- قال شيخ الإسلام في شرح العمدة (٤/ ٢٧٠ - ٢٧٣): وقد مضت السنة بالفرق بين الحرة والأمة ... والأصل في ذلك إن الله سبحانه قال ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فاختص الله سبحانه بالأمر بإدناء الجلابيب أزواج النبي ﷺ وبناته ونساء المؤمنين ولم يذكر إماءه ولا إماء المؤمنين ولسن داخلات في نساء المؤمنين بدليل أن قوله تعالى ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ وقوله ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وقوله ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ... إنما عنى به الأزواج خاصة.
- قال الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٢٤٥): وفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها ستر وجهها وشعرها لأن قوله تعالى (ونساء المؤمنين) ظاهره أنه أراد الحرائر.
- قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٩): والنساء مختصات بحكم العرف بالحرائر.
٤) من العجيب إنكار الشيخ الألباني لهذا الحكم الثابت بالنصوص الصريحة والصحيحة في التفريق بين الحرائر والإماء وهو سبق أن أقرَّ به في كتابه حجاب المرأة /٧٣ فقال: (والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي ﷺ وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز وكان عمر ﵁ إذا رأى أمة مختمرة ضربها وقال: أتتشبهين بالحرائر أي لكاع) اهـ
стр. 72
- رابعا: للمرأة الحرّة عورتان (١):
(١) عورة في الصلاة؛ وهي كلها عورة إلا وجهها وكفيها واختلف في قدميها، وليس هذا مجال بحثنا.
(٢) وعورة في النظر؛ وهي تختلف باختلاف الناظرين، وهم قسمان:
القسم الأول: من استثناهم الله في آية النور بقوله تعالى ... ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ النور: ٣١
وهم (البعولة وآباؤهم وأبناءهم، والمحارم من النسب، والنساء المسلمات وعبد المرأة إذا كان من غير أولي الإربة، والتابع إذا كان من غير أولي الإربة، والأطفال الغير مميزين) وحدود ما تبديه المرأة لهم ينحصر في مواضع الزينة كما قال الشيخ الألباني في الرد المفحم (ص/٧٤): "فإن المراد مواضع الزينة، وهي: القرط والدملج والخلخال والقلادة، وهذا باتفاق علماء التفسير وهو المروي عن ابن مسعود". وسيأتي في مناقشة البحث التاسع بيان ذلك مفصلا.
стр. 73
والقسم الثاني: من لم يستثن في الآية ممن يحل له الدخول والنظر دون حجاب ومنهم (عبد المرأة إذا كان من أولي الأربة، العبيد المملوكون للغير، الذي لم يبلغ الحلم من الأحرار- أي الصبية المميزين-) وهؤلاء وإن كان يحل لهم الدخول والنظر إلا أن المرأة لا تبدي لهم إلا الزينة الظاهرة (الوجه والكفين)
والأصل في ذلك قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ النور: ٣١ ــ وسيأتي بيان ذلك مستوفيا أيضا في مناقشة البحث التاسع إن شاء الله ــ وهؤلاء هم من وقع الخلاف بين الفقهاء في حكم نظرهم للمرأة، فمنهم من أطلق جواز نظره للوجه والكفين من المرأة للآية، ومنهم من قيد الجواز بالحاجة وأمن الفتنة، ومنهم من منع من النظر لغير حاجة لأنه مظنة الفتنة. وهذا هو مدار الخلاف بين الفقهاء في مسألة النظر؛ وهو الذي بنى عليه الشيخ الألباني رأيه في مسألة تغطية الوجه كما سترى استشهاده ببعض أقوالهم في هذه البحوث، أما تغطية وجه المرأة الحرة عن الرجل الحر الأجنبي فلا خلاف فيه بين الأئمة الأربعة ومن تقدم من الفقهاء وإنما نشأ الخلاف بين من تأخر من فقهاء المذاهب بناء على ما ذكرنا.
- خامسا: مما استشهد به الشيخ الألباني من هذه الخلافات:
١) استشهد الشيخ الألباني بقول ابن حزم في مراتب الإجماع" (ص ٢٩) " واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة واختلفوا في الوجه
стр. 74
واليدين حتى أظفارهما عورة هي أم لا؟ " وأقرَّه شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه عليه، ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى. اهـ
وهذا القول من ابن حزم؛ كان عن عورة المرأة في الصلاة وليس عن عورة المرأة بالنسبة للرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم؛ ولذلك أقرَّه شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه عليه، ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى!! وهذا قول ابن حزم في مراتب الإجماع (١/ ٢٩): "كتاب الصلاة" واتفقوا أن ستر العورة فيها لمن قدر على ثوب مباح لباسه له فرض، واتفقوا على أن من لبس ثوبا طاهرا كثيفا واحدا فغطى سرته وركبته وما بينهما وطرح منه على عاتقه أن صلاته فيه تجزئه، (واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة، واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما أعورة هي أم لا) واتفقوا أن الأمة إن سترت في صلاتها شعرها وجميع جسدها فقد أدت صلاتها. اهـ
٢) استشهد الشيخ الألباني بقول ابن هبيرة؛ وليس كما أشار إليه الشيخ الألباني أنه من كتابه " الإفصاح " الذي يعد من كتب شروح الحديث، وإنما هو من كتابه في الفقه: "اختلاف الأئمة العلماء" وفي معرض كلامه عن عورة المرأة في الصلاة، وإليك الموضع الذي نقل منه الشيخ الألباني قول ابن هبيرة من كتابه "اختلاف الأئمة العلماء" (١/ ١٠١): باب شروط صحة الصلاة ... واختلفوا في عورة المرأة الحرة وحدها. وقال أبو حنيفة: كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين. وقد روي عنه أن قدميها عورة. وقال مالك والشافعي: كلها عورة إلا
стр. 75
وجهها وكفيها. وقال أحمد في إحدى روايتيه: كلها عورة إلا وجهها وكفيها كمذهبهما، وهي اختيار الخرقي. واختلفوا في عورة الأمة ... اهـ
أما في عورة المرأة في النظر؛ فإن ابن هبيرة يرى أن المشهور من كلام أحمد أن المرأة كلها عورة حتى ظفرها، قال إبراهيم بن محمد بن مفلح في المبدع (١/ ٣٦٢): الحرة البالغة كلها عورة حتى ظفرها، ذكر ابن هبيرة أنه المشهور، وقال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد لقول النبي ﷺ المرأة عورة. اهـ
