Полный текст (6 278 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
إذَا كَانَ مَأْمُورًا بِالْقِرَانِ مِنْ جِهَةِ الْمَيِّتِ حَتَّى لَمْ يَصِرْ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّ دَمَ الْقِرَانِ نُسُكٌ وَسَائِرُ الْمَنَاسِكِ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ هَذَا النُّسُكُ، وَلِأَنَّ لِهَذَا الدَّمِ بَدَلًا وَهُوَ الصَّوْمُ، وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يُشْكِلْ أَنَّ الصَّوْمَ عَلَيْهِ دُونَ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ فَكَذَلِكَ الْهَدْيُ يَكُونُ عَلَيْهِ
(قَالَ): وَكَذَلِكَ لَوْ أُمِرَ بِالْعُمْرَةِ عَنْ الْمَيِّتِ فَقَرَنَ مَعَهَا حَجَّةً فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا إلَّا أَنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا نَفَقَةُ مَا بَقِيَ مِنْ الْحَجِّ بَعْدَ أَدَاءِ الْعُمْرَةِ يَكُونُ عَلَى الْحَاجِّ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ لَا لِلْمَيِّتِ فَلَا يَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، وَبِهَذَا الْفَصْلِ يَتَّضِحُ كَلَامُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى مَا بَيَّنَّا
(قَالَ): وَإِذَا كَانَ أُمِرَ بِالْحَجِّ فَبَدَأَ وَاعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ كَانَ مُخَالِفًا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَالْمُتَمَتِّعُ يَحُجُّ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ فَكَانَ هَذَا غَيْرَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَفَرٍ يَعْمَلُ فِيهِ لِلْمَيِّتِ، وَإِنَّمَا أَنْفَقَ فِي سَفَرٍ كَانَ عَامِلًا فِيهِ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ كَانَ لِلْعُمْرَةِ وَهُوَ فِي الْعُمْرَةِ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ
(قَالَ): وَكُلُّ دَمٍ يَلْزَمُ الْمُجَهِّزَ يَعْنِي الْحَاجَّ عَنْ الْغَيْرِ فَهُوَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ دَمَ نُسُكٍ فَإِقَامَةُ الْمَنَاسِكِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ دَمَ كَفَّارَةٍ فَالْجِنَايَةُ وُجِدَتْ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ دَمًا وَجَبَ بِتَرْكِ وَاجِبٍ فَهُوَ الَّذِي تَرَكَ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فَلِهَذَا كَانَتْ هَذِهِ الدِّمَاءُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إلَّا دَمَ الْإِحْصَارِ فَإِنَّهُ فِي مَالِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ عَلَى الْحَاجِّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ لِتَعْجِيلِ الْإِحْلَالِ فَيَكُونُ قِيَاسُ الدَّمِ الْوَاجِبِ بِالْجِمَاعِ وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى دَمِ الْقِرَانِ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلتَّحَلُّلِ وَهُمَا احْتَجَّا، وَقَالَا: دَمُ الْإِحْصَارِ لِلْخُرُوجِ عَنْ الْإِحْرَامِ وَهُوَ بِمُبَاشَرَةِ الْإِحْرَامِ كَانَ عَامِلًا لِلْمَيِّتِ فَكَانَ الْمَيِّتُ هُوَ الْمُدْخِلُ لَهُ فِي هَذَا حُكْمًا فَعَلَيْهِ إخْرَاجُهُ كَمَا بَيَّنَّا فِي الْعَبْدِ إذَا أَحْرَمَ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ، ثُمَّ أُحْصِرَ كَانَ عَلَيْهِ إخْرَاجُهُ، تَوْضِيحُهُ أَنَّ دَمَ الْإِحْصَارِ بِمَنْزِلَةِ نَفَقَةِ الرُّجُوعِ، وَنَفَقَةُ الرُّجُوعِ فِي مَالِ الْبَيْتِ وَكَانَ الْحَاجُّ هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِهِ، فَكَذَلِكَ دَمُ الْإِحْصَارِ فِي مَالِهِ وَإِنْ كَانَ الْحَاجُّ هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِهِ، ثُمَّ يَرُدُّ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ عَلَى وَصِيِّ الْمَيِّتِ فَيُحِجُّ بِهِ إنْسَانًا مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا أَنْفَقَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِأَمْرِ الْمَيِّتِ فِيمَا أَنْفَقَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ مَاتَ فِي الطَّرِيقِ لَمْ يَضْمَنْ مَا أَنْفَقَ فَكَذَلِكَ إذَا أُحْصِرَ، وَقَوْلُهُ " مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ " يَعْنِي إذَا كَانَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحُجَّ بِهِ مِنْ مَنْزِلِ الْمَيِّتِ فَيَحُجُّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يُمْكِنُ وَصَارَ هَذَا كَمَا لَوْ لَمْ يَبْلُغْ فِي الِابْتِدَاءِ ثُلُثُ مَالِهِ إلَّا هَذَا الْقَدْرَ فَيَحُجُّ بِهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ.
وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِثُلُثِ مَالِهِ فَإِنَّمَا يُحَجُّ مِنْ مَنْزِلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ لِلْحَجِّ بِنَفْسِهِ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ فَكَذَلِكَ
стр. 842
يُحَجُّ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ فَإِنْ كَانَ ثُلُثُ مَالِهِ لَا يَكْفِي لِلْحَجِّ مِنْ مَنْزِلِهِ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ تَبْطُلُ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ الْوَصِيُّ عَنْ تَنْفِيذِ مَا أَمَرَ بِهِ وَهُوَ الْحَجُّ مِنْ مَنْزِلِهِ فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا أَوْصَى بِأَنْ يُشْتَرَى نَسَمَةٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَتُعْتَقُ عَنْهُ وَكَانَ ثُلُثُ مَالِهِ دُونَ الْأَلْفِ دِرْهَمٍ تَبْطُلُ الْوَصِيَّةِ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْحَجِّ ابْتِغَاءُ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَيْلُ الثَّوَابِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ بِالصَّدَقَةِ، وَذَلِكَ يَنْفُذُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ فَإِنَّ الْعَبْدَ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَالْوَصِيَّةُ تَقَعُ لَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا فَإِنَّمَا أَوْصَى بِعَبْدٍ يُسَاوِي أَلْفًا فَلَا يَجُوزُ تَنْفِيذُهُ بِعَبْدٍ يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ فَلَوْ وَجَدُوا مَنْ يَحُجُّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ مَنْزِلِهِ بِذَلِكَ الْمَالِ مَاشِيًا لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَحُجُّوا مِنْ مَنْزِلِهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ رَاكِبًا حَتَّى قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي النَّوَادِرِ: رَاكِبُ الْبَعِيرِ فِي ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ رَاكِبِ الْحِمَارِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ مَاشِيًا إنْ وَجَدَ النَّفَقَةَ فَكَذَلِكَ لَا يُحَجُّ عَنْهُ مَاشِيًا؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ لِلْمَيِّتِ ثَوَابُ النَّفَقَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: الْخِيَارُ إلَى الْوَصِيِّ إنْ شَاءَ أَحَجَّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ رَاكِبًا، وَإِنْ شَاءَ مِنْ مَنْزِلِهِ مَاشِيًا؛ لِأَنَّ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ زِيَادَةً فِي الْمَسَافَةِ وَنُقْصَانًا فِي النَّفَقَةِ، وَفِي الْجَانِبِ الْآخَرِ زِيَادَةٌ فِي النَّفَقَةِ وَنُقْصَانٌ فِي الْمَسَافَةِ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَيْلُ الثَّوَابِ فَيَخْتَارُ الْوَصِيُّ أَيَّ الْجَانِبَيْنِ شَاءَ، فَأَمَّا الْمُحْصَرُ بَعْدَمَا تَحَلَّلَ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ فَتَحَلَّلَ بِالْهَدْيِ، وَهَذَا شَاهِدٌ لِمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّ الْمُحْصَرَ غَيْرُ مُخَالِفٍ وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ قَضَاءُ الْحَجَّةِ وَالْعُمْرَةِ عَلَيْهِ فَدَلَّ أَنَّ أَصْلَ حَجِّهِ عَنْ نَفْسِهِ وَأَنَّ لِلْمَيِّتِ ثَوَابَ النَّفَقَةِ فَإِنْ أَمَرَهُ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْحَجِّ فَأَهَّلَ بِحَجَّةٍ عَنْهُمَا كَانَ ضَامِنًا لَهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَهُ بِأَنْ يُنْفِقَ مِنْ مَالِهِ فِي سَفَرٍ يَخْلُصُ لَهُ وَأَنْ يَنْوِيَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ صَارَ مُخَالِفًا، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجْعَلَ الْحَجَّةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ لَزِمَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ حِينَ نَوَاهُمَا، وَلَمْ يُمْكِنْ تَصْحِيحُ نِيَّتِهِ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَجَّةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَكُونُ عَنْ الِاثْنَيْنِ، وَلَيْسَ أَحَدُهَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَبَطَلَتْ نِيَّتُهُ عَنْهُمَا فَبَقِيَتْ نِيَّةُ أَصْلِ الْإِحْرَامِ فَكَانَ مُحْرِمًا عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَوِّلَهُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ بَعْدُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ أَحْرَمَ عَنْ أَبَوَيْهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ، وَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَتَحَقَّقُ الْخِلَافُ فِي تَرْكِهِ تَعْيِينَ أَحَدِهِمَا فِي الِابْتِدَاءِ بَلْ يَجْعَلُ التَّعْيِينَ فِي الِانْتِهَاءِ كَالتَّعْيِينِ فِي الِابْتِدَاءِ وَهُنَا هُوَ غَيْرُ مُتَبَرِّعٍ فِيمَا صَنَعَ، وَهَذَا أَمْرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِبَادِ فَبِتَرْكِ التَّعْيِينِ فِي
стр. 843
الِابْتِدَاءِ يَصِيرُ مُخَالِفًا، وَإِنْ أَمَرَهُ أَحَدُهُمَا بِالْحَجِّ وَالْآخَرُ بِالْعُمْرَةِ، وَلَمْ يَأْمُرَاهُ بِالْجَمْعِ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا كَانَ مُخَالِفًا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مَا أَتَى بِسَفَرٍ خَالِصٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَمْ يَكُنْ مُسْتَوْجِبًا لِلنَّفَقَةِ فِي مَالِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَإِنْ أَمَرَاهُ بِالْجَمْعِ جَازَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَرَّحَ أَنَّ مَقْصُودَهُ تَحْصِيلُ النُّسُكِ لَا خُلُوصُ السَّفَرِ لَهُ، وَقَدْ حَصَلَ مَقْصُودُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِمَا، وَهَدْيُ الْمُتْعَةِ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَمَرَهُ بِالْقِرَانِ رَجُلٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ نُسُكٌ وَسَائِرُ الْمَنَاسِكِ عَلَى الْحَاجِّ فَكَذَا هَذَا النُّسُكُ
[اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَحُجَّ عَنْهُ]
(قَالَ): رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَحُجَّ عَنْهُ لَمْ تَجُزْ الْإِجَارَةُ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَجُوزُ، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى الطَّاعَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَدَاؤُهَا مِنْ الْكَافِرِ لَا يَجُوزُ عِنْدنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ كُلُّ مَا لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْأَجِيرِ أَدَاؤُهُ يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ تَجْزِي فِيهِ النِّيَابَةُ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «حَيْثُ رَقَى الْمَلْدُوغَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَأُعْطِيَ قَطِيعًا مِنْ الْغَنَمِ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لِمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ لَقَدْ أَكَلْت بِرُقْيَةِ حَقٍّ» وَالرُّقْيَةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ طَاعَةٌ، ثُمَّ جَوَّزَ أَخْذَ الْبَدَلِ عَلَيْهِ. وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْحَجَّ تُجْزِي فِيهِ النِّيَابَةُ فِي الْأَدَاءِ وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْأَجِيرِ إقَامَتُهُ فَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُ عَلَيْهِ كَبِنَاءِ الرِّبَاطِ وَالْمَسْجِدِ، وَبِهَذَا الْوَصْفِ تَبَيَّنَ أَنَّ عَمَلَ الْأَجِيرِ وَقَعَ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ اسْتَوْجَبَ النَّفَقَةَ فِي مَالِهِ عِنْدَكُمْ، وَإِنَّمَا يَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ فِي مَالِهِ إذَا عَمِلَ لَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا خَالَفَ لَا يَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ عَمَلُهُ لَهُ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى الْإِمَامَةِ فَإِنَّ عَمَلَهُ فِي الصَّلَاةِ يَقَعُ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى الْجِهَادِ فَإِنَّ الْمُجَاهِدَ يُؤَدِّي الْفَرْضَ لِنَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ عَمَلُهُ لِغَيْرِهِ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ حَدِيثُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إيَّاكَ وَالْخُبْزَ الرِّقَاقَ وَالشَّرْطَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ»، وَحَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ حِينَ عُلِّمَ سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ فَأَعْطَى قَوْسًا، فَقَالَ ﷺ «أَتُحِبُّ أَنْ يُقَوِّسَكَ اللَّهُ بِقَوْسٍ مِنْ النَّارِ، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه رُدَّ عَلَيْهِ قَوْسَهُ»، وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا اتَّخَذْتَ مُؤَذِّنًا فَلَا تَأْخُذْ عَلَى الْأَذَانِ أَجْرًا»، وَلِأَنَّ الْمُبَاشِرَ لِعَمَلِ الطَّاعَةِ عَمَلُهُ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَصِيرُ مُسْلِمًا إلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَلَا يَجِبُ الْأَجْرُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ بِنَاءِ الرِّبَاطِ وَالْمَسْجِدِ فَالْعَمَلُ هُنَاكَ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ مَحْضَةٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ وَالْمُصَلِّي خَلِيفَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مَا كَانَ يَأْخُذُ أَجْرًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]
стр. 844
الْآيَةَ فَكَذَلِكَ الْخَلِيفَةُ. وَأَمَّا حَدِيثُ الرُّقْيَةِ قُلْنَا كَانَ ذَلِكَ مَالًا أَخَذَهُ مِنْ الْحَرْبِيِّ بِطَرِيقِ الْغَنِيمَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اضْرِبُوا لِي فِيهَا بِسَهْمٍ» مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا بِعَيْنِهِ مَا لَيْسَ بِمَشْرُوطٍ يَجُوزُ أَخْذُهُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى الْحَجِّ لَا يَجُوزُ، قُلْنَا: الْعَقْدُ الَّذِي لَا جَوَازَ لَهُ بِحَالٍ يَكُونُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَإِذَا سَقَطَ اعْتِبَارُ الْعَقْدِ بَقِيَ أَمْرُهُ بِالْحَجِّ فَيَكُونُ لَهُ نَفَقَةُ مِثْلِهِ فِي مَالِهِ، وَهَذِهِ النَّفَقَةُ لَيْسَ يَسْتَحِقُّهَا بِطَرِيقِ الْعِوَضِ، وَلَكِنْ يَسْتَحِقُّ كِفَايَتَهُ؛ لِأَنَّهُ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِعَمَلٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ فَيَسْتَحِقُّ الْكِفَايَةَ فِي مَالِهِ كَالْقَاضِي يَسْتَحِقُّ كِفَايَتَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَالْعَامِلُ يَسْتَحِقُّ الْكِفَايَةَ فِي مَالِ الصَّدَقَةِ وَالْمَرْأَةُ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فِي مَالِ الزَّوْجِ لَا بِطَرِيقِ الْعِوَضِ
(قَالَ): وَيَجُوزُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ عَنْ الْمَحْبُوسِ إذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ الْيَأْسُ عَنْ الْأَدَاءِ بِالْبَدَنِ.
(قَالَ): وَالْحَاجُّ عَنْ غَيْرِهِ إنْ شَاءَ قَالَ: لَبَّيْكَ عَنْ فُلَانٍ، وَإِنْ شَاءَ اكْتَفَى بِالنِّيَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْحَاجِّ عَنْ نَفْسِهِ إنْ شَاءَ صَرَّحَ بِالْحَجِّ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَإِنْ شَاءَ نَوَى وَاكْتَفَى بِالنِّيَّةِ
(قَالَ): وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ أَوْصَى بِالْقِرَانِ فَخَرَجَ الْمُجَهَّزُ يَؤُمُّ الْبَيْتَ وَسَاقَ هَدْيًا فَقَلَّدَهُ يَكُونُ مُحْرِمًا بِهِمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ عَنْ غَيْرِهِ مُعْتَبَرٌ بِإِحْرَامِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِسَوْقِ الْهَدْيِ كَمَا يَحْصُلُ بِالتَّلْبِيَةِ فَكَذَلِكَ إحْرَامُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ الْهَدْيُ لِقِرَانِهِ إنَّمَا هُوَ مِنْ نَذْرٍ كَانَ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ جَزَاءِ صَيْدٍ أَوْ مِنْ جِمَاعٍ فِي إحْرَامٍ قَبْلَ هَذَا أَوْ إحْصَارٍ كَانَ قَبْلَ هَذَا فَسَاقَ مَعَهُ لِذَلِكَ هَدْيًا بَدَنَةً وَقَلَّدَهَا فَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى قِيَاسِ مَا لَوْ نَوَى الْإِحْرَامَ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِمًا بِتَقْلِيدِ هَذِهِ الْهَدَايَا وَسَوْقِهَا فَكَذَلِكَ إذَا نَوَى الْإِحْرَامَ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْهَدَايَا عَلَيْهِ فِي مَالِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ
(قَالَ): رَجُلٌ أَمَرَهُ رَجُلَانِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَأَهَلَّ بِحَجَّةٍ عَنْ أَحَدِهِمَا لَا يَنْوِي عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، قَالَ: لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَرَى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ وَهُوَ ضَامِنٌ لِنَفَقَتِهِمَا، وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ لَهُ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ صَارَ مُخَالِفًا كَمَا إذَا نَوَى عَنْهُمَا جَمِيعًا بِخِلَافِ الْحَاجِّ عَنْ الْأَبَوَيْنِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ مِنْ جِهَتِهِمَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ نِيَّتُهُ عَنْهُمَا فَكَذَلِكَ عَنْ أَحَدِهِمَا بِغَيْرِ عَيْنِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ النِّيَّةَ بِمَنْزِلَةِ الرُّكْنِ فِي الْعِبَادَاتِ فَإِنَّ قِيمَةَ الْعَمَلِ يَكُونُ بِالنِّيَّةِ فَبِتَرْكِهِ تَعْيِينَ النِّيَّةِ يَكُونُ مُخَالِفًا فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهُمَا قَالَا: الْإِبْهَامُ فِي الِابْتِدَاءِ لَا يَمْنَعُ مِنْ انْعِقَادِ الْإِحْرَامِ صَحِيحًا وَالتَّعْيِينُ فِي الِانْتِهَاءِ بِمَنْزِلَةِ التَّعْيِينِ فِي الِابْتِدَاءِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ لَا يَنْوِي
стр. 845
حَجَّةً وَلَا عُمْرَةً بِعَيْنِهَا كَانَ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ فِي الِانْتِهَاءِ وَيَجْعَلَ ذَلِكَ كَتَعْيِينِهِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ لِأَدَاءِ النُّسُكِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْأَدَاءِ وَلَا يَتَّصِلُ بِهِ الْأَدَاءُ فَتَرْكُهُ نِيَّةَ التَّعْيِينِ فِيهِ لَا يَجْعَلُهُ مُخَالِفًا، وَإِذَا عَيَّنَ قَبْلَ الِاشْتِغَالِ بِعَمَلِ الْأَدَاءِ كَانَ ذَلِكَ كَالتَّعْيِينِ فِي الِابْتِدَاءِ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ اشْتَغَلَ بِالطَّوَافِ قَبْلَ التَّعْيِينِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اشْتَغَلَ بِالْعَمَلِ تَعَيَّنَ إحْرَامُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ أَدَاءَ الْعَمَلِ مَعَ إبْهَامِ النُّسُكِ لَا يَكُونُ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَتَعَيَّنَ إحْرَامُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يَمْلِكُ أَنْ يَجْعَلَهُ لِغَيْرِهِ بَعْدَ ذَلِكَ
(قَالَ): وَإِذَا أَهَلَّ الرَّجُلُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ الَّذِي مَعَهُ، ثُمَّ أَصَابَ صَيْدًا فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ إهْلَالِهِ عَنْ ابْنِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ عِبَارَتَهُ فِي إهْلَالِهِ عَنْ ابْنِهِ كَعِبَارَةِ ابْنِهِ أَنْ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ فَيَصِيرُ الِابْنُ مُحْرِمًا بِهَذَا لَا أَنْ يَصِيرَ الْأَبُ مُحْرِمًا عَنْهُ بَقِيَ لِلْأَبِ إحْرَامٌ وَاحِدٌ فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ بِخِلَافِ الْقَارِنِ فَهُوَ مُحْرِمٌ عَنْ نَفْسِهِ بِإِحْرَامَيْنِ فَكَانَ عَلَيْهِ جَزَاءَانِ
(قَالَ): وَإِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْبَيْتَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ فَأَهَلَّ عَنْهُ أَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ وَوَقَفُوا بِهِ فِي الْمَوَاقِفِ وَقَضَوْا لَهُ النُّسُكَ كُلَّهُ، قَالَ: يُجْزِيهِ ذَلِكَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يُجْزِيهِ. وَالْقِيَاسُ قَوْلُهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ أَصْحَابَهُ بِالْإِحْرَامِ عَنْهُ، وَلَيْسَ لِلْأَصْحَابِ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ فَلَا يَصِيرُ هُوَ مُحْرِمًا بِإِحْرَامِهِمْ عَنْهُ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْإِحْرَامِ عَقْدٌ لَازِمٌ وَإِلْزَامُ الْعَقْدِ عَلَى الْغَيْرِ لَا يَكُونُ إلَّا بِوِلَايَةٍ، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَقَدْ انْعَدَمَتْ النِّيَّةُ مِنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْغَيْرِ عَنْهُ بِدُونِ أَمْرِهِ لَا تَقُومُ مَقَامَ نِيَّتِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ سَائِرَ الْمَنَاسِكِ لَا تَتَأَدَّى بِأَدَاءِ الْأَصْحَابِ عَنْهُ فَكَذَلِكَ الْإِحْرَامُ، وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا عَاقَدَهُمْ عَقْدَ الرِّفْقَةِ فَقَدْ اسْتَعَانَ بِهِمْ فِي كُلِّ مَا يَعْجِزُ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ، وَالْإِذْنُ دَلَالَةً بِمَنْزِلَةِ الْإِذْنِ إفْصَاحًا كَمَا فِي شُرْبِ مَاءِ السِّقَايَةِ وَكَمَنْ نَصَبَ الْقِدْرَ عَلَى الْكَانُونِ وَجَعَلَ فِيهِ اللَّحْمَ وَأَوْقَدَ النَّارَ تَحْتَهُ فَجَاءَ إنْسَانٌ وَطَبَخَهُ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا لِوُجُودِ الْإِذْنِ دَلَالَةً، وَإِذَا ثَبَتَ الْإِذْنُ قَامَتْ نِيَّتُهُمْ مَقَامَ نِيَّتِهِ كَمَا لَوْ كَانَ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ نَصًّا. وَأَمَّا سَائِرُ الْمَنَاسِكِ فَالْأَصَحُّ أَنَّ نِيَّاتِهِمْ عَنْهُ فِي أَدَائِهَا صَحِيحٌ إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقِفُوا بِهِ وَأَنْ يَطَّوَّفُوا بِهِ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إلَى أَدَائِهِ لَوْ كَانَ مُفِيقًا، وَلَوْ أَدَّوْا عَنْهُ جَازَ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ فَرَّقَ، فَقَالَ: الْإِحْرَامُ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ فَتُجْزِي النِّيَابَةُ فِي الشُّرُوطِ، وَإِنْ كَانَ لَا تُجْزِي فِي الْأَعْمَالِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحْدِثَ إذَا غَسَلَ أَعْضَاءَهُ غَيْرُهُ كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِتِلْكَ
стр. 846
الطَّهَارَةِ، وَإِنْ كَانَتْ النِّيَابَةُ لَا تُجْزِي فِي أَعْمَالِ الصَّلَاةِ. تَوْضِيحُهُ أَنَّ النِّيَابَةَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْعَجْزِ فَفِي أَصْلِ الْإِحْرَامِ تَحَقَّقَ عَجْزُهُ عَنْهُ بِسَبَبِ الْإِغْمَاءِ فَيَنُوبُ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، فَأَمَّا فِي أَدَاءِ الْأَعْمَالِ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْعَجْزُ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا أَحْضَرُوهُ الْمَوَاقِفَ كَانَ هُوَ الْوَاقِفَ، وَإِذَا طَافُوا بِهِ كَانَ هُوَ الطَّائِفَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ طَافَ رَاكِبًا لِعُذْرٍ
(قَالَ): فَإِنْ أَصَابَ الَّذِي أَهَلَّ عَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ صَيْدًا فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ مِنْ قِبَلِ إهْلَالِهِ عَنْ نَفْسِهِ إنْ كَانَ مُحْرِمًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ إهْلَالِهِ عَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ شَيْءٌ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ بِهَذَا الْإِهْلَالِ يَصِيرُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ مُحْرِمًا كَمَا لَوْ كَانَ أَمَرَهُ بِهِ إفْصَاحًا، فَأَمَّا الْمُهِلُّ بِهَذَا الْإِهْلَالِ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا فَلَا يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ بِاعْتِبَارِ إحْرَامِهِ
(قَالَ): وَإِذَا حَجَّ الرَّجُلُ عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَنْ أُمِّهِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ أَوْصَى بِهَا الْمَيِّتُ أَجْزَأَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(قَالَ): بَلَغَنَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَالَ لِلْخَثْعَمِيَّةِ أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَمَا كَانَ يُقْبَلُ مِنْكِ، فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يَقْبَلَ»، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «قَالَ ﷺ لِلَّتِي سَأَلَتْهُ أَنْ تَحُجَّ عَنْ أَبِيهَا: حُجِّي وَاعْتَمِرِي» وَأَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أُمِّي قَدْ تُوُفِّيَتْ وَأَنَّهَا كَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا، فَقَالَ:» فَهَذِهِ الْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى الْوَارِثِ يَتَبَرَّعُ عَلَى مُوَرِّثِهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْقُرَبِ فَإِنْ قِيلَ فَلِمَاذَا قَيَّدَ الْجَوَابَ بِالِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ مَا صَحَّ الْحَدِيثُ فِيهِ.
