرْدَ كَفٍّ عَلَى ظَهْرِي فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْت أَعَلَيَّ فِي هَذَا وُضُوءٌ؟ فَقَالَ: لَا حَتَّى تَضْطَجِعَ»، وَلِأَنَّ مَقْعَدَهُ مُسْتَقِرٌّ عَلَى الْأَرْضِ فَيَأْمَنُ خُرُوجَ شَيْءٍ مِنْهُ فَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يُطِلْ نَوْمَهُ. فَأَمَّا إذَا نَامَ قَائِمًا، أَوْ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الْمُرَادِيِّ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَيَالِيهَا إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ لَكِنْ مِنْ بَوْلٍ، أَوْ غَائِطٍ، أَوْ نَوْمٍ» فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّوْمَ حَدَثٌ إلَّا أَنَّا خَصَّصَنَا نَوْمَ الْقَاعِدِ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ فَبَقِيَ مَا سِوَاهُ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ، وَلِأَنَّ مَقْعَدَهُ زَائِلٌ عَنْ الْأَرْضِ فِي حَالِ نَوْمِهِ فَهُوَ كَالْمُضْطَجِعِ.
(وَلَنَا) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا، أَوْ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ
стр. 78
مُضْطَجِعًا فَإِنَّهُ إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ»، وَهُوَ الْمَعْنَى فَإِنَّ الِاسْتِمْسَاكَ بَاقٍ مَعَ النَّوْمِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ، وَبَقَاءُ الِاسْتِمْسَاكِ يُؤَمِّنُهُ مَنْ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ فَهُوَ كَالْقَاعِدِ بِخِلَافِ الْمُضْطَجِعِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ قَالَ إذَا تَعَمَّدَ النَّوْمَ فِي السُّجُودِ اُنْتُقِضَ وُضُوءُهُ، وَإِنْ غَلَبْته عَيْنَاهُ لَمْ يُنْتَقَضْ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ فِي نَوْمِ السَّاجِدِ أَنَّهُ حَدَثٌ كَنَوْمِ الْمُضْطَجِعِ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْتَادُ النَّوْمَ عَلَى وَجْهِهِ. تَرَكْنَا الْقِيَاسَ لِلْبَلْوَى فِيهِ لِلْمُجْتَهِدِينَ، وَهَذَا إذَا غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ لَا إذَا تَعَمَّدَ، وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا نَامَ الْعَبْدُ فِي سُجُودِهِ يُبَاهِي اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مَلَائِكَتَهُ فَيَقُولُ اُنْظُرُوا إلَى عَبْدِي رُوحُهُ عِنْدِي، وَجَسَدُهُ فِي طَاعَتِي»، وَإِنَّمَا يَكُونُ جَسَدُهُ فِي الطَّاعَةِ إذَا بَقِيَ وُضُوءُهُ، وَلِأَنَّ الِاسْتِمْسَاكَ بَاقٍ فَإِنَّهُ لَوْ زَالَ لَسَقَطَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ، وَذَكَرَ ابْنُ شُجَاعٍ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ نَوْمَ الْقَائِمِ، وَالرَّاكِعِ، وَالسَّاجِدِ إنَّمَا لَا يَكُونُ حَدَثًا إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَأَمَّا خَارِجَ الصَّلَاةِ يَكُونُ حَدَثًا، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا لِبَقَاءِ الِاسْتِمْسَاكِ فَإِنْ كَانَ الْقَاعِدُ مُسْتَنِدًا إلَى شَيْءٍ فَنَامَ قَالَ الطَّحَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ أُزِيلَ سَنَدُهُ عَنْهُ يَسْقُطُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ لِزَوَالِ الِاسْتِمْسَاكِ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ مَقْعَدَهُ مُسْتَقِرٌّ عَلَى الْأَرْضِ فَيَأْمَنُ خُرُوجَ شَيْءٍ مِنْهُ. فَإِنْ نَامَ قَاعِدًا فَسَقَطَ، رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ إنْ انْتَبَهَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ جَنْبُهُ إلَى الْأَرْضِ لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ النَّوْمِ، وَهُوَ الْحَدَثُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ لِزَوَالِ الِاسْتِمْسَاكِ بِالنَّوْمِ حِينَ سَقَطَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ انْتَبَهَ قَبْلَ أَنْ يُزَايِلَ مَقْعَدُهُ الْأَرْضَ لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ، وَإِنْ زَايَلَ مَقْعَدُهُ الْأَرْضَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَبِهَ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ.
قَالَ (وَلَا يَنْقُضُ الْكَلَامُ الْفَاحِشُ الْوُضُوءَ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ يَعْنِي الْخَارِجَ النَّجِسَ، وَلِأَنَّهُ لَا كَلَامَ أَفْحَشَ مِنْ الرِّدَّةِ، وَالْمُتَوَضِّئُ إذَا ارْتَدَّ - نَعُوذُ بِاَللَّهِ -، ثُمَّ أَسْلَمَ فَهُوَ عَلَى وُضُوئِهِ، وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ لِلْمُتَسَابَّيْنِ: إنَّ بَعْضَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ شَرٌّ مِنْ الْحَدَثِ فَجَدِّدُوا الْوُضُوءَ إنَّمَا أَمَرَتْ بِهِ اسْتِحْسَانًا لِيَكُونَ الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ مُكَفِّرًا لِذُنُوبِهِمَا.
قَالَ (وَلَا وُضُوءَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَطْعِمَةِ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ، وَمَا لَمْ تَمَسَّهُ فِيهِ سَوَاءٌ) وَأَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ يُوجِبُونَ الْوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ مِنْ لَحْمِ الْإِبِلِ خَاصَّةً لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «تَوَضَّئُوا
стр. 79
مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ»، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ، وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ».
(وَلَنَا) حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ»، وَقَالَ جَابِرٌ «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ لِيَخْرُجَ فَرَأَى عِرْقًا أَيْ عَظْمًا فِي يَدِ بَعْضِ صِبْيَانِهِ فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ»، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ضَعِيفٌ قَدْ رَدَّهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَقَالَ: أَلَسْنَا نَتَوَضَّأُ بِالْحَمِيمِ، وَلَوْ ثَبَتَ فَالْمُرَادُ مِنْهُ غَسْلُ الْيَدِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي فَأَدْخَلَنِي بَيْتَ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَأُتِينَا بِقَصْعَةٍ كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ، وَالْوَدَكِ فَجَعَلْت آكُلُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَقَالَ ﷺ كُلْ مِمَّا يَلِيكَ فَإِنَّ الطَّعَامَ وَاحِدٌ، ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ مِنْ رُطَبٍ فَجَعَلْت آكُلُ مِمَّا يَلِينِي فَقَالَ: أَجِلْ يَدَكَ فَإِنَّ الرُّطَبَ أَلْوَانٌ، ثُمَّ أُتِيَ بِمَاءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: هَذَا هُوَ الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتُهُ النَّارُ»، وَلِهَذَا فَصَّلَ فِي رِوَايَتِهِ بَيْنَ لَحْمِ الْإِبِلِ، وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ لِلَحْمِ الْإِبِلِ مِنْ اللُّزُوجَةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ أَكَلَ الطَّعَامَ نِيئًا لَمْ يَلْزَمْهُ الْوُضُوءُ فَالنَّارُ لَا تَزِيدُهُ إلَّا نَظَافَةً.
قَالَ (، وَيُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ، وَأَصَابِعَهُ فِي الْوُضُوءِ) فَإِنْ لَمْ يُخَلِّلْ لِحْيَتَهُ أَجْزَأَهُ، وَأَمَّا تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ ﷺ «خَلِّلُوا أَصَابِعَكُمْ حَتَّى لَا يَتَخَلَّلَهَا نَارُ جَهَنَّمَ»، وَأَمَّا اللِّحْيَةُ فَقَدْ رَوَى الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ مَوَاضِعَ الْوُضُوءِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَخِلَالُ الشَّعْرِ لَيْسَ مِنْ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إمْرَارُ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِ لِحْيَتِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْبَشَرَةَ الَّتِي اسْتَتَرَتْ بِالشَّعْرِ كَانَ يَجِبُ إمْرَارُ الْمَاءِ عَلَيْهَا قَبْلَ نَبَاتِ الشَّعْرِ فَإِذَا اسْتَتَرَتْ بِالشَّعْرِ يَتَحَوَّلُ الْحُكْمُ إلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَهُوَ الشَّعْرُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَا: إنْ مَسَحَ مِنْ لِحْيَتِهِ ثُلُثًا، أَوْ رُبُعًا أَجْزَأَهُ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاسْتِيعَابَ فِي الْمَمْسُوحِ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا فِي الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ إنْ تَرَكَ مَسْحَ اللِّحْيَةِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ غَسْلٌ، وَمَسْحٌ، وَغَسْلُ الْوَجْهِ فَرْضٌ فَلَا يَجِبُ الْمَسْحُ فِيهِ، وَاللِّحْيَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْوَجْهِ فَأَمَّا تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ فَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ الْآثَارِ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ فَلَمْ يَعُدَّهُ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ بَاطِنٌ لَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - التَّخْلِيلُ سُنَّةٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ كَانَ يُخَلِّلُ إذَا تَوَضَّأَ، وَقَالَ أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «رَأَيْت أَصَابِعَ رَسُولِ ﷺ فِي لِحْيَتِهِ كَأَنَّهَا أَسْنَانُ الْمِشْطِ، وَقَالَ نَزَلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه
стр. 80
فَأَمَرَنِي أَنْ أُخَلِّلَ لِحْيَتِي إذَا تَوَضَّأْت».
قَالَ (وَإِذَا حَتَّ النَّجَاسَةَ عَنْ الثَّوْبِ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا فِي الْمَنِيِّ الْيَابِسِ خَاصَّةً)؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ رَقِيقٌ تَتَدَاخَلُ النَّجَاسَةُ فِي أَجْزَائِهِ فَلَا يُخْرِجُهُ إلَّا الْمَاءُ فَأَمَّا الْحَتُّ يُزِيلُ مَا عَلَى ظَاهِرِهِ دُونَ مَا يَتَدَاخَلُ فِي أَجْزَائِهِ فَأَمَّا الْمَنِيُّ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي فَصْلَيْنِ. أَحَدُهُمَا أَنَّهُ نَجِسٌ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ طَاهِرٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ الْمَنِيُّ كَالْمُخَاطِ فَأَمِطْهُ عَنْكَ، وَلَوْ بِإِذْخِرَةٍ، وَلِأَنَّهُ أَصْلٌ لِخِلْقَةِ الْآدَمِيِّ فَكَانَ طَاهِرًا كَالتُّرَابِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ - خُلِقُوا مِنْ شَيْءٍ نَجِسٍ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِيلَ مِنْ غِذَاءِ الْحَيَوَانِ إنَّمَا يَكُونُ نَجِسًا إذَا كَانَ يَسْتَحِيلُ إلَى نَتِنٍ، وَفَسَادٍ، وَالْمَنِيُّ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ إلَى فَسَادٍ، وَنَتِنٍ فَهُوَ كَاللَّبَنِ، وَالْبَيْضَةِ.
(وَلَنَا) قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ «إنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ مِنْ الْبَوْلِ، وَالْغَائِطِ، وَالْخَمْرِ، وَالدَّمِ، وَالْمَنِيِّ»، وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْبَدَنِ يَجِبُ الِاغْتِسَالُ بِخُرُوجِهِ فَكَانَ نَجِسًا كَدَمِ الْحَيْضِ، وَخُرُوجُهُ مِنْ مَكَانِ النَّجَاسَاتِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَنَجَّسَ بِالْمُجَاوَرَةِ، وَإِنْ يَكُنْ نَجِسًا فِي نَفْسِهِ، وَكَوْنُهُ أَصْلَ خِلْقَةِ الْآدَمِيِّ لَا يَنْفِي صِفَةَ النَّجَاسَةِ عَنْهُ كَالْعَلَقَةِ، وَالْمُضْغَةُ، وَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - شَبَّهَهُ بِالْمُخَاطِ فِي الْمَنْظَرِ لَا فِي الْحُكْمِ، وَأَمَرَ بِالْإِمَاطَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ غَسْلِهِ فَإِنَّ قَبْلَ الْإِمَاطَةِ تَنْتَشِرُ النَّجَاسَةُ فِي الثَّوْبِ إذَا أَصَابَهُ الْمَاءُ، وَالْفَصْلُ الثَّانِي أَنَّهُ مَا دَامَ رَطْبًا لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ فَإِنْ جَفَّ فَحَتُّهُ، وَفَرْكُ الثَّوْبِ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَطْهُرَ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ إلَّا أَنَّهُ نَضِيجٌ فَهُوَ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الدَّمِ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ. اسْتَحْسَنَ عُلَمَاؤُنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالُوا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فِي الْمَنِيِّ إذَا رَأَيْته رَطْبًا فَاغْسِلِيهِ، وَإِذَا رَأَيْته يَابِسًا فَافْرُكِيهِ». «، وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يُصَلِّي»، وَلِأَنَّ جُرْمَ الْمَنِيِّ لَا يَتَدَاخَلُ فِي أَجْزَاءِ الثَّوْبِ بَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ يَزُولُ بِالْفَرْكِ فَهُوَ نَظِيرُ سَيْفِ الْمُجَاهِدِ، وَسِكِّينِ الْقَصَّابِ إذَا مَسَحَهُ بِالتُّرَابِ يَطْهُرُ بِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمَنِيِّ إذَا أَصَابَ الْبَدَنَ لَا يَطْهُرُ بِهِ إلَّا بِالْغُسْلِ؛ لِأَنَّ لِينَ الْبَدَنِ يَمْنَعُ زَوَالَ أَثَرِهِ بِالْحَتِّ، وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ إذَا كَانَ الْمَنِيُّ غَلِيظًا فَجَفَّ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ، وَقَالَ إذَا أَصَابَ الْمَنِيُّ ثَوْبًا ذَا طَاقَيْنِ فَالطَّاقُ الْأَعْلَى يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ، وَالْأَسْفَلُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُصِيبُهُ الْبِلَّةُ دُونَ الْجُرْمِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ فَإِنَّ الْفَحْلَ لَا يُمْنِي حَتَّى يُمْذِي، وَالْمَذْيُ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ
стр. 81
الْمَذْيَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَغْلُوبًا مُسْتَهْلِكًا بِالْمَنِيِّ فَكَانَ الْحُكْمُ لِلْمَنِيِّ دُونَ الْمَذْيِ.
قَالَ (وَإِنْ أَصَابَتْ النَّجَاسَةُ الْخُفَّ، أَوْ النَّعْلَ فَمَا دَامَ رَطْبًا لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ)؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ بِالْأَرْضِ لَا يُزِيلُهُ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ إذَا مَسَحَ بِالْأَرْضِ حَتَّى لَمْ تَبْقَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ، وَلَا رَائِحَتُهَا يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْخُفِّ، وَاعْتَبَرَ الْبَلْوَى فِيهِ لِلنَّاسِ، وَإِنْ كَانَ يَابِسًا فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ لَا يَكُونَ لِلنَّجَاسَةِ جُرْمٌ كَالْبَوْلِ، وَالْخَمْرِ فَلَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ؛ لِأَنَّ الْبِلَّةَ تَدَاخَلَتْ فِي أَجْزَاءِ الْخُفِّ، وَلَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ جُرْمٌ حَتَّى يَزُولَ بِالْمَسْحِ بِالْأَرْضِ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ لَهَا جُرْمٌ كَالْعَذِرَةِ، وَالرَّوْثِ فَمَسَحَهُ بِالْأَرْضِ فَفِي الْقِيَاسِ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَدَاخَلَتْ فِي أَجْزَاءِ الْخُفِّ أَلَا تَرَى أَنَّهَا بَعْدَ الْجَفَافِ تَبْقَى مُتَّصِلَةً بِالْخُفِّ فَلَا يُطَهِّرُهَا إلَّا الْغُسْلُ كَمَا إذَا أَصَابَتْ الثَّوْبَ، أَوْ الْبِسَاطَ اسْتَحْسَنَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَا يَطْهُرُ بِالْمَسْحِ بِالْأَرْضِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ أَتَانِي جِبْرِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا أَذًى فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيُقَلِّبْ نَعْلَيْهِ فَإِنْ رَأَى فِيهِمَا قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ بِالْأَرْضِ» «، وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي رُبَّمَا أَمْشِي عَلَى مَكَان نَجِسٍ، ثُمَّ عَلَى مَكَان طَاهِرٍ فَقَالَ الْأَرْضُ يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا»، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ لِلْجِلْدِ صَلَابَةً تَمْنَعُ دُخُولَ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ فِي بَاطِنِهِ، وَلِهَذِهِ النَّجَاسَةُ جُرْمٌ يُنْشِفُ الْبِلَّةَ الْمُتَدَاخِلَةَ إذَا جَفَّ فَإِذَا مَسَحَهُ بِالْأَرْضِ فَقَدْ زَالَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ فَيُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْجِلْدِ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ، أَوْ الْبِسَاطِ فَإِنَّهُ رَقِيقٌ تَتَدَاخَلُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ فِي بَاطِنِهِ فَلَا يُخْرِجُهُ إلَّا الْمَاءُ فَإِنَّ الْمَاءَ لِلَطَافَتِهِ يَتَدَاخَلُ فِي أَجْزَاءِ الثَّوْبِ فَيُخْرِجُ النَّجَاسَةَ، ثُمَّ يَخْرُجُ عَلَى أَثَرِهَا بِالْعَصْرِ.
قَالَ (، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِتَغْمِيضِ الْمَيِّتِ، وَغَسْلِهِ، وَحَمْلِهِ وُضُوءٌ، وَلَا غُسْلٌ إلَّا أَنْ يُصِيبَ يَدَهُ، أَوْ جَسَدَهُ شَيْءٌ فَيَغْسِلُهُ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ، وَلِأَنَّ الْمَيِّتَ الْمُسْلِمَ طَاهِرٌ، وَمَسُّ الطَّاهِرِ لَيْسَ بِحَدَثٍ، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا فَمَسُّ النَّجِسِ لَيْسَ بِحَدَثٍ أَيْضًا، وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ غَمَّضَ مَيِّتًا فَلْيَتَوَضَّأْ، وَمَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَ جِنَازَةً فَلْيَتَوَضَّأْ» ضَعِيفٌ قَدْ رَدَّهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَقَالَ أَيَلْزَمُنَا الْوُضُوءُ بِمَسِّ عِيدَانٍ يَابِسَةٍ، وَلَوْ ثَبَتَ فَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ «مَنْ غَمَّضَ مَيِّتًا فَلْيَتَوَضَّأْ» غُسْلُ الْيَدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو عَنْ قَذَارَةٍ عَادَةً، وَقَوْلُهُ «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ» إذَا
стр. 82
أَصَابَتْهُ الْغُسَالَاتُ النَّجِسَةُ، وَقَوْلُهُ «مَنْ حَمَلَ جِنَازَةً فَلْيَتَوَضَّأْ» إذَا كَانَ مُحْدِثًا لِيَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
قَالَ (، وَالْحِجَامَةُ تُوجِبُ الْوُضُوءَ، وَغُسْلَ مَوْضِعِ الْمَحْجَمَةِ)، وَهُوَ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُوجِبُ مَوْضِعَ الْمَحْجَمَةِ، وَلَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - اغْسِلْ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ، وَحَسْبُكَ.
