١١٥٢-
وَجَهْرٌ وَرَخْوٌ وَانْفِتَاحٌ صِفَاتُهَا ... وَمُسْتَفِلٌ فَاجْمَعْ بالَاضْدَادِ أشْمُلا
أي: صفاتها كذا وكذا فذكر أربعة يأتي ذكر أضدادها وعبر عن اثنين من الأربعة بلفظ المصدر وهما الجهر والانفتاح، وعن اثنين بلفظ الصفة وهما رخو ومستفل ولفظ الصفة في الأولين مجهورة منفتحة ولفظ المصدر في الآخرين رخاوة واستفال وبكل ذلك وقعت العبارة في كتب الأئمة والجهر ضده الهمس فالمجهورة تسعة عشر حرفا سميت بذلك من قولهم: جهرت بالشيء إذا أعلنته، وذلك أنه لما امتنع النفس أن يجري معها انحصر الصوت لها فقوي التصويت بها والمهموسة عشرة أحرف وهي ما عدا المجهورة سميت بذلك أخذا من الهمس الذي هو الحس الخفي وقيل: في قوله تعالى: ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ هو حس الأقدام ومنه قول أبي زيد في صفة الأسد:
يصير بالدجى هاد هموس
فالهمس الضعف فسميت مهموسة؛ لضعف الصوت بها حين جري النفس معها فلم يقو التصويت بها قوته في المجهورة، فصار في التصويت بها نوع خفاء؛ لانقسام النفس عند نطقها، والرخاوة ضدها الشدة، والانفتاح ضده الإطباق، والاستفال ضده الاستعلاء وسيأتي بيان كل ذلك، وقوله: فأجمل بالأضداد أشملا؛ أي: بمعرفة أضداد ما ذكرت يجتمع شمل جميع الحروف ويعرف صفاتها؛ لأن ما نذكره منها بصفة فالباقي بخلافه فجميع الحروف منقسمة إلى كل ضدين من هذه الأضداد الثمانية فهي أربع تقسيمات وأشملا جمع شمل وهو مفعول فاجمع.
١١٥٣-
فَمَهْمُوسُها عَشْرٌ "حَثَتْ كِسْفَ شَخْصِهِ" ... "أَجَدَّتْ كَقُطْبٍ" لِلشَّدِيدَةِ مُثِّلا
أي: مهموس الحروف عشرة أحرف وإنما أنث العدد على ما ذكرناه من شرح قوله: ثلاث بأقصى الحلق، ثم بين العشرة بأن جميعها في هذه الكلمات الثلاثة وقال غيره سحته كف شخص وقيل: كست شخصه فحث وقيل: ستشحكثك حصفه على الوقف بالهاء ومعنى ستشحثك ستردعك وحصفه اسم امرأة هكذا وجدته في حاشيتي كتاب أحسن من الجميع سكت فحثه شخص ثم جمع الحروف الشديدة من قوله: أجدت كقطب، وقال غيره: أجدت طبقك والفاء للتأنيث أو للخطاب، وقيل أيضا في جمعها: أجدك قطبت، وقوله: مثلا؛ أي: مثل هذا اللفظ وشخص لجميع الحروف الشديدة وسميت هذه الحروف شديدة؛ لأنها قويت في موضعها ولزمته ومنع الصوت أن يجري معها حال النطق بها؛ لأن الصوت انحصر في المخرج فلم يجر؛ أي: اشتد وامتنع قبوله للتليين بخلاف الرخوة فهذه الحروف الشديدة هي ثمانية: منها ستة من المجهورة ومنها اثنان من المهموسة التاء والكاف والستة الباقية مجهورة شديدة اجتمع فيها أن النفس لا يجرى معها ولا الصبوت في مخرجها وهو معنى الجهر والشدة جميعا.
١١٥٤-
وَمَا بَيْنَ رَخْوٍ وَالشَّدِيدَةِ "عَمْرُنَلْ" ... وَ"وَايٌ" حُرُوفُ الْمَدِّ وَالرَّخْوِ كَمَّلا
أي: وما بين حرف رخو والحروف الشديدة حروف قولك عمر نل؛ أي: هذه الحروف الخمسة لا رخوة ولا شديدة فهي بين القبيلين ولا ينبغي أن تكتب هنا بالواو لئلا تصير الحروف ستة وهو منادى مفرد حذف
стр. 772
حرف ندائه؛ أي: يا عمرو نل ما ذكرته لله ثم ذكر أن حروف المد يجمعها قولك: وأي وهي ثلاثة أحرف الواو والألف والياء والوأى بهمزة الألف معناه الوعد ولكنه سهل الهمزة؛ ليأتي بلفظ الألف وسميت حروف المد؛ لامتداد الصوت بها عند ساكن أو همزة، ثم قال: والرخو كملا أي وهذا اللفظ الذي هو وأي كملت حروفه الثلاثة الحروف الرخوة التي هي ضد الشديدة؛ أي: إنها معدودة منها وإنما قال ذلك؛ لأن غيره يجعلها من جملة الحروف التي بين الرخوة والشديدة فلما لم يذكرها من حروف "عمر نل" بيّن أنه لم يخل بتركها وإنما هي عنده من قسم الرخوة والذين جعلوها بين الرخوة والشديدة فيصير حروفها عندهم ثمانية يجمعها قولك: لم يروعنا أو لم يرعونا أو لم يروعنا أو ولينا عمرا ولم يروعنا وهو ظاهر كلام سيبويه فإنه لما عد الحروف الرخوة لم يعد حروف المد، وذكر بعدها العين واللام والنون والميم والراء وبينها واحدة واحدة بعبارة تقتضي أنها بين الشديدة والرخوة لم يتم لصوتها الانحصار ولا الجري، ثم قال: ومنها اللينة فوصفهن، ثم قال: وهذه الثلاثة أخفى الحروف لاتساع مخارجها وإخفائهن وأوسعهن مخرجا الألف ثم الياء ثم الواو وظاهر كلام أبي الحسن الرماني في شرح الأصول موافق لما نظمه الشاطبي فإنه قال: وما عدا الشديدة على وجهين شديد يجري فيه الصوت ورخوة أما الشديد الذي يجري فيه الصوت فحرف يشتد لزومه لموضعه ثم يتجافى به اللسان عن موضعه فيجري فيه الصوت؛ لتجافيه وهي الراء واللام والنون والميم والعين وكذا ذكر أبو عمرو الداني في كتاب الإيجاز، وقال: يجمعها قولك: لم يرع، وقال مكي في بعض تصانيفه: الرخاوة فيما عدا الشديدة إلا سبعة أحرف يجمعها قولك يولى عمرو فإنها بين الرخاوة والشدة فأدخل فيها الواو والياء ولم يدخل الألف.
١١٥٥-
وَ"قِظْ خُصَّ ضَغْطِ" سَبْعُ عُلُوٍ وَمُطْبَقٌ ... هُوَ الضَّادُ وَالظَّا أُعْجِمًا وَإِنُ اهْمِلا
أي: حروف هذه الكلم الثلاث هي حروف الاستعلاء وهي سبعة سميت بذلك لارتفاع اللسان بها إلى الحنك وما عداها المستفلة؛ لأنها لا يعلو بها اللسان إلى جهة الحنك وقد مضى في باب ترقيق الراءات معنى هذه الكلمات وبعضهم ألحق العين والحاء المهملتين بالحروف المستعلية فصارت تسعا وأضاف سبعا إلى علو كأنه قال حروف العلو؛ أي: حروف الاستعلاء ويجوز ضم عين علو وكسرها وقوله: ومطبق مبتدأ خبره محذوف قبله؛ أي: وفيها مطبق؛ أي: ومن هذه الأحرف السبعة المستعلية حروف الإطباق وهي أربعة ثم بينها بقوله: أهملا الضاد والظاء المعجمتان والمهملتان؛ يعني: الصاد والطاء والمعجم المنقوط والمهمل الذي لا نقط له وألقى حركة همزة أهملا على نون وإن والألف في آخر أهملا ضمير التثنية وسميت هذه الأربعة مطبقة؛ لأنه انطبق على مخرجها من اللسان ما حاذاه من الحنك وما عدا هذه الأربعة من الحروف كلها يقال له المنفتحة؛ لأنك لا تطبق لسانك منها على الحنك، وذكر الشيخ أبو عمرو أن تسمية هذه الحروف بالمطبقة والمنفتحة فيها تجوز؛ لأن المطبق إنما هو اللسان والحنك، أما الحرف فهو مطبق عنده فاختصر فقيل: مطبق كما قيل: للمشترك فيه مشترك وكذا المنفتحة؛ لأن الحرف لا ينفتح وإنما ينفتح عنده اللسان عن الحنك وكذا المستعلية؛ لأن اللسان يستعلي عندها قال ابن مريم الشيرازي ولولا الإطباق لصارت الطاء دالا والظاء ذالا والصاد سينا ولخرجت الضاد من الكلام؛ لأنه ليس من موضعها شيء غيرها وموضعها موضع الإطباق فإذا عدم الإطباق عدمت الضاد ولأجل أنها غير مشاركة في المخرج لم يوجد في شيء من كلام الأمم إلا في العربية وإنما أخذ ذلك من كلام ابن السراج وفي كلام الرماني زيادة فإنه قال: لولا الإطباق لصارت الطاء دالا؛ لأنه ليس بينهما فرق إلا بالإطباق ولم تصر تاء للفرق بينهما من جهة الجهر والهمس وكذلك سبيل الصاد
стр. 773
والسين؛ لأنهما مهموستان ولم يجب مثل ذلك للزاي؛ لأنها مجهورة، وكذلك الظاء والذال ولم يجب في الثاء؛ لأنها مهموسة.
١١٥٦-
وَصَادٌ وَسِينٌ مُهْمَلانِ وَزَايُها ... صَفِيرٌ وَشِينٌ بِالتَّفَشِّي تَعَمَّلا
الذي سبق من الصفات كان له ضد يطلق على باقي الحروف ومن هاهنا صفات لبعض الحروف ليس يطلق على باقيها اسم مشعر بضد تلك الصفات بل يسليها فهذه الثلاثة الصاد والسين المهملتان والزاي تسمى حروف الصفير؛ لأنها يصفر بها وباقي الحروف لا صفير فيها، وهذه الثلاثة هي الحروف الأسلية التي تخرج من أسلة اللسان قال ابن مريم: ومنهم من الحق بها الشين وإنما يقال لها حروف الصفير؛ لأنك تصفر عند اعتمادك على مواضعها قال مكي: والصفر حد الصوت كالصوت الخارج من ضغطة ثقب قال: والتفشي انتشار خروج الريح وانبساطه حتى يتخيل أن الشين انفرشت حتى لحقت بمنشأ الطاء وهي أخص بهذه الصفة من الفاء قال: وقد ذكر بعضهم الضاد من هذا المعنى؛ لاستطالتها لما اتصلت بمخرج اللام، وقال ابن مريم الشيرازي: ومنها حروف التفشي وهي أربعة مجموعة في قولك: مشفر وهي حروف فيها غنة ونفش وتأفف وتكرار، وإنما قيل: لها حروف التفشي وإن كان التفشي في الشين خاصة؛ لأن الباقية مقاربة له؛ لأن الشين بما فيه من التفشي ينتشر الصوت منه ويتفشى حتى يتصل إلى مخارج الباقية وقال الشيخ: سمي الشين المتفشي؛ لأنه انتشر في الفم برخاوته حتى اتصل بمخرج الطاء والتفشي الانتشار، وقوله: صغير؛ أي: ذات صغير والضمير في زايها يرجع إلى الحروف ومهملان نعت صاد وسين وأتى بلفظ صاد وسين وشين على التنكير؛ لأن المعبر عنه لا يختلف منكرا كان أو معرفا ومعنى تعمل هنا اتصف؛ لأن من عمل شيئا اتصف به ولهذا عداه بالياء في قوله: بالتفشي؛ أي: اتصف الشين به ومنه قوله: كن متعملا.
