المشتهرون بالتفسير من الصحابة
اشتهر بالتفسير جماعة من الصحابة، ذكر السيوطي منهم:
الخلفاء الأربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً ﵃، إلا أن الرواية عن الثلاثة الأولين لم تكن كثيرة؛ لانشغالهم بالخلافة، وقلة الحاجة إلى النقل في ذلك لكثرة العالمين بالتفسير.
ومن المشتهرين بالتفسير من الصحابة أيضاً: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، فلنترجم لحياة علي بن أبي طالب مع هذين ﵃
١ - علي بن أبي طالب:
هو ابن عم الرسول ﷺ ، وزوج ابنته فاطمة ﵁ وعنها، وأول من آمن به من قرابته، اشتهر بهذا الاسم وكنيته أبو الحسن، وأبو تراب
ولد قبل بعثة النبي ﷺ بعشر سنين، وتربى في حِجْر النبي ﷺ ، وشهد معه المشاهد كلها، وكان صاحب اللواء في معظمها، ولم يتخلف إلا في غزوة تبوك، خلفه النبي ﷺ في أهله، وقال له: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي" (١)، نقل له من المناقب والفضائل
стр. 37
ما لم ينقل لغيره، وهلك به طائفتان: النواصب الذين نصبوا له العداوة، وحاولوا إخفاء مناقبه، والروافض الذين بالغوا فيما زعموه من حبه، وأحدثوا له من المناقب التي وضعوها ما هو في غنى عنه، بل هو عند التأمل من المثالب
اشتهر ﵁ بالشجاعة والذكاء مع العلم والزكاء حتى كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يتعوذ من معضلة ليس لها أبو حسن، ومن أمثلة النحويين: قضية ولا أبا حسن لها، وروي عن علي أنه كان يقول: سلوني سلوني وسلوني عن كتاب الله تعالى، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أَنَزَلت بليل أو نهار، وقال ابن عباس ﵄: إذا جاءنا الثبت عن علي لم نعدل به، وروى عنه أنه قال: ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب كان أحد أهل الشورى الذين رشحهم عمر ﵁ لتعيين الخليفة، فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف فأبى إلا بشروط لم يقبل بعضها، ثم بايع عثمان فبايعه علي والناس، ثم بويع بالخلافة بعد عثمان حتى قتل شهيداً في الكوفة ليلة السابع عشر من رمضان، سنة أربعين من الهجرة ﵁.
٢ - عبد الله بن مسعود:
هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، وأُمه أُمُّ عَبْدٍ كان ينسب إليها أحياناً (١)، وكان من السابقين الأولين في الإِسلام، وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً، وما بعدها من المشاهد
تلقى من النبي ﷺ بضعاً وسبعين سورة من القرآن، وقال له
стр. 38
النبي ﷺ في أول الإِسلام: "إنك لغلام مُعَلَّم" (١)، وقال: "من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أُم عَبْد" (٢)، وفي "صحيح البخاري" (٣) أن ابن مسعود ﵁ قال: لقد علم أصحاب رسول الله أني من أعلمهم بكتاب الله، وقال: والله الذي لا إله غيره ما أُنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أُنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن أُنزلت، ولو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإِبل لركبتُ إليه، وكان ممن خَدَم النبي ﷺ فكان صاحبُ نعليه وطهوره ووساده حتى قال أبو موسى الأشعري: قدمت أنا وأخي من اليمن فمكثنا حيناً ما نرى إلا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبي ﷺ لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبي ﷺ (٤)، ومن أجل ملازمته النبي ﷺ تأثر به وبهديه، حتى قال فيه حذيفة: ما أَعرف أحداً أقرب هدياً وسمتاً ودلّاً بالنبي ﷺ من ابن أُم عَبْد (٥).
стр. 39
بعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة؛ ليعلمهم أُمور دينهم، وبعث عماراً أميراً وقال: إنهما من النجباء من أصحاب محمد ﷺ ، فاقتدوا بهما، ثم أمَّرهُ عثمان على الكوفة، ثم عزله، وأَمَرَهُ بالرجوع إلى المدينة، فتوفي فيها سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع وهو ابن بضع وسبعين سنة.
٣ - عبد الله بن عباس:
هو ابن عم رسول الله ولد قبل الهجرة بثلاث سنين لازم النبي ﷺ لأنه ابن عمه، وخالته ميمونة تحت النبي ﷺ ، وضمه النبي ﷺ إلى صدره وقال: اللهم علِّمه الحكمة، وفي رواية: الكتاب (١)، وقال له حين وضع له وضوءه: اللهم فَقِّههُ في الدين (٢)، فكان بهذا الدعاء المبارك َحِبْرَ الأمة في نشر التفسير والفقه، حيث وفقه الله تعالى للحرص على العلم والجد في طلبه والصبر على تلقيه وبذله، فنال بذلك مكاناً عالياً حتى كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يدعوه إلى مَجَالِسه ويأخذ بقوله، فقال المهاجرون: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟! فقال لهم: ذاكم فتى الكهول له لسان سؤول وقلب عقول، ثم دعاهم ذات يوم فأدخله معهم ليريهم منه ما رآه، فقال عمر: ما تقولون في قول الله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) (النصر: ١).
حتى ختم السورة، فقال بعضهم: أُمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا فتح علينا، وسكت بعضهم، فقال عمر لابن عباس: أكذلك
стр. 40
تقول؟ قال: لا، قال: فما تقول؟ قال: هو أجل رسول الله، أعلمه الله له إذا جاء نصر الله، والفتح فتح مكة، فذلك علامة أجلك فسبح بحمد ربك، واستغفره إنه كان تواباً، قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم، وقال ابن مسعود ﵁: لَنِعْمَ تُرجُمان القرآن ابن عباس، لو أدرك أسناننا ما عاشره منا أحد، أي ما كان نظيراً له، هذا مع أن ابن عباس عاش بعده ستًّا وثلاثين سنة، فما ظنك بما اكتسب بعده من العلم
وقال ابن عمر لسائل سأله عن آية: انطلق إلى ابن عباس فاسأله فإنه أعلم من بقي بما أُنزل على محمد ﷺ ، وقال عطاء: ما رأيت قط أكرم من مجلس ابن عباس فقهاً وأعظم خشية، إنَّ أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشِّعر عنده، يصدرهم كلهم من وادٍ واسع.
