← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 5486

شرح الشاطبية إبراز المعاني من حرز الأماني - ت عطوة

أبو شامة المقدسي

Полный текст (805 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمات خطبة الكتاب ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ خطبة الكتاب: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ "قرآن كريم". الحمد لله الذي أسبغ علينا نعمه، وأفاض لدينا مننه. وأنزل إلينا كتابه الذي فصل آياته فأحكمه وأتقنه، وجعلنا من حملته وخدام شرعه الذي علمنا فروضه وسننه. وخصنا بإرسال أكرم الخلق عليه الذي طهر قلبه وأظهر لُسُنَه. وجعل خير الناس أمته، وخير القرون قرْنه الذي به قرَنه، أبي القاسم، "محمد بن عبد الله" خاتم أنبيائه، وسيد أصفيائه، وعلم أوليائه، الذي زان عصره وشرف زمنه، صلوات الله وسلامه عليه، ما قصد شام شامه، وبلغ يمان يمنه. وعلى آله الأبرار الممتثلين أمره والمقتفين سننه، وعلى أصحابه الكرام الذين منهم من أواه ونصره، ومنهم من هجر لأجله أهله وماله ووطنه، وعلى كل من تبعهم بإحسان، في جميع الأزمان، ممن اتخذ طاعة ربه سكنه، ووافق في الصلاح سره علنه، وجعلنا ممن أصغى للمواعظ في الدنيا أذنه، وأذهب عنه في الآخرة حزنه، من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. "أما بعد" فإن أولى ما أفنى فيه المكلف عمره، وعلق به خاطره، وأعمل فيه فكره، تحصيل العلوم النافعة الشرعية، واستعمالها في الأعمال المرضية. وأهم ذلك علم كتاب الله تعالى، الذي تولى سبحانه حفظه بفضله، وأعجز الخلائق أن يأتوا بمثله، وجعل ذلك برهانا لتصديق رسالة من أنزل عليه، وأخبر أن الباطل لا يأتيه لا من خلفه ولا من بين يديه. ثم العلوم المتعلقة به كثيرة، وفوائد كل علم منها غزيرة، لكن الأهم أولا إتقان حفظه، وتقويم لفظه، ولا يحصل ذلك إلا بعد الإحاطة بما صح من قراءاته؛ وثبت من رواياته، ليعلم بأي لفظ يقرأ، وعلى أي وجه يروي. والقرآن كلام الله منقول نقل التواتر عن رسول الله ﷺ ، الذي أنزل عليه، لم يزل في كل حين وجيل ينقله خلق لا يحصى، ويبحث في ألفاظه ومعانيه ويستقصى، وإنما يعد أهل العلم منهم من كثرت عنايته به، واشتهر عند الناس بسببه. وذكر الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى في أول كتابه في القراءات تسمية من نقل عنهم شيء من وجوه القراءات من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من كبار أئمة المسلمين. فذكر الخلفاء الأربعة، وطلحة وسعدا، وابن مسعود، وحذيفة، وسالما مولى أبي حذيفة، وأبا هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وعمرو بن

стр. 2

العاص، وابنه عبد الله، ومعاوية، وابن الزبير، وعبد الله بن السائب وعائشة، وحفصة وأم سلمة، وهؤلاء كلهم من المهاجرين ﵃ أجمعين. وذكر من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبا الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبا زيد، ومجمع بن حارثة، وأنس بن مالك. وعن التابعين بالمدينة: ابن المسيب، وعروة، وسالما، وعمر بن عبد العزيز، وسليمان، وعطاء ابني يسار، ومعاذ بن الحارث الذي يعرف بمعاذ القارئ، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وابن شهاب، ومسلم بن جندب، وزيد بن أسلم. وبمكة عبيد بن عميرة، وعطاء، وطاوسا، ومجاهدا وعكرمة١، وابن أبي مليكة. وبالكوفة علقمة، والأسود، ومسروقا، وعبيدة، وعمرو بن شرحبيل؛ والحارث بن قيس، والربيع ابن خيثم، وعمرو بن ميمون وأبا عبد الرحمن السلمي، وزر بن حبيش، وعبيد بن نضلة وأبا زرعة بن عمرو ابن جرير، وسعيد بن جبير، والنخعي والشعبي. وبالبصرة: عامر بن عبد بن قيس، وأبا العالية، وأبا رجاء، ونصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر وجابر بن زيد، والحسن، وابن سيرين، وقتادة. وبالشام: المغيرة بن أبي شهاب المخزومي صاحب عثمان بن عفان ﵁ في القراءة. قال: ثم تجرد قوم للقراءة فاشتدت بها عنايتهم، وكثر لها طلبهم حتى صاروا بذلك أئمة بأخذها الناس عنهم ويقتدون بهم فيها، وهم خمسة عشر رجلا من هذه الأمصار الخمسة في كل مصر ثلاثة رجال. فكان بالمدينة: أبو جعفر يزيد بن القعقاع، ثم شيبة بن نصاح، ثم نافع بن أبي نعيم، وإليه صارت قراءة أهل المدينة. وكان يمكة: عبد الله بن كثير، وحميد بن قيس الأعرج، ومحمد بن محيصن، وأقدمهم ابن كثير، وإليه صارت قراءة أهل مكة. وكان بالكوفة: يحيى بن وثاب، وعاصم بن بهدلة، وسليمان الأعمش ثم تلاهم حمزة رابعًا، ثم الكسائي. وكان بالبصرة: عبد الله بن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر، وابو عمرو بن العلاء، وإليه صار أهل البصرة في القراءة واتخذوه إماما، وكان لهم رابع وهو عاصم الجحدري. وكان بالشام: عبد الله بن عامر، ويحيى بن الحارث الذماري، وثالث نسيت اسمه. قلت: قيل هو خليد بن سعد صاحب أبي الدرداء. وعندي أنه عطية بن قيس الكلابي أو إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر. ثم إن القراء بعد هؤلاء كثروا وتفرقوا في البلاد وانتشروا: وخلفهم أمم بعد أمم عرفت طبقاتهم واختلفت صفاتهم. فمنهم المحكم للتلاوة المعروف بالرواية والدراية. ومنهم المقتصر على وصف من هذه الأوصاف، وكثر بسبب ذلك الاختلاف، وقل الضبط واتسع الخرق، والتبس الباطل بالحق، فميّز جهابذة العلماء ذلك بتصانيفهم، وحرروه وضبطوه في تآليفهم، وقد أتقن تقسيم ذلك الإمام أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس

стр. 3

ابن مجاهد رحمه الله تعالى في أول كتاب السبعة له، ثم قال. والقراءة التي عليها الناس: بالمدينة. ومكة، والكوفة والبصرة، والشام هي القراءة التي تلقوها من أوليهم تلقيا، وقام بها في كل مصر من هذه الأمصار رجل ممن أخذ عن التابعين، اجتمعت الخاصة والعامة على قراءته، وسلكوا فيها طريقه. وتمسكوا بمذاهبه على ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁، وزيد بن ثابت. ثم عن محمد بن المنكدر، وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وعامر الشعبي ﵃، يعني أنهم قالوا: إن القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول، فاقرءوا كما علمتموه. قال زيد بن ثابت: القراءة سنة. قال إسماعيل القاضي ﵀: أحسبه، يعني هذه القراءة التي جمعت في المصحف الكريم. وذكر عن محمد بن سيرين قال: أنبئت أن القرآن كان يعرض على النبي ﷺ كل عام مرة في شهر رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عرض عليه مرتين. قال ابن سيرين: فيرون أو يرجون أن تكون قراءاتنا هذه أحدث القراءات عهدا بالعرضة الأخيرة. وعنه عن عبيدة السلماني قال: القراءة التي عرضت على رسول الله ﷺ في العام الذي قبض فيه هي التي يقرؤها الناس اليوم. قلت: وهذه السنة التي أشاروا إليها هي ما ثبت عن رسول الله ﷺ -نصا، أنه قرأه أو أذن فيه على ما صح عنه أن القرآن أنزل على سبعة أحرف. فلأجل ذلك كثر الاختلاف في القراءة في زمانه بعده إلى أن كتبت المصاحف باتفاق من الصحابة ﵃ بالمدينة. ونفذت إلى الأمصار. وأمروا باتباعها وترك ما عداها، فأخذ الناس بها وتركوا من تلك القراءات كل ما خالفا وبقوا ما يوافقها نصا أو احتمالا، وذلك لأن المصاحف كتبت على اللفظ الذي أنزل، وهو الذي استقر عليه في العرضة الأخيرة على رسول الله ﷺ -كما عرضها هو على جبريل عليهما الصلاة والسلام، وكل ذلك ثابت في الأحاديث الصحيحة مفرقا في أبوابه، قد وقف على ذلك من له بها عناية. فمن ذلك ما في الصحيحين من رواية عائشة عن فاطمة عن أبيها ﷺ : "أنه أسر إليها في مرض موته أن جبريل ﵇ كان يعارضني بالقرآني في كل سنة مرة، وإنه عارضني به العام مرتين". وفي صحيح البخاري من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال: "كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام مرة فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه". وذكر المحققون من أهل العلم بالقراءة ضابطا حسنا في تمييز ما يعتمد عليه من القراءات وما يطرح، فقالوا: كل قراءة ساعدها خط المصحف مع صحة النقل فيها، ومجيئها على الفصيح من لغة العرب فهي قراءة صحيحة معتبرة. فإن اختل أحد هذه الأركان الثلاثة أطلق على تلك القراءة أنها شاذة وضعيفة. أشار إلى ذلك كلام الأئمة المتقدمين، ونص عليه أبو محمد مكي -رحمه الله تعالى- في تصنيف له مرارا، وهو الحق الذي لا محيد عنه على تفصيل فيه، قد ذكرناه في موضع غير هذا. وقد كثرت تصانيف الأئمة في القراءات المعتبرة والشاذة، ووقع اختيار أكثرهم على الاقتصار على ذكر قراء

стр. 4

سبعة من أئمة الأمصار، وهم الذين أجمع عليهم وإن كان الاختلاف أيضا واقعا فيما نسب إليهم. وأول من فعل ذلك الإمام أبو بكر بن مجاهد قبيل سنة ثلاثمائة أو في نحوها، وتابعه بعد ذلك من أتى بعده وإلى الآن، وكان من كبار أئمة هذا الشأن. وبعضهم صنف في قراءة أكثر من هذا العدد، وبعضهم في أنقص منه. واختار ابن مجاهد فمن بعده هذا العدد موافقة لقوله ﵊: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف". فإن كان المراد بها غير ذلك على ما ذكرناه في كتاب مفرد لذلك، وتأسيا لمصحف الأئمة التي نفذها الصحابة إلى الأمصار؛ فإنها كانت سبعة على ما نطقت به الأخبار، ووقع اختيارهم من أئمة القراءة على كل مختار. وتولى شرح كتاب ابن مجاهد في السبعة: أبو علي الفارسي النحوي في كتاب كبير يسمى "الحجة" وقد أوضح فيه المحجة. وكان قد شرع فيه قبله شيخه أبو بكر بن السراج، فسلك أبو علي بعده ذلك المنهاج وهما من كبار أئمة النحويين المحققين المتقنين. ثم شرح كتاب ابن مجاهد في القراءات الشواذ أبو الفتح بن جني صاحب الشيخ أبي علي في كتاب سماه بـ "المحتسب" وأتى فيه بكل عجب.

стр. 5

فصل في ذكر القراء السبعة: في ذكر القراء السبعة الذين اختار ابن مجاهد قراءتهم، واشتهر ذكرهم في الآفاق: ومعظم المصنفين في القراءات يذكرونهم في أوائل كتبهم، مع طرف من أخبارهم، مختلفين في ترتيبهم. ونحن نذكرهم بطريق الاختصار على الترتيب الذي ألفناه بهذه الديار: الأول الإمام أبو عبد الرحمن نافع بن أبي نعيم المدني ﵀، وبه بدأ ابن مجاهد؛ قرأ على سبعين من التابعين. وقال فيه مالك بن أنس الإمام، وصاحبه عبد الله بن وهب: قراءة نافع سنة. وقال الليث بن سعد إمام أهل مصر: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة، وإمام الناس في القراءة يومئذ نافع بن أبي نعيم. وقال: أدركت أهل المدينة وهم يقولون: قراءة نافع سنة. وقال ابن أبي أويس: قال لي مالك: قرأت على نافع. الثاني: أبو معبد عبد الله بن كثير المكي ﵀: قرأ على مجاهد وغيره من التابعين، وقيل إنه قرأ عبد الله بن السائب المخزومي، وله صحبة. وقرأ عليه جماعة من أئمة أهل البصرة مع جلالتهم: كأبي عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر، والخليل بن أحمد، وحماد، وحماد بن أبي سلمة، وابن زيد، وحديثه مخرج في الصحيحين. ونقل الإمام أبو عبد الله الشافعي قراءته، وأثنى عليها، وقرأ على صاحبه إسماعيل بن قسطنيطين قارئ أهل مكة، وقال: قراءتنا قراءة عبد الله بن كثير، وعليها وجدت أهل مكة، من أراد التمام فليقرأ لابن كثير: الثالث: أبو عمرو بن العلاء البصري، رحمه الله تعالى. أغزرهم علما وأثقبهم فهما. قرأ على جماعة جلة من التابعين، من أهل الحجاز والعراق، كمجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ويحيى بن يعمر، وأبي العالية. واشتهرت قراءته في البلاد، وأخبر مثل سفيان بن عيينة قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله قد اختلفت علي القراءات، فبقراءة من تأمرني أن أقرأ؟ قال: "اقرأ بقراءة أبي عمرو

стр. 6

ابن العلاء". وقال أحمد بن حنبل في إحدى الروايات عنه: قراءة أبي عمرو أحب القراءات إلي، هي قراءة قريش، وقراءة الفصحاء. الرابع: أبو عمران: عبد الله بن عامر الدمشقي رحمه الله تعالى، هو أسن القراء السبعة وأعلاهم إسنادا: قرأ على جماعة من الصحابة: حتى قيل إنه قرأ على عثمان بن عفان ﵁، وأنه ولد في حياة النبي ﷺ . وممن قرأ هو عليه من الصحابة: معاوية، وفضالة بن عبيد، وواثلة بن الأسقع، وأبو الدرداء ﵃. فلما مات أبو الدرداء خلفه ابن عامر وقام مقامه، واتخذه أهل الشام إماما، وحديثه مخرج في صحيح مسلم. ومن رواته الآخذين عن أصحاب أصحابه: هشام بن عمار أحد شيوخ أبي عبد الله البخاري ﵏. الخامس: أبو بكر عاصم بن أبي النجود الكوفي ﵀. قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي، وزر بن حبيش، وكانا من أصحاب عثمان، وعلى، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت ﵃ على تفصيل في ذلك. وجلس عاصم للإقراء بعد وفاة أبي عبد الرحمن. وروى عنه الحديث والقرآن قبل سنة مائة. وكانت قراءته عندهم جليلة خطيرة مختارة. وقال صالح بن أحمد بن حنبل: سألت أبي: أي القراءات أحب إليك؟ قال: قراءة نافع. قلت: فإن لم توجد. قال: قراءة عاصم. وفي رواية أخرى قال: أهل الكوفة يختارون قراءته وأنا أختارها. السادس: أبو عمارة حمزة بن حبيب الزيات ﵀، من رجال صحيح مسلم، وهو إمام أهل الكوفة بعد عاصم: قرأ عليه جماعة من أئمة أهل الكوفة وأثنوا عليه في زهده وورعه، منهم سفيان الثوري، وشريك بن عبد الله، وشعيب بن حرب، وعل بن صالح، وجرير بن عبد الحميد، ووكيع وغيرهم. ولم يوصف أحد من السبعة القراء بما وصف به حمزة من الزهد والتحرز عن أخذ الأجر على القرآن، حتى إن جرير بن عبد الحميد قال: مر بي حمزة الزيات في يوم شديد الحر، فعرضت عليه الماء؛ ليشرب فأبى؛ لأني كنت أقرأ عليه القرآن. السابع: أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي إمام نحاة الكوفة عنه أخذ القراء وغيرهم، وانتهت إليه الرياسة في القراءة بعد حمزة، وبلغ عند هارون الرشيد منزلة عظيمة: وكان الناس يأخذون عنه ألفاظه بقراءته عليهم، وينقطون مصاحفهم بقراءته. وقال الإمام الشافعي ﵁: من أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي. وقال إسماعيل بن جعفر المدني، وهو من كبار أصحاب نافع: ما رأيت أقرأ لكتاب الله من الكسائي. ورؤي ﵀ في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، وفي رواية: رحمني ربي بالقرآن، وفي رواية: إلى ماذا صرت؟ قال: إلى الجنة، قيل له: ما فعل حمزة الزيات، وسفيان الثوري؟ قال: فوقنا، ما نراهم إلا كالكوكب الدري. وفي أخرى قال: غفر لي وأكرمني، وجمع بيني وبين النبي محمد ﷺ ، فقال: ألست عليَّ بن حمزة الكسائي؟ فقلت: نعم١، فقال: اقرأ، فقرأت: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ حتى بلغت ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ ٢. فقال لي: لأباهين بك الأمم يوم القيامة. فهؤلاء هم السبعة القراء الذي أطبق عليهم أهل الأداء.

