← Адаб

Адаб · id 5432

الأفضليات

علي بن منجب

Полный текст (59 стр.). Показаны 36–59 · переход к 41.

стр. 36

ومن المحكي عنه قوله - وذكر بشاراً وكان يرمى بالزندقة ولهذا قتله المهدي -: أما لهذا الأعمى المكتني بأبي معاذ من يقتله! والله لولا أن الغيلة خلق من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه! فقال: الأعمى، ولم يقل: الضرير، وقال: المكتني بأبي معاذ، ولم يقل: بشاراً ولا ابن برد، وقال: من أخلاق الغالية، ولم يقل: المغيرية ولا المنصورية، وقال: لبعثت إليه، ولم يقل: لأرسلت (إليه) ، وقال: على مضجعه، ولم يقل على فراشه! ومما قيل فيه: ويجعل البر قمحا في تصرفه ... وخالف الراء حتى احتال للشعر ولم يطق مطرا والقول يعجله ... فعاد بالغيث إشفاقا من المطر ومن اللغز الذي تضمن خبيا وسرا، وأحسن قائله إذ عمى فيه وورى، إلا أن إيراده هاهنا يجعل خافيه ظاهرا، ومبرقعه سافرا قول الشاعر: ولما رأيت الشيب راء بعارضي ... تيقنت أن الوصل لي منك واصل فخص الراء لحفظه المعنى الذي قصده وإحرازه، وأحسن التوصل بواصل إلى تجنيسه وإلغازه. وللرستمي في الصاحب: نعم! تجنب: لا يوم العطاء كما ... تجنب ابن عطاء لثغة الراء ولما أكثر الناس من تقريظ هذا الفن ووصفه، وادعى قوم أن المتعرض له إنما يخبر عن عجزه وضعفه؛ اعتمد المملوك تأمله وتدبره، واستنجد، فيما يعرب به، رويته وتفكره، فلم ير أن يكون لهذه السبيل مقتفيا، ولم ترض له الخدمة الشريفة أن يلفى في هذا الباب مصليا، فعمل في مولانا شعرا لم تجتنب فيه الراء، وإذا قرأه الألثغ أفاد معنى يزول في استحسانه المراء، وكان في ذلك من الإعجاز أن الصريح والمستعجم، والفصيح والمتلعثم إذا أخذوا ي ذكر أوصاف مولانا لم يشكل اللفظ الذي يوردونه، ولم يستبهم المعنى الذي يؤدونه، ولم يعتذر بأن اللثغة أفسدت المراد ولا حالت دونه، وتساوت في روايتها الآلة الصحيحة والسقيمة، وتماثلت في تلاوتها الألسنة المعوجة والمستقيمة، وأجرى المملوك ذكر هذه الجملة مع محمود ابن القاضي الموفق، إذ كان الإغراب في الصفات الشريفة من مذهبه، والإبداع فيها من بغيته وأربه، فلما رأى هذه الطريقة من أسلوبه وشرطه؛ بالغ في استحسانها وعمل لوقته: وذات وجهين أتت بدعة ... غايتها في الحسن لا تبلغ قافية رائية فيك لا ... يعاب في إنشادها الألثغ وشفعه بأن قال: يا ملكا فائض إحسانه ... في كل آفاق الدنى سائر وصفك عندي ذهب خالص ... نظمي له حيث انتهى صائر والذي عمله المملوك: من شاء جمع معال قد خصصت بها ... وجاوزت كل حد لم ينل ( ... ) وكيف تستطيع أن تحصي فضائلها ... وزندك الغر مهما تقتدحه (وري) ثم رأى المملوك أن لا يخلي النثر من هذا النوع الذي تتعب الأفكار في طلبه، وأن يورد فصلا يتوخى فيه ذكر الشيء على ما هو به، فعمل في وصف مالكه ثبت الله قدرته، وأدام سلطانه ودولته: ملك أبان الله إعلاء رايته فازدانت بأوصافها المحافل، وتاه الزمن بمحاسنه فهو عن الإساءة لاه رافل، قد سارت بالألسنة والأفواه مدائحه، وصارت حلى المجامع والأندية منائحه، وأصبح الكافة من ظله في رياض أنيقة، ورامت السماء إحياء للأرض فخدمته بذاك على الحقيقة. ولما انتهى إلى هذا الحد أمل خاطره عليه من غير روية، ونظم - عفوا - ما يشهد بصحة هذه القضية: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت مفاخره (عن كل إطراء) تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس من (نظم وإنشاء) ثم اقتضت فكرته، وأوجبت خدمته أن يجعل هذه القافية على وجوه من الروي، عملا بما رآه منسوبا إلى ابن نباتة والشريف الرضي، لتشترك الحروف في حظ من الشرف واف، وتتبين فضيلة مجيئها متناوبة في قواف. والمنسوب إلى الشريف وابن نباتة: لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المقسم بين الخيل والإبل يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشيج من الخطي معتدل والتعبير الأول: لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المقسم بين الجرد والكوم يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشيج من الخطي محطوم والثاني: لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا أخو الحرب والجرد السلاهيب

стр. 37

يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشيج من الخطي مخضوب والثالث: لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المقسم بين السرج والكور يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشيج من الخطي مكسور والرابع: لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المصيخ وإن لم يدعه الداعي يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على شويج من الخطي زعزاع والخامس: لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المقسم بين الجرد والقود يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشج من الخطي ( ... ) والسادس: لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المقسم بين الجرد والنوى يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشيج من الخطي مدقوق فهذه ستة تغيرات. والذي صنعه الملوك في البيتين اللذين أوردهما على قافية الهمزة يستوعب الروي فيهما جميع حروف المعجم الثمانية والعشرين، وقوم يجعلونها تسعة وعشرين، فيضيفون إليها الحرف المركب من اللام والألف، ولا يجوز دخول المركب في البسيط، وهي - على مذهب جماعة من المحققين - ثمانية وعشرون حملا على عدة منازل القمر، ولذلك قالوا: إن لام التعريف إنما صارت تدغم في نصف الحروف فتظهر عند نصفها؛ لأن نصف منازل القمر ظاهر أبدا فوق الأرض، ونصفها خاف أبدا عن ظاهر الأرض. وقد بين المملوك ما عمله وهو - قد تقدم ذكر الهمزة -: الباء: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... حلت مفاخره في النظم والخطب تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس من مستغرب الأدب التاء: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... ساس البرية في الماضي وفي الآتي تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يرفع الناس أعقاب المناجاة الثاء: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... غدا الدعاء له في الأرض مبثوثا تغايرت أدوات النطق فيك على ال ... ثناء مكتسيا منه وموروثا الجيم: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت مواهبه عن مطلب الراجي تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف يريك ظلام الحندس الداجي الحاء: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... سعت عطاياه عما اعتيد من منح تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس من وصف ومن مدح الخاء: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... تطرزت بمعاليه التواريخ تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف به كل ما يعدو منسوخ الدال: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت أياديه عن وصف وتعديد تغايرت أدوات النطق فيك على ... شكر يضاهي الأيادي غير محدود الذال: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... أرضى العوامل إمضاء وإنفاذا تغايرت أدوات النطق في مدح ... عادت بها أكبد الأعداء أفلاذا الراء: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... أفنى أعاديه لا زال منصورا تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس منظوما ومنثورا الزاي: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... قامت معاذير من في وصفه عجزا تغايرت أدوات النطق في مدح ... ما حال من دونها عي ولا حجزا السين: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... أزال أطماع باغي شأوه الياس تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف تنوع في إحسانه الناس الشين: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... ساس الأنام فما حابى ولا حاشا تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف يواصله الإنسان ما عاشا الصاد: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... غالي الثناء بما يأتيه مرتخص تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف له في محل المشتري حصص الضاد: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... لا يبلغ المدح في استحقاقه غرضا تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس مندوبا ومفترضا الطاء: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... يبغي بأفعاله تقوى الإله فقط تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس مما ليس فيه سقط الظاء: لما غدوت مليك الأرض أجمعها ... بالحق إذ كان من يعدوك محظوظا

стр. 38

تغايرت أدوات النطق فيك على ... غر المغاني بلفظ ليس ملفوظا العين: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... غدا الملوك له جندا وأتباعا تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس إعرابا وإبداعا الغين: لما غدوت مليك الأرض أجمعها ... ونلت ما لم ينل ملك ولا بلغا تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف تنافس في إحكامه البلغا الفاء: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... أعطى، فقال العدا: قد زاد في السرف تغايرت أدوات النطق فيك على ... صفات ما حزت من فخر ومن شرف القاف: لما غدوت مليك الأرض أجمعها ... وحزت ما جزت فيه كل مخلوق تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف صنيع بديع غير ملحوق الكاف: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت مفاخره لما غدا ملكا تغايرت أدوات النطق في مدح ... وفي دعاء ملأن الأرض والفكا اللام: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت مفاخره في القول والعمل تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف يقصر عنه منتهى الأمل الميم: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... غدا به العدل بين الخلق مقسوما تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس منثورا ومنظوما النون: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت مفاخره في السر والعلن تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف بليغ يحلي عاطل الزمن الهاء: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... ركن الأعادي بماضي عزمه واه تغايرت أدوات النطق واتفقت ... مع التغاير في ذكرى شهنشاه الواو: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... يزهى به الخلق فيما عاينوا ورووا تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس فيما أظهروا ونووا الياء: لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... غدا بمعروفه ميت الرجا حيا تغايرت أدوات النطق فيك على ... مناقب ليس يخشى نشرها طيا فقد جمع ذلك غاية ما تبلغه عدة التغيير، وعفو ما يقتضيه هذا المغزى من التبيين والتعبير، وهو، وإن كان بعضه يتميز عن بعض، فإنه عاجل اجتهاد المملوك في أداء اللازم الفرض. على أن هذا الغرض المقصود كثير الشعب، والوصول إليه من العزيز العسير الصعب فإن أتى غير معجب فلوعورة مطلبه، وإن أبى إلا جودة فلسعادة من خدم به. ومن ضروب التعبير التي دعت الاستحسان فلباها، وفخر بها مبدعها وباهى، ما ينشد مرفوعا ومنصوبا كقوله: إذا طال النهار علي يوما ... دعوت له فقصره رياد حديث يعجب الحكماء منه ... ويونق حين يسمعه الفؤاد فصل في ذكر خيمة الفرج لما خرجت أوامر مولانا - ثبت الله دولته - بإنشاء خيمة للنظر، وعمل فازة تتكفل بمصالح البدو والحضر؛ امتثلت مراسمه السامية في إنشائها ووقعت المسارعة إلى انتهاج تمثيلاته واحتذائها، فجاءت توفي في الجلالة على إيوان كسرى، وظلت الأبصار في أرجائها الفسيحة خاسئة حسرى، إذ كانت مناسبة لأمثالها من المنازل الشريفة في الاتساع، ومجانسة لأنظارها من المقامات الكريمة في السمو والارتفاع، وتضمنت من صور ناطق الحيوان وصامته ما أحاط بالحسن واستولى على غايته، تخالها حومة وغى لما اجتمع فيها من المقانب والجيوش، أو بيداء لا محيص عنها لأنواع السباع والوحوش، قد حوت آفاقها متضاد الحيوان بلا أذى ولا ضير، فكأنه فيها سليمان وقد حشر له جنوده من الجن والإنس والطير، وفي يوم إظهارها ونصبها، واستقرار جلوسه الأشرف الأسنى بها، وهب الأموال الجمة، وعم بالإحسان الأمة، ونشر الرأفة والرحمة، وسامح بالكبائر والعظائم، وصفح عن الجرائر والجرائم، وأنعم بما لم ينعم به أحد من ملوك الدهر، واستخلص الضمائر بالدعاء له في السر والجهر، فتضوعت بالأرض من الثناء عليه بأعطر أرج، ووقع الاتفاق على تسميتها بخيمة الفرج، ووصفها الشعراء وصفا أجادوه وأحكموه، وأحسنوا فيما صنعوه منه ونظموه. فمن ذلك قول ابن الحواري: وبنى للمجد فوق السبعة الأفلاك فازه لو رأى كسرى سناها ... صاح إعجابا بها: زه

