← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 551

شرح الزرقاني على الموطأ

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (4 163 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

يَقْطَعْ بِأَنَّهُ كِتَابُ اللَّهِ كَالسُّنَنِ الْوَارِدَةِ بِنَقْلِ الْآحَادِ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: مَا جَاءَ مِنَ الْقِرَاءَاتِ مِمَّا لَيْسَ فِي الْمُصْحَفِ يَجْرِي عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ مَجْرَى الْآحَادِ سَوَاءٌ أَسْنَدَهَا أَمْ لَمْ يُسْنِدْهَا. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا تُجْرَى مَجْرَى الْآحَادِ إِذَا أُسْنِدَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَإِلَّا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْقَارِئِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَتَى بِهَا عَلَى وَجْهِ التَّفْسِيرِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ: لَا يَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِهَا وَلَا الْعَمَلُ بِمَضْمُونِهَا وَهُوَ أَبْيَنُ. (قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا السَّعْيُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَمَلُ وَالْفِعْلُ) إِنْ أُطْلِقَ لُغَةً عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى الْإِسْرَاعِ وَالْجَرْيِ كَحَدِيثِ: " «إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ» " (يَقُولُ اللَّهُ ﵎ وَإِذَا تَوَلَّى) انْصَرَفَ عَنْكَ (سَعَى فِي الْأَرْضِ) لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ. رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " لَمَّا أُصِيبَتِ السَّرِيَّةُ الَّتِي فِيهَا عَاصِمٌ وَمَرْثَدٌ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ: يَا وَيْحَ هَؤُلَاءِ الْمَفْتُونِينَ الَّذِينَ هَلَكُوا لَا هُمْ قَعَدُوا فِي أَهْلِيهِمْ وَلَا هُمْ أَدَّوْا رِسَالَةَ صَاحِبِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ [البقرة: ٢٠٤] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةَ ٢٠٤) الْآيَةَ ". وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: «نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ أَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ مِنْهُ ثُمَّ خَرَجَ فَمَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَحُمُرٍ فَأَحْرَقَ الزَّرْعَ وَعَقَرَ الْحُمُرَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ، لَكِنْ تَابَ الْأَخْنَسُ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ وَشَهِدَ حُنَيْنًا» . (وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ [عبس: ٨] حَالٌ مِنْ فَاعِلِ جَاءَ ﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ [عبس: ٩] اللَّهَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَسْعَى وَهُوَ الْأَعْمَى (وَقَالَ ثُمَّ أَدْبَرَ) فِرْعَوْنُ عَنِ الْإِيمَانِ (يَسْعَى) فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ (وَقَالَ ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ﴾ [الليل: ٤] عَمَلَكُمْ (لَشَتَّى) مُخْتَلِفٌ فَعَامِلٌ لِلْجَنَّةِ بِالطَّاعَةِ وَعَامِلٌ لِلنَّارِ بِالْمَعْصِيَةِ. (قَالَ مَالِكٌ: فَلَيْسَ السَّعْيُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بِالسَّعْيِ عَلَى الْأَقْدَامِ وَلَا الِاشْتِدَادِ) أَيِ الْجَرْيِ (وَإِنَّمَا عَنَى الْعَمَلَ وَالْفِعْلَ) وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩] (سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: الْآيَةَ ١٩) وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ١٠٤] (سُورَةُ الْكَهْفِ: الْآيَةَ ١٠٤) وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ فَتَكُونُ آيَةُ الْجُمُعَةِ مِثْلَهُ.

стр. 562

[بَاب مَا جَاءَ فِي الْإِمَامِ يَنْزِلُ بِقَرْيَةٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي السَّفَرِ] قَالَ مَالِكٌ إِذَا نَزَلَ الْإِمَامُ بِقَرْيَةٍ تَجِبُ فِيهَا الْجُمُعَةُ وَالْإِمَامُ مُسَافِرٌ فَخَطَبَ وَجَمَّعَ بِهِمْ فَإِنَّ أَهْلَ تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَغَيْرَهُمْ يُجَمِّعُونَ مَعَهُ قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ جَمَّعَ الْإِمَامُ وَهُوَ مُسَافِرٌ بِقَرْيَةٍ لَا تَجِبُ فِيهَا الْجُمُعَةُ فَلَا جُمُعَةَ لَهُ وَلَا لِأَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَلَا لِمَنْ جَمَّعَ مَعَهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ وَلْيُتَمِّمْ أَهْلُ تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِمُسَافِرٍ الصَّلَاةَ قَالَ مَالِكٌ وَلَا جُمُعَةَ عَلَى مُسَافِرٍ ـــــــــــــــــــــــــــــ ٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْإِمَامِ يَنْزِلُ بِقَرْيَةٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي السَّفَرِ كَذَا تَرْجَمَ يَحْيَى وَلَمْ يَذْكُرْ تَحْتَهَا شَيْئًا جَاءَ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا ذَكَرَ الْحُكْمَ فَقَطْ فَقَالَ: (قَالَ مَالِكٌ: إِذَا نَزَلَ الْإِمَامُ بِقَرْيَةٍ تَجِبُ فِيهَا الْجُمُعَةُ وَالْإِمَامُ مُسَافِرٌ فَخَطَبَ وَجَمَّعَ بِهِمْ فَإِنَّ أَهْلَ تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَغَيْرَهُمْ يُجَمِّعُونَ مَعَهُ) لِأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمُ الْإِمَامُ دُونَ الْوَالِي لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَنُوبُ عَنْهُ فَإِذَا حَضَرَ كَانَ أَحَقَّ بِالصَّلَاةِ فَإِنْ صَلَّى الْوَالِي جَازَ كَمَا لَوِ اسْتَخْلَفَ فِي وَطَنِهِ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ وَأَصْلُ ذَلِكَ «أَنَّهُ ﷺ فِي سَفَرِ الْهِجْرَةِ لَمَّا خَرَجَ مِنْ قُبَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ أَدْرَكَتْهُ الْجُمُعَةُ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ فَصَلَّاهَا بِمَسْجِدِهِمْ فَسُمِّيَ مَسْجِدَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ أَوَّلُ جُمْعَةٍ صَلَّاهَا» ذَكَرُهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، (قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ جَمَّعَ الْإِمَامُ وَهُوَ مُسَافِرٌ بِقَرْيَةٍ لَا تَجِبُ فِيهَا الْجُمُعَةُ) عَلَى أَهْلِهَا لِفَقْدِ شُرُوطِهَا (فَلَا جُمُعَةَ لَهُ وَلَا لِأَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَلَا لِمَنْ جَمَّعَ مَعَهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ وَلْيُتَمِّمْ) وَفِي نُسْخَةٍ: وَلْيُتِمَّ بِالْإِدْغَامِ (أَهْلُ تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِمُسَافِرٍ الصَّلَاةَ) قَالَ الْبَاجِيُّ: يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَعُودَ إِلَى الْإِتْمَامِ، وَالثَّانِي أَنْ يُتِمُّوا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَلَاتِهِمْ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ اللَّفْظِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ لَقَالَ: وَلْيُعِدْ جَمِيعُ الْمُصَلِّينَ مَعَهُ فَيُتِمُّ الْمُقِيمُ وَيَقْصُرُ الْمُسَافِرُ، فَلَمَّا خَصَّ الْمُقِيمِينَ بِالذِّكْرِ كَانَ الْأَظْهَرُ أَنَّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِينَ جَائِزَةٌ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَجْمُوعَةِ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجْزِي الْإِمَامَ وَلَا غَيْرَهَ مِمَّنْ مَعَهُ. وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ تَجْزِيهِ وَلَا تَجْزِي أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ حَتَّى يُتِمُّوا عَلَيْهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَذْهَبُ الْمُوَطَّأِ أَنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ يَبْنُونَ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَلَّوْا مَعَهُ ظُهْرًا وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَبْتَدُوا وَيَجْزِيَ كُلَّ مُسَافِرٍ مَعَهُ صَلَاةُ سَفَرٍ لَا جُمُعَةٍ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ ابْنِ نَافِعٍ وَلَيْسَ جَهْرُهُ مِنْ تَعَمُّدِ الْفَسَادِ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ (قَالَ مَالِكٌ: وَلَا جُمُعَةَ عَلَى مُسَافِرٍ) إِجْمَاعًا قَالَ ﷺ : " «لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٍ» ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

стр. 563

[بَاب مَا جَاءَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ] حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا» ـــــــــــــــــــــــــــــ ٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَيِ الَّتِي يُجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ. - ٢٤٢ ٢٣٨ (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ فِيهِ سَاعَةٌ» ) أَبْهَمَهَا هُنَا كَلِيلَةِ الْقَدْرِ وَالِاسْمِ الْأَعْظَمِ وَالرَّجُلِ الصَّالِحِ حَتَّى تَتَوَفَّرَ الدَّوَاعِي عَلَى مُرَاقَبَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَقَدْ وَرَدَ: " «إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ أَلَا فَتَعَرَّضُوا لَهَا» "، وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ مِنْ جُمْلَةِ تِلْكَ الْأَيَّامِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ فِي جَمِيعِ نَهَارِهِ مُتَعَرِّضًا لَهَا بِإِحْضَارِ الْقَلْبِ وَمُلَازِمَةِ الذِّكَرِ وَالدُّعَاءِ وَالنُّزُوعِ عَنْ وَسَاوِسِ الدُّنْيَا فَعَسَاهُ أَنْ يَحْظَى بِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ النَّفَحَاتِ. (لَا يُوَافِقُهَا) أَيْ لَا يُصَادِفُهَا وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَقْصِدَ لَهَا أَوْ يَتَّفِقُ وُقُوعُ الدُّعَاءِ فِيهَا ( «عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ» ) جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ حَالِيَّةٌ (يُصَلِّي) جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ حَالِيَّةٌ ( «يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا» ) مِمَّا يَلِيقُ أَنْ يَدْعُوَ بِهِ الْمُسْلِمُ. وَلِلْبُخَارِيِّ فِي الطَّلَاقِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَمُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا» ، وَالْجُمَلُ صِفَاتٌ لِلْمُسْلِمِ أُعْرِبَتْ أَحْوَالًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي حَالًا مِنْهُ لِاتِّصَافِهِ بِقَائِمٍ وَيَسْأَلُ حَالٌ مُرَادِفَةٌ أَوْ مُتَدَاخِلَةٌ. ( «إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» ) وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: «مَا لَمْ يَسْأَلْ إِثْمًا أَوْ قَطِيعَةَ رَحِمٍ وَهُوَ نَحْوُ خَيْرًا» ، وَالْقَطِيعَةُ مِنَ الْإِثْمِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ، وَأَفَادَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ قَوْلَهَ «قَائِمٌ يُصَلِّي» سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ وَابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ وَمُطَرِّفٍ وَالتِّنِّيسِيِّ وَقُتَيْبَةَ فَقَالُوا: وَهُوَ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَأَثْبَتَهَا الْبَاقُونَ قَالَ: وَهِيَ زِيَادَةٌ مَحْفُوظَةٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَوَرْقَاءَ وَغَيْرِهِمَا عَنْهُ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ الْحَافِظُ: وَحَكَى أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ السَّيِّدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَضَّاحٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِحَذْفِهَا مِنَ الْحَدِيثِ، وَكَأَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ يُشْكِلُ عَلَى أَصَحِّ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي تَعْيِينِ هَذِهِ السَّاعَةِ وَهُمَا حَدِيثَانِ، أَحَدُهُمَا «أَنَّهَا مِنْ جُلُوسِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ إِلَى انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ» ، وَالثَّانِي «أَنَّهَا مِنْ بَعْدِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ» ، وَقَدِ احْتَجَّ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى ابْنِ سَلَامٍ لَمَّا ذَكَرَ لَهُ الْقَوْلَ الثَّانِي بِأَنَّهُ لَيْسَتْ سَاعَةَ صَلَاةٍ، وَقَدْ وَرَدَ النَّصُّ بِالصَّلَاةِ فَأَجَابَهُ بِالنَّصِّ الْآخَرِ أَنَّ مُنْتَظِرَ الصَّلَاةِ فِي

стр. 564

حُكْمِ الْمُصَلِّي، فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَابِتًا لَاحْتَجَّ بِهِ لَكِنْ سَلَّمَ لَهُ الْجَوَابَ وَارْتَضَاهُ وَأَفْتَى بِهِ بَعْدَهُ، وَأَمَّا الْإِشْكَالُ عَلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ حَالَ الْخُطْبَةِ كُلَّهُ وَلَيْسَتْ صَلَاةً عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَقَدْ أُجِيبَ عَنِ الْإِشْكَالِ بِحَمْلِ الصَّلَاةِ عَلَى الدُّعَاءِ وَالِانْتِظَارِ وَبِحَمْلِ الْقِيَامِ عَلَى الْمُلَازَمَةِ أَوِ الْمُوَاظَبَةِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ حَالَ الْقِيَامِ فِي حَالِ الصَّلَاةِ غَيْرُ حَالِ السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ وَالتَّشَهُّدِ مَعَ أَنَّ السُّجُودَ مَظِنَّةُ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْقِيَامِ حَقِيقَتَهُ لَأَخْرَجَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَجَازُ الْقِيَامِ وَهُوَ الْمُوَاظَبَةُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: الْآيَةَ ٧٥) فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنِ الْمُصَلِّي بِالْقَائِمِ مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ عَنِ الْكُلِّ بِالْجُزْءِ، وَالنُّكْتَةُ فِيهِ أَنَّهُ أَشْهَرُ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ اهـ. وَلَا يَظْهَرُ قَوْلُهُ فَعَلَى هَذَا لِأَنَّ الْحَدِيثَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي (وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا) تَرْغِيبًا فِيهَا وَحَضًّا عَلَيْهَا لِيَسَارَةِ وَقْتِهَا وَغَزَارَةِ فَضْلِهَا قَالَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنَيِّرِ وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " وَضَعَ أُنْمُلَتَهُ عَلَى بَطْنِ الْوُسْطَى وَالْخِنْصَرَ قُلْنَا يُزَهِّدُهَا " وَبَيَّنَ أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ أَنَّ الَّذِي وَضَعَ هُوَ بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ رَاوِيهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ وَكَأَنَّهُ فَسَّرَ الْإِشَارَةَ بِذَلِكَ، وَأَنَّهَا سَاعَةٌ لَطِيفَةٌ تَنْتَقِلُ مَا بَيْنَ وَسَطِ النَّهَارِ إِلَى قُرْبِ آخِرِهِ وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ يُزَهِّدُهَا أَيْ يُقَلِّلُهَا. وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: وَهِيَ قَدْرُ هَذَا يَعْنِي قَبْضَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِاخْتِصَاصِهِ بِسَاعَةِ الْإِجَابَةِ وَأَنَّهَا أَفْضَلُ سَاعَاتِهِ. قَالَ الْبَاجِيُّ: وَالْفَضَائِلُ لَا تُدْرَكُ بِقِيَاسٍ وَإِنَّمَا فِيهَا التَّسْلِيمُ وَفِيهِ فَضْلُ الدُّعَاءِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهُ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنَيِّرِ: وَإِذَا عَلِمَ أَنَّ فَائِدَةَ إِبْهَامِ هَذِهِ السَّاعَةِ وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ بَعْثُ الدَّوَاعِي عَلَى الْإِكْثَارِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَلَوْ بَيَّنَ لَاتَّكَلَ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ وَتَرَكُوا مَا عَدَاهَا، فَالْعَجَبُ بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّنْ يَجْتَهِدُ فِي طَلَبِ تَحْدِيدِهَا اهـ. فَإِنْ قِيلَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ حُصُولُ الْإِجَابَةِ لِكُلِّ دَاعٍ بِشَرْطِهِ مَعَ أَنَّ الزَّمَانَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ وَالْمُصَلِّي فَيَتَقَدَّمُ بَعْضٌ عَلَى بَعْضٍ وَسَاعَاتُ الْإِجَابَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْوَقْتِ فَكَيْفَ تَتَّفِقُ مَعَ الِاخْتِلَافِ؟ بِاحْتِمَالِ أَنَّ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ كُلِّ مُصَلٍّ كَمَا قِيلَ نَظِيرُهُ فِي سَاعَةِ الْكَرَاهَةِ، وَلَعَلَّ هَذَا فَائِدَةُ جَعْلِ الْوَقْتِ الْمُمْتَدِّ مَظِنَّةً لَهَا وَإِنْ كَانَتْ هِيَ خَفِيفَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَبَّرَ عَنِ الْوَقْتِ بِالْفِعْلِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ وَقْتَ جَوَازِ الْخُطْبَةِ أَوِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى بَقَاءِ الْإِجْمَالِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي بَقَاءِ الْإِجْمَالِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَا فِي الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ كَوَقْتِ السَّاعَةِ فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي إِجْمَالِهِ، وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الْمُتَعَلِّقُ بِسَاعَةِ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَهُوَ تَحْصِيلُ الْأَفْضَلِيَّةِ يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَيْهِ وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ بِاسْتِيعَابِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَلَمْ يَبْقَ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إِجْمَالٌ. وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ،