стр. 7

وقد كثرت التصانيف بعد ابن مجاهد في ذكر قراءتهم، وهي من بين مصنف وجيز، وكتاب مطول، يجمع طرفهم وأخبارهم ورواياتهم، وآل الأمر إلى أن صنف كتاب التيسير لأبي عمرو الداني ﵀ فاعتمد عليه، وصرفت العناية إليه؛ لما فيه من التنقيح والاختيار والتحرير والاختصار. ثم إن الله تعالى سهل هذا العلم على طالبيه بما نظمه الشيخ الإمام العالم الزاهد أبو القاسم الشاطبي ﵀ من قصيدته المشهورة المنعوتة بحرز الأماني، التي نبغت في آخر الدهر أعجوبة لأهل العصر، فنبذ الناس سواها من مصنفات القراءات، وأقبلوا عليها لما حوت من ضبط المشكلات وتقييد المهملات، مع صغر الحجم وكثرة العلم، وإنما شهرها بين الناس شرحها؛ وبين معانيها وأوضحها، ونبه على قدر ناظمها، وعرف بحال عالمها، شيخنا الإمام العلامة علم الدين، بقية مشايخ المسلمين، أبو الحسن على بن محمد هذا الذي ختم به الله العلم مع علو المنزلة في الثقة والفهم، جزاه الله عنا أفضل الجزاء، وجمع بيننا وبينه في دار النعيم والبقاء. فلما تبين أمرها وظهر سرها تعاطى جماعة شرحها، ولم ينصفوا من أباحهم سرحها، ورقاهم صرحها، وهي أول مصنف وجيز حفظته بعد الكتاب العزيز، وذلك قبل بلوغ الحلم وجريان القلم، ولم أزل من ذلك الزمان إلى الآن طالبا إتقان باب، ومن معانيها ما لم يكن في حساب. وكنت سمعت شيخنا أبا الحسن علي بن محمد المذكور، يحكي عن ناظمها شيخه الشاطبي رحمها الله مرارا أنه قال كلاما ما معناه: لو كان في أصحابي خير أو بركة لاستنبطوا من هذه القصيدة معاني لم تخطر لي. ثم إني رأيت الشيخ الشاطبي ﵀ في المنام وقلت له: يا سيدي حكى لنا عنك الشيخ أبو الحسن السخاوي أنك قلت كيت وكيت، فقال: "صدق". وحكى لنا بعض أصحابنا أنه سمع بعض الشيوخ المعاصرين للشاطبي يقول: لمته في نظمه لها لقصور الأفهام عن دركها فقال لي: "يا سيدي هذه يقيض الله لها فتى يبينها" أو كما قال، قال: فلما رأيت السخاوي قد شرحها علمت أنه ذلك الفتى الذي أشار إليه. قلت: ثم إن الله تعالى فتح على من مراجعته وبركات محاضرته معاني لم يودعها كتابه ولم يعرفها أصحابه، فأردت تدوينها مع استقصاء شرح للأبيات معنى ولفظا، وذكر ما يتعلق بها مما رأيت لها منه قسما وحظا، فابتدأت ذلك في كتاب كبير بلغت فيه "باب الهمزتين من كلمة" في نحو مجلدة بخطي محكمة، ثم إني فكرت في قصور الهمم، وتغيير الشيم وطولبت بتتميمه فاستقصرت العمر عن تلك الهمة مع ما أنا بصدده من تصانيف مهمة، فشرعت في اختصار ذلك الطويل واقتصرت مما فيه على القليل، فلا تهملوا أمره لكونه صغيرًا حجما، فإنه كما قيل: كنيف ملئ علما، وسميته:

стр. 8

مقدمة القصيدة مدخل ... مقدمة القصيدة: "إبراز المعاني من حرز الأماني": وقد أخبرني بهذه القصيدة عن ناظمها جماعة من أصحابه، وقرأتها على شيخنا أبي الحسن المذكور مرارا، وأخبرني أنه قرأها على ناظمها غير مرة، ومات ﵀ سنة تسعين وخمسمائة في جمادى الآخرة، ومولده في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة فيكون عمره أقل من اثنتين وخمسين سنة.

стр. 9

قال -تغمده الله برحمته وجمع بيننا وبينه في جنته: ١- بَدَأْتُ بِبِسْمِ اْللهُ فيِ النَّظْمِ أوَّلاَ ... تَبَارَكَ رَحْمَاناً رَحِيماً وَمَوْئِلاَ أي: قدمت لفظ: بسم الله الرحمن الرحيم في أول نظمي هذا يقال بدأت بكذا إذا قدمته فالباء الأولى لتعدية الفعل والثانية هي التي في أول البسملة: أي بدأت بهذا اللفظ. والنظم الجمع ثم غلب على جمع الكلمات التي انتظمت شعرا فهو بمعنى منظوم أو مصدر بحاله؛ واللام في النظم للعهد المعلوم من جهة القرينة وهي قائمة مقام الإضافة كقوله تعالى: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ ١. أي أدنى أرض العرب أي في نظمي نزله منزلة المعروف المشهور تفاؤلا له بذلك أو أراد في هذا النظم نزله منزلة الموجود الحاضر فأشار إليه كقوله تعالى: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ٢. أو يكون المصدر في موضع الحال أي منظوما وأولا نعت مصدر محذوف أي في أن نظمت نظما أول أي أنه مبتكر لم يسبق إليه وهو نظم قصيدة على روي واحد في مذاهب القراء السبعة موجزة بسبب ما اشتملت عليه من الرموز وقد تشبه به قوم في زماننا، فمنهم من سلك مسلكه مختصرا لها ومنهم من غير الرموز بغيرها ومنهم من نظم في مذاهب القراء العشرة، زاد رواية أبي جعفر المدني ويعقوب الحضرمي وخلف البزار فيما اختار والفضل للمتقدم الذي هو أتقى وأعلم فالألف في قوله أولا على هذا الوجه للإطلاق؛ لأنه غير منصرف، ويجوز أن تكون الألف بدلا من التنوين على أن يكون أولا ظرف زمان عامله بدأت أو النظم أي بدأت في أول نظمي "بسم الله" أو بدأت بسم الله في نظمي الواقع أولا فهو كقول الشاعر: فساغ لي الشراب وكنت قبلا٣ والبركة كثرة الخير وزيادته واتساعه وشيء مبارك أي زائد نامٍ وما لا يتحقق فيه ذلك يقدر في لازمه وما يتعلق به كقوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ ٤، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ٥. أي كثير خير ذلك وما يتعلق به من الأجر وتبارك تفاعل منه كتعاظم من العظمة وتعالى من العلو، وقيل إنه فعل لم يتصرف أصلا لا يقال يتبارك وغيره، ثم كمل لفظ البسملة بقوله رحمانا رحيما وزاد قوله وموئلا وهذا المعنى زاد دخول الواو فيها حسنا والموئل. المرجع والملجأ وهو وإن لم يكن لفظه ثابت الإطلاق على الله تعالى من حيث النقل فمعناه ثابت نحو: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ ٦، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ٧.

стр. 10

وانتصاب الثلاثة على التمييز أو الحال: أي تبارك من رحمن رحيم أو في حال كونه كذلك أو يكنَّ منصوبات على المدح وتم الكلام على تبارك، وهذا نحو قولهم: الحمد لله الحميد ويتعلق بهذا البيت أبحاث كثيرة ذكرناها في الكبير واستوفينا ما يتعلق بشرح البسملة في كتاب مفرد وغيره والله أعلم: ٢- وَثَنَّيْتُ صَلَّى اللهُ رَبِّي عَلَى الِرَّضَا ... مُحَمَّدٍ الْمُهْدى إلَى النَّاسِ مُرْسَلاَ أي ثنيت بصلى الله أي بهذا اللفظ كما قال بدأت ببسم الله أو على إضمار القول أي بقولي صلى الله أو ثنيت بالصلاة فقلت صلى الله فموضع صلى الله نصب على إسقاط الخافض في الوجه الأول وعلى أنه مفعول مطلق أو مفعول به إن قلنا إنه على إضمار القول وصلى الله لفظه خبر معناه دعاء والرضى بمعنى ذي الرضى أي الراضي من قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ١. أو المرضي أي الذي ارتضاه الله تعالى أو الذي يرضيه يوم القيامة أي يعطيه ما يرضيه من الشفاعة وغيرها فيرضى، وقرئ قوله تعالى في آخر طه: "لعلك تَُرضى"٢. بفتح التاء وضمها جمعا بين المعنيين وقوله محمد بدل أو عطف بيان والمهدَى اسم مفعول من أهديت الشيء فهو مهدَى؛ لأن الله تعالى أهداه إلى خلقه تحفة لهم فأنقذ به من أسعده من النار وأدخله الجنة مع الأبرار، وعن الأعمش عن أبي صالح قال: كان النبي رسول الله ﷺ يناديهم: "يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة". أخرجه أبو محمد الدارمي في مسنده هكذا منقطعا، وروي موصولا بذكر أبي هريرة فيه وفي معناه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٣. ومرسلا حال من الضمير في المهدَى، ويجوز أن يكون تمييزا كما سبق في تبارك رحمانا أي المهدى إرساله والله أعلم: ٣- وَعِتْرَتِهِ ثُمَ الصَّحَابَةِ ثُمّ مَنْ ... تَلاَهُمْ عَلَى اْلأِحْسَانِ بِالخَيْرِ وُبَّلاَ سئل مالك بن أنس ﵀ عن عترة رسول الله ﷺ فقال: هم أهله الأدنن وعشيرته الأقربون، وقال الجوهري: عترة الإنسان نسله ورهطه الأدنون. قلت: وهو معنى قول الليث: عترة الرجل أولياؤه يعني الذين ينصرونه ويهتمون لأمره ويعنون بشأنه

стр. 11

وليس مراد الناظم بالعترة جمع من يقع عليه هذا الاسم من عشيرة النبي ﷺ وإنما مراده المؤمنون منهم وهم الذين جاء فيهم الحديث: "وإني تارك فيكم ثقلين: كتاب الله وعترتي" وفي رواية موضع عترتي: "وأهل بيتي". وكأن ذلك تفسير للعترة وأهل بيته: هم آله من أزواجه وأقاربه، وقد صح: أن النبي ﷺ سئل عن كيفية الصلاة عليه فقال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" وفي رواية: "على محمد وعلى أزواجه وذريته". فكأنه فسر الآل بما في الحديث الآخر، فلهذا لما صلى على النبي صلى على عترته ثم على الصحابة وإن كان بعضهم داخلا في العترة؛ ليعم الجميع ثم على التابعين لهم بإحسان، ومعنى "تلاهم" تبعهم وقوله: "على الإحسان" أي على طلب الإحسان أو على طريقة الإحسان أو على ما فيهم من الإحسان أو يكون على بمعنى الباء كما يأتي في قوله: "وليس على قرآنه متأكلا" وفي تلا ضمير مفرد مرفوع مستتر عائد على لفظ من، و"وبلا" جمع وابل وهو المطر الغزير وأصله الصفة ولذلك جمع على فعل كشاهد وشهد وهو منصوب على الحال من أحد الضميرين في تلاهم: إما المرفوع العائد على التابعين وإما المنصوب العائد على الصحابة أي مشبهين الوبل في كثرة خيرهم أو يكون حالا منهما معا كقوله: لقيته راكبين فإن كان حالا من المرفوع المفرد فوجه جمعه حمله على معنى من وبالخير متعلق بوبلا من حيث معناه أي جائدين بالخير، ويجوز أن يتعلق بتلا أي تبعوهم بالخير على ما فيهم من الإحسان وإن جعلنا على بمعنى الباء كان قوله بالخير على هذا التقدير كالتأكيد له والتفسير والله أعلم: ٤- وَثَلَّثْتُ أنَّ اْلَحَمْدَ لِلهِ دائِماً ... وَمَا لَيْسَ مَبْدُوءًا بِهِ أجْذَمُ الْعَلاَ وثلثت مثل ثنيت في أنه فعل يتعدى بحرف الجر فيجوز في أن بعدها الفتح والكسر فالفتح على تقدير بأن الحمد والكسر على معنى فقلت: إن الحمد لله ودائما بمعنى ثابتا وهو حال من الحمد أو من اسم الله أو نعت مصدر محذوف أي حمدا مستمرا وما مبتدأ وهي موصولة وليس مبدوءا به صلتها واسم ليس ضمير مستتر يعود على ما ومبدوءا خبرها والهاء في به عائدة على الحمد أو على اسم الله تعالى على تقدير بذكره أو باسمه وبه منصوب المحل بمبدوء أو مرفوع مبدوء ضمير عائد على ما أي وكل كلام ليس ذلك الكلام مبدوءا بالحمد "أجذم العلا" أي مقطوع الأعلى أي ناقص الفضل فأجذم خبر المبتدأ الذي هو ما والجزم أصله القطع والعلاء بفتح العين يلزمه المد وهو الرفعة والشرف وأتي به في قافية البيت على لفظ المقصور وليس هو من باب قصر الممدود الذي لا يجوز إلا في ضرورة الشعر بل يمكن حمله على وجه آخر سائغ في كل كلام نثرا كان أو نظما وذلك أنه لما وقف أسكن الهمزة ثم إنه قلبها ألفا فاجتمع ألفان فحذف أحدهما كما يأتي في باب وقف حمزة وهشام على نحو السماء والدعاء وهكذا نقول في كل ما ورد في هذه القصيدة من هذا الباب في قوافيها كقوله: "فتى العلا" "أحاط به الولا" "فتنجو من البلا" "وإن افتحوا الجلا" "بعد على الولا" "عن جلا" ... أما ما يأتي في حشو الأبيات كقوله: وحق لوى باعد ومالي سما لوى ويا خمس أجرى ... فلا وجه لذلك إلا أنه من باب قصر الممدود ثم يجوز في موضع العلا أن يكون مرفوعا ومنصوبا ومجرورا؛ لأن أجذم العلا من باب حسن الوجه فهو كما في بيت النابغة:

стр. 12

أجب الظهر ليس له سنام١ يروى الظهر بالحركات الثلاث وأشار بما في عجز هذا البيت إلى حديث خرجه أبو داود في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم". قال الخطابي: معناه المنقطع الأبتر الذي لا نظام له، قلت: وروي هذا الحديث مرسلا وروي: "أقطع" موضع: "أجذم" وروي: "لم يبدأ فيه بذكر الله ... ". فتكون البسملة على هذا إذا اقتصر عليها مخرجة من عهدة العمل بهذا الحديث ولو أن الناظم ﵀ قال: وثنيت أن الحمد وثلثت: صلى الله لكان أولى تقديما لذكر الله تعالى على ذكر رسوله الله ﷺ ، ووجه ما ذكر أنه أراد أن يختم خطبته بالحمدلة فإن ذكر الله تعالى قد سبق بالبسملة فهو كقوله سبحانه في آخر سورة والصافات:

стр. 13

بعض ما جاء في ذكر القرآن العزيز وفصل قراءته ... بعض ما جاء في ذكر القرآن العزيز وفضل قراءته: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١ والله أعلم. ٥- وَبَعْدُ فَحَبْلُ اللهِ فِينَا كِتَابُهُ ... فَجَاهِدْ بِهِ حِبْلَ الْعِدَا مُتَحَبِّلاَ أي وبعد هذه الخطبة أذكر بعض ما جاء في فضائل القرآن العزيز وفضل قرائه "وحبل الله: مبتدأ، وفينا: متعلق به من حيث المعنى على ما نفسر به الحبل أو يكون صلة لموصول محذوف أي الذي فينا وكتابه خبر فحبل، ويجوز أن يكون فينا هو الخبر وكتابه خبر مبتدأ محذوف أي هو كتابه والفاء في فحبل رابطة للكلام بما قبله ومانعة من توهم إضافة بعد إلى حبل والعرب تستعير لفظ الحبل في العهد والوصلة والمودة وانقطاعه في نقيض ذلك، فلذلك استعير للقرآن العزيز لأنه؛ وصلة بين الله تعالى وبين خلقه من تمسك به وصل إلى دار كرامته، وجاء عن ابن مسعود ﵁ وغيره في تفسير قوله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ ٢. أنه القرآن، وفي كتاب الترمذي من حديث الحارث الأعور عن علي ﵁ في حديث طويل في وصف القرآن قال: "هو حبل الله المتين". وفي كتاب أبي بكر بن أبي شيبة في ثواب القرآن عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض".

стр. 14

وفيه عن ابن شريح الخزاعي أن النبي ﷺ قال: "إن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به". وقوله: ﴿فَجَاهِدْ بِهِ﴾ أي بالقرآن العزيز كما قال تعالى: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ ١. أي بحججه وأدلته وبراهينه والحبل بكسر الحاء الداهية ومتحبلا حال من فاعل فجاهد يقال تحبل الصيد إذا أخذه بالحبالة وهي الشبكة واستعمل التجانس في هذا البيت والذي بعده وهو مما يعد من الفصاحة في الشعر وغيره: ٦- وَأَخْلِقْ بهِ إذْ لَيْسَ يَخْلُقُ جِدَّةً ... جَدِيداً مُوَاليهِ عَلَى الْجِدِّ مُقْبِلاَ أخلق به تعجب أي ما أخلقه بالمجاهدة به أي ما أحقه بذلك يقال هو خليق بكذا أي حقيق به وإذ هنا تعليل مثلها في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ ٢. ويقال: أخلق الثوب خلق إذا بلى وجدّة تمييز وهي ضد البلى يستعار ذلك للقرآن العزيز لما جاء في الحديث عن ابن مسعود موقوفا ومرفوعا: "إن هذا القرآن حبل الله لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد". أخرجه الحافظ البيهقي في كتاب المدخل أي لا يحدث له البلى ناشئا عن كثرة ترداده وتكراره ومرور الزمان عليه وجديدا فعيل من الجد بفتح الجيم وهو العظمة والعزة والشرف وانتصابه على الحال من ضمير يخلق العائد على القرآن العزيز أو على المدح ومواليه بمعنى مصافيه وملازمه العامل بما فيه وهو مبتدأ وعلى الجد خبره فهي جملة مستأنفة أي حصل على الجد واستقر عليه والجد بكسر الجيم ضد الهزل ومقبلا حال من الضمير المقدر في الخبر الراجع على مواليه أي استقر على الجد في حال إقباله عليه واحتفاله به عملا وعلما يشير إلى ما كان الأولون عليه من الاهتمام به، ويجوز أن يكون مواليه فاعل جديدا فيكون بمعنى جديدا له وإن كان حالا من القرآن العزيز لفظا نحو رأيت زيدا كريما غلامه وعلى هذا يكون في على الجد ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون حالا ومقبلا حال بعد حال: والثاني: أن يكون معمول مقبلا قدم عليه: والثالث: أن يكون معمول مواليه أي للذي والاه على الجد حصل له العز والشرف وعند هذا يجوز أن يكون الجد ههنا من الجد في الأمر وهو الاجتهاد فيه وهو يئول إلى ضد الهزل، والله أعلم: ٧- وَقَارِئُهُ الْمَرْضِيُّ قَرَّ مِثَالُهُ ... كاَلاتْرُجّ حَالَيْهِ مُرِيحًا وَمُوكَلاَ نظم في هذا البيت ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ

стр. 15

"مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب" ... الحديث. فقوله: "وقارئه" مبتدأ والمرضي صفته وأراد به تفسير المؤمن المذكور في هذا الحديث لأنه ليس المراد به أصل الإيمان بل أصله ووصفه، وفي كتاب الترمذي من حديث صهيب ﵁ عن النبي ﷺ : "ما آمن بالقرآن من استحل محارمه". والجملة من قوله: "قر مثاله" هي خبر المبتدأ وقر بمعنى استقر أي استقر مثاله مشابها للأترج ويجوز أن يكون المرضي خبر المبتدأ أي لا يعد قارئا للقرآن إلا من كان مرضي الطريقة ثم استأنف جملة فعلية فقال قر مثاله كالأترج ويجوز أن يكون قر وحده هو خبر المبتدأ وفيه ضمير عائد على القارئ: أي قرت عينه أو استقر أمره بنيل درجات الأبرار ثم استأنف جملة اسمية بقوله: مثاله كالأترج فقوله: كالأترج خبر مثاله وعلى هذا يجوز أن يكون قر دعاء كما تقول زيد العاقل أقر الله عينه، والأترج بتشديد الجيم والأترنج بالنون لغتان، وكلاهما مستقيم في وزن البيت وإنما اختار لغة التشديد للفظ الحديث وحاليه بدل اشتمال من الأترج، ومريحا وموكلا حالان من الأترج يقال أراح الطيب: إذا أعطى الرائحة وآكل الزرع وغيره: إذا أطعم والله أعلم. ٨- هُوَ الْمُرْتَضَى أَمًّا إِذَا كَانَ أُمَّهً ... وَيَمَّمَهُ ظِلُّ الرَّزَانَةِ قَنْقَلاَ فسر بهذا البيت ما عناه بقوله المرضي فقوله: هو ضمير القارئ المرضي أو ضمير القارئ مع الإعراض عن وصفه بالمرضي؛ لأنه أغنى عنه قوله: المرتضى أما ... إلى آخر البيت، ويجوز أن يكون هو المرتضى خبر قوله: وقارئه المرضي وما بينهما من قوله قر مثاله خر البيت اعتراض وإما تمييز ومعناه القصد أي هو المرتضى قصده تيمنا به وانتفاعا بعلمه وكان بمعنى صار ويقال للرجل الجامع للخير أمة كأنه قام مقام جماعات؛ لأنه اجتمع فيه ما تفرق فيهم من المصالح ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ ١. وقوله: ويممه أي قصده والرزانة الوقار وقد رزن الرجل بالضم فهو رزين أي وقور ثابت، واستعار للرزانة ظلا إشارة إلى شمول الوقار له واستراحته في ظله وأمنه من تخليط الناقص من عقله وجعل الرزانة هي التي تقصده كأنها تفتخر به وتتزين بأن تظله لكثرة خلال الخير فيه مبالغة في مدحه، وفي الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول ﷺ : "من جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت". وعن عبد الملك بن عمير قال: كان يقال: إن أبقى الناس عقولا قراء القرآن وقنقلا حال من ظل الرزانة: أي مشبها قنقلا وكذا يقدر في ما جاء مثله مما هو منصوب على الحال وليس بمشتق كقوله: وانقاد معناه يعملا والقنقل: المكيال الضخم وكان لكسرى تاج يسمى القنقل والقنقل أيضا: الكثيب من الرمل،

стр. 16

يشير إلى عظم الرزانة وتوفرها إن قصد الكثيب أو المكيال وإن قصد التاج قدرت الحال بمتوجا ومن كلامهم جلس فلان وعليه السكينة والوقار، فإن قلت: علام عطف قوله: ويممه؟ قلت: يحتمل وجهين أحدهما أن يكون عطفا على معنى المرتضى: أي هو الذي ارتضى أمة ويممه الوقار فهو من باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا﴾ ١. أي إن الذين تصدقوا وأقرضوا ويكون مضمون البيت ثناء عليه بأنه مرتضى كامل العقل، والوجه الثاني أن يكون معطوفا على كان أمة أي إذا اتصف بهاتين الصفتين أي أن قارئ القرآن إنما يرتضى للاقتداء به ويقصد للانتفاع به بشرطين وهما أن يكون جامعا للخير وافر العقل والله أعلم. ٩- هُوَ الْحُرُّ إِنْ كانَ الْحَرِيّ حَوَارِياً ... لَهُ بِتَحَرّيهِ إلَى أَنْ تَنَبَّلاَ هو ضمير القارئ المرتضى قصده الذي هو أمة وافر العقل، أو يكون ضمير القارئ مع الإعراض عن تلك الأوصاف؛ لأنه يغني عنها اشتراطها بقوله: إن كان الحري أي إن كان الحري بها ولهذا قال بعضهم: إن إن بمعنى إذ ولو أراد الناظم ذلك لقال إذ وكان تعليلا والوزن موافق له فل حاجة إلى ارتكاب ما لم يثبت لغة وإن ثبت فهو لغة بعيدة ضعيفة، فإن قلنا: هو ضمير القارئ بصفاته فكل بيت كأنه تأكيد لما قبله، وإن قلنا: هو ضمير القارئ مطلقا كان كل بيت مستقلا بالغرض من وصفه بما يستحق به الإمامة والحرية، على أني أقول قوله بتحريه صلة الحري وليس المراد الحري بها بل الحري بالتحري وقوله: حواريا له معترض بينهما والحر الخالص من الرق أي لم تسترقه دنياه ولم يستعبده هواه؛ لأنه لما تحقق بتدبر القرآن وفهم معانيه صغرت في عينه الدنيا وأهلها كقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ ، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ٢، ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ ٣، ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ٤. إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى وما أحسن ما قاله الشاطبي ﵀ من قصيدة له: لمن يترك القراء وردٌ فراته ... ورودا من الدنيا أجاج المشارب ولو سمع القراء حين اقترائهم ... لفي آل عمران كنوز المطالب بها ينظر الدنيا بعين احتقارها ... فقيه المعاني غير عاني الذوائب يعني قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ إلى قوله ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ ٥

стр. 17

وما أحلى قوله: "فقيه المعاني" يعني من أعطاه الله فهما وفقها في معاني القرآن العزيز فهذا هو الذي يحتقر الدنيا عند تلاوته لهذه الآية ونظائرها لا الفقيه الذي هو أسير الذوائب المتقيد بلباسه وخدمة أهل الدنيا ففقيه المعاني محرر عن رق الأشياء، ويحتمل قوله: هو الحر معاني أخر ذكرناها في الكبير، والحري بمعنى الحقيق، والحواري: الناصر الخالص في ولائه والياء مشددة خففها ضرورة، والتحري القصد مع فكر وتدبر واجتهاد أي يطلب هو الأحرى، والهاء في له للقرآن العزيز وفي تحريه للقارئ أو للقرآن، وحواريا خبر لكان بعد خبر أو حال من ضمير الحري العائد على القارئ، ويجوز أن يكون بتحريه متعلقا بحواريا أي ناصرا له بالتحري أو تكون الباء للمصاحبة أي مصاحبا للتحري فيه هذا كله على أن يكون التقدير إن كان الحري بالأوصاف السابقة والأولى ألا يتعلق قوله بتحريه بالحري كما سبق، وقوله: إلى أن تنبلا متعلق بالتحري أو بحواريا ومعنى تنبل: مات أو أخذ الأنبل فالأنبل أي انتفى ذلك من المعاني التي تحتملها ألفاظ القرآن. ١٠- وَإِنَّ كِتَابَ اللهِ أَوْثَقُ شَافِعٍ ... وَأَغْنى غَنَاءً وَاهِباً مُتَفَضِّلاَ هذا حث على التمسك بالقرآن العزيز وتحريه والعمل بما فيه ليكون القرآن العزيز شافعا له كافيه كل ما يحذر واهبا له متفضلا عليه بما يلقاه من ثواب قراءته واعمل به، وفي الصحيح عن أبي أمامة ﵁ قال قال رسول ﷺ : "اقرءوا القرآن فإنه يجيء يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرءوا البقرة وآل عمران؛ فإنهما الزهراون تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان تحاجان عن صاحبهما". وفي كتاب الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال قال ﷺ : "إن سورة في القرآن ثلاثين آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ". قال: هذا حديث حسن وأوثق من قولهم شيء وثيق أي محكم متين، وقد وثق بالضم وثاقة وإنما وصفه بذلك؛ لأن شفاعته مانعة له من وقوعه في العذاب وشفاعة غيره مخرجة له منه، بعد وقوعه فيه والغناء بالفتح والمد الكفاية وفعله أفعل كقوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ ١. فقوله: "وأغنى غنا" أي وأكفى كفاية أي كفاية القرآن العزيز أتم من كفاية غيره فأغنى في هذا البيت ليس فعلا ماضيا ولكنه أفعل التفضيل وبناؤه من غير الثلاثي المجرد شاذ، والقياس أن يقال: أشد غناء أو أتم غناء أو نحو ذلك، ويجوز أن يقال: هو من غني، إذا استغنى، أو من غني بالمكان: إذا أقام به فمعناه على الأول أنه غني من كفاية ما يحذر حامله مليء بها واسع جوده، وعلى الثاني أنه دائم الكفاية مقيم عليها لا يسأم منها ولا يمل، ولا بد من تقدير مضاف محذوف قبل غناء على الوجهين أي وأغنى ذي غناء؛ لأن المراد أن القرآن أثرى ذوي الكفايات وأدومهم عليها، ولك أن تقدر مثل ذلك في الوجه الذي بدأنا به أي والقرآن أكفى ذوي الكفايات

