فقرأ "أصحاب لَيكة المرسلين" قال الفراء: نرى والله أعلم أنها كتبت في هذين الموضعين على ترك الهمزة فسقطت الألف؛ لتحريك اللام، قال مكي: تعقب ابن قتيبة على أبي عبيد فاختار الأيكة بالألف والهمزة والخفض، وقال: إنما كتبت بغير ألف على تخفيف الهمزة، قال: وقد أجمع الناس على ذلك؛ يعني: في الحجر وق، فوجب أن يلحق ما في الشعراء وص بما أجمع عليه فما أجمعوا عليه شاهد لما اختلفوا فيه، قال الزجاج: القراءة بجر "ليكة"، وأنت تريد الأيكة أجود من أن تجعلها ليكة وتفتحها؛ لأنها لا تنصرف؛ لأن "ليكة" لا تعرف، وإنما هو أيكة للواحد وأيك للجمع مثل أجمة وأجم والأيكة الشجر الملتف فأجود القراءات فيها الكسر وإسقاط الهمز؛ لموافقة المصحف ولا أعلمه إلا قد قرئ به قال النحاس: أجمع القراء على خفض التي في الحجر والتي في سورة ق فيجب أن يرد ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه إذا كان المعنى واحدا، فأما ما حكاه أبو عبيد من أن "ليكة" اسم القرية التي كانوا فيها، وأن الأيكة اسم البلد كله فشيء لا يثبت ولا يعرف من قاله، ولو عرف من قاله لكان فيه نظر،؛ لأن أهل العلم جميعا من أهل التفسير والعلم بكلام العرب على خلافه لا نعلم بين اللغة اختلافا أن الأيكة الشجر الملتف فما احتجاج بعض من احتج لقراءة من قرأ في هذين الموضعين بالفتح أنه في السواد "ليكة" فلا حجة له فيه، والقول فيه أن أصله الأيكة، ثم خففت الهمزة، فألقيت حركتها على اللام فسقطت فاستغنت عن ألف الوصل؛ لأن اللام قد تحركت فلا يجوز على هذا إلا الخفض كما تقول: مررت بالأحمر على تحقيق الهمزة ثم تخففها فتقول: بلحمر فإن شئت كتبته في الخط على ما كتبته أولا، وإن شئت كتبته بالحذف ولم يجز إلا الخفض فكذلك لا يجوز في الأيكة إلا الخفض، قال سيبويه: واعلم أن كل ما لا ينصرف إذا أدخلته الألف واللام أو أضفته انصرف، قال: ولا نعلم أحدا خالف سيبويه في هذا، وقال أبو علي: قول من قال "ليكة"، ففتح التاء مشكل؛ لأنه فتح مع لحاق اللام الكلمة، وهذا في الامتناع كقول من قال: مررت بلحمر فيفتح الآخر مع لحاق لام المعرفة الكلمة، وقال: إنما كتبت "ليكة" على تخفيف الهمز والفتح لا يصح في العربية؛ لأنه فتح حرف الإعراب في موضع الجر مع لام المعرفة فهو على قياس من قال: "مررت بلحمر"، قال: ويبعد أن يفتح نافع ذلك مع ما قاله ورش.
قلت: يعني: أن ورشا مذهبه عنه نقل الحركة، وقد فعل ذلك في الحجر وق مع الخفض فكذا في الشعراء وص، وقال الزمخشري: قرئ أصحاب الأيكة بالهمز وتخفيفها، وبالجر على الإضافة وهو الوجه، ومن قرأ بالنصب، وزعم أن "ليكة" بوزن ليلة اسم بلد فوهم قاد إليه خط المصحف، وإنما كتبت على حكم لفظ اللافظ كما تكتب أصحاب النحو؛ لأن "ولُولَى" على هذه الصورة؛ لبيان لفظ المخفف، وقد كتب في سائر القرآن على الأصل، والقصة واحدة على أن "ليكة" اسم لا يعرف، وروي أن أصحاب الأيكة كانوا أصحاب شجر ملتفٍّ وكان شجرهم الدوم قلت: يعني: فهذا اللفظ مطابق لحالهم، أما لفظ "ليكة" على أن تكون اللام فاء الكلمة وهي مركبة من لام وياء وكاف، فهذا شيء غير موجود في لسان العرب بل هذا التركيب مما أهملته، فلم يتلفظ به فهو مشبه بالحاء والدال المعجمتين مع الجيم فإنه مما نص عليه أهل اللغة أنه أهمل فلم تنطق به العرب ولكن لا وجه لهذه القراءة غير ذلك، قال الزجاج: أهل المدينة يفتحون على ما جاء في التفسير أن اسم المدينة التي كان فيها شعيب "ليكة" قال ابن القشيري: قال أبو علي: لو صح هذا فلِمَ أجمع القراء على الهمز في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ في سورة الحجر؟ والأيكة التي ذكرت
стр. 632
ههنا هي التي ذكرت هناك، وقد قال ابن عباس: الأيكة الغيضة ولم يعبرها بالمدينة والبلد قال: وهذا الاعتراض مردود إذا ثبتت هذه القراءة، ولا يبعد أن تسمى بقعة ليكة ثم يعبر عن ذلك البقعة بالغيضة والأيكة؛ لكثرة أشجارها، وقال الخليل: الأيكة غيضة تنبت السدر والأراك ونحوهما من ناعم الشجر، وقيل: الأيك شجر الدوم وهو المقل وهو أكثر شجر مدين، وقيل: بعث شعيب إلى مدين والأيكة وهما قريتان، قال صاحب الصحاح: من قرأ أصحاب الأيكة فهي الغيضة، ومن قرأ: "ليكة" فهي اسم القرية، ويقال: هما مثل بكة ومكة.
قلت: إنما قال ذلك تقليدا لما ذكره أبو عبيد، وإلا فلم يذكر في حرف الكاف فصلا للام ولا ذكره غيره فيما علمت، وقول الناظم: غيطلا منصوب على الحال من مفعول أخفضه؛ أي: مفسرا بذلك؛ لأن الغيطل جمع غيطلة وهي الشجر الكبير، وجعله الشيخ حالا من الفاعل فقال: اخفضه مفسرا أو متأولا ذلك بالغيطل،؛ أي: أنك في القراءة الأخرى إنما تتأوله بالبقعة، فقد صار للأيكة حالان حال هو فيها بقعة وحال هو فيها غيطلة فافعل ذلك به غيطلا.
٩٢٩-
وَفِي نَزَّلَ التَّخْفِيفُ وَالرُّوحُ وَالأَمِيـ ... ـنُ رَفْعُهُما "عُـ"ـلْوٌ "سَمَا" وَتَبَجَّلا
يريد نزل به الروح الأمين فمع التخفيف رفع الروح؛ لأنه فاعل والأمين صفته ومع التشديد نصبهما على المفعولية، ويناسب التشديد ما قبله من قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، وعلو بضم العين وكسرها: نقي السفل بضم السين وكسرها.
٩٣٠-
وَأَنَثْ يَكُنْ لِلْيَحْصَبِي وَارْفَعَ ايَةً ... وَفَا فَتَوَكَّلْ وَاوُ "ظَـ"ـمْئانِهِ "حَـ"ـلا
يريد: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً﴾ قرأ الجماعة بتذكير يكن ونصب آية على أنها خبر كان، واسمها أن يعلمه علماء بني إسرائيل؛ أي: أو لم يكن علم العلماء آية لهم على صدقك، وعلى قراءة ابن عامر قال الزمخشري: جعلت آية اسما وأن يعلمه خبرا، قال: وليست كالأولى؛ لوقوع النكرة اسما والمعرفة خبرا، وقد خرج لها وجه آخر؛ ليتخلص من ذلك فقيل: في يكن ضمير القصة وآية أن يعلمه جملة واقعة موقع الخبر.
قال: ويجوز على هذا أن يكون لهم آية هي جملة لشأن وأن يعلمه بدل عن آية، ويجوز مع نصب الآية تأنيث يكن كقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ . قلت: ولكن لم يقرأ به، أما: "فتوكل على العزيز الرحيم" فرسم بالفاء في المدني والشامي، وبالواو في غيرهما، قال أبو علي: الوجهان حسنان، قال الشيخ: الواو عطف جملة على جملة، والفاء على أنه كالجزاء لما قبله، وقال الزمخشري: له محملان؛ في العطف أن يعطف على فقل أو فلا تدع، قلت: لا حاجة إلى جعلها عاطفة بل لها حكم قوله: فلا تدع فإن عصوك فهي في الجميع تفيد استئناف أمر غير ما تقدم والهاء في قول الناظم ظمآنه تعود إلى الفاء؛ لأن الفاء لما جعلت الواو مكانها هنا ظمئ المكان إليها، فقال: الواو أيضا خلت هنا والله أعلم.
стр. 633
٩٣١-
وَيَا خَمْسِ أَجْرِي مَعْ عِبَادِي وَلِي مَعِي ... مَعًا مَعْ أَبِي إِنِّي مَعًا رَبِّيَ انْجَلا
أضاف لفظ: "يا" إلى خمس وقصره ضرورة كما قصر لفظ: "فا" في البيت السابق في قوله: "وفا فتوكل" يريد: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا﴾ في خمسة مواضع في قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ﵈ فتحهن نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص، وأراد: "بعباديَ إنكم متبعون" فتحها نافع وحده. ﴿مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ فتحها حفص وحده. ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فتحها حفص وورش. "عدو ليَ إلا"، "اغفر لأبيَ إنه" فتحهما نافع وأبو عمرو. "إنيَ أخاف" موضعان في قصة موسى وهود ﵉، "ربيَ أعلم" في قصة شعيب ﵇ فتح الثلاث الحرميان وأبو عمرو فتلك ثلاث عشرة ياء إضافة.
стр. 634
سورة النمل:
٩٣٢-
شِهَابٍ بِنُونٍ "ثِـ"ـقْ وَقُلْ يَأْتِيَنَّنِي ... "دَ"نَا مَكُثَ افْتَحْ ضَمَّةَ الكَافِ "نَـ"ـوْفَلا
أراد: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ وقوله: بنون:؛ أي: بزيادة تنوين للكوفيين فيكون قبس صفة لشهاب؛ أي: مقبوس يقال: قبست نارا، وقيل: هو بدل ومن أضاف فهو من باب ثوب خز؛ لأن القبس الشعلة من النار، وكذلك الشهاب لكن الشهاب يطلق أيضا على الكوكب، وعلى كل أبيض ذي نور، فأضيف للبيان، وحكى أبو علي عن أبي الحسن أن الإضافة أكثر وأجود في القراءة كما تقول دار آجر وسوار ذهب قال: ولو قلت: سوار ذهب ودار آجر لكان عربيا إلا أن الأكثر في كلام العرب الإضافة، ثم قال: وقل: يأتينني دنا؛ أي: بزيادة نون أيضا فاستغني بقيد شهاب عن تقييده كما استغني في التخفيف والتثقيل بقيد المسألة الأولى عن الثانية نحو سكرت فاسعرت عن أولى ملاد وفي اللفظ ما ينبيء عن ذلك فهو فيهما من باب الإثبات والحذف، أراد: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ زاده ابن كثير نونا وهو نون الوقاية وقبلها نون التأكيد الشديدة، وقراءة الجماعة إما على إسقاط نون الوقاية أو على أن الفعل مؤكد بالنون الخفيفة ثم أدغمت في نون الوقاية، أما "مكث" ففتح الكاف منه وضمها لغتان، ويقوى الفتح أنكم ماكثون ماكثين فيه أبدا، ونوفلا حال من فاعل افتح وقد تقدم.
٩٣٣-
مَعًا سَبَأَ افْتَحْ دُونَ نُونٍ "حِـ"ـمًى "هُـ"ـدًى ... وَسَكِّنْهُ وَانْوِ الْوَقْفَ "زُ"هْرًا وَمَنْدَلا
يريد: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأ﴾ : ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ﴾ ١، فهذا معنى قوله: "معا"؛ أي: هنا وفي سورة سبأ افتح الهمز من لفظ سبأ دون نون؛ أي: من غير تنوين؛ لأنه لا ينصرف، وحمى هدى حال وقراءة الباقين بالصرف كسروا الهمزة ونونوا وهما لغتان في لفظ سبأ وثمود الصرف وتركه نص سيبويه وغيره عليهما بناء على أنه يقصد بهما الحي أو القبيلة، وحسن لفظ الصرف هنا؛ ليناسب الكلمة التي بعده وهي قوله: "بنبأ" فهو أولى من صرف سلاسلا وقواريرا للتناسب على ما يأتي في موضعه، وروى قنبل إسكان الهمزة، وقرأ به ابن مجاهد عليه وقال: هو وهم وبين الناظم علته بقوله: وانو الوقف؛ أي: تكون واصلا بنية الوقف وهذا باب لو فتح لذهب الإعراب من كلام العرب واستوى الوقف والوصل ولكن يقع مثل هذا نادرا في ضرورة الشعر، قال مكي، الإسكان في الوصل بعيد غير مختار ولا قوي، وقوله: زهرا ومندلا حالان من فاعل سكنه أو مفعوله؛ أي: ذا زهر ومندل؛ أي: ذا طيب بمعنى طيبا؛ أي: خذه بقبول غير متكره له:
стр. 635
٩٣٤-
أَلا يَسْجُدُوا رَاوٍ وَقِفْ مُبْتَلىً أَلا ... وَيا وَاسْجُدُوا وَأبْدَأْهُ بِالضَّمِّ مُوصِلا
أي: قراءة الكسائي بتخفيف "ألا" جعله حرف تنبيه نحو: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ ١، ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ ٢. وتقدير البيتين: ألا يسجدوا قراءة راوٍ فيكون "يسجدوا" بعده كلمتين تقريرهما: يا اسجدوا بحرف النداء وفعل الأمر والمنادى محذوف؛ أي: يا قوم اسجدوا وهذه لغة فصيحة مشهورة كثيرة ومنها قول الشماخ:
ألا يا اصبحاني قبل غارة سنجال
أي: يا صحابي اصبحاني إلا أنه لم يكتب في المصحف إلا على هذه الصورة بحذف ألا يا وحذف ألف الوصل من اسجدوا وحذف الألف من "يا" مطرد في رسم المصاحف نحو: "ينوح"، "يقوم" في يا نوح يا قوم، وحذفت ألف الوصل أيضا في نحو: "بسم الله" فلما اجتمعا في هذه الكلمة حذفا، ونظيرها في الرسم "يبنؤم" في يا ابن أم حذفت الألف من يا وألف الوصل من ابن فحصل من هذا أن الرسم احتمل ما قرأه الكسائي وما قرأ به غيره، واختار أبو عبيد قراءة الجماعة وقال؛ لأنها في بعض التفاسير: وزين لهم اشيطان أن لا يسجدوا قال: ومن قرأها بالتخفيف جعلها أمرا مستأنفا بمعنى: ألا يا أيها اسجدوا وهذا وجه حسن إلا أن فيه انقطاع الجزء الذي كان من أمر ملكة سبأ وقومها ثم رجع بعد إلى ذكرهم والقراءة الأولى خبر يتبع بعضه بعضًا لا انقطاع فيه قال أبو علي: وهذا هو الوجه ولتجري القصة على سننها ولا يفصل بين بعضها وبعض بما ليس منها وإن كان الفصل بهذا النحو غير ممتنع؛ لأنه يجري مجرى الاعتراض وما يساد القصة، وكأنه لما قيل: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية قد دل هذا الكلام على أنهم لا يسجدون لله تعالى ولا يتدينون بدين فقال: ألا يا قوم أو يا مسلمون اسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض خلافا عليهم وحمدا لله مكان ما هداهم لتوحيده فلم يكونوا مثلهم في الطغيان والكفر قال الفراء: قرأها أبو عبد الرحمن السلمي والحسن وحميد الأعرج مخففة على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فيضمر هؤلاء ويكتفي بقوله: يا وسمع بعض العرب يقول: ألا يا ارحمونا، ألا يا تصدقوا علينا، وحدثني الكسائي أن عيسى الهمداني قال: ما كنت أسمع الشيخة يقرؤونها إلا بالتخفيف على نية الأمر وهي في قراءة عبد الله: "هلا تسجدوا" بالتاء فهذه حجة لمن خفف؛ لأن قولك: ألا تقوم بمنزلة قولك: قم، وفي قراءة أبي: "ألا يسجدون لله الذي يعلم سركم وما تعلنون"، قال: وهو وجه الكلام؛ لأنها سجدة ومن قرأ: "أن لا يسجدوا"، فشدد، فلا ينبغي لها أن تكون سجدة؛ لأن المعنى زين لهم الشيطان أن لا يسجدوا، وقول الناظم: وقف مبتلا ألا يا أراد أن يبين هذه الكلمات المتصلة؛ لينفصل بعضها من بعض لفظًا كما هي منفصلة تقديرًا فقال: إذا ابتليت بالوقف؛ أي: اختبرت وسئلت عن ذلك على وجه الامتحان أو أراد بالابتلا الاضطرار؛ أي: إذا اضطررت إلى ذلك؛ لانقطاع نفس أو نسيان فلك أن تقف على ألا؛ لأنه عرف مستقل لا اتصال له بما بعده بخلافها إذا شددت في قراءة الجماعة على ما يأتي، ولك أن تقف على يا؛ لأنها حرف النداء والمنادى بها محذوف فهذا موضع الاختبار؛ لأن الياء متصلة بالفعل
стр. 636
لفظًا وخطًّا، أما الوقف على ألا فلا يحتاج إلى الاختبار؛ إذ لا يخفى أنه كلمة وكذا الوقف على اسجدوا بل الوقف عليهما من باب الاضطرار لا الاختبار فلما كان قوله: مبتلا يحتمل الأمرين ذكر موجبهما على كل واحد من التقديرين، ونصب مبتلا على الحال وكذا ما بعده؛ لأن التقدير: قائلا: ألا ويا واسجدوا، ثم قال: وابدأه بالضم؛ أي: ابدأ اسجدوا بضم همزة الوصل؛ لأنه فعل أمر من المضارع المضموم الوسط كاخرج وادخل، فكما تضم الهمزة إذا ابتدأت: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ كذلك تضم في: "اسْجُدُوا" إذا ابتدأت بها، وغير الناظم من المصنفين لا يذكرون الوقف إلا على "ألا يا"؛ لأنه موضع الاختبار وفي شرح الغاية لابن مهران، روي عن الكسائي أنه وقف: "ألا يا"، وابتدأ اسجدوا قال: فإن صح ذلك فعلى طريق إظهار الأصل لا على طريق الاختبار في الوقف، كأنه قيل: له فعلا أثبت النون كما في: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾ ، ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ﴾ ، "ألا تجدون" فأخبرهم بأصل الكلمة، وقوله: موصلا حال من أوصلته؛ أي: بلغته؛ أي: مبلغا علم ذلك إلى من لا يعرفه، وذكر الشيخ فيه وجهين أحدهما أن معنى موصلا ناطقا بهمزة الوصل والثاني في حال وصلك؛ أي: إنه ليس بابتداء تستمر عليه إنما أنت تبتدي للضم للاختبار، ثم تصله بما قبله تاليا، قلت: فهي على هذا المعنى حال مقدرة إلا أن في استعمال موصلا بهذا المعنى نظرًا، وقد سبق التنبيه عليه في باب الهمزتين من كلمة وفي سورة البقرة؛ لأنه بمعنى واصلا ثَم.
