← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 5463

منار السبيل في شرح الدليل

ابن ضويان

Полный текст (1 165 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فصل اذا انكر دعوى المدعي [وإذا أنكر دعوى المدعى، أو سكت وهو يجهله ثم صالحه صح الصلح] إذا كان المنكر معتقداً بطلان الدعوى، فيدفع المال افتداءً ليمينه، ودفعاً للخصومة عن نفسه، والمدعي يعتقد صحتها، فيأخذه عوضاً عن حقه الثابت له. قاله في الكافي. وبه قال مالك، لعموم قوله ﷺ "الصلح جائز بين المسلمين". [وكان إبراء في حقه] أي: المدعى عليه، لأنه ليس في مقابلة حق ثبت عليه. [وبيعاً في حق المدعي] لأنه يعتقده عوضاً عن ماله، فلزمه حكم اعتقاده. [ومن علم بكذب نفسه فالصلح باطل في حقه] أما المدعي: فلأن الصلح مبني على دعواه الباطلة، وأما المدعى عليه: فلأن الصلح مبني على جحده حق المدعي، ليأكل ما ينتقصه بالباطل. [وما أخذ فحرام] لأنه أكل مال الغير بالباطل، لقوله ﷺ : "إلا صلحاً حرم حلالاً، أو أحل حراماً" قال في الكافي: وهو في الظاهر صحيح، لأن ظاهر حال المسلمين الصحة والحق. [ومن قال: صالحني عن الملك الذي تدعيه، لم يكن مقراً] له بالملك، لاحتمال إرادة صيانة نفسه عن التبذل، وحضور مجلس الحكم بذلك.

стр. 422

[وإن صالح أجنبي عن منكر للدعوى، صح الصلح، أذن له أو لا] لجواز قضائه عن غيره بإذنه وبغير إذنه، لفعل علي وأبي قتادة. وتقدم في الضمان. [لكن لا يرجع عليه بدون إذنه] لأنه أدى عنه ما لا يلزمه فكان متبرعاً، فإن كان بإذنه رجع عليه لأنه وكيله، وقائم مقامه. [ومن صالح عن دار ونحوها فبان العرض مستحقاً] لغير المصالح، أو بان القن حراً. [رجع بالدار] المصالح عنها ونحوها إن بقيت، وببدلها إن تلفت إن كان الصلح. [مع الإقرار] أي: إقرار المدعى عليه، لأنه بيع حقيقة، وقد تبين فساده، لفساد عوضه، فرجع فيما كان له. [وبالدعوى مع الإنكار] أي: يرجع إلى دعواه قبل الصلح لفساده، فيعود الأمر إلى ما كان عليه قبله. [ولا يصح الصلح عن خيار، أو شفعة، أو حد قذف] لأنها لم تشرع لاستفادة مال، بل الخيار للنظر في الأحظ، والشفعة لإزالة ضرر الشركة وحد القذف للزجر عن الوقوع في أعراض الناس. [وتسقط جميعها] بالصلح لأنه رضي بتركها. [ولا يصح] أن يصالح. [شارباً أو سارقاً ليطلقه] لأنه لا يصح أخذ العوض في مقابلته. [أو شاهداً ليكتم شهادته] لتحريم كتمانها إن صالحه، على أن لا يشهد عليه بحق لله تعالى، أو لآدمي، وكذا أن لا يشهد عليه بالزور، لأنه لا يقابل بعوض.

стр. 423

فصل: في تصرف الشخص في ملك غيره [ويحرم على الشخص أن يجري ماء في أرض غيره] بلا إذنه، لأن فيه تصرفاً في أرض غيره بغير إذنه، فلم يجز، كالزرع فيها، وإن كانت له أرض لها ماء لا طريق له إلا في أرض جاره، وفي إجرائه ضرر بجاره، لم يجز إلا بإذنه، وإن لم يكن فيه ضرر ففيه روايتان. إحداهما: لا يجوز، لما تقدم. والثانية يجوز، لما روى أن الضحاك بن خليفة، ساق خليجاً١ من العريض، فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة فأبى، فكلم فيه عمر، فدعا محمداً وأمره أن يخلي سبيله، فقال: لا والله. فقال له عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه، وهو لك نافع تسقي به أولاً وآخراً وهو لا يضرك؟! فقال له محمد: لا والله، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك، فأمره عمر أن يمر به، ففعل رواه مالك في الموطأ، وسعيد في سننه. ولأنه نفع لا ضرر فيه، أشبه الاستظلال بحائطه قاله في الكافي والشرح وغيرهما، واختاره الشيخ تقي الدين. [أوسطحه] أي: ويحرم أن يجري ماء في سطح غيره. [بلا إذنه] لما تقدم. [ويصح الصلح على ذلك بعوض] لأنه إما بيع، وإما إجارة فيصح، لدعاء الحاجة إليه.

стр. 424

[ومن له حق ماء يجري على سطح جاره، لم يجز لجاره تعلية سطحه، ليمنع جري الماء] لأنه إبطال لحقه، أو تكثير لضرره. [وحرم على الجار أن يحدث بملكه ما يضر بجاره: كحمام أو كنيف أو رحى أو تنور، وله منعه من ذلك] لقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" رواه ابن ماجه. وأما دخان الطبخ والخبز، فإن ضرره يسير ولا يمكن التحرز منه، فتدخله المسامحة. قاله في الشرح. وإن كان له سطح أعلى من سطح جاره، فليس له الصعود على وجه يشرف على جاره، إلا أن يبني سترة تستره، لأنه إضرار بجاره فمنع منه، ودل عليه قوله ﷺ : "لو أن رجلاً اطلع إليك فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح" قاله في الشرح. [ويحرم التصرف في جدار جار أو مشترك، بفتح روزنة١، أو طاق، أو ضرب وتد ونحوه، إلا بإذنه] لأنه تصرف في ملك غيره بما يضر به. [وكذا وضع خشب] عليه إن كان يضر بالحائط أو يضعف عن حمله فلا يجوز، من غير خلاف. قاله في الشرح، لحديث "لا ضرر ولا ضرار" وإن كان لا يضر به، وبه غنى عنه، فقال أكثر أصحابنا: لا يجوز. وهو قول الشافعي، لأنه تصرف في ملك غيره بما يستغنى عنه، واختار ابن عقيل جوازه، للحديث. قاله في الكافي، والشرح. [إلا أن لا يمكن تسقيف إلا به] ولا ضرر فيجوز. [ويجبر الجار إن أبى] لحديث أبي هريرة يرفعه: "لا يمنعن جار