(قُلْنَا)؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ أُطْلِقَ الْجَوَابُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
(قُلْنَا) خَبَرُ الْوَاحِدِ مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ فَفِيمَا طَرِيقُهُ الْعَمَلُ أُطْلِقَ الْجَوَابُ فِيهِ، فَأَمَّا سُقُوطُ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَنْ الْمَيِّتِ بِأَدَاءِ الْوَرَثَةِ طَرِيقُهُ الْعِلْمُ فَإِنَّهُ أَمْرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ تَعَالَى فَلِهَذَا قُيِّدَ الْجَوَابُ بِالِاسْتِثْنَاءِ
(قَالَ): رَجُلٌ أَوْصَى بِحَجَّةٍ فَأَحَجَّ الْوَصِيُّ عَنْهُ رَجُلًا فَهَلَكَتْ النَّفَقَةُ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ قَالَ: يَحُجُّ عَنْهُ حَجَّةً أُخْرَى مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ بَقِيَ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَحُجَّ بِهِ يَحُجُّ عَنْهُ ثَانِيًا وَإِلَّا فَقَدْ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْوَصِيَّةُ تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوصِي فِي تَعْيِينِ الْمَالِ، وَلَوْ عَيَّنَ الْمُوصِي مَالًا فَهَلَكَ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فَكَذَلِكَ إذَا عَيَّنَ الْوَصِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: مَحِلُّ الْوَصِيَّةِ الثُّلُثُ فَتَعْيِينُ الْوَصِيِّ الثُّلُثَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ بِهِ يَتَمَيَّزُ الثُّلُثُ لِلْوَصِيَّةِ، فَأَمَّا تَعْيِينُهُ فِي الثُّلُثِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الثُّلُثِ مَحَلُّ الْوَصِيَّةِ فَمَا بَقِيَ شَيْءٌ يَجِبُ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فِيهِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: تَعْيِينُ الْمَالِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِهِ الْحَجُّ عَنْ
стр. 847
الْمَيِّتِ، فَإِذَا لَمْ يُفِدْ هَذَا التَّعْيِينُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ صَارَ كَأَنَّ التَّعْيِينَ لَمْ يُوجَدْ وَمَا هَلَكَ مِنْ الْمَالِ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فَلِهَذَا يُحَجُّ عَنْهُ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ
(قَالَ): وَإِنْ أَوْصَى بِحَجَّةٍ وَعِتْقِ نَسَمَةٍ وَالثُّلُثُ لَا يَسَعُهُمَا يَبْدَأُ بِاَلَّذِي بَدَأَ بِهِ الْمَيِّتُ؛ لِأَنَّ الْبِدَايَةَ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْعِنَايَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ وُجُوبُ تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ الْأُولَى قَبْلَ ذِكْرِ الثَّانِيَةِ فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِذِكْرِ الْوَصِيَّةِ الثَّانِيَةِ إذْ لَيْسَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ مَا يُغَيِّرُ مُوجَبَ أَوَّلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَحِينَئِذٍ يَبْدَأُ بِهَا، وَإِنْ أَخَّرَهُ الْمَيِّتُ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْبِدَايَةِ بَعْدَ الْمُسَاوَاةِ فِي الْقُوَّةِ وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فِي الْقُوَّةِ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُوصَى يَقْصِدُ تَقْدِيمَ الْفَرْضِ فِي الْأَدَاءِ، وَإِنْ أَخَّرَهُ فِي الذِّكْرِ؛ لِأَنَّ إسْقَاطَ الْفَرْضِ عَنْ ذِمَّتِهِ يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ عَلَى التَّبَرُّعِ بِمَا لَيْسَ عَلَيْهِ
(قَالَ): وَإِنْ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِثُلُثِهِ، وَلَمْ يَقُلْ " حَجَّةً " حُجَّ عَنْهُ بِجَمِيعِ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الثُّلُثَ مَصْرُوفًا إلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْقُرْبَةِ فَيَجِبُ تَحْصِيلُ مَقْصُودِهِ فِي جَمِيعِ الثُّلُثِ كَمَا لَوْ أَوْصَى أَنْ يُفْعَلَ بِثُلُثِهِ طَاعَةٌ أُخْرَى
(قَالَ): وَإِنْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ رَجُلٌ حَجَّةً فَأَحَجُّوهُ فَلَمَّا قَدِمَ فَضَلَ مَعَهُ كِسْوَةٌ وَنَفَقَةٌ فَإِنَّ ذَلِكَ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَّ عَنْ الْغَيْرِ لَا يَتَمَلَّكُ الْمَالَ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ فَإِنَّ التَّمْلِيكَ يَكُونُ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْجَارِ، وَقَدْ بَيَّنَّا بُطْلَانَ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَإِنَّمَا يُنْفَقُ الْمَالُ عَلَى مِلْكِ الْمُوصِي بِطَرِيقِ الْإِبَاحَةِ لِاسْتِحْقَاقِهِ الْكِفَايَةَ حِينَ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِيَعْمَلَ لَهُ فَمَا فَضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ فَيُرَدُّ عَلَى وَرَثَتِهِ
(قَالَ): وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ، فَقَالَ: أَحِجُّوا فُلَانًا حَجَّةً، وَلَمْ يَقُلْ عَنِّي، وَلَمْ يُسَمِّ كَمْ يُعْطَى فَإِنَّهُ يُعْطَى بِقَدْرِ مَا يُحِجُّهُ حَجَّةً وَلَهُ أَنْ لَا يَحُجَّ بِهِ إذَا أَخَذَهُ بَلْ يَصْرِفَهُ إلَى حَاجَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ مَا أَمَرَهُ بِالْحَجِّ عَنْهُ، إنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ الْحَجَّ عِيَارًا لِمَا أَوْصَى لَهُ بِهِ مِنْ الْمَالِ، ثُمَّ أَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَحُجَّ بِذَلِكَ الْمَالِ عَنْ نَفْسِهِ فَكَانَتْ وَصِيَّةً صَحِيحَةً يَجِبُ تَنْفِيذُهَا بِالدَّفْعِ إلَيْهِ، وَمَشُورَتُهُ غَيْرُ مُلْزِمَةٍ فَإِنْ شَاءَ حَجَّ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَحُجَّ
(قَالَ): وَإِذَا أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ رَجُلٌ بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَأَوْصَى بِوَصَايَا لِأُنَاسٍ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ قُسِّمَ الثُّلُثُ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ يُضْرَبُ لِلْحَجِّ فِيهِ بِأَدْنَى مَا يَكُونُ مِنْ نَفَقَةِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْحَجِّ وَجَبَ تَنْفِيذُهَا لَهُ بِنَفَقَةِ الْمُوصِي وَوَجَبَ تَنْفِيذُ سَائِرِ الْوَصَايَا حَقًّا لِلْمُوصَى لَهُمْ فَعِنْدَ اخْتِلَافِ الْحُقُوقِ تَجْرِي الْمُزَاحَمَةُ بَيْنَهُمْ فِي الثُّلُثِ لِمُرَاعَاةِ حَقِّ كُلِّ مُسْتَحِقٍّ بِخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَجِّ وَالْعِتْقِ؛ لِأَنَّ تَنْفِيذَ الْوَصِيَّتَيْنِ هُنَاكَ لِحَقِّ الْمُوصِي فَلِهَذَا كَانَتْ الْبِدَايَةُ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمَيِّتُ، ثُمَّ مَا خَصَّ الْحَجَّ مِنْ الثُّلُثِ هُنَا يُحَجُّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُمْكِنُ مِنْ تَحْصِيلِ مَقْصُودِ الْمُوصِي بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ ثُلُثُ مَالِهِ
стр. 848
إلَّا هَذَا وَأَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَإِنَّهُ يُحَجُّ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ فَإِنْ أَحَجُّوا بِهِ مِنْ مَوْضِعٍ فَرَجَعَ الْحَاجُّ بِفَضْلِ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا فَكَانَ الْوَصِيُّ ضَامِنًا لِمَا أَنْفَقَهُ فَيُضَمُّ ذَلِكَ إلَى مَا بَقِيَ وَيُحَجُّ بِهِ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ إلَّا إذَا كَانَ الْفَاضِلُ شَيْئًا يَسِيرًا فَحِينَئِذٍ هَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ فِي الْقِيَاسِ، وَلَكِنْ فِي الِاسْتِحْسَانِ تُجْزِي الْحَجَّةُ عَنْ الْمَيِّتِ وَلَا يَكُونُ الْوَصِيُّ ضَامِنًا؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ التَّفَاوُتِ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ رُجُوعِهِ كِسْرَةٌ أَوْ جِرَابٌ خَلَقٌ أَوْ ثَوْبٌ خَلَقٌ فَلِهَذَا جَعَلَ هَذَا الْقَدْرَ عَفْوًا، وَلَكِنْ يُرَدُّ عَلَى الْوَرَثَةِ أَوْ عَلَى الْمُوصَى لَهُ إنْ كَانَ هُنَاكَ مُوصًى لَهُ بِالثُّلُثِ
(قَالَ): وَإِذَا أَهَلَّتْ الْمَرْأَةُ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ لِزَوْجِهَا أَنْ يَمْنَعَهَا إذَا كَانَ مَعَهَا مَحْرَمٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَحْرَمٌ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ الْمُحْصَرَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شَرَائِطِ وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهَا فِي حَقِّهَا الْمَحْرَمَ عِنْدَنَا، ثُمَّ يُشْتَرَطُ أَنْ تَمْلِكَ قَدْرَ نَفَقَةِ الْمَحْرَمِ؛ لِأَنَّ الْمَحْرَمَ إذَا كَانَ يَخْرُجُ مَعَهَا فَنَفَقَتُهُ فِي مَالِهَا إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: نَفَقَةُ الْمَحْرَمِ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُجْبَرٍ عَلَى الْخُرُوجِ، فَإِذَا تَبَرَّعَ بِهِ لَمْ يَسْتَوْجِبْ بِتَبَرُّعِهِ النَّفَقَةَ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ هِيَ لَا تَتَوَسَّلُ إلَى الْحَجِّ إلَّا بِنَفَقَةِ الْمَحْرَمِ كَمَا لَا تَتَوَسَّلُ إلَى الْحَجِّ إلَّا بِنَفَقَتِهَا فَكَمَا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهَا مِلْكُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَيُجْعَلُ ذَلِكَ شَرْطًا لِنَفْسِهَا فَكَذَلِكَ لِلْمَحْرَمِ الَّذِي يَخْرُجُ مَعَهَا يُجْعَلُ ذَلِكَ شَرْطًا، وَقَدْ بَيَّنَّا شَرَائِطَ الْوُجُوبِ فِيمَا سَبَقَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ لَا مِنْ الطَّرِيقِ وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا أَنَّ أَمْنَ الطَّرِيقِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ أَمْ شَرْطٌ لِلْأَدَاءِ؟ وَكَانَ ابْنُ أَبِي شُجَاعٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: هُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ بِدُونِهِ يَتَعَذَّرُ الْوُصُولُ إلَى الْبَيْتِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ فَيَكُونُ شَرْطُ الْوُجُوبِ كَالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَكَانَ أَبُو حَازِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: هُوَ شَرْطُ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «لَمَّا سُئِلَ عَنْ الِاسْتِطَاعَةِ فَسَّرَهَا بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ»، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي شَرْطِ وُجُوبِ الْعِبَادَةِ بِالرَّأْيِ، وَلَمْ يَكُنْ الطَّرِيقُ فِي وَقْتٍ أَخْوَفَ مِمَّا كَانَ يَوْمئِذٍ لِغَلَبَةِ أَهْلِ الشِّرْكِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْنَ الطَّرِيقِ فَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ إنَّمَا شَرْطُ الْوُجُوبِ مِلْكُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لِلذَّهَابِ وَالْمَجِيءِ وَمِلْكُ نَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ الْعِيَالِ كَالزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ الصَّغِيرِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَعَ ذَلِكَ زِيَادَةُ نَفَقَةِ شَهْرٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إذَا رَجَعَ لَا يَشْتَغِلُ بِالْكَسْبِ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ فَاسْتُحْسِنَ اشْتِرَاطُ مِلْكِ نَفَقَةِ شَهْرٍ بَعْدَ رُجُوعِهِ، ثُمَّ بَعْدَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ حَتَّى يَأْثَمَ بِالتَّأْخِيرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَوَاهُ عَنْهُ بِشْرُ بْنُ الْمُعَلَّى، وَهَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ شُجَاعٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ
стр. 849
رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: سُئِلَ عَمَّنْ لَهُ مَالٌ أَيَحُجُّ بِهِ أَمْ يَتَزَوَّجُ قَالَ: بَلْ يَحُجُّ بِهِ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ عِنْدَهُ عَلَى الْفَوْرِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَسَعُهُ التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَفُوتَهُ بِالْمَوْتِ فَإِنْ أَخَّرَ حَتَّى مَاتَ فَهُوَ آثِمٌ بِالتَّأْخِيرِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ، وَإِنْ مَاتَ وَاسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ بِتَأْخِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَجَّ بَعْدَ نُزُولِ فَرْضِيَّتِهِ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فَرْضِيَّةُ الْحَجِّ فِي سَنَةِ سِتٍّ مِنْ الْهِجْرَةِ وَحَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَنَةِ عَشْرٍ. وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْحَجَّ فَرْضُ الْعُمُرِ فَكَانَ جَمِيعُ الْعُمُرِ وَقْتَ أَدَائِهِ وَلَا يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الْعُمُرِ أَدَاؤُهُ فَصَارَ جَمِيعُ الْوَقْتِ فِي حَقِّ الْحَجِّ كَجَمِيعِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَهُنَاكَ التَّأْخِيرُ يَسَعُهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَفُوتَهُ عَنْ وَقْتِهِ، وَدَلِيلُ صِحَّةِ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ إذَا أَخَّرَهُ كَانَ مُؤَدِّيًا لَا قَاضِيًا فَدَلَّ أَنَّ جَمِيعَ الْعُمْرِ وَقْتُ أَدَائِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - اسْتَدَلَّا بِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ وَجَدَ زَادًا وَرَاحِلَةً يُبْلِغَانِهِ بَيْتَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» الْحَدِيثَ، وَقَالَ عُمَرُ ﵁ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْظُرَ إلَى مَنْ مَلَكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ، وَلَمْ يَحُجَّ فَأُحَرِّقُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَاَللَّهِ مَا أَرَاهُمْ مُسْلِمِينَ قَالَهَا ثَلَاثًا.
وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ السَّنَةَ الْأُولَى بَعْدَ مَا تَمَّتْ الِاسْتِطَاعَةُ مُتَعَيِّنَةٌ لِأَدَاءِ الْحَجِّ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْحَجِّ فَالتَّأْخِيرُ عَنْهُ يَكُونُ تَفْوِيتًا كَتَأْخِيرِ الصَّوْمِ عَنْ شَهْرِ رَمَضَانِ وَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا بَيَانُهُ وَهُوَ أَنْ يَمْضِيَ هَذَا الْوَقْتُ يَعْجِزُ عَنْ الْأَدَاءِ بِيَقِينٍ، وَقُدْرَتُهُ عَلَى الْأَدَاءِ بِمَجِيءِ أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مَوْهُومٌ فَرُبَّمَا لَا يَعِيشُ إلَيْهَا وَبِالْمَوْهُومِ لَا تَثْبُتُ الْقُدْرَةُ فَبَقِيَ مُضِيُّ هَذَا الْوَقْتِ تَفْوِيتًا لَهُ، تَوْضِيحُهُ أَنَّ وَقْتَ أَدَاءِ أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ عُمُرِهِ لَا مِنْ جَمِيعِ الدُّنْيَا، وَهَذِهِ السَّنَةُ مُتَعَيِّنَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَدَمَ التَّعْيِينِ لِاعْتِبَارِ الْمُعَارَضَةِ وَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُعَارَضَةُ إلَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ بِحَيَاتِهِ إلَى السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَلَا طَرِيقَ لِأَحَدٍ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قُلْنَا لَوْ أَخَّرَهُ كَانَ مُؤَدِّيًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَقِيَ إلَى السَّنَةِ الثَّانِيَةِ تَحَقَّقَتْ الْمُعَارَضَةُ فَخَرَجَتْ السَّنَةُ الْأُولَى مِنْ أَنْ تَكُونَ مُتَعَيِّنَةً وَكَانَتْ هَذِهِ السَّنَةُ فِي حَقِّهِ تُعَدُّ لِمَا أَدْرَكَهَا بِمَنْزِلَةِ السَّنَةِ الْأُولَى، فَأَمَّا تَأْخِيرُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ مَنَعَ ذَلِكَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالُوا نُزُولُ فَرِيضَةِ الْحَجِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي سَنَةِ عَشْرٍ، فَأَمَّا النَّازِلُ سَنَةَ سِتٍّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَهَذَا أَمْرٌ بِالْإِتْمَامِ لِمَنْ شَرَعَ فِيهِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ ابْتِدَاءُ الْفَرْضِيَّةِ مَعَ أَنَّ التَّأْخِيرَ إنَّمَا لَا يَحِلُّ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْرِيضِ لِلْفَوْتِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمَنُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَبْعُوثٌ لِبَيَانِ
стр. 850
الْأَحْكَامِ لِلنَّاسِ وَالْحَجُّ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ فَأَمِنَ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَهُ لِلنَّاسِ بِفِعْلِهِ وَلِأَنَّ تَأْخِيرَهُ كَانَ لِعُذْرٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً وَيُلَبُّونَ تَلْبِيَةً فِيهَا شِرْكٌ وَمَا كَانَ التَّغْيِيرُ مُمْكِنًا لِلْعَهْدِ حَتَّى إذَا تَمَّتْ الْمُدَّةُ بَعَثَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حَتَّى قَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ بَرَاءَةٍ وَنَادَى أَنْ لَا يَطُوفَنَّ بِهَذَا الْبَيْتِ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا عُرْيَانُ، ثُمَّ حَجَّ بِنَفْسِهِ وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ وَحْدَهُ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى أَصْحَابِهِ يَكُونُونَ مَعَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ تَحْصِيلِ كِفَايَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِيَخْرُجُوا مَعَهُ فَلِهَذَا أَخَّرَهُ أَوْ كَانَ لِلنَّسِيءِ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْأَعْذَارَ فِي الْخِلَافِيَّاتِ
(قَالَ): وَإِنْ أَهَلَّتْ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ إنْ كَانَ لَهَا مَحْرَمٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ عَنْ التَّطَوُّعِ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ قَالَ ﷺ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ «لَا تَصُومِي تَطَوُّعًا إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِكِ» وَلِأَنَّا لَوْ مَكَّنَّاهَا مِنْ ذَلِكَ فَوَّتَتْ عَلَى الزَّوْجِ حَقَّهُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهَا كَمَا خَرَجَتْ عَنْ حَجَّةٍ أَحْرَمَتْ بِأُخْرَى وَهِيَ لَا تَمْلِكُ تَفْوِيتَ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَيْهِ فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُحْصَرَةِ إلَّا أَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُحَلِّلَهَا هُنَا قَبْلَ أَنْ تَبْعَثَ بِالْهَدْيِ لِيُوَفِّرَ حَقَّهُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَدِمَتْ الْمَحْرَمَ فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا سَبَقَ، وَكَذَلِكَ الْمَمْلُوكُ إذَا أَهَلَّ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ.