٣) من العجيب استشهاد بعض فقهاء المذاهب الأخرى بقول الإمام أحمد:
(ظفر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ولا خفها فإن الخف يصف القدم وأحب إلي أن تجعل لكمها زرا عند يدها لا يبين منها شيء) (١) على عورة المرأة في الصلاة! رغم أن قوله صريح بأنه عند الخروج من البيت، بقرينة قوله" فإذاخرجت"، وكما ذكر القاضي في المبدع أن مستند الإمام أحمد في ذلك قول الرسول ﷺ "
المرأة عورة" (٢)، كما أُثر هذا القول عن التابعي الجليل أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أحد الفقهاء السبعة بإسناد صحيح إليه أنه قال (كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها). (٣)
стр. 76
ومن ذلك ما استشهد به الشيخ الألباني من قول ابن عبد البر في التمهيد عن عورة المرأة في الصلاة (٦/ ٣٦٣ - ٣٦٧): (وقد أجمعوا أنه من صلى مستور العورة فلا إعادة عليه، وإن كانت امرأة فكل ثوب يغيب ظهور قدميها ويستر جميع جسدها وشعرها فجائز لها الصلاة فيه لأنها كلها عورة إلا الوجه والكفين .. وقال أبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها ... قول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل العلم لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف ... وقد روي نحو قول أبي بكر عن أحمد بن حنبل)!! وهذا كما هو ظاهر لأن ابن عبد البر حمل كلام أبي بكر على أنه يعني عورتها في الصلاة ولذلك أنكر عليه هذا القول. أما قول ابن عبد البر عقبه (وأجمعوا على أنها لا تصلى متنقبة ولا عليها أن تلبس قفازين في الصلاة وفي هذا أوضح الدلائل على أن ذلك منها غير عورة، وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه، وأما النظر للشهوة فحرام تأملها من فوق ثيابها لشهوة فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة)
فيتبين من قوله (كل من نظر إليها) أن مراده كل من جاز له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب؛ من محارم، أو أجانب مملوكين أو أتباع، أما الرجال الأحرار الأجانب فمن المعلوم منعهم من النظر إليها، ومما يشهد لذلك؛ أن ابن عبدالبر صرّح في موضع آخر بأن الحجاب حال دون النظر للنساء لتغطيتهن لوجوههن إثر نزول آيات الحجاب: فقال في التمهيد (٨/ ٢٣٥): احتجاب النساء من الرجال لم يكن في أول الإسلام وأنهم كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم ... حتى نزلت آيات الحجاب ... فأنزل الله ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ
стр. 77
حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ ... ثم نزلت ﴿يَاأَيُّهَا قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع.
٤) استشهد الشيخ الألباني من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة (١/ ١٩٨) ونسبه للجنة من العلماء؛ وهو لعبد الرحمن الجزيري (ت ١٣٦٠ هـ) فقط وليس للجنة من العلماء!! كما أن ما استشهد به منه؛ فهو عن عورة المرأة في بيتها وعند خدمتها أمام من يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب من الرقيق ونحوهم، قال عبد الرحمن الجزيري: ستر العورة خارج الصلاة: يجب على المكلف ستر عورته خارج الصلاة ... وحد العورة من المرأة الحرة خارج الصلاة هو ما بين السرة والركبة إذا كانت في خلوة، أو في حضرة محارمها ... أما إذا كانت بحضرة رجل أجنبي أو امرأة غير مسلمة فعورتها جميع بدنها، ما عدا الوجه والكفين، فإنهما ليسا بعورة، فيحل النظر لهما عند أمن الفتنة ... وكذلك ما يظهر من المرأة المسلمة عند الخدمة في بيتها كالعنق والذراعين، ومثل الكافرة كل امرأة فاسدة الأخلاق).اهـ
وممّا يشهد أن مراده من يجوز له الدخول على المرأة في بيتها والنظر إليها دون حجاب من الرقيق ونحوهم الآتي:
١ - قوله (إذا كانت بحضرة رجل أجنبي) أي بدخوله عليها، وهذا يبعد عموم الرجال الأجانب ويخص من أباح لهم الشرع الدخول من العبيد ونحوهم.
стр. 78
٢ - قوله (أو امرأة غير مسلمة) بعد قوله (أما إذا كانت بحضرة رجل أجنبي) فقرن بين فئتين قرن الله بينهما في كتابه ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ وهذا يشهد أن مراده بالرجل الأجنبي العبد المملوك.
٣ - قوله (وكذلك ما يظهر من المرأة المسلمة عند الخدمة في بيتها كالعنق والذراعين).
٥) قال الشيخ الألباني: وقد كنت نقلت عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على وجه المرأة ليس بعورة وعن النووي مثله، وأنه مذهب الأئمة الثلاثة ورواية عن أحمد، فبعض هذه الأقوال من هؤلاء العلماء الكبار كافية لإبطال دعوى الشيخ الإجماع فكيف بها مجتمعة؟! اهـ
والجواب عليه بالآتي:
١ - قوله " كنت نقلت عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على وجه المرأة ليس بعورة" فهذا مثل ما نقله أيضا عن المرداوي وابن قدامه وابن هبيرة عن عورة المرأة في الصلاة! وهذا قول ابن رشد الذي نقل منه الشيخ الألباني موضع الشاهد من كتابه بداية المجتهد (١/ ٧٦ - ٩٥): كتاب الصلاة ... الصلاة تنقسم أولا وبالجملة إلى فرض، وندب ... الباب الرابع ينقسم إلى فصلين: أحدهما: في ستر العورة والثاني: فيما يجزئ من اللباس في الصلاة ... الفصل الاول اتفق العلماء على أن ستر العورة فرض بإطلاق، واختلفوا هل هو شرط من شروط صحة الصلاة أم لا؟ وكذلك اختلفوا في حد العورة من الرجل والمرأة ... وأما
стр. 79
المسألة الثانية: وهو حد العورة من الرجل، ... وأما المسألة الثالثة: وهي حد العورة من المرأة، فأكثر العلماء على أن بدنها كله عورة، ما خلا الوجه، والكفين. وذهب أبو حنيفة إلى أن قدمها ليست بعورة. اهـ
ومما يؤكد ذلك أن ابن رشد صرّح في موضع آخر بأن فرض الحجاب على النساء حال دون النظر إليهن: قال أبو الوليد ابن رشد القرطبي (ت ٥٩٥ هـ) في بداية المجتهد (١/ ١٨٣): وسبب الفرق أن نظر الرجال إلى النساء أغلظ من نظر النساء إلى الرجال، بدليل أن النساء حجبن عن نظر الرجال إليهن.