стр. 425

جاره أن يضع خشبةً على جداره"، ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين؟! والله لأرمين بها بين أكتافكم" متفق عليه. [وله أن يسند قماشة، ويجلس في ظل حائط غيره] من غير إذنه، لأنه لا مضرة فيه، والتحرز منه يشق. [وينظر في ضوء سراجه من غير إذنه] لما تقدم، ونص عليه في رواية جعفر، ونقل المروزي: يستأذنه أعجب إلي. [وحرم أن يتصرف في طريق نافذ بما يضر المار، كإخراج دكان، ودكة] قال في القاموس: الدكة بالفتح والدكان بالضم: بناء يسطح أعلاه للمقعد، وفي موضع آخر الدكان: كرمان: الحانوت. قال في الشرح: وأما الدكان فلا يجوز بناؤه في الطريق. بغير خلاف علمناه، سواء أذن فيه الإمام، أو لم يأذن، لأنه بناء في ملك غيره بغير إذنه. انتهى. ولأنه إن لم يضر حالاً فقد يضر مآلاً. وليس للإمام أن يأذن إلا ما فيه مصلحة، لا سيما مع احتمال أن يضر، ويضمن مخرجه ما تلف به لتعديه. [وجناح] وهو: الروشن على أطراف خشب، أو حجر مدفونة في الحائط. [وساباط] وهو: المستوفي للطريق على جدارين. [وميزاب] فيحرم إخراجها إلا بإذن الإمام أو نائبه، لأنه نائب المسلمين فإذنه كإذنهم. [ويضمن ما تلف به] إن لم يكن أذن، لعدوانه، فإن كان فيه ضرر: بأن لم يمكن عبور محمل ونحوه من تحته، لم يجز وضعه ولا إذنه

стр. 426

فيه، فإن كان الطريق منخفضاً وقت وضعه، ثم ارتفع لطول الزمن، فحصل به ضرر وجبت إزالته. ذكره الشيخ تقي الدين. وقال مالك والشافعي: يجوز إخراج الميزاب إلى الطريق الأعظم، لحديث عمر لما اجتاز على دار العباس، وقد نصب ميزاباً إلى الطريق، فقلعه عمر، فقال العباس: تقلعه وقد نصبه رسول الله ﷺ ، يده؟! فقال عمر: والله لا تنصبه إلا على ظهري، فانحنى حتى صعد على ظهره فنصبه ولأن الناس يعملون ذلك في جميع بلاد الإسلام من غير نكير، قاله في المغني، والشرح. وقال في القواعد: اختاره طائفة من المتأخرين. قال الشيخ تقي الدين: إخراج الميازيب إلى الدرب هو السنة، واختاره. [ويحرم التصرف بذلك في ملك غيره، أوهوائه، أودرب غير نافذ إلا بإذن أهله] أن المنع لحق المستحق فإذا رضي بإسقاطه جاز. قال في الشرح: فإن صالح عن ذلك بعوض جاز في أحد الوجهين. [ويجبر الشريك على العمارة مع شريكه في الملك والوقف] إذا انهدم جدارهما المشترك، أو سقفهما، أو خيف ضرره بسقوطه فطلب أحدهما الآخر أن يعمره معه. نص عليه. نقله الجماعة. قال في الفروع: واختاره أصحابنا، لقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" ولأنه إنفاق على ملك مشترك يزيل الضرر عنهما، فأجبر عليه. وعنه: لا يجبر. اختاره الشارح، وأبو محمد الجوزي، وغيرهما، لأنه إنفاق على ملك لا يجب لو انفرد به، فلم يجب مع الإشتراك كزرع الأرض. وإن لم يكن بين ملكيهما حائط فطلب أحدهما البناء بين ملكيهما لم يجبر الآخر، رواية واحدة. وليس له البناء إلا في ملكه. قاله في

стр. 427

الشرح. وإن كان بينهما نهر أو بئر أو دولاب، فاحتاج إلى عمارة ففي إجبار الممتنع روايتان. [وإن هدم الشريك البناء، وكان لخوف سقوطه فلا شئ عليه] لأنه محسن، ولوجوب هدمه إذاً. [وإلا لزمه إعادته] لتعديه على حصة شريكه، ولا يخرج من عهدة ذلك إلا بإعادته. [وإن أهمل شريك بناء حائط بستان اتفقا عليه، فما تلف من ثمرته بسبب إهماله ضمن حصة شريكه] قاله الشيخ تقي الدين. وغيره.

стр. 428

كتاب الحجر مدخل مدخل ... كتاب الحجر [وهو: منع المالك من التصرف في ماله. وهو نوعان:] [الأول: لحق الغير، كالحجر على مفلس] لحق الغرماء على. [راهن] لحق المرتهن. [ومريض] مرض الموت المخوف، فيما زاد على الثلث من ماله، لحق الورثة. [وقن، ومكاتب] لحق السيد. [ومرتد] لحق المسلمين، لأن تركته فيء، وربما تصرف فيها تصرفاً يقصد به إتلافها، ليفوتها عليهم. [ومشتر] شقصاً مشفوعاً. [بعد طلب الشفيع] له، لحق الشفيع. [الثاني:] المحجور عليه. [لحظ نفسه كعلى صغير، ومجنون، وسفيه] لقوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ ١ الآية قال سعيد وعكرمة: هو مال اليتيم لا تؤته إياه، وأنفق عليه. فلا يصح تصرفهم قبل الإذن. وقال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ

стр. 429

أَمْوَالَهُمْ﴾ ١ فدل على أنه لا يسلم إليهم قبل الرشد، ولأن إطلاقهم في التصرف يفضي إلى ضياع أموالهم وفيه ضرر عليهم. [ولا يطالب المدين، ولا يحجر عليه بدين لم يحل] لأنه لا يلزمه أداؤه قبل حلوله، ولا يستحق المطالبة به، فلم يملك منعه مما له بسببه. [لكن لو أراد سفراً طويلاً] يحل دينه قبل قدومه منه. [فلغريمه منعه حتى يوثقه برهن يحرز، أو كفيل مليء] لأنه ليس له تأخير الحق عن محله، وفي السفر تأخيره. فإن كان لا يحل قبله، ففي منعه روايتان. [ولا يحل دين مؤجل بجنون] لأن الأجل حق له فلا يسقط بجنونه. [ولا بموت إن وثق ورثته بما تقدم] أي: رهن بحرز، أو كفيل مليء اختاره الخرقي، لقوله ﷺ : "من ترك حقاً فلورثته" والأجل حق للميت، فينتقل إلى ورثته، ولأنه لا يحل به ماله، فلا يحل به ما عليه كالجنون. وعنه: يحل، لأن بقاءه ضرر على الميت، لبقاء ذمته مرتهنة به، وعلى الوارث، لمنعه التصرف في التركة، وعلى الغريم بتأخير حقه، وربما تلفت التركة والحق يتعلق بها، وقد لا يكون الورثة أملياء فيؤدي تصرفهم إلى هلاك الحق. [ويجب على مدين قادر وفاء دين حال فوراً بطلب ربه] لحديث "مطل الغني ظلم" متفق عليه. [وإن مطله حتى شكاه وجب على الحاكم أمره بوفائه، فإن أبى حبسه] لقوله ﷺ "لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته"

стр. 430

رواه أحمد وأبو داود وغيرهما. قال الإمام أحمد: قال وكيع: عرضه: شكواه، وعقوبته: حبسه. وإن لم يقضه باع الحاكم ماله وقضى دينه لأنه ﷺ ، حجر على معاذ وباع ماله في دينه رواه الخلال وسعيد بن منصور. وعن عمر أنه خطب فقال ألا إن أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن يقال: سبق الحاج فادان معرضاً١ فأصبح وقد دين به، فمن كان له عليه دين فليحضر غداً فإنا بائعون ماله، وقاسموه بين غرمائه رواه مالك في الموطأ. قال في الشرح: وقال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من علماء الأمصار وقضاتهم يرون الحبس في الدين، وكان عمر بن عبد العزيز يقول: يقسم ماله بين الغرماء ولا يحبس، وبه قال الليث. انتهى. [ولا يخرجه حتى يتبين أمره] أي: أنه معسر، أو يبرالمدين بوفاء أو إبراء أو يرضى غريمه بإخراجه. [فإن كان ذو عسرة وجبت تخليته وحرمت مطالبته والحجر عليه ما دام معسراً] قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ٢ وقوله ﷺ ، في الذي أصيب في ثماره: "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك" رواه مسلم. وفي إنظار المعسر فضل عظيم، وأبلغها عن بريدة مرفوعاً: "من أنظر معسراً فله بكل يوم، مثليه صدقةً" رواه أحمد بإسناد جيد.

стр. 431

[وإن سأل غرماء من له مال لا يفي بدينه الحاكم الحجر عليه لزمه إجابتهم] لحديث كعب بن مالك أن النبي ﷺ ، حجر على معاذ وباع ماله رواه الخلال وسعيد في سننه. ولأن فيه دفعاً للضرر عن الغرماء، فلزم ذلك لقضائهم. [وسن إظهار حجر لفلس] وسفه ليعلم الناس بحالهما فلا يعاملوهما إلا على بصيرة، وإذا لم يف ماله بدينه: فهل يجبر على إجازة نفسه؟ فيه روايتان. إحداهما: يجبر. وهو قول عمر بن عبد العزيز وإسحاق، لما روي أن رجلاً قدم المدينة، وذكر أن وراءه مالاً، فداينه الناس، ولم يكن وراءه مال. فسماه النبي ﷺ سرقاً وباعه بخمسة أبعرة رواه الدارقطني بنحوه. وفيه أربعة أبعرة، والحر لا يباع فعلم أنه باع منافعه. والثانية: لا يجبر، لما روى أبو سعيد أن رجلاً أصيب في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال النبي ﷺ : "تصدقوا عليه". فتصدقوا عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه. فقال النبي ﷺ : "خذوا ما وجدتم، وليس لًكم إلا ذلك" رواه مسلم.

стр. 432

فصل في فائدة الحجر [وفائدة الحجر أحكام أربعة.] ١. [الأول: تعليق حق الغرماء بالمال] لأنه يباع في ديونهم فكانت حقوقهم متعلقة به كالرهن. [فلا يصح تصرفه فيه بشئ] كبيعه وهبته ووقفه ونحوها، لأنه حجر ثبت بالحكم فمنع تصرفه، كالحجر للسفه.

стр. 433

[ولو بالعتق] فلا ينفذ لأن حق الغرماء تعلق بماله فمنع صحة عتقه. قال في الشرح: وبه قال مالك والشافعي، وهذا أصح إن شاء الله. انتهى. وعنه: يصح عتقه لأنه عتق من مالك رشيد صحيح، أشبه عتق الراهن. [وإن تصرف في ذمته بشراء أو إقرار صح] لأنه أهل للتصرف، والحجر إنما تعلق بماله دون ذمته. [وطولب به بعد فك الحجر عنه] لأنه حق عليه وإنما منعنا تعلقه بماله لحق الغرماء السابق على ذلك، فإذا استوفوه فقد زال المعارض. [الثاني: أن من وجد عين ما باعه أو أقرضه فهو أحق بها] روي ذلك عن عثمان وعلي، وبه قال مالك والشافعي وابن المنذر، لقوله ﷺ : "من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس، أو إنسان قد أفلس، فهو أحق به من غيره" رواه الجماعة. [بشرط كونه لا يعلم بالحجر] هذا شرط لمن فعل ما ذكر بعد الحجر. [وأن يكون المفلس حياً، وأن يكون عوض العين كله باقياً في ذمته] لقوله ﷺ : "أيما رجل باع متاعاً فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئاً، فوجد متاعه بعينه فهو أحق به، وإن مًات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرًمًاء" رواه مالك وأبو داود. وهو مرسل، وقد أسنده أبو داود من وجه ضعيف. وفي حديث أبي هريرة: "أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده ماله، ولم يكن اقتضى من ماله شيئاً، فهو له" رواه أحمد. وفي لفظ أبى داود: "فإن كان قبض من ثمنها شيئاً فهو أسوة الغرماء".

