Полный текст (4 163 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
لَا يَحْجِزُهُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ إِلَّا الْجَنَابَةُ» " وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَشَذَّ قَوْمٌ فَأَجَازُوا قِرَاءَتَهُ لِلْجُنُبِ وَهُمْ مَحْجُوبُونَ بِالسُّنَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَنْ كَرِهَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ لِأَنَّهُ ﷺ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَاتِ بَعْدَ قِيَامِهِ مِنَ النَّوْمِ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنَيِّرِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ نَوْمَهُ نَاقِضٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ: " «إِنْ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» " وَأَمَّا وُضُوءُهُ عَقِبَهُ فَلَعَلَّهُ تَجْدِيدٌ أَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ فَتَوَضَّأَ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ تَعَقُّبٌ جَيِّدٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَوْلِ ابْنِ بَطَّالٍ بَعْدَ قِيَامِهِ مِنَ النَّوْمِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنَّهُ أَحْدَثَ فِي النَّوْمِ، لَكِنْ لَمَّا عَقَّبَ ذَلِكَ بِالْوُضُوءِ كَانَ ظَاهِرًا فِي أَنَّهُ أَحْدَثَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ نَوْمِهِ لَا يَنْقُضُ وُضُوءَهُ أَنْ لَا يَقَعَ مِنْهُ حَدَثٌ وَهُوَ نَائِمٌ، نَعَمْ خُصُوصِيَّتُهُ أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ شَعَرَ بِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَمَا ادَّعُوهُ مِنَ التَّجْدِيدِ وَغَيْرِهِ الْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَقَدْ سَبَقَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى مَعْنَى مَا ذَكَرَ ابْنُ الْمُنَيِّرِ.
(ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقٍ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ النُّونِ قِرْبَةٌ خَلِقَةٌ مِنْ أَدَمٍ، وَذَكَرَ الْوَصْفَ بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ أَوِ الْأَدَمِ أَوِ الْجِلْدِ أَوِ السِّقَاءِ أَوِ الْوِعَاءِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُعَلَّقَةٍ بِتَأْنِيثِ الْوَصْفِ لِإِرَادَةِ الْقِرْبَةِ (فَتَوَضَّأَ مِنْهُ) أَيِ الشَّنِّ، وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْهَا أَيِ الْقِرْبَةِ، وَلِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ كُرَيْبٍ: " «ثُمَّ اسْتَفْرَغَ مِنَ الشَّنِّ فِي إِنَاءٍ ثُمَّ تَوَضَّأَ» " وَفِيهِ جَوَازُ الِاغْتِرَافِ مِنَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ لِأَنَّ الْإِنَاءَ الْمَذْكُورَ كَانَ قَصْعَةً أَوْ صَحْفَةً.
( «فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ» ) أَيْ أَتَمَّهُ بِأَنْ أَتَى بِمَنْدُوبَاتِهِ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ: «فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ» .
وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ كُرَيْبٍ: «فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا» .
وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِرِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ وُضُوءَيْنِ لَمْ يُكْثِرْ وَقَدْ أَبْلَغَ» .
وَلِمُسْلِمٍ: «فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ وَلَمْ يَمَسَّ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا قَلِيلًا وَزَادَ فِيهَا: فَتَسَوَّكَ» .
(ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي) وَلِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ: " «ثُمَّ أَخَذَ بَرْدًا لَهُ حَضْرَمِيًّا فَتَوَشَّحَهُ ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ فَقَامَ يُصَلِّي» " (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ» ) يَقْتَضِي أَنَّهُ صَنَعَ جَمِيعَ مَا ذَكَرَ مِنَ الْقَوْلِ وَالنَّظَرِ وَالْوُضُوءِ وَالسِّوَاكِ وَالتَّوَشُّحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْأَغْلَبِ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِطْلَاقِ الْمِثْلِيَّةِ الْمُسَاوَاةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَزَادَ سَلَمَةُ عَنْ كُرَيْبٍ فِي الدَّعَوَاتِ مِنَ الْبُخَارِيِّ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ: " «فَقُمْتُ فَتَمَطَّيْتُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَى أَنِّي كُنْتُ أَرْقُبُهُ» " وَكَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ عَمَلِهِ لِمَا جَرَى مِنْ عَادَتِهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ بَعْضَ الْعَمَلِ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ ( «ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ» ) أَيِ الْأَيْسَرِ وَظَاهِرُهُ الْمُسَاوَاةُ ( «فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي» ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يَعْنِي أَنَّهُ أَدَارَهُ فَجَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ، وَهَذَا ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ مَالِكٌ وَفِي مُسْلِمٍ: " «فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَدَارَنِي مِنْ خَلْفِهِ حَتَّى جَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ» "
стр. 632
( «وَأَخَذَ بِأُذُنِي» ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْمُعْجَمَةِ (الْيُمْنَى) حَالَ كَوْنِهِ (يَفْتِلُهَا) أَيْ يُدَلِّكُهَا زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: " «فَعَرَفْتُ أَنَّهُ إِنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ لِيُؤَنِّسَنِي بِيَدِهِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ» ".
وَلِمُسْلِمٍ: " «فَجَعَلْتُ إِذَا أَغْفَيْتُ أَخَذَ بِشَحْمَةِ أُذُنِي» " وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَخْذَ الْأُذُنِ إِنَّمَا كَانَ حَالَ إِدَارَتِهِ لَهُ مِنَ الْيَسَارِ إِلَى الْيَمِينِ مُتَمَسِّكًا بِرِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ بِلَفْظِ: " «فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ» " لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِدَارَتِهِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ أَنْ لَا يَعُودُ إِلَى مَسْكِ أُذُنِهِ لِمَا ذُكِرَ مِنْ تَأْنِيسِهِ وَإِيقَاظِهِ لِأَنَّ حَالَهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِصِغَرِ سِنِّهِ، وَفِيهِ جَوَازُ فَتْلِ أُذُنِ الصَّغِيرِ وَإِيقَاظِهِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمُتَعَلِّمَ إِذَا تُعُوهِدَ فَتْلَ أُذُنِهِ كَانَ أَدْعَى لِفَهْمِهِ، وَفِيهِ أَنَّ قَلِيلَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُهَا.
( «فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ» ) ذَكَرَهَا سِتَّ مَرَّاتٍ فَالْجُمْلَةُ ثِنْتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ قَالَ: «يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» .
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ التَّصْرِيحُ بِالْفَصْلِ أَيْضًا وَأَنَّهُ اسْتَاكَ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ (ثُمَّ أَوْتَرَ) بِوَاحِدَةٍ، وَلِلْبُخَارِيِّ: فَتَنَامَتْ، وَلِمُسْلِمٍ: «فَتَكَامَلَتْ صَلَاتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً» وَلِلْبُخَارِيِّ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ كُرَيْبٍ: فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً (ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ) بِلَالٌ كَمَا فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ، وَلَهُ فِي أُخْرَى: ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) الْفَجْرَ قَبْلَ الصُّبْحِ (ثُمَّ خَرَجَ) مِنَ الْحُجْرَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ (فَصَلَّى الصُّبْحَ) بِالْجَمَاعَةِ، وَاتَّفَقَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ كُرَيْبٍ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً وَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ.
وَفِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ عَنْهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: «فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ» فَخَالَفَ شَرِيكٌ الْأَكْثَرَ، وَرِوَايَتُهُمْ مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَتِهِ لِمَا مَعَهُمْ مِنَ الزِّيَادَةِ وَلِكَوْنِهِمْ أَحْفَظَ مِنْهُ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمُ الزِّيَادَةَ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَشَاءِ وَبُعْدُهُ لَا يَخْفَى لَا سِيَّمَا مَعَ رِوَايَةِ حَدِيثِ الْبَابِ، وَحَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ أَخَّرَهُمَا حَتَّى اسْتَيْقَظَ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْمِنْهَالِ الْآتِيَةِ قَرِيبًا وَاخْتُلِفَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَيْضًا، فَلِلْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ عَنْهُ: " «فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ صَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ» " وَحَمَلَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ عَلَى سُنَّةِ الْعِشَاءِ لِوُقُوعِهَا قَبْلَ النَّوْمِ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ هُوَ مِنْ طَرِيقِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: " «فَصَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بَعْدَهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُهُ ثُمَّ انْصَرَفَ» " فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ صَلَّى الْأَرْبَعَ فِي الْمَسْجِدِ لَا فِي الْبَيْتِ.
وَرِوَايَةُ ابْنِ جُبَيْرٍ أَيْضًا تَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَى خَمْسِ رَكَعَاتٍ بَعْدَ النَّوْمِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَظَهَرَ لِي مِنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى مَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ، وَيُوَضِّحُ أَنَّ رِوَايَةَ الْحَكَمِ وَقَعَ فِيهَا
стр. 633
تَقْصِيرٌ فَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: " «فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى صَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ لَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُنَّ» " فَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ رِوَايَتَيْ سَعِيدٍ وَكُرَيْبٍ، وَأَمَّا مَا فِيهِمَا مِنَ الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ فَرِوَايَةُ سَعِيدٍ صَرِيحَةٌ فِي الْوَصْلِ وَرِوَايَةُ كُرَيْبٍ مُحْتَمَلَةٌ فَتُحْمَلُ عَلَى رِوَايَةِ سَعِيدٍ.
وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ: " «يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» " يُحْتَمَلُ تَخْصِيصُهُ بِالثَّمَانِ فَيُوَافِقُ رِوَايَةَ سَعِيدٍ وَيُوَافِقُهُ رِوَايَةُ يَحْيَى الْجَزَّارُ الْآتِيَةُ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طَرِيقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ عَنْهُ لَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا، وَمَنْ ذَكَرَ الْعَدَدَ مِنْهُمْ لَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَلَمْ يَنْقُصْ عَنْ إِحْدَى عَشْرَةَ، إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَا يُخَالِفُهُمْ فَإِنَّ فِيهِ: «فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِسِتِّ رَكَعَاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ يَعْنِي آخِرَ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ أَوْتَرَ فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ» ، فَزَادَ عَلَى الرُّوَاةِ تَكْرَارَ الْوُضُوءِ وَمَا مَعَهُ وَنَقَصَ عَنْهُمْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا وَلَمْ يَذْكُرْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَيْضًا، وَأَظُنُّ ذَلِكَ مِنَ الرَّاوِي عَنْهُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ فَإِنَّ فِيهِ مَقَالًا، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْأَرْبَعَ كَمَا لَمْ يَذْكُرِ الْحَكَمَ الثَّمَانِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا الْفَجْرُ فَقَدْ ثَبَتَ ذِكْرُهُ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ قِصَّةَ مَبِيتِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ اتِّحَادُهَا فَيَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الرِّوَايَاتِ فِيهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَخْذَ بِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَالْأَحْفَظُ أَوْلَى مِمَّا خَالَفَهُمْ فِيهِ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ وَلَا سِيَّمَا إِنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ وَالْمُحَقَّقُ مِنْ عَدَدِ صَلَاتِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ.
وَأَمَّا رِوَايَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ سُنَّةَ الْعِشَاءِ، وَيُوَافَقُ ذَلِكَ رِوَايَةَ أَبِي جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: " «كَانَتْ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَ عَشْرَةَ» " يَعْنِي بِاللَّيْلِ وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ سُنَّةُ الْفَجْرِ مِنْهَا أَوْ لَا، وَبَيَّنَهَا يَحْيَى الْجَزَّارُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ: " «كَانَ يُصَلِّي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ وَيُوتِرُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ» " وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا الْجَمْعِ إِلَّا ظَاهِرُ سِيَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ، فَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ أَيْ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ وَيَكُونُ مِنْهَا سُنَّةُ الْعِشَاءِ.
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ. . . . . إِلَخْ، أَيْ بَعْدَ أَنْ قَامَ.
وَجَمَعَ الْكِرْمَانِيُّ بَيْنَ مُخْتَلِفِ رِوَايَاتِ قِصَّةِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذِهِ بِاحْتِمَالِ أَنَّ بَعْضَ رُوَاتِهِ ذَكَرَ الْقَدْرَ الَّذِي اقْتَدَى ابْنُ عَبَّاسٍ بِهِ وَفَصَلَهُ عَمَّا لَمْ يَقْتَدِ بِهِ فِيهِ، وَبَعْضُهُمْ ذَكَرَ الْجَمِيعَ مُجْمَلًا، كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي، وَلَا يَخْفَى مَا فِي جَمْعِهِ هُوَ مِنَ التَّكَلُّفِ الْبَعِيدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَعَنِ الْقَعْنَبِيِّ وَقُتَيْبَةَ وَالتِّنِّيسِيِّ وَمِنْ طَرِيقِ مَعْنٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى السَّبْعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
стр. 634
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ «لَأَرْمُقَنَّ اللَّيْلَةَ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَتَوَسَّدْتُ عَتَبَتَهُ أَوْ فُسْطَاطَهُ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ثُمَّ أَوْتَرَ فَتِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢٦٨ - ٢٦٥
стр. 635
- (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ قَاضِيهَا الثِّقَةِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ وَلَهُ سَبْعُونَ سَنَةً.
(عَنْ أَبِيهِ) أَبِي بَكْرٍ اسْمُهُ وَكُنْيَتُهُ وَاحِدٌ، وَقِيلَ: يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ ثِقَةٌ عَابِدٌ تَقَدَّمَا غَيْرَ مَرَّةٍ.
(أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ الثَّانِيَةِ ابْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْمُطَّلِبِيُّ قَالَ الْعَسْكَرِيُّ: إِنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ .
وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَالْبَغَوِيُّ وَابْنُ شَاهِينَ فِي الصَّحَابَةِ.
وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ حِبَّانَ فِي كِبَارِ التَّابِعِينَ وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ، رَوَى هُوَ عَنْ أَبِيهِ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ، وَعَنْهُ ابْنَاهُ مُحَمَّدٌ وَالْمُطَّلِبُ وَإِسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ وَالِدُ مُحَمَّدٍ صَاحِبِ السِّيرَةِ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَعَمِلَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ عَلَى الْعِرَاقِ وَاسْتَقْضَاهُ الْحَجَّاجُ عَلَى الْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ.
(أَخْبَرَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ) الْمَدَنِيِّ صَحَابِيٌّ شَهِيرٌ، مَاتَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ وَلَهُ خَمْسٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً.
(أَنَّهُ قَالَ) هَذَا هُوَ الصَّوَابُ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: لَأَرْمُقَنَّ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَهُوَ خَطَأٌ وَأَبُو أُوَيْسٍ كَثِيرُ الْوَهْمِ فَسَقَطَ مِنْهُ الصَّحَابِيُّ، وَسَمَاعُ أَبِي أُوَيْسٍ كَانَ مَعَ مَالِكٍ، فَالْعُمْدَةُ عَلَى رِوَايَةِ مَالِكٍ وَهِيَ الصَّوَابُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُ قَالَ: (لَأَرْمُقَنَّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَالنُّونِ الثَّقِيلَةِ وَأَصْلُهُ النَّظَرُ إِلَى الشَّيْءِ شَزْرًا نَظَرَ الْعَدَاوَةِ، وَاسْتُعِيرَ هُنَا لِمُطْلِقِ النَّظَرِ وَعَدَلَ عَنِ الْمَاضِي فَلَمْ يَقُلْ رَمَقْتُ اسْتِحْضَارًا لِتِلْكَ الْحَالَةِ الْمَاضِيَةِ لِيُقَرِّرَهَا لِلسَّامِعِ أَبْلَغَ تَقْرِيرَ أَيْ لَأَنْظُرَنَّ ( «اللَّيْلَةَ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَتَوَسَّدْتُ عَتَبَتَهُ» ) أَيْ عَتَبَةَ بَابِهِ أَيْ جَعَلْتُهَا كَالْوِسَادَةِ بِوَضْعِ رَأْسِي عَلَيْهَا (أَوْ فُسْطَاطَهُ) بِضَمِّ الْفَاءِ بَيْتٌ مِنَ الشَّعَرِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَالْخَبَرُ بِالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ أَشْبَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حِينَ سَمِعَهُ قَامَ يُصَلِّي لَا قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنَ التَّجَسُّسِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَأَمَّا تَرَقُّبُهُ لِلصَّلَاةِ فَمَحْمُودٌ.
( «فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ» ) كَذَا فِي رِوَايَةِ يَحْيَى ثَلَاثًا، وَسَائِرُ أَصْحَابِ الْمُوَطَّأِ قَالُوا ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ، يَعْنِي
стр. 636
بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي طُولِهِمَا، كَذَا قَالَ الْبَاجِيُّ.
وَالَّذِي قَالَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّ يَحْيَى قَالَ طَوِيلَتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَغَيْرَهُ يَقُولُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَهُوَ الصَّوَابُ فَإِنَّهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ثَلَاثًا.
( «ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا» ) يَعْنِي فِي الطُّولِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يُتَابِعْ يَحْيَى عَلَى هَذَا أَحَدٌ مِنَ الرُّوَاةِ، وَالَّذِي فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ فَأَسْقَطَ يَحْيَى ذِكْرَ الرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ وَذَلِكَ خَطَأٌ وَاضِحٌ، لِأَنَّ الْمَحْفُوظَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَغَيْرِهِ كَعَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ يَفْتَتِحُ صَلَاةَ اللَّيْلِ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، وَقَالَ أَيْضًا طَوِيلَتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَغَيْرُهُ يَقُولُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَوَهِمَ يَحْيَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَذَلِكَ مِمَّا عُدَّ عَلَيْهِ مِنْ سَقْطِهِ وَغَلَطِهِ وَالْغَلَطُ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ.
(ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا) فِي الطُّولِ، (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا) فَذَكَرَهُمَا سِتَّ مَرَّاتٍ أُولَاهُمَا خَفِيفَتَيْنِ عَلَى الصَّوَابِ ثُمَّ التَّالِيَةُ أَطُولُهَا ثُمَّ الْأَرْبَعُ الَّتِي بَعْدَهَا كُلُّ رَكْعَتَيْنِ أَقْصَرُ مِمَّا قَبْلَهُمَا.