٩٣٥-
أَرَادَ أَلا يَا هؤُلاءِ اسْجُدُوا وَقِفْ ... لَهُ قَبْلَهُ وَالغَيْرُ أَدْرَجَ مُبْدِلا
أي: أراد الكسائي هذا التقدير: وقد سبق شرحه، ثم قال: وقف له؛ أي: للكسائي قبله؛ أي: قبل ألا يسجدوا؛ أي: يجوز لك الوقف على: ﴿فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ ؛ إذ لا تعلق لما بعده به، ثم قال: والغير أدرج؛ أي: غير الكسائي أدرج "يهتدون" مع "ألا يسجدوا"، ولم يقف قبله، وجعله بدلا من أعمالهم أو من السبيل على زيادة لا فقوله: مبدلا بفتح الدال مفعول أدرج؛ أي: أدرج لفظا مبدلا أو حال من المفعول؛ أي: أدرجه في حال كونه مبدلا مما قبله ثم ذكر وجها آخر فقال:
٩٣٦-
وَقَدْ قيل: مَفْعُولًا وَإِنْ أَدْغَمُوا بِلا ... وَلَبْسَ بِمَقْطُوعٍ فَقِفْ يَسْجُدُوا وَلا
أي: أدرج مفعولا وفي نصب مفعول الوجهان المقدمان؛ إما مفعول به وإما حال؛ أي: أعرب: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ بأنه مفعول، واختلفت في ذلك فقيل: هو مفعول به؛ أي: فهم لا يهتدون أن يسجدوا ولا زائدة، وقيل: هو مفعول له؛ أي: زين لهم لئلا يسجدوا أو قصدهم لئلا يسجدوا، وهذا الوجه والأول الذي هو بدل من أعمالهم يكون فيه لا غير زائدة بخلاف البدل من السبيل والنصب بيهتدون، فهي فيهما زائدة فلا يجوز في قراءة الجماعة الوقف على يهتدون؛ لأجل هذا التعلق على الوجوه الأربعة بخلاف قراءة الكسائي فلا تعلق لها بما قبلها، وهذا كله يقال؛ إظهارًا لمعاني الكلام وتعريفا بتعلق بعضه ببعض؛ ليتدرب فيه الطالب وإلا فالمختار عندنا جواز الوقف على رءوس الآي مطلقة.
قال: وإن أدغموا بلا؛ يعني: أن ألا أصلها أن لا فأدغمت النون في اللام إدغاما واجبا؛ لسكونها على ما عرف
стр. 637
في باب النون الساكنة فمن ثم جاء التشديد.
ثم قال: وليس بمقطوع؛ يعني: لم يفصل بين الحرفين في الرسم فلم يكتب أن لا بل لم تكتب النون صورة أصلا بل كتبت على لفظ الإدغام فلأجل ذلك احتمل الرسم قراءة الكسائي وقراءة الجماعة، وهي "أن" الناصبة للفعل ولا بعدها للنفي أو زائدة على ما تقرر من المعاني.
ثم قال: فقف يسجدوا؛ يعني: أنه ليس لك أن تقف في الابتلاء ثلاث وقفات كما ذكرنا للكسائي؛ لأن تلك المواضع كل كلمة مستقلة بمقصودها؛ لأن إلا أفادت الاستفتاح ويا مع المنادى المحذوف أفادت الندا.
ثم قال: اسجدوا وهو أمر تام، وههنا إن وقفت على "ألا" كنت قد وقفت على أن الناصبة دون منصوبها، فلا يتم الكلام إلا بقوله: يسجدوا وههنا إشكالان: الأول أن ظاهر قوله: أن لا وقف للجماعة إلا على يسجدوا فإن أراد وقف الاختيار فذاك في آخر الآية، وإن أراد وقف الاضطرار جاز على ألا، وهذا هو المنقول قد صرح به جماعة من المصنفين.
قال ابن الأنباري: من قرأ بالتثقيل: وقف على "ألا"، وابتدأ "يسجدوا" وهو ظاهر كلام صاحب التيسير؛ فإنه قال: الكسائي "ألا يسجدوا" بتخفيف اللام ويقف "ألا يا" ويبتدئ "اسجدوا" على الأمر؛ أي: ألا يا أيها الناس اسجدوا والباقون يشددون اللام؛ لاندغام النون فيها ويقفون على الكلمة بأسرها.
وقال شيخه أبو الحسن ابن غلبون: لا ينبغي أن يتعمد الوقف والابتداء ههنا؛ لأن الكلام مرتبط بعضه ببعض من حيث الندا وخطابه، فلا يفصل بعضه من بعض.
قال: ولا يجوز الوقف للباقين إلا على آخر الآية وإن انقطع نفس القارئ لهم على "ألا" رجع إلى أول الكلام فإن لم يفعل ابتدأ يسجدوا بالياء مفتوحة قال الأهوازي: يقفون عليه ألا ويبتدئون يسجدوا كما في الكتاب.
وقال صاحب الروضة: الوقف عليه قبيح، فإن وقف واقف عليه مضطرًا ابتدأ بـ "يسجدوا" كما يصل.
وقال ابن الفحام: يبتدئ بياء معجمة الأسفل في أول الفعل.
وجواب هذا الإشكال أن الناظم استغنى عن ذكر الوقف على "ألا"؛ لظهور الأمر فيه فلم يكن لهم عنده إلا منع الوقوف على "أن" من "ألا"، فمنع ذلك بقوله: وليس بمقطوع ثم اهتم بمنع فصل الياء من "يسجدوا" كما فعل الكسائي فقال فقف: يسجدوا وضاق عليه البي فلم يتمكن من التنصيص على التفاصيل كلها، ويجوز أن يكون الناظم ما أراد بقوله: وليس بمقطوع إلا أن هذا اللفظ متصل في قراءة الجماعة الياء مع السين؛ لأنها حرف المضارعة بخلافها في قراءة الكسائي؛ فإنها مفصولة منها تقديرًا؛ لأنها من حرف النداء من الفعل.
الإشكال الثاني: لم كان حذف النون من أن في الخط مانعا من الوقوف على هذه الكلمة للجماعة ورد النون في الوقف.
فإن قلتَ: لأنها لم ترسم فالألف من يا لم ترسم في "يسجدوا"، وقد وقف الكسائي عليها، وجوابه: أن النون من "أن" صارت لامًا للإدغام والألف من يا حذفت، ولم تتعوض لفظا آخر فعادت في الوقف.
فإن قلتَ: وقف حفص على اللام من:
стр. 638
﴿بَلْ رَانَ﴾ ١، وهي اللفظ راء؛ لإدغامها في الراء، وكذا النون في: ﴿مَنْ رَاقٍ﴾ ٢.
قلتُ: سببه أن اللام والنون رسمتا ولو رسمت هنا لفعل مثل ذلك والله أعلم.
وقول الناظم في آخر البيت: وَلا؛ هو بفتح الواو؛ أي: ذا ولاء؛ أي: نصر؛ أي: ناصرا للقراءة أن منصورا بها؛ لوضوحها وعدم الكلفة في تقريرها؛ لأن ما يضاف إلى المصدر يكون تارة في المعنى فاعلا وتارة مفعولا كما أن المصدر يضاف مرة إلى فاعله وتارة إلى مفعوله.
٩٣٧-
وَيُخْفُونَ خَاطِبْ يُعْلِنُونَ "عَـ"ـلَى "رِ"ضًا ... تَمِدُّونَنِي الإِدْغامُ "فَـ"ـازَ فَثَقَّلا
يريد: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ قرأهما الكسائي بالخطاب بناء على قراءته بالأمر بالسجود على من قص عليه حكايتهم، وقراءة حفص على ابتداء المخاطبة كما ابتدأها الكسائي في ألا يا اسجدوا، وقراءة الباقين بالغيب فيهما ظاهرة، وقوله: على رضا؛ أي: كائنا على رضا من ناقليه له وإن كان علا فعلا فرِضى تمييز أو حال؛ أي: علا رضاه أو على ذا رضى، أما: ﴿أَتُمِدُّونَن بِمَالٍ﴾ ففيه نونان، فجاز الإدغام كما في: "أتحاجوني" والإظهار الأصل وعليه الرسم، قال أبو عبيد: إنما هو نونان في كل المصاحف، وقوله: الإدغام؛ أي: ذو الإدغام فيه؛ أي: قارئه فاز فثقلا:
٩٣٨-
مَعَ السُّوقِ سَاقَيها وَسُوقِ اهْمِزُوا "زَ"كا ... وَوَجْهٌ بِهَمْزٍ بَعْدَهُ الوَاوُ وُكِّلا
يريد: ﴿بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ ، و ﴿كَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ : ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ ٣، وسوق في الموضعين جمع ساق، فوجه الهمز في الجميع إن الواحد مهموز وإن لم يكن الواحد مهموزا فوجهه إن كان على وزن فعل ضمة الواو كما قالوا: أقتت في: وقتت ثم أسكن تخفيفا، وإن كان على وزن فعل فوجهه مجاورة الضمة للواو كما تقدم في عادا لولى، أما الهمز في المفرد فقيل: هو لغة كهمز رأس وكأس وقيل: أجري على الجمع تابعًا له، وقيل: من العرب من يقلب حرف المد همزة كما يقلب الهمزة حرف مد ومن ذلك همز العجاج والعالم والخاتم ومنه همز: ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ كما سبق فاعلم أن وجه همز الجمع أقوى من همز المفرد، قال أبو علي: أما الهمز في ساق فلا وجه له، أما على سوقه وبالسوق فهمز ما كان من الواوات الساكنة إذا كان قبلها ضمة قد جاء في كلامهم وإن لم يكن بالفا شيء زعم أبو عثمان أن أبا الحسن أخبره: قال أبو حية النميري بهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة، وينشد:
لحب المؤقدان إليّ مؤسى
قال ابن مجاهد: همز ابن كثير وحده: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ في رواية أبي الإخريط ولم يهمز غيره، وكذلك بالسوق وسوقه وهكذا قرأت على قنبل عن النبال، وحدثني مضر بن محمد عن ابن أبي بزة قال: كان
стр. 639
وهب بن واضح يهمز ذلك وأنا لا أهمز من ذلك شيئا، وكذلك ابن فليح لا يهمز من هذا شيئا قال: ولم يهمز أحد: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ ، ولا وجه للهمز في ذلك، والصواب بلا همز، ثم زاد الناظم ذكر وجه ليس في التيسير يختص بالجمع وهو بواو بعد همز سؤوق على وزن فعول ويهمز الواو الأولى؛ لانضمامها في نفسها، قال ابن مجاهد: وقال علي بن نصر عن أبي عمرو: سمعت ابن كثير يقرأ: "بالسؤوق" بواو بعد الهمز، قال أبو بكر: رواية أبي عمرو عن ابن كثير هذه هي الصواب من قبل أن الواو انضمت فهمزت؛ لانضمامها، والأول لا وجه له لم يذكر ابن مجاهد هذا الوجه إلا في حرف ص، ولم ينقله في حرف الفتح، ونقله صاحب الروضة في ص على وجه آخر فقال: روى بكار عن ابن مجاهد عن قنبل بالسؤق بضم الهمزة، وروى نظيف عن قنبل بهمزة ساكنة، وكذا قال ابن الفحام، رواه الفارسي عن ابن مجاهد من طريق ابن بكار عن قنبل بهمزة مضمومة، وقال ابن رضوان في كتاب الموضح روى بكار عن ابن مجاهد ضم الهمز، وإثبات واو بعدها من قوله تعالى: "بِالسُّوقِ" فيصير اللفظ فيها مثل بالسعوق، وكذا قال صاحب "الشمس المنيرة" والشيخ أبو محمد وقالا في قوله: بالسوق خاصة: يعني: في ص دون التي في الفتح وأظن من عبر بهمزة مضمومة، ولم يذكر الواو أراد مع الواو؛ لأن مرجع الجميع إلى نقل ابن مجاهد وابن مجاهد صرح في كتاب السبعة له في سورة ص بأنه بواو بعد الهمزة ولم يخصص الناظم بهذا الوجه حرف ص ولكن لم أر من ذكره في حرف الفتح والله أعلم ولا بعد في ذلك؛ فإنه قد خصص ساقيها بالهمز دون: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ ١، ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ ٢.