стр. 565

وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْإِمَامُ حَدِيثًا فِيهِ بَيَانُ السَّاعَةِ الْمُبْهَمَةِ فِي الْأَوَّلِ وَذَلِكَ مِنْ حُسْنِ التَّصْنِيفِ فَقَالَ: -

стр. 566

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «خَرَجْتُ إِلَى الطُّورِ فَلَقِيتُ كَعْبَ الْأَحْبَارِ فَجَلَسْتُ مَعَهُ فَحَدَّثَنِي عَنْ التَّوْرَاةِ وَحَدَّثْتُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ فِيمَا حَدَّثْتُهُ أَنْ قُلْتُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ أُهْبِطَ مِنْ الْجَنَّةِ وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مَاتَ وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينِ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنْ السَّاعَةِ إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» قَالَ كَعْبٌ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ فَقُلْتُ بَلْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ فَقَالَ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَلَقِيتُ بَصْرَةَ بْنَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيَّ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ فَقُلْتُ مِنْ الطُّورِ فَقَالَ لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ مَا خَرَجْتَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِلَى مَسْجِدِي هَذَا وَإِلَى مَسْجِدِ إِيلِيَاءَ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَشُكُّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِي مَعَ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَمَا حَدَّثْتُهُ بِهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَقُلْتُ قَالَ كَعْبٌ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ كَذَبَ كَعْبٌ فَقُلْتُ ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ فَقَالَ بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ صَدَقَ كَعْبٌ ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ قَدْ عَلِمْتُ أَيَّةَ سَاعَةٍ هِيَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْتَ لَهُ أَخْبِرْنِي بِهَا وَلَا تَضَنَّ عَلَيَّ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ وَكَيْفَ تَكُونُ آخِرَ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي وَتِلْكَ السَّاعَةُ سَاعَةٌ لَا يُصَلَّى فِيهَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ بَلَى قَالَ فَهُوَ ذَلِكَ ـــــــــــــــــــــــــــــ ٢٤٣ - ٢٣٩ (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ) بِتَحْتِيَّةِ أَوَّلِهِ (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بْنِ أُسَامَةَ (بْنِ الْهَادِ) فَنُسِبَ أَبُوهُ إِلَى جَدِّهِ اللَّيْثِيِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيِّ، رَوَى عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ وَثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ وَخَلْقٍ، وَعَنْهُ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَآخَرُونَ وَثَقَّهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَعِينٍ وَابْنُ سَعْدٍ وَرَوَى لَهُ السِّتَّةُ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا سَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ أَحْسَنَ سِيَاقَةً مِنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ وَلَا أَتَمَّ مَعْنًى فِيهِ مِنْهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: فَلَقِيتُ بَصْرَةَ بْنَ أَبِي بَصْرَةَ وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ فَلَقِيتُ أَبَا بَصْرَةَ. (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ) مِنْ تَيْمِ قُرَيْشٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الْقُرَشِيِّ الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى الطُّورِ) قَالَ الْبَاجِيُّ: هُوَ لُغَةً كُلُّ جَبَلٍ إِلَّا أَنَّهُ فِي الشَّرْعِ جَبَلٌ بِعَيْنِهِ وَهُوَ الَّذِي كُلِّمَ فِيهِ مُوسَى وَهُوَ الَّذِي عَنَى أَبُو هُرَيْرَةَ (فَلَقِيتُ كَعْبَ الْأَحْبَارِ) جَمْعُ حَبْرٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا وَيُضَافُ إِلَيْهِ كَالْأَوَّلِ إِمَّا لِكَثْرَةِ كِتَابَتِهِ بِالْحِبْرِ أَوْ مَعْنَاهُ مَلْجَأُ الْعُلَمَاءِ، وَقَوْلُ الْمَجْدِ: كَعْبُ الْحِبْرِ وَلَا تَقُلِ الْأَحْبَارَ فِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ أَثْبَتَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَيَكْفِي قَوْلُ مِثْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ وَهُوَ كَعْبُ بْنُ مَاتِعٍ بِفَوْقِيَّةٍ الْحِمْيَرِيُّ أَدْرَكَ الزَّمَنَ النَّبَوِيَّ وَأَسْلَمَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ عَلَى الْمَشْهُورِ (فَجَلَسْتُ مَعَهُ فَحَدَّثَنِي عَنِ التَّوْرَاةِ وَحَدَّثْتُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ فِيمَا حَدَّثْتُهُ أَنْ قُلْتُ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرُ يَوْمٍ» ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: خَيْرٌ وَشَرٌّ يُسْتَعْمَلَانِ لِلْمُفَاضَلَةِ وَلِغَيْرِهَا، فَإِذَا كَانَتَا لِلْمُفَاضَلَةِ فَأَصْلُهُمَا أَخْيَرُ وَأَشْرَرُ عَلَى وَزْنِ أَفْعَلَ وَهِيَ هُنَا لِلْمُفَاضَلَةِ غَيْرَ أَنَّهَا مُضَافَةٌ لِنَكِرَةٍ مَوْصُوفَةٍ بِقَوْلِهِ: ( «طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلَ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَالْأَصَحُّ أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ أَفْضَلُ، وَجُمِعَ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ، وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ ( «فِيهِ خُلِقَ آدَمَ» ) فِي آخِرِ سَاعَةٍ ( «وَفِيهِ أُهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ» ) وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمَ وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا وَلَا

стр. 567

تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ» " وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «وَخُلِقَ آدَمُ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ» "، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: فَإِنْ كَانَ يَوْمُ خَلْقِهِ يَوْمُ إِخْرَاجِهِ وَقُلْنَا: الْأَيَّامُ السِّتَّةُ كَهَذِهِ الْأَيَّامِ فَقَدْ أَقَامَ فِي الْجَنَّةِ بَعْضَ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا وَفِيهِ نَظَرٌ، وَإِنْ كَانَ إِخْرَاجُهُ فِي غَيْرِ الْيَوْمِ الَّذِي خُلِقَ فِيهِ وَقُلْنَا أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ بِأَلْفِ سَنَةٍ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فَقَدْ لَبِثَ هُنَاكَ مُدَّةً طَوِيلَةً اهـ. ( «وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ» ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَالْفَاعِلُ مَعْلُومٌ (وَفِيهِ مَاتَ) وَلَهُ أَلْفُ سَنَةٍ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، وَقِيلَ إِلَّا سَبْعِينَ، وَقِيلَ إِلَّا سِتِّينَ، وَقِيلَ إِلَّا أَرْبَعِينَ، قِيلَ بِمَكَّةَ وَدُفِنَ بِغَارِ أَبِي قُبَيْسٍ، وَقِيلَ عِنْدَ مَسْجِدِ الْخَيْفِ، وَقِيلَ بِالْهِنْدِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَقِيلَ بِالْقُدْسِ رَأْسُهُ عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَرِجْلَاهُ عِنْدَ مَسْجِدِ الْخَلِيلِ. (وَفِيهِ) يَنْقَضِي أَجَلُ الدُّنْيَا وَ (تَقُومُ السَّاعَةُ) أَيِ الْقِيَامَةُ، وَفِيهِ يُحَاسِبُ اللَّهُ الْخَلْقَ وَيُدْخِلُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلَ النَّارِ النَّارَ. وَقَوْلُ الْقَاضِي عِيَاضٍ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْقَضَايَا الْمَعْدُودَةَ لَيْسَتْ لِذِكْرِ فَضِيلَتِهِ لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ مِنَ الْجَنَّةِ وَقِيَامَ السَّاعَةِ لَا يُعَدُّ فَضِيلَتُهُ وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ وَمَا سَيَقَعُ لِيَتَأَهَّبَ الْعَبْدُ فِيهِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِنَيْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ، تَعَالَى، وَدَفْعِ نِقْمَتِهِ، مَرْدُودٌ بِقَوْلِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي الْأَحْوَذِيِّ: الْجَمِيعُ مِنَ الْفَضَائِلِ وَخُرُوجُ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ سَبَبٌ لِوُجُودِ الذُّرِّيَّةِ وَهَذَا النَّسْلِ الْعَظِيمِ وَوُجُودِ الْمُرْسَلِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا طَرْدًا بَلْ لِقَضَاءِ أَوْطَارِهِ ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهَا، وَأَمَّا قِيَامُ السَّاعَةِ فَسَبَبٌ لِتَعْجِيلِ جَزَاءِ النَّبِيَّيْنِ وَالصَّدِيقِينَ وَالْأَوْلِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَإِظْهَارِ كَرَامَتِهِمْ وَشَرَفِهِمْ (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ) بِالصَّادِّ الْمُهْمَلَةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مُسْتَمِعَةٌ مُصْغِيَةٌ وَرُوِيَ بِسِينٍ بَدَلَ الصَّادِ وَهُمَا بِمَعْنًى، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَالْأَصْلُ الصَّادُ (يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينِ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا) خَوْفًا (مِنَ السَّاعَةِ) كَأَنَّهَا أُعْلِمَتْ أَنَّهَا تَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَتَخَافُ مِنْ قِيَامِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، وَفِيهِ أَنَّهَا إِذَا طَلَعَتْ عَرَفَتِ الدَّوَابُّ أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَفِيهِ أَنَّ قِيَامَهَا بَيْنَ الصُّبْحِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَيْسَ فِيهِ عَلْمُ مَتَى تَقُومُ لِأَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُتَكَرِّرٌ مَعَ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] (سُورَةُ الْأَعْرَافِ: الْآيَةَ ١٨٧) وَقَالَ: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] (سُورَةُ الْأَعْرَافِ: الْآيَةَ ١٨٧) «وَقَالَ ﷺ لِجِبْرِيلَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ (إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ) » قَالَ الْبَاجِيُّ: اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ لِأَنَّ اسْمَ الدَّابَّةِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ مَا دَبَّ وَدَرَجَ، قِيلَ وَجْهُ عَدَمِ إِشْفَاقِهِمْ أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ شُرُوطًا يَنْتَظِرُونَهَا وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ لِأَنَّا نَجِدُ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُصِيخُ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِالشُّرُوطِ وَقَدْ كَانَ النَّاسُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِالشُّرُوطِ لَا يُصِيخُونَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَفِيهِ أَنَّ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ لَا يَعْلَمُونَ مِنْ أَمْرِ السَّاعَةِ مَا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُمْ مِنَ الدَّوَابِّ وَهَذَا أَمْرٌ يَقْصُرُ عَنْهُ الْفَهْمُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَجْهُ

стр. 568

إِصَاخَةِ كُلِّ دَابَّةٍ وَهِيَ لَا تَعْقِلُ أَنَّ اللَّهَ يُلْهِمُهَا ذَلِكَ وَلَا عَجَبَ عِنْدَ قُدْرَةِ اللَّهِ، سُبْحَانَهُ، وَحِكْمَةُ الْإِخْفَاءِ عَنِ الثَّقَلَيْنِ أَنَّهُمْ لَوْ كُوشِفُوا بِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ قَاعِدَةُ الِابْتِلَاءِ وَالتَّكْلِيفِ وَحَقَّ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ، وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ تَعَالَى يُظْهِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ عَظَائِمِ الْأُمُورِ وَجَلَائِلِ الشُّئُونِ مَا تَكَادُ الْأَرْضُ تَمِيدُ بِهَا، فَتَبْقَى كُلُّ دَابَّةٍ ذَاهِلَةً دَهِشَةً كَأَنَّهَا مُصِيخَةٌ لِلرَّهَبِ الَّذِي دَاخَلَهَا شَفَقًا لِقِيَامِ السَّاعَةِ ( «وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا» ) يُوَافِقُهَا (عَبْدٌ مُسْلِمٌ) قَصَدَهَا أَوِ اتَّفَقَ لَهُ وُقُوعُ الدُّعَاءِ فِيهَا ( «وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهُ شَيْئًا» ) يَلِيقُ بِالْمُسْلِمِ سُؤَالُهُ، وَفِي رِوَايَةٍ خَيْرًا ( «إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» ) وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: «مَا لَمْ يَسْأَلْ حَرَامًا» (قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ، فَقُلْتُ بَلْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ) لِلنَّصِّ النَّبَوِيِّ (فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ فَقَالَ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) . قَالَ أَبُو عُمَرَ فِيهِ أَنَّ الْعَالِمَ يُخْطِي وَرُبَّمَا قَالَ عَلَى أَكْثَرِ ظَنِّهِ فَيُخْطِيهِ ظَنُّهُ وَأَنَّ الْعَالِمَ إِذَا رُدَّ عَلَيْهِ طَلَبَ التَّثَبُّتَ فِيهِ (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَلَقِيتُ بَصْرَةَ بْنَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيَّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ الْحَدِيثَ لِوَالِدِهِ أَبِي بَصْرَةَ حُمَيْلٍ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا ابْنِ بَصْرَةَ وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الصَّوَابُ فَلَقِيتُ أَبَا بَصْرَةَ، قَالَ: وَالْغَلَطُ مِنْ يَزِيدَ لَا مِنْ مَالِكٍ، قَالَ الْمِزِّيُّ فِي التَّهْذِيبِ: لَهُ هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِيمَنْ نَزَلَ مِصْرَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقَالَ: هُوَ وَأَبُوهُ وَابْنُهُ صَحِبُوا النَّبِيَّ ﷺ وَرَوَوْا عَنْهُ وَتُوُفِّيَ بِمِصْرَ وَدُفِنَ بِالْمُقَطَّمِ. وَقَالَ ابْنُ الرَّبِيعِ: شَهِدَ فَتَحَ مِصْرَ وَاخْتَطَّ بِهَا دَارًا وَلَهُمْ عَنْهُ عَشَرَةُ أَحَادِيثَ، وَفِي الْإِصَابَةِ فِي الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ حُمَيْلٌ بِالتَّصْغِيرِ ابْنُ بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيُّ: سَأَلْتُ شَيْخًا مِنْ غِفَارٍ هَلْ جَمِيلُ بْنُ بَصْرَةَ قُلْتُهُ بِفَتْحِ الْجِيمِ قَالَ: صَحَّفْتَ يَا شَيْخُ إِنَّمَا هُوَ حُمَيْلٌ بِالتَّصْغِيرِ وَالْمُهْمَلَةِ هُوَ جَدُّ هَذَا الْغُلَامِ وَأَشَارَ إِلَى غُلَامٍ مَعَهُ، وَقَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ: حُمَيْلٌ وَبَصْرَةُ وَجَدُّهُ أَبُو بَصْرَةَ صَحَابَةٌ. قَالَ ابْنُ السَّكَنِ: شَهِدَ جَدُّهُ أَبُو بَصْرَةَ خَيْبَرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَحُمَيْلٌ يُكَنَّى أَبَا بَصْرَةَ أَيْضًا (فَقَالَ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنَ الطُّورِ، فَقَالَ: لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ مَا خَرَجْتَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ» ) أَيْ لَا تَسِيرُ وَيُسَافَرُ عَلَيْهَا. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ (إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ) » اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ أَيْ إِلَى مَوْضِعٍ لِلصَّلَاةِ فِيهِ إِلَّا

