← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 5552

المحكم في نقط المصاحف

أبو عمرو الداني

Полный текст (247 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

صورتهَا أعظم من صُورَة الْوَاو فاستغنوا بِعظم صورتهَا عَن النقط وَالْكَاف لَا تنقط لانها اعظم من الدَّال والذال وَاللَّام لَا تنقط لانها لَا يشبهها شَيْء من الْحُرُوف وَالْمِيم لَا تنقط لانها لَا تشبه شَيْئا من الْحُرُوف وقصتها قصَّة اللَّام وَالنُّون إِذا وصلتها فَوْقهَا وَاحِدَة لانها تَلْتَبِس بِالْبَاء وَالتَّاء والثاء فَإِذا فصلت لم تنقط استغنوا بِعظم صورتهَا لَان صورتهَا أعظم من الرَّاء وَالزَّاي وَالْوَاو لَا تنقط لانها اصغر من الْقَاف فَلم تشبه بِشَيْء من الْحُرُوف وَالْهَاء لَا تنقط لانها لَا تشبه شَيْئا من الْحُرُوف وقصتها قصَّة الْوَاو وَلَام الف حرفان قرنا فَلَيْسَ وَاحِد مِنْهُمَا ينقط وَالْيَاء إِذا وصلت نقطت تحتهَا اثْنَتَيْنِ لِئَلَّا تَلْتَبِس بِمَا مضى فاذا فصلت لم تنقط وَقَالَ غير الْخَلِيل حُرُوف المعجم ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ حرفا مُخْتَلفَة مُنْفَرِدَة فِي التهجي وَهِي سواكن وَقد دخل فِيهَا لَام الف موصولين لانفرادهما فِي الصُّورَة وَهِي أَرْبَعَة اصناف صنف مِنْهَا سِتَّة احرف متباينة لَا تحْتَاج الى الْفَصْل بَينهَا وَبَين غَيرهَا بِشَيْء من النقط اك ل م وهـ وصنف مِنْهَا سَبْعَة أحرف متلابسة مخلاة ح د ر س ص ط ع وصنف مِنْهَا أحد عشر حرفا متلابسة يفصل بَينهَا وَبَين مَا قبلهَا من المتلابسين بالنقط ب ت ث ج خَ ذ ز ش ض ظ غ وصنف مِنْهَا اربعة احرف تخلى إِذا لم يُوصل بهَا شَيْء وتنقط إِذا وصل بهَا غَيرهَا ف ق ن ى فَجَمِيع مَا ينقط مِنْهَا لالتباسها بغَيْرهَا خَمْسَة عشر حرفا مِنْهَا ثَمَانِيَة احرف كل حرف مِنْهَا بِنُقْطَة وَاحِدَة خَ ذ ز ض ظ غ ف ن وَاثْنَانِ بنقطتين من فَوْقهمَا ت

стр. 37

ق وَاثْنَانِ بِثَلَاث نقط من فَوْقهمَا ث ش وَاثْنَانِ بِوَاحِدَة من تحتهما ب ج وحرف وَاحِد بنقطتين من تَحْتَهُ ى قَالَ أَبُو عَمْرو أهل الْمشرق ينقطون الْفَاء بِوَاحِدَة من فَوْقهَا وَالْقَاف بِاثْنَيْنِ من فَوْقهَا وَأهل الْمغرب ينقطون الْفَاء بِوَاحِدَة من تحتهَا وَالْقَاف بِوَاحِدَة من فَوْقهَا وَكلهمْ أَرَادَ الْفرق بَينهمَا بذلك وَرَأَيْت بعض الْعلمَاء قد علل النقط فَقَالَ اعْلَم ان الْبَاء وَالتَّاء والثاء وَالنُّون وَالْيَاء خَمْسَة احرف متشابهة الصُّور فِي الْكِتَابَة فلأجل ذَلِك احْتِيجَ أَن يفرق بالنقط الْمُخْتَلف بَينهَا فواخوا بَين الْبَاء وَالنُّون وَبَين التَّاء وَالْيَاء فنقطوا الْبَاء وَاحِدَة من تَحت وَالنُّون وَاحِدَة من فَوق ونقطوا التَّاء اثْنَتَيْنِ من فَوق وَالْيَاء اثْنَتَيْنِ من تَحت وَبقيت الثَّاء مُنْفَرِدَة لَا أُخْت لَهَا فنقطوها ثَلَاثًا من فَوق إِذْ خلت من أُخْت وَلم تخل من شبه ثمَّ جاؤوا الى الْجِيم والحاء وَالْخَاء وَهن ثَلَاثَة أحرف متشابهة الصُّور لَيْسَ فِي حُرُوف المعجم مَا يشبههن فابتدؤوا بالاولى وَهِي الْجِيم فنقطوها بِوَاحِدَة من تَحت واختاروا ان يجْعَلُوا النقطة من تَحت لَان الْجِيم مَكْسُورَة وأخلوا الْحَاء من النقط فرقا بَينهَا وَبَين الْجِيم وَأما الْخَاء فَاخْتَارُوا لَهَا النقط من فَوق لَان اللَّفْظ بِالْخَاءِ مَفْتُوح ثمَّ جاؤوا الى الدَّال والذال وهما حرفان متشابهان فأخلوا الدَّال من النقط فرقا بَينهَا وَبَين اختها ولان مَا قبلهَا منقوط ونقطوا الذَّال وَاحِدَة من فَوق لَان اللَّفْظ بهَا مَفْتُوح

стр. 38

ثمَّ فعلوا بالراء وَالزَّاي كَمَا فعلوا فِي الدَّال والذال ثمَّ جاؤوا الى السِّين والشين وهما حرفان مشتبهان فأخلوا السِّين وَهُوَ الْحَرْف الاول من النقط فرقا بَينهَا وَبَين أُخْتهَا ونقطوا الشين بِثَلَاث من فَوق لانه حرف وَاحِد صورته صُورَة ثَلَاثَة أحرف واختاروا النقط لَهَا من فَوق ولفظها مكسور لانها من بَين الْحُرُوف المزدوجة كَثِيرَة النقط مُخَالفَة فِي ذَلِك سَائِر المنقوط من المزدوج وَالْمُنْفَرد إِلَّا الثَّاء فَإِن علتها مُخَالفَة لعِلَّة الشين ثمَّ جاؤوا الى الصَّاد وَالضَّاد فَفَعَلُوا فيهمَا كَمَا فعلوا فِي الدَّال والذال إِذْ الْعلَّة فيهمَا وَفِي الدَّال والذال وَاحِدَة وفعلوا فِي الطَّاء والظاء وَالْعين والغين كفعلهم فِي الدَّال والذال أَيْضا وَالْعلَّة فِي الْكل عِلّة وَاحِدَة ثمَّ جاؤوا الى الْفَاء وَالْقَاف وهما حرفان فِي الِانْفِرَاد تخْتَلف صورتهما وَفِي اول الْكَلَام ووسطه يشتبهان فَإِذا وَقع أَحدهمَا فِي آخر كلمة مُتَّصِلا بِمَا قبله عَاد الى صورته فِي الِانْفِرَاد فَلَمَّا اخْتلفت صورتهما فِي مَوضِع واتفقت فِي مَوضِع اخْتَارُوا لَهما جَمِيعًا النقط وخولف بَين نقطهما ليفرق بِهِ بَينهمَا فنقطوا الْفَاء وَاحِدَة من فَوق ونقطوا الْقَاف اثْنَيْنِ من فَوق وَجعلُوا نقط الْجَمِيع من فَوق لَان مخرج لَفْظهمَا مَفْتُوح ثمَّ جاؤوا الى الْكَاف فوجدوا صورتهَا مُفْردَة لَا تشتبه بِصُورَة حرف من

стр. 39

حُرُوف المعجم فأخلوه من النقط لانفراده بصورته لانه يتَّصل بأوائل الْكَلَام واوساطه وأواخره لَا ينْفَرد بِذَاتِهِ إِلَّا فِي أَوَاخِر الْكَلَام وَلَا يَقع فِي أَوَائِل الْكَلَام كوقوع الالف وَهُوَ فِي انْفِرَاده بشكله مثله فأجروه فِي الاخلاء من النقط مجْرَاه ثمَّ جاؤوا الى اللَّام وَهُوَ حرف مُنْفَرد الشكل علته عِلّة الْكَاف فأجروه فِي الإخلاء من النقط مجْرى الالف وَالْكَاف ثمَّ جاؤوا الى الْمِيم وَهُوَ حرف مُنْفَرد لَا شَبيه لَهُ علته عِلّة الْكَاف وَاللَّام فأخلوه من النقط وأجروه مجراهما ثمَّ جاؤوا الى الْوَاو وَهُوَ حرف يشبه الْقَاف فِي الِانْفِرَاد وَفِي أَوَاخِر الْكَلَام وَيُخَالف شبهه فِي اول الْكَلَام ووسطه فَكَانَت مُوَافَقَته للقاف فِي الْمَوَاضِع الَّتِي تخَالف الْقَاف فِيهَا الْفَاء لَا غير فأخلوه من النقط إِذْ كَانَ شبهه فِي الِانْفِرَاد وَفِي أَوَاخِر الْكَلَام وَهُوَ الْقَاف منقوطا ثمَّ جاؤوا الى الْهَاء وَهُوَ حرف مُنْفَرد لَا شبه لَهُ فِي حُرُوف المعجم لَهُ فِي الْكِتَابَة صُورَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ فِي ابْتِدَاء الْكَلَام وَفِي وَسطه مشقوق وَفِي آخِره صُدُور غير مشقوق فأخلوه من النقط لخلو شبهه وَاخْتِلَاف صورته وَجعلُوا الْخط الَّذِي يشق بِهِ إِذا وَقع فِي اوائل الْكَلَام ووسطه عوضا من النقط عِنْد اخْتِلَاف الصُّورَة قَالَ وَلَو احْتج مُحْتَج فِي هَذَا الْحَرْف فَقَالَ قد كَانَ يجب أَن ينقط هَذَا لِأَن صورته تخْتَلف فِي الْكِتَابَة وَمَا اخْتلف من الْحُرُوف المفردة فِي