كما قال ابن رشد في البيان والتحصيل (١٧/ ٤٩١): وقد قيل إنه لا يصح للمرأة أن تنظر من الرجل إلا إلى ما يصح للرجل أن ينظر منها، على فعل عائشة في احتجابها من الرجل الأعمى. أهـ
٢ - قوله (وعن النووي مثله) صحيح أيضا مثله عن عورة المرأة في الصلاة؛ وهو قول النووي في كتابه المجموع (٣/ ١٦٧): (فرع) في مذاهب العلماء في ستر العورة في الصلاة. . . وعورة الرجل ما بين السرة والركبة. . . وأما الحرة فجميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين. اهـ
أما عورة النظر؛ فقال النووي في شرحه على صحيح مسلم (٤/ ٣١): وأما نظر الرجل إلى المرأة فحرام في كل شيء من بدنها. وقال في موضع آخر منه (١٧/ ١١٦): واعلم أن في حديث الإفك فوائد كثيرة ... التاسعة عشر: تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي سواء كان صالحا أو غيره. وقال في المجموع (٨/ ٧٥):
стр. 80
قال الشافعي في الأم، والأصحاب؛ يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها من الفتنة، فان طافت نهارا جاز، وتسدل على وجهها ما يستره.
وبذلك بطل احتجاج الشيخ الألباني بـ (ابن هبيرة وابن عبدالبر وابن رشد والنووي) على وجود خلاف بين الأئمة والفقهاء في عورة المرأة الحرة بالنسبة لنظر الرجال الأحرار الأجانب، مع أن الحجة بالإجماع لا بوجود الخلاف:
قال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ١٤٣): ولا يجوز أن يراعي الاختلاف عند طلب الحجة، لأن الاختلاف ليس منه شيء لازم دون دليل، وإنما الحجة اللازمة الإجماع لا الاختلاف، لأن الإجماع يجب الانقياد إليه لقول الله (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المومنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا). النساء ١١٥
- سادسا: ومما يثبت إجماع أهل العلم على وجوب تغطية الوجه على الحرائر من النساء:
١) التصريح من بعض أهل العلم على اختلاف مذاهبهم بهذا الإجماع:
- قال ابن عبد البر المالكي في الاستذكار (٨/ ٥٤٢): والعلماء مجمعون على أن الله لم يرد بما أمر به النساء من الاحتجاب؛ الإماء؛ وإنما أراد بذلك الحرائر.
стр. 81
- قال بدر الدين العيني الحنفي في عمدة القاري (٢٠/ ٢٤٥): لايجوز للمرأة أن تأذن للرجل الذي ليس بمحرم لها في الدخول عليها ويجب عليها الاحتجاب منه بالإجماع.
- قال الإمام العلامة يوسف بن عبدالهادي المقدسي الشهير بابن المَبْرَد في مغني ذوي الأفهام /١٢٠: ويجب عليها ستر وجهها إذا برزت بالاتفاق.
- وقال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير اليماني في الروض الباسم (٢/ ٢٢٨): وأجمعوا على وجوب الحجاب للنّساء.
- وقال مفتي باكستان الشيخ شفيع الحنفي في كتابه المرأة المسلمة /٢٠٢: وبالجملة فقد اتفقت مذاهب الفقهاء وجمهور الأمة على أنه لا يجوز للنساء الشواب كشف الوجوه والأكف بين الأجانب.
٢) استمرار العمل يدل على الإجماع كما قال إمام الحرمين الجويني في الورقات في أصول الفقه: والإجماع يصح بقولهم وبفعلهم وبقول البعض وبفعل البعض وانتشار ذلك.
- قال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٣٣٧): لم تزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، فلو استووا لأمر الرجال بالتنقب، أو منعوا من الخروج.
стр. 82
٣) أقوال علماء الإسلام التي سبق بسطها في مناقشة البحوث السابقة التي تثبت إجماعهم أن تغطية الوجه واجب وفرض على المرأة الحرة:
- قال أبو بكر الجصاص (ت ٣٧٠ هـ): المرأة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين.
- قال أبو زيد القيرواني (ت ٣٧٦ هـ): ولا تخرج امرأة إلا مستترة فيما لا بد لها منه.
- قال ابن عبد البر المالكي (ت ٤٦٣ هـ): كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب ... فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع.
- قال أبو الوليد سليمان الباجي (ت ٤٧٤ هـ): يجوز أن يبيح لهن كشف وجوههن أحد أمرين إما أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب أو يكون بعده لكنهن أمِنَّ أن تدرك صورهن من شدة الغلس.
- قال ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ): وأجمع العلماء أن المرأة تلبس المخيط كله والخمُر والخفاف ... وتسدل الثوب على وجهها سدلا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال.
- قال أبو الحسن الكيا الهراس (ت ٥٠٤ هـ): فأمرهن بتغطية وجوههن ورؤوسهن.
- قال أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ): وإن كانت أجنبية حرم النظر إليها مطلقا. وقال: لأمر الرجال أيضا بالتنقب كما أمر النساء.
стр. 83
- قال ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ): ستر وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج؛ فإنها ترخي شيئا من خمارها على وجهها.
- قال الإمام أبو الوليد ابن رشد (ت ٥٩٥ هـ): نظر الرجال إلى النساء أغلظ من نظر النساء إلى الرجال بدليل أن النساء حجبن عن نظر الرجال إليهن.
- قال ابن القطان (ت ٦٢٨ هـ): قال القاضي أبو بكر بن الطيب: (وأما الشواب منهن فيجب إنكار اختلاطهن بالرجال في المساجد ومجمع القصاص إلا أن يكون من وراء حجاب بحيث لا يراهن الرجال) وهو صواب كما ذكر.