стр. 434

[وأن تكون كلها في ملكه] لم يتعلق بها حق الغير، فإن رهنها لم يملك الرجوع، لقوله عند رجل قد أفلس، وهذا لم يجده عنده، وهذا لا نعلم فيه خلافاً. قاله في الشرح. [وأن تكون بحالها] لم يتلف منها شئ. وبه قال إسحاق، لقوله ﷺ : "من أدرك متاعه بعينه" وهذا لم يجده بعينه. [ولم تتغير صفتها بما يزيل اسمها] فإن طحن الحنطة، ونسج الغزل، وقطع الثوب قميصاً، لم يرجع لأنه لم يجده بعينه، لتغير اسمه وصفته. قال في الشرح: وللشافعي فيه قولان. أحدهما - به أقول -: يأخذ عين ماله، ويعطى قيمة عمل المفلس. انتهى. [وليم تزد زيادة متصلة] كالسمن والكبر، فإن وجد ذلك منع الرجوع. ذكره الخرقي. وعنه: له الرجوع للخبر. وهو مذهب مالك. إلا أنه يخير الغرماء بين أن يعطوه السلعة أو ثمنها الذي باعها به، فأما الزيادة المنفصلة والنقص بهزال، فلا تمنع الرجوع. قال في المغني: بغير خلاف بين أصحابنا، لأنه يمكن الرجوع في العين دون زيادتها، والزيادة للمفلس فى ظاهر المذهب. نص عليه في رواية حنبل، لحديث: "الخراج بالضمان" وهذا يدل على أن النماء والغلة للمشتري لكون الضمان عليه. [ولم تختلط بغير متميز] فإن اشترى زيتاً وخلطه بزيت آخر سقط الرجوع، لأنه لم يجد عين ماله، وإنما يأخذ عوضه كالثمن. [ولم يتعلق بها حق للغير] فإن خرجت عن ملكه ببيع أوغيره لم يرجع لأنه لم يجدها عنده.

стр. 435

[فمتى وجد شئ من ذلك امتنع الرجوع] لما تقدم. [الثالث: يلزم الحاكم قسم ماله الذى من جنس الدين، وبيع ما ليس من جنسه، ويقسمه على الغرماء بقدر ديونهم] لأن فيه تسوية بينهم، لما ذكرنا من حديث معاذ وفعل عمر، ولأن ذلك هو جل المقصود بالحجر الذي طلبه الغرماء أو بعضهم. ويستحب إحضار المفلس والغرماء لأنه أطيب لقلوبهم وأبعد من التهمة. [ولا يلزمهم بيان أن لا غريم سواهم، ثم إن ظهر رب دين حال رجع على كل غريم بقسطه] لأنه لو كان حاضراً قاسمهم، فكذا إذا ظهر. وأما الدين المؤجل فلا يحل بالفلس. قال القاضي: رواية واحدة، لأن التأجيل حق له، فلم يبطل بفلسه كسائر حقوقه، فعليها يختص أصحاب الديون الحالة بماله دونه، لأنه لا يستحق استًيفاء حقه قبل أجله، وإن حل دينه قبل القسمة شاركهم لمساواته إياهم في استيفائه. وقال أبو الخطاب: فيه رواية أخرى: أنه يحل بفلسه، لأن الفلس معنى يوجب تعلق الدين بماله، فأسقط الأجل كالموت. [ويجب أن يترك له ما يحتاجه من مسكن] فلا تباع داره التي لا غنى له عنها. وبه قال إسحاق، وقال مالك: تباع ويكترى له بدلها. اختاره ابن المنذر، لقوله ﷺ : "خذوا ما وجدتم". [خادم] صالح لمثله، لأن ذلك مما لا غنى له عنه، فلم يبع في دينه ككتابه. [وما يتجر به] إن كان تاجراً.

стр. 436

[وآلة حرفة] إن كان محترفاً. قال أحمد: يترك له قدر ما يقوم به معاشه. [ويجب له ولعياله أدنى نفقة مثلهم من مأكل ومشرب وكسوة] قال في الشرح: وينفق عليه بالمعروف من ماله إلى أن يقسم، إلا إن كان ذا كسب، لقوله: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" وممن أوجب الإنفاق عليه وزوجته وأولاده، مالك والشافعي، ولا نعلم فيه خلافاً. وتجب كسوتهم. قال أحمد: يترك له قدر ما يقوم به معاشه ويباع الباقي، وهذا في حق الشيخ الكبير، وذوي الهيئات الذين لا يمكنهم التصرف بأبدانهم. انتهى. [الرابع: انقطاع الطلب عنه] لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ١ وقوله ﷺ : "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك". [فمن أقرضه أو باعه شيئاً عالماً بحجره، لم يملك طلبه حتى ينفك حجره] لتعلق حق الغرماء بعين مال المفلس، وهل له الرجوع بعين ماله إذا وجده؟ على وجهين. أحدهما: له ذلك، للخبر. والثاني: لا فسخ له لأنه دخل على بصيرة، أشبه من اشترى معيباً يعلم عيبه.

стр. 437

فصل فيمن دفع ماله الى صغير او مجنون [ومن دفع ماله إلى صغير أو مجنون أو سفيه فأتلفه، لم يضمنه] لأنه سلطه عليه برضاه علم بالحجر أو لا لتفريطه، وأما ما أخذه بغير اختيار المالك، كالغصب والجناية، فعليه ضمانة لأنه لا تفريط من المالك والإتلاف يستوي فيه الأهل وغيره.

стр. 438

[ومن أخذ من أحدهم مالاً ضمنه] لتعديه بقبضه. [حتى يأخذه وليه] أي ولي المحجور عليه، لأنه هو الذي يملك قبض ماله شرعاً وحفظه. [لا إن أخذه] من المحجور عليه. [ليحفظه وتلف ولم يفرط] لأ نه محسن. [كمن أخذ مغصوباً ليحفظه لربه] فإنه لايضمنه لأن في ذلك إعانة على رد الحق إلى مستحقه. [ومن بلغ رشداً، أو بلغ مجنوناً ثم عقل ورشد، انفك الحجر عنه] بلا حكم حاكم، بغير خلاف. قاله في الشرح. [ودفع إليه ماله] لقوله تعالى ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ١ وقسنا عليه المجنون لأنه في معناه. [لا قبل ذلك بحال] أي: قبل البلوغ والعقل والرشد، ولو صارا شيخين. قال ابن المنذر: أكثر علماء الأمصار يرون الحجر على كل مضيع لماله، صغيراً كان أو كبيراً للآية. فالدفع بشرطين: بلوغ النكاح، وإيناس الرشد. وإن فك عنه الحجر، فعاود السفه أعيد عليه الحجر لما روى عروة بن الزبير، أن عبد الله بن جعفر ابتاع بيعاً، فقال علي: لآتين عثمان، فلأحجرن عليك، فأعلم ذلك ابن جعفر الزبير، فقال: أنا شريكك في بيعتك. فأتى علي عثمان فقال: إن ابن جعفر قد ابتاع بيع كذا فاحجر عليه، فقال الزبير: أنا شريكه، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير؟! رواه الشافعي بنحوه. قال في الكافي: وهذه قصة يشتهر مثلها ولم تنكر فيكون إجماعاً. انتهى.