стр. 40

مَوضِع وَاتفقَ فِي مَوضِع احْتَاجَ الى النقط ليستدل بِهِ قيل لَهُ قد قُلْنَا إِن الْبَاء وَالتَّاء نقطا بِوَاحِدَة واثنتين لعِلَّة شبههما بِالْيَاءِ وَالنُّون ونقطت الثَّاء بِثَلَاث نقط لَان لَهَا اربعة امثلة منقوطة من جِنْسَيْنِ أَكْثَره بنقطتين فاختير لَهَا ثَلَاث نقط لهَذِهِ الْعلَّة وَلَيْسَ فِي حُرُوف المعجم حرف صورته صُورَة حرف وَاحِد نقط بِثَلَاث نقط غَيره ونقطت الشين بِثَلَاث لعِلَّة شبهها بِالسِّين واختير لَهَا ثَلَاث نقط لَان صورتهَا صُورَة ثَلَاثَة أحرف وَسَائِر الْحُرُوف المزدوجة والمنفردة اكثر نقطها اثْنَتَانِ وَهَذَا الْحَرْف يَعْنِي الْهَاء صورته صُورَة حرف وَاحِد فَبَطل أَن ينقط بِوَاحِدَة لانفراده وَبَطل أَن ينقط بِاثْنَتَيْنِ لعِلَّة شبهه وَبَطل أَن ينقط بِثَلَاث نقط فَمَا فَوْقهَا لعِلَّة صورته فَاحْتَاجَ أَن يخلى من النقط قَالَ أَبُو عَمْرو وكل هَذَا لطيف حسن فَإِن قَالَ قَائِل لم نقطت الْبَاء بِوَاحِدَة من تحتهَا هلا نقطت من فَوْقهَا ونقطت النُّون من تحتهَا مَكَان ذَلِك فرقا بَينهمَا قيل لَهُ إِنَّمَا نقطت بِوَاحِدَة لما تقدم من قَوْلنَا إِنَّهَا أول الصُّور الثَّلَاث وَإِن التَّاء ثانيتها والثاء ثالثتها وَلذَلِك نقطت التَّاء اثْنَتَيْنِ والثاء ثَلَاثًا وَإِنَّمَا نقطت من تحتهَا للُزُوم الْكسر لَهَا إِذا كَانَت زَائِدَة جَارة كَالَّتِي فِي اول التَّسْمِيَة وَإِنَّمَا لَزِمَهَا الْكسر اتبَاعا لعملها إِذْ كَانَت لَا تعْمل إِلَّا جرا فَجعل نقطها

стр. 41

مُوَافقا لحركتها وألزما مَكَانا وَاحِدًا لذَلِك ولهذه الْعلَّة نقط أهل الْمغرب الْفَاء من تحتهَا اذ كَانَ الْكسر وَالْيَاء أَيْضا قد يلحقان بهَا إِذا كَانَت جَاره وَحمل نقطها على ذَلِك فِي كل مَكَان فَإِن قيل لم نقطوا الْيَاء بِاثْنَتَيْنِ من تحتهَا قيل لتميز بذلك من الْبَاء الَّتِي تنقط وَاحِدَة من تحتهَا وَمن التَّاء الَّتِي تنقط اثْنَتَيْنِ من فَوْقهَا ولمؤاخاتها فِي الْمخْرج الْجِيم الَّتِي تنقط بِوَاحِدَة من تحتهَا لكَون لَفظهَا مكسورا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 42

بَاب ذكر نقط الحركات المشبعات ومواضعهن من الْحُرُوف اعْلَم ان الحركات ثَلَاث فَتْحة وكسرة وضمة فموضع الفتحة من الْحَرْف أَعْلَاهُ لَان الْفَتْح مُسْتَعْمل وَمَوْضِع الكسرة مِنْهُ أَسْفَله لَان الْكسر مستفل وَمَوْضِع الضمة مِنْهُ وَسطه أَو امامه لَان الفتحة لما حصلت فِي اعلاه والكسرة فِي أَسْفَله لاجل استعلاء الْفَتْح وتسفل الْكسر بقى وَسطه فَصَارَ موضعا للضمة فاذا نقط قَوْله الْحَمد لله جعلت الفتحة نقطة بالحمراء فَوق الْحَاء وَجعلت الضمة نقطة بالحمراء فِي الدَّال اَوْ امامها إِن شَاءَ الناقط وَجعلت الكسرة نقطة بالحمراء تَحت اللَّام وَالْهَاء وَكَذَلِكَ يفعل بِسَائِر الْحُرُوف المتحركة بالحركات الثَّلَاث سَوَاء كن إعرابا أَو بِنَاء اَوْ كن عوارض وَإِنَّمَا جعلنَا الحركات المشبعات نقطعا مُدَوَّرَة على هَيْئَة وَاحِدَة وَصُورَة متفقة وَلم نجْعَل الفتحة ألفا مضجعة والكسرة يَاء مَرْدُودَة والضمة واوا صغرى على مَا ذهب اليه سلف اهل الْعَرَبيَّة إِذْ كن مأخوذات من هَذِه الْحُرُوف الثَّلَاثَة دلَالَة على ذَلِك اقْتِدَاء منا بِفعل من ابْتَدَأَ النقط من عُلَمَاء السّلف بِحَضْرَة الصَّحَابَة ﵃ واتباعا لَهُ واستمساكا بسنته إِذْ مُخَالفَته مَعَ سابقته وتقدمه لَا تسوغ وَترك اقتفاء أَثَره فِي ذَلِك

стр. 43

مَعَ مَحَله من الدّين وموضعه من الْعلم لَا يسع أحدا أَتَى بعده حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ نَا ابو بكر بن الانباري قَالَ نَا أبي قَالَ نَا ابو عِكْرِمَة قَالَ قَالَ الْعُتْبِي قَالَ ابو الاسود للَّذي امسك الْمُصحف إِذا فتحت شفتي فانقط وَاحِدَة فَوق الْحَرْف وَإِذا ضممتهما فَاجْعَلْ النقطة الى جَانب الْحَرْف وَإِذا كسرتهما فَاجْعَلْ النقطة فِي اسفله قَالَ ابو عَمْرو فاتباع هَذَا اولى وَالْعَمَل بِهِ فِي نقط الْمَصَاحِف احق لَان الَّذِي رَآهُ أَبُو الاسود وَمن بِحَضْرَتِهِ من الفصحاء وَالْعُلَمَاء حِين اتَّفقُوا على نقطها أوجه لَا شكّ من الَّذِي رَآهُ من جَاءَ بعدهمْ لتقدمهم ونفاذ بصريرتهم فَوَجَبَ الْمصير الى قَوْلهم وَلزِمَ الْعَمَل بفعلهم دون مَا خَالفه وَخرج عَنهُ على أَن اصطلاحهم على جعل الحركات نقطا كنقط الإعجام قد يتَحَقَّق من حَيْثُ كَانَ معنى الْإِعْرَاب التَّفْرِيق بالحركات والإعجام من قَوْلهم اعجمت الشَّيْء إِذا بَينته وَكَانَ الاعجام ايضا يفرق بَين الْحُرُوف المشتبهة فِي الرَّسْم وَكَانَ النقط يفرق بَين الحركات المختفلة فِي اللَّفْظ فَلَمَّا اشْتَركَا فِي الْمَعْنى اشرك بَينهمَا فِي الصُّورَة وَجعل الاعجام بِالسَّوَادِ وَالْإِعْرَاب بِغَيْرِهِ فرقا بَين إعجام الْحُرُوف وَبَين تحريكها وَاقْتصر فِي الاعجام أَولا على النقط من حَيْثُ اريد الايجاز والتقليل لَان النقط اقل مَا يبين بِهِ وَهَذَا لطيف جدا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 44

بَاب ذكر كَيْفيَّة نقط مَا لَا يشْبع من الحركات فيختلس اَوْ يخفى اَوْ يشم اعْلَم ان الْحَرَكَة المختلسة والمخفاة والمرامة والمشمة فِي الْحَقِيقَة وَالْوَزْن بِمَنْزِلَة المشبعة إِلَّا أَن الصَّوْت لَا يتم بِتِلْكَ وَلَا يمطط اللَّفْظ بهَا فتخفى لذَلِك على السَّامع حَتَّى رُبمَا ظن أَن الْحَرْف المتحرك عَار من الْحَرَكَة وَأَنه مسكن رَأْسا لسرعة النُّطْق بالمختلسة وتضعيف الصَّوْت وتوهينه بالمخفاة والمرامة والمشبعة يمطط بهَا اللَّفْظ وَيتم بهَا الصَّوْت فتبدو مُحَققَة فَإِذا نقط مصحف على مَذْهَب من يختلس حَرَكَة بعض الْحُرُوف طلبا للخفة وتسهيلا للفظ ويشبع حَرَكَة بَعْضهَا ليدل على جَوَاز الْوَجْهَيْنِ وَاسْتِعْمَال اللغتين وَأَن الْقِرَاءَة سنة تتبع وَهُوَ مَذْهَب ابي عَمْرو بن الْعَلَاء من رِوَايَة الْبَصرِيين عَنهُ فلتجعل عَلامَة الْحَرَكَة المختلسة إِن كَانَت فَتْحة نقطة فَوق الْحَرْف وان كَانَت كسرة نقطة تَحْتَهُ وَإِن كَانَت ضمة نقطة فِيهِ اَوْ أَمَامه

стр. 45

ولتجعل عَلامَة الْحَرَكَة المشبعة إِن كَانَت فَتْحة الْفَا مضجعة وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ بعض ألف ممالة وَإِن كَانَت كسرة يَاء مَرْدُودَة صغرى وَإِن كَانَت ضمة واوا صغرى قَالَ سِيبَوَيْهٍ فَأَما الَّذين يشبعون فيمططون وعلامتهما يَاء وواو قَالَ أَبُو عَمْرو وَهَذَا عِنْد أهل النقط فِي الْمُخْتَلف فِيهِ من الحركات خَاصَّة دون الْمُتَّفق عَلَيْهِ مِنْهُنَّ فَأَما الفتحة المختلسة فِي مذْهبه فَفِي الْهَاء وَالْخَاء من قَوْله ﴿أم من لَا يهدي﴾ فِي يُونُس و ﴿هم يخصمون﴾ فِي يس واما الكسرة المختلسة فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَى بارئكم﴾ و ﴿عِنْد بارئكم﴾ وَفِي قَوْله ﴿أَنا أمرنَا﴾ و ﴿أَرِنِي﴾ حَيْثُ وَقعا وَأما الضمة المختلسة فَفِي نَحْو قَوْله ﴿يَأْمُركُمْ﴾ و ﴿يَأْمُرهُم﴾ و ﴿مَا يشعركم﴾ و ﴿ينصركم﴾ وَأما الْحَرَكَة المشبعة فِي مذْهبه فَفِي مَا عدا هَؤُلَاءِ الْكَلم نَحْو قَوْله ﴿يبشرهم﴾ و ﴿لَا يحزنهم﴾ و ﴿ويحذركم﴾ و ﴿يسيركم﴾ وَمَا أشبه مِمَّا تتوالى فِيهِ الحركات

