Полный текст (4 163 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ كَانَ إِذَا مَرَّ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ يَبِيعُ فِي الْمَسْجِدِ دَعَاهُ فَسَأَلَهُ مَا مَعَكَ وَمَا تُرِيدُ فَإِنْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهُ قَالَ عَلَيْكَ بِسُوقِ الدُّنْيَا وَإِنَّمَا هَذَا سُوقُ الْآخِرَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٤٢٢ - ٤٢٤ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ كَانَ إِذَا مَرَّ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ يَبِيعُ فِي الْمَسْجِدِ دَعَاهُ فَسَأَلَهُ مَا مَعَكَ؟ وَمَا تُرِيدُ؟ فَإِنْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهُ قَالَ: عَلَيْكَ بِسُوقِ الدُّنْيَا فَإِنَّمَا هَذَا سُوقُ الْآخِرَةِ) أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] (سُورَةُ فَاطِرٍ: الْآيَةُ ٢٩) وَالصَّلَاةُ أَفْضَلُهَا وَكَذَلِكَ انْتِظَارُهَا.
قَالَ ﷺ : " «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَنْشُدُ الضَّالَّةَ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ» ".
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] (سُورَةُ النُّورِ: الْآيَةُ ٣٦) الْآيَةَ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ.
стр. 947
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَنَى رَحْبَةً فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ تُسَمَّى الْبُطَيْحَاءَ وَقَالَ مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَلْغَطَ أَوْ يُنْشِدَ شِعْرًا أَوْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ فَلْيَخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الرَّحْبَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٤٢٢ - ٤٢٥ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ) كَذَا لِيَحْيَى وَلِغَيْرِهِ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَنَى رَحْبَةً فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ تُسَمَّى الْبُطَيْحَاءَ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَمُهْمَلَةٍ؛ تَصْغِيرُ بَطْحَاءَ.
(وَقَالَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَلْغَطَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ فِيهِ جَلَبَةٌ وَاخْتِلَاطٌ وَلَا يَتَبَيَّنُ (أَوْ يُنْشِدُ شِعْرًا أَوْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَلْيَخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الرَّحْبَةِ) تَعْظِيمًا لِلْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا وُضِعَ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] (سُورَةُ النُّورِ: الْآيَةُ ٣٦) الْآيَةَ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: عَارَضَهُ بَعْضُهُمْ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ عَلَى حَسَّانَ إِنْشَادَ الشِّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ
стр. 948
فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ فِيهِ مَعَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ فَسَكَتَ عُمَرُ، وَمَحَلُّ هَذَا فِي الشِّعْرِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مُنْكَرٌ، وَحَسْبُكَ مَا يُنْشِدُهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَّا مَا فِيهِ الْفَخْرُ بِآبَاءٍ كُفَّارٍ وَالتَّشْبِيبُ بِالنِّسَاءِ أَوْ شَيْءٌ مِنَ الْخَنَا فَلَا يَجُوزُ فِي مَسْجِدٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَالْمَسْجِدُ أَوْلَى بِالتَّنْزِيهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَالشِّعْرُ كَلَامٌ مَوْزُونٌ فَحَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ: " «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةٌ» " وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ تَتَنَاشَدَ الْأَشْعَارُ فِي الْمَسْجِدِ، وَعَنِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْمَسْجِدِ، إِلَّا أَنَّ الشِّعْرَ وَإِنْ كَانَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْشَدَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا غِبًّا، لِأَنَّ إِنْشَادَ حَسَّانَ كَذَلِكَ كَانَ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: لَمَّا رَأَى عُمَرُ كَثْرَةَ جُلُوسِ النَّاسِ وَتَحَدُّثَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ وَرُبَّمَا أَخْرَجَهُمْ ذَلِكَ إِلَى اللَّغَطِ، وَرُبَّمَا أَنْشَدُوا ثَنَاءَ ذَلِكَ بَنَى الْبُطَيْحَاءَ لِيُخْلِّصَ الْمَسْجِدَ لِذِكْرِ اللَّهِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِتَنْزِيهِ الْمَسَاجِدِ لَا سِيَّمَا مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
стр. 949
[بَاب جَامِعِ التَّرْغِيبِ فِي الصَّلَاةِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ قَالَ وَذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفْلَحَ الرَّجُلُ إِنْ صَدَقَ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٢٥ - بَابُ جَامِعِ التَّرْغِيبِ فِي الصَّلَاةِ.
٤٢٥ - ٤٢٦ - (مَالِكٌ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ) بِضَمِّ السِّينِ نَافِعِ (ابْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ) مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الْأَصْبَحِيِّ (أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ابْنِ عُثْمَانَ الْقُرَشِيَّ التَّيْمِيَّ، أَحَدُ الْعَشْرَةِ (يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ بَطَّالٍ وَعِيَاضٌ وَابْنُ الْعَزْلِيِّ وَالْمُنْذِرِيُّ وَغَيْرُهُمْ: هُوَ ضَمَانُ بْنُ ثَعْلَبَةَ وَافِدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، قَالَ الْحَافِظُ: وَالْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِيرَادُ مُسْلِمٍ قِصَّتَهُ عَقِبَ حَدِيثِ طَلْحَةَ؛ وَلِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ بَدَوِيٌّ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ، لَكِنْ تَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ سِيَاقَهُمَا مُخْتَلِفٌ، وَأَسْئِلَتَهُمَا مُتَبَايِنَةٌ، قَالَ: وَدَعْوَى أَنَّهُمَا قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ دَعْوَى فَرْطٍ وَتَكَلُّفُ شَطَطٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَهُوَ كَمَا قَالَ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَهُوَ مَا ارْتَفَعَ مِنْ تِهَامَةَ إِلَى أَرْضِ الْعِرَاقِ كَمَا فِي الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ (ثَائِرُ) بِمُثَلَّثَةٍ؛ أَيْ: مُتَفَرِّقُ شَعْرِ (الرَّأْسِ) مِنْ تَرْكِ الرَّفَاهِيَةِ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قُرْبِ عَهْدِهِ بِالْوِفَادَةِ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ لِلْقَرِينَةِ الْعَقْلِيَّةِ، أَوْ أَوْقَعَ اسْمَ الرَّأْسِ عَلَى الشَّعْرِ، إِمَّا مُبَالَغَةً أَوْ لِأَنَّ الشَّعْرَ مِنْهُ يَنْبُتُ وَثَائِرٌ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ وَلَا تَضُرُّ إِضَافَتُهُ؛ لِأَنَّهَا لَفْظِيَّةٌ، قَالَ عِيَاضٌ: فِيهِ
стр. 950
أَنَّ ذِكْرَ مِثْلَ هَذَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّنْقِيصِ لَيْسَ بِغَيْبَةٍ (يُسْمَعُ) بِالْيَاءِ الْمَضْمُومَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَبِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ عَلَى الْجَمْعِ (دَوِيُّ) بِفَتْحِ الدَّالِّ وَكَسْرِ الْوَاوِ وَشَدِّ الْيَاءِ وَالرَّفْعِ أَوِ النَّصْبِ (صَوْتِهِ) قَالَ عِيَاضٌ: وَجَاءَ عِنْدَنَا فِي الْبُخَارِيِّ بِضَمِّ الدَّالِّ، وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ (وَلَا نَفْقَهُ) بِالنُّونِ وَالْيَاءِ لَا نَفْهَمُ (مَا يَقُولُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الدَّوِيُّ صَوْتٌ مُرْتَفِعٌ مُتَكَرِّرٌ لَا يُفْهَمُ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَادَى مِنْ بُعْدٍ (حَتَّى دَنَا) أَيْ: إِلَى أَنْ قَرُبَ فَهِمْنَاهُ (فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ) أَيْ: عَنْ أَرْكَانِهِ وَشَرَائِعِهِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ وَالتَّصْدِيقِ، أَوْ عَنْ حَقِيقَتِهِ، وَاسْتُبْعِدَ بِعَدَمِ الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ وَهُوَ (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :) هُنَّ (خَمْسُ صَلَوَاتٍ) أَوْ خُذْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، وَيَجُوزُ الْجَرُّ بَدَلًا مِنَ الْإِسْلَامِ، فَظَهَرَ أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ، وَوَقَعَ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ» ، وَلَيْسَتِ الصَّلَوَاتُ عَيْنَ الْإِسْلَامِ فَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: إِقَامَةُ خَمْسِ صَلَوَاتٍ (فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ) فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ غَيْرُهَا، خِلَافًا لِمَنْ أَوْجَبَ الْوِتْرَ أَوْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَوْ صَلَاةَ الضُّحَى أَوْ صَلَاةَ الْعِيدِ أَوِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّهَادَةَ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ يَعْلَمُهَا، أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَسْأَلُ عَنِ الشَّرَائِعِ الْفِعْلِيَّةِ أَوْ ذَكَرَهَا فَلَمْ يَنْقُلْهَا الرَّاوِي لِشُهْرَتِهَا.
وَأَمَّا الْحَجُّ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَرْضٌ أَوْ لِأَنَّهُ رَآهُ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ أَوِ اخْتَصَرَهُ الرَّاوِي، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ فِي الصِّيَامِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فَدَخَلَ فِيهِ بَاقِي الْمَفْرُوضَاتِ بَلْ وَالْمَنْدُوبَاتِ، كَمَا قَالَ عِيَاضٌ وَيَأْتِي رَدُّهُ (قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ) بِشَدِّ الطَّاءِ وَالْوَاوِ أَصْلُهُ تَتَطَوَّعُ فَأُدْغِمَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الطَّاءِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَاهُمَا، وَفِيهِ أَنَّ الشُّرُوعَ فِي التَّطَوُّعِ يَجِبُ إِتْمَامُهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلٌ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لِأَنَّهُ نَفْيُ وُجُوبِ شَيْءٍ آخَرَ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ وَلَا قَائِلَ بِوُجُوبِ التَّطَوُّعِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ إِلَّا أَنْ تُشْرِعَ فِي تَطَوُّعٍ فَيَلْزَمُكَ إِتْمَامُهُ.
وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّهُ مُغَالَطَةٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هُنَا مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، لِأَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يُقَالُ فِيهِ عَلَيْكَ وَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَجِبُ عَلَيْكَ شَيْءٌ إِلَّا إِنْ أَرَدْتَ أَنَّ تَطَّوَّعَ فَذَلِكَ لَكَ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يَجِبُ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ آخَرُ أَصْلًا.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: كَذَا قَالَ، وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ دَائِرٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُتَّصِلٌ تَمَسَّكَ بِالْأَصْلِ، وَمَنْ قَالَ: مُنْقَطِعٌ احْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ، وَدَلِيلُهُ مَا لِلنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَحْيَانًا يَنْوِي صَوْمَ التَّطَوُّعِ ثُمَّ يُفْطِرُ، وَفِي الْبُخَارِيِّ «أَنَّهُ أَمَرَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ أَنْ تُفْطِرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ أَنْ شَرَعَتْ فِيهِ» ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْعِبَادَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِتْمَامَ فِي الصَّوْمِ وَقِيَاسًا فِي الْبَاقِي، وَلَا يُرَدُّ
стр. 951
الْحَجُّ لِأَنَّهُ امْتَازَ عَنْ غَيْرِهِ بِالْمُضِيِّ فِي فَاسِدِهِ فَكَيْفَ فِي صَحِيحِهِ! انْتَهَى.
وَفِيهِ نَظَرٌ، فَأَمَّا أَمْرُهُ لِجُوَيْرِيَةَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا صَامَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَاحْتَاجَ لَهَا، وَأَمَّا فِعْلُهُ فَلَعَلَّهُ لِعُذْرٍ وَإِذَا احْتُمِلَ ذَلِكَ سَقَطَ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ؛ لِأَنَّ الْقِصَّتَيْنِ مِنْ وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ الَّتِي لَا عُمُومَ لَهَا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] (سُورَةُ مُحَمَّدٍ: الْآيَةُ ٣٣) وَفِي الْمُوَطَّأِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ، عَنْ عَائِشَةَ: " «أَصْبَحْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ فَأُهْدِيَتْ لَنَا شَاةٌ فَأَكَلْنَا فَدَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ» " وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ.
