Полный текст (488 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
١ المولى حسين باشا باي
[١٠٨٠ ١١٥٣]
هو الأمير أبو محمد حسين بن علي تركي. كان مقدم والده من بلد كندية من جزيرة قريد أوائل دولة بني مراد، وتقدم للخدمة حتى ولي قيادة أزمة الأعراب، توفي سنة ثلاث ومائة وألف. وولد ولده صاحب الترجمة سنة ثمانين وألف، ونشأ باعتناء والده، وتقدم في خدمة الدولة وتقلد الوظائف المعتبرة مثل قيادة عمل الأعراض والجريد، وتقدم كاهية دار الخلافة على عهد الباشا إبراهيم الشريف باي داي. ولما انهزم مخدومه بمحله الجزيريين عند الكاف على يعد عشِّي حسن وأسروه وأوثقوا أخاه رجع كاهيته صاحب الترجمة طالباً منجاته إلى أن وصل إلى زاوية الشيخ سيدي حسين السيجومي، فأرسل إلى الحاضرة يطلب أهله للفرار بهم، ولما تحقق أعيان الحاضرة انهزام المحلة وأسر إبراهيم الشريف اجتمعوا على مبايعة كاهيته حسين بن علي، فخرج إليه أهل الحل والعقد وأكرهوه على ذلك بعد الامتناع ورجعوا به إلى الحاضرة وبايعوه بالديوان المقابل لباب القصبة بحاضرة تونس صبيحة يوم الاثنين موفى عشرين من ربيع الأول سنة عشرة ومائة وألف. واطمأن الناس ببيعته وعندها أولى محمداً الأصفر دايا، وأخذ يستعد لمدافعة الجزيريين، ولما قدموا إلى الحاضرة ردهم على أعقابهم خاسرين، ولحق بهم وهم على أسوأ الحال، والعرب تنتهب أطراف محلتهم، وهم يتركون مجاريحهم وأثقالهم في كل مكان.
وبينما هو يمهد السبل وإذا محمد الأصفر أخذ يستعيد استبداد الدايات بالمظالم التي لم يتحملها الباشا حسين باي حتى خرج إلى الفحص، وحين اشتدت وطأة الداي على الأهالي ونفرته العساكر خرجوا لطلب استرجاع الباشا حسين وعزل الداي فعزله وأولى مكانه قاره مصطفى داياً وقدم الباشا حسين إلى الحرايرية. وطلب إخراج محمد الأصفر من البلاد قبل دخوله فأخرجه الجند وحملوه إلى الباشا غير أنه قتله أحدهم قبل الوصول إليه.
وعند ذلك دخل الحاضرة وجددت له البيعة سابع رمضان سنة سبع عشرة ومائة وألف وسكن بدار حمودة الباشا المرادي التي بالقصبة ثم تنقل إلى بساتين باردو فعمر قصوره وأحيا مسجده وجعل له منارة وصيره جامعاً وأقام له قاضياً لتوقف صحة الجمعة عليه.
وأول من تقدم لقضاء باردو والمحلة معاً الشيخ علي شعيب أحد علماء باجة. ثم إن الباشا أخذ يمهد السبل ويرم ما خربه من قبله فأقام مباني القيروان، وأحيا رسوم العلم في سائر جهات المملكة, وبني المدارس بالقيروان وصفاقس والجريد وجربه، وأقام بها العلماء والمؤدبين للتعاليم الدينية زيادة على إحيائه مساجد الله وزوايا أوليائه. وكف المظالم، وهدم حانات الخمارين بالحاضر، وشاد الجامع الحسيني العظيم البناء والتربة الملاصقة له التي أعدها لدفنه والمدرسة التي إلى جنبه هنالك. وبنى المدرسة الضخمة التي قرب ساباط عجم وقدم لمشيختها الشيخ محمد الخضراوي مدرس جامع محمد باي وبنى المدرسة ذات النخلة التي قرب جامع الزيتونة وأوقف على جميعها الأوقاف الكافية وأجرى جراية بيت المال على علماء جامع الزيتونة وأجرى السقايات وبنى الجسور. وعدل وتحرى لدينه في قتل النفس ما أمكنه بحيث إنه لا يقتل إلا بحكم المجلس الشرعي. وساعده البخت بخصب المملكة فتوالت النعم علة عموم المملكة وأعظمها نعمة الأمن.
وله خاصة نفسه اعتناء برواية الحديث بين يديه وكان يروي له إمامة الشيخ الحاج يوسف برتقيز. وله شغف زائد بدلائل الخيرات وحسن الأذكار وعمل البر والمحافظة على أوائل أوقات الصلوات إلى غير ذلك من مكارمه التي عد كثيراً منها المؤرخ حسين خوجة في تاريخه "بشائر أهل الإيمان".
وقد اتخذ كاهيته أولاً علي بن مامي ثم عزله وأولى عوضه مملوكه أحمد شلبي واتخذ خزنداره أزلاً حمَمَّدّ ثم عزله وأولى مكانه محمود السايري الأندلسي، واتخذ كاهية دار الباشا مملوكه الحاج سليمان كاهية، وكان باش كاتب الشيخ بلحسن الوسلاتي. ولما توفي أولى عوضه الشيخ قاسم ابن سلطانة.
стр. 2
وقد تبنى أولاً ابن أخيه على بن محمد إلى أن رزقه الله كرام البنين وهم محمد الرشيد باي وعلي باي محمود باي ومصطفى باي. ولما شب بنوه قدم ابن أخيه للباشية بدار الباشا التي هي أعظم من ولاية الأمحال ورجا أن يكون الملك لأبنائه وعقبهم فخرج عليه ابن أخيه وترامى لدى مملكة الجزائر وانتصر بهم على عمه، وفي أثناء ذلك فقد أصغر بنيه وهو مصطفى باي فسار إلى رحمة الله تعالى، ثم وردت المحلة الجزائرية، ولما قاربت الحاضرة خرج لها الباشا حسين باي متجهزاً في عسكره ونزل بسمنجة لمدافعة ابن أخيه، وتلاقى الجيشان، ووقع القتال بينهما يوم الأحد سادس عشر ربيع الأول سنة ثمان وأربعين، وصدق الجزيريون ومن انضم إليهم من الإعراب القتال، ونجا الباشا حسين وأبناؤه إلى القيروان، واعتصموا بها، وحاصرهم ابن أخيه بعد حروب باشر أكثرها ابنه يونس. ولما طال الحصار نجا أبناؤه الكرام ومن انضم إليهم إلى الغرب وخرج الباشا حسين باي بمن بقي معه لمدافعة حفيد أخيه، وهو يونس باي ووقع قتال استشهده فيه الحفيد المذكور قبلي مدينة القيروان يوم الجمعة سادس صفر الخير سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف وحمل ودفن بتربته الرفيعة عليه ﵀.
٢ المولى علي باشا باي
[١١٠٠ ١١٦٩]
هو الأمير أبو الحسن علي بن محمد بن علي تركي، لما لم يكن لعمه حسين بنون تسلمه من أخيه وتبناه واعتنى بتربيته وأحضر لتعليمه من العلماء أولاً الشيخ محمد التونسي فتهذب به، وصار به عالماً، ثم حضر له الشيخ محمد الخضراوي للإقراء والمجالسة، وضم إليه من ذوي الرأي الخبيرين من يكتسب منهم حسن التربية ونشأ على تلك الحال حتى بلغ مبالغ الرجال.
ولما ولي عمه الملك أولاه سفر الأمحال في صفر الخير من سنة ثماني عشرة ومائة وألف، وزوجه بابنه كاهيته على بن مامي فأوتي منها بأبنائه يونس ومحمد وسليمان، ثم زوجه ابنته، وأمل بذلك أن يرث الملك من بعده.
ولما رزقه الله الولد طلب له من الدولة العثمانية الفرمان لسلطاني والقطفان العثماني على العادة، وذلك على عهد السلطان الغازي أحمد خان الثالث. وقدمه لخطة الباشية بدار الباشا سنة سبع وثلاثين ومائة وألف وأسكنه بدار رمضان باي بتونس، وعند ذلك أنف من صنيع عمه به، وتحفز للوثوب للطيران وخرج بابنه يونس هارباً غروب شمس يوم الجمعة عاشر رجب سنة أربعين ومائة وألف، وتحصن بحبل وسلات مدة ثمانية عشر شهراً أجلاه في آخرها عمه إلى الغرب بعد قتالات عديدة فدخل الجزائر وأقام بها عدة سنين يطلب الإعانة على قتال عمه حتى أمده حاكمها إبراهيم باشا على شروط تواعدوا عليها. وانفصل بالمحلة الجزائرية في حجة الحرام سنة سبع وأربعين ومائة ألف، ونازل عمه في سمنجة حتى استولى على محلته وأصبح مقيماً بسمنجة إلا أنه لم يدر خبر أهل الحاضرة. ولما تحقق أهل الحاضرة نجاه العم المذكور وأبنائه وأحضروا مراداً ومحموداً أخوي على باشا وأخرجوا أباه محمداً باي من السجن الذي وضعه فيه أخوه حين رآه مظاهراً لابنه فأخذ عليهم البيعة لابنه علي باشا باي وأركبوا لتلقيه ابنيه محمداً وسليمان فأعلماه بما وقع، فأرسل ابنه يونس ودخل الحاضرة يوم الثلاثاء، وجلس بالقصبة، ووفدت عليه الأهالي للتهنئة, ثم أقبل الأمير علي باشا إلى الحاضرة يوم الأربعاء تاسع عشر صفر الخير سنة ثمان وأربعين ومائة ألف وتمت له البيعة يومئذ، وانقلب الجزيريون لبلادهم بعد لدد ومشاغبة وأخذوا ما وعدهم به، وبعد أيام توفي أبوه محمد باي فجأة. ولما استقل الباشا المذكور أرهف الحد في شيعة عمه، واشتدت سطوته، وصادر الأمة بالمال الكثير، وعرضت في مدة ولايته محاربات فاز فيها بالظفر.
وكانت رجال دولته المقربون لديه باش كاتب الشيخ عبد اللطيف السهيلي وقد وليها بعد عزل الشيخ بوديدح، وكاتبه المقرب عبد الرحمن البقلوطي وعامل الأعراض الحاج مصطفى بن متيشة، وآغا باجة عصمان المملوك.
стр. 3
وفي آخر أمره اختلف عليه بنوه وكابد منه ولده نصيره يونس باي عَرق القِربةِ! حتى وثب للطيران إلا أنه تحزب على والده وتحصن بالقصَبة هو ومن معه فدخلها ظهر يوم الاثنين تاسع جمادى الثانية سنة خمس وستين ومائة وألف وكان النصف القبلي من البلاد في نصرته، فأطلق المدافع ودافعه أبوه وأطلق الكور في وسط البلاد واستمر الحال على ذلك بعد توسط العلماء في إصلاح ذات البين ولم يغنوا شيئاً إلى أن نفدت ذخائر القصبة فخرج هو وكاتبه أحمد السُّهيْلي من مماليكه وأتباعه ضحوة يوم السبت الثالث من شعبان وأبقى أبناءه الثلاثة أحمد باي وإسماعيل باي ومصطفى باي وفر بمن معه إلى قسمطينة. وعند ذلك دخل أخوه محمد باي إلى الحاضرة وسفط السيف على من قدر عليه، وأظهر ما في نفسه من الحقد واحتقار وجوه الناس وأبوه مرتض لصنيعه. ولم يزل يتمادى في سوء صنيعه حتى فوق سهمه لأخيه سليمان وخشي من وراثته الملك بعد أبيه لما يرى لأبيه من إيثاره عليه لما فيه من الأهلية فعاجله بالإطعام فمرض أسبوعاً وفاضت نفسه على حين لم يكن والده ليتوقع له ذلك، فتوفي ظهر يوم الجمعة من صفر الخير سنة ثمان وستين ومائة وألف، وترك ولده نعمان باي، فعدم أبوه بمكيدة ولده وسوء صنيعه بأخيه، وتحقق أن الله أذاقه بأس ولده محمد بإعدامه لعضدي نصرته يونس بالفرار وسليمان بالممات. وكان ذلك من مبادىء انتقام الله منه، والله عزيز ذو انتقام.
وقد كان علي باشا باي مع سفكه للدماء وامتهانه للخاصة وإضراره للمملكة بمظالمه- معدوداً في العلماء، وشرح تسهيل ابن مالك النحوي شرحاً مهماً اعتكف الناس على قراءته بجامع الزيتونة مدة دولته، وقرظه سائر علماء عصره. وكتب عليه الشيخ أبو الحسن علي البارع قوله: [الكامل]
لله شرح للأمير موضح ... لم يتصف بصعوبة التلويح
سهل التناول بالخفاء مصرّح ... قد فاق في التسهيل والتصريح
فإذا افتقرت إلى كتاب موضح ... فكتابه المغني عن التوضيح
وقد كان الباشا مع علمه ولوعاً بالكتب واكتسابها، وبنى تربته التي بالقشاشين ومدرسة الباشية، وقدم لمشيختها الشيخ محمد المحجوب الحنفي، وبنى المدرسة التي نسبها لولده سليمان، وقدم لمشيختها العالم الرباني، الشيخ محمد بن علي بن خليفة الغرياني. وجميع هاته الأبنية كانت حول الجامع الأعظم. وبنى مدرسة بئر الحجار وقدم لمشيختها الشيخ مسعود المغراوي الباجي. وبنى مدرسة حوانيت عاشور وقدم لمشيختها الشيخ عبد الله السوسي. وجميع هاته المدارس أوقف عليها أوقافاً من الربع والعقار تخرج منها جرايات كافية للشيوخ والتلامذة إعانة على طلب العلم الشريف. واعتنى بتحصين البلاد، وجهز الثغور، وأجرى السقايات العظيمة النفع، وهدم حانات الحفصية، ومنع بيع العنب لمن يعتصر الخمر، وبنى المباني الضخمة بباردو. ولما امتلأ مكياله ولاقى من عقوق بنيه ما صنعه لعمه وقيدته هموم فقد ولديه بعد أن جمع جميع أموال المملكة بين يديه دهمه الخبر بتجهيز أبناء عمه بالمحلة المنصورة من الجزائر تحت رئاسة حسن باي، فوردت المحلة إلى الحاضرة مع من حشد إليهم من الأعراب حتى نزلوا قبلي الحاضرة، ولج الباشا هو وابنه محمد في القتال حتى انهزما معاً، وقتل ولده محمد قرب الملاسين، وترك ولدين، وهما محمود باي ويوسف باي. واستؤسر الباشا بمحلة الجزيريين وأقام في الأسر عند حسن بايمما الجزيري على حال سيئة أياماً تعادل أعوام تملكه. ثم أمر بقتله فقتل أواسط ذي الحجة الحرام سنة تسع وستين ومائة وألف.
وقد استكمل استقصاء خبره مع عمه وخبر أبناء عمه المؤرخ الشيخ محمد ابن يوسف الحنفي الباجي في تاريخه المسمى. "المشرع الملكي، بدولة أبناء علي تركي" بما يشفي الغليل. وقد دفن حيث دفن ولداه بتربته. عليه رحمة الله وأرخ وفاته كاتبه الشيخ محمد الورغي بقوله:
مضت دولة الباشا عليِّ كأنه ... من الدهر يوماً في البريةَّ ما عاشا
أتته المنايا وهو في عُظم قوة ... وجيش كثيف مثله قط ما جاشا
فصار دفيناً بعد ما كان دافناً ... فقلت وقد أرخته: دفن الباشا
٣ المولى محمد الرشيد باشا باي
[١١٢٢ ١١٧٢]
стр. 4
هو الأمير أبو عبد الله محمد الرشيد بن حسين بن علي تركي، ولد في ذي الحجة الحرام سنة اثنتين وعشرين ومائة وألف، فاعتنى والده بتربيته وتعليمه وحنكه بما أهله إلى المراتب العالية، واختصه بإمامه الشيخ الحاج يوسف برتقيز، فاعتكف على إقرائه العلوم العقلية والدينية إلى أن بلغ خمس عثرة سنة، فأجمع رجال الدولة على طلب تقديمه لولاية الأمحال ليكون وارث الملك بعد والده، وألحوا بالطلب على والده، لما رأوا فيه من الأهلية لذلك فأجاب مطلبهم، وقدمه لولاية الأمحال أوائل سنة سبع وثلاثين ومائة وألف، وظهرت فيه الكفاءة لذلك مع ملازمته لقراءة العلم. وأكثر ولوعه بالعلوم المعقولة، وعلى الخصوص الأدب، فقد نسج فيه على منوال ملوك الأندلس، وأبدع رقيق الشعر باعتناء قاضي محلته وأستاذه الشيخ محمد بن محمد الشافعي الشريف ومن انضم إليه من الأدباء. ولم يزل مدة تملك والده في اعتناء عظيم بالعلم والأدب. ولما انقضت دولة والده وخشي سطوة ابن عمه خرج من القيروان بعد طول الحصار هو وأخواه علي باي ومحمود باي ومعهم الموفون بالعهد من أشياخهم وكتابهم وأتباعهم أوائل صفر الخير سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف فقصدوا الجزائر، وطلبوا من حاكمها نصرتهم على ابن عمهم. وبعد طول المقام جهزهم بمحلة خرجوا بها في ربيع الأول سنة تسع وخمسين ومائة وألف. وكان أمير المحلة حسين باي قسمطينة فوصلوا بها إلى الكاف، وامتدت أعناق الآمال إلى الإسعاف، ووافتهم نجوع العرب بالمدد، وواصلوهم بالرجال والعدد، لولا ما غدر به أمير المحلة فردها بدون كبير قتال، وغره في ذلك ما وصله من المال، وتفرقت جموع الحاشدين، وأسفوا من شماتة الحاسدين، حتى أتى الأسف على أخيهما محمود باي ففاضت نفسه بقسمطينة في الحادي عشر من شوال سنة تسع وخمسين، ولازم الأخوان الصبر مع قوة الرجاء في الله ﷻ .
ولم يكن هذا الأمير في جميع هاته المدة يعلق آماله بغير الله وأوليائه حسبما يعلم ذلك من مطالعة ديوان شعره المملوء بالتوسلات التي حقق الله إجابتها. ومن أعز ما رأيته في ذلك مكتوبه الذي وجهه إلى الولي العارف بالله الشيخ أبي العباس أحمد بن باباس وهو من إنشاء شيخه الشريف الشافعي، ولأهمية هذا المكتوب في واقعة الحال التزمت إثباته منقولاً من خطه المختوم بختم الأمير وهذا نصه: [الطويل]
رفعت إليك الحال يا نجل باباس ... وليس لهدا الأمر غيرك من آسي
فأنت نهاراً كوكب الخور في الدنا ... وبالليل نبراس السما أيُ نبراس
فكن فارساً حامي الذمار بسيفه ... وجئني بعباس وجئني بمرداس
يحاربني قوم بأصناف مكرهم ... وجاءوا بأنواع الحروب وأجناس
وما علموا أني بعزك عائذ ... فأنت لهم يا أيها الجبل الراسي
وخذ بيدي لله طال تفكري ... وضربيَ أخماسي زمانا بأسداسي
أجب دعوة المظلوم ولتكُ ناصراً ... له حين لاذوا النصر يوجد في الناس
وخُلْ جولةً تمحو بها كل ماكر ... وما كان من ضر وما كان من باس
رجوتك تكسوني من المجد حلة ... فأنت لأبناء السبيل هو الكاسي
وأحظى بما أرجوه فيك من المنى ... ويذهب إيحاشي ويُقْدِم إيناسي
عليك سلام ليت حامله الصَّبَا ... إليك فلا أحتاج فيه لقرطاس
ولو أنني اسطَعْتُ المسير لجئتكم ... فطوراً على عيني وطوراً على رأسي
стр. 5
أقول بعد حمد الله الذي به تنجلي الكربات، وتكشف البليات، وتسري النكبات، وتدرأ الرزيات، والصلاة والسلام على نبيه ومصطفاه، وحبيبه ومجتباه، صلاة تمحو آثار الكرب، وتهزم كتائب النوب، إني لما زحف إليّ الزمان بمحاله، وسقاني صرف كؤوس أهواله، وأجلاني من مقري، وكسا بجلباب الخسوف بدري، وكرَّ عليَّ بجيوش الكمد، وأعدمني الوالد والولد، فاستنسر عليَّ البغاث، وفقد المستصرخ والمستغاث، لم أزل أستجير من ظلمه فلا أجد مجيراً، واستنصر عليه ولا أوافي نصيراً، فأنا في غمار تلك الحال، ضجيع أوحال وأوجال، ناداني الفكر المطاع، بما لبته القلوب والأسماع، يا هذا لقد جئت شيئاً فريا، ونسيت من لم يك منسيا، أيا هذا الإنسان، المغمى عليه من تداول الأشجان والأحزان، حتى غفل عن الملاذ بذوي العرفان، الآسي ما تقرح من جراح الزمان، تالله لقد حدت عن الباب، والتمست الزكاة من غير مالك نصاب، وطالبت الضامن والمضمون حاضر، وتحيرت والأمن ظاهر، أين أنت عن أصفياء الله، وذوي الحمية والجاه، أين أنت عن المولى الذي ربضت الفضائل بناديه، ولبى المنى لمناديه، وعرجت الآمال بأرجائه، وآب قاصده برجائه، وانتشرت معارفه في الأقطار، ووكفت عوارفه كصيبات الأمطار، وكتبت على صفحات الزمان مفاخره، وصفت بواطنه وظواهره، سابق فبرز، ونال من المحاسن غايتها وأحرز، فأي عبارة تفي بعلياه وأي رام يطمع في بلوغ مرماه، هيهات هيهات ما هو إلا غرة هذا العصر، وحسنة من حسنات الدهر، تطلب المجد جاهداً، وتناول النيرين قاعداً، الجامع بين الشريعة والحقيقة، المتخذ الأتباع رفيقه وفريقه، فانتبهت لنداء الفكر من نومتي، وأفقت من غفلتي، علمت أني ظمئت والماء أمامي، وضللت وبجنبي إمامي، وأن المعني بالخطاب، والموجه إليك ذلك الجواب، وحامل لواء العرفان بلا ارتياب، الآتي من دقائق العلوم ورقائق الفهوم بالأمر العجاب، بقية أهل الإملا، والمدخر للجلى، حامي من بحماه احتمى، مروي صدى من أتاه على ظما، عمدتي وعياذي، وعدتي وملاذي، ومنبع إيجاري وإنقاذي، ومقصد تعريجي ولواذي، نتيجة قضايا الحجا ولا ريب ولا التباس، ومجمع أصناف الذكاء فأنى يضاهيه إياس، مظهر أساس العرفان حين تلاشت الأساس، لابس حلل التربية التي فيه حين نبذ ذلك اللباس، مولاي وأستاذي أبو العباس، سيدي أحمد بن باباس، لا زال مهتصراً من المعارف والعلوم أفناناً وأي أفنان، آية من آيات الزمان، ناشراً لسنة عنصر آل عدنان.