стр. 439

[وبلوغ الذكر بثلاثة أشياء: إما بالإمناء] يقظة أو مناماً. لا نعلم فيه خلافاً. قاله في الشرح، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ ١ وقول النبي ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم ... " الحديث، وحديث: "لا يتم بعد احتلام" رواهما أبو داود. [أو بتمام خمس عشرة سنة] لقول ابن عمر: عرضت على النبي ﷺ ، يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني متفق عليه. فلما سمعه عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله: أن لا يتعرضوا إلا لمن بلغ خمس عشرة سنة. [أو نبات شعر خشن حول قبله] لأن سعد بن معاذ لما حكم في بني قريظة بقتلهم وسبي ذراريهم أمر أن يكشف عن مؤتزرهم، فمن أنبت فهو من المقاتلة، ومن لم ينبت فهو من الذرية. وبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة" متفق عليه. [وبلوغ الأنثى بذلك وبالحيض] قال في الشرح: والحيض بلوغ في حق الجارية. لا نعلم فيه خلافاً، لقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" حسنه الترمذي. وكذلك الحمل يحصل به البلوغ في حق الجارية لأن الولد من مائهما. انتهى. [والرشد: إصلاح المال وصونه عما لا فائدة فيه] في قول أكثر أهل

стр. 440

العلم لقول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً﴾ ١ قال: صلاحاً في أموالهم ولا يدفع إليه ماله حتى يختبر، لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى ... ﴾ ١ وعنه: لا يدفع إلى الجارية مالها حتى تتزوج وتلد، أو تقيم في بيت الزوج سنة، لقول شريح: عهد إلي عمر أن لا أجيز لجارية عطية حتى تحول في بيت زوجها حولاً أو تلد.

стр. 441

فصل ولاية المملوك [وولاية المملوك لمالكه ولو فاسقاً] لأنه ماله، ولأن العدالة ليست شرطاً لصحة تصرف الإنسان في ماله. [وولاية الصغير والبالغ بسفه أو جنون لأبيه] الرشيد العدل ولو ظاهراً لكمال شفقته ولأنها ولاية، فقدم فيها الأب كولاية النكاح. [فإن لم يكن] له أب. [فوصيه] لأنه نائبه وقائم مقامه، أشبه وكيله في الحياة. [ثم الحاكم] لأن الولاية انقطعت من جهة الأب فتعينت للحاكم كولاية النكاح، لأنه ولي من لا ولي له. [فإن عدم الحاكم فأمين يقوم مقامه] اختاره الشيخ تقي الدين، وقال: في حاكم عاجز كالعدم. نقل ابن الحكم فيمن عنده مال فطالبه به الورثة، فيخاف من أمره ترى أن يخبر الحاكم ويدفعه إليه قال: أما حكامنا اليوم هؤلاء فلا أرى أن يتقدم إلى أحد منهم. [وشرط في الولي الرشد] لأن غير الرشيد محجور عليه.

стр. 442

[والعدالة ولو ظاهراً] فلا يحتاج الحاكم إلى تعديل الأب أو وصيه في ثبوت ولايتهما. [والجد والأم وسائر العصبات، لا ولاية لهم إلا بالوصية] لقصور شفقتهم عمن تقدم. والمال محل الخيانة، فلا يؤمنون عليه كالأجانب. [ويحرم على ولي الصغير والمجنون والسفيه أن يتصرف فى مالهم إلا بما فيه حظ ومصلحة] لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ١ والسفيه والمجنون في معناه. [وتصرف الثلاثة] أي: الصغير، والمجنون، والسفيه. [ببيع أوشراء أو عتق أو وقف أو إقرار غير صحيح] لقوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ... ﴾ الآية٢ ولأنهم محجور عليهم لحظ أنفسهم. [لكن السفيه إن أقر بحد] أي: بما يوجب الحد كالقذف والزنى. [أو بنسب أو طلاق أو قصاص صح وأخذ به في الحال] لأنه غير متهم في نفسه، والحجر إنما تعلق في ماله. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن إقرار المحجور عليه على نفسه جائز إذا كان بزنى أو سرقة أو شرب خمر أو قذف أو قتل، وأن الحدود تقام عليه، وإن طلق نفذ في قول الأكثر. قاله في الشرح. [وإن أقر بمال أخذ به بعد فك الحجر عنه] لأنه حجر عليه لحظه، ولأن قبول إقراره يبطل معنى الحجر، لأنه يداين الناس ويقر لهم.

стр. 443

فصل للولي الاكل مع الحاجة [وللولي مع الحاجة أن يأكل من مال موليه] لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ١ قالت عائشة: نزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلح ماله، إن كان فقيراً أكل منه بالمعروف أخرجاه. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال: إني فقير وليس لي شئ ولي يتيم، فقال: "كل من مال يتيمك غير مسرف" رواه الخمسة، إلا الترمذي. [الأقل من أجرة مثله أو كفايته] لأنه يستحق بالعمل والحاجة جميعاً، فلم يجز أن يأخذ إلا ما وجدا فيه. [ومع عدم الحاجة يأكل ما فرضه له الحاكم] قال في القواعد، والإنصاف: بغير خلاف. [ولزوجة، ولكل متصرف في بيت، أن يتصدق منه بلا إذن صاحبه بما لا يضر، كرغيف ونحوه] لحديث عائشة مرفوعاً: "إذا أنفقت المرأة من طعام زوجها غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجر ما كسًب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئاً" متفق عليه. ولم تذكر إذناً لأن العادة السماح وطيب النفس به. [إلا أن يمنعه] من ذلك.

стр. 444

[أو يكون بخيلاً، فيحرم] لحديث: "إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم ... " الحديث. وقوله: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس".

