← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 5486

شرح الشاطبية إبراز المعاني من حرز الأماني - ت عطوة

أبو شامة المقدسي

Полный текст (805 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

القطع جائز للضرورة وفي عبارة الناظم نقل حركة همزة أبدل إلى التنوين فانضم وانحذف الهمزة كما يقرأ ورش: ﴿غُرُورًا، أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ﴾ ، وقد سبق شرح مثل هذا البيت في باب الهمزتين من كلمة. ١٠٢٧- وَفِي تَشْتَهِيهِ تَشْتَهِي "حَقُّ صُحْبَةٍ" ... وَفِي تُرْجَعُونَ الْغَيْبُ "شَـ"ـايَعَ "دُ"خْلُلا اختلف المصاحف الأئمة في هذه الكلمة فكتبت الهاء في مصاحف المدينة والشام وحذفت من غيرها ووجه القراءتين ظاهر؛ لأن الجملة صلة "ما" وحذف العائد من الصلة إلى الموصول جائز والغيب في قوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ شايع دخللا قبله وهو: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ والخطاب على الالتفات واختار أبو عبيد الغب ١٠٢٨- وَفِي قِيلَهُ اكْسِرْ وَاكْسِرِ الضَّمَّ بَعْدُ "فِـ"ـي ... "نَـ"ـصِيرٍ وَخَاطِبْ تَعْلَمُونَ "كَـ"ـمَا "ا"نْجَلا هكذا وقع في الرواية في جميع النسخ وفي "قيله" اكسر اللام وهو سهو والصواب على ما مهده في خطبته أن تكون اخفض؛ لأنها حركة إعراب ثم قال واكسر الضم؛ يعني: في الهاء وهذا على بابه؛ لأنه حركة بناء، وإنما قال في الثانية اكسر الضم وقال في الأولى اكسر، ولم يقل اكسر الفتح؛ لأن الفتح ضد الكسر، فكفى الإطلاق والضم ليس ضدا للكسر فاحتاج إلى بيان القراءة الأخرى، وقوله: بعد؛ أي: بعد ذلك الكسر، وقوله: في نصير في موضع الحال؛ أي: كائنا في رهط نصير؛ أي: في جملة قوم ينتصرون لتوجيه القراءتين، فوجه الجر العطف على لفظ الساعة في قوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ، "وَقِيلِهِ"؛ أي: وعلم قيله، وقيل: الواو في وقيله للقسم وجوابه: "إِن هَؤُلاءِ"، أما النصب فعطف على موضع الساعة فإنه في موضع نصب؛ أي: يعلم الساعة ويعلم قيله وقيل: عطف على: ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ ، وقيل: هو نصب على المصدر؛ أي: وقال قيله؛ أي: شكا شكواه والقيل: والقول واحد ومنه قول كعب بن زهير: يسعى الوشاة جنابتها وقيلهم ... إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول ذكر الوجهين الأخيرين الأخفش والفراء، وذكر هذه الأوجه الثلاثة أبو علي، وسبقه إليها الزجاج، واختار العطف على موضع الساعة وصدق؛ لأن الجر عطف على لفظها، فيتحد معنى القراءتين، وذكر النحاس وجهين آخرين أن يكون عطفا على مفعول محذوف؛ أي: ورسلنا يكتبون ذلك وقيله أو وهم يعلمون الحق وقيله، واختار أبو عبيد قراءة النصب قال: لكثرة من قرأ بها ولصحة معناها إنما هي في التفسير: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ ، ونسمع: ﴿قِيلِهِ يَا رَبِّ﴾ ، وقال النحاس: القراءة البينة بالنصب من جهتين إحداهما أن المعطوف على المنصوب يحسن أن يفرق بينهما وإن تباعد ذلك؛ لانفصال العامل والمعمول فيه مع المنصوب، وذلك في المخفوض إذا فرقت بينهما قبيح والجهة الأخرى أن أهل التأويل يفسرون الآية على معنى النصب، قال: والهاء في قيله تعود إلى النبي محمد أو إلى عيسى ابن مريم ﵉. قلت: وإذا كان المعنى يصح على عطف وقيله المنصوب على مفعول: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ المحذوف؛ أي: إلا من

стр. 702

شهد بالحق وهم يعلمونه ويعلمون قيله فيجوز أن يقال إن القراءتين عطف على بالحق النصب على الموضع والجر على اللفظ، والذي شهد بالحق ذكر في التفسير أنهم الملائكة والمسيح وعزير ﵈، وقال الزمخشري بعد حكايته للوجوه الثلاثة المتقدمة: والذي قالوه ليس بقوي في المعنى مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضا ومع تنافر اللفظ وأقوى من ذلك وأوجه أن يكون الجر والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه. قلت: أما على قراءة الجر فواضح جوازه وقد تقدم ذكرنا له، أما على قراءة النصب فغلط؛ لأن حرف القسم موجود وهو الواو فلا نصب مع وجودها والله أعلم. ثم قال: وخاطب: تعلمون؛ يعني: الذي هو آخر السورة ووجه الخطاب فيه والغيب ظاهر وقد سبقت نظائرهما والله أعلم. ١٠٢٩- بِتَحْتِي عِبَادِي اليَا وَيَغْلِي "دَ"نا "عُـ"ـلًا ... وَرَبُّ السَّموَاتِ اخْفِضُوا الرَّفْعَ "ثُـ"ـمَّلا أي: هاتين الكلمتين في سورة الزخرف الياء؛ يعني: ياء الإضافة المختلف في فتحها وإسكانها؛ الأولى: مِنْ تَحْتِيَ أَفَلا تُبْصِرُونَ" فتحها نافع والبري وأبو عمرو، والثانية: "يَا عِبَادِي لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ" فتحها في الوصل أبو بكر وسكنها في الحالين نافع وأبو عمرو وابن عامر وحذفها الباقون في الحالين، وفيها زائدة واحدة: "واتبعوني هذا صراط" أثبتها في الوصل أبو عمرو وحده. ثم ذكر الخلاف في آخر سورة الدخان فقال: ويغلي؛ يعني: كالمهل تغلي في البطون قرأه بالتذكير ابن كثير وحفص؛ أي: يغلي الطعام والباقون بالتأنيث؛ أي: تغلي الشجرة، وعلا حال أو تمييز؛ أي: دنا ذا علاء أو دنا علاه، والخفض في: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ﴾ في أول السورة على البدل من قوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ ، والرفع على الابتداء وخبره: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أو يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو رب السموات وثملا حال من فاعل اخفضوا؛ أي: مصلحين وقد تقدم. ١٠٣٠- وَضَمَّ اعْتِلُوهُ اكْسِرْ "غِـ"ـنىً إِنَّكَ افْتَحُوا ... "رَ"بِيعًا وَقُلْ إِنِّي وَلِي اليَاءُ حُمِّلا أي: ذا غنى والضم والكسر في تا: "فَاعْتلُوهُ" لغتان وهو القود بعنف والفتح في: "ذُقْ أَنَّكَ" أي؛ لأنك أنت والكسر ظاهر وهما على وجه التهكم والاستهزاء، وربيعا حال؛ أي: ذوي ربيع أو ذا ربيع على أن يكون حالا من الفاعل أو المفعول والربيع النهر الصغير، فحسن من جهة اللفظ قوله: افتحوا ربيعا، والألف في آخر حملا ضمير يرجع إلى إني، ولي والياء بالنصب مفعول ثانٍ لجملا؛ أي: أتت ياء الإضافة المختلف فيها فيهما أراد: "إِنِّيَ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ" فتحها الحرميان وأبو عمرو. "وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِيَ" فتحها ورش وحده. وفيها زائدتان: "أَنْ تَرْجُمُونِ"، "وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِي" أثبتهما في الوصل ورش وحده. وقلت فيهما مع: "الجوار" في الشورى، "واتبعوني" في الزخرف: وواتبعوني والجوار وترجمو ... ن فاعتزلون زائدات لدى العلا

стр. 703

سورة الشريعة والأحقاف ... سورة الجاثية والأحقاف: ١٠٣١- مَعًا رَفْعُ آيَاتٍ عَلَى كَسْرِهِ "شَـ"ـفا ... وَإِنَّ وَفِي أَضْمِرْ بِتَوْكِيدٍ أَوَّلا يعني: ﴿آياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ، ﴿آياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ قرءا بالرفع والنصب وعلامة النصب الكسر ولا خلاف في الأول وهو: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أنه منصوب بالكسر؛ لأنه اسم إن، أما: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فرفعها ونصبها أيضا ظاهران كقولك: إن في الدار زيد وفي السوق عمرو وعمرا فهذا جائز باتفاق فالنصب على تقدير: وإن في السوق عمرا فحرف إن مقدر قبل في والرفع عطف على موضع اسم إن أو على استئناف جملة ابتدائية أو يكون عمرو فاعل في السوق على رأي من يجوز ذلك فكذا قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ﴾ ؛ وذلك لظهور حرف في من قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ ، أما قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ فلم يأت فيه حرف إن ولا حرف في فهنا اختلف النحاة فقيل: إن الواو نائبة عنهما وإن اختلف عملهما لفظا ومعنى وهذا هو الذي يسمى عندهم العطف على عاملين؛ أي: على عمل عاملين أو معمولي عاملين نحو: إن في الدار زيدا والحجرة عمرا؛ أي: وإن في الحجرة عمرا؛ أي: وإن في اختلاف الليل والنهار آيات، وعلى قراءة الرفع تكون الواو نائبة عن حرف في؛ أي: وفي اختلاف الليل والنهار آيات؛ عطفا على قوله: "وفي خلقكم آيات" فمنهم من يقول هو على هذه القراءة أيضا عطف على عاملين وهما حرف في والابتداء المقتضي للرفع ومنهم من لا يطلق هذه العبارة في هذه القراءة؛ لأن الابتداء ليس بعامل لفظي، وقد استدل أبو الحسن الأخفش بهذه الآية على جواز العطف على عاملين، وصوبه أبو العباس في استدلاله بهذه دون غيرها، وقال أبو بكر بن السراج العطف على عاملين خطأ في القياس غير مسموع من العرب، ثم حمل ما في هذه الآية على التكرار للتأكيد قال أبو الحسن الرماني: هو كقولك: إن في الدار زيدًا والبيت زيدا فهذا جائز بالإجماع؛ لأنه بمنزلة إن زيدًا في الدار والبيت فهما قال فتدبر هذا الوجه الذي ذكره ابن السراج فإنه حسن جدًّا لا يجوز حمل كتاب الله تعالى إلا عليه، وقد يثبت القراءة بالكسر ولا عيب في القرآن على وجه وللعطف على عاملين عند من أجازه عيب ومن لم يجزه فقد تناهى في العيب فلا يجوز حمل هذه الآية إلا على ما ذكره ابن السراج دون ما ذهب إليه غيره. قلتُ: ولا ضرر فيما ذهب إليه من ذهب من العطف على عاملين وسنتكلم إن شاء الله تعالى عليه في شرح النظم من النحو ونبين وجهه من القياس وقد استدل على ذلك بأبيات تكلف المانعون له تأويلها قال الزجاج: ومثله في الشعر: أكل امرئ تحسبين امرءًا ... ونار توقد بالليل نارا أهل قال عطف على ما عملت فيه كل وما عملت فيه تحسبين وأنشد أبو علي الفرزدق: وباشر راعيها العلا بلسانه ... وجنبيه حر النار ما يتحرفُ قال: فهذا عطف على الفعل والهاء، وأنشد أيضا: أوصيت من سره قلبا حرا ... بالكلب خيرا والحماة شرا

стр. 704

واختار أبو عبيد قراءة الكسر اعتبارًا بقراءة أبي بن كعب لآيات في المواضع كلها قال: لأنها دالة على أن الكلام نسق على الحرف الأول. وقول الناظم: وإن وفي أضمر قال الشيخ: قال ﵀: لم أرد بقولي: أضمر الإضمار الذي هو كالمعطوف به وإنما أردت أن حرف العطف ناب في قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ عن أن وفي قوله: واختلاف عن أن وفي وإذا كانت الآيات توكيدا خرج عن العطف على عاملين الذي يأباه أكثر البصريين، وخرج عن إضمار حرف الجر الذي هو قليل في الكلام. قلتُ: فهذا معنى قوله بعد ذلك: بتوكيد أولا وكأنه جمع بين القولين فإن من يرى العطف على عاملين أضمر أن وفي بخلاف من أكد، وقال الزمخشري هو من العطف على عاملين سواء نصبت أو رفعت فالعاملان إذا نصبت هما أن وفي أقيمت الواو مقامهما فعملت الجر في: "وَاخْتِلافِ"، والنصب في "آيات" إذا رفعت فالعاملان الابتداء وفي وهو على مذهب الأخفش سديد لا مقال فيه وقد أباه سيبويه فهو على مذهبه على إضمار في والذي حسنه تقدم ذكره في الآيتين قبلها أو ينتصب آيات على الاختصاص بعد انقضاء المجرور معطوفا على ما قبله أو على التكير، ورفعها بإضمار هي: قلتُ: التكرير هو التوكيد الذي ذكره ابن السراج وإضمار في هو قول أبي علي في الحجة وقد بسطه وتكلف بيانه، وحاصله أنه أعمل حرف الجر مضمرا وذلك قليل في كلامهم مستضعف، وليس القول بالعطف على عاملين بأضعف من هذا، أما النصب على الاختصاص والرفع بإضمار هي فوجه آخر زاده من تصرفه وتقدير الكلام على العطف على عاملين: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وإن في خلقكم آيات وإن في اختلاف الليل والنهار آيات، وعلى قول التأكيد: إن في السموات والأرض وفي خلقكم واختلاف الليل لآيات آيات آيات، وتفرقت كما تفرق بين الفواصل: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ، ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ في سورة الروم؛ أي: إن في كل واحد من هذه المذكورات آيات وتارة تقصد الجملة كما في آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ﴾ ، وفي البقرة زاد على ذلك: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ إلى قوله: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ، والتقدير: في قراءة الرفع على قول التأكيد: وفي خلقكم وما يبث من دابة واختلاف الليل إلى آخره آيات آيات. ١٠٣٢- لِنَجْزِي يَا نَصٍّ "سَمَا" وَغِشَاوَةً ... بِهِ الفَتْحُ وَالإِسْكَانُ وَالْقَصْرُ "شُـ"ـمِّلا أي: ذو ياء نص سما؛ أي: منصوص على الباء نصا رفيعا؛ لأن الضمير في الفعل يرجع إلى اسم الله تعالى قبله من قوله: "أَيَّام اللَّهِ"، وقراءة الباقين بنون العظمة وغشوة وغشاوة واحد وهو ما يغطي العين عن الأبصار وفيها لغات أخر ولم يختلفوا في التي في البقرة أنها غشاوة وقول الناظم: غشاوة مبتدأ، وحكي لفظ القرآن، فأتى به منصوبا وشملا به خبر؛ أي: شمل بهذا اللفظ الفتح في الغين والإسكان في الشين والقصر وهو حذف الألف وفي شرح الشيخ في شمل ضمير يرجع إلى غشاوة، ولو أراد ذلك لم يحتج إلى قوله: به والله أعلم.

стр. 705

١٠٣٣- وَوَالسَّاعَةَ ارْفَعْ غَيْرَ حَمْزَةَ حُسْنًا الْـ ... ـمُحَسِّنُ إِحْسَانًا لِكُوفٍ تَحَوَّلا إعراب غير حمزة كما سبق في قوله: فأطلع ادفع غير حفص يريد: ﴿وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ نصبها عطف على لفظ: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ورفعها عطف على موضع اسم إن أو على الابتداء قال أبو الحسن الأخفش الرفع أجود في المعنى وأكثر في كلام العرب إذا جاء بعد خبر إن اسم معطوف أو صفة أن يرفع قال أبو علي: يقوي ما ذهب إليه أبو الحسن قوله: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ لم تقرأ العاقبة فيما علمت إلا مرفوعة. قلت: والأولى في تقدير قراءة الرفع العطف على موضع اسم إن؛ ليتحد معنى القراءتين ويكون قوله: لا ريب فيها جملة مستقلة فهي على وزان الآية التي في سورة الحج: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيَْ فِيهَا﴾ ، والمعنى: وإذا قيل: إن وعد الله حق وإن الساعة حق وذلك على وفق ما في الصحيحين من دعاء النبي ﷺ إذا قام يتهجد: "أنت الحق ووعدك حق والساعة حق". وأما: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ فهذه قراءة الجماعة كالتي في العنكبوت سواء وقراءة الكوفيين هنا: ﴿إِحْسَانًا﴾ اعتبارا بالتي في سورة البقرة والأنعام وسبحان، وذكر أبو عبيد أنها في المصاحف مختلفة أيضا فكلٌّ قرأ بما في مصحفه ومعنى إحسانا؛ أي: تحسن إليهما إحسانا ومعنى حسنا؛ أي: وصية ذات حسن؛ أي: تفعل بهما فعلا ذا حسن ولم يقرأ هنا بفتح الحاء والسين كما قرأ في البقرة: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ إلا في قراءة شاذة ووجهها ظاهر؛ أي: يفعل بهما فعلا حسنا، وقول الناظم: تحولا هو خبر حسنا؛ أي: تحولا حسنا إحسانا في قراءة الكوفيين وقوله: المحسن كلمة حشو لا تعلق لها بالقراء لا رمزا ولا تقييدا وهي صفة حسنا؛ أي: المحسن شرعا وعقلا، وإنه ليوهم أنه رمز لنافع وتكون قراءة غيره وغير الكوفيين حسنا بفتح الحاء والسين كما قرأ به في البقرة وترك قيدها؛ لظهورها فليس بأبعد من قوله في سورة طه: "وأنجيتكم"، "واعدتكم" ولو أنه قال: حسنا الذي بعد إحسانا لم يوهم شيئا من ذلك؛ لأنه كالتقييد للحرف. ١٠٣٤- وَغَيْرُ "صِحَابٍ" أَحْسَنَ ارْفَعْ وَقَبْلَهُ ... وَبَعْدُ بِياء ضُمَّ فِعْلانِ وُصِّلا أي: وقراءة غير صحاب أحسن ثم بينها بقوله: ارفع؛ أي: بالرفع وقال الشيخ: التقدير: أحسن ارفع لهم قال: ويجوز نصب غير على إسقاط الخافض وتقديرا حسن ارفع لغير صحاب. فإن قلت: لو أراد ذلك لقال لغير صحاب. قلت: إنما عدل إلى الواو؛ لأنها تفصل بين المسألتين، يريد: ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ وقبل أحسن وبعده فعلان وصلا بياء ضمت هذا تقدير النظم ومعناه أن الجماعة قرءوا يتقبل ويتجاوز على بناء الفعلين لما لم يسم فاعله فأولهما ياء مضمومة وأحسن مرفوع؛ لأنه مفعول ما لم يسم فاعله وقراءة صحاب بنون العظمة المفتوحة على بناء الفعلين للفاعل وأحسن منصوب؛ لأنه مفعول يتقبل الذي قبله ومفعول يتجاوز قوله: عن سيئاتهم.