стр. 569

لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُسَافَرُ أَصْلًا إِلَّا لَهَا. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَإِنْ كَانَ أَبُو بَصْرَةَ رَآهُ عَامًّا فَلَمْ يَرَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَّا فِي الْوَاجِبِ مِنَ النَّذْرِ، وَأَمَّا فِي التَّبَرُّكِ كَالْمَوَاضِعِ الَّتِي يُتَبَرَّكُ بِشُهُودِهَا وَالْمُبَاحِ فَكَزِيَارَةِ الْأَخِ فِي اللَّهِ وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي النَّهْيِ، وَيَجُوزُ أَنَّ خُرُوجَ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى الطُّورِ لِحَاجَةٍ عَنَّتْ لَهُ. وَقَالَ السُّبْكِيُّ: لَيْسَ فِي الْأَرْضِ بُقْعَةٌ لَهَا فَضْلٌ لِذَاتِهَا حَتَّى يُسَافَرَ إِلَيْهَا لِذَلِكَ الْفَضْلِ غَيْرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلَا يُسَافَرُ إِلَيْهَا لِذَاتِهَا بَلْ لِمَعْنًى فِيهَا مِنْ عِلْمٍ أَوْ جِهَادٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَلَمْ تَقَعِ الْمُسَافَرَةُ إِلَى الْمَكَانِ بَلْ إِلَى مَنْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ ( «إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامٍ» ) بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِ لِأَنَّ الْحَجَّ إِلَيْهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: الْآيَةَ ٩٧) ( «وَإِلَى مَسْجِدِي هَذَا» ) لِأَنَّهُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى ( «وَإِلَى مَسْجِدِ إِيلِيَاءَ» ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَلَامٍ مَكْسُورَةٍ فَتَحْتِيَّةٍ فَأَلِفٍ مَمْدُودٍ وَحُكِيَ قَصْرُهُ وَشَدُّ الْيَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مُعَرَّبٍ (أَوْ) قَالَ إِلَى (بَيْتِ الْمَقْدِسِ) بَدَلَ مَسْجِدِ إِيلِيَا (يَشُكُّ) الرَّاوِي فِي اللَّفْظِ الَّذِي قَالَهُ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا، وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ: وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لَمَّا كَانَ مَا عَدَا الثَّلَاثَةَ مِنَ الْمَسَاجِدِ مُتَسَاوِيَةَ الْأَقْدَارِ فِي الشَّرَفِ وَالْفَضْلِ وَكَانَ التَّنَقُّلُ وَالِارْتِحَالُ لِأَجْلِهَا عَبَثًا ضَائِعًا نُهِيَ عَنْهُ لِأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ إِلَّا بِمَا فِيهِ صَلَاحٌ دُنْيَوِيٌّ أَوْ فَلَاحٌ أُخْرَوِيٌّ، قَالَ: وَالْمُقْتَضِي لِشَرَفِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهَا أَبْنِيَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَمُتَعَبَّدَاتُهُمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَخْرَجَ النَّهْيَ مَخْرَجَ الْإِخْبَارِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ أَيْ لَا يَنْبَغِي وَلَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ) بِالتَّخْفِيفِ الْإِسْرَائِيلِيَّ أَبَا يُوسُفَ حَلِيفَ بَنِي الْخَزْرَجِ، قِيلَ: كَانَ اسْمُهُ الْحُصَيْنَ فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ مَشْهُورٌ لَهُ أَحَادِيثُ وَفَضْلٌ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ. (فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِي مَعَ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَمَا حَدَّثْتُهُ) أَنَا (بِهِ) وَفِي نُسْخَةٍ وَمَا حَدَّثَنِيهِ (فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَقُلْتُ: قَالَ كَعْبٌ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ كَذَبَ كَعْبٌ) أَيْ غَلِطَ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُبَادَةَ فِي الْمُوَطَّأِ: كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ سَمِعَ الْخَطَأَ وَجَبَ عَلَيْهِ إِنْكَارُهُ وَرَدُّهُ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَهُ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ فِي رَدِّهِ أَصْلٌ صَحِيحٌ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. (فَقُلْتُ: ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ فَقَالَ بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: صَدَقَ كَعْبٌ) لِأَنَّهُ الْوَاقِعُ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ إِنْكَارِ مَا يَجِبُ إِنْكَارُهُ وَالرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ. (ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: قَدْ عَلِمْتُ أَيَّةَ سَاعَةٍ

стр. 570

هِيَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْعَالَمِ أَنْ يَقُولَ قَدْ عَلِمْتُ كَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ الْفَخْرِ وَالسُّمْعَةِ، وَمَا الْفَخْرُ بِالْعِلْمِ إِلَّا تَحَدُّثٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ لَهُ أَخْبِرْنِي بِهَا وَلَا تَضَنَّ عَلَيَّ) أَيْ لَا تَبْخَلُ بِفَتْحٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ. (فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ) وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: " قُلْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ: «إِنَّا لَنَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةً، فَقَالَ ﷺ أَوْ بَعْضَ سَاعَةٍ، قُلْتُ نَعَمْ أَوْ بَعْضَ سَاعَةٍ» " الْحَدِيثَ وَفِيهِ قُلْتُ: أَيَّ سَاعَةٍ فَذَكَرَهُ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنَّ قَائِلَ قُلْتُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَيَكُونُ مَرْفُوعًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَبُو سَلَمَةَ فَيَكُونُ مَوْقُوفًا وَهُوَ الْأَرْجَحُ لِتَصْرِيحِهِ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِأَنَّ ابْنَ سَلَامٍ لَمْ يُذْكُرِ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْجَوَابِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، نَعَمْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «أَنَّهَا آخِرُ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» "، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِصَّةَ وَلَا ابْنَ سَلَامٍ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا وَفِي أَوَّلِهِ: " «إِنَّ النَّهَارَ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً» "، (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ: وَكَيْفَ يَكُونُ آخِرَ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي وَتِلْكَ سَاعَةٌ لَا يُصَلَّى فِيهَا» ) لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ (فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ» ) أَيْ فِي حُكْمِهَا (حَتَّى يُصَلِّيَ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ: بَلَى) أَيْ بَلْ قَالَ ذَلِكَ (قَالَ فَهُوَ ذَلِكَ) أَيْ مِثْلُهُ، قَالَ السُّيُوطِيُّ: هَذَا مَجَازٌ بَعِيدٌ وَيُوهِمُ أَنَّ انْتِظَارَ الصَّلَاةِ شَرْطٌ فِي الْإِجَابَةِ وَلِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي مُنْتَظَرِ الصَّلَاةِ قَائِمٌ يُصَلِّي وَإِنْ صَدَقَ أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ لِأَنَّ لَفْظَ قَائِمٍ يُشْعِرُ بِمُلَابَسَةِ الْفِعْلِ اهـ. لَكِنَّ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَلِيقُ التَّشْغِيبُ عَلَيْهِ بِمِثْلِ هَذَا لَا سِيَّمَا وَقَدْ تَنَاظَرَ فِيهِ الصَّحَابِيَّانِ فَتَعَذَّرَ حَمْلُ يُصَلِّي عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَقَدْ أَطْبَقَ الْبُلَغَاءُ عَلَى الْمَجَازِ أَبْلَغَ مِنْهَا، وَلَا يُوهِمُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ أَنَّ الِانْتِظَارَ شَرْطٌ فِي الْإِجَابَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْ عَلَى ذَلِكَ، وَقَائِمٌ وَإِنْ أَشْعَرَ بِمُلَابَسَةِ الْفِعْلِ لَكِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ عَزَمَ عَلَى التَّلَبُّسِ بِالْفِعْلِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الدَّاعِيَ فِي آخِرِ سَاعَةٍ عَازِمٌ عَلَى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَقَدْ ذَهَبَ جَمْعٌ إِلَى تَرْجِيحِ قَوْلِ

стр. 571

ابْنِ سَلَامٍ هَذَا فَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّهُ أَثْبَتُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ نَاسًا مِنَ الصَّحَابَةِ اجْتَمَعُوا فَتَذَاكَرُوا سَاعَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ افْتَرَقُوا فَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهَا آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَرَجَّحَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَيْضًا كَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَالطَّرْطُوشِيِّ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ، وَحَكَى الْعَلَائِيُّ أَنَّ شَيْخَهُ الزَّمَلْكَانِيَّ شَيْخَ الشَّافِعِيَّةِ فِي وَقْتِهِ كَانَ يَخْتَارُهُ وَيَحْكِيهِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى تَرْجِيحِ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ» ". وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ مُسْلِمًا قَالَ: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى أَجْوَدُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّهُ، وَبِذَلِكَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَجَمَاعَةٌ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى غَيْرِهِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ الصَّحِيحُ بَلِ الصَّوَابُ، وَجَزَمَ فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّهُ الصَّوَابُ، وَرَجَّحَ أَيْضًا بِكَوْنِهِ مَرْفُوعًا وَفِي أَحَدِ الصَّحِيحَيْنِ: وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ هَذَا صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ صَحِيحٌ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَسَلَّمَهُ الذَّهَبِيُّ، وَوَرَدَ تَعْيِينُ السَّاعَةِ بِأَنَّهَا آخِرُ سَاعَةٍ مَرْفُوعًا نَصًّا كَمَا مَرَّ، قَالَ الْحَافِظُ: وَالتَّرْجِيحُ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ لَا يَكُونُ مِمَّا انْتَقَدَهُ الْحُفَّاظُ كَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى هَذَا فَإِنَّهُ أُعِلَّ بِالِانْقِطَاعِ وَالِاضْطِرَابِ، أَمَّا الِانْقِطَاعُ فَلِأَنَّ مَخْرَمَةَ بْنَ بُكَيْرٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ، قَالَهُ أَحْمَدُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ مَخْرَمَةَ نَفْسِهِ وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ مُوسَى ابْنِ سَلَمَةَ عَنْ مَخْرَمَةَ وَزَادَ: إِنَّمَا هِيَ كُتُبٌ كَانَتْ عِنْدَنَا. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَقُولُ أَنَّهُ قَالَ فِي شَيْءٍ مِنْ حَدِيثِهِ سَمِعْتُ أَبِي. وَلَا يُقَالُ مُسْلِمٌ يَكْتَفِي فِي الْمُعَنْعَنِ بِإِمْكَانِ اللِّقَاءِ مَعَ الْمُعَاصَرَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ. لِأَنَّا نَقُولُ: وُجُودُ التَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ كَافٍ فِي دَعْوَى الِانْقِطَاعِ، وَأَمَّا الِاضْطِرَابُ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ وَوَاصِلٌ الْأَحْدَبُ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ مِنْ قَوْلِهِ: وَهَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَبُو بُرْدَةَ كُوفِيٌّ فَهُمْ أَعْلَمُ بِحَدِيثِهِ مِنْ بُكَيْرٍ الْمَدَنِيِّ وَهُمْ عَدَدٌ وَهُوَ وَاحِدٌ، وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ عِنْدَ أَبِي بُرْدَةَ مَرْفُوعًا لَمْ يُفْتِ فِيهِ بِرَأْيِهِ بِخِلَافِ الْمَرْفُوعِ، وَلِهَذَا جَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِأَنَّ الْمَوْقُوفَ هُوَ الصَّوَابُ، وَسَلَكَ صَاحِبُ الْهَدْيِ مَسْلَكًا آخَرَ فَاخْتَارَ أَنَّ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ مُنْحَصِرَةٌ فِي أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يُعَارِضُ الْآخَرَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ﷺ دَلَّ عَلَى أَحَدِهِمَا فِي وَقْتٍ وَعَلَى الْآخَرِ فِي وَقْتٍ آخَرَ، وَهَذَا كَقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ الَّذِي يَنْبَغِي

стр. 572

الِاجْتِهَادُ فِي الدُّعَاءِ فِي الْوَقْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَسَبَقَ إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَهُوَ أَوْلَى فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ، ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي بَعْدَ أَنْ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَى الْأَقْوَالِ فَنَذْكُرُهُ وَإِنْ طَالَ لِفَوَائِدِهِ لِأَنَّهُ كَمُؤَلَّفٍ مُسْتَقِلٍّ. قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ هَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ أَوْ رُفِعَتْ؟ وَعَلَى الْبَقَاءِ هَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ أَوْ جُمُعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ؟ وَهَلْ هِيَ فِي وَقْتٍ مِنَ الْيَوْمِ مُعَيَّنٍ أَوْ مُبْهَمٍ؟ وَعَلَى التَّعْيِينِ هَلْ تَسْتَوْعِبُ الْوَقْتَ أَوْ تُبْهَمُ فِيهِ؟ وَعَلَى الْإِبْهَامِ مَا ابْتِدَاؤُهُ وَمَا انْتِهَاؤُهُ؟ وَعَلَى كُلِّ ذَلِكَ هَلْ تَسْتَمِرُّ أَوْ تَنْتَقِلُ؟ وَعَلَى الِانْتِقَالِ هَلْ تَسْتَغْرِقُ الْيَوْمَ أَوْ بَعْضَهُ؟ وَهَا أَنَا أَذْكُرُ تَلْخِيصَ مَا اتَّصَلَ إِلَيَّ مِنَ الْأَقْوَالِ مَعَ أَدِلَّتِهَا ثُمَّ أَعُودُ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهَا أَوِ التَّرْجِيحِ. فَالْأَوَّلُ أَنَّهَا رُفِعَتْ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْمٍ وَزَيَّفَهُ، وَقَالَ عِيَاضٌ: رَدَّهُ السَّلَفُ عَلَى قَائِلِهِ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُخَنَّسَ مَوْلَى أَبِي مُعَاوِيَةَ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ السَّاعَةَ الَّتِي يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ رُفِعَتْ، فَقَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، قُلْتُ: فَهِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، قَالَ: نَعَمْ إِسْنَادُهُ قَوِيٌّ. وَفِي الْهَدْيِ إِنْ أَرَادَ قَائِلُهُ أَنَّهَا كَانَتْ مَعْلُومَةً فَرُفِعَ عِلْمُهَا عَنِ الْأُمَّةِ فَصَارَتْ مُبْهَمَةً احْتُمِلَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ حَقِيقَتَهَا رُفِعَتْ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ. الثَّانِي: أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ لَكِنْ فِي جُمُعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ قَالَهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ لِأَبِي هُرَيْرَةَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِ، رَوَاهُ الْمُوَطَّأُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ. الثَّالِثُ: أَنَّهَا مَخْفِيَّةٌ فِي جَمِيعِ الْيَوْمِ كَمَا أُخْفِيَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ، رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ عَنْ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: «سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْهَا فَقَالَ: " أُعْلِمْتُهَا ثُمَّ أُنْسِيتُهَا كَمَا أُنْسِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ» ". وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ فِيهَا بِشَيْءٍ إِلَّا أَنَّ كَعْبًا كَانَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا قَسَّمَ جُمُعَةً فِي جُمَعٍ لَأَتَى عَلَى تِلْكَ السَّاعَةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَبْدَأُ فَيَدْعُو فِي جُمُعَةِ مِنَ الْجُمَعِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ فِي جُمُعَةٍ أُخْرَى يَبْتَدِئُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى وَقْتٍ آخَرَ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّهَارِ، قَالَ وَكَعْبٌ هَذَا هُوَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ، قَالَ وَرَوَيْنَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ طَلَبَ حَاجَةٍ فِي يَوْمٍ لَيَسِيرٌ. قَالَ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الدُّعَاءِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ كُلِّهِ لِيَمُرَّ بِالْوَقْتِ الَّذِي تُسْتَجَابُ فِيهِ الدُّعَاءُ اهـ. وَالَّذِي قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ يَصْلُحُ لِمَنْ يَقْوَى عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا فَالَّذِي قَالَهُ كَعْبٌ سَهْلٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا كَانَا يَرَيَانِ أَنَّهَا غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ جَمْعٍ كَالرَّافِعِيِّ وَصَاحِبِ الْمُغْنِي وَغَيْرِهِمَا حَيْثُ قَالُوا: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثِرَ مِنَ الدُّعَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَجَاءَ أَنْ يُصَادِفَ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ، وَمِنْ حُجَّةِ هَذَا الْقَوْلِ تَشْبِيهُهَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَالِاسْمِ الْأَعْظَمِ وَحِكْمَةُ ذَلِكَ بَعْثُ الْعِبَادِ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي الطَّلَبِ وَاسْتِيعَابِ الْوَقْتِ بِالْعِبَادَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَحَقَّقَ

стр. 573

الْأَمْرُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَاقْتَضَى الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ وَإِهْمَالَ مَا عَدَاهُ. الرَّابِعُ: أَنَّهَا تَنْتَقِلُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَا تَلْزَمُ سَاعَةً مُعَيَّنَةً لَا ظَاهِرَةً وَلَا مَخْفِيَّةً، قَالَ الْغَزَالِيُّ: هَذَا أَشْبَهُ الْأَقْوَالِ، وَذَكَرَهُ الْأَثْرَمُ احْتِمَالًا وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَسَاكِرَ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: إِنَّهُ الْأَظْهَرُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا قَالَهُ كَعْبٌ فِي الْجَزْمِ بِتَحْصِيلِهَا. الْخَامِسُ: إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْغَدَاةِ ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَشَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَنَسَبَاهُ لِتَخْرِيجِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَقَدْ رَوَاهُ الرُّويَانِيُّ عَنْهَا فَأَطْلَقَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فَقَيَّدَ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ. السَّادِسُ: مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلُهُ، وَحَكَاهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَعِيَاضٌ وَالْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ. السَّابِعُ: مِثْلُهُ وَزَادَ: وَمِنَ الْعَصْرِ إِلَى الْغُرُوبِ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْثٌ ضَعِيفٌ وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ كَمَا تَرَى. الثَّامِنُ: مِثْلُهُ وَزَادَ: وَمَا بَيْنَ أَنْ يَنْزِلَ الْإِمَامُ مِنَ الْمِنْبَرِ إِلَى أَنْ يُكَبِّرَ رَوَاهُ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: الْتَمِسُوا السَّاعَةَ الَّتِي يُجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثِ فَذَكَرَهُ. التَّاسِعُ: أَنَّهَا أَوَّلُ سَاعَةٍ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، حَكَاهُ الْجِيلِيُّ وَالْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ. الْعَاشِرُ: عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ وَعَبَّرَ عَنْهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنَيِّرِ بِقَوْلِهِ: هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ شِبْرًا إِلَى ذِرَاعٍ وَعَزَاهُ لِأَبِي ذَرٍّ. الْحَادِي عَشَرَ: «فِي آخِرِ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ النَّهَارِ» ، حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَهُوَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ طُبِعَتْ طِينَةُ آدَمَ، وَفِي آخِرِ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ مِنْهُ مَنْ دَعَا اللَّهَ فِيهَا اسْتُجِيبَ لَهُ» " وَفِي إِسْنَادِهِ فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَعَلِيٌّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: قَوْلُهُ فِي آخِرِ سَاعَاتٍ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ السَّاعَةُ الْأَخِيرَةُ مِنَ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ فِي آخِرِ كُلِّ سَاعَةٍ مِنَ الثَّلَاثِ سَاعَةَ إِجَابَةٍ فَيَكُونُ فِيهِ تَجَوُّزٌ لِإِطْلَاقِ السَّاعَةِ عَلَى بَعْضِهَا. الثَّانِي عَشَرَ: مِنَ الزَّوَالِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ الظِّلُّ نِصْفَ ذِرَاعٍ حَكَاهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَالْمُنْذِرِيُّ. الثَّالِثَ عَشَرَ: مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ: إِلَى أَنْ يَصِيرَ الظِّلُّ ذِرَاعًا حَكَاهُ عِيَاضٌ وَالْقُرْطُبِيُّ وَالنَّوَوِيُّ. الرَّابِعَ عَشَرَ: بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ بِيَسِيرٍ إِلَى ذِرَاعٍ رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَلَعَلَّهُ مَأْخَذُ الْقَوْلَيْنِ بَعْدَهُ. الْخَامِسَ عَشَرَ: إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَوَرَدَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّاهَا عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ وَلِابْنِ عَسَاكِرَ عَنْ قَتَادَةَ: السَّاعَةُ الْمُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَأَنَّ مَأْخَذَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا وَقْتُ اجْتِمَاعِ الْمَلَائِكَةِ وَابْتِدَاءِ دُخُولِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ وَابْتِدَاءِ الْأَذَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. السَّادِسَ عَشَرَ: إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ

стр. 574

لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " يَوْمُ الْجُمُعَةِ مِثْلُ يَوْمِ عَرَفَةَ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا الْعَبْدُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، قِيلَ: أَيَّةُ سَاعَةٍ؟ قَالَتْ: إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ " وَهَذَا يُغَايِرُ مَا قَبْلَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْأَذَانَ قَدْ يَتَأَخَّرُ عَنِ الزَّوَالِ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنَيِّرِ: وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْأَذَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ. السَّابِعَ عَشَرَ: مِنَ الزَّوَالِ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَحَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ بِلَفْظِ إِلَى أَنْ يُدْخُلَ الْإِمَامُ. الثَّامِنَ عَشَرَ: مِنَ الزَّوَالِ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ، حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبُ الطَّبَرِيُّ. التَّاسِعَ عَشَرَ: مِنَ الزَّوَالِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، حَكَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنِ الْحَسَنِ. الْعِشْرُونَ: مَا بَيْنَ خُرُوجِ الْإِمَامِ إِلَى أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الْحَسَنِ. الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: عِنْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ، رَوَاهُ حُمَيْدُ بْنِ زَنْجُوَيْهِ عَنِ الْحَسَنِ. الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: مَا بَيْنَ خُرُوجِ الْإِمَامِ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَأَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى مِنْ قَوْلِهِمَا وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ صَوَّبَ ذَلِكَ. الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: مَا بَيْنَ أَنْ يَحْرُمَ الْبَيْعُ إِلَى أَنْ يَحِلَّ رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ. قَوْلُهُ أَيْضًا: قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنَيِّرِ وَجْهُهُ أَنَّهُ أَخَصُّ أَحْكَامِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، فَلَوِ اتَّفَقَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ بِحَيْثُ ضَاقَ الْوَقْتُ فَتَشَاغَلَ اثْنَانِ بِعَقْدِ الْبَيْعِ فَخَرَجَ وَفَاتَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ لَأَثِمَا وَلَمْ يَبْطُلِ الْبَيْعُ. الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: مَا بَيْنَ الْأَذَانِ إِلَى انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ، رَوَاهُ ابْنُ زَنْجُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: «مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا، وَهَذَا الْقَوْلُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَّحِدَ مَعَ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ. السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: عِنْدَ التَّأْذِينِ وَعِنْدَ تَذْكِيرِ الْإِمَامِ وَعِنْدَ الْإِقَامَةِ، رَوَاهُ ابْنُ زَنْجُوَيْهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الصَّحَابِيِّ قَوْلُهُ. السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ: إِذَا أَذَّنَ وَإِذَا رَقِيَ الْمِنْبَرَ وَإِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الصَّحَابِيِّ قَوْلُهُ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنَيِّرِ: مَا وَرَدَ عِنْدَ الْأَذَانِ مِنْ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ فَيَتَأَكَّدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْإِقَامَةِ، وَأَمَّا زَمَانٌ جُلُوسُ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلِأَنَّهُ وَقْتُ اسْتِمَاعِ الذِّكْرِ وَالِابْتِدَاءِ فِي الْمَقْصُودِ مِنَ الْجُمُعَةِ. الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: «مِنْ حِينِ يَفْتَتِحُ الْإِمَامُ الْخُطْبَةَ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْهَا» ، رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: إِذَا بَلَغَ الْخَطِيبُ الْمِنْبَرَ وَأَخَذَ فِي الْخُطْبَةِ، حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ. الثَّلَاثُونَ: عِنْدَ الْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، حَكَاهُ الطِّيبِيُّ. الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: عِنْدَ نُزُولِ الْإِمَامِ مِنَ الْمِنْبَرِ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ زَنْجُوَيْهِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَوْلُهُ وَحَكَاهُ الْغَزَالِيُّ بِلَفْظِ: إِذَا قَامَ النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ. الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ حَتَّى يَقُومَ الْإِمَامُ فِي مَقَامِهِ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الْحَسَنِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ سَعْدٍ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: «حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ إِلَى

стр. 575

الِانْصِرَافِ مِنْهَا» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا وَكَثِيرٌ ضَعِيفٌ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: مَا بَيْنَ أَنْ يَنْزِلَ الْإِمَامُ مِنَ الْمِنْبَرِ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَوْلُهُ، وَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ اسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهُ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ. الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: هِيَ السَّاعَةُ الَّتِي كَانَ ﷺ يُصَلِّي فِيهَا الْجُمُعَةَ، رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَهَذَا يُغَايِرُ مَا قَبْلَهُ مِنْ جِهَةِ إِطْلَاقِ ذَاكَ وَتَقْيِيدِ هَذَا، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ صَلَوَاتِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي كَانَ ﷺ يُصَلِّي فِيهِ أَفْضَلُ الْأَوْقَاتِ، وَأَنَّ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَذَانِ وَالْخُطْبَةِ وَغَيْرِهِمَا وَسَائِلُ وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ هِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالذَّاتِ، وَيُؤَيِّدُهُ وُرُودُ الْأَمْرِ فِي الْقُرْآنِ بِتَكْثِيرِ الذِّكْرِ حَالَ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] (سُورَةُ الْجُمُعَةِ: الْآيَةَ ٩) وَلَيْسَ الْمُرَادُ إِيقَاعَ الذِّكْرِ بَعْدَ الِانْتِشَارِ وَإِنْ عُطِفَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ تَكْثِيرُ الذِّكَرِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ. الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «فَالْتَمِسُوهَا بَعْدَ الْعَصْرِ» ، وَزَادَ ابْنُ مَنْدَهْ: أَغْفَلُ مَا يَكُونُ النَّاسُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ قَوْلَهُ: " فَالْتَمِسُوهَا " مُدَرَجٌ مِنْ قَوْلِ أَبِي سَلَمَةَ رَاوِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ» وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: «فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ» ، رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ مُرْسَلًا مَرْفُوعًا. السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَى آخِرِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: بَعْدَ الْعَصْرِ مُطْلَقًا، رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «وَهِيَ بَعْدَ الْعَصْرِ» ، وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ فَقِيلَ لَهُ: لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ؟ قَالَ: بَلَى لَكِنْ مَنْ كَانَ فِي مُصَلَّاهُ لَمْ يُقِمْ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ. التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: مِنْ وَسَطِ النَّهَارِ إِلَى قُرْبِ آخِرِ النَّهَارِ. الْأَرْبَعُونَ: مِنْ حِينِ تَصْفَرُّ الشَّمْسُ إِلَى أَنْ تَغِيبَ، رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ طَاوُسٍ قَوْلُهُ وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا بَعْدَهُ. الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: «آخِرُ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ سَلَامٍ. الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: مِنْ حَيْثُ يَغِيبُ نِصْفُ قُرْصِ الشَّمْسِ أَوْ مِنْ حِينِ تُدْلِي الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ إِلَى أَنْ يَتَكَامَلَ غُرُوبُهَا، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَبِيهَا ﷺ وَفِي إِسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ وَفِي رُوَاتِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ. فَهَذَا جَمِيعُ مَا اتَّصَلَ إِلَيَّ مِنَ الْأَقْوَالِ مَعَ ذِكْرِ أَدِلَّتِهَا وَبَيَانِ حَالِهَا فِي الصِّحَّةِ أَوِ الضَّعْفِ وَالرَّفْعِ وَالْوَقْفِ وَالْإِشَارَةِ إِلَى مَأْخَذِ بَعْضِهَا، وَلَيْسَتْ كُلُّهَا مُتَغَايِرَةً مِنْ كُلِّ جِهَةٍ بَلْ كَثِيرٌ مِنْهَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَّحِدَ مَعَ غَيْرِهِ. وَقَالَ صَاحِبُنَا الْعَلَّامَةُ الْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ الْجَزَرِيُّ فِي كِتَابِهِ