وأما قراءة الجماعة من غير همز فواضحة؛ لأن وزن ساق فعل بفتح العين فجمع على فعل بإسكانها كأسد وأسد:
٩٣٩-
نَقُولَنَّ فَاضْمُمْ رَابِعًا وَنُبَيِّتَنْـ ... ـنَهُ وَمَعًا فِي النُّونِ خَاطِبْ "شَـ"ـمَرْدَلا
أراد: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ﴾ فالنون عبارة عنهم، والتاء خطاب بعضهم لبعض، وقوله: اضمم رابعا؛ أي: الحرف الرابع في الكلمتين وهو اللام والتاء وإنما وجب ضمه؛ لأن كل واحد من الفعلين خطاب لجماعة، والأصل "تقولون"، "وتبيتون" بضم اللام والتاء فلما لحقت الفعل نون التأكيد حذفت الواو؛ لالتقاء الساكنين، ومثله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ ، وعلى القراءة بالنون الفعلان لا واو فيهما؛ لأنهما نقول ونبيت فلما اتصلت بها دون التأكيد بنى أحدهما على الفتح نحو: "لنصدقن"، و"لنخرجن معكم"، والفاء في: فاضمم زائدة، رابعا مفعول لاضمم إن كان تقولن مبتدأ وإن كان تقولن مفعول اضمم فرابعا تمييز؛ لأنه تبيين لأي الحروف بضم أو بدل البعض نحو اضرب زيدا ظهرا؛ أي: اضرب ظهره ونبيتنه عطف على نقولن، ومعا حال فيهما؛ أي: وخاطب فيهما معًا في موضع النون؛ أي: ائت بتاء الخطاب عوضا عن نون المتكلمين وحركتهما حركة النون فهي في "نقولن" مفتوحة؛ لأنه مضارع فعل ثلاثي وهو قال، وفي نبيتنه مضمومة؛ لأنه مضارع فعل رباعي وهو نبيت، وشمردلا حال من فاعل خاطب أو مفعول به؛ أي: خاطب من يسرع إلى إجابتك ويخف في قضاء حاجتك، وحصل في ضمن ذلك المقصود من تقييد القراءة والتعريف بها والله أعلم.
стр. 640
٩٤٠-
وَمَعْ فَتْحِ أَنَّ النَّاسِ مَا بَعْدَ مَكْرِهِمْ ... لِكُوفٍ، أما يُشْرِكُونَ "نَـ"ـدٍ "حَـ"ـلا
يريد: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ والذي بعد مكرهم: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ ؛ أي: ومع فتح هذا الذي بعد مكرهم؛ أي: فتحهما الكوفيون أما: "أن الناس" فعلى تقدير: تكلمهم بأن الناس؛ أي: بهذا الكلام والكسر حكاية قول الدابة، ويجوز أن يكون على القراءتين من كلام الله تعالى مستأنفا على الكسر وتعليلا على الفتح؛ أي: لكونهم كانوا لا يوقنون بالآيات أخرجنا لهم هذه الآية العظيمة الهائلة تخاطبهم بأن هذا مؤمن وهذا كافر ونحو ذلك، أما كسر أنا دمرناهم فعلى الاستئناف والفتح على تقدير؛ لأنا أو هو خبر كان أو بدل من عاقبة أو خبر مبتدأ؛ أي: هي أنا والخلاف في أما يشركون بالغيب والخطاب ظاهر والرمز لقراءة الغيب لأنه أطلقها كأنه قال والغيب فيه تدخلوا والله أعلم.
٩٤١-
وَشَدِّدْ وَصِلْ وَامْدُدْ بَلِ ادَّارَكَ "ا"لَّذِي ... "ذَ"كا قَبْلَهُ يَذَّكَّرُونَ "لَـ"ـهُ "حُـ"ـلا
أي: شدد الدال وصل الهمزة؛ أي: اجعلها همزة وصل وامدد بعد الدال ثم لفظ بالقراءة التي قيدها فالقراءة الأخرى بقطع الهمزة وقد سبق أن همزة القطع في الماضي لا تكون إلا مفتوحة وبتخفيف الدال وهو هنا سكونها، ولا يلزم من التخفيف السكون ولكن لظهوره تسامح بعدم ذكره وبترك المد فيبقى أدرك مثل أدغم ولو أنه لفظ بالقراءتين كان أسهل فيقول: وبل أدرك اجعله بل ادَّارك الذي، ومعنى أدرك بلغ وانتهى وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وقراءة الباقين أصلها: تدارك؛ أي: تتابع فأدغمت التاء في الدال فاحتيج إلى همزة الوصل؛ لأن الأول صار ساكنا، ومثله: "اثاقلتم"، "اطيرنا بك"، وحكم همزة الوصل كسرها في الابتداء بها وحذفها في الوصل فتكسر اللام من بل؛ لالتقاء الساكنين ولام بل ساكنة في قراءة أدرك إذ لم يلقها ساكن، وفي هذه الكلمة أيضا عشر قراءات غير هاتين القراءتين ذكرها أبو القاسم الزمخشري في تفسيره ثم قال قبله يذكرون أن قبل: ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ "قليلا ما يذكرون" قرأه بالغيب أبو عمرو وهشام وفهم ذلك من الإطلاق والباقون بالخطاب ووجههما ظاهر والله أعلم.
٩٤٢-
بِهَادِي مَعًا تَهْدِي "فَـ"ـشَا العُمْيِ نَاصِبًا ... وَبِاليَا لِكُلٍّ قِفْ وَفِي الرُّومِ "شَـ"ـمْلَلا
يريد: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ هنا وفي آخر الروم يقرؤه حمزة "تهدي" فيلزم نصب العمي؛ لأنه مفعوله وهو مجرور في قراءة غيره؛ لأنه مضاف إليه وتقدير البيت فشا تهدي في موضع بهادي في حال كونه ناصبا للعمى والقراءتان ظاهرتان.
وقال الشيخ: صاحب الحال: فشا؛ لأنه يريد به حمزة ثم قال: وبالياء لكل قف؛ أي: في حرف النمل سواء في ذلك من قرأ بهادي ومن قرأ تهدي؛ لأنها رسمت بالياء.
ثم قال: وفي الروم شمللا؛ أي: ووقف بالياء في حرف الروم حمزة والكسائي على الأصل وحذفها الباقون؛ لأنها لم ترسم، وهذا الموضع مما يشكل على المتبدئ، فيظن أن الوقوف بالياء في الموضعين للكل وأن قوله: وفي الروم
стр. 641
شملل؛ أي: قرأ الكسائي وحمزة في الروم بما قرأ به حمزة وحده في النمل وهو: ﴿تَهْدِي الْعُمْي﴾ وليس كذلك لقوله في أول البيت: معا قال ابن مجاهد: كتب بهادي العمي بياء في هذه السورة على الوقف، وكتب الذي في الروم بغير ياء على الوصل، وقال خلف: كان الكسائي يقف عليهما بالياء.
وقال مكي: هذا الحرف في المصاحف بالياء، والذي في الروم بغير ياء، ووقف عليهما حمزة والكسائي بالياء وهو مذهب شيخنا؛ يعني: أبا الطيب ابن غلبون، قال وقد روي عن الكسائي أنه وقف عليهما بغير ياء ووقف الباقون ههنا بالياء وفي الروم بغير ياء اتباعا للمصحف ولا ينبغي أن يتعمد الوقف عليهما؛ لأنه ليس بتمام ولا قطع كاف لا سيما الذي في الروم؛ لأنه كتب بغير ياء على نية الوصل فإن وقفت بياء خالفت السواد وإنما ذكرنا مذاهب القراء في الوقف عند الضرورة فأما على الاختيار فلا وكذلك ما شابه هذا فاعلمه.
٩٤٣-
وَآتُوهُ فَاقْصُرْ وَافْتَحِ الضَّمَّ "عِـ"ـلْمُهُ ... فَشا تَفْعَلُونَ الْغَيْبُ "حَقٌّ لَـ"ـهُ وَلا
يريد: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ هو بالمد جمع آت مضاف إلى الهاء كما في سورة مريم: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ ١.
وهو كقولك:عابدوه وداعوه وأتوه بالقصر وفتح التاء فعل وفاعل ومفعول نحو رموه وقضوه، والغيب والخطاب في "بما يفعلون" ظاهران.
٩٤٤-
وَمَا لِي وَأَوْزِعْنِي وَإِنِّي كِلاهُما ... لِيَبْلُوَنِي اليَاءَاتُ فِي قَوْلِ مَنْ بَلا
الياءات خبر قوله: "وما لي" وما بعده؛ أي: هذه ياءات الإضافة التي في هذه السورة، وبلا بمعنى اختبر؛ أي: قل ذلك في جواب من اختبرك وسألك عنها، فالقول مصدر أضيف إلى المقول له وهو المفعول، والمصدر كما يضاف إلى فاعله يضاف إلى مفعوله، ويجوز أن يكون مضافًا إلى الفاعل؛ أي: عرفت هذا من يريد أن يختبر غيره بها وهي خمس ياءات: ﴿مَا لِيَ لا أَرَى الهُدْهُدَ﴾ فتحها ابن كثير وعاصم والكسائي وهشام. "أَوْزِعْنِيَ أَنْ أَشْكُرَ" فتحها ورش والبزي. "إِنِّيَ آنَسْتُ" فتحها الحرميان وأبو عمرو. "إنيَ ألقي"، "ليبلونيَ أأشكر" فتحهما نافع وحده، وفيها زائدتان: "أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ" أثبتها في الوصل نافع وأبو عمرو وفي الحالين ابن كثير وحمزة، وقد سبق أن حمزة يدغم النون الأولى في الثانية: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ أثبتها مفتوحة في الوصل ساكنة في الوقف قالون وحفص وأبو عمرو بخلاف عنهم في الوقف وفتحها في الوصل وحذفها في الوقف ورش. وقلت في ذلك:
وفيها فما آتاني الله قبله ... تمدونني زيدًا فلا تك مغفلا
стр. 642
سورة القصص:
٩٤٥-
وَفِي نُرِي الفَتْحَانِ مَعْ أَلِفٍ وَيَا ... ئِهِ وَثَلاثٌ رَفْعُهَا بَعْدَ "شُـ"ـكِّلا
الفتحان في الراء والحرف الذي قبلها والألف بعد الراء والياء مكان النون وهي الحرف الذي قبل الراء فيصير اللفظ: ويرى، ويلزم من ذلك رفع الكلم الثلاث التي بعدها على الفاعلية وهي: "فِرْعَوْنُ وَهَامَانُ وَجُنُودُهُمَا"، وفي القراءة الأخرى الثلاث منصوبة على المفعولية، ويجوز في ويائه الجر عطفا على ألف، ويجوز وياؤه بالرفع عطفًا على الفتحان، ومعنى شكل صور والقراءة بالنون المضمومة وكسر الراء وفتح الياء توجد من تلفظ الناظم بها لا من ضد ما ذكره ووجه القراءتين ظاهر.
٩٤٦-
وَحُزْنًا بِضَمِّ مَعْ سُكُونٍ "شَـ"ـفَا وَيَصْـ ... ـدُرَ اضْمُمْ وَكَسْرُ الضَّمِّ "ظَـ"ـامِيهِ "أَ"نْهَلا
قيد في حزنا ما لفظ به ليأخذ ضده للقراءة الأخرى وضد الضم والسكون معا الفتح فيهما فالحُزْن والحَزَن لغتان مثل العُجْم والعَجَم والعُرْب والعَرَب والبُخْل والبَخَل قرئ بهما ههنا في قوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ، وأجمعوا على الفتح في: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ ١، وفي: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ ٢، وعلى الضم في: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ ٣، ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ ٤. وادعى بعضهم أن الضم يكون في المرفوع والمجرور والفتح في الذي ظهر فيه النصب، أما: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ فأراد ضم يائه وكسر داله فيكون مضارع أصدر والمفعول محذوف؛ أي: يصدر الرعاء مواشيهم ويصدر بفتح الياء وضم الدال من صدر وهو فعل لازم، والصدر الانصراف وأصدرت الماشية صرفتها، وإنما يصدرونها بعد ريها فلهذا قال ظاميه أنهلا ويعني بالظامئ الذي ظمئت ماشيته؛ أي: عطشت أو يكون إشارة إلى حال موسى ﵇ فإنه كان حينئذ ظمآن ذا تعب وجوع وقد سقى المواشي وهو ظمآن منهل؛ أي: ساق النهل وهو الشرب الأول.
стр. 643
٩٤٧-
وَجِذْوَةٍ اضْمُمْ "فُـ"ـزْتَ وَالْفَتْحُ "نَـ"ـلْ وَ"صُحْـ ... ـبَةٌ كَـ"ـهْفُ ضَمِّ الرَّهْبِ وَاسْكِنْهُ "ذُ"بَّلا
جميع ما في هذا البيت من القراءات لغات، والأكثر على كسر الجيم وضمها حمزة وفتحها عاصم، وأخذت قراءتهم من ضد الفتح ويقال أيضا جذيه بالياء وفي الجيم الحركات الثلاث، وقال أبو عبيد: القطعة الغليظة من الخشب كأن في طرفها نارا، ولم تكن، والرهب: الخوف قرأه حفص بفتح الراء وإسكان الهاء وأبو بكر وحمزة والكسائي وابن عامر بضم الراء وإسكان الهاء، والباقون بفتحهما؛ لأن الفتح ضد الضم والإسكان المطلق، ويجوز ضمهما لغة، ووصل الناظم همزه وأسكنه ضرورة وذلك جائز؛ أنشد أبو علي:
إن لم أقاتل فالبسوني برقعا ... يابا المغيرة رب أمر مفصلِ
قال: وهذا النحو في الشعر غير ضيق، وذبل جمع ذابل وهي الرماح، ونصبه على الحال؛ أي: ذا ذبل يشير إلى الحجج والأدلة والله أعلم.
٩٤٨-
يُصَدِّقُنِي ارْفَعْ جَزْمَهُ "فِـ"ـي "نُـ"ـصُوصِهِ ... وَقُلْ قَالَ مُوسَى وَاحْذِفِ الوَاوَ "دُ"خْلُلا
الجزم على جواب "أرسله معي" والرفع على أنها جملة في موضع الحال؛ أي: أرسله مصدقا وإنما قال ارفع جزمه؛ لأن الجزم ليس ضدا للرفع وإن كان الرفع ضدا للجزم ومثله ما سبق في الفرقان: "يضاعف"، و"يخلد" رفع جزم والواو من: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ﴾ محذوفة من المصحف المكي دون غيره، فلهذا أسقطها ابن كثير وأثبتها غيره، ودخللا حال من: قال موسى؛ أي: هي بحذف الواو مداخل لما قبله وهو: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾ ، ولو قال الناظم موضع دخللا: دم ولا؛ أي: ذا ولا لكان أولى؛ لأنه لم يأتِ بواو فاصلة بين هذه المسألة والتي بعدها، وقد افتتح البيت الآتي بالرمز في كلمتين فالكلمة الأولى وهي نما مترددة بين أن تكون تابعة لما في هذا البيت أو لما بعدها بل نما نفر بجملته يجوز أن يكون من تتمة رمز قال موسى، ويكون رمز يرجعون ما بعده وهو ثق الذي هو رمز سحران فيكون للكوفيين الحرفان كنظائر له سبقت والله أعلم.
٩٤٩-
"نَـ"ـمَا "نَفَرٌ" بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ يَرْجِعُو ... نَ سِحْرَانِ "ثِـ"ـقْ فِي سَاحِرَانِ فَتُقْبَلا
نما؛ أي: نقل فالمعنى: نقل جماعة يرجعون بضم الياء وفتح الجيم على بناء الفعل للمفعول، والباقون بفتح الياء وكسر الجيم على بناء الفعل للفاعل وقد سبق نظيرهما، يريد: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ ، وقرأ الكوفيون: "قالوا سحران تظاهرا"، والباقون ساحران يعنون موسى وهارون وقيل: ومحمدا صلوات الله عليهم أجمعين وسحران كذلك على حذف مضاف؛ أي: كل واحد منهما ذو سحر، وقيل: عنى بذلك التوراة والقرآن، ونصب فتقبلا على جواب الأمر بقوله: ثق والله أعلم.
٩٥٠-
وَيَجْبَى خَلِيطٌ يَعْقِلُونَ "حَـ"ـفِظْتُهُ ... وَفِي خُسِفَ الفَتْحَيْنِ حَفْصٌ تَنَخَّلا
стр. 644
الخلاف في: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ﴾ بالتذكير والتأنيث ظاهر؛ لأن تأنيث الثمرات غير حقيقي، ومعنى قوله: خليط؛ أي: مألوف معروف ليس بغريب؛ أي: تذكير يجبى خليط لم يؤنثه سوى نافع، أما: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ، فقرأه أبو عمرو وحده بالغيب وغيره بالخطاب وهما أيضا ظاهران، أما لخسف بنا فقرأه على بناء الفعل للفاعل حفص على معنى لخسف الله بنا وقرأ غيره على بناء الفعل للمفعول بضم الخاء وكسر السين، ومعنى تنخلا اختار حفص في خسف الفتحين؛ يعني: فتح الخاء والسين ولم يذكر قراءة الباقين ولا يؤخذ من الضد إلا كسر السين، أما ضم الخاء فإن الضم ضد الجزم، ونظير القراءتين هنا: ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ ١ في المائدة وعبارته هناك جيدة وم استحق افتح لحفص وكسره وكأنه أشار هنا بالفتحين إلى قراءته هناك، أو إلى قوله في أول السورة وفي "نرى" الفتحان فإنهما فتحا ضم وكسر فكذا في خسف والله أعلم.