стр. 18

وتلخيص اللفظ على الأوجه الثلاثة أن نقول التقدير وأغنى مغنٍ والمغني الكافي ولا يتغير معناه عن ذلك في الوجوه كلها وإنما المعاني الثلاثة في لفظ أغنى ولولا تقدير المضاف المحذوف للزم نصب غناء؛ لأن أفعل لا يضاف إلا إلى ما أفعل بعضه والقرآن ليس بعض الكفاية فيجب النصب كقولك هو أفره عبدا بالنصب إذا كانت الرفاهية في العبد وهو ليس بعبد وواهيا ومتفضلا حالان من الضمير في أغنى العائد على كتاب الله تعالى، وقيل النصب على التمييز كقولك هو أغناهم أبا وقيل إن قلنا إن أغنى بمعنى أثرى فالنصب على التمييز وإن قلنا بالوجهين الآخرين فالنصب على الحال، وقد بينا فساد هذين القولين١ في الكتاب الكبير والله أعلم. ١١- وَخَيْرُ جَلِيسٍ لاَ يُمَلُّ حَدِيثُهُ ... وَتَرْدَادُهُ يَزْدَادُ فِيهِ تَجَمُّلاً "وخير" مثل قوله: وأغنى كلاهما معطوف على أوثق، ولا يمل حديثه صفة خير أو جليس أو هو خبر بعد خبر؛ لأن كل قول مكرر مملول إلا القرآن العزيز؛ فإنه كلما كرر حلا واقتبس من فوائده ما لا يدخل تحت الحصر وأجر على تلاوته بكل حرف عشر حسنات فهو خير جليس وكيف يمل حديثه وهو أحسن الحديث كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ ٢. وقال النبي ﷺ : "مثل صاحب القرآن مثل جراب مملوء مسكًا يفوح به كل مكان". فأي جليس أفضل منه؟ والترداد بفتح التاء: مصدر ردده ترديدا وتردادا والهاء المتصلة به تعود على القارئ أو على القرآن العزيز؛ لأن المصدر يجوز إضافته إلى افاعل وإلى المفعول فهو كما سبق في قوله بتحريه والضمير المستكن في يزداد يحتمل الأمرين، والهاء في فيه عائدة على الترداد وفيه بمعنى به أي يزداد القرآن بالترداد تجملا لما يظهر من تلاوته ونوره وحلاوته وفصاحته أو يزداد القارئ بالترداد تجملا لما يقتبس من فوائده وآدابه وجزيل ثوابه، ويجوز أن يكون الضمير في يزداد للترداد وفي فيه للقارئ وتكون فيه على ظاهرها لا بمعنى به وتجمل الترداد يئول إلى جمال حاصل في القارئ وزينة له والله أعلم. ١٢- وَحَيْثُ الْفَتى يَرْتَاعُ فيِ ظُلُمَاتِهِ ... مِنَ اْلقَبرِ يَلْقَاهُ سَناً مُتَهَلِّلاً كنى عن القارئ بالفتى وصفًا له بالفتوة وهي خلق جميل يجمع أنواعا من مكارم الأخلاق ويرتاع: أي يفزع والهاء في ظلماته للفتى: أي في ظلماته الناشئة من القبر ووحشته وإنما أضافها إليه لملابستها له،

стр. 19

وكونه فيها، فقوله من القبر على هذا في موضع الحال من الظلمات أي صادرة من القبر، ويجوز أن يكون كنى بالظلمات عن أعماله السيئة فيكون من القبر على هذا متصلا بيلقاه أي يلقاه القرآن من القبر أي يأتيه من تلك الجهة، ويجوز أن يكون التقدير يرتاع من القبر كائنا في ظلماته، ويجوز أن يكون قوله في ظلماته من القبر واردا على طريقة القلب لأمن الإلباس أي يرتاع في القبر من ظلماته والهاء في يلقاه للفتى أو للقرآن العزيز؛ لأن كل واحد منهما يلقى الآخر، والسنا بالقصر الضوء، والسناء بالمد الرفعة والمتهلل الباش المسرور وكلاهما حال من القرآن أي يلقى القرآن الفتى في حال إضاءته وبشاشته أي ذا سنا أي مستنيرا، ويجوز أن يكون متهللا صفة لسنا، وفي جامع الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: "ضرب بعض أصحاب النبي ﷺ خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر فإذا هو قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتى النبي ﷺ فأعلمه فقال النبي ﷺ ": "هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر". وفي كتاب ابن أبي شيبة وأول كتاب الوقف والابتدا لابن الأنباري آثار في فضل قارئ القرآن العامل به ذكرنا بعضها في الكتاب الكبير والله أعلم. ١٣- هُنَالِكَ يَهْنِيهِ مَقِيلاً وَرَوْضَةً ... وَمِنْ أَجْلِهِ فِي ذِرْوَةِ الْعِزِّ يُجتلَى هنالك من تتمة قوله يلقاه أي يلقاه في ذلك المكان ثم استأنف قوله: يهنيه أو يكون يهنيه حالا، ويجوز أن يكون هنالك ظرفا ليهنيه وهنالك يستعمل ظرف زمان وظرف مكان وكلاهما محمل هنا والظرف هو هنا والكاف خطاب واللام زائدة للدلالة على البعد والعرب تنزل الميت أبعد منزلة وذلك لبعد الملتقى كقول الشاعر: من كان بينك في التراب وبينه ... شبران فهو بغاية البعد والهاء في يهنيه للقارئ وضمير الفاعل مستتر عائد على القرآن أو على القبر فإن عاد على القرآن كان مقيلا مفعولا ثانيا ليهنيه من قولهم: هنأت الرجل أهنؤه وأهنئه إذا أعطيته ثم ترك الهمز ضرورة على لغة كسر النون ولو استعمل لغة الفتح لقال يهناه، وإن عاد الضمير على القبر كان مقيلا تمييزا من قولهم هنأ لي الطعام أي لذ لي طعمه وطاب، وروضة عطف على مقيلا بالاعتبارين، والمقيل موضع القائلة وهي الاستراحة في وسط النهار، ولا يشترط فيها نوم أي يصير له القبر كالمقيل وكالروضة بثواب قراءة القرآن والعمل به عبر بذلك عن الراحة الحاصلة له حينئذ، وفي الحديث: "القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار". والهاء في: ومن أجله للقرآن ومرفوع يجتلى للقارئ ويتعلق بيجتلى ما قبله من المجرورات وذروة كل شيء أعلاه تضم ذاله وتكسر ويجتلى معناه ينظر إليه بارزا من قولهم اجتليت العروس وعبر بذلك عن عظم أمره فهو سالم من كل آفة والله أعلم.

стр. 20

١٤- يُنَاشِدُه في إرْضَائِهِ لحبِيبِهِ ... وَأَجْدِرْ بِهِ سُؤْلاً إلَيْهِ مُوَصَّلاَ يناشد أي يسأل ربه وقيل معناه يكثر المسألة ملجًّا فيها وعدى بفي؛ لأن في المناشدة معنى الرغبة وفاعل يناشد ضمير عائد على القرآن العزيز وهو جملة واقعة خبرا لقوله: وإن كتاب الله أوثق شافع، بعد أخبار سلفت أي هو أوثق شافع وخير جليس ويلقى قارئه حيث يرتاع ويناشد في إرضائه والهاء في لحبيبه تعود على القرآن العزيز وحبيبه قارئه العامل بما فيه والهاء في إرضائه يعود إلى الله تعالى، وقد تقدم ذكره في قوله وإن كتاب الله كقولك: غلام زيد يطلب منه كذا أي من زيد أي يناشد الله تعالى في أن يرضي حبيبه أي يعطيه من الأجر والثواب ما تقر به عينه فالإرضاء مضاف إلى الفاعل وعدي الإرضاء بلام الجر؛ لأنه مصدر نحو عجبت من ضرب لزيد، ويجوز أن يكون التقدير يناشد لحبيبه في إرضائه: أي يسأل الله تعالى في أن يرضى حبيبه ففي الكلام تقديم وتأخير فتكون الهاء في إرضائه للحبيب والإرضاء حينئذ مضاف للمفعول وقيل الهاء في إرضائه للقرآن العزيز: أي يسأل ربه أن يعطي القارئ ما يرضى به القرآن وتكون اللام في لحبيبه بمعنى لأجل حبيبه. وفي كتاب الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حله فيلبس تاج الكرامة فيقول: يا رب زده حلة الكرامة ثم يقول: يا رب ارض عنه فيرضى عنه، فيقال: اقرأ وارق ويزداد بكل آية حسنة". قال: هذا حديث حسن، وروي عن أبي هريرة ﵁ غير مرفوع، وفي ذا المعنى أحاديث كثيرة ذكرناها في الشرح الكبير، وقوله: وأجدر به تعجب كأخلق به أي ما أجدره بذلك وأحقه به والسؤل المسئول وهو المطلوب ونصبه على التمييز وموصلا نعته وإليه متعلق بموصلا والهاء عائدة على القرآن العزيز أو على القارئ والضمير في له للإرضاء أي ما أحق سؤله أن يوصل إليه وقيل يجوز أن يكون الهاء في إليه للرضى الدال عليه الإرضاء أو للإلحاح الدال عليه يناشد، وموصلا حال من القرآن العزيز وقيل غير ذلك على ما بينا وجه فساده في الشرح الكبير والله أعلم. ١٥- فَيَا أَيُّهَا الْقَارِى بِهِ مُتَمَسِّكاً ... مُجِلاًّ لَهُ فِي كُلِّ حَالٍ مُبَجِّلا نادى قارئ القرآن المتصف بالصفات المذكورة في هذا البيت وبشره بما ذكره في البيت الآتي وبعده١ والقارئ مهموز وإنما أبدل الهمزة ياء ضرورة والهاء في به للقرآن وهو متعلق بمتمسكا مقدم عليه أي متمسكا به يعني عاملا بما فيه ملتجئا إليه في نوازله كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ ٢.

стр. 21

وفي الحديث الصحيح: "كتاب الله فيه الهدى والنور فتمسكوا بكتاب الله وخذوا به"، وفي رواية: "من استمسك وأخذ به كان على الهدى ومن أخطأه ضل". وفي به وجوه أخر بعيدة ذكرناها في الكبير، وإجلال القرآن العزيز تعظيمه وتبجيله توقيره وهما متقاربان في المعنى ونصب متمسكا وما بعده على الحال من ضمير القارئ؛ لأن المعنى يا أيها الذي قرأ القرآن ومن إجلال القرآن حسن الاستماع له والإنصات لتلاوته وتوقير حملته وصيانة القارئ نفسه مما يشين دينه جعلنا الله كذلك والله أعلم. ١٦- هَنِيئاً مَرِيئاً وَالِدَاكَ عَلَيْهِما ... مَلاَبِسُ أَنْوَارٍ مِنَ التَّاجِ وَالحُلاْ الهنيء: الذي لا آفة فيه، الطيب المستلذ، الخالي من المنغصات، الحاصل من غير تعب، والمريء: المأمون الغائلة المحمود العاقبة، المستساغ في الحلق، وهما من أوصاف الطعام والشراب في الأصل، ثم تجوز بهما في التهنئة بكل أمر سار، وهما هنا منصوبان على الحال أي ثبت لك ثواب تمسكك بالقرآن العزيز وإجلالك له هنيئا مريئا، ويجوز أن ينصبا بفعل مضمر أي صادفت أمرا هنيئا مريئا، وأن يكونا نعتي مصدر محذوف أي كاللبس وجمعه لاختلاف الملبوس، أو تكون جمع ملبس بكسر الميم وفتح الباء وهو الشيء الذي يلبس ويسمى أيضا لباسا ومثله ميزر وإزار وملحف ولحاف وملابس فاعل عليهما وعليهما خبر والداك أو يكون ملابس مبتدأ ثانيًا خبره عليهما المقدم عليه والجملة خبر والداك وأنوار جمع نور والنور الضياء وأضاف الملابس إلى الأنوار؛ لملابستها إياها والتاج الإكليل والحلي جمع حلية وهي الهيئة من التحلي الذي هو لبس الحلي، ويجوز أن تكون الحلي جمع حلة وأراد الحلل لكنه أبدل من ثاني حرفي التضعيف حرف علة نحو أمليت وهذا وإن لم يكن مسموعا فهو جائز في الضرورة نص عليه الرماني في آخر شرح الأصول والمنظوم في هذا البيت حدي أخرجه أبو داود وغيره من حديث سهل بن معاذ الجهني عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والداه تاجا يوم القيامة ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم فما ظنكم بالذي عمل بهذا". فقوله: "من قرأ القرآن وعمل بما فيه" نظمه في البيت السابق وقوله: "فما ظنكم بالذي عمل بهذا" منظوم في البيت الآتي والباقي منظوم في هذا البيت، وفي مسند بقي بن مخلد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يكسى والداه حلة لا تقوم لها الدنيا وما فيها". ففي هذا ذكر الحلة وفي الذي قبله ذكر التاج فصح تفسيرنا لقوله: الحلي بالحلل ويكون نظم ما تفرق في الحديثين، وقوله في الحديث: "تاجا وحلة" أي كل واحد منها والله أعلم.