стр. 576

الْحِصْنُ الْحَصِينُ: وَأَذِنَ لِي فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ مَا نَصُّهُ: وَالَّذِي أَعْتَقِدُهُ أَنَّهَا وَقْتُ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ الْفَاتِحَةَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إِلَى أَنْ يَقُولَ آمِينَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي صِحَّتْ كَذَا قَالَ وَيَخْدِشُ فِيهِ أَنْ يَفُوتَ عَلَى الدَّاعِي حِينَئِذٍ الْإِنْصَاتُ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَرْجَحَ الْأَقْوَالِ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّهِمَا أَرْجَحُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا يُعَارِضُهُمَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ ﷺ أُنْسِيَهَا بَعْدَ أَنْ عَلِمَهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمَا سَمِعَا ذَلِكَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَنْسَى أَشَارَ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَمَا عَدَاهُمَا إِمَّا مُوَافِقٌ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا أَوْ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ أَوْ مَوْقُوفٌ اسْتَنَدَ قَائِلُهُ إِلَى اجْتِهَادٍ دُونَ تَوْقِيفٍ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنَيِّرِ: وَذَكَرَ مِمَّا مَرَّ عَشَرَةَ أَقْوَالٍ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّالٍ بِحُسْنِ جَمْعِهَا، فَتَكُونُ سَاعَةُ الْإِجَابَةِ وَاحِدًا مِنْهَا لَا بِعَيْنِهَا، فَيُصَادِفُهَا مَنِ اجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ فِي جَمِيعِهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ أَكْثَرِهَا أَنَّهُ يَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ الْوَقْتِ الَّذِي عُيِّنَ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهَا تَكُونُ فِي أَثْنَائِهِ لِقَوْلِهِ فِيمَا مَضَى يُقَلِّلُهَا. وَقَوْلُهُ: وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الْوَقْتِ أَنَّهَا تَنْتَقِلُ فِيهِ فَيَكُونُ ابْتِدَاءُ مَظِنَّتِهَا ابْتِدَاءُ الْخُطْبَةِ مَثَلًا وَانْتِهَاؤُهُ انْتِهَاءُ الصَّلَاةِ، وَكَأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْقَائِلِينَ عَيَّنَ مَا اتَّفَقَ لَهُ وُقُوعُهُ فِيهِ مِنْ سَاعَةٍ فِي أَثْنَاءِ وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ الْمَذْكُورَةِ، فَهَذَا التَّقْرِيبُ يُقِلُّ الِانْتِشَارَ جِدًّا، اهـ بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي عَدُّهُ الْقَوْلَ الثَّانِي أَنَّهَا جُمُعَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلٍ، إِنَّمَا كَانَ خَطَأً مِنْ كَعْبٍ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الصَّوَابِ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: الَّذِي أَخْتَارُهُ أَنَا مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّهَا عِنْدَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَغَالِبُ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ تَشْهَدُ لَهُ، أَمَّا حَدِيثُ مَيْمُونَةَ فَصَرِيحٌ فِيهِ وَكَذَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَلَا يُنَافِيهِ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى «أَنَّهَا مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ» لِأَنَّهُ صَادِقٌ بِالْإِقَامَةِ بَلْ مُنْحَصِرٌ فِيهَا، لِأَنَّ وَقْتَ الْخُطْبَةِ لَيْسَ وَقْتَ صَلَاةٍ وَلَا دُعَاءٍ وَوَقْتُ الصَّلَاةِ غَالِبُهُ لَيْسَ وَقْتَ دُعَاءٍ، وَلَا يُظَنُّ إِرَادَةُ اسْتِغْرَاقِ الْوَقْتِ قَطْعًا لِأَنَّهَا خَفِيفَةٌ بِالنُّصُوصِ وَالْإِجْمَاعِ، وَوَقْتُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ مُتَّسِعٌ، وَغَالِبُ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَعِنْدَ الْأَذَانِ يُحْمَلُ عَلَى هَذَا فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ وَلَا تَتَنَافَى، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الصَّحَابِيِّ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ سَاعَةُ الْإِجَابَةِ فِي إِحْدَى السَّاعَاتِ الثَّلَاثِ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَمَا دَامَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَعِنْدَ الْإِقَامَةِ، وَأَقْوَى شَاهِدٍ لَهُ قَوْلُهُ: «وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي» فَأَحْمِلُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ عِنْدَ الْإِقَامَةِ وَيُصَلِّي عَلَى الْحَالِ الْمُقَدَّرَةِ، وَتَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ الْحَالِيَّةُ شَرْطًا فِي الْإِجَابَةِ وَأَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ شَهِدَ الْجُمُعَةَ لِيَخْرُجَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَذَا مَا ظَهَرَ لِي اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنِ اسْتَبْعَدَ حَمْلَ ابْنِ سَلَامٍ وَمُوَافَقَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَهُ قَوْلَهُ «وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي» عَلَى الْمَجَازِ اضْطُرَّ إِلَيْهِ فِيمَا اخْتَارَهُ هُوَ ثُمَّ جَرَّهُ ذَلِكَ إِلَى دَعْوَى التَّخْصِيصِ بِدُونِ مُخَصِّصٍ وَلَا دَلِيلٍ، وَعَجَبٌ مِنْهُ مَعَ مَزِيدِ حِفْظِهِ وَنَبَاهَتِهِ يَعْدِلُ عَنِ النَّصِّ النَّبَوِيِّ فِي حَدِيثَيْنِ صَحِيحَيْنِ وَيَخْتَارُ قَوْلًا ضَعِيفًا وَيَحْتَجُّ لَهُ بِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ سَعْدٍ

стр. 577

وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ كَمَا مَرَّ عَنِ الْحَافِظِ، وَأَمَّا إِيمَاؤُهُ إِلَى تَقْوِيَةِ ذَلِكَ بِقَوْلِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ إِنِّي لَأَرْجُو. . . . . إِلَخْ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَهُوَ اجْتِهَادُ مِنْهُ كَمَا أَشْعَرَ بِهِ لَفْظُهُ وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي ضَعْفَ حَدِيثِهِ الْمَرْفُوعِ أَنَّهَا عِنْدَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ، إِذْ لَوْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَجَزَمَ بِهِ وَمَا تَرَدَّدَ فِي أَنَّهَا إِحْدَى السَّاعَاتِ الثَّلَاثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 578

[بَاب الْهَيْئَةِ وَتَخَطِّي الرِّقَابِ وَاسْتِقْبَالِ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوْ اتَّخَذَ ثَوْبَيْنِ لِجُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَيْ مَهْنَتِهِ» ـــــــــــــــــــــــــــــ ٨ - بَابُ الْهَيْئَةِ وَتَخَطِّي الرِّقَابِ وَاسْتِقْبَالِ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ - ٢٤٤ ٢٤٠ (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ) وَصَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ» ) اسْتِفْهَامٌ يَتَضَمَّنُ التَّنْبِيهَ وَالتَّوْبِيخَ فَيُقَالُ لِمَنْ أَهْمَلَ شَيْئًا أَوْ قَصَّرَ فِيهِ أَوْ غَفَلَ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ لَوْ فَعَلَ كَذَا أَيْ أَيُّ شَيْءٍ يَلْحَقُهُ مِنْ ضَرَرٍ أَوْ عَيْبٍ أَوْ عَارٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (لَوِ اتَّخَذَ ثَوْبَيْنِ) قَمِيصٌ وَرِدَاءٌ أَوْ جُبَّةٌ وَرِدَاءٌ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَقَصَّرَ مَنْ نَظَرَ فِي الْمُرَادِ بِالثَّوْبَيْنِ (لِجُمُعَتِهِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَوْ عِيدِهِ (سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ) قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: أَيْ بِذْلَتِهِ وَخِدْمَتِهِ وَالرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَقَدْ تُكْسَرُ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالْكَسْرُ عِنْدَ الْأَثْبَاتِ خَطَأٌ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْمَهْنَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ هِيَ الْخِدْمَةُ وَلَا يُقَالُ مِهْنَةٌ بِالْكَسْرِ وَكَانَ الْقِيَاسُ لَوْ قِيلَ مِثْلُ جِلْسَةٍ وَخِدْمَةٍ إِلَّا أَنَّهُ جَاءَ عَلَى فَعْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْمَهْنَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ الْخِدْمَةُ، وَأَجَازَ غَيْرُ الْأَصْمَعِيِّ كَسْرَ الْمِيمِ قَالَ: وَفِيهِ النَّدْبُ لِمَنْ وَجَدَ سَعَةً أَنْ يَتَّخِذَ الثِّيَابَ الْحِسَانَ لِلْجُمَعِ وَكَذَا الْأَعْيَانِ وَيَتَجَمَّلُ بِهَا، وَكَانَ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَيَعْتَمُّ وَيَتَطَيَّبُ وَيَلْبَسُ أَحْسَنَ مَا يَجِدُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَفِيهِ الْأُسْوَةُ الْحَسُنَّةُ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِالطِّيبِ وَالسِّوَاكِ وَالدُّهْنِ. وَفِي فَتْحِ الْبَارِي فِي إِسْنَادِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ نَظَرٌ، فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ مُرْسَلًا، وَوَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ طُرُقٌ أُخْرَى عِنْدَ ابْنِ

стр. 579

خُزَيْمَةَ وَابْنِ مَاجَهْ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ لَا نَظَرَ لِأَنَّ الْأُمَوِيَّ رَاوِيهِ عَنِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمْرَةَ ثِقَةٌ رَوَى لَهُ السِّتَّةُ، وَأَيُّ مَانِعٍ مِنْ كَوْنِ يَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ لَهُ فِيهِ شَيْخَانِ عَمْرَةُ عَنْ عَائِشَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى مُرْسَلًا، وَقَدْ حَصَلَتِ الْمُتَابَعَةُ لِلْأَنْصَارِيِّ فِي عَمْرَةَ حَيْثُ رَوَاهُ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَيَّدَ ذَلِكَ مَجِيئُهُ مَنْ طُرُقٍ عَنْهَا. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَرَأَى عَلَيْهِمْ ثِيَابَ النِّمَارِ فَذَكَرَهُ» " وَهُوَ بِالنُّونِ كِسَاءٌ فِيهِ خُطُوطٌ بِيضٌ وَسُودٌ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: كَأَنَّهَا أُخِذَتْ مِنْ لَوْنِ النَّمِرِ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ: " «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَقَالَ: وَمَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوِ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ لَجُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ» " وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ مَرْفُوعًا: " «لَا يَضُرُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِلْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبَيْ مَهْنَتِهِ» ".

стр. 580

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَرُوحُ إِلَى الْجُمُعَةِ إِلَّا ادَّهَنَ وَتَطَيَّبَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَرَامًا ـــــــــــــــــــــــــــــ ٢٤٥ - ٢٤١ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَرُوحُ إِلَى الْجُمُعَةِ إِلَّا ادَّهَنَ) اسْتَعْمَلَ الدُّهْنَ لِإِزَالَةِ شَعَثِ الشَّعْرِ بِهِ (وَتَطَيَّبَ) فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا إِشَارَةً لِلتَّزَيُّنِ وَحُسْنِ الرَّائِحَةِ ذَلِكَ الْيَوْمَ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَرَامًا) أَيْ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا يَفْعَلْهُمَا، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ سَلْمَانَ مَرْفُوعًا: " «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» ".

стр. 581

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَأَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمْ بِظَهْرِ الْحَرَّةِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقْعُدَ حَتَّى إِذَا قَامَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ جَاءَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَ مَالِكٌ السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنْ يَسْتَقْبِلَ النَّاسُ الْإِمَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْطُبَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَلِي الْقِبْلَةَ وَغَيْرَهَا ـــــــــــــــــــــــــــــ ٢٤٦ - ٢٤٢ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو (بْنِ حَزْمٍ) فَنُسِبَ أَبُوهُ إِلَى جَدِّهِ الْأَعْلَى لِشُهْرَتِهِ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ الثِّقَةِ الْقَاضِي. مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةٍ. (عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «لِأَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمْ بِظَهْرِ الْحَرَّةِ» ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الثَّقِيلَةِ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ كَأَنَّهَا أُحْرِقَتْ بِالنَّارِ بِظَاهِرِ الْمَدِينَةِ ( «خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقْعُدَ حَتَّى إِذَا قَامَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ جَاءَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» ) قَالَ

стр. 582

ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا الْمَعْنَى مَرْفُوعٌ، ثُمَّ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ ﷺ : " «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاسْتَنَّ وَمَسَّ طِيبًا إِنْ كَانَ عِنْدَهُ وَلَبِسَ مَنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ وَلَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ ثُمَّ رَكَعَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ كَانَتْ كَفَّارَةَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» " وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي قَالَ ﷺ : " «يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: رَجُلُ حَضَرَهَا يَلْغُو وَهُوَ حَظُّهُ مِنْهَا، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا يَدْعُو فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللَّهَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَعْطَاهُ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِإِنْصَاتٍ وَسُكُونٍ وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا فَهُوَ كَفَّارَةٌ إِلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] » (سُورَةُ الْأَنْعَامِ: الْآيَةَ ١٦٠) " وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَيْضًا مَرْفُوعًا: " «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمَسَّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ إِنْ كَانَ لَهَا وَلَبِسَ مِنْ صَالَحِ ثِيَابِهِ ثُمَّ لَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ وَلَمْ يَلْغُ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا، وَمَنْ لَغَا وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا» " (قَالَ مَالِكٌ: السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنْ يَسْتَقْبِلَ النَّاسُ الْإِمَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْطُبَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَلِي الْقِبْلَةَ وَغَيْرَهَا) لِيَتَفَرَّغُوا لِسَمَاعِ مَوْعِظَتِهِ وَيَتَدَبَّرُوا كَلَامَهُ وَلَا يَشْتَغِلُوا بِغَيْرِهِ لِيَكُونَ أَدْعَى إِلَى انْتِفَاعِهِمْ لِيَعْمَلُوا بِمَا عَلِمُوا. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ حَدِيثًا مُسْنَدًا إِلَّا أَنَّ الشَّعْبِيَّ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ اسْتَقْبَلَهُ أَصْحَابُهُ بِوُجُوهِهِمْ» " وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَخْلُو مِنْ سُبْحَتِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ فَإِذَا خَرَجَ لَمْ يَقْعُدِ الْإِمَامُ حَتَّى يَسْتَقْبِلَهُ. وَرَوَى نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَخَذَ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهِهِ حَتَّى يَخْلُوَ مِنَ الْخُطْبَةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَحَكَى غَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ شَيْئًا مُحْتَمَلًا، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ شَيْءٌ يَعْنِي صَرِيحًا. وَقَدِ اسْتَنْبَطَ الْبُخَارِيُّ مِمَّا رَوَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَ يَوْمًا عَلَى الْمِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ» أَنَّ جُلُوسَهُمْ حَوْلَهُ لِسَمَاعِ كَلَامِهِ يَقْتَضِي نَظَرَهُمْ إِلَيْهِ غَالِبًا، وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فِي الْخُطْبَةِ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَتَحَدَّثُ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى مَكَانٍ عَالٍ وَهُمْ جُلُوسٌ أَسْفَلَ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ حَالَ الْخِطْبَةِ كَانَ حَالُهَا أَوْلَى لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِالِاسْتِمَاعِ لَهَا وَالْإِنْصَاتِ عِنْدَهَا.

стр. 583

[بَاب الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْاحْتِبَاءِ وَمَنْ تَرَكَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ] ـــــــــــــــــــــــــــــ ٩ - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالِاحْتِبَاءِ وَمَنْ تَرَكَهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ وَهُوَ جَمْعُ الظَّهْرِ وَالسَّاقَيْنِ بِثَوْبٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقَدْ يَكُونُ بِالْيَدَيْنِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: كَذَا تَرْجَمَ يَحْيَى وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ بُكَيْرٍ وَغَيْرِهِ (مَالِكٌ) أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَحْتَبِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ قَالَ: وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُ، وَلَا رُوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ التَّابِعِينَ كَرَاهِيَةُ الِاحْتِبَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ جَوَازُهُ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الِاحْتِبَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ» " قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَسٌ وَشُرَيْحٌ وَصَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ وَابْنُ الْمُسَيَّبِ وَالنَّخَعِيُّ وَمَكْحُولٌ يَحْتَبُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَأَنْ يَمُدَّ رِجْلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعُونَةٌ فَلْيَفْعَلْ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ أَرْفُقُ بِهِ. (وَمَنْ تَرَكَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ) مِنَ الْأَعْذَارِ الْمُقَرَّرَةِ فِي الْفُرُوعِ.