стр. 706

١٠٣٥- وَقَلْ عَنْ هِشامٍ أَدْغَمُوا تَعِدَانِنِي ... نُوَفِّيَهُمْ بِالْيَا "لَـ"ـهُ "حَقُّ نَـ"ـهْشَلا القراءة بنونين مكسورتين هو الأصل؛ لأن الأولى علامة رفع الفعل بعد ضمير التثنية مثل تضربان والثانية نون الوقاية وهشام أدغم الأولى في الثانية كما أدغم في: ﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾ ؛ لوجود المثلين، ورويت أيضا عن ابن ذكوان مع أنهما قرءا في الزمر: "تأمرونني" بنونين فأظهرا ما أدغم غيرهما وكثير من المصنفين لم يذكروا هذا الإدغام في: "أَتَعِدَانِنِي"، ولم يقرأ أحد بحذف إحدى النونين كما في "تأمرونني" و"تحاجوني"، وحكى الأهوازي رواية أخرى بفتح النون الأولى وهي غلط فلهذا يقال في ضبط قراءة الجماعة بنونين مكسورتين وأما: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ فقراءته بالياء والنون ظاهرة وقد سبق معنى نهشلا. ١٠٣٦- وَقُلْ لا تَرَى بِالغَيْبِ وَاضْمُمْ وَبَعْدَهُ ... مَسَاكِنَهُمْ بِالرَّفْعِ "فَـ"ـاشِيهِ "نُـ"ـوِّلا قوله: بالغيب؛ أي: بسورة الغيب وإنما هو من باب التذكير لأجل الاستثناء المفرغ نحو ما يقوم إلا هند ولا يجوز في هذا التأنيث إلا في شذوذ وضرورة وإنما ذكر لفظ الغيب دون التذكير؛ لأن القراءة الأخرى بالخطاب لا بالتأنيث ولهذا فتحت التاء؛ أي: لا نرى أيها المخاطب لا مساكنهم بالنصب؛ لأنه مفعول ترى المبني للفاعل، ومن قرأ "يرى" بضم الياء رفع مساكنهم؛ لأنه مفعول ما لم يسمَّ فاعله، ثم ذكر ياءات الإضافة فقال: ١٠٣٧- وَيَاءُ وَلكِنِّي وَيَا تَعِدَانِنِي ... وَإِنِّي وَأَوْزِعْنِي بِها خُلْفُ مَنْ بَلا أي: بهذه الأربعة خلاف القراء في الفتح والإسكان أراد: "وَلَكِنِّيَ أَرَاكُمْ" فتحها نافع وأبو عمرو والبزي. "أَتَعِدَانِنِيَ أَنْ أُخْرَجَ" فتحها الحرميان. "إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ" فتحها الحرميان، وأبو عمرو. "أَوْزِعْنِيَ أَنْ أَشْكُرَ" فتحها ورش والبزي.

стр. 707

من سورة محمد ﷺ إلى سورة الرحمن : لم تكن له ضرورة تلجئه إلى جمع هذه الترجمة، فلم يتصل نظم ما في هذه السورة بما في الفتح ولا ما في الفتح بما في الحجرات ولا ما في الذاريات بما في الطور، ومهما أمكن الفصل كان أبين، فكان ينبغي إفراد هذه السورة والفتح، ثم يقول: سورة الحجرات، وق، والذاريات، ثم يقول: سورة الطور، والنجم، والقمر، ويكون لهذه السورة وسورة الفتح أسرة بإفراده سورة فصلت مما قبلها وبعدها، فكل واحدة ثلاثة أبياتن والله أعلم. ١٠٣٨- وَبِالضَّمِّ وَاقْصُرْ وَاكْسِرِ التَّاءَ قَاتَلُوا ... "عَـ"ـلَى "حُـ"ـجَّةٍ وَالْقَصْرُ فِي آسِنٍ "دَ"لا يريد: "والذين قاتلوا في سبيل الله" قرأها حفص وأبو عمرو "قتلوا"، وكلاهما ظاهر فصفة المجموع أنهم قاتلوا وقتلوا؛ أي: قتل منهم والماء الآسن هو المتغير فمن قصر فهو من أسن بكسر السين يأسن يفتحها فهو أسن كحذر، ومن مد فهو من أسن بفتح السين يأسن بكسر السين وضمها فهو آسن على وزن فاعل كضارب وقاتل وكل ذلك لغات وقد سبق معنى دلا. ١٠٣٩- وَفِي آنِفًا خُلْفٌ "هَـ"ـدى وَبِضَمِّهِمْ ... وَكَسْرٍ وَتَحْرِيكٍ وَأُمْلِيَ "حُـ"ـصِّلا أي: والقصر في آنفاذ وخلف عن البري يريد قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ ؛ أي: الساعة، قال أبو علي: يجوز أن يكون توهمه مثل حاذر وحذر وفاكه وفكه والوجه المد، أما: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ على بناء الفعل للفاعل فالضمير فيه لله تعالى كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ وقيل: يجوز أن يعود على ما قبله مجازا؛ أي: الشيطان سول لهم وأملي وقراءة أبي عمرو على بناء الفعل لما لم يسم فاعله وهو يحتمل الأمرين فضم الهمز وكسر اللام وحرك الياء بالفتح فقوله: وبضمهم وما بعده متعلق بقوله: حصلا وأملي مبتدءا وحصلا خبره؛ أي: حصل بالضم والكسر والتحريك والله أعلم. ١٠٤٠- وَأَسْرَارَهُمْ فَاكْسِرْ "صِحَابًا" وَنَبْلُوَنْ ... نَكُمْ نَعْلَمُ اليَا "صِـ"ـفْ وَنَبْلُوَ وَاقْبَلا صحابا حال من فاعل اكسرا ومفعوله؛ أي: ذا صحاب ويجوز أن يكون على تقدير: اكسروا صحابا فهو أمر لمفرد لفظا وهو لجماعة تقديرا وهذا كما سبق في قوله: زد الهمز ثملا، وخاطب يستطيعون عملا. وأسرار بفتح الهمزة جمع سر وبالكسر مصدر أسر، أما الياء والنون في هذه الكلمات الثلاث هي: "وليبلونكم حتى يعلم" "ويبلو" فالنون للعظمة والياء؛ لأن قبله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ ، وأراد الناظم ويبلونكم ويعلم ويبلو الياء صف فيها فقدم وأخر للضرورة، أو يكون أراد: ويبلو كذلك؛ أي: بالياء وأراد وأقبلن فأبدل من نون التأكيد ألفا؛ أي: صف وأقبل، وفرغ الكلام في سورة القتال.

стр. 708

١٠٤١- وَفِي يُؤْمِنُوا "حَقٌّ" وَبَعْدُ ثَلاثَةٌ ... وَفي ياءٍ يُؤْتيِهِ "غَـ"ـدِيرٌ تَسَلْسَلا يريد: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وبعدها ثلاثة ألفاظ أيضا وهي: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ ، قرأ الأربعة بالغيب حق؛ أي: ليؤمن المرسل إليهم ويفعلوا كيت وكيت، وقرأ الباقون بالخطاب وهو ظاهر، أما: ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فالياء فيه والنون كما سبق في "ولنبلونكم"، وقوله: غدير تسلسلا عبارة حسنة حلوة، وأشار إلى كثرة أمثال ذلك وقد تقدم والله أعلم. ١٠٤٢- وَبِالضَّمِّ ضُرًا "شَـ"ـاعَ وَالكَسْرُ عَنْهُما ... بِلامِ كلامَ اللهِ وَالقَصْرُ وُكِّلا يريد: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾ قال أبو علي: الضر بالفتح خلاف النفع وفي التنزيل: ﴿مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ ١، والضُّرُّ بالضم سوء الحال وفي التنزيل: ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ ، والأبين في هذا الفتح عندي، ويجوز أن يكونا لغتين في معنى كالفَقْر والفُقْر والضَّعْف والضُّعْف، وقوله: عنهما؛ أي: عن حمزة والكسائي المدلول عليهما بالشين شاع وكلام إذا كسرت لامه وقصر؛ أي: حذفت ألفه صار كلم وهو بمعنى كلام كقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ ، والأكثر في المضاف إلى الله استعمال الكلام نحو: ﴿بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ ، ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ، وقوله: والقصر عطف على والكسر وقوله: وكلا خبر عنهما فالألف فيه ضمير التثنية؛ أي: وكل الكسر والقصر بلام كلام فكسرت ولم تمد الفتحة فيها فقصرت كما قال وفي يتناجون اقصر النون مكانات مد النون. ١٠٤٣- بِمَا يَعْمَلُونَ "حَـ"ـجَّ حَرَّكَ شَطْأَهُ ... "دُ"عَا "مَـ"ـاجِدٍ فَآزَرَهُ "مُـ"ـلا يريد: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ، ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأه أبو عمرو وحده بالغيب والباقون بالخطاب ولا خلاف في الذي: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ أنه بتاء الخطاب والخلاف في الحرفين في الأحزاب وشطأه بسكون الطاء وفتحها لغتان وهو فراخ الزرع وآزره وأزره بالمد والقصر؛ أي: قواه وأعانه، وقيل: المد بمعنى ساواه؛ أي: ساواه الشطء والزرع، وعلى الأول يجوز أن تكون الهاء في "فآزره" للشطأ أو للزرع؛ لأن كل واحد منهما مقوٍّ للآخر، وملا جمع ملاء وهو الملحفة وقد سبق ذكرها في مواضع، وهي هنا حسنة المعنى على تقدير ذا ملأ؛ لأن تقويت طافات الزرع والتفافها يشبه الاشتمال بالملا والله أعلم. وانتهى إلى هنا ذكر الخلاف في سورة الفتح، ثم ذكر ما في الحجرات وما بعدها فقال: ١٠٤٤- وَفِي يَعْمَلُونَ "دُ"مْ يَقُولُ بِياءِ "إ"ذْ ... "صَـ"ـفَا وَاكْسِرُوا أَدْبَارَ "إ"ذ "فَـ"ـازَ "دُ"خْلُلا يريد آخر الحجرات: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قرأه ابن كثير وحده بالغيب والباقون بالخطاب وكلاهما

стр. 709

ظاهر، أما: "يوم يقول لجهنم" فالخلاف فيه بالياء والنون ظاهر، أما: ﴿أَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ فهو بالكسر مصدر أدبر وبالفتح جمع دبر؛ أي: وقت أدبار السجود وإنما قال في الكسر فاز دخلل؛ لموافقته الذي في آخر الطور فهو مجمع على كسره. ١٠٤٥- وَبِاليَا يُنَادِى قِفْ "دَ"لِيلا بِخُلْفِهِ ... وَقُلْ مِثْلُ مَا بِالرَّفْعِ "شَـ"ـمَّمَ "صَـ"ـنْدَلا يريد: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ ياء ينادي محذوفة في الرسم؛ لأنها محذوفة في الوصل؛ لالتقاء الساكنين فإذا وقف عليها فكلهم يحذفها؛ اتباعا للوصل والرسم، وابن كثير أثبتها في أحد الوجهين عنه على الأصل، وليست هذه معدودة من الياءات الزوائد وإن كانت محذوفة في الرسم؛ لأن تلك شرطها أن يكون مختلفا في إثباتها وصلا ووقفا، وهذه وإن اختلف في إثباتها وقفا فلم يختلف في حذفها وصلا، وإنما عد من الزوائد: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ ، ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ﴾ ؛ لأن من فتحهما أثبتهما وصلا وهي ياء إضافة قابلة للفتح وهذه ياء ينادي لام الفعل فهي ساكنة في حال الرفع ولكن في قاف ثلاثة زوائد: "المنادي" بعد ينادي أثبتها في الوصل نافع وأبو عمرو، وفي الحالين ابن كثير. "فَحَقَّ وَعِيدِي"، "مَنْ يَخَافُ وَعِيدِي" أثبتهما في الوصل ورش وحده، أما: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ ١ في سورة والذاريات فشمم صندلا؛ أي: شمم قارئه وسامعه طيبا؛ لظهور الوجه فيه؛ لأنه صفة لحق؛ أي: إنه لحق مثل نطقكم وما زائدة ووجه الفتح أنه في موضع رفع ولكنه فتح فتحة بناء لإضافته إلى غير متمكن كقوله: وتداعا منخراه بدم ... مثل ما أثمر حماض الخيل هكذا أنشده أبو عثمان وأبو عمرو بالفتح وهو نعت مجرور ومنه قوله: لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت بفتح غير فهو فاعل يمنع، وقيل: هو نعت مصدر محذوف؛ أي: لحق حقا مثل ما وقيل: حال من الضمير في لحق؛ لأنه مصدر وصف به، وأجاز الجرمي أن يكون حالا من لحق نفسه وإن كان بكسرة، وأجاز هذا رجل مقبلا؛ أي: لحق كأنها مثل نطقكم، وقال أبو عبيد: وقال بعض العرب بجعل مثل نصبا أبدا، فيقولون: هذا رجل مثلك، وقال الفراء: العرب تنصبها إذا رفع بها الاسم؛ يعني: المبتدأ فيقولون: مثل من عبد الله ويقولون: عبد الله مثلك وأنت مثله؛ لأن الكاف قد تكون داخلة عليها، فتنصب إذا لقيت الكاف. قلت: وهذه لغة غريبة وفيها نظر. ١٠٤٦- وَفي الصَّعْقَةِ اقْصُرْ مُسْكِنَ العَيْنِ "رَ"اوِيا ... وَقَوْمَ بِخَفْضِ الْمِيمِ "شَـ"ـرَّفَ "حُـ"ـمَّلا هذا تقييد لما لفظ به فالقصر حذف الألف من الصاعقة، وفي قوله: مسكن العين نظر وصوابه مسكن الكسر فإن الإسكان المطلق ضده الفتح على ما تقرر في الخطبة وغيرها فما وقع ذلك إلا سهوا عما التزمه

стр. 710

باصطلاحه فإن قيل: الصعقة لا كسر فيها فكيف يقول: مسكن الكسر؟ قلت: وكذلك لا بد فيها فكيف قال: اقصر إنما ذلك باعتبار القراءة الأخرى؛ أي: أسكن في موضع الكسر ولم يتعرض الشيخ لهذا في شرحه أولا، ثم في آخر عمره زاد في شرحه نكتا في مواضع هذا منها، فقال: قوله: مسكن العين أراد به عين الفعل كما قال: لا عين راجع، وهذا زيادة إغراب في البيت وغير مخلص من الإشكال، والصاعقة اسم النازلة، والصعقة مصدر صعقتهم، فقوله: فأخذتهم الصعقة كما قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ ، قال أبو علي: قيل: إن الصعقة مثل الزجرة وهو الصوت الذي يكون عن الصاعقة، قوله: وقوم يريد وقوم نوح بالخفض عطف على: ﴿وَفِي مُوسَى﴾ ، وقوله: ﴿وَفِي مُوسَى﴾ عطف على: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾ ؛ أي: وفي موسى وفي عاد وفي ثمود وقوم نوح آيات، والنصب على: وأهلكنا قوم نوح أو واذكر قوم نوح، وانقضى النظم لما في الذاريات، ثم شرع في حروف والطور فقال: ١٠٤٧- وَبَصْرٍ وَأَتْبَعا بِوَاتَّبَعَتْ وَمَا ... أَلَتْنَا اكْسِرُوا "دِ"نْيا وَإِنَّ افْتَحُوا "ا"لْجَلا أي: قرأ أبو عمرو: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾ موضع قراءة غيره: "واتبعتهم" وكلاهما واضح، وقد مضى ذكر الخلاف في "ذرياتهم" الذي بعد "اتبعناهم" والذي بعد: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ﴾ في سورة الأعراف، أما: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ فكسر اللام ابن كثير وحده وفتحها غيره وهما لغتان وفيها لغات أخر ذكرها الشيخ في شرحه والكل بمعنى النقصان، وقوله: دنيا من قولهم هو ابن عمي دنيا ودنيا وإذا كسرت الدال نونت وإذا ضممتها لم تنون؛ أي: قريبا يشير إلى أنه قريب من الحرف المذكور قبله وهو "واتبعناهم" وقال الشيخ؛ يعني: إن ألتنا بالكسر قريب من ألتنا بالفتح كابني العم ثم قال وأن افتحوا الجلا بفتح الجيم وقصر الممدود؛ أي: ذا الجلا؛ يعني: الجلى، ورضى في أول البيت الآتي متصل به معنى ورمزا فهو في موضع نصب على التمييز؛ أي: الجلى رضاه، ويجمعهم أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو رضى وموضع الخلاف هو قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ وهو مشكل فإن قبله موضعين لا خلاف في كسرهما وهما: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ إنه ولا يليق الفتح لا بقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ﴾ على تقدير: لأنه أو ندعوه بأنه؛ أي: نصفه بهاتين الصفتين فالذي فتحه نافع والكسائي وكسره الباقون على الابتداء فلهذا قال: الجلا رضاه؛ أي: الواضح أمره بجواز ذلك فيه وكأنه قيده بذلك والله أعلم. ١٠٤٨- رِضًا يَصْعَقُونَ اضُمُمْهُ "كَـ"ـمْ "نَـ"ـصَّ وَالْمُسَيْـ ... ـطِرُونَ "لِـ"ـسانٌ "عَـ"ـابَ بِالْخُلْفِ "زُ"مَّلا أي: اضمم ياءه فيبقى فعلا لم يسم فاعله من أصعقهم فيكون مثل يكرمون، وقيل: يقال صعقهم فيكون مثل يضربون ومن فتح الياء فهو مضارع صعق اللازم لقوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ، وكلتا الآيتين إشارة إلى صعقة تقع يوم القيامة شاهد ذلك ما في صحيح البخاري من قول النبي ﷺ : "فإن الناس يوم القيامة يصعقون"، وقد بينا ذلك في مسألة مفردة مذكورة في الكراسة الجامعة، وقوله: كم نص؛ أي: كم قارئ نص عليه أو كم مرة وقع من قارئه وناقله، وقوله: لسان؛ أي: لغة والزمل الضعيف؛ أي: قرأه بالسين هشام وقنبل وحفص بخلاف عنه، ثم بين قراءة غيرهم فقال:

стр. 711

١٠٤٩- وَصَاد كَزَايٍ "قَـ"ـامَ بِالْخُلْفِ "ضَـ"ـبْعُهُ ... وَكَذَّبَ يَرْوِيهِ هِشَامٌ مُثَقَّلا أي: قرأه الباقون بالصاد، وأشم الصاد زايا خلف وخلاد بخلاف عنه والكلام في هذا كما سبق في الصراط تعليلا وشرحا لعبارة الناظم فإنه استغنى باللفظ عن القيد وفيه نظر نبهنا عليه هنا والضبع العضد؛ أي: أشد وأقوى وانتهى ذكر ما في الطور من الحروف ثم انتقل إلى سورة والنجم فقال وكذب؛ يعني: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ شدده هشام؛ أي: لم يكذب ما رآه بعينه، قال أبو علي: كذب يتعدى إلى مفعول بدله قوله: كذبتك عينك أم رأيت بواسط ومعنى كذبتك؛ أي: أرتك ما لا حقيقة له فمعنى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ؛ أي: لم يكذب فؤاد ما أدركه بصره؛ أي: كانت رؤية صحيحة غير كاذبة وإدراكا على الحقيقة قال ويشبه أن يكون الذي شدد أكد هذا المعنى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ ؛ أي: أترومون إزالته عن حقيقة ما أدركه وعلمه قال الزمخشري، ما كذب فؤاد محمد ﷺ ما رآه ببصره من صورة جبراءيل ﵇ أي: ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك ولو قال ذلك لكان كاذبا؛ لأنه عرفه؛ يعني: أنه رآه بعينه وعرفه بقلبه ولم يشك في أن ما رآه حق وقريء ما كذب؛ أي: صدقه ولم يشك أنه جبريل بصورته وقال أبو عبيد: وبالتخفيف نقرأ وهي في التفسير ما كذب في رؤيته يقول إن رؤيته قد صدقت. قلت: قد سبق في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ ؛ أي: في ظنه فكذا هنا ما كذب فيما رأى؛ أي: في رؤيته؛ أي: صدق فيها. ١٠٥٠- تُمَارُونَهُ تَمْرُونَهُ وَافْتَحُوا "شَـ"ـذًا ... مَناءةَ لِلْمَكِّي زِدِ الْهَمْزَ وَأَحْفِلا هذا مثل قوله: سكارى معا سكرى؛ أي: قراءة حمزة والكسائي اللفظ الثاني وهو تمرونه وسكرى وقوله: وافتحوا زيادة بيان هنا؛ أي: افتحوا التاء وكان له أن لا يذكره كما لم يذكر فتحه السين في سكرى وشذا حال من الفاتحين أو من المفتوح؛ أي: ذوى شذا أو ذا شذا ومعنى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ أفتجادلونه وبخهم سبحانه في مجادلتهم للنبي ﷺ فيما ذكره لهم ﷺ من الإسراء به وتمرونه بمعنى تجحدونه قال الزمخشري أفتمارونه من المراء وهو الملاحاة والمجادلة واشتقاقه من مري الناقة كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه وقرئ أفتمرونه؛ أي: أفتغلبونه في المراء من ماريته فمريته ولما فيه من معنى الغلبة عدي بعلى كما يقول غلبته على كذا وقيل: أفتمرونه أفتجحدونه وأنشدوا: لئن هجرت أخا صدق ومكرمة ... لقد مريت أخا ما كان يمريكا وقال: يقال مريته حقه؛ أي: جحدته وتعديته بعلى لا تصح إلا على مذهب التضمين وقال النحاس: قال محمد بن زيد: يقال مراه عن حقه وعلى حقه إذا منعه منه ودفعه عنه وعلى بمعنى "عن" قال بنو كعب

стр. 712

ابن ربيعة يقولون: رضي الله عليك؛ أي: عنك، ومناة على وزن نجاة ومناءة بزيادة همزة بعد الألف على وزن مجاعة لغتان قال جرير: أزيد مناة توعدنا ابن تيم وأنشد الكسائي: ألا هل أتى التيم ابن عبد مناءة وقوله: واحفلا أراد: واحفلن فأبدل من نون التوكيد الخفيفة ألفا للوقف؛ أي: احتفل بهذه القراءة فاحتج لها؛ لأن من الناس من أنكر المد قال أبو علي: قال أبو عبيد: اللات والعزى ومناة أصنام من حجارة ولعل مناءة بالمد لغة لم أسمع بها عن أحد من رواة اللغة وقد سمع زيد مناة عبد مناة ولم أسمع بالمد. قال الزمخشري في اشتقاق اللفظين على القراءتين: كأنها سميت مناءة؛ لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها؛ أي: كانت تراق ومناة مفعلة من النوء كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركا بها. قلت: ومن الأول تسمية منى لكثرة ما يراق فيها من دماء الأضاحي والنسك في الحج، وقال الجوهري: عبد مناة بن أد بن طابخة وزيد مناة بن تميم بن مرة يمد ويقصر قال: هو ابن الحارثي: ألا هل أتى التيم بن عبد مناءة ١٠٥١- ويَهْمِزُ ضِيزَى خُشَّعًا خَاشِعًا "شَـ"ـفا ... "حَـ"ـمِيدًا وَخَاطِبْ تَعْلَمُونَ "فـ"ـطِبْ "كَـ"ـلا أي: ويهمز المكي ياء ضيزى والهمز في ذلك وتركه لغتان يقال ضازه حقه يضازه؛ أي: إذا نقصه وجار فيه على وزن حساه يحساه ويقال ضازه يضيزه مثل باعه يبيعه فوزن ضئزى بالهمز فعلى بكسر الفاء قالوا هي مصدر وصف به كالذكرى وإذا لم تهمز فوزنها عندي كذلك وهي مصدر أيضا والتقدير: قسمة ذات ضيزى، وقال النحاة: وزنها فعلى بضم الفاء وإن كانت في لفظ ضيزى مكسورة اعتبارا بالأصل كما يقال في وزن يبض فعل وفي وزن بيوت فعول قال أبو علي؛ لأنهم لم يجدوا في الصفات شيئا على فعلى؛ يعني: بكسر الفاء مع ألف التأنيث قلت: لا نجعلها صفة بل مصدرا كالمهموز، قال أبو علي: حكى التوزى الهمز في هذه ضأزه يضأزه إذا ظلمه وأنشد: إذا ضأزانا حقنا في غنيمة قلت: وانتهى الكلام في حروف سورة النجم، ثم قال الناظم: خشعا خاشعا مثل سكارى معا سكرى؛ أي: قوله تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ يقرأه شفا حميدا خاشعا وهما لغتان في اسم الفاعل إذا وقع فاعلا مجموعا هل يفرد في نفسه أو يجمع جمع تكسير تقول: مررت بزيد قاعدا غلمانه وقعودا غلمانه سواء في ذلك الحال والصفة نحو: مررت برجل قاعد غلمانه وقعود غلمانه، وسنوضح ذلك في شرح الناظم إن شاء الله تعالى. قال الزمخشري: وفي خشعا بالجمع هو لغة تقول: أكلوني البراغيث وليس كذلك؛ فإن أكلوني لغة ضعيفة وتلك فصيحة، قال أبو علي: يرجح: مررت برجل حسان قومه على حسن قومه، قال الزمخشري: ويجوز أن يكون في خشعا ضميرهم ويقع أبصارهم بدلا عنه. قلت: يعني: يخرجون من الأجداث خشعا فهو حال، وقيل: يجوز أن يكون مفعول: ﴿يَدْعُ الدَّاعِ﴾ أي

стр. 713

يدعو قوما خشعا أبصارهم، ثم قال: وخاطب يعلمون بمعنى قوله: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ﴾ الخطاب فيه والغيب ظاهران وكلا تمييز وهو المرعي وأبدل الهمزة ألفا لما سكنت للوقف وكنى به عن العلم المقتبس من المخاطب، ويجوز أن يكون كلا مصدر كلأه؛ أي: حرسه وحفظه كَلْأً كضرب ضربا ثم نقل حركة الهمزة إلى اللام وحذفت الهمزة، ثم يكون هذا المصدر تمييزا أو في موضع الحال؛ ليطيب حفظك أو طب واحفظ، وفي هذه السورة ثماني زوائد: "يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي" أثبتها في الوصل ورش وأبو عمرو وفي الحالين البزي. "مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي" أثبتها في الوصل نافع وأبو عمرو وفي الحالين ابن كثير، ونذر في ستة مواضع واحد في قصة نوح واثنان في قصة عاد وواحد في قصة ثمود واثنان في قصة لوط أثبت الستة في الوصل ورش وحده، وتقدم ثلاث زوائد في سورة ق فقلت فيه: وزد نذري ستا كذا الداع فيهما ... بقاف المنادي مع وعيدي معا علا

стр. 714

سورة الرحمن : ١٠٥٢- وَوَالْحَبُّ ذُو الرَّيْحانِ رَفْعُ ثَلاثِها ... بِنَصْبٍ "كَـ"ـفَى وَالنُّونُ بِالْخَفْضِ "شُـ"ـكِّلا ثلاثها بمنزلة كلها في صحة الإضافة وأنث العدد قصدا إلى الكلمات وأطلق الرفع والنصب في الثلاث على حسب ما يليق بكل منها فرفع الحب والريحان بالضمة فيهما ونصبهما بالفتحة فيهما ورفع ذو بالواو ونصبها بالألف. وفي قوله: في البقرة: ناصبا كلماته بكسر لم يجتز بلفظ النصب حتى يبين أنه بالكسر؛ لتيسر ذلك عليه ثَم وتعسره هنا، وإلا فالمعهود في عبارته بالنصب إنما هو الفتحة ورفع الثلاثة بالعطف على فاكهة؛ أي: فيها فاكهة والحب والريحان وذو: صفة للحب ونصبها بفعل مضمر؛ أي: وخلق الحب ذا العصف والريحان ورسمت ذا بالألف في المصحف الشامي وخفض حمزة والكسائي النون من الريحان على تقديمه ذو العصف وذو الريحان والريحان الورق الذي يشم والعصف ورق الزرع ولا خلاف في جره؛ لأنه مضاف إليه صريحا وقوله: شكل من شكلت الكتاب إذا قيدته بالضبط بما يدل على الحركات مأخوذ من شكال الدابة؛ لأن اللفظ قبل شكله متردد من جهات يتعين بالشكل بعضها. ١٠٥٣- وَيَخْرُجُ فَاضْمُمْ وَافْتَحِ الضَّمَّ "إِ"ذْ حَمَى ... وَفِى الْمُنْشَآتُ الشِّينُ بِالكَسْرِ "فَـ"ـاحْمِا يريد: ﴿مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ﴾ قرأه الجماعة على إسناد الفعل إلى الفاعل وقرأه نافع وأبو عمرو على أنه فعل ما لم يسمَّ فاعله فضما الياء وفتحا الراء، "المنشآت" بكسر الشين وفتحها نعت للجوار وهي السفن فقراءة الفتح ظاهرة؛ لأنها أنشئت وأجريت وقيل: المرفوعات الشرع وقيل: في معنى الكسر إنها تنشيء الموج بجريها أو ترفع الشرع أو تنشيء السير على طريق المجاز نحو: مات زيد ومرض فمات يضاف الفعل إليه إذا وجد فيه وهو في الحقيقة لغيره والفاء في فاحملا زائدة وهي رمز، والشين مفعول به؛ أي: احمل الشين بالكسر؛ أي: انقلها كذلك، وأراد احملن بنون التأكيد فأبدلها ألفا كما سبق في نظائر له ثم تمم الرمز فقال: ١٠٥٤- "صَـ"ـحِيحًا بِخُلْفٍ نَفْرُغُ الْياءَ "شَـ"ـائِعٌ ... شُوَاظٌ بِكَسْرِ الضَّمِّ مَكِّيُّهُمْ جَلا أي: كسر الشين حمزة وأبو بكر بخلاف عنه، أما: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ فالخلاف فيه بالياء والنون ظاهر، قال أبو علي: وليس الفراغ هنا فراغا من شغل ولكن تأويله القصد كما قال جرير: الآن قد فرغت إلي تميم وقال الزمخشري: المراد التوفر على النكاية؛ أي: لا يكون له شغل سواه ستنقضي شئون الدنيا فلا يبقى إلا شأن واحد وهو جزاؤكم، والشواظ بكسر الشين وضمها: لغتان وهو اللهب وقوله: جلا ليس برمز؛ لأنه قد صرح بالقارئ وهو مكيهم فلا رمز معه والله أعلم.

стр. 715

١٠٥٥- وَرَفْعَ نُحَاسٌ جَرَّ "حَقٌّ" وَكَسْرَ مِي ... مِ يَطْمِثْ فِي الأُولَى ضُمَّ "تُـ"ـهْدى وَتُقْبَلا رفع مفعول جر وحق فاعله، ورأيت في بعض النسخ رفع بالضم على الابتداء وجر بالرفع خبره، وحق مجرور بالإضافة كلا اللفظين صواب ووجهه ظاهر ووجه رفع نحاس العطف على شواظ وجره عطف على نار؛ أي: الشواظ من نار ونحاس وفي النحاس قولان؛ أحدهما: أنه الدخان، والثاني: أنه الصفر المذاب وفي الشواظ أيضا قولان لأهل اللغة؛ قال أبو عبيد: هو اللهب لا دخان فيه وقال بعضهم لا يكون الشواظ إلا من النار والدخان جميعا فإن قلنا: النحاس بمعنى الدخان والشواظ ما لا دخان فيه ظهرت قراءة الرفع، وعلى القول الآخر تظهر قراءة الجر، وإن قلنا: النحاس هو الصفر المذاب ظهرت أيضا قراءة الرفع واستخرج أبو علي وجها لقراءة الجر على قولنا الشواظ ما لا دخان فيه وهو أن التقدير: وشيء من نحاس فيحذف الموصوف وتقام الصفة مقامه ثم حذفت من من قوله: ومن نحاس؛ لأن ذكره قد سبق في من نار ويقال طمث البكر يطمثها ويطمثها بفتح الميم في الماضي وبكسرها وبضمها في المضارع إذا دماها بالجماع وعني بالأولى التي بعدها: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ﴾ ضم الميم الدوري عن الكسائي، وإعراب قوله: نهدي وتقبلا سبق في شرح قوله: في باب الإمالة أمل تدعي حميدا وتقبلا. ١٠٥٦- وَقَالَ بِهِ للَّيْثِ فِي الثَّانِ وَحْدَهُ ... شُيُوخٌ وَنَصُّ اللَّيْثِ بِالضَّمِّ الَاوَّلا به؛ أي: بالضم، والثاني: هو الذي قبله: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ﴾ وإلا ولا نصب بالضم كقوله: عن الضرب مسمعا قال صاحب التيسير: أبو عمر عن الكسائي: "لَمْ يَطْمِثْهُنَّ" في الأول بضم الميم وأبو الحارث عنه في الثاني كذلك هذه قراءتي والذي نص عليه أبو الحارث كرواية الدوري وقال في غيره: قرأت على فارس بن أحمد في رواية أبي الحارث كرواية الدوري وقال طاهر بن غلبون إن الضم في الأول للدوري وعكس ذلك لأبي الحارث اختيار من أهل الأداء. ١٠٥٧- وَقَوْلُ الْكِسَائِي ضُمَّ أَيُّهُمَا تَشَا ... وَجِيهٌ وَبَعْضُ الْمُقْرِئِينَ بِهِ تَلا قال الداني في غير التيسير: على أن الكسائي خير فيهما فقال: ما أبالي أيهما قرأت بالضم أو الكسر بعد أن لا أجمع بينهما قال أبو عبيد: كان الكسائي يروي فيهما الضم والكسر وربما كسر إحداهما وضم الأخرى فقول الكسائي: هذا وجيه؛ أي: له وجاهة؛ لأن فيه الجمع بين اللغتين وبعض المقرئين به تلا؛ يعني: بهذا التخيير كابن أشتة وغيره ممن لم يذكر غير التخيير. ١٠٥٨- وَآخِرُهَا يَا ذِي الْجَلالِ ابْنُ عَامِرٍ ... بِوَاو وَرَسْمُ الشَّامِ فِيهِ تَمَثَّلا

стр. 716

أي: يا ذو الجلال آخر السورة قرأها ابن عامر بواو؛ أي: جعل مكانها واوا ولزم من ذلك ضم الذال قبلها فلهذا لم ينبه عليه، وقصر لفظ يا ضرورة؛ يعني: قوله سبحانه: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ﴾ فهو بالياء نعت للرب وبالواو نعت للاسم؛ لأن المراد بالاسم هنا لمسمى؛ لأنه إشارة إلى الأوصاف الذاتية وهي المراد تسبيحها وتنزيهها والثناء عليها بقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وقد استقصينا بيان ذلك وتحقيقه في آخر كتاب البسملة الأكبر، وقوله: تمثل؛ أي: تشخص الواو في رسم المصحف الشامي وقد أجمعوا على الأول أنه بالواو وهو: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ .

стр. 717

سورة الواقعة والحديد: ١٠٥٩- وَحُورٌ وَعِينٌ خَفْضُ رَفْعِهِمَا "شَـ"ـفا ... وَعُرْبًا سُكُونُ الضَّمِّ "صُـ"ـحِّحَ "فَـ"ـعْتَلَى الخفض عطف على: "فاكهة"، "ولحم طير" من باب تقلدت بالسيف والرمح؛ أي: إنهم جامعون بين هذه الأشياء، وفاكهة ولحم طير معطوفان إما على أكواب وإما على جنات النعيم، فإن كانا على أكواب فالمعنى أنه ينعمون بحور عين كما نعموا بما قبله وإن كانا على جنات فالمعنى أنهم في مقارنة بحور عين أو معاشرة حور عين، أما وجه الرفع فعلى تقدير ولهم حور عين أو وفيها حور عين أو عطف على ولدان، وجوز أبو علي أن تكون عطفا على الضمير في متقابلين ولم يؤكد لطول الفصل، وجوز أيضا أن تكون على تقدير وعلى سرر موضونة حور عين، أما عربا فضم الراء وإسكانها لغتان، وسبق لها نظائر مثل نذرا ونذرا وهو جمع عروب وهي المرأة المتحببة إلى زوجها. ١٠٦٠- وَخِفُّ قَدَرْنا "دَ"ارَ وَانْضَمَّ شُرْبَ "فِـ"ـى ... نَدَى الصَّفْوِ وَاسْتِفْهَامُ إِنَّا "صَـ"ـفَا وِلا يعني: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ التخفيف والتشديد في قدرنا لغتان وقد سبق ذلك في سورة الحجرات وشرب الهيم بضم الشين وفتحها مصدر شربت الإبل، وقيل: الضم الاسم كالشغل والفتح المصدر وجاء المفتوح جمع شارب كركب وصحب في غير هذا الموضع وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ على الخبر قرأه شعبة بزيادة مزة الاستفهام الذي بمعنى التقدير: وقوله: صفا ولا؛ أي: شديد متابعة أوصاف متابعته أو هو صفا ذا ولاء؛ أي: متابعة فنصبه على الحال، وعلى الأول تمييز وصفا بمعنى شديد مقصور والذي بمعنى صاف ممدود فقصر، ضرورة فإن كان من الصفاء الممدود فالتقدير: الاستفهام ذو صفا وإن كان مقصورا فالتقدير: مشبه صفا في قوته. ١٠٦١- بِمَوْقِعِ بِالإِسْكانِ وَالقَصْرِ "شَـ"ـائِعٌ ... وَقَدْ أَخَذَ اضْمُمْ وَاكْسِرِ الْخَاءَ "حُـ"ـوَّلا يعني إسكان الواو وحذف الألف بعدها من قوله سبحانه: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ فهو من باب الإفراد والجمع وقد سبق لهما نظائر، وتم الكلام في حروف سورة الواقعة ثم شرع في سورة الحديد قرأ أبو عمرو وحده: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ على بناء الفعل للمفعول والباقون بفتح الهمزة والخاء على بنائه للفاعل وهو الله تعالى، وحولا حال وهو العالم بتحول الأمور. ١٠٦٢- ومِيثَاقُكُمْ عَنْهُ وَكُلٌّ "كَـ"ـفَى وَأَنْـ ... ـظِرُونا بِقَطْعٍ وَاكْسِرِ الضَّمَّ "فَـ"ـيْصَلا

стр. 718

عنه؛ أي: عن أبي عمرو ورفع القاف من ميثاقكم؛ لأنه مفعول أخذ الذي لم يسم فاعله ونصبه غيره؛ لأنه مفعول أخذ المسمى للفاعل، أما: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ فرفعه على الابتداء كبيت الكتاب كله لم أصنع، وكتب كذلك في مصحف الشام وهو في الأصل مفعول وعد ولكن إذا تقدم المفعول على الفعل ضعف عمله فيه فيجوز رفعه وقراءة الجماعة بالنصب على الأصل وقد أجمعوا على نصب الذي في سورة النساء، أما: "أَنْظِرُونَا نَقْتَبِسْ" بقطع الهمزة المفتوحة وكسر الظاء قراءة حمزة وحده فبمعنى أمهلونا؛ أي: ارفقوا بنا كي ندرككم، وقراءة الباقين بوصل الهمزة وضم الظاء بمعنى انتظرونا أو التفتوا إلينا يقال: نظرته إذا نتظرته وأنظرته إذا أخرته وأمهلته، وفيصلا حال بمعنى حاكما. ١٠٦٣- وَيؤْخَذُ غَيْرُ الشَّامِ مَا نَزَلَ الْخَفِيـ ... ـفُ "إِ"ذْ "عَـ"ـزّ وَالصَّادَانِ مِنْ بَعْدُ "دُ"مْ "صِـ"ـلا يريد: ﴿لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾ قراءة الجماعة بالتذكير؛ لأن تأنيث الفدية غير حقيقي، وأنث ابن عامر على اللفظ: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ بالتخفيف والتشديد ظاهران؛ لأن ما نزله الله فقد نزل هو ومعنى إذا عز؛ أي: هذا قليل في الكتاب العزيز نحو: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ والأكثر ذكر التنزيل والإنزال مسند إلى اسم الله تعالى وقوله: ما نزل مبتدأ والخفيف خبره، وقوله: ويؤخذ غير الشام على تقدير تذكير يؤخذ قراءة غير أهل الشام فحذفت هذه المضافات للعلم بها، ثم قال: والصادان من بعد؛ أي: من بعد ما نزل يريد الصادين من قوله: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ ؛ أي: والصادان كذلك يريد بالتخفيف لابن كثير وأبي بكر وهما بالتخفيف بمعنى الذين صدقوا الله ورسوله والتشديد بمعنى المتصدقين فأدغمت التاء في الصاد فهو مثل المزمل والمدثر وروى عن أبي بن كعب ﵁ إظهار التاء فيهما، وقوله: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ﴾ عطف على الفعل المفهوم من هذا اللفظ تقديره إن الذين صدقوا أو اصدقوا وأقرضوا فمعناه على التخفيف إن الذين آمنوا وعملوا هذا النوع من الخير وهو الإقراض الحسن ومعناه على التشديد إن الذين تصدقوا، وكان إقراضهم لله تعالى على الوجه الأحسن وهو من أطيب الكسب صادرا عن نية خالصة ومقصد صالح وقوله: دم صلا؛ أي: ذا صلاء والصلاء عبر به عن الذكاء وعن القرى بالعلم وقد سبق تحقيق المعنيين من هذا اللفظ. ١٠٦٤- وَآتَاكُمْ فَاقْصُرْ "حَـ"ـفِيظًا وَقُلْ هُوَ الْـ ... ـغَنِيُّ هُوَ احْذِفْ "عَمَّ" وَصْلًا مُوَصَّلا يريد: ﴿وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ القصر بمعنى جاءكم والمد بمعنى أعطاكم الله، واختار أبو عبيد قراءة أبي عمرو؛ لموافقته لقوله: فاتكم ولم يقل أفاتكم ووجه المد إضافة الخبر إليه دون ضده كما قال: ﴿بِيَدِهِ الْخَيْرُ﴾ وقوله: ولا تفرحوا استئناف نهي وقيل: عطف على: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ والأول أجود أما: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ فاحذف لفظ هو في قراءة نافع وابن عامر كما هو محذوف في مصاحف المدينة والشام وأثبته غيرهما كما هو ثابت في مصاحفهم ولا خلاف في إثبات الذي في سورة الممتحنة وهو مثل هذا وهو في هذين الموضعين للفصل فحذفه غير مخل بأصل المعنى وقوله: وصلا نصب على التمييز وموصلا نعته؛ أي: عم وصله الموصل إلينا؛ أي: عم نقله وخبره، فذكره الأئمة في كتبهم.

стр. 719

من سورة المجادلة إلى سورة ن: كان ينبغي أن يقول: سورة المجادلة والحشر، ثم يقول: ومن سورة الممتحنة إلى سورة الطلاق، ثم يقول: سورة الطلاق والتحريم والملك، فكانت تنقسم الجملة التي ذكرها ثلاثة أقسام؛ لأنها منفصلة في المواضع التي ذكرتها على ما نظمه، والله أعلم. ١٠٦٥- وَفي يَتَنَاجَوْنَ اقْصُرِ النُّونَ سَاكِنًا ... وَقَدِّمْهُ وَاضْمُمْ جِيمَهُ "فَـ"ـتُكَمِّلا أراد بقصر النون حذف الألف التي بعدها في حال سكونه النون وتقديمه على التاء فإذا فصلت ذلك وضممت الجيم صار ينتجون على وزن يذهبون، هذه قراءة حمزة، وقراءة الباقين ما لفظ به، وأصلهما يفتعلون ويتفاعلون على وزن يختصمون ويتخاصمون فحذفت لام الكلمة منهما؛ لأنها في يتناجون ياء تحركت وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا ثم حذفت للساكن بعدها وفعل في يتناجون ما فعل في قاضون فقيل: ينتجون كما قيل: قاضون ومعنى القراءتين واحد إلا أن يتناجون موافق لقوله تعالى: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا﴾ و ﴿تَنَاجَوْا بِالْبِرِّ﴾ قال أبو علي: يفتعلون ويتفاعلون يجريان مجرى واحدًا. ١٠٦٦- وَكَسْرُ انْشِزُوا فَاضْمُمْ مَعًا "صَـ"ـفْوَ خُلْفِهِ ... "عُـ"ـلًا "عَـ"ـمَّ وَامْدُدْ فِي المَجَالِسِ "نَـ"ـوْفَلا يريد: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ كسر الشين فيهما وضمها لغتان يقال نشز ينشز؛ أي: انهضوا وهمزة انشزوا همزة وصل إذا ابتدئ بها حركت بحركة الشين وصفو خلفه مبتدأ وخبره علا عم والتوحيد والجمع في المجالس والمجلس ظاهران والنوفل الكثير العطا. ١٠٦٧- وَفي رُسُلِي اليَا يُخْرِبُونَ الثَّقيل "حُـ"ـزْ ... وَمَعْ دُوَلَةً أَنِّث يَكُونُ بِخُلْفِ "لَـ"ـا يريد ياء الإضافة في قوله تعالى: "وَرُسُلِيَ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ" فتحها نافع وابن عامر وانتهى الكلام في سورة المجادلة. أما: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ﴾ فالتخفيف فيها والتشديد لغتان من أخرب وخرب مثل أنزل ونزل، وقيل: الإخراب أن تترك الموضع ربا والتخريب الهدم، وقيل: معنى التخفيف أنهم يعطلونها ويعرضونها للخراب بخروجه منها ويخربون مفعول خرب الثقيل: نعته ثم قال ومع دولة؛ أي: ومع رفع دولة أنث تكون التي قبله بخلف عن هشام يريد: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً﴾ ، والذي في كتابي التيسير والتبصرة لمكي أن هشاما رفع دولة، واختلف عنه في تأنيث يكون وتذكيره والذي ذكره أبو الفتح فارس أن الخلاف في الموضعين أحد الوجهين مثل قراءة الجماعة بتذكير يكون ونصب دولة، وهو قول صاحب الروضة، والثاني تأنيث تكون ورفع دولة وهو الذي ذكره طاهر بن غلبون وأبوه ولم يذكر المهدوي وابن شريح لهشام إلا رفع دولة ولم يتعرضا للخلاف في يكون وابن مجاهد وغيره لم يذكروا الخلاف في الكلمتين أصلا وتوجيه هذه القراءات ظاهر

стр. 720

من رفع دولة جعل كان تامة ومن نصب قدر كيلا يكون الفيء دولة؛ أي: يتداوله الأغنياء بينهم مختصين به دون الفقراء، وتأنيث دولة ليس بحقيقي فجاز تذكير يكون المسند إليها، وذكر الأهوازي في بعض الروايات فتح الدال والمشهور ضمها بلا خلاف، وحكى أبو عبيد فتح الدال عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: ولا نعلم أحدا فتحها، قال: والفرق بين الضم والفتح أن الدولة بالضم اسم الشيء الذي يتداول بعينه والدولة بالفتح الفعل، وقرأت في حاشية النسخة المقروءة على الناظم ﵀ قوله: بخلف لا أراد لائيا؛ أي: مبطئا وجاء هذا من اللأى قال الشيخ: وسألته عن قوله: بخلف لا، فقال: إن شئت قلت سمي بلا النافية؛ لأنه قد أثبت التأنيث ونافية يثبت التذكير وإن شئت قلت بخلف لاء اسم فاعل من لاء إذا أبطأ؛ لأن التذكير عن هشام أقل من الرواية من التأنيث، ولأنه لا فصل هنا فيحسن من جهة العربية، قلت: يقال: لأى لأيا مثل رمى رميا؛ أي: أبطأ واللأي مثله فاسم الفاعل من لأى لاءٍ مثل رامٍ وقاضٍ والوقف عليه كالوقف على ماء والله أعلم. ١٠٦٨- وَكَسْرَ جِدَارٍ ضُمَّ وَالفَتْحَ وَاقْصُرُوا ... "ذَ"وِي "أُ"سْوَةٍ إِنِّي بَياءِ تَوَصَّلا يجوز في وكسر الرفع على الابتداء وخبره ضم إن كان فعل ما لم يسم فاعله، وإن كان فعل أمر فالنصب في وكسر؛ لأنه مفعول والفتح عطف عليه رفعا ونصبا؛ أي: ضم الجيم والدال واحذف الألف فيصير جدر وهو جمع جدار وهو كما سبق في المواضع المختلف فيها في إفرادها وجمعها وذوي أسوة حال من فاعل اقصروا؛ أي: متأسين بمن سبق من القراء، ثم ذكر ياء الإضافة في الحشر وهي: "إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ" فتحها الحرميان وأبو عمرو. ثم ذكر حروف سورة الممتحنة فقال: ١٠٦٩- وَيُفْصَلُ فَتْحُ الضَّمِّ "نَـ"ـصٌّ وَصَادُهُ ... بِكَسْرٍ "ثَـ"ـوى وَالثِّقْلُ شَافِيهِ كُمِّلا يعني: ﴿يَوْمَ القِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ قرأ عاصم بفصل مضارع فصل بالتخفيف على بناء الفعل للفاعل، ومثله قراءة حمزة والكسائي إلا أنه مضارع فصل بالتشديد، وقرأ الباقون على بناء الفعل للمفعول وخففوا الصاد المفتوحة سوى ابن عامر فإنه شددها ولم ينبه الناظم على فتح الفاء لمن قرأ بالتشديد؛ لأن التشديد يرشد إليه ووجه هذه القراءات ظاهر. ١٠٧٠- وَفى تُمْسِكُوا ثِقْلٌ "حَـ"ـلا وَمُتِمُّ لا ... تُنَوِّنْهُ وَاخْفِضْ نُورَهُ "عَـ"ـنْ "شَـ"ـذًا "دَ"لا أمسك ومسك من باب أنزل ونزل، ويشهد لقراءة أبي عمرو: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ شددها الأكثر ومتم نوره في سورة الصف من نون ونصب نوره فهو الأصل مثل زيد مكرم عمرا، ومن أضاف فحذف التنوين وخفض المفعول فللتخفيف وقوله: عن شذا؛ أي: شذا دلا وقد سبق معناهما.

