Полный текст (4 163 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْتُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الَّذِي يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ وَيُقِيمُ هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَأَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ لَا يَحْرُمُ إِلَّا مَنْ أَهَلَّ وَلَبَّى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧٦٣ - ٧٥٣ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الَّذِي يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ، وَيُقِيمُ، هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؟ فَأَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ: «لَا يَحْرُمُ إِلَّا مَنْ أَهَلَّ وَلَبَّى» ) ، وَإِلَى ذَلِكَ صَارَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ إِلَّا الْجِمَاعَ لَيْلَةَ جَمْعٍ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْفَتْوَى إِلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ النُّسُكَ، صَارَ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ مُحْرِمًا، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، قَالَ: وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَأَمَّ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَلَّدَهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَصِيرُ بِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ مُحْرِمًا، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ خَطَأٌ عَلَيْهِمْ، فَالطَّحَاوِيُّ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْهُ، وَلَعَلَّ الْخَطَّابِيَّ ظَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ.
стр. 1682
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا مُتَجَرِّدًا بِالْعِرَاقِ فَسَأَلَ النَّاسَ عَنْهُ فَقَالُوا إِنَّهُ أَمَرَ بِهَدْيِهِ أَنْ يُقَلَّدَ فَلِذَلِكَ تَجَرَّدَ قَالَ رَبِيعَةُ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ بِدْعَةٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ خَرَجَ بِهَدْيٍ لِنَفْسِهِ فَأَشْعَرَهُ وَقَلَّدَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَلَمْ يُحْرِمْ هُوَ حَتَّى جَاءَ الْجُحْفَةَ قَالَ لَا أُحِبُّ ذَلِكَ وَلَمْ يُصِبْ مَنْ فَعَلَهُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ الْهَدْيَ وَلَا يُشْعِرَهُ إِلَّا عِنْدَ الْإِهْلَالِ إِلَّا رَجُلٌ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ فَيَبْعَثُ بِهِ وَيُقِيمُ فِي أَهْلِهِ
وَسُئِلَ مَالِكٌ هَلْ يَخْرُجُ بِالْهَدْيِ غَيْرُ مُحْرِمٍ فَقَالَ نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ
وَسُئِلَ أَيْضًا عَمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ مِنْ الْإِحْرَامِ لِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ مِمَّنْ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ فَقَالَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي نَأْخُذُ بِهِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بِهَدْيِهِ ثُمَّ أَقَامَ فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ هَدْيُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧٦٤ - ٧٥٤ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ، (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ) ، تَيْمِ قُرَيْشٍ، (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ) - بِضَمِّ الْهَاءِ، وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ - (أَنَّهُ
стр. 1683
رَأَىَ رَجُلًا) ، هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ (مُتَجَرِّدًا بِالْعِرَاقِ) ، أَيِ الْبَصْرَةِ، (فَسَأَلَ النَّاسَ عَنْهُ، فَقَالُوا: إِنَّهُ أَمَرَ بِهَدْيِهِ أَنْ يُقَلَّدَ، فَلِذَلِكَ تَجَرَّدَ، قَالَ رَبِيعَةُ: فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: بِدْعَةٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) ، أَقْسَمَ عَلَى ذَلِكَ اعْتِمَادًا عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ، وَهِيَ خَالَتُهُ، إِذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْسِمَ أَنَّهُ بِدْعَةٌ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ السُّنَّةَ خِلَافُهُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ اعْتَمَدَ الْقِيَاسَ، وَهُوَ لَا يُعْتَبَرُ فِي مُقَابَلَةِ السُّنَّةِ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الثَّقَفِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ رَبِيعَةَ، أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْبَصْرَةِ فِي زَمَانِ عَلِيٍّ مُتَجَرِّدًا عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ، فَذَكَرَهُ، فَعُرِفَ اسْمُ الْمُبْهَمِ، وَتُعُيِّنَ خُصُوصُ الْمَحَلِّ مِنَ الْعِرَاقِ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ.
(وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ خَرَجَ بِهَدْيٍ لِنَفْسِهِ، فَأَشْعَرَهُ، وَقَلَّدَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ) - مِيقَاتُ الْمَدِينَةِ - (وَلَمْ يُحْرِمْ هُوَ حَتَّى جَاءَ الْجُحْفَةَ) - مِيقَاتُ الشَّامِ وَمِصْرَ - وَنَحْوِهِمَا، (قَالَ: لَا أُحِبُّ ذَلِكَ، وَلَمْ يُصِبْ مَنْ فَعَلَهُ) ، أَيْ أَخْطَأَ، لِأَنَّ إِنْ كَانَ مِيقَاتُهُ الْمَدِينَةَ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَعَدِّيهِ حِلًّا، وَإِنْ كَانَ مِيقَاتُهُ الْجُحْفَةَ، فَقَدَ أَفَاتَ نَفْسَهُ الْفَضِيلَةَ، (وَ) أَخْطَأَ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ (لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ الْهَدْيَ، وَلَا يُشْعِرَهُ إِلَّا عِنْدَ الْإِهْلَالِ) اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، (إِلَّا رَجُلٌ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ، فَيَبْعَثُ بِهِ، وَيُقِيمُ فِي أَهْلِهِ) ، كَفِعْلِهِ، ﷺ .
(وَسُئِلَ مَالِكٌ: هَلْ يَخْرُجُ بِالْهَدْيِ غَيْرُ مُحْرِمٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ) ، أَيْ يَجُوزُ، لَكِنْ لَا يَتَجَاوَزُ بِهِ الْمِيقَاتَ إِلَّا وَهُوَ مُحْرِمٌ، إِلَّا أَنْ لَا يُرِيدَ دُخُولَ مَكَّةَ.
(وَسُئِلَ أَيْضًا عَمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الْإِحْرَامِ) ، أَيِ: التَّجَرُّدِ (لِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ مِمَّنْ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ، وَلَا الْعُمْرَةَ) ، كَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُوَافِقِيهِ، (فَقَالَ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا) بِالْمَدِينَةِ (الَّذِي نَأْخُذُ بِهِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ عَائِشَةَ - أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بِهَدْيِهِ، ثُمَّ أَقَامَ، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ، حَتَّى نُحِرَ هَدْيُهُ» )
стр. 1684
بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَالْفَاعِلِ، أَيْ: نَحَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَإِنَّ السُّنَّةَ هِيَ الْحُجَّةُ، عِنْدَ الِاخْتِلَافِ خُصُوصًا، وَقَدْ صَحِبَهَا عَمَلُ الْمَدِينَةِ.
стр. 1685
[بَاب مَا تَفْعَلُ الْحَائِضُ فِي الْحَجِّ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ الْمَرْأَةُ الْحَائِضُ الَّتِي تُهِلُّ بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ إِنَّهَا تُهِلُّ بِحَجِّهَا أَوْ عُمْرَتِهَا إِذَا أَرَادَتْ وَلَكِنْ لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَهِيَ تَشْهَدُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا مَعَ النَّاسِ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَا تَقْرَبُ الْمَسْجِدَ حَتَّى تَطْهُرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
١٦ - بَابُ مَا تَفْعَلُ الْحَائِضُ فِي الْحَجِّ
٧٦٥ - ٧٥٥ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَقُولُ: الْمَرْأَةُ الْحَائِضُ) ، أَوِ النُّفَسَاءُ، (الَّتِي تُهِلُّ) ، تُحْرِمُ (بِالْحَجِّ، أَوِ الْعُمْرَةِ إِنَّهَا) - بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ - (تُهِلُّ بِحَجِّهَا، أَوْ عُمْرَتِهَا، إِذَا أَرَادَتْ، وَلَكِنْ لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ) ، لِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ، (وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) ، أَيْ وَلَا تَسْعَى، فَهُوَ مِنْ بَابِ عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَا تَطُوفُ مَجَازًا، (وَهِيَ تَشْهَدُ) : تَحْضُرُ (الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا) عَرَفَةَ، وَغَيْرَهَا (مَعَ النَّاسِ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) ، لِأَنَّ السَّعْيَ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَقَدُّمِ طَوَافٍ قَبْلَهُ، فَإِذَا امْتَنَعَ الطَّوَافُ امْتَنَعَ السَّعْيُ لِأَجْلِهِ، لَا لِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فِي السَّعْيِ، إِذْ لَا تُشْتَرَطُ عِنْدَ الْكَافَّةِ إِلَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالْمَجْدِ بْنِ تَيْمِيَةَ، رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَطَاءٍ قَوْلَيْنِ، فِي مَنْ بَدَأَ بِالسَّعْيِ قَبْلَ الطَّوَافِ، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ لِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ: " «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ، قَالَ: طُفْ وَلَا حَرَجَ» " وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يُجْزِيهِ، وَأَوَّلُوا حَدِيثَ أُسَامَةَ عَلَى مَنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَقَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ.
(وَلَا تَقْرَبَ الْمَسْجِدَ حَتَّى تَطْهُرَ) - بِسُكُونِ الطَّاءِ، أَوْ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالطَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَشَدِّ الْهَاءِ أَيْضًا عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ - أَيْ: حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا، وَتَغْتَسِلَ، وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا سَيَأْتِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهَا: " «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى تَطْهُرِي» ".
стр. 1686
[بَاب الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَمَرَ ثَلَاثًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَعَامَ الْقَضِيَّةِ وَعَامَ الْجِعِرَّانَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
١٧ - بَابُ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ
٧٦٧ - ٧٥٦ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ) ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ عَنْ جَابِرٍ، ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَمَرَ ثَلَاثًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ» ) - بِالتَّخْفِيفِ أَفْصَحُ مِنَ التَّشْدِيدِ - فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ، حَيْثُ صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، فَنَحَرَ الْهَدْيَ بِهَا، وَحَلَقَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَفِي عَدِّهِمْ لَهَا عُمْرَةً دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا عُمْرَةٌ تَامَّةٌ.
(وَعَامَ الْقَضِيَّةِ) ، وَتُسَمَّى: عُمْرَةُ الْقَضِيَّةِ، وَالْقَضَاءِ، لِأَنَّهُ ﷺ قَاضَى قُرَيْشًا فِيهَا عَلَى أَنْ يَأْتِيَ مَكَّةَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَيُقِيمَ ثَلَاثًا، لَا أَنَّهَا وَقَعَتْ قَضَاءً عَنِ الْعُمْرَةِ الَّتِي صُدَّ عَنْهَا، إِذْ لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَكَانَتَا عُمْرَةً وَاحِدَةً، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يُجِبِ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ، وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: هِيَ قَضَاءٌ عَنْهَا، وَتَسْمِيَةُ الصَّحَابَةِ وَجَمِيعُ السَّلَفِ إِيَّاهَا بِعُمْرَةِ الْقَضَاءِ ظَاهِرٌ فِي خِلَافِهِ.