وَعُلَمَاؤُنَا قَالُوا مَعْنَاهُ: وَحَسْبُكَ مِنْ الِاغْتِسَالِ. فَإِنَّ أَصْحَابَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانُوا يُوجِبُونَ الِاغْتِسَالَ مِنْ مَاءِ الْحَمَّامِ، وَغُسْلِ الْمَيِّتِ، وَالْحِجَامَةِ فَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ هَذَا رَدًّا عَلَيْهِمْ فَأَمَّا الْوُضُوءُ وَاجِبٌ بِخُرُوجِ النَّجِسِ كَمَا بَيَّنَّا فَإِنْ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يَغْسِلْ مَوْضِعَ الْمَحْجَمَةِ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ أَجْزَأْته، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا تُجْزِئُهُ فَإِنَّ الْقَلِيلَ مِنْ النَّجَاسَةِ كَالْكَثِيرِ عِنْدَهُ فِي الْمَنْعِ مِنْ جَوَازِ الصَّلَاةِ.
قَالَ (وَإِنْ خَرَجَ مِنْ دُبُرِهِ دَابَّةٌ، أَوْ رِيحٌ يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ)، وَالْمُرَادُ بِالدَّابَّةِ الدُّودُ، وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنْ قَلِيلِ بِلَّةٍ تَكُونُ مَعَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ الْقَلِيلُ كَالْكَثِيرِ فِي انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا سَقَطَ الدُّودُ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ بِلَّةٍ يَسِيرَةٍ، وَذَلِكَ الْقَدْرُ مِنْ الْخَارِجِ لَيْسَ بِنَاقِضٍ لِلْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ سَائِلٍ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ فَأَمَّا الرِّيحُ إذَا خَرَجَ مِنْ الدُّبُرِ كَانَ نَاقِضًا لِلْوُضُوءِ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الشَّيْطَانُ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَنْفُخُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ، وَيَقُولُ: أَحْدَثْت أَحْدَثْت فَلَا يَنْصَرِفَنَّ أَحَدُكُمْ مِنْ صَلَاتِهِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا». فَإِنْ خَرَجَ الرِّيحُ مِنْ الذَّكَرِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ حَدَثٌ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ، وَعَامَّةُ مَشَايِخِنَا يَقُولُونَ هَذَا لَا يَكُونُ حَدَثًا، وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَاجٌ فَلَا يُنْتَقَضُ بِهِ الْوُضُوءُ، وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجَ الرِّيحُ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ قَالَ الْكَرْخِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنَّهُ لَا يَكُونُ حَدَثًا إلَّا أَنْ تَكُونَ مُفْضَاةً يَخْرُجُ مِنْهَا رِيحٌ مُنْتِنٌ فَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ، وَلَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّا لَا نَتَيَقَّنُ بِخُرُوجِ الرِّيحِ مِنْ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ.
قَالَ (وَإِنْ رَعَفَ قَلِيلًا لَمْ يَسِلْ لَمْ يُنْقَضْ وُضُوءُهُ)، وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ فِيمَا صَلُبَ مِنْ أَنْفِهِ لَمْ يَنْزِلْ إلَى مَا لَانَ مِنْهُ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي النَّوَادِرِ: إذَا نَزَلَ الدَّمُ إلَى قَصَبَةِ الْأَنْفِ انْتَقَضَ بِهِ الْوُضُوءُ بِخِلَافِ الْبَوْلِ إذَا نَزَلَ إلَى قَصَبَةِ الذَّكَرِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ النَّجَاسَةَ لَمْ تَصِلْ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، وَفِي الْأَنْفِ قَدْ وَصَلَتْ النَّجَاسَةُ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَالِاسْتِنْشَاقُ فِي الْجَنَابَةِ فَرْضٌ، وَفِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ.
قَالَ (، وَيَتَوَضَّأُ صَاحِبُ الْجُرْحِ السَّائِلِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَيُصَلِّي بِذَلِكَ مَا شَاءَ مِنْ الْفَرَائِضِ
стр. 83
وَالنَّوَافِلِ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ)، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ فَإِنَّ دَمَ الْمُسْتَحَاضَةِ حَدَثٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ يَقُولُ: مَا لَيْسَ بِمُعْتَادٍ مِنْ الْخَارِجِ لَا يَكُونُ حَدَثًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ حَدَثٌ قَوْلُهُ ﷺ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ»، ثُمَّ عِنْدَنَا يَلْزَمُهَا الْوُضُوءُ فِي كُلِّ وَقْتِ صَلَاةٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، وَلَهَا أَنْ تُصَلِّيَ مَا شَاءَتْ مِنْ النَّوَافِلِ بِذَلِكَ، وَلَا تَجْمَعُ بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ «لِقَوْلِهِ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حِينَ اُسْتُحِيضَتْ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ»، وَمُطْلَقُهُ يَتَنَاوَلُ الْمَكْتُوبَةَ، وَلِأَنَّ طَهَارَتَهَا طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ لِاقْتِرَانِ الْحَدَثِ بِهَا، وَيَتَجَدَّدُ بِاعْتِبَارِ كُلِّ مَكْتُوبَةٍ ضَرُورَةً فَيَلْزَمُهَا وُضُوءٌ جَدِيدٌ فَأَمَّا النَّوَافِلُ تَبَعٌ لِلْفَرَائِضِ فَثُبُوتُ حُكْمِ الطَّهَارَةِ فِي الْأَصْلِ يُوجِبُ ثُبُوتَهُ فِي التَّبَعِ.
(وَلَنَا) حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ».
مَا رُوِيَ «لِكُلِّ صَلَاةٍ» فَالْمُرَادُ مِنْهُ الْوَقْتُ فَالصَّلَاةُ تُذْكَرُ بِمَعْنَى الْوَقْتِ قَالَ ﷺ «إنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا، وَآخِرًا» أَيْ لِوَقْتِ الصَّلَاةِ، وَالرَّجُلُ يَقُولُ لِغَيْرِهِ: آتِيكَ صَلَاةَ الظُّهْرِ أَيْ وَقْتَهُ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْأَوْقَاتَ مَشْرُوعَةٌ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ فِيهَا فَإِنَّ النَّاسَ فِي الْأَدَاءِ مُخْتَلِفُونَ فَمِنْ بَيْنِ مُطَوِّلٍ، وَمُوجِزٍ فَشُرِعَ لِلْأَدَاءِ وَقْتٌ يَفْصِلُ عَنْهُ تَيْسِيرًا، وَإِذَا قَامَ الْوَقْتُ مَقَامَ الصَّلَاةِ لِهَذَا فَتَجَدُّدُ الضَّرُورَةِ يَكُونُ بِتَجَدُّدِ الْوَقْتِ، وَمَا بَقِيَ الْوَقْتُ يَجْعَلُ الضَّرُورَةَ كَالْقَائِمَةِ حُكْمًا تَيْسِيرًا عَلَيْهَا فِي إقَامَةِ الْوَقْتِ مَقَامَ الْفِعْلِ، وَبَعْدَ مَا فَرَغَتْ مِنْ الْأَدَاءِ إنْ بَقِيَتْ طَهَارَتُهَا فَلَهَا أَنْ تُصَلِّيَ فَرْضًا آخَرَ، وَإِنْ لَمْ تَبْقَ طَهَارَتُهَا لَيْسَ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ النَّوَافِلَ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ شَرْطِهَا. ثُمَّ انْتِقَاضُ طَهَارَتِهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَبِدُخُولِ الْوَقْتِ عِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَبِهِمَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيَتَبَيَّنُ هَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا تَوَضَّأَتْ فِي وَقْتِ الْفَجْرِ فَطَلَعَتْ الشَّمْسُ تُنْتَقَضُ طَهَارَتُهَا إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ ﵀، وَلَوْ تَوَضَّأَتْ فِي، وَقْتِ الضَّحْوَةِ فَزَالَتْ الشَّمْسُ لَا تُنْتَقَضُ طَهَارَتُهَا إلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُمَا يَقُولَانِ طَهَارَتُهَا قَبْلَ وُقُوعِ الْحَاجَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَبِدُخُولِ الْوَقْتِ تَتَجَدَّدُ الْحَاجَةُ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ عَلَيْهَا فَيَلْزَمُهَا بِهِ الطَّهَارَةُ.
(وَلَنَا) أَنَّ انْتِقَاضَ طَهَارَتِهَا بِوُقُوعِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا، وَذَلِكَ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، ثُمَّ صَاحِبُ الْجُرْحِ السَّائِلِ عِنْدَنَا فِي مَعْنَى الْمُسْتَحَاضَةِ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ حَدَثٌ عِنْدَنَا فَيَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَلَوْ قُلْنَا بِمَا قَالَهُ زُفَرُ ﵀ لَأَدَّى إلَى الْحَرَجِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بَيْتُهُ بَعِيدًا عَنْ الْجَامِعِ فَلَوْ انْتَظَرَ لِلْوُضُوءِ
стр. 84
زَوَالَ الشَّمْسِ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ فَلَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَتَوَضَّأَ قَبْلَ الزَّوَالِ.
قَالَ (وَإِنْ سَالَ الدَّمُ بَعْدَ الْوُضُوءِ حَتَّى نَفَذَ الرِّبَاطُ فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ مَا بَقِيَ الْوَقْتُ) «؛ لِأَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - لَمَّا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنِّي أَثُجُّ الدَّمَ ثَجًّا قَالَ احْتَشِي، وَالْتَجِمِي، وَصَلِّي»، وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ قَطْرًا فَإِنْ أَصَابَ ثَوْبَهُ مِنْ ذَلِكَ الدَّمِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَهُ، وَهَذَا إذَا كَانَ مُفِيدًا بِأَنْ كَانَ لَا يُصِيبُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى إذَا لَمْ يَغْسِلْهُ، وَصَلَّى، وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الْغُسْلُ مُفِيدًا بِأَنْ كَانَ يُصِيبُهُ ثَانِيًا، وَثَالِثًا، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الرَّازِيّ ﵀ يَقُولُ: عَلَيْهِ غَسْلُ ثَوْبِهِ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ مَرَّةً بِالْقِيَاسِ عَلَى الْوُضُوءِ، وَغَيْرُهُ مِنْ مَشَايِخِنَا يَقُولُ: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْوُضُوءِ عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ، وَنَجَاسَةُ الثَّوْبِ لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الْحَدَثِ حَتَّى أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْهُ يَكُونُ عَفْوًا فَلَا يَلْحَقُ بِهِ فَإِنْ سَالَ الدَّمُ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ أَعَادَ الْوُضُوءَ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ بَاقِيًا؛ لِأَنَّ هَذَا حَدَثٌ جَدِيدٌ، وَتَقَدُّرُ طَهَارَتِهِ بِالْوَقْتِ كَانَ لِلْحَدَثِ الْمَوْجُودِ بِاعْتِبَارِ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ فَمَا يَتَجَدَّدُ مِنْ الْحَدَثِ فَهُوَ كَغَيْرِهِ.
قَالَ (وَمَنْ خَاضَ مَاءَ الْمَطَرِ إلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ دَاسَ الطِّينَ لَمْ يَنْقُضْ ذَلِكَ وُضُوءَهُ)؛ لِأَنَّ انْتِقَاضَ الْوُضُوءِ بِالْخَارِجِ النَّجِسِ مِنْ الْبَدَنِ، وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - خَرَجَ يَوْمًا، وَالسَّمَاءُ تَسْكُبُ فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ بِيَدِهِ، وَخَاضَ الْمَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَمَسَحَ قَدَمَيْهِ، وَدَخَلَ، وَصَلَّى، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، وَلَا غَسْلَ الْقَدَمَيْنِ بَلْ يَمْسَحُ قَدَمَيْهِ، وَيُصَلِّي هَذَا إذَا كَانَ التُّرَابُ طَاهِرًا فَإِنَّ الطِّينَ النَّازِلَ مِنْ السَّمَاءِ، وَالتُّرَابَ الطَّاهِرَ طَاهِرٌ فَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا إمَّا الْمَاءُ، وَإِمَّا التُّرَابُ نَجِسًا فَالطِّينُ نَجِسٌ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا مَسَحَ قَدَمَيْهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ كَيْ لَا يُؤَدِّي إلَى تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ، وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ رَأَى رَجُلًا يَمْسَحُ خُفَّيْهِ بِأُسْطُوَانَةِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ لَهُ لَوْ مَسَحْته بِلِحْيَتِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضِعًا مُعَدًّا لِذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لَا يُصَلَّى فِيهِ عَادَةً.
قَالَ (وَمَنْ سَالَ عَلَيْهِ مِنْ مَوْضِعٍ شَيْءٌ لَا يَدْرِي مَا هُوَ فَغُسْلُهُ أَحْسَنُ)؛ لِأَنَّ غُسْلَهُ لَا يَرِيبُهُ، وَتَرْكُهُ يَرِيبُهُ.
وَقَالَ ﷺ «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» فَإِنْ تَرَكَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الطَّهَارَةِ فِي ثَوْبِهِ، وَفِي شَكٍّ مِنْ حَقِيقَةِ النَّجَاسَةِ فَإِنْ كَانَ فِي أَكْبَرِ رَأْيِهِ أَنَّهُ نَجِسٌ غَسَلَهُ؛ لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْي فِيمَا لَا تُعْلَمُ حَقِيقَتَهُ كَالْيَقِينِ قَالَ ﷺ «الْمُؤْمِنُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى»، وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ ﵀ يَقُولُ فِي بَلْدَتِنَا لَا بُدَّ مِنْ غُسْلِهِ؛ لِأَنَّ
стр. 85
الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا يُرَاقُ الْبَوْلُ، أَوْ الْمَاءُ النَّجِسُ مِنْ السُّطُوحِ.
قَالَ (وَإِنْ انْتَضَحَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَوْلِ مِثْلُ رُءُوسِ الْإِبَرِ لَمْ يَلْزَمْهُ غَسْلُهُ)
؛ لِأَنَّ فِيهِ بَلْوًى فَإِنَّ مَنْ بَال فِي يَوْمِ رِيحٍ لَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَهُ ذَلِكَ خُصُوصًا فِي الصَّحَارِيِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ يَكُونُ عَفْوًا.
قَالَ (وَمَنْ شَكَّ فِي بَعْضِ وُضُوئِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَا شَكَّ غَسَلَ الْمَوْضِعَ الَّذِي شَكَّ فِيهِ) لِأَنَّ غَسْلَهُ لَا يَرِيبُهُ، وَلِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْحَدَثِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَفِي شَكٍّ مِنْ غَسْلِهِ.
وَلَمْ يُرِدْ بِهَذَا اللَّفْظِ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ قَطُّ مِثْلُ هَذَا إنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّ الشَّكَّ فِي مِثْلِهِ لَمْ يَصِرْ عَادَةً لَهُ حَتَّى قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ ذَلِكَ كَثِيرًا لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْوَسَاوِسِ، وَالسَّبِيلُ فِي الْوَسَاوِسِ قَطْعُهَا، وَتَرْكُ الِالْتِفَاتِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَغَلَ بِهَا لَمْ يَتَفَرَّغْ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ فَكُلَّمَا قَامَ إلَيْهَا يُبْتَلَى بِمِثْلِ هَذَا الشَّكِّ. .
قَالَ (وَمَنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ فَهُوَ عَلَى وُضُوئِهِ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَشَكَّ فِي الْوُضُوءِ فَهُوَ عَلَى حَدَثِهِ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ، وَمَا تَيَقَّنَ بِهِ لَا يَرْتَفِعُ بِالشَّكِّ)، وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ الْمُتَوَضِّئُ إذَا تَذَكَّرَ أَنَّهُ دَخَلَ الْخَلَاءَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَشَكَّ أَنَّهُ خَرَجَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهَا، أَوْ بَعْدَ مَا قَضَاهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ مَا خَرَجَ إلَّا بَعْدَ قَضَائِهَا.
وَكَذَلِكَ الْمُحْدِثُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ جَلَسَ لِلْوُضُوءِ، وَمَعَهُ الْمَاءُ، وَشَكَّ فِي أَنَّهُ قَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ، أَوْ بَعْدَ مَا تَوَضَّأَ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَقُومُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ، وَاجِبٌ مَا لَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ.
قَالَ (وَمَنْ تَوَضَّأَ، ثُمَّ رَأَى الْبَلَلَ سَائِلًا عَنْ ذَكَرِهِ أَعَادَ الْوُضُوءَ)؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ سَالَ مِنْهُ، وَهُوَ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ، وَإِنَّمَا قَالَ رَآهُ سَائِلًا؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْبِلَّةِ مُحْتَمَلَةٌ أَنْ تَكُونَ مِنْ مَاءِ الطَّهَارَةِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ بَوْلٌ ظَهَرَ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَائِلًا، وَإِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ يُرِيهِ ذَلِكَ كَثِيرًا، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ بَوْلٌ، أَوْ مَاءٌ مَضَى عَلَى صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْوَسَاوِسِ فَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَنْفُخُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ، وَيَقُولُ أَحْدَثْت أَحْدَثْت فَلَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا»، وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ الْوَلَهَانُ لَا شُغْلَ لَهُ إلَّا الْوَسْوَسَةَ فِي الْوُضُوءِ» فَلَا يَلْتَفِتُ إلَى ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْضَحَ فَرْجَهُ، وَإِزَارَهُ بِالْمَاءِ إذَا تَوَضَّأَ قَطْعًا لِهَذِهِ الْوَسْوَسَةِ حَتَّى إذَا أَحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَحَالَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ، وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْضَحُ إزَارَهُ بِالْمَاءِ إذَا تَوَضَّأَ»، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَالَ «نَزَلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ ﵇، وَأَمَرَنِي بِذَلِكَ». .