стр. 46

ونقط الْحَرَكَة المخفاة والمرامة كنقط المختلسة سَوَاء يَجْعَل فِي موضعهَا نقطة فَقَط فَإِذا نقط قَوْله تَعَالَى ﴿فَنعما﴾ و ﴿لَا تعدوا﴾ ﴿وَيهْدِي﴾ و ﴿يخصمون﴾ على مَذْهَب من أخْفى الْعين وَالْهَاء وَالْخَاء فِي هَؤُلَاءِ الْكَلم من أَئِمَّة الْقِرَاءَة جعل تَحت الْعين من ﴿فَنعما﴾ نقطة وَفَوق الْعين وَالْهَاء وَالْخَاء من ﴿تعدوا﴾ و ﴿يهدي﴾ و ﴿يخصمون﴾ نقطة وَإِذا نقط جَمِيع مَا تقدم مِمَّا اختلس الْحَرَكَة فِيهِ ابو عَمْرو اَوْ اخفاها اَوْ رامها هُوَ وَغَيره على مَذْهَب من اشبعها فِيهِ جعل عَلامَة الفتحة فِي قَوْله ﴿لَا تعدوا﴾ و ﴿يهدي﴾ و ﴿يخصمون﴾ الْفَا صغرى مضجعة فَوق الْعين وَالْهَاء وَالْخَاء كَمَا ترى وَجعل عَلامَة الْكسر فِي قَوْله ﴿بارئكم﴾ و ﴿أرنا﴾ و ﴿أَرِنِي﴾ و ﴿فَنعما﴾ يَاء صغرى تَحت الْهمزَة وَالرَّاء وَالْعين كَمَا ترى وَجعل عَلامَة الضمة فِي قَوْله ﴿يَأْمُركُمْ﴾ و ﴿يَأْمُرهُم﴾ و ﴿ينصركم﴾ و ﴿يشعركم﴾ واوا صغرى أَمَام الرَّاء أَو فَوْقهَا كَمَا ترى فَتكون النقط وَهَذِه الْحُرُوف الثَّلَاثَة فرقا بَين مَا لم يتم الصَّوْت بِهِ من

стр. 47

الحركات وَلم يشْبع اللَّفْظ بِهِ مِنْهُنَّ وَبَين مَا أتم بِهِ الصَّوْت ومطط بِهِ النُّطْق ويميز الجنسان وَيبين النوعان وتدرك حقيقتهما بذلك فَإِن قَالَ قَائِل لم جعلتم عَلامَة الْحَرَكَة المشبعة فِي هَذَا الضَّرْب الْفَا وياء وواوا وَقد انكرتم ذَلِك قبل فِي سَائِر الحركات ودللتم على صِحَة ذَلِك بالْخبر الَّذِي رويتموه عَن ابي الاسود مبتدىء النقط قيل لَهُ جعلنَا ذَلِك علامتها فِيهِ ليمتاز الِاخْتِلَاف ويرتفع الْإِشْكَال فِي معرفَة الْحَرَكَة المشبعة وَغير المشبعة أَلا ترى أَنا لم نستعمل ذَلِك فِيمَا اتّفق على اشباع الْحَرَكَة فِيهِ إِذْ لم يحْتَج الى تَمْيِيز وَلَا فرقان هَذَا مَعَ اقتدائنا فِي ذَلِك بِمن سنة من عُلَمَاء اللُّغَة ومتقدمي النُّحَاة وَهُوَ الْخَلِيل بن احْمَد ﵀ وَعَامة اصحابه إِذْ عدمنا الرِّوَايَة فِيهِ عَمَّن تقدمه مِمَّن ابْتَدَأَ بنقط الْمَصَاحِف من التَّابِعين وَغَيرهم فصل قَالَ ابو عَمْرو فَأَما الْحَرَكَة المشمة فِي نَحْو قَوْله ﴿سيء﴾ و ﴿سيئت﴾ و ﴿قيل﴾ و ﴿غيض﴾ و ﴿سيق﴾ و ﴿حيل﴾ و ﴿جائ﴾ فحقيقته ان ينحى بكسره اوائل هَذِه الافعال نَحْو الضمة يَسِيرا ليدل بذلك على أَن الضَّم الْخَالِص اصلها كَمَا ينحى بالفتحة المماله نَحْو الكسرة

стр. 48

قَلِيلا ليدل بذلك ايضا على انقلاب الالف عَن الْيَاء وليقرب بذلك من كسرة قبلهَا وَبعدهَا فَإِذا نقطت هَذِه الْحُرُوف على قِرَاءَة من أَشمّ اولها الضَّم جعل امام السِّين وَالْقَاف والغين والحاء وَالْجِيم نقطة بالحمراء ليدل بذلك على إشمامها وَأَنه نحي بكسرتها نَحْو تِلْكَ الضمة وَإِن تركت الْحُرُوف عَارِية من تِلْكَ النقطة وَأخذ ذَلِك مشافهة عَن الْقُرَّاء كَانَ حسنا لَان الْقَارئ رُبمَا اشبع تِلْكَ الضمة وأخلصها فَخرج بذلك عَن مَذَاهِب أَئِمَّة الْقِرَاءَة فَإِن لم يفعل ذَلِك وتحا بالكسرة فِي ذَلِك نَحْو الضمة كَمَا يجب فَجعل النقطة دلَالَة على ذَلِك ابين وأدل على النُّطْق فصل وَأما الفتحة الممالة فِي نَحْو قَوْله ﴿النَّار﴾ و ﴿النَّهَار﴾ و ﴿الْكَافرين﴾ و ﴿النَّصَارَى﴾ و ﴿أُسَارَى﴾ وَمَا أشبه ذَلِك مِمَّا تمال فَتحته لكسرة تَلِيهَا أَو الْألف تمال بعْدهَا لكسرة أَو يَاء فَإِنَّهُ إِن نقطت هَذِه الفتحة جعلت نقطة تَحت الْحَرْف الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ كَمَا تجْعَل الكسرة سَوَاء وَذَلِكَ من حَيْثُ قربت بالامالة مِنْهَا فَلذَلِك جرت فِي النقط مجْراهَا كَمَا فعل بالكسرة المشمة المنحو بهَا نَحْو الضمة فِيمَا تقدم حِين جعلت ضمة لذَلِك وَإِن خيف إخلاص تِلْكَ الكسرة ترك الْحَرْف عَارِيا مِنْهَا الى أَن تَأتي المشافهة على ذَلِك وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 49

بَاب ذكر التَّشْدِيد والسكون وكيفيتهما اعْلَم ان التَّشْدِيد ينقط على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن تجْعَل علامته أبدا فَوق الْحَرْف وَيعرف الْحَرْف بالحركات اللائي يلحقنه فَإِن كَانَ المشدد مَفْتُوحًا جعل على الشدَّة نقطة عَلامَة لِلْفَتْحِ نَحْو قَوْله ﴿إِن رَبك﴾ و ﴿المصدقين﴾ و ﴿الظَّالِمين﴾ و ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ وَشبهه وَإِن كَانَ مكسورا جعل تَحت الْحَرْف نقطة عَلامَة للكسر وَجعلت الشدَّة فَوْقه وَذَلِكَ نَحْو قَوْله ﴿رب الْعَالمين﴾ و ﴿لَا آمين﴾ و ﴿من عَدو﴾ و ﴿لجي﴾ وَشبهه وَإِن كَانَ مضموما جعل أَمَام الْحَرْف نقطة عَلامَة للضم وَجعلت الشدَّة فَوْقه نَحْو ﴿رب الْعَرْش﴾ و ﴿ولي الَّذين﴾ و ﴿غَنِي حميد﴾ وَشبهه وَصُورَة التَّشْدِيد على هَذَا الْمَذْهَب شين وَهِي كَمَا ترى ب وَإِنَّمَا جعلت الشين عَلامَة لَهُ لانه يُرَاد أول شَدِيد وَهَذَا مَذْهَب الْخَلِيل

стр. 50

وسيبويه وَعَامة أصحابهما وعَلى ذَلِك سَائِر أهل الْمشرق من النقاط وَغَيرهم وَالْوَجْه الثَّانِي ان تجْعَل عَلامَة التَّشْدِيد دَالا فَوق الْحَرْف إِذا كَانَ مَفْتُوحًا وَتَحْته إِذا كَانَ مكسورا وأمامه إِذا كَانَ مضموما وَبَعض اهل النقط يَجْعَل مَعَ الشدَّة الحركات تَأْكِيدًا فِي الدّلَالَة على حَقِيقَة إِعْرَاب الْكَلم وحركات الْحُرُوف وَبَعْضهمْ لَا يجعلهن مَعَ ذَلِك لما فِي صورته وَمُخَالفَة جعله فِي الْحُرُوف من الدَّلِيل على كَيْفيَّة الْإِعْرَاب والتحريك وَبَعْضهمْ يجعلهن مَعهَا فِي أَطْرَاف الْكَلم خَاصَّة دون حشوهن لكَون الْأَطْرَاف مَوَاضِع الْإِعْرَاب وَهُوَ مَذْهَب حسن وَصُورَة التَّشْدِيد على هَذَا الْمَذْهَب فِي المفتوح كَمَا ترى ث وَفِي المكسور ب وَفِي المضموم ت والى هَذَا الْوَجْه ذهب نقاط اهل الْمَدِينَة من سلفهم وخلفهم وعَلى اسْتِعْمَاله وَاتِّبَاع اهل الْمَدِينَة فِيهِ عَامَّة اهل بلدنا قَدِيما وحديثا وَهُوَ الَّذِي أخْتَار وَبِه انقط حَدثنَا أَحْمد بن عمر القَاضِي قَالَ نَا مُحَمَّد بن مُنِير قَالَ حَدثنَا عبد الله بن عِيسَى قَالَ نَا قالون أَن فِي مصاحف اهل الْمَدِينَة مَا كَانَ من حرف مشدد فَعَلَيهِ دَال وفتحه الدَّال فَوق قَالَ وَإِن كَانَ يرجع الى الْكسر فَمن تَحت الْحَرْف قَالَ أَبُو عَمْرو وَلم يذكر قالون الضَّم وَإِنَّمَا جعل أهل الْمَدِينَة عَلامَة التَّشْدِيد دَالا من حَيْثُ الدَّال آخر كلمة شَدِيد فدلوا عَلَيْهِ بآخر حرف من كَلمته كَمَا دلّ عَلَيْهِ النحويون ونقاط الْمشرق بِأول حرف من كَلمته وَفِي كل وَاحِد من الحرفين الشين وَالدَّال دلَالَة عَلَيْهِ غير أَن اتِّبَاع أهل الْمَدِينَة اولى وَالْعَمَل بقَوْلهمْ ألزم

