Полный текст (700 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
سُورَة فَاتِحَة الْكتاب
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم رب يسر
١ - الْفَاتِحَة
﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ ٤
قَرَأَ عَاصِم وَالْكسَائِيّ ﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ بِأَلف
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْر ألف وحجتهم ﴿الْملك القدوس﴾ و ﴿ملك النَّاس﴾ فتعالى الله الْملك الْحق وَكَانَ أَبُو عَمْرو يَقُول أَولا تَقولُونَ ﴿فتعالى الله الْملك الْحق﴾
وَحجَّة أُخْرَى ذكرهَا أَبُو عبيد وَهِي أَن كل ملك فَهُوَ مَالك
стр. 2
وَلَيْسَ كل مَالك ملكا لِأَن الرجل قد يملك الدَّار وَالثَّوْب وَغير ذَلِك فَلَا يُسمى ملكا وَهُوَ مَالك وَكَانَ أَبُو عَمْرو يَقُول ملك تجمع مَالِكًا وَمَالك لَا يجمع ملكا
وَحجَّة أُخْرَى وَهِي أَن وَصفه بِالْملكِ أبلغ فِي الْمَدْح من وَصفه بِالْملكِ وَبِه وصف نَفسه فَقَالَ ﴿لمن الْملك الْيَوْم﴾ فامتدح بِملك ذَلِك وانفراده بِهِ يَوْمئِذٍ فمدحه بِمَا امتدح بِهِ أَحَق وَأولى من غَيره وَالْملك إِنَّمَا هُوَ من ملك لَا من مَالك لِأَنَّهُ لَو كَانَ من مَالك لقيل لمن الْملك بِكَسْر الْمِيم والمصدر من الْملك الْملك يُقَال هَذَا ملك عَظِيم الْملك وَالِاسْم من الْمَالِك الْملك يُقَال هَذَا مَالك صَحِيح الْملك بِكَسْر الْمِيم
وَحجَّة من قَرَأَ مَالك هِيَ أَن مَالِكًا يحوي الْملك ويشتمل عَلَيْهِ وَيصير الْملك مَمْلُوكا لقَوْله جلّ وَعز قل ﴿اللَّهُمَّ مَالك الْملك﴾ فقد جعل الْملك للْمَالِك فَصَارَ مَالك أمدح وَإِن كَانَ يشْتَمل على مَا يشْتَمل عَلَيْهِ الْملك وعَلى ملكه سوى مَا يتلوه ١ / ٢ من زِيَادَة الْألف الَّتِي هِيَ حَسَنَة قد ضمن عَنْهَا عشر حَسَنَات وَالدَّلِيل على هَذَا أَن شَاعِرًا جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ يشكو امْرَأَته فَقَالَ
يَا مَالك الْملك وديان الْعَرَب
стр. 3
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَه ذَلِك الله
وَحجَّة أُخْرَى وَهِي قَوْله ﴿يَوْم لَا تملك نفس لنَفس شَيْئا﴾ فقد أخبر أَنه وَإِذا كَانَ يملك فَهُوَ مَالك
وَحجَّة أُخْرَى ذكرهَا الْأَخْفَش وَهِي أَن مَالِكًا يُضَاف فِي اللَّفْظ إِلَى سَائِر الْمَخْلُوقَات فَيُقَال هُوَ مَالك النَّاس وَالْجِنّ وَالْحَيَوَان وَمَالك الرِّيَاح وَمَالك الطير وَسَائِر الْأَشْيَاء وَلَا يُقَال هُوَ ملك الرّيح وَالْحَيَوَان فَلَمَّا كَانَ ذَلِك كَذَلِك كَانَ الْوَصْف بِالْملكِ أَعم من الْوَصْف بِالْملكِ لِأَنَّهُ يملك جَمِيع مَا ذكرنَا وتحيط بِهِ قدرته وَيحكم يَوْم الدّين بَين خلقه دون سَائِر خلقه
قَالَ عُلَمَاؤُنَا إِنَّمَا يكون الْملك أبلغ فِي الْمَدْح من مَالك فِي صفة المخلوقين لِأَن أحدهم يملك شَيْئا دون شَيْء وَالله يملك كل شَيْء
стр. 4
﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم﴾ ٥ و ٦
قَرَأَ ابْن كثير فِي رِوَايَة القواس السراط وسراط بِالسِّين وحجته هِيَ أَن السِّين الأَصْل وَلَا ينْتَقل عَن الأَصْل إِلَى مَا لَيْسَ بِأَصْل وَرُوِيَ ان ابْن عَبَّاس كَانَ يقْرؤهَا بِالسِّين
وَقَرَأَ حَمْزَة بإشمام الزَّاي وَرُوِيَ عَنهُ بالزاي وَهِي لُغَة للْعَرَب
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بالصَّاد وحجتهم أَنَّهَا كتبت فِي جَمِيع الْمَصَاحِف بالصَّاد قَالَ الْكسَائي هما لُغَتَانِ
﴿صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾
قَرَأَ حَمْزَة عَلَيْهِم وإليهم ولديهم بِضَم الْهَاء قَرَأَ ابْن كثير وَنَافِع فِي رِوَايَة القَاضِي عَن قالون عَنهُ عليهمو وإليهمو
стр. 5
بِكَسْر الْهَاء وَضم الْمِيم وَيصلونَ بواو فِي اللَّفْظ
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْر الْهَاء وَسُكُون الْمِيم
وَاعْلَم أَن الأَصْل فِي عَلَيْهِم عَلَيْهِم بِضَم الْهَاء وَالْمِيم وَالْوَاو الَّتِي بعد الْمِيم وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن هَذِه الْهَاء للمذكر تضم وتشبع ضمتها فيتولد مِنْهَا الْوَاو نَحْو ضَربته وَإِذا فتحت كَانَت للمؤنث نَحْو رَأَيْتهَا وَهَذِه أَيْضا وَإِن فتحت فأصلها الضَّم بِدلَالَة قَوْلك للاثنين رأيتهما وللجماعة رأيتهن وعلامة الْجمع فِي الْمُذكر إِلَى هَذِه الْهَاء هِيَ الْمِيم المضمومة الَّتِي بعْدهَا وَاو كَمَا هِيَ فِي قَوْلكُم ضربتكم وَأَصله ضربتكمو يتَبَيَّن لَك ذَلِك إِذا اتَّصل بِهِ مُضْمر آخر ترد مَعَه الْوَاو نَحْو ضربتكموه وَلَا تَقول ضربتكمه وَمِنْه قَول الله ﴿أنلزمكموها﴾ فَهَذَا مِمَّا يبين لَك أَن الأَصْل عليهمو بِضَمَّتَيْنِ وواو
وَحجَّة من قَرَأَ عَلَيْهِم بِضَم الْهَاء وَسُكُون الْمِيم أَن أَصْلهَا الضَّم فأجري على أصل حركتها وَطلب الخفة بِحَذْف الْوَاو والضمة فَأتى بِأَصْل هُوَ ضم الْهَاء وَترك أصلا هُوَ إِثْبَات الْوَاو وَضم الْمِيم وَأما من قَرَأَ عَلَيْهِم فَإِنَّهُ استثقل ضمة الْهَاء بعد الْيَاء فَكسر الْهَاء لتَكون الْهَاء مَحْمُولَة على الْيَاء الَّتِي قبلهَا وَالْمِيم مَضْمُومَة للواو الَّتِي بعْدهَا فَحمل كل حرف على مَا يَلِيهِ وَهُوَ أقرب إِلَيْهِ
стр. 6
وَحجَّة البَاقِينَ أَن الْهَاء إِذا وَقعت بعد يَاء أَو كسرة كسرت نَحْو بِهِ وَإِلَيْهِ وَعَلِيهِ وَإِنَّمَا اختير الْكسر على الضَّم الَّذِي هُوَ الأَصْل لاستثقال الضمة بعد الكسرة أَلا ترى أَنه قد رفض فِي أصل الْبناء فَلم يجِئ بِنَاء على فعل مَضْمُومَة الْعين بعد كسر الْفَاء وَأما حذف الْوَاو فَلِأَن الْمِيم استغني بهَا عَن الْوَاو وَالْوَاو أَيْضا تثقل على ألسنتهم فَإِذا لقِيت الْمِيم ألف وَلَام فَإِنَّهُم مُخْتَلفُونَ مثل ﴿عَلَيْهِم الذلة﴾ وبهم الْأَسْبَاب فَقَرَأَ أَبُو عَمْرو بِكَسْر الْهَاء وَالْمِيم وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ بضمهما وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْر الْهَاء وَضم الْمِيم وَإِنَّمَا كسروا الْهَاء لمجاورة الْيَاء والكسرة وَإِنَّمَا رفعوا الْمِيم لأَنهم لما احتاجوا إِلَى تحريكها من أجل السَّاكِن الَّذِي لَقيته رد عَلَيْهَا الْحَرَكَة الَّتِي كَانَت لَهَا فِي الأَصْل وَهِي الضَّم لِأَن أصل الْمِيم الضَّم وَقد بَينا فِيمَا تقدم
وَأما أَبُو عَمْرو فَإِنَّهُ لما غير الْهَاء عَن أَصْلهَا كَرَاهِيَة الثّقل فعل ذَلِك فِي الْمِيم حِين أَرَادَ تحريكها للساكن بعْدهَا فأتبع الْمِيم كسر مَا قبلهَا كَرَاهِيَة أَن يخرج من كسر إِلَى ضم فأتبع الْكسر الْكسر ليؤلف بَين الحركات عِنْد حَاجته إِلَى تَحْرِيك الْمِيم