(ثُمَّ أَوْتَرَ) بِوَاحِدَةٍ (فَتِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) ذَكَرَ ذَلِكَ مَعَ اسْتِفَادَتِهِ مِنَ الْعَدِّ لِئَلَّا يَسْقُطَ رَكْعَتَانِ مَثَلًا، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَعْنٍ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ كُلُّهُمْ مِثْلُ رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ عَنْهُ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَوْلُهُ: «فَتَوَسَّدْتُ عَتَبَتَهُ أَوْ فُسْطَاطَهُ» .
стр. 637
[بَاب الْأَمْرِ بِالْوِتْرِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
- بَابُ الْأَمْرِ بِالْوِتْرِ
اخْتُلِفَ فِيهِ فِي سَبْعَةِ أَشْيَاءَ: فِي وُجُوبِهِ وَعَدَدِهِ وَاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهِ وَاخْتِصَاصِهِ بِقِرَاءَةٍ وَاشْتِرَاطِ شَفْعٍ قَبْلَهُ وَفِي آخِرِ وَقْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي السَّفَرِ عَلَى الدَّابَّةِ، قَالَهُ ابْنُ التِّينِ.
زَادَ غَيْرُهُ: وَفِي قَضَائِهِ وَالْقُنُوتِ فِيهِ وَفِي مَحَلِّ الْقُنُوتِ مِنْهُ وَفِيمَا يُقَالُ فِيهِ وَفِي فَصْلِهِ وَوَصْلِهِ وَهَلْ يُسَنُّ رَكْعَتَانِ بَعْدَهُ وَفِي صَلَاتِهِ عَنْ قُعُودٍ، لَكِنَّ هَذَا الْأَخِيرَ يَنْبَنِي عَلَى كَوْنِهِ مَنْدُوبًا أَمْ لَا، وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ أَيْضًا، وَفِي أَنَّهُ أَفْضَلُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ أَوِ الرَّوَاتِبَ أَفْضَلُ مِنْهُ أَوْ خُصُوصِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ.
٢٦٩ - ٢٦٦ ٣
стр. 638
- (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) وَكِلَاهُمَا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي إِسْنَادِهِ إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ نَافِعًا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ أَخْبَرَاهُ كَذَا فِي الْمُوَطَّآتِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ وَأَوْرَدَهُ الْبَاقُونَ بِالْعَنْعَنَةِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الصَّغِيرِ أَنَّهُ ابْنُ عُمَرَ لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّائِلِ، الْحَدِيثَ وَفِيهِ: ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِ الْحَوَلِ وَأَنَا بِذَلِكَ الْمَكَانِ مِنْهُ فَمَا أَدْرِي أَهُوَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ» ؟ وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ السَّائِلَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ.
وَلِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْوِتْرِ وَهُوَ كِتَابٌ نَفِيسٌ فِي مُجَلَّدٍ مِنْ رِوَايَةِ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْمَعَ بِتَعَدُّدِ مَنْ سَأَلَ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ) وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ: كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟» (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى) أَيِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ لَا يَنْصَرِفُ لِتَكْرَارِ الْعَدْلِ فِيهِ قَالَهُ الْكَشَّافُ، وَقَالَ آخَرُونَ: لِلْعَدْلِ وَالْوَصْفِ وَإِعَادَةُ مَثْنَى مُبَالَغَةً فِي التَّأْكِيدِ، وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: مَا مَثْنَى مَثْنَى؟ قَالَ: يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى مَثْنَى يَتَشَهَّدُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ، وَتَفْسِيرُهُ هُوَ الْمُتَبَادِرُ إِلَى الْفَهْمِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي الرُّبَاعِيَّةِ مَثَلًا أَنَّهَا مَثْنَى، وَتَبَيَّنَ مِنَ الْجَوَابِ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ عَدَدِهَا أَوْ عَنِ الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ، وَلِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُصَلِّيَ مِنَ اللَّيْلِ» ؟ وَقَوْلُ ابْنِ بَزِيزَةَ: جَوَابُهُ بِقَوْلِهِ مَثْنَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ السَّائِلَ طَلَبَ كَيْفِيَّةَ الْعَدَدِ لَا مُطْلَقَ الْكَيْفِيَّةِ فِيهِ نَظَرٌ، وَأَوْلَى مَا فُسِّرَ بِهِ الْحَدِيثُ مِنَ الْحَدِيثِ وَفِيهِ تَعَيُّنُ الْفَصْلِ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهُوَ ظَاهِرٌ لِحَصْرِ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لِبَيَانِ الْأَفْضَلِ لِمَا صَحَّ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ بِخِلَافِهِ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَيْضًا كَوْنُهُ كَذَلِكَ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِلْإِرْشَادِ إِلَى الْأَخَفِّ، إِذِ السَّلَامُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ أَخَفُّ عَلَى الْمُصَلِّي مِنْ أَرْبَعٍ فَمَا فَوْقَهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الرَّاحَةِ غَالِبًا وَقَضَاءِ مَا يَعْرِضُ مِنْ أَمْرٍ مُهِمٍّ، وَلَوْ كَانَ الْوَصْلُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَقَطْ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ ﷺ وَمَنِ ادَّعَى اخْتِصَاصَهُ بِهِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ الْفَصْلُ كَمَا صَحَّ عَنْهُ الْوَصْلُ، فَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ: " «كَانَ ﷺ -
стр. 639
يُصَلِّي مَا بَيْنَ أَنْ يَفْرَغَ مِنَ الْعَشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» " وَاحْتُجَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ أَنْ تَكُونَ أَرْبَعًا وَهُوَ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ وَإِسْحَاقَ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الرَّاجِحِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْأَخْذِ بِهِ فَلَيْسَ بِمُنْحَصِرٍ فِي الْأَرْبَعِ وَبِأَنَّهُ خَرَجَ جَوَابًا لِلسُّؤَالِ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَيَّدَ الْجَوَابَ بِذَلِكَ مُطَابَقَةً لِلسُّؤَالِ وَبِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ حُكْمَ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ حُكْمُ الْمَنْطُوقِ بِهِ، فَفِي السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» " لَكِنْ تُعُقِّبَ هَذَا الْأَخِيرُ بِأَنَّ أَكْثَرَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ أَعَلُّوا زِيَادَةَ وَالنَّهَارِ بِأَنَّ الْحُفَّاظَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عُمَرَ لَمْ يَذْكُرُوهَا، وَحَكَمَ النَّسَائِيُّ عَلَى رَاوِيهَا بِأَنَّهُ أَخْطَأَ فِيهَا، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: مَنْ عَلِيٌّ الْأَزْدِيُّ حَتَّى أَقْبَلَ مِنْهُ وَأَدَعَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَطَوَّعُ بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ، وَإِذَا كَانَ حَدِيثُ الْأَزْدِيِّ صَحِيحًا لَمَا خَالَفَهُ ابْنُ عُمَرَ يَعْنِي مَعَ شِدَّةِ اتِّبَاعِهِ، رَوَاهُ عَنْهُ مُضَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي سُؤَالَاتِهِ، لَكِنْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» " مَوْقُوفٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِهِ فَلَعَلَّ الْأَزْدِيَّ اخْتَلَطَ عَلَيْهِ الْمَوْقُوفُ بِالْمَرْفُوعِ فَلَا تَكُونُ زِيَادَتُهُ صَحِيحَةً عَلَى رَأْيِ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي الصَّحِيحِ أَنْ لَا يَكُونُ شَاذًّا.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا أَرْبَعًا وَهَذَا مُوَافِقٌ لِنَقْلِ ابْنِ مَعِينٍ.
(فَإِذَا خَشِيَ أَحَدَكُمُ الصُّبْحَ) أَيْ فَوَاتَ صَلَاتِهِ (صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً) وَلِلشَّافِعِيِّ وَابْنِ وَهْبٍ وَمَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ثَلَاثَتِهِمْ عَنْ مَالِكٍ: «فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً» ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ هَكَذَا بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَكَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ فَارْكَعْ رَكْعَةً» " وَفِيهِ أَنَّ الْوِتْرَ وَاحِدَةٌ وَأَنَّ فَصْلَهُ أَوْلَى مِنْ وَصْلِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا لِاحْتِمَالِ أَنَّ مَعْنَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٌ مُضَافَةٌ إِلَى رَكْعَتَيْنِ مِمَّا مَضَى وَبُعْدُهُ لَا يَخْفَى ( «تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» ) مِنَ النَّفْلِ فَفِيهِ أَنَّ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ هِيَ الْوِتْرُ وَأَنَّ كُلَّ مَا تَقَدَّمَهَا شَفْعٌ، وَسَبْقُ الشَّفْعِ شَرْطٌ فِي الْكَمَالِ لَا فِي صِحَّةِ الْوِتْرِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ خِلَافًا لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ شَرْطُ صِحَّةٍ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ أَوْتَرُوا بِوَاحِدَةٍ دُونَ تَقَدُّمِ نَفْلٍ قَبْلَهَا.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ عُثْمَانَ قَرَأَ الْقُرْآنَ لَيْلَةً فِي رَكْعَةٍ لَمْ يُصَلِّ غَيْرَهَا.