стр. 51

فَأَما مَا يَسْتَعْمِلهُ نَاس من النقاط من جعل الشدَّة فِي الْحَرْف المفتوح والمكسور قَائِمَة الطَّرفَيْنِ تَحْتَهُ أبدا وَذَلِكَ فِي نَحْو قَوْله ﴿إياك﴾ و ﴿رب الْعَالمين﴾ و ﴿الضَّالّين﴾ وَشبهه وتعريبهم الْحَرْف بحركته وَصُورَة ذَلِك كَمَا ترى فِي المفتوح ب وَفِي المكسور ب فخطأ لَا وَجه لَهُ مَعَ خُرُوجه عَن فعل نقاط السّلف وَاسْتِعْمَال عَامَّة الْخلف من أهل الْمشرق وَالْمغْرب فصل فَأَما السّكُون فعامة اهل بلدنا قَدِيما وحديثا يجْعَلُونَ علامته جرة فَوق الْحَرْف الْمسكن سَوَاء كانه همزَة اَوْ غَيرهَا من سَائِر حُرُوف المعجم نَحْو قَوْله ﴿إِن يَشَأْ﴾ و ﴿هيئ﴾ و ﴿تَسُؤْكُمْ﴾ و ﴿أنبئهم﴾ و ﴿أَرَأَيْت﴾ و ﴿أَفَرَأَيْتُم﴾ وَشبهه وَأهل الْمَدِينَة يجْعَلُونَ علامته دارة صَغِيرَة فَوق الْحَرْف وَكَذَا يجْعَلُونَ هَذِه الدارة على الْحَرْف الْخَفِيف الْمُخْتَلف فِيهِ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف والحرف الَّذِي يخَاف ان يشدده من لَا معرفَة لَهُ دلَالَة على خفته حَدثنَا احْمَد بن مَحْفُوظ قَالَ نَا مُحَمَّد بن احْمَد قَالَ نَا عبد الله بن عِيسَى قَالَ نَا قالون أَن فِي مصاحف أهل الْمَدِينَة مَا كَانَ من حرف مخفف دارة حمرَة وَإِن كَانَ حرفا مسكنا فَكَذَلِك أَيْضا قَالَ ابو عَمْرو وَأهل الْعَرَبيَّة من سِيبَوَيْهٍ وَعَامة أَصْحَاب يجْعَلُونَ علامته خاء

стр. 52

يُرِيدُونَ بذلك اول كلمة خَفِيف وَذَلِكَ أَرَادَ نقاط اهل بلدنا إِلَّا انهم اختصروها بِأَن حذفوا رَأسهَا وبقوا مطتها فَصَارَت جرة كألف مبطوحة لِكَثْرَة اسْتِعْمَال هَذَا الضَّرْب وتكرره وَمن أهل الْعَرَبيَّة من يَجْعَل علامته هَاء من حَيْثُ اخْتصَّ بهَا الْوَقْف الَّذِي يلْزم فِيهِ تسكين المتحرك وَذَلِكَ فِي نَحْو قَوْله ﴿كِتَابيه﴾ و ﴿حسابيه﴾ و ﴿ماليه﴾ وَشبهه وَمن حَيْثُ كَانَت أَيْضا عِنْد النَّحْوِيين الْبَصرِيين حرفا غير حاجز وَلَا فاصل ككون السَّاكِن كَذَلِك سَوَاء لاشْتِرَاكهمَا فِي الخفة والخفاء فَلذَلِك جعلت عَلامَة لَهُ وَدلَالَة عَلَيْهِ وَإِنَّمَا اكتفوا فِي عَلامَة المخفف والمشدد بِالْخَاءِ والشين وَحدهمَا ودلوا بهما على خَفِيف وشديد من حَيْثُ جرى اسْتِعْمَال الْعَرَب لمثل ذَلِك فِي كَلَامهم فلفظوا بالحرف الْوَاحِد من الْكَلِمَة ودلوا بِهِ على سائرها إيجازا واختصارا قَالَ الشَّاعِر ... نادوهم إِذْ ألجموا ألاتا ... قَالُوا جَمِيعًا كلهم ألافا ...

стр. 53

يُرِيد أَلا تَرْكَبُونَ وَألا فاركبوا فَنَطَقَ من الْكَلِمَة الاولى بتاء وَمن الثَّانِيَة بفاء وَدلّ بالحرفين على الرّكُوب فَكَذَلِك دلّ بِالْخَاءِ والشين على خَفِيف وشديد وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 54

بَاب ذكر الْمَدّ وموضعه فِي الْحُرُوف اعْلَم ان نقاط بلدنا جرت عَادَتهم قَدِيما وحديثا على أَن جعلُوا على حُرُوف الْمَدّ واللين الثَّلَاثَة الالف وَالْيَاء وَالْوَاو مطة بالحمراء دلَالَة على زِيَادَة تمكينهن وَذَلِكَ عِنْد لقيهن الهمزات والحروف السواكن فالالف نَحْو ﴿بِمَا أنزل إِلَيْك﴾ و ﴿مَا أنزل من قبلك﴾ و ﴿خَائِفين﴾ و ﴿الضَّالّين﴾ و ﴿العادين﴾ و ﴿من حاد الله﴾ وَمَا أشبهه وَالْيَاء نَحْو ﴿يَا بني إِسْرَائِيل﴾ و ﴿يضيء﴾ و ﴿بريئون﴾ وَمَا أشبهه وَالْوَاو نَحْو ﴿قَالُوا آمنا﴾ و ﴿قوا أَنفسكُم﴾ و ﴿ثَلَاثَة قُرُوء﴾ و ﴿أتحاجوني﴾ و ﴿تأمروني﴾ وَمَا أشبهه وَلَا يجوز ان تجْعَل هَذِه المطة على الْحَرْف المتحرك قبل حرف الْمَدّ كَمَا يفعل ذَلِك قوم من جهلة النقاط وأغبياء المعلمين لَان الصَّوْت لَا يَمْتَد بمتحرك وَإِنَّمَا يَمْتَد بالحروف الثَّلَاثَة لكونهن مَعَ نداوتهن سواكن

стр. 55

وَكَذَا لَا يَنْبَغِي ان يُخَالف بالمطة فِي الالف وَالْيَاء وَالْوَاو بل تجْعَل من فوقهن ابدا لكَونهَا صَوتا يهوي الى الْحلق وَيخرج مَا ئلا الى الهمزات والسواكن قَلِيلا وَذَلِكَ من حَيْثُ كَانَت حُرُوف الْمَدّ اصواتا ينقطعن عِنْد الهمزات وَيَنْتَهِي تمطيطهن اليهن ويتصلن ايضا بالسواكن فَيلْزم ان تقرب المطة فِي النقط من ذَلِك ليَكُون دَلِيلا على ان انْقِطَاع الصَّوْت لحرف الْمَدّ عِنْده وَهَذَا اذا كَانَ مرسوما فِي الْخط ثَابتا فِي الْكِتَابَة فَإِن كَانَ محذوفا من ذَلِك لعِلَّة اَوْ كَانَ حرفا زَائِدا صلَة لهاء ضمير اَوْ لميم جَمِيع فَفِيهِ وَجْهَان احدهما ان يرسم بالحمرة وَتجْعَل المطة عَلَيْهِ وَالثَّانِي الا يرسم وَتجْعَل تِلْكَ المطة فِي مَوْضِعه دلَالَة على حذفه من الرَّسْم وثباته فِي اللَّفْظ فالالف المحذوفة نَحْو ﴿أُولَئِكَ﴾ و ﴿الْمَلَائِكَة﴾ و ﴿يَا أَيهَا﴾ ﴿يَا أولي﴾ وَهَؤُلَاء وَمَا اشبهه وَالْيَاء المحذوفة نَحْو النبئين وَبِه ان كُنْتُم وبتأويله انا وَمَا اشبهه وَكَذَا الداع اذا وَلَئِن اخرتن الى وان ترن انا وَمَا اشبهه على قِرَاءَة من اثْبتْ الْيَاء فِي ذَلِك وَسوى بَين الْمُتَّصِل والمنفصل فِي حُرُوف الْمَدّ وَالْوَاو المحذوفة نَحْو فأوا الى الْكَهْف وان تلوا اَوْ تعرضوا وليسئوا وُجُوهكُم على قِرَاءَة من قرا ذَلِك كَذَلِك وَكَذَا آتا كم ان رَبك وَعَلَيْكُم انفسكم على قِرَاءَة من ضم مِيم

стр. 56

الْجمع وَوَصلهَا بواو وَلم يُمَيّز بَين الْمُنْفَصِل والمتصل فِي حُرُوف الْمَدّ وَكَذَلِكَ تَأْوِيله الا الله واذ جَاءَهُ الْيَسْ وَمَا اشبه ذَلِك حَيْثُ وَقع وَعَامة نقاط اهل الْعرَاق من السّلف وَالْخلف لَا يجْعَلُونَ فِي الْمَصَاحِف عَلامَة للسكون وَلَا للتشديد وَلَا للمد بل يعرون الْحُرُوف من ذَلِك كُله وَالْفرق عِنْدهم بَين المشدد والمخفف جعل نقطة على الْحَرْف المشدد واعراء الْحَرْف المخفف مِنْهَا فَقَط واذ كَانَ سَبَب نقط الْمَصَاحِف تَصْحِيح الْقِرَاءَة وَتَحْقِيق الالفاظ بالحروف حَتَّى يتلَقَّى الْقُرْآن على مَا نزل من عِنْد الله تَعَالَى وتلقي من رَسُول الله ﷺ وَنقل عَن صحابته رضوَان الله عَلَيْهِم واداه الائمة رَحِمهم الله تَعَالَى فسبيل كل حرف ان يُوفى حَقه بالنقط مِمَّا يسْتَحقّهُ من الْحَرَكَة والسكون والشد وَالْمدّ والهمز وَغير ذَلِك وَلَا يخص بِبَعْض ذَلِك دون كُله وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 57