стр. 445

باب الوكالة مدخل ... باب الوكالة وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع، لقوله تعالى: ﴿..وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ ١ وقوله: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ ... ﴾ ٢ الآية ولحديث عروة بن الجعد وغيره: ووكل النبي، ﷺ عمرو بن أمية في قبول نكاح أم حبيبة، وأبا رافع في قبول نكاح ميمونة. [وهي استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابه كعقد] بيع وهبة وإجارة ونكاح لأنه ﷺ ، وكل في الشراء والنكاح، وألحق بهما سائر العقود. [وفسخ] كالخلع والإقامة. [وطلاق] لأنه يجوز التوكيل في الإنشاء، فجاز في الإزالة بطريق الأولى. [ورجعة] لأنه يملك بالتوكيل الأقوى: وهو إنشاء النكاح، فالأضعف: وهو تلافيه بالرجعة أولى.

стр. 446

[وكتابة وتدبير وصلح] لأنه عقد على مال أشبه البيع. [وتفرقة صدقة، ونذر وكفارة] لأنه، ﷺ ، كان يبعث عماله لقبض الصدقات، وتفريقها ويشهد به حديث معاذ، وفيه فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم. [وفعل حج وعمرة] لما تقدم. [لا فيما لا تدخله النيابة كصلاة، وصوم، وحلف وطهارة من حدث] لتعلقها ببدن من هي عليه، لأن المقصود فعلها ببدنه، ولا يحصل ذلك من فعل غيره، لكن تدخل ركعتا الطواف تبعاً. [وتصح الوكالة منجزة] كأنت وكيلي الآن. [ومعلقة] نص عليه، كقوله: إذا قدم الحاج فبع هذا، وإذا دخل رمضان فافعل كذا، وإذا طلب أهلي منك شيئاً فادفعه لهم، لقوله ﷺ ".. فإن قتل زيد فجعفر.." الحديث. [ومؤقتة] كأنت وكيلي شهراً، أو سنة. وتصح في إثبات الحدود واستبقائها، لقوله ﷺ : "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت، فأمر بها فرجمت" متفق عليه. وتجوز في إثبات الأموال والحكومة فيها، حاضراً كان الموكل، أو غائباً، لما روي أن علياً وكل عقيلاً عند أبي بكر، وقال، ما قضي عليه فهو علي، وما قضي له فلي، ووكل عبد الله بن جعفر عند عثمان، وقال: إن للخصومة قحماً - أي: مهالك - وإن الشيطان يحضرها، وإني أكره أن أحضرها نقله حرب. وهذه قضايا في مظنة الشهرة، ولم ينكر

стр. 447

فكان إجماعاً. قاله في الكافي، وقال في الشرح: هو إجماع الصحابة. [وتنعقد بكل ما دل عليها من قول] يدل على الإذن. نص عليه. كبع عبدي فلاناً، أوأعتقه، أوفوضت إليك أمره، أو جعلتك نائباً عني في كذا. [أو فعل] قال في الفروع: ودل كلام القاضي على انعقادها بفعل دال كبيع، وهو ظاهر كلام الشيخ يعني: الموفق، فيمن دفع ثوبه إلى قصار، أو خياط، وهو أظهر كالقبول. انتهى.١ ويصح قبولها بكل قول، أو فعل دل عليه فوراً، ومتراخياً، لأن قبول وكلائه، ﵊، كان بفعلهم، وكان متراخياً عن توكيله إياهم. [وشرط تعيين الوكيل] فلا يصح وكلت أحد هذين. [لا علمه بها] فلو باع عبد زيد على أنه فضولي، وبان أن زيداً كان وكله في بيعه قبل البيع، صح اعتباراً بما في نفس الأمر لا بما في ظن المكلف. [وتصح في بيع ماله كله، أو ما شاء منه، وبالمطالبة بحقوقه، وبالإبراء منها كلها، أوما شاء منها] لأنه يعرف ماله ودينه، فيعرف ما يبيع ويقبض، فيقل الغرر. قاله في الكافي. [ولا يصح إن قال: وكلتك في كل قليل وكثير، وتسمى: المفوضة] ذكر الأزجي أنه اتفاق الأصحاب، لأنه يدخل فيه كل شئ من هبة ماله، وطلاق نسائه، وإعتاق رقيقه، فيعظم الغرر والضرر.

стр. 448

[وللوكيل أن يوكل فيما يعجز عنه] لدلالة الحال على الإذن فيه١. [لا أن يعقد مع فقير، أو قاطع طريق] إلا بإذن موكله، فإن فعل لم يصح، لأنه تغرير بالمال، لأنه لا يؤمن انفساخ العقد، وقد تلف ما بيد الفقير، أو تعذر حضور قاطع الطريق. [أو يبيع مؤجلاً] إلا بإذن موكله، فإن فعل لم يصح، لأن الإطلاق ينصرف إلى الحلول. [أو بمنفعة أو عرض] إلا بإذن موكله، فإن فعل لم يصح، لأن الإطلاق محمول على العرف، والعرف كون الثمن من النقدين. [أو بغير نقد البلد إلا بإذن موكله] فإن فعل لم يصح، لأن عقد الوكالة لم يقتضه.

стр. 449

فصل الوكالة والشركة عقود جائزة [والوكالة، والشركة، والمضاربة، والمساقاة، والمزارعة، والوديعة، والجعالة: عقود جائزة من الطرفين] لأن غايتها من جهة الموكل ونحوه إذن، ومن جهة الوكيل ونحوه: بذل نفع، وكلاهما جائز. [لكل من المتعاقدين فسخها] أي: هذه العقود، كفسخ الإذن في أكل طعامه. [وتبطل كلها بموت أحدهما، وجنونه] المطبق لأنها تعتمد الحياة، والعقل، فإذا انتفى ذلك انتفت صحتها، لزوال أهلية التصرف.