стр. 584

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ «مَاذَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى إِثْرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ قَالَ كَانَ يَقْرَأُ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» ـــــــــــــــــــــــــــــ - ٢٤٧ ٢٤٣ (مَالِكٌ عَنْ ضَمْرَةَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ (ابْنِ سَعِيدٍ) بِفَتْحِ السِّينِ ابْنِ أَبِي حِنَّةَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ نُونٍ وَقِيلَ مُوَحَّدَةٌ الْأَنْصَارِيِّ (الْمَازِنِيِّ) بِزَايٍ وَنُونٍ مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بِفَتْحِهَا (ابْنِ عُتْبَةَ) بِضَمِّهَا وَإِسْكَانِ الْفَوْقِيَّةِ (ابْنِ مَسْعُودٍ) أَحَدُ الْفُقَهَاءِ (أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ) بْنِ خَالِدِ بْنِ وَهْبٍ الْفِهْرِيَّ أَبُو أُنَيْسٍ الْأَمِيرُ الْمَشْهُورُ صَحَابِيٌّ قُتِلَ فِي وَقْعَةِ مَرْجِ رَاهِطٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ (سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ) بْنِ سَعْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيَّ الْخَزْرَجِيَّ لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ ثُمَّ سَكَنَ الشَّامَ ثُمَّ وَلِيَ إِمْرَةَ الْكُوفَةِ ثُمَّ قُتِلَ بِحِمْصَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَلَهُ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً. ( «مَاذَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ( «عَلَى إِثْرِ سُورَةُ الْجُمُعَةِ» ) الَّتِي كَانَ يَقْرَؤُهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ( «قَالَ: كَانَ يَقْرَأُ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» ) قَالَ أَبُو عُمَرَ: قَوْلُهُ عَلَى أَثَرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى السُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِهِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَقْرَأُ مَعَهَا شَيْئًا وَاحِدًا أَبَدًا لِعَلِمَهُ كَمَا عَلِمَ سُورَةَ

стр. 585

الْجُمُعَةِ وَلَكِنَّهُ كَانَ مُخْتَلِفًا فَسَأَلَ عَنِ الْأَغْلَبِ مِنْهُ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْآثَارُ فِيهِ وَالْعُلَمَاءُ وَهُوَ مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ الَّذِي وَرَدَ وُرُودُ التَّخْيِيرِ، فَرُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] ، وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدَانُ فِي يَوْمٍ قَرَأَهُمَا جَمِيعًا» . وَرُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] فِي الْآخِرَةِ» ، وَاخْتَارَ هَذَا الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَلِيٍّ وَهِيَ آثَارٌ صِحَاحٌ. وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى مَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ وَهَلْ أَتَاكَ وَأَجَازَ فِي الثَّانِيَةِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] . وَجُمْلَةُ قَوْلِهِ: إِنَّهُ لَا يَتْرُكُ الْجُمُعَةَ فِي الْأَوْلَى وَيَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ بِمَا شَاءَ إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مَا ذَكَرْنَا.

стр. 586

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ مَالِكٌ لَا أَدْرِي أَعَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَمْ لَا أَنَّهُ قَالَ «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا عِلَّةٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ» ـــــــــــــــــــــــــــــ ٢٤٨ - ٢٤٤ - (مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ) بِضَمِّ السِّينِ الزُّهْرِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ، الثِّقَةُ الْعَابِدُ التَّابِعِيُّ الصَّغِيرُ. (قَالَ مَالِكٌ: لَا أَدْرِي أَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَمْ لَا) قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا يُسْنَدُ مِنْ وُجُوهٍ أَحْسَنُهَا حَدِيثُ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ بِنَحْوِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ» ) مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ) كَشِدَّةِ وَحْلٍ (وَلَا عِلَّةٍ) مِنْ مَرِضٍ وَنَحْوِهِ ( «طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ» ) أَيْ خَتَمَ عَلَيْهِ وَغَشَّاهُ وَمَنَعَهُ أَلْطَافَهُ فَلَا يَصِلُ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ، أَوْ جَعَلَ فِيهِ الْجَهْلَ وَالْجَفَا وَالْقَسْوَةَ، أَوْ صَيَّرَ قَلْبَهُ قَلَبَ مُنَافِقٍ، وَالطَّبْعُ بِسُكُونِ الْبَاءِ الْخَتْمُ وَبِالتَّحْرِيكِ الدَّنَسُ وَأَصْلُهُ الْوَسَخُ يُغْشِي السَّيْفَ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِنَ الْآثَامِ وَالْقَبَائِحِ. أَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ مَرْفُوعًا: " «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ» " وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَقَدْ طُبِعَ عَلَى قَلْبِهِ» " وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: " «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا وِلَاءً مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ» " وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: " «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ كُتِبَ مُنَافِقًا فِي كِتَابِ لَا يُمْحَى وَلَا يُبَدَّلُ» " وَالْمُرَادُ النِّفَاقُ الْعَمَلِيُّ. وَأَخْرَجَ أَبُو يُعْلَى بِرُوَاةِ الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: " «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمُعَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ فَقَدْ نَبَذَ الْإِسْلَامَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ» "، وَفِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهُمُ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» "، وَقَالَ ابْنُ

стр. 587

مَسْعُودٍ وَالْحَسَنُ: «إِنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي أَرَادَ ﷺ أَنْ يُحَرِّقَ عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا بَيْتَهُ هِيَ الْجُمُعَةُ» . قَالَ أَبُو عُمَرَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ شَهْرًا كُلَّ يَوْمٍ يَقُولُ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ وَلَا يَشْهَدُ الْجُمُعَةَ وَلَا الْجَمَاعَاتِ؟ فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ لَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ: صَاحِبُكَ فِي النَّارِ. وَيُحْتَمَلُ أَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ عَرَفَ حَالَ الْمَسْئُولِ عَنْهُ بِاعْتِقَادِ مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ فِي اسْتِحْلَالِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَتَكْفِيرِهِمْ وَلِذَا تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَاتِ فَأَجَابَهُ بِذَلِكَ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ.

стр. 588

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَجَلَسَ بَيْنَهُمَا» ـــــــــــــــــــــــــــــ ٢٤٩ - ٢٤٥ - (مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرٍ) الصَّادِقِ لِصِدْقِهِ فِي مَقَالِهِ (ابْنِ مُحَمَّدٍ) الْبَاقِرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيِّ الْمَدَنِيِّ الْفَقِيهِ الصَّدُوقِ الْإِمَامِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، ذَكَرَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: اخْتَلَفْتُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ زَمَانًا فَمَا كُنْتُ أَرَاهُ إِلَّا عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِمَّا مُصَلٍّ وَإِمَّا صَائِمٌ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَا رَأَيْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ، وَكَانَ لَا يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعُبَّادِ الزُّهَّادِ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ وَلَقَدْ حَجَجْتُ مَعَهُ سَنَةً فَلَمَّا أَتَى الشَّجَرَةَ أَحْرَمَ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ كَادَ يُغْشَى عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: لَا بُدَّ لَكَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ يُحِبُّنِي وَيَنْبَسِطُ إِلَيَّ، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ أَبِي عَامِرٍ إِنِّي أَخْشَى أَنْ أَقُولَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ فَيَقُولُ: لَا لَبَّيْكَ وَلَا سَعْدَيْكَ. وَذَكَرَ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ لَبَّيْكَ أَوْ قَالَهَا غُشِيَ عَلَيْهِ وَسَقَطَ مِنْ نَاقَتِهِ فَتَهَشَّمَ وَجْهُهُ (عَنْ أَبِيهِ) مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ لِأَنَّهُ بَقَرَ الْعِلْمَ أَيْ شَقَّهُ فَعَرَفَ أَصْلَهُ وَخَفِيَّهُ ثِقَةٌ فَاضِلٌ تَابِعِيٌّ ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَجَلَسَ بَيْنَهُمَا» ) أَرْسَلَهُ الْمُوَطَّأُ وَهُوَ يَتَّصِلُ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ قَائِمًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» " وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى وُجُوبِ الْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا لِمُوَاظَبَتِهِ ﵇ عَلَى ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ: " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» " وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ أَنَّ إِقَامَةَ الْخُطْبَتَيْنِ دَاخِلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ وَإِلَّا فَهُوَ اسْتِدْلَالٌ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ اهـ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ الْفَصْلِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَقِيلَ الرَّاحَةُ وَعَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ يَكْفِي السُّكُوتُ بِقَدْرِهَا.

стр. 589

[كِتَابُ الصَّلَاةِ فِي رَمَضَانَ] [بَاب التَّرْغِيبِ فِي الصَّلَاةِ فِي رَمَضَانَ] َ بَاب التَّرْغِيبِ فِي الصَّلَاةِ فِي رَمَضَانَ حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ ثُمَّ صَلَّى اللَّيْلَةَ الْقَابِلَةَ فَكَثُرَ النَّاسُ ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ» ـــــــــــــــــــــــــــــ ٦ - كِتَابُ الصَّلَاةِ فِي رَمَضَانَ ١ - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الصَّلَاةِ فِي رَمَضَانَ - ٢٥٠ ٢٤٦ (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهْرِيِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بْنِ الْعَوَّامِ (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى» ) صَلَاةَ اللَّيْلِ (فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ) مِنْ لَيَالِي رَمَضَانَ، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: " «أَنَّهُ صَلَّى فِي حُجْرَتِهِ» " وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا بَيْتَهُ بَلِ الْحَصِيرَ الَّتِي كَانَتْ يَحْتَجِرُ بِهَا بِاللَّيْلِ فِي الْمَسْجِدِ فَيَجْعَلُهَا عَلَى بَابِ بَيْتِ عَائِشَةَ فَيُصَلِّي فِيهِ وَيَجْلِسُ عَلَيْهِ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ: " «كَانَ يَحْتَجِرُ حَصِيرًا بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي اللِّبَاسِ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَائِشَةَ: " «فَأَمَرَنِي أَنْ أَنْصِبَ لَهُ حَصِيرًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي فَفَعَلْتُ» فَخَرَجَ " الْحَدِيثَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى يَحْتَجِرُ يُحَوِّطُ مَوْضِعًا مِنَ الْمَسْجِدِ بِحَصِيرٍ يَسْتُرُهُ لِيُصَلِّيَ فِيهِ وَلَا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ مَارٌّ لِيَتَوَفَّرَ خُشُوعُهُ وَيَتَفَرَّغَ قَلْبُهُ. وَتَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ احْتِجَارَهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ الَّذِي أَمَرَ النَّاسَ بِهِ بِقَوْلِهِ: " «صَلَّوْا فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» " ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَهُوَ إِذَا احْتَجَرَ صَارَ كَأَنَّهُ بَيْتٌ بِخُصُوصِهِ، أَوْ أَنَّ سَبَبَ كَوْنِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلَ عَدَمُ شَوْبِهِ بِالرِّيَاءِ غَالِبًا وَالنَّبِيُّ ﷺ مُنَزَّهٌ عَنِ الرِّيَاءِ فِي بَيْتِهِ وَفِي غَيْرِ بَيْتِهِ. (فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ ثُمَّ صَلَّى اللَّيْلَةَ الْقَابِلَةَ) وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ مِنَ الْقَابِلَةِ وَلِبَعْضِ رُوَاتِهِ مِنَ الْقَابِلِ بِالتَّذْكِيرِ أَيِ الْوَقْتِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِنَ اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ. (فَكَثُرَ النَّاسُ ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ) بِالشَّكِّ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ:

стр. 590

" «فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ فَصَلَّوْا مَعَهُ فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ» " وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: " «امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ حَتَّى اغْتَصَّ بِأَهْلِهِ» " وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْهُ: " «فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ غَصَّ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ» " (فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: " «حَتَّى سَمِعْتُ نَاسًا مِنْهُمْ يَقُولُونَ الصَّلَاةَ» "، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ: " فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ " وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: " «فَفَقَدُوا صَوْتَهُ وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ تَأَخَّرَ فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ» " وَفِي لَفْظٍ عَنْ زَيْدٍ: " «فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَحَصَبُوا الْبَابَ» " رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: تُفَسَّرُ هَذِهِ اللَّيَالِي الْمَذْكُورَاتُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ بِمَا رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ: " «قُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ثُمَّ قُمْنَا مَعَهُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ قُمْنَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ حَتَّى ظَنَنَّا أَلَّا نُدْرِكَ الْفَلَاحَ وَكَانَ يُسَمُّونَ بِهِ السُّحُورَ» " أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ. وَأَمَّا عَدَدُ مَا صَلَّى فَفِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَنَّهُ صَلَّى عِشْرِينَ رَكْعَةً وَالْوِتْرَ» " أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنْ جَابِرٍ: " «أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ ثَمَانَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ أَوْتَرَ» " وَهَذَا أَصَحُّ. وَقَالَ الْحَافِظُ: لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ أَيْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بَيَانَ عَدَدِ صَلَاتِهِ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي، لَكِنْ رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ جَابِرٍ: " «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ ثَمَانَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ أَوْتَرَ فَلَمَّا كَانَتِ الْقَابِلَةُ اجْتَمَعْنَا فِي الْمَسْجِدِ وَرَجَوْنَا أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا ثُمَّ دَخَلْنَا فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ» " الْحَدِيثَ، فَإِنْ كَانَتِ الْقِصَّةُ وَاحِدَةً احْتُمِلَ أَنَّ جَابِرًا مِمَّنْ جَاءَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ فَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَى وَصْفِ لَيْلَتَيْنِ، وَمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ: " «كَانَ ﷺ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ فَجِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَامَ حَتَّى كُنَّا رَهْطًا فَلَمَّا أَحَسَّ بِنَا تَجَوَّزَ ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ» " الْحَدِيثَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي قِصَّةٍ أُخْرَى. ( «فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ» ) مِنْ حِرْصِكُمْ عَلَى الصَّلَاةِ مَعِي، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " «فَلَمَّا قَضَى صَلَاةَ الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخَفْ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ» " وَفِي مُسْلِمٍ: " شَأْنُكُمْ ". ( «وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ» ) صَلَاةُ اللَّيْلِ فَتَعْجَزُوا عَنْهَا كَمَا فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْ تَشُقُّ عَلَيْكُمْ فَتَتْرُكُوهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْعَجْزَ الْكُلِّيَّ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ التَّكْلِيفَ مِنْ أَصْلِهِ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ الْخَشْيَةُ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: «هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ» فَإِذَا أُمِنَ التَّبْدِيلُ كَيْفَ يُخَافُ مِنَ الزِّيَادَةِ؟ وَأَجَابَ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ ﷺ وَأَفْعَالُهُ الشَّرْعِيَّةُ يَجِبُ عَلَى الْأُمَّةِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ

стр. 591

فِيهَا عِنْدَ الْمُوَاظَبَةِ، فَتَرَكَ الْخُرُوجَ إِلَيْهِمْ لِئَلَّا يَدْخُلَ ذَلِكَ فِي الْوَاجِبِ بِطَرِيقِ الْأَمْرِ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ لَا مِنْ طَرِيقِ إِنْشَاءِ فَرْضٍ جَدِيدٍ زَائِدٍ عَلَى الْخَمْسِ، وَهَذَا كَمَا يُوجِبُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ صَلَاةَ نَذْرٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُ زِيَادَةُ فَرْضٍ فِي أَصْلِ الشَّرْعِ، وَبِاحْتِمَالِ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا فَرَضَ الصَّلَاةَ خَمْسِينَ ثُمَّ حَطَّ مُعْظَمَهَا بِشَفَاعَةِ نَبِيِّهِ فَإِذَا عَادَتِ الْأُمَّةُ فِيمَا اسْتَوْهَبَ لَهَا وَالْتَزَمَتْ مَا اسْتَعْفَى لَهُمْ نَبِيُّهُمْ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ أَنْ يُثْبِتَ ذَلِكَ فَرْضًا كَمَا الْتَزَمَ نَاسٌ الرَّهْبَانِيَّةَ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ ثُمَّ عَابَ اللَّهُ التَّقْصِيرَ فِيهَا بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] (سُورَةُ الْحَدِيدِ: الْآيَةَ ٢٧) فَخَشِيَ ﷺ أَنْ يَكُونَ سَبِيلُهُمْ سَبِيلَ أُولَئِكَ فَقَطَعَ الْعَمَلَ شَفَقَةً عَلَيْهِمُ انْتَهَى. وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّرَّاحِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ قِيَامِ اللَّيْلِ وَوُجُوبِ الِاقْتِدَاءِ بِأَفْعَالِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَفِي كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ نِزَاعٌ. وَجَوَابُ الْكِرْمَانِيِّ بِأَنَّ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْأَمْنُ مِنْ نَقْصِ شَيْءٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلزِّيَادَةِ، فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ ذِكْرَ الْمُضَعَّفِ بِقَوْلِهِ: «هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ» إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ الزِّيَادَةِ أَيْضًا لِأَنَّ التَّضْعِيفَ لَا يَنْقُصُ عَنِ الْعَشْرِ، وَدَفَعَ بَعْضُهُمْ فِي أَصْلِ السُّؤَالِ بِأَنَّ الزَّمَانَ قَابِلٌ لِلنَّسْخِ فَلَا مَانِعَ مِنْ خَشْيَةِ الِافْتِرَاضِ، فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] " خَبَرٌ وَلَا يُدْخِلُهُ النَّسْخُ عَلَى الرَّاجِحِ وَلَيْسَ كَقَوْلِهِ مَثَلًا: صُومُوا الدَّهْرَ أَبَدًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ النَّسْخُ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّهُ إِنْ وَاصَلَ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ فَرَضَهَا عَلَيْهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ سَيُفْرَضُ عَلَيْهِمْ لِمَا جَرَتْ عَادَتُهُ بِأَنَّ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِمَاعِ فُرِضَ عَلَى أُمَّتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ خَافَ أَنْ يَظُنَّ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ بَعْدَهُ إِذَا دَاوَمَ عَلَيْهَا وُجُوبَهَا، وَإِلَى الثَّالِثِ نَحَا الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ: قَوْلُهُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْكُمْ أَيْ تَظُنُّونَهُ فَرْضًا فَيَجِبُ مَنْ ظَنَّ ذَلِكَ كَمَا إِذَا ظَنَّ الْمُجْتَهِدُ حِلَّ شَيْءٍ أَوْ حُرْمَتَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ، وَقِيلَ: كَانَ حُكْمُهُ ﷺ إِذَا وَاظَبَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ وَاقْتَدَى النَّاسُ بِهِ فِيهِ أَنَّهُ يُفْرَضُ عَلَيْهِمُ اهـ. وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ فَقَدْ وَاظَبَ عَلَى رَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ وَتَابَعَهُ أَصْحَابُهُ وَلَمْ تُفْرَضْ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ هَذَا الْقَوْلَ صَدَرَ مِنْهُ ﷺ لَمَّا كَانَ قِيَامُ اللَّيْلِ فَرْضًا عَلَيْهِ دُونَ أُمَّتِهِ فَخَشِيَ إِنْ خَرَجَ إِلَيْهِمْ وَالْتَزَمُوهُ مَعَهُ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ فِي حُكْمِهِ لِأَنَّ أَصْلَ الشَّرْعِ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَأُمَّتِهِ فِي الْعِبَادَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَشِيَ مِنْ مُوَاظَبَتِهِمْ عَلَيْهَا أَنْ يَضْعُفُوا عَنْهَا فَيَعْصِي تَارِكُهَا بِتَرْكِ اتِّبَاعِهِ ﷺ . قَالَ الْحَافِظُ: وَحَدِيثُ: «هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ» لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ يُدْفَعُ فِي صُدُورِ هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ كُلِّهَا، وَقَدْ فَتَحَ الْبَارِي بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ سِوَاهَا: أَحَدُهَا أَنَّهُ خَافَ جَعْلَ التَّهَجُّدِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّنَفُّلِ بِاللَّيْلِ وَيُومِئُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: " «خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ» "

стр. 592

فَمَنَعَهُمْ مِنَ التَّجْمِيعِ فِي الْمَسْجِدِ إِشْفَاقًا عَلَيْهِمْ مِنِ اشْتِرَاطِهِ، وَأَمِنَ مَعَ إِذْنِهِ فِي الْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ فِي بُيُوتِهِمْ مِنِ افْتِرَاضِهِ عَلَيْهِمْ. ثَانِيهَا: أَنَّهُ خَافَ افْتِرَاضَهُ كِفَايَةً لَا عَيْنًا فَلَا يَكُونُ زَائِدًا عَلَى الْخَمْسِ بَلْ هُوَ نَظِيرُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ قَوْمٌ فِي الْعِيدِ وَنَحْوِهَا. ثَالِثُهَا: أَنَّهُ خَافَ فَرْضَ قِيَامِ رَمَضَانَ خَاصَّةً كَمَا قَالَ. (وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ) وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ: " «خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْكُمْ قِيَامُ هَذَا الشَّهْرِ» " فَعَلَى هَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ لِأَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ لَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْخَمْسِ. قَالَ: وَأَقْوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فِي نَظَرِي الْأَوَّلُ، وَفِي الْحَدِيثِ نَدْبُ قِيَامِ اللَّيْلِ وَلَا سِيَّمَا فِي رَمَضَانَ جَمَاعَةً لِأَنَّ الْخَشْيَةَ الْمَذْكُورَةَ أُمِنَتْ بَعْدَهُ وَلِذَا جَمَعَهُمْ عُمَرُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ التَّالِي، وَفِيهِ أَنَّ الْكَبِيرَ إِذَا فَعَلَ شَيْئًا خِلَافَ مَا اعْتَادَهُ أَتْبَاعُهُ أَنْ يَذْكُرَ لَهُمْ عُذْرَهُ وَحُكْمَهُ، وَشَفَقَتُهُ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ وَرَأْفَتُهُ بِهِمْ وَتَرْكُ بَعْضِ الْمَصَالِحِ لِخَوْفِ الْمَفْسَدَةِ وَتَقْدِيمُ أَهَمِّ الْمَصْلَحَتَيْنِ وَجَوَازُ الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ نَفْيَ النِّيَّةِ لَمْ يُنْقَلْ وَلَمْ يُطَّلَعْ عَلَيْهِ بِالظَّنِّ وَتَرْكُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِلنَّوَافِلِ إِذَا صُلِّيَتْ جَمَاعَةً وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

стр. 593

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَ بِعَزِيمَةٍ فَيَقُولُ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ» ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ـــــــــــــــــــــــــــــ ٢٥١ - ٢٤٧ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزُّهْرِيِّ وَرَوَاهُ عُقَيْلٌ وَيُونُسُ وَشُعَيْبٌ وَغَيْرُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ بَدَلَ أَبِي سَلَمَةَ وَصَحَّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ الطَّرِيقَانِ فَأَخْرَجَهُمَا عَلَى الْوَلَاءِ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ جَمِيعًا (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُرَغِّبُ» ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتَحِ الرَّاءِ وَشَدِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ (فِي قِيَامِ رَمَضَانَ) أَيْ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ مُطْلَقُ الصَّلَاةِ الْحَاصِلِ بِهَا قِيَامُ اللَّيْلِ كَالتَّهَجُّدِ سِرًّا، وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فِي قَوْلِهِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقِيَامِ رَمَضَانَ صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ ( «مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَ بِعَزِيمَةٍ» ) أَيْ أَنْ يُوجِبَهُ بَلْ أَمْرُ نَدْبٍ وَتَرْغِيبٍ، وَفَسَّرَهُ بِصِيغَةٍ تَقْتَضِي التَّرْغِيبَ وَالنَّدْبَ دُونَ الْإِيجَابِ بِقَوْلِهِ: (فَيَقُولُ «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ» ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ عَلَى لَفْظِ قَامَ وَلِذَا أَدْخَلَهُ مَالِكٌ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، وَيُصَحِّحُ ذَلِكَ أَيْ يُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: كَانَ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ وَتَابَعَ مَالِكًا عَلَيْهِ مَعْمَرٌ وَيُونُسُ وَأَبُو أُوَيْسٍ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِلَفْظِ قَامَ، وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَحْدَهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ» أَيْ بِالصَّادِ مِنَ الصِّيَامِ، وَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي

стр. 594

سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: " «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ» " وَرَوَاهُ عُقَيْلٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: " «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَقَامَهُ» " اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ بِاللَّفْظَيْنِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، فَتَارَةً يَرْوِيهِ بِلَفْظِ: قَامَ، وَتَارَةً بِلَفْظِ صَامَ لِأَنَّ الرُّوَاةَ الْمَذْكُورِينَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كُلُّهُمْ حُفَّاظٌ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ رِوَايَةُ عُقَيْلٍ عَنْهُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا. (إِيمَانًا) تَصْدِيقًا بِأَنَّهُ حَقٌّ مُعْتَقِدًا أَفْضَلِيَّتَهُ. (وَاحْتِسَابًا) طَلَبًا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ لَا لِرِيَاءٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُخَالِفُ الْإِخْلَاصَ طَيِّبُ النَّفْسِ بِهِ غَيْرُ مُسْتَثْقِلٍ لِقِيَامِهِ وَلَا مُسْتَطِيلٍ لَهُ، وَنَصْبُهُمَا عَلَى الْمَصْدَرِ أَوِ الْحَالِ. ( «غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ) أَيْ ذَنْبِهِ الْمُتَقَدِّمِ كُلِّهِ، فَمِنْ لِلْبَيَانِ لَا لِلتَّبْعِيضِ أَيِ الصَّغَائِرُ لَا الْكَبَائِرُ، كَمَا قَطَعَ بِهِ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْفُقَهَاءُ وَعَزَاهُ عِيَاضٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ، وَجَزَمَ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُمَا. وَقَالَ الْحَافِظُ: إِنَّهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ فَقَالَ قَوْمٌ: يَدْخُلُ فِيهِ الْكَبَائِرُ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا تَدْخُلُ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ التَّوْبَةَ وَالنَّدَمَ ذَاكِرًا لَهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أَنْ يُخَفِّفَ مِنَ الْكَبَائِرِ إِذَا لَمْ يُصَادِفْ صَغِيرَةً. وَزَادَ حَامِدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: وَمَا تَأَخَّرَ، رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ: هِيَ زِيَادَةٌ مُنْكَرَةٌ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، وَدَفَعَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّهُ تَابَعَهُ عَلَى الزِّيَادَةِ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى، وَالْحُسَيْنُ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ لَهُ، وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ فِي فَوَائِدِهِ، وَيُوسُفَ الْحَاجِّيُّ فِي فَوَائِدِهِ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَوَرَدَتْ أَيْضًا عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ ثَابِتٍ عَنِ الْحَسَنِ كِلَاهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَوَرَدَتْ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ نَفْسِهِ، أَخْرَجَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ فِي أَمَالِيهِ مِنْ طَرِيقِ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَيُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلَمْ يُتَابِعْ بَحْرًا عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ وَهْبٍ وَلَا مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَلَا يُونُسَ سِوَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَقَدْ وَرَدَ فِي غُفْرَانِ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ عِدَّةُ أَحَادِيثَ جَمَعْتُهَا فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ تَسْتَدْعِي سَبْقَ ذَنْبٍ وَالْمُتَأَخِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ لَمْ يَأْتِ فَكَيْفَ يُغْفَرُ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذُنُوبَهُمْ تَقَعُ مَغْفُورَةً، وَقِيلَ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ حِفْظِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَنِ الذُّنُوبِ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ ﷺ : " إِنَّ «اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» " وَعُورِضَ الْأَخِيرُ بِوُرُودِ النَّقْلِ بِخِلَافِهِ، فَقَدْ شَهِدَ مِسْطَحٌ بَدْرًا وَوَقَعَ مِنْهُ فِي عَائِشَةَ مَا وَقَعَ كَمَا فِي الصَّحِيحِ، وَقِصَّةُ نُعَيْمَانَ مَشْهُورَةٌ. (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: " «وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى الْقِيَامِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَدْرَجَ مَعْمَرٌ قَوْلَ ابْنِ شِهَابٍ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَمَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِذَا النَّاسُ يُصَلُّونَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: نَاسٌ يُصَلِّي بِهِمْ أُبَيُّ بْنُ

стр. 595

كَعْبٍ، فَقَالَ: أَصَابُوا وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا» " ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَفِيهِ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ عُمَرَ هُوَ الَّذِي جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَهُ الْحَافِظُ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: هَذَا مُرْسَلٌ مِنِ ابْنِ شِهَابٍ وَمَعْنَاهُ أَنَّ حَالَ النَّاسِ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي زَمَنِهِ ﷺ مِنْ تَرْكِ النَّاسِ وَالنَّدْبِ إِلَى الْقِيَامِ وَأَنْ لَا يَجْتَمِعُوا عَلَى إِمَامٍ يُصَلِّي بِهِمْ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونُوا لَا يُصَلُّونَ إِلَّا فِي بُيُوتِهِمْ وَأَنْ يُصَلِّيَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونُوا لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى إِمَامٍ وَاحِدٍ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ أَوْزَاعًا مُتَفَرِّقِينَ. (ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيقِ، ﵁، (وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) بِنَصْبِ صَدْرًا عَطْفٌ عَلَى خَبَرِ كَانَ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْخَفْضِ عَطْفٌ عَلَى خِلَافَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اخْتَلَفَ رُوَاةُ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ فَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى مُتَّصِلًا هَكَذَا، وَتَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ وَسَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَمَعْنٌ وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ وَأَبُو مُصْعَبٍ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ وَهْبٍ وَالْأَكْثَرُ عَنْ مَالِكٍ مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُرُوا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ مَوْصُولًا أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ، وَتَابَعَ ابْنَ شِهَابٍ عَلَى وَصْلِهِ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ صِحَّةُ رِوَايَةِ يَحْيَى وَمَنْ تَابَعَهُ دُونَ رِوَايَةِ مَنْ أَرْسَلَهُ وَأَنَّهُمْ لَمْ يُقِيمُوا الْحَدِيثَ وَلَمْ يُتْقِنُوهُ إِذْ أَرْسَلُوهُ وَهُوَ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ. قَالَ: وَعِنْدَ الْقَعْنَبِيِّ وَمُطَرِّفٍ وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ نَافِعٍ وَابْنِ بَكْرٍ وَأَبِي مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» " هَكَذَا رَوَوْهُ فِي الْمُوَطَّأِ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يُرَغِّبُ فِي رَمَضَانَ أَنْ يَأْمُرَ بِعَزِيمَةٍ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ وَلَيْسَ عِنْدَ يَحْيَى أَصْلًا رِوَايَةُ حُمَيْدٍ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رِوَايَةُ حُمَيْدٍ لَا أَبِي سَلَمَةَ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ رِوَايَةَ حُمَيْدٍ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ أَيْ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ وَكَذَا مُسْلِمٌ قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ فَذَكَرَاهُ، قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَحُمَيْدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنَبِهِ» "، وَتَابَعَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ وَهُوَ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي ابْنِ وَهْبٍ ثُمَّ أَسْنَدَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ لِابْنِ شِهَابٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ: أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ تَامًّا بِهِ، وَحُمَيْدًا حَدَّثَهُ مُخْتَصِرًا، فَكَانَ الزُّهْرِيُّ يُحَدِّثُ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ثُمَّ مَالِكٌ بَعْدَهُ حَدَّثَ بِهِ بِالْوَجْهَيْنِ أَيْضًا، فَمِنْ رُوَاتِهِ مَنْ رَوَى حَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَى حَدِيثَ حُمَيْدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ جُوَيْرِيَةُ وَابْنُ وَهْبٍ لَكِنْ ذَكَرَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَهُوَ لَفْظُ الْحَدِيثِ دُونَ الْقِصَّةِ وَدُونَ قَوْلِهِ: كَانَ يُرَغِّبُ. . إِلَخْ. وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ وَصَحَّحَ الطَّرِيقَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 596