وقال أبو وائل: خطبنا ابن عباس وهو على الموسم (أي والٍ على موسم الحج من عثمان ﵁ فافتتح سورة النور فجعل يقرأ ويفسر، فجعلت أقول ما رأيت، ولا سمعت كلام رجلٍ مثله، ولو سمعته فارس والروم والترك لأسلمت، ولَّاه عثمان على موسم الحج سنة خمس وثلاثين وولاه علي على البصرة فلمَّا قتل مضى إلى الحجاز، فأقام في مكة، ثم خرج منها إلى الطائف فمات فيها سنة ثمانٍ وستين عن إحدى وسبعين سنة.
المشتهرون بالتفسير من التابعين
اشتهر بالتفسير من التابعين كثيرون فمنهم:
أ -أهل مكة وهم أتباع ابن عباس كمجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح
стр. 41
ب -أهل المدينة وهم أتباع أُبي بن كعب، كزيد بن أسلم وأَبي العالية ومحمد ﷺ بن كعب القرظي
جـ -أهل الكوفة وهم أتباع ابن مسعود، كقتادة وعلقمة والشعبي.
فلنترجم لحياة اثنين من هؤلاء: مجاهد وقتادة
١ - مجاهد:
هو مجاهد بن جبر المكي مولى السائب بن أبي السائب المخزومي ولد سنة إحدى وعشرين من الهجرة، وأخذ تفسير القرآن عن ابن عباس ﵄، روى ابن إسحاق عنه أنه قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أُوقفه عند كل آية وأسأله عنها، وكان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، واعتمد تفسيره الشافعي والبخاري وكان كثيراً ما ينقل عنه في "صحيحه"، وقال الذهبي في آخر ترجمته: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به، توفي في مكة وهو ساجد سنة أربع ومئة، عن ثلاث وثمانين سنة
٢ - قتادة:
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري ولد أكمه أي أعمى سنة إحدى وستين، وَجَدَّ في طلب العلم، وكان له حافظة قوية حتى قال عن نفسه: ما قلت لمحدث قط أَعد لي، وما سمعت أُذناي شيئاً قط إلا وعاه قلبي، وذكره الإِمام أحمد فأطنب في ذكره فجعل ينشر من علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير ووصفه بالحفظ والفقه، وقال: قلَّما تجد من يتقدمه أما المِثْل فلعل، وقال: هو أَحفظُ أَهل البصرة، لم يسمع شيئاً إلا
стр. 42
حفظه، وتوفي في واسط سنة سبع عشرة ومئة، عن ست وخمسين سنة.
* * *
стр. 43
* القرآن محكم ومتشابه
يتنوع القرآن الكريم باعتبار الإحكام والتشابه إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: الإِحكام العام الذي وصف به القرآن كله، مثل قوله تعالى: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (هود: ١)، وقوله: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) (يونس: ١) وقوله: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الزخرف: ٤)
ومعنى هذا الإِحكام الإِتقان والجودة في ألفاظه ومعانيه فهو في غاية الفصاحة والبلاغة، أخباره كلها صدق نافعة، ليس فيها كذب، ولا تناقض، ولا لغو لا خير فيه، وأحكامه كلُّها عدل، وحكمه ليس فيها جور ولا تعارض ولا حكم سفيه.
النوع الثاني: التشابه العام الذي وصف به القرآن كله، مثل قوله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) (الزمر: ٢٣)
ومعنى هذا التشابه، أن القرآن كله يشبه بعضه بعضاً في الكمال والجودة والغايات الحميدة) وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء: الآية ٨٢).
النوع الثالث: الإِحكام الخاص ببعضه، والتشابه الخاص ببعضه، مثل قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ
стр. 44
هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (آل عمران: ٧).
ومعنى هذا الإحكام أن يكون معنى الآية واضحاً جلياً، لا خفاء فيه، مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات: الآية ١٣ وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: ٢١).
وقوله: ﴿واحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥]،) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) (المائدة: الآية ٣ وأمثال ذلك كثيرة.
ومعنى هذا التشابه: أن يكون معنى الآية مشتبهاً خفيًّا بحيث يتوهم منه الواهم ما لا يليق بالله تعالى، أو كتابه أو رسوله، ويفهم منه العالم الراسخ في العلم خلاف ذلك.
مثاله: فيما يتعلق بالله تعالى، أن يتوهم واهم من قوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ [المائدة: ٦٤] أن لله يدين مماثلتين لأيدي المخلوقين.
ومثاله فيما يتعلق بكتاب الله تعالى، أن يتوهم واهم تناقض القرآن وتكذيب بعضه بعضاً حين يقول: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) (النساء: الآية ٧٩﴾، ويقول في موضع آخر: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) (النساء: الآية ٧٨)
ومثاله فيما يتعلق برسول الله، أن يتوهم واهم من قوله
стр. 45
تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (يونس: ٩٤) ظاهره أن النبي ﷺ كان شاكًّا فيما أنزل إليه.
موقف الراسخين في العلم والزائغين من المتشابه
إن موقف الراسخين في العلم من المتشابه وموقف الزائغين منه بينه الله تعالى فقال في الزائغين: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) (آل عمران: الآية ٧)، وقال في الراسخين في العلم: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) (آل عمران: الآية ٧) فالزائغون يتخذون من هذه الآيات المشتبهات وسيلة للطعن في كتاب الله، وفتنة الناس عنه، وتأويله لغير ما أراد الله تعالى به، فَيضِلون، ويُضِلونَ.
وأما الراسخون في العلم، فيؤمنون بأن ما جاء في كتاب الله تعالى فهو حق، وليس فيه اختلاف، ولا تناقض؛ لأنه من عند الله: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء: الآية ٨٢) وما جاء مشتبهاً ردوه إلى المحكم؛ ليكون الجميع محكماً.