стр. 6
أما بعد فأيها السيد الجليل، ذا الفخر العريض الطويل، أهدي إلى حضرتكم سلاماً أشهى من البرء للعليل، وأنفع من الماء للغليل، ورحمة الله وبركاته. وأشكو إليك جوى فؤاد عولت عليك أفلاذه، وأعول طويلاً وأنت مالكه وأستاذه، وفارقه وسنة، ورافقه حزنه وشجنه، وهام في طرقات همه، وأمسى أمسه خيراً، من يومه، وارتدت على أعقابها آماله، وغدا شذر مذر حاله. وموضوع قضيتي مطال، وشرح قصتي تكل عنه الأقوال، وقد اقتضى الحال سرد بعضها على حضرتكم، وعرض أمري على سدتكم، ليتضح من ينسب الظلم إليه. ويظهر الباغي والمبغي عليه، وذلك أن والدنا ﵀ لمها قلد بطراز الولاية، ورشح لهذه الرعاية، اتفق على ولايته أهل الحل والعقد، ورضيه ذوو الاختبار والنقد، ولم يزل راغباً عن الإمارة، راهباً من ورطة النفس الأمارة، إلى أن ولوه بالرغم عليه، حيث توسم الناس الخير فيه، فقام في ذلك المقام، أحسن قيام، وعامل الناس بالرفق، وسلك سبيل الحق، واجتهد في إعلاء السنة المحمدية، وإحياء الشريعة الأحمدية، حتى غدا عصره أحسن عصر، ومصره أجمل مصر، والناس بحسن سيرته في أمن وعافية، وعيشة راضية، ولعله بلغكم ما فعله من الخيرات، وسوابغ الحسنات، ولولا الحرص على تعريف حضرتكم بالحال، وشرح المقال، لما سطرت يمناي في هذه التزكية حرفاً. ولا أعملت في ميدانها طرفاً. ثم إن والدنا ﵀ لما جرته الأقدار إلى موقف الملك، وانتظم في ذلك السلك، كان له ابن أخ رباه صغيراً، وسقاه من صنوف الإحسان سلسلاً نميراً، فرأى أن الأقارب أحق بالتقريب، وصلة الأرحام من أحسن ما سعى إليه اللبيب، فقرب ذلك الربيب وأدناه، وخصصه واجتباه، وولاه الولايات. ورأسه على الجبايات، وصاهره بكريمته، وأسنى في قيمته، وقدمه على الأجناد، وفعل معه ما لا يفعله إلا الوالد مع الأولاد، إلى أن أضحى بالعيون مرموقاً منظوراً، ولم يكن شيئاً مذكوراً، فلما شب وازدهى، واقتعد السهى، نبهوا والدنا عليه، وقرروا عنده ما يجنح إليه. وأغروه به، وعلى الاستراحة من نصبه وتعبه، فرأى والدنا ﵀ أن هذا محض ظن ووهم، وإن بعض الظن إثم، وأن الإقدام على الحد بغير ثبوت شرعي يسخط الرب، ويدخل في ظلمات الذنب، فأعرض عنه إعراض من ثبت لديه بغيه، وما يرتاده سعيه، وتغافل عما يبدو منه وأغضى، واختار الرضى بالقضا، فلم يلبث إلا قليلاً وفر ذلك الربيب ومال إلى بعض الجبال، وجمع عليه أهل البغي والضلال، وأفسد الطرقات، ومنع المعيشات، ورماح بغيه على المسلمين شرعٌ، وأموالهم نهب يوزع، ولم يزل والدنا يقاسي في حسم ذلك الفساد، والبلاء النازل على العباد، إلى أن أجلي من تلك الأقطار، وعاد الأمن إلى ما كان، وحسن الزمان، وسرت البلاد والعباد، وانمحى البغي والفساد، وحين وضعت الحرب أوزارها، وراجعت العافية دارها، رأى والدنا أن تأخير الحج المفروض المحتم، كتأخير رأس مال السلم، فعزم على الحج إلى بيت الله الحرام وزيارة قبره ﵇، وأن يلازم ذلك المحل، إلى أن تتلاشى روحه وتضمحل، وعمد أن جمع مجلساً عاماً حضره العلماء الأخيار، والفضلاء الأبرار، وعهد إليّ بالولاية، وقلدني بالملك والرعاية، وبايعني الناس عامة على السنة المألوفة، والطريقة الموصوفة، وهذا العدو إذ ذاك بالجزائر يفسد في نفوس حكامها، وولاة أحكامها، ويحسن لهم القيام علينا، وإضرام نار الحرب في نواحينا، حتى استزلهم بدهاه، وبلغ من ذلك مناه، وكان ما في علمكم، وتقرر عندكم، وآل أمره إلى أن جرع والدنا الحمام بيده. وتولى ذبح مربيه ووالده، وغصب لنا ملكنا، واستحل هلكنا، وأقبل على الخلق قتلاً وصلباً، ونهباً وسلباً، وبدل الناس البأس بالعيش الأول، وأفعال الله لا تعلل.
[الخفيف]
هذه قصتي وهذا حديثي ... وإذا كنت خاذلي من يجير
стр. 7
وقد قصدت جنابك، وطرقت بابك، ويممت فناك، وأملت دعاك، وتوسلت إليك بسيد البشر، الشفيع المشفع في المحشر، أن لا تتركني سدى، ولا تشمت بي الأعدا، يا بدر الصالحين، يا تاج العلماء العارفين؛ جئت إليكم مستجيراً، فالله الله في هذا النازح الوطن، المحالف الشجن، المفارق الألف والسكن، ناشدتك الله لا تنبذني ظهرياً، ولا تتركني نسيأ منسياً، أيخيب القاصد حماكم، أيرمى المتمسك بدعاكم، وأنتم أهل الله لا يخيب من بكم استجار، ولا يخشى صولة الأذعار، حنانيك أي هذا الإمام، جوارك يا علم الأعلام، لألو لك أن تعرض عمن بكم لاذ، وبسواكم استعاذ، وبحرمكم استظل، وبفيض كرمكم أم وأمل، ألا راحم لغربتي، ألا ساد لحلتي، ألا منفس لشجوي وكربتي، أليس عاراً عليكم، ضيعة القاصد بعزمه إليكم، فلا تتركوني مضاعاً، وفؤادي ملتاعاً، وقلبي شعاعاً، وأشجاني أجناساً وأنواعاً. كيف أضام وإليكم قصدت، كيف أحرم وبكم وثقت وتعلقت، كيف لا أظفر بمرادي، وأنتم مخيم ودادي، ومواليَّ وأسيادي. وعليكم اعتمادي، وبهمتكم إمدادي وإسعادي، وإني أتوسل إلى حضرتكم بالله الذي لا إله إلا هو الرحيم الرحمن، الرؤوف المنان، والأنبياء والمرسلين، وبمحمد الصادق الأمين. والسادة صحابته، والأخيار قرابته، وبالمهاجرين والأنصار، والأقطاب والنجباء والأخيار. وبجميع الأولياء والصالحين، والعلماء الراسخين، أن لا تحرمني من دعاكم، والتوجه بهمتكم، إلى خديم سدتكم، حتى أظفر بمأمولي، وأبلغ غاية سؤلي، فلا خاب من إليكم انتسب، وعليكم أكب، فأغيثوا هذا المظلوم، الكثير الكُلوم، الغريب الديار، المقلب على الجمار، كلا فإني لما وفقت لقصدكم، واشتملت بودكم، وانتميت لذلك المقام، واعتززت بذلك الذمام، ظفرت بالأهل المطلق، ونزلت على المحلق. فمثلكم من يحمي جاره. ويبلغه أوطاره. لا زلتم موقف الآمال، ومحط المجد والنوال. وعائد السلام عليكم، كما بدا من ابنكم المنتمي إليكم، الطالب فضلكم ورفدكم، الفقير إلى رحمة ربه ولطفه محمد باي ابن حسين باي ابن علي. وكتبت بتاريخ أواخر جمادى الأولى من عام١١٦١.
هذا والغيب قد هيأ لهؤلاء الأمراء أعز السعادة المستدامة إلى أن تخلصوا خلوص التبر، وحنوا إلى وطنهم وساعدهم القدر. وأعيا الناس ما لاقوه من ابن عمهم، وكاتبوهم يستنهضونهم، فجهزهم حاكم الجزائر بمحلة منصورة تحت رئاسة حسن باي أزرق عينه. وأقبلوا مع من حشد إليهم من نجوع الأعراب الذين أعياهم الجلد وقاموا بإمدادهم إلى أن تغلبوا على عدوهم، واتصلوا بتراث أبيهم من غاصبه، واقتص الله لهم دم أبيهم ودخلوا الحاضرة في يوم مشهود، خفقت فيه الرايات والبنود، وهو يوم الخميس سادس ذي الحجة الحرام سنة تسع وستين ومائة وألف، فهرعت الخاصة والعامة إلى بيعتهم واطمأنت الأنفس وقرت العيون.
[الطويل]
وألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر
وأقام الجزيريون أياماً كدروا بها صفو مشرب الباشا محمد الرشيد باي من إعناتهم وجراءَتهم وإضرارهم بالأهالي إلى أن أراحه الله من إقامتهم على ما هو مبسوط في كتاب "المشرع الملكي، بدولة أولاد علي تركي " وأقبل الأمن على الأهالي بعود الدر إلى معدنه وتنادى الناس بالفرح المديد، من ولاية محمد الرشيد، فاقتعد دست الملك التونسي وعم بإحسانه كل من وفد عليه سائلاً، وأنشأ من حماسة عزة نفسه الملوكية قائلاً: [الطويل]
أيشبهنا في العالمين قبيل ... ونيل علانا ما إليه سبيل
أرى العز لا يأوي سوى بيت مجدنا ... ولا في حمانا يستذُّل ذليل
وأعراضنا بين الأنام جواهر ... وجوهرنا في الخافقينْ يسيل
ترى السعد والأيام ملك يميننا ... تميل على العِلات حيث نميل
صوارمنا تطغى على طول دهرنا ... لها في رؤوس الدارعين صليل
إذا استقبل الأعداء صارمَ سيفنا ... فماضيه بالنصر العزيز كفيل
وإن نحن سرنا في كماة جيوشنا ... وللخيل وقع في الثرى وصهيل
تكاد جال الأرض من عظم بأسنا ... تذوب على سطح الثرى وتميل
تسع وستين ومائة وألف، فهرعت الخاصة والعامة إلى بيعتهم واطمأنت الأنفس وقرت العيون.
[الطويل]
وألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر
стр. 8
وأقام الجزيريون أياماً كدروا بها صفو مشرب الباشا محمد الرشيد باي من إعناتهم وجراءَتهم وإضرارهم بالأهالي إلى أن أراحه الله من إقامتهم على ما هو مبسوط في كتاب "المشرع الملكي، بدولة أولاد علي تركي " وأقبل الأمن على الأهالي بعود الدر إلى معدنه وتنادى الناس بالفرح المديد، من ولاية محمد الرشيد، فاقتعد دست الملك التونسي وعم بإحسانه كل من وفد عليه سائلاً، وأنشأ من حماسة عزة نفسه الملوكية قائلاً: [الطويل]
أيشبهنا في العالمين قبيل ... ونيل علانا ما إليه سبيل
أرى العز لا يأوي سوى بيت مجدنا ... ولا في حمانا يستذُّل ذليل
وأعراضنا بين الأنام جواهر ... وجوهرنا في الخافقينْ يسيل
ترى السعد والأيام ملك يميننا ... تميل على العِلات حيث نميل
صوارمنا تطغى على طول دهرنا ... لها في رؤوس الدارعين صليل
إذا استقبل الأعداء صارمَ سيفنا ... فماضيه بالنصر العزيز كفيل
وإن نحن سرنا في كماة جيوشنا ... وللخيل وقع في الثرى وصهيل
تكاد جال الأرض من عظم بأسنا ... تذوب على سطح الثرى وتميل
عوائدها التي كانت عليها تلك المدة، وساعده البخت فأخصبت البلاد، وأعلن أصحابه ومن كانوا بمعيته بأفراحهم فاستعملوا الآلات المطربة للأنس بعد طول غربتهم، وجرى معهم في ذلك الميدان غيرهم. حتى كانت أيام تلك الدولة كأنها أعراس، وفاقت به وسطى دول بني العباس، ولا سيما وقد أكرم الله هذا الأمير بولديه أبي الثنا محمود باي وأبي الفداء إسمعيل باي اللذين جعل الله الملك مخلداً في عقب أولهما جزاءً من الله على حسن طوية هذا الأمير.
وكان عالي الهمة عزيز النفس ضخم الدولة مشيداً لدعائم شارات الملك وتعظيم شأن الدولة والميل إلى المعالي وحب العلم والعلماء وهو منهم، له ديوان شعر بديع جيد النظم والنثر والتوشيح. وقد نظم قصائد نبوية وتوسلية تدل على حسن وثوقه بالله وأوليائه.
أما قصيدتاه الميمية والقافية فهما آية الله في الإبداع. وقد سمى أولاهما "محركات السواكن، إلى أشرف الأماكن" وهي التي يقول في مطلعها: [الكامل]
هل زَورَة تشمِي فؤاد متيم ... يا أهل مكة والحطيم وزمزم
وشرحها أستاذه الشريف الشافعي بجزأين ضخمين التزم في شرح كل بيت منها خمسة فنون؛ وهي اللغة والنحو والمعاني والبيان والبديع عدا حاصل المعنى وسمى شرحه المذكور "إظهار النكات، من خبايا المحركات " فكان شرحاً مشحوناً علماً وأدباً حيث اعتكف به مؤلفه على استخراج الدر من بحرها العميق إذ أنه لما استقر به النوى ورجع مع تلميذه ومخدومه إلى أرضه التونسية التزم الإقامة بجبل المنار تاركاً جميع علائق الدولة. وكان الأمير يرسل له ليلة كل جمعة فرسه الأشهب، ولم يمتطه غير أستاذه المذكور فيحضر عنده بباردو للمبيت ومن الغد يرجع الفرس المذكور موصولاً بجميل الصلات، ووافر العطيات، وهو في رغد العيش من إقبال السعد، بإنجاز الدهر لجميل الوعد، يرصع تيجان تلك القصيدة، بالجواهر النضيدة، حتى أظهر ما احتوت عليه من النكات، بالآيات البينات، فرحم الله الناظم والشارح، إذ أخصبا تلك المسارح.
وأما القصيدة الثانية القافية فقد شرحها الشيخ محمد الكواش وقيل شارحها والده الشيخ صالح الكواش غير أني لم نطلع عليه.
وقد عم فضل هذا الباشا سائر الموفين بعهده من أصدقائه ومن أدركهم من رجال دولة والده إلى أن مرض نحو العشرة أيام، وأدركته المنية ليلة الاثنين الرابع عشر من جمادى الثانية سنة اثنتين وسبعين ومائة وألف، ودفن بتربة والده عليه رحمة الله. وقد رثاه الشيخ محمد الورغي بقصيدة كتبت على قبره وهي قوله: [الكامل]
هذا ضريح للإمام الأمجد ... نجمِ الملوك السيد ابن السيد
علم غدا للقاسمين مجاوراً ... فأضا أمامهما ضياء الفرقَد
لاقى برأفته العباد فربه ... يلقاه بالغفران يوم الموعد
عم الأنامَ الهديُ في أيَّامِه ... إحكام حكم قل من لم يهتد
فالحلم شيمته وحليته الرضا ... والخير فيه لمن يروح ويغتدي
يا واقفاً بضريحه سل ربه ... كرماً يمتعه بجور نهدِ
واقرأ له أم الكتاب هدية ... فعسى يفوز برحمة يم تنفذ
стр. 9
بشرى له إذ جاء في تاريخه ... (يا حسن حور زيني لمحمد)
٤- المولى علي باشا باي
[١١٢٤ ١١٩٢] هو الأمير أبو الحسن علي بن حسين بن علي تركي ولد سنة أربع وعشرين ومائة وألف، ونشأ بين يدي والده في التدريب والتهذيب وقراءة العلم الشريف على الشيخ الحاج يوسف برتقيز، وأكثر ميله إلى العلوم الدينية لا سيما الحديث النبوي، ونشأ على ذلك إلى أن غاب غيبته ورجع رجوع الدر إلى معدنه صحبة أخيه يوم الخميس سادس ذي الحجة الحرام سنة تسع وستين ومائة وألف وتمت البيعة لأخيه فقلده هو ولاية الأمحال ولازم السفر بالأمحال لاستخلاص الجباية مدة.
وبعد انتقال أخيه أجمع أهل الحل والعقد على تقديمه للإمارة فبايعوه يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الثانية سنة اثنتين وسبعين ومائة وألف، ووفدت عليه الوفود بالتهنئة، واستقر على كرسي المملكة وأقَّر رجال دولة أخيه على مناصبهم وقرر الأمور على ما كانت عليه واستعمل من الرفق والحنان ما جلب به جميع القلوب.
واصطفى لمجلسه العلماء ودخل في زمرتهم مع ما له من الذكاء والمشاركة في العلوم وحب المحاورة وملازمة رواية صحيح البخاري بنفسه يستحضر للمبيت عنده كل ليلة طائفة من العلماء للمسامرة على العلم وسرد الكتب المهمة والمحاورة فيها، وكثيراً ما يورد عليهم المشكلات، والإشكالات من توقفاته ويديرون في ذلك كؤوس محاضراتهم ومحاوراتهم ويجزل عطاء المجيد منهم. ومن ذلك توقفه في مسألة إجزاء أداء النذور في وقت الكراهة مع أنه وقت إثم، وقد كتب له في المسألة شيخ الإسلام البارودي كتابة حرر فيها إشكال الأمير والنصوص التي توقف في الجمع بينها بما يدل على رتبة الأمير في العلوم الدينية.
وقد اتفق له أيضاً أنه كان يقرأ تفسير القاضي البيضاوي والعلماء بين يديه فمرت به عبارة فيها مخالفة بين الضمير ومفسره في التذكير والتأنيث فسأل عن وجهها فلم يحضرهم الجواب ثم أجابه الشيخ عبد الكبير الشريف بأن ذلك لمراعاة الخبر فاستحسن جوابه وأجزل صلته حتى قال بعض الحاضرين: إن هذا الجواب الذي أجاب به الشيخ مشهور مسطر تحت كل ورقة فقال له الأمير: وهلا أجبت أنت بهذا الأمر المشهور؟ ثم قال لهم: إني لم أعظم جائزة الشيخ استغراباً لما أجاب به وإنما قصدت بذلك إظهار تعظيم أهل العلم وترغيب الناس في تعليمه والحث عليه. وبمثل ذلك كان العلماء لا يتخلفون عن مجلسه وهو يوسعهم براً وكرماً، مؤدياً لحقوق احترامهم الواجب، حتى أنه لم يشرب الدخان في مجلس اجتماعهم، ويتكلف في ليالي الشتاء الخروج لإجل التدخين حتى لا يرتكب ذلك بينهم. ولما راوده بعض العلماء على عدم الخروج متعللاً له بعدم الفرق بين دخان الاستنشاق المستعمل عند جميعهم وبين التدخين، أجابه بأن عموم كراهة رائحة التدخين فارقٌ بينهما وأنه يجتنب ذلك قياماً بواجب حق علمهم.
وفي مجلسه العلمي كان اجتماع الشيخ محمد الشحمي مع الشيخ لطف الله الأعجمي شارح أسماء الله الحسنى حين وفد على تونس عام ثمان وسبعين ومائة وألف ووقعت بينهما محاورة في علوم حكميّة اعترف في آخرها بفضل الشيخ الشحمي، وكان جسيماً فوضع الشيخ لطف الله يده على بطن الشيخ الشحمي، وقال له: إنها ملئت علماً لا شحماً. وهكذا كان الأمير يجمع بين يديه العلماء وتقع بينهم المحاورات وينثر بينهم نثار الذهب، ويتحلى من اجتماعهم بأحسن حليّ الأدب، ويوسع جميعهم براً وعطاءً. يرجو به من الله جزاءً، ويرجعون من بيته الرفيع ولسان حالهم ينشد: [الطويل]
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
بل هذا البيت أنشده بين يديه لسان مقال أحد الجلة الحاضرين في بعض الليالي عندما أجزل لهم العطاء من نفائس اللآلي فأصبح تضمينه مجالاً لتسابق فصحاء الشعراء وضمنه جميعهم في قصائد بديعة، من أجلها تضمين الشيخ الحاج حمودة ابن عبد العزيز في آخر قصيدة يخاطب الأمير بقوله: [لطويل]
إذا زارك الوفد انثنوا وجميعهم ... من البحر ذي التيار للدر جالب
فيشكرك الركبان من كثرة الجبا ... وتشكوك من ثقل العطايا الركائب
ومذ صدوراً والعيس كالنخل ... إذْرها سألناهُم كيف العلا والمناقب
"فعاجوا فاثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب"
стр. 10
وقد ثار عليه ولد ابن عمه إسماعيل بن يونس باي وكفاه الله أمره بعد محاربات طويلة في جبل وسلات فمات حتف أنفه بقسمطينة وخلف ولداً اسمه حسن مات بعد ذلك.
ثم إن الأمير حارب الدولة الفرانساويِّة وانفصل معها بصلح سنة أربع وثمانين. وأعان السلطان مصطفى خان على محاربة الموسكو سنة خمس وثمانين.
وضم ابني أخيه إلى أبنائه حمودة وسليمان وعثمان والمأمون في التعليم والختان والتدريب على أحوال الدولة حتى جهز لجميعهم محلة وجعل الحكم فيها على التناوب بينهم جميعاً.
وقد شاد من المباني والمفاخر ما بقي ذكره، فبنى تربته الشهيرة والمدرسة المجاورة لها. وأقام مكتباً لتجويد القرآن العظيم لصق جامع والده وأسس التكيتين لإيواء الفقراء من الرجال والنساء وإطعامهم وكسوتهم وفراشهم وأوقف على جميع ذلك أوقافاً مهمة أجرى بها التعاليم والصدقات الجارية إلى هذا اليوم، وعطل الخمر، وهدم الحانات، وأجرى كثيراً من السقايات، وأقام الجسور، وجدد كثيراً من الزوايا والمساجد، وبنى المباني الباذخة بباردو.
وكان عالماً عادلاً، ذا صيانة وعفاف وفروسية ونجدة وتقى وحلم وكرم، أقام في دولته سوق العلوم والأدب، فكثرت فيها الشعراء وتنافسوا في مدائحه بدواوين من الشعر وأولاهم من الجوائز والصلات ما بعثهم على الاعتكاف على مدائحه.
وكانت له في منطقة حبسَة أبدع حامل لواء شعراء تلك الدولة في وصفها بما يتمنى به أشهر فصحاء الملوك أن يكون له مثلها فيوصف بجميل أوصافها التي وصفه بها هذا الشاعر البليغ، وهو الكاتب الشيخ محمد الورغي إذ رصع إحدى عيدياته يخاطب الأمير بقوله: [الطويل]
وما فتن الألبابَ مثلك ناطقاً ... بأسهل ألفاظ على المطلب الوعر
وقتكَ أذى المعيان في ذاك حبسة ... ترد على أعضائه شهقة المكر
وعوضتَ منها في جنانك فسحةً ... يغيب بها ما في الحضيض إلى النسر
وسعت لها تأميل كل مؤمل ... وآويت في أكنافها كل ذي ذعر
وما ضر أن كانت لجودك آية ... كما أن غيم الجو كمن آية القطر
إذا ما شفعت الميم أتبعت منحة ... أو الباء جاء البر منك على الإثْر
ولولا الحيا والعلم أنك صالح ... لقلنا بفيكِ العذبِ فأفأةُ السحر
وفيك وفيها رحمة حين ينزوي ... أمامك ذو ذنب أو الطالب البر
فيأخذ هذا عن عتابك مهلة ... ويطنب ذا فيما يقودك للأجر
وإن زدت فيها عند ذاك تبسماً ... فتلك لعمر الله منقبَة الفخر
كذلك فلينعتك من كان مغرماً ... بحبك وليصدع بما فيك من سر
وقد أفرد له كاتبه المقرب الشيخ الحاج حمودة بن عبد العزيز تاريخاً جمع فيه مفاخر مملكته ودولته واستوفى من خصاله الحميدة وقصائد مديحه ما لم يحط به غيره من المؤرخين.
ولما شاخ هذا الأمير قدم ولده حمودة باي على ابن أخيه محمود باي الأكبر سناً فجعل ولده ولي عهده وأجلسه لتعاطي الحكم بين يديه والسفر بالأمحال ثم توالى على الأمير المرض إلى أن حضر أجله فتوفي يوم السبت الثالث عشر من جمادى الثانية سنة ست وتسعين ومائة وألف ودفن بتربته التي أحدث بناءها قرب ساباط عجم عليه رحمة الله.
٥ المولى حمودة باشا باي
[١١٧٣ ١٢٢٩] هو الأمير أبو محمد حمودة بن علي بن حسين بن علي تركي. ولد ليلة السبت ثامن عشر ربيع الثاني سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف، وتربى في حجْر ملك والده المعتني به غاية الاعتناء فقد ضم إليه من المربين العارفين بفنون السياسة من لهم عنده ذكر. وقدم لإقرائه العلوم المعقولة والدينية العالمين الشيخ الحاج حمودة بن عبد العزيز، ومن ذلك السلم ارتقى إلى رتبته العالية التي بلغها في الدولة، والشيخ حمودة بن باكير فقرأ عليهما ما أهله لكل كمال، حتى أنه لما استكمل السبع عشرة سنة وأراد والده تقديم خليفة لملكه أجمع نصحاء الدولة على اختياره، فأرسل إلى الدولة العثمانية بطلب تقديم ولده المذكور فأسعفته بذلك على عهد الغازي السلطان سليم خان الثالث، ووجهت له الخلعة العثمانية وأحضره والده بالديوان بالحاضرة وقلده الولاية وتمت بيعته غرة المحرم سنة إحدى وتسعين ومائة وألف، ووفدت عليه الوفود بالتهاني من كل فج وجلس للحكم والأوامر تصدر بختم والده وباشر السفر بالمحلة شتاءً وصيفاً.
стр. 11
وظهرت منه الكفاءه والخبرة وحسن الفراسة؛ أتته امرأة في أحد أسفاره تشكوه افتقاد غلة تينها منذ إبان إثماره كل يوم لا تجد ما نضج منه مع أن ذلك هو توت أولادها فأحضرها في خلوته، وأمرها أن تجعل في أسفل كل تينة أشرفت على النضج شعيرة، وأمر من الغد بجمع التين الذي يؤتى به لسوق البلد ليطعمه العسكر. ولما حضر بين يديه التزم التأمل في ذات الغلة بنفسه لينظر جيدها من رديها حتى رأى وعاء ملآنا من التين الذي في أسفله الشعير فأظهر استحسانه للغلة، وطلب صاحبه يسأله عن سانيته وعن خدمته لها وضايقه في السؤال حتى تبين منه أنه اختلسه للمسكينة فسجنه وأحضرها وأمره أن يحاسبها على جميع ما استغله من سانيتها.