стр. 450

[وبالحجر لسفه حيث اعتبر الرشد] كالتصرف المالي، فإن وكل في نحو طلاق، ورجعة لم تبطل بالسفه. [وتبطل الوكالة بطروء فسق لموكل، ووكيل فيما ينافيه] الفسق. [كإيجاب النكاح] وإثبات الحد، واستيفائه، لخروجه بالفسق عن أهلية ذلك التصرف. [وبفلس موكل فيما حجر عليه فيه] كأعيان ماله، لانقطاع تصرفه فيها، بخلاف ما لو وكل في شراء في ذمته، أو في ضمان أو اقتراض. [وبردته] أي: الموكل، لأنه ممنوع من التصرف في ماله مادام مرتداً. [وبتدبيره] أي: السيد. [أو كتابته قناً وكل في عتقه] لدلالته على رجوع الموكل عن الوكالة في العتق. [وبوطئه زوجة وكل في طلاقها] لأنه دليل على رغبته فيها، واختيار إمساكها، ولذلك كان الوطء رجعة في المطلقة رجعياً، بخلاف القبلة، والمباشرة دون الفرج. [وبما يدل على الرجوع من أحدهما] أي: الموكل والوكيل، كما تقدم في الموكل. ومن صور دلالة رجوع الوكيل ما إذا قبل الوكالة في عتق عبد من سيده بعد أن كان وكله آخر في شرائه منه. [وينعزل الوكيل بموت موكله] لما تقدم، ولأنه فرع، فيزول بزوال أصله.

стр. 451

[وبعزله له ولو لم يعلم] لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضى صاحبه، فصح بغير علمه كالطلاق. [ويكون ما بيده بعد العزل أمانة] فلا يضمن إلا إن تعدى، أو فرط كسائر الأمانات، ويضمن ما تصرف فيه على رواية: أنه ينعزل قبل علمه. واختار الشيخ تقي الدين: لا يضمن مطلقاً. ذكره في الإنصاف.

стр. 452

فصل في تصرف الوكيل [وإن باع الوكيل بأنقص عن ثمن المثل أو عن ما قدره له موكله، أو اشترى بأزيد] من ثمن المثل. [أو بأكثر مما قدره له صح] البيع والشراء. نص عليه، لأن من صح منه ذلك بثمن مثله صح بغيره، ولأن الضرر يزول بالتضمين. [وضمن في البيع كل النقص، وفي الشراء كل الزائد] لتفريطه بترك الاحتياط، وطلب الأحظ لموكله. قال في الكافي: ولا عبرة بما لا يتغابن الناس به، كدرهم في عشرة، لأنه لا يمكن التحرز منه. انتهى. [وبعه لزيد، فباعه لغيره لم يصح] البيع. قال في المغني: بغير خلاف علمناه. سواء قدر له الثمن أم لم يقدره، لأنه قد يقصد نفعه دون غيره، أو نفع المبيع بإيصاله إليه. [ومن أمر بدفع شئ إلى معين ليصنعه، فدفع ونسيه، لم يضمن] لأنه إنما فعل ما أمر به، ولم يتعد ولم يفرط. [وإن أطلق المالك] بأن قال: ادفعه إلى من يصنعه.

стр. 453

[فدفعه إلى من لا يعرفه ضمن] لأنه مفرط. [والوكيل أمين لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط] بجعل، وبغير جعل، لأنه نائب المالك فى اليد، والتصرف، فالهلاك في يده كالهلاك في يد المالك، كالوديعة. [ويصدق بيمينه في التلف، وأنه لم يفرط] لأن الأصل براءة ذمته ولا يكلف بينةً، لأنه مما تتعذر إقامة البينة عليه، ولئلا يمتنع الناس من الدخول في الأمانات مع الحاجة إليها، لكن إن ادعى التلف بأمر ظاهر، كحريق عام ونهب جيش كلف إقامة البينة عليه، ثم يقبل قوله فيه، ويقبل قول وكيل:١ إنه - أي: موكله-. [أذن له في البيع مؤجلاً، أو بغير نقد البلد] نص عليه في المضارب والوكيل في معناه، لأنه أمين في التصرف، فكان القول قوله في صفته. [وإن ادعى الرد لورثة الموكل مطلقاً] أي: بجعل وبغير جعل لم يقبل قوله، لأنهم لم يأتمنوه. [أوله] أي: ادعى الرد للموكل. [وكان بجعل لم يقبل] قوله في الرد، لأن في قبضه نفعاً لنفسه أشبه المستعير. ويقبل قوله في الرد إلى الموكل إن كان متطوعاً، لأنه قبض المال لنفع مالكه كالمودع، وتقدم في الرهن قاعدة ذلك، ويجوز التوكيل بجعل، لأنه تصرف لغيره لا يلزمه، فجاز أخذ العوض عنه، كرد الآبق، وإن قال: بع هذا بعشرة، فما زاد فهو لك، صح البيع، وله الزيادة. نص عليه، فقال: هل هذا إلا كالمضاربة؟. وهو قول

стр. 454

إسحاق، وغيره لأن ابن عباس كان لا يرى بذلك بأساً قال في الشرح: ولا يعرف له مخالف. [ومن عليه حق، فادعى إنسان أنه وكيل ربه في قبضه، فصدقه لم يلزمه دفعه إليه] لأنه لايبرأ به لجواز إنكار رب الحق، وإن كذبه لم يستحلف، لعدم الفائدة، إذ لا يقضى عليه بالنكول. [وإن ادعى موته] أي: موت رب الحق. [وأنه وارثه لزمه دفعه] أي: الحق لمدعي إرثه مع تصديقه له، لإقراره له بالحق، وأنه يبرأ بالدفع له، أشبه المورث. [وإن كذبه حلف أنه لا يعلم أنه وارثه] أو لا يعلم موت رب الحق، لأن من لزمه الدفع مع الإقرار، لزمه اليمين مع الإنكار. [ولم يدفعه] إليه.

стр. 455

كتاب الشركة مدخل مدخل ... كتاب الشركة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ١ وقوله: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ ٢ وقوله ﷺ "يقول الله تعالى: أنا ثالث الشريكين، ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما" رواه أبو داود. وقال زيد: كنت أنا والبراء شريكين، فاشترينا فضة بنقد، ونسيئة.. الحديث، رواه البخاري. [وهي خمسة أنواع كلها جائزة ممن يجوز تصرفه] لأن مبناها على الوكالة، والأمانة. [أحدها: شركة العنان، وهي: أن يشترك اثنان فأكثر في مال يتجران فيه، ويكون الربح بينهما بحسب ما يتفقان عليه] وهي جائزة بالإجماع. ذكره ابن المنذر. [وشروطها أربعة: ١- أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين: الذهب، والفضة] لأنها قيم المتلفات، وأثمان البياعات.