ويقولون في المثال الأول: إن لله تعالى يدين حقيقيتين على ما يليق بجلاله وعظمته، لا تماثلان أيدي المخلوقين، كما أن له ذاتاً لا تماثل ذوات المخلوقين؛ لأن الله تعالى يقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: الآية ١١).
ويقولون في المثال الثاني: إن الحسنة والسيئة كلتاهما بتقدير الله، لكن الحسنة سببها التفضل من الله تعالى
стр. 46
على عباده، أما السيئة فسببها فعل العبد كما قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى: ٣٠) فإضافة السيئة إلى العبد من إضافة الشيء إلى سببه، لا من إضافته إلى مُقَدِّره، أما إضافة الحسنة والسيئة إلى الله تعالى فمن باب إضافة الشيء إلى مقدره، وبهذا يزول ما يوهم الاختلاف بين الآيتين لانفكاك الجهة
ويقولون في المثال الثالث: إن النبي ﷺ لم يقع منه شكٌّ فيما أنزل إليه، بل هو أعلم الناس به، وأقواهم يقيناً كما قال الله تعالى في نفس السورة: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) (يونس: الآية ١٠٤)، المعنى إن كنتم في شكٍّ منه فأنا على يقين منه، ولهذا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، بل أكفر بهم وأعبد الله.
ولا يلزم من قوله: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ) (يونس: الآية ٩٤) أن يكون الشكُّ جائزاً على الرسول ﷺ ، أو واقعاً منه ألا ترى قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) (الزخرف: ٨١) هل يلزم منه أن يكون الولد جائزاً على الله تعالى أو حاصلاً؟ كلَّا، فهذا لم يكنْ حاصلاً، ولا جائزاً على الله تعالى، قال الله تعالى: (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً) (مريم: ٩٢)) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً) (مريم: ٩٣)
ولا يلزم من قوله تعالى: (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (البقرة: الآية ١٤٧) أن يكون الامتراء واقعاً من الرسول ﷺ ؛ لأن النهي عن الشيء قد يوجه إلى من لم يقع منه ألا ترى قوله تعالى: (وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا
стр. 47
تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (القصص: ٨٧) ومن المعلوم أنهم لم يصدُّوا النبي ﷺ عن آيات الله، وأن النبي ﷺ لم يقع منه شرك والغرض من توجيه النهي إلى من لا يقع منه: التنديد بمن وقع منهم والتحذير من منهاجهم، وبهذا يزول الاشتباه، وظن ما لا يليق بالرسول ﷺ .
أنواع التشابه في القرآن
التشابه الواقع في القرآن نوعان:
أحدهما: حقيقي وهو ما لا يمكن أن يعلمه البشر كحقائق صفات الله ، فإننا وإن كنا نعلم معاني هذه الصفات، لكننا لا ندرك حقائقها، وكيفيتها لقوله تعالى: (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) (طه: الآية ١١٠) وقوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام: ١٠٣) ولهذا لما سُئِل الإِمام مالك رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه: ٥) كيف استوى قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإِيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهذا النوع لا يسأل عن استكشافه لتعذر الوصول إليه.
النوع الثاني: نسبي وهو ما يكون مشتبهاً على بعض الناس دون بعض، فيكون معلوماً للراسخين في العلم دون غيرهم، وهذا النوع يسأل عن استكشافه وبيانه؛ لإِمكان الوصول إليه، إذ لا يوجد في القرآن شيء لا يتبين معناه لأحد من الناس، قال الله تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: ١٣٨)، وقال: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء) (النحل: الآية ٨٩)، وقال:
стр. 48
(فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) (القيامة: ١٨) (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (القيامة: ١٩)، وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) (النساء: ١٧٤).
وأمثلة هذا النوع كثيرة منها قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: الآية ١١) حيث اشتبه على أهل التعطيل، ففهموا منه انتفاء الصفات عن الله تعالى، وادَّعوا أن ثبوتها يستلزم المماثلة، وأعرضوا عن الآيات الكثيرة الدالة على ثبوت الصفات له، وأن إثبات أصل المعنى لا يستلزم المماثلة.
ومنها قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (النساء: ٩٣) حيث اشتبه على الوعيدية، ففهموا منه أن قاتل المؤمن عمداً مخلد في النار، وطردوا ذلك في جميع أصحاب الكبائر، وأعرضوا عن الآيات الدالة على أن كل ذنب دون الشرك فهو تحت مشيئة الله تعالى.
ومنها قوله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحج: ٧٠) حيث اشتبه على الجبرية، ففهموا منه أن العبد مجبور على عمله، وادعوا أنه ليس له إرادة ولا قدرة عليه، وأعرضوا عن الآيات الدالة على أن للعبد إرادة وقدرة، وأن فعل العبد نوعان: اختياري، وغير اختياري.
والراسخون في العلم أصحاب العقول، يعرفون كيف يخرجون هذه الآيات المتشابهة إلى معنى يتلاءم مع الآيات الأخرى، فيبقى القرآن كله محكماً لا اشتباه فيه.
стр. 49
الحكمة في تنوع القرآن إلى محكم ومتشابه
لو كان القرآنُ كلُّه محكماً لفاتت الحكمة من الاختبار به تصديقاً وعملاً لظهور معناه، وعدم المجال لتحريفه، والتمسك بالمتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ولو كان كلُّه متشابهاً لفات كونه بياناً، وهدى للناس، ولما أمكن العمل به، وبناء العقيدة السليمة عليه، ولكن الله تعالى بحكمته جعل منه آيات محكمات، يرجع إليهن عند التشابه، وأُخر متشابهات امتحاناً للعباد؛ ليتبين صادق الإِيمان ممن في قلبه زيغ، فإن صادق الإِيمان يعلم أن القرآن كله من عند الله تعالى، وما كان من عند الله فهو حق، ولا يمكن أن يكون فيه باطل، أو تناقض لقوله تعالى: (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: ٤٢) وقوله: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء: الآية ٨٢)
وأما من في قلبه زيغ، فيتخذ من المتشابه سبيلاً إلى تحريف المحكم واتباع الهوى في التشكيك في الأخبار والاستكبار عن الأحكام، ولهذا تجد كثيراً من المنحرفين في العقائد والأعمال، يحتجون على انحرافهم بهذه الآيات المتشابهة
* * *
стр. 50
* موهم التعارض في القرآن
التعارض في القرآن أن تتقابل آيتان، بحيث يمنع مدلول إحداهما مدلول الأخرى، مثل أن تكون إحداهما مثبتة لشيء والأخرى نافية له.