( «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ» ") بِالرَّفْعِ عَطَفَ عَلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ ( «قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرَهُ؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» ) فَيَلْزَمُكَ إِتْمَامُهُ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ الِاتِّصَالِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْآيَةُ أَوْ فَلَا يَلْزَمُكَ إِتْمَامُهُ إِذَا شَرَعْتَ فِيهِ عَلَى الِانْقِطَاعِ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَفِي اسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيَّةِ نَظَرٌ لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِفَرْضِيَّةِ الْإِتْمَامِ بَلْ بِوُجُوبِهِ، وَاسْتِثْنَاءُ الْوَاجِبِ مِنَ الْفَرْضِ مُنْقَطِعٌ لِتَبَايُنِهِمَا، وَأَيْضًا فَالِاسْتِثْنَاءُ عِنْدَهُمْ مِنَ النَّفْيِ لَيْسَ لِلْإِثْبَاتِ بَلْ مَسْكُوتٌ عَنْهُ.
(قَالَ) الرَّاوِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ (وَذَكَرَ) لَهُ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ) وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ قَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ فِي الْقِصَّةِ أَشْيَاءَ أُجْمِلَتْ فِيهَا بَيَانُ نَصْبِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا لَمْ تُفَسَّرْ فِي الرِّوَايَتَيْنِ.
(فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ، قَالَ) طَلْحَةُ (فَأَدْبَرَ) مِنَ الْإِدْبَارِ أَيْ: تَوَلَّى (الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ) جُمْلَةً حَالِيَّةً (وَاللَّهِ) وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ، وَفِيهِ الْحَلِفُ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ وَلَا ضَرُورَةٍ، وَجَوَازُ الْحَلِفِ فِي الْأَمْرِ الْمُهِمِّ (لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ) شَيْئًا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَفْلَحَ الرَّجُلُ " أَيْ: فَازَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] (سُورَةُ الْأَعْرَافِ: الْآيَةُ ٨) وَالْفَلَاحُ أَيْضًا الْبَقَاءُ، وَالْمُرَادُ بِهِ شَرْعًا الْبَقَاءُ فِي الْجَنَّةِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ (إِنْ صَدَقَ) فِي كَلَامِهِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَصْدُقْ فِيمَا الْتَزَمَ لَا يُفْلِحُ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِ الْمُرْجِئَةِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ أَثْبَتَ لَهُ الْفَلَاحَ بِمُجَرَّدِ مَا ذَكَرَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ جَمِيعَ الْوَاجِبَاتِ وَلَا الْمَنْهِيَّاتِ؟ وَأَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ فَرَائِضِ النَّهْيِ، وَتَعَجَّبَ الْحَافِظُ مِنْهُ لِجَزْمِهِ بِأَنَّ السَّائِلَ ضِمَامٌ وَقَدْ وَفَدَ سَنَةَ خَمْسٍ، وَقِيلَ: بَعْدَ ذَلِكَ؛ وَأَكْثَرُ الْمَنْهِيَّاتِ وَقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ، فَأَخْبَرَهُ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ،
стр. 952
وَسَبَقَهُ لِذَلِكَ عِيَاضٌ قَائِلًا: إِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تَرْفَعُ الْإِشْكَالَ، وَتَعَقَّبَهُ الْأُبِّيُّ بِرُجُوعِ لَفْظِ شَرَائِعَ إِلَى مَا ذَكَرَ قَبْلَهُ لِأَنَّ الْعَامَّ الْمَذْكُورَ عَقِبَ خَاصٍّ يَرْجِعُ إِلَى ذَلِكَ الْخَاصِّ عَلَى الصَّحِيحِ، انْتَهَى.
وَأَقَرَّهُ ﵇ عَلَى الْحَلِفِ مَعَ وُرُودِ النَّكِيرِ عَلَى مَنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ خَيْرًا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْتِلِ أُولُو الْفَضْلِ﴾ [النور: ٢٢] (سُورَةُ النُّورِ: الْآيَةُ ٢٢) وَقَالَ ﷺ لِمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَحُطَّ عَنْ غَرِيمِهِ: " تَأَلَّى عَلَى اللَّهِ " قَالَ الْبَاجِيُّ: لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ سُومِحَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ. اهـ.
وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ، فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا فَلَاحُهُ بِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا بِأَنْ لَا يَزِيدَ فَكَيْفَ يَصِحُّ؟ وَلِأَنَّ فِيهِ تَسْوِيغَ التَّمَادِي عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ وَهُوَ مَذْمُومٌ، أَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ الْفَلَاحَ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا زَادَ لَا يُفْلِحُ لِأَنَّهُ إِذَا أَفْلَحَ بِالْوَاجِبِ بِالْمَنْدُوبِ مَعَ الْوَاجِبِ أَوْلَى، وَبِأَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَى غَيْرِ تَارِكِ الْفَرَائِضِ فَهُوَ مُفْلِحٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَكْثَرُ فَلَاحًا مِنْهُ، وَرَدَّهُ الْأُبِّيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْإِشْكَالُ فِي ثُبُوتِ الْفَلَاحِ مَعَ تَرْكِ السُّنَنِ حَتَّى يُجَابَ بِأَنَّهُ حَاصِلٌ إِذْ لَيْسَ بِعَاصٍ، وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ فِي أَنَّ ثُبُوتَهُ مَعَ عَدَمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْفَرْضِ تَسْوِيغٌ لِتَرْكِ السُّنَنِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَمْ يُسَوِّغْ لَهُ تَرْكَهَا دَائِمًا وَلَكِنْ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ اكْتَفَى مِنْهُ بِالْوَاجِبَاتِ، وَأَخَّرَهُ حَتَّى يَأْنَسَ، وَيَنْشَرِحَ صَدْرُهُ، وَيَحْرِصَ عَلَى الْخَيْرِ، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ الْمَنْدُوبَاتُ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي التَّصْدِيقِ وَالْقَبُولِ، أَيْ: قَبِلْتُ كَلَامَهُ قَبُولًا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ السُّؤَالِ وَلَا نُقْصَانَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْقَبُولِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: يَحْتَمِلُ تَعَلُّقُ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ بِالْإِبْلَاغِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَافِدَ قَوْمِهِ لِيَتَعَلَّمَ وَيُعَلِّمَهُمْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَحْتَمِلُ لَا أُغَيِّرُ صِفَةَ الْفَرْضِ كَمَنْ يُنْقِصُ الظُّهْرَ مَثَلًا رَكْعَةً أَوْ يَزِيدُ الْمَغْرِبَ، وَرَدَّ الْحَافِظُ الِاحْتِمَالَاتِ الثَّلَاثَ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ: لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يَحْتَمِلُ لَا أَزِيدُ وُجُوبًا وَإِنْ زَادَ تَطَوُّعًا أَوْ عَلَى اعْتِقَادِ وُجُوبِ غَيْرِهِ أَوْ فِي الْبَلَاغِ، قَالَ: وَرِوَايَةُ مَالِكٍ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ؛ لِأَنَّهُ أَحْفَظُ، وَقَدْ تَابَعَهُ الرُّوَاةُ، وَلَعَلَّ إِسْمَاعِيلَ نَقَلَهُ بِالْمَعْنَى، وَلَوْ صَحَّ احْتَمَلَ الْمَعْنَى لَا أَتَطَوَّعُ بِشَيْءٍ الْتَزَمَهُ وَاجِبًا، انْتَهَى.
هَذَا وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ» .
وَلِأَبِي دَاوُدَ مِثْلُهُ لَكِنْ بِحَذْفِ " أَوْ "، وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ بِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ، أَوْ بِأَنَّهَا كَلِمَةٌ جَارِيَةٌ عَلَى اللِّسَانِ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْحَلِفُ كَمَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِمْ عَقْرِي وَحَلْقِي وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَوْ فِيهِ إِضْمَارُ اسْمِ الرَّبِّ كَأَنَّهُ قَالَ: وَرَبُّ أَبِيهِ، وَقِيلَ: هُوَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ إِنَّمَا هُوَ لِخَوْفِ اللَّهِ وَهُوَ ﷺ لَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ ذَلِكَ، قَالَ الْحَافِظُ: وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ.
وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ وَإِنَّمَا كَانَ: وَاللَّهِ فَقُصِّرَتِ اللَّامَانِ، وَأَنْكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَقَالَ: إِنَّهُ يَخْرِمُ الثِّقَةَ بِالرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ، وَغَفَلَ الْقَرَافِيُّ فَادَّعَى أَنَّ الرِّوَايَةَ
стр. 953
بِلَفْظِ: وَأَبِيهِ، لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّأِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ الْجَوَابَ فَعَدَلَ إِلَى رَدِّ الْخَبَرِ وَهُوَ صَحِيحٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَأَقْوَى الْأَجْوِبَةِ الْأَوَّلَانِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: وَأَدْخَلَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي التَّرْغِيبِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ أَرَادَ قَوْلَهُ: إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ؛ كَانَ تَرْغِيبًا فِي النَّافِلَةِ، وَإِنْ أَرَادَ: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ؛ كَانَ تَرْغِيبًا فِي الْخَمْسِ، انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَهُمَا مَعًا فَالتَّرْجَمَةُ مُطْلَقَةٌ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا، عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِنَحْوِهِ.
стр. 954
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ مَكَانَ كُلِّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٤٢٦ - ٤٢٧ - (مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ) كَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ وَفَاعِلُ ذَلِكَ الْقَرِينُ وَغَيْرُهُ، وَيُحْتَمَلُ إِبْلِيسُ، وَيَجُوزُ أَنَّ نِسْبَةَ ذَلِكَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْآمِرُ بِهِ الدَّاعِي إِلَيْهِ، وَكَذَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ مِنْ بِدْءِ الْخَلْقِ (عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ) أَيْ: مُؤَخَّرِ عُنُقِهِ، وَقَافِيَةُ كُلِّ شَيْءٍ مُؤَخَّرُهُ وَمِنْهُ قَافِيَةُ الْقَصِيدَةِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْقَفَا، وَقِيلَ: مُؤَخَّرُ الرَّأْسِ، وَقِيلَ: وَسَطُهُ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: " أَحَدِكُمْ " التَّعْمِيمُ فِي الْمُخَاطَبِينَ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَخُصَّ مِنْهُ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَلَا سِيَّمَا فِي الْجَمَاعَةِ لِمَا ثَبَتَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ كَمَنْ قَامَ نِصْفَ لَيْلَةٍ» " لِأَنَّ مُسَمَّى قِيَامِ اللَّيْلِ يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ قِيَامُ بَعْضِهِ، فَيَصْدُقُ عَلَى مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ جَمَاعَةً أَنَّهُ قَامَ اللَّيْلَ، وَبِمَنْ وَرَدَ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ يُحْفَظُ مِنَ الشَّيْطَانِ كَالْأَنْبِيَاءِ، وَمِنْ تَنَاوُلِهِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] (سُورَةُ الْحِجْرِ: الْآيَةُ ٤٢) وَكَمَنَ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ عِنْدَ نَوْمِهِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ يُحْفَظُ مِنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُصْبِحَ (إِذَا هُوَ نَامَ) وَلِبَعْضِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ: نَائِمٌ بِوَزْنِ فَاعِلٍ، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُوَطَّأِ، قَالَهُ كُلَّهُ الْحَافِظُ (ثَلَاثَ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ (عُقَدٍ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْقَافِ جَمْعُ عُقْدَةٍ (يَضْرِبُ) بِيَدِهِ (مَكَانَ كُلِّ عُقْدَةٍ) أَيْ: عَلَيْهَا تَأْكِيدًا وَإِحْكَامًا لَهَا قَائِلًا (عَلَيْكَ) بِالرَّفْعِ، وَلِأَبِي مُصْعَبٍ بِالنَّصْبِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٍ.