(قَالَ): وَإِذَا أَذِنَ لِعَبْدِهِ أَوْ لِأَمَتِهِ فِي الْإِحْرَامِ كَرِهْتُ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَوْ حَلَّلَهُ جَازَ بِخِلَافِ الزَّوْجِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا الْفَرْقِ أَيْضًا أَعَادَهُ لِلْفَرْقِ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا بَاعَ الْمَمْلُوكُ بَعْدَ الْإِذْنِ لَهُ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُحَلِّلَهُ بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي حَقِّ الْبَائِعِ كَانَ لِمَعْنَى خُلْفِ الْوَعْدِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي، وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُحَلِّلَهُ وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ بِعَيْبِ الْإِحْرَامِ، وَجَعَلُهُ بِمَنْزِلَةِ النِّكَاحِ إذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ ثُمَّ بَاعَهَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُبْطِلَ ذَلِكَ النِّكَاحَ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ مِلْكَهُ، وَلَكِنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ فَكَذَلِكَ هُنَا، وَلَكِنَّا نَقُولُ الْمُشْتَرِي فِي مِلْكِ الرَّقَبَةِ قَائِمٌ مَقَامَ الْبَائِعِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ وِلَايَةُ إبْطَالِ النِّكَاحِ بَعْدَ صِحَّتِهِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي أَيْضًا، وَقَدْ كَانَ لِلْبَائِعِ وِلَايَةُ التَّحْلِيلِ مِنْ الْإِحْرَامِ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي أَيْضًا، وَإِذَا ثَبَتَ لَهُ وِلَايَةُ التَّحْلِيلِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَيْبًا لَازِمًا، تَوْضِيحُهُ أَنَّ النِّكَاحَ حَقُّ الْعِبَادِ فَيَكُونُ مُعَارِضًا لِحَقِّ الْمُشْتَرِي فَيَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ بِالسَّبْقِ، فَأَمَّا الْإِحْرَامُ لُزُومُهُ لَيْسَ لِحَقِّ الْعِبَادِ، وَحَقُّ الْعَبْدِ فِي الْمَحِلِّ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَلِهَذَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُحَلِّلَهُ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا أَحْرَمَتْ الْمَرْأَةُ، ثُمَّ
стр. 851
تَزَوَّجَتْ كَانَ لِلزَّوْجِ أَنْ يُحَلِّلَهَا إذَا أَحْرَمَتْ بِغَيْرِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَحْرَمَتْ الْمَرْأَةُ بِحَجَّةِ التَّطَوُّعِ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا فَحَلَّلَهَا، ثُمَّ جَامَعَهَا، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي عَامِهِ ذَلِكَ فَعَلَيْهَا أَنْ تَحُجَّ بِإِحْرَامٍ مُسْتَقْبَلٍ وَعَلَيْهَا دَمٌ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَحَلَّلَتْ مِنْ الْإِحْرَامِ الْأَوَّلِ بِإِحْلَالِ الزَّوْجِ قَبْلَ أَدَاءِ الْأَعْمَالِ فَعَلَيْهَا الدَّمُ وَقَضَاءُ الْحَجِّ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا قَضَاءُ الْعُمْرَةِ عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَلَيْهَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَذِنَ لَهَا بَعْدَ تَحَوُّلِ السَّنَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ وَجَبَ عَلَيْهَا قَضَاءُ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُحْصَرِ وَصَارَ ذَلِكَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي عَامِهِ ذَلِكَ أَوْ فِي عَامٍ آخَرَ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ وُجُوبَ الْعُمْرَةِ عَلَى الْمُحْصَرِ بِاعْتِبَارِ فَوْتِ أَدَاءِ الْحَجِّ فِي السَّنَةِ بِالْقِيَاسِ عَلَى فَائِتِ الْحَجِّ فَإِنَّ فَائِتَ الْحَجِّ يَلْزَمُهُ أَدَاءُ الْعُمْرَةِ، فَإِذَا أَذِنَ لَهَا فَحَجَّتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لَمْ يَتَحَقَّقْ سَبَبُ وُجُوبِ الْعُمْرَةِ عَلَيْهَا، فَأَمَّا بَعْدَ تَحَوُّلِ السَّنَةِ فَقَدْ تَحَقَّقَ سَبَبُ وُجُوبِ الْعُمْرَةِ عَلَيْهَا وَهُوَ فَوَاتُ أَدَاءِ الْحَجِّ فِي السَّنَةِ الْأُولَى فَلِهَذَا فَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ الْمَوَاقِيتِ]
(بَابُ الْمَوَاقِيتِ) (قَالَ): بَلَغَنَا «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّامِ جُحْفَةَ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ»، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، فَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ رَوَى الْحَدِيثَ وَذَكَرَ الْمَوَاقِيتَ الْأَرْبَعَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَاتَ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ، وَابْنُ عُمَرَ ﵁ رَوَى الْحَدِيثَ وَذَكَرَ الْمَوَاقِيتَ الثَّلَاثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَاتَ عِرْقٍ وَلَا يَلَمْلَمَ وَفِي هَذِهِ - الْآثَارِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ وَصَلَ إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ وَهُوَ يُرِيدُ دُخُولَ مَكَّةَ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ؛ لِأَنَّ تَوْقِيتَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَخْلُو عَنْ فَائِدَةٍ وَلَا فَائِدَةَ فِي هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ سِوَى الْمَنْعِ مِنْ تَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ بَعْدَ مَا انْتَهَى إلَى هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ فَإِنَّ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ يَسَعُهُ التَّأْخِيرُ بِالِاتِّفَاقِ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ يَقُولُ: الْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ عِنْدَ الْمِيقَاتِ وَعُلَمَاؤُنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - قَالُوا: التَّأْقِيتُ لِبَيَانِ أَنَّهُ لَا يَسَعُهُ التَّأْخِيرُ عَنْهُ، فَأَمَّا الْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْمَوَاقِيتِ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ وَوَجَبَتْ لَهُ
стр. 852
الْجَنَّةُ»، وَقَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]: إنَّ إتْمَامَهُمَا أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، قَالَ: وَبَلَغَنَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ وَقَّتْنَا لَهُ وَقْتًا فَهُوَ لَهُ وَقْتٌ وَلِمَنْ مَرَّ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ» فَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَنْتَهِي إلَى الْمِيقَاتِ عَلَى قَصْدِ دُخُولِ مَكَّةَ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذَلِكَ الْمِيقَاتِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمِيقَاتِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ حَلَالًا فَأَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ كَانَ مِيقَاتُهُ لِلْإِحْرَامِ مِيقَاتَ أَهْلِ مَكَّةَ فَكَذَا هُنَا، ثُمَّ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: إنَّمَا يَجِبُ الْإِحْرَامُ عِنْدَ الْمِيقَاتِ عَلَى مَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ لِلْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ.
وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ دُخُولَهَا لِقِتَالٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ عِنْدَهُ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَهَا يَوْمَ الْفَتْحِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، وَإِنْ أَرَادَ دُخُولَهَا لِلتِّجَارَةِ أَوْ طَلَبِ غَرِيمٍ لَهُ فَلَهُ فِيهِ قَوْلَانِ: فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ " لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ "؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِعَيْنِهِ بَلْ لِأَدَاءِ النُّسُكِ بِهِ، وَهَذَا الرَّجُلُ غَيْرُ قَاصِدٍ أَدَاءَ النُّسُكِ فَكَانَ الْحَرَمُ فِي حَقِّهِ كَسَائِرِ الْبِقَاعِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ، فَأَمَّا عِنْدَنَا لَيْسَ لِأَحَدٍ يَنْتَهِي إلَى الْمِيقَاتِ إذَا أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ أَنْ يُجَاوِزَهَا إلَّا بِالْإِحْرَامِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ قَصْدِهِ الْحَجُّ أَوْ الْقِتَالُ أَوْ التِّجَارَةُ لِحَدِيثِ ابْنِ شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ الْفَتْحِ إنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» فَقَدْ تَرَخَّصَ لِلْقِتَالِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ «إنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً» فَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ فَيَتَبَيَّنُ بِهَذَا الْحَدِيثِ خُصُوصِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ بِدُخُولِ مَكَّةَ لِلْقِتَالِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ الْخُصُوصِيَّةُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَصْنَعَ كَصَنِيعِهِ. وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، فَقَالَ: إنِّي جَاوَزْتُ الْمِيقَاتَ مِنْ غَيْرِ إحْرَامٍ، فَقَالَ: ارْجِعْ إلَى الْمِيقَاتِ وَلَبِّ وَإِلَّا فَلَا حَجَّ لَكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ أَحَدٌ إلَّا مُحْرِمًا» وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْإِحْرَامِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ لِإِظْهَارِ شَرَفِ تِلْكَ الْبُقْعَةِ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى مَنْ يُرِيدُ النُّسُكَ وَمَنْ لَا يُرِيدُ النُّسُكَ سَوَاءٌ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِمَّنْ يُرِيدُ دُخُولَ مَكَّةَ أَنْ يُجَاوِزَ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا، فَأَمَّا مَنْ كَانَ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ إلَى مَكَّةَ فَلَهُ أَنْ يَدْخُلَهَا لِحَاجَتِهِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ عِنْدَنَا، وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُفَرِّقُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ
стр. 853
بَيْنَ أَهْلِ الْمِيقَاتِ وَأَهْلِ الْآفَاقِ فِي أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَكَّةَ إلَّا مُحْرِمًا، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «رَخَّصَ لِلْحَطَّابِينَ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ».
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَا يُجَاوِزُونَ الْمِيقَاتَ فَدَلَّ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَابْنُ عُمَرَ ﵁ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ فَلَمَّا انْتَهَى إلَى قُدَيْدٍ بَلَغَتْهُ فِتْنَةٌ بِالْمَدِينَةِ فَرَجَعَ إلَى مَكَّةَ وَدَخَلَهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ مَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى الدُّخُولِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَلِأَنَّ مَصَالِحَهُمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَهْلِ مَكَّةَ وَمَصَالِحَ أَهْلِ مَكَّةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِمْ بِهِمْ فَكَمَا يَجُوزُ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَخْرُجُوا لِحَوَائِجِهِمْ، ثُمَّ يَدْخُلُوهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَكَذَا لِأَهْلِ الْمِيقَاتِ، وَهَذَا لِأَنَّا لَوْ أَلْزَمْنَاهُمْ الْإِحْرَامَ فِي كُلِّ وَقْتٍ كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ الضَّرَرِ مَا لَا يَخْفَى فَرُبَّمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَلِهَذَا جَوَّزْنَا لَهُمْ الدُّخُولَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ إلَّا إذَا أَرَادُوا النُّسُكَ فَالنُّسُكُ لَا يَتَأَدَّى إلَّا بِإِحْرَامٍ، وَإِرَادَةُ النُّسُكِ لَا تَكُونُ عِنْدَ كُلِّ دُخُولٍ، وَإِذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ وَأَهْلُهُ فِي الْوَقْتِ أَوْ دُونَ الْوَقْتِ إلَى مَكَّةَ فَوَقَّتَهُ مِنْ أَهْلِهِ حَتَّى لَوْ أَحْرَمُوا مِنْ الْحَرَمِ أَجْزَأَهُمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ خَارِجَ الْحَرَمِ كُلَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَكَان وَاحِدٍ فِي حَقِّهِ وَالْحَرَمُ حَدٌّ فِي حَقِّهِ بِمَنْزِلَةِ الْمِيقَاتِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْآفَاقِ، وَكَمَا أَنَّ مِيقَاتَ الْآفَاقِيِّ لِلْإِحْرَامِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ وَيَسَعُهُ التَّأْخِيرُ إلَى الْمِيقَاتِ فَكَذَا هُنَا يَسَعُهُ التَّأْخِيرُ إلَى الْحَرَمِ، وَلَكِنَّ الشَّرْطَ هُنَاكَ أَنْ لَا يُجَاوِزَ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا وَالشَّرْطَ هُنَا أَنْ لَا يَدْخُلَ الْحَرَمَ إلَّا مُحْرِمًا؛ لِأَنَّ تَعْظِيمَ الْحَرَمِ بِهَذَا يَحْصُلُ، فَإِنْ دَخَلَ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ فَأَحْرَمَ مِنْهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْحَرَمِ فَيُلَبِّيَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى يَطَّوَّفَ بِالْبَيْتِ فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْمِيقَاتَ الْمَعْهُودَ فِي حَقِّهِ لِلْإِحْرَامِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْآفَاقِيِّ يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، ثُمَّ يُحْرِمُ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ، وَهُنَاكَ يَلْزَمُهُ الدَّمُ إذَا لَمْ يَعُدْ لِتَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ عَنْ مَكَانِهِ فَكَذَلِكَ هُنَا يَلْزَمُهُ الدَّمُ إذَا لَمْ يَعُدْ إلَى الْحِلِّ، وَإِنْ عَادَ فَالْخِلَافُ فِيهِ مِثْلُ الْخِلَافِ فِي الْآفَاقِيِّ إذَا عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(قَالَ): وَإِنْ أَرَادَ الْكُوفِيُّ بُسْتَانَ بَنِي عَامِرٍ لِحَاجَةٍ فَلَهُ أَنْ يُجَاوِزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْإِحْرَامِ عِنْدَ الْمِيقَاتِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ دُخُولَ مَكَّةَ، وَهَذَا لَا يُرِيدُ دُخُولَ مَكَّةَ إنَّمَا يُرِيدُ الْبُسْتَانَ، وَلَيْسَ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ مَا يُوجِبُ التَّعْظِيمَ لَهَا فَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ، فَإِذَا حَصَلَ بِالْبُسْتَانِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ لِحَاجَةٍ لَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ بِالْبُسْتَانِ حَلَالًا كَانَ مِثْلَ أَهْلِ الْبُسْتَانِ وَلِأَهْلِ الْبُسْتَانِ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ لِحَوَائِجِهِمْ مِنْ غَيْر إحْرَامٍ فَكَذَلِكَ هَذَا الرَّجُلُ، وَهَذَا هُوَ الْحِيلَةُ لِمَنْ يُرِيدُ دُخُولَ
стр. 854
مَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ إنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بِالْبُسْتَانِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا كَانَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ، وَإِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بِالْبُسْتَانِ دُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ إلَّا بِالْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَصِيرُ مُتَوَطِّنًا بِالْبُسْتَانِ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْبُسْتَانِ، وَإِنْ نَوَى الْمُقَامَ بِهَا دُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَهُوَ مَاضٍ عَلَى سَفَرِهِ فَلَا يَدْخُلُ مَكَّةَ إلَّا بِإِحْرَامٍ، وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ أَنَّهُ حَصَلَ بِالْبُسْتَانِ قَبْلَ قَصْدِهِ دُخُولَ مَكَّةَ، فَإِنَّمَا قَصَدَ دُخُولَ مَكَّةَ بَعْدَ مَا حَصَلَ بِالْبُسْتَانِ فَكَانَ حَالُهُ كَحَالِ أَهْلِ الْبُسْتَانِ
(قَالَ): وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْمَوَاقِيتِ وَمَنْ دُونِهَا إلَى مَكَّةَ أَنْ يَقْرِنَ أَوْ أَنْ يَتَمَتَّعَ وَهُمْ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ أَمَّا الْمَكِّيُّ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَمَتَّعَ بِالنَّصِّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي ذَلِكَ ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فِي حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ خَاصَّةً، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ يَكُونُ مَنْزِلُهُ مِنْ مَكَّةَ عَلَى مَسِيرَةٍ لَا يَجُوزُ فِيهَا قَصْرُ الصَّلَاةِ، وَقُلْنَا أَهْلُ الْمَوَاقِيتِ وَمَنْ دُونِهَا إلَى مَكَّةَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمْ دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَلَا يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَتَمَتَّعُوا وَكَمَا لَا يَتَمَتَّعُ مَنْ هُوَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَكَذَلِكَ لَا يَقْرِنُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجُوزُ لَهُ الْقِرَانُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْقَارِنَ عَلَى قَوْلِهِ يَتَرَفَّهُ بِإِدْخَالِ عَمَلِ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ فِي الْآخَرِ، وَالْمَكِّيُّ فِي هَذَا وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ، وَعِنْدَنَا مَعْنَى التَّرَفُّهِ بِالْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ فِي أَدَاءِ النُّسُكَيْنِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ لَا فِي إدْخَالِ عَمَلِ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى السَّفَرِ لِأَدَاءِ الْمَنَاسِكِ وَلَا يَلْحَقُهُ بِالسَّفَرِ كَثِيرُ مَشَقَّةٍ فَكَمَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَقْرِنَ بَيْنَهُمَا عِنْدَنَا إلَّا أَنَّ الْمَكِّيَّ إذَا كَانَ بِالْكُوفَةِ فَلَمَّا انْتَهَى إلَى الْمِيقَاتِ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَأَحْرَمَ لَهُمَا صَحَّ وَيَلْزَمُهُ دَمُ الْقِرَانِ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْقَارِنِ أَنْ تَكُونَ حَجَّتُهُ وَعُمْرَتُهُ مُتَقَارِنَتَيْنِ يُحْرِمُ بِهِمَا جَمِيعًا مَعًا، وَقَدْ وُجِدَ هَذَا فِي حَقِّ الْمَكِّيِّ، وَلَوْ اعْتَمَرَ هَذَا الْمَكِّيُّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا لِأَنَّ الْآفَاقِيَّ إنَّمَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا إذَا لَمْ يُلِمَّ بِأَهْلِهِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ إلْمَامًا صَحِيحًا، وَالْمَكِّيُّ هُنَا يُلِمُّ بِأَهْلِهِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ حَلَالًا إنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ، وَكَذَلِكَ إنْ سَاقَ الْهَدْيَ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا بِخِلَافِ الْآفَاقِيِّ إذَا سَاقَ الْهَدْيَ، ثُمَّ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ مُحْرِمًا كَانَ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ هُنَاكَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فَيَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ إلْمَامِهِ بِأَهْلِهِ وَهُنَا الْعَوْدُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ، وَإِنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَكَانَ إلْمَامُهُ بِأَهْلِهِ صَحِيحًا، فَلِهَذَا
стр. 855
لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، وَعَلَى هَذَا رَوَى هِشَامٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمَكِّيَّ إذَا خَرَجَ إلَى الْكُوفَةِ، ثُمَّ مَاتَ وَأَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ مَنْزِله وَهُوَ بِمَكَّةَ بِمَنْزِلَةِ الْآفَاقِيِّ يُخْرِجُ مُسَافِرًا فَيُوصِي بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، وَلَوْ أَوْصَى هَذَا الْمَكِّيُّ بِأَنْ يُقْرَنَ عَنْهُ مِنْ الْكُوفَةِ؛ لِأَنَّ الْقِرَانَ لَا يَكُونُ مِنْ مَكَّةَ فَعَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ أَنْ يُقْرَنَ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ.
(قَالَ): وَالْمَكِّيُّ إذَا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ لِحَاجَةٍ لَهُ فَلَمْ يُجَاوِزْ الْوَقْتَ فَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، وَإِنْ جَاوَزَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ إلَّا بِإِحْرَامٍ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مَنْ قَصَدَ إلَى مَوْضِعٍ فَحَالُهُ فِي حُكْمِ الْإِحْرَامِ كَحَالِ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ
(قَالَ): وَوَقْتُ أَهْلِ مَكَّةَ لِلْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ الْحَرَمُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ حَصَلَ بِمَكَّةَ حَلَالًا لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَمَرَ أَصْحَابَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بِفَسْخِ إحْرَامِ الْحَجِّ وَالْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ فَحَلُّوا مِنْهَا فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَمَرَهُمْ بِأَنْ يُحْرِمُوا بِالْحَجِّ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ»
(قَالَ): وَمِيقَاتُ إحْرَامِ أَهْلِ مَكَّةَ لِلْعُمْرَةِ التَّنْعِيمُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْحِلِّ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْإِحْرَامِ غَيْرُ مَوْضِعِ أَدَاءِ النُّسُكِ، وَأَدَاءُ الْحَجِّ يَكُونُ بِالْوُقُوفِ وَهُوَ فِي الْحِلِّ فَالْإِحْرَامُ بِهِ يَكُونُ فِي الْحَرَمِ وَأَدَاءُ نُسُكِ الْعُمْرَةِ بِالطَّوَافِ وَهُوَ فِي الْحَرَمِ فَالْإِحْرَامُ بِهَا يَكُونُ فِي الْحِلِّ.