стр. 721

١٠٧١- وَلِله زِد لامًا وَأَنْصَارَ نَوِّنًا ... "سَما" وَتُنَجِّيكُمْ عَنِ الشَّامِ ثُقِّلا يعني قوله تعالى: ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ زد لام الجر على اسم الله ونون أنصار فيصير أنصارا لله وقراءة الباقين على الإضافة كما أجمعوا على الإضافة في الحرف الثاني وهو: ﴿قال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ لم يقرأ أحد منهم أنصارا لله؛ لأنهم أخبروا عن تحقق ذلك فيهم واتصافهم بصحة الإضافة والنسبة، فإن قلتَ: فمن أين يعلم أن الخلاف في الأول دون الثاني؟ قلتُ: هو غير مشكل على من تدبر صورة الخط؛ فإن الثاني لو نون لسقطت الألف من اسم الله وهي ثابتة في الرسم، أما الأول فأمكن جعل الألف صورة التنوين المنصوب فلم تخرج القراءتان عن صورة الرسم، والنون في قوله: نونن للتأكيد، وأنجى ونجى كأمسك ومسك وقوله: عن الشام؛ أي: عن قارئ الشام. ١٠٧٢- وَبَعْدِي وَأَنْصَارِي بِيَاء إِضافَةٍ ... وَخُشْبٌ سُكُونُ الضَّمِّ "زَ"ادَ "رِ"ضًا "حَـ"ـلا أي: في الصف لفظان كل واحد منهما ياء إضافة مختلف في إسكانها وفتحها؛ الأول: "مِنْ بَعْدِيَ اسْمُهُ" فتحها الحرميان وأبو عمرو وأبو بكر، والثاني: "مَنْ أَنْصَارِيَ إِلَى اللَّهِ" فتحها نافع وحده وليس في سورة الجمعة شيء من الحروف التي لم تذكر بعد، ولكن فيها أشياء مما يتعلق بما سبق كلفظ هو والإمالة وصلة ميم الجمع وهذا قد علم مما تقدم فيها وخشب بإسكان الشين وضمها لغتان كثمر وثمر؛ أي: سكون الضم فيه زاد حلاه رضى أو هو ذو حلا. ١٠٧٣- وَخَفَّ لَوَوْا "إِ"لْفًا بِمَا يَعْمَلُونَ "صِـ"ـفْ ... أَكُونَ بِوَاوٍ وَانْصِبُوا الْجَزْمَ "حُـ"ـفَّلا يريد "لووا رؤوسهم" لوى رأسه ولواه إذا عطفه وأماله؛ أي: أعرض معناهما واحد وفي التشديد زيادة تكثير قال أبو علي: التخفيف يصلح للقليل والكثير والتكثير يختص بالكثرة وإلفا حال من لووا أو هو أليف للمشدد؛ لأن معناهما واحد يعملون في آخر السورة الغيب فيه والخطاب ظاهران وقرأ أبو عمرو: "وأكون من الصالحين" عطفا على "فأصدق" لفظا وهي قراءة واضحة، وقرأ غيره بإسكان النون وحذف الواو؛ لالتقاء الساكنين، ووجه ذلك أنه مجزوم عطفا على موضع فأصدق؛ لأن الفاء لو لم تدخل لكان أصدق مجزوما؛ لأنه جواب التحضيض الذي هو في معنى التمني والعرض والكل فيه معنى الأمر وما كان كذلك ينجزم جوابه على قاعدة في علم العربية مقررة وإن كان فيه فاء انتصب قال أبو علي: أعني السؤال عن ذكر الشرط، والتقدير: أخرني فإن تؤخرني أصدق فلما كان الفعل المنتصب بعد الفاء في موضع فعل مجزوم كأنه جزاء الشرط حمل قوله: وأكن عليه، مثل ذلك قراءة من قرأ: "مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرْهُم"، وأنشد: أيا سلكت فإنني لك كاشح ... وعلى انتقاصك في الحياة وأزدد قال: حمل أزدد على موضع الفاء وما بعدها،

стр. 722

ومثله: فأبلوني بليتكمُ لعلي ... أصالحكم وأستدرجْ نويا قال: حمل واستدرج على موضع الفاء المحذوفة وما بعدها من "لعلى"، واختار أبو عبيد هذه القراءة؛ لاتفاق المصاحف على كتابة هذا الحرف بحذف الواو قال: وفي القرآن ما لا يحصى من تكون ويكون في موضع الرفع والنصب لم تحذف الواو في شيء منها إنما حذفوا في موضع الجزم خاصة قال: وكان من حجة أبي عمرو فيها أن قال إنما حذفت الواو اختصار في الخط كما حذفوها في كلمن وكان أصلها أن تكون بالواو. قلت: وكذلك كان يقول في: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ إن الياء حذفت في الرسم فلهذا يحكي عنه أنه قال: ما وجدت في القرآن لحنا غير: ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ و ﴿أَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ؛ يعني: في كتابة القرآن، ووجه حذفهما على قراءته أنهما من حروف المد فكما تحذف الألف كثيرا اختصارا فكذا أختاها، وقد قال الفراء: العرب قد تسقط الواو في بعض الهجاء كما أسقطوا الألف من سليمان وأشباهه قال: ورأيت في مصاحف عبد الله: "فقولا" فقلا بغير واو "ف ق ل ا". قلت: والاعتماد في القراءتين على صحة النقل فيهما وإنما هذا اعتذار عن الخط، وقوله: حفلا جميع حافل، وهو حال من فاعل وانصبوا؛ أي: متمكنين بكثرة العلم وسعته من توجيه القراءتين. ١٠٧٤- وَبَالِغُ لا تَنْوِينَ مَعْ خَفْضِ أَمْرِهِ ... لِحَفْصٍ وَبِالتَّخَّفِيفِ "عَـ"ـرَّفَ "رُ"فِّلا أي: لا تنوين فيه؛ لأنه مضاف إلى ما بعده، والكلام في: ﴿بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ كما سبق في متم نوره والتشديد في: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ ١ سورة التحريم بمعنى أعلم إعلام متابعة فأعرض عن بعض أو أغضا عنه إحسانا وتكرما، ولهذا قيل: ما زال التثاقل من شأن الكرام. ومعنى عرف بالتخفيف جازى وهو إشارة إلى ذلك القدر من المعاتبة أو إلى غيره، ومنه: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ٢. ويطلق هذا اللفظ أيضا مشعرا بالوعد والوعيد فيقال عرفت ما صنع فلان ومنه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ٣. قال الفراء: عرف بالتخفيف؛ أي: غضب من ذلك، وجازى عليه كما تقول للرجل يسيء إليك: لأعرفن لك ذلك وهو وجه حسن وتقدير النظم وعرف: رفل بالتخفيف؛ أي: عظم. ١٠٧٥- وَضُمَّ نَصُوحًا شُعْبَةٌ مِنْ تَفَوُّتٍ ... عَلَى القَصْرِ وَالتَّشْدِيدِ "شَـ"ـقَّ تَهَلُّلا قال أبو الحسن والأخفش: نصحته في معنى صدقته، توبة نصوحا؛ أي: صادقة، وقال: الفتح كلام العرب

стр. 723

وقراءة الناس ولا أعرف الضم، قال أبو علي: يشبه أن يكون مصدرا قال الفراء: كأن الذين قرءوا نُصُوحا أرادوا المصدر مثل قعودا والذين قالوا نصوحا جعلوه من صفة التوبة ومعناها أن يحدث نفسه إذا تاب من ذنب أن لا يعود إليه أبدا، وذكر الزمخشري في تفسيره وجوها حسنة في ذلك وقال: النصوح مصدر نصح كالنصح مثل الشكور والشكر؛ أي: ذات نصوح أو انتصح نصوحا. ثم شرع الناظم في سورة الملك فقال: من تفوت يريد: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ ؛ أي: تباين واختلاف فإذا حذفت الألف وشددت الواو صار تفوت وهو بمعناه تفاوت وتفوت مثل تظاهر وتظهر، والقراءتان مصدرا هذين الفعلين، وقوله: تفاوت مبتدأ وشق تهللا خبره، وقوله: على القصر والتشديد شق في موضع الحال؛ أي: مقصورا مشددا؛ أي: هذا اللفظ على ما فيه من القصر والتشديد شق تهلله وهو من قولهم شق ناب البعير إذا طلع والمعنى طلع تهلله؛ أي: لاح وظهر أو يكون من شق البرق إذا سطع من خلال السحاب ومعنى تهلل تلألأ وأضاء، ويجوز أن يكون تهللا حال؛ أي: ذا تهلل: والله أعلم. ١٠٧٦- وَآمَنْتمُوا فِي الْهَمْزَتَيْنِ أُصُولُهُ ... وَفي الوَصْلِ الُاولَى قُنْبُلٌ وَاوًا ابْدَلا يريد: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَن فِي السَّمَاءِ﴾ حكمه مذكور في باب الهمزتين من كلمة فهو مثل: "أَأَنْذَرْتَهُمْ" داخل في عموم قوله: وتسهيل أخرى همزتين بكلمة البيت فقد عرف حكم هذه الكلمة من هناك، ومعنى أصوله؛ أي: أصول حكمه، وسبق أيضا في الباب المذكور أن قنبلا أبدل الهمزة الأولى واوا؛ لانفتاحها وانضمام ما قبلها في قوله: "النُّشُورُ"، ويسهل الثانية على أصله وهذا لإبدال إنما يكون عند اتصال هذه الكلمة بالنشور فإذا وقف على النشور حقق الهمزة إذا ابتدأ كغيره فهذا معنى قوله: وفي الوصل؛ أي: إبدال قنبل الهمزة الأولى واوا في حالة الوصل دون الوقف. فإن قلتَ: لهذا البيت فائدة غير الإذكار بما تقدم بيانه والمتقدمات كثيرة فلم خصص الناظم الإذكار بهذا دون غيره؟ قلت: له فائدتان غير الإذكار: إحداهما لما ذكر مذهب قنبل هذا في باب الهمزتين لم يبين أنه يفعل ذلك في الوصل بل أطلق فنص على الوصل هنا ليفهم أنه لا يفعل ذلك في الوقف على ما قبل: "أَأَمِنْتُمْ"؛ لزوال المقتضي لقلب الهمزة واوا وهو الضمة ولم يقنع بقوله: ثم موصلا فإن استعمال موصل بمعنى واصل غريب على ما نبهنا عليه هناك، والفائدة الأخرى النصوصية على الكلمة فإنه لما ذكر الحكم هناك كان كلامه في: "أَأَمِنْتُمْ" بزيادة ألف بعد الهمزتين وفتح الميم وهذه الكلمة لفظها غير ذلك فإن بعد الهمزتين فيها ميما مكسورة. ١٠٧٧- فَسُحْقًا سُكُونًا ضُمَّ مَعْ غَيْبِ يَعْلَمُو ... نَ مَنْ "رُ"ضْ مَعِي بِالْيَا وَأَهْلَكَنِي انْجَلا يعني أن الكسائي وحده ضم حاء: "فَسُحُقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ"، وقرأ: "فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ" بالياء على الغيبة وإنما قال من؛ احترازا من الذي قبله: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ فإنه بالخطاب بغير خلاف وقرأ

стр. 724

غير الكسائي بإسكان حاء: ﴿فَسُحْقًا﴾ وخطاب: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ من وجه القراءتين في الموضعين ظاهر، وسكونا في البيت بدل من فسحقا بدل اشتمال؛ أي: ضم فسحقا سكونه، ويجوز أن يكون سكونا مفعول ضم، وقوله: فسحقا مبتدأ أو مفعول فعل مضمر فهو من باب زيدا اضرب رأسه يجوز فيه الرفع والنصب والنصب أقوى في العربية والعائد محذوف على التقديرين؛ أي: سكونا فيه أو سكونه، وقوله: رض فعل أمر من راض الأمر رياضة؛ أي: رض نفسك في قبول دقائق العلم واستخرج المعاني ثم ذكر ما في سورة الملك من ياءات الإضافة فقال: معي انجلا باليا، وكذا "أهلكني" يريد: ﴿مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا﴾ سكنها حمزة والكسائي وأبو بكر: ﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ سكنها حمزة وحده، وفيها زائدتان: "نذيري"، و"نكيري" أثبتهما معا في الوصل ورش وحده ولم يبق من ياءات الزوائد إلا أربع في سورة الفجر وسيأتي بيانها في موضعها، وقد نظمت الجميع في بيت هنا فقلت: نذيري نكيري الملك في الفجر أكرمنْ ... أهاننِ بالوادي ويسري تكملا أضاف الكلمتين إلى الملك؛ أي: حرفا هذه السورة، واكتفى بذكر الملك بعد نكيري عن ذكره بعد نذيري فهو كقوله: بين ذراعي وجبهة الأسد وهما مبتدأ والخبر محذوف؛ أي: زائدتان ثم قال في الفجر زوائد وهي كيت وكيت، ويجوز أن يكون الملك مرفوعا على أنه خبر المبتدأ على حذف المضاف؛ أي: زائدا الملك والله أعلم.

стр. 725

من سورة "ن" إلى سورة القيامة: ١٠٧٨- وَضَمُّهُمْ فِي يَزْلِقُونَكَ "خَـ"ـالِدٌ ... وَمَنْ قَبْلَهُ فَاكْسِرْ وَحَرِّكْ "رِ"وًى "حَـ"ـلا أي: ضمهم في ياء: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ خالد؛ أي: مقيم، ونافع وحده فتح الياء يقال إذا أزال قدمه، ويقال: زلقه أيضا فزلق هو والمعنى إنهم؛ لعدوانهم له ينظرون إليه نظرا يكاد يهلكه. وأما: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ بفتح القاف وسكون الياء فمعناه: والطغاة الذين قبله ومعناه بكسر القاف وفتح الباء، والذين معه من أشياعه وأتباعه وقوله: ومن قبله مفعول فاكسروا الفاء زائدة وروى حال منه أو من الفاعل؛ أي: ذا روى حلو؛ أي: اكسر من قبله وحركه مرويا له بالحركات التي يستحقها وبالاحتجاج له بما يوافقه. ١٠٧٩- وَيَخْفَى "شِـ"ـفَاءً مَالِيَهْ مَاهِيَهْ فَصِلْ ... وَسُلْطَانِيَهْ مِنْ دُونِ هَاءٍ "فَـ"ـتُوصلا يعني: ﴿لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ تذكير تخفى وتأنيثه ظاهران وحذف حمزة هاء السكت من قوله: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ، خُذُوهُ﴾ إذا وصل الكلام بعض ببعض وكذلك: ﴿مَا هِيَهْ، نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ في سورة القارعة وهذا نظير ما فعل هو والكسائي في: ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ واقتده أو أثبتها الباقون لثباتها في خط المصحف فهو وصل بنية الوقف وكلهم أثبتها وقفا وفي سورة الحاقة أربع أخر كتابيه مرتين وحسابيه مرتين أثبت حمزة هاء هن كالجماعة جمعا بين الأمرين ويعقوب الحضرمي حذف الجميع وصلا وحذف الكسائي في يتسنه واقتده لخفاء هاء السكت فيهما؛ لأنهما فعلا جزم وقد قيل: ليسا للسكت وترك الحذف هنا لوضوح الأمر. ١٠٨٠- وَيَذَّكَّرُونَ يُؤْمِنُونَ "مَـ"ـقالُهُ ... بِخُلْفٍ "لَـ"ـهُ "دَ"اعٍ وَيَعْرُجُ "رُ"تِّلا يعني: ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ، وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ الغيب فيهما لمن رمز له والخطاب للباقين ويعرج الملائكة بالتذكير للكسائي والباقون بالتأنيث ووجه القراءتين في الحرفين ظاهر وقد سبق لهن نظائر. ١٠٨١- وَسَالَ بِهَمْزٍ "غُـ"ـصْنُ "دَ"انٍ وَغَيْرُهُمْ ... مِنَ الْهَمْزِ أَوْ مِنْ وَاوٍ اوْ يَاءٍ ابْدَلا أي: غصن ثمر دان؛ يعني: همز: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ جعله لظهور أمره كغصن ثمر داني من يد من يجنيه ونافع وابن عامر قرءا بالألف من غير همز وتلك الألف تحتمل ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن يكون بدلا من الهمز وهو الظاهر وهو من البدل السماعي قال حسان:

стр. 726

سألت هذيل رسول الله فاحشة ... ضلت هذيل بما سالت ولم تصب فيكون بمعنى قراءة الهمز، الوجه الثاني: أن تكون الألف منقلبة عن واو فيكون من سأل يسأل وأصله سول كخول قال أبو زيد: سمعت من يقول: هما يتساولان، وقال المبرد: يقال: سلت أسأل مثل خفت أخاف وهما يتساولان وقال الزجاج: يقال سألت أسأل وسلت أسال والرجلان يتساولان ويتساءلان بمعنى واحد. والوجه الثالث: أن تكون الألف منقلبة عن ياء من سال يسيل؛ أي: سال عليهم واد يهلكهم روى ذلك عن ابن عباس فهو من باب باع يبيع فتقدير البيت سال همز ألفها غصن دان وغيرهم أبدل هذه الألف من الهمز الذي قرأ به غصن دانٍ أبو أبدلها من واو أو من ياء، وقد تبين كل ذلك. ١٠٨٢- وَنَزَّاعَةً فَارْفعْ سِوى حَفْصِهِمْ وَقُلْ ... شَهَادَاتِهِمْ بِالْجَمْعِ حَفْصٌ تَقَبَّلا ذكر الزجاج في توجيه كل قراءة من الرفع والنصب ثلاثة أوجه: أما الرفع فعلى أن "نزاعة" خبر؛ لأن بعد خبر أو هي خبر لظى والضمير في أنها ضمير القصة أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي نزاعة، أما النصب فعلى الاختصاص أو على تقدير تتلظى نزاعة أو على الحال المؤكدة قال: يكون نزاعة منصوبا مؤكدا لأمر النار، وجوز الزمخشري أن تكون نزاعة بالرفع صفة لظى أن أريد به اللهب ولم يكن علما على النار إلا أن هذا القول باطل بدليل أنه لم يصرف، أما: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ فالإفراد فيه والجمع كما سبق في نظائره والإفراد أنسب لقوله: بعده: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ وهو مجمع عليه. ١٠٨٣- إِلى نُصُبٍ فَاضُمُمْ وَحَرِّكْ بِهِ "عُـ"ـلا ... "كِـ"ـرَامٍ وَقُلْ وُدًّا بِهِ الضَّمُّ "أُ"عْمِلا أي: اضمم النون وحرك بالضم الصاد وهو اسم مفرد وجمعه أنصاب وكذلك النصب بفتح النون وسكون الصاد وهو قراءة الباقين وهو ما نصب؛ ليعبد من دون الله تعالى وقيل: نصب جمع نصب مثل سقف في جمع سقف، وقيل: هو جمع نصاب، وقيل: النصب العلم وقيل: الغاية وقيل: شبكة الصائد. وقال أبو علي: يمكن أن يكون النُّصْب والنُّصُب لغتين كالضعف والضعف ويكون التثقيل: كشغل وشغل وطنب وطنب، ودًّا اسم الصنم بفتح الواو وضمها لغتان، واختار أبو عبيد الفتح وقال: كانوا يتسمون بعبد ود، أما الود فالغالب عليه المودة. ١٠٨٤- دُعَائِي وَإِنِّي ثُمَّ بَيْتِي مُضَافُها ... مَعَ الْوَاوِ فَافْتَحْ إِنْ "كَـ"ـمْ "شَـ"ـرَفًا "عـ"ـلا يريد: ﴿دُعَائي إِلَّا فِرَارًا﴾ أسكنها الكوفيون: ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ فتحها الحرميان وأبو عمرو و ﴿بَيْنِيَ مُؤْمِنًا﴾ فتحها