стр. 39

ومن تأمل هذا الشعر البديع، وتدبر هذا التركيب الصنيع، وجد فيه ما لا يأبى استحسانه طبع سامع، وعلم أنه مما لا يظفر به كل طامع. وقد استحسنوا هذه اللفظة - أعني: زه - في قول الأول - وهو مما يتغنى به: في مثل هذا يحسن البلوى ... ليس على عاشق ذا عدوى وكل من أبصره قال لي ... زه يا فتى تحسن أن تهوى فإذا كانت مع ضعفها في الحشو مستجادة مستحسنة، فما الظن بها وقد أتت قافية قوية متمكنة؟ وعلة فضيلة التقفية أنها أقصى ما يحصره الوزن، وآخر ما يلقاه السمع، وبهذا احتج مفضل المقاطع على المطالع؛ فإذا كانت القافية مدى الشعر، ومنتهى حده، وغاية ما يبلغه مما لا مطلب من بعده؛ فلا غرو أن تكون مدح مولانا إذا تؤملت قوافيها مشتملة على الألفاظ التي لا تحسن في شيء حسنها فيها؛ إذ كان آخر ملوك الدنيا وقتا وزمانا، وإن كان أولهم شرفا ومجدا وسلطانا: نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذ أتى متأخرا ولهذا فضل البيت الذي يكون المستحسن في آخر أجزائه، على البيت الذي يتضمنه حشوا في تضاعيفه وأنحائه. على أن من الحشو ما لا تخفى بهجته، ولا تجحد فضيلته. حضر المملوك يوما بين يدي الشيخ الأجل أبي الحسن بن أبي أسامة فجرى ذكر الحشو في الشعر فأنشد لأبي الشيص: حلي عقال مطيتي ... لا عن قلى وامضي فإني يا أميمة ماض وقال: قوله: لا عن قلى، فضلة لا يفتقر المعنى إليها فلهذا سميت حشوا، وقد جاءت في الحسن على ما ترى. ولم يكن المملوك تنبه على ذلك من البيت وإن كان من حفظه فاعتده من فوائد مجلسه، وأضافه إلى ما أخذه عنه من نظائره، وأنشده المملوك قول ابن حيوس: وجاد بنفس لا يجود بمثلها ... مع العلم بالعقبى نبي مقرب إذ كان قوله: مع العلم بالعقبى، من أحسن ما جاء في هذا الباب. ولم يذكر ما جاء من الحشو: بحاشا، وما تصرف منها نحو قول المتنبي: ويحتقر الدنيا احتقار مجرب ... يرى كل ما فيها وحاشاك فانيا وقول الآخر: مواهب شتى لو عدتني ... وحوشيت كفاني ما أحرزته متسلقا وقوله: ولو أن ياجوج استعانوك مرشدا ... وحوشيت من إرشادهم خرقوا ( ... ) لأن ذلك مما أكثر الناس فيه، فلا لذة في المحاضرة به. ومن مليح الحشو قول نصيب: فكدت ... ولم أخلق من الطير أنني أعار جناحي طائر فأطير فقوله: ولم أخلق من الطير، من مستحسن ما أتى من هذا النوع. وقول عوف بن محلم لعبد الله بن طاهر: إن الثمانين ... وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان على أن قوله: وبلغتها، معدود في الالتفات عند قوم، وفي التتميم عند آخرين. وقول ابن المعتز يصف خيلا: صببنا عليها ... ظالمين سياطنا فطارت بها أيد سراع وأرجل فقوله: ظالمين، من بديع الحشو. وقول مهيار: وكم ... ثم من مسترزق حلفت له لهاك وبرت أنه لا يخيب فقوله: وبرت، لفظة يتم المعنى دونها إلا أنه تبرع بها، فتضاعف المدح بسببها. وقوله: لو أن الورى أهلي لكنت وأنت لي ... أقوم بهم مستظهرا وأمو (ن) فإحسانه بقوله: مستظهرا، مما لا يستطيع أحد جحده، ولا يسد غيره مسده. وقوله: عزي بنفسي ولكن زادني شرفا ... أني إليكم إذا باهلت أنتسب فأبدع بقوله: إذا باهلت، لأنها أفضل ما ورد مع النسب. وقول ابن أبي الشخباء: يصرف الأمر في الآفاق خاتمه ... ويصبح الدهر طوعا وهو خادمه فقوله طوعا، مما تطوع به فأغرب، وأتى منه بما أعجب به وأطرب. ونظائره كثيرة. ومن مليح ما قيل في الخيمة المنصورة قول ابن زيد الأنصاري: أخيمة ما نصبت اليوم أم فلك ... ويقظة ما نراه منك أو حلم ما كان يخطر في الأفكار قبلك أن ... تسمو علوا على أفق السها الخيم حتى أتيت بها شماء شاهقة ... في مارن الدهر من تيه بها شمم إن الدليل على تكوينها فلكا ... أن احتوتك وأنت الناس كلهم والطير قد لزمت فيها مواضعها ... لما تحققن منها أنها حرم

стр. 40

تغدو القماري والبازي يحفظها ... كأنما بينهم في جوها رخم كأنها جنة فالقاطنون بها ... لا يستطيل على أعمارهم هرم إن أنبتت أرضها زهرا فلا عجب ... وقد همت فوقها من كفك الديم وقول الآخر: عزت على الشعراء مدحة خيمة ... فوق النجوم أساسها أشطان لما مثلت بها ظننت بأنها ... دار الخلود أباحها رضوان مما عارض المملوك فيه من سبقه، وبعثه على إيراده رضى من استجاده واستوقفه. قد بالغ الناس في استحسان قول ابن سورين فيما كتب به عن الإمام الحاكم بأمر الله ﵇ إلى عامل القدس في إخراب قمامة وهو: صر إلى قمامة؛ فاجعل طولها عرضا، وسماءها أرضا. واتفق للملوك لما سمع هذا الفصل أن استحسنه، واستجاده على حسب ما أمكنه، فلم يقنع مورده بما وصفه به وقرظه، فاعتمد في تكثير المدح ما أثقل السمع وبهظه، فقال المملوك: لو قال صر إلى قمامة فأزل باطلها، واجعل عاليها سافلها. أو قال: فعفها بالمحو والطمس واجعلها حصيدا لم تغن بالأمس، لكان أشرف لترصيعه اللفظ بالقرآن، وترتيبه المعنى في أعلى طبقات البيان. فقال راوي فصل ابن سورين: فضيلة هذا الفصل قلة حروفه، وفرط إيجازه، وإن من تحدي به على حقيقة تعذره وإعجازه. فقال المملوك: أنا أذكر هذا المعنى بلفظ أصنع وأقصر، ومعنى أجمع وأحصر، فطولب أن يوفي الضمان، وقيل له: من نقض مان، فقال ما لا موضع فيه لحذف ولا سبيل إلى تحقيقه بحركة ولا حرف، مع استيفاء المعنى، وأن أحداً لا يجد فيه طعنا. وهو: صر إلى قمامة، فعجل لها القيامة. ففضل هذا الفصل على الأول أضعافا، وبولغ في وصفه إلى أن تفادى المملوك وتعافى؛ وعلة ذلك أن هذه الأيام الشريفة التي فخرت بمالكها على غيرها من العصور، وخرجت فضائلها عن المحدود والمحصور، قد فاضت أنوارها على كل عالم ومتعلم، وسرى شعاع سعدها إلى كل ناطق ومتكلم، ولما اتفق كون هذا الفصل في التعفية على متعبد أهل الشرك، وتدمير ما يصنعونه فيه من الضلال والإفك؛ اختصره مملوك مولانا كما اختصرت مشرفيه أعمارهم وآجالهم، وضيق فيه على مقتفيه كما ضيقت هيبته منفسحهم ومجالهم، عملا بالهذيبات المالكة (على ما اقتضته الشيمة الفاضلة) ، وتأدبا بالتثقيفات الأفضلية بحسب ما وصلت إليه آلته القابلة، والله يمد ظلها فهو أفضل موجبات هذه الدنيا وأسباب وجودها، وموزع الكافة شكر النعمة فيما غمرهم من كرمها الفائض وجودها، بفضله وقدرته وطوله ومشيئته. فصل من نادر ما جاء في بابه وأقوى دليل على إبداع قائله وإغرابه قال أبو عبد الله التميمي اللغوي المعروف بالقزاز لبعض تلاميذه: أحاجيك عياد كزينب في الورى ... ولم تؤت إلا من صديق وصاحب فأجابه: سأكتم حتى ما تحس مدامعي ... بما انهل منها من دموعي السواكب فكان تصحيف: عياد كزينب، بعد عكسه: سرك ذائع، وقال الآخر: سأكتم، فأجاب على الظاهر إجابة حسنة، وتصحيف: سأكتم، بعد عكسه: منك أتيت، وفيه مقابلة لقوله: ولم تؤت إلا من صديق وصاحب والمملوك يقول: معجز هذه الحكاية أن المجيب ذكر كلمة كل من مستقيمها وتصحيف معكوسها جواب لما حوجي به. وتسمية هذا النوع المحاجاة لدلالة الحجى عليه. وعلى ذكر التصحيف فمن بديعه: نصحت فضيعت، وهو تصحيف صعب. وقولهم فيما يصحف بعد عكسه: أذناه جرح يسيل. وهذا: ليس يحرجه أبدا. فصول تشتمل على ضروب أبدع البلغاء فيها وأحسنوا، وتنوعوا في أصنافها وتفننوا في خدع البيان وتمويه الفصاحة حكى حسن بن محمد البسامي قال: رأيت علي بن با منصور الديلمي، وكان من مفاخر الديار، وله شعر يدل على غزارة أدبه، وحسن طريقته في النظم ومذهبه كقوله: ترى في ابيضاض الكأس حمرة خده ... فتحسبها ملأى ولا شيء في الكأس قال البسامي: وكانت رؤيتي إياه بحمص جالسا على بعض الدكاكين، وكان أعور، فاستثقلت شخصه، وقيل لي: إنه شاعر فأردت العبث به فقلت: أيها الشاعر، عملت في عورك هذا شيئا؟، وانتظرت أن ينقطع ويخجل، فقال: نعم، وأنشدني: لست آسى لفقد إنسان عيني ... وجميع الجمال في معتاضه وحبيبي من مقلتي أخذ الخا ... ل وأعطى سوادها من بياضه فاقشعر بدني منه، وعلمت أنه من الصيد الذي لا يحل أكله!

стр. 41

وحكي عنه أنه تعشق صبيا أعور فقال فيه: له عين أصابت كل عين ... وعين قد أصابتها العيون قال بعض الفضلاء: أظنه قال هذا الشعر لما اعتن معناه في نفسه، ثم طلب أعور يعشقه ليجعله معرضا لقوله، فقد هون بفصاحته المستكره، وحسن ببلاغته المستقبح. ومن أحسن ما جاء في ذلك ما ذكره التميمي في سيرة الحجاج من أن عبد الملك بن مروان أمر بعمل باب في بيت المقدس يكتب عليه اسمه، فسأله، الحجاج أن يأذن له في عمل باب أيضا، فأذن له، واتفق أن وقعت صاعقة احترق فيها باب عبد الملك، وسلم باب الحجاج، فعظم ذلك على عبد الملك فكتب الحجاج إليه: بلغني أن نارا نزلت من السماء فأحرقت باب أمير المؤمنين، ولم تحرق باب الحجاج، وما مثلنا في ذلك إلا كمثل ابني آدم إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر! فسري عنه لما وقف على الكتاب. وكان طاهر بن الحسين وهو في قتال المخلوع قد جعل دراهم للصدقة في كمه، ونسيها، فأسبله، فتبددت الدراهم - وهو لا يعلم - فلما ذكرها تطير من ذلك، فأنشده أحد الشعراء: هذا تبدد جمعهم لا غيره ... وذهابها عنكم ذهاب الغم شيء يكون الهم نصف حروفه ... لا خير في إماكه في الكم! وذكر المملوك بالبيت الثاني قول محمد بن أبي سعيد؛ أحد المحدثين: ألا رب شيء فيه من أحرف اسمه ... نواه لنا عنه وزجز وإنذار فتنا بدينار وهمنا بدرهم ... وآخر ذا هم، وآخر ذا نار وكان خالد بن يزيد بن مزيد تقلد الموصل في أيام المأمون، فلما دخلها مر بأول درب منها اندق اللواء، فاغتم لذلك، وعظم عليه، فقال مروان بن محمد المعروف بأبي الشمقمق بديها: ما كان مندق اللواء لريبة ... تخشى، ولا صرف يكون معجلا لكن هذا الرمح ضعف متنه ... صغر الولاية فاستقل الموصلا! فكتب صاحب البريد يخبره إلى المأمون، فزاده المأمون ديار ربيعة، وكتب إليه: هذا لتضعيف الموصل متن لوائك، فأعطى خالد أبا الشمقمق عشرة آلاف منهم وشخص إلى ديار ربيعة. فقوة البراعة حكمت بالاقتدار على مدح ما عادته أن يذم، وجودة العبارة ختمت باستحسان ذم ما عادته أن يمدح، كما قال عبد الله بن التوأم يذم النخلة التي طاب جناها، وزاد نفعها وتناهى: إنها صعبة المرتقى، مهولة المجتنى، بعيدة المهوى، حسنة المس، قليلة الظل. وكما حكي عن سهل بن هرون من أنه عمل كتابا يمدح فيه البخل، ويذم الجود، ليري بلاغته، وطول لسانه، وأهداه إلى الحسن بن سهل. إلا أن الحسن وقع عليه: لقد مدحت ما ذمه الله، وحسنت ما قبحه الله، وما يقوم صلاح لفظك بفساد معناك، وقد جعلنا ثوابك عليه قبول قوله فيه. ولم يعطه شيئا. وقد اعتمد جماعة من البلغاء مدح الشيء وذمه إظهارا لاقتدارهم، وإبانة عن محلهم ومقدارهم، وعملا بقول القائل: ما من شيء إلا وله وجهان؛ فالمادح يذكر أحسنهما، والذام يذكر أقبحهما. وقد روي عن عيسى ﵇ أنه مر هو وأصحابه على كلب ميت فقال بعضهم: ما أنتن ريحه، فقال عيسى ﵇: ما أشد بياض أسنانه. فسلم لعائبه ما ادعاه من مساوئه، وذكر من محاسنه ما لم ينازعه فيه. والمملوك يقول: إن من أبدع الكلام قول الحكيم: لا عشت ليوم أمدح فيه ما ذممته، ولا أذم فيه ما مدحته؛ ذلك يوم ظفر الهوى بالرأي. ومما يلحق بهذا الباب أن يأتي ذم لا تكون المبالغة فيه إلا باللفظ الذي يكون مدحا لغيره، كقوله: شاهين موسى وإن أرضتك عفته ... أبر منه وأتقى باز عمران وباز مالان لا تنجو طريدته ... ولو أتت بأمان من سليمان فالعفة والتقى مبالغة في ذم الجوارح، وهما من أفضل ما يمدح به غيرها. في تناوب الأعضاء وهو مما يدل على تجويد الشاعر وقوة تصرفه، ومضاء خاطره وقلة توقفه، ومن أحسن ما جاء في ذلك قول أبي الطيب: وجحفل ستر العيون غباره ... فكأنما يبصرن بالآذان وقوله: كأن الهمام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد وحكى ابن رشيق قال: جلست يوما إلى ابن حديدة الشاعر وأنا سكران، فسألني عن حال المكان الذي خرجت منه، فوصفته، وأفضى بي الحديث إلى ذكر غلام كان ساقيا، فقلت في درج الكلام: فشربتها من راحتي ... هـ كأنها من جنتيه وقلت: أجز، فقال:

стр. 42

وشممت وردة خده ... نظرا ونرجس مقلتيه فقلت: أحسنت، وجودت شمك بالنظر، كسماع أبي الطيب بالبصر حيث يقول: خلفت صفاتك في العيون كلامه ... كالخط يملأ مسمعي من أبصرا وهذا - وإن لم يكن من هذا الباب من كل جهة - فهو من أولى ما أورد معه. وكذلك قول مهيار: خان بكاء العين أجفانه ... فناح، والنوح بكاء الفم لأن النوح والبكاء ليسا عضوين. ولابن رشيق في جواب كتاب: أسمعت عيني ما اشتهت ... بلسان هاتيك اليراعة وقول الشريف الرضي: عزني أن أرى الديار بعيني ... فلعلي أرى الديار بسمعي وكان المملوك يوما مع صديق له وهما سائران في الطريق، فلقيهما ضرير، فلما سمع وقع حوافر الدواب؛ جعل يتوقف ويتحسس، وأخذ يتنصت ويتجسس، فقال المملوك لرفيقه: تأمل هذا الضرير كيف يتبصر بسمعه ولم يكن شيء من هذا الباب حينئذ على ذكره، فاستجاد العبارة، واستحسن الاستعارة. ولأبي الطيب: خير أعضائنا الرؤوس ولكن ... فضلتها لقصدك الأقدام ولحسن بن عبد الصمد: تعطي وسمعك بالملام مشنف ... فكأن راحتك الكريمة تسمع ولابن حيوس: قواف هي الخمر الحلال وكأسها ... لساني ولكن بالمسامع تشرب وقد أجاد ابن القمي وزاد بقوله: ولي سنة لم أدر ما سنة الكرى ... كأن جفوني مسمعي والكرى العذل ونظائره كثيرة. قد قدم المملوك في صدر هذا الجزء اعتذاره في ذكر القليل وإيراده، واحتجاجه على توخي اليسير واعتماده، لما خص به المقام الأعظم - ثبت الله سلطانه - من المهابة التي تحجز عن الإطالة، وتمنع من دواعي السآمة والملالة، ولولا ذلك لتوسع فيما يجمعه، واستكثر مما يصنعه، تقربا إلى مالكه باجتهاده، وحرصا على تطلب الحظ وارتياده، والله تعالى يقضي له بارتضاء خدمه وإن كانت مختصرة لطيفة، ويجعل السعود - أبدا - محدقة بمجلس مالكه مطيفة، ويوزعه شكر النعمة فيما ناله من إحسانه وشمله، ويبلغه في الخدمة الشريفة بغيته ورجاءه وأمله، بمنه وطوله وقدرته وحوله إن شاء الله . رسالة مناجاة شهر رمضان مناجاة شهر رمضان أيام المواسم مكرمة مفضلة، وأوقاتها مرفوعة أعمالها متقبلة، بدليل فضل شهر رمضان عند من علمه وعرفه، وحصول الإجماع على ما شرف الله تعالى به يوم عرفة، فالصائم إذا نادى لباه الله - سبحانه - وأجابه، والمؤمن إذا ناجى حرم الله رده ومنع حجابه، لأنه كتب على نفسه قبول ما كان له - جل وعلا - فيه رضى، وجعل فاعل ذلك لا يخاف مخالفا فيه ولا معترضا.

стр. 43

ولما أهل شهر رمضان على المقام العالي المالكي السيدي الأجلي الأفضلي الجيوشي، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام الله قدرته، وأعلى كلمته، مؤذنا باتساع قدرة تخدمها الأفلاك، ومبشرا بانفساح مدة تخضع لها الأملاك، وكانت الحضرة العالية المالكة - ثبت الله دولتها، ونصر ألويتها - مخصوصة بالتوفر على الخير والبر، حريصة على الطاعات في الجهر والسر، متحققة أنها الأفعال التي يتقرب بها إلى الله تعالى ويتوصل، والذرائع التي يتحرم بها عنده ويتوسل، والدواعي إلى الثواب الجزيل في العاجلة والعقبى، والمساعي التي من لزمها كان الله حزبا وللشيطان حربا، وقد علمت - خلد الله ملكها، وأدام في أعداء الدين فتكها - أن المجتهدين في الأدعية اثنان: إما سالك في ابتهاله مسلك الطالب الراغب، أو معدد في مناجاته ما لله عنده من المنائح والمواهب، ولا خلاف أن من عدد الإنعام أفضل ممن طلبه، ومن اعترف بالإحسان أشرف ممن رامه وخطبه، وأنه لا حجة لها على الله لأنه استخلفها على البسيطة لما كانت أفضل الخلق، وارتضاها لتدبير الخليقة لما هي عليه من العمل بالعدل، والحكم بالحق، وانتضاها محامية عن دينه الحنيف وتوحيده، وشرف اعترافها عن عدول الجاحد ومحيده، فأولى ما ناجته به وصف نعمه التي لا تحصى بعدد، وشرح منحه التي يلزمها ذكرها دون كل أحد، لأنها محظورة على كافة أهل الأرض؛ والناطقين فيها، ومحرمة أن يتفوه بها بشر إلا أن يكون إيرادها من شريف فيها. فلذلك خدم المملوك بهذه المناجاة التي عظم بها القدر عند الله تعالى والجاه، وجعلها مشتملة على تعديد النعمة، واستمطار الكرم والرحمة، والله تعالى يمد عليه ظل مالكه، وينهضه بخدمته، ويديم على الدنيا والدين عز سلطانه، وبهجة دولته، بفضله، وطوله، وحوله، وقدرته. وهذا ابتداء المناجاة رب! قد آتيتني من الملك. اللهم إنك قد فضلتني على بريتك، ونصبتني لتدبير خليقتك، وارتضيتني محاميا عن كلمة توحيدك، وعرضتني بذلك لمضاعفتك النعمة عندي ومزيدك، وخصصتني بما لم ينله ملك في قديم الإسلام ولا حديثه، وجعلتني ممن يتفق كل ناطق في وصفه - جل قوله - وحديثه، وعصمتني أن أجحد نعمك وأكفرها، وألهمتني أن أهب الجرائم وأغفرها، ما لم يكن ذلك حائلا عن إقامة الحدود، أو حاجزا عن الانتقام من أهل الشقاق والمردود. اللهم إنك قد حفظت بي من الدين القيم ما أضاعه ملوك الوقت، وجعلت ذلك قاضيا لي بالمحبة وحاكما عليهم بالمقت، وحبوتني من الكافة بصفاء الضمائر وخلوصها، وساويت بين سرائرهم في عموم مشايعتي وخصوصها. اللهم إنه قد أشرف هذا الشهر الشريف الذي فضلته على جميع الشهور، وميزته في متقادم الأزمنة والدهور، وعظمته بما أنزلته في ذكره ووصفه؛ فقلت في كتابك الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) . وجعلت فيه ليلة القدر التي لم تزل أعمال من أحياها إليك صاعدة، والمخصوصة بنزول القرآن إلى سماء الدنيا فيها جملة واحدة. اللهم فأعين على صيامه وقنوته، وأنهضني بما يجب له في أحيان ذلك ومواقيته، ووفقني لما يرضيك من عمل نهاره وليله، وأذهب عني رجز الشيطان الذي يجلب على المؤمن برجله وخيله، واجعل نصيبي من ثوابه كمنزلتي من اصطفائك، وحظي من أجره أجزل حظ مننت به على عبيدك وأوليائك. اللهم إنك أعلم بمصالحي مني، وإن أيسر جزء من إحسانك يتجاوز غاية التمني، فبحرمة ما تعلمه من باطني وسريرتي، وما تطلع عليه من صحة عقيدتي وطهارة نيتي، وما ألهمتني إياه من بث العدل في الرعية، والعمل بمرضاتك في هذه البرية؛ إلا مددت في عمري وأصحبتني التأييد في جميع أمري، وجمعت لي الحُسنيين في القول والعمل، وبلغتني في طاعتك غاية المطلوب والأمل. اللهم واقض لي أن يكون هذا الشرع الشريف محروس النظام بي، واجعل حمايته في عقبي كما كانت من قبل من أبي. اللهم وامددني من الحظوظ الملكوتية والسعود اللاهوتية بما أمددت به أنبياءك الذين حكمت بعزتهم، وحتمت بقوتهم، وقضيت بانتشار دعوتهم، وتأذنت بظهورهم وإعلاء كلمتهم.

стр. 44

اللهم وألن في طاعتي القلوب القاسية، ومكن قواعد مملكتي لتكون راسخة راسية، واجعل الألسنة بصالح الأدعية لي لا غافلة ولا ناسية. اللهم وأعني على ما استرعيتني ووفقني فيما استصلحتني له وارتضيتني، وأيدني بروح منك لتصلح شؤوني، ويصح تدبيري، وأرشدني إلى ما يحظى لديك عند مآلي إليك ومصيري، يا من لا يرد من أخلص في دعائه، ولا يحرم من وثق بعطائه، ولا يخيب من استمسك بالعروة الوثقى من تأميله ورجائه. إنك اللطيف الخبير، وأنت على كل شيء قدير. (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) وصلى الله على سيد المرسلين، محمد خاتم النبيين وعلى آله الطاهرين وسلم تسليما، (وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل) . رسالة سماها عقائل الفضائل أفضل الكلام أصدقه وأنفعه، وأشرف البيان أسبقه إلى الفهم وأسرعه، ولقد حكي عن المأمون أنه قال: أريت في المنام رجلا على الهيئة التي يوصف الحكماء بها، خيل إلي أنه أرسطاليس، فتقدمت إليه، وسلمت عليه، وقلت له: أيها الحكيم، ما خير الكلام؟ فقال: ما يستقيم في الرأي، قلت: ثم ماذا؟ فقال: ما يدل قليله على كثيره، قلت: ثم ماذا؟ فقال: ما لا تخشى عاقبته، قلت: ثم ماذا؟ فقال: لا ثم! فإذا كان غاية الوصف الذي ختم به مقاله أن يكون المتكلم كفافا لا عليه ولا له؛ فالكلام الذي يوجب أجراً أوفى رتبة وأعلى، والمقال الذي يذهب وزرا أسنى قيمة وأغلى، وذلك لا يجود إلا في تعظيم الله وحمده، ومواصلة شكره الذي به استنجاز وعده. والصلاة على سيد المرسلين محمد نبيه وعبده، وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أول من آمن به وتمسك بعهده، وعلى الأئمة من ذريته، العامل كل منهم في سياسة الأمة بغاية جهده، ثم الثناء على كل ملك وقع الاتفاق على فضله، وتساوت رعاياه في إنصافه وعدله، وحاز الشكر بلسان الإجماع، وألقت شيمه التنافس بين الأبصار والأسماع. ولما كان مولانا الملك أفضل ملوك هذه الدار، وأعدل من أعين بمساعدة الأقدار، وأشرف من خدمه التوفيق في الإيراد والإصدار، ومن أبى في أحكام الأمة سوى مساواتها، وملك القلوب فكان أحق بها من سويداواتها، وأولى من النعم ما أوفى على السؤال والأرب، وبنى للعجم من الشرف مثل ما بناه رسول الله للعرب، ولم يرض عند الله تعالى بدون المنزلة العظمى والدرجة العليا، فاشترى الدار الآخرة بحسن سيرته وأفعاله في هذه الدار الدنيا. كان أوفى ما استعمله الناطق، وأولى ما استكثر من الإخبار به الصادق؛ أن يورد من خصائصه وصفاته، ويذكر من أفعاله وحسناته ما يتوخى فيه قول الحق والصواب، وينال به عند الله جزيل الأجر والثواب. وحين عزم المملوك على ذلك رأى أن الكلام يشرف بمن ينسب إليه ويعزى، وجلالة الموصوف تكسب الواصف افتخارا وعزا، وقد قيل: إن القول يعظمه قائله، ولو قلت عقائله، فكيف إذا جمع المعنيين، ولم يكتف بإحدى الحُسنيين؟! وقد وصف مولانا الملك من الأئمة الخلفاء - صلوات الله عليهم - بما لا يحصيه عدد، ونال من ذلك ما لم ينله قبله أحد. والمملوك يقتصر من هذا الباب على فصول من جملة ما أنشأه عن الحضرة الطاهرة الآمرية - صلى الله عليها - مما ثبت في السجلات، وصدر إلى الأعمال والجهات، فتوج فروق المنابر، وبين عن الشرف الذي ورثه مولانا الملك كابرا عن كابر، واستوطأ مهادا من قبل كل سامع، وتضوع أرج ذكره في المحافل والمجامع، فهو - ثبت الله سلطانه - مستقر في دار مملكته السعيدة، وأحاديث فضله تجول في البلاد القصية والأماكن البعيدة. فصل اتفق في أسجاعه اللفظ والخط دون المعنى