(قَالَ): كُوفِيٌّ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ نَحْوَ مَكَّةَ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ جَازَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى إلَى الْمِيقَاتِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ أَحَدٌ إلَّا مُحْرِمًا، فَإِذَا جَاوَزَهُ حَلَالًا فَقَدْ ارْتَكَبَ الْمَنْهِيَّ» وَأَخَّرَ الْإِحْرَامَ عَنْ الْمِيقَاتِ فَتَمَكَّنَ نُقْصَانٌ فِي حَجِّهِ وَنُقْصَانُ الْحَجِّ يُجْبَرُ بِالدَّمِ فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ وَلَبَّى إنْ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ تَلَافَى الْمَتْرُوكَ فِي وَقْتِهِ وَمَكَانِهِ فَصَارَ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزْ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَدَاءُ الْحَجِّ بِإِحْرَامٍ يُبَاشِرُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَقَدْ أَتَى بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ أَحْرَمَ بَعْدَ مَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ، ثُمَّ عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ لَبَّى عِنْدَ الْمِيقَاتِ يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ، وَإِنْ لَمْ يُلَبِّ لَمْ يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ وَعِنْدَهُمَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعًا، وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ إنْشَاءُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ، فَإِذَا أَحْرَمَ بَعْد مَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ فَقَدْ تَرَكَ مَا هُوَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ فَلَزِمَهُ الدَّمُ كَمَا لَوْ لَمْ يَعُدْ، وَهَذَا لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ إنْشَاءُ تَلْبِيَةٍ وَاجِبَةٍ عِنْدَ الْمِيقَاتِ وَوُجُوبُ التَّلْبِيَةِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ لَا بَعْدَهُ فَهُوَ - وَإِنْ لَبَّى عِنْدَ الْمِيقَاتِ - فَإِنَّمَا أَتَى بِتَلْبِيَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ فَلَا يَصِيرُ بِهِ مُتَدَارِكًا لِمَا فَاتَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا عَادَ
стр. 856
فَأَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولَانِ: الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا عِنْدَ الْمِيقَاتِ لَا أَنْ يُنْشِئَ الْإِحْرَامَ عِنْدَ الْمِيقَاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِي إلَى الْمِيقَاتِ، ثُمَّ مَرَّ بِالْمِيقَاتِ مُحْرِمًا، وَلَمْ يُلَبِّ عِنْدَ الْمِيقَاتِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ إذَا عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ، وَلَمْ يُلَبِّ فَقَدْ تَدَارَكَ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَهُوَ كَوْنُهُ مُحْرِمًا عِنْدَ الْمِيقَاتِ وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: ارْجِعْ إلَى الْمِيقَاتِ وَإِلَّا فَلَا حَجَّ لَكَ. وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى إلَى الْمِيقَاتِ حَلَالًا وَجَبَ عَلَيْهِ التَّلْبِيَةُ عِنْدَ الْمِيقَاتِ وَالْإِحْرَامِ، فَإِذَا تَرَكَ ذَلِكَ بِالْمُجَاوَزَةِ حَتَّى أَحْرَمَ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ، ثُمَّ عَادَ فَإِنْ لَبَّى فَقَدْ أَتَى بِجَمِيعِ مَا هُوَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ، وَإِنْ لَمْ يُلَبِّ فَلَمْ يَأْتِ بِجَمِيعِ مَا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّ مِيقَاتَهُ هُنَاكَ مَوْضِعُ إحْرَامِهِ، وَقَدْ لَبَّى عِنْدَهُ فَقَدْ خَرَجَ الْمِيقَاتُ الْمَعْهُودُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِيقَاتًا لِلْإِحْرَامِ فِي حَقِّهِ فَلِهَذَا لَا يَضُرُّهُ تَرْكُ التَّلْبِيَةِ عِنْدَهُ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا
(قَالَ): فَإِنْ قَرَنَ هَذَا الْكُوفِيُّ بَعْدَ مَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى الْمِيقَاتِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ دَمَانِ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ الْإِحْرَامَيْنِ جَمِيعًا عَنْ الْمِيقَاتِ فَيَلْزَمُهُ لِكُلِّ إحْرَامٍ دَمٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَارِنَ إذَا ارْتَكَبَ سَائِرَ الْمَحْظُورَاتِ يَجِبُ عَلَيْهِ ضِعْفُ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُفْرِدِ فَكَذَلِكَ إذَا أَحْرَمَ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ، وَعُلَمَاؤُنَا قَالُوا: الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمِيقَاتِ إحْرَامٌ وَاحِدٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ عِنْدَ الْمِيقَاتِ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ مَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ كَانَ جَائِزًا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمِيقَاتِ إحْرَامٌ وَاحِدٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِ ذَلِكَ الْإِحْرَامِ دَمٌ وَاحِدٌ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ فَإِنَّهُ صَارَ بِجِنَايَتِهِ مُرْتَكِبًا مَحْظُورَ إحْرَامَيْنِ فَكَانَ عَلَيْهِ جَزَاءَانِ. وَكَذَلِكَ إنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ بَعْدَ مَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ بِمَكَّةَ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ لِتَأْخِيرِهِ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ عَنْ الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ بِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ فَمِيقَاتُ إحْرَامِهِ لِلْحَجِّ الْحَرَمُ، وَقَدْ أَحْرَمَ بِهِ فِي الْحَرَمِ، وَإِنْ كَانَ أَهَلَّ بِالْحَجَّةِ بَعْدَ مَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ أَيْضًا كَانَ عَلَيْهِ دَمَانِ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ إحْرَامَ الْحَجِّ عَنْ مِيقَاتِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ، وَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ بِإِحْرَامِ الْحَجَّةِ فَمِيقَاتُ إحْرَامِهِ لِلْعُمْرَةِ الْحِلُّ بِمَنْزِلَةِ مِيقَاتِ أَهْلِ مَكَّةَ فَحِينَ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي الْحَرَمِ فَقَدْ تَرَكَ مِيقَاتَ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ أَيْضًا فَيَلْزَمُهُ لِذَلِكَ دَمٌ آخَرُ
(قَالَ): كُوفِيٌّ دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِحَاجَةٍ لَهُ، فَقَالَ: عَلَيْهِ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ أَيُّ ذَلِكَ شَاءَ؛ لِأَنَّ دُخُولَ
стр. 857
مَكَّةَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْإِحْرَامِ عَلَيْهِ فَمُبَاشَرَةُ ذَلِكَ السَّبَبِ بِمَنْزِلَةِ الْتِزَامِهِ الْإِحْرَامَ بِالنَّذْرِ، وَفِي نَذْرِ الْإِحْرَامِ يَلْزَمُهُ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ فَكَذَلِكَ إذَا لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ بِدُخُولِ مَكَّةَ فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ فَأَهَلَّ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعَمَّا لَزِمَهُ بِدُخُولِ مَكَّةَ اسْتِحْسَانًا عِنْدَنَا. وَفِي الْقِيَاسِ لَا يُجْزِئُهُ عَمَّا لَزِمَهُ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ بِدُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَجَبَ عَلَيْهِ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ وَصَارَ ذَلِكَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَحَجَّةُ الْإِسْلَامِ لَا تَنُوبُ عَمَّا صَارَتْ نُسُكًا دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَحَوَّلَتْ السَّنَةُ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْمِيقَاتِ لَا يَنُوبُ هَذَا عَمَّا لَزِمَهُ لِدُخُولِ مَكَّةَ فَكَذَلِكَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى، وَلَكِنْ اسْتَحْسَنَ عُلَمَاؤُنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالُوا: لَوْ كَانَ حِينَ انْتَهَى إلَى الْمِيقَاتِ فِي الِابْتِدَاءِ أَحْرَمَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ نَابَ ذَلِكَ عَمَّا يَلْزَمُهُ لِدُخُولِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ لَا أَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ لِدُخُولِ مَكَّةَ كَمَنْ اعْتَكَفَ فِي رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ صَائِمًا فِي مُدَّةِ الِاعْتِكَافِ لَا أَنْ يَكُونَ صَوْمُهُ لِلِاعْتِكَافِ، فَإِذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ لَوْ أَحْرَمَ عِنْدَ الْمِيقَاتِ فِي الِابْتِدَاءَ كَأَنْ يُؤَدِّي حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بِذَلِكَ الْإِحْرَامِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَقَدْ أَدَّاهَا حِينَ عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَصَارَ بِهِ مُتَلَافِيًا لِلْمَتْرُوكِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا لَزِمَهُ لِدُخُولِ مَكَّةَ، فَأَمَّا بَعْدَ مَا تَحَوَّلَتْ السَّنَةُ لَمْ يَصِرْ مُتَلَافِيًا لِلْمَتْرُوكِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي السَّنَةِ الْأُولَى لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الْحَجَّ بِذَلِكَ الْإِحْرَامِ فِي الثَّانِيَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُتَلَافِيًا لِلْمَتْرُوكِ فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ أَنَّهُ لَوْ عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ وَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مَنْذُورَةٍ لَا يَسْقُطُ عَنْهَا بِهَذَا الْعَوْدِ مَا لَزِمَهُ بِدُخُولِ مَكَّةَ وَهُوَ حِينَ انْتَهَى إلَى الْمِيقَاتِ لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ الْمَنْذُورَةِ وَدَخَلَ بِهِ مَكَّةَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، ثُمَّ لَا يَصِيرُ بِهِ مُتَدَارِكًا لِمَا هُوَ الْوَاجِبُ؟.
(قُلْنَا) هُوَ خَارِجٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُؤَقَّتَةً فَيُكْرَهُ أَدَاؤُهَا فِي خَمْسَةِ أَيَّامٍ مِنْ السَّنَةِ فَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا فِي الِابْتِدَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهَا إلَى الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ فَلَا يَصِيرُ بِالرُّجُوعِ إلَى الْمِيقَاتِ وَالْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ مُتَدَارِكًا لِلْمَتْرُوكِ
(قَالَ): وَإِذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ حَلَالًا، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَفَاتَهُ الْحَجُّ سَقَطَ عَنْهُ دَمُ الْوَقْتِ عِنْدَنَا، وَلَمْ يَسْقُطْ عِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الدَّمَ بِمُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ صَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فَلَا يَسْقُطُ بِفَوَاتِ الْحَجِّ كَمَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ بِالتَّطَيُّبِ أَوْ لُبْسِ الْمَخِيطِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ ذَلِكَ بِفَوَاتِ الْحَجِّ، وَلَكِنَّا نَقُولُ لَمَّا فَاتَهُ الْحَجّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ لِلْقَضَاءِ يُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ فَيَنْعَدِمُ بِهِ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ يَلْزَمُهُ الدَّمُ وَهُوَ أَدَاءُ الْحَجِّ بِإِحْرَامٍ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ بِخِلَافِ سَائِرِ الدِّمَاءِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِمَا
стр. 858
ارْتَكَبَ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ وَلَا يَنْعَدِمُ ذَلِكَ بِفَوَاتِ الْحَجِّ، وَعَلَى هَذَا لَوْ جَامَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ حَتَّى فَسَدَ حَجُّهُ سَقَطَ عَنْهُ دَمُ الْوَقْتِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَجَبَ عَلَيْهِ، فَإِذَا عَادَ لِلْقَضَاءِ يُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ فَانْعَدَمَ بِهِ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ كَانَ يَلْزَمُهُ الدَّمُ
[جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، ثُمَّ أَتَى وَقْتًا آخَرَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ]
(قَالَ): وَكَذَلِكَ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، ثُمَّ أَتَى وَقْتًا آخَرَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ أَجْزَأَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إتْيَانَهُ وَقْتًا آخَرَ بِمَنْزِلَةِ رُجُوعِهِ إلَى الْمِيقَاتِ وَالْإِحْرَامِ عِنْدَهُ لِلْأَصْلِ الَّذِي قُلْنَا: إنَّ مِنْ حَصَّلَ فِي مِيقَاتٍ فَإِحْرَامُهُ يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ الْمِيقَاتِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمِيقَاتِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَإِنَّمَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مِيقَاتِهِ فَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ الدَّمُ
(قَالَ): عَبْدٌ دَخَلَ مَكَّةَ مَعَ مَوْلَاهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَعَلَيْهِ إذَا عَتَقَ دَمٌ لِتَرْكِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ فَيَتَحَقَّقُ مِنْهُ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلدَّمِ وَهُوَ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مِنْ مِيقَاتِهِ، وَلَكِنْ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الدَّمِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يَتَأَخَّرُ إلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ، وَهَذَا بِخِلَافِ النَّصْرَانِيِّ يَدْخُلُ مَكَّةَ، ثُمَّ يُسْلِمُ، ثُمَّ يُحْرِمُ مِنْ مَكَّةَ أَوْ الصَّبِيُّ يَدْخُلُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، ثُمَّ يَحْتَلِمُ بِمَكَّةَ فَيُحْرِمُ بِالْحَجِّ فَإِنَّ هُنَاكَ لَا يَلْزَمُهُ بِتَرْكِ الْوَقْتِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ النَّصْرَانِيَّ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ حِينَ انْتَهَى إلَى الْمِيقَاتِ فَإِنَّ الْخِطَابَ بِالْإِحْرَامِ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْإِحْرَامُ، وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ فَلَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُمَا تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَزِمَهُمَا الْإِحْرَامُ عِنْدَ الْإِسْلَامِ وَالْبُلُوغِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ هُمَا بِمَكَّةَ، وَمِيقَاتُ إحْرَامِ الْحَجِّ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ بِمَكَّةَ الْحَرَمُ، وَقَدْ أَحْرَمَا مِنْهُ بِخِلَافِ الْعَبْدِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَذُكِرَ فِي اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ النَّصْرَانِيَّ لَوْ أَسْلَمَ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ قَبْلَ إدْرَاك الْوَقْت وَأَوْصَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَوَصِيَّتُهُمَا بَاطِلَةٌ عِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُلْزِمْهُمَا الْحَجُّ قَبْلَ إدْرَاكِ الْوَقْتِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ الْأَدَاءُ قَبْلَ إدْرَاكِ الْوَقْتِ فَلَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُمَا بِهِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ قَدْ تَقَرَّرَ فِي حَقِّهِمَا، وَالْوَقْتُ شَرْطُ الْأَدَاءِ وَانْعِدَامُ شَرْطِ الْأَدَاءِ لَا يَمْنَعُ تَقَرُّرَ سَبَبِ الْوُجُوبِ فَتَصِحُّ وَصِيَّتُهُمَا بِالْأَدَاءِ فِي وَقْتِهِ
(قَالَ): وَلَوْ أَنَّ الصَّبِيَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يَحْتَلِمَ، ثُمَّ احْتَلَمَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عِنْدَنَا، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُجْزِئُهُ وَهُوَ بِنَاءً عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ إذَا صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، ثُمَّ بَلَغَ فِي آخِرِهِ عِنْدَهُ يُجْزِئُهُ عَنْ الْفَرْضِ وَيُجْعَلُ وَكَأَنَّهُ بَلَغَ قَبْلَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ وَهُنَا أَيْضًا يُجْعَلُ كَأَنَّهُ بَلَغَ قَبْلَ مُبَاشَرَةِ الْإِحْرَامِ فَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ قَالَ: وَهَذَا عَلَى أَصْلِكُمْ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ عِنْدَكُمْ مِنْ الشَّرَائِطِ
стр. 859
دُونَ الْأَرْكَانِ وَلِهَذَا صَحَّ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ دُخُولِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَكِنَّا نَقُولُ حِينَ أَحْرَمَ: هُوَ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ أَدَاءِ الْفَرْضِ فَانْعَقَدَ إحْرَامُهُ لِأَدَاءِ النَّفْلِ فَلَا يَصِحُّ أَدَاءُ الْفَرْضِ بِهِ وَهُوَ نَظِيرُ الصَّرُورَةِ إذَا أَحْرَمَ بِنِيَّةِ النَّفْلِ عِنْدَنَا لَا يُجْزِئُهُ أَدَاءُ الْفَرْضِ بِهِ، وَعِنْدَهُ يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ لِلْفَرْضِ وَالْإِحْرَامُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الشَّرَائِطِ عِنْدَنَا، وَلَكِنْ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْكَانِ وَمَعَ الشَّكِّ لَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ الَّذِي ثَبَتَ وُجُوبُهُ بِيَقِينٍ فَلِهَذَا لَا يُجْزِئُهُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ بِذَلِكَ الْإِحْرَامِ إلَّا أَنْ يُجَدِّدَ إحْرَامَهُ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ فَحِينَئِذٍ يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْإِحْرَامَ الَّذِي بَاشَرَهُ فِي حَالَةِ الصِّغَرِ كَانَ تَخَلُّقًا، وَلَمْ يَكُنْ لَازِمًا عَلَيْهِ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ فَسْخِهِ بِتَجْدِيدِ الْإِحْرَامِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى بَعْدَ مَا أَحْرَمَ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ جَدَّدَ الْإِحْرَامَ بَعْدَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ إحْرَامَ الْعَبْدِ لَازِمٌ فِي حَقِّهِ لِكَوْنِهِ مُخَاطَبًا فَلَا يَتَمَكَّنُ بَعْدَ الْعِتْقِ مِنْ فَسْخِ ذَلِكَ الْإِحْرَامِ، وَإِنَّمَا طَرِيقُ خُرُوجِهِ مِنْ ذَلِكَ الْإِحْرَامِ أَدَاءُ الْأَفْعَالِ فَسَوَاءٌ جَدَّدَ التَّلْبِيَةَ أَوْ لَمْ يُجَدِّدْ فَهُوَ بَاقٍ فِي ذَلِكَ الْإِحْرَامِ فَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ أُعْتِقَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْوُجُوبِ تَقَرَّرَ فِي حَقِّهِ بِالْعِتْقِ فَلِهَذَا يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
(قَالَ): وَإِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَوَجَبَ عَلَيْهِ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ فَأَهَلَّ بِهَا بَعْدَ سَنَةٍ فِي وَقْتٍ غَيْرِ وَقْتِهِ الْأَوَّلِ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ قَالَ: يُجْزِيهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي السَّنَةِ الْأُولَى لَوْ أَحْرَمَ مِنْ هَذَا الْمِيقَاتِ أَجْزَأَهُ عَمَّا يَلْزَمُهُ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَجُعِلَ هَذَا كَعَوْدِهِ إلَى الْمِيقَاتِ الْأَوَّلِ، فَكَذَلِكَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ إذَا جَاءَ إلَى هَذَا الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّ مَنْ حَصَّلَ عِنْدَ مِيقَاتٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ أَهْلِ ذَلِكَ الْمِيقَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
[بَابُ الَّذِي يَفُوتُهُ الْحَجُّ]
(بَابُ الَّذِي يَفُوتُهُ الْحَجُّ) (قَالَ): ﵁ رَجُلٌ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ فَفَاتَهُ فَإِنَّهُ يَحِلُّ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، قَالَ: وَبَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَلْيَتَحَلَّلْ بِالْعُمْرَةِ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ». وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -
стр. 860
مَا رَوَاهُ الْأَسْوَدُ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ: مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، ثُمَّ لَقِيتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثِينَ سَنَةً فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْإِحْرَامَ بَعْدَ مَا انْعَقَدَ صَحِيحًا فَطَرِيقُ الْخُرُوجِ عَنْهُ أَدَاءُ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ إمَّا الْحَجُّ أَوْ الْعُمْرَةُ كَمَنْ أَحْرَمَ إحْرَامًا بِهِمَا وَهُنَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ عَنْهُ بِالْحَجِّ حِينَ فَاتَهُ الْحَجُّ فَعَلَيْهِ الْخُرُوجُ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ إنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَصْلُ إحْرَامِهِ بَاقٍ بِالْحَجِّ وَيَتَحَلَّلُ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَصِيرُ إحْرَامُهُ إحْرَامَ عُمْرَةٍ، وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا يُؤَدِّيهِ مِنْ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ بَقَايَا أَعْمَالِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ الْتَزَمَ أَدَاءَ أَفْعَالٍ يَفُوتُ بَعْضُهَا بِمُضِيِّ الْوَقْتِ وَلَا يَفُوتُهُ الْبَعْضُ فَيَسْقُط عَنْهُ مَا يَفُوتُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَيَلْزَمُهُ مَا لَا يَفُوتُ وَهُوَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَا: الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ لِلْحَجِّ إنَّمَا يَتَحَلَّلُ بِهِمَا مِنْ الْإِحْرَامِ بَعْدَ الْوُقُوفِ، فَأَمَّا قَبْلَ الْوُقُوفِ فَلَا، وَحَاجَتُهُ إلَى التَّحَلُّلِ هُنَا قَبْلَ الْوُقُوفِ فَإِنَّمَا يَأْتِي بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ يَتَحَلَّلُ بِهِمَا مِنْ الْإِحْرَامِ، وَذَلِكَ طَوَافُ الْعُمْرَةِ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَصِيرُ أَصْلُ إحْرَامِهِ لِلْعُمْرَةِ ضَرُورَةً؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ إنَّمَا يَكُونُ بِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَا: لَا يُمْكِنُ جَعْلُ إحْرَامِهِ لِلْعُمْرَةِ إلَّا بِفَسْخِ إحْرَامِ الْحَجِّ الَّذِي كَانَ شَرَعَ فِيهِ وَلَا طَرِيقَ لَنَا إلَى ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَكِّيَّ إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ يَتَحَلَّلُ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْحَرَمِ، وَلَوْ انْقَلَبَ إحْرَامُهُ لِلْعُمْرَةِ لَكَانَ يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ إلَى الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ مِيقَاتُ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ فِي حَقِّ الْمَكِّيِّ
