← Адаб

Адаб · id 5428

التطفيل وحكايات الطفيليين

الخطيب البغدادي

Полный текст (132 стр.). Показаны 106–132 · переход к 111.

стр. 106

يقعد إِلَى أَن يقوم. والمكاري منذ يقعد إِلَى أَن يقوم: أكرينا بدانق, أكرينا بدانقين, أكرينا بنصف درهم, فلا يزال أكرينا إِلَى درهم وأكثر, ويحتاج الحمار إلى نصف درهم مكوك شعير, حمل قت؛ فيذهب النهار أجمع بالفضول. والخياط منذ يقعد إِلَى أَن يقوم فَهُوَ فِي غيبة النَّاس وذكرهم بالردي؛ فُلان يحب فلانة, وفلانة تحب فلانًا, وقطعنا لفلانة المغنية يتعشقها فُلان قطع لَهَا ثوب قصب ملحفة بعث إِلَيْهَا بثوب مروي مرتفع؛ فلا يزل فِي غيبة النَّاس منذ يقعد إِلَى أَن يقوم الماص لما يكره من أمه. والدلال: بعنا دار فُلان بكذا, وبعنا جارية فُلان بكذا, وفلانة مقنعة, وفلان مقنع؛ فمنذ يقعد إِلَى أَن يقوم فِي غيبة الْمُسْلِمِينَ, وحبس المحتسب فلانًا وفلانة, فيقطع المجلس بِهَذَا ونحوه. يا أَخِي! فدتك نفسي! لا تصحب من هَؤُلاءِ السفل أحدًا فيذهبون بجاهك عِنْدَ إخوانك وأهل الثقة من أَصْحَابك, أصحب - فدتك نفسي- بزازًا عطارًا صيرفيا أنماطيًا قطانًا دقاقًا صيدلانيًا. هَؤُلاءِ مثل ابن كاتب, قال ابْن قائد؛ وَهَذَهِ وصيتي لَك.

стр. 107

قَوْله فِي تقديم الوقت لحضور الدعوة أنبأنا الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد الرافقي, أَخْبَرَنَا عَلِي بْن مُحَمَّد بن السري, أخبرنا الحسن بْن الْحَسَن المقرئ, قَالَ: أوصى بنان رجلًا, فَقَالَ: إِذَا دعيت إلى وليمة إِن شاء اللَّه فإياك ثُمَّ إياك أَن تتأخر إِلَى آخر الوقت, وتشاغل وتسترخي وتثاقل وتقول: الساعة, وإلى ساعة, وإيش فاتني؟ وبعد مَا جاء أحد, وَمَا لي أكون من السبق؟ وَلَمْ أكون أنا أول النَّاس؟ ومثل هَذَا وأشباهه؛ فيخطئ حظك, ويسيء اختبارك, ويضيع يومكً؛ وَهَذَا فعال الحمقى القليلي الحزم. وإذا دعاك صديق لَك فاستخر اللَّه, وكن من السبق وأول من يوافي؛ وأقبل وصيتي, فإنك ترشد وتبين الصلاح إِن شاء اللَّه. اعلم أَنَّهُ لَيْسَ يجيء فِي أول الأوقات إلا جلة النَّاس وسراتهم: كاتب, وبزاز, وعطار, وسراج, وأنماطي, ونحوهم؛ فقعودك مَعَ مثل هَؤُلاءِ فائدة, وأنت معهم آمن مطمئن مسرور, تسمع كُل حَدِيث حسن وخبر ظريف, وأنت ريح البدن, واسع الموضع, طيب المكان, قاعد مَعَ هَؤُلاءِ عَلَى أول مائدة؛ الزم هذه الطبقة لا يزايل سوادك بياضهم فتهلك, وأنت إن لن تربح لم تخسر؛ وقعودك عَلَى أول مائدة فِيهِ خصال كثيرة محمودة؛ أعلم يا مغفل أنك تأكل رؤوس القدور وكل شَيْء كثير, والقدور ملأى, والماء بارد, والخباز نشيط, ورب المنزل فرح مسرور, وكل شَيْء من أمرك مستور, موضعك واسع, وأنت مَعَ قوم كأنهم الدنانير

стр. 108

أحيى من الأبكار يعقلون إيش يأكلون, لا تخفى عَلَيْهِم طيب الأطعمة ولذيذ الأشربة , فالأكل مَعَ هَؤُلاءِ غنيمة وسلامة, وتتهنأ بكل شَيْء تأكل وتشرب, وإذا أسرعت فِي ذهابك فرجت عَن صاحب الوليمة بسرعتك, وَلَمْ تقلق قلبه وقضيت واجب حقه, وإن تأخرت أَوْ تكاسلت إِلَى آخر الوقت فَقَدْ عطبت وهلكت وضيعت وتوانيت, أعلم أنك تصادف الطعام باردًا وَهُوَ فضلات القدور, والرقاق بقايا عجين قَدِ استعملوا الجيد, والماء سخنًا, وصاحب الوليمة ضجرًا متبرمًا, فيحمك فِي ذَلِكَ الوقت فِي الاحتراق. واعلم يا أَخِي أَن آخر مائدة يضيق عَلَيْهِم الطعام ويقل؛ لأن حكم المائدة عشرة, فيقعد ثلاثون, ولا يقدر الرجل أَن يأكل من اللون أَكْثَر من لقمة لقلته وكثرة الأيدي عَلَيْهِ, فموضعك أضيق من جوفك, فَإِذَا قَالَ لَهُمْ صاحب الوليمة: قوموا! سارعوا إِلَى الخوان, فانبسطوا فِي ميدان المضغ, ورفعوا قناع الحشمة, وألزقوا الأكتاف بالأكتاف كأنهم بنيان مرصوص, يأكلون ميمنة وميسرة وقلبًا, وتدور أيديهم عَلَى الخوان شرقيًا وغربيًا, وتسمع للقوم فِي حلوقهم معممة, وَذَلِكَ أَنَّهُ لا يقعد عَلَى آخر مائدة إلا ضعفى الجيران ومساكين المحلة والقوام, فَإِن كَانَ لَهُمْ جداء وحملان فليس يقدم- يَعْنِي إليهم- إلا شرها؛ يقدم الجدي أضلاع بلا لحم فوقه جلد وحوله خس وهندبا, كَأَنَّهُ كوخ ناطور قَدْ وقع خشبه وبقي القصب قائمًا, فإيش يَكُون حال من يَكُون لَهُ أدنى مروءة مَعَ هَؤُلاءِ؟ لا يأكل قليلًا ولا كثيرًا, فيقوم من الخوان وفؤاده أخلى من فؤاد أم موسى, جايع نايع مَا مَعَهُ من العرس إلا شم الطعام وتمشيش العظام, وإنما شرحت لَك لتفهم. واعلم أني قَدْ نصحتك غاية النصيحة, وبينت