٩٥١-
وَعِنْدِي وَذُو الثُّنْيا وَإِنِّي أَرْبَعٌ ... لَعَلِّي معًا رَبِّي ثَلاثٌ مَعِي اعْتَلا
فيها اثنتا عشرة ياء إضافة: "عنديَ أولم يعلم" فتحها نافع وأبو عمرو، واختلف فيها عن ابن كثير: "سَتَجِدُنِيَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" فتحها نافع وحده وهي التي عبر عنها بقوله: وذو الثنيا؛ أي: واللفظ المصاحب للثنيا والثنيا الاسم من الاستثناء وإنما عبر عنها بذلك؛ لأن بعدها إن شاء الله وهذا اللفظ يطلق عليه علماء الشريعة وغيرهم لفظ الاستثناء باعتبار أصل اللغة؛ لأنها ثبت اللفظ المعلق بها عن القطع بوقوع موجبه وفي الحديث: "إذا حلف الرجل فقال: إن شاء الله فقد استثنى"، وقد تقدم في باب ياءات الإضافة التعبير عنها بقوله: وما بعده إن شاء، وإنما لم ينص عليها بلفظها كما فعل في أخواتها؛ لأنها لفظة لا يمكن أن تدخل في وزن الشعر أصلا؛ لاجتماع خمس حركات فيها متوالية، ثم قال: وإني أربع؛ أي: أربع كلمات فتارة يؤنث هذه الألفاظ باعتبار الكلمات كقوله: بعده ربي ثلاث، وتارة يذكر باعتبار اللفظ كقوله: وذو الثنا وذلك على حسب ما يؤاتيه نظمه أراد: "إِنِّيَ آنَسْتُ"، "إِنِّيَ أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ"، "إِنِّيَ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ" فتح الثلاث الحرميان وأبو عمرو. "إِنِّيَ أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ"، فتحها نافع وحده. "لعليَ آتيكم"، "لعليَ أطلع" فتحهما الحرميان وأبو عمرو وابن عامر. "عَسَى رَبِّيَ أَنْ يَهْدِيَنِي"، "ربيَ أعلم بمن"، "ربيَ أعلم من" فتح الثلاث الحرميان وأبو عمرو. ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ فتحها حفص وحده، وقوله في آخر البيت: اعتلا هو خبر، وعندي وما بعده أي: اعتلا المذكور في تبين ياءات الإضافة في هذه السورة، وكان الواجب على هذا التقدير: نصب أربعًا وثلاثًا على الحال؛ أي: اعتلا هذا وذا في حال كونهما على هذا العدد كما قال في آخر سورة هود: "وياءاتها عني وإني ثمانيا"، وإن جعل إني أربع مبتدأ وخبر وكذا ربي ثلاث احتاج كل واحد من هذه الألفاظ إلى خبر فَيَرِكّ الكلام، ويكثر الإضمار فلا حاجة إلى ذلك، وفيها زائدة واحدة: "يُكَذِّبُونِ" قال: "سنشد" أثبتها في الوصل ورش وحده، وقلت في ذلك:
وواحدة فيها تزاد يكذبو ... ن قال وما شيء إلى سبأ تلا
أي: لم يبق شيء من الزوائد إلى سورة سبأ، وتلا بمعنى تبع ما تقدم من ياءات الزوائد، والله أعلم.
стр. 645
سورة العنكبوت:
٩٥٢-
يَرَوْا "صُحْبَةٌ" خَاطِبْ وَحَرِّكْ وَمُدَّ فِي النْـ ... ـنَشَاءة "حَقًا" وَهْوَ حَيْثُ تَنَزَّلا
أي: تروا قراءة صحبة، فحذف المضاف للعلم به، ثم بيَّن القراءة ما هي فقال: خاطب؛ أي: بالخطاب ولو لم يبينها لما حملت إلا على ضد الخطاب وهو الغيب؛ لإطلاقه، يريد: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ وجه الخطاب أن قبله: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا﴾ ، ووجه الغيبة: ﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ والنشأة بإسكان الشين والقصر على وزان الرأفة والرحمة والنشاءة بفتح الشين والمد على وزان الكآبة كلاهما لغة، وقد حُكي فتح همزة الرأفة، ومدها أيضا ولغة القصر أقوى، قال أبو عبيد: هي اللغة السائرة والقراءة المعروفة، قال أبو علي: حكى أبو عبيد النشأة لم يذكر الممدود، قال: وهو في القياس كالرأفة والرآفة والكأبة والكآبة، قال مكي: وهو مصدر من غير لفظ "ينشئ"، والتقدير: ثم الله ينشئ الأموات فينشئون النشأة الآخرة، وقوله: وهو حيث تنزلا؛ يعني: هنا وفي سورتي النجم والواقعة: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ﴾ ، ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ ١.
قال صاحب التيسير: ووقف حمزة على وجهين في ذلك؛ أحدهما: أن يلقي حركة الهمزة على الشين ثم يسقطها طردًا للقياس والثاني أن يفتح الشين، ويبدل الهمزة ألفا اتباعا للخط قال: ومثله قد سمع من العرب والله أعلم.
٩٥٣-
مَوَدَّةً المَرْفُوعُ "حَـ"ـقُّ "رُ"وَاتِهِ ... وَنَوِّنْهُ وَانْصبْ بَيْنَكُمْ "عَمَّ صَـ"ـنْدَلا
رفع مودة على أنها خبر "إن" إن كانت ما موصولة؛ أي: إن الذي اتخذتموه من دون الله أوثانا ذو مودة بينكم وإن كانت "ما" كافة فمودة خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي مودة بينكم أو مبتدأ والخبر "في الحياة الدنيا"، ومن نصب مودة فلا يكون "ما" في "إنما" إلا كافة ونصبها على أنها مفعول من أجله، ويكون اتخذ على هذا الوجه وعلى قراءة الرفع متعديا إلى مفعول واحد نحو: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ﴾ ٢.
ويجوز أن يكون مودة ثاني مفعولي: "اتخذوا أيمانهم جنة"، و"بينكم" بالنصب ظرف منصوب بالمصدر الذي هو مودة، ويجوز أن يكون صفة له؛ أي: مودة كائنة بينكم، وخفض "بينكم" بالإضافة إلى مودة المنصوبة والمرفوعة على وجه الاتساع في الظروف نحو: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ ٣.
стр. 646
والمعنى على ما تعطيه قراءة النصب ولم يقرأ أحد برفع مودة ونصب بينكم ولو قرئ لجاز وإنما كل من رفع مودة خفض بينكم وهم ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ومن نصب مودة اختلفوا فمنهم من خفض بينكم أيضا وهم حمزة وحفص ومنهم من نصبهما معا وهو نافع وابن عامر وأبو بكر ولا يستقيم النصب إلا بتنوين مودة وكل من خفض بينكم أسقط التنوين من مودة لأجل الإضافة سواء في ذلك من رفع ومن نصب، وقد سبق معنى صندلا في سورة الأنعام، ونصبه هنا على التمييز أو الحال على تقدير ذا صندل يشير إلى حسنه وطيبه والله أعلم.
٩٥٤-
وَيَدْعُونَ "نَـ"ـجْمٌ "حَـ"ـافِظٌ وَمُوَحِّدٌ ... هُنَا آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ "صُحْبَةٌ دَ"لا
أي: قراءة نجم حافظ والعالم يعبر عنه بالنجم للاهتداء به أراد: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ، فالغيب فيه والخطاب ظاهران، فالغيبة تعود إلى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ والخطاب لهم، أما التوحيد والجمع في: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ فقد تقدم مثلهما مرارًا، وموحد خبر مقدم، و"آية من ربه" مفعول به، وصحبة مبتدأ وقد سبق معنى دلا، وذكر الخبر ولفظ دلا مفرد باعتبار لفظ صحة؛ لأنه مفرد ويجوز أن يكون موحد مبتدأ وصحبة فاعله على رأي من يقول اسم الفاعل غير معتمد والله أعلم.
٩٥٥-
وَفِي وَنَقُولُ اليَاءُ "حِصْنٌ" وَيُرْجَعُ ... نَ "صَـ"ـفْوٌ وَحَرْفُ الرُّومِ "صَـ"ـافِيهِ "حُـ"ـلِّلا
يرد: ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ، التاء والنون فيه ظاهرتان، وقد سبق لهما نظائر، والغيب في قوله: "ثم إلينا يرجعون"؛ لأن قبله: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ﴾ ، والخطاب لقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والذي في الروم: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١.
وقيد الناظم بقوله: الياء؛ لأن ضده النون، وأطلق يرجعون؛ لأن ضده الخطاب، ولا يجوز أن يكون استغنى عن تقييد يرجعون بالياء بتقييد يقول كما قال في سورة النساء ويا سوف يؤتيهم عزيز وحمزة سنؤتيهم؛ لأن الضد ثم في القراءتين متحد وهو النون وهنا اختلف الضد فالقراءة بالغيب لا يقيدها بالياء أبدا إنما بطلقها ويقول بالغيب، وهذا من دقاق ما اشتمل عليه هذا النظم فاعرفه وما أحسن قوله: صافيه حللا؛ أي: كثير الحلول فيه لأجل صفائه.
٩٥٦-
وَذَاتُ ثَلاثٍ سُكَّنَتْ بَا نُبُوِّئَنْـ ... ـنَ مَعْ خِفِّهِ وَالْهَمْزُ بِاليَاءِ "شَـ"ـمْلَلا
أي: باء قوله تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ فقصر لفظ "با" ضرورة وهو مبتدأ وذات ثلاث خبره مقدم عليه أي
стр. 647
صارت ذات ثلاث نقط وإذا نقطت صورة الباء بثلاث صارت ثاء وقوله: سكنت صفة لذات ثلاث كما تقول: هند امرأة حسنة؛ أي: هذه الباء ثاء ساكنة والهاء في خفة تعود على لفظ نبوئن أراد تخفيف الواو وهو مشكل فإن في لفظ نبوئن حرفين مشددين؛ الواو والنون وليس في تشديد النون خلاف والواو في قوله: والهمز واو الحال؛ أي: صار ثاء ساكنة مع خفة الواو في حال كون الهمزة أسرع بالياء؛ أي: أتى بالياء في مكانه؛ أي: أبدل الهمز ياء فصارت القراءة؛ لنثوينهم من الثواء وهو الإقامة قال الزجاج: يقال ثوى الرجل إذا أقام وأثويته إذا أنزلته منزلا يقيم فيه، قال الفراء: وكل حسن بوأته وأثويته منزلا سواء معناه أنزلته، قال الزمخشري: ثوى غير متعدٍّ فإذا تعدى بزيادة همزة النقل لم يتجاوز مفعولا واحدًا نحو ذهب وأذهبته، والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين، وإلى الغرف إما إجراؤه مجرى لننزلهم ونبوئنهم أو حذف الجار واتصال الفعل أو تشبيه الظرف المؤقت بالمبهم:
قلت: فهذا جواب ما روي عن اليزيدي أنه قال: لو كان لنثوينهم لكان في غرف، واختار أبو عبيد القراءة الأخرى لإجماعهم على التي في النحل: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ ١.
قال: لا نعلم الناس يختلفون فيه فهذا مثله وإن كان ذاك في الدنيا وهذا في الآخرة، فالمعنى فيهما واحد، قال: ورأيت هذا الحرف الذي هو في العنكبوت في الذي يقال له الإمام مصحف عثمان بالياء معجمة.
قلت: وهذا بعد ما نقطت المصاحف، وكثر هذا اللفظ في القرآن نحو: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرائيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ ٢، ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ ٣، وقال: ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ ٤، وقال: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ ٥، وقال: ﴿أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ ٦.
وقيل: لفظ الثواء لائق بأهل الآخرة هي دار القرار وروي عن الربيع بن خيثم أنه قرأها كذلك، وقال: الثواء في الآخرة والتبوة في الدنيا، وقد قال الله تعالى في حق الكفرة: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ﴾ ٧، وهو في آخر هذه السورة فناسب أن يقال للمؤمنين نحو ذلك في الجنة وقال :
стр. 648
﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ ١.
أي: مقيما عندهم مستمرا بين أظهرهم والله أعلم.
٩٥٧-
وَإِسْكَانُ وَلْ فَاكْسِرْ "كَـ"ـمَا "حَـ"ـجَّ "جَـ"ـا "نَـ"ـدىً ... وَرَبِّي عِبَادِي أَرْضِيَ أَلْبَابِهَا انْجَلا
يعني كسر لام "وليتمتعوا"، وقد تقدم في الحج أن لام الأمر يجوز كسرها وإسكانها وهي معطوفة على "ليكفروا" وهي أيضا لام الأمر بدليل إسكان ما عطف عليها وهو أمر تهديد نحو: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ، وقيل: الأولى لام كي والثانية لام الأمر، ونظير ذلك قوله تعالى في النحل: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا﴾ ٢.
قال أبو عبيد: إنما يجوز هذا لو كانت فليتمتعوا بالفاء؛ لأن الفاء قد يستأنف بها الخبر، وإنما معنى الواو والعطف فكيف يترك العطف، ويرجع إلى الأمر والفاء في قوله: فاكسر زائدة وفيها ثلاث ياءات إضافة: "مهاجر إلى ربيَ إنه" فتحها نافع وأبو عمرو. "يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا" أسكنها حمزة والكسائي وأبو عمرو. "إِنَّ أَرْضِيَ وَاسِعَةٌ" فتحها ابن عامر وحده.
стр. 649
من سورة الروم إلى سورة سبأ:
إنما ذكر هذا الترجمة على هذه الصورة؛ لأنه لم يتمحض بيت لآخر سورة من هذه السور الأربع، فإن آخر ما يتعلق بالروم قوله: وينفع كوفي فتمم البيت بذكر رحمة التي من لقمان، ثم ذكر البحر من لقمان مع أخفى من سورة السجدة، ثم ذكر لما صبروا من سورة السجدة مع يعملون من سورة الأحزاب، في بيت وكل موضع جمع فيه سورا في ترجمة فهذا سببه، وسيأتي إن شاء الله تعالى:
٩٥٨-
وَعَاقِبَةُ الثَّانِي "سَمَا" وَبِنُونِهِ ... نُذِيقُ "زَ"كَا لِلْعَالَمِينَ اكْسِرُوا "عُـ"ـلا
يريد: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ هذا هو الثاني المختلف في رفعه ونصبه، والأول لا خلاف في رفعه وهو: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ، فوصف عاقبة وهو مؤنث بالثاني على تأويل وهذا اللفظ الثاني وإنما لم ينونه؛ لأنه حكى لفظه في القرآن وهو غير منون؛ لأنه مضاف إلى الذين، واعتذر الشيخ عن كونه لم ينونه بأنه حذف التنوين؛ لالتقاء الساكنين أو أراد "وعاقبة" الموضع الثاني ولا حاجة إلى هذا الاعتذار فالكلمة نفي القرآن لا تنوين فيها، وقد قال بعد هذا يذيق ذكا بالنصب فأي عذر لنصبه، لولا أنه حكى لفظه في القرآن، وهو لنذيقهم بعض الذي عملوا وهو ملبس بقوله تعالى: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ ، ولم يقيد القراءة في عاقبة، وكان ذلك إشارة إلى رفعها لمدلول سما والباقون بنصبها فهي إن رفعت اسم كان وإن نصبت خبرها، والسوأى بعد ذلك هو الخبر أو الاسم وهو كناية عن العذاب وهو تأنيث الأسوأ، وإن كذبوا على تقدير: لأن كذبوا، ويجوز أن يكون السوأى مصدر كالرجعى والبشرى؛ أي: أساءوا الإساءة الشنيعة وهي الكفر أو نعتا لموصوف محذوف؛ أي: أساء والخلال السوأى والخبر أو الاسم قوله: أن كذبوا، ومعنى الذين أساءوا؛ أي: أشركوا، والتقدير: ثم كان عاقبة المسيء التكذيب بآيات الله تعالى؛ أي: لم يظفر في كفره وشركه بشيء إلا بالتكذيب بآيات الله، ويجوز أن يكون السوأى هو الخبر أو الاسم لا على المعنى المتقدم بل على تقدير الفعلة السوأى ثم بينها بقوله: أن كذبوا فيكون أن كذبوا عطف بيان أو بدلا، ويجوز على هذا التقدير: على قراءة الرفع أن لا يكون للسوأى خبرا بل معنى أساءوا السوأى؛ أي: فعلوا الخطيئة السوأى وخبر كان محذوف إرادة الإبهام؛ ليذهب الوهم إلى كل مكروه كل هذه الأوجه منقولة وهي حسنة وقيل: يجوز أن تكون إن في قوله: أن كذبوا مفسرة بمعنى؛ أي: كذبوا، وهذا فيه نظر فإن من شرط أن المفسرة أن يأتي بعدها فعل في معنى القول ثم قال، وبنونه نذيق؛ أي: ونذيق زكا وهي نون العظمة وقراءة الباقين بالياء؛ أي: ليذيقهم الله وكسر حفص اللام من قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ جعله جمع عالم واحد العلماء وكما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ ١.