قَالَ عِيَاضٌ: رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ عَلَى الْإِغْرَاءِ، وَمَنْ رَفَعَ فَعَلَى الِابْتِدَاءِ؛ أَيْ: بَاقٍ عَلَيْكَ، أَوْ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ؛ أَيْ: بَقِيَ عَلَيْكَ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الرَّفْعُ أَوْلَى مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ الْأَمْكَنُ فِي الْغُرُورِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُخْبِرُهُ، عَنْ طُولِ اللَّيْلِ ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِالرُّقَادِ بِقَوْلِهِ: (فَارْقُدْ) وَإِذَا نَصَبَ عَلَى الْإِغْرَاءِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلَّا الْأَمْرُ بِمُلَازَمَةِ طُولِ الرُّقَادِ وَحِينَئِذٍ يَضِيعُ قَوْلُهُ: فَارْقُدْ، وَمَقْصُودُ الشَّيْطَانِ تَسْوِيفُهُ بِالْقِيَامِ وَالْإِلْبَاسِ عَلَيْهِ،
стр. 955
وَظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِنَوْمِ اللَّيْلِ، وَلَا يَبْعُدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي نَوْمِ النَّهَارِ كَالنَّوْمِ حَالَةَ الْإِبْرَادِ مَثَلًا، لَا سِيَّمَا عَلَى تَفْسِيرِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ، وَقِيلَ مَعْنَى " يَضْرِبُ ": يَحْجُبُ الْحِسَّ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى لَا يَسْتَيْقِظَ وَمِنْهُ: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١] (سُورَةُ الْكَهْفِ: الْآيَةُ ١١) أَيْ: حَجَبْنَا الْحِسَّ أَنْ يَلِجَ فِي آذَانِهِمْ فَيَنْتَبِهُوا، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: " «مَا أَحَدٌ يَنَامُ إِلَّا ضُرِبَ عَلَى صِمَاخِهِ بِجَرِيرٍ مَعْقُودٍ» " أَخْرَجَهُ الْمُخْلِصُ فِي فَوَائِدِهِ، وَسِمَاخٌ: بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَيُقَالُ بِالصَّادِّ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ، وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «مَا أَصْبَحَ رَجُلٌ عَلَى غَيْرِ وُتْرٍ إِلَّا أَصْبَحَ عَلَى رَأْسِهِ جَرِيرٌ قَدْرُ سَبْعِينَ ذِرَاعًا» " وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَمَا يَعْقِدُ السَّاحِرُ مَنْ يَسْحَرُهُ، وَأَكْثَرُ مَنْ يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ تَأْخُذُ إِحْدَاهُنَّ الْخَيْطَ فَتَعْقِدُ مِنْهُ عُقْدَةً وَتَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ بِالسِّحْرِ فَيَتَأَثَّرُ الْمَسْحُورُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] (سُورَةُ الْفَلَقِ: الْآيَةُ ٤) وَعَلَى هَذَا فَالْمَعْقُودُ شَيْءٌ عِنْدَ قَافِيَةِ الرَّأْسِ لَا قَافِيَةُ الرَّأْسِ نَفْسُهَا، وَهَلِ الْعَقْدُ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ أَوْ فِي غَيْرِهِ؟ الْأَقْرَبُ الثَّانِي إِذْ لَيْسَ لِكُلِّ أَحَدٍ شَعْرٌ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ ابْنِ مَاجَهْ وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «عَلَى قَافِيَةِ أَحَدِكُمْ حَبْلٌ فِيهِ ثَلَاثُ عُقَدٍ» "، وَلِأَحْمَدَ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظٍ: " «إِذَا نَامَ أَحَدُكُمْ عُقِدَ عَلَى رَأْسِهِ بِجَرِيرٍ» "، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ، عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: " «مَا مِنْ ذَكَرٍ وَلَا أُنْثَى إِلَّا عَلَى رَأْسِهِ جَرِيرٌ مَعْقُودٌ حِينَ يَرْقُدُ» " الْحَدِيثَ، وَجَرِيرٌ - بِفَتْحِ الْجِيمِ - هُوَ الْحَبْلُ، وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ مِنْهُ أَنَّ الْعَقْدَ لَازِمٌ لَهُ، وَيَرُدُّهُ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا تَحِلُّ بِالصَّلَاةِ فَيَلْزَمُ إِعَادَةُ عَقْدِهَا فَأَبْهَمَ فَاعِلَهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَفَسَّرَهُ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ، أَوْ هُوَ مَجَازٌ شَبَّهَ فِعْلَ الشَّيْطَانِ بِالنَّائِمِ بِفِعْلِ السَّاحِرِ بِالْمَسْحُورِ، فَلَمَّا كَانَ السَّاحِرُ يَمْنَعُ بِعَقْدِهِ ذَلِكَ فَصَرَفَ مَنْ يُحَاوِلُ عَقْدَهُ كَانَ هَذَا مِثْلَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ النَّائِمِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ عَقْدُ الْقَلْبِ وَتَصْمِيمِهِ عَلَى الشَّيْءِ كَأَنَّهُ يُوَسْوِسُ لَهُ بِأَنَّهُ بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ قِطْعَةٌ طَوِيلَةٌ فَيَتَأَخَّرُ عَنِ الْقِيَامِ، وَانْحِلَالُ الْعُقَدِ كِنَايَةٌ عَنْ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِ فِيمَا وَسْوَسَ بِهِ، أَوِ الْعُقَدُ كِنَايَةٌ عَنْ تَثْبِيطِ الشَّيْطَانِ لِلنَّائِمِ الْمَذْكُورِ، وَمِنْهُ: عَقَدْتُ فُلَانًا عَنِ امْرَأَتِهِ؛ أَيْ: مَنَعْتُهُ عَنْهَا، أَوْ عَنْ تَثْقِيلِهِ عَلَيْهِ النَّوْمَ كَأَنَّهُ قَدْ شَدَّ عَلَيْهِ شَدًّا، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْعُقَدِ الثَّلَاثِ: الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ؛ لِأَنَّ مَنْ أَكْثَرَهُمَا كَثُرَ نَوْمُهُ، وَاسْتَبْعَدَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي أَنَّ الْعَقْدَ يَقَعُ عِنْدَ النَّوْمِ فَهِيَ غَيْرُهُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: حِكْمَةُ الِاقْتِصَارِ عَلَى الثَّلَاثِ أَنَّ أَغْلَبَ مَا يَكُونُ الِانْتِبَاهُ فِي السَّحَرِ، فَإِنْ رَجَعَ إِلَى النَّوْمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَنْقَضِ الثَّالِثَةَ إِلَّا وَقَدْ ذَهَبَ اللَّيْلُ.
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: التَّقْيِيدُ بِالثَّلَاثِ إِمَّا لِلتَّأْكِيدِ أَوْ لِأَنَّهُ يُرِيدُ قَطْعَهُ عَنْ ثَلَاثٍ: الذِّكْرِ وَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، وَكَأَنَّهُ مَنَعَهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِعُقْدَةٍ عَقَدَهَا عَلَى رَأْسِهِ: وَكَانَ تَخْصِيصُ الْقَفَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْوَهَمِ وَمَجَالُ تَصَرُّفِهِ، وَهُوَ أَطْوَعُ الْقُوَى لِلشَّيْطَانِ وَأَسْرَعُهَا إِجَابَةً لِدَعْوَتِهِ.
(فَإِنِ اسْتَيْقَظَ) مِنْ نَوْمِهِ (فَذَكَرَ اللَّهَ) بِكُلِّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ
стр. 956
تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَةُ الْحَدِيثِ وَالِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ (انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ) وَاحِدَةٌ مِنَ الثَّلَاثِ (فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ) ثَانِيَةٌ (فَإِنْ صَلَّى) فَرِيضَةً أَوْ نَافِلَةً (انْحَلَّتْ عُقَدُهُ) الثَّلَاثُ كُلُّهَا بِالْجَمْعِ، رَوَاهُ ابْنُ وَضَّاحٍ، وَكَذَا فِي الْبُخَارِيِّ، وَبِالْإِفْرَادِ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَالْجَمْعُ أَوْجَهُ لَا سِيَّمَا وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ فِي الْأُولَى عُقْدَةٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ عُقْدَتَانِ، وَفِي الثَّالِثَةِ الْعُقَدُ، وَالْخِلَافُ فِي الْأَخِيرَةِ فَقَطْ، قَالَهُ فِي الْمَشَارِقِ، وَفِي الْفَتْحِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْبُخَارِيِّ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ: انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا. وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ: انْحَلَّتِ الْعُقَدُ. وَلِبَعْضِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ بِالْإِفْرَادِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَحْمَدَ: فَإِنْ ذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ أُطْلِقَتِ الثَّانِيَةُ، فَإِنْ صَلَّى أُطْلِقَتِ الثَّالِثَةُ، وَكَأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ وَهُوَ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الْوُضُوءِ إِذَا انْتَبَهَ، فَيَكُونُ لِكُلِّ عُقْدَةٍ شَيْءٌ يَحِلُّهَا، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ الْجَمْعِ أَنَّ الْعُقَدَ تَنْحَلُّ كُلُّهَا بِالصَّلَاةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى طَهَارَةٍ، كَمَنْ نَامَ مُتَمَكِّنًا ثُمَّ انْتَبَهَ فَصَلَّى مِنْ قَبْلِ أَنْ يَذْكُرَ وَيَتَطَهَّرَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تُجْزِئُهُ فِي حَلِّ الْعُقَدِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ الطَّهَارَةَ وَتَتَضَمَّنُ الذِّكْرَ.
وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ: " عُقَدُهُ كُلُّهَا " إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى وُضُوءٍ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَالْمَعْنَى انْحَلَّتْ تَكْمِلَةُ عُقَدِهِ كُلِّهَا بِانْحِلَالِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي بِهَا يَتِمُّ انْحِلَالُ الْعُقَدِ، وَقَدْ زَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: فَحُلُّوا عُقَدَ الشَّيْطَانِ وَلَوْ بِرَكْعَتَيْنِ.
(فَأَصْبَحَ نَشِيطًا) لِسُرُورِهِ بِمَا وَفَّقَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ وَمَا وُعِدَ بِهِ مِنَ الثَّوَابِ وَمَا زَالَ عَنْهُ مِنْ عُقَدِ الشَّيْطَانِ، (طَيِّبَ النَّفْسِ) لِمَا بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ هَذَا التَّصَرُّفِ الْحَسَنِ كَذَا قِيلَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ سِرًّا فِي طِيبِ النَّفْسِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرِ الْمُصَلِّي شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ وَكَذَا عَكْسُهُ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] (سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ: الْآيَةُ ٦) وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ مِنْهُ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ - مَنْ قَامَ وَعَادَ إِلَى النَّوْمِ - لَا يَعُودُ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ بِالْعُقَدِ الْمَذْكُورِ ثَانِيًا، وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِمَّنْ يَقُومُ وَيَذْكُرُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي مَنْ لَمْ يَنْهَهُ ذَلِكَ عَنِ الْفَحْشَاءِ بَلْ يَفْعَلُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقْلِعَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ النَّدَمِ وَالتَّوْبَةِ وَالْعَزْمِ عَلَى الْإِقْلَاعِ وَبَيْنَ الْمُصِرِّ (وَإِلَّا) بِأَنْ تَرَكَ الذِّكْرَ وَالْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ ( «أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ» ) بِتَرْكِهِ مَا كَانَ اعْتَادَهُ أَوْ أَرَادَهُ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ، كَذَا قِيلَ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ (كَسْلَانَ) بِمَنْعِ الصَّرْفِ لِلْوَصْفِيَّةِ وَزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ، لِبَقَاءِ تَثْبِيطِ الشَّيْطَانِ وَشُؤْمِ تَفْرِيطِهِ وَظُفْرِ الشَّيْطَانِ بِهِ بِتَفْوِيتِهِ الْحَظَّ الْأَوْفَرَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، فَلَا يَكَادُ يَخِفُّ عَلَيْهِ صَلَاةٌ وَلَا غَيْرُهَا مِنَ الْقُرُبَاتِ، وَخُصَّ الْوُضُوءُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ، وَإِلَّا فَالْجُنُبُ لَا يَحِلُّ عُقَدَهُ إِلَّا الْغُسْلُ، وَفِي قِيَامِ التَّيَمُّمِ مَقَامُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ لِمَنْ سَاغَ لَهُ بَحْثٌ، وَالْأَظْهَرُ إِجْزَاؤُهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي الْوُضُوءِ عَوْنًا كَبِيرًا عَلَى طَرْدِ النَّوْمِ لَا يَظْهَرُ مِثْلُهُ فِي التَّيَمُّمِ، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ: وَإِلَّا
стр. 957
أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَجْمَعِ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ دَخَلَ تَحْتَ مَنْ يُصْبِحُ خَبِيثًا كَسْلَانَ وَإِنْ أَتَى بِبَعْضِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِالْقُوَّةِ وَالْخِفَّةِ، فَمَنْ ذَكَرَ اللَّهَ مَثَلًا أَخَفَّ مِمَّنْ لَمْ يَذْكُرْ أَصْلًا، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ الْمُخْلِصِ: " «فَإِنْ قَامَ فَصَلَّى حُلَّتِ الْعُقَدُ كُلُّهُنَّ وَإِنِ اسْتَيْقَظَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَلَمْ يُصَلِّ أَصْبَحَتِ الْعُقَدُ كُلُّهَا كَهَيْئَتِهَا» ".