وَحجَّة من ضم الْهَاء وَالْمِيم هِيَ أَن الْمِيم لما احْتِيجَ إِلَى تحريكها من أجل السَّاكِن رد عَلَيْهَا الْحَرَكَة الَّتِي كَانَت فِي الأَصْل وَهِي الضَّم فَلَمَّا انضمت الْمِيم غلبت على الْهَاء وأخرجتها فِي حيّز مَا قبلهَا من الْكسر فَرَجَعت الْهَاء إِلَى أَصْلهَا
стр. 7
٢ - سُورَة الْبَقَرَة
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿ذَلِك الْكتاب لَا ريب فِيهِ هدى لِلْمُتقين﴾
قرأن ابْن كثير فيهي وعليهي بإشباع الْهَاء يصلها بياء وحجته أَن أَصْلهَا فيهو وعليهو ثمَّ قلبوا الْوَاو يَاء للياء الَّتِي قبلهَا وكسروا الْهَاء فَصَارَت فيهي وعليهي وَقَرَأَ ايضا فَقُلْنَا اضربوهو ومنهو بإشباع الْهَاء يصلها بواو على أَصْلهَا
قَرَأَ الْبَاقُونَ فِيهِ وَعَلِيهِ من غير إشباع وحجتهم أَن الكسرة تنوب عَن الْيَاء وتدل عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ الضمة قَالَ أهل الْبَصْرَة إِنَّمَا حذفت الْيَاء لسكونها وَسُكُون الْيَاء الَّتِي قبل الْهَاء لِأَن الْهَاء لَيست بحاجز حُصَيْن فَكَأَن السَّاكِن قبلهَا ملاق للساكن الَّذِي بعْدهَا فتحذف الْيَاء أَلا ترى أَنَّهَا إِذا تحرّك مَا قبلهَا لم تحذف مِنْهَا الْيَاء نَحْو أمه وصاحبته لِأَن مَا قبلهَا متحرك فَلَيْسَ يجْتَمع ساكنان
قَرَأَ أَبُو عَمْرو فِيهِ هدى وَقيل لَهُم بِالْإِدْغَامِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بالإظهار
стр. 8
وَحجَّة أبي عَمْرو أَن إِظْهَار الْكَلِمَتَيْنِ كإعادة الحَدِيث مرَّتَيْنِ فأسكن الْحَرْف الأول وأدغمه فِي الثَّانِي ليعْمَل اللِّسَان مرّة وَاحِدَة وَشبه الْخَلِيل ذَلِك بالمقيد إِذا رفع رجله فِي مَوضِع ثمَّ أَعَادَهَا إِلَيْهِ ثَانِيَة قَالَ وَالَّذِي أوجب الْإِدْغَام هُوَ أَنه يثقل على اللِّسَان رَفعه من مَكَان وإعادته فِي ذَلِك الْمَكَان أَو فِيمَا يقرب مِنْهَا وَشبه غَيره بِإِعَادَة الحَدِيث مرَّتَيْنِ
وَأما من أظهر فَإِنَّهُ أَتَى بالْكلَام على أَصله وَأدّى لكل حرف حَقه من إعرابه لتكثر حَسَنَاته إِذْ كَانَ لَهُ بِكُل حرف عشر حَسَنَات
﴿الَّذين يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ٣ ٣
قَرَأَ أَبُو عَمْرو وورش عَن نَافِع يومنون بِغَيْر همز وَكَذَلِكَ يَأْكُلُون ويومرون وحجتهما فِي ذَلِك ثقل الْهَمْز وَبعد مخرجها وَمَا فِيهَا من الْمَشَقَّة فَطلب من تخفيفها مَا لم يطْلب من تَخْفيف مَا سواهَا وَلِهَذَا قيل النُّطْق بهَا كالتهوع
وورش يتْرك أَيْضا الْهمزَة المتحركة مثل / لَا يُوَاخِذُكُمْ / وَلَا يوده وَأَبُو عَمْرو يهمز
стр. 9
وحجته أَن الْهمزَة الساكنة أثقل من المتحركة وَذَلِكَ أَن تخرج الْهمزَة الساكنة من الصَّدْر وَلَا تخرج إِلَّا مَعَ حبس النَّفس والهمزة المتحركة تعينها حركتها وَتعين الْمُتَكَلّم بهَا على خُرُوجهَا فَلذَلِك همز أَبُو عَمْرو المتحركة وَترك الساكنة وَترك أَيْضا ورش مَا كَانَ سكونها عَلامَة للجزم نَحْو إِن نَشأ وتسؤهم وهمز أَبُو عَمْرو وحجته فِي ذَلِك أَن الْكَلِمَة قد سقط مِنْهَا حرف قبل الْهمزَة لسكونها وَسُكُون الْهمزَة وَهُوَ الْألف من نشَاء وَالْوَاو من تسوؤهم وَسَقَطت حَرَكَة الْهمزَة للجزم فَلَو أسقط مِنْهَا الْهمزَة لَكَانَ قد أسقط من الْكَلِمَة ثَلَاثَة اشياء الْهمزَة وحركتها وَالْألف فيخل بِالْكَلِمَةِ
﴿وَالَّذين يُؤمنُونَ بِمَا أنزل إِلَيْك﴾ ﴿وعَلى أَبْصَارهم غشاوة﴾
قَرَأَ نَافِع وَابْن كثير وَأَبُو عَمْرو بِمَا أنزل إِلَيْك وعَلى أَبْصَارهم لَا يمدون حرفا لحرف وَهُوَ أَن تكون الْمدَّة من كلمة والهمزة من أُخْرَى وحجتهم فِي ذَلِك أَنهم أَرَادوا الْفرق بَين مَا الْمدَّة فِيهِ لَازِمَة لَا تَزُول بِحَال وَبَين مَا هِيَ فِيهِ عارضة قد تَزُول فِي بعض الْأَحْوَال نَحْو بِمَا أنزل إِلَيْك فَإِنَّهَا تَزُول عِنْد الْوَقْف وَالَّتِي لَا تَزُول نَحْو دُعَاء ونداء وَبِنَاء وسماء فَجعلُوا ذَلِك فرقا بَينهمَا
وَقَرَأَ ابْن عَامر وَالْكسَائِيّ مدا وسطا وَمد حَمْزَة وَعَاصِم مدا
стр. 10
مفرطا وحجتهم فِي ذَلِك أَن الْمَدّ إِنَّمَا وَجب عِنْد اسْتِقْبَال الْهمزَة سَوَاء كَانَت الْهمزَة من نفس الْكَلِمَة أَو من الْأُخْرَى إِذا التقتا لِأَنَّهُ لَا فرق فِي اللَّفْظ بَينهمَا
﴿سَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لَا يُؤمنُونَ﴾
قَرَأَ نَافِع وَأَبُو عَمْرو آنذرتهم آنت يهمزان ثمَّ يمدان بعد الْهمزَة وَتَقْدِير هَذَا أَن تدخل بَين ألف الإستفهام وَبَين الْهمزَة الَّتِي بعْدهَا ألفا ليبعد الْمثل عَن الْمثل وَيَزُول الإجتماع فيخف اللَّفْظ وَالْأَصْل ﴿أأنذرتهم﴾ ثمَّ تلين الْهمزَة فِي أنذرتهم
وحجتهما فِي ذَلِك أَن الْعَرَب تستثقل الْهمزَة الْوَاحِدَة فتخففها فِي أخف أحوالها وَهِي سَاكِنة نَحْو كاس فَإِذا كَانَت تخفف وَهِي وَحدهَا فَإِن تخفف وَمَعَهَا مثلهَا أولى
وَقَرَأَ ابْن كثير أنذرتهم بِهَمْزَة وَاحِدَة غير مُطَوَّلَة ومذهبه أَن يُحَقّق الأولى ويخفف الثَّانِيَة وَقَرَأَ ابْن عَامر وَأهل الْكُوفَة ﴿أأنذرتهم﴾ أَأَنْت بهمزتين وحجتهم فِي ذَلِك أَن الْهمزَة حرف من حُرُوف المعجم كَغَيْرِهِ من سَائِر الْحُرُوف صَحا بِالْجمعِ بَينهمَا نَحْو مَا يجْتَمع فِي الْكَلِمَة حرفان مثلان فَيُؤتى بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا صَحِيحا على جِهَته من غير تَغْيِير كَقَوْلِه ﴿أتمدونن بِمَال﴾ و ﴿لَعَلَّكُمْ تتفكرون﴾ ونظائر ذَلِك فَلَا يستثقل اجْتِمَاعهمَا بل يُؤْتى بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا فَجعل الهمزتين كَغَيْرِهَا من سَائِر الْحُرُوف
стр. 11
قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَالْكسَائِيّ وورش على ابصارهم وقنطار ودينار بإمالة الْألف وحجتهم فِي ذَلِك أَن انْتِقَال اللِّسَان من الْألف إِلَى الكسرة بِمَنْزِلَة النَّازِل من علو إِلَى هبوط فقربوا الْألف فإمالتهم إِيَّاهَا من الْكسر ليَكُون عمل اللِّسَان من جِهَة وَاحِدَة وَقَرَأَ الْبَاقُونَ أَبْصَارهم بِغَيْر إمالة وحجتهم فِي ذَلِك أَن بَاب الْألف هُوَ الْفَتْح دون غَيره وَأَن مَا قبل الْألف لَا يكون أبدا إِلَّا مَفْتُوحًا لِأَنَّهُ تَابع لَهَا فتركوها على بَابهَا من غير تَغْيِير ﴿وَمَا يخدعون إِلَّا أنفسهم﴾
قَرَأَ نَافِع وَابْن كثير وَأَبُو عَمْرو ﴿وَمَا يخدعون إِلَّا أنفسهم﴾ بِالْألف وَاحْتج أَبُو عَمْرو بِأَن قَالَ إِن الرجل يُخَادع نَفسه وَلَا يخدعها قَالَ الْأَصْمَعِي لَيْسَ أحد يخدع نَفسه إِنَّمَا يخادعها