стр. 109

لَك مَا بَيْنَ سُفْيَان الثَّوْرِي فِي جامعه, فأفهم تعلم, وتعلم بأدب متعك اللَّه بسعة الصدر, وطيب الأكل والصبر عَلَى المضغ, إنها دعوة مغفول عَنْهَا.

стр. 110

قَوْله فِي تخير المواضع وَقَالَ بنان: إِذَا دعاك صديق لَك فأقعد يمنة الْبَيْت, فإنك ترى كُل مَا تحب, وأنت تسودهم فِي كُل شَيْء, وتسبقهم إِلَيْهِ, وأنت أول من يغسل يده, والخوان بَيْنَ يديك, وأول القنينة أَنْتَ تشربه, والبقل الجيد يوضع قدامك, وأول من يتبخر أَنْتَ, وإذا خرجت إِلَى الخلاء لا تحتاج إلى أن تحظاهم ذاهبًا وجائيًا, وأنت فِي كُل سرور حَتَّى تنصرف.

стр. 111

قَوْله فِي صنوف الأطعمة وأنواع الأكل أنبأنا الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد الرافقي, أَخْبَرَنَا عَلِي بْن مُحَمَّد بن السري, أخبرنا بْن الْحَسَن المقرئ, قَالَ: سمعت بنانًا يَقُول: أطيب مَا يَكُون الباذنجان فِي السكباج والحصرمية والمضيرة والكشكية, وأطيب مَا يَكُون لحم الحمل: فِي العدسية والمضيرة والحصرمية والكشكية. وقا بنان: عصعص عنز خير من قدر باقلاء.

стр. 112

قَالَ: وسمعت بنانًا يَقُول: الأكل مَعَ الإخوان يهضم, والأكل مَعَ الثقلاء يتخم. أنبأنا الرافقي, أَخْبَرَنَا ابْن السري, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن المقرئ, قَالَ: سمعت جَعْفَر بْن يَحْيَى المدائني, يَقُول: حَدَّثَنِي صديق لي, قَالَ: كنت مَعَ بنان عَلَى مائدة, فَقَالَ لي: لا تخالفني عَلَى كُل مَا أقول لَك؛ فأتينا بقصعة عَلَيْهَا السميذان, فَقَالَ لي: كُل من الأحمر فَإِن فِيهِ طعمين؛ طعم السكر وطعم الزعفران - وَلَمْ يدعني آكل غيره- وبق نفسك. ثُمَّ أتينا بالهريسة, فَقَالَ لي: كُل منها لقمة أَوْ لقمتين أَوْ ثلاثة ثُمَّ أتينا بالزيرباج الأحمر, فَقَالَ لي: كُل لقمة أَوْ لقمتين ولا تكثر, وأولغ بِهَذَا الخبز اليابس- يَعْنِي الَّذِي فِي القلية-؛ ثُمَّ أتينا بالبقلية, فَقَالَ لي: كل لقمة أو لقميتن. ثُمَّ أتينا بالشواء , فَقَالَ لي: لا تأكل منه شيئًا وبق نفسك؛ فَإِن فِي كُل يَوْم نصيب الشواء بدانق يقوم مقام ذا ويكيفيك. ثُمَّ أتينا بالفالوذج- وَكَانَ كثيرًا شبيهًا بالصومعة- فَقَالَ لي: ائت من تَحْتَ حَتَّى ينهار. ففعلت, فَقَالَ لي: كُل وأكثر, فإنك لا ترى هَذَا فِي كُل يَوْم. ثُمَّ أتينا باللوزينج فَقَالَ لي: أزوج وثلث, فَإِن مت فِي ذا مت شهيدًا. ثُمَّ أتينا بطبق عَلَيْهِ دجاج مسمن مشوي, فأكل أكل اثنين أَوْ ثلاثة, وَقَالَ لي: كُل ولا تقصر, فَإِن قيمة هذه ثلاثة دنانير, ولا تأكل إلا مَا لَهُ قيمة.

стр. 113

فأكل هُوَ اثنين وأكلت أنا ثلاثة؛ أَوْ كَمَا قَالَ. أنبأنا الرافقي, أَخْبَرَنَا ابْن السري, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن المقرئ, حَدَّثَنِي جَعْفَر بْن مُحَمَّد الكوفي, قَالَ: كنت مَعَ بنان فِي وليمة لرجل نبيل ومعنا جَمَاعَة من الكتاب عَلَى مائدة, فكان قدام رجل منا دجاجة مسمنة, فضرب يده, فأخذها من قدام الرجل, فَقُلْتُ لَهُ: يا بنان! مَا هَذَا؟! أتفعل هكذا!؟ قَالَ: إنه أصلحك اللَّه مشاع غَيْر مقسوم. أنبأنا الرافقي, أَخْبَرَنَا ابْن السري, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن, قَالَ: قيل لبنان: مَا تقول فِي الفالوذنج؟ فَقَالَ: هُوَ والله من طَعَام أهل الْجَنَّة, فِي الدنيا أحد يرجع إِلَى عقل ومعرفة يسأل عَن هَذَا يا مغفل؟ كُل أبدًا حَتَّى تموت, فَإِن مُتَ مت شهيدًا, ورفع أجرك إِلَى اللَّه . وَقَالَ بنان: كثرة المضغ تشد العمور, وتقوي الأسنان, وتدبغ اللثة, وتغدو أصولها. أنبأنا الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد الرافقي, أَخْبَرَنَا عَلِي بْن مُحَمَّد بْن السري, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن المقرئ, قَالَ: قَالَ لي وصيف البنا: كَانَ بنان يجيئني فِي عرس, فَقُلْتُ لَهُ: ضيقت عَلِي!