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا الذَّمُّ يَخْتَصُّ بِمَنْ لَمْ يَقُمْ إِلَى صَلَاتِهِ وَضَيَّعَهَا، أَمَّا مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الْقِيَامُ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ أَوِ النَّافِلَةِ بِاللَّيْلِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ يَكْتُبُ لَهُ أَجْرَ صَلَاتِهِ، وَنَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كَمَا مَرَّ، قَالَ: وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُعَارِضُ قَوْلَهُ ﷺ : " «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي» " وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ، عَنْ إِضَافَةِ الْمَرْءِ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ كَرَاهَةَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَقَعَ ذَمًّا لِفِعْلِهِ، وَلِكُلٍّ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ وَجْهٌ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: لَيْسَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ اخْتِلَافٌ؛ لِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ إِضَافَةِ ذَلِكَ إِلَى النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْخُبْثَ بِمَعْنَى فَسَادِ الدِّينِ، وَوَصْفُ بَعْضِ الْأَفْعَالِ بِذَلِكَ تَحْذِيرًا مِنْهُ وَتَنْفِيرًا، قَالَ الْحَافِظُ: وَتَقْدِيرُ الْإِشْكَالِ أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ إِضَافَةِ ذَلِكَ إِلَى النَّفْسِ، وَكُلَّمَا نَهَى الْمُؤْمِنَ أَنْ يُضِيفَهُ إِلَى نَفْسِهِ نَهَى أَنْ يُضِيفَهُ إِلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ، وَقَدْ وَصَفَ ﷺ هَذَا الْمُؤْمِنَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَيَلْزَمُ جَوَازُ وَصْفِنَا لَهُ بِذَلِكَ الْمَحَلِّ التَّأَسِّي.
وَالْجَوَابُ أَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَامِلٌ عَلَى الْوَصْفِ بِذَلِكَ كَالتَّنْفِيرِ وَالتَّحْذِيرِ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ «قَارِئَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ لَا يَقْرَبُهُ شَيْطَانٌ» ؛ لِأَنَّ الْحَلَّ إِنْ حُمِلَ عَلَى الْأَمْرِ الْمَعْنَوِيِّ وَالْقُرْبَ عَلَى الْأَمْرِ الْحِسِّيِّ أَوْ عَكْسِهِ فَلَا إِشْكَالَ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ سِحْرِهِ إِيَّاهُ مَثَلًا أَنْ يُمَاسَّهُ، كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ مُمَاسَّتِهِ أَنْ يَقْرَبَهُ بِسَرِقَةٍ أَوْ أَذًى فِي جَسَدِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنْ حُمِلَا عَلَى الْمَعْنَوِيَّيْنِ أَوِ الْحِسِّيَّيْنِ فَيُجَابُ بِادِّعَاءِ الْخُصُوصِ فِي عُمُومِ أَحَدِهِمَا، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْمَخْصُوصَ حَدِيثُ الْبَابِ كَمَا خَصَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ الْقِيَامَ، فَيَخُصُّ أَيْضًا بِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ لِطَرْدِ الشَّيْطَانِ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٍ.
стр. 958
[كِتَابُ الْعِدَينِ] [بَاب الْعَمَلِ فِي غُسْلِ الْعِيدَيْنِ وَالنِّدَاءِ فِيهِمَا وَالْإِقَامَةِ]
بَاب الْعَمَلِ فِي غُسْلِ الْعِيدَيْنِ وَالنِّدَاءِ فِيهِمَا وَالْإِقَامَةِ حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ يَقُولُ لَمْ يَكُنْ فِي عِيدِ الْفِطْرِ وَلَا فِي الْأَضْحَى نِدَاءٌ وَلَا إِقَامَةٌ مُنْذُ زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَوْمِ قَالَ مَالِكٌ وَتِلْكَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
١٠ - كِتَابُ الْعِيدَيْنِ.
١ - بَابُ الْعَمَلِ فِي غَسْلِ الْعِيدَيْنِ.
عِيدُ الْفِطْرِ وَعِيدُ الْأَضْحَى مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَوْدِ لِتُكَرِّرِهِ كُلَّ عَامٍ، أَوْ لِعَوْدِ السُّرُورِ بِعُودِهِ، أَوْ لِكَثْرَةِ عَوَائِدِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِيهِ، وَجَمْعُهُ أَعْيَادٌ - بِالْيَاءِ - وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ الْوَاوَ لِلُزُومِهَا فِي الْوَاحِدِ أَوْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْوَادِ الْخَشَبِ.
(وَالنِّدَاءِ فِيهِمَا) أَيِ: الْأَذَانِ (وَالْإِقَامَةِ) فِيهِمَا.
٤٢٨ - ٤٢٨ - (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ فِي عِيدِ الْفِطْرِ وَلَا فِي الْأَضْحَى نِدَاءٌ) أَذَانٌ سُمِّيَ نِدَاءٌ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ إِلَى الصَّلَاةِ لَا عِنْدَ صُعُودِ الْإِمَامِ الْمِنْبَرَ، وَلَا عِنْدَ غَيْرِهِ.
(وَلَا إِقَامَةٌ) عِنْدَ نُزُولِهِ وَلَا عِنْدَ غَيْرِهِ.
(مُنْذُ زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَوْمِ) وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يُسْنِدْهُ إِلَّا أَنَّهُ يَجْرِي عِنْدَهُ مَجْرَى الْمُتَوَاتِرِ وَهُوَ أَقْوَى مِنَ الْمُسْنَدِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ: " «لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَا يَوْمَ الْأَضْحَى» "، وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ: " «فَبَدَأَ ﷺ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ» "، وَلِأَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى الْعِيدَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ» " إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
وَفِي النَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «خَرَجَ ﷺ يَوْمَ عِيدٍ فَصَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ» " (قَالَ مَالِكٌ: وَتِلْكَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا) بِالْمَدِينَةِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ.
وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ فِيهَا، فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ مُعَاوِيَةُ. وَلِلشَّافِعِيِّ عَنِ الثِّقَةِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلُهُ، وَزَادَ: فَأَحْدَثَهُ الْحَجَّاجُ حِينَ أٌمِّرَ عَلَى الْمَدِينَةِ. وَلِابْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ زِيَادٌ بِالْبَصْرَةِ.
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَرْوَانُ، وَكُلُّ هَذَا لَا يُنَافِي أَنَّهُ مُعَاوِيَةُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ هِشَامٌ.
وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: أَوَّلُ
стр. 959
مَنْ أَحْدَثَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ لَهَا - بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ -، لَكِنْ فِي ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ: لَا تُؤَذِّنْ لَهَا وَلَا تُقِمْ، فَلَمَّا سَاءَ مَا بَيْنَهُمَا أَذَّنَ وَأَقَامَ؛ أَيِ: ابْنُ الزُّبَيْرِ.
وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَا أَذَانَ لِصَلَاةِ يَوْمِ الْعِيدِ وَلَا إِقَامَةَ وَلَا شَيْءَ، وَبِهِ احْتَجَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ قَبْلَهَا الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ وَلَا الصَّلَاةُ، وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ قَوْلِ ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ عَنِ الثِّقَةِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: " «كَانَ ﷺ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنُ فِي الْعِيدَيْنِ فَيَقُولُ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ» " وَهَذَا مُرْسَلٌ يُعَضِّدُهُ الْقِيَاسُ عَلَى صَلَاةِ الْكُسُوفِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ فِيهَا.
стр. 960
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى الْمُصَلَّى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٤٢٨ - ٤٢٩ - (مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى الْمُصَلَّى) تَابَعَ مَالِكًا عَلَى رِوَايَتِهِ، عَنْ نَافِعِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَرَوَى أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ: " مَا رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ اغْتَسَلَ لِلْعِيدِ قَطُّ كَانَ يَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ لَيْلَةَ الْفِطْرِ ثُمَّ يَغْدُو مِنْهُ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ إِلَى الْمُصَلَّى " وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا عِنْدَ اعْتِكَافِهِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ مَبِيتُهُ فِي الْمَسْجِدِ.
وَرِوَايَةُ مَالِكٍ فِي غَيْرِ اعْتِكَافِهِ، وَإِلَّا فَرِوَايَةُ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ أَوْلَى وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: إِنْ فَعَلَهُ فَحَسَنٌ وَالطِّيبُ يُجْزَى مِنْهُ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ.
стр. 961
[بَاب الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ فِي الْعِيدَيْنِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى قَبْلَ الْخُطْبَةِ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٤٢٩ - ٤٣٠ ٢ - بَابُ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ فِي الْعِيدَيْنِ.
- (مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كَانَ يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى قَبْلَ الْخُطْبَةِ» ) مُرْسَلٌ مُتَّصِلٌ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ، فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى، ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ» " وَلَهُمَا، عَنْ جَابِرٍ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ» ".
стр. 962
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٤٢٩ - ٤٣١ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ) بَلَاغُهُ صَحِيحٌ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكُلُّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ» ".
وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ غَيَّرَ ذَلِكَ، فَفِي مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ.
وَفِي ابْنِ الْمُنْذِرِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَوَّلُ مَنْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ عُثْمَانُ صَلَّى بِالنَّاسِ ثُمَّ خَطَبَهُمْ؛ أَيْ: عَلَى الْعَادَةِ، فَرَأَى النَّاسَ لَمْ يُدْرِكُوا الصَّلَاةَ فَفَعَلَ ذَلِكَ؛ أَيْ: صَارَ يَخْطُبُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ غَيْرُ الَّتِي اعْتَلَّ بِهَا مَرْوَانُ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ رَاعَى مَصْلَحَةَ الْجَمَاعَةِ فِي إِدْرَاكِهِمُ الصَّلَاةَ، وَأَمَّا مَرْوَانُ فَرَاعَى مَصْلَحَتَهُمْ فِي إِسْمَاعِهِمُ الْخُطْبَةَ، لَكِنْ قِيلَ: إِنَّهُمْ فِي زَمَنِهِ كَانُوا يَتَعَمَّدُونَ تَرْكَ سَمَاعِهِمْ لِمَا فِيهَا مِنْ سَبِّ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ السَّبَّ، وَالْإِفْرَاطِ فِي مَدْحِ بَعْضِ النَّاسِ، فَعَلَى هَذَا إِنَّمَا رَاعَى مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ عُثْمَانَ فَعَلَ ذَلِكَ أَحْيَانًا بِخِلَافِ مَرْوَانَ، فَوَاظَبَ عَلَيْهِ، وَلِذَا نُسِبَ إِلَيْهِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ مِثْلُ فِعْلِ عُثْمَانَ، قَالَ عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ: لَا يَصِحُّ عَنْهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ وَابْنَ أَبِي شَيْبَةَ رَوَيَاهُ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ لَكِنْ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، فَإِنْ جُمِعَ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُ نَادِرًا وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَصَحُّ.
وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَادَ: حَتَّى قَدِمَ مُعَاوِيَةُ فَقَدَّمَ الْخُطْبَةَ. وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ مَرْوَانَ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَبَعًا لِمُعَاوِيَةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَمِينَ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَتِهِ.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْعِيدِ مُعَاوِيَةُ.
وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ زِيَادٌ بِالْبَصْرَةِ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ وَأَثَرِ مَرْوَانَ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ مَرْوَانَ وَزِيَادٍ كَانَ عَامِلًا لِمُعَاوِيَةَ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ ابْتَدَأَ ذَلِكَ وَتَبِعَهُ عُمَّالُهُ.
стр. 963
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قَالَ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ «فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ إِنَّ هَذَيْنِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ وَالْآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ثُمَّ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَجَاءَ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ وَقَالَ إِنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ فَلْيَنْتَظِرْهَا وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ثُمَّ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ فَجَاءَ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٤٣١ - ٤٣٢ - (مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ) بِضَمِّ الْعَيْنِ؛ اسْمُهُ سَعْدُ - بِسُكُونِ الْعَيْنِ - ابْنُ عُبَيْدٍ الزُّهْرِيُّ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ مِنْ رِجَالِ الْجَمِيعِ، وَيُقَالُ: لَهُ إِدْرَاكٌ (مَوْلَى) عَبْدِ الرَّحْمَنِ (بْنِ أَزْهَرَ) بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ، صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ، مَاتَ قَبْلَ الْحَرَّةِ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُوَيْرِيَةَ وَالزُّبَيْرِ، وَمَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مَوْلَى
стр. 964
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَنْ قَالَ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ قَالَ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدْ أَصَابَ؛ أَيْ: لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي وَلَائِهِ أَوْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْآخَرُ عَلَى الْمَجَازِ بِمُلَازَمَتِهِ أَحَدُهُمَا لِلْخِدْمَةِ أَوْ لِلْأَخْذِ عَنْهُ أَوِ انْتِقَالِهِ مِنْ مِلْكِ أَحَدِهِمَا إِلَى مِلْكِ الْآخَرِ، وَجَزَمَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ بِأَنَّهُ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَعَلَيْهِ فَنِسْبَتُهُ إِلَى ابْنِ أَزْهَرَ هِيَ الْمَجَازِيَّةُ، وَلَعَلَّهَا بِسَبَبِ انْقِطَاعِهِ إِلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ ابْنِ عَوْفٍ.
(قَالَ: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَشَكَى) زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ (ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ النَّاسَ) زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى أَنْ تَأْكُلُوا نُسُكَكُمْ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَلَا تَأْكُلُوهُ بَعْدَ هَذَا» ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: أَظُنُّ مَالِكًا إِنَّمَا حَذَفَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ (فَقَالَ: إِنَّ هَذَيْنِ) فِيهِ تَغْلِيبٌ؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ يُشَارُ إِلَيْهِ بِذَاكَ، فَلَمَّا أَنْ جَمَعَهُمَا اللَّفْظُ غَلَبَ الْحَاضِرُ عَلَى الْغَائِبِ فَقَالَ: هَذَيْنِ (يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ صِيَامِهِمَا) نَهْيُ تَحْرِيمٍ، (يَوْمُ) بِالرَّفْعِ إِمَّا عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: أَحَدِهِمَا أَوْ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ يَوْمَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: أَمَّا أَحَدُهُمَا فَيَوْمُ ( «فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ وَالْآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ» ) بِضَمِّ السِّينِ وَيَجُوزُ سُكُونُهَا؛ أَيْ: مِنْ أُضْحِيَتِكُمْ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: فِيهِ أَنَّ الضَّحَايَا نُسُكٌ، وَأَنَّ الْأَكْلَ مِنْهَا مُسْتَحَبٌّ كَهَدْيِ التَّطَوُّعِ إِذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] (سُورَةُ الْحَجِّ: الْآيَةُ ٢٨) ، وَ ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] (سُورَةُ الْحَجِّ: الْآيَةُ ٣٦) انْتَهَى.
وَفَائِدَةُ وَصْفِ الْيَوْمَيْنِ: الْإِشَارَةُ إِلَى الْعِلَّةِ فِي وُجُوبِ فِطَرِهِمَا، وَهِيَ الْفَصْلُ مِنَ الصَّوْمِ وَإِظْهَارِ تَمَامِهِ وَحْدَهُ بِفِطْرِ مَا بَعْدَهُ، وَالْآخَرُ لِأَجَلِ النُّسُكِ الْمُتَقَرَّبِ بِذَبْحِهِ لِيُؤْكَلَ مِنْهُ، وَلَوْ شُرِعَ صَوْمُهُ لَمْ يَكُنْ لِمَشْرُوعِيَّةِ الذَّبْحِ فِيهِ مَعْنًى، فَعَبَّرَ عَنْ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ بِالْأَكْلِ مِنَ النُّسُكِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ النَّحْرَ وَيَزِيدُ فَائِدَةَ التَّنْبِيهِ عَلَى التَّعْلِيلِ.
(قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ثُمَّ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَجَاءَ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ وَقَالَ:) فِي خُطْبَتِهِ ( «إِنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ» ) هِيَ الْقُرَى الْمُجْتَمِعَةُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، قَالَ مَالِكٌ: بَيْنَ أَبْعَدِهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ ثَمَانِيَةَ أَمْيَالٍ (أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ فَلْيَنْتَظِرْهَا) حَتَّى يُصَلِّيَهَا (وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ) فَيَجُوزُ إِذَا أَذِنَ الْإِمَامُ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ وَابْنِ وَهْبٍ وَمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجَشُونِ، وَأَنْكَرُوا
стр. 965
رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِالْمَنْعِ وَبِالْجَوَازِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: وَوَجْهُهُ مَا يَلْحَقُ مِنَ الْمَشَقَّةِ، وَهِيَ صَلَاةٌ سَقَطَ فَرْضُهَا بِطُولِ الْمَسَافَةِ وَبِالْمَشَقَّةِ، وَمِنْ جِهَةِ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ خَطَبَ بِذَلِكَ يَوْمَ عِيدٍ وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ.
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَأَنَّ الْجُمُعَةَ تَلْزَمُهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، قَالَ: وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَحَدًا أَذِنَ لَهُمْ غَيْرُ عُثْمَانَ وَوَجْهُهُ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] (سُورَةُ الْجُمُعَةِ: الْآيَةُ ٩) وَأَنَّ الْفَرَائِضَ لَيْسَ لِلْأَئِمَّةِ الْإِذْنُ فِي تَرْكِهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِحَسَبِ النَّذْرِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُنْكَرْ عَلَى عُثْمَانَ؛ لِأَنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ لَا يَجِبُ إِنْكَارُهُ، عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: لَيْسَ فِي كَلَامِ عُثْمَانَ هَذَا تَصْرِيحٌ بِعَدَمِ الْعَوْدِ إِلَى الْمَسْجِدِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، حَتَّى يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى سُقُوطِهَا إِذَا وَافَقَ الْعِيدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ تَلْزَمُهُمُ الْجُمُعَةَ لِبُعْدِ مَنَازِلِهِمْ عَنْهَا، انْتَهَى.
(قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ثُمَّ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ فَجَاءَ فَصَلَّى) قَبْلَ الْخُطْبَةِ (ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ) قَالَ أَبُو عُمَرَ: إِذَا كَانَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تُقَامَ صَلَاةُ الْعِيدِ بِلَا إِمَامٍ فَالْجُمُعَةُ أَوْلَى، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
قَالَ مَالِكٌ: لِلَّهِ فِي أَرْضِهِ فَرَائِضُ لَا يُسْقِطُهَا مَوْتُ الْوَالِي، وَمَنَعَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ كَالْحُدُودِ لَا يُقِيمُهَا إِلَّا السُّلْطَانُ، وَقَدْ صَلَّى بِالنَّاسِ فِي حِصَارِ عُثْمَانَ طَلْحَةُ وَأَبُو أَيُّوبَ وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَأَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ وَغَيْرُهُمْ، وَصَلَّى بِهِمْ عَلِيٌّ صَلَاةَ الْعِيدِ فَقَطْ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي الصَّوْمِ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٍ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا، عَنْ مَالِكٍ بِهِ لَكِنَّهُمَا اقْتَصَرَا عَلَى الْمَرْفُوعِ. الْمُنْتَهِي إِلَى قَوْلِهِ: مِنْ نُسُكِكُمْ، وَلَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ، نَعَم أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَضَاحِيِّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهِ تَامًّا فَهُمَا مُتَابِعَانِ لِمَالِكٍ.
стр. 966
[بَاب الْأَمْرِ بِالْأَكْلِ قَبْلَ الْغُدُوِّ فِي الْعِيدِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٣ - بَابُ الْأَمْرِ بِالْأَكْلِ قَبْلَ الْغُدُوِّ فِي الْعِيدِ إِلَى صَلَاةِ الْعِيدِ.
٤٣٢ - ٤٣٣ - (مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ) إِلَى الصَّلَاةِ اقْتِدَاءً بِفِعْلِهِ ﷺ .
رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَنَسٍ: " «كَانَ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ وَيَأْكُلَهُنَّ وِتْرًا» " قَالَ الْبَاجِيُّ: فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ تَمْرًا إِنْ وَجَدَهُ وَكَوْنَهُ وِتْرًا.
وَقَالَ الْمُهَلَّبُ:
стр. 967
جَعَلَهُنَّ وِتْرًا إِشَارَةً إِلَى الْوَحْدَانِيَّةِ.
وَكَذَا كَانَ ﷺ يَفْعَلُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ تَبَرُّكًا بِذَلِكَ، وَالْحِكْمَةُ فِي اسْتِحْبَابِ التَّمْرِ لِمَا فِي الْحُلْوِ مِنْ تَقْوِيَةِ الْبَصَرِ الَّذِي يُضْعِفُهُ الصَّوْمُ؛ وَلِأَنَّ الْحُلْوَ مِمَّا يُوَافِقُ الْإِيمَانَ، وَيُعَبَّرُ بِهِ فِي الْمَنَامِ، وَيُرِقُّ الْقَلْبَ، وَهُوَ أَيْسَرُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَمِنْ ثَمَّ اسْتَحَبَّ بَعْضُ التَّابِعِينَ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى الْحُلْوِ مُطْلَقًا كَالْعَسَلِ؛ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ وَابْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِمَا. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ أَنَّهُ يَحْبِسُ الْبَوْلَ، هَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يُفْطِرَ وَلَوْ عَلَى الْمَاءِ؛ لِيَحْصُلَ لَهُ شِبْهُ مَا مِنْ الِاتِّبَاعِ، أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ.
стр. 968
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُؤْمَرُونَ بِالْأَكْلِ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ قَالَ مَالِكٌ وَلَا أَرَى ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ فِي الْأَضْحَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٤٣٢ - ٤٣٤ - (مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُؤْمَرُونَ بِالْأَكْلِ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ) إِلَى صَلَاةِ الْعِيدِ لِئَلَّا يَظُنَّ ظَانٌّ لُزُومَ الصَّوْمِ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعِيدَ، وَكَأَنَّهُ أُرِيدَ سَدُّ هَذِهِ الذَّرِيعَةِ، قَالَهُ الْمُهَلَّبِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمَّا وَجَبَ الْفِطْرُ عَقِبَ وُجُوبِ الصَّوْمِ اسْتَحَبَّ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ مُبَادَرَةً لِامْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُشْعَرُ بِذَلِكَ اقْتِصَارُهُ ﷺ عَلَى الْقَلِيلِ وَلَوْ كَانَ لِغَيْرِ الِامْتِثَالِ لِأَكْلِ قَدْرِ الشِّبَعِ؛ أَشَارَ لَهُ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: لَمَّا كَانَ الْمُعْتَكِفُ لَا يَتِمُّ اعْتِكَافُهُ حَتَّى يَغْدُوَ إِلَى الْمُصَلَّى قَبْلَ انْصِرَافِهِ إِلَى بَيْتِهِ خَشِيَ أَنْ يَعْتَمِدَ فِي هَذَا الْجُزْءِ مِنَ النَّهَارِ بِاعْتِبَارِ اسْتِصْحَابِ الصِّيَامِ مَا يَعْتَمِدُهُ مِنِ اسْتِصْحَابِ الِاعْتِكَافِ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِمَشْرُوعِيَّةِ الْأَكْلِ قَبْلَ الْغُدُوِّ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الشَّيْطَانَ الَّذِي يُحْبَسُ فِي رَمَضَانَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ، فَاسْتُحِبَّ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ بَدَارًا إِلَى السَّلَامَةِ مِنْ وَسْوَسَتِهِ.