١١٥٧-
وَمُنْحَرِفٌ لامٌ وَرَاءٌ وَكُرِّرَتْ ... كَمَا الْمُسْتَطِيلُ الضَّادُ لَيْسَ بِأَغْفَلا
منحرف خبر مقدم؛ أي: وحرف اللام منحرف؛ أي: مسمى بالمنحرف قال سيبويه ومنها المنحرف؛ أي: ومما بين الرخو والشديد وهو حرف شديد جرى فيه الصوت؛ لأنحراف اللسان مع الصوت ولم يعترض على الصوت كاعتراض الحروف الشديدة وهي اللام إن شئت مددت فيها الصوت وليس كالرخوة؛ لأن طرف اللسان لا يتجافى عن موضعه وليس يخرج الصوت من موضع اللام ولكنه من ناحيتي مستدق اللسان خولف ذلك قال ابن مريم: مخرج الصوت على الناحيتين وما فوقهما وقال الشيخ أبو عمرو: اللسان عند النطق باللام ينحرف إلى داخل الحنك قليلا ولذلك سمي منحرفا وجرى فيه الصوت وإلا فهو في الحقيقة لولا ذلك حرف شديد إذ لولا الانحراف لم يجر الصوت وهي معنى الشدة ولكنه لما حصل الانحراف مع التصويت كان في حكم الرخوة لجرى الصوت وكذلك جعل بين الشديدة والرخوة، وقوله: وراء؛ أي: والراء لذلك فوصف بالانحراف، قال مكي: والراء انحرف عن مخرج النون الذي هو أقرب المخارج إليه إلى مخرج اللام قال الشيخ والراء أيضا فيها انحراف قليل إلى ناحية اللام ولذلك يجعلها الألثغ لاما.
стр. 774
قلت: وأكثر المصنفين من النحاة والقراء لا يصفون بالانحراف إلا اللام وحدها، وعبارة سيبويه دالة على ما قال الناظم فإنه قال لما ذكر اللام والنون والميم وبين أنها من الرخوة والشديدة ومنها المكرر وهو حرف شديد جرى فيه الصوت لتكريره وانحرافه إلى اللام فتجافى الصوت كالرخوة ولو لم يكرر لم يجر فيه الصوت وهو الراء فهذا معنى قول الناظم وراء وكررت؛ أي: جمعت بين صفتي الانحراف والتكرير، قال مكي: التكرير تضعيف يوجد في جسم الراء لارتعاد طرف اللسان بها ويقوى مع التشديد ولا يبلغ به حد بفتح وقال ابن مريم إذا وقف الواقف على الراء وجد طرف اللسان يتير بما فيه من التكرير ولذلك يعد في الإمالة بحرفين والحركة فيه تنزل منزلة حركتين وقال الشيخ أبو عمرو: والمكرر الراء لما تحسه من شبه ترديد اللسان في مخرجه عند النطق به ولذلك أجرى مجرى الحرفين في أحكام متفددة فحسن إسكان: ينصركم ويشعركم ولم يحسن إسكان يقتلكم ويسمعكم، وحسن إدغام مثل: وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم أحسن منه في إن يمسكم ولم يمل طالب وغانم وأميل طارد وغارم وامتنعوا من إمالة راشد ولم يمتنعوا من إمالة راشد وكل هذه الأحكام راجعة في المنع والتسويغ إلى التكرير الذي في الراء قال الشيخ وسمى الضاد مستطيلا؛ لأنه استطال حتى اتصل بمخرج اللام قال مكي: والاستطالة تمدد عند بيان الضاد للجهر والإطباق والاستعلاء وتمكنها من أول حافة اللسان إلى منتهى طرفه فاستطالت بذلك فلحقت بمخرج اللام ومعنى ليس بأغفلا؛ أي: معجم احترز بذلك من الاشتباه بالصاد.
١١٥٨-
كَمَا اْلأَلِفُ الْهَاوِي وَ"آوِي" لِعِلَّةٍ ... وَفِي "قُطْبِ جَدٍّ" خَمْسُ قَلْقَلَةٍ عُلا
أي: ويقال لحرف الألف الهاوي قال سيبويه هو حرف تسع لهواء الصوت مخرجه أشد من اتساع مخرج الياء والواو؛ لأنك قد تضم شفتيك في الواو وترفع في الياء لسانك قبل الحنك وقال الشيخ أبو عمرو: الهاوي الألف؛ لأنه في الحقيقة راجع إلى الصوت الهاوي الذي بعد الفتحة وهذا وإن شاركه الواو والياء فيه إلا أنه يفارقها من وجهين أحدهما ما تحسه عند الواو والياء من التعرض لمخرجيهما والآخر اتساع هواء الألف؛ لأنه صوت بعد الفتحة فيكون الفم فيه مفتوحا بخلاف الضمة والكسرة فإنه لا يكون كذلك فلذلك اتسع هواء صوت الألف أكثر في الواو والياء وقوله: وآوى لعلة؛ أي: حروف كلمة آوى وهو فعل مضارع للإخبار عن المتكلم من آوى ويؤاوي فهو أربعة أحرف همزة ثم ألف وواو وياء ومعنى لعلة؛ أي: هي حروف العلة؛ أي: متهيئة لذلك معدة له يريد أنها حروف العلة؛ أي: الاعتلال لما يعتريها من القلب والإبدال على ما هو معروف في علم التصريف ولم يعد أكثر المصنفين حروف العلة إلا ثلاثة، وزاد الناظم فيها الهمزة لما يدخلها من أنواع التخفيف بالحذف والتسهيل والقلب، ومنهم من عد الهاء منها؛ لانقلابها همزة في نحو ماء وأيهات، وتسمى أيضا الحروف الثلاثة الهوائية؛ لأنها تخرج في هواء الفم قال ابن مريم الشيرازي: وقد يقال لها أيضا الهاوية؛ لأنها تهوى في الفم وليس لها حياز من الفم يعتمد في خروجها عليها قال وبعض النحويين يجعل الألف وحده هو الهاوي قال ولا شك في أن الألف أشد هويا في الفم؛ لأنه أشد امتدادا واستطالة فهو يتمحض للمد، ثم ذكر الناظم حروف القلقلة وهي خمسة وجمعها في قوله: قطب جد وهذا جمع حسن، وقال غيره: جد بطق وقد طبج، ومعنى طبج حمق وهو بكسر الباء ومنهم من يفتحها وفسره بعاب وأضاف خمس إلى القلقلة كما أضاف في سبع ما سبق علو وعلا نعت لقوله: خمس قلقلة؛ أي: خمس عالية؛ أي: معروفة ظاهرة؛ لأن العالي أبدا ظاهرا قال الداني هي حروف مشربة ضغطت من مواضعها فإذا وقف عليها خرج معها صوت من الفم ونبا اللسان عن موضعه وقال مكي القلقلة صويت حادث عند خروج حرفها لضغطه عن موضعه ولا يكون إلا عند
стр. 775
الوقف ولا يستطاع أن يوقف عليه دونها مع طلب إظهار ذاته وهي مع الروم أشد، قال الشيخ: سميت بذلك؛ لأنك إذا وقفت عليها تقلقل اللسان حتى تسمع عند الوقف على الحرف منها نبرة تتبعه، وقال الشيخ أبو عمرو: سميت بذلك إما؛ لأن صوتها صوت أشد الحروف أخذا من القلقلة التي هي صوت الأشياء اليابسة وإما؛ لأن صوتها لا يكاد يتبين به سكونها ما لم يخرج إلى شبه التحريك يشبه أمرها من قولهم: قلقله إذا حركه، وإنما حصل لها ذلك لاتفاق كونها شديدة مجهورة فالجهر يمنع النفس أن يجري معها، والشدة تمنع أن يجري صوتها فلما اجتمع لها هذان الوصفان وهو امتناع جري النفس معها وامتناع جري صوتها احتاجت إلى التكلف في بيانها فلذلك يحصل من الضغط للمتكلم عند النطق بها ساكنة حتى تكاد تخرج إلى شبه تحركها؛ لقصد بيانها؛ إذ لولا ذلك لم يتبين؛ لأنه إذا امتنع النفس والصوت تقدر بيانها ما لم يتكلف بإظهار أمرها على الوجه المذكور، وقال ابن مريم الشيرازي: وهي حروف مشربة في مخارجها إلا أنها لا تضغط ضغط الحروف المطبقة غير أنها قريبة منها فإن فيها أصواتا كالحركات تتقلقل عند خروجها؛ أي: تضطرب، ولهذا سميت حروف القلقلة قال: وزعم بعضهم أن الضاد والزاي والذال والطا منها؛ لثبوتها وضغطها في مواضعها إلا أنها وإن كانت مشربة في مخارجها فإنها غير مضغوطة كضغط الحروف الخمسة المذكورة ولكن يخرج معها عند الوقف عليها شبه النفخ قال: وامتحان حروف القلقلة أن تقف عليها فإذا وقفت خرج منها صويت كالنفح لنشرها في اللها واللسان.
١١٥٩-
وَأَعْرَفُهُنَّ القَافُ كُلُّ يَعُدُّهَا ... فَهذَا مَعَ التَّوْفِيقِ كَافٍ مُحَصِّلا
أي: أعرف القلقلة القاف؛ أي: هي المشهورة بذلك المتضح فيها هذا الوصف فاعرف هذا الموضع هو من التفضيل في باب المفعول وهو مما شذ في كلامهم مثل هو أحد منه وأشهر ثم قال: كي يعدها؛ أي: هي مجمع على عدها من حروف القلقلة، قال الشيخ أبو الحسن: قالوا: أصل القلقلة للقاف؛ لأن ما يحس به من شدة الصوت المتصعد من الصدر مع الضغط والحقر فيه أكثر من غيره قال: وعد المبرد منها الكاف إلا أنه جعلها دون القاف؛ لأن حصر القاف أشد قال المبرد: وهذه القلقلة بعضها أشد من بعض فإذا وصلت ذهبت تلك النبرة؛ لأنك أخرجت لسانك عنها إلى صوت آخر فحال بينه وبين الاستقرار، فهذا آخر الكلام في صفات الحروف التي تعرض الناظم لذكرها وهي منقسمة إلى ما يشعر بقوة وإلى ما يشعر بضعف والجهر والشدة والاستعلاء والإطباق والصفير والقلقلة والتكرير والتفشي والاستطالة والانحراف علامات القوة، أما الهمس والرخاوة والتسفل والانفتاح والمد والاعتلال والهوى فعلامات الضعف فلا تغفل في تطلب تجويد القراءة من مراتب الحروف على حسب تمكنها من القوة والضعف وليست صفات القوة ولا صفات الضعف متساوية فكل قسم منها مختلف المراتب، وقد اتفق له اللفظ بجميع الحروف في هذه الصفات التي ذكرها سوى الزاي المعجمة، وفيها من الصفات ما ذكره في البيت الأول وهو وجهر ورخو وانفتاح صفاتها ومستفل، وعرف ذلك وغيره من ضد ما ذكره والله أعلم، وقوله: فهذا مع التوفيق كاف؛ أي: فهذا الذي ذكرته إذا وفق الله من عرفه يكفيه في هذا العلم ومحصلا مفعول كاف؛ أي: يكفي الطالب المشتغل المحصل ويجوز أن يكون حالا من الضمير في كاف؛ أي: في حال كونه محصلا لغرض الطالب محتويا عليه.