стр. 114

فَقَالَ لي: إِن لَمْ أنفعك لَمْ أضرك؛ فعطشت, فَقَالَ لي: ارفع رأسك إِلَى فَوْقَ وتنفس ثلاثًا, فَإِنَّهُ ينزل مَا أكلت. أنبأنا الرافقي, أَخْبَرَنَا ابْن السري, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن, قَالَ: سمعت بنانا يَقُول: نقصان لونين وماء بارد فَهُوَ أحب إلي. قَالَ أَبُو الْحَسَن بنان: وإذا قمت من المائدة وقد تعذيت فأقعد فِي وسط الدار يضربك الهواء, وادع بالشراب, فَإِن أتوك بنبيذ فَهُوَ أحب إلي رطلًا أَوْ رطلين, ولا تصب فِيهِ ماء, وإن أتوك بفقاع فلا تكثر منه فَإِن كثرته تغثي, وإن حلفوا عليك فأدخلوك الْبَيْت فلا تقعد فِي الصدر؛ فَإِن القعود فِي الصدر قعود مغن أَوْ مخرف, إِن أردت أَن تقضي حاجة أَوْ تبول يصعب عليك القيام, وتستحي مِمَّن فِي المجلس من قيامك وقعودك, قاقعد بجنب الباب؛ وإن كَانَ فِي الْبَيْت فاكهة كثيرة, فاجذب منها إليك ولا تأمن أَن تذهب وتبقى أَنْتَ بلا شَيْء. ولا تكن أَنْتَ الساقي, وكن ذنبًا ولا تكن رأسًا. وإن كَانَ فِي المجلس مغنية وغلام حسن الوجه, فاتق اللَّه فِي نفسك ولا تولع بواحد منهم والزم العافية, وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي كتابه: (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (٢٠ سورة طه الآية: ١٣١) . وإذا دار النبيذ فِي الأقداح, فأنظر خير نبيذ يَكُون فِي مجلسك, فخذ قنينة وقدحًا وأشرب وحدك, وإذا رأيتهم يخلطون فِي

стр. 115

حَدِيثهم, وإذا كَانَ فِي المجلس خمر, فاتق اللَّه ولا تشرب منه, ولا تقعد فِي مكان يكون فِي مكان يَكُون فِيهِ؛ وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْمُغِيرَةِ, وَعَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ الرَّازِيُّ؛ كُلُّهُمْ يرويه عَنْ مُعَاوِيَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فاجلدوه, وإن عاد فاقتلوه" (راجع مسند أحمد) رقم: ١٦٨٦٤) , يا أَخِي! وإياك إياك أَن تسكر, وأن يرى الْقَوْم منك زلة أَوْ كلمة غلط, فيحتكم بِهَا عليك؛ ولعلك مستور فِي جيرانك, فتخرج وَقَدِ انهتك سترك عندهم؛ ولعلك إمام أَوْ مؤذن, فَهُوَ الفضيحة الَّتِي لا تجبرها أبدًا. وعليك بخبر حسن, أَوْ حَدِيث حسن, فإنهم كلهم يميلون إليك وتصير سيدهم. وإن خلطت وولعت ومزحت, فإنما هُوَ صفع كُلهُ وعداوة بَيْنَ جيرانك لا تجبرها أبدًا. وإياك يا أَخِي أن تسكر, فَإِن خشيت من نفسك السكر فقم وأنت صحيح وعقلك معك, ولا تأمن الحدثان, سلمنا اللَّه وإياك يا أَخِي من آفات الدنيا والآخرة. فاقبل وصيتي فإنك ترشد إِن شاء اللَّه. قَالَ: وكنى بنان آلة الطعام, فَقَالَ: الجفنة: أم كثير, الخوان: أَبُو جامع, الطست والإبريق: بشر وبشير, الطيفورية: أم روح, الغضارة: أم الفرح, منديل الغمر: أَبُو اليسير.

стр. 116

وكنى بنان الخبز الحواري: أَبُو نعيم, والخشكار: أَبُو جَابِر, والسميذ: أَبُو السرور, ويقال: أَبُو الْمَلِك, اللحم: أَبُو عَاصِم, البقل: أَبُو جميل, الخل: أَبُو ثقيف, الحمل: أَبُو حميد, الجدي: أَبُو حبيب, الدجاجة: أم الخير, البطة: أم عَمْرو, الرأس: أَبُو الرجاء, الكارع: أبو الغشا, الجبن: راشد الخانق, الزيتون: خنافس الخوان, الصحناء: أم البلايا, الماحمص: أَبُو حفيص, الماباقلى: أَبُو رياح, الفالوذج: أَبُو العلا, الخبيص: أَبُو رزين, اللوزينج: قبور الأطفال, القطائف: قبور الشهداء, العصيدة: أم سهل, الماء: أَبُو الغيث, النديم: أَبُو الكمال, المجلس: أَبُو محمود, المنارة والسراج: أَبُو صياح, الخلال: كتاب العزل, الأشنان: أَبُو اليأس. أبنأنا الرافقي, أَخْبَرَنَا ابْن السري, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن, قَالَ: أتى بَعْض الشعراء بنانًا عِنْدَ موته فقال: يا أيها الميت الذمي ... م لدى الأقارب والأباعد من للهرايس إذ فقد ... ت وللثرائد والعصائد