ولا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين مدلولهما خبري، لأنه يلزم كون إحداهما كذباً، وهو مستحيل في أخبار الله تعالى، قال الله تعالى: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) (النساء: الآية ٨٧) (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً) (النساء: الآية ١٢٢) ولا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين مدلولهما حُكْمِي؛ لأن الأخيرة منهما ناسخة للأولى قال الله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (البقرة: الآية ١٠٦) وإذا ثبت النسخ كان حكم الأولى غير قائم ولا معارض للأخيرة.
وإذا رأيت ما يوهم التعارض من ذلك، فحاول الجمع بينهما، فإن لم يتبين لك وجب عليك التوقف، وتكلَ الأمر إلى عالمه وقد ذكر العلماء ﵏ أمثلة كثيرة لما يوهم التعارض، بينوا الجمع في ذلك ومن أجمع ما رأيت في هذا الموضوع كتاب "دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب" للشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى.
فمن أمثلة ذلك قوله تعالى في القرآن: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة: الآية ٢)، وقوله فيه: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
стр. 51
هُدىً لِلنَّاسِ) (البقرة: الآية ١٨٥) فجعل هداية القرآن في الآية الأولى خاصة بالمتقين، وفي الثانية عامة للناس، والجمع بينهما أن الهداية في الأولى هداية التوفيق والانتفاع، والهداية في الثانية هداية التبيين والإِرشاد.
ونظير هاتين الآيتين، قوله تعالى في الرسول ﷺ : (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (القصص: الآية ٥٦)، وقوله فيه: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى: الآية ٥٢) فالأولى هداية التوفيق والثانية هداية التبيين.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ) (آل عمران: الآية ١٨)، وقوله: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَاّ اللَّهُ) (آل عمران: الآية ٦٢)، وقوله: (فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ) (الشعراء: ٢١٣) وقوله: (فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) (هود: الآية ١٠١) ففي الآيتين الأوليين نفي الألوهية عما سوى الله تعالى وفي الأخريين إثبات الألوهية لغيره.
والجمع بين ذلك أن الألوهية الخاصة بالله هي الألوهية الحق، وأن المثبتة لغيره هي الألوهية الباطلة؛ لقوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (الحج: ٦٢)
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) (الأعراف: الآية ٢٨) وقوله: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) (الاسراء: ١٦) ففي الآية الأولى نفى أن يأمر الله تعالى بالفحشاء، وظاهر الثانية أن الله تعالى يأمر بما هو فسق.
стр. 52
والجمع بينهما أن الأمر في الآية الأولى هو الأمر الشرعي، والله تعالى لا يأمر شرعاً بالفحشاء لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْي) (النحل: الآية ٩٠) والأمر في الآية الثانية هو الأمر الكوني، والله تعالى يأمر كوناً بما شاء حسب ما تقتضيه حكمته لقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس: ٨٢)
ومن رام زيادة أمثلة فليرجع إلى كتاب الشيخ الشنقيطي المشار إليه آنفاً.
* * *
стр. 53
* القسم
القَسَم: بفتح القاف والسين، اليمين، وهو: تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّم بالواو، أو إحدى أخواتها وأدواته ثلاث:
الواو - مثل قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (الذريات: ٢٣) ويحذف معها العامل وجوباً، ولا يليها إلا اسم ظاهر.
والباء - مثل قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (القيامة: ١) ويجوز معها ذكر العامل كما في هذا المثال، ويجوز حذفه كقوله تعالى عن إبليس: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (ص: ٨٢﴾ ويجوز أن يليها اسم ظاهر كما مثَّلنا، وأن يليها ضمير كما في قولك: الله ربي وبه أحلف لينصرن المؤمنين.
والتاء - مثل قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ (النحل: الآية ٥٦) ويحذف معها العامل وجوباً، ولا يليها إلا اسم الله، أو رب مثل: تربِّ الكعبة لأحجنَّ إن شاء الله
والأصل ذكر المقسم به، وهو كثير كما في المثل السابقة
وقد يحذف وحده مثل قولك: أحلف عليك لتجتهدن
وقد يحذف مع العامل وهو كثير مثل قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (التكاثر: ٨)
والأصل ذكر المقسم عليه، وهو كثير مثل قوله تعالى: (قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ) (التغابن: الآية ٧).
стр. 54
وقد يحذف جوازاً مثل قوله تعالى: ﴿(ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) (قّ: ١)
وتقديره ليهلكن.
وقد يحذف وجوباً إذا تقدمه، أو اكتنفه ما يغني عنه، قاله ابن هشام في المغني ومثَّلَ له بنحو: زيد قائم والله، وزيد والله قائم.
وللقَسَم فائدتان:
إحداهما: بيان عظمة المقسم به.
والثانية: بيان أهمية المقسم عليه، وإرادة توكيده، ولذا لا يحسن القسم إلا في الأحوال التالية:
الأولى: أن يكون المقسم عليه ذا أهمية.
الثانية: أن يكون المخاطب متردداً في شأنه.
الثالثة: أن يكون المخاطب مُنْكِراً له.
* * *
стр. 55
* القصص
القصص والقص لغة: تتبع الأثر.
وفي الاصطلاح: الإخبار عن قضية ذات مراحل، يتبع بعضها بعضاً
وقصص القرآن أصدق القصص؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) (النساء: الآية ٨٧) وذلك لتمام مطابقتها للواقع.