بَاب ذكر التَّنْوِين اللَّاحِق الاسماء وَكَيْفِيَّة صورته وَمَوْضِع جعله اعْلَم ان التَّنْوِين حرف من الْحُرُوف وَهُوَ سَاكن فِي الْخلقَة ومخرجه من الخيشوم وَلَا يَقع ابدا الا فِي اواخر الاسماء خَاصَّة وَالدَّلِيل على أَنه حرف من الْحُرُوف لُزُوم الَّذِي يلْحق جَمِيع الْحُرُوف السواكن لَهُ من التحريك للساكنين فِي نَحْو ﴿رحِيما النَّبِي﴾ وَمن إِلْقَاء حَرَكَة الْهمزَة عَلَيْهِ فِي نَحْو ﴿كفوا أحد﴾ وَمن الْحَذف فِي نَحْو ﴿عُزَيْر ابْن الله﴾ و ﴿أحد الله﴾ على قِرَاءَة من قَرَأَ ذَلِك كَذَلِك وَمن الادغام فِي نَحْو ﴿غَفُور رَحِيم﴾ و ﴿يَوْمئِذٍ لَا تَنْفَع﴾ و ﴿أَلِيم مَا يود﴾ وَشبه ذَلِك فلولا أَنه كَسَائِر السواكن لم يلْحقهُ مَا يلحقهن من التَّغْيِير بالوجوه الْمُتَقَدّمَة

стр. 58

وَإِنَّمَا لزم الاطراف خَاصَّة من حَيْثُ كَانَ مَخْصُوصًا بمتابعة حَرَكَة الاعراب الَّتِي تلْزم ذَلِك الْموضع وتختص بِهِ وَذَلِكَ من حَيْثُ كَانَ الاعراب دَاخِلا لإِفَادَة الْمعَانِي وَكَانَ زَائِدا على الِاسْم فَإِن كَانَ الِاسْم الَّذِي يَقع آخِرَة مجرورا جعل تَحت الْحَرْف نقطتان إِحْدَاهمَا الْحَرَكَة وَالثَّانيَِة علامته وَسَوَاء كَانَ الْحَرْف مخففا اَوْ مشددا وَإِن كَانَ مَرْفُوعا جعل أَمَام الْحَرْف نقطتان أَيْضا وَإِن كَانَ مَنْصُوبًا فَكَذَلِك أَيْضا إِلَّا أَن اهل النقط مُخْتَلفُونَ فِي الْموضع الَّذِي تجْعَل فِيهِ النقطتان وَسَنذكر ذَلِك مشروحا ونبين وَجه الصَّوَاب من اخْتلَافهمْ فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله فالمجرور نَحْو قَوْله ﴿من رب﴾ ﴿رب رَحِيم﴾ و ﴿من عَذَاب أَلِيم﴾ وَشبهه وَالْمَرْفُوع نَحْو قَوْله ﴿صم بكم عمي﴾ وَمَا أشبهه فَإِن قَالَ قَائِل من أَيْن جعل أهل النقط عَلامَة التَّنْوِين الَّذِي هُوَ نون خَفِيفَة فِي اللَّفْظ نقطة كنقطة الْحَرَكَة قيل من حَيْثُ جعلهَا عَلامَة لذَلِك من ابْتَدَأَ النقط من السّلف اتبَاعا لَهُ واقتداء بِهِ كَمَا حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ الْكَاتِب قَالَ نَا مُحَمَّد بن الْقَاسِم قَالَ نَا أبي قَالَ نَا ابو عِكْرِمَة قَالَ قَالَ الْعُتْبِي قَالَ ابو الاسود للرجل الَّذِي امسك عَلَيْهِ الْمُصحف حِين ابْتَدَأَ بنقطه فَإِن اتبعت شَيْئا من هَذِه الحركات غنة فانقطه نقطتين قَالَ أَبُو عَمْرو وَيَعْنِي بالغنة التَّنْوِين لانه غنة من الخيشوم

стр. 59

فَإِن قَالَ فَمن أَيْن اصْطَلحُوا على جعل علامته عَلامَة الْحَرَكَة قيل من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه لما كَانَ مَخْصُوصًا بمتابعة الحركات دون السواكن جعلُوا علامته فِي النقط علامتهن إشعارا بذلك التَّخْصِيص وإعلاما بِهِ وَالثَّانِي أَن الْحَرَكَة لما لَزِمت أَوَائِل الْكَلم وَلزِمَ التَّنْوِين أواخرهن واجتمعا مَعًا فِي الثَّبَات فِي الْوَصْل والحذف فِي الْوَقْف تَأَكد مَا بَين الْحَرَكَة والتنوين بذلك فَجعلت علامته علامتها دلَالَة على ذَلِك التَّأْكِيد وتنبيها على تناسب مَا بَينهمَا فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يثبت بثبات الآخر وَيسْقط بسقوطه فَإِن قيل فَهَلا جعلُوا علامته السّكُون من حَيْثُ كَانَ سَاكِنا قيل لم يَفْعَلُوا ذَلِك لما عدمت صورته فِي الْخط لزيادته والسكون وَالْحَرَكَة لَا يجعلان إِلَّا فِي حرف ثَابت الْخط قَائِم الصُّورَة فَإِن قيل فَلم لم يرسم نونا فِي الْخط على اللَّفْظ قيل لم يرسم نونا من حَيْثُ كَانَ زَائِدا فِي الِاسْم الَّذِي يلْحق آخِره فرقا بَين مَا ينْصَرف وَبَين مَا لَا ينْصَرف من الاسماء لِئَلَّا يشْتَبه الزَّائِد لِمَعْنى الَّذِي يلْحقهُ التَّغْيِير فِي بعض الاحوال بالأصلي اللَّازِم الَّذِي لَا يتَغَيَّر كَقَوْلِه ﴿وَأحسن كَمَا أحسن الله إِلَيْك﴾ و ﴿لَا تمنن تستكثر﴾ و ﴿لَا تحزن عَلَيْهِم﴾ وَشبه ذَلِك فَلَو رسم التَّنْوِين نونا وَهُوَ زَائِد يتَغَيَّر فِي حَال الْوَقْف لاشتبه بالنُّون الاصلية فِي هَذِه الْمَوَاضِع الَّتِي لَا يلْحقهَا تَغْيِير فِي وصل وَلَا وقف فَفرق بَينهمَا بالحذف وَالْإِثْبَات

стр. 60

ليتميزا بذلك وَلأَجل الْفرق بَينهمَا خُولِفَ فِي التَّسْمِيَة بَينهمَا فَقيل للأصلي نون وللزائد تَنْوِين لينفصلا بذلك وَتعلم الْمُخَالفَة بَينهمَا بِهِ فَأَما الْمَنْصُوب الْمنون فَإِنَّهُ يُبدل مِنْهُ فِي حَال الْوَقْف الْفَا لخفته وَكَذَلِكَ جَاءَ مرسوما فِي الْكِتَابَة دلَالَة على ذَلِك وَاخْتلف نقاط الْمَصَاحِف فِي كَيْفيَّة نقطه على أَرْبَعَة أوجه فَمنهمْ من ينقط بِأَن يَجْعَل نقطتين بالحمراء على تِلْكَ الالف المرسومة ويعري الْحَرْف المتحرك مِنْهُمَا وَمن إِحْدَاهمَا وَصُورَة ذَلِك كَمَا ترى ﴿غَفُورًا رحِيما﴾ ﴿شَيْئا﴾ ﴿خطئا﴾ ﴿هزوا﴾ و ﴿كلا﴾ و ﴿غلا﴾ وَكَذَا إِن كَانَ الِاسْم الْمنون مَقْصُورا وصورت لامه يَاء دلَالَة على اصله يجْعَلُونَ النقطتين ايضا على تِلْكَ الْيَاء لانها تصير الْفَا فِي الْوَقْف وَذَلِكَ فِي نَحْو قَوْله ﴿هدى﴾ و ﴿غزى﴾ و ﴿أَذَى﴾ و ﴿مُسَمّى﴾ وَشبهه وَهَذَا مَذْهَب ابي مُحَمَّد اليزيدي وَعَلِيهِ نقاط اهل المصرين الْبَصْرَة والكوفة ونقاط أهل الْمَدِينَة وَمِنْهُم من يَجْعَل النقطتين مَعًا على الْحَرْف المتحرك ويعري تِلْكَ الالف وَتلك الْيَاء مِنْهُمَا وَمن إِحْدَاهمَا وَصُورَة ذَلِك فِي الالف كَمَا ترى ﴿عليما حكيما﴾ ﴿خطئا﴾ ﴿مُتكئا﴾ ﴿كفوا﴾ وَفِي الْيَاء ﴿مصلى﴾ و ﴿غزى﴾ و ﴿مصفى﴾ وَشبهه وَهَذَا مَذْهَب الْخَلِيل وَأَصْحَابه

стр. 61

وَمِنْهُم من يَجْعَل إِحْدَى النقطتين وَهِي الْحَرَكَة على الْحَرْف المتحرك وَيجْعَل الثَّانِيَة وَهِي التَّنْوِين على الالف وعَلى الْيَاء وَصُورَة ذَلِك فِي الالف كَمَا ترى ﴿عذَابا أَلِيمًا﴾ ﴿ملْجأ﴾ ﴿جُزْءا﴾ وَفِي الْيَاء ﴿مولى عَن مولى﴾ و ﴿غزى﴾ و ﴿سوى﴾ وَشبهه وَمِنْهُم من يَجْعَل نقطة وَاحِدَة على الْحَرْف المتحرك ونقطتين على الالف وَصُورَة ذَلِك كَمَا ترى ﴿وعادا وَثَمُود﴾ و ﴿مثلا رجلا﴾ ﴿ردْءًا﴾ وَفِي الْيَاء ﴿هدى﴾ ﴿عمي﴾ ﴿غزى﴾ ﴿سدى﴾ وَشبهه وَذهب الى هذَيْن الْوَجْهَيْنِ قوم من متأخري النقاط وَلَا إِمَام لَهُم فيهمَا علمناه فَأَما عِلّة من جعل النقطتين مَعًا على الالف فَإِنَّهُ لما كَانَ التَّنْوِين ملازما للحركة مُتَابعًا لَهَا غير منفك مِنْهَا وَلَا مُنْفَصِل عَنْهَا فِي حَال الْوَصْل وَلَا مُنْفَرد دونهَا فِي اللَّفْظ يلْزمه مَا يلْزمهَا من الثَّبَات فِي الْوَصْل ويلحقه مَا يلْحقهَا من الْحَذف فِي الْوَقْف وَكَانَ النقط كَمَا قدمْنَاهُ مَوْضُوعا على الْوَصْل دون الْوَقْف بِدَلِيل تعريبهم أَوَاخِر الْكَلم وتنوينهم الْمنون مِنْهَا وَكَانَ ذَلِك من فعل من ابْتَدَأَ بالنقط من السّلف الَّذين مخالفتهم خُرُوج عَن الِاتِّبَاع وَدخُول فِي الابتداع وَكَانَ الَّذين عنوا بِكِتَابَة الْمَصَاحِف من الصَّحَابَة ﵃ قد رسموا بعد الْحَرْف المتحرك فِي جَمِيع مَا تقدم ألفا وَهِي الَّتِي تعوض من التَّنْوِين فِي حَال الْوَقْف أَو يَاء تعود الْفَا فِيهِ وَلم يكن بُد من إِثْبَات علامته