ولما توفي والده استقل بالملك وشمر عن ساعد الجد في فك أسر البلاد من سلطة الجزيريين، فبنى سور البلاد وأتم بناءه عام سبعة عشر، وأقام سائر الأبراج المحيطة بها والأبواب الشاهقة. وكان تمام بناء الأبراج عام إثني عشر. وأقام القشل الخمس التي في المدينة وهي قشلة البشامقية وقشلة سوق الوزر، وقشلة سيدي عامر، وقشلة العطارين، وقشلة طريق سيدي المرجاني. وأسكن بها من عساكر الترك نحو الأحد عشر ألفاً وأكثر هن الاحتفاء بهم والتزيي بزيهم حتى أنه اتخذ لنفسه بيتاً بينهم في قشلة البشامقية وعاوض دار حمودة باشا المرادي التي بالقصبة وبناها لمساكنة جنوده بالحاضرة. وأقام عدة فنادق بالأرباض لسكنى زواوة، واعتنى بعمل المدافع في الحفصية والبارود في القصبة. وأحضر جيد الأسلحة وأعمل التطلع على أحوال الجند والبر بهم حتى كان ذلك هو غاية شغله يركب إليهم في أكثر أوقاته. وبنى أبراج حلق الوادي. وجدد أبراج الكاف وسورها وجهز جميعها بما تحتاج إليه.
وأرسل وزيره يوسف صاحب الطابع إلى دار الخلافة العثمانية فأحكم وصلته معها سنة عشر.
ولما استكمل جهازه حشد الأمحال الضخمة وأوعبها أبطال جنده وأرسلها تحت رئاسة سليمان كاهية الأول سنة إحدى وعشرين فنزل بها على قسمطينة ورماها بالكور والبونبة وطال بها الحصار نحو الأربعة أشهر إلى أن أشرف على فتحها فخرجت منها محلة عظيمة للدفاع عنها آل أمرها إلى هزم المحلة التونسية. ثم جهز الأمير أمحالاً أخرى حشد بها جنوده المجندة وأرسلها تحت رئاسة صاحب طابعه يوسف خوجة ووقع النزال مع الجزيريين في سراط فانتصر التونسيون انتصاراً هائلاً، واستولوا على سائر ما احتوت عليه محلة الجزيريين من العدد الحربية وغيرها، ورجعت المحلات المنصورة غانمة في الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف. وزينت البلاد وتوالت الأفراح ومن ذلك اليوم نزعت البلاد أطمار مهانة الجزيريين ولبست ثياب العز وأصبحت رافلة في جلابيب أمنها.
وكان قبل ذلك حارب البلنسيان سنة أربع، وبعد الطول انفصل معهم على صلح كان أواخر سنة تسع بعد المائتين والألف.
وثار عليه عسكر الترك ليلاً في شعبان سنة ست وعشرين ومكنه الله منهم فقمع ثورانهم، وأطفأ نيرانهم.
ومن مفاخر دولة هذا الأمير الأساطيل التي اتخذها في البحر وغنم بها وسبى وانتصر بها على الجزيريين لما اقبلوا عليه من البحر بأسطول عظيم إلى حلق الوادي سنة ثمان وعشرين فعطب كثيراً من أجفانهم وردهم.
وقد أغاث بقوة جنوده ابني باشا طرابلس لما استنصروا به على عدوهم فجهز لهم المحال تحت رئاسة وزيره وصهره الحاج مصطفى خوجة سنة تسع بعد المائتين والألف، فانتصر بالمنشية وفر المستولي هارباً فأجلسهم على كرسي إمارة طرابلس وعقد لهم البيعة ورجع غانماً فائزاً بهذا الفخر الذي خلده لمخدومه وكان من رجال دولته الفائزين بالقرب منه.
وأما بقية رجال دولته فهم: سليمان آغا كاهية المحلة، وخير الدين كاهية دار الباشا وليها بعد سليمان السابق الذكر، والحاج حسن خزندار، والشيخ محمد الأصرم باش كاتب.
وكار الأمير ولوعاً بإكرام الوافدين عليه من ملوك الجهات بحيث إنه خلف للبلاد مآثر ومفاخر لا يحصيها عدد بسبب ما عنده من الغيرة والحمية الوطنية وإعمال الفكر في أمن البلاد وثروتها، وله في ذلك أخبار لا يفي بها غير تاريخ مستقل. وقد تصدى الشيخ إبراهيم سيالة لتأليف تاريخ في مفاخر دولة المذكور وقفت على قطعة منه غير أنه لم يستكمله.
стр. 12
ومن منقولات أخباره في الحرص على نفع البلاد أنه كان لا يلبس إلا طيلسان بلد جربة واتفق له أن لبس الطيلسان الكشمير فلم تمض عليه مدة حتى رأى جميع رجال دولته مثله ففطن لكساد صناعة البلاد ورواج السلع الخارجية، وعند حضور موكب العيد أقبل عليهم لابساً طيلساناً من صناعة جربة، وفي ذلك اليوم ترك جميعهم الطيلسان الكشمير، ولبس مثل لبس الأمير.
مزورة عليه مع أنها كانت بعقد عدلين لا ريبة في عدالتهما وهما ميتان والرسم قديم، لكنه مع ذلك رأى من تلهف المدعى عليه بها ما تشكك به في ثبوت ذلك عليه، فأخذ الكاغذ الذي كتبت فيه الحجة وأحضر بعض الإفرنج العارفين بتواريخ إنشاء الكاغذ، وكشف الغيب على أن تاريخ كتابة الرسم كان قبل إنشاء أصل الكاغذ بسنين كثيرة وبالاختبار تبين أن الرسم مفتعل وأن الشهادة مزورة على شهيديها.
وكان متخذاً القبة الحمراء أمام باردو لقبول جواسيسه عشية كل يوم يعلم منهم جميع ما وقع ذلك اليوم حتى انفرد بمعرفة حقيقة ما عليه البلاد وأهلها. وبالجملة فإن هذا الأمير تصرف في المملكة تصرف الأب الشفوق في أبنائه وأحيا لها ذكراً، وفك لها أسراً.
وبنى المسجد الذي قرب القصبة وأقام به الأحزاب الجارية إلى هذا اليوم بما أوقفه عليها.
وكان شهماً حازماً غيوراً، عالي الهمة، عزيز النفس أبيَّ الضيم حامياً للذمار، غير متحمل للعار، خبيراً بسياسة البلاد، نصوحاً لها، حسن التدبير، محباً للعلماء والصالحين، يباشر المهمات بنفسه مقتصداً في شخصياته، حافظاً لأموال المسلمين عن غير مصالحهم، لا تأخذه في الحق لومة لائم، صادق الفراسة التي كاد أن يطلع بها على الغيب، بحاثاً عن الأحوال، كاظماً للغيظ، أصيب بفقد ولده محمد المأمون باي فدخل عليه الشيخ صالح الكواش يعزيه وقال له في تعزيته: إن الله ما بولدك ابتدا، ولا عليك اعتدى، فإن رضيك ذلك فيا حبذا، وإلاَّ فعليك بذا ثم بذا، وأشار إلى الحائطين بميمنته وشماله، فاسترجع الأمير ولازم صبره. ولم يزل على اعتنائه بشأن ملكه إلى أن فاجأته المنية بعد مغرب ليلة الجمعة مفتتح شوال سنة تسع وعشرين ومائتين وألف، ودفن بتربة والده عليه رحمة الله ورثاه الشيخ إبراهيم الرياحي بقوله: [الكامل]
حكم المنية نافذُ الأحكام ... والدار ما جعلت بدار مُقام
كم فتتت كبداً وكم أبكت دماً ... ولرب عرش ثل بعد نظام
ولربما هان المصاب وفيك يا ... حمودة جلل على الأيام
يفنى الزمان ورزءُ فقدِك حادث ... يُتلى على الأفواه والأقلام
إن تسخُ جامدة العيون بدرها ... فلطالما رويتْ بكأس منام
أو تلبس الدنيا عليك حدادها ... فغروب شمسك مؤذنٌ بظلام
لكن مآثرك التي خلدتها ... أبقت سناك وأنت تحت رِجام
السور ما سوَّاه إلاَّ عزمُه ... ومشيدُ الأبراج تحت ضرام
أما الثغور فإنها غصصُ العدى ... وشفا الصدورِ بآية الإسلام
ولكم سقيت الرعب من شق العصا ... ومزجت كأس سروره بحِمام
مم بعد ما بالغتَ في إرشاده ... وغضضتَ جفنَ الحلمِ غضَّ كرام
حتى أطاعك فيهمُ النصر الذي ... خضعوا به قسراً خضوع لِئام
وبلغْتَ أنّك إن رأوا لك عسكراً ... هزموا بلا طعن وسل حُسَام
وغدت بذلك تونسٌ تفترُّ في ... حلل الهنا عن ثغرها البسَّام
محسودة كعقاب جوٍّ منعةً ... بشموخها وكميِّها الضِّرغام
والآن فهي لفقده محزونةٌ ... تبكي عليه بكل طرفٍ دام
فكأنما عين الحواسد فوقتْ ... لجمالها عن قوسه بسهام
لما دعا داعي الرضا فأجابه ... مستسلماً لله في الأحكام
فافسح له اللهمَّ عندك منزلاً ... واسمح له بزيادة الإنعام
ولقولتي حقق بفضلك فيه إذ ... أرختُ: قيلَ: ادخُلْ لنا بسلامِ
٦- المولى عثمان باشا باي
[١١٧٦ ١٢٣٠]
стр. 13
هو الأمير أبو النور عثمان بن علي بن حسين بن علي تركي، ولد ليلة الجمعة الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة ست وسبعين ومائة وألف، وتربى في حجر اعتناء أبيه وعز دولة أخيه إلى أن توفي أخوه فاجتمع خاصته ورجال دولته للمشاورة فيمن يقدمونه للولاية حيث إن الملك يستحقه ابن عم أميرهم وهو أكبر الموالي سناً ونفوسهم منبعثة إلى غير ذلك فاجتمع هنالك صهر الأمير المفتي الشيخ الحاج أحمد البارودي، ووزيره يوسف صاحب الطابع، ورئيس الكتاب الشيخ محمد الأصرم، ومن حضر هنالك لموكب ليلة العيد، وعند اجتماعهم استقدموا الموالي الكرام، فجلسوا على حسب مراتبهم، وكان أبناء صاحب الترجمة وشيعته متقلدين سلاحاً خفياً وهم متأهبون للحرب، وقدم ابنا عمهم وبنوهما على حالة أمن، ولما انتظم مجلس اجتماعهم بادرهم الوزير يوسف صاحب الطابع بالتعزية والتسلية، ثم استشار جمعهم فيمن يقدمونه للولاية، فأجابه أكبرهم سناً وأعلاهم مجلساً وصاحبها استحقاقاً المولى محمود باي بقوله. إن الأمر واضح، وإنما الخيار بأيديكم في المبايعة، فانتهزها منه فرصة وقال. إنما يرث الميت أخوه، وعجل بالبيعة إلى صاحب الترجمة، وتبعه على ذلك شيعته وتمت له البيعة.
وأصبح على كرسي المملكة بذاته والتصرف بيد بعض المسارعين لبيعته حتى آل الأمر إلى استبدادهم عليه، وكاد أمر الدولة أن ينحل غير أن مدة ولايته كانت خصبة وكثر فيها الرخاء والأمن وعندما رأى أبناء عمه أشراف الدولة على خطر الانحلال أجمعوا على خلعه فخرجوا إليه ليلاً مع من قام بنصرتهم، وما الله مريد ظلماً للعالمين، فدخلوا عليه واستشهد بعد هرج أطار نوم تلك الليلة. ومن الغد قتل ابناه صالح باي وعلي باي. وسجن مولوده تلك الليلة محمد باي. وكانت ليلة قتل الأمير المذكور ليلة عاشوراء من المحرم الحرام سنة ثلاثين ومائتين وألف ودفن هو وابناه بتربة والده عليهم رحمة الله.
٧- المولى محمود باشا باي
[١١٧٠ ١٢٣٩] هو الأمير أبو الثناء محمود بن محمد الرشيد بن حسين بن علي تركي، ولد سنة سبعين ومائة وألف وتربى في حجر عناية عمه مضموماً إلى بنيه، وكان هو أكبرهم سناً وهو المقدم عليهم في استحقاق الملك غير أن عمه آثر لوراثة الملك من بعده ولده أبا محمد حمودة باشا فغض الطرف عن ذلك حياءً من عمه وكظم غيظه. ولما انقضت دولة ابن عمه المذكور لم يحتسب أن في رجال الدولة من يؤثر الحيف فكان من أمرهم ما كان في تقديم أبي النور عثمان باشا وعند ذلك أيقن أن المآل هو غصْب حقهم في ملك أبيه وجده، ثم رأى من اختلال الدولة ما أكد له تهمة اغتيال الدولة حيث رأى أنها صارت طُعمة لكل متناول فجمع أمره ونهض هو وأخوه معتضداً بابنيه وتسلم حقه في ملك أبيه بعد استشهاد ابن عمه ووقعت له البيعة صبيحة يوم عاشوراء سنة ثلاثين ومائتين وألف ولم يختلف اثنان في مبايعته فباشر أمور الدولة بلين ورفق وحسن صنع.
وحيث إن الإمارة أتته على كبر السن واعتراض المرض فوض الأمر لابنه وتخير الإقامة جوار سيدي أبي سعيد الباجي بجبل المنار والتنزه في المرسى وأحدث فيها أبنية. وقد ثار عليه جند الترك سنة إحدى وثلاثين واجتمعوا ببطحاء القصبة، وقدموا أحد أشقيائهم فتهاون الأمير بشأنهم وتركهم في ظلماتهم يخبطون فلم يستكملوا اليوم الثاني حتى اجتمعوا لديه، وقتل منهم من استحق القتل وأدرك من خرج وعمّ الباقين بحلمه وعفوه وكفى الله المؤمنين القتال.
وقد بنى الأبنية الباذخة، وشيد من فضله القواعد الراسخة، فأقام كثيراً من المشاهد والزوايا وأنفق الأموال العظيمة في جلب الأقوات الكافية لسد خلة المملكة في مجاعة عام ستة وثلاثين وعقد الصلح مع الجزائر بشروط مرضية وتم انعقاده في جمادى الثانية سنة ست وثلاثين.
стр. 14
ومن رجال دولته سليمان آغا كاهية المحلة والحاج حسن كاهية دار الباشا والشيخ محمود الأصرم باش كاتب أما عمدة الدولة ووزيرُها لديه فهو الشريف العربي زروق خزندار وكان من أبناء أعيانها، المتغذين بعذب لبانها، وهو أبو عبد الله محمد العربي بن محمد بن أحمد بن عمر زروق بن أبي القاسم بن علي بن أبي رياح فرج بن أحمد بن أبي عمران بن موسى بن عبد الله بن علي بن فرج بن محمد بن عبد الله بن داود بن سليمان بن إدريس بن محمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي وفاطمة بنت رسول الله ﷺ . قدم جده أحمد بن عمر زروق من الغرب إلى حاضرة تونس صحبة الأخوين والده عمر وعمه الشيخ محمد زروق صاحب زاوية ربض باب السوبقة على عهد المقدس الباشا حسين بن علي ونال عنده الحظوة وحج بيت الله الحرام. ولما رجع امتحنه الباشا علي وفر ولده محمد والتحق بالموالي إلى أرض الجزائر، ونال منهم القرب حتى أنهم لما عزموا على العود إلى الحاضرة استودعوه الحريم هناك إلى أن أخذوا قرارهم فاستقدموه بمن معه من حريمهم وكلفوه بمهمات وجرت على يده أبنية باردو المعمور. ولما توفي أقيم في خدمته ولده المذكور وجرى على يده إصلاح حصون الكاف وغيرها من أبنية الأمير حمودة باشا ولما أفضت الدولة إلى صاحب الترجمة الأمير محمود باشا استخلصه للوزارة فأحيا به خطة خزندار وأولاه إياها ثالث ربيع الأول سنة ثلاثين ولم يزل في خدمة الدولة إلى أن ناهز من العمر السبعين سنة وأدركه الحِمام ثالث عشر صفر سنة ثمان وثلاثين ومائتين وألف. وكان هذا الأمير المحمود الأخلاق، الطيب الأعراق، المشتهر بالحلم في سائر الآفاق، ليناً سمحاً كريماً سهل الجانب قنوعاً، ذا بر وحنان تعاطى الشعر غير أنه لم يصل فيه للنسج على منوال والده، يحب الخير للعموم ولا يرضى السوء لأحد، كثير العفو كريم النفس.
قضى مدة دولته في أمن وخفض عيش وجذل قلب وسرور إلى أن حضرته المنية فتوفي ثامن رجب الأصب سنة تسع وثلاثين ومائتين وألف ودفن بتربة عمه عليه رحمة الله. وقد رثاه الشيخ إبراهيم الرياحي بقوله: [الكامل]
ما مات من يبقي الثنا ذكراه ... ويمينه ظفرت بكل مناه
كالسيد الباشا الرضا وهو الذي ... طيب اسمه يُهْدي شذا معناه
ملك إذ عد الملوك فإنما ... هُو صالح قد فاق في تقواه
أحنى على الضعفاء من لين الحشا ... وأمنُّ من أرواحهم رُحماه
وهو الذي بسط الهناء بيُمْنه ... فالهرج ما ناب الورى بدجاه
سبحان من جمع الكمال لمفرد ... لم يحكه في ذاك إلاّ ابناه
ثم اختفى كالشمس فرصاً لا سنا ... فابناه في فلك الحياة سناه
قل للأُّلَى سفكوا دماء عيونهم ... أأسىً بما قرت له عيناه؟
لم ينتقل إلا لخير وافر ... فيرى جزا ما قدمته يداه
ولذا بحسن الظن قلت مؤرخاً: ... (كان التحيةَ والسلامَ قراه)
ورثاه أيضاً الشيخ أحمد الكيلاني بقوله:
هي المنية لم ترهب ولم تهب ... تعدو على الأسد والأقيال في الحجب
كم من قلوب غدت منها ممزقة ... ومن جفون تفيض الدمع كالسحب
هيهات لا سوقةً تُبقي ولا ملكاً ... كل يصاب بهذا الحادث الأشب
فليسع ذو بصر فيما يقربه ... إلى المنجاة ويحميه من العطب
كما سعى في طريق الرشد مجتهداً ... نجل الرشيد جليل القدر والحسب
(محمود) من حمدت في الناس سيرته ... زعيم آل حسين شامخ النسب
ببيت الفخار الذي طالت دعائمه ... حتى ارتقت شفاً عن مركز الشُهب
هذي الجدود وقد أغناه ما كسبت ... يمينه من علا عن قول: كان أبي
دعاه داعي المنايا فاستجاب له ... ولم يبال بملك لا ولا نشب
وار في أثر الإسراء محتفلاً ... بما يؤمل للمخلوق في العقب
لله يا رمس كم واريت راق منظره ... وطاب مخبره في العجم والعرب
لما قضى نحبه أنشأ مؤرخه ... (محمود حن لفوز الخلد في رجب)
٨ المولى حسين باشا باي
[١١٩٢ ١٢٥١]
стр. 15
هو الأمير حسين بن محمود بن محمد الرشيد بن حسين بن علي تركي، ولد سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف، وتربى في حجر اعتناء والده، وهو في نفسه عالي الهمة. ولما استقبل بالملك والده أولاه إمارة الأمحال، فسافر بالمحلة حتى اطلع على سائر حال المملكة، ورتب أحوالها ثم تولى أمر الدولة فباشر الحكم وإدارة أمور الدولة بتخلي والده له، وقام لها قيام الزعيم معتضداً برجال الدولة مثل صهريه حسين خوجة باش مملوك وشاكير صاحب الطابع ومن انضم إليهما من رجال دولة والده، وأحسن التصرف في المملكة والرعايا.
ولما احتضر والده عهد بالولاية إليه، فاستقبل بالملك صبيحة الثامن من رجب سنة تسع وثلاثين وألف، ووفدت الوفود من أعيان سائر جهات المملكة للبيعة والتهنئة، فجرى على سنته المستقيم. ولم يرع الدولة والأهالي إلا فقد شخص والده. فابتدر إلى إنشاء أسطول تألف من عدة سفن وكبح ثورات كثيرة أخذت تمد أعناقها لروع أمن دولته فصد جميعها بحزمة وعدده.
واحتفل لعرس ابنه بنيه المولى محمد باي احتفالاً بعد العهد بمثله بحيث إنه أظهر فيه من بذاخة الملك وارتفاع شان الدولة وبستطها وعزها ما لا يحيط بوصفه القلم.
ولما أقبل المهاجرون من الجزيريين أوائل سنة ست وأربعين قابلهم بإحسانه وفضله وأحلهم محل الأمن.
ثم إنه اتخذ العسكر النظامي من أهل المملكة، ووفدت عليه الخلعة النظامية في جمادى الأولى سنة وأربعين ومائتين وألف صحبة الداي مصطفى البلهوان كبير جوانب الترك والشيخ أحمد بن أبي الضياف أحد أعيان الكتاب فلبسها في يوم مشهود وتبعه في اللباس المذكور سائر رجال دولته، واعتنى بالنظام وأسس تربته، وابتنى لسكنى العسكر النظامي قشلة المركاض التي لم يعهد لها مثل في الاتساع وإحكام البناء وحسن التنظيم.
وأقام بناء البرج العظيم الذي قرب السيدة المنوبية قرب باب القرجاني وما حوله من السور، وأقام أبنية كثيرة بباردو وحمام الأنف وغيرهما، وبني عدة زوايا للأولياء بالحاضرة وغيرها لا زال اسمه مخلداً على بنائها، إلى غير ذلك من الفاخر التي غرست حبه وحب ذريته في قلوب كافة أهل المملكة التونسية ولا سيما أهل حاضرتها فإن دولته معدودة عندنا من مواسم الأيام.
وهو الذي أطلع أقمار ملوكها شموساً في دياجي الظلام، فكان بنوه في الخضراء هم زينة أفقها، الراكبون أعز بلقها، هم الملوك العظام، والسعداء الكرام محمد باي، والصادق باي، وحمودة باي، والمأمون باي والطيب باي، والطاهر باي، والعادل باي، ومحمود باي، ومراد باي، وهم الذين ذاع على أردانهم عابق البشر، وعوذهم الله بعدد العشر.
أما محمود ومراد فقد توفيا في الصغر، وأما العادل باي فقد توفي سنة أربع وثمانين، وأما المأمون باي فقد توفي سنة ثمان وسبعين، وأما الطاهر باي فقد توفي سنة وثمانين ,أما حمودة باي فقد بلغ إلى ولاية الأمحال وتوفي سنة خنس وثمانين ومائتين وألف، أسبغ الله على جميعهم الرحمة والنعيم، وأدام عز لملك بمن بقي من ألهم الكريم.
وكانت ولادة المرفع أبي الحسين ثامن عشر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وارتقى إلى ولاية الأمحال بعد وفاة أخيه أبي محمد حمود فهو اليوم ولي العهد، أدام الله به ابتهاج ذلك المجد. وكانت ولادة المرفع الطيب الغراسة في ثامن ذي القعدة الحرام سنة وثلاثين بعد الألف والمائتين، أدام الله به للملك أكرم جفن قرير، في ظل دولة مولانا المشير.
وقد تزينت البلاد في دولة صاحب الترجمة مرتين سروراً بسلامته أحداهما حين سلم من عثار كروسته، والثانية لما نقه من مرضه، وفي كلتيهما أظهرت البلاد من مفاخرها ما لا حد له من الفرش والآلات والتحف والأكسية مما يدل على كمال علو همة أهاليها وغاية لطفهم وودهم لأميرهم.