стр. 117

وحضور أيام الولا ... ئم والقعود عَلَى الموائد والأكل مَا قدرت علي ... هـ يداك من حار وبارد قَدْ كنت تلتقم الرؤو ... س إِذَا خلوت وَفِي الشواهد وتعيث في مال الصدي ... ق كوارث فِي مال والد أظننت أنك سوف تخ ... لد وابن آدم غَيْر خَالِد أنشدني رئيس الرؤساء جمال الورى شرف الوزراء أَبُو القاسم عَلِي بْن الْحَسَن بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عُمَر لأبي عَبْد اللَّهِ البناني يرثي بَعْض الطفيليين: أبكي لفقدك عِنْدَ كُل غداء ... ولطيب أكلك عِنْدَ كُل عشاء يا شيخ أهل الأكل غَيْر مدافع ... لو كنت تسمع أَوْ تجيب ندائي لو تستطيع لَك الموائد فدية ... لفدت؛ وكيف ولات حِينَ فداء من للجواذب والرقاق ومن لأق ... راص السميذ ومن لخبز الماء وبوارد برد الغليل يحسنها ... كالروض أضحكه بكاء سماء محمرة بالخل فِي جنباتها ... مخضرة بالبقل والقثاء أبكيك للحمل السمين وتارة ... أبكي عليك لدخلة ألياء وكذاك للجدي الرضيع مبزرًا ... وصفاير يتبعن جنب شواء أبكيك للمبسوطة الصفراء ... تأتي أمام هريسة بيضاء لهفي عليك إذا العزوف تتابعت ... لهفا يديم تنفس الصعداء عمت مصيبتك البسيطة والورى ... طرًا عموم حنادس الظلماء من للثريد إِذَا ارتوى من دهنه ... فِي الصحن ري سحابة وطفاء

стр. 118

وتكللت جنباته بمجزع ... ذَات السديف بِهِ عَلَى الأرجاء أمن يفسر كُل مشكل أكلة ... أعيت عَلَى الندماء والأكلاء قرحت عيون النرجسية بعده ... شوقًا إِلَى الكشكية الخضراء وتبارتا أسفا عليك ولوعة ... وكذاك شرط تفرق القرناء زلت بمصرعك الولائم واغتدى الت ... طفيل رهن كآبة وبكاء أبقيت فِي قلب القطائف حسرة ... لا يستقل بِهَا صباح مساء هيهات أن تنسى اهتشاشك نحوها ... بطويل باعك واليد الرعشاء ولرب يَوْم أيوم أفنيت فِي ... علم الطعام وليلة ليلاء لطعم الخوان وَقَدْ نعيت تحرقًا ... واستعبر الطنجير للحلواء وتجرع الجواذب ثكلك وانثنى ... يثني بفضلك عَن أَبِي الصهباء أما وَقَدْ غالتك غائلة الردى ... فليأمن الحيوان سفك دماء يا قانص الفروج من سفوده ... قنصتك كف آذنت بفناء عفت المطابخ والقدور وأعفيت ... فِيهَا طهاتك بَعْد طول عناء وتركت أنضاء المغارف ظلعًا ... حسرى من الأنفال والإعياء لا غرو إِن كشف المروس رأسه ... حزنًا عليك وشق كُل رداء قَدْ كنت تصفيه المودة والهوى ... وتخصه بمودة دولاء إِن كَانَ ضعضعك الزَّمَان فطالما ... أودى بكل مصمم أباء لا تبعدان وَقَدْ بعدت وكل ذي ... قرب رهين تباعد وتنائي وسقى ثراك مجلجل واهي العرى ... يحمي عليه يدهن كُل سلاء وازداد قبرك جونة مشحونة ... تسعى إليك بِهَا يد الوصفاء ومؤانساك أوزة وأرزة ... صينت عن الأدناس والأقذاء فلقد تركت العرس بعدك مأتما ... وأقمت سوق الحزن والبرحاء واها فَإِن مصابنا بك كاف مف ... تاح الهموم وغاية الضراء خذها إليك مسيحة سيارة ... تنبيك عَن عهد وحسن وفاء

стр. 119

مجموع أخبار بنان أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد العتيقي, أَخْبَرَنَا سهل بْن أَحْمَد بْن سهل الديباجي, أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر ابْن الأنباري, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مَنْصُور, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عَلِي قَالَ: قَالَ رجل لبنان الطفيلي: ادع لي. قَالَ: فرفع يديه, وَقَالَ: من اللَّه عليك بصحة الجسم, وكثرة الأكل, ودوام الشهوة, ونقاء المعدة؛ وأمتعك بضري طحون, ومعدة هضوم, مَعَ السعة والدعة والأمن والعافية؛ ثُمَّ قَالَ: هذه دعوة مغفول عَنْهَا. أنبأنا الرافقي, أَخْبَرَنَا ابْن السري, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن, قَالَ: سمعت بنانًا يَقُول: رأيت ابني يومًا يتلمظ, فجعلت أعوذه, وقلت: أرجو أَن يَكُون خلفًا صالحًا؛ يَعْنِي فِي التطفيل. قَالَ: وسمعت بنانًا يَقُول: مَا فِي الدنيا أَحْسَن من صنعتي, أنا أطفل منذ ثلاثين سنة مَا أسلموا إلي صبيا قط. قَالَ: وسمعت بنانًا يَقُول: اصطناع الوليمة إِذَا لَمْ يعملها فهو عيب واحد, وإذ عملها فَهِيَ عيوب كثيرة.

стр. 120

قَالَ: وسمعت بنانًا يَقُول: الشر والاختلاف في الوليمة أحد المصيبتين. قَالَ: وأتى بنان قومًا ليدخل إليهم, فَقَالُوا لَهُ: من أَنْتَ؟ قَالَ: الَّذِي كفيتكم مؤنة الإرسال إلي. قَالَ: وقيل لبنان: أي الطعام وجدت أطيب؟ قَالَ: مَا اتسع صدر صاحبه. قَالَ: وسمعت بنانًا يَقُول: سبعة يضنين, بَل يقتلن: إِذَا كَانَ صاحب الوليمة بخيلًا, والبواب كذابًا صلفا, والقيم عَلَى النَّاس بغيضًا يسيء الأدب, والخباز لا يحسن يعمل الطعام وَكَانَ قذر الكف, والمائدة حتى توضع, وجيء الإخوان, والمجلس لَيْسَ فِيهِ غناء ولا نبيذ كالبيت الخرب. وسبعة يزدن صاحب الوليمة سرورًا وفرحًا بِمَا هُوَ فِيهِ: إِذَا كَانَ سخيًا جوادًا كريمًا لَمْ يسأل شيئًا إلا جاد بِهِ, والحاجب إِذَا كَانَ ظريفًا لبيبًا, والوكيل- أَوْ قَالَ: القيم- إِذَا كَانَ عاقلًا حسن الأدب ينزل النَّاس منازلهم ويرتبهم, والخباز إِذَا كَانَ طيب العمل نظيف الكف, وغلام عاقل يضحك فِي وجوه النَّاس ويحثهم عَلَى الأكل, والمائدة إِذَا وضعت وَكَانَ معك من تحبه ويحبك يأكل معك, وليس يجيئك ثقيل ولا بغيض فيزحمك أَوْ يؤذيك, ويجيء أَصْحَابك العقلاء الَّذِي يعرفون حقك, ويكرمونك ويجلونك ويحلفون