[بَاب مَا جَاءَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ] حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ فَقَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَانِي لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ فَقَالَ عُمَرُ نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ وَالَّتِي تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنْ الَّتِي تَقُومُونَ يَعْنِي آخِرَ اللَّيْلِ وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــ ٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ وَتُسَمَّى التَّرَاوِيحُ جَمْعُ تَرْوِيحَةٍ وَهِيَ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ مِنَ الرَّاحَةِ كَتَسْلِيمَةٍ مِنَ السَّلَامِ، سُمِّيَتِ الصَّلَاةُ جَمَاعَةً فِي لَيَالِي رَمَصَانَ تَرَاوِيحُ ; لِأَنَّهُمْ أَوَّلُ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهَا كَانُوا يَسْتَرِيحُونَ بَيْنَ كُلِّ تَسْلِيمَتَيْنِ، قَالَ اللَّيْثُ: قَدْرُ مَا يُصَلِّي الرَّجُلُ كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً. - ٢٥٢ ٢٤٨ (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ) بِالتَّنْوِينِ بِلَا إِضَافَةٍ (الْقَارِيِّ) بِشَدِّ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ نِسْبَةٌ إِلَى الْقَارَةِ بَطْنٌ مِنْ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ. (أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) لَيْلَةً (فِي رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ) النَّبَوِيِّ (فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ فَأَلِفٍ فَعَيْنٍ مُهْمِلَةٍ جَمَاعَاتٌ (مُتَفَرِّقُونَ) نَعْتٌ لَفْظِيٌّ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَ نَفْخَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ الْأَوْزَاعَ الْجَمَاعَاتُ الْمُتَفَرِّقَةُ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُمُ الْعِزُونَ قَالَ تَعَالَى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: ٣٧] (سُورَةُ الْمَعَارِجِ: الْآيَةَ ٣٧) وَفِي الْحَدِيثِ: " «مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ» " وَذَكَرَ ابْنُ فَارِسٍ وَالْجَوْهَرِيُّ وَالْمَجْدُ أَنَّ الْأَوْزَاعَ الْجَمَاعَاتُ وَلَمْ يَقُولُوا مُتَفَرِّقِينَ، فَعَلَيْهِ يَكُونُ النَّعْتُ لِلتَّخْصِيصِ أَرَادَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَفَّلُونَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مُتَفَرِّقِينَ. (يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ) مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشْرَةِ، وَهَذَا بَيَانٌ لِمَا أَجْمَلَهُ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ: أَوْزَاعٌ. (فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَانِي) مِنَ الرَّأْيِ (لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ) لِأَنَّهُ أَنْشَطُ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُصَلِّينِ وَلِمَا فِي الِاخْتِلَافِ مِنِ افْتِرَاقِ الْكَلِمَةِ. قَالَ الْبَاجِيُّ وَابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُمَا: اسْتَنْبَطَ عُمَرُ ذَلِكَ مِنْ تَقْرِيرِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ صَلَّى مَعَهُ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي وَإِنْ كَانَ كَرِهَ ذَلِكَ لَهُمْ فَإِنَّمَا كَرِهَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ فَلَمَّا مَاتَ ﷺ أُمِنَ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَسُنَّ عُمَرُ إِلَّا مَا رَضِيَهُ ﷺ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ إِلَّا خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفًا رَحِيمًا، فَلَمَّا أَمِنَ ذَلِكَ عُمَرُ أَقَامَهَا وَأَحْيَاهَا فِي سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ سَنَّ ذَلِكَ قَوْلُهُ: " «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ صِيَامَ رَمَضَانَ وَسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ فَمَنْ صَامَهُ وَقَامَهُ إِيمَانًا

стр. 597

وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» " (فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) أَيْ جَعَلَهُ إِمَامًا لَهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَاخْتَارَ أُبَيًّا لِقَوْلِهِ ﷺ : " «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ» " وَقَوْلُهُ ﷺ : " أَقْرَؤُهُمْ أُبَيٌّ "، وَقَالَ عُمَرُ: " عَلِيٌّ أَقْضَانَا وَأُبَيٌّ أَقْرَأُنَا وَإِنَّا لَنَتْرُكَ أَشْيَاءَ مِنْ قِرَاءَةِ أُبَيٍّ " (قَالَ) عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْقَارِيِّ: (ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصُلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ) أَيْ إِمَامِهِمْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِيهِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ لَا يُصَلِّي مَعَهُمْ إِمَّا لِشُغْلِهِ بِأُمُورِ النَّاسِ وَإِمَّا لِانْفِرَادِهِ بِنَفْسِهِ فِي الصَّلَاةِ (فَقَالَ عُمَرُ: نَعِمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ) وَصَفَهَا بِنِعْمَتْ لِأَنَّ أَصْلَ مَا فَعَلَهُ سُنَّةً وَإِنَّمَا الْبِدْعَةُ الْمَمْنُوعَةُ خِلَافَ السُّنَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي صَلَاةِ الضُّحَى: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٧] (سُورَةُ الْحَدِيدِ: الْآيَةَ ٢٧) وَأَمَّا ابْتِدَاعُ الْأَشْيَاءِ مِنْ عَمَلِ الدُّنْيَا فَمُبَاحٌ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: نِعْمَتِ التَّاءُ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ لِأَنَّ نِعْمَ فِعْلٌ لَا يَتَّصِلُ بِهِ إِلَّا التَّاءُ وَفِي نُسَخٍ نِعْمَهْ بِالْهَاءِ وَذَلِكَ عَلَى أُصُولِ الْكُوفِيِّينَ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ النَّاسَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ عَلَى إِمَامٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ الْبِدْعَةَ مَا ابْتَدَأَ بِفِعْلِهَا الْمُبْتَدَعِ وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ غَيْرُهُ فَابْتَدَعَهُ عُمَرُ وَتَابَعَهُ الصَّحَابَةُ وَالنَّاسُ إِلَى هَلُمَّ جَرًّا، وَهَذَا يُبَيِّنُ صِحَّةَ الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ انْتَهَى. فَسَمَّاهَا بِدَعَةً لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسُنَّ الِاجْتِمَاعَ لَهَا وَلَا كَانَتْ فِي زَمَانِ الصِّدِّيقِ وَهُوَ لُغَةً مَا أُحْدِثَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، وَتُطْلَقُ شَرْعًا عَلَى مُقَابِلِ السُّنَّةِ وَهِيَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي عَهْدِهِ ﷺ ثُمَّ تَنْقَسِمُ إِلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ، وَحَدِيثُ " «كُلُّ بِدْعَةِ ضَلَالَةٍ» " عَامٌّ مَخْصُوصٌ وَقَدْ رَغَّبَ فِيهَا عُمَرُ بُقُولِهِ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ وَهِيَ كَلِمَةٌ تَجْمَعُ الْمَحَاسِنَ كُلَّهَا، كَمَا أَنَّ بِئْسَ تَجْمَعُ الْمَسَاوِيَ كُلَّهَا، وَقَدْ قَالَ ﷺ : " «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بِعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» " وَإِذَا أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ عُمَرَ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْبِدْعَةِ. (وَالَّتِي تَنَامُونَ) بِفَوْقِيَّةٍ أَيِ الصَّلَاةَ وَتَحْتِيَّةٍ أَيِ الْفِرْقَةَ الَّتِي يَنَامُونَ (عَنْهَا أَفْضَلُ مِنْ) الصَّلَاةِ (الَّتِي تَقُومُونَ) بِفَوْقِيَّةٍ وَتَحْتِيَّةٍ أَيِ الْفِرْقَةَ الَّتِي كَسَابِقِهِ (يَعْنِي آخِرَ اللَّيْلِ) وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ آخِرَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ أَوَّلِهِ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ وَقَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] (سُورَةُ يُوسُفَ: الْآيَةَ ٩٨) أَخَّرَهُمْ إِلَى السَّحَرِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِلْإِجَابَةِ. وَيَأْتِي حَدِيثُ: " «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ» " (وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ) ثُمَّ جَعَلَهُ عُمَرُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: دَعَانِي عُمَرُ أَتَغَذَّى مَعَهُ فِي رَمَضَانَ يَعْنِي السُّحُورَ فَسَمِعَ هَيْعَةَ النَّاسِ حِينَ انْصَرَفُوا مِنَ الْقِيَامِ فَقَالَ عُمَرُ: أَمَّا إِنَّ الَّذِي بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا مَضَى مِنْهُ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قِيَامَهُمْ كَانَ أَوَّلَ اللَّيْلِ ثُمَّ جَعَلَهُ

стр. 598

عُمَرُ فِي آخِرِهِ، فَكَانَ كَذَلِكَ إِلَى زَمَنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ كَمَا يَأْتِي أَنَّهُ يَسْتَعْجِلُ الْخَدَمَ بِالطَّعَامِ مَخَافَةَ الْفَجْرِ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ بِهِ.

стр. 599

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً قَالَ وَقَدْ كَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالْمِئِينَ حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ وَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إِلَّا فِي فُرُوعِ الْفَجْرِ ـــــــــــــــــــــــــــــ ٢٥٣ - ٢٤٩ - (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ) الْكِنْدِيِّ الْمَدَنِيِّ الْأَعْرَجِ ثِقَةٌ ثَبْتٌ مَاتَ فِي حُدُودِ الْأَرْبَعِينَ، وَمِائَةٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ ثُمَامَةَ الْكِنْدِيِّ صَحَابِيٌّ لَهُ أَحَادِيثُ وَحُجَّ بِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ وَوَلَّاهُ عُمَرُ سُوقَ الْمَدِينَةِ وَمَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَقِيلَ قَبْلَهَا، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ. (أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) أَبَا الْمُنْذِرِ سَيِّدَ الْقُرَّاءِ (وَتَمِيمًا) هُوَ ابْنُ أَوْسِ بْنِ خَارِجَةَ (الدَّيْرِيِّ) كَذَا يَرْوِيهِ يَحْيَى وَابْنُ بُكَيْرٍ وَغَيْرُهُمَا بِالتَّحْتِيَّةِ بَعْدَ الدَّالِ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْقَعْنَبِيُّ وَالْأَكْثَرُ الدَّارِيُّ بِأَلِفٍ بَعْدِ الدَّالِ وَكِلَاهُمَا صَوَابٌ لِاجْتِمَاعِ الْوَصْفَيْنِ فِيهِ، فَبِالْيَاءِ نِسْبَةٌ إِلَى دَيْرٍ كَانَ فِيهِ تَمِيمٌ قَبْلَ إِسْلَامِهِ وَقِيلَ إِلَى قَبِيلَةٍ وَهُوَ بَعِيدٌ شَاذٌّ، وَبِالْأَلْفِ نِسْبَةٌ إِلَى جَدِّهِ الْأَعْلَى الدَّارِ بْنِ هَانِي عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقِيلَ: إِلَى دَارِينَ مَكَانٌ عِنْدَ الْبَحْرِينِ، قَالَ فِي الْمَطَالِعِ: وَلَيْسَ فِي الْمُوَطَّأِ وَالصَّحِيحَيْنِ دَارِيٌّ وَلَا دَيْرِيٌّ إِلَّا تَمِيمٌ، وَيُكَنَّى أَبَا رُقَيَّةَ بِقَافٍ مُصَغَّرُ صَحَابِيٌّ شَهِيرٌ أَسْلَمَ سَنَةَ تِسْعٍ وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ سَكَنَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ. (أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) قَالَ الْبَاجِيُّ: لَعَلَّ عُمَرَ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ صَلَاتِهِ فِي رَمَضَانَ فَقَالَتْ: " «مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَنْ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» ". وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رَوَى غَيْرُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ فِيهِ إِحْدَى عَشْرَةَ إِلَّا مَالِكًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَوَّلًا ثُمَّ خَفَّفَ عَنْهُمْ طُولَ الْقِيَامِ وَنَقَلَهُمْ إِلَى إِحْدَى وَعِشْرِينَ إِلَّا أَنَّ الْأَغْلَبَ عِنْدِي أَنَّ قَوْلَهَ: إِحْدَى عَشْرَةَ وَهْمٌ انْتَهَى. وَلَا وَهْمَ مَعَ أَنَّ الْجَمْعَ بِالِاحْتِمَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ قَرِيبٌ وَبِهِ جَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ: إِنَّ مَالِكًا انْفَرَدَ بِهِ لَيْسَ كَمَا قَالَ فَقَدْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ فَقَالَ: إِحْدَى عَشْرَةَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ عُرْوَةَ: " أَنَّ عُمَرَ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَكَانَ يُصَلِّي بِالرِّجَالِ وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ يُصَلِّي بِالنِّسَاءِ " وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْ عُرْوَةَ فَقَالَ: بَدَلَ تَمِيمٍ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَ الْحَافِظُ: وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي وَقْتَيْنِ. (قَالَ) السَّائِبُ (وَقَدْ كَانَ الْقَارِيُّ يَقْرَأُ بِالْمِئِينَ)

стр. 600

بِكَسْرِ الْمِيمِ وَقَدْ تُفْتَحُ وَالْكَسْرُ أَنْسَبُ بِالْمُفْرَدِ وَهُوَ مِائَةٌ وَكَسْرُ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانُ التَّحْتِيَّةِ أَيِ السُّوَرِ الَّتِي تَلِي السَّبْعَ الطُّوَلَ أَوِ الَّتِي أَوَّلُهَا مَا يَلِي الْكَهْفَ لِزِيَادَةِ كُلٍّ مِنْهَا عَلَى مِائَةِ آيَةٍ أَوِ الَّتِي فِيهَا الْقَصَصُ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. (حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ) بِنُونٍ (عَلَى الْعِصِيِّ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ عَصَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَعِصِيَّهُمْ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: الْآيَةَ ٤٤) وَفِي نُسْخَةٍ: حَتَّى يَعْتَمِدَ بِتَحْتِيَّةِ وَإِسْقَاطِ لَفَظِ كُنَّا أَيِ الْقَارِيُّ فَعَلَى الْعَصَا بِالْإِفْرَادِ (مِنْ طُولِ الْقِيَامِ) لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي النَّافِلَةِ لِطُولِ الْقِيَامِ عَلَى حَائِطٍ أَوْ عَصًا جَائِزٌ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ بِخِلَافِ الْفَرْضِ. (وَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إِلَّا فِي بُزُوغِ الْفَجْرِ) قَالَ الْبَاجِيُّ: هِيَ أَوَائِلُهُ وَأَوَّلُ مَا يَبْدُو مِنْهُ.
следующие страницы →