قَالَ (وَلَيْسَ دَمُ الْبَقِّ، وَالْبَرَاغِيثِ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ سَائِلٍ، وَلَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ) خُصُوصًا فِي زَمَنِ الصَّيْفِ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ لَهُ
стр. 86
إلَّا ثَوْبٌ، وَاحِدٌ يَنَامُ فِيهِ كَمَا كَانَ لِأَصْحَابِ الصُّفَّةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَذَلِكَ دَمُ السَّمَكِ لَيْسَ بِشَيْءٍ يَعْنِي لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ حَقِيقَةً، وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْكِبَارِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ دَمٌ كَثِيرٌ أَنَّهُ نَجِسٌ، وَلَا اعْتِمَادَ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا دَمُ الْحَلَمِ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ أَعَادَ مَا صَلَّى، وَهُوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ دَمُ سَائِلٍ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ الْأَذَى كَانَ فِي نَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ» كَانَ دَمُ حَلَمٍ.
قَالَ (وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِمَاءٍ فَأَخْبَرَهُ بَعْضٌ أَنَّهُ قَذِرٌ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ)؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِي أَمْرِ الدِّينِ حُجَّةٌ إذَا كَانَ الْمُخْبِرُ ثِقَةً حَتَّى كَانَ رِوَايَتُهُ الْحَدِيثَ مُوجِبًا لِلْعَمَلِ فَكَذَلِكَ إخْبَارُهُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِخَبَرِهِ.
قَالَ (وَإِذَا أَدْخَلَ الصَّبِيُّ يَدَهُ فِي كُوزِ مَاءٍ، وَلَا يُعْلَمُ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَتَوَضَّأَ بِهِ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَاتِ عَادَةً فَالظَّاهِرُ أَنَّ يَدَهُ لَا تَخْلُو عَنْ نَجَاسَةٍ فَالِاحْتِيَاطُ فِي التَّوَضُّؤِ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ تَوَضَّأَ بِهِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الطَّهَارَةِ، وَفِي شَكٍّ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَحَالُهُ كَحَالِ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا سُؤْرَهَا.
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِالتَّوَضُّؤِ مِنْ حُبٍّ يُوضَعُ كُوزُهُ فِي نَوَاحِي الدَّارِ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ قَذِرٌ)؛ لِأَنَّهُ عَمَلُ النَّاسِ، وَيَلْحَقُهُمْ الْحَرَجُ فِي النُّزُوعِ عَنْ هَذِهِ الْعَادَةِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الطَّهَارَةُ فَيُتَمَسَّكُ بِهِ مَا لَمْ يُعْلَمْ بِالنَّجَاسَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ اسْتَسْقَى الْعَبَّاسَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ أَلَا نَأْتِيكَ بِالْمَاءِ مِنْ بَعْضِ الْبُيُوتِ فَإِنَّ النَّاسَ يُدْخِلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي مَاءِ السِّقَايَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْنُ مِنْهُمْ».
قَالَ (وَإِذَا وَقَعَ بَعْرُ الْغَنَمِ، أَوْ الْإِبِلِ فِي الْبِئْرِ لَمْ يَضُرَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا فَاحِشًا)، وَفِي الْقِيَاسِ يَتَنَجَّسُ الْبِئْرُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِنَاءِ يَخْلُصُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فَيَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَلَكِنَّا اسْتَحْسَنَّا، وَقُلْنَا بِأَنَّهُ لَا يَنْجُسُ لِلْبَلْوَى فِيهِ فَإِنَّ عَامَّةَ الْآبَارِ فِي الْفَيَافِي، وَالْمَوَاشِي تَبْعَرُ حَوْلَهَا، ثُمَّ الرِّيحُ تُسْفِي بِهِ فَتُلْقِيهِ فِي الْبِئْرِ فَلَوْ حَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهِ كَانَ فِيهِ انْقِطَاعُ السُّبُلِ، وَالرُّسُلِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الرُّخْصَةَ فِي الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ، وَإِذَا كَانَ كَثِيرًا فَاحِشًا أَخَذْنَا فِيهِ بِالْقِيَاسِ فَقُلْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْزَحُوا مَاءَ الْبِئْرِ كُلَّهُ، وَالْكَثِيرُ مَا اسْتَكْثَرَهُ النَّاظِرُ إلَيْهِ، وَقِيلَ أَنْ يُغَطِّيَ رُبُعَ وَجْهِ الْمَاءِ، وَقِيلَ أَنْ لَا تَخْلُو دَلْوٌ عَنْ بَعْرَةٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْإِمْلَاءِ قَالَ هَذَا إذَا كَانَ يَابِسًا فَإِنْ كَانَ رَطْبًا تَفْسُدُ الْبِئْرُ بِقَلِيلِهِ، وَكَثِيرِهِ، ثُمَّ قَالَ؛ لِأَنَّ الرَّطْبَ ثَقِيلٌ لَا يَسْفِي بِهِ الرِّيحُ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّطْبِ مِنْ الصَّلَابَةِ، وَالِاسْتِمْسَاكِ مَا لِلْيَابِسِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْيَابِسَ
стр. 87
بِالْوُقُوعِ فِي الْبِئْرِ يَصِيرُ رَطْبًا، وَمَا عَلَى الرَّطْبِ مِنْ الرُّطُوبَةِ رُطُوبَةُ الْأَمْعَاءِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُتَفَتِّتِ فَإِنْ كَانَ مُتَفَتِّتًا، فَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَدْخُلُ فِي أَجْزَائِهِ فَيَتَنَجَّسُ، ثُمَّ يَخْرُجُ، وَهُوَ نَجَاسَةٌ مَائِعَةٌ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ اسْتَحْسَنَ فِي الْقَلِيلِ مِنْ الْمُتَفَتِّتِ؛ لِأَنَّ الْبَلْوَى فِيهِ قَائِمَةٌ.
وَأَمَّا السِّرْقِينِ فَقَلِيلُهُ، وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ يُفْسِدُ الْمَاءَ رَطْبًا كَانَ، أَوْ يَابِسًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنْ الصَّلَابَةِ كَمَا لِلْبَعْرِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ فِي تَبِنَةٍ، أَوْ تَبِنَتَيْنِ مِنْ الْأَرْوَاثِ تَقَعُ فِي الْبِئْرِ اسْتَحْسَنَ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُهُ، وَلَا أَحْفَظُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِقِيَامِ الْبَلْوَى فِيهِ حَتَّى قَالَ خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ لَوْ حَلَبَ عَنْزًا فَبَعَرَتْ فِي الْمَحْلَبِ يَرْمِي بِالْبَعْرَةِ، وَيَحِلُّ شُرْبُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ بَلْوًى فَإِنَّ الْعَنْزَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُحْلَبَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَبْعَرَ فِي الْمَحْلَبِ.
قَالَ (وَلَا يَتَوَضَّأُ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَشْرِبَةِ سِوَى الْمَاءَ) إلَّا بِنَبِيذِ التَّمْرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ أَمَّا نَبِيذُ التَّمْرِ فَفِي الْأَصْلِ قَالَ يَتَوَضَّأُ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَلَوْ تَيَمَّمَ مَعَ ذَلِكَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ يَتَوَضَّأُ بِهِ، وَلَا يَتَيَمَّمُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ لَا بُدَّ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَتَيَمَّمُ، وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَرَوَى نُوحُ فِي الْجَامِعِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ، وَاحْتَجَّ أَبُو يُوسُفَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وَخَبَرُ نَبِيذِ التَّمْرِ كَانَ بِمَكَّةَ، وَآيَةُ التَّيَمُّمِ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ فَانْتَسَخَ بِهَا خَبَرُ نَبِيذِ التَّمْرِ؛ لِأَنَّ نَسْخَ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ جَائِزٌ، وَالْقِيَاسُ هَكَذَا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ فَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ كَسَائِرِ الْأَنْبِذَةِ تَرَكَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا الْقِيَاسَ بِحَدِيثِ «ابْنِ مَسْعُودٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ فَلَمَّا انْصَرَفَ إلَيْهِ عِنْدَ الصَّبَاحِ قَالَ أَمَعَكَ مَاءٌ يَا ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لَا إلَّا نَبِيذَ تَمْرٍ فِي إدَاوَةٍ فَقَالَ تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ، وَأَخَذَهُ، وَتَوَضَّأَ بِهِ»، وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ نَبِيذُ التَّمْرِ طَهُورُ مَنْ لَا يَجِدْ الْمَاءَ، وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِالسُّنَّةِ، وَبِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ إذَا كَانَ فَقِيهًا فَأَمَّا آيَةُ التَّيَمُّمِ تَتَنَاوَلُ حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَهَذَا مَاءٌ شَرْعًا كَمَا قَالَ ﷺ «، وَمَاءٌ طَهُورٌ»، وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْآيَةَ تُوجِبُ التَّيَمُّمَ، وَالْخَبَرَ يُوجِبُ التَّوَضُّؤُ بِالنَّبِيذِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا احْتِيَاطًا، وَإِذَا قُلْنَا بِالِاحْتِيَاطِ فِي سُؤْرِ الْحِمَارِ أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ فَهَا هُنَا أَوْلَى.
وَصِفَةُ نَبِيذِ التَّمْرِ الَّذِي يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ أَنْ يَكُونَ حُلْوًا رَقِيقًا يَسِيلُ عَلَى الْأَعْضَاءِ كَالْمَاءِ فَإِنْ كَانَ ثَخِينًا فَهُوَ كَالرُّبِّ لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ فَإِنْ كَانَ مُشْتَدًّا فَهُوَ حَرَامٌ شُرْبُهُ فَكَيْفَ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَطْبُوخًا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ حُلْوًا
стр. 88
كَانَ، أَوْ مُشْتَدًّا؛ لِأَنَّ النَّارَ غَيَّرَتْهُ فَهُوَ كَمَاءِ الْبَاقِلَا فَأَمَّا سَائِرُ الْأَنْبِذَةِ فَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ ﵀ يَقُولُ بِجَوَازِ التَّوَضُّؤِ بِهَا بِالْقِيَاسِ عَلَى نَبِيذِ التَّمْرِ، وَعِنْدَنَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ نَبِيذَ التَّمْرِ مَخْصُوصٌ مِنْ الْقِيَاسِ بِالْأَثَرِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الِاغْتِسَالِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ فِي الْوُضُوءِ خَاصَّةً، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَخْصُوصَ مِنْ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ يَلْحَقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
قَالَ (، وَالْإِغْمَاءُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا) «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فِي مَرَضِهِ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاقَ تَوَضَّأَ ثَانِيًا»، وَلِأَنَّ الْإِغْمَاءَ فِي غَفْلَةِ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ فَوْقَ النَّوْمِ مُضْطَجِعًا فَإِنَّ هُنَاكَ إذَا نُبِّهَ انْتَبَهَ، وَهَا هُنَا لَا يَنْتَبِهُ، وَكَذَلِكَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ لَوْ عَرَضَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ، وَيَمْنَعُ مِنْ الْبِنَاءِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ سَبْقِ الْحَدَثِ مُسْتَحْسَنٌ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَالْإِغْمَاءُ لَيْسَ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ.
وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ الْإِمَامُ اسْتَقْبَلَ الْقَوْمُ الصَّلَاةَ بِإِمَامٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ»، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَالْبِنَاءُ عَلَى الْمُنْقَطِعِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلِهَذَا اسْتَقْبَلُوا.
قَالَ (وَلَيْسَ الْغُسْلُ بِوَاجِبٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَكِنَّهُ سُنَّةٌ) إلَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَحُجَّتُهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، أَوْ قَالَ حَقٌّ».
(وَلَنَا) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا، وَنِعْمَتْ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ».
وَلَمَّا دَخَلَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعُمَرُ ﵁ يَخْطُبُ فَقَالَ أَيَّةُ سَاعَةِ الْمَجِيءِ هَذِهِ، قَالَ: مَا زِدْت بَعْدَ أَنْ سَمِعْت النِّدَاءَ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْت فَقَالَ، وَالْوُضُوءُ أَيْضًا، وَقَدْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا بِالِاغْتِسَالِ فِي هَذَا الْيَوْمِ»، ثُمَّ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالِانْصِرَافِ فَدَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ.
وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَا: كَانَ النَّاسُ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا يَلْبَسُونَ الصُّوفَ، وَيَعْرَقُونَ فِيهِ، وَالْمَسْجِدُ قَرِيبُ السَّمْكِ فَكَانَ يَتَأَذَّى بَعْضُهُمْ بِرَائِحَةِ الْبَعْضِ فَأُمِرُوا بِالِاغْتِسَالِ لِهَذَا، ثُمَّ انْتَسَخَ هَذَا حِينَ لَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ، وَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِأَيْدِيهِمْ، وَاخْتَلَفَ أَبُو يُوسُفَ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الِاغْتِسَالَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلْيَوْمِ أَمْ لِلصَّلَاةِ فَقَالَ الْحَسَنُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلْيَوْمِ، وَإِظْهَارًا لِفَضِيلَتِهِ كَمَا قَالَ ﷺ «سَيِّدُ الْأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ»، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا مُؤَدَّاةٌ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ فَلَهَا مِنْ الْفَضِيلَةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا، وَفَائِدَةُ هَذَا
стр. 89
الِاخْتِلَافِ فِيمَا إذَا اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ أَحْدَثَ فَتَوَضَّأَ، وَصَلَّى الْجُمُعَةَ. عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَكُونُ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ، وَعِنْدَ الْحَسَنِ ﵀ يَكُونُ
وَالِاغْتِسَالُ فِي الْحَاصِلِ أَحَدَ عَشَرَ نَوْعًا. خَمْسَةٌ مِنْهَا فَرِيضَةٌ. الِاغْتِسَالُ مِنْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَمِنْ إنْزَالِ الْمَاءِ، وَمِنْ الِاحْتِلَامِ، وَمِنْ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ، وَأَرْبَعَةٌ مِنْهَا سُنَّةٌ. الِاغْتِسَالُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ، وَعِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَفِي الْعِيدَيْنِ. وَوَاحِدٌ وَاجِبٌ، وَهُوَ غُسْلُ الْمَيِّتِ، وَآخَرُ مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ الْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ بِهِ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ جَاءَهُ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ»، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا فَإِنْ أَجْنَبَ، وَلَمْ يَغْتَسِلْ حَتَّى أَسْلَمَ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَا يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ صِفَةِ الْجَنَابَةِ بَعْدَ إسْلَامِهِ كَبَقَاءِ صِفَةِ الْحَدَثِ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْبِئْرِ]
قَالَ (وَإِذَا مَاتَتْ الْفَأْرَةُ فِي الْبِئْرِ يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا أَوْ ثَلَاثُونَ بَعْدَ إخْرَاجِ الْفَأْرَةِ فَعِشْرُونَ وَاجِبٌ وَثَلَاثُونَ أَحْوَطُ) وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا مَضَى، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - يَطْعَنُونَ فِي هَذَا وَيَقُولُونَ: دَلْوٌ يُمَيِّزُ الْمَاءَ النَّجِسَ مِنْ الطَّاهِرِ دَلْوٌ كَيِّسٌ. وَهَذَا طَعْنٌ فِي السَّلَفِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ طَهَارَةَ الْبِئْرِ بِنَزْحِ بَعْضِ الدِّلَاءِ قَوْلُ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - ثُمَّ هُمْ قَالُوا بِالرَّأْيِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا فَقَالُوا فِي بِئْرٍ فِيهَا قُلَّتَانِ مِنْ الْمَاءِ مَاتَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ فَنُزِحَ مِنْهَا دَلْوٌ فَإِنْ حَصَلَتْ الْفَأْرَةُ فِي الدَّلْوِ فَالْمَاءُ الَّذِي فِي الدَّلْوِ نَجِسٌ وَاَلَّذِي بَقِيَ فِي الْبِئْرِ طَاهِرٌ، وَإِنْ بَقِيَتْ الْفَأْرَةُ فِي الْبِئْرِ فَالْمَاءُ الَّذِي فِي الدَّلْوِ طَاهِرٌ وَاَلَّذِي فِي الْبِئْرِ نَجِسٌ فَدَلْوُهُمْ هَذَا أَكْيَسُ.
قَالَ (فَإِنْ نُزِحَ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا قَبْلَ إخْرَاجِ الْفَأْرَةِ لَمْ تَطْهُرْ)؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْفَأْرَةِ فِيهَا بَعْدَ النَّزْحِ كَابْتِدَاءِ الْوُقُوعِ وَلِأَنَّ سَبَبَ نَجَاسَةِ الْبِئْرِ حُصُولُ الْفَأْرَةِ الْمَيِّتَةِ فِيهَا وَلَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ مَعَ بَقَاءِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلنَّجَاسَةِ.