стр. 121

بحياتك, وتعرف السرور في وجهوههم, فصلوات اللَّه عَلَى هَؤُلاءِ وعلى من ولدهم. وليس يبدؤك بِمَا تكره إلا من بخل أَوْ سفل أَوْ من فِي نسبه شَيْء, والمجلس الَّذِي يَكُون فِيهِ النبيذ والغناء الطيب فَهُوَ كمثل من حدث الْقَوْم بالحَدِيث وَهُمْ يشتهونه. قَالَ: وسمعت بنانا يَقُول: إِذَا دعيت إِلَى دعوتين, فأجب أقربهما بابًا إليك. قَالَ الْخَطِيبُ: قد جاءت السُّنَّةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِيمَا أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ, أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ, أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحمد ابن حَنْبَلٍ, حَدَّثَنِي أَبِي, أَخْبَرَنَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ حَرْبٍ, أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّالانِيُّ, عَنْ أَبِي الْعَلاءِ الأَوْدِيِّ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: "إِذَا اجْتَمَعَ الدَّاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا, فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا بَابًا أَقْرَبُهُمَا جِوَارًا, فَإِذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ" (أبو داود, رقم: ٣٧٥٦) . وَأَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ, أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ, أَخْبَرَنَا يُونُسُ بن حبيبي, أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ, أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِي عِمْرَانَ, عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لي جارين, فإلى أيهما؟ قَالَ: "إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا " (البخاري, رقم: ٢٢٥٩) .

стр. 122

حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَلِي الجلاب, قَالَ: سمع بنان رجلا يَقُول: إن الدجال فِي سنة قحط مَعَهُ جرادق أصبهاني, وملح ذراني, وأنجذان سرخسي؛ فَقَالَ: هَذَا عافاك اللَّه رجل يستحق أَن يستمع لَهُ ويطاع. أنبأنا الرافقي, أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ المقرئ, قَالَ: سمعت بنانًا الطفيلي يَقُول: دعاني صديق لي وعنده قوم من التجار, فاشتيهيت عَلَيْهِ عصيدة, فجاءني بدوشاب خام سيلان لن تصبه النار, ودقيق من هَذَا المحور, قَدْ نخل بمنخلين دقيق وجليل, فتراه كَأَنَّهُ سحالة, الذهب فِي البوتقة, وسمن عربي بصري, وطنجير واسع مجلي, وساعد قوي, وعلامة الإنضاج من الدقيق أَن يَقُول: (تف تف) , وعلامة الإنضاج من السمن أَن يَقُول: (بق بق) , ثُمَّ أتيت بجون قحفي مقشور, وطرح فيها وحرك واختلط, ثم أتيت بطيفوية رحراحة, فأقليت وصيرت فِي وسطها قبرا فِيهَا سمن, فقعد معنا عليها قوم مجان لَمْ يعرفوني إلا بَعْد, فأخذ بَعْضهم لقمة, فألقاها فِي السمن, وَقَالَ: (فَكُبْكِبُوا فيها والغاون) (٢٦ سورة الشعراء الآية: ٩٤) . وجر إِلَيْهِ السمن, وَقَالَ الآخر: إذا لقوا فِيهَا (سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) (٢٥ سورة الفرقان الآية:١٢) . وجر إِلَيْهِ السمن, فَذَهَبَ, قُلْت: (وبئر معطلة وقصر مشيد) (٢٢ سورة الحج الآية:٤٥) . وخرقت السمن إلي, فقال الآخر: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ

стр. 123

أهلها لقد جئت شيا إمرا) (١٨ سورة الكهف الآية:٧١) . وجر السمن, فَقُلْتُ: (أَنَّا نَسُوقُ الماء إلى الأرض الجرز) (٣٢ سورة السجدة الآية:٢٧) . وخرقت السمن إلي, فَقَالَ آخر: (فيهما عينان نضاختان ٦٦) (٥٥ سورة الرحمن الآية:٦٦) وجر السمن إِلَيْهِ, فَقُلْتُ أنا: (فيها عينان تجريان) (٥٥ سورة الرحمن الآية:٥٠) وخرقت السمن إلي, فَقَالَ آخر: (فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قدر) (٥٤ سورة القمر الآية:١٢) وجر السمن إِلَيْهِ, فَقُلْتُ أنا: (فقسناه إلى بلد ميت) (٣٥ سورة فاطرالآية:٩) , وخرقت السمن إلي, فلم أر أحدًا يتكلم, فَقُلْتُ أنا: (وَقِيلَ يا أرض ابلعي ماءك وبسماء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ واستوت على الجودي وقيل بعد للقوم الظالمين) (١١ سورة هود الآية: ٤٤) . وخلطت السمن بِمَا بقي من العصيدة, فضحكوا, واختنق واحد مِنْهُم, فما زالوا يلطمون حَتَّى نزلت اللقمة, والحمد لِلَّهِ على سلامته كثيرا. أبنأنا الرافقي, أَخْبَرَنَا ابْن السري, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن المقرئ, قَالَ: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ حسين بْن جَعْفَر الكوفي, حَدَّثَنِي بنان الطفيلي, قَالَ: عمل مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن طاهر وليمة. قَالَ: فجئت, فدخلت مَعَ من دَخَلَ, فقصدنا إِلَى مائدة أجل مائدة, عَلَيْهَا بنو هاشم, قَالَ: فدعا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بشر بْن هَارُون كاتبه, فَقَالَ لَهُ: ويلك! من صاحب الكمة- يَعْنِي: قلنسوة طويلة سوداء- عَلَى رأسه كانت وطيلسان أخضر لَيْسَ أعرفه؟ قال: فقال: ياسيدي! هَذَا رجل يقال لَهُ: بنان, يشهد هذه الولائم, دعي أَوْ لَمْ يدع. فَقَالَ مُحَمَّد بْن عبد الله بن طاهر: يابشر! إِذَا تغدى جئني بِهِ. فلما جاء بِهِ قَالَ: إيش أَنْتَ؟ - يَعْنِي: مَا أَنْتَ؟ - قَالَ: أطال اللَّه بقاء الأمير! أنا