وَقَرَأَ أهل الشَّام والكوفة ﴿وَمَا يخدعون﴾ بِغَيْر ألف وحجتهم فِي ذَلِك أَن الله أخبر عَن هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقين أَنهم يخادعون الله وَالَّذين آمنُوا بقَوْلهمْ ﴿آمنا بِاللَّه وباليوم الآخر﴾ فَأثْبت لَهُم مخادعتهم الله وَالْمُؤمنِينَ ثمَّ يخبر عَنْهُم عقيب ذَلِك أَنهم لَا يخادعونه وَلَا يخادعون إِلَّا أنفسهم فَيكون قد نفى عَنْهُم فِي آخر الْكَلَام مَا أثْبته لَهُم فِي أَوله وَلكنه أخبر أَن المخادعة من فعلهم ثمَّ إِن الخدع إِنَّمَا يَحِيق بهم خَاصَّة دونه
﴿فِي قُلُوبهم مرض فَزَادَهُم الله مَرضا وَلَهُم عَذَاب أَلِيم بِمَا كَانُوا يكذبُون﴾
стр. 12
قَرَأَ حَمْزَة فَزَادَهُم الله بالإمالة وَكَذَلِكَ جَاءَ وَشاء وخاب وحاق وَخَافَ وطاب وضاق وزاع وَدخل ابْن عَامر مَعَه فِي جَاءَ وَشاء و ﴿فَزَادَهُم الله﴾ وحجتهما فِي ذَلِك أَن فَاء الْفِعْل مِنْهَا مَكْسُورَة إِذا ردهَا الْمُتَكَلّم إِلَى نَفسه نَحْو زِدْت وَجئْت وطبت وَلِهَذَا قَرَأَ حَمْزَة ﴿فَلَمَّا زاغوا﴾ بالإمالة أزاع الله بِالْفَتْح لِأَن فَاء الْفِعْل مَفْتُوحَة تَقول أزغت وَكَذَلِكَ فأجاءها الْمَخَاض بِغَيْر إمالة لِأَنَّك تَقول أجأت وَقَرَأَ الْبَاقُونَ جَمِيع ذَلِك بِغَيْر إمالة على أصل الْكَلِمَة وحجتهم فِي ذَلِك أَن أصل كل فعل إِذا كَانَ ثلاثيا أَن يكون أَوله مَفْتُوحًا
قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿بِمَا كَانُوا يكذبُون﴾ بِالتَّخْفِيفِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ من كذب يكذب تَكْذِيبًا أَي إِنَّهُم يكذبُون النَّبِي ﷺ وَالْقُرْآن وحجتهم مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِنَّمَا عوتبوا على التَّكْذِيب لَا على الْكَذِب وَفِي التَّنْزِيل مَا يدل
стр. 13
على التثقيل ﴿وَلَقَد كذبت رسل من قبلك﴾
وَحجَّة أُخْرَى أَن وَصفهم بالتكذيب أبلغ فِي الذَّم من وَصفهم بِالْكَذِبِ لِأَن كل مكذب كَاذِب وَلَيْسَ كل كَاذِب مُكَذبا
وَحجَّة التَّخْفِيف أَن ذَلِك أشبه مَا قبل الْكَلِمَة وَمَا بعْدهَا فَالَّذِي قبلهَا مِمَّا يدل على الْكَذِب ﴿وَمن النَّاس من يَقُول آمنا بِاللَّه وباليوم الآخر﴾ وَقَالَ الله ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم بِمَا كَانُوا يكذبُون﴾ وَمَا بعْدهَا قَوْله ﴿وَإِذا لقوا الَّذين آمنُوا قَالُوا آمنا وَإِذا خلوا إِلَى شياطينهم قَالُوا إِنَّا مَعكُمْ﴾ فَقَوله ﴿وَإِذا خلوا إِلَى شياطينهم﴾ دلَالَة على كذبهمْ فِيمَا ادعوهُ من إِيمَانهم وَإِذا كَانَ أشبه بِمَا قبله وَمَا بعده فَهُوَ أولى
﴿وَإِذا قيل لَهُم لَا تفسدوا فِي الأَرْض﴾
قَرَأَ الْكسَائي ﴿وَإِذا قيل لَهُم﴾ بالإشمام وَكَذَلِكَ يفعل فِي غيض المَاء وسيء وحيل وَجِيء وسيق وَابْن عَامر دخل مَعَه فِي حيل وَشَيْء وسيق وَنَافِع دخل مَعَهُمَا فِي سيء
стр. 14
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ جَمِيع ذَلِك بِالْكَسْرِ وحجتهم فِي ذَلِك أَن الأَصْل فِي ذَلِك قَول وحول وسوئ وسوق وغيض وجيئ فاستثقلت الضمة على فَاء الْفِعْل وَبعدهَا وَاو مَكْسُورَة وياء مَكْسُورَة فنقلت الكسرة مِنْهُمَا إِلَى فَاء الْفِعْل وقلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا فَقيل فِي ذَلِك قيل وحيل وَأَخَوَاتهَا
وَحجَّة الْكسَائي فِي ذَلِك أَنه لما كَانَ الأَصْل فِي كل ذَلِك فعل بِضَم الْفَاء الَّتِي يدل ضمهَا على ترك تَسْمِيَة الْفَاعِل أَشَارَ فِي أوائلهن إِلَى الضَّم لتبقى بذلك دلَالَة على معنى مَا لم يسم فَاعله وَأَن الْقَاف كَانَت مَضْمُومَة ﷺ َ - بَاب الهمزتين
بَاب الهمزتين تلتقيان من كَلِمَتَيْنِ وهما مختلفتا الْإِعْرَاب وهما على سِتَّة أوجه وَجه مِنْهَا لم يجِئ فِي الْقُرْآن وَهِي الْهمزَة الْمَكْسُورَة الَّتِي بعْدهَا همزَة مَضْمُومَة كَقَوْلِك هَؤُلَاءِ أُمَرَاء وباقيها مَوْجُودَة فِي الْقُرْآن
١ - فَأول ذَلِك المضمومة الَّتِي بعْدهَا الْمَفْتُوحَة كَقَوْلِه ﴿السُّفَهَاء أَلا﴾ تهمز الأولى وتخفف الثَّانِيَة وتنحو بهَا نَحْو الْألف
٢ - وَبعد ذَلِك المضمومة الَّتِي بعْدهَا مَكْسُورَة كَقَوْلِه ﴿وَلَا يأب الشُّهَدَاء إِذا مَا دعوا﴾ تهمز الأولى وتنحو بِالثَّانِيَةِ نَحْو
стр. 15
الْيَاء من غير أَن تكسرها
٣ - وَالثَّالِثَة الْمَفْتُوحَة الَّتِي بعْدهَا مَكْسُورَة نَحْو قَوْله ﴿أم كُنْتُم شُهَدَاء إِذْ حضر﴾
٤ - وَالرَّابِعَة الْمَفْتُوحَة الَّتِي بعْدهَا مَضْمُومَة كَقَوْلِه ﴿جَاءَ أمة رسولها﴾ تهمز الأولى وتنحو بِالثَّانِيَةِ نَحْو الْوَاو من غير ضم
٥ - وَالْخَامِسَة الْمَكْسُورَة الَّتِي بعْدهَا مَفْتُوحَة نَحْو قَوْله ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء أَن يخسف﴾ تهمز الأولى وتنحو بِالثَّانِيَةِ نَحْو الْألف فَهَذَا مَذْهَب نَافِع وَابْن كثير وَأبي عَمْرو
وحجتهم أَن الْعَرَب تستثقل الْهمزَة الْوَاحِدَة فتخففها فِي أخف أحوالها وَهِي سَاكِنة نَحْو كاس فتقلب الْهمزَة ألفا فَإِذا كَانَت تخفف وَهِي وَحدهَا فَأن تخفف وَمَعَهَا مثلهَا أولى
وَقَرَأَ ابْن عَامر وَأهل الْكُوفَة بهمزتين فِي جَمِيع ذَلِك أَرَادوا التَّحْقِيق وتوفية كل حرف حَقه من حركته ونصيبه من الْإِعْرَاب إِذْ كَانَت الْهمزَة حرفا من حُرُوف المعجم يلْزمهَا من الْحَرَكَة مَا يلْزم سَائِر الْحُرُوف فجاؤوا بِكُل همزَة من المجتمعتين على هيأتها إِرَادَة التَّبْيِين والنطق بِكُل حرف من كتاب الله على جِهَته من غير إِبْدَال وَلَا تَغْيِير فَإِذا التقتا متفقتي الْإِعْرَاب وَذَلِكَ أَن تَكُونَا مكسورتين كَقَوْلِه ﴿هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُم﴾ أَو تَكُونَا مفتوحتين كَقَوْلِه جَاءَ أمرنَا أَو تَكُونَا مضمومتين كَقَوْلِه أَوْلِيَاء أُولَئِكَ فَقَرَأَ ابْن عَامر وَأهل الْكُوفَة
стр. 16
جَمِيع ذَلِك بهمزتين وَقد مر الْكَلَام فِيهِ
وورش عَن نَافِع والقواس عَن ابْن كثير يهمزان الأولى ويلينان الثَّانِيَة ويشيران بِالْكَسْرِ إِلَيْهَا وَفِي المتفوحتين يشيران بِالْفَتْح إِلَيْهَا وَفِي المضمومتين يشيران بِالضَّمِّ إِلَيْهَا وَأما نَافِع والبزي عَن ابْن كثير فيلينان الأولى شبه الْيَاء ويهمزان الثَّانِيَة وَفِي المضمومتين شبه الْوَاو وَهَذَا بَاب تحكمه المشافهة لَا الْكِتَابَة وَفِي المفتوحتين يحذفون الأولى بِلَا عوض
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو جَمِيع ذَلِك بِهَمْزَة وَاحِدَة حذف إِحْدَاهمَا وَاكْتفى بِالْأُخْرَى عَنْهَا وَهَا هُنَا خلاف آلمحذوفة هِيَ الأولى أم الثَّانِيَة