وفي موضع آخر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
стр. 650
وفتح الباقون اللام جعلوها جمع عالم؛ أي: لكافة الناس وعلا حال؛ أي: ذو علا:
٩٥٩-
لِيَرْبُوا خِطَابٌ ضُمَّ وَالوَاوُ سَاكِنٌ ... "أَ"تَى وَاجْمَعُوا آثَارِ"كُمْ" "شَـ"ـرَفًا "عَـ"ـلا
أي: ذو خطاب مضموم؛ يعني: تاء مضمومة.
وقال الشيخ: يجوز أن يكون ضم أمرا.
قلت: خطاب على هذا التقدير: يكون حالا؛ أي: ضم لتربوا ذا خطاب فكان الواجب نصبه؛ أي: "وما أتيتم من ربا لتربوا" أنتم سكنت الواو؛ لأنها واو الضمير في تربون وحذفت النون للنصب وهذه قراءة نافع وحده، وقراءة الباقين على الغيب بياء مفتوحة وواو منصوبة؛ لأنه فعل مضارع خال من ضمير بارز مرفوع، فظهر النصب في آخره والتقدير: ليربوا ذلك الربا.
وأما: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ فالإفراد فيه والجمع سبق لهما نظائر مثل: رسالته ورسالاته وكلمة وكلمات وذرية وذريات الإفراد يراد به الجنس ووجه الجمع ظاهر ومعنى كم شرفا علا كم علا شرفا والمميز محذوف؛ أي: كم مرة وقع ذلك والله أعلم.
٩٦٠-
وَيَنْفَعُ كُوفِيٌّ وَفِي الطُّولِ "حِصْنُهُ" ... وَرَحْمَةً ارْفَعْ "فَـ"ـائِزًا وَمُحَصِّلا
يريد: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ وفي غافر: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ ١.
تذكير الفعل في ذلك وتأنيثه ظاهران من قبل أن لفظ معذرة مؤنث ولكنه تأنيث غير حقيقي ونافع أنث هنا، وذكر في سورة الطور جمعا بين اللغتين، أما "ورحمة" في أول لقمان فهي معطوفة على هدى وهدى في موضع نصب على الحال أو المدح أو في موضع رفع على تقدير هو هدى ورحمة أو خبر بعد خبر؛ أي: تلك هدى ورحمة أو يكون هدى منصوبا ورحمة مرفوعا؛ أي: وهو رحمة والله أعلم.
٩٦١-
وَيَتَّخِذَ المَرْفُوعُ غَيْرُ "صِحَابِهِـ"ـمْ ... تُصَعِّرْ بِمدٍّ خَفَّ "إِ"ذْ "شَـ"ـرْعُهُ "حَـ"ـلا
يريد: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ النصب عطف على ليضل والرفع على يشتري أو على الاستئناف والهاء في يتخذها لآيات الكتاب أو للسبيل وتقدير البيت قراءة غير صحابهم على حذف مضاف وصاعر خده وصعره واحد كضاعف وضعف ومعناهما الإعراض عن الناس تكبرا والصعر الميل في الخد خاصة وقوله: خف ليس صفة للمد ولكنه خبر بعد خبر؛ لأن الخف في العين؛ أي: تصاعر ممدود خفيف.
стр. 651
٩٦٣-
وفي نعمة حرك وذكر هاؤها ... وَضُمَّ وَلا تَنْوِينَ "عَـ"ـنْ "حُـ"ـسْنٍ "ا"عْتَلا
يريد: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ حرك؛ أي: افتح العين، وذكر هاؤها؛ أي: جعلت هاء الضمير التي للمذكر المفرد في مثل: ﴿أَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ ١، وليست هاء تأنيث ثم قال: وضم؛ أي: وضم ذلك الهاء ولا تنوين؛ لتأخذ بضد ذلك للقراءة الأخرى وهي التي لفظ بها فحاصل الخلاف أن هذا الحرف يقرأ بالإفراد والجمع كنظائر له سلفت وقوله: ﴿ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ صفة لنعمة في قراءة الإفراد، وحال في قراءة الجمع، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ٢ لم يختلف في افراده.
٩٦٣-
سِوَى ابْنِ العَلا وَالبَحْرُ أُخْفِى سُكُونُهُ ... "فَـ"ـشا خَلْقَهُ التَّحْرِيكُ "حِصْنٌ" تَطَوَّلا
والبحر مبتدأ خبره سوى ابن العلا على تقدير قراءة غير أبي عمرو؛ فأبو عمرو وحده نصبه عطفا على اسم "أن"؛ أي: ولو أن البحر يمده والرفع على وجهين منقولين ذكرهما الزجاج والزمخشري وغيرهما.
أحدهما: أنه مبتدأ ويمده الخبر والجملة في موضع الحال.
والثاني: أن يكون عطفا على موضع "إن" واسمها وخبرها؛ لأن الجميع في موضع رفع؛ لأنه فاعل فعل مضمر؛ أي: ولو وقع ذلك والبحر ممدودا بسبعة أبحر فيمده على هذا الوجه حال من البحر، وهذا العطف جائز بلا خلاف، وإنما الممتنع العطف محل على اسم أن المفتوحة فقط دون محل المجموع منها ومن اسمها وخبرها، وإنما يجوز العطف بالرفع على محل الاسم فقط مع "إن" المكسورة والفرق أن اسم المفتوحة بعض كلمة في التقدير: بخلاف اسم المكسورة، فمهما وقعت المفتوحة في موضع رفع جاز العطف بالرفع على محل المجموع منها ومن اسمها وخبرها كما أن العطف على محل المكسورة إنما كان من أجل ذلك، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ٣؛ لأن أن وما بعدها مبتدأ ورسوله عطف عليه، ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ خبر مقدم عليه، وقد سبق تقرير هذا الفصل في سورة المائدة، ولذلك قال أبو عبيد: الرفع هنا حجة لمن قرأ التي في المائدة: "العينُ بالعينُ" رفعا فكذلك كان يلزم أهل هذه القراءة أن يرفعوا تلك، أما: "فلا تعلم نفس ما أخفى" بفتح الياء فعلى أنه فعل ماضٍ
стр. 652
وبسكونها هو فعل مضارع مسند إلى المتكلم سبحانه. وأما: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ بفتح اللام فعل أن يكون جملة واقعة صفة لشيء قبله، فيكون في موضع خبر، ويجوز أن يكون صفة لقوله: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ فتكون في موضع نصب وإذا سكنت اللام بقي لفظه مصدرًا ونصبه على البدل من كل شيء أو هو منصوب على أنه مصدر دل عليه ما تقدم من قوله: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فكأنه قال: خلق كل شيء، فهو من باب اقتران المصدر بغير فعله اللفظي ولكن بما هو في معناه، والهاء في خلقه على هذا تعود إلى الله تعالى.
٩٦٤-
لَمَا صَبَرُوا فَاكْسِرْ وَخَفِّفْ "شَـ"ـذًا وَقُلْ ... بِما يَعْمَلُونَ اثْنانِ عَنْ وَلَدِ العَلا
أي: اكسر اللام وخفف الميم فالمعنى لصبرهم كما قال في الأعراف: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ ١؛ أي: بصبرهم والقراءة الأخرى "لَمَّا" بفتح اللام وتشديد الميم؛ أي: حين صبروا، وقوله: شذا؛ أي: ذا شذاء، وقرأ أبو عمرو: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٢ في أول الأحزاب، وبعده: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا، إِذْ جَاءُوكُمْ﴾ ٣ بالغيب فيهما، والباقون بالخطاب، ووجههما ظاهر فهذا معنى قوله: بما يعملون اثنان، وفي سورة الفتح أيضا اثنان: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ ٤، ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا، هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٥.
والخلاف في الثاني كما يأتي في موضعه، والأول بتاء الخطاب أجماعا والله أعلم.
٩٦٥-
وَبِالْهَمْزِ كُلُّ الَّلاءِ وَالياءِ بَعْدَهُ ... "ذَ"كَا وَبِياءٍ سَاكِنٍ "حَـ"ـجَّ "هُـ"ـمَّلا
أي: حيث جاء: هنا: "وما جعل أزواجكم اللاءِ" وفي المجادلة: ﴿إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ ٦.
стр. 653
وفي الطلاق: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ ، ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ ١.
قرأ الجميع الكوفيون وابن عامر بهمزة بعدها ياء ساكنة اللائي على وزن القاضي والداعي فهذا هو أصل الكلمة؛ أي: كل اللاء بالهمز والياء بعده، ويجوز والياء بالرفع على الابتداء، ثم ذكر أن أبا عمرو والبزي قرأ بياء ساكنة من غير همز فكأنهما حذفا الهمز، وبقيت الياء الساكنة إلا أنهم لا يوجهون هذه القراءة بهذا إنما يقولون: حذفت الياء؛ لتطرفها كما تحذف من القاضي ونحوه ثم أبدل من الهمزة ياء ساكنة، وهذه القراءة على هذا الوجه ضعيفة؛ لأن فيها جمعا بين ساكنين فالكلام فيها كما سبق في: "مَحْيَايَ" في قراءة من سكن ياء وشبهه جوز ذلك ما في الألف من المد، ولكن شرط جواز مثل هذا عند أئمة اللغة المعتبرين أن يكون الساكن الثاني مدغما، ولا يرد على هذا: "ص"، "ن"، "ق"؛ لأن أسماء حروف التهجي موضوعة على الوقف والوقف يحتمل اجتماع الساكنين، فإن وقف على: "مَحْيَايَ" أو اللائي فهو مثله وإنما الكلام في الوصل، أما إجازة بعضهم اضربان واضربنان بإسكان النون والتقت حلقتا البطنان بإثبات الألف فشاذ ضعيف عندهم والله أعلم، وقوله: حج هملا؛ أي: غلبهم في الحجة، وقد تقدم شرح هملا في باب ياءات الإضافة في قوله: إلا مواضع هملا وهو جمع هامل، والهامل البعير المتروك بلا راعٍ؛ أي: غلب في الحجة قوما غير محتفل بهم يشير إلى تقوية الإسكان وأنه له ضعف.
٩٦٦-
وَكَاليَاءِ مَكْسُورًا لِوَرْشٍ وَعَنْهُمَا ... وَقِفْ مُسْكِنًا وَالْهَمْزُ "زَ"اكِيهِ "بُـ"ـجِّلا
أي: وسهل ورش الهمزة بين بين، وهو المراد بقوله: كالياء مكسورا؛ لأنها صارت بين الهمزة والياء المكسورة وهذا قياس تخفيفها؛ لأنها همزة مكسورة بعد ألف، وهذه القراءة مروية عنهما؛ أي: عن أبي عمرو والبزي وهو وجه قوي لا كلام فيه ذكره جماعة من الأئمة المصنفين كصاحب الروضة قال قرأ أبو عمرو وورش والبزي، وذكر غيرهم بتليين الهمزة من غير ياء بعدها، وهو ظاهر كلام ابن مجاهد؛ فإنه قال: قرأ ابن كثير ونافع "اللاء" ليس بعد الهمزة ياء، وقرأ أبو عمرو شبيها بذلك غير أنه لا يهمز، وكذا قال أبو عبيد: قرأ نافع وأبو عمرو "اللاء" مخفوضة غير مهموزة ولا ممدودة، ونص مكي على الإسكان ولم يذكر صاحب التيسير غيره لهما، وقال في غيره: قرأت على فارس بن أحمد بكسر الياء كسرة مختلسة من غير سكون، وبذلك كان يأخذ أبو الحسين بن المنادي وغيره وهو قياس تسهيل الهمز قال الشيخ، وقد قيل: إن الفراء عبروا عن التليين لهؤلاء بالإسكان.
قالوا: وإظهار أبي عمرو في: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ مما يدل على أنه تليين وليس بإسكان.
قلتُ: قد سبق في باب الإدغام الكبير تقرير هذا، وذكر أبو علي الأهوازي الوجهين عنهما.
قوله: وقف مسكنا؛ أي: مسكنا للياء لهؤلاء؛ لأن الوقف يحتمل اجتماع الساكنين، قال في التيسير: وإذا وقف؛ يعني: ورشا صيرها ياء ساكنة قال وحمزة إذا وقف جعل الهمزة بين بين على
стр. 654
أصله: ومن همز منهم ومن لم يهمز أشبع التمكين للألف في الحالين إلا ورشا؛ فإن المد والقصر جائزان في مذهبه لما ذكرناه في باب الهمزتين.
قلت: هو ما نظمه الشاطبي ﵀ بقوله:
وإن حرف مد قبل همز مغير ... ...................
ثم ذكر أن قنبلا وقالون قرأ بالهمز من غير ياء بعده، فإذا وقفا أسكنا الهمز وفي قراءة أبي عمرو والبزي من المد والقصر مثل ما في قراءة ورش والله أعلم.
٩٦٧-
وَتَظَّاهَرُونَ اضْمُمْهُ وَاكْسِرْ لِعاصِمٍ ... وَفِي الْهَاءِ خَفِّفْ وَامْدُدِ الظَّاءَ "ذُ"بَّلا
أي: اضمم التاء واكسر الهاء لعاصم، وهو داخل أيضا في رمز من خفف الهاء ومد الظاء وخففها كما في البيت الآتي فقراءة عاصم: "تُظاهرون" مضارع ظاهر مثل قاتل، وقرأ ابن عامر: "تَظاهرون" على اللفظ الذي في بيت الناظم وهو مضارع تظاهر مثل تقاتل، والأصل تتظاهرون، فأدغم التاء في الظاء وقرأ حمزة والكسائي مثله إلا أنهما خففا الظاء؛ لأنهما حذفا الياء التي أدغمها ابن عامر، وقرأ الباقون: ﴿تُظْهِرُونَ﴾ بتشديد الظاء والهاء من تظهر مثل تكلم وأدغموا التاء في الظاء.
٩٦٨-
وَخَفَّفَهُ "ثَـ"ـبْتٌ وَفِي قَدْ سَمِعْ كَمَا ... هُنَا وَهُناكَ الظَّاءُ خُفِّفَ "نَـ"ـوْفَلا
أي: خفف الظاء قارئ ثبت وهم الكوفيون وفي قد سمع الله موضعان حكمهما ما ذكر هنا إلا أن الظاء تم لم يخففه إلا عاصم وحده؛ لأنه يقرأ يظاهرون من ظاهر ولم يخفف الظاء حمزة والكسائي؛ لأنه لم يجتمع تاءان فتحذف الثانية منهما؛ لأن موضعي سورة قد سمع فعلهما للغيبة لا للخطاب الذين يظهرون منكم والذي يظاهرون من نسائهم، ولكن أدغما التاء في الظاء كما يقرأ ابن عامر والنوفل: السيد المعطاء ونصبه على الحال؛ أي: ذا نوفل؛ أي: قارئ سيد.