стр. 727

حفص وهشام. ثم شرع في سورة الجن فقال افتح إن مع الواو؛ يعني: مهما جاء وإن فالخلاف في فتحها وكسرها احترز بذلك عن أن يأتي مع الفاء نحو: ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ فهو متفق على كسره، وعن أن المجردة عن الواو نحو: "أنه استمع" فهو متفق على فتحه: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا﴾ متفق على كسره فإن كانت مع الواو ليست مشددة فمتفق أيضا على فتحها نحو: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا﴾ فضابط مواضع الخلاف أن تكون أن مشددة بعد واو وذلك في اثنى عشر حرفا متوالية أوائل الآي جميعها لا يخرج عن أنه إنا أنهم، وهي: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ ، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ﴾ ، ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ﴾ ، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾ ، ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا﴾ ، ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا﴾ ، ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ﴾ ، ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي﴾ ، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾ ، ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ﴾ ، ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾ ، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ ، أما: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ﴾ ، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ﴾ فسيأتي ذكرهما فهذه الاثنا عشر فتحها ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وهم نصف القراء وكسرها الباقون، ومضى معنى قوله: كم شرفا علا في أول سورة الأعراف فوجه الكسر العطف على: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾ فالكل في حيز القول أي: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ وقالوا: وَإِنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا" "وإنه كان يقول" "وإنا ظننا" إلى آخر ذلك، وقيل: إن قوله: "وَإِنَّهُ كَانَ رِجَالٌ"، "وَإنَّهُمْ ظَنُّوا" آيتان معترضتان في كلام الله تعالى في أثناء الكلام المحكي عن الجن، وقيل: بل هما أيضا من كلامهم يقوله بعضهم لبعض، أما الفتح فقيل: عطف على أنه استمع فيلزم من ذلك أن يكون الجميع داخلا في حيز أوحي؛ أي: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ ، ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ فهذا وإن استقام معناه في هذا فلا يستقيم في: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾ ، ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا﴾ ، ﴿وَأَنَّا كُنَّا﴾ ؛ إذ قياسه سفيههم ولمسوا وكانوا. وقال الزجاج: ذكر بعض النحويين أنه معطوف على الهاء المعنى عنده فآمنا به وبأنه تعالى جد ربنا وكذلك ما بعدها. قال: وهذا رديء في القياس؛ لا يعطف على الهاء المكنية المخفوضة إلا بإظهار الخافض. قال مكي: وهو في أن أجود منه مع غيرها لكثرة حذف حرف الجر مع أن. ثم قال الزجاج: لكن وجهه أن يكون محمولا على معنى آمنا به؛ لأن معنى آمنا به صدقناه وعلمناه فيكون المعنى وصدقنا أنه تعالى جد ربنا قال الفراء: فتحت أن؛ لوقوع الإيمان عليها وأنت مع ذلك تجد الإيمان يحسن في بعض ما فتح دون بعض فلا يمنعك ذلك من إمضائهن على الفتح فإنه يحسن منه فعل مضارع الإيمان، فوجب فتح أن نحو صدقنا وألهمنا وشهدنا كما قالت العرب: وزججن الحواجب والعيونا فنصب العيون لاتباعها والحواجب وهي لا تزجج إنما تكحل فأضمر لها الكحل. ١٠٨٥- وَعَنْ كُلِّهِمْ أَنَّ المَسَاجِدَ فَتْحُهُ ... وَفِي أَنّهُ لَمَّا بِكَسْرٍ "صُـ"ـوَى "ا"لعُلا فتحه بدل من المساجد نحو: أعجبني زيد حسنه وعن كل القراء افتح: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ ؛ لأنه معطوف على: أنه استمع، وكذا: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا﴾ ، وقيل: تقديره ولأن المساجد لله فلا تدعوا كما سبق: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ ، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ ، ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ ، وإنما نص الناظم على هذا المجمع عليه؛ لئلا يظن أن فيه خلافا؛ لأنه يشمله قوله: مع الواو فافتح أن.

стр. 728

وأما قوله: "وأنه لما قام عبد الله" فلم يكسره إلا أبو بكر ونافع على الاستئناف، والباقون فتحوا عطفا على: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ ، وهذا مما يقوي أن فتح: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ﴾ على ذلك وقيل: إن فتح: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ﴾ ، وكسره على ما سبق في الاثني عشر وأنه من تمام كلام الجن المحكي، ويشكل عليه: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ﴾ ؛ لأن قياسه كدنا نكون إلا أن يقال أخبر بعضهم عن فعل بعض، وقوله: صوى العلا مبتدأ تقدم عليه خبره؛ أي: وصوى العلا في: ﴿أَنَّهُ لَمَّا﴾ ؛ أي: في هذا اللفظ المكسور والصوى العلا بالصاد المهملة المضمومة وفتح الواو الربى ونحوها وهي أيضا أعلام من حجارة منصوبة في الفيافي المجهولة يستدل بها على الطريق الواحدة صوة مثل قوة وقوى؛ أي: أعلام العلا في هذا. قال الشيخ: وفي قراءة الكسر ارتفاع كارتفاع الصوى ودلالة كدلالتها لظهور المعنى فيها والله أعلم، وقرأت في حاشية النسخة المقروءة على الناظم ﵀ قال نبه بهذا على أن الكسر فصيح بالغ لقوة دلالته على الاستئناف قال وانظر فصاحة القراءة واهتمامهم في نقلهم حين أجمعوا على فتح: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ﴾ ليبينوا أنه غير معطوف وأن معناه واعلموا أو نحوه من الإضمار لما دل عليه: ﴿فَلا تَدْعُو﴾ فيكون: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ﴾ معطوفا عليه قال: ويكاد الفتح والكسر يتقابلان في الحسن. ١٠٨٦- وَنَسْلُكْهُ يَا كُوفٍ وَفِي قَالَ إِنَّما ... هُنَا قُلْ "فَـ"ـشا "نَـ"ـصًّا وَطَابَ تَقَبُّلا الياء والنون في نسلكه ظاهران، وقال: ﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾ ؛ يعني: عبد الله قراءة حمزة وعاصم قل على الأمر مثل الذي بعده: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ﴾ ، وقوله: نصا وتقبلا منصوبان على التمييز. ١٠٨٧- وَقُلْ لِبَدًا فِي كَسْرِهِ الضَّمُّ "لَـ"ـازِمٌ ... بِخُلْفٍ وَيا رَبِّي مُضَافٌ تَجَمَّلا لم يذكر في التيسير عن هشام سوى الضم وقال في غيره: وروي عنه كسرها وبالضم آخذ. قال الفراء: المعنى فيها واحد لبدة ولبدة؛ أي: كادوا يركبون النبي ﷺ رغبة في القرآن وشهوة له؛ يعني: الجن. وقال الزجاج: المعنى أن النبي ﷺ لما صلى الصبح ببطن نخلة كاد الجن لما سمعوا القرآن وتعجبوا منه أن يسقطوا على النبي ﷺ وقيل: "كادوا"؛ يعني: به جميع الملل تظاهرات على النبي ﷺ ، قال ومعنى لبدا يركب بعضهم بعضا وكل شيء ألصقته لشيء إلصاقا شديدا فقد لبدته، ومن هذا اشتقاق هذه اللبود التي تفرش، ثم ذكر أن كسر اللام وضمها في معنى واحد، وكذا قال الزمخشري: وقال هو ما يلبد بعضه على بعض ومنه لبدة الأسد، وحكى أبو علي عن أبي عبيد لبدا بالكسر؛ أي: جماعات واحدها لبدة قال قتادة: تلبد الجن والإنس على هذا الأمر؛ ليطفئوه فأبى الله إلا أن ينصره ويمضيه ويظهره على من ناوأه قال: واللبد بالضم الكثير من قوله: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ وكأنه قيل: له لبد؛ لركوب بعضه على بعض، ولصوق بعضه ببعض؛ لكثرته، فكأنه أراد كادوا يلصقون به من شدة دنوهم للاستماع مع كثرتهم فيكون على هذا

стр. 729

قريب المعنى من قوله: لبدا إلا أن لبدا أعرف بهذا المعنى وأكثر، ثم قال: "ويا ربي؛ أي: وياء ربي فقصره" ضرورة؛ أي: هذه ياء الإضافة في سورة الجن يريد: ﴿رَبِّي أَمَدًا﴾ فتحها الحرميان وأبو عمرو. ١٠٨٨- وَوَطْئًا وِطَاءً فَاكْسِرُوهُ "كَـ"ـمَا "حَـ"ـكَوْا ... وَرَبُّ بِخَفْضِ الرَّفْعِ "صُحْبَتُـ"ـهُ "كَـ"ـلا لم تكن له حاجة إلى قوله: فاكسروه فإنه قد لفظ بالقراءتين فهو مثل خشعا خاشعا، وقل: قال: وما أشبه ذلك فالرمز فيه للفظ الثاني ولكنه قال: فاكسروه زيادة في البيان مثل ما ذكرناه في قوله: تمارونه تمرونه وافتحوا، ولو قال هنا واكسروه بالواو كان أولى من الفاء كما قال ثَم: وافتحوا. وسببه أن الفاء تشعر بأن هذه مواضع الخلاف وليس ذلك كله بل هو جزء منه فإن لفظ وطاء يشتمل على كسر الواو وفتح الطاء والمد بعدها وإذا قاله بالواو بعد الإشعار بذلك وصار من باب التخصيص بعد التعميم للاهتمام بالمخصص نحو وجبرئيل وميكائيل ونخل ورمان. بيانه أن لفظ وطاء يغني عن قيوده؛ لأنه كالمصرح بالقيود الثلاثة فإذا نص بعد ذلك على قيد منها كان من ذلك الباب ولو قال موضع فاكسروه: فاقرءوه لكان رمزا لحمزة فعدل إلى لفظ يفهم قيدا من قيود القراءة وكان له أن يقول: ووطأ كضرب قل وطاء كما حكوا كقوله: إذا قل إذ، ويحصل له تقييد القراءة الأولى ومعنى القراءة بالكسر والمد أن عمل "ناشئة الليل أشد" مواطأة؛ أي: موافقة؛ لأنه يواطأ فيها السمع القلب للفراغ من الأشغال بخلاف أوقات النهار، وقوله: "وطأ" بفتح الواو وسكون الطاء والقصر بمعنى الشغل؛ أي: هو أشق على الإنسان من القيام بالنهار وفي الحديث: "اللهم اشدد وطئتك على مضر". وهو أقوم قيلا؛ أي: أشد استقامة وصوابا لفراغ البال، والمعنى: أشد ثبات قدم في العبادة من قولهم: وطأ على الأرض وطاء، والناشئة القيام بعد النوم فهو مصدر بمعنى النشأة وقيل: هي الجماعة الناشئة؛ أي: القائمون بالليل؛ لأنها تنشأ من مضجعها إلى العبادة؛ أي: تنهض وترتفع وقيل: هي ساعات الليل والكلام في خفض: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ﴾ ورفعه كما سبق في سورة الدخان الخفض على البدل من ربك في قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ ، والرفع على أنه خبر؛ أي: هو رب المشرق وكلأ بمعنى حفظ وحرس وأفرده على لفظ صحبة وسبق مثله. ١٠٨٩- وَثَا ثُلْثِهْ فَانْصِبْ وَفَا نِصْفِهِ "ظُـ"ـبىً ... وَثُلْثَيْ سُكُونُ الضَّمِّ "لَـ"ـاحَ وَجَمَّلا يجوز وثا ثلثه بإسكان اللام وصلة الهاء، ويجوز ثلثه بضم اللام وسكون الهاء؛ وكلاهما لضرورة الوزن وفي كل وجه منها إخلال بلفظ الكلمة في القرآن من جهة إسكان اللام في الأول وإسكان الهاء في الثاني؛ إلا أن الوجه الثاني أقرب؛ فإنه لفظ الوقف على هذه الكلمة فهو واصل بنية الوقف. وأما إسكان اللام من ثلثه فلم ينقل في هذه القراءات المشهورة، وقد حكاه أبو عبيد، ثُم الأهوازي بعده عن ابن كثير ووجهه ظاهر كما قرأ هشام بإسكان اللام من ثلثي الليل؛ للتخفيف، فكلاهما سواء، فلو كانت هذه القراءة مما ذكر في هذه القصيدة لكان الاختيار وثا ثلثه بإسكان اللام وقصر لفظ "ثا" ضرورة،

стр. 730

وكذا لفظ فانصفه وظبى جمع ظبة السيف وهو حده؛ أي: ذا ظبا؛ أي: صاحب حجج تحميه عن الطعن والاختيان عليه، فإن أبا عبيد قال: قراءتنا التي نختار الخفضُ كقوله سبحانه: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ فكيف يقدرون على أن يعرفوا نصفه وثلثه وهم لا يحصونه، ووجه النصب في ونصفه وثلثه العطف على محل أدنى؛ أي: تقوم أقل من الثلثين وتقول نصفه وتقوم ثلثه والخفض عطف على ثلثي الليل؛ أي: وأقل من نصفه وثلثه ومجموع القراءتين محمول على اختلاف الأحوال؛ لتكرر الليالي واختلافها فمرة يقوم نصف الليل محررا ومرة أقل منه وكذلك الثلث وتارة أقل من الثلثين؛ أي: إن ربك يعلم أنكم تأتون بالواجب مرة وبدونه أخرى، لكن الثلثين ما تكملون؛ لطوله فيقع منكم الغلط فيه، وجعل الفراء والزجاج قوله: ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ على قراءة النصب؛ تفسيرا للأدنى المذكور وهو مشكل من جهة أن واو العطف تمنع من ذلك وكان النبي ﷺ وأصحابه مخيرين بين هذه التقديرات الثلاثة في قيام الليل على اختلاف مراتبها في الأجر وأقرب شيء لهذا الحكم التخيير بين خصال كفارة اليمين على تفاوت مراتبها والتخيير بين نفرى الحجج وقيل: إنما وقع التخيير بين هذه الثلاثة باعتبار تفاوت الأزمان فالنصف عند الاعتدال وما قاربه وقيام الثلثين أو الأدنى من ثلثي الليل عند الطول وقيام الثلث عند قصر الليل والدليل على التخيير قوله تعالى في أول السورة: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وللعلماء في إعراب نصفه قولان مشكلان: أحدهما: أنه بدل من الليل ويلزم منه التكرير فإن قوله: قم نصف الليل إلا قليلا هو الثلث فأي حاجة إلى قوله: ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ وإن كان البدل بعد الاستثناء كأنه قال قم أكثر الليل نصفه؛ أي: نصف أكثر الليل أو انقص منه كان ذلك ردا إلى تنصيف مجهول فقوله: قم ثلث الليل كان أخصر فأولى. الوجه الثاني: أن نصف بدل من قليلا وهو مشكل من جهة استثناء النصف، وتسميته قليلا فكيف يكون نصف الشيء قليلا بالنسبة إلى الباقي وهما متساويان فإن كان الباقي كثيرا فالآخر مثله، وإن كان المستثنى قليلا فالآخر مثله فلا يستقيم في إعراب نصفه إلا أن يكون مفعول فعل مضمر دل عليه ما تقدم؛ أي: قم نصفه أو انقص أو زد. ويكون في فائدة الآية التي قبلها وجهان: أحدهما: أنه إرشاد إلى المرتبة العليا وهي قيام أكثر الليل ثم خير بينه وبين ما دونه تخفيفا؛ لأنه تكليف في ابتداء أمر لم يعتادوه، ومنه ما جاء في صفة عبد الله بن عمر ﵁ لما سمع قول النبي ﷺ في حقه: "نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل". قال نافع: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلا، وهذا موافق لما دلت عليه آية أخرى في سورة "والذاريات" في صفة المؤمنين: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ ؛ وذلك أن الموفقين إذا أخذوا أنفسهم بقيام الليل واعتادوه صار أشهى إليهم من راحة النوم لولا حظ الطباع البشرية من ذلك القدر القليل. الوجه الثاني: أن يكون المراد من الليل جنس الليالي لا كل ليلة بانفرادها على الصفة التي بينت في الآية الأخرى، وهذا كما يوصى بعض المسافرين؛ لخوف الحر فيقال سر الليل ثم يبين له فيقال ارحل من نصف الليل أو ثلثه أو أوله ويكون قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ استثناء لليالي؛ لأعذار من مرض أو غلبة نوم أو نحو من ذلك. ثم انتقل إلى سورة المدثر فقال:

стр. 731

١٠٩٠- وَوالرِّجْزَ ضَمَّ الكَسْرَ حَفْصٌ إِذَا قُلِ إذْ ... وَأَدْبَرَ فَاهْمِزْهُ وَسَكِّنْ "عَـ"ـنِ "ا"جْتِلا يعني راء: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ وفسر المضموم بالأوثان والمكسور بالعذاب، وقال الفراء: إنهما لغتان وإن المعنى فيهما واحد، وقال أبو عبيد: الكسر أفشى اللغتين وأكثرهما، وقال الزجاج: معناهما واحد وتأويلهما اهجر عبادة الأوثان، والرجز في اللغة العذاب قال لله تعالى: "فلما وقع عليهم الرجز" فالمعنى: ما يؤدي إلى عذاب الله فاهجر، قال أبو علي: المعنى: وذا العذاب فاهجر، وقوله: إذا قل إذ؛ يعني: اجعل موضع إذا بالألف إذ بغير ألف واهمز أدبر وسكن الدال لحفص ونافع وحمزة ورمزه في أول البيت الآتي؛ يعني: "والليل إذ أدبر" كتب في المصحف بألف واحدة بين الذال والدال فجعلها هؤلاء صورة الهمزة من أدبر وجعلوا إذ ظرفا لما مضى وجعل باقي القراء الألف من تمام كلمة إذ وهي ظرف لما يستقبل وقرءوا دبر بفتح الدال على وزن رفع. قال الفراء: هما لغتان يقال أدبر النهار ودبر ودبر الصيف وأدبر وكذلك قبل وأقبل فإذا قالوا: أقبل الراكب أو أدبر لم يقولوه إلا بألف. قال: وإنهما عندي في المعنى لواحد لا أبعد أن يأتي في الرجال ما يأتي في الأزمنة. وقال الزجاج: كلاهما جيد في العربية يقال: دبر الليل وأدبر. وفي كتاب أبي علي عن يونس دبر انقضى، وأدبر: تولى، وقالوا كأمس الدابر وكأمس المدبر قال: والوجهان حسنان. وقال أبو عبيد: كان أبو عمرو يقول: هي لغة قريش: قد دبر الليل، حدثنا حجاج عن هارون أخبرني حنظلة السدوسي ع شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قرأها: "والليل إذا دبر" بجعل الألف مع إذا. قال حنظلة: وسألت الحسن عنها فقال: إذا أدبر فقلت: يا أبا سعيد إنما هي ألف واحدة فقال: فهي إذا "والليل إذا دبر". قال أبو عبيد: جعل الألف مع أدبر، وبالقراءة الأولى نأخذ إذا بالألف دبر بغير ألف؛ لكثرة قرائها، ولأنها أشد موافقة للحرف الذي يليه؛ ألا تراه قال "والصبح إذا أسفر" فكيف يكون في أحدهما إذا وفي الآخر إذ. قال: وفي حرف عبد الله وأبي: حجة لمن جعلها إذا ولمن جعلها أدبر جميعا: حدثنا حجاج عن هارون قال في حرف أبيّ وابن مسعود: "إذا أدبر" قال أبو عبيد: بألفين. قلت: هذه القراءة هي الموافقة لقوله: ﴿إِذَا أَسْفَرَ﴾ موافقة تامة بلفظ إذا والإتيان بالفعل بعدها على وزن أفعل، أما كل واحدة من القراءتين المشهورتين فموافقة له من وجه دون وجه والموافقة بلفظ إذا أولى من الموافقة بلفظ أفعل فإن أفعل وفعل قد ثبت أنهما لغتان بمعنى واحد فكانا سواء، أما إذ وإذا فمتغايران ولا يعرف بعد القسم في القرآن إلا مجيء إذا دون إذ نحو: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ وإذ وإذا في كل ذلك لمجرد الزمان مع قطع النظر عن مضى واستقبال فهو مثل: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ﴾ ، ﴿فَسَوْفَ

стр. 732

يَعْلَمُونَ، إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ ، وقد حكى الأهوازي عن عاصم وأبي عمرو رواية: ﴿إِذَا أَدْبَرَ﴾ بألفين والله أعلم. وقول الناظم: قل إذ بكسر اللام على إلقاء حركة همزة إذ عليها بخلاف كسرة النون في قوله: عن اجتلا؛ فإنها كسرت لأجل الساكن بعدها، والمعنى: عن اجتلاء؛ أي: عن كشف وظهور من توجيهه وهو ممدود، فلما وقف عليه سكنت الهمزة، فأبدلت ألفا، فاجتمع ألفان فحذفت إحداهما، وقد سبق ذكر ذلك في شرح أول الخطبة في قوله: أجذم العلا، والفاء في قوله: فاهمز زائدة. ١٠٩١- فَبَادِرْ وَفَا مُسْتَنْفِرَه "عَمَّ" فَتْحُهُ ... وَمَا يَذْكُرُونَ الغَيْبَ "خُـ"ـصَّ وَخُلِّلا فبادر من تتمة رمز القراءة السابقة؛ أي: فبادر إليه وقصر لفظ وفا ضرورة: ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ بكسر الفاء بمعنى نافرة وبالفتح نفرها غيرها. قال أبو علي: قال أبو الحسن الكسر في مستنفرة أولى ألا ترى أنه قال: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ فهذا يدل على أنها هي استنفرت ويقال: نفر واستنفر مثل سخر واستسخر وعجب واستعجب، ومن قال: مستنفرة فكأن القسورة استنفرها أو الرامي، قال أبو عبيد: مستنفِرة ومستنفَرة مذعورة قال: والقسورة الأسد، وقالوا: الرماة. قال ابن سلام: سألت أبا سوار العنبري وكان أعرابيا فصيحا قارئا للقرآن فقلت: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ﴾ ماذا؟ فقال: كأنهم حمر مستنفرة طردها قسورة، فقلت: إنما هو ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ فقال: أفرَّت؟ فقلت: نعم، قال: فمستنفرة. والخلاف في: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ بالياء والتاء ظاهر، وقد سبق في أول آل عمران معنى قوله: خص وخللا يقال عم بدعوته وخلل؛ أي: خص فجمع الناظم بينهما؛ لاختلاف اللفظين.

стр. 733

من سورة القيامة إلى سورة النبأ: لا تعلُّق لسورة القيامة بما بعدها، فكان ينبغي إفرادها، ثم يقول: هل أتى، والمرسلات؛ لاتصالهما في نظمه والله أعلم. ١٠٩٢- وَرَا بَرَق افْتَحْ "آ"مِنًا يَذَرُونَ مَعْ ... يُحِبُّونَ "حَقٌّ كَـ"ـفَّ يُمْنَى "عَـ"ـلا عَلا يريد: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ ؛ أي: شخص وتحير قال الأخفش: المكسورة في كلام العرب أكثر والمفتوحة لغة، قال أبو عبيدة: القراءة عندنا بالكسر؛ لأنها اللغة السائرة المتعالية، والغيبة في: "يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ، وَيَذَرُونَ الْآخِرَةَ"، والخطاب فيهما ظاهران، ومعنى "آمنا"؛ أي: آمنا من البرق يوم القيامة أو آمنا من النازع فيه، وقوله: "حق" كف؛ لأن الحق أبدا يدفع الباطل؛ لأن في أول الجملة حرف الردع وهو "كلا" ومعناه الزجر والكف، أما تمنى فالضمير فيه للمنى إن قرئ بالياء على التذكير وإن قريء بالتأنيث فالضمير للنطفة كما أنه في سورة النجم كذلك، وهو: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ ، ومعناه تُصب وتُراق في الرحم وعلا بالضم مفعول علا مقدم عليه أو هو خبره، "يُمْنَى"؛ أي: ذو علا؛ أي: عالٍ بالتذكير. ١٠٩٣- سَلاسِلَ نَوِّنْ "إِ"ذْ رَوَوَا "صَـ"ـرْفَهُ "لَـ"ـنا ... وَبَالقَصْرِ قِفْ "مِـ"ـنْ "عَـ"ـنْ "هُـ"ـدىً خُلْفُهُمْ "فَـ"ـلا سلاسل على وزن دراهم وهو ممنوع من الصرف على اللغة المشهورة، ولكنه كتب في المصاحف بألف بعد اللام كما كتب في الأحزاب: "الظُّنُونَا"، و"الرَّسُولا"، و"السَّبِيلا" فالمتابعة لخط المصحف اقتضت إثبات تلك الألف في الأحزاب في الوصل، ولم يمكن تنوينها؛ لأجل أن كل كلمة منها فيها الألف واللام فالتنوين لا يجتمع معها، أما في: "سَلاسِلا" فأمكن قبوله للتنوين على لغة من يصرف ذلك. قال أبو علي: قال أبو الحسن: "سَلاسِلا" منونة في الوصل والسكت على لغة من يصرف نحو ذا من العرب قال: وسمعنا من العرب من يصرف هذا ويصرف جميع ما لا ينصرف، وقال: هذا لغة الشعراء؛ لأنهم اضطروا إليه في الشعر فصرفوه، فجرت ألسنتهم على ذلك، وقال مكي: حكى الكسائي أن بعض العرب يصرفون كل ما لا ينصرف إلا أفعل منك، قال ابن القشيري: صرف ما لا ينصرف سهل عند العرب، قال الكسائي: هو لغة من يجري الأسماء كلها إلا قولهم: هو أظرف منك؛ فإنهم لا يجرونه. قلت: القرآن العربي فيه من جميع لغات العرب؛ لأنه أنزل عليهم كافة وأبيح لهم أن يقرءوه على لغاتهم المختلفة فاختلفت القراءات فيه لذلك، فلما كتبت المصاحف هجرت تلك القراءات كلها إلا ما كان منها موافقا لخط المصحف؛ فإنه بقي كقراءة: ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ كما سبق ومثل هذا التنوين فإن كتابة الألف في آخر الاسم المنصوب يشعر بالتنوين وقد بينا هذه القاعدة وقررناها في كتاب الأحرف السبعة الملقب بالمرشد الوجيز، وقد وجهت هذه اللغة بأنه أصل الكلام وعلة الجمع ضعيفة في اقتضاء منع الصرف بدليل صرف باقي أبنية الجموع،

стр. 734

وكونه لا نظير له في الآحاد غير مقتضٍ لمنع الصرف بدليل العلم المرتجل الذي لا نظير له في أسماء الأجناس يقاس عليه لا بمنع الصرف وفيه علتان؛ العلمية وكونه لا نظير له، وهذا كان أولى بالمانعية؛ لأن العلمية مانعة في مواضع بشرطها والجمع غير معروف منه منع الصرف إلا في هذا الموضع المتنازع فيه فهذا الوجه من القياس مقوٍّ لهذه اللغة المسموعة. ووجه آخر: قال أبو علي: إن هذه الجموع أشبهت الآحاد؛ لأنهم قد قالوا صواحبات يوسف فلما جمع جمع الآحاد المنصرفة جعلوه في حكمها فصرفوها فهذا معنى قوله: إذ رووا صرفه لنا، وقال الزجاج: الأجود في العربية أن لا يصرف سلاسل ولكن لما جعلت رأس آية صرفت؛ ليكون آخر الآي على لفظ واحد. قلت: ادعاء أن سلاسل رأس آية بعيد، ولكن الممكن أن يقال: المعرف به في القرآن هو اللغة الفصيحة وهو منع صرف هذا الوزن من المجموع بدليل صوامع ومساجد، وإنما عدل عن اللغة المشهورة في سلاسل إرادة التناسب لما ذكر معها من قوله: ﴿وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا﴾ . فإن قلتَ: فكان ينبغي على هذا صرف "صوامع"، و"مساجد"؛ ليشاكلا لفظ ﴿وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ من قوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ قلتُ: إنما فعل ذلك في المنصوب خاصة؛ لأن المناسبة تحصل فيه وقفا ووصلا فإن المنون يوقف عليه بالألف، فكان الرسم الألف دالا على الأمرين، أما غر المنصوب فإنه يوقف عليه بالسكون منونا كان أو غير منون فلا حاجة تدعو إلى صرفه لأجل المناسبة وصلا، والمناسبة في الوقف مهمة بل هي العمدة في ذلك بدليل أن جماعة ممن لم ينون في الوصل يثبت الألف في الوقف، ونظير هذا الموضع قراءة من قرأ في سورة نوح: "ولا يغوثًا ويعوقًا" بالتنوين؛ لأجل أن قبله: ﴿وَدًّا وَلا سُوَاعًا﴾ ، وبعده: "وَنَسْرًا"، وهذا تعليل الزمخشري في ذلك فإنه قال لعله قصد الازدواج فصرفهما؛ لمصادفته أخواتهما منصرفات كما قرئ: ﴿وَضُحَاهَا﴾ بالإمالة؛ لوقوعه مع الممالات للازدواج هذا قوله: هنا ويجيء مثل ذلك في: "سَلاسِلا" وهو وجه سائغ فعدل عن ذلك لما وصل إليه، وقال: فيه وجهان: أحدهما: أن تكون هذه النون بدلا من حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف. والثاني: أن يكون صاحب هذه القراءة ممن درى برواية الشعر ومرن لسانه على صرف غير المنصرف. قال الشيخ: هذا كلام صدر عن سوء الظن بالقراءة، وعدم معرفته بطريقتهم في اتباع النقل. قلتُ: هذا جواب الوجه الثاني. وأما الوجه الأول: فالتنوين الذي حمله عليه يسمى بتنوين الترنم النائب مناب حرف الإطلاق ولا يستقيم ذلك هنا فإن ذلك التنوين ثابت وقفا وهذا مبدل منه ألف في الوقف وكل تنوين أبدل منه ألف في الوقف فهو تنوين الصرف ولو كان هذا التنوين في كلمات الأحزاب: "الظُّنُونَا"، و"الرَّسُولا"، و"السَّبِيلا" لكان تنوين الترنم فإن الألف في الوقف ألف الإطلاق فلتكن النون القائمة مقامه كذلك ولو كان هذا التنوين ثابتا في سلاسل وقفا كما هو ثابت وصلا لأمكن فيه ذلك على أنه لغة ضعيفة أيضا قال أبو الحسن الأخفش: لا يجوز في: "الظُّنُونَا" وشبهه تنوين الأعلى لغة من ينون في القوافي قال: ولا تعجبني تلك اللغة؛ لأنها ليست لغة أهل الحجاز.

стр. 735

قلت: فكل من نون: "سَلاسِلا" في الوصل وقف عليه بالألف ومن لم ينون وصلا اختلفوا؛ فمنهم من وقف على اللام ساكنة وهو الذي عبر عنه بالقصر، وهذا قياس قراءتهم في الوصل وهم حمزة وقنبل بلا خلاف والبزي وحفص وابن ذكوان بخلاف عنهم ومنهم من وقف بألف؛ اتباعا للرسم وهم أبو عمرو، وهؤلاء الرواة الثلاثة في وجههم الثاني، وتكون ألف الوقف عند هؤلاء ألف الإطلاق كالتي في "الظنونا" وشبهه، وعن في قول الناظم من عن اسم كالتي في قول القطامي: من عن يمين الجبيا أي: نشأ للواقف بالقصر القصر من جانب هدى خلفهم وفلا من قولهم: فلوته؛ أي: ربيته أو بمعنى فصل من فلوته عن أمه؛ أي: فصلته وفطمته أو بمعنى تدبر من فليت الشعر إذا تدبرته واستخرجت معناه، قال الفراء: كتبت: "سَلاسِلا" بالألف فأجراها بعض القراء لمكان الألف التي في آخرها ولم يجرها بعضهم، وقال الذي لم يجرها: العرب تثبت فيما لا يجري الألف في النصب، فإذا وصلوا حذفوا الألف قال: وكلٌّ صواب. ١٠٩٤- "زَ"كا وَقَوَارِيرًا فَنَوِّنْهُ "إِ"ذْ "دَ"نَا ... "رِ"ضَا "صَـ"ـرْفِهِ وَاقْصُرْهُ فِي الوَقْفِ "فَـ"ـيْصَلا زكا من تتمة رمز الواقفين بالقصر في "سلاسل"، والكلام في تنوين: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾ والوقف عليها بالألف وبالقصر كما سبق في "سلاسلا"، وزاد الوقف بالألف هنا حسنا كونه رأس آية فلهذا لم يقصره في الوقف إلا حمزة وحده، وأجمعوا على ترك صرف الذي في النمل: ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ . ١٠٩٥- وَفِي الثَّانِ نَوِّنْ "إِ"ذْ "رَ"وَوْا "صَـ"ـرْفَهُ وَقُلْ ... يَمُدُّ هِشَامٌ وَاقِفًا مَعْهُمُ وِلا يعني: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ ، ولكونه ليس برأس آية لم يقف عليه بالألف ممن لم ينون في الوصل إلا هشام، أما من نونه فوقف عليه بالألف المبدلة من التنوين فلهذا قال: واقفا معهم؛ أي: مع المنونين، وولا بالكسر؛ أي: متابعة للرسم فإنه بالألف في أكثر المصاحف كالذي قبله، قال الفراء: ثبتت الألف في الأولى؛ لأنها رأس آية، والأخرى ليس برأس آية فكان ثبات الألف في الأولى أقوى وكذلك رأيتها في مصحف عبد الله بن مسعود، وقرأ بها أهل البصرة وكتبوها في مصاحفهم كذلك، وأهل الكوفة وأهل المدينة يثبتون الألف فيها جميعا وكأنهم استوحشوا أن يكتب حرف واحد في معنى نصب بكتابتين مختلفتين قال: وإن شئت أجريتهما جميعا وإن شئت لم تجرهما وإن شئت أجريت الأولى لمكان الألف في كتاب أهل البصرة ولم تجر الثانية؛ إذ لم تكن فيها الألف، واختار أبو عبيد: "سَلاسِلا"، و"قواريرًا قواريرًا" كلهن بإثبات الألف والتنوين قال: وكذلك هي في مصاحف أهل الحجاز والكوفة بالألف، ورأيتها في الذي يقال إنه الإمام مصحف عثمان بن عفان: "قَوَارِيرَا" الأولى مثبتة والثانية كانت بالألف فحُكَّت ورأيت أثرها بيِّنًا هناك، وقال الزجاج: قرئت "قوارير" غير مصروفة، وهذا الاختيار عند النحويين، ومن قرأ بصرف الأول فلأنه رأس آية وترك صرف الثاني؛ لأنه ليس بآخر آية، ومن صرف الثاني أتبع اللفظ اللفظ؛ لأن العرب ربما قلبت إعراب الشيء؛ ليتبع اللفظ اللفظ،