فَمن حجَّة من يَقُول الثَّانِيَة أَنَّهَا هِيَ الَّتِي جلبت مُعظم الثّقل فَكَانَ الْحَذف فِيهَا أوجب لِأَن الأولى لَو انْفَرَدت لما وَجب حذفهَا وَلما جَازَ وَحجَّة من يَقُول الأولى هِيَ المحذوفة هِيَ أَن الأولى وَقعت فِي الْكَلِمَة آخرا وَالثَّانيَِة وَقعت فِي كلمتها أَولا والأواخر أَحَق بالإعلال من الْأَوَائِل أَلا ترى أَن هَذِه الْهمزَة إِذا وقف الْإِنْسَان على جَاءَ وعَلى هَؤُلَاءِ فَإِنَّهَا تسْقط عِنْد الْوَقْف فَالْأولى إِذا أَحَق بالإسقاط من الثَّانِيَة
стр. 17
﴿وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم﴾
وَقَرَأَ أبوعمرو وَنَافِع فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل وقالون وَالْكسَائِيّ وَهُوَ بِكُل لَهو فَهِيَ سَاكِنة الْيَاء
وحجتهم أَن الْفَاء مَعَ هِيَ وَهُوَ قد جعلت الْكَلِمَة بِمَنْزِلَة فَخذ وفخذ فاستثقلوا الكسرة والضمة فحذفوها للتَّخْفِيف
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ فَهُوَ فَهِيَ بالتثقيل على أصل الْكَلِمَة وَذَلِكَ أَن الْهَاء كَانَت متحركة قبل دُخُول هَذِه الْحُرُوف عَلَيْهَا فَلَمَّا دخلت هَذِه الْحُرُوف لم تَتَغَيَّر عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ من قبل
﴿قَالَ إِنِّي أعلم مَا لَا تعلمُونَ﴾
قَرَأَ نَافِع وَابْن كثير وَأَبُو عَمْرو إِنِّي أعلم بِفَتْح الْيَاء وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِإِسْكَان الْيَاء فَأَما من فتح الْيَاء فعلى أصل الْكَلِمَة وَذَلِكَ أَن الْيَاء اسْم الْمُتَكَلّم وَالِاسْم لَا يَخْلُو من أَن يكون مضمرا أَو مظْهرا فَإِذا كَانَ ظَاهرا أعرب وَإِذا كَانَ مضمرا بني على حَرَكَة كالكاف فِي ضربتك وَالتَّاء فِي قُمْت وَكَذَلِكَ الْيَاء وَجب أَن تكون مَبْنِيَّة على حَرَكَة لِأَنَّهَا عَلامَة إِضْمَار وَهِي خلف من المعربة وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله وَمَا أَدْرَاك ماهيه حسابيه لِأَن الْهَاء إِنَّمَا أُتِي بهَا للسكت لتبين بهَا حَرَكَة مَا قبلهَا وَأما من سكن الْيَاء فَإِنَّهُ عدل بهَا عَن أَصْلهَا استثقالا للحركة عَلَيْهَا لِأَن الْيَاء حرف ثقيل فَإِذا حرك ازْدَادَ ثقلا إِلَى ثقله
стр. 18
وَفِي يَاء الْإِضَافَة أَربع لُغَات فتح الْيَاء على أصل الْكَلِمَة وإسكانها تَخْفِيفًا وَإِثْبَات الْهَاء بعد الْيَاء والحذف تَقول هَذَا غلامي قد جَاءَ وَغُلَامِي وغلاميه وَغُلَام
﴿فأزلهما الشَّيْطَان عَنْهَا فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾
قَرَأَ حَمْزَة / فأزالهما الشَّيْطَان عَنْهَا / بِالْألف أَي نحاهما عَن الْحَال الَّتِي كَانَا عَلَيْهَا من قَول الْقَائِل أَزَال فلَان فلَانا عَن مَوْضِعه إِذا نحاه عَنهُ وَزَالَ هُوَ وحجته قَوْله ﴿يَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة﴾ أَي اثبتا فثبتا فأزالهما الشَّيْطَان فقابل الثَّبَات بالزوال الَّذِي هُوَ خِلَافه وَمِمَّا يُقَوي قِرَاءَته قَوْله ﴿فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ فإخراجهما فِي الْمَعْنى قريب من إزالتهما
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ فأزلهما من زللت وأزلني غَيْرِي أَي أوقعهما فِي الزلل وَهُوَ أَن يزل الْإِنْسَان عَن الصَّوَاب إِلَى الْخَطَأ والزلة وحجتهم قَوْله إِنَّمَا استزلهم الشَّيْطَان وَنسب الْفِعْل إِلَى الشَّيْطَان لِأَنَّهُمَا زلا بإغواء الشَّيْطَان إيَّاهُمَا فَصَارَ كَأَنَّهُ أزلهما
﴿فَتلقى آدم من ربه كَلِمَات﴾ ٣٧
قَرَأَ ابْن كثير فَتلقى آدم نصب كَلِمَات رفع جعل الْفِعْل للكلمات لِأَنَّهَا تلقت آدم ﵇ وحجته أَن الْعَرَب تَقول تلقيت زيدا وتلقاني زيد وَالْمعْنَى وَاحِد لِأَن من لَقيته فقد لقيك وَمَا نالك فقد نلته
стр. 19
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿فَتلقى آدم من ربه كَلِمَات﴾ آدم رفع بِفِعْلِهِ لِأَنَّهُ تلقى من ربه الْكَلِمَات أَي أَخذهَا مِنْهُ وحفظها وفهمها وَالْعرب تَقول تلقيت هَذَا من فلَان الْمَعْنى إِن فهمي قبلهَا مِنْهُ وحجتهم مَا رُوِيَ فِي التَّفْسِير فِي تَأْوِيل قَوْله ﴿فَتلقى آدم من ربه كَلِمَات﴾ أَي قبلهَا فَإِذا كَانَ آدم الْقَابِل فالكلمات مَقْبُولَة
﴿فَمن تبع هُدَايَ فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾
قَرَأَ ورش عَن نَافِع ﴿فَمن تبع هُدَايَ﴾ سَاكِنة الْيَاء وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْح الْيَاء وَإِنَّمَا فتحت لِأَنَّهَا أَتَت بعد سَاكن واصلها الْحَرَكَة الَّتِي هِيَ الْفَتْح وَقد ذكرته عِنْد قَوْله إِنِّي أعلم
﴿وَلَا يقبل مِنْهَا شَفَاعَة﴾
قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَلَا تقبل مِنْهَا بِالتَّاءِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ من قَرَأَ بِالتَّاءِ فلتأنيث الشَّفَاعَة وَسقط السُّؤَال فَصَارَ كَقَوْلِه ﴿وَأخذت الَّذين ظلمُوا الصَّيْحَة﴾
وَحجَّة من قَرَأَ بِالْيَاءِ هِيَ أَن تَأْنِيث الشَّفَاعَة لَيست حَقِيقِيَّة فلك فِي لَفظه فِي الْفِعْل التَّذْكِير والتأنيث تَقول قد قبل مِنْك الشَّفَاعَة وَقبلت مِنْك وَكَذَلِكَ ﴿فَمن جَاءَهُ موعظة﴾ لِأَن معنى موعظة وَوعظ وشفاعة وَتشفع وَاحِد فَلذَلِك جَازَ التَّذْكِير والتأنيث على اللَّفْظ وَالْمعْنَى
стр. 20
وَحجَّة أُخْرَى لما فصل بَين اسْم الْمُؤَنَّث وَفعله بفاصل ذكر الْفِعْل لِأَن الْفَاصِل صَار كالعوض مِنْهُ وَمثله ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس عَلَيْكُم حجَّة﴾ ﴿وَإِذ واعدنا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَة﴾ ٥١
قَرَأَ ابو عَمْرو وإ وعدنا مُوسَى بِغَيْر ألف وَكَذَلِكَ فِي الْأَعْرَاف وطه
وحجته أَن المواعدة إِنَّمَا تكون بَين الْآدَمِيّين وَأما الله جلّ وَعز فَإِنَّهُ الْمُنْفَرد بالوعد والوعيد وَيُقَوِّي هَذَا قَوْله ﴿إِن الله وَعدكُم وعد الْحق﴾
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ وَإِذ واعدنا بِالْألف وحجتهم أَن المواعدة كَانَت من الله وَمن مُوسَى فَكَانَت من الله أَنه وَاعد مُوسَى لقاءه على الطّور ليكلمه ويكرمه بمناجاته وواعد مُوسَى ربه الْمصير إِلَى الطّور لما أمره بِهِ وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى على إِسْنَاد الْوَعْد إِلَى الله نَظِير مَا تَقول طارقت نَعْلي وسافرت وَالْفِعْل من وَاحِد على مَا تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب
﴿فتوبوا إِلَى بارئكم﴾
стр. 21
قَرَأَ أَبُو عَمْرو إِلَى بارئكم ويأمركم وينصركم بالإختلاس وحجته فِي ذَلِك أَنه كره كَثْرَة الحركات فِي الْكَلِمَة الْوَاحِدَة وَرُوِيَ عَنهُ إسكان الْهمزَة قَالَ الشَّاعِر ... إِذا اعوججن قلت صَاحب قوم ...