стр. 62

فِي النقط دلَالَة على صرف مَا ينْصَرف من الاسماء جعل نقطة على الْحَرْف المعوض مِنْهُ وَهُوَ الالف وعَلى الْحَرْف الَّذِي يَنْقَلِب الى لَفظهَا وَهُوَ الْيَاء وَضم اليها النقطة الاخرى الَّتِي هِيَ الْحَرَكَة فحصلتا مَعًا على الالف ففهم بذلك وَكيد حَالهمَا وَعرف بِهِ شدَّة ارتباطهما وَعلم انهما لَا يفترقان وَلَا ينفصلان وَلَا لفظا وَلَا نقطا باجتماعهما على حرف وَاحِد وملازمتهما مَكَانا وَاحِد وَصَارَت الالف بذلك أولى من الْحَرْف المتحرك من قبل انهما لَو جعلتا عَلَيْهِ لبقيت الالف عَارِية من عَلامَة مَا هِيَ عوض مِنْهُ مَعَ الْحَاجة الى معرفَة ذَلِك فَتَصِير حِينَئِذٍ غير دَالَّة على معنى وَلَا مفيدة شَيْئا فَيبْطل مَا لأَجله رسمت وَله اختيرت من بَين سَائِر الْحُرُوف وَتَكون لَا معنى لَهَا فِي رسم وَلَا لفظ إِلَّا الزِّيَادَة لَا غير دون إِيثَار فَائِدَة وَلَا دلَالَة على معنى يحْتَاج ويضطر اليه فَلَمَّا كَانَت الالف بِخِلَاف ذَلِك وَكَانَ رسمها إِنَّمَا هُوَ للدلالة على الْوَقْف والاعلام بِأَنَّهَا مبدلة فِيهِ من التَّنْوِين وَجب ان تجْعَل النقطة الَّتِي هِيَ علامته عَلَيْهَا ضَرُورَة إِذْ هِيَ هُوَ وَإِذا وَجب ذَلِك لم يكن بُد من ضم النقطة الثَّانِيَة إِلَيْهَا فتحصلان مَعًا على الالف إِذْ لَا تفترقان وَلَا تنفصلان كَمَا بَيناهُ وَهَذَا الْمَذْهَب فِي نقط ذَلِك أخْتَار وَبِه اقول وَعَلِيهِ الْجُمْهُور من النقاط وَأما عِلّة من جعل النقطتين مَعًا الْحَرَكَة والتنوين على الْحَرْف المتحرك فَإِنَّهُ لما كَانَت إِحْدَاهمَا هِيَ الْحَرَكَة جعلهَا على الْحَرْف المتحرك دلَالَة على تحريكه بهَا ثمَّ ضم إِلَيْهَا الثَّانِيَة الَّتِي هِيَ التَّنْوِين لامتناعهما من الِانْفِصَال والافتراق وَأما عِلّة من جعل إِحْدَى النقطتين على الْحَرْف المتحرك وَالثَّانيَِة على الالف فَإِنَّهُ لما كَانَت إِحْدَاهمَا هِيَ الْحَرَكَة جعلهَا على الْحَرْف المحرك بهَا وَلما كَانَت

стр. 63

الثَّانِيَة هِيَ التَّنْوِين جعلهَا على الْحَرْف الْمُبدل مِنْهُ وَهُوَ الالف تأدية لهَذَا الْمَعْنى وإعلاما بِهِ وَأما عِلّة من جعل ثَلَاث نقط على الْحَرْف المتحرك ونقطتين على الالف فَإِنَّهُ لما كَانَت إِحْدَى النقطتين حَرَكَة الْحَرْف المتحرك جعلهَا عَلَيْهِ كَمَا تجْعَل سَائِر الحركات على الْحُرُوف المتحركة بِهن ثمَّ أَعَادَهَا مَعَ التَّنْوِين لارتباطه بهَا وملازمته إِيَّاهَا وَامْتِنَاع كل وَاحِد مِنْهُمَا من الِانْفِصَال عَن صَاحبه أَعنِي التَّنْوِين عَن الْحَرَكَة وَالْحَرَكَة عَن التَّنْوِين تَأْكِيدًا وَدلَالَة على هَذَا الْمَعْنى فتحقق لَهُ بذلك وَجْهَان أَحدهمَا إِيفَاء المتحرك حَقه من حركته وَالثَّانِي تأدية تَأْكِيد مَا بَين الْحَرَكَة والتنوين من المصاحبة والملازمة وَهَذِه الْمذَاهب الثَّلَاثَة فَاسِدَة لَا تصح عِنْد التَّحْقِيق أما الاول مِنْهَا الَّذِي ينْفَرد الْحَرْف المتحرك فِيهِ بالنقطتين فَإِن الالف المرسومة بعده بتعريتها من ذَلِك تَخْلُو من الْمَعْنى الَّذِي لأجل تأديته رسمت فَيبْطل معنى الرَّسْم بذلك وَأما الثَّانِي الَّذِي تجْعَل فِيهِ إِحْدَى النقطتين على الْحَرْف المتحرك وَالثَّانيَِة على الالف فَإِن مَا بَين التَّنْوِين وَالْحَرَكَة من الارتباط والملازمة والاتصال والاشتراك فِي الاثبات والحذف يذهب وَيبْطل بذلك وَأما الثَّالِث الَّذِي تجْعَل فِيهِ ثَلَاث نقط نقطة على الْحَرْف المتحرك ونقطتان على الالف فَإِن الْحَرْف المتحرك تَجْتَمِع لَهُ حركتان حَرَكَة عَلَيْهِ وحركة على الالف وَغير جَائِز ان يُحَرك حرف بحركتين وان تجمعَا لَهُ وَيدل بهما عَلَيْهِ هَذَا مَعَ الْخُرُوج بذلك عَن فعل السّلف والعدول بِهِ عَن اسْتِعْمَال الْخلف وَإِذا فَسدتْ هَذِه الْمذَاهب الثَّلَاثَة بالوجوه الَّتِي بيناها صَحَّ الْمَذْهَب الاول

стр. 64

الَّذِي اخترناه وذهبنا اليه وَاخْتَارَهُ وَذهب اليه اهل التَّحْقِيق والضبط وَاسْتَعْملهُ الْجُمْهُور من اهل النقط قَالَ ابو الْحُسَيْن احْمَد بن جَعْفَر بن الْمُنَادِي أخبرنَا عبيد الله بن مُحَمَّد بن يحيى اليزيدي عَن عَمه ابي عبد الرحمن عَن الْخَلِيل قَالَ قَوْله ﴿عليما حكيما﴾ بنقطتين فَوق الْمِيم طولا وَاحِدَة فَوق الاخرى قَالَ وَلَا أنقط على الالف لَان التَّنْوِين يَقع على الْمِيم نَفسهَا قَالَ ابو عبد الرحمن قَالَ ابو مُحَمَّد يَعْنِي أَبَاهُ اليزيدي ولكنني أنقط على الالف لاني إِذا وقفت قلت ﴿عليما﴾ فَصَارَ الْفَا على الْكتاب قَالَ وَلَو كَانَ على مَا قَالَ الْخَلِيل لَكَانَ يَنْبَغِي إِذا وقف أَن يَقُول ﴿عليم﴾ يَعْنِي بِغَيْر ألف قَالَ ابْن الْمُنَادِي وَالْعَمَل فِي ذَلِك عِنْد أَكثر النقاط نقط الالف المنصوبة بنقطتين إِحْدَاهمَا للنصب والاخرى للتنوين فَإِذا صَارُوا الى الْوَقْف صَارُوا الى الالف قَالَ وَذكر ابو عبد الرحمن ان اهل الْكُوفَة وَبَعض النقاط ينقطون الْمَنْصُوب إِذا استقبلته الْحُرُوف الحلقية فَإِذا استقبلته غَيرهَا لم ينقطوا لدلَالَة الالف على النصب قَالَ وَكَانَ اليزيدي يذهب الى أصل هَذَا القَوْل وَخَالفهُ من قَالَ بقوله من سَائِر النقطاط فنقطوا الْمنون فِي حالاته الثَّلَاث الرّفْع وَالنّصب والجر استقبلته حُرُوف الْحلق أَو لم تستقبله وَهُوَ الْمَعْمُول بِهِ حَتَّى الان عِنْد النقاط وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْمَصَاحِف الْعتْق وَهُوَ أوثق وَأحسن

стр. 65

قَالَ أَبُو عَمْرو وَلم نر شَيْئا من الْمَصَاحِف يخْتَلف فِي نقطه عَن ذَلِك وَهُوَ الْوَجْه وَبِه الْعَمَل وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق فصل وَاعْلَم أَن الِاخْتِلَاف الَّذِي ذَكرْنَاهُ بَين اهل النقط فِي جعل النقطتين إِنَّمَا هُوَ فِي الْكَلم اللائي رسمت الالف المبدلة من التَّنْوِين فِيهِنَّ على مَا بَيناهُ فَأَما مَا لم ترسم فِيهِ تِلْكَ الالف لعِلَّة وَذَلِكَ إِذا وَليهَا همزَة قبلهَا الف كَقَوْلِه ﴿مَاء﴾ و ﴿غثاء﴾ و ﴿جفَاء﴾ و ﴿دُعَاء ونداء﴾ و ﴿افتراء﴾ و ﴿مراء﴾ وَشبهه وَذَلِكَ حِين كره اجْتِمَاع الفين لِاتِّفَاق صورتيهما ككر اجْتِمَاع ياءين وواوين لذَلِك فَإِن الِاخْتِيَار عِنْدِي فِي نقط ذَلِك أَن تجْعَل النقطتان مَعًا على الْهمزَة لعدم صُورَة الْمُبدل من التَّنْوِين فِي هَذَا الضَّرْب لانه إِنَّمَا عدل بهما عَن المتحرك فِي الضَّرْب الاول لما وجدت تِلْكَ الصُّورَة قَائِمَة فَإِذا عدمت وَجب ان تلزما الْحَرْف المتحرك لَا غير وَقد يجوز عِنْدِي فِي نقط هَذَا الضَّرْب وَجْهَان سوى هَذَا الْوَجْه أَحدهمَا أَن ترسم بالحمرة الف قبل الالف السَّوْدَاء وتوقع الْهمزَة نقطة بالصفراء بَينهمَا وَتجْعَل حركتها مَعَ التَّنْوِين نقطتين على الالف السَّوْدَاء لانها هِيَ المبدلة من التَّنْوِين فِي ذَلِك وَهِي المرسومة على هَذَا الْوَجْه وَالثَّانِي أَن ترسم الف بالحمرة بعد الالف السَّوْدَاء وتوقع الْهمزَة نقطة