وَفِي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ سَعْدًا أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ، وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: إِنَّهُ فَقِيهٌ، وَفِي كُلِّ هَذَا رَدٌّ لِقَوْلِ ابْنِ التِّينِ: لَمْ يَأْخُذِ الْفُقَهَاءُ بِعَمَلِ مُعَاوِيَةَ، وَاعْتِذَارُ الْحَافِظِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ لَعَلَّهُ أَرَادَ فُقَهَاءَ الْمَالِكِيَّةِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَهُمْ صِحَّتُهُ بِرَكْعَةٍ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ لِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ تَعَيُّنِ الْوَصْلِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى ثَلَاثٍ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ مَوْصُولَةٌ حَسَنٌ جَائِزٌ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَاهُ، فَأَخَذْنَا بِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَتَرَكْنَا مَا
стр. 640
اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَتَعَقَّبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ بِمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا: " «لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ تُشْبِهُوا بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ» " وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَأَخْرَجَ هُوَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
وَأَخْرَجَ هُوَ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ كَرَاهَةَ الْوِتْرِ بِثَلَاثٍ.
وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ: وَقَالَ لَا يُشْبِهُ التَّطَوُّعُ الْفَرِيضَةَ، فَهَذَا كُلُّهُ يَقْدَحُ فِي الْإِجْمَاعِ الَّذِي زَعَمَهُ.
وَقَالَ ابْنُ نَصْرٍ: وَلِمَ نَجِدْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرًا صَحِيحًا أَنَّهُ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ مَوْصُولَةٍ، نَعَمْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ، لَكِنْ لَمْ يُبَيِّنِ الرَّاوِي هَلْ هِيَ مَوْصُولَةٌ أَوْ مَفْصُولَةٌ؟ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ عَائِشَةَ: " «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يَقْعُدُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ» " وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: " «كَانَ ﷺ يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ» ".
وَبَيَّنَ فِي عِدَّةِ طُرُقٍ أَنَّ السُّوَرَ الثَّلَاثَ لِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا لَمْ يَثْبُتَا عِنْدَ ابْنِ نَصْرٍ، وَعَلَى الثُّبُوتِ فَفَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، فَإِذَنِ النِّزَاعُ إِنَّمَا هُوَ فِي تَعَيُّنِ الثَّلَاثِ مَوْصُولَةً وَالْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ تَأْبَاهُ، وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْوِتْرِ.
وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ: " «كَانَ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ وَهُوَ جَالِسٌ» " وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَجَعَلُوا الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ: " «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» " مُخْتَصًّا بِمَنْ أَوْتَرَ آخِرَ اللَّيْلِ.
وَأَجَابَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ بِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ هُمَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ، وَحَمَلَهُ النَّوَوِيُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ فَعَلَهُ لِبَيَانِ جَوَازِ التَّنَفُّلِ بَعْدَ الْوِتْرِ وَجَوَازِ التَّنَفُّلِ جَالِسًا، وَقَدْ ذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنْ يُصَلِّيَ شَفْعًا مَا أَرَادَ وَلَا يَنْقُضُ وِتْرَهُ لِقَوْلِهِ ﷺ : " «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ.
وَأَخْرَجَ حَدِيثَ الْبَابِ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
стр. 641
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُدْعَى الْمُخْدَجِيَّ سَمِعَ رَجُلًا بِالشَّامِ يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ يَقُولُ إِنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ فَقَالَ الْمُخْدَجِيُّ فَرُحْتُ إِلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَاعْتَرَضْتُ لَهُ وَهُوَ رَائِحٌ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فَقَالَ عُبَادَةُ كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢٧٠ - ٢٦٧ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةَ وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ ابْنِ مُنْقِذٍ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ فَقِيهٌ رَوَى لَهُ الْجَمَاعَاتُ مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
(عَنْ) عَبْدِ اللَّهِ (بْنِ مُحَيْرِيزٍ) بِمِيمٍ وَمُهْمَلَةٍ وَرَاءٍ وَآخِرُهُ زَايٌ مَنْقُوطَةٌ مُصَغَّرٌ ابْنِ جُنَادَةَ بْنِ وَهْبٍ الْجُمَحِيِّ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْمِيمِ فَمُهْمَلَةٍ الْمَكِّيِّ، كَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أَبِي مَحْذُورَةَ بِمَكَّةَ ثُمَّ نَزَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، عَابِدٌ ثِقَةٌ رَوَى لَهُ السِّتَّةُ وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَقِيلَ قَبْلَهَا (أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُدْعَى الْمُخْدَجِيَّ) بِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ وَمُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا بَعْدَهَا جِيمٌ فَتَحْتِيَّةٌ آخِرُهُ مَنْسُوبٌ إِلَى
стр. 642
مُخْدَجِ بْنِ الْحَارِثِ كَذَا فِي التَّرْتِيبِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَقَبٌ وَلَيْسَ بِنَسَبٍ فِي شَيْءٍ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ قَالَ: وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُعَرَفُ بِغَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقِيلَ اسْمُهُ رُفَيْعٌ (سَمِعَ رَجُلًا بِالشَّامِ يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ) الْأَنْصَارِيَّ صَحَابِيٌّ، قَالَ فِي الْإِصَابَةِ: قِيلَ اسْمُهُ مَسْعُودُ بْنُ أَوْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَصْرَمَ، وَقِيلَ مَسْعُودُ بْنُ زَيْدِ بْنِ سَبُعٍ، وَقِيلَ اسْمُهُ قَيْسُ بْنُ عَامِرِ بْنِ الْحَارِثِ الْخَوْلَانِيُّ حَلِيفُ بَنِي حَارِثَةَ مِنَ الْأَوْسِ، وَقِيلَ مَسْعُودُ بْنُ يَزِيدَ عِدَادُهُ فِي الشَّامِيِّينَ وَسَكَنَ دَارِيَّا، وَقِيلَ اسْمُهُ سَعْدُ بْنُ أَوْسٍ، وَقِيلَ قَيْسُ بْنُ عَبَايَةَ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: شَهِدَ فَتَحَ مِصْرَ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَزَعَمَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا ثُمَّ شَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ صِفِّينَ، وَفِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ لِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ عَنْ رُفَيْعٍ قَالَ: تَذَاكَرْنَا الْوِتْرَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ (يَقُولُ: إِنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ) وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَالضَّحَّاكُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمْ، وَأَخْرَجَ عَنْ مُجَاهِدٍ: الْوِتْرُ وَاجِبٌ وَلَمْ يُكْتَبْ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ أَصْبَغَ وَسَحْنُونٍ وَكَأَنَّهُمَا أَخَذَاهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: مَنْ تَرَكَهُ أُدِّبَ وَكَانَ جَرْحَةً فِي شَهَادَتِهِ، كَذَا فِي الْفَتْحِ.
وَقَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ: قَالَ سَحْنُونٌ: يُجَرَّحُ تَارِكُ الْوِتْرِ.
وَقَالَ أَصْبَغَ: يُؤَدَّبُ تَارِكُهُ فَجَعَلَاهُ وَاجِبًا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْقَوْلُ بِأَنَّ الْوِتْرَ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ يَكَادُ يَكُونُ إِجْمَاعًا لِشُذُوذِ الْخِلَافِ فِيهِ.
(فَقَالَ الْمُخْدَجِيُّ: فَرُحْتُ إِلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجَيِّ الْمَدَنِيِّ أَحَدِ النُّقَبَاءِ الْبَدْرِيِّ مَاتَ بِالرَّمْلَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَلَهُ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً وَقِيلَ عَاشَ إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ: كَانَ طُولُهُ عَشَرَةَ أَشْبَارٍ.
(فَاعْتَرَضْتُ) أَيْ تَصَدَّيْتُ (لَهُ) وَتَطَلَّبْتُهُ (وَهُوَ رَائِحٌ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأَخْبَرَتْهُ بِالَّذِي قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ) أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ (فَقَالَ عُبَادَةُ: كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ) قَالَ الْبَاجِيُّ: أَيْ وَهِمَ وَغَلِطَ وَالْكَذِبُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدِهَا عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ فِيمَا خَفِيَ عَلَيْهِ وَلَا إِثْمَ فِيهِ.
ثَانِيهَا: أَنْ يَعْمِدَهُ فِيمَا لَا يَحِلُّ فِيهِ الصِّدْقُ كَأَنْ يُسْأَلَ عَنْ رَجُلٍ يُرَادُ قَتْلُهُ ظُلْمًا فَيَجِبُ الْكَذِبُ وَلَا يُخْبِرُ بِمَوْضِعِهِ.