стр. 22

١٧- فَما ظَنُّكُمْ بالنَّجْلِ عِنْدَ جَزَائِهِ ... أُولئِكَ أَهْلُ اللهِ والصَّفَوَةُ المَلاَ هذا استفهام تفخيم للأمر وتعظيم لشأنه كقوله تعالى: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. وقوله: فما ظنكم مبتدأ وخبر وفيه معنى الأمر؛ أي ظنوا ما شئتم من الجزاء لهذا الولد الذي يكرم والداه من أجله، والخطاب للسامعين مطلقا، فيكون التفاتا من خطاب القارئ إليهم، ويجوز أن يكون خطابا إليهم مع القراء؛ لأن قوله: "فيا أيها القارئ" للجنس؛ أي فما ظنكم بأنفسكم، "والنجل" النسل كالولد يقع على المفرد والجمع فحمل على اللفظ قوله: عند جزائه، ثم حمل على المعنى قوله: أولئك ومفعولا الظن محذوفان؛ أي ما تظنونه واقعا بالنجل، وقوله: "عند جزائه" ظرف للمحذوف ولا يجوز أن يكون ظرفا للظن وقوله: أولئك أهل الله إشارة إلى حديث آخر أخرجه أبو عبيد والبزار وابن ماجه عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن لله أهلين من الناس قيل من هم يا رسول الله قال أهل القرآن هم أهل الله وخاصته". والإشارة بالأهلية إلى قرب المنزلة من رحمته وكرامته والأهل اسم جمع كالرهط والركب وقد جمع في الحديث جمع السلامة ومثله في القرآن العزيز: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ إلى: ﴿أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ ٢. فيجوز أن يكون في بيت الشاطبي -رحمه الله تعالى- أيضا مجموعا وسقطت النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين واللفظ بالمفرد والجمع في مثل هذا واحد وإنما يفترقان في الخط، فتزاد واو في الجمع والمصنف لم يكتب ما نظمه؛ لأنه كان ضريرا وإنما أملاه ولا يظهر في اللفظ جمع فكتبه السامع مفردا ويطرد ذلك في قول النبي ﷺ في آخرها هذا الحديث: أهل الله وخاصته يجوز أن يكون جمعا وهو الأظهر اعتبارا بما في أول الحديث، ويجوز أن يكون استعمله جمعا ومفردا في حديث واحد كما قال سبحانه: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ٣، ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ ٤، ﴿إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ﴾ ٥. وقال ﷺ في حديث آخر: "هؤلاء أهل بيتي". والصفوة: الخالص من كل شيء بكسر الصاد وفتحها وروي ضمها. وأشار بالصفوة إلى الخاصة المذكورة في الحديث. وأدخل واو العطف في قوله: "والصفوة" ليأتي على صورة لفظ الحديث في قوله ﷺ :

стр. 23

"أهل الله وخاصته". والملأ: الأشراف والرؤساء وهو موافق لما روي من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "أشراف أمتي حملة القرآن وأصحاب الليل"، وفي رواية: "قراء القرآن وقوام الليل"، ومن حديث علي بن أبي طالب وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵃ رفعوه: "حملة القرآن عرفاء أهل الجنة". أخرجهما الحافظ أبو العلا الهمذاني والملأ مهموز أبدل من همزة ألفا للوقف والله أعلم. ١٨- أُولُو الْبِرِّ وَالإِحْسَانِ وَالصَّبْرِ وَالتُّقَى ... حُلاَهُم بِهَا جَاءَ الْقُرَانُ مُفَصَّلاَ "أولو" مثل ذوو: بمعنى أصحاب وهو خبر بعد أخبار لقوله: أولئك أي هم المتصفون بهذه الصفات الجليلة من البر وما بعده وحلاهم مبتدأ ومعناه صفاتهم جمع حلية وهي الصفة وخبره الجملة التي بعده وبها متعلق بجاء، ويجوز أن تكون حلاهم صفة البر والإحسان والصبر والتقى فيكون مجرور المحل، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذه حلاهم ثم قال: بها جاء القرآن والقرآن بلا همز وبالهمز لغتان وهما للقراء قراءتان ومفصلا حال من القرآن ومعناه مبينا ومنه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ١. ويجوز أن يكون مفصلا من باب تفصيل القلائد بالفرائد كقول امرئ القيس٢: فأدبرن كالجزع المفصل بينه وقوله: تعرُّضَ أثناءِ الوشاح المفصل٣ وقيل هذا المعنى أيضا في تفسير قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ ٣. أي فصلت بدلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص فكذا أراد الناظم أن القرآن مشتمل على ذكر الأبرار وأخبار الكفار فصفات الأبرار فيه كالفرائد التي تفصل بها العقود وهي الجواهر التي تزينها وتعظم وقعها وهذا بالنسبة إلى المذكور وأما النسبة إلى الذاكر فكلتاهما سواء؛ لأن كلا كلام الله : والله وأعلم. ١٩- عَلَيْكَ بِهَا مَا عِشْتَ فِيهَا مُنَافِساً ... وَبِعْ نَفْسَكَ الدُّنْيَا بِأَنْفَاسِهَا الْعُلاَ "عليك بها" إغراء وحث: أي الزم هذه الصفات، والصق بها وبادر إليها مدة حياتك منافسا فيها غيرك

стр. 24

والمنافسة: المزاحمة في الشيء رغبة فيه ومنافسا حال من الضمير في الإغراء، وقيل من التاء في "عشت" وهو وهم ولك أن تجعل فيها من صلة عشت والضمير للدنيا وإن لم يجر لها ذكر؛ لأن لفظ عشت يدل عليها والدنيا التي وصف بها النفس تأنيث الأدنى الذي هو الحقير الخسيس وإنما وصفها بذلك؛ لاتضاعها مبدأ ومآلا كما قال: ما بال من أوله نطفة ... وجيفة آخره يفخرُ لا فخر إلا فخر أهل التقى ... غدا إذا ضمهم المحشرُ والأنفاس جمع نفس بفتح الفاء: أي بأرواح طيبها التي هي علا في المبدأ والمآل والهاء في أنفاسها تعود إلى حلاهم، "والعلا" بضم العين والقصر له معنيان؛ أحدهما أن يكون جمع عليا تأنيث أعلى فيطابق موصوفه لفظا ومعنى، والثاني أن يكون مفردا بمعنى العلاء بالفتح والمد فيكون وصف الأنفاس بالعلاء على هذا من باب رجل عدل والتقدير ذوات العلا فالوجه الأول أولى وهذا البيت بديع اللفظ جليل المعنى يشم من رائحته أن ناظمه كان من أولياء الله -رحمه الله تعالى-

стр. 25

بيان القراء السبعة ورواتهم وأخبارهم: ثم أثنى على علماء القراءة فقال: ٢٠- جَزَى اللهُ بِالْخَيْرَاتِ عَنَّا أَئِمَّةً ... لَنَا نَقَلُوا القُرْآنَ عَذْباً وَسَلْسَلاَ هذا دعاء بلفظ الخبر كما تقدم في: صلى الله، وجزى: بمعنى قضى ويتعدى إلى مفعولين نحو قوله تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ ١. وأدخل الشاطبي -رحمه الله تعالى- على المفعول الثاني وهو قوله: "بالخيرات" باء الجر زيادة، والمعنى جزى الله أئمة القراءة خيرا والخيرات: جمع خيرة وهي الفاضلة من كل شيء قال الله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ ٢. "ولنا" يجوز أن يكون صفة لأئمة، ويجوز أن يكون معمول نقلوا، ونقلوا صفة الأئمة على الوجهين، وعذبا نعت مصدر محذوف: أي نقلا عذبا لم يزيدوا فيه ولم ينقصوا منه ولا حرفوا ولا بدلوا، ويجوز أن يكون حالا أي نقلوه وهو كذلك على هذه الحال لم يتغير عنها ويجوز أن يريد بالقرآن القراءة؛ لأنه مصدر مثلها من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ٣. وعذوبتها أنهم نقلوها غير مختلطة بشيء من الرأي بل مستندهم فيها النقل الصحيح مع موافقته خط المصحف الكريم واتضاح ذلك على الوجه الفصيح في لغة العرب وسلسلا عطف على عذبا والعذب الماء الطيب والسلسل السهل الدخول في الحلق والله أعلم. ٢١- فَمِنْهُمْ بُدُورٌ سَبْعَةٌ قَدْ تَوَسَّطَتْ ... سَمَاءَ الْعُلَى واَلْعَدْلِ زُهْراً وَكُمَّلاَ أي فمن تلك الأئمة الناقلين للقرآن على الوجه المرضي سبعة من صفتهم كيت وكيت جعلهم كالبدو في علو

стр. 26

منزلتهم عند الناس واتساع علمهم وكثرة الانتفاع بهم وشهرتهم، وقد تقدم ذكرهم وذكر طائفة من الأئمة في خطبة هذا الكتاب وستأتي أبيات في نظم البدور السبعة وأصحابهم وفي السبعة يقول أبو مزاحم الخاقاني: وإن لنا أخذ القراءة سنة ... عن الأولين المقرنين ذوي الستر فللسبعة القراء حق على الورى ... لإقرائهم قرآن ربهم الوتر فبالحرمين ابن الكثير ونافع ... وبالبصرة ابن للعلاء أبو عمرو وبالشام عبد الله وهو ابن عامر ... وعاصم الكوفي وهو أبو بكر وحمزة أيضا والكسائي بعده ... أخو الحذق بالقرآن والنحو والشعر "والعلا" بمعنى العلاء الممدود وهو الرفعة والشرف أو يكون جمع عليا فتكون على حذف الموصوف أي سماء المناقب العلا استعار للعلى والعدل سماء وجعل هذه البدور متوسطة لتلك السماء في حال كونها زاهرة أي مضيئة كاملة من غير نقص مبالغة في وصفهم؛ لأن القمر إذا توسط السماء في حال كماله وتمامه وقوة نوره سالما مما يستر ضوءه كان ذلك أشرف أحواله وأعظم لانتفاع الخلق به فهم أتم نورا وأعم ضوءا، وزُهرا: جمع أزهر أو زاهر كأحمر وحمر وبازل وبزل يقال: زهر إذا أضاء فهو زاهر وأزهر على المبالغة، ولذلك قيل للقمر أزهر وللرجل المشرق الوجه أيضا، وهو منصوب على الحال من فاعل توسطت، وكُملا عطف وهو جمع كامل. فإن قلت: لفظ البدر يشعر بالكمال فما معنى هذه الحال. قلت: أراد كمال أمره من سلامته مما يشينه من خسوف وغيره لا كمال جرمه، وقال فيهم أبو عمر والداني: فهؤلاء السبعة الأئمة ... هم الذين نصحوا للأمّه ونقلوا إليهم الحروفا ... ودونوا الصحيح والمعروفا وميزوا الخطأ والتصحيفا ... واطَّرحوا الواهيَ والضعيفا ونبذوا القياس والآراء ... وسلكوا المحجة البيضاء بالاقتداء بالسادة الأخيار١ ... والبحث والتفتيش للآثار اهـ والله أعلم. ٢٢- لَهَا شُهُبٌ عَنْهَا اُسْتَنَارَتْ فَنَوَّرَتْ ... سَوَادَ الدُّجَى حَتَّى تَفَرَّق وَانْجَلاَ كنى بالشهب عن الأصحاب الذين أخذوا العلم عن البدور السبعة ولما كانوا دونهم في العلم والشهرة كنى عنهم بما إنارته دون إنارة البدر ويقال نار واستنار إذا أضاء وضمن استنارت معنى أخذت فلذلك عداه بـ"عن"، والدجى الظلم جمع دجية وهي هنا كناية عن الجهل، وانجلا: أي انكشف. والشهب جمع شهاب.

стр. 27

والشهاب في أصل اللغة: اسم للشعلة الساطعة من النار ثم سمي به الكوكب المضيء المرصد لرجم من استرق السمع من الجن، ويتعلق به كلام طويل ومعانٍ حسنة ذكرتها في شرح قصيدة الشقراطسي ﵀ والله أعلم. ٢٣- وَسَوْفَ تَرَاهُمْ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ ... مَعَ اثْنَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ مُتَمَثِّلاَ أي ترى البدور المذكورين في هذه القصيدة على هذه الصفة أي مرتبين واحد بعد واحد فنص واحداً على الحال وبعد واحد صفته وهو كقولهم بينت حسابه بابا بابا وبابا بعد باب هذا إن كان تراهم من رؤية البصر فكأنه نزل ظهورهم في النظم سماعا أو كتابة منزلة المتشخص من الأجسام وإن كان تراهم من رؤية القلب فواحدا مفعول ثانٍ أي تعلمهم كذلك، ويجوز أن يكون واحدا بعد واحد بدلا من هم في تراهم ومتمثلا صفة لواحدا بعد صفة ومع اثنين متعلق بمتمثلا أي متمثلا مع اثنين من أصحابه يقال مثل قائما أي انتصب وتمثل قائما، والمعنى متمثلا في النظم أي متشخصا فيه، ويجوز أن يكون مع اثنين خبر مبتدأ محذوف: أي كل مع اثنين أو يكون التقدير كلا مع اثنين بالنصب على البدل من واحد بعد واحد أي ترى كل واحد منهم مع اثنين من أصحابه، ويجوز أن يكون التقدير واحدا مع اثنين من أصحابه بعد واحد مع اثنين من أصحابه ثم حذف الأول؛ لدلالة الثاني عليه، ولو قال: وسوف تراهم هاهنا كل واحد مع اثنين من أصحابه لكان أسهل معنى وأحسن لفظا، وأصحاب الإنسان أتباعه ومن أخذ بقوله كقولك أصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة، فقوله: من أصحابه أي من الناقلين عنه، ثم إن الذين ذكرهم على ثلاثة أقسام منهم من أخذ عن البدر نفسه وهم ثلاثة، أصحاب نافع وعاصم والكسائي، ومنهم من بينه وبين البدر واحد وهم أصحاب أبي عمرو وحمزة، ومنهم من بينه وبين البدر أكثر من واحد وهم أصحاب ابن كثير وابن عامر على ما سيأتي بيان ذلك، وبين المتوسط بين أبي عمرو وصاحبيه وهو اليزيدي وبين المتوسط بين حمزة وصاحبيه وهو سليم لتيسر ذلك عليه في النظم وترك بيان المتوسط بين ابن كثير وصاحبيه وبين ابن عامر وصاحبيه لتعذر ذلك وتعسره نظما والله أعلم ٢٤- تَخَيَّرَهُمْ نُقَّادُهُمْ كُلَّ بَارِعٍ ... وَلَيْسَ عَلَى قُرْآنِهِ مُتَأَكِّلاَ تخير: بمعنى اختار، والنقاد جمع ناقد، والبازغ الذي فاق أضرابه في صفات الخير والضمير في تخيرهم ونقادهم للبدور السبعة أو للشهب أولهما وكل بارع بالنصب بدل من مفعول تخيرهم أو هو نصب على المدح أثنى عليهم بالبراعة في العلم ثم أثنى عليهم بالتواضع فيه والزهد بقوله وليس على قرآنه متأكلا فهو صفة بعد صفة أي كل بارع غير متأكل بقرآنه وإنما دخلت الواو في ليس على تقدير كل من برع وليس على قرآنه أي بقرآنه متأكلا أي لم يجعله سببا للأكل، وقد تورع جماعة من أهل العلم عن الأكل بالقرآن العزيز مع جوازه لهم، كان حمزة -رحمه الله تعالى- من أشدهم في ذلك وقيل هو من قولهم: تأكل البرق والسيف إذا هاج لمعانه أي لم ينتصب ظاهر الشعاع لأهل الدنيا بالقرآن العزيز فيجعله وصلة إلى دنياهم ويقال: تأكلت النار إذا هاجت أي لم يكثر الحرص على الدنيا فتكون على بمعنى مع كقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ١ أي من حبه: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ٢، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ ٣، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ﴾ ٤.