(وَعَامَ الْجِعْرَانَةِ) - بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، وَخِفَّةِ الرَّاءِ - عِنْدَ الْأَصْمَعِيِّ، وَصَوَّبَهُ الْخَطَّابِيُّ - وَبِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَشَدِّ الرَّاءِ - بَيْنَ الطَّائِفِ، وَمَكَّةَ حِينَ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ.
стр. 1687
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَعْتَمِرْ إِلَّا ثَلَاثًا إِحْدَاهُنَّ فِي شَوَّالٍ وَاثْنَتَيْنِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧٦٧ - ٧٥٧ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) ، مُرْسَلٌ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ، مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، كِلَاهُمَا، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَعْتَمِرْ إِلَّا ثَلَاثًا» ) ، لَا يُخَالِفُ هَذَا الْحَصْرُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْهَا، أَنَّهُ اعْتَمَرَ أَرْبَعًا، وَفِيهِمَا عَنْ أَنَسٍ اعْتَمَرَ أَرْبَعًا: عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ حَيْثُ رَدُّوهُ، وَمِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ، وَعُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ.
وَلِأَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ: اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، لِأَنَّهَا لَمْ تَعُدَّ الَّتِي فِي حَجَّتِهِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، بَلْ فِي ذِي الْحِجَّةِ، (إِحْدَاهُنَّ فِي شَوَّالٍ) ، هَذَا مُغَايِرٌ لِقَوْلِهَا، وَلِقَوْلِ أَنَسٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَجَمَعَ الْحَافِظُ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي آخِرِ شَوَّالٍ، وَأَوَّلِ ذِي الْقَعْدَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ: " «لَمْ يَعْتَمِرِ النَّبِيُّ ﷺ إِلَّا فِي ذِي الْقَعْدَةِ» " وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ الزُّهْرِيِّ: " «اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَ عُمَرٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَهَذِهِ عُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ» "، (وَاثْنَيْنِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ) : عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ
стр. 1688
وَعُمْرَةُ الْقَضِيَّةِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْبَرَاءِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: " «اعْتَمَرَ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ» " فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعُدَّ الَّتِي فِي حَجَّتِهِ، لِكَوْنِهَا فِي ذِي الْحَجَّةِ، وَحَدِيثُهُ مُقَيَّدٌ بِذِي الْقَعْدَةِ، وَلَمْ يَعُدَّ الَّتِي صُدَّ عَنْهَا، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْقَعْدَةِ أَوْ عَدَّهَا، وَلَمْ يَعُدَّ عُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ لِخَفَائِهَا عَلَيْهِ، كَمَا خَفِيَتْ عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ مُحَرَّشٌ الْكَعْبِيُّ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «اعْتَمَرَ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرَاتٍ: إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ» .
قَالَتْ عَائِشَةُ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا اعْتَمَرَ إِلَّا وَهُوَ شَاهِدُهُ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ "، زَادَ مُسْلِمٌ: وَابْنُ عُمَرَ يَسْمَعُ، فَمَا قَالَ لَا، وَلَا نَعَمْ، سَكَتَ فَسُكُوتُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَوْ نَسِيَ، أَوْ شَكَّ، وَأَنَّهُ رَجَعَ لِصَوَابِهَا، فَلَا يُشْكِلُ بِأَنَّ تَقْدِيمَ قَوْلِ عَائِشَةَ - النَّافِي - عَلَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ - الْمُثْبِتِ - خِلَافُ الْقَاعِدَةِ، وَتَعَسَّفَ مَنْ قَالَ: مُرَادُ ابْنِ عُمَرَ بِقَوْلِهِ: فِي رَجَبٍ قَبْلَ هِجْرَتِهِ، لِأَنَّهُ وَإِنِ احْتَمَلَ، لَكِنَّ قَوْلَهَا: مَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ، يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ مُطَابَقَةِ رَدِّهَا عَلَيْهِ، وَسُكُوتِهِ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ بَيَّنَتِ الْأَرْبَعَ، وَأَنَّهَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ، فَمَا الَّذِي يَمْنَعُهُ أَنْ يُفْصِحَ بِمُرَادِهِ، فَيَرْتَفِعَ الْإِشْكَالُ، وَقَوْلُ هَذَا الْقَائِلِ: لِأَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا يَعْتَمِرُونَ فِي رَجَبٍ، يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِهِ، فَمِنْ أَيْنَ أَنَّهُ وَافَقَهُمْ؟ وَهَبْهُ ﷺ وَافَقَهُمْ فَكَيْفَ اقْتَصَرَ عَلَى مَرَّةٍ؟ وَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، عَنْ عَائِشَةَ: " «خَرَجَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي عُمْرَةٍ فِي رَمَضَانَ، فَأَفْطَرَ وَصُمْتُ، وَقَصَرَ وَأَتْمَمْتُ» " الْحَدِيثَ، فَقَالَ فِي الْهَدْيِ: إِنَّهُ غَلِطَ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي رَمَضَانَ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَيُمْكِنُ أَنَّ قَوْلَهَا: فِي رَمَضَانَ، مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهَا: خَرَجْتُ، وَالْمُرَادُ: سَفَرُ مَكَّةَ، وَاعْتَمَرَ ﷺ فِي تِلْكَ السَّنَةِ مِنَ الْجِعْرَانَةِ، لَكِنْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ آخَرَ، فَلَمْ يَقُلْ فِي رَمَضَانَ.
стр. 1689
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ «أَعْتَمِرُ قَبْلَ أَنْ أَحُجَّ فَقَالَ سَعِيدٌ نَعَمْ قَدْ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧٦٨ - ٧٥٨ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ الْأَسْلَمِيِّ) ، الْمَدَنِيِّ، الصَّدُوقِ، (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، فَقَالَ: أَعْتَمِرُ) - بِتَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ - (قَبْلَ أَنْ أَحُجَّ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: نَعَمْ، قَدِ «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ» ) ثَلَاثَ عُمَرٍ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يَتَّصِلُ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ، وَهُوَ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ لِمَنْ شَاءَ.
وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ.
وَلِأَحْمَدَ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَعْتَمِرَ قَبْلَ الْحَجِّ.
وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَلَقِيتُ ابْنَ عُمَرَ، فَقُلْتُ: إِنَّا لَمْ نَحُجَّ قَطُّ، أَفَنَعْتَمِرُ مِنَ الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَمَا
стр. 1690
يَمْنَعُكُمْ مِنْ ذَلِكَ؟ قَدِ اعْتَمَرَ ﷺ عُمَرَهُ كُلَّهَا قَبْلَ حَجِّهِ، فَاعْتَمَرْنَا.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ كَانَ قَدْ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ اعْتِمَارِهِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ، هَلِ الْحَجُّ عَلَى الْفَوْرِ، أَوِ التَّرَاخِي؟ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، إِذْ لَوْ كَانَ وَقْتُهُ مُضَيَّقًا لَوَجَبَ إِذَا أَخَّرَهُ إِلَى سَنَةٍ أُخْرَى، أَنْ يَكُونَ قَضَاءً، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ.
وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْقَضَاءَ خَاصٌّ بِمَا وُقِّتَ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ مُضَيَّقٍ، كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَلَا يُعَدُّ تَأْخِيرُهُ قَضَاءٌ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ، أَوْ عَلَى التَّرَاخِي، كَمَا فِي الزَّكَاةِ يُؤَخِّرُهَا بَعْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَدَائِهَا فَوْرًا، فَإِنَّهُ إِثْمٌ، وَلَا يُعَدُّ أَدَاؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَضَاءً، بَلْ هُوَ أَدَاءٌ، وَمِنْ ذَلِكَ الْإِسْلَامُ وَاجِبٌ عَلَى الْكُفَّارِ فَوْرًا، فَلَوْ تَرَاخَى عَنْهُ كَافِرٌ، ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يُعَدُّ ذَلِكَ قَضَاءً، وَنُوزِعَ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ تَقْدِيمِ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ عَلَى الْآخَرِ نَفْيُ الْفَوْرِيَّةِ.
стр. 1691
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ اسْتَأْذَنَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي شَوَّالٍ فَأَذِنَ لَهُ فَاعْتَمَرَ ثُمَّ قَفَلَ إِلَى أَهْلِهِ وَلَمْ يَحُجَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧٦٩ - ٧٥٩ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ) بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيَّ - رَبِيبُ النَّبِيِّ ﷺ أُمُّهُ أُمُّ سَلَمَةَ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ عَلَى الصَّحِيحِ - (اسْتَأْذَنَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي شَوَّالٍ، فَأَذِنَ لَهُ، فَاعْتَمَرَ، ثُمَّ قَفَلَ) - رَجَعَ - (إِلَى أَهْلِهِ وَلَمْ يَحُجَّ) تِلْكَ السَّنَةِ، وَفِي هَذَا، وَمَا سَبَقَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانُوا، أَيْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَهَذَا مِنْ مُبْتَدَعَاتِهِمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا.
وَلِابْنِ حِبَّانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " «وَاللَّهِ مَا أَعْمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَائِشَةَ فِي ذِي الْحَجَّةِ، إِلَّا لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ أَمْرَ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَمَنْ دَانَ دِينَهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ» "، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
стр. 1692
[بَاب قَطْعِ التَّلْبِيَةِ فِي الْعُمْرَةِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ فِي الْعُمْرَةِ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ
قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَحْرَمَ مِنْ التَّنْعِيمِ إِنَّهُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حِينَ يَرَى الْبَيْتَ
قَالَ يَحْيَى سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَعْتَمِرُ مِنْ بَعْضِ الْمَوَاقِيتِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ مَتَى يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ قَالَ أَمَّا الْمُهِلُّ مِنْ الْمَوَاقِيتِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إِذَا انْتَهَى إِلَى الْحَرَمِ قَالَ وَبَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
١٨ - بَابُ قِطْعِ التَّلْبِيَةِ فِي الْعُمْرَةِ
٧٧٠ - ٧٦٠ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ فِي الْعُمْرَةِ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ)
стр. 1693
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُعْتَمِرِ مِنَ الْمَوَاقِيتِ كَمَا تَرَى بَعْدُ، لِأَنَّ عُرْوَةَ كَانَ يُحْرِمُ مِنْ مِيقَاتِ الْمَدِينَةِ، لِأَنَّهُ مَدَنِيٌّ.
(قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَحْرَمَ مِنَ التَّنْعِيمِ) ، زَادَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: أَوِ الْجِعْرَانَةِ، أَوْ نَحْوِهِمَا (أَنَّهُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حِينَ يَرَى الْبَيْتَ) ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: يَقْطَعُ إِذَا دَخَلَ بُيُوتَ مَكَّةَ، أَوِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ كُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ.
وَفِي أَبِي دَاوُدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَرْفُوعًا: «يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ» .
وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي لَيْلَى، تَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَقَدْ أَعَلَّهُ أَبُو دَاوُدَ، فَقَالَ: رَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَهَمَّامٌ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَرْفُوعًا.
(قَالَ يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يَعْتَمِرُ مِنْ بَعْضِ الْمَوَاقِيتِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَوْ غَيْرِهِمْ، مَتَى يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ؟ قَالَ: أَمَّا الْمُهِلُّ مِنَ الْمَوَاقِيتِ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إِذَا انْتَهَى إِلَى الْحَرَمِ) ، زَادَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: ثُمَّ لَا يُعَاوِدُهَا، (قَالَ: وَبَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ) ، تَقَدَّمَ قَرِيبًا رِوَايَتُهُ لِذَلِكَ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ، وَعَادَتُهُ إِطْلَاقُ الْبَلَاغِ عَلَى الصَّحِيحِ.
стр. 1694
[بَاب مَا جَاءَ فِي التَّمَتُّعِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ عَامَ حَجَّ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَهُمَا يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ فَقَالَ سَعْدٌ بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أَخِي فَقَالَ الضَّحَّاكُ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ «فَقَالَ سَعْدٌ قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
١٩ - بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّمَتُّعِ
هُوَ عَلَى الْمَعْرُوفِ الِاعْتِمَارُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ التَّحَلُّلُ مِنْ تِلْكَ الْعُمْرَةِ، وَالْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا خِلَافَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ: ١٩٦) . الِاعْتِمَارُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَبْلَ الْحَجِّ، قَالَ: وَمِنَ التَّمَتُّعِ أَيْضًا الْقِرَانُ، لِأَنَّهُ تَمَتُّعٌ بِسُقُوطِ سَفَرٍ لِلنُّسُكِ الْآخَرِ مِنْ بَلَدِهِ، وَمِنْهُ أَيْضًا: فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، انْتَهَى.
٧٧١ - ٧٦١ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) ، مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ، (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) ، الْهَاشِمِيِّ الْمَدَنِيِّ مَقْبُولٌ (أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ
стр. 1695
أَبِي وَقَّاصٍ) ، مَالِكٍ الزُّهْرِيِّ، (وَالضِّحَاكَ بْنَ قَيْسِ) بْنِ خَالِدِ بْنِ وَهْبٍ الْفِهْرَيَّ، الْأَمِيرَ الْمَشْهُورَ، صَحَابِيٌّ قُتِلَ فِي وَقْعَةِ مَرْجِ رَاهِطٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، (عَامَ حَجِّ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ) ، وَكَانَ أَوَّلُ حَجَّةٍ حَجَّهَا بَعْدَ الْخِلَافَةِ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَآخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا، سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَالْمُرَادُ الْأُولَى، لِأَنَّ سَعْدًا مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ عَلَى الصَّحِيحِ.
(وَهُمَا يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) ، أَيِ الْإِحْرَامَ، بِأَنْ يُحْرِمَ بِهَا فِي أَشْهُرِهِ، (فَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ: لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ) ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ: ١٩٦) ، فَأَمْرُهُ بِالْإِتْمَامِ يَقْتَضِي اسْتِمْرَارَ الْإِحْرَامِ إِلَى فَرَاغِ الْحَجِّ، وَمَنْعَ التَّحَلُّلِ، وَالْمُتَمَتِّعُ يَتَحَلَّلُ وَيَسْتَمْتِعُ بِمَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ، (فَقَالَ سَعْدٌ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أَخِي) ، مُلَاطَفَةً، وَتَأْنِيسًا، (فَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ) ، أَيِ التَّمَتُّعِ، رَوَى الشَّيْخَانِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مُوسَى: كُنْتُ أُفْتِي النَّاسَ بِذَلِكَ، أَيْ بِجَوَازِ التَّمَتُّعِ فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فَإِنِّي لَقَائِمٌ بِالْمَوْسِمِ إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ لَمَّا قَدِمَ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَحْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟ قَالَ: أَنْ نَأْخُذَ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ، قَالَ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وَأَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّةِ نَبِيِّنَا فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ.
وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا، فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ فَعَلَهُ، وَأَصْحَابُهُ، وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ تَظَلُّوا مُعَرِّسِينَ بِهِنَّ، أَيِ النِّسَاءِ فِي الْأَرَاكِ، ثُمَّ تُرَوِّحُونَ فِي الْحَجِّ تَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ، فَبَيَّنَ عُمَرُ الْعِلَّةَ الَّتِي لِأَجْلِهَا كَرِهَ التَّمَتُّعَ، وَكَانَ مِنْ رَأْيِهِ، عَدَمُ التَّرَفُّهِ لِلْحَاجِّ بِكُلِّ طَرِيقٍ، فَكَرِهَ قُرْبَ عَهْدِهِمْ بِالنِّسَاءِ ; لِئَلَّا يَسْتَمِرَّ الْبَلَلُ إِلَى ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَنْ بَعُدَ عَهْدُهُ بِهِ، وَمَنْ يَنْفَطِمُ.
(فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ) ، وَهُوَ الْحُجَّةُ الْمُقَدَّمَةُ عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ بِالرَّأْيِ، فَإِنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ إِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَذَلِكَ صَادِقٌ بِأَنْوَاعِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ.
وَأَمَّا فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ أَجَابَ هُوَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْإِحْلَالِ لِمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ.
قَالَ الْمَازِرِيُّ: قِيلَ: الْمُتْعَةُ الَّتِي نَهَى عَنْهَا عُمَرُ، فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَقِيلَ: الْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ الْحَجُّ، قَالَ عِيَاضٌ: وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، وَلِذَا كَانَ يَضْرِبُ النَّاسَ عَلَيْهَا كَمَا فِي مُسْلِمٍ، بِنَاءً عَلَى مُعْتَقَدِهِ أَنَّ الْفَسْخَ كَانَ خَاصٌّ بِالصَّحَابَةِ فِي سَنَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَطْ.
وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَزَلَ مَنَازِلَهُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦]
стр. 1696
كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ الثَّانِي، وَهُوَ لِلتَّنْزِيهِ تَرْغِيبًا فِي الْإِفْرَادِ، ثُمَّ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ التَّمَتُّعِ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَبَقِيَ الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ - وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: " «نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، يَعْنِي مُتْعَةَ الْحَجِّ، وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُهَا، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا ﷺ حَتَّى مَاتَ» "، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ.
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، يَعْنِي: عُمَرَ، وَوَقَعَ ذَلِكَ مِنْ عُثْمَانَ أَيْضًا كَمَا مَرَّ، وَلِمُعَاوِيَةَ مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قِصَّةٌ فِي ذَلِكَ، عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَذَلِكَ يُعَكِّرُ عَلَى اسْتِظْهَارِ عِيَاضٍ وَغَيْرِهُ أَنَّ الْمُتْعَةَ الَّتِي نَهَى عَنْهَا عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، هِيَ فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، لَا الْعُمْرَةُ الَّتِي يُحَجُّ بَعْدَهَا، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ أَتَى عُمَرَ، فَشَهِدَ عِنْدَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ يَنْهَى عَنِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ ; فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَمُنْقَطِعٌ كَمَا بَيَّنَهُ الْحُفَّاظُ، وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: صَحِيحٌ، وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
стр. 1697
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ وَاللَّهِ لَأَنْ أَعْتَمِرَ قَبْلَ الْحَجِّ وَأُهْدِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَمِرَ بَعْدَ الْحَجِّ فِي ذِي الْحِجَّةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧٧٢ - ٧٦٢ - (مَالِكٌ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ) الْجَزَرِيِّ، نَزِيلُ مَكَّةَ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ، قَالَ: وَاللَّهِ لَأَنْ أَعْتَمِرَ قَبْلَ الْحَجِّ) فِي أَشْهُرِهِ، (وَأُهْدِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَمِرَ بَعْدَ الْحَجِّ فِي ذِي الْحِجَّةِ) ، مُبَالَغَةٌ فِي جَوَازِ التَّمَتُّعِ، وَرَدٌّ عَلَى أَبِيهِ، وَعُثْمَانَ فِي كَرَاهَتِهِ.
وَفِي الْمُوَازِيَةِ: عَنْ مَالِكٍ مَا يُعْجِبُنِي قَوْلُ ابْنُ عُمَرَ هَذَا، وَإِفْرَادُ الْحَجِّ مِنَ الْمِيقَاتِ، أَحَبُّ إِلَيَّ صَرُورَةً كَانَ أَوْ غَيْرَ صَرُورَةٍ قِيلَ: كَأَنَّهُ فَهِمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ عِنْدَهُ مِنَ الْإِفْرَادِ، وَكَذَا تَأَوَّلَهُ أَبُو عَبِيدٍ، وَقِيلَ: أَرَادَ مَالِكٌ أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ إِلَى الْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ، لِيَأْتِيَ أَوَّلًا بِمَا عَنَى اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧] (سُورَةُ الْحَجِّ: الْآيَةُ ٢٧) ، وَتَكُونُ الْعُمْرَةُ تَبَعًا، وَلَا يَكُونُ الْحَجُّ تَبَعًا.