وَالثَّالِثِ: يَأْثَمُ فِيهِ صَاحَبُهُ وَهُوَ قَصْدُ الْكَذِبِ فِيمَا يَحْرُمُ فِيهِ قَصْدُهُ.
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ» ) أَيْ فَرَضَهُنَّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ عَنْ عُبَادَةَ: افْتَرَضَهُنُّ (اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ) فَأَفَادَ أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ غَيْرَهُنَّ وَمِنْهُ الْوِتْرُ (فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ) قَالَ الْبَاجِيُّ: احْتِرَازًا مِنَ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ الِاحْتِرَازَ مِنْهُ إِلَّا مَنْ
стр. 643
خَصَّهُ اللَّهُ بِالْعِصْمَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ التَّضْيِيعَ لِلصَّلَاةِ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هُنَا أَنْ لَا يُقِيمَ حُدُودَهَا مِنْ مُرَاعَاةِ وَقْتٍ وَطَهَارَةٍ وَإِتْمَامِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُصَلِّيهَا انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبَادَةَ عَنْهُ ﷺ : " «خَمْسٌ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَسُجُودَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ» (كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَدْخُلَهُ الْجَنَّةَ) مَعَ السَّابِقَيْنِ أَوْ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ عَذَابٍ، وَوَجْهُ اسْتِدْلَالِ عُبَادَةَ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ جَعْلُهُ الْعَهْدَ لِمَنْ جَاءَ بِهِنَّ فَيُفِيدُ دُخُولَهَا وَإِنْ لَمْ يَجِئْ بِغَيْرِهِنَّ وَمِنْهُ الْوِتْرُ، وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ مِنَ الْوَجْهِ الْآخَرِ عَنْ عُبَادَةَ: " «كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ» " وَالْجُمْلَةُ فِي هَذَا وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنْ يُدْخِلَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أَيْ هُوَ أَنْ. . . . . إِلَخْ، أَوْ صِفَةُ عَهْدٍ أَوْ بَدَلٌ مِنْ عَهْدٍ وَهُوَ الْأَمَانُ وَالْمِيثَاقُ وَعَهْدُ اللَّهِ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ.
(وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ) عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا ( «فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ» ) عَدْلًا ( «وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» ) بِرَحْمَتِهِ فَضْلًا، وَفِيهِ أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ لَا يَكْفُرُ وَلَا يَتَحَتَّمُ عَذَابُهُ بَلْ هُوَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ بِنَصِّ الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَجَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبَادَةَ بِنَحْوِهِ فِي أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي.
стр. 644
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ قَالَ سَعِيدٌ فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَيْنَ كُنْتَ فَقُلْتُ لَهُ خَشِيتُ الصُّبْحَ فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ «أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ فَقُلْتُ بَلَى وَاللَّهِ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢٧١ - ٢٦٨ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، وَمِنْهُمْ يَحْيَى عَلَى الصَّوَابِ وَفَتَحِ الْعَيْنَ، وَزِيَادَةُ وَاوٍ وَهْمٌ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ: هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَمْ يُوقَفْ لَهُ عَلَى اسْمِ الْقُرَشِيِّ الْعَدَوِيِّ الْمَدَنِيِّ مِنَ الثِّقَاتِ لَيْسَ لَهُ فِي الْمُوَطَّأِ وَلَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ (عَنْ سَعِيدِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ (بْنِ يَسَارٍ) بِتَحْتِيَّةٍ مُخَفَّفَ السِّينِ التَّابِعِيِّ الثِّقَةِ الْمَدَنِيِّ، اخْتُلِفَ فِي وَلَائِهِ لِمَنْ هُوَ وَقِيلَ هُوَ سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ وَلَا يَصِحُّ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ قَبْلَهَا بِسَنَةٍ رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ (أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ (بِطَرِيقِ مَكَّةَ قَالَ سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ) عَنْ مَرْكُوبِي (فَأَوْتَرْتُ) عَلَى
стр. 645
الْأَرْضِ (ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: خَشِيتُ الصُّبْحَ) أَيْ خِفْتُ طُلُوعَ الْفَجْرِ بِفَوَاتِ الْوِتْرِ، وَآخِرُ وَقْتِهِ الْمُخْتَارُ الْفَجْرُ كَصَلَاةِ اللَّيْلِ، وَآخِرُ وَقْتِهِمَا الضَّرُورِيِّ مَا لَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ (فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّهَا قُدْوَةٌ، وَفِيهِ إِرْشَادُ الْعَالَمِ لِرَفِيقِهِ مَا قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنَ السُّنَنِ، (فَقُلْتُ: بَلَى، وَاللَّهِ) فِيهِ الْحَلِفُ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي يُرَادُ تَأْكِيدُهُ (فَقَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ» ) فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِثُبُوتِ أَحْكَامِ النَّافِلَةِ فِيهِ وَهُوَ فِعْلُهُ عَلَى الْبَعِيرِ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ فِعْلَهُ عَلَى الْأَرْضِ لِتَأَكُّدِ أَمْرِهِ، فَمَنْ صَلَّى عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي اللَّيْلِ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَنْزِلَ لِلْوِتْرِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى الْفَرْضُ عَلَى الدَّوَابِّ إِلَّا فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ خَاصَّةً أَوْ غَلَبَةِ مَطَرٍ بِأَنْ كَانَ الْمَاءُ فَوْقَهُ وَتَحْتَهُ فَفِيهِ خِلَافٌ، فَلَمَّا أَوْتَرَ ﷺ عَلَى الْبَعِيرِ عُلِمَ أَنَّهُ سُنَّةٌ انْتَهَى.
لَكِنِ اسْتُشْكِلَ بِأَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ وُجُوبَ الْوِتْرِ عَلَيْهِ فَكَيْفَ صَلَّاهُ رَاكِبًا؟ وَأُجِيبُ بِأَنَّ مَحَلَّ الْوُجُوبِ بِالْحَضَرِ بِدَلِيلِ إِيتَارِهِ رَاكِبًا فِي السَّفَرِ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَالْقَائِلُ بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، قَالَ: يُحْتَمَلُ خُصُوصِيَّةً ثَانِيَةً لَهُ أَوْ أَنَّهُ تَشْرِيعٌ لِلْأُمَّةِ بِمَا يَلِيقُ بِالسُّنَّةِ فِي حَقِّهِمْ فَصَلَّاهُ عَلَى الْبَعِيرِ لِذَلِكَ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَاحْتُمِلَ الرُّكُوبُ فِيهِ لِمَصْلَحَةِ التَّشْرِيعِ وَبُعْدُهُ لَا يَخْفَى، وَالْأَوْلَى فِيهِ أَنَّ الْخَصَائِصَ لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
стр. 646
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ فِرَاشَهُ أَوْتَرَ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُوتِرُ آخِرَ اللَّيْلِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فَأَمَّا أَنَا فَإِذَا جِئْتُ فِرَاشِي أَوْتَرْتُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢٧٢ - ٢٦٩ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بِكَسْرِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا (أَنَّهُ قَالَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ (الصِّدِّيقُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ فِرَاشَهُ أَوْتَرَ) قَبْلَ أَنْ يَنَامَ (وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُوتِرُ آخِرَ اللَّيْلِ) بَعْدَ تَهَجُّدِهِ، فَفِي فِعْلَيْهِمَا إِبَاحَةُ تَقْدِيمِ الْوِتْرِ وَتَأْخِيرِهِ وَهُوَ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْوِتْرَ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَلَا وَقْتَ لَهَا مَحْدُودٌ فَاللَّيْلُ كُلُّهُ وَقْتٌ لَهُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَبْدَأَهُ مَغِيبُ الشَّفَقِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ: " «كُلَّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ ﷺ وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ» " وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهَا: " «أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ
стр. 647
وَأَوْسَطَهُ وَآخِرَهُ وَلَكِنِ انْتَهَى وِتْرُهُ حِينَ مَاتَ إِلَى السَّحَرِ» " فَيُحْتَمَلُ أَنَّ إِيتَارَهُ أَوَّلُهُ وَأَوْسَطُهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَحَيْثُ أَوْتَرَ أَوَّلَهُ لَعَلَّهُ كَانَ وَجِعًا، وَفِي وَسَطِهِ مُسَافِرًا اهـ. وَكَانَ غَالِبُ أَحْوَالِهِ وِتْرَ آخِرِ اللَّيْلِ لِمَا عُرِفَ مِنْ مُوَاظَبَتِهِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَكْثَرِ اللَّيْلِ.
(قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: فَأَمَّا أَنَا فَإِذَا جِئْتُ فِرَاشِي أَوْتَرْتُ) كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ أَخَذَ بِالْحَزْمِ وَغَلَبَةِ النَّوْمِ.
«وَأَوْصَى ﷺ أَبَا الدَّرْدَاءِ وَأَبَا ذَرٍّ وَأَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَنَامَ أَحَدُهُمْ إِلَّا عَلَى وِتْرٍ» .