٩٦٩-
وَ"حَقُّ صِحَابٍ" قَصْرُ وَصْلِ الظَّنُونِ وَالرَ ... سُولَ السَّبِيَلا وَهْوَ فِي الوقَفْ "فِـ"ـي "حُـ"ـلا
أي: قصروا هذه الكلمات الثلاث في الوصل وهي: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ، ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ ، وبعده: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ رسمت هذه الثلاثة بالألف هنا، ولم ترسم في قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ، وإثبات الألف في تلك المواضع؛ لتشاكل الفواصل وهو مطلوب مراعًى في أكثر القرآن، وقد يندر في بعض السور ما لا يشاكل ومنه: ﴿أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ١.
стр. 655
في سورة الانشقاق فإنه بغير ألف بعد الراء: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ١ بالهمز وكذا: "بِالْخَاطِئَةِ"٢ في الحاقة، و"خاطئة"٣ في اقرأ كلتاهما مهموز، وأنا أختار ترك الهمز في هذه الثلاثة على قراءة حمزة في الوقف؛ لتشاكل الفواصل، ثم قال: وهو في الوقف -أي: والقصر في الوقف- لحمزة وأبي عمرو فهما يقصران وقفا ووصلا على الأصل، ومد نافع وابن عامر وشعبة في الحالين تبعًا لخط المصحف وابن كثير والكسائي وحفص جمعوا بين الخط والأصل في الحالين فمدوا في الوقف؛ لأنه يحتمل ذلك كما في القوافي كقوله:
وولى الملامة الرجلا
وقصروا في الوصل ونحوا بذلك منحى هاء السكت وهذه القراءة هي المختارة، قال أبو عبيد: والذي أحب فيه هذه الحروف أن يتعمد الوقف عليهن تعمدا؛ وذلك لأن في إسقاط الألفات منهن مفارقة الخط وقد رأيتهن في الذي يقال له الإمام مصحف عثمان مثبتات كلهن ثم أجمعت عليها مصاحف الأمصار فلا نعلمها اختلفت، فكيف يمكن التقدم على حذفها؟ وأكره أيضا أن أثبتهن مع إدماج القراءة؛ لأنه خروج من العربية لم نجد هذا عندهم جائزا في اضطرار ولا غيره، فإذا صرت إلى الوقف عليها فأثبت الألفات كنت متبعا للكتاب، ويكون "مع" هنا فيها موافقة لبعض مذاهب العرب؛ وذلك أنهم يثبتون مثل هذه الألفات في قوافي أشعارهم ومصاريعها؛ لأنها مواضع قطع وسكت فأما في حشو الأبيات فمعدوم غير موجود على حال من الحالات، وقال الزجاج: الذي عليه حذاق النحويين والمتبعون السنة من حذاقهم أن يقرءوا "الظنونا" ويقفوا على الألف ولا يصلوا، وإنما فعلوا ذلك؛ لأن أواخر الآيات عندهم فواصل يثبتون في آخرها في الوقف ما يحذف مثله في الوصل فهؤلاء لا يتبعون المصحف ويكرهون أن يصلوا فيثبتوا الألف؛ لأن الآخر لم يقفوا عليه فيجروه مجرى الفواصل ومثل هذا في كلام العرب في القوافي نحو قوله:
أقلي اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت لقد أصابنْ
فأثبت الألف؛ لأنها في موضع فاصلة وهي القافية، وأنشد أبو عمرو الداني في كتاب الإيجاز:
إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا
ومن ذلك قول الأعشى:
استأثر الله بالوفاء وبالـ ... ـعدل وولى الملامة الرجلا
وقال أبو علي: وجه من أثبت في الوصل أنها في المصحف كذلك وهي رأس آية، ورءوس الآى تشبه بالقوافي من حيث كانت مقاطع كما كانت القوافي مقاطع، فكما شبه: "أَكْرَمَنِ"، "أَهَانَنِ" بالقوافي في حذف الياء منهن نحو:
من حذر الموت أن يأتين ... وإذا ما انتسبت له أتكون
كذلك يشبه هذا في إثبات الألف بالقوافي، أما في الوصل فلا ينون، ويحمل على لغة من لا ينون ذلك إذا وصل في الشعر؛ لأن من لا ينون أكثر، قال أبو الحسن: وهي لغة أهل الحجاز فأما من طرح الألف في الوصل فإنهم ذهبوا إلى أن ذلك في القوافي وليس رءوس الآي بقوافٍ، فيحذف في الوصل كما يحذف غيرها فما يثبت في الوقف نحو التشديد الذي يلحق الحرف الموقوف عليه.
стр. 656
قال: وهذا إذا أثبت في الخط فينبغي أن لا تحذف هاء الوقف من: "حِسَابِيَهْ" و"كِتَابِيَهْ"، وأن يجري مجرى الموقوف عليه فهو وجه، وإذا ثبت ذلك في القوافي في الوصل فشأنه في الفواصل حسن.
قال غيره: أما من قرأ بغير ألف فهو الأصل المشتهر في كلامهم تقول: رأيت الرجل بإسكان اللام، ومن العرب من يجري القوافي في الإنشاد مجرى الكلام الموزون، فيقول:
أقلي اللوم عاذل والعتابا ... واسئل بمصقلة البكري ما فعل
فإذا كانوا يجرون القوافي مجرى الكلام غير الموزون فلأن يتركوا الكلام غير الموزون على حالته ولم يشبهوه بالموزون أولى والله أعلم.
٩٧٠-
مَقَامَ لِحَفْصٍ ضُمَّ وَالثانِ "عَمَّ" فِي الدْ ... دُخَانِ وَآتَوْهَا عَلَى الْمَدِّ "ذُ"و "حُـ"ـلا
يريد: ﴿لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ والثاني في الدخان: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ ١، والأول فيها لا خلاف في فتحه وهو: ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ ٢.
كما أجمعوا على فتح: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ ، وقد سبق في مريم الكلام على القراءتين وإن المفتوح موضع القيام والمضموم بمعنى الإقامة وأراد ضم الميم الأولى ولا جائز أن تحمل على الميم الثانية لوجهين؛ أحدهما: أن ذلك في الميم الثانية لو كان لعبر عنه بالرفع لا بالضم؛ لأنها حركة إعراب:
والثاني: لو أريد ذلك لذكر معه التنوين؛ لأنه من باب: وبالرفع نونه: ﴿فَلا رَفَثَ﴾ ، ﴿وَلا بَيْعٌ﴾ نونه: ﴿وَلا خُلَّةٌ﴾ ، ﴿وَلا شَفَاعَةٌ﴾ وارفعهن،، أما "لآتوها" بالمد فإنه بمعنى أعطوها؛ أي: أجابوا إلى ما سئلوه، و"أتوها" بالقصر بمعنى فعلوها وجاءوها يقال أثبت الخبر إذا فعلته، والمعنى ثم سئلوا فعل الفتنة لفعلوها، واختار أبو عبيد قراءة المد، وقال: قد جاءت الآثار في الذين كانوا يفتنون بالتعذيب في الله أنهم أعطوا ما سألهم المشركون غير بلال، وليس في شيء من الحديث أنهم جاءوا ما سألهم المشركون ففي هذا اعتبار للمد في قوله: "لَآتَوْهَا" بمعنى أعطوها.
قال أبو علي: ومما يحسن المد قوله: "سُئِلُوا" والإعطاء مع السؤال حسن، والمعنى: لو قيل لهم: كونوا على المسلمين مع المشركين لفعلوا ذلك وحلا في آخر البيت مصدر مفتوح الحاء وليس بفعل ماضٍ.
حكى الشيخ في شرحه عن الناظم -رحمهما الله: يقال ذو حلا؛ أي: ذو حسن من حلى في عينه وصده يحلى، قال: ويقال أيضا: حلى بالشيء؛ أي: ظفر به يحلى، وقد قال ابن ولاد: إن حلا لا يعرف؛ يعني: أن المصدر المعروف من هذين الفعلين إنما هو حلاوة.
стр. 657
قال الشيخ: ويجوز أن يكون ذو بمعنى الذي؛ أي: على المد الذي حلا كقول الطائي:
وبئري ذو حفرت وذو طويت
قلت: وكأنه أشار بقوله: حلا إلى ما ذكره أبو عبيد وأبو علي:
٩٧١-
وَفِي الكُلِّ ضَمُّ الكَسْرِ فِي أُسْوَةٍ "نَـ"ـدىً ... وَقَصْرُ "كِـ"ـفًا "حَـ"ـقٍّ يُضَاعَفْ مُثَقَّلا
الضم والكسر في أسوة لغتان، ومثله قدوة وعدوة بضم القاف والعين وكسرهما وقوله: في الكل؛ يعني: هنا وفي الممتحنة موضعان، ويجوز ضم الكسر على الأمر وضم الكسر على الابتداء ويضاعف مبتدأ وقصر كِفًا حقّ خبره، ومثقلا حال منه؛ أي: يضعف لها العذاب بالقصر مع تشديد العين، وقد تقدم في سورة البقرة أن ضاعف وضعف لغتان، فابن كثير وابن عامر قرأ من لغة ضعف هناك وهنا وأبو عمرو شدد هنا دون ثَم والباقون قرأوا من لغة ضاعف في الموضعين والله أعلم.
قال أبو عبيد: كان أبو عمرو يقرأ هذه وحدها يضعف مشددة بغير ألف لقوله: "ضِعْفَيْنِ"، وقال ما كان أضعافا كثيرة فإنه يضاعف وما كان ضعفين فإنه يضعف.
قال أبو عبيد: لا نعلم بين ما فرق أبو عمرو فرقًا.
٩٧٢-
وَبِاليَا وَفَتْحِ العَيْنِ رَفْعُ العَذَابِ "حِصْـ ... ـنُ" حُسْنٍ وَتَعْمَلْ نُؤْتِ بِاليَاءِ "شَـ"ـمْلَلا
الواو في وبالياء فاصلة؛ لأن هذه مسألة غير المتقدمة وإن كان الجميع متعلقا بكلام واحد فالذي تقدم بيان الخلاف في القصر والتشدي، وهذا بيان قراءة من يقرأ بالياء وفتح العين، ورفع العذاب وضدها وهي القراءة بالنون وكسر العين ونصب العذاب، فكأنه قال: ويضاعف بالياء وفتح العين على ما لم يسمَّ فاعله، ورفع العذاب؛ لأنه مفعول ما لم يسم فاعله، فأسقط حرف العطف من "ورفع العذاب" ضرورة للعلم به، وقوله: حصن حسن؛ أي: رمز ذلك وهو خبر المبتدأ المقدر، وهو يضاعف وما عطف عليه وهو رفع العذاب؛ أي: المجموع حصن حسن، فاجتمع أبو عمرو مع حصن في الياء وفتح العين وخالفهم في المد فقرءوا: "يضاعف"، وقرأ هو وحده: "يضعف"، وكلا الفعلين لما لم يسم فاعله فاتفق معهم على رفع العذاب فبقي ابن كثير وابن عامر على النون وكسر العين على بناء الفعل للفاعل فلزم نصب العذاب؛ لأنه مفعوله والنون للعظمة هما من أهل القصر والتشديد، فقرآ: "نضعف لها العذاب" والقراءات ههنا ثلاث، ووجوهها ظاهرة إنما كان مشكلا استخراجها من هذا النظم وقد سهله الله تعالى فاتضح ولله الحمد.
قوله: ويعمل يؤت أراد: "ويعمل صالحا يؤتها" قرأهما حمزة والكسائي بالياء أما الياء في يعمل "فعطف على "يقنت" وأجمعوا في يقنت على لفظ التذكير ردا على لفظ من فكذا ما عطف عليه وهو "يعمل" وقرأ الباقون بالتاء على التأنيث ردا على معنى من؛ لأنها عبارة عن النساء ولهذا رجعت الضمائر بلفظ التأنيث في "نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها"، أما الياء في "يؤتها" فلله تعالى، وقرأ الباقون بالنون للعظمة فقول الناظم: بالياء تقييد لقوله: "يؤت"؛ ليكون النون للباقين؛ لأنها أخت الياء في اصطلاحه ولا تكون تقييد ليعمل أيضا وإن
стр. 658
كان صحيحا من حيث المعنى واللفظ فإنها بالياء أيضا ولكن امتنع ذلك خوفا من اختلال القراءة الأخرى فإنها ليست بالنون فلا يكون هذا إلى من باب التذكير والتأنيث فيكون قوله: ويعطل مطلقا من غير تقييد؛ ليدل إطلاقه له على أنه أراد به التذكير فيأخذ للباقين ضده وهو التأنيث، وشمللا خبر عن يعمل ويؤتِ على حذف حرف العطف.
٩٧٣-
وَقَرْنَ افْتَحِ "ا"ذْ نَصُّوا يَكُونَ "لَـ"ـهُ "ثَـ"ـوى ... يَحِلُّ سِوَى البَصْرِي وَخَاتِمَ وُكِّلا
يريد افتح القاف من: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ، والباقون بكسرها وكلاهما فعل أمر لجماعة النساء فالمفتوح من قررت بالمكان أقر بكسر الراء في الماضي وفتحها في المضارع في قول من أجاز ذلك ونظيره عض من عضضت وقيل: من قار يقار إذا اجتمع فيكون مثل خفن الله؛ أي: اجتمعن في بيوتكن، والمكسور من قررت بالمكان أقر بفتح الراء في الماضي وكسرها في المضارع وهي اللغة المعروفة في قررت بالمكان فيكون مثل جدن في الأمر من جددت فيه أو من وقر يقر فيكون مثل عدن من وعد، فإن أخذنا ذلك من قررت بفتح فاء وكسرها فتكون عين الفعل حذفت؛ لأنه ألقيت حركتها على الفاء، فحذفت؛ لالتقاء الساكنين هي ولام الفعل، وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بتحريك الفاء، والأصل أقررن بفتح الراء الأولى وكسرها وإن قلنا: إن قرن بالكسر من وقر يقر فالمحذوف فاء الفعل وهي الواو، وإن قلنا: إن قرن بالفتح من قار يقار فالمحذوف عين الفعل وهي واو أيضا وهذا الوجه حكاه الزمخشري عن أبي الفتح الهمداني.
وقال أبو علي: الوجه في "وقرن" بالكسر؛ لأنه يجوز من وجهين لا إشكال في جوازه منهما وهما من القرار والوقار وفتح القاف على ما ذكرت من الخلاف، زعم أبو عثمان أن قررت في المكان لا يجوز، وقد حكى ذلك بعض البغداديين فيجوز الفتح في القاف على هذه اللغة إذا ثبتت، وقال أبو عبيد: والقراءة التي نختارها بكسر القاف فيكون مأخوذا من الوقار، فأما الفتح فإن أشياخنا من أهل العربية كانوا ينكرونه، ويقولون إن كان من الوقار فهو بالكسر على قراءتنا وإن كان من القرار فينبغي أن يكون من أقررنا أو أقررنا قال: وقد وجدناها تخرج في العربية من وجه فيه بعد وهو شبيه بقوله: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ١.
وأصلها من المضاعف ظللت قال مكي: وقيل: إن هذه القراءة مشتقة من قررت
به عينا أقر، قال: وليس المعنى على هذا لم يؤمرن أن تقر أعينهن في بيوتهن إنما أمرن بالقرار أو بالوقار في بيوتهن قال: والاختيار كسر القاف؛ لأن عليه المعنى الصحيح.
وأما: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ، ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ فالتذكير فيهما والتأنيث ظاهران، وأبو عبيد يختار التذكير في هذا ونحوه والثرى بالقصر التراب الندي وبالمد المال الكثير فيجوز أن يكون قصره ضرورة، وقد تقدم أن الناظم يستعير هذه الأشياء ونحوها كناية عن وضوح القراءة وكثرة الحجج لها، وردا لكلام من
стр. 659
من سورة الروم إلى سورة سبأ
...