قَالَ (فَإِنْ أُخْرِجَتْ الْفَأْرَةُ ثُمَّ نُزِحَ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا وَهُوَ يَقْطُرُ فِيهَا لَمْ يَضُرَّهَا ذَلِكَ) لِأَنَّ النَّزْحَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْطُرُ شَيْءٌ مِنْهُ فِيهَا مُتَعَذِّرٌ وَمَا لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ يَكُونُ عَفْوًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قَالَ (وَإِنْ صُبَّ الدَّلْوُ الْآخِرُ فِي بِئْرٍ أُخْرَى فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَنْزَحُوا دَلْوًا مِثْلَهُ كَمَا لَوْ صُبَّ فِي الْبِئْرِ الْأُولَى) لِأَنَّ حَالَ الْبِئْرِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ مَا حَصَلَ هَذَا الدَّلْوُ فِيهَا كَحَالِ الْبِئْرِ الْأُولَى حِينَ كَانَ
стр. 90
هَذَا الدَّلْوُ فِيهَا (وَإِنْ صُبَّ الدَّلْوُ الْأَوَّلُ مِنْهَا فِي بِئْرٍ طَاهِرَةٍ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْزَحُوا مِنْهَا عِشْرِينَ دَلْوًا) لِأَنَّ حَالَ الْبِئْرِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ هَذَا الدَّلْوِ فِيهَا كَحَالِ الْبِئْر الْأُولَى حِينَ كَانَ هَذَا الدَّلْوُ فِيهَا وَلَوْ صُبَّ دَلْوٌ فِي بِئْرٍ أُخْرَى قَبْلَ إخْرَاجِ الْفَأْرَةِ يُنْزَحُ جَمِيعُ مَا فِي الْبِئْرِ الثَّانِيَةِ كَذَا قَالَهُ أُسْتَاذنَا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَكَانَ الْكَرْخِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: لَا أَعْرِفُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ إلَّا تَقَلُّدًا فَإِنَّ مَاءَ الدَّلْوِ نَجِسٌ كَمَاءِ الدَّلْوِ الْأَوَّلِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِطَرِيقِ الْمَعْنَى غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَشَبَّهَ هَذَا بِالثَّوْبِ إذَا غُسِلَ ثَلَاثًا فَالْمَاءُ الثَّالِثُ فِي النَّجَاسَةِ كَالْمَاءِ الْأَوَّلِ إذَا أَصَابَ ثَوْبًا آخَرَ نَجَّسَهُ، وَكَانَ الْإِمَامُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ فِي مَسْأَلَةِ الثَّوْبِ عَلَى قِيَاسِ مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ: إذَا أَصَابَ الْمَاءُ الْأَوَّلُ ثَوْبًا لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا وَإِنْ أَصَابَهُ الْمَاءُ الثَّانِي يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ مَرَّتَيْنِ وَإِنْ أَصَابَهُ الْمَاءُ الثَّالِثُ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ مَرَّةً وَالْأَصَحُّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَنَقُولُ: النَّجَاسَةُ فِي الثَّوْبِ عَيْنِيَّةٌ وَيُنَجَّسُ الْمَاءُ بِحُصُولِ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَفِي هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَاءِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ، فَأَمَّا تَنْجِيسُ الْمَاءِ فَحُكْمِيٌّ وَطَهَارَتُهُ بِالنَّزْحِ بِغَالِبِ الرَّأْيِ فَكَانَ مَاءُ الدَّلْوِ الْأَخِيرِ أَخَفَّ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي فِي الدَّلْوِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ نَزْحِ الدَّلْوِ الْأَوَّلِ يَتَيَقَّنُ بِكَوْنِ الْمَاءِ النَّجِسِ فِي الْبِئْرِ وَهُوَ مَا جَاوَزَ الْفَأْرَةَ، وَعِنْدَ نَزْحِ الدَّلْوِ الْأَخِيرِ لَا يَتَيَقَّنُ بِذَلِكَ فَلَعَلَّ مَا جَاوَزَ الْفَأْرَةَ الْمَاءُ الَّذِي نُزِحَ فِيمَا سَبَقَ مِنْ الدِّلَاءِ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كُلَّمَا نُزِحَ الْمَاءُ كَانَ أَطْهَرُ لِلْبِئْرِ فَلِهَذَا فَرَّقْنَا بَيْنَ الدَّلْوِ الْأَوَّلِ إذَا صُبَّ فِي بِئْرٍ أُخْرَى وَبَيْنَ الدَّلْوِ الْأَخِيرِ.
وَإِنْ صُبَّ الدَّلْوُ الثَّانِي فِيهَا كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْزَحُوا مِنْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ دَلْوًا؛ لِأَنَّ حَالَهَا كَحَالِ الْبِئْرِ الْأُولَى وَإِنْ صَبُّوا الدَّلْوَ الْعَاشِرَ فِيهَا كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْزَحُوا مِنْهَا عَشَرَ دِلَاءٍ هَكَذَا ذُكِرَ فِي نُسَخِ أَبِي سُلَيْمَانَ ﵀ وَفِي نُسَخِ أَبِي حَفْصٍ ﵀ قَالَ أَحَدَ عَشَرَ دَلْوًا وَهُوَ الصَّوَابُ فَإِنَّ حَالَ الْبِئْرِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ مَا صُبَّ الدَّلْوُ الْعَاشِرُ فِيهَا كَحَالِ الْبِئْرِ الْأُولَى حِينَ كَانَ هَذَا الدَّلْوُ فِيهَا، وَتَأْوِيلُ مَا ذُكِرَ فِي نُسَخِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّهُ يُنْزَحُ مِنْهَا عَشْرُ دِلَاءٍ سِوَى الْمَصْبُوبُ فِيهَا وَالْمَصْبُوبُ فِيهَا وَاجِبُ النَّزْحِ بِيَقِينٍ وَإِنْ خَرَجَتْ الْفَأْرَةُ فَأُلْقِيَتْ فِي الْبِئْرِ الثَّانِيَةِ وَصُبَّ فِيهَا عِشْرُونَ دَلْوًا مِنْ الْبِئْرِ الْأُولَى فَعَلَيْهِمْ إخْرَاجُ الْفَأْرَةِ وَنَزْحُ عِشْرِينَ دَلْوًا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ حَالَ الْبِئْرِ الثَّانِيَةِ كَحَالِ الْبِئْرِ الْأُولَى، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْزَحُوا مِنْهَا عِشْرِينَ دَلْوًا سِوَى الْمَصْبُوبِ فِيهَا وَجَعَلَ الْمَصْبُوبَ فِيهَا كَالْفَأْرَةِ فِي الْبِئْرِ الْأُولَى وَالْأَصَحُّ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْبِئْرِ إلَّا نَجَاسَةُ فَأْرَةٍ وَنَجَاسَةُ الْفَأْرَةِ يُطَهِّرُهَا نَزْحُ
стр. 91
عِشْرِينَ دَلْوًا.
قَالَ (وَإِذَا خَرَجَتْ الْفَأْرَةُ وَجَاءُوا بِدَلْوٍ عَظِيمٍ يَسَعُ عِشْرِينَ دَلْوًا بِدَلْوِهِمْ فَاسْتَقَوْا مِنْهَا دَلْوًا وَاحِدًا أَجْزَأَهُمْ وَقَدْ طَهُرَتْ الْبِئْرُ) لِأَنَّ النَّجَسَ مَا جَاوَزَ الْفَأْرَةَ مِنْ الْمَاءِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُؤْخَذَ ذَلِكَ فِي دَلْوٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي عِشْرِينَ دَلْوًا وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ لَا يَطْهُرُ بِهَذَا النَّزْحِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ تَكْرَارِ نَزْحِ الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ أَسْفَلِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ أَعْلَاهُ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْجَارِي، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ بِنَزْحِ دَلْوٍ عَظِيمٍ مِنْهَا وَنَحْنُ نَقُولُ لَمَّا قَدَّرَ الشَّرْعُ الدِّلَاءَ بِقَدْرٍ خَاصٍّ عَرَفْنَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ قَدْرُ الْمَنْزُوحِ وَأَنْ مَعْنَى الْجَرَيَانِ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِدُونِهِ وَيَزْدَادُ بِزِيَادَتِهِ وَلِهَذَا قُلْنَا لَوْ نَزَحَهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَنَحْوَهُ يَطْهُرُ لِوُجُودِ الْقَدْرِ مَعَ عَدَمِ الْجَرَيَانِ ثُمَّ اللَّفْظُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بِئْرٍ دَلْوُ تِلْكَ الْبِئْرِ لِقَوْلِهِ بِدَلْوِهِمْ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ دَلْوٌ يَسَعُ فِيهِ صَاعًا مِنْ الْمَاءِ لِيَتَمَكَّنَ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ النَّزْحِ بِهِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ.
قَالَ (وَلَوْ تَوَضَّأَ رَجُلٌ مِنْ هَذِهِ الْبِئْرِ بَعْدَ مَا نَحَّى الدَّلْوَ الْأَخِيرَ عَنْ رَأْسِهَا جَازَ وُضُوءُهُ)؛ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِطَهَارَةِ الْبِئْرِ فَإِنْ صُبَّ ذَلِكَ الدَّلْوُ فِيهَا لَمْ يَفْسُدْ وُضُوءُ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ تَنْجِيسَ الْبِئْرِ حَصَلَ الْآنَ وَإِنْ كَانَ الدَّلْوُ بَعْدُ فِي الْبِئْرِ لَمْ يُفْصَلْ عَنْ وَجْهِ الْمَاءِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَإِنْ فُصِلَ الدَّلْوُ عَنْ وَجْهِ الْمَاءِ وَهُوَ مُعَلَّقٌ فِي هَوَاءِ الْبِئْرِ فَتَوَضَّأَ رَجُلٌ مِنْهَا لَمْ يُجْزِهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَجْزَأَهُ. وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْمَاءَ الطَّاهِرَ تَمَيَّزَ عَنْ الْمَاءِ النَّجِسِ فَكَأَنَّهُ نُحِّيَ عَنْ رَأْسِ الْبِئْرِ وَكَوْنُ الْمَاءِ النَّجِسِ مُعَلَّقًا فِي هَوَاءِ الْبِئْرِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ خَمْرٍ أَوْ بَوْلٍ فِي دَلْوٍ مُعَلَّقٍ فِي هَوَاءِ الْبِئْرِ فَلَا يُحْكَمُ هُنَاكَ بِنَجَاسَةِ الْبِئْرِ بِهَذَا وَإِنَّمَا جُعِلَ التَّقَاطُرُ عَفْوًا لِأَجَلِ الضَّرُورَةِ كَمَا بَيَّنَّا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمهمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْمَاءَ النَّجِسَ مُتَّصِلٌ بِمَاءِ الْبِئْرِ حُكْمًا بِدَلِيلِ أَنَّ التَّقَاطُرَ فِيهِ يُجْعَلُ عَفْوًا وَلَوْلَا الِاتِّصَالُ حُكْمًا لَمَا جُعِلَ التَّقَاطُرُ عَفْوًا كَمَا فِي الْبَوْلِ وَالْخَمْرِ فَصَارَ بَقَاءُ الِاتِّصَالِ حُكْمًا كَبَقَائِهِ حَقِيقَةً وَلَوْ كَانَ بَاقِيًا حَقِيقَةً بِأَنْ لَمْ يُفْصَلْ عَنْ وَجْهِ الْمَاءِ فَلَا يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْبِئْرِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْبِئْرَ مَوْضِعُ الْمَاءِ فَأَعْلَاهُ كَأَسْفَلِهِ كَالْمَسْجِدِ لَمَّا كَانَ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ جُعِلَ كُلُّهُ كَمَكَانٍ وَاحِدٍ فِي حُكْمِ الِاقْتِدَاءِ
قَالَ (وَلَوْ غُسِلَ ثَوْبٌ نَجِسٌ فِي إجَّانَةٍ بِمَاءٍ نَظِيفٍ ثُمَّ فِي أُخْرَى ثُمَّ فِي أُخْرَى فَقَدْ طَهُرَ الثَّوْبُ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَطْهُرَ الثَّوْبُ وَلَوْ غُسِلَ فِي عَشْرِ إجَّانَاتٍ وَبِهِ قَالَ بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الثَّوْبَ النَّجِسَ كُلَّمَا حَصَلَ فِي الْإِجَّانَةِ تَنَجَّسَ ذَلِكَ الْمَاءُ فَإِنَّمَا غُسِلَ الثَّوْبُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمَاءِ النَّجِسِ فَلَا يَطْهُرُ
стр. 92
حَتَّى يُصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ أَوْ يُغْسَلَ فِي الْمَاءِ الْجَارِي. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ قَوْلُهُ ﷺ «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ ثَلَاثًا» فَتَبَيَّنَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِنَاءَ النَّجِسَ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَقْوِيرِ أَسْفَلِهِ لِيَجْرِيَ الْمَاءُ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الثِّيَابَ النَّجِسَةَ يَغْسِلُهَا النِّسَاءُ وَالْخَدَمُ عَادَةً وَقَدْ يَكُونُ ثَقِيلًا لَا تَقْدِرُ الْمَرْأَةُ عَلَى حَمْلِهِ لِتَصُبَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ، وَالْمَاءُ الْجَارِي لَا يُوجَدُ فِي كُلِّ مَكَان فَلَوْ لَمْ يَطْهُرْ بِالْغَسْلِ فِي الْإِجَّانَاتِ أَدَّى إلَى الْحَرَجِ.
ثُمَّ النَّجَاسَةُ عَلَى نَوْعَيْنِ: مَرْئِيَّةٌ وَغَيْرُ مَرْئِيَّةٍ، ثُمَّ الْمَرْئِيَّةُ لَا بُدَّ مِنْ إزَالَةِ الْعَيْنِ بِالْغَسْلِ، وَبَقَاءُ الْأَثَرِ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ لَا يَضُرُّ هَكَذَا «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي دَمِ الْحَيْضِ حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ وَلَا يَضُرُّكِ بَقَاءُ الْأَثَرِ» وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا خَضَّبَتْ يَدَهَا بِالْحِنَّاءِ النَّجِسِ ثُمَّ غَسَلَتْهُ تَجُوزُ صَلَاتُهَا وَلَا يَضُرُّهَا بَقَاءُ أَثَرِ الْحِنَّاءِ، وَكَانَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ بَعْدَ زَوَالِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ يُغْسَلُ مَرَّتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِنَجَاسَةٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ غُسِلَتْ مَرَّةً فَأَمَّا النَّجَاسَةُ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ فَإِنَّهَا تُغْسَلُ ثَلَاثًا لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» فَلَمَّا أَمَرَ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا فِي النَّجَاسَةِ الْمَوْهُومَةِ فَفِي النَّجَاسَةِ الْمُحَقَّقَةِ أَوْلَى وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁ الْعِبْرَةُ بِغَلَبَةِ الرَّأْيِ فِيمَا سِوَى وُلُوغِ الْكَلْبِ حَتَّى إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ طَهُرَ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ يَكْفِيهِ ذَلِكَ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ ثُمَّ اغْسِلِيهِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ غَلَبَةُ الرَّأْيِ فِي الْعَامِّ الْغَالِبِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا، وَقَدْ تَخْتَلِفُ فِيهِ قُلُوبُ النَّاسِ فَأَقَمْنَا السَّبَبَ الظَّاهِرَ مَقَامَهُ تَيْسِيرًا وَهُوَ الْغَسْلُ ثَلَاثًا. قَالَ: وَإِنْ أَصَابَتْ النَّجَاسَةُ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ فَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخَذَ فِيهِ بِالْقِيَاسِ فَقَالَ لَا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ فِي الْإِجَّانَاتِ؛ لِأَنَّ صَبَّ الْمَاءِ عَلَيْهِ مُمْكِنٌ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ وَلِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ فِي الْعُضْوِ فِي تَغَيُّرِ صِفَةِ الْمَاءِ أَقْوَى مِنْهُ فِي الثَّوْبِ فَإِنَّ الْعُضْوَ الطَّاهِرَ إذَا غُسِلَ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ صَارَ مُسْتَعْمَلًا بِخِلَافِ الثَّوْبِ الطَّاهِرِ فَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُ الْعُضْوِ عَلَى الثَّوْبِ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سَوَّى بَيْنَ الثَّوْبِ وَالْعُضْوِ فِي أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ فِي الْإِجَّانَاتِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَحَقَّقَتْ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ فَإِنَّ مَنْ دَمِيَ أَنْفُهُ أَوَفَمُهُ لَا يُمْكِنُهُ صَبُّ الْمَاءِ عَلَيْهِ حَتَّى يَشْرَبَ الْمَاءَ النَّجِسَ أَوْ يَعْلُوَ عَلَى دِمَاغِهِ وَفِيهِ حَرَجٌ بَيِّنٌ فَأَخَذْنَا بِالِاسْتِحْسَانِ فِي الْعُضْوِ كَمَا أَخَذْنَا بِهِ فِي الثَّوْبِ. ثُمَّ مَاءُ الْإِجَّانَاتِ كُلِّهَا نَجِسٌ، وَلِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَحَوَّلَتْ إلَى الْمَاءِ (فَإِنْ قِيلَ) جُزْءٌ مِنْ الْمَاءِ
стр. 93
الثَّالِثِ قَدْ بَقِيَ فِي الثَّوْبِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الثَّوْبِ (قُلْنَا) مَا لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ يَكُونُ عَفْوًا مَعَ أَنَّ الْمَاءَ يَتَدَاخَلُ فِي أَجْزَاءِ الثَّوْبِ فَيُخْرِجُ النَّجَاسَةَ ثُمَّ يَخْرُجُ عَلَى أَثَرِهَا بِالْعَصْرِ فَمَا بَقِيَ مِنْ الْبِلَّة بَعْدَ الْعَصْرِ لَمْ تُجَاوِزْهُ النَّجَاسَةُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَكَانَ النَّجَاسَةِ صِبْغٌ كَالزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِهِ يَتَحَوَّلُ إلَى الْمَاءِ وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ اللَّوْنِ فِي الثَّوْبِ بِبَقَاءِ الْبِلَّةِ فَكَذَلِكَ النَّجَاسَةُ.
قَالَ (جُنُبٌ اغْتَسَلَ فِي ثَلَاثَةِ آبَارٍ وَلَيْسَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ عَيْنِيَّةٌ فَقَدْ أَفْسَدَ مَاءَ الْآبَارِ وَلَا يُجْزِئُهُ غُسْلُهُ) فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَخْرُجُ مِنْ الْبِئْرِ الثَّالِثِ طَاهِرًا وَهَذَا لِأَنَّ الْحَدَثَ الْحُكْمِيَّ مُعْتَبَرٌ بِالنَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ فَالْآبَارُ كَالْإِجَّانَاتِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ النَّجَاسَةُ لَا تَزُولُ عَنْ الْبَدَنِ بِالْغُسْلِ فِي الْإِجَّانَاتِ فَكَذَلِكَ الْحَدَثُ قَالَ: وَلَوْ كَانَ يَزُولُ بِالْغُسْلِ فِي الْآبَارِ لَكَانَ يَخْرُجُ الْجَنْبُ مِنْ الْبِئْرِ الْأُولَى طَاهِرًا كَمَا إذَا صَبَّ الْمَاءَ عَلَى بَدَنِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - النَّجَاسَةُ الْعَيْنِيَّةُ عَنْ الْبَدَنِ تَزُولُ بِالْغُسْلِ فِي الْإِجَّانَاتِ فَكَذَلِكَ الْجَنَابَةُ قَالَ: وَلَمَّا كَانَ ثُبُوتُ هَذَا الْحُكْمِ بِالْقِيَاسِ عَلَى النَّجَاسَةِ شَرَطْنَا فِيهِ عَدَدَ الثَّلَاثِ كَمَا يُشْتَرَطُ فِي غُسْلِ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ صَبِّ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ.