стр. 776
١١٦٠-
وَقَدْ وَفقَ اللهُ الكَرِيمُ بِمَنِّهِ ... لإِكْمَالِهَا حَسْنَاءَ مَيْمُونَةَ الْجِلا
المن الأنعام وحسناء ميمونة حالان ومعنى ميمونة الجلا مباركة البروز؛ أي: كما ظهرت للناس كانت مباركة الطلعة وقد صدق ﵁ فإن بركتها عمت كل من حفظها وأتقنها ولو لم يكن إلا كثرة الفوائد الحاصلة من ناظمها:
١١٦١-
وَأَبْيَاتُهَا أَلْفٌ تَزِيدُ ثَلاثَةً ... وَمَعْ مائَةٍ سَبْعِينَ زُهْرًا وَكُمَّلا
فاعل تزيد ضمير راجع إلى الأبيات لا إلى الألف؛ فإن الألف تذكر وثلاثة نصب على التمييز وسبعين عطف عليه، والتقدير: وتزيد أيضا سبعين مع مائة فصار المجموع ألفا ومائة وثلاثة وسبعين وزهرا وكملا حالان من الضمير في تزيد الراجع إلى الأبيات؛ أي: هي زاهرة كاملة؛ يعني: مضيئة كاملة الأوصاف ويجوز أن يكونا صفتين للتمييز؛ أي: تزيد أبياتها على الألف أبياتا زاهرة وكاملة والوجه الأول أولى؛ لأنه أعم وصفا؛ لأنه يفيد وصف الجميع بخلاف الوجه الثاني:
١١٦٢-
وَقَدْ كُسِيَتْ مِنْهَا الْمَعَانِي عِنَايَةً ... كَمَا عَرِيَتْ عَنْ كُلِّ عَوْرَاءَ مِفْصَلا
أثنى في هذا البيت على معانيها وألفاظها فنصب عناية على أنه فعولي كسيت؛ أي: أنه اعتنى بها فجاءت شريفة المعاني حسنة المباني، وقابل بين الكسوة والعري فقال: كسيت معانيها عناية وعريت في التعبير عنها عن كل جملة عورا؛ أي: لا تنبيء عن المعنى المقصود فهي ناقصة معينة ونصب مفصلا على التمييز؛ أي: عن كل جملة عابت مفصلا والمفصل العضو؛ أي: عن كل ما قبح مفصله ويجوز أن يكون فاعل عريت ضميرا عائدا على القصيدة ومفصلا تمييز منه؛ أي: كما عريت مفاصلها عن العيوب وعني بذلك القافية أو جميع أجزاء القصيدة جعلها عروسا حسناء ميمونة الجلوة منزهة المفاصل عن العيوب على طولها وصعوبة مسلكها قال الشيخ ﵀ وغيره ينظم أرجوزة؛ يعني: على قواف شتى فيضطره النظم إلى أن يأتي في قوافيها ومقاطعها وأجزائها بما تمجه الأسماع.
١١٦٣-
وَتَمَّتْ بِحَمْدِ اللهِ فِي الْخَلْقِ سَهْلَةً ... مُنَزَّهَةً عَنْ مَنْطِقِ الْهُجْرِ مِقْوَلا
سهولة خلقها انقيادها لمن طلبها؛ أي: إن كل أحد ينقل منها القراءات إذا عرف رموزها من غير صعوبة ولا كلفة ونصب سهلة ومنزهة على الحال ومقولا تمييز وهو اللسان والهجر الفحش؛ أي: ليس فيها كلمة قبيحة يستحي من سماعها.
١١٦٤-
وَلكِنَّهَا تَبْغِي مِنَ النَّاسِ كُفْؤَهَا ... أَخَائِقَةٍ يَعْفُو وَيُغْضِي تَجَمُّلا
стр. 777
الكفؤ المماثل، وأخائفة صفة للكفؤ أو بدل منه والإغضاء الستر، ونصب تجملا على أنه مفعول من أجله جعل كفؤها من كان بهذه الصفة؛ لأنه لثقته يعترف بأحسن ما فيها ويقف ويقضي عن الازدراء لما لا بد للبشر منه، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ، ثم إذا كان هذا الكفؤ أهلا لانتقادها فهو عالم وحينئذ يرى فيها من الفوائد والغرائب ما يغضي معه عن شيء يراه ولا يعجبه منها إلا أن يذكره على سبيل التنبيه على الفائدة كما أشرنا إليه في مواضع منها فإن هذه طريقة العلماء نصحا لمن يقف عليه ممن لا يبلغ درجته في العلم ذلك والمعاملة مع الله سبحانه، والأعمال بالنيات سهل الله تعالى لمن يقف على كامنا أن يعاملنا تلك المعاملة لكن الزمان قد فسد وكثر من أهله النكد فما يرضون عن أحد والمستعان عليهم ربنا الواحد الصمد.
١١٦٥-
وَلَيْسَ لَهَا إِلا ذُنُوبُ وَلِيِّهَا ... فَيَا طَيِّبَ الأَنْفَاسِ أَحْسِنْ تَأَوُّلا
وليها؛ أي: ناظمها؛ أي: أنها لما تكاملت صفات حسنها يعرو مفاصلها عن كل عوراء وكونها سهلة الخلق واعتنى بمعانيها ابتغت عند ذلك كفؤا يصلح للاتصال بها فما فيها ما يمنع الكفؤ منها إلا ذنوب وليها المتولي أمرها وكل هذه استعارات حسنة ملائم بعضها لبعض؛ يعني: أن صد الناس عنها أمر فما هو إلا ما يعلمه وليها في نفسه وإنما قال ذلك ﵀ تواضعا لله والمؤمن يهجم نفسه بين يدي الله تعالى ويعترف بتقصيره في طاعته ولو بلغ منها ما بلغ وإلا فوليها ﵀ كان أحد أولياء الله تعالى وقد لقيت جماعة من أصحابه مشايخ أئمة أكابر في أعيان هذه الأمة بمصر والشام وكلهم يعتقد فيه ذلك وأكثر منه مع إجلال له وتعظيم وتوقير حتى حملني ذلك منهم على أن قلت:
لقيت جماعة فضلاء فازوا ... بصحبة شيخ مصر الشاطبي
وكلهم يعظمه كثيرا ... كتعظيم الصحابة للنبي
وكأنه ﵀ أشار بقوله: فيا طيب الأنفاس أحسن تأولا إلى ذلك؛ أي: احمل كلامي على أحسن محامله وهو ما حملناه عليه من التواضع وهو كما قال أبو بكر الصديق ﵁ وليت عليكم ولست بخيركم وكقول عمر ابن عبد العزيز ﵁ في خطبته بعد ما وعظ، وذكر أما أني أقول لكم ولا أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما عندي أو كما قال، وكان الناظم يقول الغرض بها أن ينفع الله بها عباده وينفع بالتعب عليها قائلها فإذا كان مذنبا عاصيا خشي أن يخمد الله علمه فلا ينتفع به أحد ثم إنه ﵀ قال فيما أخبرني عنه شيخنا أبو الحسن وغيره لا يقرأ أحد قصيدتي هذه إلا وينفعه الله تعالى بها؛ لأني نظمتها لله وتأولا مفعول أحسن أو تمييز كما تقول طب نفسا وقر عينا لتطيب نفسك ولتقر عينك وليحسن تأويلك للكلام وذلك بحمله على أحسن محامله.
١١٦٦-
وَقُلْ رَحِمَ الرَّحمنُّ حَيًّا وَمَيِّتًا ... فَتًى كَانَ لِلإِنْصَافِ وَالْحِلْمِ مَعْقِلا
فتى مفعول رحم وحيا وميتا حالان منه متقدمان عليه وهذا اللفظ وجدته للإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل لما أرسل إليه آدم بن أبي إياس يعظه ويقوي نفسه على الصبر في أيام المحنة إذ كان محبوسا فقال أحمد حيا وميتا؛ يعني: آدم ذكره الخطيب أبو بكر في تاريخه في ترجمة آدم ثم وصف المفتي بقوله: للإنصاف والحلم معقلا؛ أي: حصنا
стр. 778
أو موضعا لعقل الإنصاف والحلم وقد حمل الشيخ وغيره هذا البيت على أن الناظم عنى بالفتى نفسه ومدحها بذلك فاستبعدت ذلك من جهة أنه غير ملائم لتواضعه بقوله: وليس إلا ذنوب وليها ولا هو مناسب لطلب الترحم عليه فإن اللائق أن يقال: اللهم ارحم عبدك الفقير إليك وهو ذلك فيما إذا أريد به شخص معين ولا نزكي ذلك الشخص أما إذا كان الدعاء لعموم من اتصف بتلك الصفة فإنه سائغ نحو اللهم ارحم أهل الحلم والكرم والعلم فاستنبطت له وجهين آخرين أحدهما أنه أمر بالترحم على من كانت هذه صفته؛ لأنه ندب إلى الإنصاف بنحو ذلك من قبل حين قال أخائقة يعفو ويغضي تجملا وبقوله:
فيا طيب الأنفاس أحسن تأولا
فكأنه قال: وقل رحم الله من كان بهذه الصفة ثم قال: عسى الله يدني سعيه؛ أي: سعى وليها المذكور في قوله: وليس لها إلا ذنوب وليها فيكون الابتداء ترج منه أو يكون داخلا في المقول؛ أي: قل هذا وهذا؛ أي: ادع لمن اتصف بتلك الصفة وادع لناظم القصيدة، ووليها الوجه الثاني أن يكون المأمور به في قوله: وقل البيت الآخر وهو عسى الله يدني سعيه؛ أي: قل ذلك وترجه من الله تعالى ويكون قوله: رحم الرحمن حيا وميتا دعاء من المصنف لمن اتصف بهذه الصفات وهو كلام معترض بن فعل الأمر والمأمور به وكلاهما وجه حسن.
١١٦٧-
عَسَى اللهُ يُدْنِي سَعْيَهُ بِجِوَارِهِ ... وَإِنْ كَانَ زَيْفًا غَيْرَ خَافٍ مُزَلَّلا
يدني؛ أي: يقرب سعيه؛ أي: ما سعى له من عمل البر بجوازه؛ أي: بأن يجعله جائزا فلا يرده بل يتقبله على ما فيه من الخلل فأومأ إلى ذلك بقوله: وإن كان زيفا؛ أي: رديئا يقال للدرهم الرديء: زيف وزايف، وأراد بقوله: غير خاف؛ أي: زيفه ظاهر لا يخفى على من له بصيرة بالأعمال الصالحة ومزللا مثل زيفا يقال زلت الدراهم؛ أي: نفقت في الوزن فمزلل بمعنى منقوص هذا كله إن كان اسم كان ضميرا عائدا على السعي وإن عاد على الناظم صاحب السعي فالمعنى أنها منسوب إلى الزلل والزلة الخطيئة وكل ما ذكرناه على أن تكون الهاء في بجوازه للسعي، ويجوز أن تكون للساعي؛ أي: يدني سعيه بأن يجوز وليه الصراط يقال جزت الموضع أجوزه جوازا إذا سلكته فالمصدر في بجوازه مضافا إلى فاعله ويجوز أن يكون مضافا إلى مفعوله على أن يكون من الجواز بمعنى السقي؛ أي: لسقيه من الحوض يوم العطش الأكبر؛ أي: يكون ذلك من علامة إدناء سعيه وتقريبه وقبوله جعلنا الله كذلك آمين.
١١٦٨-
فَيا خَيْرَ غَفَّارٍ وَيَا خَيْرَ رَاحِمٍ ... وَيا خَيْرَ مَأْمُولٍ جَدًا وَتَفَضُّلا
الجد بالقصر العطية وبالمد الغنا والنفع فيجوز أن يكون قصر الممدود وهو تفضلا منصوبان على التمييز.
١١٦٩-
أَقِلْ عَثْرَتِي وَانْفَعْ بِها وَبِقَصْدِها ... حَنَانَيْكَ يَا اللهُ يَا رَافِعَ الْعُلا
العبرة الزلة والإقالة فيها الخلاص من تبعها وأنفع بها؛ أي: بهذه القصيدة من طلب النفع بها وبقصدها يعني
стр. 779
من قصد الانتفاع بها وإن لم يقو عليها فانفعه بقصده ويدخل الناظم في هذا الدعاء؛ لأنه قصد نظمها ونفع الناس بها وقد حقق الله رجاءه واستجاب دعاءه ثم قال: حنانيك فطلب التحنن من الله تعالى وهذا أحد المصادر التي جاءت بلفظ التثنية المضافة إلى المخاطب نحو لبيك وسعديك والمراد بها المداومة والكثرة؛ أي: تحنن علينا تحننا بعد تحنن وقطع همزة اسم الله في النداء جائز تفخيما له واستعانة به على مد حرف النداء مبالغة في الطلب والرغبة ثم كرر النداء بقوله: يا رافع العلا؛ أي: يا رافع السموات العلى كما قال تعالى تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى.