وَرُوِيَ أَنَّهُ «ذَكَرَ لَهُ فِعْلَ الْعُمَرَيْنِ فَقَالَ: حَذِرَ هَذَا وَقَوِيَ هَذَا» ، يَعْنِي عُمَرَ وَلَمْ يُفَضِّلْ فِعْلَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلِكُلٍّ وَجْهٌ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَجَاءَ أَنَّهُ «قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَخَذْتَ بِالْحَزْمِ، وَلِعُمَرَ: أَخَذْتَ بِالْقُوَّةِ» ، وَلَا مُعَارَضَةَ لِهَؤُلَاءِ وَبَيْنَ قَوْلِ عَائِشَةَ: " «وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ» " لِأَنَّ الْأَوَّلَ لِإِرَادَةِ الِاحْتِيَاطِ وَالْآخَرَ لِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً وَوَثِقَ بِالِانْتِبَاهِ كَمَا وَرَدَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ أَفْضَلُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ لِمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «مَنْ طَمِعَ مِنْكُمْ أَنْ يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ وَذَلِكَ أَفْضَلُ، وَمَنْ خَافَ مِنْكُمْ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ أَوَّلِهِ» ".
стр. 648
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ الْوِتْرِ أَوَاجِبٌ هُوَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُرَدِّدُ عَلَيْهِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢٧٢ - ٢٧٠ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنِ الْوِتْرِ أَوَاجِبٌ هُوَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُرَدِّدُ عَلَيْهِ) يُكَرِّرُ السُّؤَالَ (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: يَقُولُ أَوْتَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ) فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ مَعْمُولٌ بِهَا وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا عِنْدَهُ لِأَفْصَحَ لَهُ بِوُجُوبِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: خَشِيَ ابْنُ عُمَرَ إِنْ قَالَ وَاجِبٌ يَظُنُّ السَّائِلُ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ، وَإِنْ قَالَ غَيْرَ وَاجِبٍ يَتَهَاوَنُ بِهِ وَيَتْرُكُهُ.
وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا: " «زَادَنِي رَبِّي صَلَاةً وَهِيَ الْوِتْرُ وَقْتُهَا مِنَ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» " وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
وَكَذَا فِي حَدِيثِ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ فِي السُّنَنِ وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْوِتْرِ وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي الْوُجُوبِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ بِمُوجِبَةٍ لِلْفَرْضِ كَحَدِيثِ: " «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَكُمْ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ» " وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا هُوَ لَنَا خِلَافٌ لِمَا افْتُرِضَ عَلَيْنَا وَيُصَحِّحُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةَ ٢٣٨) وَلَوْ كَانَتْ سِتًّا لَمْ يَكُنْ فِيهَا وَسَطٌ.
وَقَوْلُ الْأَعْرَابِيِّ: " «يَا رَسُولَ اللَّهِ
стр. 649
هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: " لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» " وَالْآثَارُ بِمِثْلِ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا. انْتَهَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ: " «الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يَوْتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» " وَأَعَادَ ذَلِكَ ثَلَاثًا فَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ قَبُولِهِ فَيَحْتَاجُ مَنِ احْتَجَّ بِهِ إِلَى أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ لَفْظَ حَقٍّ بِمَعْنَى وَاجِبٍ فِي عُرْفِ الشَّارِعِ، وَأَنَّ لَفْظَ وَاجِبٍ بِمَعْنَى مَا ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ.
стр. 650
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تَقُولُ مَنْ خَشِيَ أَنْ يَنَامَ حَتَّى يُصْبِحَ فَلْيُوتِرْ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ وَمَنْ رَجَا أَنْ يَسْتَيْقِظَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُؤَخِّرْ وِتْرَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢٧٢ - ٢٧١ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تَقُولُ: مَنْ خَشِيَ أَنْ يَنَامَ حَتَّى يُصْبِحَ) أَيْ يَدْخُلَ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي (فَلْيُوتِرْ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ) حَتَّى لَا يَفُوتَهُ الْوَقْتُ الِاخْتِيَارِيُّ لِلْوِتْرِ.
(وَمَنْ رَجَا) بِأَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بِعَادَتِهِ (أَنْ يَسْتَيْقِظَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُؤَخِّرْ وِتْرَهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ ﷺ فِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ وَقَالَ: " «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» "، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ وَاحْتَجَّ بِهِ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ وَرُدَّ بِأَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَكَذَا آخِرُهُ، وَبِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُهُ.
стр. 651
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ وَالسَّمَاءُ مُغِيمَةٌ فَخَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ الصُّبْحَ فَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ ثُمَّ انْكَشَفَ الْغَيْمُ فَرَأَى أَنَّ عَلَيْهِ لَيْلًا فَشَفَعَ بِوَاحِدَةٍ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا خَشِيَ الصُّبْحَ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢٧٥ - ٢٧٢ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ وَالسَّمَاءُ مُغَيِّمَةٌ) مُحِيطٌ بِهَا السَّحَابُ (فَخَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ الصُّبْحَ فَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ ثُمَّ انْكَشَفَ الْغَيْمُ فَرَأَى أَنَّ عَلَيْهِ لَيْلًا فَشَفَعَ بِوَاحِدَةٍ) قَالَ الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ مِنَ الْوَاحِدَةِ فَشَفَعَهَا بِأُخْرَى عَلَى رَأْيِ مَنْ قَالَ لَا يَحْتَاجُ فِي نِيَّةِ أَوَّلِ الصَّلَاةِ إِلَى اعْتِبَارِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَلَا اعْتِبَارِ وِتْرٍ وَلَا شَفْعٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَلَّمَ (ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا خَشِيَ الصُّبْحَ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ) رُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُسَامَةَ وَعُرْوَةَ وَمَكْحُولٍ وَعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِمَسْأَلَةِ نَقْضِ الْوِتْرِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ كَانَ يُوتِرُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ ثُمَّ إِنْ قَامَ صَلَّى وَلَمْ يَعُدِ الْوِتْرُ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَمَّارٍ وَعَائِشَةَ وَكَانَتْ تَقُولُ أَوِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ؟ إِنْكَارًا لِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عَلْقَمَةَ وَأَبِي مِجْلَزٍ
стр. 652
وَطَاوُسٍ وَالنَّخَعِيِّ، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ ﷺ : " «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» "، فَإِنْ قَالُوا: إِنْ شَفَعَهَا بِرَكْعَةٍ لَمْ يُوتِرْ وِتْرَيْنِ، قِيلَ لَهُمْ: مُحَالٌ أَنْ يَشْفَعَ رَكْعَةً قَدْ سَلَّمَ مِنْهَا وَقَامَ مُصَلِّيًا وِتْرًا عَلَى أَثَرِهَا، هَذَا مَا لَا يَصِحُّ فِي قِيَاسٍ وَلَا نَظَرٍ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَفِي فَتْحِ الْبَارِي: ذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَّا أَنَّ مَنْ أَوْتَرَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَتَنَفَّلَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ شَفْعًا مَا أَرَادَ وَلَا يَنْقُضُ وِتْرَهُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﷺ : " «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» "، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ نَقْضُ الْوِتْرِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِمَشْرُوعِيَّةِ التَّنَفُّلِ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرِ الْوِتْرِ.
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِذَا كُنْتَ لَا تَخَافُ الصُّبْحَ وَلَا النَّوْمَ فَاشْفَعْ ثُمَّ صَلِّ مَا بَدَا لَكَ ثُمَّ أَوْتِرْ وَإِلَّا فَصَلِّ عَلَى وِتْرِكَ الَّذِي كُنْتَ أَوْتَرْتَ.
وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا انْصَرَفْتُ رَكَعْتُ وَاحِدَةً، فَقِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَوْتَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ ثُمَّ قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَشَفَعْتُ حَتَّى أُصْبِحَ؟ قَالَ: لَيْسَ بِذَلِكَ بَأْسٍ.
стр. 653
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُسَلِّمُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَةِ فِي الْوِتْرِ حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢٧٦ - ٢٧٣ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُسَلِّمُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَةِ فِي الْوِتْرِ حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْوِتْرَ مَوْصُولًا، فَإِنْ عَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ فَصَلَ ثُمَّ بَنَى عَلَى مَا مَضَى، وَهَذَا دَفْعٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ الْوِتْرُ إِلَّا مَفْصُولًا.
وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزْنِيِّ قَالَ: صَلَّى ابْنُ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: يَا غُلَامُ ارْحَلْ لَنَا ثُمَّ قَامَ فَأَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ.
وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَ شَفْعِهِ وَوِتْرِهِ بِتَسْلِيمَةٍ وَأَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَفْعَلُهُ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ، وَلَمْ يَعْتَذِرِ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ إِلَّا بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ " تَسْلِيمَةٍ " أَيِ التَّسْلِيمُ فِي التَّشَهُّدِ وَلَا يَخْفَى بُعْدَ هَذَا التَّأْوِيلِ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي، وَفِي دَعْوَاهُ أَنَّ ظَاهِرَهُ وَصْلُهُ وَأَنَّ رِوَايَةَ سَعِيدٍ أَصْرَحُ فِي ذَلِكَ وَقَفَهُ، بَلْ ظَاهِرُ رِوَايَةِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ عَادَتُهُ فَصْلَهُ لِإِتْيَانِهِ بَكَانَ وَحَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَحَتَّى الْغَائِيَّةِ، نَعَمْ لَوْ عَبَّرَ بِحِينَ بَدَلِ حَتَّى لَكَانَ ذَلِكَ ظَاهِرًا، وَأَمَّا رِوَايَةُ سَعِيدٍ فَمُحْتَمَلَةٌ.