стр. 456

[ولو لم يتفق الجنس] كذهب وفضة، أو كان متفاوتاً، بأن أحضر أحدهما مائة والآخر مائتين. ولا تصح بالعروض - وعنه: تصح - ويجعل قيمتها وقت العقد رأس المال، والنقرة قبل ضربها، والمغشوشة كثيراً، والفلوس النافقة كالعروض. [٢ - أن يكون كل من المالين معلوماً] قدراً وصفة، لأنه لا بد من الرجوع برأس المال، ولا يمكن مع جهله. [٣ - حضور المالين] فلا تعقد على ما في الذمة، واشتراط إحضارهما لتقرير العمل، وتحقيق الشركة كالمضاربة. [ولا يشترط خلطهما] لأنها عقد على التصرف كالوكالة، ولهذا صحت على جنسين، ولأن المقصود الربح، وهو لا يتوقف على الخلط. [ولا الإذن في التصرف] لدلالة لفظ الشركة عليه. [٤ - أن يشرطا لكل واحد منهما جزءاً معلوماً من الربح سواء شرطا لكل واحد منهما على قدر ماله أو أقل أو أكثر] وبه قال أبو حنيفة، لأن العمل يستحق به الربح، وقد يتفاضلان فيه لقوة أحدهما وحذقه، فجاز أن يجعل له حظ من الربح كالمضارب. [فمتى فقد شرط فهي فاسدة، وحيث فسدت. فالربح على قدر المالين] في شركة عنان ووجوه، لأن الربح استحق بالمالين، فكان على قدرهما. [لا على ما شرطا] لفساد الشركة. [لكن يرجع كل منهما على صاحبه بأجرة نصف عمله] لعمله في نصيب شريكه بعقد يبتغى به الفضل في ثاني الحال، فوجب أن يقابل العمل فيه عوض كالمضاربة، فإذا كان عمل أحدهما مثلاً يساوي عشرة

стр. 457

دراهم، والآخر خمسة، تقاصا بدرهمين ونصف، ورجع ذو العشرة بدرهمين ونصف. [وكل عقد لا ضمان في صحيحه لا ضمان في فاسده، إلا بالتعدي والتفريط، كالشركة والمضاربة والوكالة والوديعة والرهن والهبة] والصدقة والهدية، وكل عقد لازم، يجب الضمان في صحيحه، يجب في فاسده، كبيع وإجارة ونكاح وقرض. ومعنى ذلك: أن العقد الصحيح إذا لم يكن موجباً للضمان، فالفاسد من جنسه كذلك، وإن كان موجباً له مع الصحة، فكذلك مع الفساد. [ولكل من الشريكين أن يبيع ويشتري ويأخذ ويعطي، ويطالب ويخاصم، ويفعل كل ما فيه حظ للشركة] لأن هذا عادة التجار وقد أذن له في التجارة، فينفذ تصرف كل منهما بحكم الملك في نصيبه، وبحكم الوكالة في نصيب شريكه.

стр. 458

فصل في المضاربة [الثاني: المضاربة، وهي: أن يدفع ماله إلى إنسان ليتجر فيه، ويكون الربح بينهما بحسب ما يتفقان] عليه وهي جائزة بالإجماع. حكاه في الكافي، والشرح، وذكره ابن المنذر. ويروى إباحتها عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وحكيم بن حزام، ﵃، في قصص مشتهرة، ولا مخالف لهم، فيكون إجماعاً. [١ وشروطها ثلاثة: ١ - أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين] كما تقدم في شركة العنان.

стр. 459

[٢ - أن يكون معيناً] فلا تصح إن قال: ضارب بما في أحد هذين الكيسين للجهالة، كالبيع. [معلوماً] فلا تصح بصبرة دراهم أو دنانير، إذ لابد من الرجوع إلى رأس المال عند الفسخ، ليعلم الربح، ولا يمكن ذلك مع الجهل. [ولا يعتبر قبضه بالمجلس] فتصح، وإن كان بيد ربه، لأن مورد العقد العمل. [ولا القبول] فتكفي مباشرته للعمل، ويكون قبولاً لها كالوكالة. وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه أنه لا يجوز أن يجعل الرجل ديناً له على رجل مضاربة. انتهى. وإن أخرج مالاً ليعمل فيه وآخر، والربح بينهما صح. نص عليه. [٣ - أن يشترط للعامل جزء معلوم من الربح] مشاعاً، كنصفه أو ربعه أو ثمنه أو ثلثه أو سدسه لأن النبي ﷺ ، عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها والمضاربة في معناها. فإن شرطا لأحدهما في الشركة والمضاربة دراهم معلومة، أو ربح أحد الثوبين لم يصح. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه على إبطال القراض إذا جعل أحدهما، أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة. [فإن فقد شرط فهي فاسدة، ويكون للعامل أجرة مثله] نص عليه. كالإجارة الفاسدة، لأنه بذل منافعه بعوض لم يسلم له، والتصرف صحيح، لأنه بإذن رب المال. [وما حصل من خسارة] فعلى المالك، لأن كل عقد لا ضمان في صحيحه، لا ضمان في فاسده

стр. 460

[أو ربح فللمالك] لأنه نماء ماله. وإن شرط عليه ما فيه غرض صحيح فخالف ضمن لأن حكيم بن حزام كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالاً مقارضة، يضرب له به: أن لا تجعل مالي في كبد رطبة، ولا تحمله في بحر، ولا تنزل به بطن مسيل، فإن فعلت شيئاً من ذلك فقد ضمنت مالي رواه الدارقطني. [وليس للعامل شراء من يعتق على رب المال] لقرابة أو تعليق أو إقرار بحريته إلا بإذنه، لأن عليه فيه ضرراً، والمقصود من المضاربة الربح، وهو منتف هنا. [فإن فعل] صح الشراء، لأنه مال متقوم قابل للعقود فصح شراؤه كغيره، و: [عتق] على رب المال، لتعلق حقوق العقد به، وولاؤه له. [وضمن] العامل [ثمنه] الذي اشتراه به لتفريط. [ولو لم يعلم] لأن الإتلاف الموجب للضمان يستوي فيه العلم والجهل، وقال أبو بكر: إن لم يعلم لم يضمن، لأنه معذور، كما لو اشترى معيباً لم يعلم عيبه. [ولا نفقة للعامل] لأنه دخل على العمل بجزء مسمى فلا يستحق غيره كالمساقي. [إلا بشرط] نص عليه. كالوكيل، وقال الشيخ تقي الدين وابن القيم: أو عادة، فإذا شرط نفقته فله ذلك، لقوله ﷺ : "المؤمنون على شروطهم" ويستحب تقديرها لأنه أبعد من الغرر.
следующие страницы →