стр. 66

بالصفراء بَينهمَا أَيْضا وَتجْعَل حركتها مَعَ التَّنْوِين نقطتين على الالف الْحَمْرَاء لانها هِيَ المعوضة من التَّنْوِين وَهِي المحذوفة من الرَّسْم لكَرَاهَة اجْتِمَاع الالفين لوقوعها فِي مَوضِع الْحَذف والتغيير وَهُوَ الطّرف فَكَانَت بالحذف اولى من الَّتِي هِيَ فِي وسط الْكَلِمَة ولان من الْعَرَب من لَا يعوض مِنْهُ فِي حَال الْخَفْض وَالرَّفْع حكى ذَلِك عَنْهَا الْفراء والأخفش وَصُورَة نقط هَذَا الضَّرْب على الْوَجْه الاول الَّذِي اخترناه وَقُلْنَا بِهِ كَمَا ترى مَاء وغثاء وجفاء وَدُعَاء ونداء وعَلى الثَّانِي مئا وغثئا وجفئا ودعئا وندءا وعَلى الثَّالِث ماءا وغثاءا وجفاءا ودعاءا ونداءا فصل وَإِذا كَانَ آخر الِاسْم الَّذِي يلْحقهُ التَّنْوِين فِي حَال نَصبه هَاء تَأْنِيث نَحْو قَوْله ﴿آتَانِي رَحْمَة﴾ و ﴿بِمَا صَبَرُوا جنَّة﴾ و ﴿دانية عَلَيْهِم﴾ وَشبهه فَإِن النقطتين مَعًا تقعان فِي ذَلِك على الْهَاء الَّتِي هِيَ تَاء فِي الْوَصْل لَا غير لِامْتِنَاع إِبْدَال التَّنْوِين فِيهِ فِي حَال الْوَقْف بامتناع وجود التَّاء الَّتِي يلْحقهَا مَعَ حَرَكَة الْإِعْرَاب هُنَاكَ وَلذَلِك بَطل تَصْوِير مَا يُبدل مِنْهُ فِي حَال الْوَقْف فِي هَذَا النَّوْع فصل فَأَما النُّون الْخَفِيفَة فَإِنَّهَا التَّنْوِين فِي الزِّيَادَة وَالْبدل والرسم وَلم تأت

стр. 67

فِي الْقُرْآن إِلَّا فِي موضِعين أَحدهمَا فِي يُوسُف قَوْله ﴿وليكونن من الصاغرين﴾ وَالثَّانِي فِي اقْرَأ قَوْله ﴿لنسفعا بالناصية﴾ والقراء مجمعون على إِبْدَال النُّون فيهمَا فِي الْوَقْف الْفَا كالتنوين الَّذِي يلْحق الاسماء المنصوبة لَان قبل كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا يشبه الالف وَهِي الفتحة ولتأدية كَيْفيَّة الْوَقْف رسما كَذَلِك والنقاط متفقون أَيْضا على جعل نقطتين بالحمرة على تِلْكَ الالف لاشتراك مَا أبدلت مِنْهُ مَعَ التَّنْوِين فِي الْمعَانِي الْمَذْكُورَة من الزِّيَادَة وَالْبدل والرسم ومصاحبة الفتحة وَكَذَلِكَ اتَّفقُوا على جَعلهمَا على الالف فِي نَحْو ﴿وَإِذا لَا يلبثُونَ﴾ و ﴿فَإِذا لَا يُؤْتونَ﴾ و ﴿إِذا مثلهم﴾ و ﴿إِذا لأذقناك﴾ وَمَا اشبهه وَذَلِكَ من حَيْثُ أشبه ذَلِك النُّون الْخَفِيفَة فِي اللَّفْظ والرسم وَالْوَقْف ووافقها فِي هَذِه الاشياء فَجرى بذلك مجْراهَا فِي اللَّفْظ وَذَلِكَ مِمَّا لَا خلاف فِيهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق والاعانة

стр. 68

بَاب ذكر تراكب التَّنْوِين وتتابعه وَكَيْفِيَّة نقط مَا يلقى من الْحُرُوف وَاعْلَم أَن الِاسْم إِذا لحقه التَّنْوِين فِي حَال نَصبه اَوْ خفضه اَوْ رَفعه وأتى بعده حرف من حُرُوف الْحلق وَهِي سِتَّة الْهمزَة وَالْهَاء والحاء وَالْعين وَالْخَاء والغين فَإِن النقطتين من الْحَرَكَة والتنوين تجعلان مَعَ ذَلِك متراكبتين وَاحِدَة فَوق أُخْرَى على مَا تقدم من جعل الْمَنْصُوب والمخفوض وَالْمَرْفُوع فالسفلى مِنْهُمَا الْحَرَكَة لانها تلِي صُورَة الْحَرْف والعليا التَّنْوِين لِأَنَّهُ آتٍ بعد الْحَرَكَة هَذَا فِي حَال النصب وَالرَّفْع وَفِي حَال الْخَفْض الْعليا الْحَرَكَة لانها هِيَ الَّتِي تلِي الْحَرْف فِيهِ والسفلى التَّنْوِين وَتجْعَل على حرف الْحلق نقطة لَا غير ليدل بذلك على ان التَّنْوِين مظهر عِنْده وَذَلِكَ نَحْو قَوْله ﴿عَذَاب أَلِيم﴾ و ﴿جرف هار﴾ ﴿لعَلي حَكِيم﴾ و ﴿سميع عليم﴾ ﴿خَبِير﴾ و ﴿عفوا غَفُورًا﴾ وَشبهه وَهَذَا مَعَ الْهَاء والحاء وَالْعين من حَيْثُ انْعَقَد الاجماع على بَيَان التَّنْوِين

стр. 69

عِنْدهن وَكَذَلِكَ الْهمزَة أظهرت مُحَققَة أَو ألقِي حركتها على سَاكن قبلهَا لانها مَعَ ذَلِك فِي النِّيَّة وَالتَّقْدِير وَأما الْخَاء والغين فَمن بَين التَّنْوِين عِنْدهمَا جعل النقطتين قبلهمَا متراكبتين على مَا تقدم وَمن اخفاه عِنْدهمَا جعل النقطتين متتابعتين وَالْعلَّة فِي تراكب التَّنْوِين عِنْد حُرُوف الْحلق خَاصَّة انه لما كَانَ حكمه أَن يبين عِنْدهن لبعد الْمسَافَة الَّتِي بَينه وبينهن فِي الْمخْرج أبعدت النقطة الَّتِي هِيَ علامته عَن حرف الْحلق بِأَن جعلت فَوق الْحَرَكَة ليؤذن بذلك بانقطاعه وانفصاله عَنهُ وَيدل بِهِ على تخليصه وَبَيَانه وَإِن أَتَى بعد الِاسْم الْمنون فِي الاحوال الثَّلَاث من النصب والجر وَالرَّفْع بَاقِي حُرُوف المعجم سوى حُرُوف الْحلق من حُرُوف اللِّسَان والشفتين جعلت النقطتان من الْحَرَكَة والتنوين متتابعتين وَاحِدَة أَمَام اخرى فالمتقدمة مِنْهُمَا الَّتِي تلِي الْحَرْف هِيَ الْحَرَكَة والمتأخرة هِيَ التَّنْوِين لما ذَكرْنَاهُ فَإِن كَانَ الْحَرْف الْآتِي بعده أحد أَرْبَعَة أحرف رَاء أَو لَام أَو نون أَو مِيم جعل على كل وَاحِد مِنْهَا عَلامَة التَّشْدِيد ليدل بذلك على ان التَّنْوِين مدغم فِيهِ قد صَار مَعَه من أجل الادغام بِمَنْزِلَة حرف وَاحِد مشدد وَذَلِكَ نَحْو قَوْله ﴿غَفُور رَحِيم﴾ و ﴿هدى لِلْمُتقين﴾ و ﴿على هدى من رَبهم﴾ و ﴿عاملة ناصبة﴾ وَشبهه

стр. 70

وَإِن كَانَ الْحَرْف يَاء أَو واوا فَفِيهِ وَجْهَان إِن نقط ذَلِك على قِرَاءَة من أذهب غنة النُّون والتنوين مَعَ الادغام الصَّحِيح الَّذِي لَا يبْقى للحرف الاول فِيهِ أثر جعل على الْيَاء وَالْوَاو عَلامَة التَّشْدِيد كَمَا فعل ذَلِك مَعَ الاربعة الاحرف الْمُتَقَدّمَة من حَيْثُ كَانَ إدغام التَّنْوِين فِيهَا إدغاما صَحِيحا وَإِن نقط ذَلِك على قِرَاءَة من بَين الغنة وَلم يذهبها رَأْسا جعل على الْيَاء وَالْوَاو نقطة لَا غير ليفرق بذلك بَين المذهبين وَيدل بِهِ على الْقِرَاءَتَيْن وَذَلِكَ فِي نَحْو قَوْله ﴿يَوْمئِذٍ يصدعون﴾ و ﴿يَوْمئِذٍ واهية﴾ وَشبهه كَذَا نقطه على الْوَجْه الاول وعَلى الثَّانِي ﴿يَوْمئِذٍ يصدعون﴾ و ﴿يَوْمئِذٍ واهية﴾ وَإِن كَانَ الْحَرْف قافا أَو كافا أَو جيما أَو شَيْئا أَو غَيرهَا من بَاقِي الْحُرُوف الَّتِي يخفى التَّنْوِين عِنْدهَا اَوْ يقلب نَحْو الْبَاء جعل على كل حرف مِنْهَا نقطة فَقَط وأعري من عَلامَة التَّشْدِيد لعدمه فِيهِ رَأْسا بِظُهُور صَوت النُّون والتنوين عِنْده فامتنعا بذلك من الْقلب والادغام اللَّذين بهما يتَحَقَّق التَّشْدِيد ويتحصل التثقيل وَذَلِكَ فِي نَحْو قَوْله ﴿من قوم كَافِرين﴾ و ﴿على كل شَيْء قدير﴾ وشيئا جنَّات عدن و ﴿غَفُور شكور﴾ و ﴿يَوْمئِذٍ زرقا﴾ و ﴿سَلاما سَلاما﴾ و ﴿رجال صدقُوا﴾ و ﴿قوما طاغين﴾