стр. 654
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَ يُوتِرُ بَعْدَ الْعَتَمَةِ بِوَاحِدَةٍ قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ عَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَنَا وَلَكِنْ أَدْنَى الْوِتْرِ ثَلَاثٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢٧٧ - ٢٧٤ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) مَالِكٍ الزُّهْرِيَّ أَحَدَ الْعَشْرَةِ (كَانَ يُوتِرُ بَعْدَ الْعَتَمَةِ) أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ (بِوَاحِدَةٍ) وَكَذَا صَحَّ عَنْ عُثْمَانَ وَمُعَاوِيَةَ وَصَوَّبَهُ ابْنُ
стр. 655
عَبَّاسٍ كَمَا مَرَّ.
(قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ عَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَنَا) بِالْمَدِينَةِ (وَلَكِنْ أَدْنَى) أَيْ أَقَلُّ (الْوِتْرِ ثَلَاثٌ) بِرَكْعَتَيِ الشَّفْعِ الْمَفْصُولَتَيْنِ مِنْهُ، فَالْمَعْنَى يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْوَاحِدَةِ الَّتِي هِيَ الْوِتْرُ دُونَ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَهَا الشَّفْعَ هَذَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ ظَاهِرِ الْمُوَطَّأِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا: " «الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ شَاءَ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ وَمَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ بِوَاحِدَةٍ» ".
стр. 656
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وِتْرُ صَلَاةِ النَّهَارِ قَالَ مَالِكٌ مَنْ أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ فَبَدَا لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ مَثْنَى مَثْنَى فَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢٧٨ - ٢٧٥ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وِتْرُ صَلَاةِ النَّهَارِ) أُضِيفَتْ إِلَيْهِ لِوُقُوعِهَا عَقِبِهِ فَهِيَ نَهَارِيَّةٌ حُكْمًا وَإِنْ كَانَتْ لَيْلِيَّةً حَقِيقَةً.
قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: سُمِّيَتِ الْمَغْرِبُ لِأَنَّهُ اسْمٌ يُشْعِرُ بِمُسَمَّاهَا وَبِابْتِدَاءِ وَقْتِهَا وَلَا يُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا الْعِشَاءَ الْأُولَى كَمَا يُقَالُ الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ، وَهَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَرْفُوعًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وِتْرُ النَّهَارِ فَأَوْتِرُوا صَلَاةَ اللَّيْلِ» "، وَلِأَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «صَلَاةُ الْمَغْرِبِ أَوْتَرَتِ النَّهَارَ فَأَوْتِرُوا صَلَاةَ اللَّيْلِ» "، قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ: وَالْحَدِيثُ سَنَدُهُ صَحِيحٌ انْتَهَى.
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا أَيْضًا لَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الصَّحِيحُ وَقْفُهُ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ: (قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ فَبَدَا لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ مَثْنَى مَثْنَى فَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ) وَلَا يُعِيدُ الْوِتْرَ لِحَدِيثِ: " «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» "، وَلِأَنَّ إِعَادَتَهُ تَصِيرُ الصَّلَاةُ كُلُّهَا شَفْعًا فَيَبْطُلُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ.
стр. 657
[بَاب الْوِتْرِ بَعْدَ الْفَجْرِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ الْبَصْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَقَدَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ لِخَادِمِهِ انْظُرْ مَا صَنَعَ النَّاسُ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ فَذَهَبَ الْخَادِمُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ قَدْ انْصَرَفَ النَّاسُ مِنْ الصُّبْحِ فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ فَأَوْتَرَ ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٤ - بَابُ الْوِتْرِ بَعْدَ الْفَجْرِ
٢٧٩ - ٢٧٦ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَبِي أُمَيَّةَ
стр. 658
الْمُعَلِّمِ (الْبَصْرِيِّ) نَزِيلُ مَكَّةَ وَبِهَا لَقَّبَهُ مَالِكٌ وَاسْمُ أَبِيهِ قِيسٌ وَقِيلَ طَارِقٌ، قَالَ فِي التَّمْهِيدِ: ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَكَانَ مُؤَدِّبَ كِتَابِ حُسْنِ السَّمْتِ غَرَّ مَالِكًا مِنْهُ سَمْتُهُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ فَيَعْرِفَهُ، كَمَا غَرَّ الشَّافِعِيَّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى حِذْقُهُ وَنَبَاهَتُهُ فَرَوَى عَنْهُ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ، مَاتَ عَبْدُ الْكَرِيمِ سَنَةَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ اهـ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ هَذَا فِي الذِّكْرِ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ اللَّيْلِ، وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ، وَأَخْرَجَ لَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيَّ إِنَّمَا رَوَى لَهُ قَلِيلًا.
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَقَدَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ لِخَادِمِهِ) : لَمْ يُسَمِّ (انْظُرْ مَا صَنَعَ النَّاسُ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ فَذَهَبَ الْخَادِمُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: قَدِ انْصَرَفَ النَّاسُ مِنَ الصُّبْحِ) أَيْ صَلَاتِهِ (فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ فَأَوْتَرَ ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ) فَفِي هَذَا أَنَّ الْوِتْرَ يُصَلَّى بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ يُصَلَّ الصُّبْحُ.
стр. 659
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَعُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَدْ أَوْتَرُوا بَعْدَ الْفَجْرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢٧٩ - ٢٧٧ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَعُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنَ رَبِيعَةَ) الْعَدَوِيَّ مَوْلَاهُمُ الْعَنْزِيُّ لَهُ رِوَايَةٌ وَأَبُوهُ عَامِرٌ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ.
(قَدْ أَوْتَرُوا بَعْدَ الْفَجْرِ) أَجْمَلَهُمْ فِي هَذَا الْبَلَاغِ، ثُمَّ أَسْنَدَ الرِّوَايَةَ عَنْ كُلٍّ إِلَّا ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّهُ قَدَّمَهُ فَوْقَهُ.
стр. 660
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ مَا أُبَالِي لَوْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَأَنَا أُوتِرُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢٨١ - ٢٧٨ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا أُبَالِي لَوْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَأَنَا أُوتِرُ) لِأَنَّهُ وَقْتٌ لَهُ ضَرُورِيٌّ.
стр. 661
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ يَؤُمُّ قَوْمًا فَخَرَجَ يَوْمًا إِلَى الصُّبْحِ فَأَقَامَ الْمُؤَذِّنُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فَأَسْكَتَهُ عُبَادَةُ حَتَّى أَوْتَرَ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ الصُّبْحَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢٨٢ - ٢٧٩
стр. 662
- (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ يَؤُمُّ قَوْمًا فَخَرَجَ يَوْمًا إِلَى الصُّبْحِ فَأَقَامَ الْمُؤَذِّنُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فَأَسْكَتَهُ عُبَادَةُ حَتَّى أَوْتَرَ ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ) أَتَى بِهَذَا بَيَانًا لِإِسْنَادِ مَا أَوْرَدَهُ قَبْلَهُ بَلَاغًا عَنْهُ.
стр. 663
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ يَقُولُ إِنِّي لَأُوتِرُ وَأَنَا أَسْمَعُ الْإِقَامَةَ أَوْ بَعْدَ الْفَجْرِ يَشُكُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَيَّ ذَلِكَ قَالَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢٨٣ - ٢٨٠ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الصِّدِّيقِ (أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ يَقُولُ: إِنِّي لَأُوتِرُ وَأَنَا أَسْمَعُ الْإِقَامَةَ) لِلصُّبْحِ (أَوْ بَعْدَ الْفَجْرِ يَشُكُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَيْ ذَلِكَ قَالَ) وَإِنِ اتَّحَدَ الْمَعْنَى.