(قَالَ مَالِكٌ: وَلَا أَرَى ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ فِي الْأَضْحَى) بَلْ مَنْ شَاءَ فَعَلَ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ، هَذَا مُقْتَضَى قَوْلِهِ.
وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ أَبَا بُرْدَةٍ أَكَلَ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ النَّحْرِ فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الَّتِي ذَبَحَهَا لَا تُجْزِئُ ضَحِيَّةً تَرَكَهَا وَأَقَرَّهُ عَلَى الْأَكْلِ مِنْهَا» ، وَغَيْرُهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَأْكُلَ يَوْمَ الْأَضْحَى حَتَّى يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَتِهِ وَلَوْ مِنْ كَبِدِهَا، فَلَمَّا كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْفِطْرِ إِخْرَاجُ حَقٍّ قَبْلَ الْغُدُوِّ إِلَى الصَّلَاةِ، وَهُوَ زَكَاةُ الْفِطْرِ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ إِخْرَاجِ ذَلِكَ الْحَقِّ، كَمَا أَنَّ عَلَيْهِ يَوْمَ الْأَضْحَى حَقًّا يُخْرِجُهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْأُضْحِيَةُ، فَاسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ ذَلِكَ الْوَقْتَ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ، عَنْ بُرَيْدَةَ: " «كَانَ ﷺ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ» ، وَنَحْوُهُ لِلْبَزَّارِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ.
وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يَخْرُجَ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يُخْرِجَ الصَّدَقَةَ وَيَطْعَمَ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ " وَفِي كُلٍّ مِنْ أَسَانِيدِهَا مَقَالٌ.
قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: وَقَعَ أُكُلُهُ ﷺ فِي كُلٍّ مِنَ
стр. 969
الْعِيدَيْنِ فِي الْوَقْتِ الْمَشْرُوعِ لِإِخْرَاجِ صَدَقَتِهِمَا الْخَاصَّةِ بِهِمَا، فَإِخْرَاجُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إِلَى الْمُصَلَّى، وَإِخْرَاجُ صَدَقَةِ الْأُضْحِيَّةِ بَعْدَ ذَبْحِهَا، فَاجْتَمَعَا مِنْ جِهَةٍ وَافْتَرَقَا مِنْ أُخْرَى، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ تَفْصِيلًا آخَرَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ ذَبْحٌ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَكْلِ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَبْحٌ يُخَيَّرُ.
стр. 970
[بَاب مَا جَاءَ فِي التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ فَقَالَ كَانَ يَقْرَأُ بِ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ وَاقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
١٠٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ.
١٠٦ - ٤٣٣ ٤٣٥ - (مَالِكٌ، عَنْ ضَمْرَةَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ (ابْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ (الْمَازِنِيِّ) ثِقَةٌ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بِفَتْحِهَا (ابْنِ عُتْبَةَ) بِضَمِّهَا وَفَوْقِيَّةٍ سَاكِنَةٍ (ابْنِ مَسْعُودٍ) الْهُذَلِيِّ الْمَدَنِيِّ أَحَدِ الْفُقَهَاءِ بِهَا (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ) بِالْقَافِ (اللَّيْثِيَّ) الصَّحَابِيَّ قِيلَ: اسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ مَالِكٍ، وَقِيلَ: ابْنُ عَوْفٍ، وَقِيلَ: اسْمُهُ عَوْفُ بْنُ الْحَارِثٍ، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ فَفِيهِ إِرْسَالٌ لَكِنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ بِلَا شَكٍّ، وَقَدْ صَرَّحَ بِاتِّصَالِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ فُلَيْحٍ، عَنْ ضَمْرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ قَالَ: سَأَلَنِي عُمَرُ قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذِهِ مُتَّصِلَةٌ، فَإِنَّهُ أَدْرَكَ أَبَا وَاقِدٍ بِلَا شَكٍّ وَسَمِعَهُ بِلَا خِلَافٍ (مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ) قَالَ الْبَاجِيُّ: يَحْتَمِلُ عَلَى مَعْنَى الِاخْتِبَارِ أَوْ نَسِيَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَذَكَّرَ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَالُوا فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَاسْتَثْبَتَهُ أَوْ أَرَادَ إِعْلَامَ النَّاسِ بِذَلِكَ أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنَ الْمَقَاصِدِ، قَالُوا: وَيَبْعُدُ أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ مَعَ شُهُودِ صَلَاةِ الْعِيدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرَّاتٍ، وَقَرَّبَهُ مِنْهُ « (فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ بِقَافْ ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى.
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] فِي الثَّانِيَةِ» .
قَالَ الْعُلَمَاءُ: حِكْمَةُ ذَلِكَ مَا اشْتَمَلَتَا عَلَيْهِ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْبَعْثِ وَالْإِخْبَارِ عَنِ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ وَإِهْلَاكِ الْمُكَذِّبِينَ، وَتَشْبِيهِ بُرُوزِ النَّاسِ لِلْعِيدِ بِبُرُوزِهِمْ لِلْبَعْثِ وَخُرُوجِهِمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعْلُومٌ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ يَوْمَ الْعِيدِ بِسُوَرٍ شَتَّى وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ
стр. 971
شَيْءٌ لَا يَتَعَدَّى وَكُلُّهُمْ يَسْتَحِبُّ مَا رَوَى أَكْثَرُهُمْ وَجُمْهُورُهُمْ (سَبَّحَ) (سُورَةُ الْأَعْلَى: الْآيَةُ ١) وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] (سُورَةُ الْغَاشِيَةِ: الْآيَةُ ١) لِتَوَاتُرِ الرِّوَايَاتِ بِذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ وَأَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ رُوِيَ قِرَاءَةُ " قَافْ، وَاقْتَرَبَتْ " مُسْنَدًا فِي غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ فُلَيْحٌ، عَنْ ضَمْرَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا.
стр. 972
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ شَهِدْتُ الْأَضْحَى وَالْفِطْرَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَكَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ وَجَدَ النَّاسَ قَدْ انْصَرَفُوا مِنْ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْعِيدِ إِنَّهُ لَا يَرَى عَلَيْهِ صَلَاةً فِي الْمُصَلَّى وَلَا فِي بَيْتِهِ وَإِنَّهُ إِنْ صَلَّى فِي الْمُصَلَّى أَوْ فِي بَيْتِهِ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا وَيُكَبِّرُ سَبْعًا فِي الْأُولَى قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٤٣٤ - ٤٣٦ - (مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْتُ الْأَضْحَى وَالْفِطْرَ مَعَ أُبَيٍّ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ) وَهَذَا لَا يَكُونُ رَأْيًا لَا تَوْقِيفًا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ عَنْهُ ﷺ مِنْ طُرُقٍ حِسَانٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا عَدَّ فِي الْأُولَى تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ سِوَاهَا وَالْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْخَمْسَ فِي الثَّانِيَةِ غَيْرُ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
(قَالَ مَالِكٌ: وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) بِالْمَدِينَةِ.
وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي مَرْفُوعًا: " «التَّكْبِيرُ فِي الْفِطْرِ سَبْعٌ فِي الْأُولَى وَخَمْسٌ فِي الْآخِرَةِ، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا» " قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ: سَأَلْتُ عَنْهُ مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ، فَقَالَ: صَحِيحٌ.
وَفِي التِّرْمِذِيِّ: " «أَنَّهُ ﷺ كَبَّرَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ» " وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ كَذِبٌ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ: هُوَ أَقْبَحُ حَدِيثٍ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: حِكْمَةُ هَذَا الْعَدَدِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلْوِتْرِيَّةِ أَثَرٌ عَظِيمٌ فِي التَّذْكِيرِ بِالْوِتْرِ الصَّمَدِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ، وَكَانَ لِلسَّبْعَةِ مِنْهَا مَدْخَلٌ عَظِيمٌ فِي الشَّرْعِ جَعَلَ تَكْبِيرَ صَلَاةِ الْعِيدِ وِتْرًا وَجَعَلَ سَبْعًا فِي الْأُولَى لِذَلِكَ، وَتَذْكِيرًا بِأَعْمَالِ الْحَجِّ السَّبْعَةِ مِنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْجِمَارِ تَشْوِيقًا إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ النَّظَرَ إِلَى الْعِيدِ الْأَكْبَرِ أَكْثَرُ، وَتَذْكِيرًا بِخَالِقِ هَذَا الْوُجُودِ بِالتَّفَكُّرِ فِي أَفْعَالِهِ الْمَعْرُوفَةِ مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَيَّامِ السَّبْعِ؛ لِأَنَّهُ خَلَقَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَخَلَقَ آدَمَ فِي السَّابِعِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَلَمَّا جَرَتْ عَادَةُ الشَّارِعِ بِالرِّفْقِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَمِنْهُ تَخْفِيفُ الثَّانِيَةِ عَنِ الْأُولَى، وَكَانَتِ الْخَمْسَةُ أَقْرَبُ وِتْرًا إِلَى السَّبْعَةِ مِنْ دُونِهَا جَعَلَ تَكْبِيرَ الثَّانِيَةِ خَمْسًا لِذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ زُرْقُونَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: حِكْمَةُ زِيَادَةِ التَّكْبِيرِ إِحْدَى عَشْرَةَ أَنَّهَا عَدَدُ تَكْبِيرِ رَكْعَتَيْنِ فَكَأَنَّهُ اسْتِدْرَاكُ فَضِيلَةِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ كَمَا اسْتَدْرَكَ فَضِيلَةُ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِالرُّكُوعِ الزَّائِدِ فِيهَا.
стр. 973
قُلْتُ: وَاسْتِدْرَاكُ ذَلِكَ فِي الْجُمُعَةِ بِالْخُطْبَةِ، وَلِذَا جُعِلَتْ خُطْبَتَيْنِ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ.
وَلَا يُقَالُ: هَلَّا جُعِلَتِ الْخُطْبَةُ فِي الْعِيدِ لِاسْتِدْرَاكِ ذَلِكَ؟ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ كَمَا هِيَ شَرْطٌ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، انْتَهَى.
(قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ وَجْدَ النَّاسَ قَدِ انْصَرَفُوا مِنَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْعِيدِ أَنَّهُ لَا يَرَى عَلَيْهِ صَلَاةٌ فِي الْمُصَلَّى وَلَا فِي بَيْتِهِ) لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ سُنَّةٌ لِلْجَمَاعَةِ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ، فَمَنْ فَاتَتْهُ تِلْكَ السُّنَّةُ لَمْ يَلْزَمْهُ صَلَاتُهَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
(وَأَنَّهُ إِنْ صَلَّى فِي الْمُصَلَّى أَوْ فِي بَيْتِهِ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا) أَيْ: يَجُوزُ خِلَافًا لِجَمَاعَةٍ قَالُوا: لَا تُصَلَّى إِذَا فَاتَتْ (وَيُكَبِّرُ سَبْعًا) بِالْإِحْرَامِ (فِي الْأُولَى قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَخَمْسًا) غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ (فِي الثَّانِيَةِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ) عَلَى سُنَّتِهَا جَمَاعَةً خِلَافًا لِقَوْلِ النَّوَوِيِّ وَأَحْمَدَ: إِنْ صَلَّاهَا وَحْدَهُ صَلَّى أَرْبَعًا، وَسَلَفُهُمَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ فَاتَتْهُ الْعِيدُ مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعًا؛ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ.
قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: كَأَنَّهُمْ قَاسُوهَا عَلَى الْجُمُعَةِ لَكِنَّ الْفَرْقَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ يَعُودُ لِفَرْضِهِ مِنَ الظُّهْرِ بِخِلَافِ الْعِيدِ، وَخَيَّرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَبَيْنَ الثِّنْتَيْنِ وَالْأَرْبَعِ.