١١٧٠-
وَآخِرُ دَعْوَانَا بِتَوْفِيقِ رَبِّنَا ... أَنِ الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي وَحْدَهُ عَلا
ختم دعاءه بالحمد كما قال الله تعالى إخبارا عن أهل الجنة جعلنا الله بكرمه منهم: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فالباء في بتوفيق ربنا يجوز أن يتعلق بدعوانا؛ لأنه مصدر كما تقول دعوت بالرحمة والمغفرة ويجوز أن تكون باء السبب؛ أي: إنما كان آخر دعوانا أن الحمد لله بسبب توفيق ربنا؛ لاتباع هذه السنة التي لأهل الجنة.
١١٧١-
وَبَعْدُ صَلاةُ اللهِ ثُمَّ سَلامُهُ ... عَلَى سَيِّدِ الْخَلْقِ الرضَا مُتَنَخِّلا
أي: وبعد تحميد الله تعالى، وذكره فنصلي ونسلم على رسول الله ﷺ فقوله: صلاة الله ثم سلامه مبتدأ وخبره على سيد الخلق؛ أي: حالان عليه والرضى نعت؛ أي: المرتضي ومتنخلا نصب على الحال؛ أي: مختارا ثم بينه فقال:
١١٧٢-
مُحَمَّدٌ الْمُخْتَارُ لِلْمَجْدِ كَعْبَةً ... صَلاةً تُبَارِي الرِّيحَ مِسْكًا وَمَنْدَلا
محمد عطف بيان وكعبة ثاني مفعولي المختار؛ لأنه اسم مفعول واقع صلة للألف أو اللام والتقدير: الذي اختير كعبة واللام في للمجد يجوز أن تكون للتعليل؛ أي: اختير كعبة تؤم وتقصد من أجل المجد الحاصل له في الدارين ويجوز أن تكون من تتمة قوله: كعبة؛ أي: كعبة للمجد؛ أي: لا مجد أشرف من محمد كما أن كعبة مكة شرفها الله تعالى أشرف ما فيها أو على معنى أن المجد طائف كما يطاف بالكعبة وقول الناس هو كعبة الكرم إنما يراد به أن يحج إليه ويقصد من أجل كرمه كالكعبة وهذه المعاني كلها موجودة في المصطفى ﷺ وصلاة نصب على المصدر؛ أي: أصلي صلاة هذه صفتها أو يكون منصوبا على المدح؛ لأن ما تقدم من قوله: صلاة الله يغني عن هذا التقدير: ومعنى تباري الريح تعارضها وتجري جريها في العموم والكثرة ومسكا ومندلا حالان؛ أي: ذات مسك ومندل وهو العود أو صلاة طيبة فيكونان صفة لها والطيب يكنى به عن الثناء الحسن ويجوز أن يكونا تمييز بن كمال يقال فلان تيار الريح سخاء؛ أي: يجري سخاوة جريها وتعم عموم هبوبها فالمعنى تباريها مسكها أو مندلها والريح أيضا تحمل الرائحة الطيبة مما تمر به من النبات الطيب الريح فقد اتضحت مباراة الصلاة للريح في حالة الطيب من الجهتين.
стр. 780
١١٧٣-
وَتُبْدِي عَلَى أَصْحَابِهِ نَفَحَاتِهَا ... بِغَيْرِ تَنَاهٍ زَرْنَبًا وَقَرَنْفُلا
أي: وتشهر هذه الصلاة على أصحاب النبي ﷺ ورضي عنهم نفحاتها بغير تناه؛ أي: لا نهاية لها ولا تناهي لإصابتها إياهم؛ أي: دائمة سرمدية وزرنبا وقرنفلا حالان؛ أي: مشبهة ذلك وهذا مما يقوي أن مسكا ومندلا في البيت السابق أيضا حالان فالقرنفل معروف والزرنب ضرب من النبات طيب الرائحة كرائحة الأترج ورقه كورق الطرفاء، وقيل: كورق الخلاف وفي حديث أم زرعة زوجي المس مس أرنب والريح ريح زرنب، وقال الشاعر:
بأبي أنت وقول الأشيب ... كأنما زر عليه الزرنب
أو زنجبيل وهو عندي أطيب والزرنب والقرنفل دون المسك والمندل من الطيب فحسن تشبيه الصلاة على الصحابة بذلك؛ لأنهم في الصلاة تبع للنبي ﷺ فلهذا أصابتهم نفحاتها وبركاتها ﵃ وأرضاهم آمين آمين آمين، وقد تم الكتاب والحمد لله رب العالمين.
стр. 781
الفهرس:
صحيفة
٣ خطبة الكتاب
بيان من نقل عنهم شيء من وجوه القراءات من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
بيان أسماء أئمة القراءات بالأمصار الخمسة
بيان ضابط تمييز ما يعتمد عليه من القراءات وما يطرح
٦ فصل في ذكر القراء السبعة
١٢ بعض ما جاء في فضائل القرآن العزيز وفضل قراءته
٢٣ بيان القراء السبعة وروانهم وأخبارهم
٣٤ بيان الرموز التي يشير بها الناظم إلى القراء السبعة ورواتهم
٣٩ بيان اصطلاح الناظم في التعبير عن أوجه الخلاف
٦١ باب الاستعاذة
٦٤ باب البسملة
٦٨ سورة أم القرآن
٦٧ باب الإدغام الكبير
٨٧ باب إدغام الحرفين المتقاربين في كلمة وفي كلمتين
١٠٢ باب هاء الكناية
١١٣ باب المد والقصر
١٢٦ باب الهمزتين من كلمتين
١٤٧ باب الهمز المفرد
١٥٥ باب نقل حركة الهمز إلى الساكن قبلها
١٦٥ باب وقف حمزة وهشام على الهمز
١٨٣ باب الإظهار والإدغام
١٨٦ ذكر ذال إذ
١٨٧ ذكر دال قد
١٨٨ ذكر تاء التأنيث
١٩٠ ذكر لام "هل" و"بل"
١٩٢ باب اتفاقهم في إدغام إد وقد وتاء التأنيث وهل وبل
١٩٥ باب حروف قربت مخارجها
٢٠١ باب أحكام النون الساكنة والتنوين
٢٠٣ باب الفتح والإمالة وبين اللفظين
٢٤٢ باب مذهب الكسائي في إمالة هاء التأنيث في الوقف
٢٤٨ باب الراءات
٢٦١ باب اللامات
٢٦٦ باب الوقف على أواخر الكلم
٢٧٣ باب للوقف على مرسوم الخط
٢٨٢ باب مذاهبهم في ياءات الإضافة
٣٠٤ باب مذاهبهم في الزوائد
٣١٩ باب فرش الحروف
٣١٩ سورة البقرة
стр. 782
صحيفة
٣٨١ سورة آل عمران
٤١٠ سورة النساء
٤٢٦ سورة المائدة
٤٣٨ سورة الأنعام
٤٧١ سورة الأعراف
٤٨٩ سورة الأنفال
٤٩٧ سورة التوبة
٥٠٣ سورة يونس ﵇
٥١٣ سورة هود ﵇
٥٣١ سورة يوسف ﵇
٥٤١ سورة الرعد
٥٤٩ سورة إبراهيم
٥٥٥ سورة الحجر
٥٥٧ سورة النحل
٥٦١ سورة الإسراء
٥٦٦ سورة الكهف
٥٨١ سورة مريم ﵍
٥٨٧ سورة طه
٥٩٨ سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
٦٠٣ سورة الحج
٦٠٨ سورة المؤمنون
٦١٢ سورة النور
٦١٧ سورة الفرقان
٦٢١ سورة الشعراء
٦٢٥ سورة النمل
٦٣٦ سورة القصص
٦٣٦ سورة العنكبوت
٦٤٠ ومن سورة الروم إلى سورة سبأ
٦٥١ سورة سبأ وفاطر
٦٥٨ سورة يس
٦٦٢ سورة الصافات
٦٦٧ سورة ص
٦٦٩ سورة الزمر
٦٧١ سورة غافر
٦٧٤ سورة فصلت
٦٧٥ سورة الشورى والزخرف والدخان
٦٨٣ سورة الشريعة والأحقاف
٦٨٧ ومن سورة محمد ﷺ إلى سورة الرحمن
٦٩٤ سورة الرحمن
٦٩٧ سورة الواقعة والحديد
٦٩٩ ومن سورة المجادلة إلى سورة ن
٧٠٥ ومن سورة ن إلى سورة النبأ
٧١٨ ومن سورة النبأ إلى سورة العلق
٧٢٦ ومن سورة العلق إلى آخر القرآن
٧٣٠ باب التكبير
باب مخارج الحروف وصفاتها
стр. 783
مقدمات
تصدير
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تصدير:
الحمد لله الذي أكرمنا بكتابه المنزل، وشرفنا نبيه المرسل، أحمده على ما ولانا من مننه، وخصنا به من جزيل نعمه، حمدًا كثيرًا طيبا مباركا.
وأشهد أن لا إله إلا الله، أضاء بالقرآن القلوب، سبحانه أنزله بأجزل لفظ وأعذب أسلوب.
وأشهد أن سيدنا محمد نبي الرحمة ومبلغ الحكمة وشفيع الأمة وعلى أهله وسلم تسليما.
وبعد:
فلا يعزب عن ذوي الألباب أن علم قراءة القرآن أقدم العلوم في الإسلام نشأة وعهدًا، وأشرفها منزلة ومحتدًا، حيث إن أول ما تعلمه الصحابة من علوم الدين كان حفظ القرآن وقراءته.
ثم لما اختلف الناس في قراءة القرآن وضبط ألفاظه مست الحاجة إلى علم يميز به الصحيح المتواتر والشاذ النادر. ويتقرر به ما يسوغ القراءة الذي تصدر لتدوينه الأئمة الأعلام من المتقدمين.
والحق أن تدوين علم القراءات أفاد المسلمين فائدة لم تحفظ بها أمة سواهم، وذلك أن البحث في مخارج الحروف، والاهتمام بضبطها على وجوهها الصحيحة؛ ليتيسر تلاوة كلمات القرآن على أفصح وجه وأبينه، كان من أبلغ العوامل في عناية الأمة بدقائق اللغة العربية الفصحى، وأسرارها وكانت ثمرة هذا الاهتمام والجهد أن القراء تشربوا بمزايا اللغة وقواعدها ودقائقها.
ومما يؤيد ذلك أن الكثيرين من قدماء النحويين كـ "الفراء" "والخليل بن أحمد الفراهيدي"
стр. 784
و"سيبويه" و"ابن كيسان" و"المبرد" و"الجرمي" وغيرهم، كانوا مبرزين في علم القراءات كما كان الكثيرون من أئمة القراء كـ "أبي عمرو بن العلاء" و"على الكسائي" بازعين في علم النحو.
هذا. فكل من يتصدى للنظر في تاريخ اللغة العربية، والقضايا التي تتناولها كتب النحويين، أو البحث في نوع اللغات واختلافها، بحسب الأقطار والأمصار، ينبغي له أن يتبع علم القراءات والتجويد.
ومن شرع في درس معاني القرآن واستقصاء لطائفه واستخراج حقائقه، ثم اعتمد على القراءة الوحيدة التي يحدها في المصحف الذي بين بديه فقط، من غير الثقات إلى روايات الأئمة الآخرين، فقد غفل عن أمر ذي بال، هو: أنه لا فضل لإحدى الروايات على الأخرى في الصحة فترجح رواية على رواية.
هذا.
ولقد منَّ الله على شخصي الضعيف إذ أعانني على تحقيق وتقديم كتاب "إبراز المعاني في حرز الأماني" في القراءات السبع، الذي صنفه الإمام الكبير "عبد الرحمن بن إسماعيل" المعروف بأبي شامة الدمشقي، وهو يعتبر ولا غرو من أنفع الكتب في هذا العلم، ويعد من أجل التصانيف وألطفها؛ إذ امتاز عن غيره -معسبقه وتقدمه- بالتصدي لبيان توجيه القراءات من لغة العرب، واهتمامه بقضايا الإعراب، وتفرده ﵀ بإصلاح ما عن له إصلاح من أبيات القصيد للمبارك، استجابة منه لقول الناظم "وليصلحه من جاد مقولا" كما اهتم بنظم ياءات الزوائد في نهاية كل سورة من سور القرآن.