стр. 28

وفيه وجوه أخر ذكرناها في الشرح الكبير والله أعلم. ٢٥- فَأَمَّا الْكَرِيمُ السِّرِّ في الطيِّبِ نَافِعٌ ... فَذَاكَ الَّذِي اخْتَارَ الْمَدينَةَ مَنْزِلاَ شرع في ذكر البدور السبعة واحدا بعد واحد وجرت عادة المصنفين في القراءات بذكرهم في أول مصنفاتهم وذكر طرف من أخبارهم والتعريف بهم فمنهم من اختصر ومنهم من أكثر وقد استقصينا ذلك في الشرح الكبير وتقدم في خطبة هذا الكتاب ما يجزئ من ذلك سوى ذكره وفياتهم فنأتي بها وبشرح ما نظمه الشاطبي من أحوالهم، وقد نظم لنافع في هذا البيت سرًّا كريما وهو ما ذكره١ أبو عمرو الداني ﵀ في كتاب الإيجاز وذكره أيضا شيخه أبو الحسن بن غلبون وأبو معشر الطبري وغيرهم. قالوا: كان نافع ﵀ إذا تكلم يشم من فيه رائحة المسك فقيل له: يا أبا عبد الرحمن أو يا أبا رويم أتطيب كلما قعدت تقرئ الناس؟ فقال: ما أمس طيبا ولا أقرب طيبا ولكني رأيت فيما يرى النائم النبي ﷺ وهو يقرا في فيّ فمن ذلك الوقت يشم من فيّ هذه الرائحة فهذا هو السر الكريم لنافع في الطيب، والمراد بالكرم هنا: الشرف والنباهة والجلالة ومنه قوله تعالى: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ٢. والكريم في نظم الشاطبي مبتدأ والسر مضاف إليه ويجوز رفعه ونصبه؛ لأنه من باب الحسن الوجه كما سبق ذكره في أجذم العلا وفي الطيب متعلق بالسر أو بالكريم ونافع بدل من الكريم أو عطف بيان والفاء في فذاك جواب أما لما في أما من معنى الشرط وما بعد الفاء جملة اسمية هي خبر المبتدأ، أثنى عليه في ضمن التعريف به بأنه اختار مدينة الرسول ﷺ منزلا له أقام بها في جوار رسول الله ﷺ إلى أن مات بها في سنة تسع وستين ومائة وقيل غير ذلك ومنزلا تمييز أو مفعول ثانٍ على تضمين اختار معنى اتخذ أو على حذف حرف الجر من الأول من باب قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ ٣. وقيل غير ذلك والله أعلم. ٢٦- وَقَالُونُ عِيسى ثُمَّ عُثْمانُ وَرْشُهُمْ ... بِصُحْبَتِهِ المَجْدَ الرَّفِيعَ تَأَثَّلاَ ذكر اثنين من أصحابه وفاء بوعده وكلاهما أدركه. أحدهما: أبو موسى عيسى بن ميناء المدني ويلقب بقالون وهي كلمة رومية يقولون للجيد من الأشياء هو قالون قيل لقَّبه نافع بذلك؛ لجودة قراءته وقيل لقبه بذلك مالك بن أنس ومات سنة خمس ومائتين بالمدينة وقيل غير ذلك. والثاني عثمان بن سعيد المصري الملقب بورش٤ لقَّبه بذلك نافع أيضا؛ لبياضه وقيل فيه وجوه كثيرة ذكرناها في الشرح الكبير ومات بمصر سنة سبع وتسعين ومائة وقالون في البيت مبتدأ ولم يصرفه وإن كان قبل

стр. 29

اللقب اسم جنس وعلى رأي الكوفيين وإما أن يكون قد سمي به في الأعجمية كما في العربية التسمية بحسن وسهل ولا بعد في ذلك؛ لأنه على وزان قارون وهارون وعيسى بدل من قالون ولا يقال عطف بيان؛ فإن اللقب هنا أشهر من الاسم ولهذا أيضا لم يقل إنه مضاف إلى عيسى؛ لأن المعروف إضافة الاسم إلى اللقب لا عكس ذلك، ويجوز أن يكون امتناع صرفه لما يأتي ذكره في اسم غلبون في باب المد والقصر وعثمان عطف على قالون، وورشهم عطف بيان والضمير للقراء، وكذا قوله فيما يأتي: وصالحهم، وأبو عمرهم، وكوفيهم، وحرميهم، لابن كثيرهم ... والهاء في بصحبته لنافع والمجد مفعول تأثلا ضمير تثنية يعود إلى قالون وورش وهو خبر المبتدإ، ومعنى تأثلا جمعا أي سادا بصحبة نافع والقراءة عليه والله أعلم. ٢٧- وَمَكَّةُ عَبْدُ اللهِ فِيهَا مُقَامُهُ ... هُوَ اُبْنُ كَثِيرٍ كاثِرُ الْقَوْمِ مُعْتَلاَ وهذا البدر الثاني عبد الله بن كثير المكي وصفة الشاطبي بأنه كاثر القوم معتلا: أي اعتلاء وكاثر اسم فاعل من كثر بفتح الثاء وهو بناء الغلبة يقال كاثرني فكثرته أي غلبته بالكثرة وكذلك فاخرني ففخرته وخاصمني فخصمته، وعنى بالقوم: القراء السبعة، ومعتلا تمييز: أي هو أكثر اعتلاء ووجهه لزومه مكة وهي أفضل البقاع عند أكثر العلماء وقراءته على صحابي وهو عبد الله بن السائب المخزومي وهو الذي بعث عثمان ﵁ معه بمصح إلى أهل مكة لما كتب المصاحف وسيرها إلى الأمصار، وأمره أن يقرئ الناس بمصحفه، فكان ممن قرأ عليه عبد الله بن كثير على ما حكاه غير واحد من المصنفين. فإن قلت: ابن عامر قرأ على جماعة من الصحابة، ونافع لزم المدينة وهي أفضل البقاع عند مالك وغيره وهو مذهب ناظم القصيدة. قلت: كذلك الذي نقول إلا أن المجموع لم يحصل إلا لابن كثير، ولعل الناظم كان يرى مذهب الجمهور في تفضيل مكة وهو الأصح، وقوله: ومكة مبتدأ وعبد الله مبتدأ ثانٍ ومقامه مبتدأ ثالث وفيها خبر الثالث مقدم عليه والثالث وخبره خبر الثاني والجملة التي هي خبره خبر الأول، ويجوز أن يكون مقامه فاعل، والمقام بضم الميم الإقامة وموضعها أي فيها إقامته أو موضع إقامته أي اختارها مقاما كما اختار نافع المدينة منزلا، ومات بمكة سنة عشرين ومائة ثم ذكر اثنين من أصحابه وبينهما وبينه أكثر من واحد فقال: ٢٨- رَوى أَحْمَدُ الْبَزِّي لَهُ وَمُحَمَّدٌ ... عَلَى سَنَدٍ وَهْوَ المُلَقَّبُ قُنْبُلاَ له: بمعنى عنه كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ ١. أي عنهم، وقوله: على سند أي بسند، أي ملتبسين بسند أو يكون التقدير: معتمدين على سند في نقل القراءة عنه؛ لأنهما لم يرياه: أحدهما: أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع ابن أبي بزة مولى لبني مخزوم مؤذن

стр. 30

المسجد الحرام أربعين سنة وإنما قيل له البزي؛ لأنه منسوب إلى جده أبي بزة وخفف الشاطبي ياء النسب ضرورة وهو جائز، ومثله يأتي في البصرى والمكي والدوري وغيرها. قرأ البزي على جماعة منهم عكرمة بن سليمان، وقرأ عكرمة على شبل والقسط، وقرأ على ابن كثير ومات البزي سنة خمس وخمسين ومائتين وقيل غير ذلك. والثاني: أبو عمرو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن سعيد بن جرجة، ويلقب بقنبل: يقال رجل قنبل وقنابل؛ أي: غليظ شديد ذكره صاحب المحكم وغيره، وقيل في سبب تلقيبه بقنبل غير ذلك ذكرناه في الشرح الكبير، وقرأ قنبل على أبي الحسن القواس وابن فليح، وقرأ على أصحاب القسط، وقرأ على ابن كثير. وروي أن قنبلا قرأ أيضا على البزي وهو في طبقة شيخيه المذكورين. ومات قنبل سنة إحدى وتسعين ومائتين. ٢٩- وَأَمَّا الإْمَامُ المَازِنِيُّ صَرِيحُهُمْ ... أَبُو عَمْرٍو الْبَصْرِي فَوَالِدُهُ الْعَلاَ وهذا البدر الثالث أبو عمرو بن العلا البصري المازني من بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم بن مر، والصريح هو الخالص النسب وليس في السبعة من أجمع على صراحة نسبه غيره إلا ما لا يعرج عليه فلهذا قال صريحهم وسيأتي الكلام في ابن عامر. ودخل الفرزدق الشاعر على أبي عمرو وهو مختف بالبصرة يعوده فقال فيه: ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمارِ حتى أتيت امرأ محضا ضرائبه -ويروي: ضخما وسيعته ... مر المريرة حرا وابن أحرارِ ينميه من مازن في فرع نبعتها ... أصل كريم وفرع غير حوارِ ويروى ناقص ويروي: جد كريم وعود غير حوار نسبة إلى جده في قوله أبا عمرو بن عمار وهو أبو عمرو بن العلاء بن عمار؛ لأن عمارا كان من أصحاب علي بن أبي طالب ﵁ وكان لوالده العلا قدر وشرف، وكان على طراز الحجاج بن يوسف فاشتهر بسبب الولاية وتقدُّم أبيه فلهذا صار أبو عمرو يعرف بابن العلاء فهذا معنى قول الشاطبي: فوالده العلا: أي الرجل المشهور المتقدم في زمانه مات أبو عمرو ﵀ سنة ثمان وأربعين ومائة وقيل سنة أربع أو خمس أو سبع وخمسين ومائة ونقل قراءته خلق كثير أضبطهم لها اليزيدي الذي يذكره الآن. ٣٠- أَفَاضَ عَلَى يَحْيَى الْيَزيدِيِّ سَيْبَهُ ... فَأَصْبَحَ بِالْعَذْبِ الْفُرَاتِ مُعَلَّلاَ هو أبو محمد يحيى بن المبارك العدوي التميمي وعرف باليزيدي لأنه كان منقطعا إلى يزيد بن منصور

стр. 31

خال المهدي يؤدب ولده فنسب إليه ثم اتصل بالرشيد فجعل المأمون في حجره يؤدبه، ومات في أيامه سنة اثنتين ومائتين. ومعنى أفاض: أفرغ، والسيب: العطاء والعذب الماء الطيب والفرات هو العذب ووجه الجمع بينهما التأكيد أراد به صدق العذوية وكمالها، وقيل: الفرات الصادق العذوبة وسمي الشرب الأول النهل وما بعده العلل: الذي سقى مرة بعد مرة وهو أبلغ في الري. ومعنى البيت: أن أبا عمرو أفاض عطاءه على اليزيدي وكنى بالسيب عن العلم الذي علمه إياه فأصبح اليزيدي ريان من العلم الحسن النافع والله أعلم. ٣١- أَبُو عُمَرَ الدُّورِي وَصَالِحُهُمْ أَبُو ... شُعَيْبٍ هُوَ السُّوسِيُّ عَنْهُ تَقَبَّلاَ ذكر اثنين ممن قرأ على اليزيدي: أحدهما: أبو عمر حفص بن عمر الأزدي الدوري الضرير نسبة إلى الدور موضع ببغداد بالجانب الشرقي مات سنة ست وأربعين ومائتين. والثاني: أبو شعيب صالح بن زياد السوسي نسب إلى السوس موضع بالأهواز ومات بالرقة سنة إحدى وستين ومائتين في المحرم، وصالحهم مثل ورشهم أي هو الذي من بينهم اسمه صالح فلم يرد وصفه بالصلاح دونهم والهاء في عنه لليزيدي أي تقبلا عنه القراءة التي أفاضها أبو عمرو عليه، يقال تقبلت الشيء وقبلته قبولا: أي رضيته وضمن تقبلا معنى أخذا فلذلك عداه بعن والله أعلم. ٣٢- وَأَمَّا دِمَشْقُ الشَّامِ دَارُ ابْنُ عَامِرٍ ... فَتْلِكَ بِعَبْدِ اللهِ طَابَتْ مُحَلَّلاَ وهذا البدر الرابع: عبد الله بن عامر الدمشقي أحد الأئمة من التابعين. وصفه الناظم بأن دمشق طابت به محللا أي طاب الحلول فيها من أجله أي قصدها طلاب العلم للرواية عنه والقراءة عليه، وإضافة دمشق إلى الشام كإضافة ورش إلى القراء في قوله ورشهم وما أشبهه، وفي ذلك أيضا تبيين لمحلها وتنويه بذكرها لا سيما لمن بعدت بلاده من أهل المشرق والمغرب ألا يرى أن أهل الشام وما يدانيه يسمعون بالمدن الكبار شرقا وغربا، ويتوهمون قرب مدينة منها من أخرى ولعل بينهما مسافة أشهر وإذا كان عبد المحسن الصوري، وهو شاعر فصيح من أهل الشام قد أضاف دمشق إلى الشام في نظمه فكيف لا يفعل ذلك ناظم أندلسي من أقصى المغرب. قال عبد المحسن: كان ذم الشآم مذ كنت شاني ... فنهتني عنه دمشق الشآم ودار ابن عامر بدل من دمشق أو صفة وأوقع الظاهر موقع المضمر في قوله: فتلك بعبد الله؛ بيانا لاسمه وبعبد الله متعلق بطابت ومحللا تمييز يقال: مكان محلل إذا أكثر الناس به الحلول، ومات ابن عامر ﵀ بدمشق في سنة ثمانية عشر ومائة. ٣٣- هِشَامٌ وَعَبْدُ اللهِ وَهْوَ انْتِسَابُهُ ... لِذَكْوَانَ بِالإِسْنَادِ عَنْهُ تَنَقَّلاَ هذان راويان أخذت عنهما قراءة ابن عامر اشتهر بذلك، وكل واحد منهما بينه وبين ابن عامر اثنان،

стр. 32

فهذا معنى قوله: بالإسناد عنه تنقلا أي نقلا القراءة عنه بالإسناد شيئا بعد شيء فتنقل من باب تفهم وتبصر. أما هشام: فهو أبو الوليد هشام بن عمار بن نصير السلمي خطيب دمشق أحد المكثرين الثقات، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومائتين، قرأ على أيوب بن تميم التميمي وعراك بن خالد المري، وقرأ على يحيى بن الحارث الذماري، وقرأ يحيى على بن عامر. وأما ابن ذكوان فهو عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان القرشي الفهري، قرأ على أيوب بن تميم أيضا وكان يصلي إمامًا بجامع دمشق سوى الجمعة ومات سنة اثنتين وأربعين ومائتين، أي هشام وعبد الله تنقلا عن ابن عامر القراءة بالإسناد، وقوله: وهو انتسابه لذكوان جملة معترضة يعني لا تظن أن ذكوان والد عبد الله وإنما هو منتسب إليه كما ذكرنا والله أعلم. ٣٤- وَبِالْكُوفَةِ الْغَرَّاءِ مِنْهُمْ ثَلاَتَةٌ ... أَذَاعُوا فَقَدْ ضَاعَتْ شَذاً وَقَرَنْفُلاَ الغراء: يعني المشهورة البيضاء المنيرة بكثرة العلماء بها، منهم: يعني من السبعة ثلاثة: هم عاصم وحمزة والكسائي أذاعوا أي أفشوا العلم بها وشهروه ونشروه، والضمير في ضاعت للكوفة أو للقراءة أي فاحت رائحة العلم بها والشذا كسر العود والقرنفل معروف وهما منصوبان على حذف مضاف هو مفعول مطلق أي ضوع شذا وقرنفل، أو هما نصب على التمييز أي ضاع شذاها وقرنفلها، أو لأن ضاع يستعمل في الرائحة الكريهة أيضا فميزه بما نفى ذلك والله أعلم. ٣٥- فَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ وَعَاصِمٌ اسْمُهُ ... فَشُعْبَةُ رَاوِيهِ المُبَرِّزُ أَفْضَلاَ وهذا هو البدر الخامس: أبو بكر عاصم بن أبي النجود أحد السادة من أئمة القراءة والحديث، مات سنة عشرين أو سبع أو ثمانٍ أو تسع وعشرين أو سنة ثلاثين ومائة بالسماوة، وهو موضع بالبادية بين الشام والعراق من ناحية الفرات وقيل مات بالكوفة. أثنى الشيخ الشاطبي على عاصم بأن من جملة الرواة عنه شعبة الذي برز في الفضل، وهو باب من أبواب المدح معروف، فكم من تابع قد زان متبوعه، وكم من فرع قد شرف أصله، فقوله: فشعبة مبتدأ وراويه خبره، والمبرز صفة راويه أو نعت شعبة أو يكون راويه نعت شعبة والمبرز خبره، وأفضلا نصب على الحال بمعنى فاضلا وفيه زيادة مبالغة، ويقال برز الرجل أي فاق أضرابه، ويجوز أن يكون تمييزا من باب قولهم: لله دره فارسا؛ لأن الإسناد في المعنى إلى مصدر هذا الاسم أي المبرز فضله أي فاق فضله فضل أقرانه. ولما كان شعبة اسما مشتركا والمشهور بهذا الاسم بين العلماء هو أبو بسطام شعبة بن الحجاج البصري ميز الذي عناه بما يعرف به فقال: ٣٦- وَذَاكَ ابْنُ عَيَّاشٍ أَبُو بَكْرٍ الرِّضَا ... وَحَفْصٌ وَبِاْلإتْقَانِ كانَ مُفصَّلاَ ذاك إشارة إلى شعبة؛ لأنه مشهور بكنيته واسم أبيه ومختلف في اسمه على ثلاثة عشر قولا ذكرناها في الكبير. والرضا صفة له: أي المرضي ذكره محمد بن سعيد في الطبقة السابعة من أهل الكوفة قال:

стр. 33

وكان من العباد، وتوفي بالكوفة في جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة في الشهر الذي توفى فيه هارون الرشيد بطوس. والراوي الثاني لعاصم: هو حفص بن سليم البزاز بزايين، مات سنة ثمانين ومائة، قال أبو بكر الخطيب: كان المتقدمون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر بن عياش ويصفونه بضبط الحرف الذي قرأ به على عاصم، وقال يحيى بن معين بن عمرو بن أيوب: زعم أيوب بن المتوكل قال: أبو عمر حفص البزاز أصح قراءة من أبي بكر ابن عياش وأبو بكر أوثق من أبي عمر فهذا معنى قول الشاطبي وبالإتقان كان مفضلا يعني بإتقان حرف عاصم لا في رواية الحديث والله أعلم. ٣٧- وَحَمْزَةُ مَا أَزْكاهُ مِنْ مُتَوَرِّعٍ ... إِمَاماً صَبُوراً لِلقُرانِ مُرَتِّلاَ وهذا البدر السادس: أبو عمارة حمزة بن حبيب الزيات شيخ القراء بالكوفة بعد عاصم فقوله: وحمزة مبتدأ وخبره ما بعده من الجملة التعجبية، كقوله: زيد ما أكرمه، ومن متورع في موضع نصب على التمييز كقولك: ما أكرمه رجلا وما أكرمه من رجل، وكذلك المنصوبات بعده أي ما أزكى ورعه وإمامته وصبره وترتيله للقرآن، ويجوز نصب إماما وما بعده على المدح أي اذكر إماما صبورا ويجوز نصبهنّ على الحال ويجوز أن يكون ما أزكاه إلى آخر البيت كلاما معترضا لمجرد الثناء، وخبر المبتدأ أول البيت الآتي، وهو: "روى خلف عنه وأزكاه من زكا" إذا طهر ونما صلاحه أي ما أجمعه لخصال الخير، ومات ﵀ سنة ست ومسين وقيل سنة أربع أو ثمان وخمسين ومائة والله أعلم. ٣٨- رَوَى خَلَفٌ عَنْهُ وَخَلاَّدٌ الَّذِي ... رَوَاهُ سُلَيْمٌ مُتْقِناً وَمُحَصِّلاَ اعتمد في هذا الإطلاق على معرفة ذلك واشتهاره بين أهله وهو أن سليما قرأ على حمزة وأن خلفا وخلادا أخذا قراءة حمزة عن سليم عنه وظاهر نظمه لا يفهم منه هذا؛ فإنه لا يلزم من كونهما رويا الذي رواه سليم أن يكون أخذهما عن سليم لاحتمال أن يكون سليم رفيقا لهما ومتقنا ومحصلا حالان من الهاء في رواه أو من الذي وكلاهما واحد. وسليم هذا: هو سليم بن عيسى مولى بني حنيفة، مات سنة ثمان أو تسع وثمانين ومائة وقيل سنة مائتين. وأما خلف: فهو صاحب الاختيار وهو أبو محمد خلف بن هشام البزار آخره راء، مات ببغداد سنة إحدى أو ثمان أو تسع وعشرين ومائتين. وأما خلاد: فهو أبو عيسى ويقال أبو عبد الله خلاد بن خالد الأحول الصيرفي الكوفي ويقال خلاد ابن خليد ويقال ابن عيسى: توفي سنة عشرين أو ثلاثين ومائتين. ٣٩- وَأَمَّا عَلِيٌّ فَالْكِسَائِيُّ نَعْتُهُ ... لِمَا كانَ في الْإِحْرَامِ فِيهِ تَسَرْبَلاَ وهذا البدر السابع: أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بميم ونون آخره النحوي المعروف بالكسائي، مات سنة تسع وثمانين ومائة، وقيل قبل ذلك. ذكر الشاطبي في هذا البيت سبب كونه نعت بالكسائي وهو أحد الأقوال في ذلك ولم يذكر صاحب

стр. 34

التيسير غيره وقيل له الكسائي من أجل أنه أحرم في كساء والنعت الصفة والسربال القميص وقيل كل ما يلبس كالدرع وغيره يقال سربلته فتسربل أي ألبسته السربال فلبسه ولما تنزل الكساء من الكسائي منزلة القميص أطلق عليه لفظ تسربل، واللام في لما للتعليل وما مصدرية أي: لكونه تسربل الكساء في وقت إحرامه بنسك الحج أو العمرة، وقوله: فيه يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون متعلقا بالإحرام أي لكونه أحرم فيه والضمير للكساء الذي دل عليه لفظ الكسائي ومفعول تسربل محذوف أي تسربل الكساء. الوجه الثاني: أن يكون فيه مفعول تسربل أي لكونه في وقت الإحرام تسربل فيه فتكون في زائدة أو عداه بـ "في" لكونه ضمنه معنى حل أو تكون في بمعنى الباء أي به تسربل، وقيل سمي الكسائي؛ لأنه كان في حداثته يبيع الأكسية وقيل: لكونه كان من قرية من قرى السواد يقال لها باكسايا وقيل: كان يتشح بكساء ويجلس مجلس حمزة فكان حمزة يقول: اعرضوا على صاحب الكساء. قال الأهوازي: وهذا القول أشبه بالصواب عندي. ٤٠- رَوَى لَيْثُهُمْ عَنْهُ أَبُو الْحَارِثِ الرِّضاَ ... وَحَفْصٌ هُوَ الدُّورِيُّ وَفيِ الذِّكْرِ قَدْ خَلاَ ليثهم مثل ورشهم هو أبو الحارث الليث بن خالد، مات سنة أربعين ومائتين، والرضى أي المرضى أو على تقدير ذي الرضى وحفص هو الدوري الراوي عن اليزيدي ولهذا قال في الذكر: "قد خلا" أي سبق ذكره فيما ذكرناه من النظم. ٤١- أَبُو عَمْرِهِمْ والْيحْصَبِيُّ ابْنُ عَامِرٍ ... صَرِيحٌ وَبَاقِيهِمْ أَحَاطَ بِهِ الْولاَ أضاف أبا عمرو إلى ضمير القراء كما سبق في ورشهم وليثهم وصالحهم وأبو عمرو وإن كان لفظه مركبا فمدلوله مفرد فلوحظ المدلول فأضيف على حد قولهم "حب رماني" في إضافة ما يسمى في العرف حب رمان، واليحصبي منسوب إلى يحصب حي من اليمن وفي الصاد الحركات الثلاث قبل النسب وبعده وابن عامر عطف بيان لليحصبي، وصريح خبر المبتدإ وما عطف عليه ولم يقل صريحان؛ لأن الصريح كالصديق والرفيق يقع على الواحد والمتعدد أو يكون صريح خبر الأول أو الثاني وحذف خبر الآخر لدلالة المذكور عليه وقد تقدم أن معنى الصريح الخالص النسب. فمعنى البيت أن أبا عمرو وابن عامر خالصا النسب من ولادة العجم فهما من صميم العرب وهذا على قول الأكثر، ومنهم من زعم أن ابن عامر ليس كذلك، ومنهم من زعم أن ابن كثير وحمزة من العرب أيضا ولم يختلف في نافع وعاصم والكسائي أنهم ليسوا من العرب. وغلب على ذرية العجم لفظ الموالي يقال فلان من العرب وفلان من الموالي فهذا الذي ينبغي أن يحمل عليه ما أشار إليه بقوله أحاط به الولا يعني ولادة العجم ولا يستقيم أن يراد به ولاء العتاقة فإن ذلك لم يتحقق فيهم أنفسهم ولا في أصول جميعهم ولا يستقيم أن يراد به ولاء الحلف فإن العربية لا تنافي ذلك وقد كان جماعة من العرب يحالفون غيرهم، وقد قيل في نسب أبي عمرو: إنه كان حليفا في بني حنيفة وقيل كان ولاؤه

стр. 35

للعنبر وقد بينا جميع ذلك وحققناه في الشرح الكبير، والهاء في به عائدة على باقيهم فهو لفظ مفرد وإن كان مدلوله هنا جماعة، وأحاط أي أحدق وشمل والله أعلم. ٤٢- لَهُمْ طُرُقٌ يُهْدَى بِهَا كُلُّ طَارِقٍ ... وَلاَ طَارِقٌ يُخْشى بِهاَ مُتَمَحِّلاً أي لهؤلاء القراء مذاهب منسوبة إليهم يهدى بها أي يهتدي بنفسه أو يرشد المستهدين بتلك الطرق كل طارق أي كل من يقصدها ويسلك سبيلها. جعل تلك الطرق كالنجوم التي يهتدى بها كأنه قال: كل سالك ومارّ في هذا العلم فإنه يهتدي بهذه الطرق ويهدى بها، وقيل: المراد بكل طارق أي كل نجم وكنى بالنجم عن العالم؛ لاشتراكهما في الاهتداء بهما ثم قال: ولا طارق يخشى بها ... أي ولا مدلس من قولهم: طرق يطرق طروقا إذا جاء بليل والليل محل الآفات. والمعنى أن تلك الطرق قد اتضحت واستنارت فلا يخشى عليها مضلل ولا مدلس، و"لا" بمعنى ليس وطارق اسمها ويخشى خبرها أو صفة لطارق وبها الخبر، ويجوز أن يكون بها متعلقا بمتمحلا، ومتمحلا خبر لا أو حال من الضمير في يخشى العائد على طارق يقال تمحل إذا احتال ومكر فهو متمحل. ٤٣- وَهنَّ الَّلوَاتِي لِلْمُوَاتِي نَصَبْتُهاَ ... مَنَاصِبَ فَانْصَبْ فِي نِصَابِكَ مُفْضِلاَ وهن ضمير الطرق واللواتي من الأسماء الموصولة وهو جمع اللاتي جمع التي، والمواتي: الموافق وأصله الهمز، ونصبتها أي رفعتها وأبرزتها وأصلتها، مناصب: أي أصولا جمع منصب، وهو الأصل وكذلك النصاب؛ أي وتلك الطرق والمذاهب هي التي نظمت في هذه القصيدة لمن وافقني على ما اصطلحت فيها ونصبتها أصولا لمن يقرؤها أو أعلاماً لعز من علمها وشرفه ومناصب مفعول ثانٍ لنصبت على تضمين نصبت معنى جعلت وقيل: هو حال وقيل: تمييز ثم قال: فانصب أي اتعب وتجرد وشمر لتحصيلها ونصاب الشيء أصله أي اتعب في تحصيل بضاعة العلم الذي يصير أصلا لك تنسب إليه إذا انتسب الناس إلى آبائهم وقبائلهم، وقيل: المراد به النية أي اتعب في تخليص نيتك مما يفسدها في قراءة هذا العلم ومفضلا حال من الضمير في انصب يقال: أفضل الرجل إذا أتى بفاضل الأعمال كأحسن وأجمل إذا أتى بحسنها وجميلها أي مفضلا بإخلاص النية والله أعلم. ٤٤- وَمَا أَنَا١ ذَا أَسْعى لَعَلَّ حُرُوفَهُمْ ... يَطُوعُ بِهَا نَظْمُ الْقَوَافِي مُسَهِّلاَ ها حرف تنبيه وأنا ضمير المتكلم وذا اسم إشارة ونظير هذه العبارة قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ ٢. فإعرابه كإعرابه وأسعى: بمعنى أحرص وأجتهد: أي إني مجتهد في نظم تلك الطرق راجيا حصول ذلك وتسهيله والضمير في حروفهم للقراء والمراد بالحروف قراءاتهم المختلفة، وقال صاحب العين: كل كلمة

стр. 36

تقرأ على وجوه من القرآن تسمى حرفا، ويجوز أن يكون المراد بالحروف الرموز؛ لأنها حروفهم الدالة عليهم ويدل عليه قوله بعد ذلك: جعلت أبا جادٍ كأن قائلا قال له: وما تلك الحروف التي ترجو طوع القوافي بها فقال ذلك، ويطوع بمعنى ينقاد فكأنه ضمنه معنى يسمح فعداه بالباء، والقوافي جمع قافية وهي كلمات أواخر الأبيات بضابط معروف في علمها، وقد نظمت فيها الأرجوزة الوافية بعلمي العروض والقافية ومسهلا حال من النظم ثم قال:

стр. 37

بيان الرموز التي يشير بها الناظم إلى القراء السبعة ورواتهم: ٤٥- جَعَلْتِ أَبَا جَادٍ عَلَى كُلِّ قَارِئٍ ... دَلِيلاً عَلَى المَنْظُومِ أَوَّلَ أَوَّلاَ أي صيرت حروف أبي جاد فحذف المضاف للعلم به أي جعلته دليلا على كل قارئ ذكرته في هذا النظم فقوله: "على المنظوم" بدل من قوله: "على كل قارئ" بإعادة العامل أو يكون معمول عامل مقدر أي مرتبا على ما نظمته، وتقدير أول أولا أولا فأولا أو أولا لأول ثم حذف الحرف وركبت الكلمتان معا وبنيتا على الفتح أي الأول من حروف أبي جاد للأول من القراء والثاني للثاني وهكذا إلى أن ينتهي عدد القراء السبعة، والرواة الأربعة عشر وحروف أبي جاد هي حروف المعجم المعروفة جمعت في كلمات أولها أبجد وكان أصله أبو جاد فحذفت منه الواو والألف؛ لئلا تتكرر الصور؛ لأن أول أبجد ألف وفي هوز واو وقد بسطنا الكلام في ذلك في الشرح الكبير وصفا لنا من الحروف سبع كلمات كل كلمة لواحد من السبعة وراوييه على ترتيب نظمه الأول للشيخ والثاني لأول الروايين والثالث لثانيهما ولا يعد في القراء اليزيدي ولا سليم؛ لأنه إنما ذكرهما لبيان السند لمن قرأ عليهما لا لتنسب القراءة إليهما والكلمات هي أبج دهز حطي كلم نصع فصق رست وهي تجيء نصف بيت بتسكين الحرف الوسط من دهز كلم نصع وتحريكه من البواقي وتمام البيت دليل على المنظوم أول أولا فالألف لنافع والباء لقالون والجيم لورش والدال لابن كثير وهكذا إلى آخرهم فتكون الراء للكسائي والسين لأبي الحارث والتاء للدوري عنه١ وله عن عن أبي عمرو الطاء من حطي هذا عقد هذا الاصطلاح. وننبه بعد ذلك على فوائد تتعلق باستعماله لهذه احروف لم يتعرض لها وإنما فهمتها من تصرفه في نظمه، منها أن هذه الحروف لا يأتي بها مفردة بل في أوائل كلمات قد ضمن تلك الكلمات معاني صحيحة مفيدة فيما هو بصدده من ثناء على قراءة أو على قارئ أو تعليل أو نحو ذلك على ما سيأتي بيانه كقوله: وبسمل بين السورتين بسنة ومالك يوم الدين راويه ناصر سلاسل نون إذ رووا صرفه لنا وقد يأتي بها بعد الواو الفاصلة كقوله: ألا وعلا الحرمي إن لنا هنا وكم صحبة يا كاف دون عناد عم وحكم صحاب قصر همزة جاءنا فالحاء من حكم رمز لأبي عمرو فكأنه قال وأبو عمرو وفلان وفلان يقرءون كذا وكذلك الدال من ودون لابن كثير والكاف من وكم لابن عامر والعين من وعلى لحفص ولا يأتي ذلك إلا حيث يكون الواو زائدة على الكلمة فالعين من قوله وعى نفر ليست برمز وكذا قوله في سورة النحل معا يتوفاهم لحمزة وصلا سما كاملا يهدي الواو في وصلا فصل وهي أصلية فالصاد ليست برمز داخل مع سما كاملا،

стр. 38

وكذا لا يفعل ذلك إلا في ابتداء المسألة لا في أثناء الرمز، فقوله: حق وذو جلا، حق وذو ملا ليس الذال برمز وكذا ما أشبه ذلك ولو كان تجنب الرمز في الحشو مطلقا لكان أولى. ومنها أن رمز نافع أول حروف أبجد؛ لأن نافعا أول القراء في نظمه وأول حروف أبجد همزة لفظا وألف خطًّا فاستعمل المجموع في رمز نافع فالهمزة يستعملها كثيرا نحو ورابرق افتح آمنا وقد يستعمل ألف الوصل نحو معي نفر العلا، له الرحب له الحلا وإن افتحوا الجلا كما انجلا وهو كثير ولو تجنبه لكان أحسن فإن ألف الوصل ساقطة لفظا منه فكلما كان الرمز بلفظ بين كان أولى منه بلفظ خفي ولزم منه إلباس في قوله: سورة الكهف: وأقبلا على حق السدين أن يكون الألف من واقبلا رمز نافع فيكون مع على حق في فتح السدين كما فعل ذلك في وعلا وكم ودون وحكم على ما تقدم. ومنها أنه مهما اجتمع الراويان على قراءة فالرمز لإمامهما دونهما في غالب الأمر؛ لأنه الأخص إذ لا يحتاج إلا إلى كلمة واحدة، وقد جاء في بعض المواضع الرمز لهما بكلمتين لاحتياجه إلى ذلك في إقامة الوزن وتتمة البيت كقوله: ضوء سنا تلا، وفي الفرقان زاكيه هللا، وفي لوصل لكنا فمد له ملا. ومنها أنه إذا اتصل شيء من هذه الحروف بضمير قراء تقدم ذكرهم لم يكن ذلك رمزا وكان الضمير كالمصرح به من أسمائهم، ومن حكمه أن المصرح به لا رمز معه وذلك نحو قوله: وصية ارفع صفو حرميه رضى ثم قال: ويبصط عنهم: أي أن من تقدم ذكرهم يقرءون يبصط بالصاد ولا نقول إن العين في عنهم رمز حفص ومثله: وضم الراء حق ولاغية لهم أي ضم نافع وابن كثير وأبو عمرو الياء من: لا تسمع فيها١ ورفع: لاغية لهم أيضا ولا نقول إن اللام في لهم رمز هشام وهذا بخلاف ما إذا كان الضمير غير راجع إلى أحد من القراء الذين سبق ذكرهم فإن الحرف حينئذ يكون رمزا مثل: له الرحب له الحلا. ومنها أنه قد جاء في مواضع ألفاظ تصلح أن تكون رمزا وليست برمز في مراده وذلك كما سنبينه في باب المد والإمالة والزوائد وفرش الحروف، وهو مشكل وفي باب البسملة موضع ذكر أنه رمز وعندي أنه ليس برمز كما سنذكره. ومنها أنه إذا اجتمعت قراءتان لقارئ واحد فتارة يسمى لكل قراءة منهما كقوله: وفيه لم ينون لحفص كيد بالخفض عولا وتارة يسمى بعد الثانية فتكون التسمية لهما كقوله: وأنث ان تكون مع الأسرى الأسارى حلا حلا وفي قوله: سنكتب ياء ضم البيت رمز بعد ثلاث قراءات لحمزة بقوله فيكملا وتارة يسمى مع الأولى ويعطف الثانية عليها كقوله: ويغشى سما خفا البيت فقوله والنعاس ارفعوا يعني لحق المقدم ذكره؛ لأنه قد أتى بالواو الفاصلة في قوله: ولا فلو كان رفع النعاس لغير من تقدم ذكره لسماه قبل الواو فيعلم بمحئ الواو أن لا رمز لها سوى ما تقدم والله أعلم. ٤٦- وَمِنْ بَعْدِ ذِكْرِى الْحَرْفَ أُسْمِى رِجَالَهُ ... مَتَى تَنْقَضِي آتِيكَ بِالْوَاوِ فَيْصَلاَ الحرف مفعول ذكرى المضاف إلى ياء المتكلم والمراد بالحرف ما وقع الاختلاف فيه بين القراء من الكلمات وأسمى وأسمى لغتان بمعنى واحد ويتعديان إلى مفعول واحد؛ لأنه واحد؛ لأنه بمعنى ذكرى الاسم، والهاء في رجاله تعود إلى الحرف والمراد برجاله قراؤه أي أذكرهم برموزهم التي أشرت إليها لا بصريح أسمائهم فإن ذلك يتقدم على الحرف ويتأخر كما سيأتي.

стр. 39

بين بهذا البيت كيفية استعماله الرمز بحروف أبجد فذكر أنه يذكر حرف القراءة١ أولا ثم يرمز له سواء كان المختلف فيه كلمة أو أكثر فالكلمة نحو: وتقبل الاولى أنثوا دون حاجز والكلمتان نحو وكسر بيوت والبيوت يضم عن حماجلة والثلاث نحو: وقيل وغيض ثم جيء يشمها والربع نحو: وسكِّنْ يؤده معْ نولهْ ونصلِهِ ونؤته منهاوقد تكون قاعدة كلية يدخل تحتها كلم متعددة نحو: وضمك أولى الساكنين ... البيت والأغلب أن الرمز المذكور لا يأتي إلا بعد كمال تقييد القراءة إن احتاجت إلى تقييد كالأمثلة التي ذكرناها، وقد وقع قليلاً رمز قبل تمام التقييد كقوله: والعين في الكل ثقلا كما دار واقصر مع مضعفة فقوله: كما دار رمز متوسط بين كلمتي التقييد وهما ثقلا واقصر، ومثله: ومع مد كائن كسر همزته دلا ولا ياء مكسورا ... وأما قوله في سورة غافر: أو أن زد الهمز ثملا وسكن لهم فإن قوله: لهم قام مقام تكرار الرمز وقد يرمز قبل جملة التقييد كقوله: وإثم كبير شاع بالثا مثلثا، ومثله مع تسمية القارئ قوله وفي فأزل اللام خفف لحمزة وزد ألفا من قبله فتكملا والضمير في تنقضي للرجال، ويجوز أن يعود على المسألة برمتها من ذكر الحرف وقرائه لدلالة سياق الكلام على ذلك. يريد أنه إذا انقضى ذكر الحرف ورمز من قرأه أتى بكلمة أولها واو تؤذن بانقضاء تلك المسألة واستئناف أخرى؛ لأن الواو لم يجعلها رمز القارئ بخلاف سائر الحروف ولو لم يفعل ذلك لاختلطت المسائل وظن ما ليس برمز رمزًا لا سيما إذا أتى بكلام بين المسألتين للحاجة إليه في تتميم وزن البيت كقوله: وجها على الأصل أقبلا وجها ليس إلا مبجلا حق وذو جلا فإن ما بعد الواو ليس رمزا في كل ذلك وقد يأتي بكلمة أولها واو في أثناء تقييد المسألة لضرورة القافية فلا تكون الواو فيها فصلا كقوله: من رجز أليم معا ولا على رفع خفض الميم دل عليه، وكقوله: والياسين بالكسر وصلا مع القصر مع إسكان كسر دنا غنى، فالواو في ولا ووصلا في هذين الموضعين ليسا بفصل كما أن ألفاظ التقييد لا تكون أوائلها إلا رمزا، وإنما الرمز ما يأتي بعد كمال التقييد غالبا كذلك الواو الفاصلة هي ما يأتي بعد كمال المسألة من التقييد والرمز والله أعلم. وإثبات الياء في تنقضي وآتيك وهما فعلا شرط وجزاء على لغة من قال: ألم يأتيك والأنباء تنمي وحقها حذف الياء منها للجزم ولم يستقم له حذف الياء من تنقضي، أما من آتيك فكان حذفها جائزا له على ارتكاب زحاف جائز والناظم لم يفعله لنفور الطبع السليم منه وفيصلا حال وهو من الصفات التي جاءت على وزن فيعل كضيغم وبيئس وفيه معنى المبالغة والله أعلم. ٤٧- سِوَى أَحْرُفٍ لاَ رِيبَةٌ فِي اتِّصَالِهَا ... وَبالَّلفْظِ أَسْتَغْنِي عَنِ الْقَيْدِ إِنْ جَلاَ نبه بهذا البيت على أنه إنما جعل الواو فاصلة؛ لترتفع الريبة واللبس من اختلاط الحروف وإنما خص الواو بالفصل لتأتِّيها له في النظم وتيسرها عليه من حيث هي في الأغلب عاطفة والقراءات تراجم ومسائل يعطف بعضها على بعض وربما فصل بغير العاطفة كقوله: دار وجها شاع وصلاه في عمد وعوا وهو قليل، وليس كل كلمة أولها واو يكون الواو فيها فصلا؛ فإن ذلك قد يقع في كلمات القرآن وفي ألفاظ التقييد،

стр. 40

كقوله: وراؤه بكسر بعد قوله: وصحبة يصرف فتح ضم، ومنه قوله: وبالضم واقصروا كسر التاء قاتلوا، وقد تقدم أنها تقع في أثناء كلمات التقييد وإن لم تكن تلك الكلمة تقييدا بل احتيج إليها؛ لتتميم القافية كقوله: وفك ارفعن ولا، فإن قوله: "ولا" وقع حشوا؛ لأجل القافية، وقوله: بعد ذلك وبعد اخفضن واكسر ومد الواو في الكلمات الثلاث داخلة على ما هو تقييد لا فصل في واحدة منها إلى قوله ومؤصدة فإنما الواو الفاصلة هي الآتية بعد كمال الرمز، ثم إن الكلمة التي أولها واو للفصل تارة ليس المراد منها إلا ذلك نحو وضم حليهم بكسر شفا وافٍ فكلمة وافٍ لم يأتِ بها إلا للفصل وإن تضمنت معنى صحيحًا فيما يرجع إلى الثناء على القراءة وتارة تأتي الكلمة ويكون ما بعد الواو مقصودًا لغير الفصل إما هو من الحروف المختلف فيها نحو: وموصدة فاهمز وحمالة المرفوع، وإما اسم لقارئ نحو وحمزة أسرى وورش؛ لئلا وبصر وأتبعنا أو تقييد للحرف المختلف فيه نحو: وخاطب حرفا تحسبن وبالضم صر أشاع وميم ابن أم اكسر وذكر لم يكن شاع وقد يكون ما بعد الواو رمزا وهو قليل وقد تقدم الكلام فيه نحو وعلى الحرمي ثم ذكر في هذا البيت أنه قد لا يأتي بالواو الفاصلة وذلك في أحرف من القراءات إذا اتصلت لم يلبس أمرها ولا يرتاب الناظر فيها؛ لأنها من كلم القرآن وذلك كقوله وينبت نون صح يدعون عاصم ويدعون خاطب إذ لوى ورابرق افتح آمنا البيتين ففي كل بيت منهما ثلاثة أحرف ولا واو بينها وقد يقع ااتصال من تقييد قراءة ورمز أخرى كقوله: يظلمون غيب شهددنا ثم قال: إدغام بيت في حلا وقوله: واكسر الضم اثقلا نعم عم في الشورى. فالحاصل أنه يلتزم الواو في مواضع الريبة وفيما عداها قد يأتي بالواو طردا للباب وقد لا يأتي بها للاستغناء عنها وأكثر المواضع التي أتى فيها بالواو لا لبس فيها كقوله: وعند سراط والسراط ورضوان اضمم زكا وقواريرا، وقد ترك الواو سهوا في موضع واحد ملبس في سورة القصص وقل قال موسى واحذف الواو دخللا نما نفر بالضم ثم ذكر حكما آخر فيما يتعلق بتقييد الحرف المختلف فيه فقال: وباللفظ استغنى عن القيد ولم يكن هنا موضع ذكره ولو أخره إلى ما بعد انقضاء الرموز لكان أولى وذلك عند قوله: وما كان ذا ضد ... إلى قوله: وفي الرفع والتذكير والغيب فهاتيك الأبيات كلها فيما يتعلق بتقييد القراءات، وهذه الأبيات من قوله: جعلت أبا جاد ... إلى قوله: وما كان ذا ضد كلها في الرمز وما يتعلق به ويتفرع عنه فاعترض بهذا الحكم في أثناء ذلك فذكر أنه قد لا يحتاج إلى تقييد الحرف بهيئة قراءته إذا كان التلفظ به كاشفا عن ذلك القيد، ولهذا قال: إن جلا أي إن كشف اللفظ عن المقصود وبينه يقال جلوت الأمر إذا كشفته، وهذا قد أتى في القصيدة على ثلاثة أقسام إما أن يلفظ بالقراءتين معا كقوله: وحمزة أسرى في أسارى وفي طائر طيرا سكارى معا سكرى وعالم قل علام، وإما أن يلفظ بإحداهما ويقيد الأخرى كقوله: وبالتاء آتينا، والثالث أن يلفظ بإحداهما ولا يقيد الأخرى كقوله: و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ١. كأنه قال بالمد ففهم من ذلك القراءة الأخرى من جهة الضد، وقد يلفظ بالقراءتين معا ويذكر بعد بعض
следующие страницы →