- قال القرطبي (ت ٦٧١ هـ): وقد قيل: إنه يجب الستر والتقنع الآن في حق الجميع من الحرائر والاماء.
- قال الإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ): يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة، فان طافت نهارا جاز وتسدل على وجهها ما يستره.
- قال النسفي الحنفي (ت ٧١٠ هـ) وأبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ) ونظام الدين الحسن القمي (ت ٧٢٨ هـ): أمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه.
- قال ابن جزي الكلبي (ت ٧٤١ هـ): فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن.
- قال صدر الدين عليّ بن ابن أبي العز الحنفي (ت ٧٩٢ هـ): فإن النبي ﷺ لم يشرع للمرأة كشف الوجه للرجال في الإحرام ولا غيره.
стр. 84
- وقال ابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥ هـ): كن قبل الحجاب يظهرن بغير جلباب، ويرى من المرأة وجهها وكفاها. ثم أمرت بستر وجهها وكفيها.
- قال ابن الملقن الشافعي (٨٠٤ هـ): وجميعُ النسوان لم يكن يحتجبن ... إلى أن نزلت آية الحجاب فحجبن وجوههن عن عيون الناس أجمعين.
- قال إبراهيم بن محمد بن مفلح (ت ٨٨٤ هـ): الحرة البالغة كلها عورة حتى ظفرها، ذكر ابن هبيرة أنه المشهور، وقال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد لقول النبي ﷺ (المرأة عورة).
- قال أحمد بن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ): من تحققت نظر أجنبي لها يلزمها ستر وجهها عنه. (١)
- قال محمد الخطيب الشربيني (ت ٩٧٧ هـ): إلا أن تكون في مكان وهناك أجانب لا يحترزون عن النظر إليها فلا يجوز لها رفع النقاب.
- قال الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ): وقعت منهن التغطية لوجوههم وما يتصل بها، وفي هذه الآيات أعظم دلالة على وجوب التستر عليهن وتحريم النظر إليهن.
- قال الجاوي في نهاية الزين (ت ١٣١٦ هـ): جميع بدنها حتى قلامة ظفرها وهي عورتها عند الرجال الأجانب فيحرم على الرجل الأجنبي النظر إلى شيء من ذلك ويجب على المرأة ستر ذلك عنه.
стр. 85
- وقال محمد الجرداني الحنفي: وبالنسبة لنظر الأجنبي إليها؛ جميع بدنها بدون استثناء شيء منه أصلا ولو كانت عجوزاً شوهاء ... ويجب أن تستتر عنه. هذا هو المعتمد. (١)
وفي نهاية هذا المبحث وبعد أن تقرر لدينا إجماع أهل العلم على وجوب تغطية الوجه على المرأة الحرة من الرجل الأجنبي الحر؛ وبعد أن بينا أن مراد من قال من الفقهاء بجواز النظر إلى الوجه والكفين من المرأة؛ هو ما يباح للعبيد المملوكين النظر إليه من المرأة الحرة، وما يباح النظر إليه من الإماء، فإنه إن وجد من الفقهاء أو غيرهم من أهل العلم من يقول بجواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب؛ فلا حجة في قوله امتثالاً للقاعدة الأصولية التي تقول:
(أقوال العلماء يحتج لها بالدليل، ولا يحتج بها على الدليل)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٢/ ٥٣٧): وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع، إنما الحجة النص والإجماع، ودليل مستنبط من ذلك تقدر مقدماته بالأدلة الشرعية، لا بأقوال بعض العلماء فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية، لا يحتج بها على الأدلة الشرعية.
стр. 86
ــ:: تتمة البحث الخامس (١):: ــ
أنكر الشيخ الألباني على من قال "إن المذهب الذي نسبه الألباني لأكثر العلماء ـ ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية عنه ـ إنما هو في الصلاة إذا كانت المرأة ليست بحضرة الرجال الأجانب"! فقال الشيخ الألباني: وتأكيداً لهذا الذي ذكرت لا يسعني هنا إلا أن أذكر مذاهب الأئمة ... فأقول: أولا: مذهب أبي حنيفة: قال الإمام محمد بن الحسن في "الموطأ": " ولا ينبغي للمرأة المحرمة أن تنتقب فإن أرادت أن تغطي وجهها فلتستدل الثوب سدلاً من فوق خمارها. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا".
وقال أبو جعفر الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٣٩٢): " أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرَّم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي ﷺ وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد".
ثانياً: مذهب مالك: روى عنه صاحبه عبد الرحمن بن القاسم في" المدونة" (٢/ ٢٢١) نحو قول الإمام محمد في المحرمة إذا أرادت أن تسدل على وجهها وزاد في البيان فقال: " فإن كانت لا تريد ستراً فلا تسدل". ونقله ابن عبد البر في" التمهيد" (١٥ - ١١١) وارتضاه.
стр. 87
وقال بعد أن ذكر تفسير ابن عباس وابن عمر لآية: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ بالوجه والكفين (٦/ ٣٦٩): " وعلى قول ابن عباس وابن عمر الفقهاء في هذا الباب" قال "هذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير صلاتها".
وفي" الموطأ" رواية يحيى (٢/ ٩٣٥): " سئل مالك: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله". قال الباجي في" المنتفى شرح الموطأ" (٧/ ٢٥٢) عقب هذا النص: " يقضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها".
ثالثاً: مذهب الشافعي: قال في كتابه" الأم" (٢/ ١٨٥): " المحرمة لا تخمِّر وجهها إلا أن تريد أن تستر وجهها فتجافي ... " وقال البغوي في" شرح السنة" (٩/ ٢٣): "فإن كانت أجنبية حرة فجميع بدنها عورة في حق الرجل لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين وعليه غض البصر عن النظر إلى وجهها ويديها أيضاً عند خوف الفتنة".
رابعاً: مذهب أحمد: روى ابنه صالح في" مسائله" (١/ ٣١٠) عنه قال: " المحرمة لا تخمِّر وجهها ولا تتنقب والسدل ليس به بأس تسدل على وجهها". قلت: فقوله: " ليس به بأس" يدل على جواز السدل فبطل القول بوجوبه.