ولقد أحسن وأجاد، وأتقن وأفاد، حيث صنف هذا الكتاب على نحو بقرب تناوله، ويسهل فهمه، ويخفف درسه، إذ خلا من الإفراط الممل، ونأى عن التفريط المخل.
وقد شغفت بأبي شامة حيما قرأت كتابه هذا، وحرصت جد الحرص على دراسته بإرادة قوية، وهمة فتية، ونفس طلعة، وكنت كلما عاودت مطالعته وأطلت التأمل فيه بدت لي روعته، وتجلت دقته، فما من موضوع أتناوله بالبحث والتمحيص، إلا وجدت أضواء التحقيق تشرق من سماء عباراته، وأريج التدقيق يعبق من رياض أساليبه.
فلا عجب أن تظل كتبه الدوحة التي يتفيأ في ظلالها الدراسون للقرآن والقراءات، والمنارة التي يهتدي بها الغائصون على درر الوجوه والروايات.
وإني إذ أقدمه إلى القراء: أرجو الله أن يحقق ما إليه قصدت، وفيه رغبت ويعلم الله مدى ما بذلت فيه من جهد. وما أنفقت من وقت، وما تقاضى من مشاق، وحسبي أنها خالصة لوجه الله، وفي سبيل الله.
стр. 785
وقد امتازت هذه الطبعة الجديدة بجمال التنسيق، مع ما أضفت إليها مع درر ثمينة، وفوائد مهمة جليلة، جعلتها بين يدي الكتاب.
أرجو الله أن يجعل عملها خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفعنا به في الدنيا والآخرة، إنه نعم المولى ونعم النصير.
إبراهيم عطوة عوض
القاهرة: غرة ربيع الأول سنة ١٤٠٢هـ
موافق ٢٧ ديسمبر سنة ١٩٨١م.
стр. 786
ترجمة الإمام الشاطبي:
هو ولي الله: أبو القاسم بن فيره بن خلف بن أحمد الرهيني الشاطبي١، نسبة إلى شاطبة "قرية بجزيرة الأندلس".
كان -رحمه الله تعالى- إماما في علوم القرآن، ناسخًا لكتاب الله تعالى، متقنًا لأصول العربية، رحلة في الحديث، تُضبَط نُسخ الصحيحين من لفظه، غاية في الذكاء، حاذقا في تعبير الرؤيا، مجيدا في النظم، متواضعًا لله تعالى، قدوة في الصلاح، ذا بصيرة صافية، يلوح منه الكرامات.
كان يعذل أصحابه على أشياء ما اطلع عليها، وسمع الأذان بجامع مصر من غير المؤذنين مرارًا، وكان محفوظ اللسان، يمنع جلساءه من فضول الكلام، لا يجلس للإقراء إلا متطهرا، خاشعًا لله تعالى، له تصانيف حسنة، فمن نظمه قصيدة دالية، في كتاب التمهيد لابن عبد البر، من فهمها أحاط بالكتاب علما.
ومنه:
بكى الناس قبلي، لا كمثل مصائبي ... بدمع مطيع كالسحاب الصوائب
ومنه:
يلومونني إذ ما وجدت سلايما ... وما لي مليم حسن سمت الأكادما
ومنه في ظاءات القرآن العظيم.
ومن نظمه: رائيته في الرسم فائقة، ورائيته في العدد، وواسطة عقد تصانيفه القصيد الذي ساد في الأمصار، وتلقاه بالقبول علماء الأعصار.
أخذ القراءة عن الشيخ الإمام أبي الحسن علي بن هذيل، عن أبي داود سليمان بن أبي القاسم الأموي، عن الإمام أبي عمرو الداني، وعن الشيخ أبي عبد الله محمد بن العاصي النفزي، عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن الحسن، عن أبي الحسن علي بن عبد الرحمن الأنصاري، وعن أبي داود سليمان الأموي على الشيخ أبي عمرو الداني، رحمهم الله تعالى.
ولد آخر سنة ثمانٍ وثلاثين وخمسائة، وتوفي بمصر عصر الأحد آخر جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة ودفن بمقبر البيساني. "عرفت الناحية بسارية" بسفح جبل المقطم.
قلت مرثيًا له:
سقت سحب الرضوان طلًا ووابلا ... ثرًى ضم شخص الشاطبي المسدد
إمام فريد بارع متورع ... صبور طهور ذو عفاف مؤيد
ذكا علمه، فاختاره الناس قدوة ... فكم عالم من دره متقلد
هنيئا ولى الله بالخلد ثاويا ... يعيش رغيد في ظلال مؤبد
стр. 787
الشيخ شهاب الدين أبو شامة:
عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان بن أبي بكر بن عباس: أبو محمد وأبو القاسم المقدسي، ثم الدمشقي الشافعي المقرئ النحوي الشيخ الإمام العالم الحافظ المحدث الفقيه المؤرخ، المعروف بأبي شامة١ شيخ دار الحديث الأشرفية، ومدرس الركنية.
مولده:
ولد سنة تسع وتسعين وخمس مائة -وكمل القراءات وهو حدث.
شيوخه:
الشيخ علم الدين السخاوي، وهو تلميذ الإمام الشاطبي، وروى الحروف عن أبي القاسم بن عيسى بالإسكندرية، وسمع الصحيح من داود بن ملاعب، وأحمد بن عبد الله السلمي، وسمع مسند الشافعي من الشيخ موفق الدين المقدسي.
وحبب إليه طالب الحديث سنة بضع وثلاثين وستمائة، فسمع أولًا من كريمة، وأبي إسحاق بن الخشوعي، وطائفة وأتقن علم اللحان، وبرع في القراءات، وتفقه على الفخر بن عساكر، وابن عبد السلام، والسيف الآمدي، والشيخ موفق الدين الدين بن قدامة.
تلاميذه:
وأخذ عنه القراءات الشيخ شهاب الدين حسين بن الكفري، وحمد بن موفق اللبان، وأخذ عنه الحروف وشرح الشاطبية الشيخ شرف الدين أحمد بن سياح الفزازي، وإبراهيم بن فلاح الإسكندراني.
مواهبه:
وكان أوحد زمانه: كتب وألف، وصنف الكثير في أنواع من العلوم.
وكان مع براعته في العلوم متواضعا، تاركا للتكلف، ثقة في العقل.
وكان فوق حاجبه الأيسر شامة كبيرة عرف بها
وكان ذا فنون كثيرة.
قال علم الدين البرزالي الحافظ عن الشيخ تاج الدين الفزاري: إنه كان يقول: بلغ الشيخ شهاب الدين أبو شامة مرتبة الاجتهاد، وقد كان ينظم أشعارًا في أوقات، فمنها ما هو مستحلى، ومنها ما لا يستحلى. فالله يغفر له ولنا.
стр. 788
وبالجملة: فلم يكن في وقته مثله في نفسه، وديانته، وعفته، وأمانته.
وفاته:
وكانت وفاته بسبب محنة، ألبوا عليه، وأرسلوا إليه من اغتاله وهو بمنزل له بطواحين الأشنان.
وقد كان اتهم برأي [الظاهر براءته منه] .
وقد قال جماعة من أهل الحديث وغيرهم: إنه كان مظلوما. ولم يزل يكتب في التاريخ حتى وصل إلى رجب من هذه السنة. فذكر أنه أصيب بمحنة في منزله بطواحين الأشنان. وكان الذين قتلوه جاءوه قبلا فضربوه ليموت، فلم يمت. فقيل له: ألا تشتكي عليهم؟ فلم يفعل، وأنشأ يقول:
قلت لمن قال ألا تشتكي ... ما قد جرى فهو عظيم جليل
يقيض الله تعالى لنا ... من يأخذ الحق، ويشقي الغليل
إذا توكلنا عليه كفى ... فحسبنا الله ونعم الوكيل
ولكنهم عادوا إليه مرة ثانية، وهو في المنزل المذكور، فقتلوه بالكلية، في ليلة الثلاثاء تاسع عشر رمضان، سنة خمس وستين وستمائة ﵀ ودفن من يومه بمقابر دار الفراديس، وباشر بعده مشيخة دار الحديث الأشرافية الشيخ محيي الدين النووي.
وفي هذه السنة كان مولد الحافظ علم الدين القاسم بن محمد البرزالي. وقد ذيل على تاريخ أبي شامة؛ لأن مولده في سنة وفاته، فحذا حذوه، وسلك نحوه، ورتب ترتيبه، وهذب تهذيبه.
فلله در الإمام أبي شامة قارئًا، ومقرئًا، ومؤلفا، وفقيها، ومحدثا، ومؤرخا، وحافظا، ومجتهدا.
مؤلفاته:
له مؤلفات مفيدة، ومصنفات عديدة، منها:
١- شرح كبير على حرز الأماني لم يستكمل.
٢- إبراز المعاني من حزر الأماني "وهو الذي بين أيدينا".
٣- كتاب الرد إلى الأمر الأول.
٤- اختصار تاريخ دمشق، في مجلدات.
٥- كتاب في المبعث.
٦- كتاب في الإسراء.
٧- كتاب الروضتين في الدولتين: النورية والصلاحية.
٨- الذيل على ذلك.
٩- كتاب إنكار البدع.
стр. 789
الدرة الأولى: فيما يتعلق بطالب العلم في نفسه ومع شيخه
ينبغي لطالب العلم أن يلزم مع شيخه الوقار، والتأدب، والتعظيم، فقد قالوا: "بقدر إجلال الطالب العالم ينتفع الطالب بما يستفيد من علمه".
وإن ناظره في علم فبالسكينة والوقار.
وينبغي أن يعتقد أهليته ورجحانه، فهو أقرب إلى انتفاعه به، ورسوخ ما يسمعه منه في ذهنه.
وقد قالت السادة الصوفية: "من لم ير خطأ شيخه خيرًا من صواب نفسه: لم ينتفع".
فيما يتعلق بطالب العلم.
وقد كان بعضهم إذا ذهب إلى شيخه تصدق بشيء، وقال: "اللهم استر عيب معلمى عني، ولا تذهب بركة علمه مني".
وقال الشافعي رحمه الله تعالى:
"أول سطر كنت أتصفح الورقة بين يدي مالك تصفحا رقيقا؛ هيبة له؛ لئلا يسمع رقعها".
وقال الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والإمام الشافعي ينظر إلي؛ هيبة له.
وعن الإمام علي بن طالب ﵁ قال:
من حق المتعلم أن يسلم على المعلم خاصة، ويخصه بالتحية. وأن يجلس أمامه، ولا يشير عنده بيده، ولا يغمزن بعينه غيره، ولا يقولن له: قال فلان خلاف قولك، ولا يغتاب عنده أحدا، ولا يساور في مجلسه، ولا يأخذ بثوب، ولا يلح عليه إذا كسل، ولا يشبع من طول صحبته.
وقال بعضهم: كنت عند شريك رحمه الله تعالى، فأتاه بعض أولاد المهدي، فاستند إلى الحائط وسأله عن حديث، فلم يلتفت إليه، فأقبل إليها، ثم عاد فعاد مثل ذلك:
فقال: أتستخف بأولاد الخلفاء؟.
قال: لا، ولكن العلم أجل عند الله أن أصونه.
فجثى على ركبتيه.
فقال شريك: هكذا يطلب العلم.