стр. 974
[بَاب تَرْكِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدَيْنِ وَبَعْدَهُمَا]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
- بَابُ تَرْكِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدَيْنِ وَبَعْدَهُمَا.
٤٣٥ - ٤٣٧ - (مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا) لِأَنَّهُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ اتِّبَاعًا لِلْمُصْطَفَى.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا» ".
وَفِي ابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يُصَلِّي قَبْلَ الْعِيدِ شَيْئًا، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ» " قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَحْمَدَ: الْكُوفِيُّونَ يُصَلُّونَ بَعْدَهَا لَا قَبْلَهَا، وَالْبَصْرِيُّونَ قَبْلَهَا لَا بَعْدَهَا، وَالْمَدَنِيُّونَ لَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، وَبِالْأَوَّلِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَجَمَاعَةٌ، وَالثَّانِي الْحَسَنُ وَجَمَاعَةٌ، وَالثَّالِثِ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ.
وَأَمَّا مَالِكٌ فَمَنَعَهُ فِي الْمُصَلَّى.
وَعَنْهُ فِي
стр. 975
الْمَسْجِدِ رِوَايَتَانِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ يَتَنَفَّلُ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا، وَابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ بَعْدَهَا لَا قَبْلَهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا كَرَاهَةَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا.
قَالَ الْحَافِظُ: كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ، فَإِنْ حَمَلَ عَلَى الْمَأْمُومِ وَإِلَّا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ: يَجِبُ لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، وَقَيَّدَهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ بِالْمُصَلَّى.
وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَفَّلُ فِي الْمُصَلَّى.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: التَّنَفُّلُ فِي الْمُصَلَّى لَوْ فُعِلَ لَنُقِلَ، وَمَنْ أَجَازَهُ رَأَى أَنَّهُ وَقْتٌ لِلصَّلَاةِ، وَمِنْ تَرَكَهُ رَأَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَمَنِ اقْتَدَى بِهِ فَقَدِ اهْتَدَى، انْتَهَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا سُنَّةٌ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا خِلَافًا لِمَنْ قَاسَهَا عَلَى الْجُمُعَةِ.
وَأَمَّا مُطْلَقُ النَّفْلِ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ مَنْعٌ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ إِلَّا إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ الَّذِي فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ، انْتَهَى.
وَفِي الِاسْتِذْكَارِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، فَالنَّاسُ كَذَلِكَ، وَالصَّلَاةُ فِعْلُ خَيْرٍ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ.
стр. 976
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنََّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَغْدُو إِلَى الْمُصَلَّى بَعْدَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٤٣٥ - ٤٣٨ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبَ كَانَ يَغْدُو إِلَى الْمُصَلَّى بَعْدَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) لِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ لِلنَّاسِ بِخِلَافِ الْإِمَامِ فَيَغْدُو بِقَدْرِ مَا يَبْلُغُ الْمُصَلَّى وَقَدْ حَلَّتِ الصَّلَاةُ كَمَا يَأْتِي.
стр. 977
[بَاب الرُّخْصَةِ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدَيْنِ وَبَعْدَهُمَا]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَبَاهُ الْقَاسِمَ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى الْمُصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٦ - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدَيْنِ وَبَعْدَهُمَا.
كَذَا تَرْجَمَ عَقِبَ الْأُولَى، وَلَيْسَتِ الرُّخْصَةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ فِي شَيْءٍ إِذْ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ النَّفْلِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إِلَى الْمُصَلَّى لِمَنْ تَأَخَّرَ لِحَلِّ النَّافِلَةِ فَيَتَنَفَّلُ ثُمَّ يَغْدُو إِلَيْهَا، قَالَهُ الْبَاجِيُّ وَأَبُو عُمَرَ.
٤٣٧ - ٤٣٩ - (مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ (أَنَّ أَبَاهُ الْقَاسِمَ) أَحَدَ الْفُقَهَاءِ (كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى الْمُصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
стр. 978
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٤٣٨ - ٤٤٠ - (مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ) قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الْمُصَلَّى، قَالَ أَبُو عُمَرَ: فَعَلَ الْقَاسِمُ وَعُرْوَةُ خِلَافَ فِعْلِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا يَرْكَعَانِ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَا إِلَى الْمُصَلَّى، وَالرُّكُوعُ إِنَّمَا يَكُونُ حِينَ تَبْيَضُّ الشَّمْسُ وَلَا يَكُونُ أَثَرُ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ كَفِعْلِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ: كُلٌّ مُبَاحٌ لَا حَرَجَ فِيهِ.
стр. 979
[بَاب غُدُوِّ الْإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ وَانْتِظَارِ الْخُطْبَةِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ مَضَتْ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا فِي وَقْتِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى أَنَّ الْإِمَامَ يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ قَدْرَ مَا يَبْلُغُ مُصَلَّاهُ وَقَدْ حَلَّتْ الصَّلَاةُ
قَالَ يَحْيَى وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ هَلْ لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ الْخُطْبَةَ فَقَالَ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧ - بَابُ غُدُوِّ الْإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ وَانْتِظَارِ الْخُطْبَةِ.
مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ؛ أَيِ: انْتِظَارِ النَّاسِ سَمَاعَ الْخُطْبَةِ.
(قَالَ مَالِكٌ: مَضَتِ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا) بِالْمَدِينَةِ (فِي وَقْتِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى أَنَّ الْإِمَامَ يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ قَدْرَ مَا يَبْلُغُ مُصَلَّاهُ وَقَدْ حَلَّتِ الصَّلَاةُ) بِارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَيْدَ رُمْحٍ، وَيُزَادُ عَلَى ذَلِكَ قَلِيلًا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ وَمَجِيءِ مَنْ بَعُدَ، وَآخِرُ وَقْتِهَا زَوَالُ الشَّمْسِ لَا وَقْتَ لَهَا غَيْرُهُ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْعِيدَ لَا تُصَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ طُلُوعِهَا، وَإِنَّمَا تَجُوزُ عِنْدَ جَوَازِ النَّافِلَةِ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ: «خَرَجَ مَعَ النَّاسِ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى فَأَنْكَرَ إِبْطَاءَ الْإِمَامِ وَقَالَ: إِنْ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ فَرَغْنَا سَاعَتَنَا هَذِهِ؛ وَذَلِكَ حِينَ التَّسْبِيحُ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَدَلَالَتُهُ عَلَى الْمَنْعِ لَيْسَتْ بِظَاهِرَةٍ، وَيُعَكَّرُ عَلَى حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ إِطْلَاقُ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَمْتَدُّ وَقْتُهَا لِلزَّوَالِ أَمْ لَا؟
(قَالَ يَحْيَى: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ هَلْ لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ الْخُطْبَةَ؟ فَقَالَ: لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ) أَيْ: يُكْرَهُ ذَلِكَ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ.
стр. 980
[كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ] [بَاب صَلَاةِ الْخَوْفِ]
بَاب صَلَاةِ الْخَوْفِ
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَمَّنْ صَلَّى «مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ وَصَفَّتْ طَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
١١ - كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ.
١ - بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ.
أَيْ: صِفَتِهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُحْتَمَلُ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَهُ مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي غَيْرِهِ، وَمَنَعَهَا ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْحَضَرِ تَعَلُّقًا بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١] (سُورَةُ النِّسَاءِ: الْآيَةُ ١٠١) وَأَجَازَهَا الْبَاقُونَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَصَاحِبُهُ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ الْلُؤْلُؤْيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عُلَيَّةَ وَالْمُزْنِيُّ: لَا تُصَلَّى بَعْدَهُ ﷺ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] (سُورَةُ النِّسَاءِ: الْآيَةُ ١٠٢) وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى فِعْلِهَا بَعْدَهُ، وَبِقَوْلِهِ: " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» " فَمَنْطُوقُهُ مُقَدَّمٌ عَلَى ذَلِكَ الْمَفْهُومِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ: شَرْطُ كَوْنِهِ فِيهِمْ إِنَّمَا وَرَدَ لِبَيَانِ الْحُكْمِ لَا لِوُجُودِهِ؛ أَيْ: بَيِّنْ لَهُمْ بِفِعْلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَوْضَحُ مِنَ الْقَوْلِ، ثُمَّ الْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ عُذْرٍ طَرَأَ عَلَى الْعِبَادَةِ فَهُوَ عَلَى التَّسَاوِي كَالْقَصْرِ وَالْكَيْفِيَّةِ وَرَدَتْ لِبَيَانِ الْحَذَرِ مِنَ الْعَدُوِّ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ.
وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: الشَّرْطُ إِذَا خَرَجَ مَخْرَجَ التَّعْلِيمِ لَا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ كَالْخَوْفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] (سُورَةُ النِّسَاءِ: الْآيَةُ ١٠١) ، وَجَاءَ فِي صِفَتِهَا أَوْجُهٌ كَثِيرَةٌ، قَالَ فِي الْقَبَسِ: جَاءَ أَنَّهُ ﷺ صَلَّاهَا أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً أَصَحُّهَا سِتَّ عَشْرَةَ رِوَايَةً مُخْتَلِفَةً وَلَمْ يُبَيِّنْهَا، وَبَيَّنَهَا الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَزَادَ وَجْهًا آخَرَ قَالَ: لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ تَتَدَاخَلَ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْهَدْيِ: أُصُولُهَا سِتُّ صِفَاتٍ وَبَلَّغَهَا بَعْضُهُمْ أَكْثَرَ، وَهَؤُلَاءِ كُلَّمَا رَأَوُا اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِي قِصَّةٍ جَعَلُوا ذَلِكَ وَجْهًا مِنْ فِعْلِهِ ﷺ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنِ اخْتِلَافِ الرُّوَاةِ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ شَيْخُنَا الْعِرَاقِيُّ بِقَوْلِهِ: يُمْكِنُ تَدَاخُلُهَا.
وَحَكَى ابْنُ الْقَصَّارِ أَنَّهُ صَلَّاهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: صَلَّاهَا فِي أَيَّامٍ مُخْتَلِفَةٍ بِأَشْكَالٍ مُتَبَايِنَةٍ يَتَحَرَّى فِيهَا مَا هُوَ الْأَحْوَطُ لِلصَّلَاةِ وَالْأَبْلَغُ لِلْحِرَاسَةِ، فَهِيَ عَلَى اخْتِلَافِ صُوَرِهَا مُتَّفِقَةُ الْمَعْنَى.
٤٤٠ - ٤٤١ - (مَالِكٌ، عَنْ يَزِيدِ بْنِ رُومَانَ) بِضَمِّ الرَّاءِ؛ الْمَدَنِيِّ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ (عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الْوَاوِ فَأَلِفٌ فَفَوْقِيَّةٌ؛ ابْنِ جُبَيْرِ بْنِ
стр. 981
النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ، تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ، وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ أُحُدٌ، وَقِيلَ: شَهِدَ بَدْرًا وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ.
(عَنْ مَنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) قِيلَ: هُوَ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ لِلْحَدِيثِ التَّالِي. قَالَ الْحَافِظُ: وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ أَبُوهُ خَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ مُحَقَّقٌ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَسَبَقَهُ الْغَزَالِيُّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَبَا أُوَيْسٍ رَوَاهُ، عَنْ يَزِيدَ شَيْخِ مَالِكٍ فَقَالَ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ صَالِحًا سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ وَمِنْ سَهْلٍ فَأَبْهَمَهُ تَارَةً وَعَيَّنَهُ أُخْرَى لَكِنَّ قَوْلَهُ: (يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ) يُعَيِّنُ أَنَّ الْمُبْهَمَ أَبُوهُ إِذْ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، عَنْ سَهْلٍ أَنَّهُ صَلَّاهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ سَهْلًا لَمْ يَكُنْ فِي سِنِّ مَنْ يَخْرُجُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ لِصِغَرِهِ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَرْوِيَهَا، فَرِوَايَتُهُ إِيَّاهَا مُرْسَلُ صَحَابِيٍّ، فَبِهَذَا يَقْوَى تَفْسِيرُ الَّذِي صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِخُوَّاتٍ (صَلَاةَ الْخَوْفِ) ، وَسُمِّيَتْ ذَاتُ الرِّقَاعِ؛ لِأَنَّ أَقْدَامَ الْمُسْلِمِينَ نُقِبَتْ مِنَ الْحَفَاءِ فَكَانُوا يُلْقُونَ عَلَيْهَا الْخِرَقَ، أَوْ لِأَنَّهُمْ رَاقَعُوا رَايَاتَهُمْ فِيهَا، أَوْ لِأَنَّ أَرْضَهَا ذَاتُ أَلْوَانٍ تُشْبِهُ الرِّقَاعَ، أَوْ لِشَجَرَةٍ نَزَلُوا تَحْتَهَا، أَوْ جَبَلٍ هُنَاكَ فِيهِ بَيَاضٌ وَحُمْرَةٌ وَسَوَادٌ.