قَالَ (فَأْرَةٌ وَقَعَتْ فِي بِئْرٍ فَمَاتَتْ فِيهَا وَوَقَعَتْ فَأْرَةٌ أُخْرَى فِي بِئْرٍ أُخْرَى فَمَاتَتْ فَاسْتُقِيَ مِنْ إحْدَاهُمَا عِشْرُونَ دَلْوًا وَصُبَّ فِي الْأُخْرَى أَجْزَأَهُمْ نَزْحُ عِشْرِينَ دَلْوًا مِنْ الْبِئْرِ الثَّانِيَةِ) وَالْأَصْلُ أَنَّ الشَّيْءَ يَنْتَظِمُ مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ لَا مَا هُوَ فَوْقَهُ فَإِذَا كَانَ مَا فِي الْبِئْرِ الثَّانِيَةِ مِثْلُ مَا صُبَّ فِيهَا انْتَظَمَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَطْهُرُ بِنَزْحِ عِشْرِينَ دَلْوًا مِنْ الْبِئْرِ الثَّانِيَةِ وَلِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى مَا لَوْ مَاتَتْ فَأْرَتَانِ فِي بِئْرٍ، وَحُكْمُ الْفَأْرَتَيْنِ كَحُكْمِ الْفَأْرَةِ الْوَاحِدَةِ فِي أَنَّ الْبِئْرَ تَطْهُرُ بِنَزْحِ عِشْرِينَ دَلْوًا مِنْهَا، وَإِنْ مَاتَتْ فَأْرَةٌ فِي بِئْرٍ ثَالِثَةٍ فَصُبَّ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا أَيْضًا فِي هَذِهِ الْبِئْرِ فَإِنَّهَا تَطْهُرُ بِنَزْحِ أَرْبَعِينَ دَلْوًا؛ لِأَنَّ الْمَصْبُوبَ فِيهَا أَكْثَرُ فَيَنْتَظِمُ مَا كَانَ فِيهَا فَتَطْهُرُ بِنَزْحِ الْقَدْرِ الْمَصْبُوبِ فِيهَا وَذَلِكَ أَرْبَعُونَ دَلْوًا وَلِأَنَّ هَذِهِ بِمَنْزِلَةِ ثَلَاثِ فَأْرَاتٍ مَاتَتْ فِي بِئْرٍ وَثَلَاثُ فَأْرَاتٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَالدَّجَاجَةِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (قَالَ) مَا لَمْ يَكُنْ خَمْسُ فَأْرَاتٍ لَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الدَّجَاجَةِ، فَإِذَا كَانَ الثَّلَاثُ كَالدَّجَاجَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يُطَهِّرُهَا نَزْحُ أَرْبَعِينَ دَلْوًا وَإِنْ صَبُّوا مِنْ الْبِئْرِ الثَّالِثَةِ فِيهَا دَلْوًا أَوْ دَلْوَيْنِ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَنْزَحُوا مِنْهَا عِشْرِينَ دَلْوًا مَعَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الْمَصْبُوبَ فِيهَا أَكْثَرُ فَيَنْتَظِمُ مَا كَانَ فِيهَا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْفُصُولِ كُلِّهَا أَنَّ بَعْدَ نَزْحِ الْقَدْرِ الْمَصْبُوبِ يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا.
قَالَ (وَإِنْ مَاتَتْ فَأْرَةٌ فِي جُبٍّ
стр. 94
فَصُبَّ مَاؤُهَا فِي بِئْرٍ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُنْزَحُ مِنْهَا مَا صُبَّ فِيهَا وَبَعْدَهُ عِشْرُونَ دَلْوًا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُنْظَرُ إلَى مَاءِ الْجُبِّ فَإِنْ كَانَ عِشْرِينَ دَلْوًا أَوْ أَكْثَرَ يُنْزَحُ ذَلِكَ الْقَدْرُ وَإِنْ كَانَ دُونَ عِشْرِينَ دَلْوًا يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ فِي الْبِئْرِ نَجَاسَةُ الْفَأْرَةِ).
قَالَ (وَإِنْ مَاتَتْ فَأْرَةٌ فِي سَمْنٍ فَإِنْ كَانَ جَامِدًا يُرْمَى بِهَا وَمَا حَوْلَهَا وَيُؤْكَلُ مَا بَقِيَ وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهُ شَيْءٌ) لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا مَا بَقِيَ وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا فَأَرِيقُوهُ» وَلِأَنَّ فِي الْجَامِدِ النَّجَاسَةُ إنَّمَا جَاوَزَتْ مَوْضِعًا وَاحِدًا فَإِذَا قُوِّرَ ذَلِكَ كَانَ الْبَاقِي طَاهِرًا، وَفِي الذَّائِبِ النَّجَاسَةُ جَاوَزَتْ الْكُلَّ فَصَارَ الْكُلُّ نَجِسًا. وَحَدُّ الْجُمُودِ وَالذَّوْبِ إذَا كَانَ بِحَالٍ لَوْ قُوِّرَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ لَا يَسْتَوِي مِنْ سَاعَتِهِ فَهُوَ جَامِدٌ وَإِنْ كَانَ يَسْتَوِي مِنْ سَاعَتِهِ فَهُوَ ذَائِبٌ، ثُمَّ الذَّائِبُ لَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ سِوَى الْأَكْلِ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِصْبَاحِ وَدَبْغِ الْجِلْدِ بِهِ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ بَيْعُهُ مَعَ بَيَانِ عَيْبِهِ عِنْدَنَا فَإِذَا بَاعَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ عَيْبَهُ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إذَا عَلِمَ بِهِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بِصِفَةِ النَّجَاسَةِ صَارَ كَالْخَمْرِ فَإِنَّ عَيْنَهُ نَجِسٌ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا الِانْتِفَاعُ بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْجَامِدِ أَمَرَ بِإِلْقَاءِ مَا حَوْلَ الْفَأْرَةِ وَفِي الذَّائِبِ أَمَرَ بِإِرَاقَةِ الْكُلِّ فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَعُلَمَاؤُنَا احْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي النَّجَاسَةِ إذَا وَقَعَتْ فِي الدُّهْنِ قَالَ: يَسْتَصْبِحُ بِهِ وَيُدْبَغُ بِهِ الْجُلُودَ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَانْتَفِعُوا بِهِ» وَلِأَنَّ نَجَاسَتَهُ لَا لِعَيْنِهِ بَلْ لِمُجَاوَرَةِ النَّجَاسَةِ إيَّاهُ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الثَّوْبِ النَّجِسِ بِخِلَافِ الْخَمْرِ فَإِنَّ عَيْنَهَا نَجِسٌ، وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ مُرَادَهُ ﷺ بَيَانُ حُرْمَةِ الْأَكْلِ فَمُعْظَمُ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ بِالسَّمْنِ هُوَ الْأَكْلُ وَإِذَا دُبِغَ بِهِ الْجِلْدُ ثُمَّ غُسِلَ بِالْمَاءِ طَهُرَ بِهِ الْجِلْدُ وَمَا تَشَرَّبَ فِيهِ عَفْوٌ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الدُّهْنِ يَزُولُ بِالْغَسْلِ إنَّمَا بَقِيَ لِينُهُ وَذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ.
قَالَ (وَإِنْ مَاتَتْ فَأْرَةٌ فِي جُبٍّ فِيهِ خَلٌّ فَأَدْخَلَ رَجُلٌ يَدَهُ فِيهِ ثُمَّ أَدْخَلَهَا قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا فِي عَشْرِ خَوَابِي خَلٍّ أَوْ مَاءٍ فَقَدْ أَفْسَدَهُنَّ كُلَّهُنَّ) فَإِنْ كَانَ فِي الْخَوَابِي مَاءٌ فَهَذَا الْجَوَابُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَخْرُجُ يَدُهُ مِنْ الْخَابِيَةِ الثَّالِثَةِ طَاهِرَةً بِنَاءً عَلَى غَسْلِ الْعُضْوِ الْمُتَنَجِّسِ فِي الْإِجَّانَاتِ كَمَا بَيَّنَّا إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَدْخَلَهَا فِي الْخَابِيَةِ الْأُولَى إلَى الْإِبِطِ حَتَّى تَتَنَجَّسَ
стр. 95
كُلُّهَا ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي الْخَابِيَةِ الثَّانِيَةِ إلَى الرُّسْغِ وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ خَابِيَةٍ زَادَ قَلِيلًا فَحِينَئِذٍ الْكُلُّ نَجِسٌ كَمَا قَالَا، فَإِنْ كَانَ فِي الْخَوَابِي خَلٌّ فَالْجَوَابُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَخْرُجُ يَدُهُ مِنْ الْخَابِيَةِ الثَّالِثَةِ طَاهِرَةً وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَاتِ بِالْمَائِعَاتِ الطَّاهِرَةِ سِوَى الْمَاءِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الثَّوْبُ وَالْبَدَنُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجُوزُ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَصَلَ بَيْنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ لَا تَزُولُ النَّجَاسَةُ عَنْهُ إلَّا بِالْمَاءِ وَفِي الثَّوْبِ تَزُولُ عَنْهُ بِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ يَنْعَصِرُ بِالْعَصْرِ فَأَمَّا مَا لَا يَنْعَصِرُ كَالدُّهْنِ وَالسَّمْنِ لَا تَجُوزُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِهِ.
حُجَّةُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] فَقَدْ خَصَّ الْمَاءَ بِكَوْنِهِ مُطَهِّرًا وَاعْتَبَرَ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ بِإِزَالَةِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَهَارَةٌ وَهِيَ شَرْطُ الصَّلَاةِ فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْمَاءِ فَكَذَلِكَ الْآخَرُ وَلَا عِبْرَةَ بِزَوَالِ الْعَيْنِ، فَكَمَا تَزُولُ بِالْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ تَزُولُ بِالْأَشْيَاءِ النَّجِسَةِ كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَلَمْ يُعْتَبَر ذَلِكَ، فَهَذَا مِثْلُهُ وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الثَّوْبَ قَبْلَ إصَابَةِ النَّجَاسَةِ كَانَ طَاهِرًا وَبَعْدَ الْإِصَابَةِ الْوَاجِبُ إزَالَةُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ قَطَعَهُ بِالْمِقْرَاضِ بَقِيَ الثَّوْبُ طَاهِرًا وَإِزَالَةُ الْعَيْنِ كَمَا تَحْصُلُ بِالْمَاءِ تَحْصُلُ بِسَائِرِ الْمَائِعَاتِ وَرُبَّمَا يَكُونُ تَأْثِيرُ الْخَلِّ فِي قَلْعِ النَّجَاسَةِ أَكْثَرَ مِنْ تَأْثِيرِ الْمَاءِ فَإِذَا زَالَتْ بِهِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ يَبْقَى كَمَا كَانَ بِخِلَافِ مَا لَا يَنْعَصِرُ فَإِنَّهُ يَتَشَرَّبُ فِي الثَّوْبِ فَتَزْدَادُ بِهِ النَّجَاسَةُ وَلَا تَزُولُ. وَفِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا ﵏: إنَّ النَّجَاسَةَ الْأُولَى تَزُولُ بِهِ لَكِنْ تَبْقَى نَجَاسَةُ الْبَوْلِ حَتَّى يَكُونَ التَّقْدِيرُ فِيهِ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ التَّطْهِيرَ بِالنَّجِسِ لَا يَكُونُ لِمَا بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ مِنْ التَّضَادِّ فَأَمَّا الطَّهَارَةُ عَنْ الْحَدَثِ فَطَهَارَةٌ حُكْمِيَّةٌ فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ فَلَا تَجُوزُ إلَّا بِمَا تَعَبَّدَنَا بِهِ وَإِنَّمَا تَعَبَّدَنَا بِالْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَهْوَنُ مَوْجُودٌ لَا يَلْحَقُ النَّاسَ حَرَجٌ فِي إفْسَادِهِ بِالِاسْتِعْمَالِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ فَإِنَّهَا أَمْوَالٌ يَلْحَقُ النَّاسَ حَرَجٌ فِي فَسَادِهَا بِالِاسْتِعْمَالِ. وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ لِهَذَا الْمَعْنَى فَرَّقَ بَيْنَ النَّجَاسَةِ عَلَى الْبَدَنِ وَعَلَى الثَّوْبِ فَقَالَ: مَا كَانَ عَلَى الْبَدَنِ فَهُوَ نَظِيرُ الْحَدَثِ الْحُكْمِيِّ؛ لِأَنَّ فِي تَطْهِيرِ الْبَدَنِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ عَلَى الثَّوْبِ قَالَ فَإِنْ صُبَّ خَابِيَةٌ مِنْهَا فِي بِئْرِ مَاءٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَنْزَحُوا الْأَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ دَلْوًا وَمِنْ مِقْدَارِ الْخَابِيَةِ؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ فِيهَا نَجَاسَةُ فَأْرَةٍ
стр. 96
لَا غَيْرُ وَقَدْ مَرَّ.
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ ثِيَابِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ فِيهَا قَذَرًا) لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الثَّوْبِ الطَّهَارَةُ وَخُبْثُ الْكَافِرِ فِي اعْتِقَادِهِ لَا يَتَعَدَّى إلَى ثِيَابِهِ فَثَوْبُهُ كَثَوْبِ الْمُسْلِمِ وَعَامَّةُ مَنْ يَنْسِجُ الثِّيَابَ فِي دِيَارِنَا الْمَجُوسُ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ التَّحَرُّزُ عَنْ لُبْسِهَا، وَكَفَى بِالْإِجْمَاعِ حُجَّةً، إلَّا الْإِزَارَ وَالسَّرَاوِيلَ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهِمَا قَبْلَ الْغَسْلِ وَإِنْ صَلَّى جَازَ، أَمَّا الْجَوَازُ فَلِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الطَّهَارَةِ وَفِي شَكٍّ مِنْ النَّجَاسَةِ وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ فَلِأَنَّهُ يَلِي مَوْضِعَ الْحَدَثِ وَهُمْ لَا يُحْسِنُونَ الِاسْتِنْجَاءَ وَيَعْرَقُونَ فِيهِمَا لَا مَحَالَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ إزَارَهُمْ لَا يَنْفَكُّ عَنْ نَجَاسَةٍ فَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ وَهُوَ نَظِيرُ كَرَاهَةِ سُؤْرِ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ الشُّرْبِ فِي أَوَانِي الْمَجُوسِ فَقَالَ إنْ لَمْ تَجِدُوا مِنْهَا بُدًّا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ اشْرَبُوا فِيهَا» وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَبَائِحَهُمْ كَالْمَيْتَةِ وَأَوَانِيَهُمْ قَلَّمَا تَخْلُو عَنْ دُسُومَةٍ فِيهَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي ثِيَابِ بَعْضِ الْفَسَقَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ لَا يَتَوَقَّوْنَ إصَابَةَ الْخَمْرِ لِثِيَابِهِمْ فِي حَالَةِ الشُّرْبِ. وَقَالُوا فِي الدِّيبَاجِ الَّذِي يَنْسِجُهُ أَهْلُ فَارِسَ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ فِيهِ عِنْدَ النَّسْجِ الْبَوْلَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ يَزِيدُ فِي بِرِيقِهِ ثُمَّ لَا يَغْسِلُونَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُهُ فَإِنْ صَحَّ هَذَا لَا يُشْكِلُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ]
(اعْلَمْ) أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ جَائِزٌ بِالسُّنَّةِ فَقَدْ اُشْتُهِرَ فِيهِ الْأَثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلًا وَفِعْلًا. مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ وَكُنْت أَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ فَأَخْرُج يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ ذَيْلِهِ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ فَقُلْت نَسِيتَ غَسَلَ الْقَدَمَيْنِ فَقَالَ لَا بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي». وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ «جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ فَقِيلَ لَهُ أَكَانَ ذَلِكَ بَعْد نُزُولِ الْمَائِدَةِ فَقَالَ وَهَلْ أَسْلَمْت إلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ» وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَانَ يُعْجِبُهُمْ حَدِيثُ جَرِيرٍ ﵁ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ وَإِنَّمَا قَالَ: هَذَا لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
стр. 97
- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: سَلُوا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَرْوُونَ الْمَسْحَ هَلْ مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ وَاَللَّهِ مَا مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ وَلَأَنْ أَمْسَحَ عَلَى ظَهْرِ عَنْزٍ فِي الْفَلَاةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَقَدْ صَحَّ رُجُوعُهُ عَنْهُ عَلَى مَا قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يَمُتْ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - حَتَّى اتَّبَعَ أَصْحَابَهُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - لَأَنْ تُقْطَعَ قَدَمَايَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَدْ صَحَّ رُجُوعُهَا عَنْهُ عَلَى مَا رَوَى «شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَتْ لَا أَدْرِي سَلُوا عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَإِنَّهُ كَانَ أَكْثَرَ سَفَرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْنَا عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ». وَفِي رِوَايَةٍ سَمِعْت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَقَالَتْ هُوَ أَعْلَمُ».