وكان شهماً هماماً وقوراً، عالي الهمة، محباً لأعالي الأمور، محافظاً على شارات الملك، كرم النفس لطيف الأخلاق، شجاعاً مهيباً، سمحاً كثير العطايا، محباً لخير البلاد وأهلها، حليماً، أمنت في دولته البلاد والعباد، وهو بين بنيه قرير العين جذلان الفؤاد. إلى أ، حضر أجله فصار إلى جنة المأوى ودفن بالتربة عليه رحمة الله ورثاه الشيخ محمد الخضار بقوله:
أيقظ فؤادك لات حين منام ... وأبك الرسوم بكل طرف هام
وانظر إلى الأيام ماذا أنزلت ... من شاهق لا درَّ للأيام
стр. 16
أخلين من كسرى محل سريره ... وسلبن تاج الملك من بهرام
وأرعْن بالحدثان كل مملك ... ونبذن بالجزعان كل إمام
أمم حدا بهم الحمام فأسرعوا ... وتبددوا كالعقد بعد نظام
وحواهم سلك الفناء كما حوى ... هذا المملكَ بعد عز مقام
رحل ابن محمود حسين وانطوى ... كالبرق أسرع عليه ثوب ظلام
فهوى به عيش المكارم واكتسى ... وجه الزمان عليه ثوب ظلام
إن ما تحاماه الحمام فإنه ... نّمَّى الحماة لشوكة الإسلام
ولكان حباب الأمور مجربا ... بادي البشاشة سابغ الأنعام
خمدت بدولته الحروب وأخصبت ... فيها الذرى للناس والأنعام
يا واقفاً بضريحه استغفر له ... بعد السلام عليه ألف سلام
وعليه من منن المهيمن رحمة ... موصولة تقضي له بدوام
ما قال لما اقبروه مؤرخ: ... يا قبر ألقي فيك بدر تمام
٩ت المولى مصطفى باشا باي
[١٢٠١ ١٢٥٣] هو الأمير أبو النخبة مصطفى بن محمود بن محمد الرشيد ين حسين بن علي تركي. ولد عام واحد ومائتين وألف، وتربى في حجر اعتناء والده، ولما فوض والده وجميع مدة دولة أخيه، فكان أعرف الناس بأحوال أطراف المملكة وأحوال الأعراب وأهل المدن والقرى.
ولما توفي أخوه تقدم للملك فبايعه الناس البيعة الخاصة بمجرد وفاة أخيه في الحادي عشر من المحرم الحرام سنة إحدى وخمسين وما ئتين وألف، وبعد ذلك هرع الناس لبيعته وتهنئته. فابتدأ الأمر من حيث انتهى إليه أخوه ولم يغير شيئاً على الدولة، وأعاد المجلي الشرعي للاجتماع بين يديه على عادته السابقة يوم الأحد. ووفد عليه من الدولة العثمانية نيشان أمير الأمراء، فلبسه في اليوم العاشر من شعبان سنة إحدى وخمسين ومعه سيف محلى، فهو أول من لبس النيشان المذكور في ذلك اليوم المشهوج، وهو أول يوم ضربت فيه النوبة النظامية.
واعتمد على مصطفى صاحب الطابع وصهره مصطفى آغا وجرى على سنن أخيه في الاعتناء بالعسكر النظامي وأتم بناء قشلة المركاض وحشد إليها كتائب العساكر في سنة اثنتين وخمسين وهو أول من صاغ نيشان الافتخار ونقش عليه اسمه بالألماس. وقد بني زاوية الشيخ بن مسيكة. وأحيا مسجد الطراز ورتب به قراء ومحدثين. واستناب كبير أ÷ل الشورى من العلماء المالكية الشيخ إبراهيم الرياحي في حج بيت الله الحرام. وكان براً بأخيه المقدس وبنيه الكرام مع أن له ولدين وهما أحمد باي، ومحمد الأمين باي. أما الثاني فقد توفي سنة ثلاث وتسعين، وأما الأول فكان ولي عهد والده ومع ذلك جعل ولاية الأمحال يتناولها ولده ولي عهده المذكور وأكبر أبناء أخيه مرة بعد مرة.
وقد عرف بالرأفة وكرم النفس والذهن الوقاد في فهم ما يرد عليه من النوازل إلى غير ذلك من الخصال الحميدة التي نالها بكرم أصله. وكانت أيام دولته أيام وسكون إلى أتاه أجله فسار إلى رحمة ربه يوم الثلاثاء عاشر رجب سنة ثلاث وخمسين ومائتين وألف، ودفن بالتربة عليه رحمة الله ورثاه الشيخ محمد الخضار بقوله: [كامل]
جد الرحيل إلى أشط قرار ... والركب شد حيازم الأكوار
والدهر يعبث بالكرام وينتقي ... قبل الأراذل أنفس الأحرار
لم ينج من حدثانه ذو موكب ... حفل ولا ذو جحفل جرار
آلي الزمان بحلفة مبرورة ... أن لا يغض الجفن عن ديار
منع البقاء ولا بقاء لراحل ... يطوي سواد الليل إثر نهار
نزل الحمام بساحة من دونها ... شهب الدجى ومنازل الأقمار
فلذا همت ديم الدموع زواخرا ... تبكي الدفين بوابل مدرار
والملك السلطان ليس لذي يد ... في الدهر بل للواحد القهار
هذا الضريح لمصطفى بن أبي الثنا ... ناهيك من ملك عزيز الجار
قد كان براً بالرعية رافعاً ... للشرع أعلى رتبة ومنار
ذا عفة ونباه وسماحة ... وجلالة وسكينة ووقار
يعفو عن الزلات بعد تمكن ... فضلاً ويقبل من ذوي الأعذار
فعليه من منن الإله عواطف ... تسقي ثراه برحمة الغفار
لما مضى لسبيله أرخته ... ماضي له الفردوس أكرمُ دار
١٠ المولى المشير أحمد باشا باي
[١٢٢١ ١٢٧١]
стр. 17
هو المشير أبو العباس أحمد بن مصطفى بن محمود بن محمد الرشيد بن حسين بن علي تركي. ولد سنة إحدى وعشرين ومائتين وألف، ونشأ بين يدي والده بتربية مصطفى صاحب الطابع إلى أن أتت الدولة إلى والده فتناوب سفر الأمحال مع ابن عمه.
ولما توفي والده تقدم للولاية وأجلسه على كرسيها ابن عمه وإخوته وتمت له البيعة يوم الثلاثاء عاشر رجب الأصب سنة وخمسين ومائتين وألف. فنهض للمملكة نهوضاً لم يسبق له نظير وأرسلت له الدولة العثمانية الخلعة السنية ونيشان المشيرية صحبة أريالة بك مصطفى البلهوان باش حانبه ومن بمعيتهما، وذلك على عهد السلطان محمود خان. فتقلد لباس المشيرية في مركب مشهود صبيحة يوم الأحد السادس والعشرين من صفر الخير سنة أربع وخمسين ومائتين وألف. وعند ذلك نظم دولته وجمع رجالها، فكان مربيه مصطفى صاحب الطابع هو ذا اليد العليا والمرجع في الأمور، واستوزر مملوكه مصطفى خزندار، وجعل أمر الحرب لنظر مصطفى آغا صاحب الزغاية، ونظارة البحرية لمحمود كاهية، والتنفيذ للداي كشك محمد، وأمور الخارجية لنظر النصراني جوزاف راف. وجمع كتائب العساكر، وبنى الرباطات والأبراج، فبنى قشلة الطوبجية سنة ست وخمسين، وأتم بناء قشلة الخيالة سنة ثمان وستين، وبنى رباطات المحمدية وقصورها وحصونها التي أتم بناءها سنة تسع وخمسين.
واعتنى بالعساكر فجمع تحت رايته المنصورة من العسكر النظامي ما ينيف على الثلاثين ألفاً، واعتنى بتنظيمهم غاية الاعتناء يحضر مواكب تعليمهم بنفسه، وله بجميعهم برور تام مع شدة في الحكم العسكري ووقوف في مقتضيات القوانين العسكرية حتى انتهى في ذلك إلى أخبار يضيق النطاق عن حصرها. وقد أحيا ثغر غار الملح وعمره بالعدد والعدد، وشحن القشلة الكبرى وأبراج حلق الوادي بالرجال والمدافع والأسلحة النارية حتى طار له بذلك صيت عظيم.
ولما لم يكف لذلك مدخول البلاد وظف مكوساً وأرباعاً وأداءات على الأشياء المبتاعة توفر بها دخل الدولة. وتقدم لها حمود بن عياد فاستخلصها مضاعفة وهو المصدق في كل دعوى وتكلف بشؤون العسكر من طعام ولباس وغيرهما، فكان هو القابض والدافع، وجميع مداخيل الدولة له وجميع مخاريجها من تحت يده مدة خمس عشرة سنة, وأقام معمل الملف الذي قرب طبربة على يده وأتم بناءه سنة ستين ومائتين وألف. ولما سافر محمود بن عياد إلى باريس خلفه في قبض الأموال ودفعها في الدولة اليهودي نسيم شمامة.
ولما استكمل المشير استعداده خرج بنفسه لتفقد حال أطراف المملكة في جيشه الكثيف في ربيع الأول سنة ست وخمسين، واستصحب في سفره قاضي حاضرته الشيخ محمد بن سلامة، وباش كاتب الشيخ محمد الأصرم، وكاتب سره الشيخ أحمد بن أبي الضياف وغالب رجال دولته فطاف الناحية القبلية ودخل الوطن القبلي وعمل الساحل وصفاقس وقابس وفيها قتل القاتلين لآخذي المكوس التي رتبها وركب البحر ودخل إلى جربة وعاد إلى حضرته، وبذل في سفره المذكور مالاً عظيماً. ولما رجع أبطل جميع أداء الزيت والزيتون وجعل على شجر الزيتون قانوناً يؤديه سنوياً وأصدر بذلك منشوره الشهير المؤرخ بالرابع من جمادى الأولى سنة ست وخمسين. وأبطل بعد ذلك ملكية العبيد في ٢٨ المحرم الحرام سنة اثنتين وستين.
وسافر باريس لمقاصد سياسية فخرج من الحاضرة صبيحة يوم الخميس الرابع عشر من ذي القعدة الحرام سنة اثنتين وستين مصحوباً بخاصة رجال دولته ورجع يوم الأربعاء الثاني عشر من المحرم الحرام سنة ثلاث وستين.
وأقام بناء باب البحر بناء في غاية الضخامة والإحكام، وأتم بناءه سنة أربع وستين.
стр. 18
وفي أثناء مدة دولته شيد رسوم رسوم العلوم، ببنائه المحكم المعلوم، فجمع آلاف المجلدات من الكتب وأوقفها بجامع الزيتونة وجعلها في صدر الجامع في عشرين خزانة، وكان إدخالها للجامع في اليوم السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة ست وخمسين، وأقام بجامع الزيتونة ثلاثين مدرساً انتخبهم من علماء عصره؛ منهم خمسة عشر من المالكية، ومثلهم من الحنفية، ويقرئ كل واحد منهم درسين في الجامع من أي فن شاء ويأخذ ريالين. وعين لإجراء الجراية المذكورة مدخول بيت المال وكان ذلك في السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة ثمان وخمسين ومائتين وألف, وجمع الأوقاف الموقوفة على الدروس بجامع الزيتونة، وجعلها لنظر زكيل ورتب منها اثني عشر مدرساً ستة مالكية ومثلهم حنفية يأخذ كل واحد منهم ثلاثة أرباع كل يوم عن درسن يقرئهما بالجامع.
وجعل طابعاً للقاضي المالكي. وأجرى على أهل المجلس الشرعي من المالكية جراية دار الباشا التي كان اختص بها المشايخ الحنفية، وذلك في الثاني عشر من ربيع الأول سنة ست وخمسين. وبالجملة فقد صرف جانباً عظيماً من همته في الاعتناء بالعلم والعلماء حتى رأى ثمار غراسته في دولته وأصبحت تونس كثيرة الفحول، من حفظة المعقول والمنقول.
وهو أول من اتخذ عمل المولد النبوي بإحياء ليلته والحضور لقراءته صباحاً بجامع الزيتونة في موكب يحضره جميع رجال الدولة بملابسهم الرسمية ويحضره جميع العلماء وأمر بإطلاق المدافع تبشيراً به. وهو من العمل الذي لا يضيع له عند الله.
وحين وقعت الدولة العثمانية في الحرب مع الروس جهز لها من عسكره النظامي آلافاً رئاسة رشيد، وشحن بهم وبعددهم ومونتهم مراكب عظيمة وجهها إعانة لخلافة الإسلام على عهد السلطان عبد المجيد خان.
وكان شهماً حازماً، ذا صولة عظيمة، عالي الهمة، وافي الكرم، يعطي العطايا الباهظة، ولوعاً بتعظيم شأن الدولة، لا يهاب المخاطر، خصه الشيخ محمد بن سلامة بتاريخ ضمنه كثيراً من قصائد مديحه.
ولم يزل في صولته إلى أن أصابه فالج عطله مدة وأدركته المنية فتوفي بحلق الوادي ليلة الخميس السادس عشر من شهر رمضان المكعظم سنة إحدى وسبعين ومائتين وألف ودفن بالتربة عليه رحمة الله.
١١ المولى المشير محمد باشا باي
[١٢٢٦ ١٢٧٦] هو المشير أبو عبد الله محمد بن حسين بن محمود بم محمد الرشيد بن حسين بن علي تركي، وأمه فاطمة بنت محمد بن عثمان بن علي بن عثمان وفاطمة هاته أمها شلبية بنت على بن مصطفى الشريف ممن عرفوا بالشرف ويلبسون علامته بحاضرة تونس. أما عثمان الأعلى جد فاطمة المذكورة فوالدته تركية بنت حسين خوجة صهر الداي أسطى مراد، ويقال: إنها لها شرفاً من قبل أمها، على كل حال فإن المشير المذكور له شرف يتصل به.
وقد ولد سنة ست وعشرين ومائتين وألف، ونشأ في بذاخة عز دولتي جده وأبيه. وزوجه والده بابنة شيخ الإسلام البيرمي الثالث، وأقام له العرس الفاخر الذي جرى على نسق أعراس الملوك العباسيين. وأولم له بدعوة الجفلى، وأظهر فيه فخامة الملك ومآثر الفضل والبذل ما لا يدخل نحن حصره، وكان زفافها إليه ليلة الخامس عشر من شعبان سنة تسع وأربعين ومائتين وألف.
وسافر في الأمحال على عهد تملك عمه فجعلها عمه بينه وبين ولده يتداولانها إلى أن توفي عمه، فاستقل هو بولاية الأمحال، وباشر خفي الولاية وجليها.
стр. 19
ولما توفي ابن عمه قبل هو البيعة العامة صبيحة يوم الخميس السادس عشر من شهر رمضان المعظم سنة إحدى وسبعين ومائتين وألف. ووفدت عليه الوفود للبيعة والتهنئة، فزان ملك آبائه وأجداده كابراً عن كابر، وأقر سائر الوزراء على وظائفهم، فكان مصطفى خزندار وزير العمالة والمال، ومصطفى آغا وزير الحرب. وجعل خير الدين وزير البحر، والنصراني فيلسين راف وزير الخارجية، وجعل التنفيذ بيد الداي محمد، وأقام صهره إسماعيل السني صاحب طابعه. واستدرك حال المملكة وضنكها، فأمر بتسريح جموع العساكر التي وجدها ولم يبق من عشرات آلافها المتآلفة إلا من بهم الحاجة للحراسة وحفظ شارات الملك، وأجرى على من أبقاهم فيوضاً من الإحسان، وهواطل من امتنان، وزيادة على تخليص جراياتهم التي يستحقونها، واستصحبهم معه في تنزهاته وخروجاته الشهيرة، وأطعمهم أعز الطعام من اللحوم والطيور والفواكه والمصنوعات السكرية البديعة، فأصبحوا في نعيم التنعيم، وخلد بذلك لنفسه ذكراً حميداً بين جموع السلامة من آلاف العساكر التي انتقاها، ولحفظ الراحة تخيرها وأبقاها. ولما وردت عساكر الجهاد الذين كانوا في دار الخلافة العثمانية أكرم قبولهم وأثنى على صنيعهم الحميد وتلقاهم بغاية البر والإنعام وجازاهم بزيادة الخمس في مرتب جميع العساكر النظامية، وكان ذلك في ذي الحجة الحرام سنة اثنتين وسبعين.
وقد أسقط غالب الأداءات التي وجدها مضروبة على المبيعات من الحيوان وغيره مما ضاق به ذرع المكاسب العمومية. وأزال عن الإعراب وسكان القرى جميع ما كانوا فيه من ضيم المكوس وأداءاتها وضرائبها وخطاياها، وفك أسرهم من ذلك كله وعوض للدولة من جميع ما أسقطه وأزاله أداءً معيناً على الرجال القادرين من الأعراب وسكان القرى قدره ستة وثلاثون ريالاً سنوياً لا يكلفون بغيرها، وأصدر بذلك منشوره الشهير المؤرخ بأواسط شوال سنة اثنتين وسبعين، وذلك بعد أن أطلق المقَيَّدِين في العسكرية. فاطمأن الناس عموماً وأقبلت الأعراب وسكان القرى على شأن الفلاحة آمنين على كسبهم من الخطايا والضرائب. وساعد البخت بحصول الخصب العظيم، فأثرت المملكة ثروة بعد العهد بمثلها مع الأمن العام، وكثر التبايع وتعاطي الأسباب، وحصل الرخاء وتحسن المعاش، وأباح بيع اللحوم على تراض المتبايعين، فتنافس القصابون في اختيار الغنم والبقر التي يذبحونها.
وباشر الملك بنفسه، وأحيا وظيفة الحسبة بالاحتساب العام على مصالح البلاد ةالرعية والأوقاف بحيث أن محتسبه العام قائم في سائر الحقوق العامة بتفقد السجون وإعادة النظر في استحقاق المسجونين، ومن وجده مظلوماً أخرجه، وأقام من خواصه حارسين على تصرف العمال وجواسيس في سائر الأعمال مع ما له من الاهتمام بالبحث عن حال الرعية، يخرج للصيد، فينفرد عن الجموع الذين يخرجون معه، ويتقصص أحوال العمال من الأعراب العابرين السبيل. وتشدد في عزل من يشكوه أهل عمله العمال وإن كان من أقرب الناس إليه، واقتص لهم منهم ما أمكنه حتى حال بين العامل والمعمول، بما فوق المأمول.
واجتهد في تأمين الرعية في الحواضر والبوادي فأعمل السيف في قطاع الطرق والمحيرين لراحة السكان بكثرة السرقة, وقتلهم سياسة شرعية، حتى انقطع المتعاطون للسرقات، واطمأنت العباد والبلاد، وعدل بين الرفيع والوضيع وقبل الشكايات في مجلس حكمه بآحاد رجال دولته وأنصف المظلومين من غير محاباة. وكان محباً لآل بيت رسول الله ﷺ ويعظم العلماء فأبقى على جامع الزيتونة ما تأسس فيه، وأجرى عمل المولد النبوي، واعتنى بتنظيم المجلس الشرعي، فبنى دار الشريعة المعمورة وجعل الحكم فيها يومياً يحضرها القاضيان المالكي والحنفي، ويحضر مع كل واحد منهما في كل يوم مفت من شيوخ مذهبه. ويجتمع جميع المجلس الشرعي في كل يوم خميس لفصل نوازل الخلاف بمحضر الداي فكان هو المؤسس لديوان الشريعة المطهرة، وقد فتحه صبيحة يوم الخميس الخامس عشر من ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف، وحضر يوم فتحه بنفسه اهتماماً بشأن الشريعة الإسلامية أدام الله عزها.
стр. 20
وأتم الجسر العظيم الذي ابتدأه والده على وادي مجردة في طريق بنزرت، فكان إتمامه بغاية الإحكام. وأقام جسراً بين سوسة والمنستير قطع به سعي الثعابين السارية، فتواصل ما بين البلدين، بدون أين، وأصلح قنطرة وادي أبي حميدة بالفخص قرب زغوان. وبنى زاوية الشيخ سيدي مدين التي ببطحاء سيدي المشرف وأتقن بناءها ويسر بها مرتفعات السكنى لأهل الحرمين الشرفيين، وأقام بها أحزاباً وأوراداً أوقف عليها أوقافاً لم يزل ثوابها جارياً عليه, وأمر بجلب ماء عين زغوان العظيمة الماء المنهمر لكفاية البلاد مؤونة العطش، فجلب الماء في الأنابيب الحديدية الضخمة من بلد زغوان إلى تونس، إلا أن وصوله كان بعد انتقاله إلى جنة النعيم. وأقام المجلس البلدي لتنظيم البلاد والنظر في عامة مصالحها، وجعل أعضاءه من أعيان أهل البلد تحت رئاسة مستشار خارجيته حسين فكان هو أول واضع لهذا النمط الكفيل بمصالح البلاد في ربيع الأول سنة خنس وسبعين ومائتين وألف. وكانت مدة دلته أحسن من الابتسام في ثغر الأيام.
وُلِعَ بسكنى المرسى، وأقام فيها الأبنية الفاخرة الدالة عل علو همته، ولازمها في أغلب أحايينه، وضرب حول أبنيته الضخمة فسطاطه الضخم المتسع الرائق الكسو والابتهاج، وجعله محكمته يجلس فيه عند الحكم، ويحضر به رجال الدولة وأرباب الخدمة، وخيام العساكر وخيام العساكر الحارسة مضروبة حوله وقلوبهم جذلانة مطمئنة بالسرور والاستبشار. وخرج إلى حمام الأنف الشامخ، فتوجه بالأبنية الضخمة التي ثبتت على قديم بنائه الراسخ، وزادر فيه أبنية كثيرة وضرب حولها الخيام، وأقام فيها عساكره الكرام، وقضاها أياماً يقصر اللسان عن وصفها بذل فيها العطايا والتكرمات، ونفيس المطعومات والمشروبات، ولازم به الطراد والصيد مصحوباً بآحاد أهل الرماية، وإن برز على جميعهم بما له من الإصابة والدراية، كثيراً مات يكون راكباً في كروسته فيرى الطائر فيتناول مكحلته ويصيبه حالة كون كروسته سائرو. ولربما عين ريشة من أحد جناحيه فبل الرمي فلم يخطئها ويجعل الخاتم غرضاً فلا تخطئ رصاصته حلقته. وكم له في هذا الباب من خبر مع أنه فارس الفرسان، لا يجاريه في مضمار الفروسية والرماية إنسان. وقد أبعد الشيخ علي الرياحي في قصيدته الطرادية التي امتدحه بها في بعض خروجاته للصيد لإذ قال في أثنائها: [الكامل]
ملك تعود بالنوال فكفه ... تنلُّ واكفةً بما لم يسأل
حتى أضاف الوحش في فلواته ... وسقى دم الرِئْبَال بنت الجيأَلِ
في يوم صيد هاج حرب هياجه ... لله من يوم أغر محجل
نفسي الفداء لمن حوله فيه المدى ... وأبان آية مجده المتأثل
ما عنَّ فيه واقع أو طائرٌ ... إلا رماه بالقضاء المنزلِ
يرمي فيُمصي ماشياً أو راكباً ... متأملاً أم ليس بالمتأمل
فإذا نظرت إلى مجال طراده ... لم تلف غير معقرٍ ومجدلِ
عجباً كان ثقيله ذا فطنة ... أم كان فيه مغنطيس المقتل
لو ساعدته إلى المطار سبوحه ... شن الإغارة بالسماك الأعزل
كرمت فكانت للكريم وقلما ... تجد الشبيه لغير مشبهه ولي
يا فارس الفرسان غير مدافع ... وأجل من نيطت حلاه بمحمل
يا ابن الحسين محمد المولى الذي ... ورث السيادة أفضلاً عن أفضل
إن الفراسة والرماية دون ما ... لك كم حلى المجد الأعز الأطول
وقد بنى بين قصور باردو المعمورة قصراً تحار دونه الألباب، أتى فيه من بدايع الأبنيو بالعجب العجاب. وكان مع ذلك ولوعاً بكثير من دقائق الصنائع بحيث أنه استخدم عنده لعمل نفسه معامل كثيرة في الصياغة والسبك والخرط والتمويه وعمل التحف من الأواني ومستقطرات العطور الفائقة وعمل العنبر الرفيع مما كان به في دولته رواج المصوغات والأحجار الثمينة وأنواع الطيب الرفيع ورقائق الصنائع الفاخرة حتى أنه أرسل إلى فرانسا وجلب المعامل والآلات.
وفي أثنائها جلب أحرف الطبع وآلات الطبع الحجري واستعمل المطبعة في الحفصية لطبع التذاكر الخفيفة العمل فهو أول من أدخل المطبعة إلى البلاد.
стр. 21
وهو أول من ضرب سكة الذهب والفضة والنحاس باسمه في أحد وجهي المسكوك واسم صاحب السلطنة العثمانية بالوجه الآخر وكانت قبل ذلك مسكوكات الفضة والنحاس لا غير إنما يضرب فيها اسم صاحب السلطنة العثمانية، ويذكر في الوجه الثاني اسم تونس فقط. فتح لذلك دار السكة التي بباردو واعتاد ضرب جميع أنواع السكة عند رأس كل سنة وتوزيع سائر أنواعها على آل بيته ووزرائه ورجال دولته فهو أول من أجرى هذه العادة التي تنبئ على حسن بذله وكرم فضله.