стр. 124

رجل أشهد هذه الولائم دعيت أَوْ لَمْ أدع؛ فَقَالَ: سلني حاجتك. قَالَ: يا سيدي! حاجتي تكتب لي منشورًا لا يدخل عَلِي أحد فِي هذه الصناعة- أَوْ قَالَ: العمل- إلا ويدي عَلَيْهِ مطلقة؛ قَالَ: فكتب لَهُ منشورًا بِمَا يحب, وأمر لَهُ بمئة دِينَار. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ أَحْمَد بْن الْحَسَن: فأنا قرأت المنشور عنده بخط بشر النَّصْرَانِي.

стр. 125

نسخة عهد فِي التطفيل حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو القاسم عَلِي بْن المحسن بْن عَلِي التنوخي, قَالَ: كَانَ فِي نقباء الأمير بختيار المعروف بعز الدولة, رجل يسمى عليكا, وَكَانَ كثير التطفيل عَلَى جَمِيع أهل العسكر من الحجاب والقواد والكتاب ووجوه الخاصة والغلمان, وشاع ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ بختيار, فرسم لَهُ أَن يستخلف عَلَى التطفيل خليفة, وتقدم إِلَى أَبِي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن هلال الصابي الكاتب أَن يكتب بِذَلِكَ عهدًا لابن عرس الموصلي عَن عليكا, وأن يجعله خليفة عَلَى التطفيل, فكتب لَهُ عَلَى طريق الهزل عهدًا قرأه أَبُو إِسْحَاق عَلَيْنَا, فكان نسخته: "هَذَا مَا عهد عَلِي بْن أَحْمَد المعروف بعليكا إِلَى عَلِي بْن عرس الموصلي حِينَ استخلفه عَلَى إحياء سنته, واستنابه فِي حفظ رسومه من التطفيل عَلَى أهل مدينة السَّلام, وَمَا يتحصل بِهَا من أكنافها, ويجري معها من سوادها وأطرافها؛ لما توسمه فِيهِ من قلة الحياء, وشدة اللقاء؛ وكثرة اللقم, وجودة الهضم, ورآه أهلا لَهُ من شدة مكانه فِي هذه الرفاهية المهملة الَّتِي فطن لَهَا, والرفاعية المطرحة الَّتِي اهتدى إِلَيْهَا؛ والنعم العائدة عَلَى لابسها بملاذ الطعوم, ومناعم الجسوم؛ متوردًا عَلَى من اتسعت مواد ماله, وتفرعت شعب حاله؛ وأقدره اللَّه عَلَى غرائب المأكولات, وأظفره ببدائع الطيبات؛ آخذًا من كُل ذَلِكَ بنصيب الشريك المناصف, وضاربًا فِيهِ بسهم الخليط المفاوض,

стр. 126

ومستعملا للمدخل اللطيف عَلَيْهِ, والمتولج العجيب إِلَيْهِ؛ والأسباب الَّتِي ستشرح فِي مواضعها من هَذَا الكتاب, وتستوفى الدلالة عَلَى مَا فِيهَا من رشاد صواب. وبالله التوفيق, وعليه التعويل, وَهُوَ حسبنا ونعم الوكيل. آمره بتقوى اللَّه الَّتِي هِيَ الجانب الْعَزِيز, والحرز الحريز؛ والركن المنيع, والطود الرفيع؛ والعصمة الكالئة, والجنة الواقية؛ والزاد النَافِع يَوْم المعاد, حين لا ينفع إلا مثله من الأزواد؛ وأن يستشعر خيفته فِي سره وجهره, ومراقبته فِي قَوْله وفعله؛ ويجعل رضاه مطلبه, وثوابه ملبسه؛ والقرب منه أربه, والزلفى لديه غرضه؛ ولا يخالفه فِي مسعاه قدم, ولا يتعرض عنده لعاقبة وندم. وآمره أَن يتأمل اسم التطفيل ومعناه, ويعرف مغزاه ومنحاه؛ ويتصفحه تصفح الباحث عَن حظه بمجهوده, غَيْر القائل فِيهِ بتسليمه وتقليده؛ فَإِن كثيرًا من النَّاس قَدِ استقبحه مِمَّن فعله, وكرهه لمن استعمله, ونسبه فِيهِ إِلَى الشره والنهم؛ فمنهم من غلط في استلالاله, فأساء فِي مقاله؛ وَمِنْهُم من شح عَلَى ماله, فدافع عَنْهُ باحتياله؛ وكلا الفريقين مذموم لا يتعريان من لباس فاضح؛ وَمِنْهُم الطائفة الَّتِي لا ترى شركة العنان فَهِيَ تبذله إِذَا كَانَ لَهَا, وتتدلى عَلَيْهِ إِذَا كَانَ لغيرها؛ وترى أَن المنة فِي المطعم للهاجم الآكل, وَفِي المشرب للوارد والواغل؛ وَهِيَ أحق بالحرية, وأخلق بالخيرية؛ وأحرى بالمروة, وأولى بالفتوة؛ وَقَدْ عرفت بالتطفيل, ولا عار فِيهِ عِنْدَ ذوي التحصيل؛ لأنه مشتق من الطَّفْل؛ وَهُوَ وقت المساء, وأوان العشاء, فلما كثر