(قَالَ): فَإِنْ كَانَ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ فَقَدِمَ مَكَّةَ، وَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنَّهُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِحَجِّهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ وَلَا يَجْعَلُ مَا أَتَى بِهِ مِنْ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ قَبْلَ فَوَاتِ الْحَجِّ كَافِيًا لِلتَّحَلُّلِ عَنْ إحْرَامِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ طَوَافَ التَّحِيَّةِ وَهُوَ سُنَّةٌ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ التَّحَلُّلُ فَإِنْ كَانَ طَافَ لِعُمْرَتِهِ وَسَعَى فَقَدْ أَتَى بِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَافَ بِعُمْرَتِهِ يَطُوفُ لَهَا الْآنَ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَفُوتُهُ، ثُمَّ يَطُوفُ بَعْدَ ذَلِكَ لِحَجَّتِهِ وَيَسْعَى حَتَّى يَتَحَلَّلَ، وَهَذَا دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى أَنَّ أَصْلَ إحْرَامِهِ لَا يَنْقَلِبُ عُمْرَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْقَلَبَ عُمْرَةً لَصَارَ جَامِعًا بَيْنَ إحْرَامِ عُمْرَتَيْنِ وَأَدَائِهِمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، ثُمَّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُحْصَرِ، وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْمُحْصَرَ عَاجِزٌ عَنْ التَّحَلُّلِ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَفَائِتُ الْحَجِّ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ فَائِتُ الْحَجِّ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حِينَ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ فِي الطَّوَافِ
стр. 861
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الطَّوَافَ عَمَلُ الْعُمْرَةِ وَأَوَانُ قَطْعِ التَّلْبِيَةِ فِي حَقِّهِ مَا هُوَ أَوَانُ قَطْعِ التَّلْبِيَةِ فِي حَقِّ الْمُعْتَمِرِ فَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَإِنَّمَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حِينَ يَأْخُذُ فِي الطَّوَافِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ مَا فَاتَتْهُ فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ طَافَ لَهَا قَبْلَ الْفَوَاتِ فَلَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ عِنْدَهَا، وَإِنَّمَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا أَخَذَ فِي الطَّوَافِ الَّذِي يَتَحَلَّلُ بِهِ عَنْ الْإِحْرَامِ فِي الْحَجِّ
(قَالَ): وَلَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَمَكَثَ حَرَامًا حَتَّى دَخَلَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ مِنْ قَابِلٍ فَتَحَلَّلَ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، وَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إحْرَامَهُ لَمْ يَنْقَلِبْ إحْرَامَ عُمْرَةٍ فَإِنَّهُ لَوْ انْقَلَبَ إحْرَامَ عُمْرَةٍ كَانَ مُتَمَتِّعًا كَمَنْ أَحْرَمَ لِلْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ فَطَافَ لَهَا فِي شَوَّالٍ، وَلَكِنَّهُ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ يَتَحَلَّلُ مِنْ إحْرَامِ الْحَجِّ فِي شَوَّالٍ، وَلَيْسَ هَذَا صُورَةَ الْمُتَمَتِّعِ
(قَالَ): رَجُلٌ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ فَجَامَعَ فِيهَا ثُمَّ قَدِمَ، وَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِجِمَاعِهِ وَيَحِلُّ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ مُعْتَبَرٌ بِالصَّحِيحِ فَكَمَا أَنَّ التَّحَلُّلَ بِالْإِحْرَامِ الصَّحِيحِ بَعْدَ الْفَوَاتِ يَكُونُ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَكَذَلِكَ عَنْ الْإِحْرَامِ الْفَاسِدِ، وَلَوْ كَانَ أَصَابَ فِي حَجِّهِ صَيْدًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ بَعْدَ الْفَسَادِ بَاقٍ فَيَجِبُ بِارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ مَا يَلْزَمُهُ بِارْتِكَابِهِ فِي الْإِحْرَامِ الصَّحِيحِ، وَهَذَا الَّذِي أَفْسَدَ الْحَجَّ إنَّمَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ بَعْدَ الْفَوَاتِ حِينَ يَأْخُذُ فِي الطَّوَافِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفُتْهُ كَانَ أَوَانُ قَطْعِ التَّلْبِيَةِ فِي حَقِّهِ حِينَ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ اعْتِبَارًا بِمَنْ صَحَّ حَجُّهُ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْفَوَاتِ
(قَالَ): رَجُلٌ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ فَقَدِمَ مَكَّةَ، وَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَأَقَامَ حَرَامًا حَتَّى يَحُجَّ مَعَ النَّاسِ مِنْ قَابِلٍ بِذَلِكَ الْإِحْرَامِ قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّتِهِ، وَبِهَذَا يَسْتَدِلُّ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى أَنَّ إحْرَامَهُ صَارَ لِلْعُمْرَةِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ أَدَاءُ الْحَجِّ بِهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: قَدْ بَقِيَ أَصْلُ إحْرَامِهِ لِلْحَجِّ، وَلَكِنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ بِإِعْمَالِ الْعُمْرَةِ فَلَا يَبْطُلُ هَذَا التَّعْيِينُ بِتَحَوُّلِ السَّنَةِ مَعَ أَنَّ إحْرَامَهُ انْعَقَدَ لِأَدَاءِ الْحَجِّ فِي السَّنَةِ الْأُولَى فَلَوْ صَحَّ أَدَاءُ الْحَجِّ بِهِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ تَغَيَّرَ مُوجِبُ ذَلِكَ الْعَقْدِ بِفِعْلِهِ، وَلَيْسَ إلَيْهِ تَغْيِيرُ مُوجِبِ عَقْدِ الْإِحْرَامِ، وَإِنْ قَدِمَ، وَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَأَهَلَّ بِحَجَّةٍ أُخْرَى فَإِنَّهُ يَطُوفُ لِلَّذِي قَدْ فَاتَهُ وَيَسْعَى وَيَرْفُضُ الَّتِي أَهَلَّ بِهَا وَعَلَيْهِ فِيهَا مَا عَلَى الرَّافِضِ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْفَائِتِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ أَصْلَ إحْرَامِهِ بَعْدَ الْفَوَاتِ تَعَيَّنَ لِلْحَجِّ فَهُوَ بِالْإِهْلَالِ بِحَجَّةٍ أُخْرَى يَصِيرُ جَامِعًا بَيْنَ حَجَّتَيْنِ فَلِهَذَا يَرْفُضُ الَّتِي أَهَلَّ بِهَا، وَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ التَّحَلُّلُ عَنْ الْأُولَى بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِفِعْلِهِ، وَإِنْ نَوَى بِهَذِهِ الَّتِي أَهَلَّ بِهَا قَضَاءَ الْفَائِتِ فَهِيَ هِيَ يَعْنِي لَا يَلْزَمُهُ بِهَذَا الْإِهْلَالِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ نَوَى إيجَادَ الْمَوْجُودِ فَإِنَّ إحْرَامَهُ بِالْحَجِّ بَاقٍ بَعْدَ الْفَوَاتِ وَنِيَّةُ الْإِيجَادِ فِيمَا هُوَ مَوْجُودٌ لَغْوٌ فَيَتَحَلَّلُ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ
стр. 862
وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْفَائِتِ فَقَطْ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَقَدْ نَوَى بِالْإِهْلَالِ هُنَاكَ حَجَّةً أُخْرَى سِوَى الْمَوْجُودِ
[أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ بَعْدَ مَا فَاتَهُ الْحَجُّ]
(قَالَ): وَإِنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ بَعْدَ مَا فَاتَهُ الْحَجُّ رَفَضَهَا أَيْضًا وَمَضَى فِي عَمَلِ الْفَائِتَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَهُ التَّحَلُّلُ عَنْ الْأَوَّلِ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ يَصِيرُ جَامِعًا بَيْنَ الْعُمْرَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَلِهَذَا يَرْفُضُ الَّتِي أَهَلَّ بِهَا، وَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ التَّحَلُّلُ عَنْ الْأُولَى بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِفِعْلِهِ
(قَالَ): رَجُلٌ أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ وَقَدِمَ مَكَّةَ، وَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ قَالَ: يَحِلُّ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَحَجَّتَانِ وَدَمٌ؛ لِأَنَّهُ صَارَ رَافِضًا لِإِحْدَى الْحَجَّتَيْنِ وَلَزِمَهُ دَمٌ لِرَفْضِهَا وَقَضَاءُ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَدْ فَاتَتْهُ الْأُخْرَى فَيَتَحَلَّلُ مِنْهَا بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّل مِنْهَا بِعَمَلِ عُمْرَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ عَمَلًا فَكَمَا أَخَذَ فِي عَمَلِ إحْدَاهُمَا صَارَ رَافِضًا لِلْأُخْرَى وَلَزِمَهُ الدَّمُ بِالرَّفْضِ
(قَالَ): وَإِذَا سَاقَ هَدْيًا لِلْقِرَانِ فَقَدِمَ، وَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ قَالَ: يَصْنَعُ بِهَدْيِهِ مَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ، وَقَدْ أَعَدَّهُ لِمَقْصُودِهِ، فَإِذَا فَاتَهُ ذَلِكَ الْمَقْصُودُ صَنَعَ بِهِ مَا أَحَبَّ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَفُتْهُ، وَلَكِنَّهُ جَامَعَ؛ لِأَنَّ بِالْجِمَاعِ فَسَدَ حَجُّهُ وَخَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَارِنًا، وَإِنَّمَا أَعَدَّ هَذَا الْهَدْيَ لِلْقِرَانِ، فَإِذَا فَاتَهُ ذَلِكَ صَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ فَإِنْ كَانَ هَدْيُهُ قَدْ نَتَجَ فِي الطُّرُقِ، ثُمَّ قَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ أَوْ جَامَعَ أَوْ أُحْصِرَ صَنَعَ أَيْضًا بِالْوَلَدِ مَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْأُمِّ فَكَمَا يَصْنَعُ بِالْأُمِّ مَا شَاءَ فَكَذَلِكَ بِالْوَلَدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْعَوَارِضِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْحَرَ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ جَمِيعًا فَإِنْ نَحَرَ الْأُمَّ وَوَهَبَ الْوَلَدَ أَوْ بَاعَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْوَلَدِ، وَكَذَلِكَ إنْ وَلَدَ هَذَا الْوَلَدُ وَلَدًا فَعَلَيْهِ قِيمَةُ ذَلِكَ الْوَلَدِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ مِنْ الْحَقِّ فِي الْأَصْلِ سَرَى إلَى الْوَلَدِ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ كَفَّرَ عَنْ الْوَلَدِ بَعْدَ مَا وَهَبَهُ أَوَبَاعَهُ، ثُمَّ حَدَثَ لَهُ وَلَدٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ وَلَدِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ بِأَدَاءِ الْكَفَّارَةِ قَدْ سَقَطَ عَنْهُ الْحَقُّ فِي الْوَلَدِ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَلْزَمُهُ فِيمَا يَلِدُ هَذَا الْوَلَدُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْوَلَدِ لَازِمٌ إيَّاهُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ فَيَسْرِي إلَى مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ وَهُوَ نَظِيرُ مَنْ أَخْرُجَ ظَبْيَةً مِنْ الْحَرَمِ فَكَفَّرَ عَنْهَا، ثُمَّ وَلَدَتْ ثُمَّ مَاتَتْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا فِيهَا وَلَا فِي وَلَدِهَا شَيْءٌ، وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْ عَنْهَا كَانَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَفِي وَلَدِهَا الْكَفَّارَةُ
(قَالَ): مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ قَدِمَ مَكَّةَ وَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الرَّبَذَةِ فَأُحْصِرَ بِهَا، ثُمَّ قَدِمَ مَكَّةَ بَعْدَ فَوَاتِ الْحَجِّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحِلَّ بِعُمْرَةٍ وَلَا يَكْفِيهِ الطَّوَافُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ طَوَافَ التَّحِيَّةِ، وَلَيْسَ لِطَوَافِ التَّحِيَّةِ أَثَرٌ فِي التَّحَلُّلِ، وَلِأَنَّ التَّحَلُّلَ بِالطَّوَافِ يَكُونُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهُ، وَذَلِكَ الطَّوَافُ كَانَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ فَلَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي التَّحَلُّلِ، وَإِنْ كَانَ
стр. 863
خُرُوجُهُ إلَى الرَّبَذَةِ بَعْدَ الْوَقْتِ لَمْ يَفُتْهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ»، ثُمَّ قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدِّمَاءِ بَعْدَ هَذَا بِسَبَبِ التَّرْكِ وَالتَّأْخِيرِ
(قَالَ): فَإِنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ قَدِمَ مَكَّةَ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ يَقْضِي عُمْرَتَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ فَلَا يَفُوتُهُ عَمَلُ الْعُمْرَةِ بِمُضِيِّ أَيَّامِ النَّحْرِ فَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَالْحَاصِلُ أَنَّ جَمِيعَ السَّنَةِ وَقْتُ الْعُمْرَةِ عِنْدَنَا، وَلَكِنْ يُكْرَهُ أَدَاؤُهَا فِي خَمْسَةِ أَيَّامٍ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَكْرَهُ الْعُمْرَةَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْخَمْسَةِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامَ الْحَجِّ فَيَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ مُتَعَيِّنَةً لِلْحَجِّ الْأَكْبَرِ فَلَا يَجُوزُ الِاشْتِغَالُ فِيهَا بِغَيْرِهَا، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تُكْرَهُ الْعُمْرَةُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْخَمْسَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا تُكْرَهُ الْعُمْرَةُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّ دُخُولَ وَقْتِ رُكْنِ الْحَجِّ بَعْدَ الزَّوَالِ لَا قَبْلَهُ، وَلَكِنْ مَعَ هَذِهِ الْكَرَاهَةِ لَوْ أَدَّى الْعُمْرَةَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ صَحَّ فَيَبْقَى مُحْرِمًا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ بِهَا وَهُوَ نَظِيرُ بَقَاءِ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ
[أَهَلَّ الْحَاجُّ صَبِيحَةَ يَوْمِ النَّحْرِ بِحَجَّةٍ أُخْرَى]
(قَالَ): وَإِذَا أَهَلَّ الْحَاجُّ صَبِيحَةَ يَوْمِ النَّحْرِ بِحَجَّةٍ أُخْرَى لَزِمَتْهُ وَيَقْضِي مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْأُولَى وَيُقِيمُ حَرَامًا إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الْحَجَّ بِهَذَا الْإِحْرَامِ مِنْ قَابِلٍ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بَعْدَ مُضِيِّ وَقْتِ الْحَجِّ مِنْ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، فَيَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ لِأَدَاءِ الْحَجِّ بِهِ فِي السَّنَةِ الْقَابِلَةِ وَعَلَيْهِ بِجَمْعِهِ بَيْنَ الْحَجَّتَيْنِ دَمٌ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ لِلْحَجِّ بَاقٍ مَا لَمْ يَتَحَلَّلْ بِالْحَلْقِ وَالطَّوَافِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ إحْرَامِ الْحَجَّتَيْنِ مَمْنُوعٌ عَنْهُ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَزِمَهُ الدَّمُ بِالْجَمْعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّمَ هُنَاكَ يَلْزَمُهُ لِرَفْضِ إحْدَاهُمَا؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ هُنَاكَ لَا يَتَحَقَّقُ حِينَ صَارَ قَاضِيًا لِإِحْدَاهُمَا وَهُنَا يَتَحَقَّقُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي مَا بَقِيَ مِنْ أَعْمَالِ الْأُولَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ رَافِضًا لِلْأُخْرَى فَلِهَذَا لَزِمَهُ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا دَمٌ، وَإِنْ قَدِمَ الْحَاجُّ مَكَّةَ فَأَدْرَكَ الْوُقُوفَ بِمُزْدَلِفَةَ لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لِلْحَجِّ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ فَاتَهُ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ»، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا حُكْمَ الْإِهْلَالِ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ بِعُمْرَتَيْنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ وَيَسْتَوِي فِيهِ إنْ أَهَلَّ بِهِمَا مَعًا أَوْ بِإِحْدَاهُمَا، ثُمَّ بِالْأُخْرَى مَعًا؛ لِأَنَّهُ جَامِعٌ بَيْنَ الْإِحْرَامَيْنِ فِي الْحَالَيْنِ فَإِنْ رَفَضَ إحْدَى الْعُمْرَتَيْنِ، ثُمَّ قَضَاهَا فِي الْعَامِ الْقَابِلِ وَمَعَهَا حَجَّةٌ فَهُوَ قَارِنٌ؛ لِأَنَّ الْقِرَانَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْحَجَّةِ وَالْعُمْرَةِ فَكَمَا أَنَّ كَوْنَ الْحَجِّ فِي ذِمَّتِهِ لَا يَمْنَعُ تَحَقُّقَ الْقِرَانِ فَكَذَلِكَ كَوْنُ الْعُمْرَةِ وَاجِبَةً فِي ذِمَّتِهِ. وَكَذَلِكَ إنْ أَتَى بِهَذِهِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إنْ لَمْ يَكُنْ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ
стр. 864
بَيْنَ النُّسُكَيْنِ حَلَالًا فَإِنْ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ حَلَالًا لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ﵃، وَهَذَا بِخِلَافِ الْقَارِنِ إنْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ بَعْدَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَجَعَ مُحْرِمًا فَلَمْ يَصِحَّ إلْمَامُهُ بِأَهْلِهِ فَلِهَذَا كَانَ قَارِنًا، وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُتَمَتِّعِ الَّذِي سَاقَ الْهَدْيَ وَبَيْنَ الَّذِي لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ فِي حُكْمِ الْإِلْمَامِ بِأَهْلِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ أَيْضًا فِي حُكْمِ الْمَكِّيِّ الَّذِي قَدِمَ الْكُوفَةَ وَبَيَّنَّا الْقِرَانَ وَالتَّمَتُّعَ. وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَكِّيَّ إذَا قَدِمَ الْكُوفَةَ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْرِنَ إذَا كَانَ خُرُوجُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ قَبْلَ دُخُولِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَأَمَّا إذَا دَخَلَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ فَقَدْ حَرُمَ عَلَيْهِ الْقِرَانُ وَالتَّمَتُّعُ فَلَا يَرْتَفِعُ ذَلِكَ بِالْخُرُوجِ عَنْ الْمِيقَاتِ بَعْدَ ذَلِكَ
(قَالَ): وَإِذَا قَدِمَتْ الْمَرْأَةُ مَكَّةَ مُحْرِمَةً بِالْحَجِّ حَائِضًا مَضَتْ عَلَى حَجَّتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرَ لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَائِشَةَ ﵂ «وَاصْنَعِي جَمِيعَ مَا يَصْنَعُهُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ»، فَإِذَا طَهُرَتْ بَعْدَ مُضِيِّ أَيَّامِ النَّحْرِ طَافَتْ لِلزِّيَارَةِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا بِهَذَا التَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِعُذْرِ الْحَيْضِ وَعَلَيْهَا طَوَافُ الصَّدَرِ؛ لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ، وَإِنْ حَاضَتْ بَعْدَ مَا طَافَتْ لِلزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ فَلَيْسَ عَلَيْهَا طَوَافُ الصَّدَرِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الرُّخْصَةِ الْوَارِدَةِ لِلْحَائِضِ فِي ذَلِكَ
(قَالَ): وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَمَنْ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ طَوَافُ الصَّدَرِ إنَّمَا ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْآفَاقِ الَّذِينَ يَصْدُرُونَ عَنْ الْبَيْتِ بِالرُّجُوعِ إلَى مَنَازِلِهِمْ فَإِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ وَاِتَّخَذَهَا دَارًا سَقَطَ عَنْهُ طَوَافُ الصَّدَرِ إنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ النَّفَرُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الصَّدَرِ بَعْدَ حِلِّ النَّفْرِ الْأَوَّلِ فَإِنَّمَا جَاءَ وَقْتُ الصَّدَرِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَلَا يَلْزَمُهُ طَوَافُ الصَّدَرِ، وَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الْإِقَامَةَ بَعْدَ مَا حَلَّ النَّفْرَ الْأَوَّلَ فَعَلَيْهِ طَوَافُ الصَّدَرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ لَزِمَهُ بِمَجِيءِ وَقْتِ الصَّدَرِ قَبْلَ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِنِيَّتِهِ الْإِقَامَةَ بَعْدَ ذَلِكَ كَالْمَرْأَةِ إذَا حَاضَتْ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ لَا تَسْقُطُ عَنْهَا تِلْكَ الصَّلَاةُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فِي طَوَافِ الصَّدَرِ سَقَطَ عَنْهُ طَوَافُ الصَّدَرِ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ دَخَلَ وَقْتُهُ فَلَا يَصِيرُ طَوَافُ الصَّدَرِ دَيْنًا عَلَيْهِ بِدُخُولِ وَقْتِهِ فَنِيَّتُهُ الْإِقَامَةَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ وَقَبْلَهُ سَوَاءٌ كَالْمَرْأَةِ إذَا حَاضَتْ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ لَا تَلْزَمُهَا تِلْكَ الصَّلَاةُ. فَأَمَّا إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ بَعْدَ مَا أَخَذَ فِي طَوَافِ الصَّدَرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ بِالشُّرُوعِ فِيهِ لَزِمَ إتْمَامُهُ فَلَا يَسْقُطُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ بَدَا لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ مَكَّةَ بَعْدَمَا اتَّخَذَهَا دَارًا لَا يَلْزَمُهُ طَوَافُ الصَّدَرِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَكِّيِّ يَقْصِدُ الْخُرُوجَ
стр. 865
مِنْ مَكَّةَ. وَإِنْ نَوَى أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ أَيَّامًا، ثُمَّ يَصْدُرُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ طَوَافُ الصَّدَرِ، وَإِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ بِهَذِهِ النِّيَّةِ لَمْ يَصِرْ كَأَهْلِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ الْمَكِّيَّ غَيْرُ عَازِمٍ عَلَى الصَّدَرِ مِنْهَا بَعْدَ مُدَّةٍ، وَهَذَا عَلَى الصَّدَرِ مِنْهَا بَعْدَ مُدَّةٍ فَيَبْقَى عَلَيْهِ طَوَافُ الصَّدَرِ عَلَى حَالِهِ
(قَالَ): وَلَيْسَ عَلَى فَائِتِ الْحَجِّ طَوَافُ الصَّدَرِ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ لِلْقَضَاءِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُعْتَمِرِ الْمُقِيمِ فِي حَقِّ الْإِعْمَالِ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُعْتَمِرِ طَوَافُ الصَّدَرِ.
(قَالَ): رَجُلٌ قَصَدَ مَكَّةَ لِلْحَجِّ فَدَخَلَهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَوَافَاهَا يَوْمَ النَّحْرِ، وَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَقَضَاهَا أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ مَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَقَضَاهُ كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الْوَقْتِ فَكَذَلِكَ إذَا أَحْرَمَ بِالْوَقْتِ بِالْعُمْرَةِ وَقَضَاهَا؛ لِأَنَّ الْوَاصِلَ إلَى الْمِيقَاتِ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ حَاجًّا كَانَ أَوْ مُعْتَمِرًا، وَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ بِعُمْرَةٍ، وَلَكِنَّهُ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ فَهُوَ مُحْرِمٌ حَتَّى يَحُجَّ مَعَ النَّاسِ مِنْ قَابِلٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ الْإِحْرَامِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَكِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْوَقْتِ فَيُلَبِّيَ مِنْهُ لِيَسْقُطَ عَنْهُ الدَّمُ فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ.