стр. 664
وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ إِنِّي لَأُوتِرُ بَعْدَ الْفَجْرِ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا يُوتِرُ بَعْدَ الْفَجْرِ مَنْ نَامَ عَنْ الْوِتْرِ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ حَتَّى يَضَعَ وِتْرَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢٨٤ - ٢٨١ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: إِنِّي لَأُوتِرُ بَعْدَ الْفَجْرِ) وَكَذَا قَالَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَحُذَيْفَةُ وَعَائِشَةُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ لِأَنَّهُ وَقْتٌ ضَرُورِيٌّ لَهُ، خِلَافًا لِمَكْحُولٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى بَعْدَ الْفَجْرِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَا أَعْلَمُ لِمَنْ قَالَ بِصَلَاتِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ مُخَالِفًا مِنَ الصَّحَابَةِ، فَدَلَّ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ مَعْنَى حَدِيثِ: " «أَلَا لَا وِتْرَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ» " وَفِيهِ أَبُو هَارُونَ الْعَنْبَرِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِهِ مَا لَمْ تُصَلِّ الصُّبْحَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَنْ قَصَدَهُ، وَأَمَّا مَنْ قَامَ حِينَ انْفَجَرَ الصُّبْحُ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُ مَعَ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَيْسَ مِمَّنْ أُرِيدَ بِالْحَدِيثِ كَمَا (قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا يُوتِرُ بَعْدَ الْفَجْرِ) بِلَا كَرَاهَةٍ (مَنْ نَامَ عَنِ الْوِتْرِ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ حَتَّى يَضَعَ وِتْرَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ) أَيْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: " «مَنْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَلَمْ يُوتِرُ فَلَا وِتْرَ لَهُ» "، وَهَذَا مَحْمُولٌ
стр. 665
عَلَى الْمُتَعَمَّدِ أَيْ لَا وِتْرَ لَهُ كَامِلٌ لِتَفْوِيتِهِ وَقْتَهُ الِاخْتِيَارِيَّ حَتَّى أَوْقَعَهُ فِي الضَّرُورِيِّ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: " «مَنْ نَسِيَ الْوِتْرَ أَوْ نَامَ عَنْهُ فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ» " أَيْ مَا لَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ، وَشَذَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ طَاوُسٌ فَقَالُوا: يَقْضِي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ: يَقْضِي وَلَوْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ إِلَى الْغُرُوبِ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ يَقْضِي مِنَ الْقَابِلَةِ، وَقِيلَ: يَقْضِي مُطْلَقًا، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ وَمِنْهُمْ مَالِكٌ: لَا يَقْضِي بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ لَمْ نَجِدْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ قَضَى الْوِتْرَ وَلَا أَمَرَ بِقَضَائِهِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ ﷺ فِي لَيْلَةِ نَوْمِهِمْ عَنِ الصُّبْحِ فِي الْوَادِي قَضَى الْوِتْرَ فَلَمْ يُصِبْ.
стр. 666
[بَاب مَا جَاءَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ عَنْ الْأَذَانِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
- بَابُ مَا جَاءَ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ
٢٨٥ - ٢٨٢ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرِ أَنَّ) أُخْتَهُ (حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَزَوَّجَهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمَاتَتْ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ (أَخْبَرَتْهُ) فِيهِ رِوَايَةُ صَحَابِيٍّ عَنْ مِثْلِهِ وَالْأَخِ عَنْ أُخْتِهِ ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ عَنِ الْأَذَانِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ» ) زَادَ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ عَنْ مَالِكٍ: وَبَدَا الصُّبْحُ بِمُوَحَّدَةٍ بِلَا هَمْزٍ ظَهَرَ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ وَجَوَابُ إِذَا قَوْلُهُ: ( «صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» ) لِيُبَادِرَ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوَّلَ الْوَقْتِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي حِكْمَةِ تَخْفِيفِهَا وَلِيَدْخُلَ فِي الْفَرْضِ بِنَشَاطٍ تَامٍّ كَمَا قَالَ غَيْرُهُ ( «قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ» ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ أَيْ قَبْلَ قِيَامِ فَرْضِ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّ وَقْتَ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَتَقْدِيمُهُمَا أَوَّلُ الْوَقْتِ وَتَخْفِيفُهُمَا، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْكُوفِيُّونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ لِلصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْأَذَانُ الثَّانِي، وَحَدِيثُ: إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ وَعَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ، وَلِذَا لَمَّا دَخَلَ أَبُو يُوسُفَ الْمَدِينَةَ رَجَعَ عَنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ وَأَيُّوبُ كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ كَمَا قَالَ مَالِكٌ كَمَا فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا.
стр. 667
وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُخَفِّفُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ أَقَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَمْ لَا»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢٨٦ - ٢٨٣ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَذَا لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَفِيهِ سَقْطُ رَاوِيَيْنِ مِنَ الْإِسْنَادِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا (قَالَتْ: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُخَفِّفُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ» ) اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ قِرَاءَةً وَأَفْعَالًا (حَتَّى) ابْتِدَائِيَّةٌ (إِنِّي) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ (لَأَقُولُ) بِلَامِ التَّأْكِيدِ ( «أَقَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَمْ لَا» ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا شَكَّتْ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِي النَّوَافِلِ فَلَمَّا خَفَّفَ قِرَاءَةَ الْفَجْرِ صَارَ كَمَا لَمْ يَقْرَأْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ انْتَهَى.
فَلَا مُتَمَسَّكَ فِيهِ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَصْلًا، بَلْ قَوْلُ عَائِشَةَ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قِرَاءَتَهَا كَانَ أَمْرًا مُقَرَّرًا عِنْدَهُمْ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ عَنِ الْفَاتِحَةِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَطَائِفَةٍ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: يُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] لِمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ بِهِمَا.
وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ: رَمَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ شَهْرًا فَكَانَ يَقْرَأُ بِهِمَا» .
وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ بِلَا قَيْدٍ وَكَذَا الْبَزَّارُ عَنْ أَنَسٍ، وَلِابْنِ حِبَّانَ عَنْ عَائِشَةَ: " «كَانَ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَكَانَ يَقُولُ: نِعْمَ السُّورَتَانِ يُقْرَأُ بِهِمَا فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] » ".
وَفِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] » فِي الْبَقَرَةِ. وَفِي الْأُخْرَى الَّتِي فِي آلِ عِمْرَانَ، وَبِهِ وَبِمَا قَبْلَهُ اسْتَدَلَّ عَلَى الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْفَجْرِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عُرِفَ بِقِرَاءَةِ بَعْضِ السُّورَةِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ: " «كَانَ ﷺ يُسِرُّ فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ» " صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ أَنَّ إِطَالَةَ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ وَسَنَدُهُ وَاهٍ، وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ قِرَاءَتِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
стр. 668
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ «سَمِعَ قَوْمٌ الْإِقَامَةَ فَقَامُوا يُصَلُّونَ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَصَلَاتَانِ مَعًا أَصَلَاتَانِ مَعًا وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢٨٧ - ٢٨٤ - (مَالِكٌ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ الْمَدَنِيِّ، قَالَ فِي التَّمْهِيدِ: صَالِحُ الْحَدِيثِ وَهُوَ فِي عِدَادِ الشُّيُوخِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَمَاتَ
стр. 669
سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ عَنْهُ حَدِيثَانِ انْتَهَى.
وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَابْنُ الْجَارُودِ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَكَانَ يَحْيَى الْقَطَّانُ لَا يُحَدِّثُ عَنْهُ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: كَانَ يُرْمَى بِالْقَدَرِ.
وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: إِذَا رَوَى عَنْهُ ثِقَةٌ فَلَا بَأْسَ بِرِوَايَاتِهِ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ لِحَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مَوَاضِعَ شَاذَّةً.
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَ قَوْمٌ) مِنَ الصَّحَابَةِ (الْإِقَامَةَ فَقَامُوا يُصَلُّونَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ تَخْتَلِفْ رُوَاةُ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِهِ إِلَّا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ فَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أَنَسٍ، وَرَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ وَقَالَ: قَدْ رَوَى نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسٍ وَابْنُ بُحَيْنَةَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَاتِ الثَّلَاثَةِ ( «فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَصَلَاتَانِ مَعًا» ؟) لِأَنَّ الْإِقَامَةَ مِنَ الصَّلَاةِ (أَصَلَاتَانِ مَعًا) قَالَ الْبَاجِيُّ: إِنْكَارٌ وَتَوْبِيخٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَوْلُهُ ذَلِكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ: «أَتُصَلِّيهِمَا أَرْبَعًا» ؟ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ سَرْجِسٍ: «أَيَّتُهُمَا صَلَاتُكُ» ؟ كُلُّ هَذَا إِنْكَارٌ مِنْهُ لِذَلِكَ الْفِعْلِ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ شَيْئًا مِنَ النَّوَافِلِ إِذَا قَامَتِ الْمَكْتُوبَةُ.
(وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ) وَلَكِنْ لَا يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِهِمَا لِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ» " زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَدِيٍّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قِيلَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ؟ قَالَ: وَلَا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ» " وَلِذَا قَالَ مَالِكٌ: مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا يَرْكَعْهُمَا وَإِنْ لَمْ يَدْخُلِ الْمَسْجِدَ، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ رَكْعَةٍ رَكَعَهُمَا خَارِجَهُ لَا فِي أَفْنِيَتِهِ الَّتِي تُصَلَّى فِيهَا الْجُمُعَةُ، وَإِنْ خَافَ فَوَاتَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى دَخَلَ وَصَلَّى مَعَهُ ثُمَّ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الشَّمْسِ.
стр. 670
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَاتَتْهُ رَكْعَتَا الْفَجْرِ فَقَضَاهُمَا بَعْدَ أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢٨٨ - ٢٨٥ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَاتَتْهُ رَكْعَتَا الْفَجْرِ فَقَضَاهُمَا بَعْدَ أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ) وَحَلَّتِ النَّافِلَةُ.
следующие страницы →