стр. 127

استعمل فِي صدر النهار وعجزه وأوله وآخره, كَمَا قيل للشمس والقمر: القمران, وأحدهما القمر؛ ولأبي بَكْر وعمر: العمران, وأحدهما عُمَر. وآمره أَن يتعهد موائد الكبراء والعظماء بقراياه , وسمط الأمراء والوزراء بسراياه؛ فَإِنَّهُ يظفر منها بالغنيمة الباردة, ويصل عَلَيْهَا إِلَى الغريبة النادرة؛ وإذا استقراها وجد فِيهَا من طرائف الألوان, الملذة للسان؛ وبدائع الطعوم, السائغة فِي الحلقوم؛ مَا لا يجد عِنْدَ غيرهم, ولا يناله إلا لديهم. وآمره أَن يتتبع مَا يعرض لموسري التجار, ومجهزي الأَمْصَار؛ من وكيرة الدار, والعرس والإعذار؛ فإنهم يوسعون على أنفسهم عَلَى أنفسهم فِي النوائب, بحسب تضييقهم عَلَيْهَا فِي الراتب. وآمره أَن يصادق قهارمة الدور ومديريها, ويرافق وكلاء المططابخ وحماليها؛ فإنهم يملكون من أَصْحَابهم أزمة مطاعمهم ومشاربهم, ويضعونها بحيث يحبون من أهل موداتها ومعارفهم؛ وإذا عدت هذه الطائفة أحدا من الناس من خرنها, واتخذته أخًا من إخوانها؛ سَعْد بمرافقتها, وحظى بمصادقتها؛ ووصل إِلَى محابه من جهاتها, ومآربه فِي جنباتها. وآمره أَن يتعهد أسواق المتسوقين, ومواسم المتايعين؛ فإذا رأى

стр. 128

وظيفة وقد زَيْد فِيهَا, وأطعمة قَدِ احتشد مشتريها؛ اتبعها إِلَى المقصد بِهَا, وشيعها إِلَى المنازل الحاوية لَهَا؛ واستعلم ميقات الدعوة, ومن يحضرها من أهل اليسار والمروة؛ فَإِنَّهُ لا يخلو فيهم من عارف بن يراعي وقت مصيره إِلَيْهَا ليتبعه, ويكمن لَهُ ليصحبه ويدخل مَعَهُ؛ وإن خلا من ذَلِكَ اختلط بزمر الداخلين؛ فَمَا هُوَ إلا أَن يتجاوز عتب الأبواب, ويخرج من سلطان البوابين والحجاب؛ حَتَّى يحصل محصلًا قل مَا حصله أحد قبله, فانصرف عَنْهُ إلا ضلعًا من الطعام؛ نزيفًا من المدام. وآمره أَن ينصب الأرصاد عَلَى منازل المغنيات والمغنيين, ومواطن الأباليات والمخنثين؛ فَإِذَا أتاه خبر لمجمع يضمهم, أَوْ مأدبة تعمهم ضرب إِلَيْهَا أعقاب إبله, وأنضى حولها مطايًا خيله؛ وحمل عَلَيْهَا حملة الحوت الملتقم, والثعبان الملتهم؛ والليث الهاصر, والعقاب الكاسر. وآمره أَن يتجنب مجامع العوام المقلين, ومحامل الرعاع المعترين؛ وأن لا ينقل إِلَيْهَا قدمًا, ولا يفض لمأكلها فمًا؛ ولا يلقى فِي عتب دورها كيسانًا, ولا يعد الرجل منها إِنْسَانًا؛ فإنها عصابة تجتمع لَهَا ضيق النفوس والأحوال, وقلة الأحوال والأموال؛ وَفِي التطفيل عَلَيْهَا إجحاف بِهَا يؤثم وإزرار بمروءة المطفل؛ والتجنب لَهَا أجدى, والازورار عَنْهَا أرجى. وآمره أَن يحرر الخوان إِذَا وضع, والطعام إِذَا نقل؛ حَتَّى يعرف

стр. 129

بالحدث والتقريب, والبحث والتنقيب؛ عدد الألوان فِي الكثرة والقلة, وافتنانها فِي الطيب واللذة؛ فيقدر لنفسه أَن يشبع مَعَ آخرها, وينتهي عِنْدَ انتهائها؛ ولا يفوته النصيب من كثيرها وقليلها, ولا يخطئه الحظ من دقيقها وجليلها؛ ومتى أحس بقلة الطعام, وعجزه عَنِ الإقوام؛ أمعن فِي أوله إمعان الكيس فِي سعيه الرشيد فِي أمره, المالئ لبطنه من كُل حار وبارد, فَإِنَّهُ إِذَا فعل ذَلِكَ سلم من عواقب الأغمار؛ الَّذِينَ يكفون تظرفا, ويقلون تأدبًا؛ ويظنون أَن المادة تبلغهم إِلَى آخر أمرهم, وتنتهي بِهِمْ إِلَى غاية شبعهم؛ فلا يلبثون أَن يخجلوا خجلة الوامق, وينقلبوا بحسرة الخائب؛ أعاذنا اللَّه من مثل مقامهم, وعصمنا من شقاء جدودهم. وآمره أَن يروض نَفْسه, ويغالط حسه؛ ويضرب عَن كثير مِمَّا يلحقه صفحا, ويطوي دونه كشحًا؛ ويستحسن الصمم عَنِ الفحشاء, ويغمض عَن اللفظة الخشناء؛ وإن أتته اللكزة فِي حلقه, صبر عَلَيْهَا فِي الوصول إلي حقه؛ وإن وقعت بِهِ الصفعة فِي رأسه, أغضى عَنْهَا لمراتع أضراسه؛ إِن لقيه لاق بالجفاء, قابله باللطف والصفاء؛ إِذَا كَانَ إِذَا ولج الأبواب, وخالط الأسباب؛ وجلس مَعَ الحضور, وامتزج بالجمهور؛ فلابد أَن يلقاه المنكر لأمره, ويمر بِهِ المستغرب لوجهه؛ فَإِن كَانَ حرا حييا أمسك وتذمم, وإن كَانَ فظا غليظا همهم وتكلم؛ وأن يجتنب عِنْدَ ذَلِكَ المخاشنة, ويستعمل مَعَ المخاطب لَهُ الملاينة؛ ليرد غيظه, ويفل حده, ويكف غربه؛ ثُمَّ إِذَا طال المدى تكررت الألحاظ عَلَيْهِ فعرف, وأنست النفوس بِهِ فألف؛ ونال من الحال المجتمع عَلَيْهَا, منال من جشم وسئل العناء إِلَيْهَا؛ ولقد بلغنا أَن رجلا من هذه العصابة, كَانَ ذا فَهُمْ ودراية, وعقل وحصافة؛ طَفْل عَلَى وليمة لرجل ذيحال عظيمة, فمرقته فِيهَا من الْقَوْم العيون, وتصرفت بِهِمْ فِيهِ الظنون؛ فَقَالَ لَهُ قائل مِنْهُم: من تكون أعزك اللَّه؟ فَقَالَ: أنا