стр. 1698
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فِي شَوَّالٍ أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ فِي ذِي الْحِجَّةِ قَبْلَ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى يُدْرِكَهُ الْحَجُّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إِنْ حَجَّ وَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ
قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ إِذَا أَقَامَ حَتَّى الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ
قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ انْقَطَعَ إِلَى غَيْرِهَا وَسَكَنَ سِوَاهَا ثُمَّ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْهَا إِنَّهُ مُتَمَتِّعٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ أَوْ الصِّيَامُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ مِثْلَ أَهْلِ مَكَّةَ
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ دَخَلَ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهُوَ يُرِيدُ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ حَتَّى يُنْشِئَ الْحَجَّ أَمُتَمَتِّعٌ هُوَ فَقَالَ نَعَمْ هُوَ مُتَمَتِّعٌ وَلَيْسَ هُوَ مِثْلَ أَهْلِ مَكَّةَ وَإِنْ أَرَادَ الْإِقَامَةَ وَذَلِكَ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا وَإِنَّمَا الْهَدْيُ أَوْ الصِّيَامُ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ يُرِيدُ الْإِقَامَةَ وَلَا يَدْرِي مَا يَبْدُو لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧٧٣ - ٧٦٣ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ) مَوْلَاهُ، (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فِي شَوَّالٍ أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ، أَوْ فِي ذِي الْحِجَّةِ قَبْلَ الْحَجِّ) ، لَا بَعْدَهُ فِي ذِي
стр. 1699
الْحِجَّةِ، (ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى يُدْرِكَهُ الْحَجُّ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إِنْ حَجَّ، وَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ) - تَيَسَّرَ - (مِنَ الْهَدْيِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ) : الْهَدْيَ، لِفَقْدِهِ، أَوْ فَقْدِ ثَمَنِهِ، (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) ، أَيْ أَيَّامِهِ، وَلَوْ أَيَّامَ مِنًى، (وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ) مِنْ مِنًى، أَوْ إِلَى بَلَدِهِ عَلَى الْخِلَافِ.
(قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ إِذَا أَقَامَ حَتَّى الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ) مِنْ عَامِهِ، فَلَوْ لَمْ يَحُجَّ مِنْهُ، أَوْ عَادَ لِبَلَدِهِ، ثُمَّ حَجَّ فِي عَامِهِ، لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ انْقَطَعَ إِلَى غَيْرِهَا، وَسَكَنَ سِوَاهَا) - تَفْسِيرٌ لِلِانْقِطَاعِ بِغَيْرِهَا -: (ثُمَّ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْهَا، أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ) ، إِذْ لَيْسَ مِنْ سَاكِنِي مَكَّةَ، وَمَا فِي حُكْمِهَا حِينَئِذٍ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ مِنْهَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ذَلِكَ، إِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، (يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ، أَوِ الصِّيَامُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، وَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مِثْلَ أَهْلِ مَكَّةَ) ; لِانْقِطَاعِهِ بِغَيْرِهَا.
(وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ دَخَلَ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَهُوَ يُرِيدُ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ، حَتَّى يُنْشِئَ الْحَجَّ أَمُتَمَتِّعٌ هُوَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، هُوَ مُتَمَتِّعٌ) ، فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، أَوْ بَدَلُهُ إِنْ لَمْ يَجِدْهُ، (وَلَيْسَ هُوَ مِثْلَ أَهْلِ مَكَّةَ، وَإِنْ أَرَادَ الْإِقَامَةَ) بِهَا، (وَ) بَيَانُ (ذَلِكَ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا الْهَدْيُ، أَوِ الصِّيَامُ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ) وَقْتَ الْفِعْلِ، (وَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يُرِيدُ الْإِقَامَةَ وَلَا يَدْرِي مَا يَبْدُو لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ) ، هَلْ يُقِيمُ، أَوْ يَرْجِعُ بَعْدَ الْحَجِّ؟ (وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ) حِينَ الِاعْتِمَارِ، فَدَخَلَ فِي الْآيَةِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ، أَوِ الصِّيَامُ، وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ.
стр. 1700
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ مَنْ اعْتَمَرَ فِي شَوَّالٍ أَوْ ذِي الْقِعْدَةِ أَوْ فِي ذِي الْحِجَّةِ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى يُدْرِكَهُ الْحَجُّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إِنْ حَجَّ وَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧٧٤ - ٧٦٤
стр. 1701
- (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ، (أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، يَقُولُ: مَنِ اعْتَمَرَ فِي شَوَّالٍ، أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ) - بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِهَا - (أَوْ فِي ذِي الْحِجَّةِ، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى يُدْرِكَهُ الْحَجُّ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إِنْ حَجَّ) ، لَا إِنْ لَمْ يَحُجَّ، (وَ) عَلَيْهِ (مَا اسْتَيْسَرَ) - تَيَسَّرَ - (مِنَ الْهَدْيِ) شَاةٌ، فَأَعْلَى، (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٩٦) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِلَى أَمْصَارِكُمْ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ إِلَى أَهْلِهِ، رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ: مَعْنَاهُ الرُّجُوعُ إِلَى مَكَّةَ، وَعَبَّرَ عَنْهُ مَرَّةً بِالْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَمَعْنَى الرُّجُوعِ: التَّوَجُّهُ مِنْ مَكَّةَ، فَيَصُومُهَا فِي الطَّرِيقِ - إِنْ شَاءَ - وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ.
стр. 1702
[بَاب مَا لَا يَجِبُ فِيهِ التَّمَتُّعُ]
قَالَ مَالِكٌ مَنْ اعْتَمَرَ فِي شَوَّالٍ أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ ذِي الْحِجَّةِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ إِنَّمَا الْهَدْيُ عَلَى مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ وَكُلُّ مَنْ انْقَطَعَ إِلَى مَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ وَسَكَنَهَا ثُمَّ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْهَا فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ وَلَا صِيَامٌ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ إِذَا كَانَ مِنْ سَاكِنِيهَا سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ خَرَجَ إِلَى الرِّبَاطِ أَوْ إِلَى سَفَرٍ مِنْ الْأَسْفَارِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ وَهُوَ يُرِيدُ الْإِقَامَةَ بِهَا كَانَ لَهُ أَهْلٌ بِمَكَّةَ أَوْ لَا أَهْلَ لَهُ بِهَا فَدَخَلَهَا بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَنْشَأَ الْحَجَّ وَكَانَتْ عُمْرَتُهُ الَّتِي دَخَلَ بِهَا مِنْ مِيقَاتِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ دُونَهُ أَمُتَمَتِّعٌ مَنْ كَانَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ مِنْ الْهَدْيِ أَوْ الصِّيَامِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢٠ - بَابُ مَا لَا يَجِبُ فِيهِ التَّمَتُّعُ
أَيْ دَمُهُ، أَوْ صَوْمُهُ، (قَالَ مَالِكٌ: مَنِ اعْتَمَرَ فِي شَوَّالٍ، أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ، أَوْ ذِي الْحِجَّةِ) ، أَيْ فِي أَوَائِلِهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ) ، أَوْ بَدَلُهُ (إِنَّمَا الْهَدْيُ عَلَى مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ) ، وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ، لِأَنَّ شَرْطَ التَّمَتُّعِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَأَنْ تُقَدَّمَ الْعُمْرَةُ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مَكِّيًّا، فَمَتَى اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ، لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَكُونُ مُتَمَتِّعًا إِذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ عَادَ لِبَلَدِهِ، ثُمَّ حَجَّ مِنْهَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّمَتُّعَ: إِيقَاعُ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَقَطْ.
(وَكُلُّ مَنِ انْقَطَعَ إِلَى مَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ، وَسَكَنَهَا، ثُمَّ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ
стр. 1703
الْحَجِّ، ثُمَّ أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْهَا، فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ، وَلَا صِيَامٌ) ، إِيضَاحٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، إِذَا كَانَ مِنْ سَاكِنِيهَا، لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) .
(سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ خَرَجَ إِلَى الرِّبَاطِ) ، بِثَغْرٍ، (أَوْ إِلَى سَفَرٍ مِنَ الْأَسْفَارِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، وَهُوَ يُرِيدُ الْإِقَامَةَ بِهَا) ، سَوَاءٌ (كَانَ لَهُ أَهْلٌ بِمَكَّةَ، أَوْ لَا أَهْلَ لَهُ بِهَا، فَدَخَلَهَا بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَنْشَأَ الْحَجَّ) مِنْ عَامِهِ، (وَكَانَتْ عُمْرَتُهُ الَّتِي دَخَلَ بِهَا مِنْ مِيقَاتِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ دُونَهُ) مِنْ بَقِيَّةِ الْمَوَاقِيتِ، (أَمُتَمَتِّعٌ مَنْ كَانَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ) أَمْ لَا؟ (فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ مِنَ الْهَدْيِ، أَوِ الصِّيَامِ) إِنْ لَمْ يَجِدْهُ، (وَ) دَلِيلُ (ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ) الْعَزِيزِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وَهَذَا مِنْ حَاضِرِيهِ غَابَ عَنْهُ لِحَاجَةٍ، ثُمَّ رَجَعَ.