стр. 71

و ﴿حرث قوم ظلمُوا﴾ و ﴿قوما ضَالِّينَ﴾ و ﴿قوما فاسقين﴾ و ﴿جنَّات تجْرِي﴾ و ﴿شهَاب ثاقب﴾ وظلمات بَعْضهَا وَمَا اشبهه ذَلِك حَيْثُ وَقع وَالْعلَّة فِي تتَابع التَّنْوِين عِنْد جَمِيع مَا تقدم من الْحُرُوف أَنه لما كَانَ لَا يَخْلُو عِنْدهَا من أحد ثَلَاثَة أوجه إِمَّا أَن يدغم وَإِمَّا أَن يخفى وَإِمَّا ان يقلب وَهَذِه الاوجه الثَّلَاثَة تجب بِالْقربِ أَو بِمَعْنى يرجع اليه وَكَانَ الادغام بَابه أَن يدْخل الاول من المثلين والمتقاربين فِي الثَّانِي إدخالا شَدِيدا لَا فُرْجَة بَينهمَا وَلَا فصل لأجل الْقلب وَالتَّشْدِيد وَكَانَ الاخفاء قد شَارك الادغام من طَرِيق اشتقاق كلمة أدعمت واخفيت من حَيْثُ كَانَ معنى أدغمت الشَّيْء غيبته وأخفيته سترته فكلا الْكَلِمَتَيْنِ مَعْنَاهُمَا الستْرَة الَّتِي ضد الظُّهُور وَالْبَيَان فَلَمَّا كَانَ التَّنْوِين لَا يَخْلُو مِمَّا ذَكرْنَاهُ وَكَانَ معنى الادغام والاخفاء مَا بَيناهُ قربت النقطة الَّتِي هِيَ عَلامَة التَّنْوِين من الْحُرُوف الْمُتَقَدّمَة دلَالَة على اتِّصَاله بهَا ودخوله فِيهَا وإعلاما بالتقارب الْمُوجب للادغام والمحقق للاخفاء وَإِن تباينا فِي اللَّفْظ وتفاصلا فِي الْحَقِيقَة فقد اجْتمعَا فِي أَن عدل بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا عَن الْبَيَان وَالْعرب قد تحكم للشَّيْء بِحكم الشَّيْء إِذا اجْتمعَا فِي بعض الْمعَانِي وَالْفرق عِنْد النَّحْوِيين بَينهمَا فِي اللَّفْظ أَن المدغم مشدد والمخفى مخفف

стр. 72

وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ من تراكب التَّنْوِين عِنْد حُرُوف الْحلق وتتابعه عِنْد غَيرهَا من سَائِر حُرُوف المعجم إِجْمَاع من السّلف الَّذين ابتدؤوا النقط وابتدعوه وَعَلِيهِ جرى اسْتِعْمَال سَائِر الْخلف قَالَ الْخَلِيل ﵀ كل مَا استقبله من حُرُوف الْحلق حرف وَهُوَ منون نَحْو ﴿عفوا غَفُورًا﴾ فالتقط على الطول وَفِي نَحْو ﴿غَفُور رَحِيم﴾ و ﴿حَبل من مسد﴾ النقط على الْعرض يُرِيد بالطول التراكب وبالعرض التَّتَابُع قَالَ أَبُو عَمْرو وَلم أر أحدا مِمَّن عني بصناعة النقط فِي الْقَدِيم والْحَدِيث وَجه معنى إِجْمَاعهم وَلَا علل حَقِيقَة مَذْهَبهم فِي تَخْصِيص حُرُوف الْحلق بالتراكب وَمَا عَداهَا بالتتابع وَقد سَأَلت عَن ذَلِك غير وَاحِد من شيوخهم وذاكرت بِهِ جمَاعَة من عُلَمَائهمْ فكلهم زعم ان ذَلِك اصْطِلَاح من السّلف لزم اتباعهم عَلَيْهِ وَلَا وَجه لَهُ وَلَا عِلّة فِيهِ وَأَنَّهُمْ لَو اجْمَعُوا على تتابعه عِنْد حُرُوف الْحلق وتراكبه عِنْد مَا عَداهَا لَكَانَ كإجماعهم الاول الْمَعْمُول بِهِ وَذَلِكَ بِخِلَاف مَا قَالُوهُ وعَلى غير مَا ظنوه لما اوضحناه من صِحَة معنى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 73

بَاب ذكر حكم النُّون الساكنة وَمَا بعْدهَا فِي حَال الْبَيَان والإدغام والإخفاء اعْلَم أَن النُّون الساكنة إِذا أَتَى بعْدهَا حُرُوف الْحلق السِّتَّة فَإِنَّهُ تجْعَل عَلَيْهَا عَلامَة السّكُون جرة صَغِيرَة اَوْ دارة لَطِيفَة كَمَا مضى فِي نقط السَّاكِن من الْحُرُوف وَتجْعَل على حرف الْحلق بعْدهَا نقطة فَقَط فَيدل بذلك على أَن النُّون مبينَة عِنْده وَأَن مخرجها مَعَه من طرف اللِّسَان وَذَلِكَ فِي نَحْو قَوْله ﴿من آمن﴾ و ﴿من هاد﴾ و ﴿من حاد الله﴾ و ﴿من عمل﴾ و ﴿من خير﴾ و ﴿من غل﴾ وَشبهه فَإِن أَتَى بعْدهَا مَا تُدْغَم فِيهِ إدغاما صَحِيحا وَتدْخل فِيهِ إدخالا شَدِيدا وَهُوَ الرَّاء وَاللَّام وَالنُّون وَالْمِيم وَكَذَلِكَ الْيَاء وَالْوَاو على مَذْهَب من أذهب غنة النُّون عِنْدهمَا وَلم يبْق لَهَا أثرا مَعَ الادغام عريت النُّون من عَلامَة

стр. 74

السّكُون وَجعل على الْحُرُوف السِّتَّة عَلامَة التَّشْدِيد فَيدل بذلك على الادغام التَّام الَّذِي يذهب لفظ النُّون فِيهِ وَذَلِكَ نَحْو قَوْله ﴿من رَبهم﴾ و ﴿فَإِن لم تَفعلُوا﴾ و ﴿من نور﴾ و ﴿من مَاء﴾ و ﴿من يَقُول﴾ و ﴿من وَال﴾ وَشبهه وَإِن نقط ذَلِك على مَذْهَب من بَين غنة النُّون عِنْد الرَّاء وَاللَّام وَالْيَاء وَالْوَاو مَعَ الادغام فَفِي النُّون وَهَذِه الْحُرُوف وَجْهَان أَحدهمَا أَن تعرى النُّون من عَلامَة السّكُون ويعرى الْحَرْف بعْدهَا من عَلامَة التَّشْدِيد فتجعل عَلَيْهِ نقطة لَا غير فَيدل بذلك على أَن النُّون لم تنْقَلب الى لفظ ذَلِك الْحَرْف قلبا صَحِيحا وَلَا أدغمت فِيهِ إدغاما تَاما وَهَذَا كَانَ مَذْهَب شَيخنَا ابي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن بشر نضر الله وَجهه فِي نقط ذَلِك من حَيْثُ كَانَ ضربا من الاخفاء الَّذِي يعْدم الْقلب وَالتَّشْدِيد فِيهِ رَأْسا وَلم يكن إدغاما صَحِيحا والوحه الثَّانِي أَن تجْعَل على النُّون عَلامَة السّكُون لظهو ر غنتها وَتجْعَل على الْحَرْف بعْدهَا عَلامَة التَّشْدِيد لاندغام صَوت النُّون الَّذِي لَهَا من الْفَم فِيهِ وَحُصُول شَيْء من التَّشْدِيد فِيهِ بذلك فَيدل على الإندغام الَّذِي يبْقى فِيهِ للنون صَوتهَا الَّذِي لَهَا من الخيشوم وَهُوَ الغنة وَلَا يقلب الْحَرْف فِيهِ قلبا تَاما وَهَذَا الْمَذْهَب فِي الِاسْتِعْمَال أولى وَفِي الْقيَاس اصح لما ذَكرْنَاهُ

стр. 75

فَإِن أَتَى بعد النُّون بَاقِي حُرُوف المعجم مِمَّا حكمهَا أَن تخفى عِنْده عريت النُّون من عَلامَة السّكُون وعري مَا بعْدهَا من عَلامَة التَّشْدِيد فَجعل عَلَيْهِ نقطة لَا غير فَدلَّ بذلك على الْإخْفَاء الَّذِي هُوَ حَال بَين الْبَيَان والادغام وَذَلِكَ من حَيْثُ كَانَ تعرية النُّون من عَلامَة السّكُون دَلِيلا على الادغام وَكَانَ تعرية مَا بعْدهَا من عَلامَة التَّشْدِيد دَلِيلا على الْبَيَان وَكَذَا حكم الْخَاء والغين مَعهَا فِي مَذْهَب من أخفاها عِنْدهمَا وَلم يبينها ومخرج النُّون فِي حَال الاخفاء من الخيشوم وَلَا عمل للسان فِيهَا وَذَلِكَ فِي نَحْو قَوْله ﴿وَلَئِن قلت﴾ و ﴿وَإِن كُنْتُم﴾ و ﴿من جَهَنَّم﴾ و ﴿من شَيْء﴾ و ﴿أَن صدوكم﴾ و ﴿فَإِن زللتم﴾ و ﴿لَئِن سَأَلتهمْ﴾ و ﴿قل إِن ضللت﴾ و ﴿إِن فاتكم﴾ وَشبهه وَكَذَا حكم النُّون إِذا لقِيت الْبَاء وقلبت ميما فِي اللَّفْظ لمؤاخاة الْمِيم النُّون فِي الغنة وقربها من الْبَاء فِي الْمخْرج نَحْو قَوْله من بعد ﴿أَن بورك﴾ و ﴿فانبجست﴾ وَشبهه أَن تعرى النُّون من عَلامَة السّكُون
следующие страницы →