ومن ولوعه بدقائق الأشياء أنه أرسل إلى النمسا في جلب تحف الأواني الثمينة وقد تيسر له التوسع في أبواب الترف مع إتقان تنظيم منزله الرحب العامر بتنزيل كل واحد من حاشيته وأتباعه منزلته. وما منهم واحد إلا وهو يرجوه ويخشاه، حتى كان قصره على أحسن حالة من التنظيم والسكون وغاية إتقان وع الأشياء في مواضعها مما يتلى حديثه في علو الهمة والبذاخة ولطف المأكل المتنوع الرفيع والملبس المتجدد الفاخر، والتطيب بما لا حد له، وحسن المركب على الخيل المسومة والسروج المملوكة المرصعة. وتنعم في رغد ذلك العيش سائر آل بيته وخواصه ورجال دولته حيث كان ملتزماً لاستصحابهم اصطناعاً لهم، ومع كمال تودده، جميعهم يخشى سطوته لعلمهم بعدم مبالاته في الحق وإن كان آية الله في الوفاء والحنان مع الكرم الحاتمي الذي كفى به كثيراً من الناس وجلب به قلوب الخاصة وأثّل به الصيت الشهير في الممالك الأجنبية.
قدم على عهده ولد ملكة انكلترا فأكرم نزله وأراده من بذاخة الملك ولطف الصنيع ما لم ير مثله في ممالك الدنيا، وأهدى إليه من النفائس الدرية والتحف العنبرية والملابس المنوعة والسروج المرصعة ما عظم به شأن المملكة، كل ذلك كان بما جبل عليه من كرم النفس وسعة ذات اليد وعلو الهمة, والأهالي في أثناء ذلك كله متواصلو الأمن والأفراح، وجميع أرباب الصنائع والفلاحة أصبح السعد مساعدهم بمساعدة لصاحب مملكتهم.
ولما مهد السبل أصدر عهد الأمان لسائر السكان في حفظ النفس والمال والدين والعرض، وعم بذلك سائر أهل الملل المختلفة وبناه على إحدى عشرة قاعدة هي أصول قوانين الجنايات، وكان صدور المنشور المذكور بتاريخ عشرين من المحرم سنة أربع وسبعين، وطبع بالطبع الحجري يومئذ وجمع أعيان علماء البلد ورجال الدولة للمفاوضة في العهد المذكور ليضعوا قوانين الجنايات المبنية على ذلك الأساس.
أما كرام بنيه فه سعيد باي، وحسين باي، محمد الناصر باي، وإسماعيل باي، والهادي باي، ومحمود باي، أما الثلاثة الأخيرون فقد أسرعوا إلى النعيم على حين الصغر. وأما أكبر بنيه فقد أدركته السعادة في السابع والعشرين من ذي الحجة الحرام سنة ثمان وسبعين. وكانت ولادة حسين باي في الحادي والعشرين من ربيع الثاني سنة خمس وخمسين. وكانت ولادة الناصر باي في الثامن والعشرين من شوال سنة إحدى وسبعين. ولايوم هما أعزهما الله من أكمل كواكب أفق الملك، وأجمل درر ذلك السلك. وقد كان أبوهما صاحب الترجمة شهماً ثباً، حازماً بحاثاً عن الرعية، سليم الطوية، دمثَ الأخلاق، لين العريكة، جذلان القلب، متمتعاً بأمن المملكة ونضارة عيش أهلها إلى أن أدركته السعادة فسار إلى رحمة ربه ليلة السبت السادي والعشرين من صفر الخير سنة سبعين ومائتين وألف ودفن بالتربة ورثاه الشيخ محمد بيرم الرابع بقوله: [الطويل]
عجبت لهذا الدهر يسلب ما يسدي ... ويلحم من نسج ابن آدم ما يسدي
ويورده محض السراب مخادعاً ... وبمزج في إطعامه السم بالشهد
ومصداق ذا هذا الموسد خده ... ثرى الرمس معتاظاً من الدَّست باللحد
تزخرفت الدنيا إليه وأوسعت ... له أملاً لم ترفه فيه بالوعد
وغالته مقظوم الأماني مسارعاً ... لقد سل سل السيف من أوسع الغمد
طوته كما يطوى الرداء ولم يكن ... بقاء لغير الواحد الدائم الفرد
ألا أنه الباشا المشير محمد ... سليل الملوك الشم سلسلة المجد
مليك له من نفسه الفخر وافراً ... وقد ضم الملوك الشم من الأب والجد
لقد كان ذا بشر وصدر موسعٍ ... رحيماً بريئاً من مصاحبة الحقد
وكم فاه عن حسن الطوية مفحصاً ... فيرجو الثواب الجزل عن حسن القصد
стр. 22
تولى أمور الناس فانتعشت به ... نفوس وحلت منه في كتف رغد
ولكنه لم يؤت في الملك مدة ... سوى حِجَج لم تكمل الخمس في العد
ولما أتى الحكم المحتم لم يكن ... لإرجاع محفوظ الوديعة من بد
مضى فبكت حتى المعالي تأسفاً ... ومنه اشتكت فقدان واسطة العقد
فَعِيلَ إذا صبر وسالت مدامع ... لَوَ أنَّ مسيل الدمع عن واجد يجدي
وأنّ جميل الظن في الله أنه ... يسامحه والرب ذو الرفق بالعبد
كما دلنا طيب الثناء فإنه ... دليل إلى حسن المصير له يهدي
وقلت استمع ما الله أجرى بخاطري ... وأرخته: مأواك في جنة الخلد
١٢ المولى المشير محمد الصادق باشا باي
خلد الله بقاءه [١٢٢٩ ١٢٩٩] هو المشير أبو الوفاء محمد الصادق بن حسين بن محمود بن محمد الرشيد بن حسين بن علي تركي، يتصل بشرف والدته السابقة الذكر في ترجمة شقيقه المشير الثاني، وهو ثاني عشر ملوك آل بيته العظام، وخامس آبائه الذين تجملت بتاج ملكهم عروس الأيام. ولد في الثاني عشر رجب الأصب سنة تسع وعشرين ومائتين وألف، وتربى في حجور عز دولتي جده وأبيه. وحصل من اعتناء والده به ما بلغه إلى الشأن النبيه, وقد تقدم إلى ولاية الأمحال أواسط شهر رمضان المعظم سنة إحدى وسبعين ومائتين وألف. وخرج في اول محلة فأوقع ببغاة عمدون حيث وجدهم متخبطين في أشراك بغيهم، فأوقع بهم. وظهر منه في تلك المحلة من حسن السعي والتدبير ما حمد به خبره حيث أنه بعد أن قهرهم استعمل معهم الرفق والحلم واصطنعهم للملكة.
ولازم السفر بالأمحال مدة دولة المقدس أخيه إلى أ، اشتد المرض بأخيه وكان هو مسافراً بالمحلة في باجة فأرسل إليه أخوه واستقدمه على جناح طائر فحضر مشهد جنازة أخيه. وقبل البيعة العامة من كافة رجال الدولة والأهالي صبيحة يوم السبت السادس والعشرين من صفر الخير سنة ست وسبعين. ووفدت الوفود لبيعته وتهنئته فأقر سائر رجال دولة أخيه على مناصبهم ووردت إليه الخلعة العثمانية صحبة وزير البحر خير الدين ورئيس المجلس البلدي حسين فتقلد السيف الخاقاني صبيحة الثامن والعشرين من جمادى الثانية سنة ست وسبعين وأعمل الحزم في إنجاز مشروع أخيه بإتمام القوانين المبنية على عهد الأمان, وجمع لها خاصة العلماء والأعيان، فاستكملوا وضعها وأجملوا صنعها.
وخرج إلى مملكة الجزائر حين قدم إليها إمبراطور فرنسا نابليون الثالث لإحكام علاقة المجاورة التي بين المملكتين وكان ركوته من الحاضرة صبيحة السبت التاسع العشرين من صفر الخير سنة سبع وسبعين. ووصل إلى مرسى الجزائر بوصول الإمبراطور فأكرم نزله وأحسن تلقيه واستصحبه في سائر المشاهد والملاعب والطرادات التي هيئت له. وقلد كل منهما صاحبه نيشانه، وقضاها ثمانية أيام بديعة، لخص ما وقع فيها مستشار الخارجية حسين في رسالة مطبوعة.
стр. 23
ورجع ثامن ربيع الأول وجرى على قويم منهجه في حث رجال القانون على إنجاز عملهم فاستكمله ونظم المجالس القانونية وتزينت لذلك البلاد زينة لم يسبق لها نظير ليلة الأحد منتصف شوال سنة سبع وسبعين، وفي صبيحة الأحد كان مبدأ اجتماع المجالس فوضعت على الترتيب الآتي، وهي المجلس الأكبر، وله رئيسان، وهما: مصطفى صاحب الطابع، ومصطفى خزندار، وكاهيته خير الدين، والمجلس الاعتيادي، ورئيسه محمد خزندار، وكاهيته حسونة بن أحمد الحداد الأندلسي، ومجلس التحقيق، ورئيسه صاحب الطابع إسماعيل السني، وكاهيته الشيخ محمد الشاهد، ومجلس الجنايات، ورئيسه فرحات آغة الكاف، وكاهيته الشيخ صالح النيفر. وباشرت المجالس الحكم على مقتضى القانون وأظهرت الأمة حرية آرائها في الأحكام والعوائد واستمر حكم القوانين نحو ثلاث سنين إلا أدن المجلس الأكبر رأى توفير مداخيل الدولة بجعل مال الإعانة على ست مراتب أدناها ستة وثلاثون وأعلاها مائة وثمانية ريالات تعم أهل الحواضر والقرى وأغراب المملكة ويقع تعيين ذلك عليهم على حسب كسبهم، وصدر معروض المجلس الأكبر في ذلك بتاريخ عاشر شوال سنة ثمانين. ثم جعلت اثنين وسبعين ريالاً على عموم الأفراد. وصدرت بذلك أوامر الدولة. وحين انتشر هذا الخبر اختلف صنيع أهل المملكة فأما عقلاء الحواضر والأعراب فقد رفعوا شكاياتهم وتلطفوا في طلب التخفيف، وأما أجلاف الأعراب ولا سيما أهالي الجبال فإنهم تجمعوا وأشهروا السلاح ومنعوا الطرقات وتعمدوا البغي، وجمع كيدَهم أحذ أجلافهم وهو دعي أصله من ماجر يسمى علي بن غذاهم. فخرج لهم فرحات آغة الكاف بسرية قاصداً ناحيتهم فتلقته عروش ونيفة وقاتلوه إلى أن قتلوه. واشتطت حمقاهم فنادوا بطلب إبطال القوانين، وعند ذلك صدرت الأوامر العلية بإيقاف أحكام القوانين صبيحة الرابع والعشرين من القعدة الحرام، سنة ثمانين، ونن الغد صدرت الأوامر العلية في إسقاط ما زاد على الستة والثلاثين. ونودي بذلك في سائر أطراف المملكة في الخامس والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ثمانين ومائتين وألف، وخرجت المحال المنصورة، فتوجه إسماعيل السني صاحب الطابع إلى الجبل بمحلة مركبة من نحو خمسة آلاف من العسكر وباشر الأمور بلين وسكن حمق الأعراب بمواعيد الدولة وتأمينها وتفرقت كلمتهم ورجع عقلاؤهم على سفهائهم بعد وقوع أضرار كثيرة بالفلاحة ونهب بين الأعراب، وكاد سكون الفتنة أن يستتب. فرجع صاحب الطابع مريضاً من المحلة المذكورة وسافر عوضه للترؤس عليها وزير العمالة رستم.
ثم أعاد رئيس البغاة علي بن غذاهم الكرة وأخذ يجمع إليه القبائل ورام الملك لنفسه وجعل له وزراء ينادونه الباي علي بن غذاهم وجعل طابعاً وكَتَبة، وأصدر أوامر نفذت بين البغاة. وسرى ذلك الداء من الجهة الغربية إلى الجهة القبلية من المملكة وخرج وزير الحرب أحمد زروق لجهة الساحل بمحلة مركبة من خمسة آلاف من العسكر، وحضر إبان خروج المحلة الاعتيادية إلى الجريد فخرج الأمير علي باي بمحلته مركبة هن خمسة عشر ألفاً وظهر الفساد في أكثر البلاد، وتوجه وزير العمالة رستم في طلب رئيس البغاة علي بن غذاهم وأخذ في أثره بمحلته المنصورة وقاتل جموعه الأعرابية بين راكب وراجل واستنجد محلة الأمير علي بادا فأدركته الأعراب بمكان يقال له تاجموت، وكان على أهبة لقتالهم فأمر الفرسان بملاقاتهم ريثما اصطفت المدافع ولما أقل سيل البغاة تأخرت فرسان المحلة وراء المدافع وتلقتهم المدافع فاغرة أفواهُها السود فأوقعت بهم حتى رجعوا على أعقابهم خاسرين بعد أن تركوا الأرض محمرة من دمائهم وقتلاهم ملقون على الأرض، وسارت الخيالة في أثرهم وحين رأى ذلك الشقي رئيس البغاة ما حل به وعلم أنه مأخوذ فر إلى خارج حدود المملكة، ودخل بين اللمامشة فقبض عليه قائدهم في الرابع عثر من شعبان الأكرم سنة إحدى وثمانين ومائتين وألف بعد أن كسرت المحلة أنصاره، وسيق إلى محبسه الذي مات فيه بحلق الوادي.
стр. 24
وأما محلة وزير الحرب أحمد زروق فقد أتت على بغاة الساحل فنزلت بحلق المنجل وانضم إليها جلاص وأهل بلد القلعة الكبرى واقتربت المحلة من البلد المذكور حين بلغها تجمع بغاة الساحل تحت رئاسة أحد أشقيائهم الدهماني البوجي من بلد مساكن فهاجموا المحلة واعتضدت بمن انضم إليها يوم الجمعة أول جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وانتصرت جيوش المحلة ووقع القبض على الدهماني وكبراء أنصاره وقتل جميعهم وعند ذلك سكنت فتنة الساحل وانقاد العسكر من أهل الساحل للخدمة، ونزلت المحلة حول سوسة حيث إنها لم تتجاسر على العصيان ورجعت جلاص بعد أن هجم بعضهم على القيروان وكادوا أن يوقعوا بعاملها رشيد كاهية. ولما تمّ القبض على زعماء البغاة الأشقياء جالت يد أنصار الدولة في القبض على أعضاء الثورة ومن تشيع إليهم وهز عصا الشقاق ونال كل واحد منهم ما ناله من القتل والسجن أو الضرب واشتدت الوطأة على كثير من الأشقياء بطلب مغارم الثورة وضربت تلك المغارم على الأعراض وجربة وصفاقس وعموم بلدان الساحل عدا أهل سوسة والقلعة الكبرى لتقدم طاعتهم ورجعت محلة الأمير علي باي مصحوبة بمن قيدتهم من البغاة ودخلت الحاضرة يوم الخميس ثاني ذي الحجة الحرام سنة إحدى وثمانين.
وفي يوم السبت وزع جناب المشير نيشاناً جديداً خضه بمن باشروا هاته الحرب جعله على صنفين من ذهب وفضة، فقلد لأخيه أمير المحلة نيشاناً ذهباً أعطى منه لأصحاب الرتب العالية ثم وزع النيشان الفضة على سائر العساكر وهكذا صنع مع رجال محلة وزير الحرب ورجال محلة وزير العمالة التي تأخرت بجبل باجة للحراسة وكان قدومها يوم الخميس التاسع عشر من جمادى الثانية سنة أربع وثمانين ومائتين وألف. وأفاض المشير محاسن إنعامه على رجال دولته، وصنع نيشاناً جديداً مزججاً سماه عهد الأمالت وقلده رؤساء المحال وخاصة رجال الدولة وتدارك عموم الرعايا من البغاة وغيرهم بحلمه، ونهض لمباشرة الحكم بنفسه، وأمر بإصلاح الأبراج، وبنى قنطرة وادي الزرقاء على طريق الرحيات وأتمّ بناء قشلة القيروان التي كان ابتدأ بناءها المشير الأول، وفتح لها باباً ثانياً وكان تمام بنائها سنة ثلاث وثمانين، وحسن قشلة الطوبجية، ووقع استبدال مدافع سائر الأبراج من نوع النحاس بمدافع أخرى. واجتمع شمل العساكر وقام الأمير بعدله وإنصافه وأحسن الصنع مع الأهالي، وحفظ شارات الملك بما يلزم حتى منع تقبيل اليد لغير الملك.
وأصدر الإذن بذلك تاسع صفر الخير سنة ثلاث وثمانين، وأعمل يعملات حزمه غير أن تلك الثورة أعقبت تناقصاً عظيماً في الفلاحة بسبب الغارة وإفساد الزرع حتى عظم تناقص المكاسب، وقلت الدراهم في البلاد فاضطر الحال إلى تكثير الدراهم، وجلبت سكة جديدة من النحاس ذات قيمة نصف الريال والربع والثمن والخروبة ضربت في الخارج من نوع سكة البلاد، فاستكثر الصرافون قيمتها وأبخسوا ثمنها وغلت الأشياء من ذلك غلواً لم يعهد وبلغ صرف مائة الريال من الفضة أو الذهب إلى ثلاثمائة ريال من سكة النحاس المذكورة وبذلك بلغ سعر الويبة من القمح إلى خمسة وخمسين ريالاً، والمَطر الزيت إلى مائة وعشرة ريالات كل ذلك كان أوائل عام ثلاثة وثمانين فأسقط الأمير من قيمة السكة المذكورة نصفها في الحادي عشر من شعبان سنة ثلاث وثمانين. ثم في الخامس عشر منه أسقط من قيمتها نصف الباقي فصارت قيمة النصف الريال السابق ثُمناً وعلى نسبته ما دونه، وبذلك اعتدل الصرف وتنازلت الأسعار. غير أن مواسم الأمطار تخلفت أيضاً في تلك السنة وجاهر أهل جبل باجة بالخلاف أول عام أربعة وثمانين فخرج لهم وزير الحرب أحمد زروق في محلة من العسكر النظامي والطوبجية والخيالة وزواوة وحشد معه كلأ من الهمامة ودريد. ثم أدركهم أمير المحلة علي باي في منتصف جمادى االأولى، وسكن الفتنة بعد أن سد منافذ ظهورها وكز راجعاً فدخل إلى باردو المعمور في الثامن عشر من جمادى الثانية بعد أن تقدمه أخوه العادل باي بستة أيام. ورجعت محلة وزير العمالة رستم التي خرجت منذ الثورة السالفة وعند ذلك زال الخلاف، واجتمعت القلوب على الإسعاف، كير أنه في زمن الشتاء ظهر مرض الحمى وانتشر ذلك المرض في سائر الجهات، وتكاثرت الأموات تكاثراً وبائياً، واجتمع على الناس
стр. 25
كل من المجاعة والمرض في آخر عام أربعة وعام خمسة وثمانين. وامتلأت الطرقات بالأموات والأعراب السائلين المصابين بألم الجوع، وانتهبوا الخبز من الباعة واستغاث الناس في دفع الكروب التي اعترضت الأمة. وأعمل المشير غاية وسعه في جلب القمح من الممالك الأجنبية، وفتح فابريكة الخبز، ووزع في كل يوم آلاف الخبز على كل راغب. وتولى المارستان دفن الأموات الغرباء على كثرة أعدادهم وتكاثر ورودهم من سائر ضواحي البلاد بحيث أنه يقضي بياض النهار في قبول الأموات وتجهيزهم ودفنهم. ثم لما حضر إبان الزرع مع قلته في أول صائفة عام خمسة وثمانين أتى عليه الجراد المنتشر حتى اتخذه ذو الفاقة بدلاً عن النعمة، وجمعوه للبيع في الأسواق بعد طبخه في الأفران.
ثم تراجع الأمر ونقهت البلاد شيئاً فشيئاً بعناية الأمير وبذل وسعه في مساعدة ذوي الفاقة وتدارك المجاعة. ولم يزل بعد ذلك يرُمُّ ما تداعى من مباني المملكة، ويتدارك عليها ما بقي، وعندما أخذت المملكة مأخذها لي التراجع إلى كمالها الأول نهض لتدارك ما أبقته الست السنوات في التجهيزات العسكرية، وتدارك خطر المملكة من الديون التي تراكمت على الدولة مع ضعف الدخل في المملكة. وأقام جمعية لضبط ما ترتب على الدولة من الديون وموازنتها بالدخل فجعل كومسيوناً مركباً من الأهالي والأجانب الذين عينهم أرباب الديْن تحت رئاسة خير الدين، وأدخل لتصرفه جميع مداخل الدولة عدا المجبي وبعض مداخيل أخرى أبقاها لإقامة إدارة الدولة وكان انتصاب الكومسيون المالي في السادس والعشرين من ربيع الأول سنة ست وثمانين ومائتين وألف فضبطت المداخيل وانحصرت الديون في نحو مائتي مليون وتعين لازم فائدتها السنوية: ١٢.٩٣٢.٩٢٥ من الريالات التونسية.
ثم أعمل الرأي في المجبي بالنظر لأحوال الرعية فجعلها خمسة وعشرين ريالاً، وترتفع بالتدريج بخمسة ريالات في كل سنة إلى أن تصل إلى الأربعين ريالاً فتستمر عليها. وكذلك جعل أعشار الفلاحة سبعة مكايل نصفها قمح ونصفها شعير وترتفع بزيادة ويبة في كل سنة إلى أن تصل إلى عشر مكايل أنصافاً بحيث يكون ارتقاء ذلك على حسب ترقي الفلاحة وجعل ذلك منضبطاً بقانون صدر بتاريخ السابع والعشرين من جمادى الثانية سنة ست وثمانين. ثم أسقط عن كافة من بقيت عليهم بقايا من الأعشار أو القوانين الثلثين منها مراعاة لفاقتهم مدة وجوبها، وأسقط النصف من قانون مراجع الوطن القبلي تنشيطاً للفلاحة وخفف قانون زيتونه وصيره ثمانية نواصر على كل عود، وأقام مجلساً لمحاسبة العمال في سائر الأعمال عما جالت فيه أيديهم من أموال الرعية. وأصدر الأمر العلي برفع ظلامة كل من صودر في شيء من المال أو الدؤاب أو الحبوب، فأقبلت الناس من كل فج وظهر للعيان ما جالت فيه أيدي العمال وانتزع جميعه منهم بدون مبالاة، واستعمل على الساحل مَحمد خزندار لضبط أحواله وضبط ديون أهله التي ارتكبوها في تلك السنوات وأعمال وجوه مع أرباب تلك الديون ففك بذلك أسر أهل الساحل قاطبة. كل هاته الأعمال أجراها في شهر شعبان ورمضان من سنة ست وثمانين استدراكاً لما بقي، فعالج المملكة معالجة الطبيب الحاذق وأعاد عليها شرخ الشباب.
ولما استتم ضبط أحوالها على الوجه الأكمل غير إدارة الدولة فجعل الوزارة الكبرى مركبة من وزارة المال ووزارة العمالة ووزارة الخارجية، ولها النظر على الحرب والبحر، وكان الوزير الأكبر مصطفى خزندار، ووزير الحرب رستم، ووزير البحر مَحمد خزندار، وجعل لمسمى الوزارة الكبرى أربعة أقسام القسم الأول لسياسة المملكة والقسم الثاني للواردين من المتوظفين، والقسم الثالث للنوازل الشخصية، والقسم الرابع لأمور الخارجية، وجميعها تحت رئاسة وزير مباشر. وفي كل قسم مستشار أول فكان الوزير المباشر خير الدين، ومستشار القسم الأول الشيخ محمد العزيز بوعتور باش كاتب، ومستشار القسم الثاني حسين، ومستشار القسم الثالث الشيخ أحمد بن أبي الضياف، ومستشار القسم الرابع النصراني فليكس راف. وكان ذلك في منتصف شوال سنة سبع وثمانين.
стр. 26
وأرسل إلى الدولة العثمانية في طلب تجديد القزمان العالي الشأن في حفظ الإمارة وإجرائها على نسق الإمارات الممتازة في الدولة العلية لإحكام الوصلة وربط العلاقة بينه وبين الدولة وحفظ الأمن على البلاد فجددت له الدولة العثمانية فَرمانها العالي، وأرسلت له سيفاً مع النيشان المجيدي صحبة خير الدين، واحتفل لذلك موكب تلاوة الفرمان، ولبس النيشان صبيحة خاص شهر رمضان المعظم سنة ثمان وثمانين ومائتين وألف، وتزينت لذلك تونس وسائر بلدان لمملكة زينة لم يسبق لها نظير استمرت بقية شهر رمضان، وأكثر شهر شوال.
ولما وقعت الحرب للترك مع الروس فتح دار الباي بتونس وأذن بجمع إعانة تطوعية فصدر الأمر العلي بذلك سادس وجب سنة ثلاث وتسعين. ودفع هو ورجال دولته ما نشط الأهالي فأقبلت الأمة من كل فج، واجتمعت من ذلك إعانة كافية مالية بلغت إلى ٥٩٠٠٤.٦٦٣.٤٣٣.٠٩ ريالات تونسية فضلاً أرسلها للدولة العثمانية، ثم جمع لها من الخيل والبغال التي تطوع بها الأعيان مقداراً معتبراً وأرسله إعانة دولة الإسلام.