وَالْكَلَام الصَّحِيح يَا صَاحب أقبل أَو يَا صَاحب اقبل
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بارئكم ويأمركم بالإشباع على أصل الْكَلِمَة وَهُوَ الصَّوَاب ليوفى كل حرف حَقه من الْإِعْرَاب
﴿وَإِذ قُلْنَا ادخُلُوا هَذِه الْقرْيَة فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُم رغدا وادخلوا الْبَاب سجدا وَقُولُوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد الْمُحْسِنِينَ﴾
قَرَأَ نَافِع يغْفر لكم بِالْيَاءِ وَفتح الْفَاء على مَا لم يسم فَاعله خطاياكم فِي مَوضِع رفع لِأَنَّهُ مفعول مَا لم يسم فَاعله وحجته فِي الْيَاء أَن الْفِعْل مُتَقَدم وَقد حيل بَينه وَبَين الْخَطَايَا ب لكم فَصَارَ الْحَائِل كالعوض من التَّأْنِيث وَحجَّة أُخْرَى وَهِي أَن الْخَطَايَا جمع وَجمع مَا لَا يعقل يشبه بِجمع مَا يعقل من النِّسَاء كَمَا قَالَ وَقَالَ
стр. 22
نسْوَة فِي الْمَدِينَة فَلَمَّا ذكر فعل جَمِيع النِّسَاء ذكر فعل الْخَطَايَا وَنَحْوه أم هَل يَسْتَوِي الظُّلُمَات
وَقَرَأَ ابْن عَامر تغْفر بِالتَّاءِ وَقد ذكرنَا إعرابها وحجته فِي التَّاء أَنه فعل مُتَقَدم نَحْو قَوْله قَالَت الْأَعْرَاب
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ نغفر بالنُّون وحجتهم فِي ذَلِك أَن نغفر بَين خبرين من أَخْبَار الله عَن نَفسه قد أخرجَا بالنُّون وَذَلِكَ قَوْله ﴿وَإِذ قُلْنَا ادخُلُوا هَذِه الْقرْيَة﴾ فَخرج ذَلِك بالنُّون وَلم يقل وَإِذ قيل فَيُقَال تغْفر وَيغْفر وَالْآخر قَوْله ﴿وسنزيد الْمُحْسِنِينَ﴾ وَلم يقل وسيزاد المحسنون
وَاعْلَم أَن من قَرَأَ يغْفر فَهُوَ يؤول أَيْضا إِلَى هَذَا الْمَعْنى فَيعلم من الفحوى أَن ذَنْب الْخَلَائق وخطاياهم لَا يغفره إِلَّا الله وَيُقَوِّي هَذَا قَوْله ﴿قل للَّذين كفرُوا إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف﴾
﴿وَيقْتلُونَ النَّبِيين بِغَيْر الْحق﴾
قَرَأَ نَافِع / وَيقْتلُونَ النبيئين / بِالْهَمْز من أنبأ أَي أخبر عَن الله كَمَا قَالَ جلّ وَعز من أَنْبَأَك هَذَا فالنبي ﷺ يُنبئ أَي يخبر عَن الله وَهُوَ فعيل من أنبأ وَإِنَّمَا كَانَ الِاسْم مِنْهُ منئ وَلكنه صرف عَن مفعل إِلَى فعيل
стр. 23
وحجته فِي أَن النبئ مَهْمُوز قَول عَبَّاس بن مرداس فِي مدحه نَبِي الله ﷺ ... يَا خَاتم النباء إِنَّك مُرْسل ... بِالْحَقِّ خير هدى السَّبِيل هداكا ...
فَقَالَ يَا خَاتم النباء فَجَمعه على فعلاء لِأَن الْوَاحِد مَهْمُوز فقد صَحَّ على أَن أَصله الْهَمْز وَأَنه من بَاب الصَّحِيح لَا من بَاب المعتل لِأَن الصَّحِيح كَذَا يجمع كَمَا تجمع النعوت الَّتِي على فعيل من غير ذَوَات الْيَاء وَالْوَاو مثل الشَّرِيك والشركاء والحكيم والحكماء والعليم وَالْعُلَمَاء وَلَو كَانَ النَّبِي غير مَهْمُوز لم يجمع على فعلاء لِأَن النعوت الَّتِي تكون على فعيل من ذَوَات الْيَاء وَالْوَاو إِنَّمَا تجمع على أفعلاء كفعلهم ذَلِك فِي ولي ووصي ودعي إِذا جمع يجمع أَوْلِيَاء وأوصياء وأدعياء وَلَا يجمع على فعلاء
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ النَّبِيين بِغَيْر همز من نبانبو إِذا ارْتَفع فَيكون فعيلا من الرّفْعَة والنبوة الِارْتفَاع وَإِنَّمَا قيل للنَّبِي نَبِي لارْتِفَاع مَنْزِلَته وشرفه تَشْبِيها لَهُ بِالْمَكَانِ الْمُرْتَفع على مَا حوله وحجتهم فِي ذَلِك أَن كل مَا فِي الْقُرْآن من جَمِيع ذَلِك على أفعلاء نَحْو أَنْبيَاء الله وَفِي ذَلِك الْحجَّة الْوَاضِحَة على أَن الْوَاحِد مِنْهُ بِغَيْر همز كَمَا جمع ولي وأولياء ووصي وأوصياء وَلَو كَانَ فِي التَّوْحِيد مهموزا لَكَانَ الْجمع مِنْهُ فعلاء وَحجَّة أُخْرَى رُوِيَ أَن رجلا قَالَ للنَّبِي ﷺ يَا نبيء الله قَالَ
لست بنيء الله وَلَكِنِّي
стр. 24
نَبِي الله قَالَ أَبُو عبيد كَأَنَّهُ كره الْهَمْز
﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَعمل صَالحا فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾
قَرَأَ نَافِع والصابين والصابون بِغَيْر همز من صبا يصبو أَي مَال إِلَى دينه وحجته قَوْله تَعَالَى وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب إلَيْهِنَّ أَي أمل إلَيْهِنَّ وَمِنْه سمي الصَّبِي صَبيا لِأَن قلبه يصبو إِلَى كل لعب لفراغ قلبه
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ الصابئين بِالْهَمْز أَي الخارجين من دين إِلَى دين يُقَال صَبأ فلَان إِذا خرج من دينه يصبأ وَيُقَال صَبَأت النُّجُوم إِذا ظَهرت وصبأ نابه إِذا خرج
﴿قَالُوا أتتخذنا هزوا﴾
قَرَأَ حَمْزَة وَإِسْمَاعِيل عَن نَافِع هزءا سَاكِنة الزَّاي وَقَرَأَ
стр. 25
الْبَاقُونَ هزؤا بِضَم الزَّاي وهما لُغَتَانِ التَّخْفِيف لُغَة تَمِيم والتثقيل لُغَة أهل الْحجاز
قَالَ الْأَخْفَش وَزعم عِيسَى بن عمر أَن كل اسْم على ثَلَاثَة أحرف أَوله مضموم فَمن الْعَرَب من يثقله وَمِنْهُم من يخففه نَحْو الْيُسْر واليسر والعسر والعسر فَمن خفف طلب التَّخْفِيف لِأَنَّهُ استثقل ضمتين فِي كلمة وَاحِدَة
وَقَرَأَ حَفْص هزوا بِغَيْر همز لِأَنَّهُ كره الْهَمْز بعد ضمتين فِي كلمة وَاحِدَة فلينها
﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
قَرَأَ ابْن كثير ﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا يعْملُونَ﴾ بِالْيَاءِ أَي وَمَا الله بغافل عَمَّا يعْمل هَؤُلَاءِ الَّذين اقتصصنا عَلَيْكُم قصصهم أَيهَا الْمُسلمُونَ
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ على الْخطاب وحجتهم قَوْله قبلهَا ﴿ثمَّ قست قُلُوبكُمْ من بعد ذَلِك فَهِيَ كالحجارة﴾ ﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
стр. 26
﴿بلَى من كسب سَيِّئَة وأحاطت بِهِ خطيئته﴾
قَرَأَ نَافِع وأحاطت بِهِ خطيئاته بِالْألف وحجته أَن الْإِحَاطَة لَا تكون للشَّيْء الْمُنْفَرد إِنَّمَا تكون لِأَشْيَاء كَقَوْلِك أحَاط بِهِ الرِّجَال وأحاط النَّاس بفلان إِذا داروا بِهِ وَلَا يُقَال أحَاط زيد بِعَمْرو وَحجَّة أُخْرَى جَاءَ فِي التَّفْسِير قَوْله بلَى من كسب سَيِّئَة وأحاطت بِهِ خطيئاته أَي الْكَبَائِر أَي أحاطت بِهِ كَبَائِر ذنُوبه
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ خطيئته على التَّوْحِيد وحجتهم أَن الْخَطِيئَة لَيست بشخص فَإِذا لم تكن شخصا واشتملت على الْإِنْسَان جَازَ أَن يُقَال أحاطت بِهِ خطيئته وَحجَّة أُخْرَى جَاءَ فِي التَّفْسِير من كسب سَيِّئَة أَي الشّرك وأحاطت بِهِ خطيئته أَي الشّرك الَّذِي هُوَ سَيِّئَة
﴿وَإِذ أَخذنَا مِيثَاق بني إِسْرَائِيل لَا تَعْبدُونَ إِلَّا الله وبالوالدين إحسانا وَذي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَقُولُوا للنَّاس حسنا﴾