تكلم فيها، أما وخاتم النبيين فوجه الفتح فيه أن الذي يختم به يقال بفتح التاء وكسرها فكأنه ﷺ جُعل كخاتم لما ختم به الأنبياء، قال أبو عبيد: وبالكسر نقرأ؛ لأن التأويل أنه ﷺ ختمهم فهو خاتمهم، وكذلك رويت الآثار عنه في صفة نفسه أنه قال: "أنا خاتم النبيين" لم نسمع واحدا من فقهائنا يروي هذا الحرف في حديثه إلا بكسر التاء قال الزجاج: من كسر فمعناه ختم النبيين ومن فتح فمعناه آخر النبيين لا نبي بعده، والواو في قول الناظم: وقرن وخاتم ليست فاصلة بل هي من نفس الكلمة في القرآن كالياء في يكون ويحل، أما الواو في "وكلا" فليست فاصلة أيضا ولا معنى لها هنا فلو أتى بكلمة أولها نون رمزا لقراء الفتح لكان أولى فيقول نولا أو نحو ذلك، ويستغنى عن الرمز بعد قوله: في البيت الآتي ويأتي بالواو الفاصلة ثم يقول وخاتم نزلا بفتح وقل ساداتنا اجمع إلى آخره.
فإن قلتَ: لو قال كذلك لكان قد رمز قبل تقييد القراءة، وهو قد قال: ومن بعد ذكرى الحرف أسمى رجاله، قلت: الذي التزمه أن لا يتقدم الرمز على الحرف المختلف فيه أما تقدمه على التقييد فلا كقوله: سما العلا شذا الجزم.
٩٧٤-
بِفَتْحٍ "نَـ"ـمَا سَادَاتِنَا اجْمَعْ بِكَسْرَةٍ ... "كَـ"ـفَى وَكَثِيرًا نُقْطَةٌ تَحْتُ "نُـ"ـفِّلا
يريد: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾ هو جمع سيد وسادات جمع هذا الجمع وكسر تائه علامة النصب؛ لأنه جمع سلامة وفتح تاء سادة علامة نصبه؛ لأنه جمع تكسير ومثله كتبة وفجرة، أما: ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ فقراءة عاصم وحده بالباء الموحدة والقراءتان وجههما كما سبق في البقرة في: ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ قال أبو علي: الكير مثل العظم والكثرة أشبه بالمعنى؛ لأنهم يلعنون مرة بعد مرة وقوله: نفل معناه أعطى نقطة من تحته والتنفيل الإعطاء فقوله: نقطة بالنصب ثاني مفعول نفلا وجعل النقطة نفلا؛ لأنها دون الثلاث التي للثاء فتلك بمنزلة النفل في قسم الغنيمة؛ لأنها دون سهم الغانم والله أعلم.
стр. 660
لأن الكسرة كأنها وليت الراء من جهة أن المدغم فيه كالحرف الواحد فالمدغم كالذاهب، ورقق أبو الحسن ابن غلبون جميع الباب إلا: "مِصْرًا"، و"إِصْرًا"، و"قِطْرًا"؛ من أجل حرف الاستعلاء فألزمه الداني: "وَقْرًا".
ومنهم من لم يرقق إلا "صهرا"؛ لخفاء الهاء وفخم أبو طاهر بن أبي هاشم وعبد المنعم بن غلبون وغيرهما أيضا من المنون نحو: "خَبِيرًا"، و"بَصِيرًا"، و"مُدْبِرًا"، و"شاكرا"، مما قبل الراء فيه ياء ساكنة أو كسرة فكأنه قياس على: "ذِكْرًا"، و"سِتْرًا".
قال الداني: وكان عامة أهل الأداء من المصريين يميلونها في حال الوقف؛ لوجود الجالب؛ لإمالتها في الحالين، وهو الياء والكسرة وهو الصواب وبه قرأت وبه آخذ، وقال في: "ذِكْرًا" و"سِتْرًا". أقرأني ذلك غير أبي الحسن بن غلبون بالفتح وعليه عامة أهل الأداء من المصريين وغيرهم، وذلك على مراد الجمع بين اللغتين. قلت: فحصل من هذا أن المنصوب المنون الذي قبل رائه ما يسوغ ترقيقها على ثلاثة أقسام:
ما يرقق بلا خلاف، وهو نحو: "سرا" و"مستقرا".
وما يرقق عند الأكثرين وهو نحو: "خَبِيرًا"، و"شَاكِرًا".
وما يفخم عند الأكثر وهو نحو: "ذِكْرًا"، و"سِتْرًا".
وقلت في ذلك بيتا جمع الأنواع الثلاثة على هذا الترتيب وهو:
وسرا رقيق قل خبيرا وشاكرا
للَاكثر ذكرا فخم الجلة العلا
وكأنهم اختاروا تفخيم هذا النوع؛ لأنه على وزن ما لا يمال نحو:
стр. 661
"عِلْمًا"، و"حِمْلًا".
والخلاف في ذلك إنما هو في الأصل ولهذا عد التنوين مانعا، أما في الوقف فعند بعضهم لا خلاف في الترقيق؛ لزوال المانع، وقال أبو الطيب ابن غلبون: اختُلِف عن ورش في الوقف، فطائفة يقفون بين اللفظين، وطائفة يقفون بالفتح من أجل الألف التي هي عوض من التنوين والله أعلم.
والجلة: جمع جليل وأرحلا جمع رحل، ونصبه على التمييز وتفخيمه مبتدأ، وأعمر أرحلا خبره، وعمارة الرحل توزن بالعناية والتعاهد له، فكأنه أشار بهذه العبارة إلى اختيار التفخيم عند جلة الأصحاب من مشايخ القراء، وبابه النصب عطف على مفعول تفخيم:
٣٤٧-
وَفي شَرَرٍ عَنْهُ يُرَقِّقُ كُلُّهُمْ ... وَحَيْرَانَ بِالتَّفْخِيمِ بَعْضُ تَقَبَّلا
أراد قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ ١، رقق كل الأصحاب عن ورش راءه الأولى؛ لأجل كسر الثانية، وهذا خارج عن الأصل المقدم وهو ترقيق الراء لأجل كسر قبلها، وهذا لأجل كسر بعدها وكسرة الراء تعد بكسرتين لأجل أنها حرف تكرير. قال الداني: لا خلاف عن ورش في إمالتها وإن وقف عليها قال: وقياس ذلك عند قوله في النساء: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ٢. غير أن أصحابنا يمنعون من إمالة الراء فيه من أجل وقوع الصاد وهي حرف استعلاء قبلها، قال: وليس ذلك مما يمنع من الإمالة ههنا؛ لقوة جرة الراء كما لم يمنع منها لذلك في نحو: "الْغَارِ"، و"أَنْصَارَ"، و"كَالْفَخَّارِ"، و"بِقِنْطَارٍ"، وشبهه مع أن سيبويه قد حكى إمالة راء الضرر سماعا وعليه أهل الأداء، غير أني بالفتح قرأت ذلك، وبها آخذ. قال: وأجمعوا عنه على تفخيمها في قوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ حيث وقع، قال: وقياس ما أجمعوا عليه عنه من ترقيقها في قوله: "بِشَرَرٍ"؛ لأجل جرة الراء بعدها يوجب ترقيقها هنا، قال: وزادني ابن خاقان في الاستثناء إخلاص الفتح للراء في قوله: ﴿حَيْرَانَ﴾ في الأنعام٣، قال: وقرأت على غيره بالترقيق قال: وهو القياس من أجل الياء، وقد ذهب إلى التفخيم جماعة من أهل الأداء، وقال: قرأت بالوجهين في:
стр. 662
﴿حَيْرَانَ﴾ و ﴿إِجْرَامِي﴾ و ﴿عَشِيرَتُكُمْ﴾ في سورة براءة خاصة١. قلت: وعلل بعضهم تفخيم حيران بالألف والنون فيه في مقابلة ألف التأنيث في حيرى وإذا وقعت الراء قبل ألف حيرى رققت لأجل الألف الممالة لا لأجل الياء، فكما لم يكن للحاء حكم مع وجود الألف في حيرى لم يكن لها حكم مع وجود الألف والنون في حيران، قلت: وهذا كلام ضعيف لمن تأمله، ثم قال: ونظير ارتفاع حكم الياء مع الألف الممالة ارتفاع حكم الكسرة معها في نحو: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ ؛ ألا ترى أنك إذا وقفت رققت، وإذا وصلت فخمت. قلت: وهذا ممنوع بل إذا وصل رقق لأجل الكسرة وإذا وقف أمال تبعا للألف، وقد سبق التنبيه على هذا في باب الإمالة والله أعلم.
٣٤٧-
وَفي الرَّاءِ عَنْ وَرْشٍ سِوَى مَا ذَكَرْتُهُ ... مَذَاهِبُ شَذَّتْ فِي الأَدَاءِ تَوَقُّلا
توقلا: تمييز يقال: توقل في الجبل إذا صعد فيه أي شذ ارتفاعها في طرق الأداء، ولفظة الأداء كثيرة الاستعمال بين القراء، ويعنون بها تأدية القراء القراءة إلينا بالنقل عمن قبلهم، كأنه لما ذكر هذه المواضع المستثناة من الأصل المتقدم قال: وثم غير ذلك من المواضع المستثناة اشتمل عليها كتب المصنفين، فمن تلك المذاهب ما حكاه الداني عن شيخه أبي الحسن بن غلبون: أنه استثنى تفخيم كل راء بعدها ألف تثنية نحو: "طَهِّرَا"، و"سَاحِرَانِ". أو ألف بعدها همزة نحو: "افْتِرَاءً عَلَيْهِ".
أو بعدها عين نحو: "سِرَاعًا"، و"ذِرَاعًا"، و"ذِرَاعَيْهِ". وفخم قوم إذا كان بين الراء وبين الكسر ساكن نحو: "حِذْرَكُمْ"، و"ذِكْرُكُمْ"، "لَعِبْرَةً" مطلقا. ومنهم من اقتصر على تفخيم: "وَزَرَ" حيث وقع، ومنهم من اقتصر على: "وِزْرَكَ"، "ذِكْرَكَ".
ومنهم من فخم في موضعين وهما عشرون: "كِبْرَهُ"، و"مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ".
стр. 663
٣٤٨-
وَلاَ بُدَّ مِنْ تَرْقِيِقِهاَ بَعْدَ كَسْرَةٍ ... إِذَا سَكَنَتْ ياَ صَاحِ لِلسَّبْعَةِ المَلا
أي إذا سكنت الراء وقبلها كسرة رققت لجميع القراء نحو: "مِرْيَةٍ"، و"شِرْذِمَةٌ"، و"اصْبِرْ"، و"يَغْفِرُ"، و"فِرْعَوْنَ".
قالوا: لأن الحركة مقدرة بين يدي الحرف وكأن الراء هنا مكسورة ولو كانت مكسورة لوجب ترقيقها على ما يأتي ومن ثم امتنع ترقيق نحو: "مَرْجِعُ"؛ لأن الكسرة تبعد عنها إذا كانت بعدها، وتقرب منها إذا كانت قبلها بهذا الاعتبار. قال: ومن ثم همزت العرب نحو: مؤسى والسؤق لما كانت الضمة كأنها على الواو والواو المضمومة يجوز إبدالها همزة فأجروا الساكنة المضموم ما قبلها مجرى المضمومة لهذه العلة وكثر في نظم العرب ومن بعدهم قوله: يا صاح، ومعناه: يا صاحب، ثم رخم كما قرأ بعضهم: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ .
قال: إلا أن ترخيم صاحب من الشذوذ المستعمل؛ لأنه غير علم بخلاف مالك ونحوه، والملأ: الأشراف.
٣٤٩-
وَمَا حَرْفُ الِاسْتِعْلاَءِ بَعْدُ فَراؤُهُ ... لِكُلِّهِمُ التَّفْخِيمُ فِيهاَ تَذَلَّلا
أي: واللفظ الذي وقع فيه حرف الاستعلاء بعد رائه فـ "راء" ذلك اللفظ تذلل التفخيم فيها لكلهم أي انقاد بسهولة؛ لأن التفخيم أليق بحروف الاستعلاء من الترقيق لما يلزم المرقق من الصعود بعد النزول، وذلك شاقٌّ مستثقلٌ، وحرف الاستعلاء إذا تأخر منع الإمالة مطلقا بخلافه إذا تقدم فإنه لا يمنع إلا إذا لم يكن مكسورًا أو ساكنا بعد مكسور، وهذا البيت مشكل النظم في موضعين أحدهما أن ما في أوله عبارة عن ماذا؟ والثاني الهاء في راؤه إلى ماذا تعود؟ والذي قدمته من المعنى هو الصواب إن شاء الله تعالى، وهو أن ما عبارة عن اللفظ الذي فيه الراء بعد كسر والهاء في راؤه تعود على ذلك اللفظ، وقال الشيخ في شرحه: يعني والذي بعده من الراءات حرف الاستعلاء فراؤه إن شئت رددت الضمير إلى "ما"، وإن شئت أعدته على حرف الاستعلاء. قلت: كلاهما مشكل فإن "ما" مبتدأ، وقد جعلها عبارة عن الراء فإذا عادت الهاء إلى ما يصير التقدير: فـ "راء الراء"، وذلك فاسد؛ لأنه من باب إضافة الشيء إلى نفسه وذلك لا يجوز، وإن عادت إلى حرف الاستعلاء بقي المبتدأ بلا عائد يعود إليه، ثم جمع حروف الاستعلاء فقال:
٣٥١-
وَيَجْمَعُهاَ قِظْ خُصَّ ضَغْطٍ وَخُلْفُهُمْ ... بِفِرْقٍ جَرى بَيْنَ المَشَايِخِ سَلْسَلا
أي يجمعها هذه الكلمات فهي سبعة أحرف وربما ظن السامع أن جميعها يأتي بعد الراء فيطلب أمثلة ذلك فلا يجد بعضه إنما أراد الناظم أي شيء وجد منها بعد الراء منع، والواقع منها في القرآن في هذا الغرض أربعة الصاد والضاد والطاء والقاف، ولم يقع الخاء والظاء والغين ولو أنه قال:
стр. 664
وما بعده صاد وضاد وطا وقا ... ففخِّم لكل خلف فرق تسلسلا
لبان أمر البيتين في بيت واحد، وخلصنا من إشكال العبارتين فيهما والله أعلم.
أما الصاد فوقعت بعد الراء الساكنة بعد كسر وهي المرققة لجميع القراء فمنعت الترقيق حيث وقعت نحو: "إِرْصَادًا"، و"لَبِالْمِرْصَادِ".
وأما الضاد فوقعت في مذهب ورش في نحو: "إِعْرَاضًا"، و"إِعْرَاضُهُمْ".
وأما الطاء والقاف فوقعا في الأمرين نحو: "قِرْطَاسٍ"، و"فِرْقَةٍ"، و"صِرَاطٍ"، و"فِرَاقُ".
وليس من شرط منع حرف الاستعلاء أن يلي الراء بل يمنع وإن فصل بينهما الألف ولا يقع في مذهب ورش إلا كذلك غالبا نحو: "صِرَاطٌ"، و"فِرَاقُ"، و"إِعْرَاض". حتى نص مكي في التبصرة على أن: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ لا ترقق في الوصل لأجل صاد: "صُدُورِهِمْ". فإن رققت على: "حَصِرَتْ" رققت لزوال المانع. قلت": وتفخيم راء: "حَصِرَتْ" لأجل صاد: "صُدُورُهُمْ" بعيد؛ لقوة الفاصل وهو التاء بخلاف فصل الألف، ولأن حرف الاستعلاء منفصل من الكلمة التي فيها الراء فلا ينبغي أن يعتبر ذلك إلا في كلمة واحدة وعلى قياس ما ذكروه يجب التفخيم فيما إذا كانت الراء آخر كلمة وحرف الاستعلاء أول كلمة بعدها نحو: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ ، ﴿أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ ، ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ﴾ ، ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ . والتفخيم في هذا يكون أولى من التفخيم في: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ ؛ لوجود الفاصل في حصرت دون ما ذكرناه ولا أثر للصاد في حصرت فإنها مكسورة فلا تمنع؛ لأنها مثل:
стр. 665
"تُبْصِرُونَ".
والأظهر الترقيق في الجميع قياسا للمانع على المقتضى، وسيأتي في البيت بعد هذا أن ما جاء بعد الكسر المفصل فلا ترقيق فيه فلم ينظر إلى المفصل ترقيقا فلا ينظر أيضا إلى المفصل تفخيما فيعطي كل كلمة حكمها والله أعلم.