وهو الذي أقام خزنة مكاتيب الدولة ورسومها وغير ذلك على وجه بديع يسهل معه تناول أي بطاقة من علائق الدولة في طرفة عين وقد حسن كثيراً من الأعمال، فغير نوع السكة التي كانت جلبت خلل الصرف، وضرب سكة من النحاس بقيمة لا تقبل التغيير ذات ثمن وخروبة ونصفها، فدارت السكة المذكورة صبيحة يوم الخميس الثالث عشر من جمادى الأولى لسنة تسع وثمانين.
وفتح دار السكة لقبول السكة القديمة بقيمتها وتعويضها بالسكة الجديدة وعند ذلك طبع كثيراً من سكة الفضة بقيمة أربعة ريالات وريالين وريال ونصف ريال، ثم لما تكاثر نوع السكة المذكورة في البلاد أراد الصرافون أن يعيدوا فتنة الصرف فتدارك الأمر وأسقط من النوع الذي قيمته أربعة ريالات ثلاثة أرباع الريال. وهكذا جرى الإسقاط في بقية الأنواع على تلك النسبة وصدر الأمر بذلك في الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة خمس وتسعين.
وقد أقام كثيراً من المجالس والقوانين لضبط فروع الإدارات وتحسينها، فأقام مجلس النظافة تحت رئاسة رئيس المجلس البلدي الشريف محمد العربي زروق للاعتناء بتنظيف البلاد ورفع المزابل في كل يوم على مقتضى قانون تألف من تسعة عشر فصلاً صدر بتاريخ الخامس والعشرين من ربيع الأول سنة تسع وثمانين، ووظف على كل محل قدراً معيناً يدفع بعد كل ثلاثة أشهر بعد أن وظف أداء الخروبة على قيمة كراء الأملاك من الديار وغيرها من الرباعات كخروبة الأكرية. وأصدر بذلك قانوناً مؤرخاً بالتاسع والعشرين من ربيع الأول سنة تسعين، ذلك بعد أن عمم تضريس البلاد من غالب جهاتها وأزال أوحالها، وحسنها تحسيناً يشهد له بغاية حبه لها، وخرج بالتحسين إلى ما حول الحاضرة فحسن طريق باردو من باب الخضراء وباب سيدي عبد السلام وباب سعدون وباب حومة العلوج وباب سيدي عبد الله الشريف وضرس جميع تلك المسالك وحفها بالشجر عن اليمين وعن الشمال وسوى البطحاء التي أمام باردو وزانها بالفوارة الضخمة وجدد باب باردو، وكذلك مهد طريق حمام الأنف من باب عليوة بعد أن بنى هو ذلك الباب. وأدار على مقبرة الزلاج سوراً لحمايتها من الدواب. وجعل قشلة العطارين سجناً مقسماً إلى فروع كثيرة لمجرمي الأهالي والأجانب، وجعل له حفظة لتنظيفه، وأجرى عليه مونة كافية بعد أن كانت المساجين يسجنون في دهليز من العذاب وربما مات من تطول إقامته فيه، وجعل له قانوناً يشتمل على أربعة وعشرين فصلاً مؤرخاً بالتاسع عضو من ربيع الأول سنة إحدى وتسعين. وأقام مجلساً للتحفظ ركبه من الأهالي والأجانب الأطباء وغيرهم للنظر في الواردات البحرية وصحة أهلها يجري عمله على مقتضى قانون مؤلف من عشرين فصلاً بتاريخ الثاني والعشرين من جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين.
وأقام في هذا التاريخ مجلساً مختلطاً أعضاؤه مركبون من سائر الدول التي لها رعايا كثيرة في البلاد تحت رئاسة أحد الأهالي للحكم في النوازل المالية التي بين الأجانب والأهالي. وأول رئيس انتسب عليه حسونة بن أحمد الوزير الأندلسي أمين الشواشية.
стр. 27
وضبط سياسة الدولة مع سائر الدول الأورباوبة التي لها رعايا بتونس بمعاهدات يجري التعامل بمقتضاها فكان الاتفاق المنعقد مع دولة إنكلترا مؤلفاً من سبعة عشر شرطاً بتاريخ يوم السبت السادس والعشرين من ربيع الثاني سنة ثمانين، ثم حرره باثنين وأربعين شرطاً بتاريخ يوم الاثنين السادس عشر من جمادى الثانية سنة اثنتين وتسعين. والاتفاق الواقع مع دولة إيطاليا يتألف من ستة وعشرين شرطاً. وأكد الاتفاق الذي كان عقده أخوه مع دولة النمسا المتركب من عشرين شرطاً المؤرخ بغرة جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين، وبذلك أتم سياج السياسة الخارجية.
وضبط الفلاحة في داخلية المملكة بقانون يحتوي على ثلاثة وسبعين فصلاً في ضبط أحكامها ومصالحها بتاريخ الخامس والعشرين من صفر سنة إحدى وتسعين.
وضبط خدمة العمال والمتعينين للأعراب وغيرهم بقوانين تجري عليها إدارة خدمة العمال ومقدار ما يأخذه المتعينون من المجرمين ب التشديد على من يتجاسر على أخذ شيء زائد فكان قانون خدمة العمال مؤلفاً من عشرة فصول وقانون خدمة المتعينين من تسعة عشر فصلاً وكلاهما بتاريخ أوائل ربيع الثاني سنة ثلاث وتسعين.
وأسقط قانون زيتون الوطن القبلي وصيره عُشْراً شرعياً على الزيت لما رأى من ضعف الزيتون المذكور عن أداء القانون في الرابع والعشرين من شوال سنة تسعين وبذلك تضاعف أمن المملكة واستكمل فخرها حتى أمنت فيها السبل واطمأن أهاليها عموماً فكان هو المجدد للدولة وله فخر تجديدها.
ولم يكفه هذا التجديد، الجاري على مناهج الرأي السديد، بل ترقى في حفظ أمن البلاد وتحسين إدارة الدولة فأقام مجلساً شورياً تحت رئاسة الوزير الأكبر للنظر في مهمات نوازل الدولة الداخلية والخارجية. فكان أول اجتماعه صبيحة يوم الاثنين الثامن عشر من رجب الأصب سنة ست وتسعين بسراية حلق الوادي، ورئيسه الوزير الأكبر الحالي وأعضاؤه وزير الورى مَحمد خزندار الوزير السابق، ووزير الشورى الشيخ محمد العزيز بوعتور باش كاتب، ووزير الشورى حسين المكلف بالمعارف العمومية والنافعة، ووزير البحر أحمد زروق، ووزير الحرب سليم، ومستشار الوزارة الخارجية الشيخ محمد البكوش، ومستشار القسم الثاني محمد المرابط، وكاهية باش كاتب الشيخ محمود بوخريص، والمدرس الشيخ مصطفى رضوان رئيس كتاب الكومسيون. ثم ضمّ إليهم رئيس المجلس البلدي الشريف محمد الربي زروق، ورئيس جمعية الأوقاف المدرس الشيخ محمد بيرم، وعند سفر، وليها عوضه رئيس كتاب القسم الثاني الشيخ يوسف بن أحمد جعيط، فكان لجميعهم تعاون على مصالح البلاد+ وذلك من أعظم مآثر هذا الأمير الفائز بالسبق على سائر الأمجاد.
أما اعتناؤه بالعلوم وأربابها لقذف الروح في جسد المملكة فحديثه في هذا الباب طويل الذيل ونقتصر منه على الأمهات، فنقول: إنه بإثر استوائه على كرسي المملكة أمر بإرجاع جميع أرباب خطة العدالة إلى خطتهم التي كانوا عزلوا منها، وكذلك أرجع سائر المؤذنين بعد أن كانوا عزلوا أيضاً اقتصاداً في العدول والمؤذنين فنال بذلك من الدعاء الصالح ما لا حد له.
ثم لما رئب المجالس وكان من مقتضياتها أن الحجج لا تمضي لديها بدون ختم شرعي أذن جميع أرباب الخطط الشرعية من القضاة والمفتين بوضع أختام بعد أن كان الختم خاصاً بالقاضيين لا غير.
ثم لما انقضت السنون التي أتت على المملكة وأهلها بما تناقصت به جميع المداخيل ولم يبق لبيت المال دخل يقوم برواتب المدرسين بجامع الزيتونة وحدث بعض فتور في العلم أمر بجمع المدرسين وأهل المجلس الشرعي بجامع الزيتونة، واستنهض همتهم العلمية وعين لأهل الرتبة الأولى ثلاثة ريالات يومياً تخرج مرا الدولة زيادة على ما لهم في بيت المال. وجعل لأهل الرتبة الثانية ريالاً يومياً زيادة على ما لهم من وقف المدرسين. وأبرز بذلك منشوراً قرىء بجامع الزيتونة بمحضر جميع العلماء في كرة رجب الأصب سنة سبع وثمانين ومائتين وألف. وعين أربعة من رجالي الدولة لتفقد أحوال الجامع وتقريرها لدى الدولة، وهم: الشيخ محمد العزيز بوعتور باش كاتب، وحسين مستشار القسم الثاني من الوزارة الكبرى، والشيخ أحمد بن أبي الضياف، والشيخ محمد البكوش.
стр. 28
وأبطل وظيفة الحسبة التي كانت تجتمع لنظرها جميع أوقاف المملكة لصرف فواضلها لأرباب الخطط الشرعية فوزع مهمات أوقاف المملكة على المشايخ أهل المجلس الشرير كل واحد يقوم بشعائر الأوقاف التي لنظره ويستقل بفاضله واستمروا على ذلك أكثر من ثلاث سنين غير أن دخل الأوقاف ضعف وتناقصت جراية الدولة عن المدرسين، فاستدرك الحالة بقانون علمي مؤلف من سبعة وستين فصلاً مؤرخ بالثامن والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة اثنتين وتسعين، قد اجتمع على تأليفه أعيان علماء العصر، فكان أكمل أنموذج يجري عليه نظام التعليم بجامع الزيتونة مع تعيين مائة كتاب وستة عشر كتاباً منتخبة من ثلاثة وعشرين فناً تدرّس بجامع الزيتونة. وحفظ نظارة العلم بمستشار من الدولة، وأول من تقلد هاته النظارة حسين المكلف بالمعارف العمومية وجعل له نائبين من أعيان المدرسين يباشران النظر على أعمال الجامع كل يوم. وعين الامتحان العام لسائر طبقات التلامذة في شهر ماية الأعجمي من كل سنة، وقرىء منشور ذلك بجامع الزيتونة أول المحرم من سنة اثنتين وتسعين، فتكاثرت الدروس والمدرسون، وأقبل الطلبة على العلم حتى بلغ عدد الدروس التي أقرئت بجامع الزيتونة في سنة أربع وتسعين إلى أحد وعشرين ألف درس ومائتين ودرسين من الكتب التي اقتضاها الترتيب. وبلغ الآن عدد المتصدرين للإقراء تطوعاً إلى ثمانية وخمسين عالماً زيادة على الذين يستحقون الجرايات المعينة وفد منح المتأهلين للإقراء بإجازة الامتحان التقديم لخطة العدالة على مقتضى الإلحاق الصادر بتاريخ الثاني والعشرين من صفر الخير سنة سبع وتسعين، وأصدر بذلك منشوراً قرىء بجامع الزيتونة بعد صلاة الظهر من يوم الأربعاء الثالث والعشرين من الشهر المذكور ترغيباً في العلم، وقد بلغ عدد التلامذة بالجامع الأعظم إلى أكثر من سبعمائة تلميذ، وحسبك بذلك مزية لهاته الدولة.
وقد جمع جميع أوقاف الحاضرة وسائر بلدان المملكة لنظارة جمعية تجعل من تحت تصرفها وكلاء يقومون بلوازم شعائر الأوقاف، وما يفضل من ذلك يدخل لإدارة الجمعية تدفع منه مرتباً للمشايخ أهل المجلس الشرعي بالحاضرة قدره ثمانية آلاف ريال في السنة لكل واحد من شيخي الإسلام وستة آلاف لكل واحد من بقية الشيوخ وثماني عشرة مائة ريال لكل واحد من قضاة حواضر المملكة و ١٤٤٠ ريالاً لكل واحد من مفتيي بلدان المملكة، و ١٠٨٠ لبقية قضاة البلدان، ويدفع منه من مرتب المدرسين المقدار المعين على الدولة. وأصدر بذلك ترتيب أعمال الجمعية المشتمل على أربعة وعشرين فصلاً المؤرخ بالمحرم الحرام سنة إحدى وتسعين فأخذت الجمعية في ضبط الأوقاف ومداخيلها وأموال ما عوض منها مما جرى تأمينه تحت يد أفراد معتبرين البالغ قدر ذلك إلى ما يقرب من الثلاثة الملايين لتستخلص منه ما يمكن خلاصه وتعاوض به أوقافاً واجتمعت الأوقاف أحسن اجتماع بلغت به مداخيلها من ثمن الغلال والأكرية والإنزالات إلى ٠١.٦٧٨.٠١٦ ريالات فضة في سنة خمس وتسكين وبذلك وقع استدراك ما أتى عليه الخراب من الموقوف والموقوف عليه في الحاضرة وسائر بلدان المملكة. وأقيمت شعائر جميعها بإجراء لوازمهما مع مرتبات أربابها السنوية البالغ لازم ذلك إلى ما يقرب هن الستمائة ألف ريال فضة. وأصلحت جميع جوامع الخطب بالحاضرة، وفتح باب جامع القصبة من السور في رمضان المعظم سنة إحدى وتسعين فانتفع به عموم المسلمين. وأحييت المساجد والزوايا حتى بلغ الآن عدد القائم من مساجد الحاضرة إلى مائتين وخمسين مسجداً أغلبها وقع فيه إصلاح له بال فضلاً عما أعيد أصل بنائه منها وأصلحت جميع المدارس وأحييت كثير من الأوقاف بعد أن لم تكن منتفعاً بها.
стр. 29
ووقع مثل ذلك في أغلب الزوايا والمكاتب وأصلح سور الحاضرة من عدة جهات وسور صفاقس، كذلك سور بنزرت وسور القيروان، وتجدد سقف جامعها الأعظم الذي هو من وضع الصحابة. وهكذا عمّ الإصلاح سائر جهات المملكة وأصلح أيضاً كثيراً من الأبراج. وأعيد بناء برج حمة قابس بحيث إن نحو ربع المدخول في هاته السنين صرف في الإصلاحات المهمة لإحياء الأوقاف زيادة على إجراء الشعائر على وجهها على مقتضى نصوص المحبسين. ثم إن فاضل الدخل أجريت منه المرتبات المعتبرة الكافية لجميع أهل الخطط الشرعية والمدرسين بالحاضرة وبلدان المملكة البالغة إلى ٢٣٤.٣٢٥ ريالاً فضة في كل سنة تدفع لهم مشاهرة على حسب اختلاف القدر المعين لهم وما يفضل تقام به مصالح عمومية في البلاد، كل ذلك من البر الذي حسناته في صحيفة هذا الأمير أبقاه الله.
وقد عين قشلة طريق سيدي المرجاني فجعلها مكتباً عاماً أوقف عليه أوقافاً لها بال وأجراه على نظام المكاتب الجديدة لتعليم أبناء الأهالي العلوم الدينية واللغوية واللغات الأجنبية والمعارف الإفرنجية من الرياضات وغيرها وجعل لذلك قانوناً اجتمع على ترتيبه أعيان علماء العصر فكان مؤلفاً من اثنين وثمانين فصلاً صدر بتاريخ خامس ذي الحجة الحرام سنة إحدى وتسعين ففتح المكتب المذكور بعد إتقان تقسيمه وتحسينه وأجرى به مونة الطعام لعموم التلاميذ والكسوة والفراش للمقيمين به خاصة وأقام به معلمين من علماء الحاضرة والترك والإفرنج وظهرت منه نشأة بارعة وحضر بنفسه في موكب امتحانهم السنوي.
وأوقف كتباً كثيرة ملأت ست خزائن جعلها بصدر جامع الزيتونة أواسط سنة إحدى وتسعين. وأعاد ترتيب تلك الخزنة بتحرير أسماء كتبها البالغة نحو عشر آلاف مجلد ووضع أعداداً متوالية على تلك المجلدات بعد تحرير قيمتها التي لم تزل اليد جائلة في إتمامها.
وقد جمع جميع كتب المدارس والجوامع الأُخَر وضمّ إليها كتباً أخرى وجعلها مكتبة عامة بالمحل الذي بناه أبو عبد الله الحفصي بجامع الزيتونة عند صحن الجنائز وخضه بالمطالعة والنسخ هنالك من غير إخراج كتاب إلى خارج المكتبة فكانت المكتبة المذكورة تشتمل على أكثر من ثلاثة آلاف مجلد تحتوي على عشرين فناً من خط اليد الجميل وليس فيها من الكتب المطبوعة أو الرديئة الخط إلاّ ما ندر، وقد عمّ بها النفع للغرباء والمحتاجين بالمطالعة والنسخ اليومي فيها. وجعل بها ثلاثة قيمين تستمر إقامتهم سائر اليوم كله وأجرى عليهم الجرايات الكافية على مقتضى قانون رسمه نجي صدر أزمة المكتبة يحتوي على ستة عشر فصلاً بتاريخ الثاني عشر من ربيع الثاني سنة اثنتين وتسعين.
ووضح ترتيباً قانونياً لتنظيم ديوان الشريعة المطهرة اجتمع على تأليفه شيوخ المجلس الشرعي وتألف من ستين فصلاً أصدره بتاريخ صرفي ثلاثين من ربيع الثاني سنة ثلاث وتسعين. وتعينت به مراسم خطة القضاء ورسوم خطة الإفتاء والأعمال التي يجري عليها الوكلاء والأعوان والخصماء. وجعل يومئذ طابعاً يخص ديوان الشريعة لختم حجج الأحكام الشرعية زيادة على ما كان عينه من كون سائر حجج العدالة لا يصح كتبها إلا بالرقاع المختومة بالختم المسمى بالتانبر منذ ذي الحجة الحرام سنة أربع وثمانين.
ووضع قانوناً لضبط حجج الإشهاد يجري عليه عمل الشهود في الحاضرة وسائر بلدان المملكة، وجعل لجميعهم دفاتر لا تشذ عنها شهادة، كل ذلك بعد إحصاء سائر الشهود، وتعيين الاقتصار على عددهم الموجود، إلى أن يتناقصوا بما دون الحاجة. وعين العدد المحتاج إليه في كل جهة فضبط بالقانون المذكور كيفية تحمل الشهادة وأدائها وقد تألف من ستة عشر فصلاً أصدره بتاريخ موفي ذي القعدة الحرام سنة إحدى وتسعين كل ذلك اعتناء بالمعارف وأربابها ومحافظة على الحقوق الشرعية فكان هو الذي أسس هاته الأساسات المحكمة البناء.
стр. 30
وزاد اعتناؤه بحفظ الصحة فعين قشلة البشامقية وجعلها مستشفى نقل إليه مرضى المارستان وأقام به أطباء ومرافق وتحسينات مع الاعتناء بالنظافة وأفرز فيه قسماً للنساء خاصة وأقام به حفظة وقيمين وأحضر له آلات جراحية غريبة حتى كان في غاية التنظيم في تفان الوضع الجاري على أحد وأربعين فصلاً من قانونه المؤرخ بيوم الأحد السادس والعشرين من المحرم سنة ست وتسعين. وحضر بنفسه يوم فتحه صبيحة يوم الاثنين الثامن عشر من صفر السنة المذكورة في موكب حضره جميع رجال الدولة، وباشر سائر الغرباء المرضى هنالك فرداً فرداً فخلّد بذلك ذكراً جميلاً وجرت إقامة جميع لوازم المستشفى بدخل وقف المارستان على أكمل نظام، وأتقن إحكام.
وأما اعتناؤه بالأشياء التحسينية التي خلّدها في المملكة فمن أعظمها فتح دار المطبعة ونشر صحيفة الرائد لتعليم أهل المملكة أحوال الدول وما يتعلق بالسياسات الداخلية والخارجية تمديناً لهم. وكان ابتداء نشره أواخر عام سبعة وسبعين.
وواصل بين المملكة التونسية وسائر ممالك الدنيا بسلك البرق الذي يبلغ به الخبر في طرفة عين ومد سكة الحديد بين تونس وحلق الوادي وباردو، وأوصلها بعد ذلك من تونس إلى أطراف الحدود الغربية وأصدر الأمر العلي بذلك في اليوم الثاني عشر من ربيع الثاني سنة ثلاث وتسعين على اتفاق تألف من ثمانية وعشرين شرطاً تصل به السكة المذكورة مق حاضرة تونس إلى جندوبة خاصة على أن يجري عمل السكة على نحو ما تحرر في التسعة والأربعين فصلاً التي عينتها الدولة، وجرى ذلك على الوجه أية تم مع شوكة تسمى الباتينيون ثم منح لشركة عنابة وقالمه مد السكة من محطتها بدخلة جندوبة إلى طريق الجزائر على ستة شروط تحررت بتاريخ الثالث والعشرين من المحرم الحرام سنة خمس وتسعين. وقد ابتدأ سير الأقطار صبيحة يوم الاثنين الثالث والعشرين من ربيع الثاني سنة ست وركب في ذلك القطار الأمير وسائر رجال الدولة وتلقته أعراب تلك الجهات بالملاعب والسرور وعاد مسروراً بسرورهم.
وقد أجرى نور الغاز الهوائي في الأنابيب لإيقاد البلاد وتنويرها بهذا النور الساطع وكان ابتداء جريانه أواسط ربيع الثاني سنة إحدى وتسعين بعد أن عمم سائر حومات البلاد بساقيات ماء زغوان وأجراه في سائر منازلها ومنازهها.
وأقام الخزنة الضخمة البناء التي عند باب سيدي عبد الله الشريف مجتمعاً للماء الوارد من المنبع المذكور. وأقام فوقها الفوارة الضخمة الدائمة الانهمال، وعمّ سقيها بساتين منوبة ومنازه حلق الوادي وبساتينه. وكان وصول الماء المذكور إلى الحاضرة سنة ثمان وسبعين ومائتين وألف.
وقد وسع كثيراً من المناهج بواسطة مراسم المجلس البلدي، ومن أعظمها طريق البحيرة المقسم والنهجان الموصلان إلى محطتي سكة الحديد وذلك بعد هدم سائر الأبنية القديمة التي كانت أمام باب البحر. وهدم فندق الغلة القديم، وسوى هنالك مركزاً لكراريس الكراء سنة اثنتين وتسعين. وأقام الجنينة التي أمام باب البحر والجنينة التي جعلها في القصبة مع تسوية بطحائها وسائر منافذ طرقها المتسعة وتمهيد الطريق الواصلة من باب البنات إلى باب سويقة بعد أن كان مهدها من باب السويقة إلى باب الجزيرة خطأ واحداً في غاية الاتساع والاستواء بالضرس، وهدم ما تداعى من السور المحيط بالمدينة حيث لم يكن به نفع مع وجود السور الخارجي وبقي خرابه كلأ على البلاد فأزاله ووسع بمحله الطرق وسواها بحيث أزال باب قرطاجنة وباب السويقة وباب البنات وما بينهما من السرور، وأزال باب سيدي علي الزواوي وباب الجزيرة حيث أن جميعها في وسط البلاد وعلى البلاد السور الخارجي الضخم الأبواب، وأعاد بناء باب الخضراء وحسن مسالكه سنة اثنتين وتسعين. وقد عين جرايات كافية للالتزام بإصلاح ذلك على الوجه الحسن وبموجب القيام بمصاريف تلك الطرقات وظف أداء على الكراريس والكراريط بحيث أن كروسة المالك تودي خمسة ريالات وكروسة الكراء تؤدي أربعة ريالات والكرطون.
يؤدي ريالين جميع ذلك مشاهرة يستوي فيها الأهالي والأجانب وأصدر بذلك قانوناً مؤلفاً من أحد عشر فصلاً مؤرخاً بالثاني عشر من ربيع الأول سنة ست وتسعين.