стр. 1704
[بَاب جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الْعُمْرَةِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢١ - بَابُ جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الْعُمْرَةِ
هِيَ لُغَةً الزِّيَارَةُ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
تُهِلُّ بِالْغَرْقَدِ رُكْبَانُهَا … كَمَا يُهِلُّ الرَّاكِبُ الْمُعْتَمِرُ
وَقِيلَ: هِيَ الْقَصْدُ، قَالَ آخَرُ: لَقَدْ سَمَا ابْنُ مَعْمَرٍ حِينَ اعْتَمَرَهُ، أَيْ: قَصَدَ، وَشَرْعًا: قَصْدُ الْبَيْتِ عَلَى كَيْفِيَّةٍ خَاصَّةٍ، قِيلَ: إِنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
٧٧٦ - ٧٦٥ - (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ) - بِضَمِّ السِّينِ، وَفَتْحِ الْمِيمِ - (مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بْنِ
стр. 1705
الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: تَفَرَّدَ سُمَيٌّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَاحْتَاجَ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهِ، وَهُوَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ حُجَّةٌ، فَرَوَاهُ عَنْهُ مَالِكٌ، وَالسُّفْيَانَانِ، وَغَيْرُهُمَا حَتَّى أَنَّ سُهَيْلَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ حَدَّثَ بِهِ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، ثُمَّ أَسْنَدَهُ مِنْ طَرِيقِهِ، قَالَ الْحَافِظُ: فَكَأَنَّ سُهَيْلًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِيهِ، وَتَحَقَّقَ بِذَلِكَ تَفَرُّدُ سُمَيٍّ بِهِ، فَهُوَ مِنْ غَرَائِبِ الصَّحِيحِ، (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذَكْوَانَ (السِّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ) ، يَحْتَمِلُ كَمَا قَالَ الْبَاجِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ التِّينِ: أَنَّ إِلَى بِمَعْنَى مَعَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: الْآيَةُ ٥٢) ، أَيْ مَعَ الْعُمْرَةِ، (كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا) ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مِنَ الذُّنُوبِ الصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ، وَذَهَبَ بَعْضُ عُلَمَاءِ عَصْرِنَا إِلَى تَعْمِيمِ ذَلِكَ ثُمَّ بَالَغَ فِي الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ يَعْنِي: الْبَاجِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ، فَتَقْتَضِي مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ تَكْفِيرَ جَمِيعِ مَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا، إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ كَوْنَ الْعُمْرَةِ كَفَّارَةً، مَعَ أَنَّ اجْتِنَابَ الْكَبَائِرِ يُكَفِّرُ، فَمَاذَا تُكَفِّرُهُ الْعُمْرَةُ؟ وَأُجِيبُ بِأَنَّ تَكْفِيرَ الْعُمْرَةِ مُقَيَّدٌ بِزَمَنِهَا، وَتَكْفِيرُ الِاجْتِنَابِ عَامٌّ لِجَمِيعِ عُمُرِ الْعَبْدِ، فَتَغَايَرَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْعُمْرَةَ الْأُولَى هِيَ الْمُكَفِّرَةُ، لِأَنَّهَا الَّتِي وَقَعَ الْخَبَرُ عَنْهَا أَنَّهَا تُكَفِّرُ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْعُمْرَةَ الثَّانِيَةَ هِيَ الْمُكَفِّرَةُ، لِمَا قَبْلَهَا إِلَى الْعُمْرَةِ السَّابِقَةِ، فَإِنَّ التَّكْفِيرَ قَبْلَ وُقُوعِ الذَّنْبِ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
وَقَالَ الْأُبِّيُّ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْحَثِّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَالْإِكْثَارِ مِنْهَا، لِأَنَّهُ إِذَا حُمِلَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ يُشْكِلُ بِمَا إِذَا اعْتَمَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، إِذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ لَا فَائِدَةَ لَهَا، لِأَنَّ فَائِدَتَهَا - وَهُوَ التَّكْفِيرُ - مَشْرُوطٌ بِفِعْلِهَا ثَانِيَةً، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمْ تَنْحَصِرْ فَائِدَةُ الْعِبَادَةِ فِي تَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ، بَلْ يَكُونُ فِيهَا، وَفِي ثُبُوتِ الْحَسَنَاتِ، وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ، كَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: مَنْ فَعَلَ كَذَا، كُتِبَ لَهُ كَذَا كَذَا حَسَنَةً، وَمُحِيَتْ عَنْهُ كَذَا كَذَا سَيِّئَةً، وَرُفِعَتْ لَهُ كَذَا كَذَا دَرَجَةً، فَتَكُونُ فَائِدَتُهَا إِذَا لَمْ تُكَرَّرْ ثُبُوتَ الْحَسَنَاتِ، وَرَفْعُ الدَّرَجَاتِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ: إِذَا لَمْ تُكَرَّرْ كُفِّرَ بَعْضُ مَا وَقَعَ بَعْدَهَا، لَا كُلُّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِقَدْرِ ذَلِكَ الْبَعْضِ.
(وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ) ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا رِيَاءَ فِيهِ، وَلَا سُمْعَةَ، وَلَا رَفَثَ، وَلَا فُسُوقَ، وَيَكُونُ بِمَالٍ حَلَالٍ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: هُوَ الَّذِي أَوْقَعَهُ صَاحِبُهُ عَلَى الْبِرِّ، وَقِيلَ: هُوَ الْمَقْبُولُ، وَعَلَامَتُهُ أَنْ يَرْجِعَ خَيْرًا مِمَّا كَانَ، وَلَا يُعَاوِدَ الْمَعَاصِيَ، وَقِيلَ: الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ مِنَ الْإِثْمِ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَقْوَالُ الْمَذْكُورَةُ فِي تَفْسِيرِهِ مُتَقَارِبَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُ الْحَجُّ الَّذِي وُفِّيَتْ أَحْكَامُهُ، وَوَقَعَ مَوْقِعًا لِمَا طُلِبَ مِنَ الْمُكَلَّفِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ.
وَلِأَحْمَدَ، وَالْحَاكِمِ، عَنْ جَابِرٍ: " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بِرُّ الْحَجِّ؟ قَالَ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ "، قَالَ الْحَافِظُ: وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَقَالَ الْأَبِّيُّ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ الَّذِي لَا مَعْصِيَةَ بَعْدَهُ، لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " مَنْ حَجَّ
стр. 1706
هَذَا الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ " إِذِ الْمَعْنَى: حَجَّ، ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلِهَذَا عَطَفَهُ بِالْفَاءِ الْمُشْعِرَةِ بِالتَّعْقِيبِ، وَإِذَا فُسِّرَ بِذَلِكَ كَانَ الْحَدِيثَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَتَفْسِيرُ الْحَدِيثِ بِالْحَدِيثِ أَوْلَى، وَيَكُونُ الرُّجُوعُ بِلَا ذَنْبٍ، كِنَايَةً عَنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ مَعَ السَّابِقِينَ.
(لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ) ، أَيْ لَا يَقْتَصِرُ لِصَاحِبِهِ مِنَ الْجَزَاءِ عَلَى تَكْفِيرِ بَعْضِ ذُنُوبِهِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، مَرْفُوعًا: " «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ مُتَابَعَةً بَيْنَهُمَا تَنْفِي الذُّنُوبَ، وَالْفَقْرَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجِّ الْمَبْرُورِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةَ» "، قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: شَرْطُ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ طِيبُ النَّفَقَةِ فِيهِ، قِيلَ لِمَالِكٍ: رَجُلٌ سَرَقَ مَالًا، فَتَزَوَّجَ بِهِ أَيُضَارِعُ الزِّنَى؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَسُئِلَ عَمَّنْ حَجَّ بِمَالٍ حَرَامٍ، قَالَ: حَجُّهُ مُجْزٍ، وَيَأْثَمُ بِسَبَبِ جِنَايَتِهِ، وَبِالْحَقِيقَةِ لَا يَرْقَى إِلَى الْعَالَمِ الْمُطَهَّرِ إِلَّا الْمُطَهَّرُ، فَالْقَبُولُ أَخَصُّ مِنَ الْإِجْزَاءِ، لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ سُقُوطِ الْقَضَاءِ، وَالْقَبُولُ عِبَارَةٌ عَنْ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَى الْفِعْلِ فَلِذَا قَالَ: يُجْزِي، وَهُوَ إِثْمٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا، عَنْ مَالِكٍ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَغَيْرُهُمَا عَنْ سُمَيٍّ.
стр. 1707
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ كُنْتُ تَجَهَّزْتُ لِلْحَجِّ فَاعْتَرَضَ لِي فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اعْتَمِرِي فِي رَمَضَانَ فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ كَحِجَّةٍ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧٧٧ - ٧٦٦ - (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ، مَوْلَاهُ (يَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَكَذَا لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، وَهُوَ مُرْسَلٌ ظَاهِرًا، لَكِنْ صَحَّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ سَمِعَهُ مِنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ، فَصَارَ بِذَلِكَ مُسْنَدًا، فَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، يُقَالُ لَهَا: أُمُّ مَعْقِلٍ، هَكَذَا سَمَّاهَا الزُّهْرِيُّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ تَسْمِيَتُهَا أُمُّ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيَّةُ، وَرَجَّحَ الْحَافِظُ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ وَقَعَتَا لِلْمَرْأَتَيْنِ، لِتُغَايُرِ قِصَّتَيْهِمَا، وَلِأَنَّ أُمَّ مَعْقِلٍ أَسَدِيَّةٌ، وَأُمَّ سِنَانٍ أَنْصَارِيَّةٌ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ، عَنْ أُمِّ مَعْقِلٍ: أَنَّ مَجِيئَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ كَانَ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهَا: مَا مَنَعَكِ أَنْ تَخَرُجِي مَعَنَا فِي وَجْهِنَا هَذَا؟ (فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ كُنْتُ تَجَهَّزْتُ لِلْحَجِّ، فَاعْتَرَضَ لِي) ، أَيْ عَاقَنِي عَائِقٌ مَنَعَنِي، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: فَأَصَابَتْنَا هَذِهِ الْقُرْحَةُ - الْحَصْبَةُ، أَوِ الْجُدَرِيُّ - فَهَلَكَ فِيهَا أَبُو مَعْقِلٍ
стр. 1708
وَأَصَابَنِي فِيهَا مَرَضِي هَذَا حَتَّى صَحِحْتُ مِنْهَا، وَكَانَ لَنَا جَمَلٌ هُوَ الَّذِي نُرِيدُ أَنْ نَخْرُجَ عَلَيْهِ، فَأَوْصَى بِهِ أَبُو مَعْقِلٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: فَهَلَّا خَرَجْتِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْحَجَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرَدْتُ الْحَجَّ، فَضَّلَ جَمَلِي، أَوْ قَالَتْ بِعِيرِي "، وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ ضَلَّ، ثُمَّ وُجِدَ، فَحَصَلَتْ لَهُمُ الْقُرْحَةُ، أَوْ ضَلَّ بَعْدَ حُصُولِهَا، ثُمَّ وُجِدَ، فَذَكَرَتْ لَهُ الْوَجْهَيْنِ، وَاقْتَصَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَلَى أَحَدِهِمَا.
(فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اعْتَمِرِي فِي رَمَضَانَ فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ، كَحِجَّةٍ» ) ، وَفِي لَفْظٍ: تَعْدِلُ حِجَّةً.