ومعنى قوله: قظ خص ضغط أي أقم في القيظ في خص ذي ضغط أي خص ضيق أي اقنع من الدنيا بمثل ذلك وما قاربه واسلك طريقة السلف الصالح، فقد جاء عن أبي وائل شقيق بن سلمة -رحمة الله عليهما- وهو من المخضرمين وأكابر التابعين من أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁ ما نحو من ذلك، قال عبد الله بن عمير: كان لأبي وائل خص من قصب يكون فيه هو ودابته فإذا غزا نقضه، وإذا رجع بناه.
وأما قوله في الشعراء: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ﴾ ١، فالراء فيه رقيقة؛ لوقوعها بين كسرتين وضعف منع حرف الاستعلاء بسبب كسره، ونقل الاتفاق على ترقيق هذا الحرف مكي وابن شريح وابن الفحام.
قال الشيخ ﵀: وفخمها بعضهم لمكان حرف الاستعلاء، قال الحافظ أبو عمرو: والوجهان جيدان. قال: وإلى هذا أشار بقوله: جرى بين المشايخ سلسلا. قلت: وقال الداني في كتاب الإمالة: كان شيخنا أبو الحسن يرى إمالة الراء في قوله: ﴿وَالْإِشْرَاقِ﴾ ؛ لكون حرف الاستعلاء فيه مكسورا قال فعارضته بقوله: ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾ ، وألزمته الإمالة فيه، قال: ولا أعلم خلافا بين أهل الأداء لقراءة ورش عن نافع من المصريين وغيرهم في إخلاص فتح الراء في ذلك، وإنما قال ذلك شيخنا ﵀ فيما أحسبه قياسا دون أداء؛ لاجتماع الكل على خلاف ما قاله والله أعلم.
٣٥١-
وَمَا بَعْدَ كَسْرٍ عَارِضٍ أَوْ مُفَصَّلٍ ... فَفَخِّمْ فَهذاَ حُكْمُهُ مُتَبَذِّلا
أي والذي يوجد من الراءات بعد كسر عارض وهو كسر ما حقه السكون ككسر همزة الوصل نحو: ﴿امْرَأَةٌ﴾ ، و ﴿ارْجِعُوا﴾ ، إذا ابتدأت وكسرة التقاء الساكنين نحو: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ﴾ ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ﴾ .
стр. 666
إذا وصلت، أو بعد كسر مفصل أي يكون الكسر في حرف مفصل من الكلمة التي فيها الراء لفظا أو تقديرا نحو ما سبق من كسرة التقاء الساكنين نحو: ﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ ، ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ، و ﴿بِرَسُولٍ﴾ ، و ﴿لَرَسُولُ﴾ ؛ لأن حروف الجر في حكم المنفصل من الكلمة الداخلة هي عليها؛ لأن الجار مع مجروره كلمتان حرف واسم، فلعروض الكسرة في القسم الأول وتقدير انفصال الراء عن الكسرة في الثاني فخمها ورش في المتحركة وجميع القراء في الساكنة، قال ابن الفحام: لم يعتد أحد بالكسرة في قوله: ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ ، ولا ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ ، ولا في ﴿ارْجِعُوا﴾ .
قال: وأما المبتدأة فلا خلاف في تفخيمها نحو: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ .
قلت: فيعلم من هذا أن نحو قوله تعالى: ﴿مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ﴾ ، ﴿الَّذِي رُزِقْنَا﴾ لا ترقق وإن كان قبل الراء ياء ساكنة؛ لأنها منفصلة عنها ولم ينبه الناظم على الياء المنفصلة كما نبه على الكسر المنفصل، وقد نبه عليه غيره والله أعلم، وقوله: متبذلا حال يشير إلى أن التفخيم مشهور عند القراء مبذول بينهم.
٣٥٢-
وَمَا بَعْدَهُ كَسْرٌ أَوِ اليَا فَمَا لَهُمْ ... بِتَرْقِيقِهِ نَصٌّ وَثِيقٌ فَيَمْثُلا
أي: وما وقع من الراءات بعده كسرة أو ياء على ضد ما سبق؛ لأن الذي تقدم الكلام فيه أن تكون الراء بعد كسر أو ياء، وليس هذا على عمومه؛ بل مراده أن ما حكوا ترقيقه مما بعده كسر أو ياء لا نص لهم فيه والذي حكوا ترقيقه من ذلك نحو: "مَرْيَمَ"، ولفظ "لمرء".
وعموم ما ذكره في هذا البيت يجيء في الراء الساكنة نحو: "مَرْيَمَ"، و"يَرْجِعُونَ".
ولا تكون الياء بعدها إلا متحركة نحو: "لِبَشَرَيْنِ"، و"الْبَحْرَيْنِ"، و"إِلَى رَبِّهِمْ".
وكان القياس يقتضي أن هذا كله يرقق كما لو تقدمت الياء أو الكسر؛ فإن الترقيق إمالة وأسباب إمالة الألف تكون تارة بعدها وهو الأكثر وتارة قبلها، فينبغي أن تكون الراء كذلك ولكن عدم النص في ترقيق مثل ذلك، ونقل مكي الترقيق في نحو: "مَرْيَمَ"، و"قَرْيَةٍ".
стр. 667
فقال: أما الراء الساكنة فلا اختلاف فيها أنها غير مغلظة إذا كان قبلها كسرة لازمة أو بعدها ياء نحو: "مَرْيَمَ"، و"فِرْعَوْنَ"، قال: ونقلت: ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ﴾ بالتغليظ وتركه لورش وللجماعة بالتغليظ، قال الداني: على الترقيق عامة أهل الأداء من المصريين القدماء، قال: والقياس إخلاص فتحها لفتحة الميم قبلها، قوله: فيمثلا أي فيظهر ثم قال:
٣٥٣-
وَمَا لِقِيَاسٍ فِي القِرَاءة مَدْخَلٌ ... فَدُونَكَ مَا فِيهِ الرِّضَا مُتَكَفِّلا
أي لو فتح قياس ما بعد الراء على ما قبلها لاتسع الأمر في ذلك فيقال: يلزم من إمالة: "مَرْيَمَ" إمالة نحو "يَرْتَعْ"، فلا فرق بين أن تكون الياء المفتوحة بعد الراء وقبلها بل مراعاة ما قبلها أولى بدليل أن الياء الساكنة اعتبرت قبل الراء ولم تعتبر بعدها نحو: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ .
وقد اعتذر قوم عن ذلك بما فيه تكلف ولو رققت الراء من: "يَرْتَعْ" لرققت لورش في نحو: "يَرَوْنَ".
فدونك ما فيه الرضى أي ما نقل ترقيقه، وارتضاه الأئمة متكفلا بتقديره وإظهاره للطلبة أي خذه والزمه متكفلا به ويجوز أن يكون "متكفلا" حالا من ما وهو المفعول أي خذ الذي تكفل بالرضى للقراء، والمعنى أنهم يرضون هذا المذهب دون غيره، وأما نفي أصل القياس في علم القراءة مطلقا فلا سبيل إليه، وقد أطلق ذلك أبو عمرو الداني في مواضع، وقد سبقت عبارته في: ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ﴾ بأن القياس إخلاص فتحها وقال في آخر باب الراءات من كتاب الإمالة: فهذه أحكام الوقف على الراءات على ما أخذناه عن أهل الأداء وقسناه على الأصول؛ إذ عدمنا النص في أكثر ذلك، واستعمل ذلك أيضا في بيان إمالة ورش الألف بين اللفظين في مواضع كثيرة في كتاب الإمالة وغيره.
٣٥٤-
وَتَرْقِيقُهاَ مَكْسُورَةً عِنْدَ وَصْلِهِمْ ... وَتَفْخِيمُهاَ في الوَقْفِ أَجْمَعُ أَشْمُلا
يعني إذا كانت الراء مكسورة فكلهم يرققها إذا وقعت وسطا مطلقا نحو: "قَادِرِينَ"، و"الصَّابِرِينَ".
أو أولا نحو: "رِيحٍ"، و"رِجَالٌ".
стр. 668
وإن وقعت الراء المكسورة آخر كلمة رققت للجميع في الوصل، سواء كان الكسر أصلا أو عارضا نحو: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ و ﴿أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ .
فإن وقفت زالت كسرة الراء الموجبة لترقيقها فتفخم حينئذ، وفيه إشكال؛ فإن السكون عارض، وقد تقدم في باب الإمالة أن السكون العارض في الوقف لا يمنع الإمالة فيتجه مثل ذلك هنا، وقد أشار إليه مكي فقال: أكثر هذا الباب إنما هو قياس على الأصول وبعضه أخذ سماعا، ولو قال قائل: إنني أقف في جميع الباب كما أصل سواء سكنت أو رمت لكان لقوله وجه؛ لأن الوقف عارض والحركة حذفها عارض وفي كثير من أصول القراءات لا يعتدون بالعارض قال: فهذا وجه من القياس مستتب والأول أحسن. قلت: وقد ذكر الحصري الترقيق في قصيدته فقال:
وما أنت بالترقيق واصله فقف ... عليه به إذ لست فيه بمضطرِّ
ويمكن الفرق بين إمالة الألف وترقيق الراء بأن إمالة الألف أقوى وأقيس وأفشى في اللغة من ترقيق الراء؛ بدليل أن الألف تمال ولا كسر يجاورها كذوات الياء ويمال أيضا نحو: "خَاف"؛ لأن الخاء قد تكسر إذا قيل: خفت فاتسع في إمالة الألف كثيرًا فجاز أن يمنع الأضعف ما يمنع الأقوى لكن يضعف هذا الفرق نصهم على ترقيق الراء الأولى من: "شَرَرٍ" في الوقف، فهذا دليل على اعتبار الكسر فيها بعد ذهابه بسكون الوقف قالوا وترقيق الثانية لأجل إمالة الأولى، وهذا دليل على عدم اعتبار الكسر فيها وإلا لآثر في نفسها الترقيق، ولم يعتبر بإمالة ما قبلها، ووجه ذلك أن ترقيق الأولى أشبه إمالة الألف في نحو: "النَّارِ".
وكلاهما رقق لكسرة بعده فبقي الترقيق بعد زوال الكسرة في الوقف كما تقدم في الألف وقوله: وترقيقها مبتدأ وخبره قوله: عند وصلهم وأجمع أشملا: خبر قوله: وتفخيمها، وأشملا تمييز وهو جمع شمل والمعنى هو أجمع أشملا من ترقيقها إشارة إلى كثرة القائلين به، وقلة من نبه على جواز الترقيق فيه كما نبه عليه مكي والحصري، فإن قلت: ما تقول في قوله تعالى: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ ؛ هل تمنع القاف من ترقيق الراء المكسورة؟ قلت: لا؛ لقوة مقتضى الترقيق وهو الكسر في نفس الراء، وإنما يمنع حرف الاستعلاء ترقيق غير المكسورة؛ لأن مقتضى ترقيقها في غيرها فضعف فقوي حرف الاستعلاء على منع مقتضاه، قال الداني: أما الراء المكسورة فلا خلاف في ترقيقها بأي حركة تحرك ما قبلها ولا يجوز غير ذلك والله أعلم.
стр. 669
٣٥٥-
وَلكِنَّهَا في وَقْفِهِمْ مَعْ غَيْرِهاَ ... تُرَقِّقُ بَعْدَ الكَسْرِ أَوْ مَا تَمَيَّلا
الضمير في "ولكنها" للمكسورة أي مع غيرها من الراءات المفتوحة والمضمومة والساكنة ترقق في الوقف إذا كان قبلها أحد أسباب ثلاثة ذكر منها في هذا البيت اثنين الكسر والإمالة، والثالث يأتي في البيت الآتي وهو الياء الساكنة.
فمثال ذلك بعد الكسر:
﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ ، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ، ﴿فَانْتَصِرْ﴾ .
ومن ذلك ما كان بين الراء وبين الكسر فيه ساكن نحو: "الذِّكْرُ"، و"السِّحْرَ"، و"الشعر".
نص عليه الداني في كتاب الإمالة، فكأن الشاطبي أراد بعد الكسر المؤثر في مذهب ورش وقد علم ذلك من أول الباب ومثال ذلك بعد الإمالة: ﴿عَذَابَ النَّارِ﴾ في مذهب الدوري وأبي عمرو و: ﴿بِشَرَرٍ﴾ في مذهب ورش نص عليه الداني وغيره، وهو مشكل من وجه أن الراء الأولى إنما أميلت لكسرة الثانية فإذا اعتبرت الكسرة بعد سكون الوقف؛ لأجل إمالة الأولى فلم لا تعتبر لأجل ترقيقها في نفسها، ولا يقع هذا المثال إلا في المكسورة، وعلى مذهب بعض القراء بخلاف المثال بعد الكسر؛ فإنه وقع في أنواع الراء الأربعة وفي مذهب جميع القراء، وسبب الترقيق سكون الراء بعد الكسر أو ما يناسبه وهو الإمالة، وقد سبق قوله: ولا بد من ترقيقها بعد كسرة، وهذا الاستدراك المفهوم من قوله: ولكنها؛ لأجل قوله في البيت السابق: وتفخيمها في الوقف أجمع أشملا، فكأنه استثنى من هذا فقال: إلا أن تكون بعد كسر أو حرف تميل ثم ذكر الياء الساكنة فقال:
٣٥٦-
أَوِ اليَاء تَأْتِي بِالسُّكُونِ وَرَوْمُهُمْ ... كَمَا وَصْلِهِمْ فَابْلُ الذَّكَاءَ مُصَقَّلا
لا تقع الراء الساكنة بعد الياء الساكنة وإنما تقع بعدها الراء المتحركة بالحركات الثلاث في قراءة جميع القراء نحو: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ ، ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ ، ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ ، ولا يستقيم التمثيل بالمنصوب المنون، فإن الوقف لا يكون فيه على الراء بل على الألف المبدلة من التنوين فيبقى الترقيق فيه لورش وحده بشرطه هذا كله إذا وقفت على الراء بالسكون، فإن وقفت بالروم على ما سيأتي شرحه كان حكم الوقف حكم الوصل؛ لأنه قد نطق ببعض الحركة فترقق المكسورة للجميع وغيرها لورش بشرطه ويفخم الباقي للجميع، وما في قوله: كما زائدة أي رومهم كوصلهم، و"فابل" بمعنى اختبر ومصقلا نعت مصدر محذوف أي بلاء مصقلا أي مصقولا يشير إلى صحة الاختبار ونقائه مما يكدره ويشوبه من التخاليط، فبذلك يتم الغرض في تحرير هذه المسألة؛ لأنها مسائل متعددة عبر عنها بهذه العبارة الوجيزة، وبسط هذا أن نقول لا تخلو الياء إما أن تكون مكسورة أو غير مكسورة فإن كانت مكسورة رققت وصلا
стр. 670
وروما، وفخمت إن وقفت بالسكون إلا في ثلاث صور؛ وهي أن يكون قبلها كسر أو ياء ساكنة فترقق لجميع القراء في هاتين الصورتين الصورة الثالثة أن يكون قبلها إمالة فترقق لأصحاب الإمالة دون غيرهم وإن كانت غير مكسورة فهي مفخمة لجميع القراء وقفا بالسكون إلا أن يكون قبلها أحد الثلاثة فالحكم ما تقدم في الوصل والروم مفخمة لغير ورش مرققة لورش بعد الكسر والياء الساكنة على ما في أول الباب، ولا يقع الروم في المنصوبة فاعتبر ذلك وقس عليه.
ثم أشار إلى أن الأصل التفخيم بقوله:
٣٥٧-
وَفِيماَ عَدَا هذَا الَّذِي قَدْ وَصَفْتُهُ ... عَلَى الأَصْلِ بِالتَّفْخِيمِ كُنْ مُتَعَمِّلا
أي كن متعملا بالتفخيم على الأصل ومتعملا بمعنى عاملا، وفي الصحاح تعمل فلان لكذا، وقال غيره: سوف أتعمل في حاجتك أي أقضي، فيجوز في موضع بالتفخيم بالباء للتفخيم باللام على ما نقله الجوهري والله أعلم.