стр. 31
وأما أبنيته الفائقة فأولها بناؤه لدار باردو المعمور ثم بنى الأبنية الفائقة في قصر البرطال الذي حول باردو وسماه القصر السعيد فأبدع إحكام بنائه ونضد فرشه، وسكنه أواخر سنة ست وثمانين ورضع جبهته بعد ذلك بسراية فاخرة سماها مقر السعادة، فكان من أعظم أبنية البلاد، وكذلك أبنيته التي شادها بحلق الوادي فقد شيد به السراية وأحدث بيت البحر من أضخم البناء وأروقِه وأحيا جامعه وأقامه أكمل إقامة بعد تجديده، ومن ذلك تحسينه لبناء جامع باردو وفتح بابه الضخم وبناء سوق القصبة والعلو الباذخ الذي قبالته على دار المولى حمودة باشا المرادي التي عاوضها حمودة باشا الحسيني في غرة شوال سنة تسع عشرة. وجدد بناءها على الوجه الأتقن، وبنى حولها سوق الباي المشهور فكان هذا العلو الصادقي كالتاج على جبهة ذات الجمال وتسمى اليوم بسراية المملكة. وبنى زاوية الشيخ سيدي محرز بن خلف البناء العظيم وشيد قبابها الهائلة البديعة النقش بعد أن جدد بابه الخارجي سنة تسع وسبعين وجدد قبة زاوية الشيخ سيدي إبراهيم الرياحي وأحضر لها عملة نقش حَديدة فأتى بها أغرب صنع وقع في البلاد وأتم تجديدها سنة خمس وتسعين في أعلى شاهد على دقة مصنوعات البلاد وعلو همة صاحبها فمن علم منه هاته المآثر الجمة والمفاخر المهمة، صح له أن يلقبه "بفاتح عصر التمدن في البلاد التونسية". فقد باشر الحكم بنفسه بإنصاف وتحر فيه وتثبت مع كمال فطنة واستحضار النوازل وما سبق فيها، وشدة التحري في قتل النفس بحيث إنه لا يأمر بالقتل إلا بعد حكم الشرع العزيز، ولربما بذل من عنده الفداء إلا إذا تشدد أولياء المقتول في طلب الاقتصاص، وبالجملة فإنه فارس المحكمة ولذلك جميع أصحاب النوازلط يترصدون بنوازلهم يوم حكمه الفصل، وله أعظم حزم في الذب عن حقوق المملكة والاعتناء بحفظ الدين يليق بعراقة مجده وغيرته على مملكة آبائه وأجداده.
وله شغف بحب الأولياء وتعظيم الأشراف والعلماء واعتبار أعيان المملكة حتى خلد بذلك أعظم مودة له في نفوس جميع الأهالي.
ومع ذلك قد حصل بعناية الله على تحسين حال المملكة وتقديم أهلها إلى مسالك التمدن حتى أصبح في خفض عيش وحسن تمتع ببلوغ الآمال. يسكن القصر السعيد حول باردو وأغلب السنة عدا زمن الحر في المصيف فإنه يسكن في سراية حلق الوادي وبيت البحر. وقد خرج أواخر عام ثلاثة وتسعين في زمن الثاء إلى حمام الأنف وأحدث به هالك أبنية.
وأقامت العساكر النظامية حول أبنيته في أخبيتهم مدة تلك الإقامة، ولما ورد وارد إقبال رأس العام وهو مقيم في تلك المنازه هنيت جنابه بقصيدة سميتها "مورد الهناء المعين. بعام أربعة وتسعين" فقلت: [الكامل]
عام انتزاه الصادق المنصور ... وافى ببشر ليس بالمحصور
فأتى إليه وخلفه الأعوام سا ... عية لمعهد فضله المشكور
كل لعزه وافد كي يلتقي ... بجمال طلعته ممر عصور
لكن هذا العام جلى بينها ... فأتى كإخوته ممر عصور
وسترتقي من بعده الأعوام في ... درج اقتباله في أجل حبور
إذ أنه الملك الذي أحيا لنا ... ربْع المعارف بعد محض دثور
إذ أنه الملك الذي أسدى لنا ... نعماً تريه سعادة المقدور
إذ أنه الملك الذي أيامه ... قد أطلعتْ في الفق خيرَ بدر
إذ أنه الملك الذي قد ضُمِّختْ ... أخبار دولته بطيب عطور
إذ أنه الملك الذي قد سددت ... أعماله فأباد كل فجور
إذ أنه الشهم المشير المرتضى ... مجري سيوب الفضل مثل بحور
الصادق العَلَم الحسينيُّ الذي ... به تونسٌ حيطت بأعظم سور
فهو المسَهِّد جفن عدل آمن ... به كان حفظ الغافل المغرور
حاط المحاكم والشعائر والمعا ... رف والزروع بغير ما منشور
فغدا براحة مأمن الأهلين في ... نِعَمِ الهناء يجر ذيل فخُور
وارتاح راحة حازم ما سيم غي ... ر حراس صارم رأيه المشهور
يفْري مضاءُ غُرابِه الدُّهْمَ التي ... هالت بصعب مبْهَم منكور
فالتاج للأمن المحيط بمنزه ... يزهو بفاضل ذيله المجرور
وسعى له بحلي تهان جملة ال ... أعيان زاهية بيمن خُيور
فكان يوم وصوله عيد الهنا ... وكأن وفده مجمع المحشور
стр. 32
فأتى إلى إكرامه الحيوان مِنْ ... نَعَم ووحش شارد وطيور
والكل بين مضرج ومعفر ... ومجندل ومعقر منحور
فلحومها كانت قِرَى لجيوشه ... وحديثُها يرويه كل شكور
كرمٌ جزيل قد أعِّدَ لوافدٍ ... أو نازلٍ بجواره مبرور
فالناس من طرب وحسن تنزه ... خلعوا عذارا واجتلوا بسرور
يدعون ربَّهُم ببُقيا مجده ... شمساً تنبرُهم بكل بكور
ولذا أتى العام الجديد مهنئاً ... برخي عيش رائق
وافى إليه غداة حل منازهاً ... حيطت بجيش بالعلا مذكور
فليَهْنَ هذا العام إذ ألفاه في ... حمام أنف شامخ معمُور
فأتى إليه مهنئاً يبغي به ... طهراً وتوشيحاً بكل فخور
ليكون بين يدي علاه مطهراً ... من ماء عدل كماله المشهور
إذ أنه الملك الذي أجرى لنا ... ينبوعُ عدلٍ ساكب موفور
فاعْجَبْ إلى الأيام حيث تلطفت ... لعلاه في إهداء عام بشور
فغدا بذلك منبئاً بمديد عُمْ ... ر بالسعادة والهنا مأثور
وله بذا فخر على الأعوام إذ ... قد جاء يرفل في ثياب حبور
فمتى تحاول وصفه أرخ وقل: ... عام انتزاه الصادق المصنور
وقد قرظ هاته القصيدة أمام أيمة البراعة والإنشاء الجهبذ النحرير الفاصل الشيخ محمد الباجي المسعودي رئيس كتبة القسم الثاني من الوزارة بقوله: [الكامل]
زارت تجرر ذيلها الديجُوري ... فانجاب صبح الوصل للمهجور
وأتت تذكر عهْدَ أُنسي بالمَهَا ... وزمانَ لهوِي بالظِبا والحور
مياسة الأعطاف تحسب أنها ... نشوى براح من كؤوس مدير
تشدو بلحن "الموْصِلي" و "معبد" ... و"مُخارِق" في نغمة المأخور
فتعيد ميْت الصد حياً مثل ما ... أحيا "السنوسي" النظم بعد دثور
جر اليراع فضم أشتات العلا ... نصباً لناظرها لنفخ الصور
وسما لتخليد المآثر والحِلى ... للغابرين وشُهَّدٍ وحضور
وتقلدت منه البلاد نفائساً ... وفرائداً ب (الرائد) المشهور
تُزرى بأزهار الرياض، وحسنُها ... في عين كل محقق وبصير
أمحمَّدُ وابن الذين علاهُم ... في القطر مثل "يلملم" و"ثبير"
شرفتني بفريدة أبدعتها ... "عام انتزاه الصادق المنصور"
فظَللْتمن طرب أميل كأنني ... نشوان ماء الكرمة المعصور
وكأنَّ ما نتلوه من أبياتها ... نظُم "الفرزدق" أو نِظامُ "جرير"
فنظمت مايرجو المحب قبوله ... من كاسد للعجز والتقصير
داعٍ لكم بسعادة أبدية ... وإعانة ومبرة وسرور
وقرظها أيضاً الدراكة النحرير الماجد الشاعر الفاضل المدرس الشيخ محمد بن أحمد بن محمد بن الخوجة بقوله: [الكامل]
زارت تجر مطارفاً من نور ... ولها الفخار على الحسان الحور
بدوية الأعراق إلا أنها ... حضرية في لطفها المشكور
قسماً بمُحْكم نسجها لو أنها ... في العُرب قام بها لسان فخور
قسماً بطرف حديثها إني بها ... لما أتيحت مع ألذ سمير
ملكت قلوب مطالعيها بحسنها ... فاستوْصِهَا بفؤادي المأسور
حلت بها شتى المحاسن مثل ما ... حلت بوصف وليها المشهور
ذاك الذي جمع الفضائل بعد ما ... كانت طرائق في بني المعمور
ذاك "السنوسي" الذي ملك العلا ... وعلا على كرسيها كأمير
إن قلت كل الصيد في جوف الفَرا ... فهي الفضائل في حمى المذكور
قُسُّ الفصاحة حِلْفُ كل فضيلة ... مبدي البدائع وهو غير فخور
منح المعارف للنهي لكنه ... راعى التلطف فاكتنى بمدير
فذٌّ على سن الحداثة قد سما ... وحوى من العلياء كل عسير
ما السن يُلحِق بالصغير نقيصة ... ولقد يكون الشيخ غير كبير
مهلاً أبا عبد الإله فإنني ... في حصْر فضلك منتم لقصور
وإليك من جهد المقل وليدة ... جاءت لتخدم ستَّها بسُطُورِ
وقرظها الأديب المحقق النحرير الماجد الزكي الشيخ محمد بن حمودة بن أحمد جعيط وكتب قبله قوله: [الخفيف]
أيها الخل إن أبكار فكري ... عطِشت لارتياد ورد القرين
стр. 33
إذ أريتم فتانة الطرف لطفاً ... فأتوا"مورد الهناء المعين"
وهذا نص تقريظه:
جاءت مسربلة ثياب سرور ... وتذيع نشْر ثنائها المعطور
باكورة العام الجديد تطلعت ... وتقلدت عقد الهنا بنُحور
برزت ومنْهلَّ السرور تبثه ... فانهلت الأمطار مثل بحور
وأدارت الراح الحلال على الورى ... في كأس جوهر لفظها المسطور
في لطف "أندلس" وحسن جزالة ... تُزري بأبكار "العراق" الحور
لا غرو أن شمخت بأنفٍ وهي في ... "حمام أنف" شامخ معمور
وكِناسها البيت الحسينيُّ الذي ... شمخت دعائم مجده المشهور
ومديرها الفذ "السنوس مَحمدٌّ" ... حاوي على المنظوم والمنثور
ذاك الذي اقتنص المعارف عندما ... قد خاض يم العلم خوض بصير
فغدا يرصع تاج دهر فاغتدى ... يسمو بدر نفائس التحرير
ويفيض ينبوع القريض بمقْول ... يزري بشعر "فرزدق" و"جرير"
فلذا أراك فريدة من لفظها ... ينهلّ موردُ للهنا كبحور
لله موقع لطفها في أذن مَن ... قد كان بالأغراض خير خبير
لما سطت حسناً عليَّ جعلتها ... وسطى لتاج الرائد المبرور
فبراعة استهلال مطلعيه قد ... جاءت بأن العامَ عامُ سرور
نشروا لمطوي الثنا كل الورى ... لجميل لطف الرائد خبير
عهدي به يرعى الهشيم فريثما ... وافيت جاء بلؤلؤ منثور
وغدا يثير عزائم الإسلام للن ... هج القويم بوعظه المسطور
وروته فرسان الطِّراد وزينو ... أن الذي أنشاه خيرُ سمير
وهو المجلي لا يقاس بفارس ... رام النزال بمسلك مهجور
دم أيها الخل الصديق مرفعاً ... واللطف حاط بكم إحاطة سور
تبدي البدائع والإله يُمِدّكم ... بالعون منه على ممر دهور
ولو أردنا ذكر جميع مفاخير هذا الأمير، ومدائحه الأدبية التي تزري بطيب العيير، وتفاصيل مآثره ونتائج أعماله، التي بلغ بها إلى غاية آماله، لضاق بنا غرض الكتاب، دون البلوغ إلى غاية الآراب. ولكن دلالة الآثار تغني البصير عن تفاصيل الأخبار، وفيما ذكرناه عنوان، على ما له من المزية وعلو الشان.
وقد استوزر هذا الأمير في الوزارة الكبرى أولاً وزير ابن عمه وأخيه مصطفى خزندار وهو من مماليك المشير أحمد باشا باي، وقد صاهره بأخته واستوزره مدة دولته، فأقام على تلك الخطة إلى أن تجاوز فيها الثلاثين سنة وتأخر عنها في موفي الثلاثين من شعبان سنة تسعين. توفي قبل زوال يوع الجمعة السادس والعشرين من رجب الأصب سنة خمس وتسعين.
وكان تأخيره بولاية صهره خير الدين، وهو أيضاً من مماليك المشير المذكور وعلى عهده ولي أمير لواء على الخيالة وترقى في الخطط وسافر إلى باريس في محاسبة محمود بن عياد، وأقام هنالك عدة سنين وأنتج حسابه معه لدى المجالس هنالك ك٢٧.٢٣٨.٣٣٧. ريالات تونسية وتمّ له الحكم بتاريخ رجب الأصب سنة ثلاث وسبعين وولي في وزارة البحر، وتقدم في رئاسات المجالس وألف "كتاب أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك". وجوت على يده الإصلاحات التي كانت من مبدأ ولايته وزيراً مباشراً إلى أن استعفي من خطة الوزارة الكبرى.
وتقدم لها عوضة محمد خزندار صبيحة السبت الحادي عشر من رجب الأصب سنة أربع وتسعين وهو من مماليك المقدس حسين باشا باي وولي وظيفة خزندار على عهده وباشر القيادات المهمة مثل الأعراض والساحل وارتقى في الخطط وتحنك بالتجارب وباشر الحكم في القسم الثاني من الوزارة وباشر الوزارة الكبرى إلى أن استعفى فأقام على وزارة الشورى.
وقدم الأمير للوزارة الكبرى ابن تربيته مصطفى بن إسماعيل آغا صبيحة يوم السبت السادس والعشرين من شعبان الأكرم سنة خمس وتسعين وذلك بعد أن رقاه في خدمته إلى رتبة أمير لواء العسة المنصورة في قصره، ثم رقاه في الخطط وولاه قيادة الوطن القبلي وخطة صاحب الطابع ووزارة البحر واستعمله على الساحل وصار وزير الشورى وباشر الحكم في القسم الثاني من الوزارة مدة وزارة من قبله.
стр. 34
وسافر سفيراً إلى إيطاليا لتهنئة ملكها بجلوسه على سرير الملك. وكان ركوبه صبيحة يوم الأربعاء السادس والعشرين من المحرم سنة خمس وتسعين ورجع يوم الخميس الثامن عثر من صفر. ثم سافر إلى باريس عند افتتاح معرض سنة ١٨٧٨ مسيحية صبيحة يوم السبت التاسع من جمادى الأولى ورجع يوم الثلاثاء السادس عشر من جمادى الثانية.
واستمر على مباشرة خدمته مع القيام بشخصيات مصالح مخدومه، ثم ارتقى إلى خطة الوزارة الكبرى والوزارة الخارجية ورئاسة الكومسيون المالي بعد استعفاء من قبله. وباشر التصرف في الخطط المذكورة على الوجه الأتم.
وحين أقبل عام سبعة وتسعين اجتمع بعض أعيان الأهالي على عمل مصحفين كريمين دفتاهما ذهب مرصع بالألماس وخرج يوم رأس العام وفد من أعيان الأهالي يقدمهم الشيخ محمد الشريف إمام جامع الزيتونة وتلقاهم الأمير بموكبه المحتفل بسراية باردو وعن انتظام الموكب خطب الشيخ خطبتين في الغرض الذي قدموا من أجله وقدموا المصحف الأول هدية للأمير والثاني هدية للوزير فخطب الشيخ محمد العزيز بوعتور باش كاتب على لسان الأمير خطبة هذا نصها: "الحمد لله فياض ذوارف المنن، الذي أنبت في قلوبنا حب الوطن، النبات الحسن، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي فاز بطاعته المحسنون، وسعد باتباعه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاماً يتأرجان عن شذا الزَّهر، ويتبلجان عن سني الكواكب الزُّهو.
هذا ويا أيها الملأ الأعيان إن أسعد أماني وأقصى آمالي، تقدم البلاد ونجاح الأهالي، ولما انطوت عليه ضمائري من حب بلادي ومملكتي، ومنبتي ومنبت سلفي وعترتي، فلم أزل أخلص لله في وسائل أمنهم وراحتهم نيتي، وأعقد على جر خيرهم طويتي، فتخيرنا لكم من آثرناه لخدمتنا، وربيناه تحت كنفنا، وفي ظل نعمتنا، وأحللناه محل الولد، وفلذة الكبد، وهذبنا بالآداب خلقه، وعلم سبب العمران وفئ قه، فجاء على قدر، وسبق إلى كل مكرمة وضاحة الغرر، مع حسن الطوية وخفض الجناح للمضطهد والمضطر، فما اخترت لمصالح البلاد إلا غرْسي، ولا أحببت لها إلا من أحببته لنفسي، وهو الصدر العماد وزيرنا الأكبر ابننا مصطفى بن إسماعيل آغا. أسبغ الله تعالى على الجميع آلاءه إسباغاً.
هذا وإن مقدمكم أيها الملأ الأعيان، وقع مني موقع المسرة والاستحسان، وتلقيت هديتكم كاب الله تعالى المجيد أمان الأرض، وشارع الشريعة وفارض الفرض، ومنار الهداية إلى سواء السبيل، بغاية من القبول والتعظيم والتبجيل، والله عز اسمه وري الإعانة، على القيام بأعباء الأمانة".
القسم الأول
في التعريف بأئمة جامع الزيتونة
أدام الله عمرانه اعلم أن هذا البيت العتيق من المواضع المباركة في بلاد الإسلام، وصومعتُه كان يتعبد بها أحد الرهبان، وكانت إلى قربه زيتونة، وهنالك موضع شيخه الراهب صاحب الصومعة بسياج من الشوك حفظاً له، ولما أقبلت العرب على ذلك المحل سألوا الراهب عن سبب وضعه ذاك السياج في ذلك الموضع فأخبر أنه يرى في كل ليلة عموداً من نور متصلاً بالأفق فأراد حفظه من الأقذار. ولما قدم حسان بن النعمان الغساني الأزدي على عهد عبد الملك بن مروان ووصل إلى تونس سنة تسع وسبعين من الهجرة وفتحها في أخبار مذكورة أسس عند تلك الصومعة هذا الجامع الأعظم وجعل المحراب في موضع عمود النور، وأبقى شجرة الزيتون فسمي بها. ثم لما قدم إلى تونس عبيد الله بن الحبحاب على عهد هشام بن عبد الملك بن مروان أتم بناء جامع الزيتونة سنة إحدى وأربعين ومائة فقان سقف بيت الصلاة مقاماً على أكثر من مائة وخمسين أسطوانة من الرخام وبعضها مرمر. وقد جاء تاريخه (اعلم ١٤١) المرتسم على الأقواس التي فوق التوابت. ثم إن زيادة الله بن الأغلب بنى فيه الأبنية الضخمة حين بنى سور الحاضرة التونسية ونقش في القبة التي فوق المحراب اسم أمير المؤمنين المؤمنين المستعين بالله بتاريخ سنة خمسين ومائتين فكان تأسيس هذا الجامع الأعظم على تقوى من الله في البقعة المباركة.
وفيه مواضع كثيرة معروفة بمحلات استجابة الدعاء وأماكن أخبر عنها أصحاب الكشف أنها محل لحضور رسول الله ﷺ أو لخاصة أولياء الله رضي عنهم أجمعين.
стр. 35
وقد كساه وحسّنه أمير المؤمنين يحيى بن المستنصر الحفصي ووقع الفراغ من كسوه سنة ست وسبعين وستمائة.
وفي عام ستة عشر وسبعمائة أمر السلطان زكرياء الحفصي بعمل عوارض وأبواب من خشب لبيت الصلاة وكتب تاريخ ذلك في أعلى باب البهور ثم إن السلطان أبا عبد الله الحفصي أنشأ فيه المقصورة التي بابها مما يلي صحن الجنائز. وأوقف بها كتباً جمة وبنى السبيل الذي تحتها على رأس المائة العاشرة وجعل النظر على المكتبة لإمام الجامع يومئذ الشيخ محمد بن عصفور.
ثم إن الأمير محمد باي المرادي شيد منه أعلى صومعته وسقَّفها وأدار بها السياج المحيط بها، ووضع الرخامة لتحرير الوقت وكتب عليها اسمه ثم إن إمام الجامع الشيخ محمد تاج العارفين البكري بنى في صحن الجامع المجنبة الشرقية في ذلك العهد وكتب اسمه في سقفها.
أما التغيير في سقف الجامع وأبنيته فقد وقع بكثرة وقد أدركت تغييراً كثيراً من سقف بيت الصلاة وسائر بناء مجنبات الصحن وسقفها وبناء صحن الجنائز وسقفه إلى غير ذلك من الإصلاحات الجارية.
وقد أحدث به أميرنا المشير الثالث بيتاً بالمقصورة المسماة مقصورة النواورية المشرفة على الطيبيين وكان وضع البيت المذكور لخصوص اجتماع المشايخ النظار بجامع الزيتونة للمفاوضة في الأعمال العلمية التي اقتضاها الترتيب السابق الذكر.
ولم يزل أهل البر يوقفون على هذا البيت المعظم الأوقاف المعتبرة لإقامة شعائره وإيقاده وتحصيره على أكمل وجه.
وهو قائم الشعائر بإقامة الخميس والجمعة والعيدين على مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵁. ومع ذلك تجري به الدروس العلمية سائر أيام الأسبوع على ما سلفت إليه الإشارة في ذكر اعتناء الأمير بالعلم وأهله.
أما أحزاب القرآن العظيم التي تتلى به كل يوم فهي كثيرة على نوعين: منها ما يتلى عن ظهر قلب بقراءة حزبين في كل يوم بحيث يكون تمام الختمة بشهر. ومنها ما هو بقراءة الأسفار بحيث تختم الختمة كل يوم وهي أحزاب أقامها أربابها من أهل البر بأوقاف جارية على من يتولى القيام بها من القراء، ونظر أغلبها إلى إمام الجامع.
وأعظم هاته الأحزاب حزب الأسبوع، وهو يقرأ تلاوة بعد صلاة الصبح كل يوم وقراؤه منقسمون إلى سبع دول كل دولة يحضر قي قراؤها يوماً من الأسبوع يقرؤون به سبعاً من القرآن العظيم أقام المحراب تلاوة، وتمام الختمة يحصل يوم الجمعة من كل أسبوع وعليه أوقاف لها بال ولا يتقدم للقراءة إلا من يشهد بحفظه شيخ مشايخ تلك الدول بالتلاوة بين يديه وأخذ التقديم منه بعد الحصول على تذكرة الأمير.
وأما بقية الأحزاب التي بالجامع فهي ثلاثة أحزاب بعد صلاة الصبح، وسبعة أحزاب قمل الزوال، وثلاثة أحزاب عند الزوال، وستة عشر حزباً قبل صلاة الظهر، وخمسة عشر حزباً بعدها، وثلاثة عشر حزباً بعد صلاة العصر، وحف بان بعد صلاة المغرب عدا تجويد شيخ الختمة وصاحب سجادة الجامع على كرسيه قبل الصلاة نسأل الله أن يديم عمرانه بدوام ذكره.
وحيث إن هذا البيت اختص بالمزايا الفاخرة، كانت خطة الإمامة به من أعظم خطط البلاد زيادة على تعظيمها الشرعي. وقد تقدم لها من جهابذة علماء الدين وحفاظ المذهب المالكي وصالحي الرجال أعيان كثيرون منذ صارت حاضرة تونس مستقراً لسلاطين إفريقية وأمرائها، وذلك أواسط المائة السابعة من الهجرة على ما سبق ذكره في صدر المقدمة.
وهنا نقدم على المقصد أنموذجاً في ذكر من ولي هذه الخطة الجليلة من خطباء جامع الزيتونة وأئمته منذ ذاك التاريخ ﵃ أجمعين فممن ولي هاته الخطة قاضي الجماعة: ١ "الشيخ إبراهيم بن عبد الرفيع" واتفق مدة ولايته أن جُدِّد السقف الذي تحته منبر الجامع، فأمر بتغطية ذلك الموضع بالحصر، وخطب فقام أبو علي القروي منكراً على الإمام خطبته بدون سقف وأغلظ عليه في القول بين العامة فأمر به فسجن. وعان ابن عرفة يقول ليس من شرط الخطبة أن تكون تحت سقف إذ ليس من شرط الجامع أن يكون مسقفاً كله فلو خطب الخطيب في الصحن جاز.
٢ وقد تأخر الإمام ابن عبد الرفيع عن الخطبة، ثم وليها العالم الصالح "الشيخ هارون الحميري" فكان إماماً وخطيباً ومفتياً بعد صلاة الجمعة بجامع الزيتونة إلى أن توفي في شهر رمضان سنة تسع وعشرين وسبعمائة.