стр. 88
ــ:: مناقشة تتمة البحث الخامس (١):: ــ
أولا: هل الحق مع من قال " أن المذهب الذي نسبه للأئمة إنما هو في الصلاة إذا كانت المرأة ليست بحضرة الرجال الأجانب، وأن هذا تأويل لكلام الأئمة على خلاف مرادهم "وهل دفع الشيخ الألباني هذا القول بما هو حجة من كلام الأئمة؟!
قال ابن نور الدين بن الخطيب الشافعي (ت ٨٢٥) في تيسير البيان لأحكام القرآن (٢/ ١٠٠١): لم يزل عمل الناس على هذا قديماً وحديثاً في جميع الأمصار والأقطار، فيتسامحون للعجوز في كشف وجهها، ولا يتسامحون للشابة، ويرونه عورة ومنكراً، وقد تبين لك وجه الجمع بين الآيتين، ووجه الغلط لمن أباح النظر إلى وجه المرأة لغير حاجة، والسلف والأئمة كمالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم لم يتكلموا إلا في عورة الصلاة، فقال الشافعي ومالك: ماعدا الوجه والكفين وزاد أبو حنيفة والقدمين. وما أظن أحداً منهم يبيح للشابة أن تكشف وجهها لغير حاجة ولا يبيح للشاب أن ينظر إليها لغير حاجة.
قال الشوكاني في السيل الجرار (٤/ ١٢٧ - ١٢٩): حكى المصنف في البحر عن الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل أنهم يجوزون النظر إلى وجه الأجنبية وهذا النقل عنهم باطل فكتبهم على اختلافها مصرحة بخلاف ذلك، فإن الرواة عنهم من أهل مذاهبهم في كتبهم المعتمدة منهم من صرح بأنهم لم يتكلموا إلا على العورة في الصلاة ولم يتكلموا على النظر، ومنهم من صرح بأنهم قائلون بالمنع من النظر ومنهم من صرح بأن القائلين بالمنع
стр. 89
المتأخرون من أتباعهم ولا يخفاك أن الأدلة الدالة على تحريم النظر إلى وجه الأجنبية ثابتة في الكتاب والسنة. اهـ
فهذا يبين أن الحق مع من قال بأن الخلاف المنقول عن الأئمة الأربعة إنما هو عن عورة المرأة في الصلاة، والخلاف بالتحديد في القدمين؛ هل هما عورة في الصلاة أم لا، مع اتفاقهم أن الوجه والكفين ليست بعورة منها في الصلاة.
وإليك أقوال الائمة الأربعة التي اعتمد عليها من أجاز الكشف ونسبه إليهم:
- قال الشافعي في كتابه الأم (١/ ٨٩): فعلمنا أن نهيه أن يصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء اختيارا، وأنه يجزي الرجل والمرأة كل واحد أن يصلي متواري العورة، وعورة الرجل ما وصفت، وكل المرأة عورة إلا كفيها ووجهها، وظهر قدميها عورة.
وقال الشافعي أيضا في مختصر المزني (١/ ١٦): وعلى المرأة إذا كانت حرة أن تستتر في صلاتها حتى لا يظهر منها شيء إلا وجهها وكفاها فإن ظهر منها شيء سوى ذلك أعادت الصلاة. اهـ
أي أن الإمام الشافعي يرى أن ما عدا الوجه والكفين عورة في الصلاة بما في ذلك ظهور القدمين.
стр. 90
- قال مالك في المدونة الكبرى باب صلاة الحرائر والإماء (٢/ ٥٣): إذا صلت المرأة وشعرها باد أو صدرها أو ظهور قدميها أو معصميها فلتعد الصلاة ما دامت في الوقت. اهـ
أي أن كل ذلك منها عورة في الصلاة يجب عليها ستره، ما عدا وجهها وكفيها، وبذلك فإنه يوافق الإمام الشافعي في كون ظهور القدمين عورة في الصلاة
- قال محمد يعقوب عن أبي حنيفة في الجامع الصغير (١/ ٨٢): في امرأة صلت وربع ساقها مكشوف تعيد وإن كان أقل من الربع لم تعد. اهـ
أي أن ظهور قدمها عنده ليس بعورة في الصلاة.
* قال ابن عبد البر في الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار (٢/ ٢٠١): والذي عليه فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق أن على المرأة الحرة أن تغطي جسمها كله بدرع صفيق سابغ وتخمر رأسها فإنها كلها عورة إلا وجهها وكفيها وأن عليها ستر ما عدا وجهها وكفيها واختلفوا في ظهور قدميها فقال مالك تستر قدميها في الصلاة قال مالك فإن لم تفعل أعادت ما دامت في الوقت، وقال الشافعي ما عدا وجهها وكفيها عورة فإن انكشف ذلك منها في الصلاة أعادت وقال أبو حنيفة والثوري قدم المرأة ليست بعورة إن صلت وقدمها مكشوفة لم تعد. اهـ
стр. 91
هذا مدار اختلافهم! وهو في عورة المرأة في الصلاة، فهل يسوغ نسبة إخراج الوجه والكفين مما يجب أن يُستر أمام الرجال الأحرار الأجانب للأئمة الثلاثة؛ بناء على أقوالهم عن عورة المرأة في الصلاة؟!!
ثانيا: هل يسوغ قياس عورة النظر على عورة المرأة في الصلاة ؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قد يستر المصلي في الصلاة ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة وقد يبدي في الصلاة ما يستره عن الرجال ... الوجه واليدان والقدمان ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين، وأما ستر ذلك في الصلاة فلا يجب باتفاق المسلمين بل يجوز لها إبداؤهما في الصلاة عند جمهور العلماء ... وحينئذ فتصلي في بيتها وإن رؤي وجهها ويداها وقدماها فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر لا طردا ولا عكسا. (١) اهـ
ولذلك فرَّق الفقهاء على اختلاف مذاهبهم بين عورة الصلاة وعورة النظر:
* الفقه الحنبلي:
- شرح العمدة (٤/ ٢٦٨): هل يسمى الوجه عورة أو لا؛ والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذ لم يجز النظر إليه.
стр. 92
- إعلام الموقعين (٢/ ٨٠): فإن العورة عورتان؛ عورة في النظر وعورة في الصلاة فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك.