وَقَرَأَ ابْن كثير وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿وَمَا يعْبدُونَ إِلَّا الله﴾ بِالْيَاءِ
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ وحجتهم قَوْله ﴿وَقُولُوا للنَّاس حسنا وَأقِيمُوا الصَّلَاة﴾ ﴿وَإِذ أَخذنَا ميثاقكم لَا تسفكون دماءكم وَلَا تخرجُونَ أَنفسكُم من دِيَاركُمْ﴾ فَحكى مَا خاطبهم بِهِ فَجرى الْكَلَام على لفظ المواجهة
وَاحْتج من قَرَأَ بِالْيَاءِ أَن قَالَ أول الْآيَة إِخْبَار عَن غيب يعنون
стр. 27
بذلك قَوْله ﴿وَإِذ أَخذنَا مِيثَاق بني إِسْرَائِيل﴾ قَالُوا فإجراء الْكَلَام على مَا ابتدئ بِهِ أول الْآيَة وافتتح بِهِ الْكَلَام أولى وأشبه من الإنصراف عَنهُ إِلَى الْخطاب
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿وَقُولُوا للنَّاس حسنا﴾ بِفَتْح الْحَاء وَالسِّين وحجتهم أَن حسنا وصف لِلْقَوْلِ الَّذِي كف عَن ذكره لدلَالَة وَصفه عَلَيْهِ كَأَن تَأْوِيله وَقُولُوا للنَّاس قولا حسنا فَترك القَوْل وَاقْتصر على نَعته وَقد نزل الْقُرْآن بنظير ذَلِك فَقَالَ جلّ وَعز وَجعل فِيهَا رواسي وَلم يذكر الْجبَال وَقَالَ ﴿أَن اعْمَلْ سابغات﴾ وَلم يذكر الدروع إِذْ دلّ وصفهَا على موصوفها
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ حسنا بِضَم الْحَاء وحجتهم أَن الْحسن يجمع وَالْحسن يَتَبَعَّض أَي قولا للنَّاس الْحسن فِي الْأَشْيَاء كلهَا فَمَا يجمع أولى مِمَّا يَتَبَعَّض قَالَ الزّجاج وَفِي قَوْله ﴿حسنا﴾ قَولَانِ الْمَعْنى قولا للنَّاس قولا ذَا حسن وَزعم الْأَخْفَش أَنه يجوز أَن يكون حسنا فِي معنى حسن كَمَا قيل الْبُخْل وَالْبخل والسقم والسقم وَفِي التَّنْزِيل ﴿إِلَّا من ظلم ثمَّ بدل حسنا﴾ ﴿وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ حسنا﴾
﴿تظاهرون عَلَيْهِم بالإثم والعدوان وَإِن يأتوكم أُسَارَى تفادوهم وَهُوَ محرم عَلَيْكُم إخراجهم أفتؤمنون بِبَعْض الْكتاب وتكفرون بِبَعْض فَمَا جَزَاء من يفعل ذَلِك مِنْكُم إِلَّا خزي فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْم الْقِيَامَة يردون إِلَى أَشد الْعَذَاب وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
стр. 28
٨٥
- قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿تظاهرون عَلَيْهِم﴾ بِالتَّخْفِيفِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿تظاهرون﴾ بِالتَّشْدِيدِ الأَصْل فِيهِ تتظاهرون فَمن قَرَأَ بِالتَّشْدِيدِ أدغم التَّاء فِي الظَّاء لقرب المخرجين وأتى بِالْكَلِمَةِ على أَصْلهَا من غير حذف وَمن قَرَأَ ﴿تظاهرون﴾ بِالتَّخْفِيفِ وَالْأَصْل أَيْضا فِيهِ تتظاهرون حرف التَّاء الثَّانِيَة لِاجْتِمَاع تاءين إِحْدَاهمَا تَاء الِاسْتِقْبَال وَالثَّانيَِة تَاء تزاد فِي الْفِعْل فأسقط الثَّانِيَة وحجته قَوْله ﴿وَلَقَد كُنْتُم تمنون الْمَوْت﴾ فَطرح الثَّانِيَة مِنْهَا
قَرَأَ حَمْزَة ﴿وَإِن يأتوكم أُسَارَى﴾ بِغَيْر ألف جمع أَسِير وحجته أَن كل فعيل من نعوت ذَوي العاهات إِذا جمع فَإِنَّمَا يجمع على فعلى وَذَلِكَ كجمعهم الْمَرِيض مرضى والجريح جرحى والقتيل قَتْلَى والصريع صرعى وَكَذَلِكَ اسير وَأسرى لِأَنَّهُ قد ناله الْمَكْرُوه والأذى
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿أُسَارَى﴾ قَالَ بعض عُلَمَائِنَا هما لُغَتَانِ كَمَا يُقَال سَكرَان وسكارى وَقَالَ أَبُو عَمْرو إِذا أخذُوا فهم عِنْد الْأَخْذ أُسَارَى وَمَا لم يؤسر بعد مِنْهُم أسرى كَقَوْلِه ﴿مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى﴾
قَرَأَ نَافِع وَعَاصِم وَالْكسَائِيّ ﴿تفادوهم﴾ بِالْألف وحجتهم
стр. 29
أَن هَذَا فعل من فريقين أَي يفْدي هَؤُلَاءِ أساراهم من هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء أساراهم من هَؤُلَاءِ وَكَانَ أَبُو عَمْرو يَقُول تعطوهم ويعطوكم وتفدوهم تعطوهم فَقَط
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ / تفدوهم / أَي تشتروهم من الْعَدو وحجتهم فِي ذَلِك أَن فِي دين الْيَهُود أَلا يكون أَسِير من أهل ملتهم فِي إسار غَيرهم وَأَن عَلَيْهِم أَن يفدوهم بِكُل حَال وَإِن لم يفدهم الْقَوْم الْآخرُونَ كَا قَالَ ابْن عَبَّاس
قَرَأَ نَافِع وَابْن كثير وَأَبُو بكر ﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا يعْملُونَ﴾ بِالْيَاءِ وحجتهم قَوْله ﴿وَيَوْم الْقِيَامَة يردون إِلَى أَشد الْعَذَاب﴾ فَيكون قَوْله ﴿عَمَّا يعْملُونَ﴾ إِخْبَارًا عَنْهُم
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بِالتَّاءِ وحجتهم قَوْله ﴿أفتؤمنون بِبَعْض الْكتاب وتكفرون بِبَعْض﴾
﴿وآتينا عِيسَى ابْن مَرْيَم الْبَينَات وأيدناه بِروح الْقُدس﴾
قَرَأَ ابْن كثير ﴿وأيدناه بِروح الْقُدس﴾ بِإِسْكَان الدَّال فِي جَمِيع الْقُرْآن كَأَنَّهُ استثقل الضمتين وحجته قَول الشَّاعِر ... وَجِبْرِيل رَسُول الله فِينَا ... وروح الْقُدس لَيْسَ لَهُ كفاء ...
стр. 30
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَم الدَّال وَهُوَ الأَصْل
﴿بئْسَمَا اشْتَروا بِهِ أنفسهم أَن يكفروا بِمَا أنزل الله بغيا أَن ينزل الله من فَضله على من يَشَاء من عباده﴾
قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو ﴿أَن ينزل الله﴾ بِالتَّخْفِيفِ فِي جَمِيع الْقُرْآن وحجتهما فِي الْآيَة ﴿أَن يكفروا بِمَا أنزل الله﴾ وَلم يقل نزل الله وَأَبُو عَمْرو قَرَأَ فِي الْأَنْعَام بِالتَّشْدِيدِ ﴿قل إِن الله قَادر على أَن ينزل آيَة﴾ بِالتَّشْدِيدِ لِأَن قبلهَا ﴿لَوْلَا نزل عَلَيْهِ﴾ وَمَا ننزله إِلَّا بِقدر مَعْلُوم لِأَنَّهُ شَيْء بعد شَيْء فَكَأَنَّهُ لما تردد وَطَالَ نُزُوله شدده لتردده وَابْن كثير خَالف مذْهبه فِي سُورَة سُبْحَانَ فَقَرَأَ بِالتَّشْدِيدِ كَأَنَّهُ أَرَادَ أَن يجمع بَين اللغتين
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ جَمِيع ذَلِك بِالتَّشْدِيدِ وحجتهم أَن نزل وَأنزل لُغَتَانِ مثل نبأته وأنبأته وأعظمت وعظمت وَفِي التَّنْزِيل ﴿وَيَقُول الَّذين آمنُوا لَوْلَا نزلت سُورَة فَإِذا أنزلت سُورَة محكمَة﴾ فجَاء باللغتين وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ فِي لُقْمَان وعسق بِالتَّخْفِيفِ وحجتهما قَوْله ﴿وأنزلنا من السَّمَاء مَاء﴾
﴿من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال فَإِن الله عَدو للْكَافِرِينَ﴾
стр. 31
قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر وَأَبُو عَمْرو وحفض ﴿وَجِبْرِيل﴾ بِكَسْر الْجِيم وَالرَّاء جعلُوا جِبْرِيل اسْما وَاحِدًا على وزن قطمير وحجتهم قَول الشَّاعِر ... وَجِبْرِيل رَسُول الله فِينَا ... ورورح الْقُدس لَيْسَ لَهُ كفاء ...
وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ / جبرئيل / بِفَتْح الْجِيم وَالرَّاء مهموزا قَالَ الشَّاعِر ... شَهِدنَا فَمَا تلقى لنا من كَتِيبَة ... مدى الدَّهْر إِلَّا جبرئيل أمامها ...
وحجتهم مَا رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ أَنه قَالَ
إِنَّمَا جبرئيل وَمِيكَائِيل كَقَوْلِك عبد الله وَعبد الرَّحْمَن جبر هُوَ العَبْد وإيل هُوَ الله فأضيف جبر إِلَيْهِ وَبني فَقيل جبرئيل
وَقَرَأَ ابْن كثير / جِبْرِيل / بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء مثل سمويل وَهُوَ اسْم طَائِر قَالَ عبد الله بن كثير رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ فِي الْمَنَام فأقرأني جِبْرِيل فَأَنا لَا أَقرَأ إِلَّا كَذَلِك
وَقَرَأَ يحيى عَن أبي بكر / جبرئل / على وزن جبرعل وَهَذِه لُغَة تَمِيم وَقيس
стр. 32
وَقَرَأَ أبوعمرو وَحَفْص ﴿وميكال﴾ بِغَيْر همز على وزن سربال وحجتهما قَول من مدح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ ... وَيَوْم بدر لقيناكم لنا مدد ... فِيهِ مَعَ النَّصْر ميكال وَجِبْرِيل ...
وَقَرَأَ نَافِع / ميكائل / بِهَمْزَة مختلسة لَيْسَ بعْدهَا يَاء كَأَنَّهُ كسرة الإشباع
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ / مِيكَائِيل / ممدودا وحجتهم مَا رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ أَنه قَالَ فِي صَاحب الصُّور
جبرئيل عَن يَمِينه وَمِيكَائِيل عَن يسَاره قَالَ الْكسَائي قَوْله جبرئيل وَمِيكَائِيل وَإِبْرَاهِيم فَإِنَّهَا أَسمَاء أَعْجَمِيَّة لم تكن الْعَرَب تعرفها فَلَمَّا جاءتها أعربتها فلفظت بهَا بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة
﴿وَمَا كفر سُلَيْمَان وَلَكِن الشَّيَاطِين كفرُوا﴾
قَرَأَ ابْن عَامر وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿وَلَكِن﴾ خَفِيفَة ﴿الشَّيَاطِين﴾ رفع وَكَذَلِكَ ﴿وَلَكِن الله قَتلهمْ﴾ ﴿وَلَكِن الله رمى﴾ وحجتهم أَن الْعَرَب تجْعَل إِعْرَاب مَا بعد لَكِن كإعراب مَا قبلهَا فِي الْجحْد فَتَقول مَا قَامَ عَمْرو وَلَكِن أَخُوك وَتصير لَكِن نسقا إِذا كَانَ مَا قبلهَا جحد
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وَلَكِن﴾ بِالتَّشْدِيدِ ﴿الشَّيَاطِين﴾ نصب وحجتهم فِي ذَلِك أَن دُخُول الْوَاو فِي ﴿وَلَكِن﴾ يُؤذن باستئناف الْخَبَر بعْدهَا وَأَن الْعَرَب تُؤثر تشديدها وَنصب الْأَسْمَاء بعْدهَا وَفِي التَّنْزِيل ﴿وَلَكِن الظَّالِمين بآيَات الله يجحدون﴾
стр. 33
﴿وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ ﴿وَلَكِن أَكْثَرَكُم للحق كَارِهُون﴾ أَنَّهَا بِالتَّشْدِيدِ للواو الَّتِي فِي أَولهَا ثمَّ أَجمعُوا على تَخْفيف لَكِن الراسخون و ﴿لَكِن الله يشْهد﴾ لما لم يكن فِي أَولهَا وَاو
أعلم أَن لَكِن كُله تَحْقِيق وَلَكِن بِالتَّخْفِيفِ كلمة اسْتِدْرَاك بعد نفي تَقول مَا جَاءَ عَمْرو وَلَكِن زيد خرج
﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾
قَرَأَ ابْن عَامر ﴿مَا ننسخ من آيَة﴾ بِضَم النُّون وَكسر السِّين بِمَعْنى مَا ننسخك يَا مُحَمَّد ثمَّ حذف الْمَفْعُول من النّسخ وَمَعْنَاهُ مَا آمُرك بنسخها أَي بِتَرْكِهَا تَقول نسخت الْكتاب وأنسخت غَيْرِي أَي حَملته على النّسخ
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مَا ننسخ بِفَتْح النُّون وَالسِّين من نسخ إِذا غير الحكم وَبدل يَقُول نسخ الله الْكتاب ينسخه نسخا وَهُوَ أَن يرفع حكم آيَة بِحكم آخرى قَالَ ابْن عَبَّاس ﴿مَا ننسخ من آيَة﴾ أَي مَا نبدل من حكم آيَة بِحكم آخر
قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو / أَو ننسأها / أَي نؤخر حكمهَا وحجتهما أَن ذَلِك من التَّأْخِير فتأويله مَا ننسخ من آيَة فنبدل حكمهَا أَو نؤخر تَبْدِيل حكمهَا فَلَا نبطله نأت بِخَير مِنْهَا وَيكون الْمَعْنى مَا نرفع من آيَة أَو نؤخرها فَلَا نرفعها
стр. 34
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿أَو ننسها﴾ بِضَم النُّون وحجتهم فِي ذَلِك قِرَاءَة أبي وَسعد بن أبي وَقاص وَقَرَأَ أبي بن كَعْب ﴿أَو ننسها﴾ مَعْنَاهُ ننسك نَحن يَا مُحَمَّد وَقَرَأَ سعد أَو تنسها الْمَعْنى أَو تنسها أَنْت يَا مُحَمَّد وقراءتهما تدل على النسْيَان وَإِن كَانَ بَعضهم أَضَافَهُ إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَبَعْضهمْ أخبر أَن الله فعل ذَلِك بِهِ وَلَيْسَ بَين الْقَوْلَيْنِ اخْتِلَاف لِأَنَّهُ لَيْسَ يفعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ إِلَّا مَا وَفقه الله لَهُ إِذا أنساه نسي قَالَ أَبُو عبيد أَو ننسها من النسْيَان وَمَعْنَاهُ أَن الله إِذا شَاءَ أنسى من الْقُرْآن من يَشَاء أَن ينسيه وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُم ابْن عَبَّاس أَو ننسها أَو نتركها فَلَا نبدلها
قَالَ عُلَمَاؤُنَا يلْزم قَائِله أَن يَقْرَأها أَو ننسها بِفَتْح النُّون ليَصِح معنى نتركها فَأَما إِذا ضمت النُّون فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ ننسك يَا مُحَمَّد وَهَذَا لَا يكون بِمَعْنى التّرْك
الْجَواب عَنهُ يُقَال نسيت الشَّيْء أَي تركته وأنسيته أَي أمرت بِتَرْكِهِ فَتَأْوِيل الْآيَة ﴿مَا ننسخ من آيَة﴾ أَي نرفعها بِآيَة أُخْرَى ننزلها ﴿أَو ننسها﴾ وَقَالُوا اتخذ الله ولدا سبحنه ١١٦
وَقَرَأَ ابْن عَامر ﴿قَالُوا اتخذ الله﴾ بِغَيْر وَاو كَذَا مَكْتُوب
стр. 35
مصاحف أهل الشَّام وحجته أَن ذَلِك قصَّة مستانفة غير مُتَعَلقَة بِمَا قبلهَا كَمَا قَالَ ﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ ثمَّ قَالَ ﴿قَالُوا أتتخذنا هزوا﴾ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وَقَالُوا﴾ بِالْوَاو لِأَنَّهُ مثبتة فِي مصاحفهم وَهِي عطف جملَة على جملَة
﴿وَإِذا قضى أمرا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾
قَرَأَ ابْن عَامر ﴿فَيكون﴾ نصب كَأَنَّهُ ذهب إِلَى أَنه الْأَمر تَقول أكْرم زيدا فيكرمك
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْع قَالَ الزّجاج رَفعه من جِهَتَيْنِ إِن شِئْت على الْعَطف على يَقُول وَإِن شِئْت على الِاسْتِئْنَاف الْمَعْنى فَهُوَ يكون
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاك بِالْحَقِّ بشيرا وَنَذِيرا وَلَا تسْأَل عَن أَصْحَاب الْجَحِيم﴾
قَرَأَ نَافِع ﴿وَلَا تسْأَل عَن أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ بِفَتْح التَّاء والجزم على النَّهْي وحجته مَا رُوِيَ فِي التَّفْسِير أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ قَالَ لَيْت شعري مَا فعل أبواي فَنزلت ﴿وَلَا تسْأَل عَن أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ فَنَهَاهُ الله عَن الْمَسْأَلَة قيل إِنَّه مَا ذكرهمَا حَتَّى توفاه الله