وَقَوْلُ ابْنِ حِبَّانَ: لِأَنَّ خَيْلَهُمْ كَانَ بِهَا سَوَادٌ وَبَيَاضٌ لَعَلَّهُ تَصَحَّفَ عَلَيْهِ جَبَلٌ بَخِيلٍ، وَرَجَّحَ السُّهَيْلِيُّ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي قَالَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَكَذَا النَّوَوِيُّ، ثُمَّ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِالْمَجْمُوعِ لِوُجُودِ هَذِهِ الْأُمُورِ كُلِّهَا فِيهَا (وَأَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ) هَكَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا صَلَّتْ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُمَا صَحِيحَانِ (مَعَهُ) ﷺ (وَصَفَّتْ طَائِفَةٌ) بِالرَّفْعِ أَيِ: اصْطَفُّوا يُقَالُ: صَفَّ الْقَوْمُ إِذَا صَارُوا صَفًّا (وِجَاهَ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَضَمِّهَا؛ أَيْ: مُقَابِلِ (الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ) حَالَ كَوْنِهِ (قَائِمًا وَأَتَمُّوا) أَيِ: الَّذِينَ صَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ (لِأَنْفُسِهِمْ) رَكْعَةً أُخْرَى (ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَلُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى) الَّتِي كَانَتْ وِجَاهَ الْعَدُوِّ (فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا) لَمْ يَخْرُجْ مِنْ صَلَاتِهِ (وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمُ) الرَّكْعَةَ الْأُخْرَى (ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ) ﵊، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَرَوَاهُ بَقِيَّةُ السِّتَّةِ.
стр. 982
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ وَمَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَطَائِفَةٌ مُوَاجِهَةٌ الْعَدُوَّ فَيَرْكَعُ الْإِمَامُ رَكْعَةً وَيَسْجُدُ بِالَّذِينَ مَعَهُ ثُمَّ يَقُومُ فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا ثَبَتَ وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ ثُمَّ يُسَلِّمُونَ وَيَنْصَرِفُونَ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ فَيَكُونُونَ وِجَاهَ الْعَدُوِّ ثُمَّ يُقْبِلُ الْآخَرُونَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُكَبِّرُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ فَيَرْكَعُ بِهِمْ الرَّكْعَةَ وَيَسْجُدُ ثُمَّ يُسَلِّمُ فَيَقُومُونَ فَيَرْكَعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ ثُمَّ يُسَلِّمُونَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٤٤١ - ٤٤٢ - (مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ (عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ) بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ (عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ) الْأَنْصَارِيِّ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْأَوَّلِ، فَفِيهِ ثَلَاثَةٌ تَابِعِيُّونَ مَدَنِيُّونَ فِي نَسَقِ يَحْيَى وَالْقَاسِمِ وَصَالِحٍ (أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُثَلَّثَةُ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَقِيلَ: عَامِرٌ، وَقِيلَ اسْمُ أَبِيهِ: عَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو حَثْمَةَ جَدُّهُ، وَاسْمُهُ عَامِرُ بْنُ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ (حَدَّثَهُ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ) أَيْ: صِفَتَهَا (أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ يَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ بِإِسْنَادِهِ هَذَا: مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ (وَمَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَطَائِفَةٌ مُوَاجِهَةٌ الْعَدُوَّ) أَيْ: مِنْ جِهَتِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْقَطَّانِ: وَطَائِفَةٌ مِنْ قِبَلِ الْعَدُوِّ وُجُوهُهُمْ إِلَى الْعَدُوِّ (فَيَرْكَعُ الْإِمَامُ رَكْعَةً وَيَسْجُدُ بِالَّذِينِ مَعَهُ) وَفِي رِوَايَةِ الْقَطَّانِ: فَيُصَلِّي بِالَّذِينِ مَعَهُ رَكْعَةً (ثُمَّ يَقُومُ فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا) سَاكِنًا أَوْ دَاعِيًا (ثَبَتَ وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمُ الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ) فِي مَكَانِهِمْ (ثُمَّ يُسَلِّمُونَ وَيَنْصَرِفُونَ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ فَيَكُونُونَ وِجَاهَ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَضَمِّهَا؛ مُقَابِلَ (الْعَدُوِّ) ، وَفِي رِوَايَةِ الْقَطَّانِ: ثُمَّ يَذْهَبُ هَؤُلَاءِ إِلَى مَقَامِ أُولَئِكَ (ثُمَّ يُقْبِلُ الْآخَرُونَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُكَبِّرُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ فَيَرْكَعُ بِهِمُ الرَّكْعَةَ) الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِ (وَيَسْجُدُ) بِهِمْ (ثُمَّ يُسَلِّمُ فَيَقُومُونَ فَيَرْكَعُونَ لِأَنْفُسِهِمُ الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ) عَلَيْهِمْ، وَفِي نُسْخَةِ الثَّانِيَةِ: (ثُمَّ يُسَلِّمُونَ) وَفِي الطَّرِيقِ الْأُولَى أَنَّهُ ﷺ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ مَالِكٌ بَعْدَ أَنْ قَالَ بِحَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، وَإِنَّمَا اخْتَارَهُ وَرَجَعَ إِلَيْهِ لِلْقِيَاسِ عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَنْتَظِرُ الْمَأْمُومَ، وَأَنَّ الْمَأْمُومَ إِنَّمَا يَقْضِي بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ.
قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مَوْقُوفٌ عِنْدَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ رَأْيًا، وَقَدْ جَاءَ مَرْفُوعًا مُسْنَدًا، انْتَهَى.
وَتَابَعَ مَالِكًا عَلَى وَقْفِهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَرَفَعَهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ فِي رِوَايَتِهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -
стр. 983
صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْخَوْفِ فَصَفَّهُمْ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَصَلَّى بِالَّذِينِ يَلُونَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَةً ثُمَّ تَقَدَّمُوا، وَتَأَخَّرَ الَّذِينَ كَانُوا قُدَّامَهُمْ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ قَعَدَ حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ» " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
فَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَإِنَّمَا قَالَ بَعْدَ سِيَاقِ إِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ أَسَنُّ مِنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَأَجَلُّ، انْتَهَى.
فَهُوَ مُرْسَلُ صَحَابِيٍّ، قَالَ الْحَافِظُ: لِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ سَهْلًا كَانَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَتَعَقَّبُوا مَا ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ وَلَدِ سَهْلٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ إِلَّا بَدْرًا، وَكَانَ الدَّلِيلُ لَيْلَةَ أُحُدٍ بِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ لِأَبِيهِ، أَمَّا هُوَ فَمَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ، وَبِهَذَا جَزَمَ الطَّبَرِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ السَّكَنِ وَغَيْرُهُمْ.
стр. 984
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ «كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ قَالَ يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ وَطَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ فَيُصَلِّي بِهِمْ الْإِمَامُ رَكْعَةً وَتَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ لَمْ يُصَلُّوا فَإِذَا صَلَّى الَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا وَلَا يُسَلِّمُونَ وَيَتَقَدَّمُ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ يَنْصَرِفُ الْإِمَامُ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَتَقُومُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ فَيُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً رَكْعَةً بَعْدَ أَنْ يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ صَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ خَوْفًا هُوَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا» قَالَ مَالِكٌ قَالَ نَافِعٌ لَا أَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ إِلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٤٤٢ - ٤٤٣ - (مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ) صِفَةِ (صَلَاةِ الْخَوْفِ قَالَ: يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ وَطَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ) حَيْثُ لَا يَبْلُغُهُمْ سِهَامُ الْعَدُوِّ (فَيُصَلِّي بِهِمُ الْإِمَامُ رَكْعَةً وَتَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَيْنَهُ) أَيِ: الْإِمَامُ وَمَنْ مَعَهُ (وَبَيْنَ الْعَدُوِّ لَمْ يُصَلُّوا) لِحَرْسِهِمُ الْعَدُوَّ (فَإِذَا صَلَّى الَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا) فَيَكُونُونَ فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ (وَلَا يُسَلِّمُونَ) بَلْ يَسْتَمِرُّونَ فِي الصَّلَاةِ (وَيَتَقَدَّمُ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا) لِلْإِمَامِ، (فَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ يَنْصَرِفُ الْإِمَامُ) مِنْ صَلَاتِهِ بِالتَّسْلِيمِ (وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَتَقُومُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ فَيُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً رَكْعَةً) بِالتَّكْرِيرِ (بَعْدَ أَنْ يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ) مِنَ الصَّلَاةِ (فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ صَلُّوا رَكْعَتَيْنِ) قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ تَخْتَلِفِ الطُّرُقُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ أَتَمُّوا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَتَمُّوا عَلَى التَّعَاقُبِ وَهُوَ الرَّاجِحُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَإِلَّا لَزِمَ ضَيَاعُ الْحِرَاسَةِ الْمَطْلُوبَةِ وَإِفْرَادُ الْإِمَامِ وَحْدَهُ، وَيُرَجِّحُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَفْظُهُ: " «ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ هَؤُلَاءِ؛ أَيِ: الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَقَضُوا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمُوا ثُمَّ ذَهَبُوا وَرَجَعَ أُولَئِكَ إِلَى مَقَامِهِمْ فَصَلُّوا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوا» " وَظَاهِرُهُ أَنَّ
стр. 985
الثَّانِيَةَ وَالَتْ بَيْنَ رَكْعَتَيْهَا ثُمَّ أَتَمَّتِ الطَّائِفَةُ الْأُولَى بَعْدَهَا، وَاخْتَارَ هَذِهِ الصِّفَةَ أَشْهَبُ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَهُوَ مُوَافَقَةٌ لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَأَخَذَ بِمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا الْحَنَفِيَّةُ، وَرَجَّحَهَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِقُوَّةِ إِسْنَادِهَا وَلِمُوَافَقَةِ الْأُصُولِ فِي أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يُتِمُّ صَلَاتَهُ قَبْلَ سَلَامِ إِمَامِهِ، (فَإِنْ كَانَ) الْأَمْرُ (خَوْفًا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ) بِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ، فَخِيفَ مِنْ قَسْمِهِمْ لِذَلِكَ (صَلُّوا) بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ (رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: رِجَالًا.
زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: تُومِي إِيمَاءً (أَوْ رُكْبَانًا) عَلَى دَوَابِّهِمْ - جَمْعُ رَاكِبٍ - كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٢٣٩) (مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا) وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورَ، لَكِنْ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لَا يَصْنَعُونَ ذَلِكَ حَتَّى يَخْشَوْا فَوَاتَ الْوَقْتِ.
(قَالَ مَالِكٌ: قَالَ نَافِعٌ: لَا أُرَى) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ؛ أَيْ: لَا أَظُنُّ (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ) أَيْ: هَذَا الْحَدِيثَ (إِلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ عَلَى الشَّكِّ فِي رَفْعِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَرَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ جَمَاعَةٌ وَلَمْ يَشُكُّوا فِي رَفْعِهِ، مِنْهُمُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَأَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، وَكَذَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.
وَرَوَاهُ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، انْتَهَى.
وَرِوَايَةُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَكَذَا فِيهِمَا رِوَايَةُ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ.
وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا كُلَّهُ بِغَيْرِ شَكٍّ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ كَانَ خَوْفًا؛ هَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ أَوْ مَوْقُوفٌ؟ وَالرَّاجِحُ الرَّفْعُ.
следующие страницы →