وقالوا: من آداب المتعلم أن يتحرى رضى المعلم، وإن خالف رضى نفسه، ولا يفشي له سرا، وأن يرد
стр. 790
غيبته إذا سمعها، فإن عجز فارق ذلك المجلس، وأن لا يدخل عليه بغير إذن، وإن دخل جماعة قدموا أفضلهم وأسنهم، وأن يدخل كامل الهيئة فارغ القلب من الشواغل، متطهرا متنظفا بسواك، وقص شارب وظفر، وإزالة رائحة كريهة، ويسلم على الحاضرين كلهم بصوت يسمعهم إسماعا محققا، ولا يخص الشيخ بزيادة إكرام وكذلك يسلم إذا انصرف. ففي الحديث الأمر بذلك، ولا يتخطى رقاب الناس، ويجلس حيث انتهى به المجلس، إلا أن يصرح له الشيخ والحاضرون بالتقدم والتخطي، أو يعلم من حالهم إيثار ذلك، ولا يقيم أحدا من مجلسه، فإن آثره غيره بمجلسه لم يأخذه إلا أن يكون في ذلك مصلحة للحاضرين، بأن يقربه من الشيخ، ويذاكره، فينتفع الحاضرون بذلك.
ولا يجلس في وسط الحلقة إلا لضرورة. ولا بين صاحبين إلا برضاهما، وإذا فسحا له قعد وضم، ويحترس في القرب من الشيخ؛ ليفهم كلامه فهما كاملا بلا مشقة وهذا بشرط أن لا يرتفع في المجلس على أفضل منه، ويتأدب مع رفيقه وحاضري المجلس؛ فإن التأدب معهم تأدب للشيخ، واحترام لمجلسه، ويقعد قعدة المتعلمين، لا قعدة المعلمين، وذلك بأن يجثو على ركبتيه كالمتشهد، غير أنه لا يضع يديه على فخذيه.
وليحذر من جعل يده اليسرى خلف ظهره معقدا عليها، ففي الحديث: "إنها قعدة المغضوب عليهم". رواه أبو داود في سننه.
ولا يرفع صوته رفعا بليغا، ولا يكثر الكلام، ولا يلتفت بلا حاجة بل يقبل على الشيخ مصغيا له، فقد جاءت الرواية: "حدث الناس ما رموك بأبصارهم" أو نحوه.
ولا يسبقهم إلى شرح مسئلة أو جواب سؤال. إلا إن علم من حال الشيخ إبثارا، ليستدل به على على فضيلة المتعمل، ولا يقرأ عنده حال اشتغال قلب الشيخ وملله، ولا يسأل عن شيء في غير موضعه، إلا إن علم من حاله أنه لا يكرهه، ولا يلح في السؤال إلحاحا مضجرا، وإذا مشى كان يمين الشيخ، ولا يسأله في الطريق، فإذا وصل الشيخ إلى منزله فلا يقف قبالة بابه؛ كراهة أن يصادف خروج من يكره الشيخ اطلاعه عليه، ويغتنم سؤاله عن طيب نفسه وفراغه، ويتلطف في سؤاله، ويحسن خطابه، ولا يستحي من السؤال عن ما أشكل عليه. بل يستوضحه أكمل استيضاح، فقد قيل:
من رق وجهه عند السؤال: ظهر نقصه عند اجتماع الرجال.
وعن الخليل بن أحمد: منزلة الجهل بين الحياء والأنفة.
وينبغي له إذا سمع الشيخ يقول مسألة، أو يحكي حكاية وهو يحفظها أن يصغي إليها إصغاء من لا يحفظها إلا إذا علم من الشيخ إيثاره بأن المتعلم حافظ.
стр. 791
وينبغي أن لا يترك وظيفة الفروض مع مرض خفيف ونحوه، مما يمكن الجمع بينهما، ولا يسأل تعنتا ولا تعجيزا، فلا يستحق جوابا، ومن أهم حاله أن يحصل على الكتاب بشراء أو غيره، ولا يشتغل بنسخ كتاب أصلا، فإن آفته ضياع الأوقات في صناعة أجنبية عن تحصيل العلم، وركون النفس لها أكثر من ركونها لتحصيله، وقد قال بعض أهل الفضل.
"أود لو قطعت يد الطالب إذا نسخ". فأما شيء يسير فلا بأس به، وكذا إذا دعا إلى فلك قلة ما بيده من الدنيا، وينبغي أن لا يمنع عارية كتاب لأهله، وقد ذمه السلف والخلف ذما كثيرا.
قال الزهري: إياك وغلول الكتاب، "وهو حبسها عن أصحابها".
وعن الفضيل: ليس من أهل الورع، ولا من أفعال الحكماء أن يأخذ متاع رجل، وكتاب رجل فيحبسه عنه.
وقال رجل لأبي العتاهية: أعرني كتابك؟
فقال: إني أكره ذلك.
فقال: أما علمت أن المكارم موصولة بالمكاره، أعاره.
فهذه نبذة من الآداب لمن اشتغل بهذا الطريق، ولا يستغن من تذكرها لتكون معينة على تحصيل المرام والخروج من الظلام إلى النور، والله تعالى هو المنان ذو الجود والإكرام.
стр. 792
الدرة الثانية: في حد القراءات والمقرئ والقارئ
فالقراءات علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها معزوا لناقله.
فخرج: اللغة، والنحو، والتفسير.
ثم إن ترجيح بعض وجوه القراءات على بعض، إنما هو باعتبار موافقة الأفصح، أو الأشهر، أو الأكثر من كلام العرب، وإلا فالقرآن واحد بالذات متفقه ومختلفه، لا تفاضل فيه.
وموضوع علم القراءات: كلمات الكتاب العزيز من الجهة المذكورة.
وفائدته: صيانته عن التحريف والتغيير، مع ما فيه من فوائد كثيرة، تبنى عليها الأحكام. ولم تزل العلماء تستنبط من كل حرف يقرأ به قارئ معنى؛ لا يوجد في قراءة الآخر.
فالقراءات حجة الفقهاء في الاستنباط، ومحجتهم في الاهتداء إلى سواء الصراط. مع ما في ذلك من التسهيل على الامة، وإظهار شرفها، وإعظام أجرها، من حيث إنهم يفرغون جهدهم في تحقيق ذلك وضبطه، حتى مقادير المدات، إلى غير ذلك.
والمقرئ: من علم بها أداء، ورواها مشافهة، فلو حفظ كتابا امتنع إقراؤه بما فيه إن لم يشافهه من شيوخه مشافهة، بها مسلسلا.
وللقارئ المبتدئ: من أفرد إلى ثلاث روايات والمنتهي من نقل منها أكثرها.
стр. 793
الدرة الثالثة: شروط المقرئ وما يجب عليه
شرطه: أن يكون: مسلما، مكلفا، ثقة، مأمونا، ضابطا، خاليا من أسباب الفسق ومسقطات المروءة.
أما إذا كان مستورا، وهو ظاهر العدالة، ولم تعرف عدالته الباطنة، فيحتمل أنه يضره كالشهادة.
والظاهر أنه لا يضره؛ لأن العدالة الباطنة تفسر معرفتها على غير الحكام. ففي اشتراطها حرج على غير الطلبة والعوام.
ويجب عليه أن يخلص النية لله تعالى في كل ما يقربه إليه تعالى.
وعلامة المخلص ما قال ذو النون المصري ﵀: "أن يستوي عنده المدح والذم من العامة، ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال، واقتضاؤه ثواب الأعمال في الآخرة.
وليحذر كل الحذر من: الرياء، والحسد، والحقد، واحتقار غيره، وإن كان دونه، والعجب وقل من يسلم منه.
وقد روى الكسائي أنه قال: صليت بالرشيد فأعجبتني قراءتي، فغلطت في آية ما أخطأ فيها صبي قط. أردت أن أقول: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فقلت: لعلهم يرجعين.
فو الله ما اجترأ هارون الرشيد أن يقول لي أخطأت، ولكنه لما سلمت قال: يا كسائي، أي لغة هذه؟
قلت: يا أمير المؤمنين: قد يعثر الجواد. قال: أما، فنعم.
ومن هذا قال الشيخ محيي الدين النووي ﵀.
وليحذر، من كراهة قراءة أصحابه على غيره ممن ينتفع به، وهذه مصيبة ابتلي بها بعض المسلمين الجاهلين، وهي دلالة بينة من صاحبها على سوء نيته وفساد طويته؛ بل هي حجة قاطعة على عدم إرادته وجه الله تعالى، وإلا لما كره ذلك، وقال لنفسه: إن أردت الطاعة فقد حصلت.
ويجب عليه قبل أن ينصب نفسه للاشتغال بالقراءات أن يعلم من الفقه ما يصلح به أمر دينه، وتندب الزيادة حتى يرشد جماعته في وقوع أشياء من أمر دينهم، ويعلم من الأصول ما يدفع به شبهة طاعن في قراءة ومن النحو والصرف طرفا لتوجيه ما يحتاج إليه، بل عما أهم ما يحتاج إليه المقرئ. وإلا فخطؤه أكثر من أصابته، وما أحسن قول الإمام الحضرمي فيه شعرًا:
لقد يدعي علم القراءة معشر ... وباعهمو في النحو أقصر من شبر
стр. 794
فإن قيل: ما إعراب لهذا ووجهه
رأيت طويل الباع يقصر عن فتر
ويعلم من: اللغة والتفسير طرفا صالحا.
وأما معرفة الناسخ والمنسوخ فمن فوازم المجتهدين، فلا يلزم المقرئ، خلافا للجعبري.
ويلزم حفظ كتاب يشتمل على القراءة التي يقرأ بها. وإلا داخله الوهم والغلط في الإسناد.
وإن قرأ وهو غير حافظ فلابد أن يكون ذاكرا لكيفية قراءته وتلاوته به حالة تلقيه من شيخه، فإن شك فليسأل رفيقه أو غيره ممن قرأ بذلك الكتاب حتى يتحقق وإلا فلينبه على ذلك في الإجازة
أما من نسى أو ترك فلا يقرأ عليه به إلا لضرورة، مثل أن ينفرد بسند عالٍ. أو طريق لا يوجد عنده غيره. وإن كان القارئ عليه ذاكرًا، عالمًا بما يقرأ عليه جاز الأخذ عنهه، وإلا حرم.
وليحذر الإقراء بما يحسن: رأيًا، أو وجهًا، أو لغة، دون رواية.
ولقد وضح ابن مجاهد غاية الإيضاح حيث قال:
لا تغتروا بكل مقرئ، إذ الناس طبقات.
فمنهم من حفظ الآية، والآيتين، والسورة والسورتين. ولا علم له غير ذلك. فلا تؤخذ عنه القراءة ولا تنقل عنه الرواية.
ومنهم: من حفظ الروايات ولم يعلم معانيها، ولا استنباطها من لغات العرب ونحوها. فلا يؤخذ عنه؛ لأنه ربما يصحف.
ومنهم من علم العربية ولا يتبع المشايخ والأثر، فلا تنقل عنه الرواية.
ومنهم من فهم التلاوة، وعلم الرواية، ويقصد للقراءات، وليس الشرط أن يجتمع فيه جمع العلوم؛ إذ الشريعة واسعة والعمر قصير "اهـ" مختصرا.
ويتأكد في حقه: تحصيل طرف صالح من أحوال الرجال والأسانيد وهو أهم ما يحتاج إليه. وقد وهم كثير لذلك فأسقطوا رجالا، وسمعوا آخرين، لا بغير أسمائهم. وصحفوا أسماء رجال.
ويتأكد أيضا أن لا يخلي نفسه من الخلال الجيدة من التقلل من الدنيا والزهد فيها، وعدم المبالاة بها. وبأهلها والسخاء، والصبر، والحلم ومكارم الأخلاق. وطلاقه الوجه "لكن لا يخرج إلى حد الخلاصة" وملازمة الورع، والسكينة، والتواضع.
стр. 795
وينبغي أن يكون حريصا على التعلم، مواظبا عليه، في جميع أوقاته، ليلا ونهارا، فقد قال الشافعي -رحمه الله تعالى- في رسالته:
حق على طلبة العلم بلوغ نهاية جهدهم في الاستكثار من العلم، ويتصبرون على كل عارض بإخالص النية لله تعالى، والرغبة إلى الله تعالى في الهون عليه.
وفي صحيح مسلم: "لا يستطاع العلم براحة الجسم".