وَلِكَثْرَةِ الْأَخْبَارِ فِيهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مَا قُلْت بِالْمَسْحِ حَتَّى جَاءَنِي فِيهِ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهَارِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: خَبَرُ الْمَسْحِ يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِهِ لِشُهْرَتِهِ وَقَالَ الْكَرْخِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَخَافُ الْكُفْرَ عَلَى مَنْ لَمْ يَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْآثَارَ الَّتِي وَرَدَتْ فِيهِ فِي حَيِّزِ التَّوَاتُرِ. وَهُوَ مُؤَقَّتٌ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَفِي حَقِّ الْمُسَافِرِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا لِحَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَحَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا» وَعَنْ «ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ خَرَجْت إلَى الْعِرَاقِ فَرَأَيْت سَعْدًا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقُلْت مَا هَذَا فَقَالَ إذَا رَجَعْت إلَى أَبِيك فَسَلْهُ فَسَأَلْت أَبِي فَقَالَ عَمُّك أَفْقَهُ مِنْك رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَسَمِعْته يَقُولُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا» وَلِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ وَذَلِكَ مُؤَقَّتٌ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَلْبَسُ خُفَّيْهِ حِينَ يُصْبِحُ وَيَخْرُجُ فَيَشُقُّ عَلَيْهِ النَّزْعُ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إلَى بَيْتِهِ لَيْلًا، وَالْمُسَافِرُ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ بِالنَّزْعِ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ فَقُدِّرَ فِي حَقِّهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا أَدْنَى مُدَّةِ السَّفَرِ إذْ لَا نِهَايَةَ لِأَكْثَرِهِ. وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ الْمَسْحُ مُؤَبَّدٌ لِلْمُسَافِرِ لِحَدِيثِ «عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ يَوْمًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقُلْت: يَوْمَيْنِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ حَتَّى انْتَهَيْت إلَى سَبْعَةِ
стр. 98
أَيَّامٍ فَقَالَ: إذَا كُنْتَ فِي سَفَرٍ فَامْسَحْ مَا بَدَا لَك» وَتَأْوِيلُهُ أَنَّ مُرَادَهُ ﷺ بَيَانُ أَنَّ الْمَسْحَ مُؤَبَّدٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَأَنْ يُنْزَعَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ وَالْأَخْبَارُ الْمَشْهُورَةُ لَا تُتْرَكُ بِهَذَا الشَّاذِّ وَكَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: لَا يَمْسَحُ الْمُقِيمُ أَصْلًا وَيَمْسَحُ الْمُسَافِرُ مَا بَدَا لَهُ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: وَفَدْت عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ الشَّامِ فَقَالَ: مَتَى عَهْدُك بِالْخُفِّ؟ فَقُلْت مُنْذُ أُسْبُوعٍ. قَالَ: أَصَبْت. وَتَأْوِيلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ أَوَّلِ اللُّبْسِ وَخُرُوجِهِ مُسَافِرًا لَا أَنَّهُ لَمْ يَنْزِعْ بَيْنَ ذَلِكَ. ثُمَّ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ الْحَدَثُ وَاسْتِتَارُ الْقَدَمِ بِالْخُفِّ يَمْنَعُ سِرَايَة الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ فَمَا هُوَ مُوجِبُ لُبْسِ الْخُفِّ إنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ الْحَدَثِ فَلِهَذَا كَانَ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ اللُّبْسِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْدِثْ بَعْدَ اللُّبْسِ حَتَّى يَمُرَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَزْعُ الْخُفِّ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ مِنْ وَقْتِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَحْدَثَ وَلَمْ يَمْسَحْ وَلَمْ يُصَلِّ أَيَّامًا لَا إشْكَالَ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَانَ الْعَدْلُ فِي الِاعْتِبَارِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ.
قَالَ (وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ مِنْ كُلِّ حَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ دُونَ الِاغْتِسَالِ) لِحَدِيثِ «صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الْمُرَادِيِّ ﵁ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ نَوْمٍ» وَلِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَلْزَمَتْهُ غَسْلَ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَمَعَ الْخُفِّ لَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ وَالرِّجْلُ مُعْتَبَرَةٌ بِالرَّأْسِ فَمَتَى كَانَ الْفَرْضُ فِي الرَّأْسِ الْمَسْحَ كَانَ فِي الرِّجْلِ فِي حَقِّ لَابِسِ الْخُفِّ كَذَلِكَ وَفِي الْجَنَابَةِ الْفَرْضُ فِي الرَّأْسِ الْغُسْلُ فَكَذَلِكَ فِي الرِّجْلِ عَلَيْهِ نَزْعُ الْخُفِّ وَغَسْلُ الْقَدَمَيْنِ.
قَالَ (وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إذَا لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ حِينَ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ إنِّي أَدْخَلْتُهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ» وَلِأَنَّ مُوجِبَ لُبْسِ الْخُفِّ الْمَنْعُ مِنْ سِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمَيْنِ لَا تَحْوِيلُ حُكْمِ الْحَدَثِ مِنْ الرِّجْلِ إلَى الْخُفِّ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ هَذَا إذَا كَانَ اللُّبْسُ عَلَى طَهَارَةٍ.
قَالَ (فَإِنْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ أَوَّلًا وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ إكْمَالِ الطَّهَارَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا)؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ مَا طَرَأَ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ فَهُوَ وَمَا لَبِسَ قَبْلَ غَسْلِ الرِّجْلِ سَوَاءٌ، وَإِنْ أَكْمَلَ وُضُوءَهُ قَبْلَ الْحَدَثِ جَازَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عِنْدَنَا وَلَمْ يَجُزْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ لَيْسَ بِرُكْنٍ عِنْدَنَا فَأَوَّلُ الْحَدَثِ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفِّ طَرَأَ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ
قَالَ (وَلَوْ تَوَضَّأَ وَغَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ غَسَلَ الرِّجْلَ الْأُخْرَى وَلَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ أَحْدَثَ جَازَ
стр. 99
لَهُ عِنْدَنَا أَنْ يَمْسَحَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ لَمْ يَنْزِعْ الْخُفَّ الْأَوَّلَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ وَإِنْ نَزَعَهُ ثُمَّ لَبِسَهُ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَكُونَ لَبِسَهُ بَعْدَ إكْمَالِ الطَّهَارَةِ وَهَذَا اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ يَنْزِعُ ثُمَّ يَلْبَسُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ فِيهِ غَسْلٌ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ الْحِكْمَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ اشْتِرَاطُهُ.
قَالَ (وَمَسْحُ الْخُفِّ مَرَّةً وَاحِدَةً) وَقَالَ عَطَاءٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ثَلَاثًا كَالْغَسْلِ.
(وَلَنَا) حَدِيثُ «الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ الْمَسْحِ عَلَى ظَهْرِ خُفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ» وَإِنَّمَا لَمْ تَبْقَ الْخُطُوطُ إذَا لَمْ يَمْسَحْهُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَلِأَنَّ فِي كَثْرَةِ إصَابَةِ الْبِلَّةِ إفْسَادُ الْخُفِّ وَفِيهِ حَرَجٌ فَيُكْتَفَى فِيهِ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَيَبْدَأُ مِنْ قِبَلِ الْأَصَابِعِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى أَسْفَلِ السَّاقِ اعْتِبَارًا بِالْغُسْلِ فَالْبُدَاءَة فِيهِ مِنْ الْأَصَابِعِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْكَعْبَيْنِ غَايَةً.
قَالَ (وَإِنْ مَسَحَ خُفَّيْهِ بِإِصْبَعٍ أَوْ إصْبَعَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ حَتَّى يَمْسَحَ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ) وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُجْزِئُهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ مِثْلُ الْكَلَامِ فِي الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ وَقَدْ مَرَّ.
قَالَ (وَالْخَرْقُ الْيَسِيرُ فِي الْخُفِّ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْمَسْحِ عَلَيْهِ وَفِي الْقِيَاسِ يَمْنَعُ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي بَدَا مِنْ الرِّجْلِ وَجَبَ غَسْلُهُ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ وَإِذَا وَجَبَ الْغُسْلُ فِي الْبَعْضِ وَجَبَ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْخُفَّ قَلَّمَا يَخْلُو عَنْ قَلِيلِ خَرْقٍ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ جَدِيدًا فَآثَارُ الزُّرُورِ وَالْأَشَافِي خَرْقٌ فِيهِ وَلِهَذَا يَدْخُلُهُ التُّرَابُ فَجَعَلْنَا الْقَلِيلَ عَفْوًا لِهَذَا فَأَمَّا إذَا كَانَ الْخَرْقُ كَبِيرًا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا كَانَ بِحَيْثُ يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِ سَفَرًا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذِهِ الرُّخْصَةِ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَعَامَّتُهُمْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ لَا يَجِدُونَ إلَّا الْخَلَقَ مِنْ الْخِفَافِ وَقَدْ جُوِّزَ لَهُمْ الْمَسْحُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ الْخَرْقُ الْيَسِيرُ إنَّمَا جُعِلَ عَفْوًا لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْكَثِيرِ فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ثَلَاثُ أَصَابِعَ فَإِنْ كَانَ يَبْدُو مِنْهُ ثَلَاثُ أَصَابِعَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ مُعْتَبَرٌ بِالْكَمَالِ وَفِي رِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ثَلَاثُ أَصَابِعَ مِنْ أَصْغَرِ أَصَابِعِ الرِّجْلِ؛ لِأَنَّ الْمَمْسُوحَ عَلَيْهِ الرِّجْلُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ ثَلَاثُ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْمَمْسُوحَ بِهِ الْيَدُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَرْقُ فِي ظَاهِرِ الْخُفِّ أَوْ بَاطِنِهِ أَوْ مِنْ نَاحِيَةِ الْعَقِبِ وَلَكِنْ هَذَا إذَا كَانَ يَبْدُو مِنْهُ مِقْدَارُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ، فَإِنْ كَانَ صُلْبًا لَا يَبْدُو مِنْهُ شَيْءٌ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ يَبْدُو فِي حَالَةِ الْمَشْيِ دُونَ حَالِ وَضْعِ الْقَدَمِ
стр. 100
عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يُجْزِهِ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ يُلْبَسُ لِلْمَشْيِ. وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا إذَا كَانَ يَبْدُو ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ مِنْ الْأَنَامِلِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَتُجْمَعُ الْخُرُوقُ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ وَلَا تُجْمَعُ فِي خُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْخُفَّيْنِ مُنْفَصِلٌ عَنْ الْآخَرِ.
قَالَ (وَإِنْ مَسَحَ بَاطِنَ الْخُفِّ دُونَ ظَاهِرِهِ لَمْ يُجْزِهِ) فَإِنَّ مَوْضِعَ الْمَسْحِ ظَهْرُ الْقَدَمِ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفِّ فَرْضٌ، وَعَلَى بَاطِنِهِ سُنَّةٌ، فَالْأَوْلَى عِنْدَهُ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَاهِرِ الْخُفِّ وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى بَاطِنِهِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا عَلَى كُلِّ رِجْلٍ وَعِنْدَنَا الْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفِّ فَقَطْ لِحَدِيثِ «عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِنُ الْخُفِّ أَوْلَى مِنْ ظَاهِرِهِ وَلَكِنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ دُونَ بَاطِنِهِمَا» وَلِأَنَّ بَاطِنَ الْخُفِّ لَا يَخْلُو عَنْ لَوَثٍ عَادَةً فَيُصِيبُ يَدَهُ ذَلِكَ اللَّوَثُ وَفِيهِ بَعْضُ الْحَرَجِ وَالْمَسْحُ مَشْرُوعٌ لِدَفْعِ الْحَرَجِ.
[الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ]
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ) وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ جَوَّزَهُ لِحَدِيثِ «بِلَالٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ» وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً فَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْمَشَاوِذِ وَالتَّسَاخِينَ» فَالْمَشَاوِذُ الْعَمَائِمُ وَالتَّسَاخِينُ الْخِفَافُ.
(وَلَنَا) حَدِيثُ «جَابِرٍ قَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَسَرَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ» وَكَأَنَّ بِلَالًا ﵁ كَانَ بَعِيدًا مِنْهُ فَظَنَّ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ حِينَ لَمْ يَضَعْهَا عَنْ رَأْسِهِ وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَصَّ بِهِ تِلْكَ السَّرِيَّةَ لِعُذْرِهِمْ فَقَدْ كَانَ ﵊ يَخُصُّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ بِأَشْيَاءَ كَمَا خَصَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِلُبْسِ الْحَرِيرِ وَخُزَيْمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ. ثُمَّ الْمَسْحُ إنَّمَا يَكُونُ بَدَلًا عَنْ الْغُسْلِ لَا عَنْ الْمَسْحِ، وَالرَّأْسُ مَمْسُوحٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ بَدَلًا عَنْهُ بِخِلَافِ الرِّجْلِ وَلِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ كَثِيرُ حَرَجٍ فِي إدْخَالِ الْيَدِ تَحْتَ الْعِمَامَةِ وَالْمَسْحِ عَلَى الرَّأْسِ.
قَالَ (وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ لَا تَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهَا) لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا أَدْخَلَتْ يَدَهَا تَحْتَ الْخِمَارِ وَمَسَحَتْ بِرَأْسِهَا وَقَالَتْ بِهَذَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » فَإِنْ مَسَحَتْ عَلَى خِمَارِهَا فَنَفَذَتْ الْبِلَّةُ إلَى رَأْسِهَا حَتَّى ابْتَلَّ قَدْرُ الرُّبْعِ أَجْزَأَهَا حَتَّى قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إذَا كَانَ الْخِمَارُ جَدِيدًا يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَدِيدًا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ ثُقُوبَ الْجَدِيدِ لَمْ تَنْسَدَّ بِالِاسْتِعْمَالِ فَتَنْفُذُ الْبِلَّةُ مِنْهَا إلَى الرَّأْسِ.
[الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ]
قَالَ (وَأَمَّا الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ فَإِنْ كَانَا
стр. 101
ثَخِينَيْنِ مُنَعَّلَيْنِ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا) لِأَنَّ مُوَاظَبَةَ الْمَشْيِ سَفَرًا بِهِمَا مُمْكِنٌ وَإِنْ كَانَا رَقِيقَيْنِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ اللِّفَافَةِ وَإِنْ كَانَا ثَخِينَيْنِ غَيْرَ مُنَعَّلَيْنِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ مُوَاظَبَةَ الْمَشْيِ بِهِمَا سَفَرًا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَكَانَا بِمَنْزِلَةِ الْجَوْرَبِ الرَّقِيقِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مَرَضِهِ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ ثُمَّ قَالَ لِعُوَّادِهِ فَعَلْت مَا كُنْت أَمْنَعُ النَّاسَ عَنْهُ فَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى رُجُوعِهِ وَحُجَّتُهُمَا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَرْضَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ جَوْرَبَيْهِ وَقَدْ رُوِيَ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ وَأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَتَأْوِيلُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ كَانَ مُنَعَّلًا أَوْ مُجَلَّدًا، وَالثَّخِينُ مِنْ الْجَوْرَبِ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى السَّاقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشُدَّهُ بِشَيْءٍ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْخِفَافِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ اللُّبُودِ التُّرْكِيَّةِ؛ لِأَنَّ مُوَاظَبَةَ الْمَشْيِ فِيهَا سَفَرًا مُمْكِنٌ
قَالَ (وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ فَوْقَ الْخُفَّيْنِ) عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنْ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ وَحْدَهُمَا مَسَحَ وَإِنْ لَبِسَهُمَا فَوْقَ الْخُفِّ لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ مَا تَحْتَهُمَا مَمْسُوحٌ وَالْمَسْحُ لَا يَكُونُ بَدَلًا عَنْ الْمَسْحِ.
(وَلَنَا) حَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ رَأَيْت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ وَلِأَنَّ الْجُرْمُوقَ فَوْقَ الْخُفِّ فِي مَعْنَى خُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ وَلَوْ لَبِسَ خُفًّا ذَا طَاقَيْنِ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عِنْدَنَا عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ إذَا لَبِسَهُمَا فَوْقَ الْخُفَّيْنِ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ وَيَمْسَحَ فَأَمَّا إذَا كَانَ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ أَوَّلًا ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجُرْمُوقِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَسْحِ اسْتَقَرَّ عَلَى الْخُفِّ فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ الْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ تَعَالَى عَنْهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ مَا لَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ الْجُرْمُوقَ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ مُدَّةِ الْمَسْحِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ وَقَدْ انْعَقَدَ فِي الْخُفِّ فَلَا يَتَحَوَّلُ إلَى الْجُرْمُوقِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثُمَّ نَزَعَ أَحَدَهُمَا انْتَقَضَ مَسْحُهُ فِي الرِّجْلَيْنِ وَعَلَيْهِ غَسْلُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ﵀ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ﵀ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ رَوَى حَمَّادٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْهُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا وَرَوَى ابْنُ أَبِي يَعْلَى عَنْ الْحَكَمِ ﵀ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ عَنْ الْحَكَمِ أَنَّ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالَ الْوُضُوءِ. وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ انْتِقَاضَ الْوُضُوءِ لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزُّؤُ كَانْتِقَاضِهِ بِالْحَدَثِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ الطَّهَارَةَ الْكَامِلَةَ لَا تَنْتَقِضُ إلَّا بِالْحَدَثِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ وَنَزْعُ الْخُفِّ لَيْسَ بِحَدَثٍ،
стр. 102
وَوَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّ اسْتِتَارَ الْقَدَمِ بِالْخُفِّ كَانَ يَمْنَعُ سِرَايَةَ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ وَذَلِكَ الِاسْتِتَارُ بِالْخَلْعِ يَزُولُ فَيَسْرِي ذَلِكَ إلَى الْقَدَمِ فَكَأَنَّهُ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَغْسِلْ رِجْلَيْهِ فَعَلَيْهِ غَسْلُهُمَا، وَالرِّجْلَانِ فِي حُكْمِ الطَّهَارَةِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ فَإِذَا وَجَبَ غَسْلُ إحْدَاهُمَا وَجَبَ غَسْلُ الْأُخْرَى ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ.
قَالَ (وَلَوْ مَسَحَ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ ثُمَّ نَزَعَ أَحَدَهُمَا مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ الظَّاهِرِ وَعَلَى الْجُرْمُوقِ الْبَاقِي) وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْأَصْلِ قَالَ: يَنْزِعُ الْجُرْمُوقَ الثَّانِي وَيَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْهُ: يَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ الَّذِي نَزَعَ الْجُرْمُوقَ عَنْهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْآخَرِ شَيْءٌ. وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الِاسْتِتَارَ بَاقٍ فَكَانَ الْفَرْضُ الْمَسْحُ فَفِيمَا زَالَ الْمَمْسُوحُ بِالنَّزْعِ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَ وَفِيمَا كَانَ الْمَمْسُوحُ بَاقِيًا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِخِلَافِ مَا إذَا خَلَعَ إحْدَى خُفَّيْهِ. وَوَجْهُ مَا ذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّ نَزْعَ أَحَدِ الْجُرْمُوقَيْنِ كَنَزْعِهِمَا جَمِيعًا كَمَا إذَا خَلَعَ أَحَدَ الْخُفَّيْنِ يَكُونُ كَخَلْعِهِمَا وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ فِي الِابْتِدَاءِ لَوْ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ عَلَى إحْدَى الْخُفَّيْنِ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْخُفِّ الْبَاقِي، فَكَذَلِكَ إذَا نَزَعَ أَحَدَ الْجُرْمُوقَيْنِ، إلَّا أَنَّ حُكْمَ الطَّهَارَةِ فِي الرِّجْلَيْنِ لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزُّؤُ فَإِذَا انْتَقَضَ فِي أَحَدِهِمَا بِنَزْعِ الْجُرْمُوقِ يَنْتَقِضُ فِي الْآخَرِ فَلِهَذَا مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ الظَّاهِرِ وَعَلَى الْجُرْمُوقِ الْبَاقِي.