(قَالَ): وَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يُقِيمَ فِي مَنْزِلِهِ حَرَامًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَيَبْعَثَ بِالْهَدْيِ، وَلَا يَحِلُّ بِالْهَدْيِ إنْ بَعَثَ بِهِ؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ بِالْهَدْيِ لِلْمُحْصَرِ، وَهَذَا غَيْرُ مُحْصَرٍ بَلْ هُوَ فَائِتُ الْحَجِّ، وَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ التَّحَلُّلُ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ شَرْعًا فَلَا يَتَحَلَّلُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ
[بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْإِحْرَامَيْنِ]
(بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْإِحْرَامَيْنِ) (قَالَ): وَالْعُمْرَةُ لَا تُضَافُ إلَى الْحَجِّ وَالْحَجُّ يُضَافُ إلَى الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ مِنْهَا شَيْئًا وَبَعْدَ أَنْ يَعْمَلَ، هَكَذَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، وَهَذَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْعُمْرَةَ بِدَايَةً وَالْحَجَّ نِهَايَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَمَنْ أَضَافَ الْحَجَّةَ إلَى الْعُمْرَةِ كَانَ فِعْلُهُ مُوَافِقًا لِمَا فِي الْقُرْآنِ، وَمَنْ أَضَافَ الْعُمْرَةَ إلَى الْحَجِّ كَانَ فِعْلُهُ مُخَالِفًا لِمَا فِي الْقُرْآنِ فَكَانَ مُسِيئًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَكِنْ مَعَ هَذَا هُوَ قَارِنٌ فَإِنَّ الْقَارِنَ هُوَ جَامِعٌ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، وَهُوَ جَامِعٌ بَيْنَهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ إلَّا أَنَّهُ إذَا أَضَافَ الْحَجَّ إلَى الْعُمْرَةِ بِأَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ أَوَّلًا، ثُمَّ بِالْحَجِّ فَهُوَ جَامِعٌ مُصِيبٌ لِلسُّنَّةِ فَيَكُونُ مُحْسِنًا وَمَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، ثُمَّ بِالْعُمْرَةِ فَهُوَ جَامِعٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ فَكَانَ مُسِيئًا لِهَذَا وَيَلْزَمُهُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا مَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُتَمَتِّعِ الْمُتَرَفِّقِ بِأَدَاءِ النُّسُكَيْنِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَهُوَ شَاةٌ
стр. 866
فِي قَوْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵃ وَفِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ﵄ بَدَنَةٌ وَأَخَذْنَا بِالْأَوَّلِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «تَمَتَّعْنَا بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاشْتَرَكْنَا فِي الْبَدَنَةِ عَنْ سَبْعَةٍ» فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ فَعَلَيْهِ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ. وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَصُومَ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ وَيَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمَ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّ صَوْمَ الْيَوْمِ بَدَلٌ عَنْ الْهَدْيِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الَّذِي يَفُوتُهُ بِمُضِيِّهِ رَجَاءَ أَنْ يَجِدَ الْهَدْيَ
(قَالَ): وَلَوْ صَامَ هَذِهِ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ بَعْدَ إحْرَامِهِ لِلْعُمْرَةِ قَبْلَ إحْرَامِ الْحَجَّةِ جَازَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَحُجَّتُهُ ظَاهِرُ الْآيَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَحِينَ صَامَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فَصَوْمُهُ هَذَا لَيْسَ فِي الْحَجِّ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنْ نَقُولَ: جَعَلَ الْحَجُّ ظَرْفًا لِلصَّوْمِ وَفِعْلُ الْحَجِّ لَا يَصْلُحُ ظَرْفًا لِلصَّوْمِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَقْتُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَهَذَا قَدْ صَامَ فِي وَقْتِ الْحَجِّ بَعْدَ مَا تَقَرَّرَ السَّبَبُ، وَهُوَ التَّمَتُّعُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّمَتُّعِ فِي أَدَاءِ الْعُمْرَةِ فِي سَفَرِ الْحَجِّ فِي وَقْتِ الْحَجِّ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ، وَأَدَاءُ الْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ وُجُوبِهَا جَائِزٌ إذَا صَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَإِنْ لَمْ يَصُمْ حَتَّى جَاءَ يَوْمُ النَّحْرِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَإِنَّ رَجُلًا أَتَاهُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: إنِّي تَمَتَّعْتُ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَقَالَ: اذْبَحْ شَاةً فَقَالَ لَيْسَ مَعِي شَيْءٌ فَقَالَ: سَلْ أَقَارِبَكَ فَقَالَ: لَيْسَ هُنَا أَحَدٌ مِنْهُمْ فَقَالَ لِغُلَامِهِ يَا مُغِيثُ أَعْطِهِ قِيمَةَ شَاةٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَدَلَ كَانَ مُؤَقَّتًا بِالنَّصِّ فَبَعْدَ فَوَاتِ ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا يَكُونُ بَدَلًا فَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَانَ يَقُولُ فِي الِابْتِدَاءِ يَصُومُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ﵄، وَلَكِنَّ هَذَا فَاسِدٌ فَقَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْ الصَّوْمِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَجُوزُ أَدَاءُ الْوَاجِبِ بِهَا وَلَوْ وَجَدَ الْهَدْيَ بَعْدَ صَوْمِ يَوْمَيْنِ مِنْ الثَّلَاثَةِ كَانَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْخُلْفِ مَا إذَا قَدَرَ عَلَى أَصْلِ الْهَدْيِ بَعْدَ مَا يَحِلُّ يَوْمَ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ التَّحَلُّلُ فَإِنَّمَا قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ بَعْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ، وَهُوَ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا صَوْمُ السَّبْعَةِ لَيْسَ بِبَدَلٍ فِيمَا هُوَ مَقْصُودٌ، وَهُوَ التَّحَلُّلُ أَلَا تَرَى أَنَّ أَوَانَ أَدَائِهَا بَعْدَ التَّحَلُّلِ وَوُجُوبِ الْهَدْيِ لَا يَمْنَعُ أَدَاءَهَا، وَالْمُرَادُ مِنْ الرُّجُوعِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] مُضِيُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ حَتَّى إذَا صَامَ بَعْدَ مُضِيِّهَا قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ جَازَ عِنْدَنَا، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَّا أَنْ يَنْوِيَ
стр. 867
الْمُقَامَ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ الصَّوْمُ
(قَالَ): وَإِنَّ أَهَلَّ الْآفَاقِيُّ بِالْحَجِّ فَطَافَ لَهَا شَوْطًا، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ رَفَضَهَا وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا وَدَمٌ لِلرَّفْضِ؛ لِأَنَّ إحْرَامَ الْحَجِّ قَدْ تَأَكَّدَ بِمَا أَتَى بِهِ مِنْ الطَّوَافِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ وَلَوْ بَقِيَ إحْرَامُهُ لِلْعُمْرَةِ كَانَ بَانِيًا عَمَلَ الْعُمْرَةِ عَلَى أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَلِهَذَا يَرْفُضُهَا. وَإِنْ كَانَ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ أَوَّلًا فَطَافَ لَهَا شَوْطًا، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مَضَى فِيهَا؛ لِأَنَّهُ يَبْنِي أَعْمَالَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ لَوْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ أَقَلَّ الْأَشْوَاطِ يَكُونُ قَارِنًا وَإِنْ طَافَ لَهَا أَكْثَرَ الْأَشْوَاطِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ كَانَ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ مَنْ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ بَعْدَ عَمَلِ الْعُمْرَةِ، وَلِأَكْثَرِ الطَّوَافِ حُكْمُ الْكُلِّ، وَالْقَارِنُ مَنْ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ صَارَ جَامِعًا حِينَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ طَوَافِ الْعُمْرَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَكِّيَّ لَا يَقْرِنُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَلَا يُضِيفُ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ، فَإِنْ قَرَنَ بَيْنَهُمَا رَفَضَ الْعُمْرَةَ وَمَضَى فِي الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَلَا بُدَّ مِنْ رَفْضِ أَحَدِهِمَا، وَرَفْضُ الْعُمْرَةِ أَيْسَرُ؛ لِأَنَّهَا دُونَ الْحَجِّ فِي الْقُوَّةِ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْضِيَهَا مَتَى شَاءَ.
وَكَذَلِكَ إنْ أَحْرَمَ أَوَّلًا بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ رَفَضَ الْعُمْرَة؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْبُدَاءَةِ بَعْدَ الْمُسَاوَاةِ فِي الْقُوَّةِ، وَلَا مُسَاوَاةَ هُنَا فَيَرْفُضُ الْعُمْرَةَ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَإِنْ مَضَى فِيهِمَا حَتَّى قَضَاهُمَا أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَمْنَعُ تَحَقُّقَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْجَامِعِ بَيْنَ الْحَجَّتَيْنِ وَالْعُمْرَتَيْنِ فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا عَمَلًا مَنْفِيٌّ هُنَاكَ وَمَعَ النَّفْيِ لَا يَتَحَقَّقُ الِاجْتِمَاعُ فَيَكُونُ رَافِضًا لِأَحَدِهِمَا عَلَى كُلُّ حَالٍ، وَهُنَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي حَقِّ الْمَكِّيِّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَمَعَ النَّهْيِ يَتَحَقَّقُ الْجَمْعُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ لِجَمْعِهِ بَيْنَهُمَا، وَلَكِنَّ هَذَا الدَّمَ لَيْسَ نَظِيرَ الدَّمِ فِي حَقِّ الْآفَاقِيِّ إذَا قَرَنَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ ذَلِكَ نُسُكٌ يَحِلُّ التَّنَاوُلُ مِنْهُ، وَهَذَا جَبْرٌ لَا يَحِلُّ التَّنَاوُلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ هَذَا الدَّمِ بِارْتِكَابِ مَا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَيَكُونُ وَاجِبًا بِطَرِيقِ الْجَبْرِ لِلنُّقْصَانِ فَلِهَذَا لَا يُبَاحُ التَّنَاوُلُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ طَافَ لِلْعُمْرَةِ شَوْطًا أَوْ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ رَفَضَ الْحَجَّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يَرْفُضُ الْعُمْرَةَ؛ لِأَنَّهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَأَكْثَرُ أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ بَاقٍ عَلَيْهِ وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ فَكَأَنَّهُ أَهَلَّ بِالْحَجَّةِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ فَيَرْفُضُهَا وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إنَّ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ قَدْ تَأَكَّدَ بِمَا أَتَى بِهِ مِنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ، وَإِحْرَامُ الْحَجِّ لَمْ يَتَأَكَّدْ بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ وَالْمُتَأَكِّدُ بِأَدَاءِ الْعَمَلِ أَقْوَى مِنْ غَيْرِ الْمُتَأَكِّدِ فَلِهَذَا يَرْفُضُ الْحَجَّةَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ التَّأَكُّدَ يَحْصُلُ بِشَوْطٍ مِنْ الطَّوَافِ مَا بَيَّنَّا فِي الْآفَاقِيِّ إذَا طَافَ لِلْحَجِّ شَوْطًا، ثُمَّ أَحْرَمَ لِلْعُمْرَةِ كَانَ عَلَيْهِ رَفْضُهَا لِتَأَكُّدِ
стр. 868
إحْرَامِ الْحَجِّ بِالْعَمَلِ قَبْلَ الْإِهْلَالِ بِالْعُمْرَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مِنْ طَوَافِ الْحَجِّ.
وَلَوْ كَانَ الْمَكِّيُّ طَافَ لِلْعُمْرَةِ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَنَقُولُ: إنَّمَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ مَا أَتَى بِأَكْثَرِ طَوَافِ الْعُمْرَةِ وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ فَكَأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعُمْرَةِ فَلَا يَرْفُضُ شَيْئًا، وَلَكِنْ يَفْرُغُ مِنْ عُمْرَتِهِ وَمِنْ حَجَّتِهِ وَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْمُتَمَتِّعِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ التَّمَتُّعِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ التَّنَاوُلُ مِنْ هَذَا الدَّمِ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ جَبْرٌ كَمَا بَيَّنَّا وَلَوْ كَانَ هَذَا الطَّوَافُ مِنْهُ لِلْعُمْرَةِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ كَانَ عَلَيْهِ الدَّمُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ الْعُمْرَةِ، وَلَيْسَ لِلْمَكِّيِّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَإِذَا صَارَ جَامِعًا كَانَ عَلَيْهِ الدَّمُ، وَلَوْ كَانَ هَذَا آفَاقِيًّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ هَذَا الدَّمُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الْوَقْتِ فِي الْعُمْرَةِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ إذَا كَانَ أَحْرَمَ لِلْعُمْرَةِ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّ مِيقَاتَ أَهْلِ مَكَّةَ لِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ هُوَ الْحِلُّ
(قَالَ): كُوفِيٌّ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَطَافَ لَهَا، ثُمَّ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ قَالَ: يَرْفُضُ عُمْرَتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْفُضْهَا كَانَ بَانِيًا لِلْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجَّةِ، هَذَا إذَا أَهَلَّ بِعُمْرَةِ بِعَرَفَةَ، فَإِنْ أَهَلَّ بِهَا يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بِحَجَّتِهِ أَوْ بَعْدَ مَا حَلَّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ أُمِرَ أَنْ يَرْفُضَهَا أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَرْفُضْهَا وَمَضَى فِيهَا أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ إنْ كَانَ أَهَلَّ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بِحَجَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَا حَلَّ مِنْ حَجَّتِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ إنْ لَمْ يَتْرُكْ الْوَقْتَ فِيهَا، وَلَا يُؤْمَرُ بِأَنْ يَرْفُضَهَا إذَا أَحْرَمَ بِهَا بَعْدَ تَمَامِ الْإِحْلَالِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْ الْإِحْرَامِ فَبَعْدَ مَا أَحْرَمَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إحْرَامٍ آخَرَ فَإِذَا أَدَّاهَا كَانَ صَحِيحًا بِخِلَافِ مَا إذَا أَهَلَّ بِهَا بِعَرَفَاتٍ فَإِنَّ هُنَاكَ قَدْ صَارَ رَافِضًا لِلْعُمْرَةِ لِتَحَقُّقِ الْمُنَافِي عَلَى مَا سَبَقَ، ثُمَّ إنْ كَانَ إهْلَالُهُ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ مِنْ الْحَجِّ فَقَدْ صَارَ جَامِعًا بَيْنَ الْإِحْرَامَيْنِ عَلَى وَجْهٍ هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ ذَلِكَ فَلَزِمَهُ لِذَلِكَ دَمٌ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَا حَلَّ لَمْ يَصِرْ جَامِعًا بَيْنَ الْإِحْرَامَيْنِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ
(قَالَ): مَكِّيٌّ أَهَلَّ بِالْحَجَّةِ فَطَافَ لَهَا شَوْطًا، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ قَالَ: يَرْفُضُ الْعُمْرَةَ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ لِلْحَجِّ قَدْ تَأَكَّدَ وَقَبْلَ تَأَكُّدِهِ كَانَ يُؤْمَرُ بِرَفْضِ الْعُمْرَةِ فَبَعْدَ تَأَكُّدِهِ أَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَرْفُضْهَا وَطَافَ لَهَا وَسَعَى أَجْزَأَهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ النَّهْيَ لَا يَمْنَعُ تَحَقُّقَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ دَمٌ لِإِهْلَالِهِ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ حَجَّتِهِ، وَقَدْ صَارَ جَامِعًا بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ هَذَا الْجَمْعِ
(قَالَ): مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ جَامَعَ، ثُمَّ أَضَافَ إلَيْهَا عُمْرَةً أُخْرَى قَالَ: يَرْفُضُ هَذِهِ وَيَمْضِي فِي الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ مُعْتَبَرٌ بِالصَّحِيحِ فِي وُجُوبِ الْإِتْمَامِ، وَلَوْ كَانَتْ الْأُولَى صَحِيحَةً كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ فِيهَا وَيَرْفُضَ الثَّانِيَةَ فَكَذَلِكَ بَعْدَ فَسَادِهَا وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يُجَامِعْ فِي
стр. 869
الْأُولَى، وَلَكِنَّهُ طَافَ لَهَا شَوْطًا، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالثَّانِيَةِ يَرْفُضُ الثَّانِيَةَ؛ لِأَنَّ الْأُولَى قَدْ تَأَكَّدَتْ لَمَّا طَافَ لَهَا فَتَعَيَّنَتْ الثَّانِيَةُ لِلرَّفْضِ وَكَذَا هَذَا فِي حَجَّتَيْنِ
(قَالَ): وَإِذَا أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ مَعًا، ثُمَّ جَامَعَ قَبْلَ أَنْ يَسِيرَ فَعَلَيْهِ لِلْجِمَاعِ دَمَانِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ رَافِضًا لِأَحَدِهِمَا مَا لَمْ يَأْخُذْ فِي عَمَلِ الْأُخْرَى، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ لِلْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا فَرَغَ مِنْ الْإِحْرَامَيْنِ صَارَ رَافِضًا لِأَحَدِهِمَا فَجِمَاعُهُ جِنَايَةٌ عَلَى إحْرَامٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْجِمَاعُ مِنْهُ بَعْدَ مَا سَارَ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ صَارَ رَافِضًا لِأَحَدِهِمَا حِينَ سَارَ إلَى مَكَّةَ فَجِمَاعُهُ جِنَايَةٌ عَلَى إحْرَامٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ مَا يَلْزَمُهُ بِالرَّفْضِ وَبِالْإِفْسَادِ مِنْ الْقَضَاءِ وَالدَّمِ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا سَبَقَ.
فَإِنْ أَحْرَمَ لَا يَنْوِي شَيْئًا فَطَافَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، ثُمَّ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَإِنَّهُ يَرْفُضُ هَذِهِ الثَّانِيَةَ؛ لِأَنَّ الْأُولَى قَدْ تَعَيَّنَتْ عُمْرَةً حِينَ أَخَذَ فِي الطَّوَافِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْإِبْهَامَ لَا يَبْقَى بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْأَدَاءِ بَلْ يَبْقَى مَا هُوَ الْمُتَيَقِّنُ، وَهُوَ الْعُمْرَةُ فَحِينَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ أُخْرَى فَقَدْ صَارَ جَامِعًا بَيْنَ عُمْرَتَيْنِ فَلِهَذَا يَرْفُضُ الثَّانِيَةَ
(قَالَ): وَإِذَا كَانَ لِلْكُوفِيِّ أَهْلٌ بِالْكُوفَةِ وَأَهْلٌ بِمَكَّةَ يُقِيمُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ سَنَةً فَاعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحَجّ مِنْ عَامِهِ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّهُ مُلِمٌّ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ بِأَهْلِهِ إلْمَامًا صَحِيحًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَهْلٌ بِمَكَّةَ وَاعْتَمَرَ مِنْ الْكُوفَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَقَضَى عُمْرَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى مِصْرٍ لَيْسَ فِيهِ أَهْلُهُ، ثُمَّ حَجّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ كَانَ مُتَمَتِّعًا مَا لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْمِصْرِ الَّذِي كَانَ فِيهِ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ﵄ وَإِبْرَاهِيمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الطَّحَاوِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَكَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ خِلَافًا بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَكُونُ مُتَمَتِّعًا.
وَحَدِيثُ زَيْدٍ الثَّقَفِيِّ ﵁ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فَقَالَ: أَتَيْنَا عُمَّارًا فَقَضَيْنَاهَا، ثُمَّ زُرْنَا الْقَبْرَ، ثُمَّ حَجَجْنَا فَقَالَ: أَنْتُمْ مُتَمَتِّعُونَ وَالْأَصْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ مَا لَمْ يَصِلْ إلَى أَهْلِهِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ كَمَنْ لَمْ يُجَاوِزْ الْمِيقَاتَ وَعِنْدَهُمَا مَنْ خَرَجَ مِنْ الْمِيقَاتِ فَهُوَ كَمَنْ وَصَلَ إلَى أَهْلِهِ فِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ بِالْكُوفَةِ أَهْلٌ وَبِالْبَصْرَةِ أَهْلٌ فَرَجَعَ إلَى أَهْلِهِ بِالْبَصْرَةِ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّهُ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ حَلَالًا
(قَالَ): وَإِنْ اعْتَمَرَ الْكُوفِيُّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَسَاقَ هَدْيًا لِلْمُتْعَةِ، وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ فَطَافَ لِعُمْرَتِهِ، وَلَمْ يَحْلِقْ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ، ثُمَّ حَجَّ كَانَ مُتَمَتِّعًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا كَانَ
стр. 870
رُجُوعُهُ إلَى أَهْلِهِ بَعْدَ مَا أَتَى بِأَكْثَرِ طَوَافِ الْعُمْرَةِ وَحَجَّتِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ مُلِمٌّ بِأَهْلِهِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ، وَهُوَ إلْمَامٌ صَحِيحٌ فَإِنَّ الْعَوْدَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ بَعَثَ بِهَدْيِهِ لِيُنْحَرَ عَنْهُ، وَلَمْ يَحُجَّ كَانَ جَائِزًا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَكِّيِّ الَّذِي اعْتَمَرَ مِنْ الْكُوفَةِ وَسَاقَ لِهَدْيٍ لِمُتْعَتِهِ فَهُنَاكَ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا فَكَذَلِكَ هُنَا وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولَانِ: إلْمَامُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ بِأَهْلِهِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ عَلَى حَالِهِ مَا لَمْ يُنْحَرْ عَنْهُ الْهَدْيُ فَكَانَ الْعَوْدُ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ إلْمَامِهِ بِأَهْلِهِ كَالْقَارِنِ إذَا أَتَى بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ، ثُمَّ عَادَ فَحَجَّ كَانَ قَارِنًا، وَلَمْ يَصِحَّ إلْمَامُهُ بِأَهْلِهِ مُحْرِمًا فَكَذَا هَذَا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ، وَقَدْ حَلَّ هُنَاكَ مِنْ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا لَمَّ بِأَهْلِهِ حَلَالًا فَكَانَ إلْمَامُهُ صَحِيحًا
(قَالَ): رَجُلٌ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَسَاقَ هَدْيًا مَعَهُ لِمُتْعَتِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَحِلَّ وَيَنْحَرَ هَدْيَهُ وَيَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ، وَلَا يَحُجَّ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ لَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ الْحَجِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ حَلَالًا فَخَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَمَتِّعًا، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيَهُ وَيَحِلَّ، وَلَا يَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ وَيَحُجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الرُّجُوعَ إلَى أَهْلِهِ فَهُوَ قَاصِدٌ إلَى التَّمَتُّعِ فَكَانَ هَدْيُهُ هَدْيَ الْمُتْعَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْحَرَهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لِاخْتِصَاصِ هَدْيِ الْمُتْعَةِ بِيَوْمِ النَّحْرِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا سَاقَ الْهَدْيَ، وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى التَّمَتُّعِ لَزِمَهُ الْبَقَاءُ فِي الْإِحْرَامِ إلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْ عَمَلُ الْحَجِّ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِي الْإِحْلَالِ قَبْلَ وَقْتِهِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ، ثُمَّ حَجَّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَمَتِّعًا، وَإِنَّمَا كَانَ يَلْزَمُهُ تَأْخِيرُ الْخُرُوجِ عَنْ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ لِأَجْلِ التَّمَتُّعِ فَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَمَتِّعًا تَبَيَّنَ أَنَّ إحْلَالَهُ كَانَ فِي وَقْتِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَإِنْ فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ وَحَلَّ وَنَحَرَ هَدْيَهُ، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَعَلَيْهِ دَمَانِ لِمُتْعَتِهِ فَإِنَّهُ أَتَى بِالنُّسُكَيْنِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ فَكَانَ مُتَمَتِّعًا وَمَا نَحَرَ مِنْ الْهَدْيِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ فَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ فَلِهَذَا لَزِمَهُ دَمُ الْمُتْعَةِ وَدَمٌ آخَرُ لِإِحْلَالِهِ قَبْلَ وَقْتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُتَمَتِّعًا، وَقَدْ سَاقَ الْهَدْيَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحِلَّ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهُوَ قَدْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَعْجِيلِ الْإِحْلَالِ
(قَالَ): رَجُلٌ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَفْسَدَهَا بِالْجِمَاعِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا أَهَلَّ بِأُخْرَى يَنْوِي قَضَاءَهَا، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا أَمَّا بِالْعُمْرَةِ الْأُولَى فَلِأَنَّهُ أَفْسَدَهَا بِالْجِمَاعِ وَالتَّمَتُّعُ بِالْعُمْرَةِ الْفَاسِدَةِ لَا يَكُونُ، وَأَمَّا بِالثَّانِيَةِ فَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ لَهَا مِنْ غَيْرِ الْمِيقَاتِ، وَالْمُتَمَتِّعُ مَنْ تَكُونُ عُمْرَتُهُ مِيقَاتِيَّةً وَحَجَّتُهُ مَكِّيَّةً، وَلِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ بِالْعُمْرَةِ الْفَاسِدَةِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَإِنْ كَانَ حِينَ
стр. 871
فَرَغَ مِنْ الْعُمْرَةِ الْفَاسِدَةِ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى جَاوَزَ الْمَوَاقِيتَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ جَاوَزَ الْوَقْتَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ كَانَ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّهُ بِمُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ صَارَ فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ فَإِذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَقَدْ أَتَى بِعُمْرَةٍ مِيقَاتِيَّةٍ وَحَجَّةٍ مَكِّيَّةٍ فَكَانَ مُتَمَتِّعًا، وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْ الْوَقْتَ إلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ؛ لِأَنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ لَمَّا دَخَلَتْ، وَهُوَ دَاخِلٌ الْمِيقَاتَ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّمَتُّعُ كَمَا هُوَ حَرَامٌ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَمَنْ هُوَ دَاخِلُ الْمِيقَاتِ فَلَا تَنْقَطِعُ هَذِهِ الْحُرْمَةُ بِخُرُوجِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَكِّيِّ وَمَنْ هُوَ دَاخِلُ الْمِيقَاتِ، فَإِنْ كَانَ دُخُولُهُ الْأَوَّلُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ فَأَفْسَدَهَا وَأَتَمَّهَا مَعَ الْفَسَادِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ، ثُمَّ عَادَ فَقَضَاهَا وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ الْأَوَّلَ قَدْ انْقَطَعَ بِرُجُوعِهِ إلَى أَهْلِهِ فَصَارَ كَأَنْ لَمْ يُوجَدْ فَالْمُعْتَبَرُ سَفَرُهُ الثَّانِي، وَقَدْ أَدَّى النُّسُكَيْنِ فِي هَذَا السَّفَرِ بِصِفَةِ الصِّحَّةِ فَكَانَ مُتَمَتِّعًا.
وَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى، ثُمَّ عَادَ فَقَضَى عُمْرَتَهُ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي قَرَّرْنَا أَنَّهُ مَا لَمْ يَصِلْ إلَى بَلْدَتِهِ فَهُوَ فِي الْحُكْمِ كَأَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَكَّةَ فَلَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا وَعِنْدَهُمَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِمَا أَنَّ بِخُرُوجِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ انْقَطَعَ حُكْمُ ذَلِكَ السَّفَرِ فِي حَقِّ التَّمَتُّعِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ رَجَعَ إلَى بَلْدَتِهِ فَإِذَا عَادَ مُعْتَمِرًا وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ كَانَ مُتَمَتِّعًا لِأَدَاءِ النُّسُكَيْنِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ صَحِيحًا. وَإِنْ دَخَلَ بِعُمْرَةٍ فَاسِدَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَقَضَاهَا، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى جَاوَزَ الْمِيقَاتَ، ثُمَّ قَرَنَ عُمْرَةً وَحَجَّةً كَانَ قَارِنًا؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّ كَحَالِ الْمَكِّيِّ مَتَى حَصَلَ بِمَكَّةَ بِالْعُمْرَةِ الْفَاسِدَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَكِّيَّ إذَا خَرَجَ مِنْ الْمِيقَاتِ، ثُمَّ قَرَنَ حَجَّةً وَعُمْرَةً كَانَ قَارِنًا فَهَذَا مِثْلُهُ، وَلَوْ قَضَى عُمْرَتَهُ الْفَاسِدَةَ، ثُمَّ أَهَلَّ مِنْ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ وَبِحَجَّةٍ فَإِنَّهُ يَرْفُضُ الْعُمْرَةَ؛ لِأَنَّهُ مَتَى حَصَلَ بِمَكَّةَ بِعُمْرَةٍ فَاسِدَةٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَكِّيٍّ مُحْرِمٍ بِهِمَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَكِّيَّ يَرْفُضُ الْعُمْرَةَ إذَا أَحْرَمَ بِهِمَا كَذَلِكَ هُنَا، وَلَوْ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَطَافَ لَهَا شَوْطًا، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي حَقِّ الْمَكِّيِّ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَرْفُضُ الْحَجَّ لِتَأَكُّدِ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ بِالطَّوَافِ وَعِنْدَهُمَا يَرْفُضُ الْعُمْرَةَ عَلَى مَا مَرَّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَطُفْ لَهَا أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَطُفْ لَهَا شَيْئًا وَإِذَا تَرَكَ الْمَكِّيُّ أَوْ الْكُوفِيُّ مِيقَاتَ الْإِحْرَامِ فِي الْعُمْرَةِ وَطَافَ لَهَا شَوْطًا، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُلَبِّيَ مِنْ الْوَقْتِ لَمْ يَنْفَعْهُ، وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الدَّمُ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ قَدْ تَأَكَّدَ بِالطَّوَافِ فَهُوَ، وَإِنْ عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ وَلَبَّى فَلَمْ يَصِرْ مُتَدَارِكًا لِمَا فَاتَهُ فِي وَقْتِهِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ.
стр. 872
أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا عَادَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ كَالْمُنْشِئِ لِلْإِحْرَامِ الْآنَ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الطَّوَافِ مَحْسُوبٌ لَهُ وَكَيْفَ يُجْعَلُ كَالْمُنْشِئِ الْآنَ وَطَوَافُهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَحْسُوبٌ فَلِهَذَا لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ التَّلْبِيَةِ]
(قَالَ): وَبَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» اتَّفَقَ عَلَى هَذَا رُوَاةُ نُسُكِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ وَفِي نَقْلِ تَلْبِيَتِهِ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فَحَسَنٌ، وَإِنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَحَسَنٌ أَيْضًا عِنْدَنَا، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُونَ: يُبَاحُ لَهُ الزِّيَادَةُ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ «أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ فِي تَلْبِيَتِهِ: لَبَّيْكَ ذِي الْمَعَارِجِ لَبَّيْكَ، فَقَالَ: مَهْ مَا كُنَّا نُلَبِّي، هَكَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ »، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَنْظُومٌ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ كَالْأَذَانِ وَالتَّشَهُّدِ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يَقُولُ فِي تَلْبِيَتِهِ: لَبَّيْكَ إلَهَ الْحَقِّ لَبَّيْكَ».
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَسْجِدِ الْخَيْفِ يُلَبِّي، فَقَالَ قَائِلٌ لَا يُلَبِّي هُنَا، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: أَجَهِلَ النَّاسُ أَمْ طَالَ بِهِمْ الْعَهْدُ لَبَّيْكَ عَدَدَ التُّرَابِ لَبَّيْكَ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي تَلْبِيَتِهِ: لَبَّيْكَ مَرْهُوبٌ مِنْكَ وَمَرْغُوبٌ إلَيْكَ وَالنُّعْمَى وَالْفَضْلُ وَالْحُسْنُ لَكَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ كَانَ تَرَكَ التَّلْبِيَةَ الْمَعْرُوفَةَ وَاكْتَفَى بِذَلِكَ الْقَدْرِ فَلِهَذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ وَهَكَذَا نَقُولُ إذَا تَرَكَ التَّلْبِيَةَ الْمَعْرُوفَةَ كَانَ مَكْرُوهًا، فَأَمَّا إذَا أَتَى بِالْمَعْرُوفِ، ثُمَّ زَادَ كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِظْهَارُ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ نَفْسِهِ، وَقَدْ نُقِلَ مِنْ طَرِيقِ أَهْلِ الْبَيْتِ ﵈ تَلْبِيَةٌ طَوِيلَةٌ مِنْ ذَلِكَ، وَالْجَارِيَاتُ فِي الْفُلْكِ عَلَى مَجَارِي مَنْ سَلَكَ، ثُمَّ الْحَاجُّ وَالْقَارِنُ فِي قَطْعِ التَّلْبِيَةِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ النُّسُكَيْنِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَقَطْعُ التَّلْبِيَةِ حِينَ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا وَقْتَ قَطْعِ التَّلْبِيَةِ فِي حَقِّ فَائِتِ الْحَجِّ وَالْمُحْصَرِ وَمَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِالتَّلْبِيَةِ إذَا نَوَى الْإِحْرَامَ فَأَمَّا بِدُونِ النِّيَّةِ مُحْرِمًا وَإِنْ لَبَّى، كَمَا لَا يَصِيرُ بِالتَّكْبِيرِ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَنْوِ، وَالتَّهْلِيلُ وَالتَّسْبِيحُ بِنِيَّةِ الْإِحْرَامِ بِهِ بِمَنْزِلَةِ التَّلْبِيَةِ كَمَا عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
стр. 873
وَإِذَا تَوَضَّأَ الْأَخْرَسُ وَلَبِسَ ثَوْبَيْنِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَوَى الْإِحْرَامَ بِقَلْبِهِ وَحَرَّكَ لِسَانَهُ كَانَ مُحْرِمًا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فَوْقَ ذَلِكَ كَمَا إذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ بِتَحْرِيكِ اللِّسَانِ مَعَ النِّيَّةِ يَصِحُّ شُرُوعُهُ. وَالْمَرْأَةُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ فِي التَّلْبِيَةِ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ صَوْتَهَا فِتْنَةٌ وَاذَا لَمْ يُلَبِّ الْقَارِنُ وَالْمُفْرِدُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَدْ أَسَاءَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْإِحْرَامِ بِالتَّلْبِيَةِ كَمَا أَنَّ صِحَّةَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّكْبِيرِ، وَلَوْ لَمْ يَأْتِ الْمُصَلِّي إلَّا بِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَكَانَ مُسِيئًا، فَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَأْتِ الْمُحْرِمُ بِالتَّلْبِيَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً جَازَ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا هُوَ الْوَاجِبُ وَتَرَكَ الْمَسْنُونَ فَيَكُونُ مُسِيئًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ
[بَابُ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ]
(بَابُ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ) (قَالَ): ﵁ رَجُلٌ رَمَى صَيْدًا فِي الْحِلِّ، وَهُوَ فِي الْحِلِّ فَأَصَابَهُ فِي الْحَرَمِ كَانَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنَايَتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا أَعْلَمُ، وَمَعْنَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ ذَهَابَ السَّهْمِ حَتَّى وَصَلَ إلَى الصَّيْدِ كَانَ بِقُوَّةِ الرَّامِي، وَهُوَ مُبَاشِرٌ لِذَلِكَ الْفِعْلِ حَتَّى يَسْتَوْجِبَ الْقِصَاصَ بِهِ إذَا رَمَى إلَى مُسْلِمٍ عَمْدًا فَقَتَلَهُ، وَإِنَّمَا أَصَابَهُ بَعْدَ مَا صَارَ صَيْدَ الْحَرَمِ فَكَانَ هُوَ قَاتِلًا صَيْدَ الْحَرَمِ بِفِعْلِهِ فَيَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَطَرَدَ الْكَلْبُ الصَّيْدَ حَتَّى قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ حَيْثُ لَا يَضْمَنُ قَالَ: لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ جِنَايَتِهِ، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ طَرْدَ الْكَلْبِ الصَّيْدَ فِعْلٌ أَحْدَثَهُ الْكَلْبُ فَلَا يَصِيرُ الْمُرْسَلُ بِهِ جَانِيًا عَلَى صَيْدِ الْحَرَمِ. وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِي الْفَرْقِ أَنَّ الرَّامِيَ مُبَاشِرٌ لِمَا يُصِيبُهُ سَهْمُهُ وَفِي مُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ فِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْجَزَاءِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ رَمَى سَهْمًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ فَأَصَابَ مَالًا أَوْ نَفْسًا كَانَ ضَامِنًا لَهُ فَأَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ هُنَا أَنَّهُ فِي أَصْلِ الرَّمْيِ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ عِنْدَ مُبَاشَرَتِهِ، فَأَمَّا مُرْسِلُ الْكَلْبِ مُتَسَبِّبٌ لِإِتْلَافِ مَا يَأْخُذُهُ الْكَلْبُ لَا مُبَاشِرَ حَتَّى لَا يَلْزَمَهُ الْقِصَاصُ بِحَالٍ، وَالْمُتَسَبِّبُ إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا فِي تَسَبُّبِهِ كَانَ ضَامِنًا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا لَا يَكُونُ ضَامِنًا كَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ وَهُنَا هُوَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي إرْسَالِ الْكَلْبِ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ
(قَالَ): وَإِنْ زَجَرَ الْكَلْبَ بَعْدَ مَا دَخَلَ فِي الْحَرَمِ فَانْزَجَرَ وَأَخَذَ الصَّيْدَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَاسْتِحْسَانًا، وَفِي
стр. 874
الْقِيَاسِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْ الْكَلْبِ يَكُونُ مُحَالًا عَلَى أَصْلِ الْإِرْسَالِ دُونَ الزَّجْرِ، أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ مُسْلِمًا أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فَزَجَرَهُ مَجُوسِيٌّ فَانْزَجَرَ حَتَّى أَخَذَ الصَّيْدَ حَلَّ تَنَاوُلُهُ، وَأَصْلُ الْإِرْسَالِ هُنَا لَمْ يَكُنْ جِنَايَةً فَوُجُودُ الزَّجْرِ بَعْدَ ذَلِكَ كَعَدَمِهِ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ فِي هَذَا الزَّجْرِ مُتَسَبِّبٌ لِأَخْذِ الصَّيْدِ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا التَّسَبُّبِ، ثُمَّ أَصْلُ الْإِرْسَالِ هُنَا مَا انْعَقَدَ تَعَدِّيًا، وَكَانَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الزَّجْرِ كَالْمَعْدُومِ أَصْلًا، وَهُوَ نَظِيرُ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ أَنَّ الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ إذَا انْبَعَثَ عَلَى أَثَرِ الصَّيْدِ مِنْ غَيْرِ إرْسَالِهِ فَزَجَرَهُ صَاحِبُهُ فَانْزَجَرَ حَتَّى أَخَذَ الصَّيْدَ إنَّمَا يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ اسْتِحْسَانًا بِخِلَافِ مَا إذَا أَرْسَلَهُ مَجُوسِيٌّ، ثُمَّ زَجَرَهُ مُسْلِمٌ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْإِرْسَالِ هُنَاكَ كَانَ مُعْتَبَرًا فَيُحَالُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ دُونَ الزَّجْرِ
(قَالَ): وَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا فِي الْحَرَمِ عَلَى ذِئْبٍ فَأَصَابَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا السَّبَبِ فَإِنَّ إرْسَالَ الْكَلْبِ عَلَى الذِّئْبِ مُبَاحٌ لَهُ فَلِهَذَا لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانَ، وَإِنْ أَخَذَ الْكَلْبُ الصَّيْدَ بِخِلَافِ مَا إذَا رَمَى إلَى الذِّئْبِ فَأَصَابَ صَيْدًا؛ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ مَعْنَى التَّعَدِّي، وَلَكِنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ خَطَأً مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ كَقَتْلِهِ عَمْدًا. وَكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلَ حَلَالٌ كَلْبًا عَلَى الصَّيْدِ فِي الْحِلِّ فَذَهَبَ الْكَلْبُ إلَى صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَزَاءٌ كَمَا لَوْ دَخَلَ الصَّيْدُ الَّذِي أَرْسَلَهُ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ فِيهِ
(قَالَ): وَلَوْ أَرْسَلَ الْمَجُوسِيُّ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ فَزَجَرَهُ مُسْلِمٌ مُحْرِمٌ فَانْزَجَرَ فَقَتَلَ الصَّيْدَ كَانَ عَلَى الْمُحْرِمِ جَزَاؤُهُ؛ لِأَنَّ زَجْرَ الْمُحْرِمِ لَا يَكُونُ دُونَ دَلَالَتِهِ عَلَى الصَّيْدِ وَالْمُحْرِمُ يَضْمَنُ الصَّيْدَ بِالدَّلَالَةِ فَبِالزَّجْرِ أَوْلَى، وَلَا يُؤْكَلُ ذَلِكَ الصَّيْدُ لَا لِزَجْرِ الْمُحْرِمِ فَإِنَّ حُرْمَةَ الصَّيْدِ تَثْبُتُ بِهِ كَمَا تَثْبُتُ بِالدَّلَالَةِ، وَلَكِنْ لِأَنَّ أَخْذَهُ مُحَالٌ بِهِ عَلَى أَصْلِ الْإِرْسَالِ وَالْمُرْسِلُ كَانَ مَجُوسِيًّا
(قَالَ): وَلَوْ نَصَبَ شَبَكَةً لِلصَّيْدِ فَأَصَابَ الصَّيْدَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا التَّسَبُّبِ، وَلَوْ نَصَبَهَا لِذِئْبٍ أَوْ سَبُعٍ آذَاهُ وَابْتَدَأَهُ فَوَقَعَ فِيهِ صَيْدٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا التَّسَبُّبِ، وَهُوَ قِيَاسُ نَصْبِ الْفُسْطَاطِ مِنْ الْمُحْرِمِ عَلَى مَا سَبَقَ
(قَالَ): مُحْرِمٌ دَلَّ مُحْرِمًا عَلَى صَيْدٍ وَأَمَرَهُ بِقَتْلِهِ وَأَمَرَ الْمَأْمُورُ ثَانِيًا بِقَتْلِهِ فَقَتَلَهُ كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ كَامِلٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَانٍ عَلَى الصَّيْدِ بِمَا صَنَعَ الْقَاتِلُ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَالْآمِرُ الثَّانِي بِدَلَالَةِ الْقَاتِلِ عَلَيْهِ وَالْآمِرُ الْأَوَّلُ بِإِعْلَامِهِ الْآمِرَ الثَّانِيَ بِمَكَانِ الصَّيْدِ حَتَّى أَمَرَ بِهِ غَيْرَهُ فَكَانُوا جَمِيعًا ضَامِنِينَ، وَهَذَا لِأَنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ وَالثَّانِي كَفِعْلِ آمِرِهِ، وَلَوْ قَتَلَ الْآمِرُ الثَّانِي وَجَبَ الْجَزَاءُ بِهِ عَلَى الْآمِرِ الْأَوَّلِ، فَكَذَلِكَ إذَا أَمَرَ بِهِ غَيْرَهُ
стр. 875
حَتَّى قَتَلَهُ وَجَزَاءُ الصَّيْدِ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ لَا يَتَجَزَّأُ فَلِهَذَا كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ جَزَاءٌ كَامِلٌ
(قَالَ): وَلَوْ أَخْبَرَ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا مَا بِصَيْدٍ فَلَمْ يَرَهُ حَتَّى أَخْبَرَهُ بِهِ مُحْرِمٌ آخَرُ فَلَمْ يُصَدِّقْ الْأَوَّلَ، وَلَمْ يُكَذِّبْهُ، وَلَكِنْ طَلَبَ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاؤُهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَانٍ فِيمَا صَنَعَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَكْذَبَ الْأَوَّلَ فَإِنَّ هُنَاكَ لَا يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهُ بِتَكْذِيبِهِ إيَّاهُ انْتَسَخَ حُكْمُ دَلَالَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ قَتْلُ الصَّيْدِ بَعْدَ ذَلِكَ مُحَالًا بِهِ عَلَى دَلَالَةِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا كَانَ مُحَالًا بِهِ عَلَى دَلَالَةِ الثَّانِي، فَأَمَّا إذَا لَمْ يُصَدِّقْهُ، وَلَمْ يُكَذِّبْهُ لَمْ يُنْتَسَخْ حُكْمُ دَلَالَتِهِ
(قَالَ): مُحْرِمٌ أَرْسَلَ مُحْرِمًا إلَى مُحْرِمٍ، فَقَالَ: إنَّ فُلَانًا يَقُولُ لَكَ إنَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ صَيْدًا فَذَهَبَ فَقَتَلَهُ كَانَ عَلَى الْمُرْسِلِ وَالرَّسُولِ وَالْقَاتِلِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُتَعَدٍّ فِيمَا صَنَعَ فَإِنَّ الْقَاتِلَ إنَّمَا تَمَكَّنَ مِنْ قَتْلِ الصَّيْدِ بِإِرْسَالِ الْمُرْسِلِ وَتَبْلِيغِ الرَّسُولِ فَلِهَذَا ضَمِنَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْجَزَاءُ
(قَالَ): وَإِنْ دَلَّ مُحْرِمٌ عَلَى صَيْدٍ رَجُلًا، وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ وَيَرَاهُ فَقَتَلَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الدَّالِّ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ تَمَكُّنَ الْقَاتِلِ مِنْ قَتْلِ الصَّيْدِ لَمْ يَكُنْ بِدَلَالَتِهِ فَقَدْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ قَبْلَ دَلَالَتِهِ
(قَالَ): مُحْرِمٌ اسْتَعَارَ مِنْ مُحْرِمٍ سِكِّينًا لِيَذْبَحَ بِهَا صَيْدًا فَأَعَارَهُ إيَّاهُ فَذَبَحَ الصَّيْدَ فَلَا جَزَاءَ عَلَى صَاحِبِ السِّكِّينِ وَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، أَمَّا الْكَرَاهَةُ بِالْإِعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِمَا أَعْطَاهُ مِنْ الْآلَةِ، وَأَمَّا حُكْمُ الْجَزَاءِ فَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا يَقُولُونَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَ الْمُحْرِمِ الْقَاتِلِ سِلَاحٌ يَقْتُلُ بِذَلِكَ السِّلَاحِ الصَّيْدَ فَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ الْجَزَاءُ عَلَى مَنْ أَعْطَى السِّكِّينَ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَتْلِهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَمَكُّنُهُ بِمَا أُعْطِيَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ كَمَا لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى الدَّالِّ إذَا كَانَ لِلْمَدْلُولِ عِلْمٌ بِمَكَانِ الصَّيْدِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُحْرِمِ الْقَاتِلِ مَا يَقْتُلُ بِهِ الصَّيْدَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْجَزَاءُ عَلَى هَذَا الْمُعِيرِ؛ لِأَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ قَتْلِ الصَّيْدِ كَانَ بِإِعَارَتِهِ السِّكِّينَ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى الْمُعِيرِ لِلسِّكِّينِ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِوَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الصَّيْدَ مَأْخُوذُ الْمُسْتَعِيرِ قَبْلَ إعَارَةِ السِّكِّينِ مِنْهُ، وَكَانَ قَدْ تَلِفَ مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ بِأَخْذِ الْمُسْتَعِيرِ إيَّاهُ حُكْمًا وَبِقَتْلِهِ حَقِيقَةً، فَأَمَّا إعَارَةُ السِّكِّينِ لَيْسَ بِإِتْلَافِ مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ عَلَيْهِ لَا حَقِيقَةً، وَلَا حُكْمًا بِخِلَافِ الدَّلَالَةِ فَإِنَّهُ إتْلَافٌ لِمَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ مِنْ وَجْهٍ حِينَ أُعْلِمَ بِمَكَانِهِ مَنْ لَا يَقْدِرُ الصَّيْدُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ فَإِنَّ امْتِنَاعَ الصَّيْدِ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ يَكُونُ بِجَنَاحِهِ وَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ يَكُونُ بِتَوَارِيهِ عَنْ عَيْنِهِ فَإِذَا أَعْلَمَهُ بِمَكَانِهِ صَارَ مُتْلِفًا مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ حُكْمًا.