"فائدة":
قال الخطيب البغدادي: أجود أوقات الحفظ الأسحار، ثم نصف النهار، ثم الغداة. وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع، وأجود أماكن الحفظ كل موضع بعد عن الملهيات، وليس الحفظ بمحمود بحضرة النبات والخضرة، وقوارع الطرق؛ لأنها تمنع خلو القلب، وينبغي أن يصبر على جفوة شيخه، وسوء خلقه، ولا يصده ذلك عن ملازمته، واعتقاد كماله، ويتأول أفعاله التي ظاهرها الفساد تأويلات، وإذا جفاه الشيخ ابتدأه بالاعتذار، وإظهار الذنب له والعتب عليه.
وقد قالوا: من لم يصبر على أذى التعليم بقى عمره في غاية الجهالة، ومن صبر عليه آل أمره إلى عز الآخرة والدنيا.
وعن أنس ﵁ أنه قال:
"ذللت طالبا فعززت مطلوبا".
وبنبغي أن يغتنم التحصيل في وقت الفراغ والشباب، وقوة البدن، واستراحة الخاطر، وقلة الشواغل قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة، فقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال:
"تفقهوا قبل أن تسودوا".
وقال الشافعي ﵁:
تفقه قبل أن ترأس. فإذا ترأست فلا سبيل لك إلى التفقه.
ويكتب كل ما سمعه، ثم يواظب على حلقة الشيخ، ويعتني بكل الدروس، فإن عجز اعتنى بالأهم.
وينبغي أن يرشد رفقته وغيرهم إلى مواطن الاشتغال والفائدة، ويذكرهم أهم ما استفاده: على جهة النصيحة والمذاكرة، وبإرشاده يبارك له في علمه، وتتأكد المسائل معه مع جزيل ثواب لله تعالى، ومن فعل ضد ذلك كان بضده. فإذا تكاملت أهليته، واشتهرت فضيلته، اشتغل بالتصنيف، وجد في الجمع والتأليف والله الموفق.
стр. 796
الدرة الرابعة: فيما ينبغي للمقرئ أن يفعله
ينبغي له: تحسين الزي لقوله ﷺ : "إن الله جميل يحب الجمال" وترك الملابس المكروهة وغير ذلك، مما لا يليق به.
وينبغي له أن لا يقصد بذلك توصلا إلى غرض من أغرض الدنيا، من: مال، أو رئاسة، أو وجاهة، أو ثناء عند الناس، أو صرف وجوههم إليه، ونحو ذلك.
وينبغي إذا جلس أن يستقبل القبلة، وأن يكون على طهارة كاملة، جاثيا على ركبتيه، وأن يصون عينيه حال الإقراء عن تفريق نظرهما من غير حاجة، ويديه عن العبث، إلا أن يشير للقارئ إلى المد، والوقف، والوصل، وغير ذلك مما مضى عليه السلف، وأن يوسع مجلسه؛ ليتمكن جلساؤه فيه.
كما روى أبو داود، من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "خير المجالس أوسعها".
وأن يقدم الأول فالأول. فإن أسقط الأول حقه لغيره قدمه. هذا ما عليه الناس.
وروى أن حمزة كان يقدم الفقهاء، فأول من كان يقرأ عليه سفيان الثوري.
وكان السلفي وعاصم يبدآن بأهل المعايش؛ لئلا يحتبسوا عن معايشهم.
والظاهر أنهما كانا يفعلان ذلك؛ إلا في حق جماعة يجتمعون للصلاة بالمسجد، لا يسبق بعضهم بعضا، وإلا فالحق للسابق، لا للشيخ.
وأن يسوي بين الطلبة بحسبهم، إلا أن يكون أحدهم مسافرا. أو يتفرس فيه النجابة، وغير ذلك.
стр. 797
الدرة الخامسة: في قدر ما يسمع وما ينتهي إليه سماعه
الأصل: أن هذا طاقة، فالطلبة فيه بحسب وسعهم.
وأما ما روي عن السلف أنهم كانوا يقرؤن ثلاثا ثلاثا، وخمسا خمسا، وعشرا عشرا. لا يزيدون على ذلك، فهذه حالة المتلقِّين.
وبلغت قراءة ابن مسعود على النبي ﷺ من أول النساء إلى قوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ .
وسمع نافع لورش القرآن كله في خمسين يوما.
وقرأ الشيخ نجم الدين مؤلف "الكنز" القرآن جميعا كله على الشيخ تقي الدين بن الصايغ. لما رحل إليه لمصر في سبعة عشر يوما.
وقرأ شيخنا شمس الدين الجزري على الشيخ شمس الدين بن الصايغ من أول النحل وأول الجمعة وختم ليلة الخميس في ذلك الأسبوع للقراء السبع بالشاطبية، والتيسير، والعنوان.
قال: وآخر مجلس ابتدأت فيه من أول الواقعة، ولم أزل حتى ختمت.
قال: وقدم على رجل من حلب، فختم لابن كثير في خمسة أيام، وللكسائي في سبعة أيام.
وقرأ الشيخ شهاب الدين بن الصحان على الشيخ ابن العباس بن نحلة ختمة لأبي عمرو من وراء بيته في يوم واحد.
ولما ختم قال للشيخ: هل رأيت أحدًا يقرأ هذه القراءة؟. فقال: لا تقل هكذا، ولكن قل: أرأيت شيخا يسمع هذا السماع؟
وأعظم ما سمعت في هذا الباب: أن الشيخ مسكين الدين الأسمر دخل يوما إلى الجامع بالإسكندرية، فوجد شيخا ينظر إلى أبواب الجامع. فوقع في نفس المسكين أنه رجل صالح. وأنه يعزم على الرواح إلى جهته ليسلم عليه، ففعل ذلك. وإذا به ابن وثيق. ولم يكن لأحدهما معرفة بالآخر ولا رؤية، فلما سلم عليه، قال للمسكين: أنت عبد الله بن منصور؟ قال: نعم قال: ما جئت من الغرب إلا بسببك؛ لأقرأك القراءات. فقرأ عليه المسكين في تلك الليلة القرآن من أوله جمعا للسبع.
وعند طلوع الشمس: إذا به بقول -من الجنة والناس- فختم عليه القرآن للسبع في ليلة واحدة.
стр. 798
الدرة السادسة: فيما يقرأ به
لا يجوز له أن يقرأ إلا بما قرأ أو سمع، فإن قرأ نفس الحروف المختلف فيها خاصة أو سمعها، وترك ما اتفق عليه جاز إقراؤه القرآن بها اتفافا، بالشرط. وهو: أن يكون ذاكرًا كالقدم.
لكن لا يجوز له أن يقول قرأت بها القرآن كله.
وأجاز ابن مجاهد وغيره أن يقول القارئ قرأت برواية فلان القرآن من غير تأكيد، إذا كان قرأ بعض القرآن. هو قول لا يعول عليه؛ لأنه تدليس فاحش، يلزم منه مفاسد كثيرة.
وهل يجوز أن يقرأ بما أجيز له على أنواع الإجازة، جوزه الجعبري مطلقًا، والظاهر أنه تلا بذلك على غير ذلك الشيخ وسمعه، ثم إن أراد أن يعلى سنده بذلك الشيخ، أو بكثر طرة: جاز وحسن؛ لأنه جعلها متابعة. وقد فعل الشيخ تقي الدين بن الصباغ بالمستنير، عن الشيخ كمال الدين الضرير، عن الشيخ السلمي.
وقد قرأ بالإجازة أبو معشر الطبري، وتبعه الجعبري وغيره، وفي النفس منه شيء، ولا بد مع ذلك من اشتراط الأهلية.
стр. 799
الدرة السابعة: في الإقراء والقراءة في الطريق
قال مالك رحمه الله تعالى: ما أعلم القراءة تكون في الطريق.
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه أذن فيها.
وقال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى: وأما القراءة في الطريق: المختار أنها جائزة غير مكروهة، إذا لم يلته صاحبها، فإن التهى عنها كره، كما كره النبي ﷺ القراءة للناس مخافة الغلط.
قال شيخنا: وقرأت على ابن أبي الصباغ في الطريق غير مرة: تارة نكونا ماشيين، وتارة يكون راكبا وأنا ماشٍ.
وأخبرني غير واحد: أنهم كانوا يستبشرون بيوم يخرج فيه لجنازة.
قال القاضي محب الدين الحلبي: كثيرًا ما كان يأخذني في خدمته، فكنت أقرأ عليه في الطريق.
وقال عطاء بن السائب: كنا نقرأ على ابن أبي عبد الرحمن السلمي وهو يمشي.
قال السخاوي: وقد عاب علينا يوما الإقراء في الطريق. ولنا في عبد الرحمن السلمي أسوة سنة، وقد كان ممن هو خير منا قدوة.
стр. 800
الدرة الثامنة: في حكم الأجرة على الإقرار وقبول هدية القارئ
...
الدرة الثامنة: في حكم الأجرة على الإقراء، وقبول هدية القارئ
أما الأجرة فمنعها أبو حنيفة والزهري، وجماعة لقوله ﵊: "اقرءوا القرآن، ولا تأكلوا به" ١.
قالوا: ولأن حصول العلم متوقف على معين من قبل المتعلم؛ فيكون ملتزما ما لا يقدر على تسليمه، فلا يصح.
قال في الهداية، وبعض المشايخ استحسن الإيجار على تعليم القرآن اليوم؛ لأنه قد ظهر التواني في الأمور الدينية، وفي الامتناع عن ذلك تضييع حفظ القرآن.
وأجازها الحسن وابن سيرين والشعبي إذا لم يشترط.
وأجازها مالك مطلقا: سواء اشترط المعلم قدرا في كل شهر أو جمعة، أو يوم، أو غيرها. أو شرط على كل جزء من القرآن كذا، ولم يشترط شيئًا من ذلك. ودخل على الجهالة من الجانبين، هذا هو المعول عليه.
وقال ابن الجلاب "من المالكية". لا يجوز إلا مشاهرة: أي مقدرة بشهر ونحوه، ومذهب مالك: أنه لا يقضي للمعلم بهدية الأعياد والجمع.
وهل يقضي بالحذاقة: وهي "الإصرافة" إذا جرى بها العرف أولا؟ قولان، الصحيح: نعم.
قال سنحون: وليس فيها شيء معلوم. وهي على قدر حال الأب.
قال: وإذا بلغ الصبي ثلاثة أرباع القرآن، لم يكن لأبيه إخراجه، ووجبت الختمة للمعلم، ووقف في الثلثين.
فرع:
انظر هل يقضى على القارئ بإعطاء شيء إذا قرأ رواية، ولم أر فيها عند المالطية نصا والظاهر: أن حكمها حكم الحذاقة.
ومذهب الشافعي: جواز أخذ الأجرة إذا شارطه واستأجره أجرة صحيحة.
قال الأصفوني في "مختصر الروضة": ولو استأجره لتعليم قرآن عين السورة والآيات، ولا يكفي أحدهما على الأصح.
стр. 801
وفي التقدير بالمدة وجهان: أحدهما: يكفي، والأصح: أنه لا يجب تعيين قراءة نافع أو غيره، وأنه لو كان يتعلم وينسى يرجع في وجوب إعادته إلى العرف.
ويشترط كون المتعلم مسلما أو يرجى إسلامه.
وأما قبول الهدية فامتنع منه جماعة من السلف والخلف تورعا وخوفا من أن يكون بسبب القراءات.
وقال النووي ﵀: ولا يشين المقرئ طمع في رفق يحصل له من بعض من قرأ عليه. سواء كان الرفق مالا أو خدمة وإن قل. ولو كان على صورة الهدية التي لولا قراءته عليه لما أهداها إليه.
стр. 802
الدرة التاسعة: تدوين القراءات
قيض الله تعالى لكتابه المجيد الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ مَن دوَّن وجوه قراءاته، وضبط طرق رواياته، فاجتهدوا في ذلك حق الاجتهاد، وبذلوا النصح في ذلك لله ورسوله والعباد، فأخذوا في جمع ذلك وتدوينه، فاستفرغوا فيه وسعهم، وبذلوا جهدهم، فكان أول إمام معتبر جمع القراءات في كتاب: أبو عبيد "القاسم بن سلام"، وجعلهم خمسة وعشرين قارئا، مع هؤلاء السبعة، توفي سنة أربع وعشرين ومائتين.