стр. 130

أول من دعي إِلَى هَذَا الحق, قيل: وكيف ذلاك ونحن لا نعرفك؟ فَقَالَ: إِذَا رأيت صاحب الدار عرفني وعرفته بنفسي؛ فجيء بِهِ, فلما رآه بدأه بالسلام, بأن قَالَ لَهُ: هل قُلْت أيدك اللَّه لطباخك أَن يصنع طعامك زائدا عَلَى عدد الحاضرين, ومقدار حاجة المدعوين؟ فَقَالَ: نَعَم! قَالَ: فإنما تلك الزيادة لي ولأمثالي, وبها تستظهر لمن جرى مجراي؛ وَهِيَ رزق أزله اللَّه عَلَى يدك, وسببه من جهتك؛ فَقَالَ: مرحبا بك, وأهلا وقربا, والله لا جلست إلا مَعَ علية النَّاس, ووجوه الجلساء والأناس؛ إذ قَدْ ظرفت فِي قولك, وتفننت فِي فعلك. فليكن ذَلِكَ الرجل لنا إماما نفتدي بِهِ, وحاديا نحدو عَلَى مثاله إِن شاء اللَّه. وآمره أَن يكثر من تعاهد الجوارشنات المنقذة للسدة, المقوية للمعدة؛ المشهية للطعام, المسهلة لسبيل الانهضام؛ فإنها عماد أمره وقوامه, وبها انتظامه والتئامه؛ لأنها تعين عَلَى عمل الدعوتين, وتنهض فِي اليوم الواحد بالأكلتين؛ وهو من تناولها كالكاتب الَّذِي يقط أقلامه, والجندي الذي يصقل حسمه؛ والصانع الَّذِي يحدد آلاته, والماهر الَّذِي يصلح أدواته. هَذَا عهد عَلِي بْن أَحْمَد المعروف بعليكا, وحجته عليك؛ لَمْ يألك فِي ذلك إرشادا وتوقيفا, وتهذيبا وتثقيفًا؛ ونعتا وتبصيرا, وحثا وتذكيرًا؛ فكن بأوامره مؤتمرًا, وبزواجره مزدجرًا؛ ولرسومه متبعًا, وبحفظها مطلعًا؛ إِن شاء اللَّه, والسلام عليك ورحمة عليك ورحمة الله وبركاته".

стр. 131

السماعات المثبتة في آخر النسخة سمع جميع هذا الجزء وهو كتاب "التطفيل" على الشيخ أبي طاهر بركات بن إبراهيم القرشي الخشوعي, بحق سماعه من أبي المعالي الحسين بن حمزة؛ صاحبه الشيخ الفقيه أبو الفضل ابن عسكر بن محمد بن اللحية, وأبو منصور ابن أحمد بن محمد بن محفوظ, وصلت السماع بذلك إلى المعمر بن إسماعيل التبريزي, وذلك في شهور سنة تسع وثمانين وخمس مئة بدمشق حرسها الله تعالى. وجدت على نسخة الأصل, وهي أصل لهذه بعد أن قابلتها على هذه وقالت هذه عليها: سمع "كتاب الطفيليين "من الشيخ الأجل أبي بكر ابن عَلِي بْن ثابت الخطيب البغدادي ﵁ بقراءته على الجماعة المثبوتين بدمشق في بستان عين الدولة بظاهر دمشق, منهم: الشريف الأجل جلال الدولة أبو الحسن علي بن عبيد الله الهاشمي, والشيخ أبو الفضل المسلم بن الحسن بن هلال المعدل, والشيخ أبو الحسن جمال القراء علي بن طاووس البغدادي, وأبو علي الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فضل الكرماني, وولده محمد, وابنته فاطمة. وصح ذلك في شهور سنة اثنين وخمسين وأربع مئة. وكاتب السماع في الأصل أبو الحسن ابن طاووس, ونقل هذه الطبقة أفقر عبيد الله وأحوجهم إليه علي بن محمد بْن عُمَر بْن عَبْد الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بن المسلم بن الحسن بن

стр. 132

هلال بْن الْحَسَن بْن عبيد اللَّه بن محمد الشافعي الدمشقي عفا الله عنه, وغفر له ولوالديه ولمشايخه ولكافة المسلمين, آمين؛ في الخامس والعشرين من جمادى الأولى سنة إحدى وستين وست مئة. ووجدت بخط عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف يقول: تناول ابني محمد بن عبد الخالق جميع كتاب "التطفيل" هذا للخطيب من الشيخ أبي الحسين محمد بن أحمد بن عبد الجبار بن توبة, وهو سماعه من الخطيب المصنف, وقال له: بإذني ارويه عني عن الخطيب؛ وذلك في العشرين من المحرم سنة خمس وثلاثين وخمسة مئة. نقله في شهر جمادى الأولى أواخره علي بن محمد بن هلال من شهور سنة إحدى وست مئة, وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. ووجدت طبقة سماع عليه أيضا يقول فيها: سمع جميع كتاب "التطفيل "على الشيخ أبي القاسم ابن ابي طاهر بن البووري, بحق إجازته من الخطيب, بقراءة عبد الخالق بن عبد القادر بن محمد بن يوسف, فسمعه ولده أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عبد الخالق في مجالس, آخرها: يوم السبت مستهل جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وخمس مئة, نقل ذلك في جمادى الأولى السادس والعشرين من سنة إحدى وست مئة. قال: علي بن محمد بن هلال.