(وَالثَّانِي) أَنَّ الْإِعَارَةَ تَتَّصِلُ بِالسِّكِّينِ لَا بِالصَّيْدِ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صَيْدٌ، وَلَا يَتَعَيَّنُ اسْتِعْمَالُهُ فِي حَقِّ قَتْلِ الصَّيْدِ بِخِلَافِ
стр. 876
الْإِشَارَةِ إلَى قَتْلِ الصَّيْدِ فَإِنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِالصَّيْدِ لَيْسَ فِيهَا فَائِدَةٌ أُخْرَى سِوَى ذَلِكَ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِصَيْدٍ هُنَاكَ فَلِهَذَا يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ الْجَزَاءِ بِهَا
وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَسْأَلَةَ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَنَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَأَنْ يُزَوِّجَ وَلِيَّتَهُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ، وَلَا أَنْ يُزَوِّجَ، وَلَوْ فَعَلَ لَمْ يَنْعَقِدْ النِّكَاحُ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ»، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ الْوَطْءُ وَبِسَبَبِ الْإِحْرَامِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ بِدَوَاعِيهِ فَيَحْرُمُ الْعَقْدُ الَّذِي لَا يُقْصَدُ بِهِ إلَّا هَذَا وَهَذَا بِخِلَافِ شِرَاءِ الْأَمَةِ فَإِنَّ الشِّرَاءَ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِلْوَطْءِ بَلْ لِلتِّجَارَةِ وَالْمُحْرِمُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَتَزَوَّجُ الْمَجُوسِيَّةَ، وَلَا أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا حَرُمَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ أَيْضًا وَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ هَؤُلَاءِ، وَحُجَّتُنَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ ﵂، وَهُوَ مُحْرِمٌ»، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ حَلَالٌ»، وَفِي بَعْضِهَا «تَزَوَّجَهَا، وَهُوَ مُحْرِمٌ وَبَنَى بِهَا، وَهُوَ حَلَالٌ وَكُنْتُ أَنَا السَّفِيرَ فِيمَا بَيْنَهُمَا» وَيَتَبَيَّنُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ ﵁ الْوَطْءُ دُونَ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ لِلْوَطْءِ حَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَ مُسْتَعَارًا لِلْعَقْدِ مَجَازًا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى الْكَلَامُ وَاضِحٌ فِي الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّ النِّكَاحَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَالْمُحْرِمُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْمُعَاوَضَاتِ كَالشِّرَاءِ وَنَحْوِهِ، وَلَوْ جُعِلَ عَقْدُ النِّكَاحِ بِمَنْزِلَةِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِهِ، وَهُوَ الْوَطْءُ لَكَانَ تَأْثِيرُهُ فِي إيجَابِ الْجَزَاءِ أَوْ إفْسَادِ الْإِحْرَامِ بِهِ لَا فِي بُطْلَانِ عَقْدِ النِّكَاحِ تَوْضِيحُهُ أَنَّ بَعْدَ الْإِحْرَامِ يَبْقَى النِّكَاحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ صَحِيحًا، وَلَوْ كَانَ عَقْدُ الْإِحْرَامِ يُنَافِي ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ لَكَانَ مُنَافِيًا لِلْبَقَاءِ كَتَمَجُّسِهَا وَالْحُرْمَةِ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ وَلَمَّا لَمْ يُنَافِ بَقَاءَ النِّكَاحِ، فَكَذَلِكَ الِابْتِدَاءُ وَبِهَذَا فَارَقَ شِرَاءَ الصَّيْدِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ اسْتِدَامَةَ الْيَدِ عَلَى الصَّيْدِ فَيَمْنَعُ إثْبَاتَ الْيَدِ بِالشِّرَاءِ ابْتِدَاءً بِخِلَافِ النِّكَاحِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ رَاجَعَهَا، وَهُوَ مُحْرِمٌ كَانَ صَحِيحًا بِالِاتِّفَاقِ وَعَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الرَّجْعَةُ سَبَبٌ يَحِلُّ الْوَطْءُ بِهِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ الْمُحْرِمُ مَمْنُوعًا عَنْهُ، فَكَذَلِكَ النِّكَاحُ وَأَصْلُ كَلَامِهِ يُشْكَلُ بِالظِّهَارِ فَإِنَّ الظِّهَارَ يُحَرِّمُ الْوَطْءَ بِدَوَاعِيهِ، وَلَا يَمْنَعُ الْعَقْدَ ابْتِدَاءً بِأَنْ ظَاهَرَ مِنْهَا، ثُمَّ فَارَقَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَمْنَعُ الْمُحْرِمَ
стр. 877
مِنْ تَزْوِيجِ وَلِيَّتِهِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا تَطَرُّقُ الْمُحْرِمِ إلَى اسْتِبَاحَةِ الْوَطْءِ فَعَرَفْنَا أَنَّ كَلَامَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ضَعِيفٌ جِدًّا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَالَ): - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَغَفَرَ لَهُ: هَذَا آخِرُ شَرْحِ الْعِبَادَاتِ بِأَوْضَحِ الْمَعَانِي وَأَوْجَزِ الْعِبَارَاتِ أَمْلَاهُ الْمَحْبُوسُ عَنْ الْجَمْعِ وَالْجَمَاعَاتِ مُصَلِّيًا عَلَى سَيِّدِ السَّادَاتِ مُحَمَّدٍ الْمَبْعُوثِ بِالرِّسَالَاتِ وَعَلَى أَهْلِهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ. تَمَّ كِتَابُ الْمَنَاسِكِ وَلِلَّهِ الْمِنَّةُ وَلَهُ الْحَمْدُ الدَّائِمُ الَّذِي لَا يَفْنَى أَمَدُهُ، وَلَا يَنْقَضِي عَدَدُهُ.
[كِتَابُ النِّكَاحِ]
(كِتَابُ النِّكَاحِ) (قَالَ): الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إمْلَاءً - اعْلَمْ بِأَنَّ النِّكَاحَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْوَطْءِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: تَنَاكَحَتْ الْعُرَى أَيْ تَنَاتَجَتْ وَيَقُولُ: أَنْكَحْنَا الْعُرَى فَسَنَرَى لِأَمْرٍ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ وَيَنْظُرُونَ مَاذَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ، وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِيهِ هُوَ الضَّمُّ وَمِنْهُ يُقَالُ: أَنْكَحَ الظِّئْرَ وَلَدُهَا أَيْ أَلْزَمَهُ، وَيُقَالُ انْكِحْ الصَّبْرَ أَيْ الْزَمْهُ، وَقَالَ الْقَائِلُ:
إنَّ الْقُبُورَ تَنْكِحُ الْأَيَامَى ... وَالنِّسْوَةَ الْأَرَامِلَ الْيَتَامَى
أَيْ تَضُمُّهُنَّ إلَى نَفْسِهَا وَاحِدُ الْوَاطِئِينَ يَنْضَمُّ إلَى صَاحِبِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَسُمِّيَ فِعْلُهُمَا نِكَاحًا قَالَ الْقَائِلُ
كَبِكْرٍ تُحِبُّ لَذِيذَ النِّكَاحِ
أَيْ الْجِمَاعِ، وَقَالَ الْقَائِلُ
التَّارِكِينَ عَلَى طُهْرٍ نِسَاءَهُمْ ... وَالنَّاكِحِينَ بِشَطَّيْ دِجْلَةَ الْبَقَرَا
أَيْ الْوَاطِئِينَ، ثُمَّ يُسْتَعَارُ لِلْعَقْدِ مَجَازًا إمَّا لِأَنَّهُ سَبَبٌ شَرْعِيٌّ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْوَطْءِ، أَوْ لِأَنَّ فِي الْعَقْدِ مَعْنَى الضَّمِّ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا يَنْضَمُّ بِهِ إلَى الْآخَرِ وَيَكُونَانِ كَشَخْصٍ وَاحِدٍ فِي الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْمَعِيشَةِ. وَزَعَمَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ اسْمَ النِّكَاحِ فِي الشَّرِيعَةِ يَتَنَاوَلُ الْعَقْدَ فَقَطْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] يَعْنِي الِاحْتِلَامَ فَإِنَّ الْمُحْتَلِمَ يَرَى فِي مَنَامِهِ صُورَةَ الْوَطْءِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣] وَالْمُرَادُ الْوَطْءُ، وَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي حُمِلَ عَلَى الْعَقْدِ فَذَلِكَ لِدَلِيلٍ اقْتَرَنَ بِهِ مِنْ ذِكْرِ الْعَقْدِ أَوْ خِطَابِ الْأَوْلِيَاءِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] أَوْ اشْتِرَاطِ إذْنِ الْأَهْلِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْعَقْدِ أَنْوَاعٌ مِنْ الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ مِنْ ذَلِكَ حِفْظُ النِّسَاءِ وَالْقِيَامُ عَلَيْهِنَّ وَالْإِنْفَاقُ، وَمِنْ ذَلِكَ صِيَانَةُ النَّفْسِ عَنْ الزِّنَا، وَمِنْ ذَلِكَ تَكْثِيرُ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى وَأُمَّةِ الرَّسُولِ ﷺ وَتَحْقِيقُ مُبَاهَاةِ الرَّسُولِ
стр. 878
- ﷺ بِهِمْ كَمَا قَالَ: «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا تَكْثُرُوا فَإِنِّي مُبَاهٍ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَسَبَبُهُ تَعَلُّقُ الْبَقَاءِ الْمَقْدُورِ بِهِ إلَى وَقْتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ بِبَقَاءِ الْعَالَمِ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ وَبِالتَّنَاسُلِ يَكُونُ هَذَا الْبَقَاءُ.
وَهَذَا التَّنَاسُلُ عَادَةً لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا إلَّا بِالْوَطْءِ فَجَعَلَ الشَّرْعُ طَرِيقَ ذَلِكَ الْوَطْءِ النِّكَاحَ؛ لِأَنَّ فِي التَّغَالُبِ فَسَادًا، وَفِي الْإِقْدَامِ بِغَيْرِ مِلْكٍ اشْتِبَاهَ الْأَنْسَابِ، وَهُوَ سَبَبٌ لِضَيَاعِ النَّسْلِ لِمَا بِالْإِنَاثِ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ الْعَجْزِ عَنْ التَّكَسُّبِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَى الْأَوْلَادِ فَتَعَيَّنَ الْمِلْكُ طَرِيقًا لَهُ حَتَّى يُعْرَفَ مَنْ يَكُونُ مِنْهُ الْوَلَدُ فَيُوجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ لِئَلَّا يَضِيعَ، وَهَذَا الْمِلْكُ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَصْلُ حَالِ الْآدَمِيِّ مِنْ الْحُرِّيَّةِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِطَرِيقِ النِّكَاحِ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا: إنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ الْبَقَاءُ الْمَقْدُورُ بِهِ إلَى وَقْتِهِ. ثُمَّ هَذَا الْعَقْدُ مَسْنُونٌ مُسْتَحَبٌّ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ وَاجِبٌ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ بِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَكَّافِ بْنِ خَالِدٍ أَلَكَ امْرَأَةٌ، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ ﷺ تَزَوَّجْ فَإِنَّكَ مِنْ إخْوَانِ الشَّيَاطِينِ»، وَفِي رِوَايَةٍ «إنْ كُنْتَ مِنْ رُهْبَانِ النَّصَارَى فَالْحَقْ بِهِمْ وَإِنْ كُنْت مِنَّا فَتَزَوَّجْ فَإِنَّ الْمُهَاجِرَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ مَاتَ وَلَهُ زَوْجَةٌ أَوْ زَوْجَتَانِ أَوْ ثَلَاثُ زَوْجَاتٍ»، وَلِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْ الزِّنَا فَرْضٌ، وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِالنِّكَاحِ، وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْفَرْضِ إلَّا بِهِ يَكُونُ فَرْضًا.
وَحُجَّتُنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ أَرْكَانَ الدِّينِ مِنْ الْفَرَائِضِ وَبَيَّنَ الْوَاجِبَاتِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ جُمْلَتِهَا النِّكَاحَ، وَقَدْ كَانَ فِي الصَّحَابَةِ ﵃ مَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ، وَالصَّحَابَةُ ﵃ فَتَحُوا الْبِلَادَ وَنَقَلُوا مَا جُلَّ وَدُقَّ مِنْ الْفَرَائِضِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا مِنْ جُمْلَتِهَا النِّكَاحَ وَكَمَا يُتَوَصَّلُ بِالنِّكَاحِ إلَى التَّحَرُّزِ عَنْ الزِّنَا يُتَوَصَّلُ بِالصَّوْمِ إلَيْهِ، قَالَ ﷺ «يَا مَعْشَرَ الشُّبَّانِ عَلَيْكُمْ بِالنِّكَاحِ فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ فِي حَقِّ مَنْ تَتُوقُ نَفْسُهُ إلَى النِّسَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَصْبِرُ عَنْهُنَّ وَبِهِ نَقُولُ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَا يَسَعُهُ تَرْكُ النِّكَاحِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَالنِّكَاحُ سُنَّةٌ لَهُ قَالَ ﷺ «ثَلَاثٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ النِّكَاحُ وَالتَّعَطُّرُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» وَقَالَ ﷺ «، النِّكَاحُ سُنَّتِي فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي أَيْ لَيْسَ عَلَى طَرِيقَتِي».
وَلِهَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى -: النِّكَاحُ أَفْضَلُ مِنْ التَّخَلِّي لِعِبَادَةِ اللَّهِ فِي النَّوَافِلِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - التَّخَلِّي لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ إلَّا أَنْ تَتُوقَ نَفْسُهُ إلَى النِّسَاءِ، وَلَا يَجِدُ الصَّبْرَ عَلَى التَّخَلِّي لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَاسْتَدَلَّ
стр. 879
بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] فَقَدْ مَدَحَ يَحْيَى ﷺ بِأَنَّهُ كَانَ حَصُورًا وَالْحَصُورُ هُوَ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِتْيَانِ فَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ مِنْ جِنْسِ الْمُعَامَلَاتِ حَتَّى يَصِحَّ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، وَالْمَقْصُودُ بِهِ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبْعُ فَيَكُونُ بِمُبَاشَرَتِهِ عَامِلًا لِنَفْسِهِ، وَفِي الِاشْتِغَالِ بِالْعِبَادَةِ هُوَ عَامِلٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِمُخَالَفَةِ هَوَى النَّفْسِ، وَفِيهِ اشْتِغَالٌ بِمَا خَلَقَهُ اللَّه تَعَالَى لِأَجْلِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَكَانَ هَذَا أَفْضَلَ إلَّا أَنْ تَكُونَ نَفْسُهُ تَوَّاقَةً إلَى النِّسَاءِ فَحِينَئِذٍ فِي النِّكَاحِ مَعْنَى تَحْصِينِ الدِّينِ وَالنَّفْسِ عَنْ الزِّنَا كَمَا قَالَ عُمَرُ ﵁: أَيُّمَا شَابٍّ تَزَوَّجَ فَقَدْ حَصَّنَ ثُلُثَيْ دِينِهِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ فِي الثُّلُثِ الْبَاقِي فَلِهَذَا كَانَ النِّكَاحُ أَفْضَلَ فِي حَقِّهِ.
وَحُجَّتُنَا قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ كَانَ عَلَى دِينِي وَدِينِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ ﵉ فَلْيَتَزَوَّجْ»، وَقَدْ اشْتَغَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّزْوِيجِ حَتَّى انْتَهَى الْعَدَدُ الْمَشْرُوعُ الْمُبَاحُ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ نَفْسَهُ كَانَ تَوَّاقَةً إلَى النِّسَاءِ فَإِنَّ هَذَا الْمَعْنَى يَرْتَفِعُ بِالْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَمَّا لَمْ يَكْتَفِ بِالْوَاحِدَةِ دَلَّ أَنَّ النِّكَاحَ أَفْضَلُ وَالِاسْتِدْلَالُ بِحَالِ الرَّسُولِ ﷺ أَوْلَى مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِحَالِ يَحْيَى ﵇ مَعَ أَنَّهُ كَانَ فِي شَرِيعَتِهِمْ الْعُزْلَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْعِشْرَةِ، وَفِي شَرِيعَتِنَا الْعِشْرَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْعُزْلَةِ كَمَا قَالَ ﷺ «لَا رَهْبَانِيَّةَ فِي الْإِسْلَامِ»، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ النِّكَاحَ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَصَالِحَ جَمَّةٍ فَالِاشْتِغَالُ بِهِ أَوْلَى مِنْ الِاشْتِغَالِ بِنَفْلِ الْعِبَادَةِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ ﵃. وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِهَذَا الْعَقْدِ قَضَاءَ الشَّهْوَةِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَسْبَابِ الْمَصْلَحَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ بِهِ قَضَاءَ الشَّهْوَةِ أَيْضًا لِيُرَغِّب فِيهِ الْمُطِيعَ وَالْعَاصِيَ الْمُطِيعَ لِلْمَعَانِي الدِّينِيَّةِ وَالْعَاصِيَ لِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَارَةِ، فَفِيهَا قَضَاءُ شَهْوَةِ الْجَاهِ، وَالنُّفُوسُ تَرْغَبُ فِيهِ لِهَذَا الْمَعْنَى أَكْثَرَ مِنْ الرَّغْبَةِ فِي النِّكَاحِ حَتَّى تُطْلَبَ بِبَذْلِ النُّفُوسِ وَجَرِّ الْعَسَاكِرِ لَكِنْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِهَا قَضَاءَ شَهْوَةِ الْجَاهِ بَلْ الْمَقْصُودُ قَضَاءُ إظْهَارِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَرَنَ بِهِ مَعْنَى شَهْوَةِ الْجَاهِ لِيُرَغِّبَ فِيهِ الْمُطِيعَ وَالْعَاصِيَ فَيَكُونَ الْكُلُّ تَحْتَ طَاعَتِهِ وَالِانْقِيَادِ لِأَمْرِهِ مَعَ أَنَّ مَنْفَعَةَ الْعِبَادَةِ عَلَى الْعَابِدِ مَقْصُورَةٌ، وَمَنْفَعَةُ النِّكَاحِ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى النَّاكِحِ بَلْ تَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ وَمَا يَكُونُ أَكْثَرَ نَفْعًا فَهُوَ أَفْضَلُ
قَالَ ﷺ «خَيْرُ النَّاسِ مَنْ يَنْفَعُ النَّاسَ» إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ بَدَأَ الْكِتَابُ، فَقَالَ: بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا عَلَى خَالَتِهَا، وَلَا عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا، وَلَا عَلَى
стр. 880
بِنْتِ أُخْتِهَا، وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ رَازِقُهَا»، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرْوِيه رَجُلَانِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ ﵄، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِلُغَةِ الْعُلَمَاءِ بِالْمَقْبُولِ، وَالْعَمَلُ بِهِ وَمِثْلُهُ حُجَّةٌ يَجُوزُ بِهِ الزِّيَادَةُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حُرْمَةِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا النَّهْيَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ، وَهَذَا أَبْلُغُ مَا يَكُونُ مِنْ النَّهْيِ كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ يَكُونُ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الْآيَةُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، ثُمَّ ذُكِرَ هَذَا النَّهْيُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ إمَّا لِلْمُبَالَغَةِ فِي بَيَانِ التَّحْرِيمِ أَوْ لِإِزَالَةِ الْإِشْكَالِ فَرُبَّمَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ نِكَاحَ بِنْتِ الْأَخِ عَلَى الْعَمَّةِ لَا يَجُوزُ وَنِكَاحَ الْعَمَّةِ عَلَى بِنْتِ الْأَخِ يَجُوزُ لِتَفْضِيلِ الْعَمَّةِ كَمَا لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ وَيَجُوزُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ عَلَى الْأَمَةِ فَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُبُوتَ هَذِهِ الْحُرْمَةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَقَوْلُهُ «لَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا» نَهْيٌ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ وَلَهُ تَأْوِيلَانِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْأُخْتَ دِينًا بِأَنْ تَكُونَ امْرَأَتَانِ تَحْتَ رَجُلٍ، وَهُوَ يُحْسِنُ إلَيْهِمَا فَتَجِيءُ إلَى الزَّوْجِ إحْدَاهُمَا وَتَقُولُ: طَلِّقْ صَاحِبَتِي لِيَتَحَوَّلَ نَصِيبُهَا إلَيَّ، هَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلتَّحَاسُدِ وَالتَّنَافُرِ، وَقَالَ ﷺ «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا» أَوْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْأُخْتَ نَسَبًا بِأَنْ تَأْتِيَ الْمَرْأَةُ إلَى زَوْجِ أُخْتِهَا وَتَقُولَ: فَارِقْهَا وَتَزَوَّجْنِي فَإِنِّي أَوْفَقُ لَكَ، وَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ بَيْنَهُمَا، وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ مِنْ الْمَلَاعِنِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ ﷺ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، فَقَالَ: «إنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَّعْتُمْ أَرْحَامَهُنَّ»، وَمَعْنَى قَوْلِهِ «لِتَكْتَفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا» أَيْ لِتُحَوِّلَ نَصِيبَهَا إلَى نَفْسِهَا.
وَرُوِيَ لِتُكْفِئَ وَكِلَاهُمَا لُغَةٌ يُقَالُ كَفَأْتُ الْقِدْرَ وَأَكْفَأْتُهَا إذَا أَمَلْتُهَا وَأَرَقْتُ مَا فِيهَا، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «لِتَكُفَّ مَا فِي صَحْفَتِهَا»، وَمَعْنَاهُ لِتَقْنَعَ بِمَا آتَاهَا اللَّهُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ رَازِقُهَا وَالصَّحْفَةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْحَظِّ وَالنَّصِيبِ، وَقَدْ اشْتَمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى الْحَتْمِ وَالْوَعْظِ وَالنَّدْبِ فَإِنَّ قَوْلَهُ «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ رَازِقُهَا» وَعْظٌ، وَقَوْلُهُ لَا تَسْأَلُ نَدْبٌ؛ لِأَنَّهَا لَوْ فَعَلَتْ ذَلِكَ جَازَ، وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَفْعَلَهُ، وَقَوْلُهُ «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا» حَتْمٌ حَتَّى إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ النِّكَاحُ عِنْدَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْأُخْتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ بِالنَّصِّ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، وَهَذَا نَاسِخٌ لَمَا يُتْلَى فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وَنَسْخُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ الْحَدِيثُ صَحِيحٌ مَقْبُولٌ وَالْعَمَلُ بِهِ وَاجِبٌ فَلِكَوْنِهِ مَشْهُورًا نَقُولُ يَجُوزُ نَسْخُ
следующие страницы →