ثم تلاه الجمامة، سالكين سنته ومقلدين سنته، فكثرت التآليف وانتشرت التصانيف، واختلفت أغراضهم بحسب الإيجاز والتطويل، والتكثير والتقليل، وكل له مقصد سني، ومذهب مرضي، فكان أول من تابعه "أحمد بن جبير" الكوفي، نزيل أنطاكية، فجمع كتابا في القراءات الخمسة، من كل مصر واحد، ثم القاضي "إسماعيل ابن إسحاق" المالكي، صاحب "قالون"، فألف كتابا جمع فيه قراءة عشرين إماما، منهم هؤلاء السبعة، ثم الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، فألف كتابا سماه "الجامع"، فيه نيف وعشرون قراءة، ثم الإمام "أبو بكر محمد الداجوني" فجمع كتابا في الأحد عشر، وأدخل معهم أبا جعفر، ثم "في أثره" الإمام "أبو بكر أحمد بن العباسي، مجاهد"، أول من اقتصر على هؤلاء السبعة، فإنه أحب أن يجمع المشهور من قراءات الحرمين، والعراقين والشام؛ إذ هذه الأمصار الخمسة هي التي خرج منها علم النبوة، من القرآن وتفسيره، والحديث والفقه، في الأعمال الباطنة والظاهرة وسائر العلوم الدينية.
فلما أراد ذلك جمع قراءات سبعة مشاهير من أئمة قراء هذه الأمصار؛ ليكون ذلك موافقا لعدد الحروف التي أنزل عليها القرآن، لا لاعتقاده، أو اعتقاد غير من العلماء، أن هؤلاء السبعة المعينين هم الذين لا يجوز أن يقرأ بغير قراءاتهم.
وقد ألف الناس في زمانه وبعده في القراءات أنواع التآليف ككتاب "الغاية" لأبي بكر أحمد بن مهران الأصبهاني ثم "المنتهى" في العشر، "لأبي الفضل بن جعفر الخزاعي"، ثم "الإرشاد" "لأبي الطيب عبد المنعم بن غلبون"، ثم "التذكرة" "لأبي الحسن طاهر بن غلبون" الحلبي، نزيل مصر، و"الهادي" "لأبي عبد الله بن سفيان القيرواني" و"المجتي، "لعبد الجبار الطرطوسي" نزيل مصر"، و"الروضة" "لأبي عمر أحمد الطمنكي"، أول من أدخل القراءات الأندلس، و"التبصرة" "لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيرواني"، و"الهداية" "لأبي العباس ابن عمار، المهدوي، و"الروضة" في العشرة المشهورة "وقراءة" "الأعمش"، لأبي علي "الحسن البغدادي" المالكي
стр. 803
نزيل مصر، و"المفيد" في العشرة، "لأبي نصر أحمد بن مسرور" البغدادي، و"التيسير" و"جامع البيان" في السبع، ولم يؤلف مثله في هذا الفن، يشتمل على نيف وخمسمائة رواية وطريق: عن السبعة للحافظ "أبي عمرو الداني"، و"مفردة يعقوب" له أيضا، و"التذكار" "لأبي الفتح عبد الواحد بن شيطا" البغدادي، و"الوجيز" للإمام الذي لم يلحقه أحمد في هذا الشأن، "أبي علي الحسن الأهوازي"، نزيل دمشق، و"الجامع" في العشر، وقراءة الأعمش، لأبي محمد "الخياط" البغدادي، و"العنوان" لأبي الطاهر ابن خلف" الأندلسي، ثم المصري، و"القاصد" "لأبي القاسم عبد الرحمن بن سعيد" الخزرجي القرطبي، و"الكامل" في العشر، والأربع مع الزائدة عليها من ألف وأربعمائة وتسعة وخمسين رواية وطريق، "لأبي الناسم يوسف ابن جبارة" الهذلي، المغربي، الذي طاف البلاد، وروى عن أئمة القراءة، حتى انتهى إلى ما وراء النهر، قال "في كامله": جملة من لقيت في هذا العلم ثلثمائة وخمسة "وستون" شيخا. "والتلخيص" في الثمان، "لأبي معشر عبد الكريم" الطبري، شيخ "مكة" و"الجامع" في العشر، "لأبي الحسين نصر بن عبد العزيز" الفارسي، و"الكافي" "لأبي عبد الله محمد بن شريح" الرعيني الإشبيلي، و"المستنير" في العشر، "لأبي الطاهر بن سوار" البغدادي، و"المهذب" في العشر للزاهد "أبي منصور الخياط" البغدادي، و"المصباح" في العشر، لأبي الكرم: المبارك بن الحسين بن فتحان" الشهرزوري البغدادي و"تلخيص العبارات" "لأبي على الحسن بن بلِّيمة بفتح الموحدة، وتشديد اللام المكسورة بعدها الياء آخر الحروف الهواري القيرواني، تنزيل الاسكندرية، و"التجريد" و"مفردة يعقوب" كلاهما لشيخ الاسكندرية "أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي بكر، الصقلي ابن الفحام، و"الإرشاد" في العشر: و"الكفاية الكبرى" كلاهما "لأبي العز القلانسي" الواسطي، و"الموضح"، و"المفتاح" كلاهما "لأبي منصور: محمد بن خيرون" العطار البغدادي الخطيب "أبي جعفر: أحمد بن الباذين" الغرناطي، و"الإشارة" في العشرة "لأبي منصور أحمد" العراقي، و"المبهج" في القراءات الثمان، وقراءة الأعمش، وابن محيصن، وخلف، واليزيدي، و"الإيجاز"، و"إرادة الطالب" في العشر، وهو فرش القصيدة المنجدة، وكتاب "تبصرة المبتدي" و"الكفاية" في الست: الخمسة "لأبي محمد عبد الله بن علي" سبط الخياط، مؤلف المهدب و"المفيد" في الثمان، لأبي عبد الله محمد الحضرمي" اليمني، و"غاية الاختصار"، للحافظ، مؤلف المهذب و"المفيد" في الثمان، لأبي عبد الله محمد الحضرمي، اليمني، و"غاية الاختصار"، للحافظ "أبي العلاء: الحسن بن أحمد العطار" الهمذاني، و"حرز الأماني" المشهورة بـ "الشاطبية"، لولى الله "أبي القاسم بن فيره بن خلف" الرعيني الأندلسي الشاطبي الشافعي الضرير، و"شرحها"، "لعلم الدين" السخاوي، وهو أول من شرحها، واشتهرت بسببه، وكان أهل مصر كثيرا ما يحفظون "العنوان"، فلما ظهرت القصيدة تركوه وكتاب "جمال" القراء، و"كمال الإقراء" للسخاوي أيضا -اشتمل على ما يتعلق بالقراءات، والتجويد،
стр. 804
والناسخ والمنسوخ، والوقف والابتداء. ثم شرح الشاطبية الإمام "أبو القاسم: عبد الرحمن أبو شامة"، ثم "أبو عبد الله: محمد بن الحسن الفاسي"، ثم "أبو عبد الله محمد بن أحمد الموصلي" عرف بـ "شعلة" وله "الشمعة" قصيدة رائية، قدر نصف الشاطبية، أحسن نظمها، واختصارها، و"حرز المعاني في اختصار حرز الأماني" للإمام "محمد بن عبد الله بن مالك" الأندلسي، نزيل دمشق، وله قصيدة أخرى دالية في القراءات، يقول فيها:
ولا بد من نظمي قوافي تحتوي
لما قد حوى حرز الأماني وأزيدا
"والتكملة المفيدة لحافظ القصيدة" في وزن الشاطبية، للخطيب "أبي الحسن علي بن عمر "الكتاني القيجاطي، نظم فيها ما زاد على الشاطبية، من تبصرة مكي، و"كافي" ابن شريح، و"وجيز" الأهوازي، و"مختصر الشاطبية"، لـ "عبد الصمد بن التبريزي" في خمسمائة وعشرين بيتا.
وشرح الشاطبية أيضا: "أبو العباس ابن جبارة المقدسي" والعلامة المحقق "أبو إسحاق إبراهيم بن عمر، الجعبري "نزيل مدينة الخليل ﵇"، بشرح عظيم لم يصنف مثله، وكتاب "الشرعة في السبعة" جميعه أبواب، لم يذكر فيه فرشا، بل ذكر الفرش في أبواب أصوله لقاضي حماة، العلامة "شرف الدين هبة الله بن عبد الكريم" البارزي، و"الكنز" في العشر، و"الكفاية" في العشر، نظم كتاب الكنز على وزن الشاطبية ورويِّها، كلاهما لـ "أبي محمد: عبد الله بن عبد المؤمن بن الوجيه" الواسطي، و"جمع الأصول في مشهور المنقول" قصيدة لامية في وزن الشاطبية ورويها، و"روضة التقرير في الخلف بين "الإرشاد" و"التيسير" كلاهما لأبي الحسن علي "الديواني" الواسطي، و"عقد الآلي في قراءات السبع العوالي" في وزن الشاطبية ورويها، لم يأت فيها برمز، وزاد فيها على التيسير كثيرًا، نظم الإمام "أبي حيان" الأندلسي، الشافعي.
وشرح الشاطبية، و"باب وقف "حمزة وهشام" منها مفردا" الإمام "بدر الدين: الحسن بن قاسم بن عبد الله بن علي"، المعروف بـ "ابن أم قاسم، المرادي المغربي" المجتهد، المصري المولد.
وشرحها أيضًا "أبو العباس: أحمد بن يوسف" الحلبي، نزيل القاهرة، المعروف بالسمين.
وشرحها مصنف "البستان في الثلاثة عشر" أبو بكر عبد الله بن أيدغدي" الشمس، الشهير "ابن الجندي". "والنجوم الزاهرة في السبعة المتواترة" لأبي عبد الله محمد بن سليمان" المقدسي، الحكري الشافعي، الجامع لعيون الفضائل المآثر والمعالي اللامع نجوم علوها في مواقع الترافع والتعالي: كان شيخ عصره في القراءات بلا مدافعة، وفارس ميدانها، والمحكوم له بالسبق من غير ممانعة، ولي قضاء بيت المقدس، وقضاء المدينة النبوية الشريفة، قبل ذلك، ثم ولي قضاء مدينة الخليل، واستقر بها مدة سالكًا أحسن سبيل، وتوفي ببيت المقدس بالبطن شهيدًا، عام ٧٨١، وفرغ من تأليف "النجوم" سنة ٧٥٦.
стр. 805
وشرح "الشاطبية" أيضا مصنف كتاب "مصطلح الإشارات"، في الستة بعد السبعة.
"وقرة العين في الفتح والإمالة وبين اللفظين"، "أبو البقاء: علي بن عثمان بن الفاصح"، وكان في عصر الثمانمائة.
وكتاب "النشر في القراءات العشر"، الجامع لجميع طرق ما ذكرناه في هذه المؤلفات، وفرائد فوائدها، الذي لم يسبق إلى مثله، و"تقريبه" و"طيِّبته" لشيخ مشايخنا، الذي "وصف بأنه" لم تسمح الأعصار مثله "أبي الخير: محمد بن محمد بن محمد بن يوسف بن الجزري".
وشرح "الطيبة" وَلَد المؤلف، والعلامة الشيخ "أبو القاسم النويري" المالكي، وشيخنا العلامة، زين الدين عبد الدايم الأزهري، رأيته يسود فيه، ولعله لم يكمل.
وكتاب "إيضاح الرموز ومفتاح الكنوز" و"نظمه" في القراءات الأربعة عشر، للإمام "شمس الدين: محمد بن خليل: أبي بكر بن محمد الحلبي، المشهور بابن القباقبي، وقال: إنه أخذ العشرة من تقريب النشر، وقراءة "ابن محيصن" من "المبهج"، و"مفردة" الأهوازي، و"الحسن البصري" من "المفردة"، و"اليزيدي" من "المبهج" و"المستنير"، و"الأعمش" من "المبهج"، إلى غير ذلك مما لا يدخل تحت الحد.
والله ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وإليه المرجع والمأب.
"ا. هـ" شهاب الدين القسطلاني.