* الفقه الشافعي:
- إعانة الطالبين (١/ ١١٣): واعلم أن للحرة أربع عورات: فعند الأجانب جميع البدن ... وفي الصلاة جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها.
- حاشية سليمان الجمل على شرح المنهج (٢/ ٤٠٨): قوله (غير وجه وكفين) ... هذه عورتها في الصلاة ... وأما عند الرجال الأجانب فجميع البدن.
* الفقه المالكي: - وفي الأشباه والنظائر للسيوطي (١/ ٢٤٠): المرأة في العورة لها أحوال: حالة مع الزوج ولا عورة بينهما، وحالة مع الأجانب وعورتها كل البدن حتى الوجه والكفين في الأصح، وحالة في الصلاة وعورتها كل البدن إلا الوجه والكفين.
* الفقه الحنفي:
- فتح العلام للشيخ صديق حسن خان (١/ ٩٧): يباح كشف وجهها في الصلاة، وأما عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي إليها فكلها عورة.
стр. 93
ثالثا: أن كون وجه المرأة ليس بعورة في الصلاة؛ لا يعني جواز كشف المرأة لوجهها إذا كانت تصلي على مرأى من رجال أجانب:
* المذهب الحنبلي:
سبل السلام (١/ ١٣٢): والمراد كشفه عند صلاتها بحيث لا يراها أجنبي.
* المذهب الشافعي:
الإقناع للشربيني (١/ ١٢٤) كفاية الأخيار (١/ ٩٣) إعانة الطالبين (١/ ١١٤): ويكره أن يصلي الرجل متلثما والمرأة منتقبة، إلا أن تكون في مكان وهناك أجانب لا يحترزون عن النظر إليها فلا يجوز لها رفع النقاب.
* المذهب المالكي:
التاج والإكليل (١/ ٥٠٢): قال مالك من المدونة إن صلت الحرة منتقبة لم تعد ... وتسدل على وجهها إن خشيت رؤية رجل.
* المذهب الحنفي:
الدر المختار (١/ ٤٠٥): قال في فصل شروط الصلاة: وستر عورته وهي للرجل ... وللحرة جميع بدنها خلا الوجه والكفين والقدمين، وتمنع من كشف الوجه بين الرجال لخوف الفتنة.
стр. 94
تحقق لدينا مما سبق أن المأثور عن الأئمة الثلاثة؛ أبي حنيفة ومالك والشافعي إنما هو عن عورة المرأة في الصلاة، فلم يؤثر عن أحد الأئمة الأربعة قول صريح عن عورة المرأة عند الرجال الأحرار الأجانب، إلا قول الإمام أحمد (ظفر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ... ).
رابعا: ما استشهد به الشيخ الألباني
١) استشهد الشيخ الألباني في مذهب الإمام أبي حنيفة بقول أبي جعفر الطحاوي" أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرَّم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي ﷺ وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد" وبالرجوع إلى قول الطحاوي يتبين أن ما نقله الشيخ الألباني عنه كان من (باب نظر العبد إلى شعور الحرائر) وهل لعبد المرأة أن ينظر إلى شعرها كالمحارم، أم أنه كالعبيد الملوكين للغير لا يباح له إلا النظر إلى وجهها وكفيها؟ ثم أسند الطحاوي ما وصل إليه في هذه المسألة لأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن:
قال أبو جعفر الطحاوي (ت ٣٢١ هـ) في كتابه شرح معاني الآثار ٤/ ٣٣١ - ٣٣٤:
باب نظر العبد إلى شعور الحرائر: عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال (إذاكان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) قال أبو جعفر: فذهب قوم من أهل المدينة إلى أن العبد لا بأس أن ينظر إلى شعر مولاته ووجهها وإلى ما ينظر إليه ذو محرمها منها، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث ... عن عمرة بنت عبد
стр. 95
الرحمن قالت كانت عائشة ﵂ يراها العبيد لغيرها، قال بكير عن عبد الله بن رافع لم تكن أم سلمة تحتجب من عبيد الناس.
وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا لا ينظر العبد من الحرة إلا إلى ما ينظر إليه منها الحر الذي لا محرم بينه وبينها - أي لا يرى منها شيء - وكان من الحجة لهم في ذلك أن قول النبي ﷺ يجوز أن يكون أراد بذلك حجاب أمهات المؤمنين فإنهن قد كن حجبن عن الناس جميعا إلا من كان منهم ذو رحم محرم فكان لا يجوز لأحد أن يراهن أصلا إلا من كان بينهن وبينه رحم محرم - أي لا يباح للعبيد والأتباع النظر لهن، ولا يخاطبوهن إلا من وراء حجاب - وغيرهن من النساء لسن كذلك لأنه لا بأس أن ينظر الرجل - المملوك للغير - من المرأة التي لا رحم بينه وبينها وليست عليه بمحرمة إلى وجهها وكفيها. وقد قال الله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فأبيح للناس - أي من الرقيق والأتباع والذين لم يبلغوا الحلم من الأحرار - أن ينظروا إلى ما ليس بمحرم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي ﷺ لما نزلت آية الحجاب ففضلن بذلك على سائر الناس ... قال عمر قلت يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر - من العبيد - فلو حجبت أمهات المؤمنين فأنزل الله آية الحجاب ... ، عن أنس بن مالك قال "لما أنزلت آية الحجاب جئت أدخل كما أدخل؛ فقال النبي ﷺ : رويدا وراءك يا بني" ... ثم رأينا العبد حرام عليه في قولهم جميعا أن ينظر إلى صدر المرأة مكشوفا أو إلى ساقيها سواء كان رقه لها أو لغيرها، فلما كان فيما ذكرنا كالأجنبي منها - أي في نظره لصدرها وساقها كالعبد المملوك لغيرها - لا
стр. 96
كذي رحمها المحرم عليها، كان في النظر إلى شعرها أيضا كالأجنبي - العبد المملوك لغيرها - لا كذي رحمها المحرم عليها فهذا هو النظر في هذا الباب وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى وقد وافقهم في ذلك من المتقدمين الحسن والشعبي حدثنا ... عن الشعبي ويونس عن الحسن أنهما كرها أن ينظر العبد إلى شعر مولاته. اهـ
ومما يشهد أنه لايباح للمرأة أن تكشف وجهها لمطلق الرجال الأجانب في مذهب أبي حنيفة علاوة على ما سبق بسطه في البحوث السابقة:
ما جاء في البحر الرائق لابن نجيم (٣/ ٣٤٥): ولو شتمت أجنبيا كان جناية، وكذا لو كشفت وجهها لغير محرم لأنه لا يجوز النظر والكشف بلا ضرورة.