وأحسن القصص؛ لقوله تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف: الآية ٣) وذلك لاشتمالها على أعلى درجات الكمال في البلاغة وجلال المعنى.
وأنفع القصص، لقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَاب) (يوسف: الآية ١١١) وذلك لقوة تأثيرها في إصلاح القلوب والأعمال والأخلاق.
وهي ثلاثة أقسام:
* قسم عن الأنبياء والرسل، وما جرى لهم مع المؤمنين بهم والكافرين.
*وقسم عن أفراد وطوائف، جرى لهم ما فيه عبرة، فنقله الله تعالى عنهم، كقصة مريم، ولقمان، والذي مرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها، وذي القرنين، وقارون، وأصحاب الكهف، وأصحاب الفيل، وأصحاب الأخدود، وغير ذلك.
стр. 56
*وقسم عن حوادث وأقوام في عهد النبي ﷺ ، كقصة غزوة بدر، وأحد، والأحزاب، وبني قريظة، وبني النضير، وزيد بن حارثة، وأبي لهب، وغير ذلك.
وللقصص في القرآن حكم كثيرة عظيمة منها:
١ - بيان حكمة الله تعالى فيما تضمنته هذه القصص؛ لقوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ) (القمر: ٤)) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ) (القمر: ٥)
٢ - بيان عدله تعالى بعقوبة المكذبين؛ لقوله تعالى عن المكذبين: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّك) (هود: الآية ١٠١).
٣ - بيان فضله تعالى بمثوبة المؤمنين؛ لقوله تعالى: (إِلَاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ) (القمر: ٣٤) (نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ) (القمر: ٣٥).
٤ - تسلية النبي ﷺ عما أصابه من المكذبين له؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) (فاطر: ٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) (فاطر: ٢٦).
٥ - ترغيب المؤمنين في الإِيمان بالثبات عليه والازدياد منه، إذ علموا نجاة المؤمنين السابقين، وانتصار من أُمروا بالجهاد؛ لقوله تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الانبياء: ٨٨) وقوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ َجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الروم: ٤٧)
стр. 57
٦ - تحذير الكافرين من الاستمرار في كفرهم؛ لقوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) (محمد: ١٠)
٧ - إثبات رسالة النبي ﷺ فإن أخبار الأمم السابقة لا يعلمها إلا الله ، لقوله تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا) (هود: الآية ٤٩)، وقوله: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَاّ اللَّه) (ابراهيم: الآية ٩).
تكرار القصص
من القصص القرآنية ما لا يأتي إلا مرة واحدة، مثل قصة لقمان، وأصحاب الكهف ومنها ما يأتي متكرراً حسب ما تدعو إليه الحاجة، وتقتضيه المصلحة، ولا يكون هذا المتكرر على وجه واحد، بل يختلف في الطول والقصر واللين والشدة وذكر بعض جوانب القصة في موضع دون آخر.
ومن الحكمة في هذا التكرار:
١ - بيان أهمية تلك القصة لأن تكرارها يدل على العناية بها.
٢ - توكيد تلك القصة؛ لتثبت في قلوب الناس.
٣ - مراعاة الزمن وحال المخاطبين بها، ولهذا تجد الإِيجاز والشدة غالباً فيما أتى من القصص في السور المكية والعكس فيما أتى في السور المدنية.
٤ - بيان بلاغة القرآن في ظهور هذه القصص على هذا الوجه وذاك الوجه على ما تقتضيه الحال.
стр. 58
٥ - ظهور صدق القرآن، وأنه من عند الله تعالى، حيث تأتي هذه القصص متنوعة بدون تناقض.
* * *
стр. 59
* الإسرائيليات
الإسرائيليات: الأخبار المنقولة عن بني إسرائيل من اليهود وهو الأكثر، أو من النصارى وتنقسم هذه الأخبار إلى ثلاثة أنواع:
الأول: ما أقره الإسلام، وشهد بصدقه فهو حق.
مثاله: ما رواه البخاري وغيره عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله فقال: يا محمد، إنَّا نجد أنّ الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع فيقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر: ٦٧) (١).
الثاني: ما أنكره الإسلام وشهد بكذبه فهو باطل.
مثاله: ما رواه البخاري عن جابر ﵁ قال: كانت اليهود تقول إذا جامعها من ورائها، جاء الولد أحول؛ فنزلت: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) (البقرة: ٢٢٣) (٢).
стр. 60
الثالث: ما لم يقره الإسلام، ولم ينكره، فيجب التوقف فيه، لما رواه البخاري (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: (آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) (العنكبوت: الآية ٤٦) ولكن التحدث بهذا النوع جائز، إذا لم يخش محذور؛ لقول النبي ﷺ : "بلِّغوا عنِّي ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخاري (٢).
وغالب ما يروى عنهم من ذلك ليس بذي فائدة في الدِّين كتعيين لون كلب أصحاب الكهف ونحوه.
وأما سؤال أهل الكتاب عن شيء من أمور الدين، فإنه حرام لما رواه الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله: "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء؛ فإنهم لن يهدوكم، وقد ضلوا، فإنكم إما أن تصدقوا بباطل، أو تكذبوا بحق، وإنه لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني" (٣).
وروى البخاري (٤) عن عبد الله بن عباس ﵄
стр. 61
أنه قال: يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم ﷺ أحدث الأخبار بالله مَحضاً، لم يُشَبْ، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتاب الله، وغيروا، فكتبوا بأيديهم، قالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا بذلك ثمناً قليلاً، أو لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ فلا والله ما رأينا رجلاً منهم يسألكم عن الذي أنزل إليكم.
موقف العلماء من الإسرائيليات
اختلفت مواقف العلماء، ولا سيما المفسرون من هذه الإسرائيليات على ثلاثة أنحاء:
أ -فمنهم من أكثر منها مقرونة بأسانيدها، ورأى أنه بذكر أسانيدها خرج من عهدتها، مثل ابن جرير الطبري.