وَاعْتَمَرَ هُوَ فِي شَوَّالٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ الِاعْتِمَارُ فِي رَمَضَانَ ﷺ وَفِيهِ أَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ قَدْ تَفْضُلُ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي أَوْقَاتٍ، وَأَنَّ الشُّهُورَ بَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَالْعَمَلَ فِي بَعْضِهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ مِمَّا يَتَضَاعَفُ فِيهِ عَمَلُ الْبِرِّ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى عَظِيمِ فَضْلِهِ، وَأَنَّ الْحَجَّ أَفْضَلُ مِنَ الْعُمْرَةِ، لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْمَشَقَّةِ وَالْعَمَلِ، وَوَقَعَتْ لِأُمِّ طُلَيْقٍ قِصَّةٌ مِثْلُ هَذِهِ، أَخْرَجَهَا ابْنُ السَّكَنِ، وَابْنُ مِنْدَهْ فِي الصَّحَابَةِ، وَالدُّولَابِيُّ فِي الْكُنَى مِنْ طَرِيقِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ: «أَنَّ أَبَا طُلَيْقٍ حَدَّثَهُ أَنَّ امْرَأَتَهُ أُمُّ طُلَيْقٍ قَالَتْ لَهُ - وَكَانَ لَهُ جَمَلٌ يَغْزُو عَلَيْهِ، وَنَاقَةٌ يَحُجُّ عَلَيْهَا -: أَعْطِنِي جَمَلَكَ أَحُجُّ عَلَيْهِ، قَالَ: إِنَّ جَمَلِي حُبِسَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَتْ: إِنَّ الْحَجَّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَعْطِنِي النَّاقَةَ، وَحُجَّ أَنْتَ عَلَى الْجَمَلِ، قَالَ: لَا أَوَثِرُكِ عَلَى نَفْسِي، قَالَتْ: فَأَعْطِنِي مِنْ نَفَقَتِكَ، قَالَ: مَا عِنْدِي فَضْلٌ عَنِّي، وَعَنْ عِيَالِي مَا أَخْرُجُ بِهِ، وَمَا أَتْرُكُهُ لَكُمْ، قَالَتْ: إِنَّكَ لَوْ أَعْطَيْتَنِي أَخْلَفَهَا اللَّهُ، فَلَمَّا أَبَيْتُ عَلَيْهَا، قَالَتْ: إِذَا لَقِيتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُ بِالَّذِي قُلْتُ لَكَ، فَأَتَيْتُهُ، وَأَقْرَيْتُهُ مِنْهَا السَّلَامَ، وَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَتْ، فَقَالَ: صَدَقَتْ أُمُّ طُلَيْقٍ، لَوْ أَعْطَيْتَهَا الْجَمَلَ، لَكَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَوْ أَعْطَيْتَهَا النَّاقَةَ، لَكَانَتْ، وَكُنْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَوْ أَعْطَيْتَهَا مِنْ نَفَقَتِكَ، لَأَخْلَفَهَا اللَّهُ، قَالَ: فَإِنَّهَا تَسْأَلُكَ مَا يَعْدِلُ الْحَجَّ، قَالَ: عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ» ، وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَزَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ أُمَّ مَعْقِلٍ هِيَ أُمُّ طُلَيْقٍ، لَهَا كُنْيَتَانِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ أَبَا مَعْقِلٍ مَاتَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبَا طُلَيْقٍ عَاشَ حَتَّى سَمِعَ مِنْهُ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، فَدَلَّ عَلَى تَغَايُرِ الْمَرْأَتَيْنِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَغَايُرُ السِّيَاقَيْنِ أَيْضًا.
وَفِي الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَغَيْرِهِمَا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حَجَّتِهِ، قَالَ لِأُمِّ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيَّةِ: مَا مَنَعَكِ مِنَ الْحَجِّ؟ قَالَتْ: كَانَ لَنَا نَاضِحَانِ، فَرَكِبَ أَبُو فُلَانٍ - تَعْنِي: زَوْجَهَا - وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالْآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا، قَالَ: فَإِذَا كَانَ رَمَضَانَ اعْتَمِرِي فِيهِ، فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حِجَّةً مَعِي» " وَعِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: خَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ، وَابْنُهُ، وَتَرَكَانِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِابْنَ أَنَسٌ مَجَازًا، لِأَنَّهُ رَبِيبُهُ لِأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ابْنٌ كَبِيرٌ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهِيَ وَقَائِعُ مُتَعَدِّدَةٌ.
стр. 1709
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ افْصِلُوا بَيْنَ حَجِّكُمْ وَعُمْرَتِكُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ أَتَمُّ لِحَجِّ أَحَدِكُمْ وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِهِ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧٧٨ - ٧٦٧
стр. 1710
- (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: افْصِلُوا) - فَرِّقُوا - (بَيْنَ حَجِّكُمْ، وَعُمْرَتِكُمْ) بِأَنْ تُحْرِمُوا بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَحْدَهُ، (فَإِنَّ ذَلِكَ أَتَمُّ لِحَجِّ أَحَدِكُمْ، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِهِ أَنْ يَعْتَمِرَ أَشْهُرَ الْحَجِّ) ، فَكَرِهَ عُمَرُ التَّمَتُّعَ، لِئَلَّا يَتَرَفَّهَ الْحَاجُّ، وَكَانَ مِنْ رَأْيِهِ عَدَمُ التَّرَفُّهِ لِلْحَاجِّ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وَهَذَا رَوَاهُ جَابِرٌ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ، ثُمَّ مُسْلِمٌ، وَمَرَّ قَرِيبًا مَا فِيهِ.
стр. 1711
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ إِذَا اعْتَمَرَ رُبَّمَا لَمْ يَحْطُطْ عَنْ رَاحِلَتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ
قَالَ مَالِكٌ الْعُمْرَةُ سُنَّةٌ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَرْخَصَ فِي تَرْكِهَا
قَالَ مَالِكٌ وَلَا أَرَى لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُعْتَمِرِ يَقَعُ بِأَهْلِهِ إِنَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْهَدْيَ وَعُمْرَةً أُخْرَى يَبْتَدِئُ بِهَا بَعْدَ إِتْمَامِهِ الَّتِي أَفْسَدَهَا وَيُحْرِمُ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ بِعُمْرَتِهِ الَّتِي أَفْسَدَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ مِنْ مَكَانٍ أَبْعَدَ مِنْ مِيقَاتِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ إِلَّا مِنْ مِيقَاتِهِ
قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَهُوَ جُنُبٌ أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ثُمَّ وَقَعَ بِأَهْلِهِ ثُمَّ ذَكَرَ قَالَ يَغْتَسِلُ أَوْ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَعُودُ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَعْتَمِرُ عُمْرَةً أُخْرَى وَيُهْدِي وَعَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ مِثْلُ ذَلِكَ
قَالَ مَالِكٌ فَأَمَّا الْعُمْرَةُ مِنْ التَّنْعِيمِ فَإِنَّهُ مَنْ شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ يُحْرِمَ فَإِنَّ ذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَكِنْ الْفَضْلُ أَنْ يُهِلَّ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ التَّنْعِيمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧٧٨ - ٧٦٨ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ إِذَا اعْتَمَرَ رُبَّمَا لَمْ يَحْطُطْ عَنْ رَاحِلَتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ) إِلَى الْمَدِينَةِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، كَمَا مَرَّ، وَلِأَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا أَرْخَصَ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا، أَيْ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، فَرَأَى عُثْمَانُ أَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنِ الرُّخْصَةِ، فَعَجَّلَ الْأَوْبَةَ إِلَى دَارِ مَقَامِهِ، لِقِيَامِهِ بِأُمُورِ الْعَامَّةِ، وَالْخَاصَّةِ.
(قَالَ مَالِكٌ: الْعُمْرَةُ سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ آكَدُ مِنَ الْوَتْرِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، (وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَرْخَصَ فِي تَرْكِهَا) ، حُمِلَ عَلَى السُّنِّيَّةِ لِأَنَّ تَرْكَهَا لَا يُرَخَّصُ فِيهِ، بَلْ ثَمَّةُ سُنَّةٌ يُقَاتَلُ عَلَيْهَا، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْوُجُوبِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَابْنُ الْجَهْمِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، عَنْ أَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ، احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٩٦) ، لِعَطْفِهَا عَلَى الْحَجِّ الْوَاجِبِ، وَبِأَنَّ الْإِتْمَامَ إِذَا وَجَبَ وَجَبَ الِابْتِدَاءُ، وَبِأَنَّ مَعْنَى أَتِمُّوا: أَقِيمُوا، كَمَا أَنَّ مَعْنَى أَقِيمُوا: أَتِمُّوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] (سُورَةُ النِّسَاءِ: الْآيَةُ ١٠٣) ، وَتُعُقِّبَ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الِاقْتِرَانِ بِالْحَجِّ وُجُوبُ الْعُمْرَةِ، فَهُوَ اسْتِدْلَالٌ ضَعِيفٌ، لِضَعْفِ دَلَالَةِ الِاقْتِرَانِ، وَالثَّانِي بِأَنَّ غَيْرَ الْوَاجِبِ يَلْزَمُ إِتْمَامُهُ بِالدُّخُولِ فِيهِ، وَالثَّالِثُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ أَقِيمُوا بِمَعْنَى أَتِمُّوا، أَنْ يَكُونَ أَتِمُّوا بِمَعْنَى أَقِيمُوا، لِأَنَّ اللُّغَةَ لَا تَثْبُتُ بِالْعَكْسِ، مَعَ أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى أَتِمُّوا، هَلْ هُوَ كَمَالُهَا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا وَتَرَكِ قَطْعِهَا؟ وَهُوَ أَظْهَرُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَمَنْ تَمَتَّعَ الْآيَةَ، أَوْ إِتْمَامُهَا أَنْ يُحْرِمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى انْفِرَادِهِ فِي سَفَرَيْنِ وَقِيلَ غَيْرُ
стр. 1712
هَذَا وَقَرَأَ الشَّعْبِيُّ: وَالْعُمْرَةُ لِلَّهِ، بِرَفْعِ الْعُمْرَةِ، فَفَصَلَ بِهَذَا، لِقِرَاءَةِ عَطْفِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ، فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ وَصَارَ مِنْ أَدِلَّةِ السُّنِّيَّةِ.
وَلِلْتِرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: " «أَتَى أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ» " قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قَالَ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: لَا يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ، وَإِنْ كَانَ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ، فَقَدْ تَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِطَرِيقٍ آخَرَ، عَنْ جَابِرٍ فِيهِ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَضَعَّفَهُ، وَلَهُ شَاهِدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، مَرْفُوعًا: " «الْحَجُّ جِهَادٌ، وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» "، وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " «الْحَجُّ فَرِيضَةٌ، وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ: " «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» "، فَذَكَرَ الْحَجَّ دُونَ الْعُمْرَةِ، وَزِيَادَتُهَا فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ شَاذَّةٌ ضَعِيفَةٌ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عَدِيٍّ عَنْ جَابِرٍ، مَرْفُوعًا: " «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ» "، ضَعِيفٌ، لِأَنَّ فِيهِ ابْنَ لَهِيعَةَ.
وَلِلْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ» "، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، مَعَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَالثَّابِتُ عَنْهُ فِي الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا.
وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَاللَّهِ إِنَّهَا لَقَرِينَتُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٩٦) ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ اسْتِنْبَاطٌ لَهُ مِنَ الْآيَةِ، وَاجْتِهَادٌ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ دَلَالَةَ الِاقْتِرَانِ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ.
(قَالَ مَالِكٌ: وَلَا أَرَى لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا) مِنْ إِطْلَاقِ الْجَمْعِ عَلَى مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ، فَتُكْرَهُ الْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ فَأَكْثَرَ، لِأَنَّهُ ﷺ اعْتَمَرَ أَرْبَعًا كُلُّ وَاحِدَةٍ فِي سَنَةٍ، مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنَ التَّكْرِيرِ، نَعَمْ، إِنْ شَرَعَ فِي الْمَكْرُوهِ لَزِمَهُ إِتْمَامُهَا، لِأَنَّهُ مِنْ قِسْمِ الْجَائِزِ، وَأَجَازَ الْجُمْهُورُ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ التَّكْرَارَ بِلَا كَرَاهَةٍ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ: " «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» " حَتَّى بَالَغَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ لِمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ حُجَّةً مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لِمِثْلِهَا، وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهَا فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَلَبِّسًا بِالْحَجِّ، إِلَّا مَا نُقِلَ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهَا تُكْرَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَالنَّحْرِ، وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ.
(قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُعْتَمِرِ: يَقَعُ بِأَهْلِهِ) - يُجَامِعُهَا - (إِنَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْهَدْيَ، وَعُمْرَةً أُخْرَى) قَضَاءً عَنِ الَّتِي أَفْسَدَ، (يَبْتَدِئُ بِهَا) عَاجِلًا (بَعْدَ إِتْمَامِهِ الَّتِي أَفْسَدَهَا) بِالْوِقَاعِ (وَيُحْرِمُ) فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، (مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ بِعُمْرَتِهِ الَّتِي أَفْسَدَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ) ، فِي الَّتِي أَفْسَدَ، (مِنْ مَكَانٍ أَبْعَدَ مِنْ مِيقَاتِهِ) ، كَمِصْرِيٍّ أَحْرَمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ بِعُمْرَةٍ، فَأَفْسَدَهَا
стр. 1713
(فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ) فِي قَضَائِهَا، (إِلَّا مِنْ مِيقَاتِهِ) ، كَالْجُحْفَةِ، (قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَهُوَ جُنُبٌ، أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) ، نَاسِيًا، (ثُمَّ وَقَعَ بِأَهْلِهِ) مُعْتَقِدًا تَمَامَ عُمْرَتِهِ، (ثُمَّ ذَكَرَ) ذَلِكَ، (قَالَ: يَغْتَسِلُ، أَوْ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَعُودُ، فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ) ، لِبُطْلَانِ الطَّوَافِ الْأَوَّلِ بِعَدَمِ الطَّهَارَةِ، (وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) ، لِأَنَّ صِحَّةَ السَّعْيِ بِتَقَدُّمِ الطَّوَافِ، وَقَدْ عُدِمَ بِعَدَمِ شَرْطِهِ، وَهَذَا إِتْمَامٌ لِلْعُمْرَةِ الْفَاسِدَةِ بِالْوِقَاعِ.
(وَيَعْتَمِرُ عُمْرَةً أُخْرَى) قَضَاءً عَنْهَا سَرِيعًا، (وَيَهْدِي) ; لِلْفَسَادِ، (وَعَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ مِثْلُ ذَلِكَ) ، إِذِ النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ.
(قَالَ مَالِكٌ: فَأَمَّا الْعُمْرَةُ مِنَ التَّنْعِيمِ فَإِنَّهُ) ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ لَا يَتَعَيَّنُ، وَ (مَنْ شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ) إِلَى أَيِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْحِلِّ، (فَإِنَّ ذَلِكَ مَجْزِيٌّ عَنْهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ) - لِلتَّبَرُّكِ، إِذْ شَرْطُ الْإِحْرَامِ: أَنْ يَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَامِ، (وَلَكِنَّ الْفَضْلَ: أَنْ يُهِلَّ مِنَ الْمِيقَاتِ الَّذِي وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنَ التَّنْعِيمِ) ، كَالْجِعْرَانَةِ، وَالْحُدَيْبِيَةِ لِإِحْرَامِهِ ﷺ مِنْهُمَا بِالْعُمْرَةِ.
стр. 1714
[بَاب نِكَاحِ الْمُحْرِمِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا رَافِعٍ وَرَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَزَوَّجَاهُ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢٢ - بَابُ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ
٧٧٩ - ٧٦٩ - (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) ، هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا، وَتَابَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ رَبِيعَةَ، وَوَصَلَهُ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ، عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ
стр. 1715
أَبِي رَافِعٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا لِسَنَدِهِ غَيْرَ مَطَرٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا غَلَطٌ مِنْ مَطَرٍ، لِأَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَمَاتَ أَبُو رَافِعٍ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ عُثْمَانَ بِقَلِيلٍ، وَقُتِلَ عُثْمَانُ فِي الْحِجَّةِ، سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْمَعَ سُلَيْمَانُ مِنْ أَبِي رَافِعٍ، انْتَهَى.
وَهُوَ مُمْكِنٌ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فِي وِلَادَتِهِ، لِأَنَّهُ أَدْرَكَ نَحْوَ ثَمَانِ سِنِينَ مِنْ حَيَاةِ أَبِي رَافِعٍ، فَلَا يُسْتَغْرَبُ سَمَاعُهُ مِنْهُ.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا رَافِعٍ) ، اسْمُهُ عَلَى أَشْهَرِ الْأَقْوَالِ الْعَشَرَةِ: أَسْلَمُ (مَوْلَاهُ) ﷺ (وَرَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ) ، هُوَ أَوْسُ بْنُ خَوْلِيٍّ، كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ، (فَزَوَّجَاهُ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ) الْهِلَالِيَّةَ، آخِرَ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا مِمَّنْ دَخَلَ بِهِنَّ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: فَزَوَّجَاهُ أَنَّهُ وَكَلَّهُمَا فِي قَبُولِ النِّكَاحِ لَهُ، لَكِنْ، رَوَى أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «لَمَّا خَطَبَهَا النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْعَبَّاسِ، فَأَنْكَحَهَا النَّبِيَّ ﷺ » - فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَبِلَ النِّكَاحَ بِنَفْسِهِ، وَيُقَوِّيهِ رِوَايَةُ ابْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ ﷺ قَدِمَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَلَمَّا حَلَّ تَزَوَّجَهَا، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: فَزَوَّجَاهُ عَلَى مَعْنَى خَطَبَا لَهُ فَقَطْ مَجَازًا.
(وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ) إِلَى عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ.
وَفِي مُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، عَنْ مَيْمُونَةَ: «تَزَوَّجَنِي ﷺ وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفٍ» .
زَادَ الْبَرْقَانِيُّ: " وَبَنَى بِي حَلَالًا "، فَأَفَادَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ وُقُوعَ الْعَقْدِ، وَهُوَ حَلَالٌ.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: " «تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ حَلَالٌ وَبَنَى بِهَا، وَهُوَ حَلَالٌ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا» "، وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مَهْرَانَ، قَالَ: " «دَخَلْتُ عَلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، وَهِيَ عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، فَسَأَلْتُهَا: أَتَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَتْ: لَا، وَاللَّهِ لَقَدْ تَزَوَّجَهَا وَإِنَّهُمَا لَحَلَالَانِ» "، وَأَخْرَجَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِ الْمَغَازِي وَغَيْرِهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ: " «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ حَلَالٌ وَبَنَى بِهَا بِسَرِفٍ فِي قُبَّةٍ لَهَا، وَمَاتَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فِيهَا» "، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الرِّوَايَةُ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا، وَهُوَ حَلَالٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ مَيْمُونَةَ نَفْسِهَا، وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، مَوْلَاهَا، وَعَنْ يَزِيدَ وَهُوَ ابْنُ أُخْتِهَا، وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ رَوَى أَنَّهُ نَكَحَهَا، وَهُوَ مُحْرِمٌ إِلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ.
وَرِوَايَةُ مَنْ ذَكَرَ مُعَارِضَةٌ لِرِوَايَتِهِ، وَالْقَلْبُ إِلَى رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ أَمْيَلُ، لِأَنَّ الْوَاحِدَ أَقْرَبُ إِلَى الْغَلَطِ، انْتَهَى.
وَفِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: وَهِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَإِنْ كَانَتْ خَالَتُهُ مَا تَزَوَّجَهَا ﷺ إِلَّا بَعْدَمَا حَلَّ.
стр. 1716
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ أَخِي بَنِي عَبْدِ الدَّارِ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَأَبَانُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْحَاجِّ وَهُمَا مُحْرِمَانِ إِنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أُنْكِحَ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَرَدْتُ أَنْ تَحْضُرَ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَبَانُ وَقَالَ سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَنْكِحِ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧٨٠ - ٧٧٠
стр. 1717
- (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ) ، مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، (عَنْ نُبَيْهِ) - بِضَمِّ النُّونِ - مُصَغَّرٌ (ابْنِ وَهْبِ) بْنِ عُثْمَانَ الْعَبْدَرِيِّ، (أَخِي بَنِي عَبْدِ الدَّارِ) بْنِ قُصَيٍّ، أَيْ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْمَدَنِيُّ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَمَاتَ قَبْلَ نَافِعٍ الرَّاوِي عَنْهُ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ) - بِضَمِّ الْعَيْنَيْنِ - ابْنِ مَعْمَرِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ الْقُرَشِيِّ التَّيْمِيِّ، وَجَدُّهُ: مَعْمَرٌ صَحَابِيٌّ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَبِي قُحَافَةَ وَالِدِ الصِّدِّيقِ، رَوَى عُمَرُ، عَنْ أَبَانٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَعَنْهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَكَانَ أَحَدَ وُجُوهِ قُرَيْشٍ، وَأَشْرَافِهَا، جَوَادًا، مُمَدَّحًا، شُجَاعًا، مَاتَ بِدِمَشْقَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ، (أَرْسَلَ) نُبَيْهًا الرَّاوِيَ الْمَذْكُورَ - كَمَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ - (إِلَى أَبَانِ) - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ - (ابْنِ عُثْمَانَ) بْنِ عَفَّانَ الْأُمَوِيِّ الْمَدَنِيِّ الثِّقَةِ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ، (وَأَبَانٌ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْحَاجِّ) مِنْ جِهَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ، (وَهُمَا مُحْرِمَانِ: إِنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أُنْكِحَ) - بِضَمٍّ فَسُكُونٍ - أُزَوِّجَ ابْنِي (طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ) الْقُرَشِيَّ التَّيْمِيَّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَنْصَارِيَّ، وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ، فَفِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ نُبَيْهٍ: بَعَثَنِي عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَكَانَ يَخْطُبُ بِنْتَ شَيْبَةَ عَلَى ابْنِهِ (بِنْتَ شَيْبَةَ) اسْمُهَا: أَمَةُ الْحُمَيْدِ كَمَا ذَكَرَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، وَغَيْرُهُ (ابْنِ جُبَيْرِ) بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْعَبْدَرِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: بَنَتَ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَزَعَمَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ الصَّوَابُ، وَإِنَّ مَالِكًا، وَهِمَ فِيهِ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: بَلْ قَوْلُ مَالِكٍ هُوَ الصَّوَابُ، فَإِنَّهَا بِنْتُ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ عُثْمَانَ الْحَجَبِيِّ كَمَا حَكَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَلَعَلَّ مَنْ قَالَ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ نَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ فَلَا يَكُونُ خَطَأٌ، بَلِ الرِّوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ إِحْدَاهُمَا: حَقِيقَةٌ، وَالْأُخْرَى مَجَازٌ.