стр. 736

فيقولون: جحرُ ضبٍّ خربٍ، وإنما الخرب من نعت الجحر فكيف بما يترك صرفه وجميع ما يترك صرفه يجوز صرفه في الشعر؛ يعني: فأمره في المتابعة أخف من غيره، وقال الزمخشري: هذا التنوين بدلا من ألف الإطلاق؛ لأنه فاصلة، وقد سبق بيان فساد هذا القول، ثم قال: وفي الثاني لاتِّباعه الأول، وذكر أبو عبيد وغيره أن في مصاحف البصرة الأول بألف والثاني بغير ألف، وبعضهم ذكر أن الأول أيضا بغير ألف في بعض المصاحف وهذا هو الظاهر. ١٠٩٦- وَعَالِيهِمُ اسْكِنْ وَاكْسِرِ الضَّمَّ "إِ"ذْ "فَـ"ـشَا ... وَخُضْرٌ بِرَفْعِ الْخَفْضِ "عَـ"ـمَّ "حُـ"ـلًا "عُـ"ـلا يجوز أن يحرك الميم من عاليهم في البيت بالحركات الثلاثة؛ لضرورة الوزن وإلا فهي ساكنة في لفظ القرآن أو موصولة بواو عند من مذهبه ذلك، وإنما لفظ به الناظم على قراءة من أسكن الياء وكسر الهاء وليست الصلة من مذهب من قرأ كذلك فلم يبق أن يكون لفظ به إلا على قراءة إسكان الميم، وحينئذ يجوز فتحها بنقل حركة همزة أسكن إليها وكسرها؛ لالتقاء الساكنين على تقدير أن يكون وصل همزة القطع وضها؛ لأنها حركتها الأصلية عند الصلة فهي أولى من حركة مستعارة يريد: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ ؛ أي: الذي يعلوهم ثياب من سندس فهو مبتدأ وخبر، وقراءة الباقين بنصب الياء وضم الهاء وهو حال من قوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ ، ومن: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ هذا قول أبي علي، وأجاز الزجاج أن يكون حالا من الضمير في عليهم أو من الولدان وتبعه الزمخشري في ذلك وزاد وجها آخر وهو: أن يكون التقدير: رأيت أهل نعيم عاليهم وثياب سندس مرفوع به، وقد أجيز أن يكون عاليهم ظرفا كأنه لما كان عالٍ بمعنى فوق أجرى مجراه فهو كقولك: فوقهم ثياب وخضر بالرفع صفة لثياب وبالجر صفة لسندس، وجاز ذلك وإن كان سندس مفردا وخضر جمعا لما كان السندس راجعا إلى جمع وهو الثياب والمفرد إذا أريد به الجمع جاز وصفه بالجمع نحو: ﴿عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ ومن هذا الإخبار عن المفرد والجمع نحو ما سبق في قراءة نافع وحمزة: "عاليهم ثياب" وعكسه قول الشاعر: ألا إن جيران العشية رابح وحلا البيت تمييز أو حال؛ أي: عمت حلاة أو عم ذا حلاه أخبر عن خضر بأنه عم حلاه وبأنه علا فهما جملتان، وقوله: برفع الخفض متعلق بأحدهما والله أعلم. ١٠٩٧- وَإِسْتَبْرَقَ "حِرْمِيُّ نَـ"ـصْرٍ وَخَاطَبُوا ... تَشَاءُونَ "حِصْنٌ" وُقِّتَتْ وَاوُهُ "حَـ"ـلا أي: ورفع خفض إستبرق لهؤلاء ووجه الرفع العطف على ثياب؛ أي: وثياب استبرق فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وقرأ الباقون بالجر عطفا على سندس؛ أي: ثياب هذين النوعين فصار في هاتين الكلمتين خضر وإستبرق أربع قراءات رفعهما لنافع، وحفص خفضهما لحمزة والكسائي خفض خضر ورفع استبرق لابن كثير وأبي بكر عكسه رفع خضر وجر إستبرق لأبي عمرو وابن عامر وهو أجود هذه القراءات الأربع واختاره أبو عبيد، قال أبو علي: هو أوجه هذه الوجوه؛ لأن خضر صفة مجموعة لموصوف،

стр. 737

مجموع واستبرق جنس أضيف إليه الشاب كما أضيف إلى سندس كما تقول ثيابا خز وكتان، ودل على ذلك قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ ١. وأما: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ بالغيب والخطاب فظاهر، وحصنا حال من فاعل خاطبوا أو مفعوله، وهو تشاءون جعله مخاطبا لما كان الخطاب فيه؛ أي: ذوي حصن أو ذا حصن، وقرأ أبو عمرو وحده: "وإذا الرسل وقتت" بالواو وهو أصل الكلمة؛ لأنها من الوقت قال الفراء: أي: جمعت لوقتها يوم القيامة، وقال الزجاج: جُعِلَ لها وقت وأجل للفصل والقضاء بين الأمم، وقال أبو علي: جعل يوم الدين والفصل لها وقتا كما قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٢. وقال الزمخشري: معنى توقيت الرسل؛ أي: تبيين وقتهم الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم. قلت: كأنه -والله أعلم- بعد الوقوف من طول ذلك اليوم ومعاينة ما فيه من الأهوال الواقعة بالسماء والكواكب والجبال وغيرها، ووقوع الخلائق في ذلك الكرب العظيم الذي يطلبون الخلاص منه لسرعة الفصل بينهم، فيقصدون الرسل لذلك على ما جاء في حديث الشفاعة، فحينئذ والله أعلم يبين لهم وقت الفصل بينهم، وقوله: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ تعظيم للوقت الذي يقع فيه الفصل والجزاء والمراد باليوم الحين والزمان ولطول يوم القيامة يعبر عن الوقت فيه ثم بين الناظم قراءة الباقين فقال: ١٠٩٨- وَبِالْهَمْزِ بَاقِيهِمْ قَدَرْنَا ثَقِيلًا "ا"ذْ ... "رَ"سا وَجِمالاتٌ فَوَحِّدْ "شَـ"ـذًا "عَـ"ـلا أي: همزوا الواو من وقتت فصارت همزة مضمومة وتلك لغة في كل واو مضمومة قالوا في وجوه: أجوه وفي وعد أعد، واختار هذه القراءة أبو عبيد؛ لموافقة الكتاب مع كثرة قرائها وهي أيضا موافقة لقوله: أجلت وثقل نافع والكسائي "فقدرنا"، وخفف الباقون لقوله: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ ، ووجه التثقيل: قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أجمع على تشديده؛ أي: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ نحن عل تقديره وقيل: المخفف والمشدد بمعنى واحد وجمالات جمع جمالة وجمالة جمع جمل كجارة في جمع حجر، وقيل: جمالات جمع جمال كرجالات في جمع رجال، ووجه القراءتين ظاهر ومضى معنى شذا علا:

стр. 738

من سورة النبأ إلى سورة العلق: لا تعلق لما نظمه في سورة النبأ بما بعدهما، والنازعات وعبس متصلتان. وكذا التكوير والانفطار، وسورة المطففين منفردة، وكذا الانشقاق، ومن سورة البروج إلى العلق متصل، وفيها سور لم يذكر لها خلفا متجددا، كما سبق التنبيه عليه في سورة الجمعة، وهي: والطارق، والليل، والضحى، وألم نشرح، والتين، ولكنها لا تخلو من خلاف مر ذكره في الأصول وغيرها، والله أعلم. ١٠٩٩- وَقُلْ لابِثِينَ القَصْرُ "فَـ"ـاشٍ وقُلْ وَلا ... كِذَابًا بِتَخْفِيفِ الكِسَائِيِّ أَقْبَلا أي: القصر فيه يريد: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ فلابثٌ ولبِثٌ من باب حاذر حذر وفارهٌ وفرِهٌ، وقد مضيا في سورة الشعراء، ومنه طامعٌ وطمِعٌ، وقال الزمخشري: اللبث أقوى؛ لأن اللابث من وجد منه اللبث ولا يقال لبث إلا لمن شأنه اللبث، كالذي يجثم بالمكان لا يكاد ينفك منه، وقال الفراء: أجود الوجهين بالألف؛ يعني: لأجل نصب ما بعده؛ لأن إعمال ما كان على وزن فاعل أكثر من إعمال فعل، أما "كذابا" بالتخفيف فمصدر كذب مثل كتب كتابا وبالتشديد مصدر كذب مثل كلم كلاما وفسر فسارا، وموضع الخلاف قوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾ ؛ يعني: أهل الجنة جعلنا الله منهم لا يسمعون فيها كذبا ولا تكذيبا، وقيده الناظم بقوله: ولا؛ احترازا من النهي قبله: ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّابًا﴾ فهو مجم على تشديده؛ لأن فعله معه وقال الزمخشري: فعال في باب فعل كله فاشٍ في كلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره، وسمعني بعضهم أفسر آية فقال: لقد فسرتها فِسارا ما سُمع بمثله. ١١٠٠- وَفي رَفْعِ يَا رَبُّ السَّموَاتِ خَفْضُهُ ... "ذَ"لُولٌ وَفِى الرَّحْمنِ "نَا"مِيهِ "كَـ"ـمَّلا أي: خفض الباء من "رب السموات" للكوفيين وابن عامر وحفص النون من "الرحمن" لعاصم وابن عامر فخفضهما على البدل من ربك، ويجوز في "الرحمن" أن يكون صفة أو عطف بيان ومن رفعهما كان على تقدير هو رب السموات الرحمن أو يكون "رب" مبتدأ "والرحمن" خبره أو "الرحمن" نعته أو عطف بيان له "ولا يملكون" خبره، ومن غاير بينهما وهو حمزة والكسائي خفضا باء "رب" على البدل ورفع "الرحمن" على الابتداء "ولا يملكون" خبره أو على تقدير هو الرحمن واستئناف لا يملكون وتقدير البيت وخفض الرفع في الرحمن ناقله كملا؛ لأنه كمل الخفض في الحرفين معا يقال نميت الحديث إذا بلغته والله أعلم. ١١٠١- وَنَاخِرَةً بِالْمَدِّ "صُحْبَتُـ"ـهُمْ وَفي ... تَزَكَّى تَصَدَّى الثَّانِ "حِرْمِيٌّ" اثْقَلا نخزة وناخزة واحد؛ أي: بالية وفي قراءة القصر زيادة مبالغة وفي قراءة المد مؤاخاة رءوس الآي قبلها

стр. 739

وبعدها، أما: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ ، وفي سورة عبس: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ ، فثقل الحرميان الحرف الثاني من الكلمتين وهما الزاي والصاد فهذا معنى قوله: الثاني؛ أي: ثاني حروفهما، والأصل تتزكى وتتصدى بتاءين فمن ثقل أدغم، ومن خفف حذف على ما سبق في: "تظاهرون" وتقدير حرمي أثقل الحرف الثاني في تزكى وتصدى فقوله: الثاني مفعول أثقلا والألف في أثقل يجوز أن تكون للإطلاق وأن تكون ضمير التثنية حملا على لفظ حرمي؛ فإنه مفرد، وعلى معناه لأن مدلوله اثنان، وألقى حركة همزة أثقلا على تنوين حرمي وحذف الياء من الثانِ ولم يفتحها وهو مفعول به ضرورة، وجاء لفظ الثاني منها ملبسا على المبتدئ يظن أن تصدى موضعان الخلاف في الثاني فيهما وإنما ذكر الثاني هنا كقوله: ءآلهة كوف يحقق ثانيا؛ أي: ثاني حروفه، ولأجل أن مراده أثقلا الحرف الثاني في هاتين الكلمتين عدل إلى حرف في عن أن يقول وأن تزكي على لفظ التلاوة والله أعلم. ١١٠٢- فَتَنْفَعُهُ فِي رَفْعِهِ نَصْبُ عَاصِمٍ ... وَأَنَّا صَبَبْنا فَتْحُهُ "ثَـ"ـبْتُهُ تَلا الرفع عطف على يذكروا والنصب على أنه جواب الترجي من: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ كما تقدم من: ﴿فَاطَّلَعَ﴾ ١في سورة غافر. ﴿أَنَّا صَبَبْنَا﴾ ٢ كسرة على الابتداء وفتحه على أنه بدل من طعامه؛ أي: فلينظر إلى أصل طعامه قال أبو علي: هو بدل اشتمال؛ لأن هذه الأشياء تشتمل على كون الطعام وحدوثه فهو على نحو: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ ٣. ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ ٤ بالنار. ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ ٥؛ لأن الذاكرة كالمشتمل على المذكور وقال: ﴿إِلَى طَعَامِهِ﴾ ، والمعنى إلى كونه وحدوثه وهو موضع الاعتبار، وأنا صببنا في البيت مبتدأ وثبته مبتدأ ثانٍ وفتحه مفعول تلا ومعنى ثبته؛ أي: ناقله وقارئه الثبت يقال: رجل ثبت بسكون الباء؛ أي: ثابت القلب ويقال هذا شيء ليس بثبت بفتح الباء؛ أي: ليس بحجة والله أعلم.

стр. 740

١١٠٣- وَخَفَّفَ "حَقٌّ" سُجِّرَتْ ثِقْلُ نُشِّرْتْ ... "شَـ"ـرِيعَةُ "حَقٍّ" سُعِّرَتْ "عَـ"ـنْ "أُ"ولِى "مَـ"ـلا التخفيف في هذه الكلمات الثلاثة والتشديد سبق لها نظائر، ولم يبين القراءة المرموزة في "سعرت" إحالة على ما نص عليه في الحرف قبلها وهو الثقل فهو مثل ما أحال: "سكرت" في أول الحجر على ما قبله وهو ورب خفيف، والملأ الأشراف والرؤساء يشير إلى أن هذه القراءة مأخوذة عن جماعة أصحاب شيوخ أكابر أخذوها عنهم. ١١٠٤- وَظَا بِضَنِينٍ "حَـ"ـقُّ "رَ"اوٍ وَخَفَّ فِي ... فَعَدَّلَكَ للْكُوفِي وَ"حَقُّـ"ـكَ يَوْمُ لا الأولى أن نكتب بضنين بالضاد لوجهين: أحدهما: أنها هكذا كتبت في المصاحف الأئمة قال الشاطبي ﵀ في قصيدة الرسم: والضاد في بضنين تجمع البشر والثاني: أن يكون قد لفظ بالقراءة الأخرى فإن الضاد والظاء ليسا في اصطلاحه ضدين. فإن قلت: فكيف تصح حينئذ إضافة الظاء إلى هذا اللفظ وليس فيه ظاء؟ قلت: يصح ذلك من جهة أن هذا اللفظ يستحق هذا الحرف باعتبار القراءة الأخرى، ولهذا يجوز لك أن تقرأ قوله: في سورة النساء: "ويا سوف تؤتيهم" عزير بالنون ومعنى بظنين بالظاء من الظنة وهي التهمة؛ أي: ما هو بمتهم على ما لديه من علم الغيب الذي يأتيه من قبل الله تعالى ومعناه بالضاد ببخيل؛ أي: لا يبخل بشيء منه بل يبلغه كما أمر به؛ امتثالا لأمر الله تعالى وحرصا على نصح الأمة وعلى هذه القراءة بمعنى الباء وذلك ثابت لغة، وقد سبق في شرح قول: وليس على قرانه متأكلا، ويكون سبب العدول عن الباء إليها استقامة معناها على القراءتين أو كراهة؛ لتكرار الباء لو قيل: "بالغيب بضنين" وقال الفراء في تفسير بضنين: يقول يأتيه غيب السماء وهو منقوش فيه فلا يبخل به عليكم ولا يضن به عنكم، وقيل: المعنى إنه جامع لوصفين جليلين وهما الاطلاع على علم الغيب وعدم البخل كما تقول: هو على علمه شجاع؛ أي: جامع للوصفين، واختار أبو عبيد القراءة بالظاء وقال: إنهم لم يبخلوه فيحتاج إلى أنه ينفي عنه ذلك البخل إنما كان المشركون يكذبون به فأخبرهم الله تعالى أنه ليس بمتهم على الغيب، وجواب هذا أن يقال: وصفه الله تعالى بذلك؛ لحرصه على التبليغ وقيامه لما أمر به ولا يتوقف نفي البخل عنه على رميهم إياه به. فإن قلت: إذا كانت الكتابة بالضاد فكيف ساغ مخالفتها إلى الظاء. قلت: باعتبار النقل الصحيح كما قرأ أبو عمرو: "وقتت" بالواو مع أن أبا عبيد قد أجاب عن هذا فقال: ليس هذا بخلاف الكتاب؛ لأن الضاد والظاء لا يختلف خطهما في المصاحف إلا بزيادة رأس إحداهما على رأس الأخرى قال فهذا قد يتشابه في خط المصحف ويتدانى، قال الشيخ: صدق أبو عبيد؛ فإن الخط القديم على ما وصف، وقال الزمخشري: هو في مصحف عبد الله بالطاء وفي مصحف أبي بالضاد وكان رسول الله ﷺ يقرأ بهما وإتقان الفصل بين الضاد والظاء واجب ومعرفة مخرجيهما مما لا بد
следующие страницы →