ب -ومنهم من أكثر منها، وجردها من الأسانيد غالباً، فكان حاطب ليل مثل البغوي الذي قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) عن تفسيره: إنه مختصر من الثعلبي، لكنه صانه عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة، وقال عن الثعلبي: إنه حاطب ليل ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع.
جـ -ومنهم من ذكر كثيراً منها، وتعقب البعض مما ذكره بالتضعيف أو الإنكار مثل ابن كثير.
стр. 62
د -ومنهم من بالغ في ردها، ولم يذكر منها شيئاً يجعله تفسيراً للقرآن كمحمد رشيد رضا.
* * *
стр. 63
* الضمير
الضمير لغة: من الضمور وهو الهزال لقلة حروفه أو من الإضمار وهو الإخفاء لكثرة استتاره
وفي الاصطلاح: ما كني به عن الظاهر اختصاراً وقيل: ما دل على حضور، أو غيبة لا من مادتهما
فالدال على الحضور نوعان:
أحدهما: ما وضع للمتكلم مثل: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّه) (غافر: الآية ٤٤)
الثاني: ما وضع للمخاطب مثل: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) (الفاتحة: الآية ٧)
وهذان لا يحتاجان إلى مرجع اكتفاء بدلالة الحضور عنه
والدال على الغائب، ما وضع للغائب ولا بد له من مرجع يعود عليه.
والأصل في المرجع أن يكون سابقاً على الضمير لفظاً ورتبة مطابقاً له لفظاً ومعنًى مثل: ﴿ونادى نوح ربه﴾ [هود: ٤٥].
وقد يكون مفهوماً من مادة الفعل السابق مثل: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: الآية ٨).
وقد يسبق لفظاً لا رتبة مثل: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّه) (البقرة: الآية ١٢٤)
стр. 64
وقد يسبق رتبة لا لفظاً مثل: (حمل كتابه الطالب).
وقد يكون مفهوماً من السياق مثل: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَد) (النساء: الآية ١١)، فالضمير يعود على الميت المفهوم من قوله: ﴿مما ترك﴾
وقد لا يطابق الضمير معنى مثل: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) (المؤمنون: ١٢)) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً) (المؤمنون: ١٣) فالضمير يعود على الإنسان باعتبار اللفظ؛ لأن المجعول نطفة ليس الإنسان الأول.
وإذا كان المرجع صالحاً للمفرد والجمع جازَ عَود الضمير عليه بأحدهما مثل: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً) (الطلاق: الآية ١١).
والأصل اتحاد مرجع الضمائر إذا تعددت مثل: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) (النجم: ٥) (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى) (النجم: ٦) (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى) (لنجم: ٧) (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) (النجم: ٨) (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) (النجم: ٩ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) (لنجم: ١٠) فضمائر الرفع في هذه الآيات تعود إلى شديد القوى وهو جبريل.
والأصل عود الضمير على أقرب مذكور إلا في المتضايفين فيعود على المضاف؛ لأنه المتحدث عنه مثال الأول: (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائيل) (الاسراء: الآية ٢).
ومثال الثاني: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) (ابراهيم: الآية ٣٤)
وقد يأتي على خلاف الأصل فيما سبق بدليل يدل عليه.
стр. 65
الإظهار في موضع الإضمار
الأصل أن يؤتى في مكان الضمير بالضمير لأنه أبين للمعنى وأخصر للفظ، ولهذا ناب الضمير في قوله تعالى: (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) (الأحزاب: الآية ٣٥) عن عشرين كلمة المذكورة قبله، وربما يؤتى مكان الضمير بالاسم الظاهر وهو ما يسمى (الإظهار في موضع الإضمار) وله فوائد كثيرة، تظهر بحسب السياق منها:
١ - الحكم على مرجعه بما يقتضيه الاسم الظاهر.
٢ - بيان علة الحكم.
٣ - عموم الحكم لكل متصف بما يقتضيه الاسم الظاهر.
مثال ذلك قوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة: ٩٨)، ولم يقل فإن الله عدو له، فأفاد هذا الإظهارُ:
١ - الحكم بالكفر على من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال.
٢ - أن الله عدو لهم لكفرهم.
٣ - أن كل كافر فالله عدو له.
مثال آخر: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) (لأعراف: ١٧٠)، ولم يقل إنا لا نضيع أجرهم؛ فأفاد ثلاثة أمور:
١ - الحكم بالإِصلاح للذين يمسكون الكتاب، ويقيمون الصلاة.
٢ - أن الله آجرهم لإصلاحهم.
٣ - أن كل مصلح فله أجر غير مضاع عند الله تعالى.
стр. 66
وقد يتعين الإِظهار، كما لو تقدم الضمير مرجعان، يصلح عوده إلى كل منهما والمراد أحدهما مثل: اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم وبطانة ولاة أمورهم، إذ لو قيل: وبطانتهم، لأوهمَ أن يكون المراد بطانة المسلمين.
ضمير الفصل
ضمير الفصل: حرف بصيغة ضمير الرفع المنفصل يقع بين المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين
ويكون بضمير المتكلم كقوله تعالى: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا) (طه: الآية ١٤) وقوله: (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) (الصافات: ١٦٥)
وبضمير المخاطب كقوله تعالى: (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) (المائدة: الآية ١١٧).
وبضمير الغائب كقوله تعالى: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: ١٠٤)
وله ثلاث فوائد:
الأولى: التوكيد، فإنَّ قولك: زيد هو أخوك أوكَد من قولك: زيد أخوك.
الثانية: الحصر، وهو اختصاص ما قبله بما بعده، فإن قولك: المجتهد هو الناجح يفيد. اختصاص المجتهد بالنجاح.
الثالثة: الفصل؛ أي التمييز بين كون ما بعده خبراً، أو تابعاً، فإن قولك: زيد الفاضل يحتمل أن تكون الفاضل صفة لزيد، والخبر منتظر، ويحتمل أن تكون الفاضل خبراً، فإذا قلت: زيد هو الفاضل؛ تعين أن تكون الفاضل خبراً، لوجود ضمير الفصل.