قَالَ (وَإِذَا انْقَضَى مُدَّةُ مَسْحِهِ وَلَمْ يُحْدِثْ فَعَلَيْهِ نَزْعُ الْخُفَّيْنِ وَغَسْلُ الْقَدَمَيْنِ) لِأَنَّ الِاسْتِتَارَ كَانَ مَانِعًا فِي الْمُدَّةِ فَإِذَا انْقَضَى سَرَى ذَلِكَ الْحَدَثُ إلَى الْقَدَمَيْنِ فَعَلَيْهِ غَسْلُهُمَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْوُضُوءِ كَمَا لَوْ كَانَتْ السِّرَايَةُ بِخَلْعِ الْخُفَّيْنِ.
قَالَ (وَإِذَا تَوَضَّأَ فَنَسِيَ مَسْحَ خُفَّيْهِ ثُمَّ خَاضَ الْمَاءَ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ مِنْ الْمَسْحِ) لِأَنَّ تَأَدِّي الْفَرْضِ بِإِصَابَةِ الْبِلَّةِ ظَاهِرَ الْخُفِّ وَقَدْ وُجِدَ، وَهَلْ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِهَذَا؟ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: ﵀ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِهَذَا وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمَاءَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَلَا يُجْزِئُهُ مِنْ الْمَسْحِ إذَا كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا غَيْرَ جَارٍ وَأَصْلُ الْخِلَافِ فِي الرَّأْسِ فَأَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ تَأَدِّي فَرْضِ الْمَسْحِ بِالْبِلَّةِ الْوَاصِلَةِ إلَى مَوْضِعِهَا لَا بِالْمَاءِ الْبَاقِي فِي الْإِنَاءِ فَبَقِيَ الْإِنَاءُ كَمَا كَانَ وَمُحَمَّدٌ ﵀ يَقُولُ لَوْ تَأَدَّى بِهِ الْفَرْضُ لَصَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِإِزَالَةِ الْحَدَثِ فَإِنَّمَا أَخْرَجَ رَأْسَهُ مِنْ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الْمَسْحِ بِهِ.
قَالَ (وَإِذَا اسْتَكْمَلَ الْمُقِيمُ مَسْحَ الْإِقَامَةِ ثُمَّ سَافَرَ نَزَعَ الْخُفَّ)؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَدَثِ سَرَى إلَى الْقَدَمَيْنِ بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْمَسْحِ فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِالسَّفَرِ.
قَالَ (وَإِنْ لَبِسَ خُفَّيْهِ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ كَمَالَ مُدَّةِ السَّفَرِ) لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْمُدَّةِ انْعَقَدَ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَأَمَّا إذَا أَحْدَثَ وَهُوَ مُقِيمٌ أَوْ مَسَحَ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ
стр. 103
ثُمَّ سَافَرَ جَازَ لَهُ عِنْدَنَا أَنْ يَمْسَحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَمْسَحُ إلَّا يَوْمًا وَلَيْلَةً. قَالَ: لِأَنَّ الْمُدَّةَ انْعَقَدَتْ وَهُوَ مُقِيمٌ فَلَا يَمْسَحُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَالشُّرُوعُ فِي مُدَّةِ الْمَسْحِ كَالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ. وَمَنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ فِي السَّفِينَةِ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ صَارَ مُسَافِرًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُتِمَّ صَلَاةَ السَّفَرِ وَإِنَّمَا يُتِمُّ صَلَاةَ الْمُقِيمِينَ.
(وَلَنَا) أَنَّ الْمَسْحَ جَازَ لَهُ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ كَمَالَ مُدَّةِ السَّفَرِ كَمَا لَوْ سَافَرَ قَبْلَ الْحَدَثِ وَفَعَلَ الصَّلَاةَ. دَلِيلُنَا أَنَّهُ بِالْحَدَثِ صَارَ شَارِعًا فِي وَقْتِ الْمَسْحِ فَوِزَانُهُ أَنْ لَوْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ صَارَ مُسَافِرًا فَهُنَاكَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْمُسَافِرِينَ.
قَالَ (وَإِذَا قَدِمَ الْمُسَافِرُ مِصْرَهُ بَعْدَ مَا مَسَحَ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ نَزْعُ الْخُفَّيْنِ) لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا وَالْمُقِيمُ لَا يَمْسَحُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ قُدُومُهُ بَعْدَ مَا مَسَحَ يَوْمَيْنِ نَزَعَ خُفَّيْهِ وَلَمْ يُعِدْ شَيْئًا مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ مَسَحَ كَانَ مُسَافِرًا.
قَالَ (وَإِذَا تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَا لَمْ يَبْرَأْ جُرْحُهُ) لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبَائِرِ كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهُ مَا دَامَتْ الْعِلَّةُ قَائِمَةً وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا مَضَى فَكَانَ اللُّبْسُ حَاصِلًا عَلَى طَهَارَةٍ تَامَّةٍ مَا بَقِيَتْ الْعِلَّةُ فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَإِنْ بَرِئَ جُرْحُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْزِعَ خُفَّيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبَائِرِ طَهَارَةٌ تَامَّةٌ مَا بَقِيَتْ الْعِلَّةُ وَاللُّبْسُ بَعْدَ الْبُرْءِ غَيْرُ حَاصِلٍ عَلَى طَهَارَةٍ تَامَّةٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفِّ حَتَّى بَرِئَ جُرْحُهُ، فَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ حَتَّى غَسَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ جَازَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ طَرَأَ عَلَى طَهَارَةٍ تَامَّةٍ وَإِنْ أَحْدَثَ قَبْلَ غَسْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ الْخُفَّ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ طَرَأَ عَلَى طَهَارَةٍ نَاقِصَةٍ.
قَالَ (وَلِلْمَاسِحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَنْ يَؤُمَّ الْغَاسِلِينَ) لِأَنَّهُ صَاحِبُ بَدَلٍ صَحِيحٍ وَحُكْمُ الْبَدَلِ حُكْمُ الْأَصْلِ وَلِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ جُعِلَ كَالْغُسْلِ لِمَا تَحْتَهُ فِي الْمُدَّةِ بِدَلِيلِ جَوَازِ الِاكْتِفَاءِ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فَكَانَ الْمَاسِحُ فِي حُكْمِ الْإِمَامَةِ كَالْغَاسِلِ.
قَالَ (وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَبُولَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ بَال فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ) لِأَنَّ لُبْسَهُمَا حَصَلَ عَلَى طَهَارَةٍ تَامَّةٍ وَلَمَّا سُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ عَنْ هَذَا فَقَالَ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا فَقِيهٌ فَقَدْ اسْتَدَلَّ بِفِعْلِهِ عَلَى فِقْهِهِ؛ لِأَنَّهُ تَطَرَّقَ بِهِ إلَى رُخْصَةٍ شَرْعِيَّةٍ.
قَالَ (وَإِذَا بَدَا لِلْمَاسِحِ أَنْ يَخْلَعَ خُفَّيْهِ فَنَزَعَ الْقَدَمَ مِنْ الْخُفِّ غَيْرَ أَنَّهُ فِي السَّاقِ بَعْدُ فَقَدْ انْتَقَضَ مَسْحُهُ) لِأَنَّ مَوْضِعَ الْمَسْحِ فَارَقَ مَكَانَهُ فَكَأَنَّهُ ظَهَرَ رِجْلُهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ سَاقَ الْخُفِّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ حَتَّى لَوْ لَبِسَ خُفًّا لَا سَاقَ لَهُ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ إذَا كَانَ الْكَعْبُ مَسْتُورًا فَيَكُونُ الرِّجْلُ فِي سَاقِ الْخُفِّ
стр. 104
وَظُهُورُهُ فِي الْحُكْمِ سَوَاءً.
وَإِنْ نَزَعَ بَعْضَ الْقَدَمِ عَنْ مَكَانِهِ فَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّهُ إذَا نَزَعَ أَكْثَرَ الْعَقِبِ انْتَقَضَ مَسْحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكَمَالِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ نَزَعَ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ قَدْرَ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ انْتَقَضَ مَسْحُهُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ إنْ بَقِيَ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ لَمْ يَنْتَقِضْ مَسْحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَعْضُ رِجْلِهِ مَقْطُوعًا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ فَلَبِسَ عَلَيْهِ الْخُفَّ جَازَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ فَهَذَا قِيَاسُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (وَإِذَا لَبِسَ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ أَوْ الْوُضُوءِ بِنَبِيذٍ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ نَزَعَ خُفَّيْهِ) لِأَنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ وَكَذَلِكَ طَهَارَةُ النَّبِيذِ فَصَارَ بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ كَأَنَّهُ لَبِسَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ.
قَالَ (وَإِذَا لَبِسَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ الْخُفَّيْنِ فَإِنْ كَانَ الدَّمُ مُنْقَطِعًا مِنْ حِينِ تَوَضَّأَتْ إلَى أَنْ لَبِسَتْ الْخُفَّيْنِ فَلَهَا أَنْ تَمْسَحَ كَمَالَ مُدَّةِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ وُضُوءَهَا رَفَعَ الْحَدَثَ السَّابِقَ وَلَمْ يَقْتَرِنْ الْحَدَثُ بِالْوُضُوءِ وَلَا بِاللُّبْسِ فَإِنَّمَا طَرَأَ أَوَّلُ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ عَلَى طَهَارَةٍ تَامَّةٍ) فَأَمَّا إذَا تَوَضَّأَتْ وَالدَّمُ سَائِلٌ أَوْ سَالَ بَعْدَ الْوُضُوءِ قَبْلَ اللُّبْسِ فَلَبِسَتْ الْخُفَّيْنِ كَانَ لَهَا أَنْ تَمْسَحَ فِي الْوَقْتِ إذَا أَحْدَثَتْ حَدَثًا آخَرَ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَمْسَحَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ عِنْدَنَا. وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَهَا أَنْ تَمْسَحَ كَمَالَ مُدَّةِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ سَيَلَانَ الدَّمِ عَفْوٌ فِي حَقِّهَا بِدَلِيلِ جَوَازِ الصَّلَاةِ مَعَهُ فَكَانَ اللُّبْسُ حَاصِلًا عَلَى طَهَارَةٍ.
(وَلَنَا) أَنَّ سَيَلَانَ الدَّمِ عَفْوٌ فِي الْوَقْتِ لَا بَعْدَهُ حَتَّى تَنْتَقِضَ الطَّهَارَةُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَخُرُوجُ الْوَقْتِ لَيْسَ بِحَدَثٍ فَكَانَ اللُّبْسُ حَاصِلًا عَلَى طَهَارَةٍ مُعْتَبَرَةٍ فِي الْوَقْتِ لَا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَلِهَذَا كَانَ لَهَا أَنْ تَمْسَحَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ لَا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ.
قَالَ (وَإِذْ كَانَ مَعَ الْمُسَافِرِ مَاءٌ قَدْرَ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ وَفِي ثَوْبِهِ دَمٌ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ غَسَلَ الدَّمَ بِذَلِكَ الْمَاءِ ثُمَّ تَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ) وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَتَوَضَّأُ بِذَلِكَ الْمَاءِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقِيلَ هَذِهِ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ خَالَفَ فِيهَا أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أُسْتَاذَه. وَوَجْهُ قَوْلِ حَمَّادٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ حُكْمَ الْحَدَثِ أَغْلَظُ مِنْ حُكْمِ النَّجَاسَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ النَّجَاسَةِ عَفْوٌ وَمِنْ الْحَدَثِ لَا، وَبِدَلِيلِ جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ إذَا كَانَ لَا يَجِدُ مَاءً يَغْسِلُهُ بِهِ وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَ الْحَدَثِ بِحَالٍ فَصَرْفُ الْمَاءِ إلَى أَغْلَظِ الْحَدَثَيْنِ أَوْلَى، وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الطَّهَارَتَيْنِ بِأَنْ يَغْسِلَ النَّجَاسَةَ بِالْمَاءِ فَيَطْهُرَ بِهِ الثَّوْبُ ثُمَّ يَكُونُ عَادِمًا لِلْمَاءِ فَيَكُونُ طَهَارَتَهُ التَّيَمُّمُ وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الطَّهَارَتَيْنِ لَا يَكُونُ لَهُ
стр. 105
أَنْ يَأْتِيَ بِأَحَدِهِمَا وَيَتْرُكَ الْآخَرِ فَلِهَذَا كَانَ صَرْفُ الْمَاءِ إلَى النَّجَاسَةِ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ التَّيَمُّمِ]
قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - التَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَائِلِ
وَمَا أَدْرِي إذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا ... أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي
أَيْ قَصَدْت، وَفِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْقَصْدِ إلَى الصَّعِيدِ لِلتَّطْهِيرِ الِاسْمُ شَرْعِيٌّ فِيهِ مَعْنَى اللُّغَةِ (وَثُبُوتُ التَّيَمُّمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] وَنُزُولُ الْآيَةِ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ حِينَ عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً فَسَقَطَ عِقْدُ عَائِشَةَ ﵂ فَلَمَّا ارْتَحَلُوا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ رَجُلَيْنِ فِي طَلَبِهِ وَنَزَلُوا يَنْتَظِرُونَهُمَا فَأَصْبَحُوا وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَغْلَظَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَقَالَ حَبَسْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ فَلَمَّا صَلَّوْا جَاءَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ إلَى مِضْرَبِ عَائِشَةَ ﵂ فَجَعَلَ يَقُولُ مَا أَكْثَرَ بَرَكَتَكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ وَفِي رِوَايَةٍ يَرْحَمُكِ اللَّهُ يَا عَائِشَةُ مَا نَزَلَ بِك أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إلَّا جَعَلَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ فَرَجًا.
وَالسُّنَّةُ مَا رُوِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ تَيَمَّمَتْ وَصَلَّيْتُ» وَقَالَ ﵊ «التُّرَابُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إلَى عَشْرِ حِجَجٍ مَا لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ» إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ يَنْتَظِرُ مَنْ لَا يَجِدُ الْمَاءَ آخِرَ الْوَقْتِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ صَعِيدًا طَيِّبًا وَهَذَا إذَا كَانَ عَلَى طَمَعٍ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَرْجُو ذَلِكَ لَا يُؤَخِّرْ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا الْمَعْهُودِ؛ لِأَنَّ الِانْتِظَارَ إنَّمَا يُؤْمَرُ بِهِ إذَا كَانَ مُفِيدًا، فَإِذَا كَانَ عَلَى طَمَعٍ فَالِانْتِظَارُ مُفِيدٌ لَعَلَّهُ يَجِدُ الْمَاءَ فَيُؤَدِّي الصَّلَاةَ بِأَكْمَلِ الطَّهَارَتَيْنِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى طَمَعٍ مِنْ الْمَاءِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الِانْتِظَارِ فَلَا يَشْتَغِلُ بِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ التَّيَمُّمِ فَقَالَ (يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَرْفَعُهُمَا فَيَنْفُضُهُمَا وَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ ثُمَّ يَضَعُ يَدَيْهِ ثَانِيَةً عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَرْفَعُهُمَا فَيَنْفُضُهُمَا ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا كَفَّيْهِ وَذِرَاعَيْهِ مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ. قَالَ: فَإِنْ مَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَلَمْ يَمْسَحْ ظَهْرَ كَفَّيْهِ لَمْ يُجْزِهِ) فَقَدْ ذَكَرَ الْوَضْعَ، وَالْآثَارُ جَاءَتْ بِلَفْظِ الضَّرْبِ «قَالَ ﷺ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَمَّا يَكْفِيك ضَرْبَتَانِ» وَالْوَضْعُ جَائِزٌ وَالضَّرْبُ أَبْلُغُ لِيَتَخَلَّلَ التُّرَابُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَيَنْفُضُهُمَا مَرَّةً وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ
стр. 106
قَالَ: يَنْفُضُهُمَا مَرَّتَيْنِ وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا خِلَافَ فَإِنَّ مَا الْتَصَقَ بِكَفِّهِ مِنْ التُّرَابِ إنْ تَنَاثَرَ بِنَفْضَةٍ وَاحِدَةٍ يَكْتَفِي بِهَا وَإِنْ لَمْ يَتَنَاثَرْ نَفَضَ نَفْضَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ التَّمَسُّحُ بِكَفٍّ مَوْضُوعٍ عَلَى الْأَرْضِ لَا اسْتِعْمَالُ التُّرَابِ فَإِنَّ اسْتِعْمَالَ التُّرَابِ مِثْلُهُ.