وفي الدر المختار شرح تنوير الأبصار (٤/ ٧٧): يعزر المولى عبده، والزوج زوجته ولو صغيرة لما سيجيء. . . أو كشفت وجهها لغير محرم. اهـ
فلو لم تكن تغطية الوجه واجبة على المرأة؛ لما كان كشفها عن وجهها جناية تستحق التعزير عليها؟!
٢) ثم استشهد الشيخ الألباني في مذهب الإمام مالك بقول ابن عبد البر؛ الذي يتبين بالرجوع إليه أنه عن استتار المرأة في الصلاة وفي بيتها أمام من يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب:
стр. 97
قال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٦٣ - ٣٦٩): وقد أجمعوا أنه من صلى مستور العورة فلا إعادة عليه وإن كانت امرأة فكل ثوب يغيب ظهور قدميها ويستر جميع جسدها وشعرها فجائز لها الصلاة فيه ... والأصل في هذا الباب أن أم سلمة سئلت ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب فقالت تصلي في الدرع والخمار السابغ الذي يغيب ظهور قدميها ... عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) قال أبو عمر- ابن عبد البر- اختلف العلماء في تأويل قول الله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فروي عن ابن عباس وابن عمر إلا ما ظهر منها "الوجه والكفان" ... وعلى قول ابن عباس وابن عمر الفقهاء في هذا الباب فهذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير
صلاتها، وأما الرجل فإن أهل العلم يستحبون أن يكون على عاتق الرجل ثوب إذا لم يكن متزرا لئلا تقع عينه على عورة نفسه. اهـ
فالمراد بقوله (فهذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير صلاتها) ولم يقل في حجابها، فمراده استتارها في بيتها أمام من أبيح له الدخول عليها والنظر إليها من الرقيق ونحوهم، ولم يتطرق لخروجها من بيتها واحتجابها من الرجال الأجانب!
ومما يؤكد ذلك؛ أن ابن عبد البر بيّن حكم احتجاب المرأة من الرجال الأجانب في موضع آخر وفرق بينه وبين الاستتار من المحارم فقال في التمهيد (٨/ ٢٣٥): احتجاب النساء من الرجال لم يكن في أول الإسلام وأنهم كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم إلا بمثل ما كان يستتر رجالهم عن رجالهم حتى
стр. 98
نزلت آيات الحجاب ... فأنزل الله ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ وأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ النور: ٢٧ ثم نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع، وهو عند جماعة العلماء في الحرائر دون الإماء، وفيه أيضا أن ذوي المحارم من النسب والرضاع لا يحتجب منهم ولا يستتر عنهم إلا العورات، والمرأة في ما عدا وجهها وكفيها عورة بدليل أنها لا يجوز لها كشفه في الصلاة. اهـ
وهذا القول شاهد لما ذكرنا وما سيأتي بيانه؛ فبعد أن ذكر أن الحجاب مختص بالحرائر ويكون بالتقنع وتغطية الوجه بالجلباب؛ ذكر أن المحارم لا يحتجب منهم ولا يستر عنهم إلا العورة، والمرأة فيما عدا وجهها وكفيها عورة، أي أنه لا يجوز لها كشف ما عداهما للمحارم قياسا على ما لا يجوز لها كشفه في الصلاة.
ثم استشهد الشيخ الألباني بقول الإمام مالك لما سئل" هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله". اهـ قال الباجي في" المنتقى شرح الموطأ" عقب هذا النص: " يقضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها"ـ
стр. 99
والجواب عليه بالآتي:
ننقل أولا قول الإمام مالك من الموطأ (٢/ ٩٣٤) " سئل مالك هل تأكل المرأة مع ذي محرم منها أو مع غلامها فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال، قال وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن تؤاكله أو مع أخيها على مثل ذلك، ويكره للمرأة أن تخلو مع الرجل ليس بينه وبينها حرمة".اهـ
فالمراد بقول الإمام مالك هو جواز مؤاكلة المرأة لمن يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب كعبدها وعبد زوجها، وهذا ماذكره شرّاح الحديث؛ وما نقله فقهاء المالكية عن إمامهم؛ أن الإمام مالك أجاز مؤاكلة المرأة لغلامها أو غلام زوجها، ولم يقل أحد منهم بجواز مؤاكلة المرأة الحرة للرجل الحر الأجنبي بناء على قول الإمام مالك كما قال الشيخ الألباني!! بل إنهم لم يطلقوا لها جواز مؤاكلة غلامها بل اشترطوا أن يكون وغدا أي قبيحا، فإن كان له منظر فإنهم لم يجيزوا لها أن تؤاكله:
- قال أبو بكر الصقلي (ت ٤٥١ هـ) في الجامع لمسائل المدونة (٢٤/ ١٦٠): وقال في الموطأ لا بأس أن تأكل المرأة مع ذي محرم منها أو مع غلامها. قال ابن الجهم: يعني العجوز المتجالة. ولا يخلو رجل مع امرأة ليس بينه وبينها محرم.
стр. 100
- قال أبو الوليد ابن رشد القرطبي (ت ٥٢٠ هـ) في المقدمات (٣/ ٤٦٠): فصل فيما يجوز للرجل أن ينظر إليه من النساء: ولا يجوز لرجل أن يخلو بامرأة ليست منه بمحرم للنهي عن ذلك، ويجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة
المتجالة؛ ولا يجوز له أن ينظر إلى الشابة ... فصل ويجوز للعبد أن يرى من سيدته ما يراه ذو المحرم منها؛ إلا أن يكون له منظرة فيكره أن يرى منها ما عدا وجهها. ولها أن تؤاكله إذا كان وغدا دنيا، يؤمن منه التلذذ بها، بخلاف الشاب الذي لا يؤمن ذلك منه.