стр. 45

ولقد انتضى الله لإعزاز الدين، وارتضى لتدبير الدنيا من يضاعف جزاءه يوم الدين؛ الملك السيّد الأجل الأفضل، أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، الذي استظهرت المملكة بعزماته على كل مخالف ومعاد، وأبت مفاخره كل مكرر من الصفات ومعاد، وحفظ معاقد الملة من أن تختل أو تحل، وصان محظورات الشريعة من أن تباح أو تحل، وساس أمور الكافة ببأسه الشديد ورأيه الصليب، وصرف عالي همته إلى إعزاز التوحيد وإذلال الصليب، وأمضى في حياطة الإيمان مرهفا ماضي الغرار، وأسهر جفنه في مصالح الأمة فما يطعم من الكرى غير الغرار، فالإجماع واقع على أنه أشرف من رفع للمجد علما وراية، والاتفاق حاصل في كونه أفضل من وقف على الخيرات نظره ورأيه، ولهذا نجح قصد راجيه وسائله، وأصبح لديه تأميل مؤمله من أعظم وسائله، فلا زال باب اعتزامه في فل الخطوب غير مرتج، وزند عطائه غير كاب بعنان ولا مرتج. فصل فتدبيره أبرز الدولة الفاطمية في أجمل المعارض، وجعل آيات مجدها متلوة بلسان المخالف والمعارض، لأنه شيد مبانيها باصطفاء الأنجاد، وحمى الدين وقد قعد الملوك عن النصرة له والإنجاد، وانتصب لصالح الأمة يستمد أسبابها ويجتلبها، واجتهد في منافع الكافة يستدر أخلافها ويحتلبها، فالأفهام متواطئة على أن هدايته أرشدت الألباب الحائرة، والأحوال ناطقة بأن معدلته أذهبت الأحكام الجائرة، فالله يخلد نظره ما تتابع ليلة ويوم، ويشيد مجده ما تعاقب على الأجفان يقظة ونوم. فصل إن الله عضد الخلافة منه بكفيل تكفلت بحياطة الملة صرائمه، وخليل تجردت لإيالة الإسلام صوارمه، وحفيظ وضحت مفاخره وضوح ضياء الشمس، وحسيب اجتمع له فضيلتا كرم الأصل وشرف النفس، ومليك أوجبت خلاله تشوف الغد، وقضت بتلهف الأمس، ولذاك آتاه الله من الخصائص التي فاضل بها عظماء الأرض طرا، وحباه بالمآثر التي طال بها ملوك العصر شما كريمة وأفعالا غرا. فصل وكيف يبلغ الحمد مدى هممه، أو يؤدي القول فحوى شيمه، وقد بدد جموع الضلال ذباب قواضبه القاضية، وسرد أسود الأقيال تغالب أسنته الضارية، وأورد دماء الأعداء حوائم سهامه الظامية، واستنطق عصره مفتخرا على الأيام الخالية، بأيامه الحالية، فبكفالته اغتباط الدولة وابتهاجها، وإلى مكارمه معرج الآمال ومعاجها، وبتدبيراته الميمونة ظهر برهان الدولة الآمرية وثبت احتجاجها، ولا خلاف أن أعطاف مجده لائقة بها ملابس التعظيم، وأن ملوك الأرض قد أقرت له بفضيلة التقديم، وأنه قد حاز تالد الفخر وطارفه، فلم يحتج قديمه إلى حديث، ولم يفتقر حديثه إلى قديم. فصل مما كتب به عند مقامه بالفرما لتقرير أمر الجهاد وتدبيره، والعمل بما يؤدي إلى هلاك العدو وتدميره وأمير المؤمنين يقول مخبرا، ويورد مقتصدا مقتصرا. إن المنة به أكبر من أن يوفى حقها باعتداد، وأعظم من أن يؤدى فرضها بمبالغة في الشكر واجتهاد، وأسنى من أن يحيط بها وصف أو شرح، وأعلى من أن يناهضها تقريظ أو مدح، إلا أن البلغة من أوصاف مفاخره واللمعة من فضائله الباهرة ومآثره؛ أنه ملك يؤمن الخائف، ويقهر الحائف، ويبالغ في شكر العطاء والجود، ولا يتعدى الحد في إقامة الحدود، فحلال الدماء مطلول بشفار مشرفيته، وحرامها مصون بدينه الخالص وتقيته، يعمل بما يقضي بجذل الإسلام وابتهاجه، ويضمن الطمأنينة والسكون في حركته وانزعاجه، وينهض لنصرة الدين وقد صاحبته الميامن والسعود، ويفارق وطأته فراق السيف غمده يجلي ظلم الحوادث ويعود، ولذاك أعمل ركابه لتجهيز العساكر المؤيدة، والأساطيل المظفرة، واستسهل البعد عن مقر أمير المؤمنين في جنب ما يرجوه من إبادة أعدائه الكفرة، لأن عملهم ينهوضه جيش ينفذ من الرعب، ولأن بعده الآن مؤذن - بمشيئة الله - بدوام الدنو والقرب، فكم استخرجت عزمته الدعة من النصب، وكم استنتجت همته الراحة من التعب، فلا زالت أقطار المملكة محصنة بقواضي قواضبه، والخطوب مخاطبة عن حوزتها بألسنة كتائبه. فإذا كان هذا جزءا من ثناء أمير المؤمنين، ويسيرا مما تداوله الخلفاء على متقادم السنين؛ فأين يقع منه اجتهاد مماليكه في إحسان ذكره؟ وكيف يطمع أحد منهم بواجب حمد الله على تمليكه عليهم وشكره؟

стр. 46

عذرا إليه فإننا من عجزنا ... وقصورنا عن مدحه نستغفر وهذه الفصول أنموذج في وصف مناقبه كاف، وسبيل إلى نشر فضائله غير عاف ولا خاف، والمملوك يقف عند هذا الحد، ويقنع بما أورده مما قد أمن فيه من الرد، ويشفع ذلك من الملح بما يسنح، ويتبعه بما يميل القلب إلى مثله ويجنح، وهو وإن أورد منه ما نزر وقل، فقد نبه به على نظائره ودل، والله يعينه من الخدمة الشريفة على ما تضمره نفسه وتنويه، ويقضي له من الحظ بما يكسبه جزءا من إشادة وتنويه، بجوده، ومجده، وكرمه وفضله. من فضائل الملوك التي ذكرت إيماء لكثرتها واتساع فنونها، ولأن التخفيف والاختصار من شروط هذه الخدمة وقوانينها وذلك نوع إذا استشفت ضروبه، وتؤملت أساليبه؛ كان سهم مولانا الملك منها السهم المعلى، وألفي كل مدح في حقه مستنزرا مستقلا، ولو لم يكن له من المناقب التي فضل بها وفاق، وملأ ذكرها ووصفها الآفاق، إلا أنه قوم الزمان لما مال وانحرف، وفعل في تعديله ما أقر به الجاحد واعترف، فوفق بين سنة الشمس وسنة القمر، وأبان عن صحة الفكر ودقة النظر، وكانت مسافة بعدهما منافرة للعادة، ومدة تفاوتهما ثلاث سنين وهي إلى الزيادة، فدبر ذلك على حسب سيرته العادلة، وسنته الحسنة، وجعل مقدار هذا التباين مأمونا فيهما إلى مائة سنة، وأمر - أعلى الله أمره - بما أنشئ في هذا المعنى مما تولى - خلد الله ملكه - تهذيبه، وقصد إيصاله إلى الأفهام وتقريبه، وقرئ على جميع منابر المملكة، فعلم الكافة ما فيه من عموم النفع وشمول البركة، وذلك مما عجز عنه الوزراء الذين هذا الفن صناعتهم، والتصرف في الكتابة عمدتهم وبضاعتهم، فما يتنافسون إلا في طلابها، ولا يتوسلون إلى الرئاسة إلا بها. وهو - ثبت الله دولته - فهي أيسر حسناته، وأقل آلاته وأدواته، وفضيلته فيها فضلة على ما هو أعلى منها وأشرف، وعلومه شاهدة أنه أنفذ من مدرسيها وأعرف. ولقد حكى الزعيم أبو العلاء (ثقة الملك) صاعد بن مفرج أن أماثل متولي الدواوين اجتمعوا عند بعض الوزراء في سنة نيف وثلاثين، وتفاوضوا في نقل السنة الخراجية إلى الهلالية، وقصدوا ما رفع اللبس وأزاله، ووسعوا القول رغبة في إيضاح المعنى له، فقال: ما أوثر أن يجري هذا في أيامي ولا نظري، فو الله ما وصل إلى فهمي، ولا علق بتصوري، وهذا يكون على يد غيري، ويخبأ لمن يأتي بعدي. فأمسكوا عنه، وخرجوا من عنده وبقي ذلك مهملا إلى سنة خمس مائة لأن الله تعالى ذخر الفضيلة فيه لمولانا الملك الذي أسبغ النعم العميمة، وأولى المنح الجسيمة، ولم يكتف بالإحسان إلى كافة البرية حتى لاءم بين السنة الشمسية والسنة القمرية. فالله تعالى يديم بهجة الدنيا بامتداد ظله، ويلهم أهلها ما يستوجبون به سبوغ عدله، ويجعل القلوب على طاعته متفقة، كما تألفت عنده الفضائل التي غدت في الناس مفترقة. لا غرو إن كان فيه الفضل مجتمعا ... والفضل مفترق في (سائر الأمم) فأحرف الخط يحوى الطرس جملتها ... وقد تفرع منها سائر الكلم ولا زالت الأمة في شكره قاضية دين، وإحسانه متجددا أبدا على الجديدين. فأما إرشاده للمستخدمين، وإيفاؤه على ملوك الأرض المتأخرين والمتقدمين؛ فيكفي من ذلك ما شاع واشتهر، ويقنع منه ما بهر مذ ظهر، ولا خلاف أنه يهدي الحكام في المشكلات إذا نزلت، ويشجعهم في القضاء إذا ضعفت القوى وانخزلت، ويرسم للكتاب ما يعتمدونه في المستبهمات إذا عرت، ويوضح لهم طرق المعالي إذا صعبت وتوعرت، فأدام الله ظله على هذا الخلق، وأجاب فيه دعاء أهل الغرب والشرق، بكرمه وفضله وجوده، ومجده. يحكى أن الصاحب أنشد عضد الدولة فناخسروا قصيدته المعروفة باللاكنية لكثرة ما كرر فيها (لكن) وأولها: أشبب لكن بالمعالي أشبب ... وأنسب لكن بالمفاخر أنسب ولي صبوة لكن إلى حضرة العلا ... وبي ظمأ لكن من العز أشرب فلما انتهى إلى قوله: ضممت على أبناء تغلب ثأيها ... فتغلب ماكر الجديدان تغلب قال عضد الدولة: يكفي الله كراهية لقوله: تغلب! والصاحب لم يتيقظ لهذا النقد مع أنه لا يصح في هذه اللفظة إلا بتغييرين: ضمة التاء، وفتح اللام، وإنما ذكر أحدهما.

стр. 47

وقد سلم ابن حيوس مما لزم الصاحب، لما كان مادحا لبني تغلب، وغير محتاج إلى بناء الفعل لما لم يسم فاعله في قوله: إذا البيض كلت يوم حرب فإنها مواض قواض أن تغلب تغلب ومولانا؛ فقد صان الله مواقفه المعظمة، ومقاماته المكرمة عن أن تكون الخدم بها إلا منقحة، والمدح لها إلا مهذبة مصححة، وحماها مما لم يزل سامعوه ينتقدونه فيحتاج قائلوه إلى الاعتذار عنه بما يتأولونه. كان أبو المناقب الشاعر قد خدم المقام العالي المالكي الأفضلي - ثبت الله سلطانه - بعيدية أولها: نهنيك، كلا! بل يهنى بك الدهر فقيل له: إن لفظة (كلا) هاهنا غير مستحسنة، فوافق على ذلك وغيرها فقال: نهنيك والأولى نهني بك الدهر وهذا دليل على أن الأقدار بخدمة مولانا متطوعة، والأفكار إلى ما يرتضي غرضه بعالي مجلسه متوثبة متسرعة. ويروى أن سيف الدولة علي بن حمدان قال لابن خالويه: لم يأت على تصريف: رحم، فهو راحم، ورحيم، ورحمان؛ إلا قولهم: سلم فهو سالم، وسليم، وسلمان، وندم فهو نادم، ونديم، وندمان. فقال ابن خالويه: أعرف رابعا في نسب الأمير، قال: وما هو؟ قال: حمد فهو حامد، وحميد، وحمدان. وهذه الرواية وإن شهدت بفضيلة سيف الدولة وأدبه، فقد أعربت عن إغفاله تقصي النظر في نسبه. وقد تقدم من وصف مولانا ما يدل على معجزاته، وعلم معه أن الاستدراك لا مجال له في معلوماته، ولو أودع هذا الباب ذكر خصائصه لأتى من توسيع القول وبسطه ما يقضي بتوفر حظ الإطناب وتضاعف قسطه. يقال: إن رجلا سأل شرف الدولة مسلم بن قريش حاجة، وسار في موكبه إلى أن وصل إلى حضرته، فقال له: أيها الأمير لا تنس حاجتي، فقال له شرف الدولة: إذا قضيتها نسيتها! وهذا من الأجوبة الدالة على شرف القدر، واستيجاب الصدر، وهو جل البيت الثاني من قول ابن قابوس عمر بن مسلم في يحيى بن خالد البرمكي: رأيت يحيى أتم الله نعمته ... عليه يأتي الذي لم يأته أحد ينسى الذي كان من معروفه أبدا ... إلى الرجال، ولا ينسى الذي يعد ومن أعلى رتب البلاغة نثر المنظوم ونظم المنثور، وقل من يجيد فيهما إلا من أعانته دربته، وساعده طبعه وفطرته. وقد كان أبو سعد علي بن خلف صنف لبهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة كتابا في حل المنظوم، ولقبه بالمنثور البهائي واعتمد فيه على الحماسة، للألف لها، والأنس بها، كما فعل أبو علي الفارسي في كتاب الإيضاح الذي عمله لأبيه عضد الدولة فناخسروا؛ فإنه استشهد في باب (كان) بقول أبي تمام: من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا قال علي بن عيسى الربعي: قال لي أبو علي مرات: ما أفرق بين شعر الطائي والبحتري، وبين حجرين ملقيين في الطريق أتجنب أن أعثر بهما فأعدل! ثم اعتذر إلي من هذا البيت الذي ذكره في الإيضاح، فقال: يا أبا الحسن، لا تظن أني تغير رأي في الطائي، أو ناقضت لذكري هذا البيت، وإنما جرى في مجلس الأمير فعملته لأنه من حفظه لا أني جعلته شاهدا! ولعمري إن أبا تمام وغيره من المحدثين لا يستشهد بأشعارهم في النحو ولا اللغة؛ لأن الشواهد على ذلك إما لجاهلي، وإما لمخضرم: بفتح الراء وكسرها. قال الأخفش: يقال: ماء خضرم إذا تناهى في الكثرة والسعة، فمنه سمي الرجل الذي شهد الجاهلية والإسلام مخضرما؛ كأنه استوفى الأمرين. قال: ويقال: أذن مخضرمة، إذا كانت مقطوعة، فكأنه قطع عن الجاهلية إلى الإسلام. وإما لإسلامي كرؤبة، وذي الرمة، وجرير، والفرزدق. على أن ابن جني قال في شرح منهوكة أبي نواس: وبلدة فيها زور. قال بعض أهل علم العرب: لولا ما كان أبو نواس يخلط به شعره من الخلاعة لاحتج به في كتاب الله _، وفي حديث رسول الله ﷺ . رجع المملوك إلى حل المنظوم: فمن فصول المنثور البهائي المقدم ذكره:

стр. 48

ومتى استنهضتنا لخطب، أو استنجدتنا في حرب؛ أنجدك منا رجال بأيديهم آجال، إذا أبدى البأس ناجذيه طاروا جماعات ووحدانا إليه، وإن صرح الشر لهم، وهو عريان، عدوا عليه عدوة الليث وهو غضبان، يرون بالقتل حياة، وفي الشر نجاة، لا يصدون عن الحرب الزبون فرارا، ولا يزدادون عليها إلا إصرارا، ولا تبلى بسالتهم وإن صلوا بها أطوارا، إذا أحلبت عليهم العدو المباسل اقتسمته الأسنة والسلاسل، وإن سما لهم الجاهل المتطاول، فما العمر منه بباق ولا المدى متطاول. وهذا الفصل جل أوائل الحماسة: فأما نظم المنثور فلم ير المملوك تصنيفا فيه إلا الحاتمية. وهو يمثله بشيء مما حاضر به، واتفق له. قال يوما لأمية بن عبد العزيز المعروف بأبي الصلت في مذاكره بينهما: ما أحسن قولهم: الأماني أحلام المستيقظ، فوافق على استحسانه، ونظمه فقال: كم ضيعت منك المنى حاصلا ... كان من الواجب أن يحفظا فإن تعللت بأطماعها ... فإنما تحلم مستيقظا من الشعر المستحسن قول سيف الدولة صدقة بن مزيد يصف ناقة: وحطا رحال الميس عنها فإنها ... أنيخت هلالا بعدما ثورت بدرا ويحكى أنه لم يقل قط إلا هذا البيت، واقتصاره عليه دليل على أنه لم يستكره طبعه ولا تعسف فكره. وهذه قضية قد اتفقت لجماعة من الفضلاء في أنهم يقولون البيت المفرد، ولا يعملون له ثانيا. فمنهم وقد - رقي المنبر يوم عيد فأرتج عليه، فنزل وهو يقول: فإلا أكن فيكم خطيبا فإنني ... بسيفي إذا جد الوغى لخطيب فقيل له: لو قلت هذا على المنبر كنت أخطب الناس! ومنهم هشام بن عبد الملك، فإنه كان يكثر التمثل ببيت قاله، ولم يقل غيره، وهو: إذا أنت لم تعض الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال ومنهم إبراهيم بن موسى بن جعفر في قوله لذي الرئاستين معزيا بابنه العباس: خير من العباس أجرك بعده ... والله خير منك للعباس ومنهم عمرو بن مسعدة - ووقع به -: أعزز علي بأمر أنت طالبه ... لم يمكن النجح فيه وانقضى أمده وقال ابن عبدوس في كتاب: الوزراء والكتاب إنه لم يقل قط غيره. ومنهم إبراهيم بن العباس الصولي في قوله: أناة فإن لم تغن أعقب بعدها ... وعيدا، فإن لم يغن أغنت صوارمه ولم يقل أولا ولا ثانيا. وقد قيل: إنه بدأ به على أنه كلام منثور، فجاء موزونا، فأقره على ما هو به. ولا يعلم المملوك شعرا في مكاتبة سلطانية إلا هذا البيت. ومما مدح الفضل بن يحيى به مفردا: ما لقينا من جود فضل بن يحيى ... يترك الناس كلهم شعراء فاستجيد هذا البيت، وعيب بأنه مفرد، فقال أبو العذافر: علم المفحمين أن ينطقوا الأش ... عار منا والباخلين السخاء ويروى أن ابن دارة واصل هجاء رجل من العرب فلقيه المهجو يوما وحده، فقتله، وقال: محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا. ومنهم الشريف البياضي، وكتبه على مروحة: وا رحمتا لي أن حللت بمجلس ... أن لحنوا فيه يكون كسادي وهذا من أحسن ما هجي به غناء. ولبعض شعراء المجلس العالي - ثبت الله سلطانه - في ملك غانة، لما وصل مصر يريد الحج، وقد شاهد أهل مملكة مولانا ما ناله من الحباء الذي سهل حجه، والعطاء الموضح له سبيل مراده ونهجه: كذا يجيب دعاء الله من عرفه ... من غانة غاية الدنيا إلى عرفه ولما اجتمع المملوك به طالبه بعلم ثان فذكر قصور قدرته عنه. مما أهمله المتقدمون وتركوه، فتيقظ له أدباء هذا الوقت واستدركوه تضمن كتاب البلاغتين للعسكري نقدا على الفرزدق وابن هرمة، وهو: قال الفرزدق: وإنك إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم كمهريق ماء بالفلاة وغره ... سراب أذاعته رياح السمائم وقال ابن هرمة: وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندا شحاحا كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا والمنتقد أن ثاني بيت الفرزدق يصلح ثانيا لبيت ابن هرمة، وثاني بيت ابن هرمة يصلح ثانيا لبيت الفرزدق. ولم يزل إصلاح ذلك مهملا إلى أن فاوض المملوك بعض الأدباء فيه، فقال: ينبغي أن يكون قول الفرزدق:

стр. 49

وإنك إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم كورقاء تعري للسفاهة بيضها ... وتستر بيضا غيره بالقوادم وقول ابن هرمة: وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندا شحاحا كمثل الذي يهريق السقاء ... إذا ما السراب لعينيه لاحا وهذا مما قنع المتقدمون بانتقاده، وأهملوا إصلاحه وتقويم منآده، حتى هذبه أدباء هذه الأيام الزاهرة، وحرره أنشاء هذه المملكة القاهرة، وذلك لما فاض عليهم من أنوار مالكها فاسترشدوا به في طريق الصناعة ومسالكها. ذكر الشريف المرتضى في كتاب: طيف الخيال قول البحتري: هجرتنا يقظى، وكادت على عا ... دتها، في الصدود تهجر وسنى وحكى كلام الآمدي عليه، وتغليطه للبحتري مع حسن رأيه فيه، ووافقه الشريف على ما ذهب إليه، مما مضمونه أنه يقظى ووسنى حالان من ضميرها، وأنها لا تكون موصالة في وسنها، حتى يقول: كادت تهجر في هذه الحال! وهذا البيت صحيح المعنى، وهو من إحسان البحتري، وذلك أن يقظى جمع يقظان، وهو حال من ضمير المتكلمين، لا من ضميرها، ووسنى جمع وسنان، وهو مفعول تهجر، وتقريبه: هجرتنا في حال يقظتنا، وكادت تهجر قوما ذوي وسن. فالتأويل الأول يجعل البيت من إساءات البحتري ومعايبه. والتأويل الثاني يجعله من حسناته وغرائبه. من النقد سمع المملوك من ينشد: لا تعلمن مؤالفا ومخالفا ... حاليك في السراء والضراء فلرحمة المتوجعين مضاضة ... في القلب مثل شماتة الأعداء فقال: يتوجه النقد في البيت الأول لكونه أجرى المؤالف مجرى المخالف في النهي عن إعلام حاليه، وإنما الواجب أن يعلما حاله في السراء؛ لما في ذلك من مسرة المؤالف، وغيظ المخالف، وأن لا يعلماها في الضراء إشفاقا من حزن المؤالف، وشماتة المخالف. والوجه أن يكون البيت: لا تعلمن مؤالفا ومخالفا ... بنوازل البأساء والضراء والدليل على ذلك تعليله إياه في البيت الثاني. كان المملوك يوما مع إخوان له، وهم يتذاكرون أشياء من الأدب، فأنشد بعضهم قول ابن سعيد الحلبي: إذا أخذ المرآة ينظر وجهه ... حسبتهما شمسين بينهما بدر فأنشد آخر في التشبيه بالمرآة: والنجم وجه مقبل ... والبدر مرآة صدية فقال المملوك: هذا البيت مما جمع تشبيهين بغير أداة، وفيه نقد لا يدرك لمجرد الأدب؛ وذلك أن هذا التشبيه لا يكون إلا في وقت مخصوص، وهو إذا صار القمر بدرا في الثور، وكان ذاهبا إلى مقاربة الثريا، أو منصرفا عنها، لأن النجم - على مذهب العرب - الثريا. ألا تراه شبهها بالوجه، ثم ذلك لا يكون والشمس في الثور، إذ كانت الثريا من كواكبه، وكل كوكب لا يظهر إذا كانت الشمس في برجه؛ لأنه يكون تحت شعاعها. ومن مليح ما قيل في المرآة: قوراء تحويك وتحتويها حاملة أشخاص حامليها أعجب بها! تريك ما تريها مظهرة منك بها شبيها والحسن والقبح جميعا فيها! وعلى ذكر التشبيه، فقد أحسن بعض الشاميين في قوله - وكتب به إلى صديق له يدعوه على عجة -: وعندي عجة تزهى بحسن ... تناهى فاستمالت كل نفس ولم أر قبل صائغها حكيما ... يصوغ من الكواكب عين شمس ومن مليح اللغز فيها قول الآخر في أبيات: حروفها تقرأ مقلوبة: ومراده: اسمها، لا قلب حروفها. وهذا يدخل في باب المحاضرة بقول الصقلي: قد جاء بالنسرين يمسح خده ويشوفه زهر ألذ بقربه ... ويسرني تصحيفه ومراده أن (هذه الكلمة التي هي) يسرني، تصحيف نسرين. وقوله أيضاً في كرسي: وا وحشتا لمفارق ... قد كان عيشي أنسه فاعذر أخاك فإنه ... شيء يسرك عكسه ومراده: عكس يسرك. ومن فضلاء الشاميين السابق المعري، وله رسالة وسمها بتحية الندمان. قال: ولهذا اللقب معنيان: أحدهما، رضيع المدامة، والآخر، فعلان، من الندامة. فمن محاسنها قوله: صرت إلى حلب، والزمن موشي الجلباب، مقتبل الشباب، قد تم عذاره، ونم بمحاسن وجهه آذاره. وذكر المملوك بهذا الفصل قول محمد القيرواني - وقد كتب إجابة لمن سأل عما آل إليه حال الجدب -:

стр. 50

وأما ما انعجم عليك من حال حولنا فقد برئ - بحمد الله - عليل برانا، وأثرى فقير ثرانا، بطالع وسمي دنا فأسف، وتابع ولي وكف فما كف ثرثارا قطره، محجوبا شمسه وبدره، حتى إذا ركب بالطام، وخيف منه انحطام الأطام، مزق عن الرقعاء صحيح إهابها، واختزن در البر في أصداف ترابها. وللملوك رسالة في مضاهاة هذه الإجابة منها: وأما استقراؤك حال سنتنا التي وصفتها بالمجدبة، وهي المجدية، ووسمتها بالمهلكة وهي المحيية؛ فقد كانت البلاد مغبرة مقشعرة فيها، وجاء - من كرم الله - ما يذهب عنها الشدائد وينفيها، فأتت جيوش النعم متوافرة مقتحمة، ودنت ضروب المنح مكاثرة مزدحمة. فتأمل الألطاف كيف تستبق ولا يخاف من فوتها، وانظر إلى أثر رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها وذلك أن السحاب أنجم ثم أثجم، والغيث ارتفع ثم اندفع، بهطل لا يخشى ضيمه، في يوم ستارته غيمه، تخال مزنه للشمس عاشقا، وتظنه بها مغرما ولها وامقا، فكلما جعلت تحتجب ظل لعدمها يبكي وينتحب، فعاد نسيم وقتنا عليلا مريضا، وغدا أديم أرضنا صحيحاً أريضاً، قد أحيا انهلال القطر بجرعاتها مواتا، واستحفظت من الحب سرا فوشت به نباتا. رجع المملوك إلى تحية الندمان. فمن فصولها: ولقد نشطت يوما للنزهة في جماعة من الغرباء وطنا وفطنا، فمر لنا يوم خنث الشمائل، غنج الضحى والأصائل، فلما قبض المغيب روح الشمس، وصارت من الظلام في رمس، حثثنا الصغير بالكبير، وحدنا عن شرب القليل إلى الكثير. والمملوك يقول: إن قوله: وطنا وفطنا، من تركيب قول البديع: فما أجرنا حزنا حتى هبطنا بطنا. وقد أحسن البحتري في قوله: جلن في يابس التراب فما رم ... ن طعانا حتى وطئن الطينا فأما وصفه الشمس في مغيبها، وما استعاره لها عند غروبها؛ فهو مما أغرب فيه، وأتى بإحسان لا يقدر الحاسد يكتمه ولا يخفيه. وقد أحسن الآخر في وصفها عند أفولها بقوله: فجليت عروس الشمس في الإصفرار، وأخذ الليل يدنس ثوب النهار. وذكره هاهنا تدنيس الثوب مع جلاء العروس من المعاني التي تبتهج بها القلوب، وتنشرح لها النفوس. فصل في محاسن أهل الوقت فمن ذلك: قول قاسم بن علي معارضة لأبي عبادة البحتري. قال البحتري من قصيدة أولها: بات نديما لي حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح مشبها للثغر: كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منظم أو برد أو أقاح وقال القاسم بن علي (الحريري) : نفسي الفداء لثغر راق مبسمه ... وزانه شنب ناهيك من شنب يفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد ... وعن أقاح وعن طلع وعن حبب فالبحتري شبه الثغر بثلاثة، والقاسم شبهه بخمسة وهذا أكثر ما يمكن في بيت. وإذا استحسن قول الوأواء: وأسبلت لؤلؤا من نرجس فسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد وفيه خمسة تشبيهات بخمسة مشبهات فأن تستحسن هذه العدة لمشبه واحد أجدر. والقاسم هذا باهر الفضل، فائق الطبع، غزير الأدب، كثير الملح فمما أعرب فيه عن براعته، وأبان عن بديع صناعته، أنه يمدح الشيء فيحسن في مدحه، ثم يذمه فيكشف عن قبحه، كقوله يمدح الدينار: أكرم به أصفر راقت صفرته وحببت إلى الأنام غرته كم آمر به استتبت إمرته وجيش هم هزمته كرته وحق مولى أبدعته فطرته لولا التقى لقلت: جلت قدرته! وقوله يذمه: تبا له من خادع مماذق أصفر ذي وجهين كالمنافق وحبه عند ذوي الحقائق يدعو إلى ارتكاب سخط الخالق وشر ما فيه من الخلائق أن ليس يغني عنك في المضائق إلا إذا فر فرار الآبق واها لمن تقذفه من حالق ومن إذا ناجاه نجوى الوامق قال له قول المحق الصادق ولا رأي في وصلك لي، ففارق وقد جعل هذا الشعر على وجه اللغز، وهو كثير الاستعمال لهذه الطريقة. ومن مليحها ما صنعه على لسان السروجي وولده وقاض تقدما إليه، فالذي نسبه إلى السروجي:

стр. 51

أيد الله القاضي، إنه كانت لي مملوكة رشيقة القد، أسيلة الخد، صبورة على الكد، تخب أحيانا كالنهد، وترقد أطوارا في المهد، ذات كف ببنان، وفم بلا أسنا، مطبوعة على المنفعة، مطواعة في الضيق والسعة، وطالما خدمتك فحملت، ولربما جنت عليك فآلمت وململت، وإن هذا الفتى استخدمنيها لغرض، فأخدمته إياها بلا عوض، على أن يجتني نفعها، ولا يكلفها إلا وسعها، فأولج فيها متاعه، وأطال بها استمتاعه، ثم أعادها وقد أفضاها، وبذل عنها قيمة لا أرضاها. والذي نسبه إلى الولد: أما الشيخ فأصدق من القطا، وأما الإفضاء ففرط عن خطا، وقد رهنته على أرش ما أوهنته مملوكا لي متناسب الطرفين منتسبا إلى القين، نقيا من الدرن والشين، يقارن محله سواد العين، يغذي الإنسان، ويتحامى اللسان، إن سود جاد، وإن وسم أجاد، وإذا زود وهب الزاد، ومتى استزيد زاد، لا يستقر بمغنى، وقلما ينكح إلا مثنى، يسخو بموجوده، ويسمو عند جوده، وينقاد مع قرينته، وإن لم تكن من طينته. والذي نسبه إلى القاضي: إما أن تبينا، وإلا فبينا! فقال الولد: أعارني إبرة لأرفأ أط ... مارا عفاها البلى وسودها فانخرمت في يدي على خطأ ... مني لما جذبت مقودها فاعتاق ميلي رهنا لديه ونا ... هيك بها سبة تزودها فالعين مرهى لرهنه ويدي ... تقصر عن أن تفك مرودها وقال الشيخ: أقسمت بالمشعر الحرام ومن ... ضم من الناسكين خيف منى لو ساعفتني الأيام لم ترني ... مرتهنا ميله الذي رهنا ولا تصديت أبتغي بدلا ... من إبرة غالها ولا ثمنا لكن قوس الخطوب ترشقني ... بمصميات من هاهنا وهنا وخبر حالي كخبر حالته ... ضرا وبؤسا وغربة وضنا قد عدل الدهر بيننا فأنا ... نظيره في الشقاء وهو أنا لا هو يستطيع فك مروده ... لما غدا في يدي مرتهنا ولا مجالي لضيق ذات يدي ... فيه اتساع للعفو حين جنى فهذه قصتي وقصته ... فانظر إلينا وبيننا ولنا! وقال في وصف كرم الخلق: أنا أراعي الجار ولو جار، وأبذل الوصال لمن صال، وأستقل الجزيل للنزيل، وأغمر الزميل بالجميل، وأودع معارفي عوارفي، وأولي مرافقي مرافقي، وألين مقالي للقالي، وأديم تسآلي عن السالي، وأقنع من الجزاء، بأقل الأجزاء، ولا أتظلم حين أظلم، ولا أنقم ولو لدغني الأرقم. وقال في عكس ذلك: أنا لا آتي غير المواتي، ولا أصافي من يأبى إنصافي، ولا أواخي من يلغي الأواخي، ولا أمالي من يخيب آمالي، ولا أداري من جهل مقداري، ولا أبذل ودادي لأضدادي، ولا أدع إبعادي للأعادي، وإلا فلم أعلك وتعلني؟ وأقلك وتستقلني؟ وأجرح لك وتجرحني؟ ومتى أصحب ود بعسف؟ وأي حر رضي بخطة خسف؟ قد كلت للخل كما كال لي ... على وفاء الكيل أو بخسه ولست بالموجب حقا لمن ... لا يوجب الحق على نفسه ومن مليح شعره قوله: لقد أصبحت موقودا ... بأوجاع وأوجال وخوان من الإخوا ... ن قال لي لإقلالي فكم أخطر في بال ... ولا أخطر في بال فمحرابي أحرى بي ... وأسمالي أسمى لي فهل حر يرى تخفيف أثقالي بمثقالي وقوله: إني امرؤ أبدع بي ... بعد الوجا والتعب فزفرتي في صعد ... وعبرتي في صبب وأنتم منتجع الراجي ... ومرمى الطلب لهاكم منهلةٌ ... ولا انهلال السحب وجاركم في حرم ... ووفركم في حرب ما لاذ مرتاع بكم ... فخاف ناب النوب ولا تستدر آمل ... حباءكم فما حبي! فأما قوله: فزفرتي في صعد ... وعبرتي في صبب فمن المعاني التي تصرف فيها الشعراء وتفننوا، وتوسعوا توسعا أجادوا فيه وأحسنوا، فمن ذلك قول ابن أبي سعيد: شتان في الحالين ما بيننا ... وبيننا في المنظرين اشتباه يا عجبا من حرقات الهوى ... تصعد نيرانا وتجري مياه وهذا أصنع من بيت القاسم بن علي، لأن القاسم جعل الزفرة غير العبرة، فهذا في ارتفاع والتهاب، وهذه في انحدار وانصباب، وابن أبي سعيد جعلهما شيئا واحدا إذا صعد كان نارا، وإذا جرى كان ماء، فالنار علة الماء؛ لأن صعودها يجريه. وقد عكسه الآخر في قوله:

стр. 52

ولم أر مثل الدمع ماء إذا جرى ... تلهب منه في الأصابع نار فجعل الماء علة النار، وأن جريانه سبب لتلهبها. وقد أحسن الصاحب غاية الإحسان في قوله: لا تحسبن دموعي البض غير دمي ... وإنما نفسي نار تصعد ( ... ) ولابن عباد أحد سلاطين الأندلس: نار وماء صميم القلب أصلهما ... متى حوى القلب نيرانا وطو (فانا) ضدان ألف هذا الدهر بينهما ... لقد تلون في الدهر ألوا (نا) وأما قول القاسم: وجاركم في حرم ... ووفركم في حرب فمعنى متداول أيضا. ومن مليح ما قيل فيه: لك العرض المباح لمن بغاه ... من العافين والعرض المصون وجارك ضد مالك منذ أما ... محلك، ذا يعز، وذا يهين وعلى ذكر قاسم، فللقاضي الرشيد محمد بن قاسم - وكتب به إلى صديق له كانت جاريته تزور داره، فجاءت على عادتها، وسألها أهله أن تقيم عندهم - فاستزار مولاها بقوله: سيدة الروم رام عترتها ... مقامها عندهم إلى العتمه فكن صلاة العشاء زائرنا ... والنون للجمع ليس للعظمه ولقد ملح ابن قاسم وتظرف، كما تنوع قاسم وتصرف. الغزالي: حلت عقارب صدغه في خده ... قمرا فجل بها عن التشبيه قد كنت أعهده يحل ببرجها ... فمن العجائب: كيف حلت فيه؟! ولما أنشد المملوك هذين البيتين ابن مكنسة عمل بديها: قلت ... إذ ذرفن الدلا ل على خده الشعر هذه آية بها ... ظهر الحسن واشتهر ما رئي قبل صدغه ... عقرب حلت القمر وعلى ذكر القمر والعقرب فقد أحسن ابن المغربي في قوله - وقد لسبت العقرب جارية كان يهواها -: كم تستحم العين فيك بمائها ... حتى كأن بها جنون المذهب إن كان نالك مؤلم من عقرب ... فالبدر ممتحن ببرج العقرب وبرج العقرب: هبوط القمر. وقد جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ نهى عن السفر إذا كان القمر في برج العقرب. ولمحمود بن القاضي الموفق: لام العواذل مغرما ... في حب ملهية وقينه ولو أنهن رأين تأ ... ثير الغرام به وقينه وهذا تجنيس لفظي خطي تركيب، فأما الخط واللفظ فواضحان، وأما التركيب فالكلمتان في عدته متساويتا، وذلك أن الواو في الأولى عاطفة، وهي في الثانية من أصل الكلمة، والنون في الأولى من أصل الكلمة، وفي الثانية ضمير جماعة المؤنث، فأما الهاء فهي في الأولى تاء التأنيث المبدلة هاء في الخط والوقف، وفي الثانية ضمير المفعول الذي هو المغرم. وهو يكثر من استعمال هذه الطريقة، وهي من أحسن ضروب التجنيس، فمن ذلك قوله: وقد كان رأيك ركني الذي ... عليه اعتمادي وها قد وهى ومن هذه الأبيات: ترى الشمس يسمو بها أوجها ... إذا قابلت منهم أوجها والمملوك يختم هذا الجزء ببعض ما لهذا المملوك محمود من الخدم الشريفة، تحريا للصدق الذي لا يشوبه إفك، وعملا بقول الله - عز من قائل -: (ختامه مسك) فمن ذلك قوله من قصيدة: لي مهجة جفناك قد فتناها ... وبغى العدو أذاتها فتناهى ما كان أفتاها بوصلي رحمة ... فمن الذي بقطيعتي أفتاها؟ آها لما صنع الهوى بل واها ... فيه تلذ نفوسنا بلواها ندية الأردان يفعم نشرها ... فكأنه أوصاف شاهنشاها هادي الدعاة الأفضل الملك الذي ... فخر الزمان بما أتاه وتاها قد كان عدم العدل أقنط أنفسا ... فجعلتها تقوى على تقواها وقوله من قصيدة أخرى: إني لأشكر بدر الخدر حين بدا ... وقد تقارب حيانا فحيانا يرضي الهوى والتقى والعاذلات فما ... ينفك يجمع إحصانا وإحسانا إن طالما أوضعت في الغي راحلتي ... فقد حمانيه وصف الأفضل الآنا سيف الإمام الذي فخر الملوك بأن ... غدت تعفر في ناديه تيجانا يقري العيون جمالا والعفاة جدى ... ملء الأماني والجانين غفرانا أغليت قيمة هذا النظم فارتفعت ... وكان كلا على الأذهان إذ هانا فما يجوز زمان أنت مالكه ... ولا يروعنا ما دمت ترعانا

стр. 53

قد أورد المملوك في رسالته ومختصره ما يدل على عجزه عن مفترط الخدمة الشريفة وحصره، ولا غرو أن يكون اجتهاده متأخرا عما يلزم ويجب، إذ كان المقام الأعظم مما يخفق كل قلب لمهابته ويجب، والله - سبحانه - يحرس عليه رأي مالكه وسلطانه، ويقره من خدمته فيما يليق بمساكن مثله وأوطانه، بجوده السابغ وإحسانه، وفضله الغامر وامتنانه، إن شاء الله . رسالة التدلي على التسلي رسالة سماها التدلي على التسلي من دلائل تفرد الله بتدبير بريته، وشواهد جري الأمور على إرادته ومشيئته، وحجج وحدانيته التي من جحدها أبان جهلا وعنتا، وبراهين ما أخبر به في قوله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) أنه سبحانه يحمد على ما يسلبه كما يحمد على ما يهبه، ويشكر على ما يزعج ويضر كما يشكر على ما يبهج ويسر، فجئ القلوب ما يحدث فيها انصداعا، ودهم العقول ما يكاد يطيرها شعاعا، لم يلفتها الجزع عن حمده - جل وعز وعلا - ولم يمنعها الوله من الرضى بقضائه، وإن تحملت منه باهظا مثقلا. فالحمد لله الذي لا يحمد على المكروه سواه، ولا يخرج شيء من مصنوعاته عن الشهادة له بأنه إله، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه الذي حباه الشرف الباهر، وآتاه الفضائل الجمة والمفاخر، وأحسن العزاء لأمته في قوله: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) . وعلى أخيه وابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي تولى من رسول الله - صلّى الله عليه - ما أبان به عن حسن صبره، واعتزل أمور الدنيا جانبا إلى أن واراه ﵇ في قبره، مع ما تداخل النفوس يومئذ من الحسرات، وفجعت به من الطوارق المستنكرات، حتى غدا ذوو الجلد في قبضة الهلع موثقين أسارى، وظلوا كما قال الله - عز من قائل -: (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى) وعلى آلهما الأئمة الأبرار، الذي اهتضموا حيث حلوا من الأرض وكانوا، وظلموا فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، إلى أن استثمروا من الصبر استعادة حقهم، وضيقوا على أعدائهم مسالك طرقهم، وسلم عليهم أجمعين تسليما، وزادهم تشريفا وتكريما وتعظيما. وإن من حكمة الله - تعالى - وقدرته، وخفي علمه في تدبير خليقته، أن جعل أهل الدنيا فيها متفاضلين، وعند فراقها متساوين متماثلين، إذا نزل بهم حدث الموت لم يتميز فيه قوي من ضعيف، وإذا تجرعوا كأسه لم يختص بمر مذاقها مشروف دون شريف، وذلك يقين لا مجال للشك فيه، وحق لا يطور الباطل بناحية من نواحيه، وقد أخلدت النفوس إلى صحته وركنت، واطمأنت القلوب إلى حقيقته وسكنت، لأنه أمر حتم قد علم بالفطرة، وغامض من غوامض الحكمة، وسر من أسرار القدرة، وفي الصبر على ألمه الموجع، وترك الجزع الذي هو غير نافع ولا منجع، إيضاح للتذلل والخشوع، وإظهار للتضرع والخضوع، وإبانة عن الإخبات لله - جل وعز - فيما شاءه، ودلالة على رضى المخلوق بحكم خالقه فيما سره وساءه، وذلك موصل إلى السلوة بأقوى الأسباب وداع إلى نيلها مع إحراز الأجر الجزيل والثواب. ومن أبى في الرزء إلا الأسى كان بكاه منتهى جهده. وما أحسن قول الحسن البصري: (الحمد لله الذي كلفنا ما لو كلفنا غيره لصرنا فيه إلى معصيته، وآجرنا على ما لا بدّ لنا منه) . يقول: كلفنا الصبر، وأكلفنا الجزع، لم يمكنا أن نقيم عليه وأجرنا على الصبر ولا بدّ من الرجوع إليه. ثم إن التأسي يسهل المصاعب، ويهون المصائب، فلله ابن دريد في قوله: وفي خطوب الناس للناس أسى وإن كانت الخنساء قد غلبت على هذا الباب في المشهور من قولها: ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي وقد جعلت الغدر في تركها قتل نفسها كثرة الباكين حولها. وأين هذا من قول الآخر: ولقد هممت بقتل نفسي بعده ... أسفا عليه فخفت ألا نلتقي فذكر أن علة ما هم به من قتل نفسه الأسف على من فقده، على أن ذلك في قوة قول الخنساء. وإن علة الامتناع ما جاء في الحديث من أن قاتل نفسه في النار. وقد وثق بحصول من فقده في الجنة، وطمع بها إذا لحقه غير قاتل نفسه. وهذا العذر أشرف من عذر الخنساء؛ لأنه للمخافة من عدم اللقاء في المآل، وعذر الخنساء إنما هو للتأسي.