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وَلَا تسْأَل عَن أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ بِرَفْع التَّاء
стр. 36
وَاللَّام وحجتهم أَن فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود / وَلنْ تسْأَل / وَرَفعه من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون ﴿وَلَا تسْأَل﴾ استئنافا كَأَنَّهُ قيل وَلست تسْأَل عَن أَصْحَاب الْجَحِيم كَمَا قَالَ ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ وعلينا الْحساب﴾ وَالْوَجْه الثَّانِي على الْحَال فَيكون الْمَعْنى وأرسلناك غير سَائل عَن أَصْحَاب الْجَحِيم
﴿قَالَ لَا ينَال عهدي الظَّالِمين﴾
قَرَأَ حَمْزَة وَحَفْص ﴿لَا ينَال عهدي الظَّالِمين﴾ بإرسال الْيَاء وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْح الْيَاء وحجتهم فِي ذَلِك أَن لَو لم تتحرك الْيَاء ذهبت فِي الْوَصْل فَلم يكن لَهَا أثر على اللِّسَان فحركوهها ليعلم أَن فِي الْحَرْف يَاء فَإِذا ظهر على اللِّسَان أرسلوها فَقَالُوا ﴿وطهر بَيْتِي للطائفين﴾
﴿وَإِذ جعلنَا الْبَيْت مثابة للنَّاس وَأمنا وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾
стр. 37
قَرَأَ ابْن عَامر وَنَافِع ﴿وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم﴾ بِفَتْح الْخَاء وحجتهما أَن هَذَا إِخْبَار عَن ولد إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِم أَنهم أتخذوا مقَام إِبْرَاهِيم مصلى وَهُوَ مَرْدُود إِلَى قَوْله ﴿وَإِذ جعلنَا الْبَيْت مثابة للنَّاس وَأمنا وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وَاتَّخذُوا﴾ بِكَسْر الْخَاء وحجتهم فِي ذَلِك مَا رُوِيَ فِي التَّفْسِير أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ أَخذ بيد عمر فَلَمَّا أَتَى على الْمقَام قَالَ لَهُ عمر هَذَا مقَام أَبينَا إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ قَالَ
نعم قَالَ أَفلا نتخذه مصلى فَأنْزل الله جلّ وَعز ﴿وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾ يَقُول وافعلوا
قَرَأَ ابْن عَامر / إبراهام / بِأَلف كل مَا فِي سُورَة الْبَقَرَة وَفِي النِّسَاء بعد المئة وَفِي الْأَنْعَام حرفا وَاحِدًا / مِلَّة إبراهام / وَفِي التَّوْبَة بعد المئة / إبراهام / وَفِي سُورَة إِبْرَاهِيم / إبراهام / وَفِي النَّحْل وَمَرْيَم كلهَا / إبراهام / وَفِي العنكبوت الثَّانِي / إبراهام / وعسق / إبراهام / وَفِي سور الْمفصل كلهَا / إبراهام / إِلَّا فِي سُورَة الْمَوَدَّة ﴿إِلَّا قَول إِبْرَاهِيم﴾ بِالْيَاءِ وَفِي سبح ﴿صحف إِبْرَاهِيم﴾
стр. 38
وَمَا بَقِي فِي جَمِيع الْقُرْآن بِالْيَاءِ وحجته فِي ذَلِك أَن كل مَا وجده بِأَلف قَرَأَ بِأَلف وَمَا وجده بِالْيَاءِ قَرَأَ بِالْيَاءِ اتِّبَاع الْمَصَاحِف
وَاعْلَم أَن إِبْرَاهِيم اسْم أعجمي دخل فِي كَلَام الْعَرَب وَالْعرب إِذا أعربت اسْما أعجميا تَكَلَّمت فِيهِ بلغات فَمنهمْ من يَقُول إبراهام وَمِنْهُم من يَقُول أبرهم قَالَ الشَّاعِر ... نَحن آل الله فِي بلدته ... لم يزل ذَاك على عهد ابرهم ...
﴿قَالَ وَمن كفر فأمتعه قَلِيلا﴾
قَرَأَ ابْن عَامر ﴿فأمتعه قَلِيلا﴾ بِالتَّخْفِيفِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ وهما لُغَتَانِ يُقَال متع الله بِهِ وأمتع بِهِ وَالتَّشْدِيد هُوَ الإختيار لِأَن الْقُرْآن يشْهد بذلك فِي قَوْله ﴿ومتعناهم إِلَى حِين﴾ وَلم يقل أمتعناهم
﴿وأرنا مناسكنا وَتب علينا﴾
قَرَأَ أَبُو عَمْرو ﴿وأرنا﴾ مختلسا وَقَرَأَ ابْن كثير ﴿وأرنا﴾ سَاكِنة فِي جَمِيع الْقُرْآن وحجته أَن الرَّاء فِي الأَصْل سَاكِنة وَأَصلهَا أرئينا على وزن أكرمنا فحذفت الْيَاء للجزم ثمَّ تركت الْهمزَة كَمَا تركت فِي يرى وَترى وَبقيت الْيَاء محذوفة كَمَا كَانَت والأجود أَن تَقول نقلنا حَرَكَة الْهمزَة إِلَى الرَّاء ثمَّ حذفنا لِكَثْرَة الحركات
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿أرنا﴾ بِكَسْر الرَّاء وحجتهم فِي ذَلِك أَن الكسرة
стр. 39
إِنَّمَا هِيَ كسرة همزَة ألغيت وطرحت حركتها على الرَّاء فالكسرة دَلِيل الْهمزَة فحذفها قَبِيح ﴿ووصى بهَا إِبْرَاهِيم بنيه وَيَعْقُوب﴾
قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر / وَأوصى بهَا / بِالْألف وحجتهما أَن أوصى يكون للقليل وَالْكثير ووصى لَا يكون إِلَّا للكثير
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿ووصى﴾ التَّشْدِيد وحجتهم أَن وصّى أبلغ من أوصى لِأَن أوصى جَائِز أَن يكون مرّة ووصى لَا يكون إِلَّا مَرَّات كَثِيرَة وَقَالَ الْكسَائي هما لُغَتَانِ معروفتان تَقول وصيتك وأوصيتك كَمَا تَقول كرمتك وأكرمتك وَالْقُرْآن ينْطق بِالْوَجْهَيْنِ قَالَ الله ﴿وَلَقَد وصينا الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ﴾ ﴿مَا وصّى بِهِ نوحًا﴾ ﴿ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ﴾ وَقَالَ ﴿يُوصِيكُم الله﴾ و ﴿من بعد وَصِيَّة توصون﴾ وَالتَّشْدِيد أَكثر
﴿أم تَقولُونَ إِن إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط كَانُوا هودا أَو نَصَارَى﴾
قَرَأَ نَافِع وَابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَأَبُو بكر ﴿أم يَقُولُونَ﴾ بِالْيَاءِ وحجتهم أَن هَذَا إِخْبَار عَن الْيَهُود أَرَادَ أم يَقُول الْيَهُود وَالنَّصَارَى
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ وحجتهم المخاطبة الَّتِي قبلهَا وَالَّتِي بعْدهَا فالمتقدمة قَوْله ﴿قل أتحاجوننا فِي الله﴾ ١٣٩ والمتأخرة قَوْله
стр. 40
﴿قل أأنتم أعلم أم الله﴾ فَتَأْوِيل الْآيَة قل يَا مُحَمَّد لِلْقَائِلين لكم ﴿كونُوا هودا أَو نَصَارَى﴾ أتحاجوننا أم تَقولُونَ إِن إِبْرَاهِيم وَأَوْلَاده كَانُوا يهودا ﴿إِن الله بِالنَّاسِ لرؤوف رَحِيم﴾
قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَأَبُو بكر ﴿إِن الله بِالنَّاسِ لرؤوف﴾ على وزن رعف وحجتهم أَن هَذَا أبلغ فِي الْمَدْح كَمَا تَقول رجل حذق ويقظ للْمُبَالَغَة قَالَ الشَّاعِر ... يرى للْمُسلمين عَلَيْهِ حَقًا ... كَفعل الْوَالِد الرؤف الرَّحِيم ...
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿لرؤوف﴾ على وزن فعول وحجتهم فِي ذَلِك أَن أَكثر أَسمَاء الله على فعول وفعيل مثل غَفُور وشكور وَرَحِيم وقدير قَالَ الشَّاعِر ... نطيع نَبينَا ونطيع رَبًّا ... هُوَ الرَّحْمَن كَانَ بِنَا رؤوفا ...
﴿وَإِن الَّذين أُوتُوا الْكتاب ليعلمون أَنه الْحق من رَبهم وَمَا الله بغافل عَمَّا يعْملُونَ﴾
قَرَأَ ابْن عَامر وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا يعْملُونَ﴾ بِالتَّاءِ وحجتهم قَوْله قبلهَا ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره﴾ فَكَانَ ختم الْآيَة بِمَا افتتحت بِهِ من الْخطاب عِنْدهم أولى من الْعُدُول عَن الْخطاب إِلَى الْغَيْبَة
следующие страницы →