ثُمَّ التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَقُولُ ثَلَاثُ ضَرَبَاتٍ ضَرْبَةٌ يَسْتَعْمِلُهَا لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ فِي الذِّرَاعَيْنِ وَضَرْبَةٌ ثَالِثَةٌ فِيهِمَا، وَحَدِيثُ عَمَّارٍ حُجَّةٌ عَلَيْهِ كَمَا رَوَيْنَا وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] يُوجِبُ الْمَسْحَ دُونَ التَّكْرَارِ ثُمَّ التَّيَمُّمُ إلَى الْمَرَافِقِ فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالْأَعْمَشُ إلَى الرُّسْغَيْنِ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ ﵀ إلَى الْآبَاطِ، وَحَدِيثُ عَمَّارٍ ﵁ قَدْ وَرَدَ بِكُلِّ ذَلِكَ فَرَجَّحْنَا رِوَايَتَهُ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ لِحَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ» وَالثَّانِي حَدِيثُ الْأَشْلَعِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ التَّيَمُّمَ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ» وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَنْ الْوُضُوءِ ثُمَّ الْوُضُوءُ فِي الْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ فَالتَّيَمُّمُ كَذَلِكَ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ سَقَطَ فِي التَّيَمُّمِ عُضْوَانِ أَصْلًا وَبَقِيَ عُضْوَانِ فَيَكُونُ التَّيَمُّمُ فِيهِمَا كَالْوُضُوءِ فِي الْكُلِّ كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ سَقَطَ مِنْهُ رَكْعَتَانِ كَانَ الْبَاقِي مِنْهَا بِصِفَةِ الْكَمَالِ وَلِهَذَا شَرَطْنَا الِاسْتِيعَابَ فِي التَّيَمُّمِ حَتَّى إذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: الْأَكْثَرُ يَقُومُ مَقَامَ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ فِي الْمَمْسُوحَاتِ الِاسْتِيعَابُ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا فِي الْمَسْحِ بِالْخُفِّ وَالرَّأْسِ فَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الِاسْتِيعَابُ فِي التَّيَمُّمِ فَرْضٌ كَمَا فِي الْوُضُوءِ وَلِهَذَا قَالُوا: لَا بُدَّ مِنْ نَزْعِ الْخَاتَمِ فِي التَّيَمُّمِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ لِيَتِمَّ بِهِ الْمَسْحُ. وَمَنْ قَالَ التَّيَمُّمُ إلَى الرُّسْغِ اسْتَدَلَّ بِآيَةِ السَّرِقَةِ قَالَ اللَّه تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ثُمَّ كَانَ الْقَطْعُ مِنْ الرُّسْغِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ ذَاكَ عُقُوبَةٌ، وَفِي الْعُقُوبَاتِ لَا يُؤْخَذُ إلَّا بِالْيَقِينِ، وَالتَّيَمُّمُ عِبَادَةٌ وَفِي الْعِبَادَاتِ يُؤْخَذُ بِالِاحْتِيَاطِ وَمَنْ قَالَ إلَى الْآبَاطِ قَالَ اسْمُ الْأَيْدِي مُطْلَقًا يَتَنَاوَلُ الْجَارِحَةَ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْآبَاطِ وَلَكِنَّا نَقُولُ التَّيَمُّمُ بَدَلٌ عَنْ الْوُضُوءِ فَالتَّنْصِيصُ عَلَى الْغَايَةِ فِي الْوُضُوءِ يَكُونُ تَنْصِيصًا عَلَيْهِ فِي التَّيَمُّمِ. يَقُولُ فِي الْكِتَابِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ التَّيَمُّمِ فَقَالَ: الْوَجْهُ وَالذِّرَاعَانِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ فَقُلْت: كَيْفَ؟ فَمَالَ بِيَدِهِ عَلَى الصَّعِيدِ فَأَقْبَلَ بِيَدِهِ وَأَدْبَرَ ثُمَّ نَفَضَهُمَا ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ ثُمَّ أَعَادَ كَفَّيْهِ جَمِيعًا عَلَى الصَّعِيدِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ثُمَّ رَفَعَهُمَا
стр. 107
وَنَفَضَهُمَا ثُمَّ مَسَحَ بِكُلِّ كَفٍّ ظَهْرَ ذِرَاعِ الْأُخْرَى وَبَاطِنَهَا إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَفِي قَوْلِهِ أَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَبْلَ الْوَضْعِ عَلَى الْأَرْضِ أَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ لِيَنْظُرَ هَلْ الْتَصَقَ بِكَفِّهِ شَيْءٌ يَصِيرُ حَائِلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّعِيدِ.
وَالثَّانِي: أَقْبَلَ بِهِمَا عَلَى الصَّعِيدِ وَأَدْبَرَ بِهِمَا وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ.
قَالَ (وَإِنْ كَانَ مَعَ رَفِيقٍ لَهُ مَاءٌ فَطَلَبَ مِنْهُ فَلَمْ يُعْطِهِ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى أَجْزَأَهُ)؛ لِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ حِينَ مَنَعَهُ صَاحِبُ الْمَاءِ وَهُوَ شَرْطُ التَّيَمُّمِ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ مِنْهُ حَتَّى تَيَمَّمَ وَصَلَّى لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مَبْذُولٌ فِي النَّاسِ عَادَةً خُصُوصًا لِلطَّهَارَةِ فَلَا يَصِيرُ عَادِمًا لِلْمَاءِ إلَّا بِمَنْعِ صَاحِبِهِ فَلَا يَظْهَرُ ذَلِكَ إلَّا بِطَلَبِهِ فَإِذَا لَمْ يَطْلُبْ لَا يُجْزِئُهُ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدٍ مِنْ الرُّفْقَةِ مَاءٌ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى جَازَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ الْمَاءَ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ الْمَاءِ أَوَّلًا يَمْنَةً وَيَسْرَةً فَيَهْبِطُ وَادِيًا وَيَعْلُو شَرَفًا إنْ كَانَ ثَمَّةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] وَذَلِكَ لَا يَتَبَيَّنُ إلَّا بِطَلَبِهِ وَلَكِنَّا نَقُولُ الطَّلَبُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ إذَا كَانَ عَلَى طَمَعٍ مِنْ الْوُجُودِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى طَمَعٍ مِنْهُ فَلَا فَائِدَةَ فِي الطَّلَبِ وَقَدْ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ فَرُبَّمَا يَنْقَطِعُ عَنْ أَصْحَابِهِ وَمَا شُرِعَ التَّيَمُّمُ إلَّا لِدَفْعِ الْحَرَجِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦].
قَالَ (وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْضِ تَيَمَّمَ بِهِ مِنْ تُرَابٍ أَوْ جِصٍّ أَوْ نُورَةٍ أَوْ زِرْنِيخٍ فَهُوَ جَائِزٌ) فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ أَوَّلًا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلَّا بِالتُّرَابِ وَالرَّمْلِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا يُجْزِئُهُ إلَّا بِالتُّرَابِ الْخَالِصِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: الصَّعِيدُ هُوَ التُّرَابُ الْخَالِصُ وَقَالَ ﷺ «التُّرَابُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَالْجِصُّ وَالنُّورَةُ لَيْسَا بِتُرَابِ» فَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِمَا وَمَا سِوَى التُّرَابِ مَعَ التُّرَابِ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ مَعَ الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ فَكَمَا يَخْتَصُّ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ دُونَ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ فَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ وَفِيهِ إظْهَارُ كَرَامَةٍ الْآدَمِيِّ فَإِنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ التُّرَابِ وَالْمَاءِ فَخُصَّا بِكَوْنِهِمَا طَهُورًا لِهَذَا. وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى اسْتَدَلَّا بِالْآيَةِ فَإِنَّ الصَّعِيدَ هُوَ الْأَرْضُ قَالَ ﷺ «يُحْشَرُ الْعُلَمَاءُ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ كَأَنَّهَا سَبِيكَةُ فِضَّةٍ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَا مَعْشَرَ الْعُلَمَاءِ إنِّي لَمْ أَضَعْ عِلْمِي فِيكُمْ إلَّا لِعِلْمِي بِكُمْ إنِّي لَمْ أَضَعْ حِكْمَتِي فِيكُمْ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُعَذِّبَكُمْ انْطَلِقُوا مَغْفُورًا» لَكُمْ فَدَلَّ أَنَّ الصَّعِيدَ هُوَ الْأَرْضُ وَقَالَ ﷺ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» ثُمَّ مَا سِوَى التُّرَابِ مِنْ الْأَرْضِ أُسْوَةُ التُّرَابِ فِي كَوْنِهِ مَكَانَ الصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ فِي كَوْنِهِ طَهُورًا
стр. 108
وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ يَسَّرَ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ وَقَدْ تُدْرِكُهُ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّرَابِ كَمَا تُدْرِكُهُ فِي مَوْضِعِ التُّرَابِ فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالْكُلِّ تَيْسِيرًا ثُمَّ حَاصِلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ فَالتَّيَمُّمُ بِهِ جَائِزٌ، وَمَا لَا فَلَا حَتَّى لَا يَجُوزَ التَّيَمُّمُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لِأَنَّهُمَا جَوْهَرَانِ مُودَعَانِ فِي الْأَرْضِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ حَتَّى يَذُوبَ بِالذَّوْبِ وَكَذَلِكَ الرَّمَادُ مِنْ الْحَطَبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ هَكَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَام السَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ مَشَايِخِنَا. ﵏
قَالَ (إنْ كَانَ الْمِلْحُ جَبَلِيًّا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ التُّرَابِ وَإِنْ كَانَ مَائِعًا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ التُّرَابِ دَاءُ سَبَخٍ) وَأَمَّا الْكُحْلُ وَالْمَرْدَاءُ سَبَخٌ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِمَا وَالْآجُرُّ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ طِينٌ مُسْتَحْجَرٌ فَهُوَ كَالْحَجَرِ الْأَصْلِيِّ وَالتَّيَمُّمُ بِالْحَجَرِ يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غُبَارٌ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِ رِوَايَتَانِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ غُبَارٌ. وَالدَّلِيلُ عَلَى الْجَوَازِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَالَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى كَادَ الرَّجُلُ يَتَوَارَى بِحِيطَانِ الْمَدِينَةِ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الْحَائِطِ فَتَيَمَّمَ ثُمَّ رَدَّ ﵇» وَحِيطَانُهُمْ كَانَتْ مِنْ الْحَجَرِ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ بِهَا، وَكَذَلِكَ الطِّينُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجُوزُ بِهِ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ وَفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ بِالطِّينِ.
قَالَ (وَإِذَا نَفَضَ ثَوْبَهُ أَوْ لَبَدَهُ وَتَيَمَّمَ بِغُبَارِهِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الصَّعِيدِ أَجْزَأَهُ) فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يُجْزِئُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَّا إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّعِيدِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْغُبَارَ لَيْسَ بِتُرَابٍ خَالِصٍ وَلَكِنَّهُ مِنْ التُّرَابِ مِنْ وَجْهٍ وَالْمَأْمُورُ بِهِ التَّيَمُّمُ بِالصَّعِيدِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا بِالصَّعِيدِ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَحِينَئِذٍ تَيَمَّمَ بِالْغُبَارِ كَمَا أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى احْتَجَّا بِحَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَإِنَّهُ كَانَ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي سَفَرٍ فَنَظَرُوا بِالْخَابِيَةِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْفُضُوا لُبُودَهُمْ وَسُرُوجَهُمْ وَيَتَيَمَّمُوا بِغُبَارِهَا وَلِأَنَّ الْغُبَارَ تُرَابٌ فَإِنَّ مَنْ نَفَضَ ثَوْبَهُ يَتَأَذَّى جَارُهُ مِنْ التُّرَابِ إلَّا أَنَّهُ دَقِيقٌ وَكَمَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالْخَشِنِ مِنْ التُّرَابِ عَلَى كُلِّ حَالٍّ فَكَذَلِكَ بِالدَّقِيقِ مِنْهُ.
قَالَ (وَإِنْ تَيَمَّمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَجْزَأَهُ) وَكَذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُجْزِئُهُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَلَا يُعْتَدُّ بِهَا قَبْلَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ لَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] فَشَرَطَ عَدَمَ الْمَاءِ فَقَطْ وَجَعَلَهُ فِي حَالِ
стр. 109
عَدَمِ الْمَاءِ كَالْوُضُوءِ. ثُمَّ التَّوَضُّؤُ بِالْمَاءِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ لِتَقَرُّرِ سَبَبِهِ وَهُوَ الْحَدَثُ فَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ.
فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى أَوْجُهٍ إنْ وَجَدَهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ إلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ﵄ قَالَ الطَّهَارَةُ مَتَى صَحَّتْ لَا يَرْفَعُهَا إلَّا الْحَدَثُ وَوُجُودُ الْمَاءِ لَيْسَ بِحَدَثٍ وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ ﷺ «التُّرَابُ كَافِيك وَلَوْ إلَى عَشْرِ حِجَجٍ مَا لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ فَأَمْسِسْهُ بَشَرَتَك» وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَلَكِنَّهُ طَهَارَةٌ شَرْعًا إلَى غَايَةِ وَهُوَ وُجُودُ الْمَاءِ وَمِنْ حُكْمِ الْغَايَةِ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهَا خِلَافُ مَا قَبْلَهَا فَعِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ يَصِيرُ مُحْدِثًا بِالْحَدَثِ السَّابِقِ وَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ عِنْدَنَا وَهُوَ أَحَدُ أَقَاوِيلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ يُقَرَّبُ الْمَاءُ مِنْهُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وَيَبْنِي وَأَظْهَرُ أَقَاوِيلِهِ أَنَّهُ يَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ.
وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الصَّلَاةِ قَدْ صَحَّ بِطَهَارَةِ التَّيَمُّمِ فَلَا يَبْطُلُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ كَمَا لَوْ رَأَى بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ وَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ مَا أَدَّى فَحُرْمَةُ الصَّلَاةِ تَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَلَا يَكُونُ وَاجِدًا لِلْمَاءِ كَمَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ مَانِعٌ أَوْ كَانَ عَلَى رَأْسِ الْبِئْرِ وَلَيْسَ مَعَهُ آلَةُ الِاسْتِسْقَاءِ.
(وَلَنَا) أَنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ انْتَهَتْ بِوُجُودِ الْمَاءِ فَلَوْ أَتَمَّ صَلَاتَهُ أَتَمَّهَا بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَحُرْمَةُ الصَّلَاةِ إنَّمَا تَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ أَنْ لَوْ بَقِيَتْ وَلَمْ تَبْقَ هَاهُنَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَعِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ يَصِيرُ مُحْدِثًا بِحَدَثٍ سَابِقٍ عَلَى الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنْ الْبِنَاءِ كَخُرُوجِ الْوَقْتِ فِي حَقِّ الْمُسْتَحَاضَةِ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الصَّلَاةِ عُرِفَ بِالْأَثَرِ وَذَلِكَ فِي حَدَثٍ يَسْبِقُهُ لِلْحَالِ فَلِهَذَا أَلْزَمْنَاهُ الْوُضُوءَ وَاسْتِقْبَالَ الصَّلَاةِ وَالشُّرُوعَ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ صَحَّ كَمَا قَالَ إلَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ الْفَرْضِ عَنْ ذِمَّتِهِ وَمَتَى قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْبَدَلِ كَالْمُعْتَدَّةِ بِالْأَشْهُرِ إذَا حَاضَتْ وَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ ﵀ فَإِنَّهُ يَقُولُ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ يُعِيدُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ لِضَرُورَةِ التَّمَكُّنِ بِهِ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ، وَالْأَدَاءُ بِاعْتِبَارِ الْوَقْتِ فَإِذَا ارْتَفَعَتْ هَذِهِ الضَّرُورَةُ بِوُجُودِ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ سَقَطَ اعْتِبَارُ التَّيَمُّمِ كَالْمَرِيضِ إذَا أَحَجَّ رَجُلًا بِمَالِهِ ثُمَّ بَرِئَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ لِبَقَاءِ الْوَقْتِ فَإِنَّ الْعُمْرَ لِلْحَجِّ كَالْوَقْتِ لِلصَّلَاةِ.
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَّيَا بِالتَّيَمُّمِ فِي الْوَقْتِ ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُعِدْ الْآخَرُ فَسَأَلَا عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِلَّذِي أَعَادَ أَتَاك أَجْرُك مَرَّتَيْنِ
стр. 110
وَلِلَّذِي لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَتْك صَلَاتُك» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ صَلَّى الْعَصْرَ بِالتَّيَمُّمِ وَانْصَرَفَ مِنْ ضَيْعَتِهِ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَى أَبْيَاتٍ ثُمَّ دَخَلَهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَمْ يُعِدْ الصَّلَاةَ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ إسْقَاطُ الْفَرْضِ عَنْ ذِمَّتِهِ وَقَدْ حَصَلَ بِالْبَدَلِ فَلَا يَعُودُ إلَى ذِمَّتِهِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ كَالْمُعْتَدَّةِ بِالْأَشْهُرِ إذَا حَاضَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْحَجِّ فَإِنَّ جَوَازَ الْإِحْجَاجِ بِاعْتِبَارِ وُقُوعِ الْيَأْسِ عَنْ الْأَدَاءِ بِالْبَدَنِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْمَوْتِ وَهَا هُنَا جَوَازُ التَّيَمُّمِ بِاعْتِبَارِ الْعَجْزِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَكَانَ مُتَحَقِّقًا حِينَ صَلَّى.
قَالَ (وَيَؤُمُّ الْمُتَيَمِّمُ الْمُتَوَضِّئِينَ) فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَؤُمُّ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَا يَؤُمُّ الْمُتَيَمِّمُ الْمُتَوَضِّئِينَ وَلَا الْمُقَيَّدُ الْمُطْلَقِينَ وَلِأَنَّ طَهَارَةَ الْمُتَيَمِّمِ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ فَلَا يَؤُمُّ مَنْ لَا ضَرُورَةَ لَهُ كَصَاحِبِ الْجُرْحِ السَّائِلِ لَا يَؤُمُّ الْأَصِحَّاءَ. وَهُمَا اسْتَدَلَّا بِحَدِيثِ «عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَهُ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ فَلَمَّا انْصَرَفُوا سَأَلَهُمْ عَنْ سِيرَتِهِ فَقَالُوا كَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ وَلَكِنَّهُ صَلَّى بِنَا يَوْمًا وَهُوَ جُنُبٌ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ احْتَلَمَتْ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَخَشِيت الْهَلَاكَ إنْ اغْتَسَلْت فَتَلَوْت قَوْلَ اللَّهِ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فَتَيَمَّمْت وَصَلَّيْت بِهِمْ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَجْهِهِ وَقَالَ يَا لَك مِنْ فَقِهٍ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ» وَلِأَنَّ الْمُتَيَمِّمَ صَاحِبُ بَدَلٍ صَحِيحٍ فَهُوَ كَالْمَاسِحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ يَؤُمُّ الْغَاسِلِينَ وَهَذَا لِأَنَّ الْبَدَلَ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْأَصْلِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَصْلِ بِخِلَافِ صَاحِبِ الْجُرْحِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِصَاحِبِ بَدَلٍ صَحِيحٍ.
قَالَ (وَالْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالْمُحْدِثُ فِي التَّيَمُّمِ سَوَاءٌ) وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَرُوِيَ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ ﵁ قَالَ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَمَا تَذْكُرُ إذْ كُنْت مَعَك فِي الْإِبِلِ، فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ ثُمَّ سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَصِرْت حِمَارًا أَمَا يَكْفِيك ضَرْبَتَانِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ اتَّقِ اللَّهَ فَقَالَ إنْ شِئْت فَلَا أَذْكُرُهُ أَبَدًا فَقَالَ عُمَرُ إنْ شِئْت فَاذْكُرْهُ وَإِنْ شِئْت فَلَا تَذْكُرْهُ وَلَمَّا ذُكِرَ لِابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ حَدِيثُ عَمَّارٍ فَقَالَ لَمْ يَقْنَعْ بِهِ عُمَرُ ﵁ وَأَصْلُ الِاخْتِلَافِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] فَقَالَ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ ﵄ الْمُرَادُ الْمَسُّ بِالْيَدِ فَجَوَّزَ التَّيَمُّمَ لِلْمُحْدِثِ خَاصَّةً وَقَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ الْمُرَادُ الْمُجَامَعَةُ فَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ نَوْعَيْ الْحَدَثِ
следующие страницы →