* * *
стр. 67
* الالتفات
الالتفات: تحويل أسلوب الكلام من وجه إلى آخر، وله صور منها:
١ - الالتفات من الغيبة إلى الخطاب كقوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة: ٢)
(الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (الفاتحة: ٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة: ٤) (ِإيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: ٥) [الفاتحة] فحوَّل الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله: إياك.
٢ - الالتفات من الخطاب إلى الغيبة كقوله تعالى (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بهم) (يونس: الآية ٢٢) فحوَّل الكلام من الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿وَجَرَيْنَ بهم﴾
٣ - الالتفات من الغيبة إلى التكلم، كقوله تعالى: (أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً) (المائدة: الآية ١٢) فحوَّل الكلام من الغيبة إلى التكلم في قوله ﴿وبعثنا﴾
٤ - الالتفات من التكلم إلى الغيبة، كقوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) (الكوثر: ١)) فَصَلِّ لِرَبِّكَ) (الكوثر: ٢) فحوَّل الكلام من التكلم إلى الغيبة في قوله (لربك)
وللالتفات فوائد منها:
١ - حمل المخاطب على الانتباه، لتغير وجه الأسلوب عليه
стр. 68
٢ - حمله على التفكير في المعنى، لأن تغير وجه الأسلوب، يؤدي إلى التفكير في السبب.
٣ - دفع السآمة والملل عنه، لأن بقاء الأسلوب على وجه واحد، يؤدي إلى الملل غالباً.
وهذه الفوائد عامة للالتفات في جميع صوره.
أما الفوائد الخاصة فتتعين في كل صوره، حسب ما يقتضيه المقام
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين
تم ولله الحمد رب العالمين
стр. 69
تفسير سورة الفاتحة
سورة الفاتحة سمِّيت بذلك؛ لأنه افتتح بها القرآن الكريم؛ وقد قيل: إنها أول سورة نزلت كاملة ..
هذه السورة قال العلماء: إنها تشتمل على مجمل معاني القرآن في التوحيد، والأحكام، والجزاء، وطرق بني آدم، وغير ذلك؛ ولذلك سمِّيت "أم القرآن" (١)؛ والمرجع للشيء يسمى "أُمّاً".
وهذه السورة لها مميزات تتميّز بها عن غيرها؛ منها أنها ركن في الصلوات التي هي أفضل أركان الإسلام بعد الشهادتين: فلا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب؛ ومنها أنها رقية: إذا قرئ بها على المريض شُفي بإذن الله؛ لأن النبي ﷺ (قال للذي قرأ على اللديغ، فبرئ: "وما يدريك أنها رقية" (٢) ..
стр. 70
وقد ابتدع بعض الناس اليوم في هذه السورة بدعة، فصاروا يختمون بها الدعاء، ويبتدئون بها الخُطب ويقرؤونها عند بعض المناسبات.، وهذا غلط: تجده مثلاً إذا دعا، ثم دعا قال لمن حوله: "الفاتحة"، يعني اقرؤوا الفاتحة؛ وبعض الناس يبتدئ بها في خطبه، أو في أحواله. وهذا أيضاً غلط؛ لأن العبادات مبناها على التوقيف، والاتِّباع ..
القرآن
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم)
التفسير:.
قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾: الجار والمجرور متعلق بمحذوف؛ وهذا المحذوف يقَدَّر فعلاً متأخراً مناسباً؛ فإذا قلت: "باسم الله" وأنت تريد أن تأكل؛ تقدر الفعل: "باسم الله آكل" ..
قلنا: إنه يجب أن يكون متعلقاً بمحذوف؛ لأن الجار والمجرور معمولان؛ ولا بد لكل معمول من عامل ..
وقدرناه متأخراً لفائدتين:
الفائدة الأولى: التبرك بتقديم اسم الله .
والفائدة الثانية: الحصر؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، كأنك تقول: لا آكل باسم أحد متبركاً به، ومستعيناً به، إلا باسم الله .
стр. 71
وقدرناه فعلاً؛ لأن الأصل في العمل الأفعال. وهذه يعرفها أهل النحو؛ ولهذا لا تعمل الأسماء إلا بشروط
وقدرناه مناسباً؛ لأنه أدلّ على المقصود؛ ولهذا قال الرسول ﷺ : "من لم يذبح فليذبح باسم الله" (١). أو قال ﷺ "على اسم الله" (٢): فخص الفعل ..
و ﴿الله﴾: اسم الله رب العالمين لا يسمى به غيره؛ وهو أصل الأسماء؛ ولهذا تأتي الأسماء تابعة له ..
و ﴿الرحمن﴾ أي ذو الرحمة الواسعة؛ ولهذا جاء على وزن "فَعْلان" الذي يدل على السعة ..
و ﴿الرحيم﴾ أي الموصل للرحمة من يشاء من عباده؛ ولهذا جاءت على وزن "فعيل" الدال على وقوع الفعل
فهنا رحمة هي صفته. هذه دل عليها ﴿الرحمن﴾؛ ورحمة هي فعله. أي إيصال الرحمة إلى المرحوم. دلّ عليها ﴿الرحيم﴾ ..
و ﴿الرحمن الرحيم﴾: اسمان من أسماء الله يدلان على الذات، وعلى صفة الرحمة، وعلى الأثر: أي الحكم الذي تقتضيه هذه الصفة ..
стр. 72
والرحمة التي أثبتها الله لنفسه رحمة حقيقية دلّ عليها السمع، والعقل؛ أما السمع فهو ما جاء في الكتاب، والسنّة من إثبات الرحمة لله. وهو كثير جداً؛ وأما العقل: فكل ما حصل من نعمة، أو اندفع من نقمة فهو من آثار رحمة الله ..
هذا وقد أنكر قوم وصف الله تعالى بالرحمة الحقيقية، وحرّفوها إلى الإنعام، أو إرادة الإنعام، زعماً منهم أن العقل يحيل وصف الله بذلك؛ قالوا: "لأن الرحمة انعطاف، ولين، وخضوع، ورقة؛ وهذا لا يليق بالله "؛ والرد عليهم من وجهين:.