стр. 54

فأما قول ابن الرومي مناقضا لهذا الباب، وذاكرا أن التأسي غير مخفف للمصاب: وما راحة المرزوء في رزء غيره ... أيحمل عنه بعض ما يتحمل وضرب من الظلم الخفي مكانه ... تعزيك بالمرزوء حين تأمل لأنك يأسوك الذي هو كلمه ... بلا سبب لو أن رأيك يعدل وقوله: ومعز عن الشباب مؤس ... بمشيب اللدات والأصحاب قلت ... لما انتحى يعد أساه من مصاب شبابه فمصاب ليس تأسو كلوم غيري كلومي ... ما به ما به، وما بي ما بي وقول الآخر: رأيت التأسي مما يهيج ... على المرء ساكن أوصابه وما نال ذو أسوة سلوة ... ولكن أتى الحزن من بابه تذكر في مثله أو رآه ... فأذكره ما به ما به فذاك من تمويه الفصيح وخدعه، وتصرف البليغ وتنوعه، وإلا فالأول هو الصحيح الذي جاء في الكتاب والسنة. قال الله - تعالى -: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه) وقال: (لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة) . ولولا أن الاجتماع يخفف كل ما ينوء، والاشتراك يهون صعب ما يسوء، لما قال الله تعالى: (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون) لأنه نفى عنهم الانتفاع بالاشتراك في العذاب تغليظا عليهم لما قدموه من الظلم. وقال رسول الله ﷺ : (تأسوا في مصائبكم بي) . وذلك في كلام البلغاء، ونظم الشعراء أكثر من أن يحاط به. معلوم أن مالكنا الملك السيّد الأجل الأفضل، ونعوته والدعاء له ( ... ) سيد ملوك الزمن، ومن فاز بجزيل ثواب الله في حالتي المسرة والحزن. أما المسرة؛ فلأنه يشمل بها جميع عبيده ورعيته، ويستخلص دعاء كل منهم بكريم فعله وجميل نيته، وأما في الحزن؛ فإنه يستعمل حسن الصبر في الأمور التي لا حيلة في دفعها، ويدل بذلك على استحقاقه ما خصه الله به من إعلاء المنزلة عنده ورفعها، لا يرى في العظائم إلا صابرا مسترجعا، ولا ينفك وجهه إلا مسفرا وإن كان متوجعا متفجعا، إذا نازله هم لقيه من الرضى والتسليم بالجيش اللجب المجر، وإذا سما إليه خطب عرف شرف ما يناله في الصبر عليه من جزيل الأجر، على أن محله أعلى وأعظم من أن يكون من الأقدار إلا مخدوما، ومكانه من الله - جل وعز - يكاد يجعله من الأمور الحتمية موقى معصوما. ولما طرق - خلد الله ملكه - بالحادث الجلل، ودهم بالرزء الذي لولاه لرمي عرش المملكة بالثلل، من وفاة أخيه من جهة نسبته، وولده لكفالته إياه وتربيته: ومن كان يستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر في الشكوى وإن عظم الأجر الأجل المظفر، سيف الإمام، جلال الإسلام، شرف الأنام، ناصر الدين، خليل أمير المؤمنين، الذي حلت وفاته من كل عين عقد وكائها، وأجرى فقده سواد النواظر في نجيع بكائها، وبغت القضاء فيه بأجور حكمه، وأنكر فعله، وشوهد من يومه الأنكد الشنيع ما لم تتمخض المنون بمثله: ما إن سمعنا بطود قبله طفقت ... أنامل تتهاداه وراحات تنافست أعين الباكين حين بكوا ... كأنما أعين الباكين ضرات ولقد عفت منيته سبيل التماسك والجلد، وأتت غبطته بما لم يجر في الخاطر ولا جال في الخلد، لأنه - قدس الله روحه - صار إلى رحمة الله ورضوانه، وانتقل إلى جواره وسكنى جنانه، وهو في ريعان عمره وأوله، وشرخ شبابه ومستقبله، مع حسن تركيبه وبنيته، والحكماء في خدمته وتدبير صحته: بنفسي مولى أسلمته عبيده ... ومرتحل لم ينتظر أن يودعا لقد راضه الموت الكريه مذاقه ... ولو لم يرض لم يرض بالأرض مضجعا ولا اتخذ الغبراء دار إقامة ... وقد كان مثواه من النجم أرفعا فلست ترى إلا مختنقا بعبرته، متنفسا عن نار حسرته، عادما لسكونه وصبره، باكيا على انقطاع أمله، وانفصام ظهره: والناس مأتمهم عليه واحد ... في كل دار رنة وزفير فما يغتبط بدنياه من تأمل هذا الحين، ولا يأمن فيظ النفس إلا من طمع بالصبر وأين وأين؟ وكل أسى لا تذهب النفس بعده ... فما هو إلا من قبيل التصنع ولئن مضى إلى جوار الله الكريم، وانتقل إلى ما أعد له من النعيم المقيم؛ فللكافة ما مالكها - ثبت الله دولته - من دوام ظله مسل عن كل موال، وبقاؤه محسن الخلف عن كل من مضى وسلف:

стр. 55

لم يستحق الدهر كونكما معا ... فيه فعوض قاطنا بمودع والله يجعل كل الأعمار زيادة في مدته وعمره، ويجيب فيه ما يرفعه الحريص في سره وجهره. بكرمه، وطوله، وقدرته وفضله. ولما كانت خدمة مجلسه العالي - ثبت الله سلطانه - فرضا على عبيد مملكته، وحقا لا عذر في التخلف عن تأديته، وقد صنع شعراء المقام الأشرف - ضاعف الله سعوده، ونصر أحزابه وجنوده - في هذا الباب ما أربوا فيه على من سبقهم، وآيسوا غيرهم من أن يلحقهم؛ بادر المملوك بهذه الخدمة، وأنشأ ما يأتي ذكره في هذه الحادثة الملمة على ما هو عليه من الحال التي ضلت معها العقول، وحجزت الأحزان فيها بين القائل والمقول. والذي صنعه المملوك: إن كان الدهر قد فجئ بفادح المصيبة، ورمى بسهامه المصمية المصيبة، وبالغ في الفجيعة الفظيعة، وسعى بين الأرواح والأجسام بالفراق والقطيعة، وطرق من المصاب بالأجل المظفر - كرم الله مثواه - بما منع الطرف وسنه، وفتح من الصبر مستحسنه؛ فما حكم مداه إلا في مفاصله، ولا مكن ظباه إلا من مقاتله، ولا سطا إلا على قمره المنير فأخفاه، ولا عدا إلا على رونقه المونق فطمسه وعفاه: إن خان فيه الدهر عندي إنما ... في نقصه وعلى محاسنه سعى في كل يوم عثرة من صرفه ... لا تستقال بأن يقال لها: لعا فيا لله! ما أعجب فعله، وأبين جهله، وأقبح إساءته إلى نفسه، وأشنع سواد يومه بعد بياض أمسه: يوم أظل بغمة لا يشتفي ... فيها الهدى وبغمة لا تنجلي وأعجب من ذلك انطلاق الأيدي بعده - شرف الله ضريحه - بتحقيق خبر فقده، والإقدام على التعزية عنه وقد عدمت العقول من بعده، فوا لهفاه على مضيه وذهابه! ووا أسفاه على ما فعله الدهر، ودهى به! ووا حسرتاه! ما أمر العيش لما مر! ووا حرباه! لقد أساء القدر فيه بعدما سر: لئن حسنت فيه المراثي وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيه المدائح ولله مطيع بن إياس في قوله: يا أهل، بكوا لقلبي القرح ... وللدموع الهوامل السفح يا خير من يحسن البكاء له ال ... يوم وإن كان أمس للمدح ومع هذه الحال فليس إلا التسليم والرضى، والتقبل لما حكم الله به وقضى، والتصبر وإن كان عمن لا تجد النفوس منه عوضا. على أن النعمة بالمقام الأعظم المالكي - ثبت الله سلطانه - قد ألانت قلوبا على الدهر قاسية، والموهبة في امتداد ظله قد غدت مصلحة لهذا الكلم آسية: صبرنا على حكم الزمان الذي سطا ... على أنه لولاك لم يمكن الصبر عرانا ببؤسى لا يماثلها الأسى ... وإنك نعم لا يقوم بها الشكر فأوجبت الأولى الملام فلم يلم ... وأنى له لوم وأنت له عذر! فالحمد لله الذي جعل المقام المالكي الأفضلي مستقيما للذماء، مجددا ملابس النعماء، مستقرة به الرأفة في الأرض كما استقرت الأدعية في السماء، وضاعف الله للأمة بتخليد ملكه ضروب المنن، وجعله من حوادث الدهر في أمنع المعاقل وأحصن الجنن. بمنه، وطوله، وقدرته، وحوله. والمملوك يتبع ذلك بلمعة من أحسن ما يرويه للمتأخرين في باب التعازي نظما ونثرا. على أن منها ما يلهب في الضلوع نارا، ثم يستخرجها من العيون أدمعا غزارا: يا عجبا من حرقات الجوى ... تصعد نيرانا وتجري مياه! والناس - وإن رغبوا في التسلي، وحثوا على حسن التعزي؛ عالمون أن في إفاضة الكئيب لدمعته ما يذهب من لوعته، وفي إرساله لعبرته ما يعينه على سلوته. يروى عن سليمان بن عبد الملك أنه قال - عند موت ابنه أيوب - لعمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة: إني لأجد في كبدي جمرة لا تطفئها إلا عبرة، فقال عمر: اذكر الله يا أمير المؤمنين، وعليك بالصبر. فنظر إلى رجاء بن حيوة - كالمستريح إلى مشورته - فقال رجاء: أفضها يا أمير المؤمنين فما بذاك من بأس؛ فقد دمعت عينا رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم، وقال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون. فأرسل سليمان عينه فبكى حتى قضى أربا، ثم أقبل عليهما، فقال: لو لم أنزف هذه العبرة لانصدعت كبدي. ثم لم يبك بعدها، لكنه لما دفنه، وحثا عليه التراب قال: يا غلام، دابتي، ثم التفت إلى قبره، فقال متمثلا:

стр. 56

وقفت على قبر مقيم بقفرة ... مناخ قليل من حبيب مفارق فمن مليح هذا الباب قول الشريف الرضي: خبر تمخض بالأجنة ذكره ... قتل النفوس وأسلف البلبا (لا) الشك أبرد للحشى في مثله ... يا ليت شكي دام فيه وطا (لا) ينظر إلى هذا المعنى قول مهيار: كم قد تعللت المنى بك تارة ... أمن، وطورا خيفة وحذار وتخالفت فيك الرواة فسرني ... وتلونت بحديثك الأخبار ولقد ظننت بها وراء لثامها ... خيرا، فكشف قبحها الإسفار ما كنت أول كوكب نزل الدنا ... وسما إلى نظرائه فتعالى لا رزء أعظم من مصابك إنه ... وصل الدموع وقطع الأوصالا ألا أقالتك الليالي عثرة ... يا من إذا عثر لازمان أقالا لمن الصوارم عريت أمطاؤها ... حول الخيام تنازع الأطوالا بدلن من لبس الشكيم مقاودا ... مربوطة ومن السروج جلالا فجعت بمنصلت يعرض للقنا ... أعناقها، ويحصن الأكفالا *** وهذا من قول أبي الفرج الببغاء: يلقى الطعان بصدر منه ليس له ... ظهر وهادي جواد ما له كفل *** إن طوح الفعال دهر ظالم ... فلقد أقام وخلد الأفعالا طلبوا التراث فلم يروا من بعده ... إلا على وفضائلا وجلالا هيهات فاتهم تراث مخاطر ... حفظ الثناء وضيع الأموالا قد كان أعرف بالزمان وصرفه ... من أن يثمر أو يجمع مالا وأرى الكمال جنى عليه لأنه ... غرض النوائب من أعير كمالا صلى الإله عليك من متوسد ... بعد المهاد جنادلا ورمالا طرح الرجال لك العمائم حسرة ... لما رأوك تسير، أو إجلالا يريد: حسرة وإجلالا، وأو هاهنا بمعنى الواو؛ قال الله - تعالى -: (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) ، وقال الشاعر: أتى الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر وقال آخر: وقد زعمت ليلى بأني أحبها ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها وقال مهيار: كنت خبيئاً ترقب الأيام في ... ظهوره الميقات أو تراصد ولا يصح الوزن بالواو؛ لأن الكف لا يجوز في الرجز. قالوا ... وقد فجئوا بنعشك سائرا من ميل الجبل العظيم فمالا وهو يكثر من هذا المعنى كقوله: أتنظر كيف تسفع بالنواصي ... ليالبنا وتعثر بالجبال وقوله: جبل هوى لو خر في البحر اغتدى ... من وقعه متتابع الإزباد ما كنت أحسب قبل حطك في الثرى ... أن الثرى يعلو على الأطواد وقوله: إن كان ذا الطود خ ... ر فبعدما استعلى طويلا وقوله دعاء لمريض: لا زعزعتك الخطوب يا جبل. وقوله: أي طود لك من أي جبال ... لقحت أرض به بعد حيال ما رأى حيا نزار قبله ... جبلا سار على أيدي الرجال ومن مليح ما في هذه القطعة: عجبا أصبحت للضيم وما ... نثر الطعن أنابيب العوالي لا أرى الدمع كفاء للجوى ... ليس أن الدمع من بعدك غالي وبرغمي أن كسوناك الثرى ... وفرشناك زرابي الرمال وهجرناك على ضن الهوى ... رب هجران على غير تقال كل مأسور يرجى فكه ... غير من أصبح في قد الليالي لا تقل تلك قبور إنما ... هي أصداف على غر لآلي وقوله أيضا: أرواحنا دين وما أنفاسنا ... إلا قضاء والزمان غريمها لم يشفع الدهر الخؤون لمهجة ... في العمر إلا عاد وهو خصيمها يا دهر كم أسهرت لي من ليلة ... قد كنت قبل؛ أنامها وأنيمها إن كان رزؤك ذا جسيما فالذي ... ينمي إليك من الأمور جسيمها فتعز، إن من العزاء شجاعة ... وأجل ما عزى نفوسا خيمها وقوله أيضا: إن المنايا معدات لأنفسنا ... وإن أمدت بأعوام وأعوام نسعى بأقدامنا عنها فتدركنا ... سبق الجياد وما تسعى بأقدام ما لي بطي الليالي غير مكترث ... وما ورائي منها كان قدامي؟! إن الحياة وإن عزت مخائلها ... ظل، وإن المنى أضغاث أحلام نامي البقاء إلى الذاوي تراجعه ... كلا، وما يرجع الذاوي إلى النامي وقوله:

стр. 57

نغالب ثم تغلبنا الليالي ... وكم يبقى الرمي على النبال ونطمع أن يمل من التقاضي ... غريم ليس يضجر بالمطال يحط السيل ذروة كل طود ... ويهون بالجنادل والرمال هي الأيام جائرة القضايا ... وملحقة الأواخر بالأوالي ولأبي الفرج الببغاء: خلف المدائح بعدك التأبين ... عن أي حادثة يعزى الدين ما كان في الدنيا كيومك مشهد ... بهر العقول، ولا أراه يكون لم يبق محذورا فكل مصيبة ... جلل لديه، وكل خطب دون قرت عيون المشركين وطالما ... قرت به للمسلمين عيون ولابن معلى الأندلسي: أمعتنق الصعيد وكان يغدو ... عليه وهو معتقل الصعاد أرى لبس الحداد عليك مما ... يشق على المهندة الحداد ومن كلام الوزير أبي القاسم بن المغربي: ولقد سمعت نبأ من هذا الحادث الرائع، وذروا من هذا الخبر المكروه الطلائع، فكنت كالظبي أفزعه القناص، وكالهارب لاحت له الأشخاص، فدافعت بتصديقه، وتصاممت عن تحقيقه، فلما صرح مخض الاستخبار عن محض الحذار؛ فقدت الحس فلا أدعي ألما، وذقت سكون الموت فما أشتكي سقما، وغرقت في أمواج الوساوس، وضعت بين أجبال الهواجس، فلقد كنت يومئذ - وكل يوم يومئذ - عجبا لمعتبر، ومثلا لمفتكر. فأما قوله: دافعت بتصديقه، وتصاممت عن تحقيقه؛ فهو من قول أبي الطيب: طوى الجزيرة حتى جائني خبر ... فزعت فيه بآمالي إلى الكذب وقد أخذه ابن سعيد الحلبي، فقال، وأحسن: أتاني وعرض البيد بيني وبينه ... حديث لأسرار الدموع مذيع تصاممت عن راويه حتى أربته ... وإني على ما غالني لسميع ولما سمع ابن مكنسة إذاعة سر الدموق قال: دعوها تفض بعد دمع نجيعا ... نهاها النهى فأبت أن تطيعا وسر تبدد في عبرة ... وكنت جمعت عليه الضلوعا ومن قطعة ابن سعيد: فلهفي على الآمال فيك فإنها ... ثوابت لم يقدر لهن شروع وعز على ساري الدجى أن يجوبه ... وما لك من بين النجوم طلوع ألوم عليك الوجد وهو مبرح ... وأعتب فيك الدمع وهو نجيع وأعلم أني ما منحتك طائلا ... وهل هي إلا زفرة ودموع وقول الوزير: فلقد كنت يومئذ _وكل يوم يومئذ - فالأصل فيه قول الأضبط بن قريع - وكان سيد بني سعد، وكانوا يؤذونه، فلما انتقل عنهم رأى غيرهم يفعل فعلهم، فقال-: بكل واد بنو سعيد. فذهبت مثلا. وأخذ هذا المعنى متمم بن نويرة، فقال يرثى أخاه مالكا: وقالوا: أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك فقلت لهم: إن الأسى تبعث الأسى ... دعوني؛ فهذا كله قبر مالك وقال الحجاج في خطبة له: يا أيها الرجل - وكلكم ذلك الرجل_ ... ولأبي تمام في هذا المعنى: فلا تحسبن هنداً لها الغدر وحدها ... سجية نفس كل غانية هند وللبحتري: بلوتهم واحدا واحدا ... فكلهم ذلك الواحد ومن أحسن ما خوطب به المعزى قول أحمد بن سليمان: جاءك هذا الصبر مستجديا ... أجرك في الصبر فلا تجده سلم إلى الله فكل الذي ... ساءك أو سرك من عنده إن الذي الوحشة في داره تؤنسه الرحمة في لحده ولمهيار: كلح الصباح بموته عن ليلة ... نفضت على وجه الصباح ظلامها فلئن مضى بعلاه دهر صانها ... فلقد أتى برداه يوم ضامها وتصرف في معنى البيت الأول، فقال: صبغت وفاتك فيه أبيض فجره ... يا للعيون من الصباح الأسود ثم قال: ولئن غمزت من الزمان بلين ... عن عجم مثلك أو عضضت بأدرد فالسيف يأخذ حكمه من مغفر ... وطلى، ويأخذ منه سن المبرد وأخذ هذا المعنى الخفاجي فقال: لتطل ليالي الدهر بعدك إنه ... سيان بين صباحه وظلامه سودته في ناظري كأنما ... خلعت لياليه على أيامه وقال: أشكو فراقك ثم أعلم عنده ... أن السبيل إلى لحاقك مهيع وألوم طول الليل أرقب فجره ... أو ما ظلام الليل بعدك أسفع وقال: قد سألنا أطلالكم فأجابت ... ومن الصمت واعظ ونذير يا سواد الهموم صرت على الأي ... ام لما ضاقت عليك الصدور

стр. 58

ولمهيار مما لا يجوز أن يتمثل بثانيه إلا شاعر: أبكيك لا ما تستحق وجهد ما ... تسع الصبابة أن تسيل محاجري وأشارك النواح فيك بأنني ... أبكيك، والتأبين نوح الشاعر وهذا المعنى أيضا مما تصرف فيه فقال: خان بكاء العين أجفانه ... فناح، والنوح بكاء الفم وقال: خان بكاء العين أجفانه ... فناح، والنوح بكاء الفم وقال: إن أنفدت عيني عليك دموعها ... فليبكينك بالقوافي مقولي وما أحسن قوله في هذه القصيدة: ما كنت أحسب ... والزمان مقاتلي يرمي ويخطئ أن يومك مقتلي وقال: أمر بفي عليك الزلال ... وآلم جلدي وقع الشفوف أتحمل فقدك ذاك العظيم ... جوارح جسمي هذا الضعيف؟! وهذا ينشد مطلقا ومقيدا؛ فإذا أطلق كان من الأول من المتقارب، وإذا قيد كان من الثاني منه. وقال: نعم! هذه يا دهر أم المصائب ... فلا توعدني بعدها بالنوائب هتك بها ستر المجامل بيننا ... ولم تلتفت فيها لقينا المراقب سددت طريق الفضل من كل وجهة ... وملت على العلياء من كل جانب أمن بعده يا دهر أحظى براجع ... من العيش أو آسى على إثر ذاهب؟ تنافث عن جمر الغضا ناد باته ... كأن فؤادي في حلوق النوادب بكت أدمعا بيضا ودمت جباهها ... فتحسبها تبكي دما بالحواجب متى دنس الحزن السلو غسلته ... فعاد جديدا بالدموع السواكب وهذا تصرف في معنى قول ابن المعتز: إذا دنس الليل أثوابها=غدت في ثياب صباح جديد وقال: ذهب الذي كانت تجاملني له الدْ ... دُنيا وتسقط دوني الأخطار عجبا، يكون الجو بعدك ساكنا ... واليوم أبيض ما عليه غبار وكأن كفك لم تبن في ظهرها ... قبل الملوك وتشهد الآثار ويخف بين بنانها إن حملت ... ضبط الحسام ويثقل الدينار وقال: بكر النعي فسك فيه مسامعي ... وأعاد صبحي جنح ليل أليل الغاية في هذا المعنى قول أبي تمام: أصم بك الناعي وإن كان أسمعا رحل الحمام بها غنيمة فائز ... ما ثار قط بمثلها عن منزل كانت يد الدين الحنيف وسيفه ... فلأبكين على الأشل الأعزل ولابن حيوس: وليس يعلو قرى الغبراء من أحد ... ولا يكون لأضياف المنون قرى حوادث لم تميز في تصرفها ... من ضيع الحزم ممن أكثر الحذرا قضى وما إن قضى من لذة وطرا ... وكم قضت منه آمال الورى وطرا ومن كلام حسن بن عبد الصمد المعروف بابن أبي الخشباء: غي بدع من الزمان أن تنتكث حباله، وتصرد نباله، وتفهق بالغدر فجاجه، ويجدح بالسم أجاكه، وتراش في قصد الكرام سهامه، ويثار في قبض النفوس عجامه، ولذلك عرفت النفوس مواقع نكره، وأنست بغرائب غدره ومكره، واطمأنت الضلوع وقد أصمت صوائبه، وهجعت العيون وقد استيقظت نوائبه، ولما طرق الحادث بمن لا أسميه تفاديا من تحقيق الخبر بمصرعه، وصونا له عن مورد الحمام ومشرعه؛ رأيت المحامد ذات نور خامد، والمآثر ذات عقد متناثر، والقمر وقد سئم هالته، والصبح وقد خلع الليل عليه غلالته. وشاهدت الفضل وقد أسودت سحنته، واشتدت على الزمان إحنته؛ إذ طرق بما يتجاوز القدر ويوحش الأضالع من صحبة الصدر. هذا - والله - هو المصاب الذي تستعذب فيه الحلوم هفواتها، وتفارق له القلوب سويداواتها، وتستخف النوفس فيه حمل الأوزار، وتأنف العيون من لقائه بغير الدموع الغزار، حتى تجعل ذلك دابها، وتخضب بالنجيع أهدابها، إلا أنه نزل بمن لا يصبح الجزع مالكه، ولا تخطب الخطوب تهالكه، فلذلك ساغ للعبيد أن يخلوا الخدم من الإرشاد إلى مواقف التسليم، والحض على الصبر على الحادث الأليم، ويقتصروا على الرغبة إلى الله ي أن يهب له عقبى الدار، ويغفل عنه جوامح الأقدار، ويسعد بني الدنيا بسعادة حده، ويصون عن درجة الكسوف شموس مجده: إذا صفحت عنك الليالي وأعربت ... بحفظك فينا هان كل مضيع ولابن سنان: وكيف يفوز الغيث فيك بمنة ... إذا كنت لا أرضى سحائب أدمعي وليس بكاء العين إلا خيانة ... ولا اللؤم إلا أنها بقيت معي وأين وفائي! لا مدى الدمع بالغ ... رضاي ولا جهد الصبابة مقنعي

стр. 59

تصاممت عن ناعيك حتى أربته ... ودافعت فيك القول من كل مدفع ولما أبى إلا يقينا حديثه ... فزعت إلى جفن من الدمع مترع فأي حسام حالت الأرض دونه ... وكان متى يضرب به الخطب يقطع وهذا الحد فالمملوك يقف عنده، ثم يعطش قلمه بعده، لما يلزم في باب المصاب إذا رمته الليالي وراء ظهرها، وأبعدت الأيام عهده بمرها، من الاكتفاء من القول بيسيره، والاستغناء عن كثيره بقليله، كراهية لتجديد الحزن وتطريته، وإشفاقا من تشييد ما يجب الحرص على تعفيته ولاسيما هذا الفادح الذي نبه خامل الثرى. ومنع الجفون من مصافحة الكرى، وأحزن مليك الأرض وسلطان الورى: وتر الردى من لو تناول سيفه ... يوما لنال من الردى ما شاء وهذا الخطب وإن رمى العقول بالخبل، وعم بالغم أهل السهل والجبل، ولم يسلم أحد فيه من رزء، ولا خلا من الأخذ منه بأوفر جزء؛ فالذي يسهل صعبه، وينفس كربه، ويسيغ صابه، ويخفف أوصابه، أن مالكنا - خلد الله دولته - مكفوف بالحماية، مشمول بالوقاية، محفوظ بعناية الله وكفايته، مخصوص بإطالة العمر وإطابته، جار على عادته في تدبير مملكته، وكلاءة رعيته، وإعزاز دين الله - تعالى - ونصرته. والله - تعالى - يجعل منتقص المدد زيادة في مدته، ولا يخلي البسيطة من رواء سلطانه وبهجته. بفضله وطوله، وحوله، وقدرته. قال الشيخ أبو القاسم المصنف: كنت أنفذت نسخة هذه الرسالة إلى بعض الرؤساء الكبراء ممن كان يؤثر الوقوف على ما أعمله، فبلغني أن كاتبه قال لما رأى ترجمة هذه الرسالة قبل الوقوف عليها: هلا قال: الغلوة في السلوة وأنكر التدلي، فكتبت إليه: بلغ عبد الحضرة ما انتقد عليه في ترجمة ما خدم به. وما استبعد من التدلي العائد بدنو النائي وتقربه، وقد كان يجب أن يبقى على من عمل عجلا، وترجم مرتجلا، ولم تكن له مهلة لتنقيح ألفاظه وتهذيبها، وإبرازها في معارض تستحسنها النقدة وتهذي بها، وإن بعض من انتقد عليه قال: هلا كانت الترجمة: الغلوة في السلوة؟ وعبدها يقول: أما الغلوة فهي: المرماة، والمغلاة: السهم، فالغلوة: غايته، وهذا ضد مراده؛ وذلك أن التدلي إنما هو التوصل؛ تدليت على الشيء إذا توصلت إليه. ومنه أدلى فلان بحجته إذا توصل بما أتى به إلى بغيته، ومن ذلك قوله تعالى: (ثم دنا فتدلى) وهذه الآية من باب قوله سبحانه: (ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة) . وهو من المقلوب. أي: تنوء بها العصبة أولو القوة و: ثم تدلى فدنا. وقد قال الشاعر: لا تقلواها وادلواها دلوا ... إن مع اليوم أخاه غ (دوا) وتقلواها: تبعداها، وادلواها: قرباها والدلو من هذا؛ لأنها تقرب الماء بعد بعده. فقول عبدها: التدلي على التسلي إنما معناه: التوصل إلى السلوة بأسبابها من التاسي، وطلب الثواب، وغير ذلك. وقول من قال: الغلوة في السلوة، إنما هو الوصول إلى غايته، والفرق بين من قصد التوصل، وبين من بلغ الغاية لا يخفى عن أحد، فقد بان تضاد الترجمتين، وتنافي الغرضين، وما ضر من انتقد لو صبر إلى أن يقف على الرسالة، ثم يقول ما يختار، ولا يعجل بأن يضع مني ما صدر عني، فالله المستعان وصبر جميل. قال الشيخ أبو القاسم: كانت وفاة الأجل المظفر ﵁ يوم الخميس تاسع جمادى الأولى من سنة أربع عشرة وخمس مائة، وكانت ولادته في سنة تسع وسبعين وأربع مائة. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطاهرين، وسلم تسليما، حسبنا الله ونعم الوكيل. ١ ١