٣
стр. 36
وكان في مرضه استخلف عمدة المذهب الشيخ محمد بن عبد السلام الهواري فبلغ ذلك إلى قاضي الجماعة ابن عبد الرفيع فمنعه. وقال: إن أهل تونس لا يولون جامعهم إلا لمن هو من بلدهم.
٤ واستخلف المدرس (الشيخ محمد بن محمد بن عبد الستار التميمي) شيخ مدرسة المعرض. واستقل بالخطبة عند وفاة أبي موسى الحميري. وكان ورعا يتعاطى الفلاحة بنفسه. يخطب يوم الجمعة بثياب صلاته وإذا كان من الغد لبس جبة خشنة وجعل على ظهر حماره الرَّشا وساقه بيده إلى جنانه الذي كان يخدمه بيده ويتمعش منه. أما الفُتيا بعد صلاة الجمعة فوليها الشيخ محمد بن محمد بن هرون الكناني وكان الخليفة إمام الخمس على عهد ابن عبد الستار الحافظ الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي القاسم بن علي بن عبد البر التنيوخي خطيب جامع القصبة. وكان عدلاً ذات سمت حسن له عناية بالتاريخ والرواية. اختصر ذيل السمعاني، واقتضب تاريخ الغرناطي، وألف تاريخاً على طريقة الطبري في ستة أسفار، وكان يجلس لرواية مقامات الحريري بدُويْرة جامع الزيتونة، واحتج ابن عرفة في مختصره الفقهي بصنيعه في ذلك مع ما في المقامات من المثالب. وتوفي في التاسع والعشرين من جمادى الثانية سنة سبع وثلاثين وسبعمائة.
وولي بعده خليفة بالجامع الشيخ إبراهيم البسيلي. ولم يزل الشيخ ابن عبد الستار خطيب الجامع وإمامه الأكبر إلى أن توفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة.
٥ ووليها القاضي الشيخ عمر بن عبد الرفيع قال الأبي في شرح مسلم: كان خطيباً بجامع الزيتونة الأعظم. ولا يقرأ في الخطبة آية (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً) لعذر يمنعه من طول الوقوف إلى أن أمره حاجب السلطان الشيخ ابن تافراجين بقراءتها أو ترك الخطة فالتزمها.
٦ ولما توفي الخليفة الشيخ إبراهيم البسيلي سنة ست وخمسين وسبعمائة تقدم عوضه لإمامة الخمس حافظ المذهب صاحب المختصر الفقهي (الشيخ محمد بن محمد بن عرفة الورغمي) ثم ولي خطيباً سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، وكان يومئذ المفتي بعد صلاة الجمعة هو الشيخ أحمد الغبريني إلى أن توفي سنة سبعين وسبعمائة، ودفن بجبل المنار، فوليها عوضه الإمام ابن عرفة. ولما خرج لحج بيت الله الحرام سنة اثنتين وتسعين استخلف للخمس والفتيا بجامع الزيتونة تلميذه، أبا مهدي عيسى الغبريني وللخطبة به الشيخ محمد البطرني ولما عاد باشر خططه بنفسه لحى عادته.
وكان إماماً في العلوم، وصنف في كثير منها، واشتغل في آخر عمره بالفقه. وكان معتنياً بالمدونة ملازماً للنظر فيها محتجاً بها، صواماً قواماً كثير التلاوة لكتاب الله ، مجداً في دنياه موسعاً عليه فيها مالأ وجاهاً ونفوذ كلمة، عاش سبعاً وثمانين سنة وتوفي في الرابع والعشرين من جمادى الثانية سنة ثلاث وثمانمائة. ودفن تحت جبانة ولي الله المنتصر بالزلاج وقد جمع الشيخ محمد الورغي تواريخ ولادة الإمام ابن عرفة وإمامته وابتداء تأليفه المختصر الفقهي وانتهائه وحجته ووفاته في بيتين وهما قوله: [الطويل]
ولادته: أرّخ سروري وأمهُ: ... نثور، وبدء الكتب: فتحكُمُ يدري
[٧١٦] [٧٥٦] [٧٧٢]
وإكماله: درع التمام، وموته: ... خراب، وكان الحج: فاض من السر
[٧٨٦] [٨٠٣] [٧٩٧] ٧
стр. 37
وبعد وفاة ابن عرفة ولي عوضه إماماً وخطيباً ومفتياً بجامع الزيتونة بعد صلاة الجمعة تلميذه حافظ المذهب قاضي الجماعة (الشيخ أبو مهدي عيسى الغبريني) قال الشيخ عبد الواحد الغرياني: لما ولي شيخنا القاضي عيسى الغبريني إمامة جامع الزيتونة سألني هل عندك علم في مسند النقارة (طبلة صغيرة ينقر عليها) التي تهز بدويْرة الجامع إعلاماً بإقامة الصلاة، فأخبرته: أن أبي حدثني عن شيخه عبد الله بن عبد البر أنه كان إذا أتى للجامع أكثر ما يجلس على إصطبل بإزاء باب الجنائز فإذا رآه المؤذن هنالك أقام الصلاة. وقليل جلوسه في الدويرة إلا لعذر أو رواية كتاب عليه بحيث ربما لا يعرف المؤذن هل هو هنالك أم لا فتجد خدمة الجامع يهزون تلك النقارة إعلاماً بحضوره على وجه الندرة، قال: فاستحسن إعلامي والتزم تركها. وكان يقول: لم أدرك وجهاً للخلاص في فعلها، واستعادها البرزلي اقتداءً بشيخه ابن عرفة. ثم اختلف حال الأيمة من بعده فمنهم من فعلها ومنهم من تركها كالإمام أبي الحسن اللحياني. اهـ.
قلت: أما اليوم فقد انقطع استعمالها ولم يبق من آثار الإعلام بحضور الإمام غير مناداة قيم الجامع عند باب الدويرة المسماة اليوم "مقصورة الإمام" قبل صلاة الظهر خاصة بقوله "الصلاة حضرت يرحمكم الله" فينادي بها المؤذنون عند أبواب الجامع وهو إعلام حسن. وقد توفي الإمام الغبريني في التاسع والعشرين من ربيع الثاني سنة خمس عشرة وثمانمائة ودفن بالزلاج.
٨ ثم وليها عوضه شيخ مدرسة ابن تافراجين الفقيه الحافظ (الشيخ أبو القاسم بن أحمد بن محمد البرزلي) فاجتمعت نجيده الإمامة والخطبة والفتيا بعد صلاة الجمعة بجامع الزيتونة، ولازم القيام بالخطط المذكورة مثل شيخه إلى أن بلغ من العمر إلى مائة وثلاث سنين. وكان يلقب شيخ الإسلام. وتوفي في الخامس عشر من ذي القعدة الحرام سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة ودفن بالزلاج.
٩ وولي في الخطط المذكورة عوضه قاضي الجماعة (الشيخ أبو القاسم القسنطيني) وولي يومئذٍ الشيخ عمر القلشاني خطبة جامع التوفيق والفتيا به عوض قاضي الجماعة. وأما مدرسة ابن تافراجين فقد وليها بعد البرزلي الشيخ محمد بن عصفور وأقام القاضي القسنطيني على الخطط المذكورة مع خطة القضاء إلى أن ضرب بمغروس وهو على سجادته عند باب البهور بعد سلامه من صلاة الصبح يوم الأربعاء السابع عشر من صفر الخير سنة ست وأربعين وثمانمائة. وقتل ضاربه في الحين تحت صومعة الجامع، ورفع الشيخ إلى داره فكتب وصيته ومات في الليلة القابلة ودفن هت الغد بالزلاج.
١٠ وتقدم عوضه (الشيخ عمر بن محمد بن عبد الله القلشاني الباجي) شارح الطوالع ومختصر ابن الحاجب نولي خطة قضاء الجماعة وخطبة جامع الزيتونة والفتيا به بعد صلاة الجمعة. وأما إمامة الخمس فوليها الشيخ محمد بن عمر المسراتي القروي خطاب جامع القصبة. وتنقلت خطبة جامع التوفيق والفتيا به بعد صلاة الجامعة من الشيخ القلشاني إلى الشيخ محمد بن عقاب.
ولازم الشيخ عمر القلشاني القيام بالخطط المذكورة إلى أن بلغ من العمر أربعاً وسبعين سنة وأصيب بالوباء، وطال به مرضه المتصل بوفاته ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من شهر رمضان سنة سبع وأربعين وثمانمائة ودفن بالزلاج.
١١ وتقدم عوضه خطيباً بجامع الزيتونة (الشيخ محمد المسراتي) وأما فتيا الجامع وقضاء الجماعة فوليهما الشيخ محمد بن عقاب مع خطبة جامع القصبة.
وتوفي الشيخ محمد المسراتي يوم الجمعة الثامن عشر من شوال سنة خمسين وثمانمائة ودفن من الغد بالزلاج.
١٢ وتقدم عوضه للإمامة والخطبة قاضي الجماعة (الشيخ محمد بن محمد بن عقاب) فاجتمعت لديه الخطط الثلاث مع خطة القضاء. وتنقلت خطبة جامع القصبة مع التدريس بالمدرسة التوفيقية إلى الشيخ أحمد بن محمد القلشاني. وتوفي الإمام ابن عقاب بعد العشاء من ليلة الاثنين السابع عشر من جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين وثمانمائة. ودفن من الغد بجبل المنار بجبانة سيدي أبي سعيد الباجي.
١٣
стр. 38
وتقدم عوضه للإمامة والخطبة بجامع الزيتونة (الشيخ محمد بن أبي بكر الونشريسي) . وأما الفتيا بعد صلاة الجمعة فوليها قاضي الأنْكحة الشيخ محمد البحيري خطيب جامع أبي محمد بباب السويقة في الثامن من المحرم سنة اثنتين وخمسين فكان يصلي الجمعة بجامع أبي محمد ويأتي للفتوى بجامع الزيتونة. وقد توفي الإمام الونشريسي عند العصر من يوم الأربعاء خامس ربيع الثاني سنة ثلاث وخمسين ودفن من الغد بالزلاج.
١٤ وتقدم عوضه للخطبة (الشيخ محمد البحيري) يوم الجمعة سابع الشهر المذكور مع الفتيا به بعد صلاة الجمعة. وأما إمامة الخمس فوليها الشيخ أبو الحسن بن محمد اللحيائي ومات الخطيب البحيري عشية الاثنين خامس ذي القعدة الحرام سنة ثمان وخمسين ودفن من الغد بالزلاج.
١٥ وولي عوضه في الخطبة والفتيا بعد صلاة الجمعة (الشيخ أحمد بن محمد القلشانى) مع مشيخة المدرسة الشماعية منتصف رجب وهو شارح المدونة ومختصر أبن الحاجب والرسالة. ولما توفي إمام الخمس اللحياني تقدم عوضه خليفة الشيخ أبو الحسن الجباس. ومات في الثامن والعشرين من المحرم الحرام سنة إحدى وستين.
وتقدم عوضه خليفة لإقامة الخمس بجامع الزيتونة الشيخ أحمد بن عمر المسراتي أوائل صفر. وتنقلت منه خطبة جامع أبى محمد والفتيا به إلى قاضي الأنكحة الشيخ أحمد القسنطيني، ولم تزل فتيا جامع الزيتونة وخطبته بيد الشيخ أحمد القلشاني إلى أن توفي عند غروب شمس يوم الأحد ثامن شعبان سنة ثلاث وستيى وثمانمائة ودفن من الغد بالزلاج. وبعد وفاته لعشرة أيام خرج السلطان بمحلته ثم أرسل لتأخير الشيخ أحمد القسنطيني مر قضاء الأنكحة وخطبة جامع م بي محمد والفتيا به.
١٦ ومن الغد تقدم الشيخ أحمد بن عمر المسراتي إلى خطبة جامع الزيتونة مع الإمامة، وتقدم قاضي الجماعة الشيخ محمد بن عمر القلشاني خطيبا بجامع القصبة ومفتياً بعد صلاة الجمعة بجامع الزيتونة، وتقدم الشيخ محمد الزنديوي للخطبة والفتيا بجامع التوفيق ومشيخة المدرسة الشماعية وتقدم الشيخ محمد الغافقي للخطبة والفتيا بجامع باب الجزيرة ومشيخة مدرسة ابن تافراجين. واستقرت إمامة جامع الزيتونة وخطبته بيد الشيخ أحمد المسراتي. وهو الذي صفى على جنازة الغوث الشيخ سيدي أحمد بن عروس ﵁ ثاني صفر الخير سنة ثمان وستين وتوفي الإمام المسراتي سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة.
١٧ وتقدم عوضه قاضي الجماعة (الشيخ محمد القلشاني) فجمع بين الخطط الأربع وهي القضاء وفتيا جامع الزيتونة والخطبة والإمامة إلى أن أقعده المرض أواسط صفر سنة ست وثمانين.
١٨ ولما توفي تقدم عوضه للخطط المذكورة (الشيخ محمد بن بلقاسم الرصاع الأنصاري) شارح حدود ابن عرفة، ثم تخلى عن القضاء. ولازم القيام بوظائف جامع الزيتونة إلى أن توفي سنة أربع وتسعين وثمانمائة.
١٩ فولي عوضه (الشيخ محمد بن محمد بن عصفور) وهو حفيد الأستاذ النحوي أبي الحسن علي بن موسى الحضرمي الملقب بابن عصفور الإشبيلي. ولد بإشبيلية سنة سبع وتسعين وخمسمائة. وتوفي بتونس ليلة الأحد الخامس والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة تسع وستين وستمائة. ودفن بمقبرة ابن مهنى قرب جبانة ابن نفيس. وقد تقدم حفيده أبو عبد الله محمد بن عصفور إلى ولاية نظارة الأحباس خامس شعبان سنة ثمان وخمسين وثمانمائة غير أنه صرف منها بولاية الشيخ محمد البيدموري أواخر سنة إحدى وستين وسبعمائة. وتوفي محمد بن عصفور في صفر سنة اثنتين وستين. وتقدم ولده محمد إلى مشيخة مدرسة ابن تافراجين ثم إلى الخطبة والإمامة بجامع الزيتونة بعد وفاة إمامه الأنصاري ولازم ذلك إلى أن توفي سنة أريع وتسعمائة.
٢٠ وجميع هؤلاء الأيمة ملأ ذكرهم سائر تواريخ البلاد فنشرت من تراجمهم وحسن أخبارهم في العلم والفضل ما اشتهر به فضلهم، ولذلك اقتصرت على مجرد تواريخ ولاياتهم ووفياتهم غير أنه بعد ذلك توالت على البلاد طواعين والتاثت أمور السلطنة ولم يوجد في البلاد من يؤرخ رجالها، ولذلك لم نقف على خبر للمتولين خطة الإمامة إلى أن وليها الشيخ محمد بن إبراهيم الأندلسي الأنصاري فكان هو القائم بإمامة جامع الزيتونة سنة سبعين وتسعمائة.
٢١
стр. 39
ثم وليها (الشيخ أبو الفضل بن أبي القاسم البرشكي) حفيد قاضي الجماعة إلى أن توفي سنة اثنتين وتسعين وتسعمائة.
٢٢ ثم وليها (الشيخ محمد بن سلامة) الفقيه المفسر الواعظ إلى أن توفي في جمادى الثانية سنة ثلاث وتسعين وتسعمائة.
٢٣ ثم وليها (الشيخ محمد الأندلسي) الأستاذ النحوي تلميذ العيسي ولازمها إلى أن توفي سنة سبع عشرة وألف.
٢٤ وولي (الشيخ أبو يحيى بن قاسم الرصاع الأنصاري) خطيباً وإماماً بجامع الزيتونة بعد أن استقال من الفتيا ولازم القيام بإمامة الجامع أكثر من سبع عشرة سنة. ولما مرض قيل له: هل يصلح ابنك للإمامة؟ وكان صغير السن بين يديه قال: لا، فقيل له: هل يصلح الشيخ محمد براو؟. وكان إماماً في العربية فقال: يصلح لها إلا أن أهل المدينة يأنفون منه لكونه ليس منهم، فقيل له: والشيخ محمد الغماد؟ فقال: جوهرة عليها الران. فقيل له: والشيخ محمد تاج العارفين؟ فقال: جوهرة ما مستها يدان. وتوفي الإمام الرصاع يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ذي الحجة الحرام سنة ثلاث وثلاثين وألف.
٢٥ وتقدم عوضه (الشيني محمد تاج العارفين البكري) ، واستمرت الإمامة في بيته بين بنيه مائة وثلاثاً وتسعين سنة. وفي أثنائهم كان مبدأ الدولة الحسينية خلد الله عزها، ولذلك نذكر هنا الآيمة من عهد المقدس حسين بن علي تركي إلى الآن على شرطنا السابق فنقول وبالته نستعين: الشيخ علي البكري هو الشيخ أبو الحسن علي بن أبي بكر بن محمد تاج العارفين بن أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر الأموي رابع من تقدم لخطة الإمامة الكئرى بجامع الزيتونة من السادة البكريين ﵃ أجمعين وحسبه بذلك فخراً. ورث الفضائل كابراً عن كابر، ملئت بمفاخرهم الصحف والدفاتر. من ذرية الخليفة الثالث جامع القرآن، عثمان بن عفان- ﵁ فهم عفانيون وجدهم الذي ينتسبون إليه هو (الشيخ أبو بكر) دفين المنيهلة من غابة تونس وثروتهم أشهر من أن تذكر لسعة أوقاف بيتهم. قيل: إن هناشير أوقافهم خاصة بلغت مائة هنشير وهنشيراً عدا العقارات، كلها هم المختصون بعشر زكاتها ليس للدولة معهم شيء منه.
وكان والد الشيخ تاج العارفين من أهل الله الكرماء ونشأ ولده (الشيخ محمد تاج العارفين البكري العفاني) إماماً في العلم والصلاح، وتقدم لإمامة جامع الزيتونة في الثالث والعشرين من ذي الحجة الحرام سنة ثلاث وثلاثين وألف بإشارة أستاذه الإمام من قبله الشيخ أبي يحيى الرصاع، وقام بالإمامة والخطبة وزان المحراب والمنبر بعلمه وعمله. قيل: إنه لم يخطب على منبر جامع الزيتونة من إنشاء غيره ولم يكرر خطبة قط، مع ما فيه من المعرفة بالته ﷻ وفصاحة اللسان وثبات الجنان، ومع ذلك له من الحزم والدراية ما ليس لغيره، ولذلك لما وقعت المشاغبة بين تونس والجزائر واشتد القتال بين العسكرين في واقعة عام الشطار في شهر رمضان سنة سبع وثلاثين وألف خرج الشيخ محمد تاج العارفين ومعه ولي الله الشيخ إبراهيم الجديدي والشيخ عبد النبي خطيب جامع القصر ومن معهم لعقد الصلح بين الفريقين وتعيين الحدود، فكاد الحد الذي تعين بين المملكتين هو وادي سراط بحيث أن غربيه للجزائر وشرقيه لتونس. وكتب رسم التحديد لشهادة المفتي المالكي الشيخ قاسم البرشكي والشيخ محمد بن أبي الربيع الحنفي ورمضان أفندي خطيب الجامع اليوسفي وعلي آغة كرسي الجزائر ورجع الشيخ محمد تاج العارفين بإتمام الصلح وقرار الراحة.
وهو زينة جامع الزيتونة يومئذ يقرىء صحيح البخاري دراية ودروساً في علوم الدين وله في النثر يد، ورأيت هن إنشاءاته مراسلة أرسلها من قصر جابر مكاتباً بها صديقه الشيخ عبد الكريم الفكون وهذا نصها:
стр. 40
الحمد لله الذي أطلع شمس الطلعة الفكونية من الأفق المغربي ويا عجباً من طلوعها أماناً للعالم، وجمع فيها ما افترق من شتات العلوم في كل نحرير عالِم، وأزاح بها سحب الإشكال، وأراح بها من سحب الجهالة المخدرة لوجوه المعاني والأشكال، وقيد شوارد العلوم، وقرت بها على طريقة التحقيق بين المعوق والمفهوم، أحمده حمد من ركب إليه في استصواب الصواب، وأشكره شكر من علم أن شكره سبحانه هو غاية المرغوب والثواب. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبد محقق في إيمانه، مخلص في عرفانه وإيقانه، ونشهد أن سيدنا ومولانا محمداً عبده ورسوله الذي أوتي من الكلم جوامعه، وعُمِّر به من كل سبيل صوامعه وجوامعه، الفهم صل وسلم عليه وعلى آله أولي الجد والتحقيق، وصحبه خير صحب وأكثر فريق، ما ذر شاردتي وأشرق غارب، وسكب هاطل وهطل ساكب.
وبعد فسلام يسابق النسيم، ويجاري برقته نفاسة التسنيم، يصافح الروض فيكتسب من بشره، ويفاوح الأزهار فلا تجد أذكى من نشره، يسترقُ العنبر من عبيره، ويسترق المسك لفوته عنه في كثرة الشم وتكويره، كما قلت:
أهدي إليك سلاماً ... يفاوح الندَّ نشره
يلقاك من كل فج ... إذا تلقاك بشره
أهديه إلى السيد الفقيه، العالم العلم النزيه، النحرير المتفنن الوجيه، من لنا إلى حبه ركون، سيدي عبد الكريم الفكون، كان الله له في الحركات والسكون، آمين.
هذا واعلم أيها الصديق الحميم، أذاقنا الله وإياك برد الرضا والتسليم، أني رقمته والخجل في الوجنات يبدي حمرته، والوجل يظهر تارة صفرته، في منزل به خيام المَحَال، أسأل الله أن يجعل الإسعاد بها لا من المحال.
وقد تفاءلنا باسمه جابر، وقد طاب منه مشربه الرائق الزاهر، منزل جبر الله فيه القلوب، وشر الله فيه كل مرغوب ومطلوب، من إصلاح الله سبحانه بين عباده، ورد سيف المعاند والكائد في أغماده، أوجب الله لكم السعادة، وشمر لكم أسباب الحسنى وزيادة، وأن السيد الفقيه، المشارك الوجيه، سيدي أبا العباس أحمد بن الحاجّة، جعل الله حسناته في أسواق القبول رائجة، هو ومن معه من السادات الفقهاء الأعيان شنفوا أسماع الفقير، بما لا يسعه وضع لسان القلم وإملائه على التطريس والتسطير من محاسن أخباركم التي راءت لنا منهم بكل وجه جميل، وكرروا علينا عائدها في البردين والمقيل. ولقد قلت في ذلك: [الطويل]
شغفت بكم لما تشنف مسمعي ... وعشق الفتى بالسمع مرتبة أخرى
لا جرم كاتبناكم وأيدي الشوق تتلقف حبات القلوب، وقد شبّ عمرها عن الطوق، وكفى أن عَلِمَ ذلك علاَّمُ الغيوب. وأعلمكم أني لا أنساكم من الدعا، كما أني أطلب ذلك منكم لاسيما بإصلاح الوعا، فإن الدعاء بظهر الغيب مستجاب، والتحابُّ في الله في هذا الزمان الصعب من العجب العجاب. ولا تنْسنا من مكاتبتكم مع الواردين، كما أنها ترد إليكم منا مع الصادرين. سقاكم الله رحيق الوداد في كاسات الإخلاص، وأورد صحائفكم مبيضة الوجوه مع زمرة صحائف أهل الاختصاص، ومن معنا من الجماعة وهم: سيدي محمد العامري، وسيدي علي الشرفي، وسيدي محمد الأندلسي، وسيدي الحاج عون الله، يُهدون إليكم أطيب السلام، ويخصونكم بالتحية والإكرام، ويطلبون دعواتكم، في خلواتكم وجلواتكم، ومعاد عليكم منا ورحمة الله وبركاته.
رقَّمه بأنامل التقصير، العبد العاجز الفقير، المذنب الجاني، محمد تاج العارفين العثماني. لطف الله تعالى به بمنه. بتاريخ أوائل ذي القعدة الحرام عام سبعة وثلاثين وألف بقصر جابر. جبر الله صدع قلوبنا، وغفر عظيم ذنوبنا، وجعل استعدادنا لمعاده ووفر دواعينا فيما ينجينا ويقربنا منه زلفى بمنه ورحمته. وصفى الله على مسكة الختام، ولَبِنة التمام، سيدنا ومولانا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام ١٠ هـ.
٢٦ [الشيخ أبو بكر البكري] وبعد وفاة تاج العارفين تقدم لخطة الإمامة والخطبة ورواية الحديث بجامع الزيتونة ولده (الشيخ أبو بكر) وكان من رجال العلم والدين جلس لإقراء صحيح البخاري دراية بجامع الزيتونة وعمره سبع عشرة سنة وحضر درسه جميع علماء ذلك العصر عدا والده، فرأوا آية كبرى، وجزموا لأن ذلك كان بعناية ربانية زيادة على علمه وكانت أمه ابنة الشيخ أبي الغيث القشاش ومن بيتها انجر غالب أوقاف البكريين.
следующие страницы →