(وَأَرَدْتُ أَنْ تَحْضُرَ) فِيهِ نَدْبُ الِاسْتِئْذَانِ، لِحُضُورِ الْعَقْدِ، (فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَبَانُ) ، فَقَالَ: أَلَا أَرَاهُ عِرَاقِيًّا جَافِيًا، كَمَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، وَلَهُ فِي أُخْرَى: أَعْرَابِيًّا، أَيْ جَاهِلًا بِالسُّنَّةِ كَالْأَعْرَابِ، وَمَعْنَى رِوَايَةِ الْقَافِ: آخِذًا بِمَذْهَبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ تَارِكًا لِلسُّنَّةِ.
(وَقَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) ، يَعْنِي: أَبَاهُ، وَفِي تَصْرِيحِهِ بِسَمِعْتُ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ أَبَاهُ، فَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ، (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَنْكِحُ) - بِفَتْحِ أَوَّلِهِ - أَيْ لَا يَعْقِدُ لِنَفْسِهِ (الْمُحْرِمُ) بِحَجٍّ أَوْ
стр. 1718
عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا، (وَلَا يُنْكِحُ) - بِضَمِّ أَوَّلِهِ - أَيْ لَا يَعْقِدُ لِغَيْرِهِ بِوِلَايَةٍ، وَلَا وِكَالَةٍ، وَهُوَ بِالْجَزْمِ فِيهِمَا عَلَى النَّهْيِ، كَمَا ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ.
(وَلَا يَخْطُبُ) ، فَيُمْنَعُ مِنَ الْخِطْبَةِ أَيْضًا، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، كَمَا فِي الْمُفْهِمِ، وَحَمَلَ الشَّافِعِيَّةُ النَّهْيَ فِي الْخِطْبَةِ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ السِّفَارَةَ فِي النِّكَاحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْخِطْبَةَ حَالَةَ النِّكَاحِ، فَأَمَّا السِّفَارَةُ فِيهِ فَمَمْنُوعَةٌ، فَإِنْ سَفَرَ، وَعَقَدَ سِوَاهُ، أَوْ سَفَرَ لِنَفْسِهِ، وَعَقَدَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ، أَسَاءَ وَلَمْ يُفْسَخْ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، انْتَهَى.
وَفِيهِ حُرْمَةُ الْعَقْدِ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَلَوْ عَقَدَ لَمْ يَصِحَّ، وَيُفْسَخْ أَيْضًا بِطَلْقَةٍ عِنْدَ مَالِكٍ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ، فَيُزَالُ الِاخْتِلَافُ بِالطَّلَاقِ احْتِيَاطًا لِلْفَرْجِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بِلَا طَلَاقٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْكُوفِيُّونَ: يَصِحُّ نِكَاحُهُ، وَإِنْكَاحُهُ، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ لَيْسَ نَهْيًا عَنْ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ، بَلْ هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ حَالِهِ، وَأَنَّهُ لِاشْتِغَالِهِ بِنُسُكِهِ لَا يَتَّسِعُ زَمَانُهُ لِعَقْدِ النِّكَاحِ، وَلَا يَتَفَرَّغُ لَهُ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ هُنَا: الْوَطْءُ، لَا الْعَقْدُ، فَقَوْلُهُ: لَا يَنْكِحُ، أَيْ لَا يَطَأُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ بِالْجَزْمِ عَلَى النَّهْيِ، لَا عَلَى حِكَايَةِ الْحَالِ، وَحَمْلُهُ عَلَيْهَا لَا يَكُونُ إِخْبَارًا عَنْ أَمْرٍ شَرْعِيٍّ، بَلْ عَنْ قَضِيَّةٍ يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهَا الْخَاصُّ، وَالْعَامُّ، وَحَمْلُ كَلَامِ الشَّارِعِ عَلَى الشَّرْعِيَّاتِ الَّتِي لَا تُعْلَمُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ أَوْلَى.
وَأَيْضًا فَإِنَّ أَبَانَ رَاوِي الْحَدِيثَ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ: النَّهْيَ، وَأَنْكَرَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةَ بِالْحَدِيثِ، وَحَمْلُ النِّكَاحَ عَلَى الْوَطْءِ، لَا فَائِدَةَ فِيهِ، إِذْ هُوَ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ يَعْلَمُهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَأَيْضًا، فَهُوَ خِلَافُ فَهْمِ رَاوِيهِ، وَلَوْ صَحَّ فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى لَمْ يَصِحَّ فِي الثَّانِيَةِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: وَلَا يُنْكِحُ، نَهْيٌ عَنِ التَّزْوِيجِ بِلَا شَكٍّ، وَإِذَا مُنِعَ مِنَ الْعَقْدِ لِغَيْرِهِ، فَأَوْلَى لِنَفْسِهِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مَحْرِمٌ» "، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، لِأَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ، وَغَيْرَهُ وَهَّمُوهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ، وَخَالَفَتْهُ مَيْمُونَةُ، وَأَبُو رَافِعٍ، فَرَوَيَا أَنَّهُ نَكَحَهَا، وَهُوَ حَلَالٌ، وَهُوَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ، لِأَنَّ مَيْمُونَةَ هِيَ الزَّوْجَةُ، وَأَبُو رَافِعٍ هُوَ السَّفِيرُ بَيْنَهُمَا، فَهُمَا أَعْرَفُ بِالْوَاقِعَةِ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنَ التَّعَلُّقِ بِالْقِصَّةِ مَا لَهُمَا، وَلِصِغَرِهِ حِينَئِذٍ عَنْهُمَا، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي سِنِّهِمَا، وَلَا يَقْرُبُ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَهْمًا، فَهُوَ قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ بِأَنَّ مَعْنَى وَهُوَ مُحْرِمٌ: فِي الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ عَرَبِيٌّ فَصِيحٌ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ الْعَرَبِ، وَهُمْ يَقُولُونَ: أَحْرَمَ، وَأَنْجَدَ، وَأَتْهَمَ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ، وَنَجَدًا، وَتِهَامَةَ، أَوْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، كَقَوْلِهِ: قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا.
أَيْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا بِحَجٍّ، وَلَا بِعُمْرَةٍ، أَوْ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّ مَنْ قَلَّدَ هَدْيَهُ صَارَ مُحْرِمًا بِالتَّقْلِيدِ، فَلَعَلَّ ابْنَ عَبَّاسٍ عَلِمَ بِنِكَاحِهِ بَعْدَ أَنْ قَلَّدَ هَدْيَهُ ﷺ أَوْ أَنَّ عَقْدَ الْإِحْرَامِ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ كَمَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْإِغْضَاءِ عَنْ هَذَا كُلِّهِ، فَقَدْ تَعَارَضَ هُوَ وَحَدِيثُ مَيْمُونَةَ، وَأَبِي رَافِعٍ، فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِالْخَبَرَيْنِ وَوَجَبَ الرُّجُوعُ
стр. 1719
إِلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ، لِأَنَّ لَا مُعَارِضَ لَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَغَيْرُهُ، وَيُرَجِّحُهُ أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ إِذَا تَعَارَضَ هُوَ وَالْفِعْلُ، لِقُوَّةِ الْقَوْلِ، لِدَلَالَتِهِ بِنَفْسِهِ عَلَى الْفِعْلِ، فَإِنَّمَا يُدَلُّ بِوَاسِطَةِ الْقَوْلِ، وَلِتَعَدِّي الْقَوْلِ إِلَى الْغَيْرِ، وَالْفِعْلُ يَحْتَمِلُ قَصْرَهُ عَلَيْهِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَ عُثْمَانَ هَذَا مُسْلِمٌ فِي النِّكَاحِ، عَنْ يَحْيَى، وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْحَجِّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ كِلَاهُمَا، عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَرَوَاهُ أَيْضًا، عَنِ النَّسَائِيِّ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَابْنِ حِبَّانَ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ، وَيَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ، وَأَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَتَابَعَ نَافِعًا عَلَيْهِ أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ عَنْ نُبَيْهٍ فِي مُسْلِمٍ.
стр. 1720
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ أَبَا غَطَفَانَ بْنَ طَرِيفٍ الْمُرِّيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ طَرِيفًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ مُحْرِمٌ فَرَدَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نِكَاحَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧٨١ - ٧٧١ - (مَالِكٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ) - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الصَّادِ - الْأُمَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ، (أَنَّ أَبَا غَطَفَانَ) - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ - (ابْنَ طَرِيفٍ) - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ - وَقِيلَ: ابْنَ مَالِكٍ (الْمُرِّيَّ) - بِالرَّاءِ - الْمَدَنِيِّ، قِيلَ: اسْمُهُ سَعْدٌ ثِقَةٌ تَابِعِيٌّ، (أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ طَرِيفًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَرَدَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نِكَاحَهُ) ، لِفَسَادِهِ، فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ.
следующие страницы →