الوجه الأول: منع أن يكون في الرحمة خضوع، وانكسار، ورقة؛ لأننا نجد من الملوك الأقوياء رحمة دون أن يكون منهم خضوع، ورقة، وانكسار ..
الوجه الثاني: أنه لو كان هذا من لوازم الرحمة، ومقتضياتها فإنما هي رحمة المخلوق؛ أما رحمة الخالق فهي تليق بعظمته، وجلاله، وسلطانه؛ ولا تقتضي نقصاً بوجه من الوجوه ..
ثم نقول: إن العقل يدل على ثبوت الرحمة الحقيقية لله ، فإن ما نشاهده في المخلوقات من الرحمة بَيْنها يدل على رحمة الله ؛ ولأن الرحمة كمال؛ والله أحق بالكمال؛ ثم إن ما نشاهده من الرحمة التي يختص الله بها. كإنزال المطر، وإزالة الجدب، وما أشبه ذلك. يدل على رحمة الله ..
والعجب أن منكري وصف الله بالرحمة الحقيقية بحجة أن العقل لا يدل عليها، أو أنه يحيلها، قد أثبتوا لله إرادة حقيقية
стр. 73
بحجة عقلية أخفى من الحجة العقلية على رحمة الله، حيث قالوا: إن تخصيص بعض المخلوقات بما تتميز به يدل عقلاً على الإرادة؛ ولا شك أن هذا صحيح؛ ولكنه بالنسبة لدلالة آثار الرحمة عليها أخفى بكثير؛ لأنه لا يتفطن له إلا أهل النباهة؛ وأما آثار الرحمة فيعرفه حتى العوام، فإنك لو سألت عامياً صباح ليلة المطر: "بِمَ مطرنا؟ "، لقال: "بفضل الله، ورحمته" ..
مسألة:
هل البسملة آية من الفاتحة؛ أو لا؟
في هذا خلاف بين العلماء؛ فمنهم من يقول: إنها آية من الفاتحة، ويقرأ بها جهراً في الصلاة الجهرية، ويرى أنها لا تصح إلا بقراءة البسملة؛ لأنها من الفاتحة؛ ومنهم من يقول: إنها ليست من الفاتحة؛ ولكنها آية مستقلة من كتاب الله؛ وهذا القول هو الحق؛ ودليل هذا: النص، وسياق السورة ..
أما النص: فقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: إذا قال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي؛ وإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي؛ وإذا قال: ﴿مالك يوم الدين﴾ قال الله تعالى: مجّدني عبدي؛ وإذا قال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي نصفين؛ وإذا قال: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ ... إلخ، قال الله تعالى: هذا لعبدي؛ ولعبدي ما سأل" (١)؛ وهذا
стр. 74
كالنص على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ وفي الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: "صلَّيت خلف النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر؛ فكانوا لا يذكرون ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في أول قراءة، ولا في آخرها" (١): والمراد لا يجهرون؛ والتمييز بينها وبين الفاتحة في الجهر وعدمه يدل على أنها ليست منها ..
أما من جهة السياق من حيث المعنى: فالفاتحة سبع آيات بالاتفاق؛ وإذا أردت أن توزع سبع الآيات على موضوع السورة وجدت أن نصفها هو قوله تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ وهي الآية التي قال الله فيها: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"؛ لأن ﴿الحمد لله رب العالمين﴾: واحدة؛ ﴿الرحمن الرحيم﴾: الثانية؛ ﴿مالك يوم الدين﴾: الثالثة؛ وكلها حق لله ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾: الرابعة. يعني الوسَط؛ وهي قسمان: قسم منها حق لله؛ وقسم حق للعبد؛ ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ للعبد؛ ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ للعبد؛ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ للعبد ..
فتكون ثلاث آيات لله وهي الثلاث الأولى؛ وثلاث آيات للعبد. وهي الثلاث الأخيرة؛ وواحدة بين العبد وربِّه. وهي الرابعة الوسطى ..
ثم من جهة السياق من حيث اللفظ، فإذا قلنا: إن البسملة آية من الفاتحة لزم أن تكون الآية السابعة طويلة على قدر آيتين؛ ومن المعلوم أن تقارب الآية في الطول والقصر هو الأصل ..
стр. 75
فالصواب الذي لا شك فيه أن البسملة ليست من الفاتحة. كما أن البسملة ليست من بقية السور ..
القرآن
(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
التفسير:.
قوله تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾: ﴿الحمد﴾ وصف المحمود بالكمال مع المحبة، والتعظيم؛ الكمال الذاتي، والوصفي، والفعلي؛ فهو كامل في ذاته، وصفاته، وأفعاله؛ ولا بد من قيد وهو "المحبة، والتعظيم"؛ قال أهل العلم: "لأن مجرد وصفه بالكمال بدون محبة، ولا تعظيم: لا يسمى حمداً؛ وإنما يسمى مدحاً"؛ ولهذا يقع من إنسان لا يحب الممدوح؛ لكنه يريد أن ينال منه شيئاً؛ تجد بعض الشعراء يقف أمام الأمراء، ثم يأتي لهم بأوصاف عظيمة لا محبة فيهم؛ ولكن محبة في المال الذي يعطونه، أو خوفاً منهم؛ ولكن حمدنا لربنا حمدَ محبةٍ، وتعظيمٍ؛ فلذلك صار لا بد من القيد في الحمد أنه وصف المحمود بالكمال مع المحبة، والتعظيم؛ و "أل" في ﴿الحمد﴾ للاستغراق: أي استغراق جميع المحامد ..
وقوله تعالى: ﴿لله﴾: اللام للاختصاص، والاستحقاق؛ و "الله" اسم ربنا ؛ لا يسمى به غيره؛ ومعناه: المألوه. أي المعبود حباً، وتعظيماً ..
وقوله تعالى: ﴿رب العالمين﴾؛ "الرب": هو من اجتمع