- قال السعدي (ت ٦١٦ هـ) في عقد الجواهر الثمينة (٣/ ١٣٠٥) والكردي (ت ٦٤٦ هـ) في جامع الأمهات (١/ ٥٦٩): ولا يحل خلوة الرجل بامرأة إذا لم يكن زوجا ولا محرما، ويحرم عليه النظر إلى شيء من بدنها إلا الوجه والكفين من المتجالة، وأما الشابة فلا ينظر إليها أصلاً إلا لضرورة لتحمل شهادة أو علاج وإرادة نكاح، ويجوز لذي المحرم أن يرى منها الوجه والكفين، وكذلك لعبدها إلا أن يكون له منظر فيكره أن يرى ما عدا وجهها، ولها أن تؤاكله إن كان وغدا يؤمن منه التلذذ بها، واستخف في عبد زوجها للمشقة عليها في استتارها منه.
أما مانقله الشيخ الألباني عن الباجي فلو أنه أتم النقل عنه لتبين مراده:
قال أبو الوليد سليمان الباجي (ت ٤٧٤ هـ) في المنتقى شرح الموطأ (٤/ ٣٤٧):
قول مالك ﵀ (لا بأس أن تأكل المرأة مع ذي محرم) يريد من تأبد تحريمها عليه كالأب والابن والأخ والعم والخال لأنه ليس في مؤاكلتها له أكثر من النظر إلى وجهها وكفيها. وقوله (ومع غلامها) يريد عبدها وذلك لما قلناه من أن الأكل
стр. 101
ليس فيه إلا النظر إلى الوجه والكفين وذلك مباح للعبد وأما نظره إلى شعرها فاختلف فيه العلماء ... وقوله (وقد تأكل المرأة مع زوجها وغيره ممن تؤاكله أو مع أخيها على مثل ذلك) يقتضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح؛ لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها وقد اختلف الناس في ذلك،
والأصل فيه قول الله ﵎ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ... وفي ذلك دليل على أن الوجه والكفين يجوز للقربى أن يروه من المرأة. اهـ
فقوله (يجوز للقربى) يكشف أنه لايعني الرجال الأجانب الذين تحتجب منهم المرأة؛ وإنما يريد من أبيح له الدخول عليها دون حجاب من العبيد المملوكين سواء كان العبد لها أو لزوجها أو لأخيها ممن يدخل عليهم ويؤاكلهم.
يشهد لصحة ما ذكرنا قوله عن كشف المرأة لوجهها في موضع آخر من المنتقى (١/ ٤) عند شرحه لحديث عائشة ﵂ قالت (كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول اللَّه ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهنّ (١) ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يُعرفن من الغلس (٢)) (٣) قال الباجي: يجوز أن يبيح لهن كشف وجوههن أحد أمرين: إما أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب، أو يكون بعده لكنهن أمِنَّ أن تُدرك صورهن من شدة الغلس فأبيح لهن كشف وجوههن.
стр. 102
٣) استشهد الشيخ الألباني في مذهب الإمام الشافعي بقول البغوي في شرح السنة (٩/ ٢٣ - ٢٤): "فإن كانت أجنبية حرة فجميع بدنها عورة في حق الرجل لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين وعليه غض البصر عن النظر إلى وجهها ويديها أيضا عند خوف الفتنة ". اهـ.
فيجاب عليه بأن مراده بالرجل هنا؛ من أباح له الشرع الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب من العبيد والأتباع كما أسلفنا وليس مراده جواز كشف المرأة الحرة وجهها للرجال الأحرار الأجانب، ومما يؤكد ذلك؛ قول البغوي عن حكم احتجاب المرأة الحرة من الأحرار الأجانب في تفسيره معالم التنزيل (٣/ ٥٤١): ولما نزلت آية الحجاب ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ قال الآباء والأبناء والأقارب: ونحن أيضا نكلمهن من وراء الحجاب؟ فأنزل الله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٥ أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء ... ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ أن يراكن غير هؤلاء. إلى أن قال (٣/ ٥٤٤): ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء فقال جل ذكره ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ جمع الجلباب وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار وقال ابن عباس وأبو عبيدة أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة. اهـ
стр. 103
ولنا شاهد من قول الشافعي كما جاء في المجموع للنووي (٨/ ٧٥): قال الشافعي في الأم، والأصحاب؛ يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة، فإن طافت نهارا جاز، وتسدل على وجهها ما يستره. اهـ
٤) وفي مذهب الإمام أحمد أشار الشيخ الألباني إلى ما سبق أن نقله عن ابن هبيرة وابن قدامة والمرداوي؛ والذي بينا أنه عن عورة المرأة في الصلاة، واستشهدنا من أقوالهم عن عورة النظر بما يأتي:
(ابن هبيرة) قال إبراهيم بن محمد بن مفلح في المبدع (١/ ٣٦٢): الحرة البالغة كلها عورة حتى ظفرها، ذكر ابن هبيرة أنه المشهور، وقال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد لقول النبي ﷺ المرأة عورة.
(ابن قدامة) المغني لابن قدامة (٧/ ٧٨): فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب فإنه محرم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد.
(المرداوي) الإنصاف للمرداوي (٨/ ٢٧ - ٢٩): فلا يجوز له النظر إلى الأجنبية قصدا وهو صحيح وهو المذهب ... واختاره الشيخ تقي الدين فقال أصح الوجهين لا يجوز كما أن الراجح في مذهب الإمام أحمد ﵀ أن النظر إلى وجه الأجنبية من غير حاجة لا يجوز.
ويكفي صريح قول الإمام أحمد كما في الفروع (٨/ ١٨٦): (ظُفُر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ولا خُفُّها فإن الخُفَّ يصِفُ القدم وأحبُّ إلي أن تجعل لِكُمِّها زرًّا عند يدها لا يبِين منها شيء).
стр. 104
خامسا: احتج الشيخ الألباني بما تناقلته بعض كتب الفقه: " لأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء والكفين للأخذ والإعطاء "وذكر ممن قال ذلك كابن قدامة والشوكاني وابن نجيم؛ وهذا القول ليس فيه حجة على جواز كشف الوجه للنساء الحرائر؛ لأن المراد به هو الحاجة للأخذ والإعطاء مع من يحل له الدخول عليهن والنظر إليهن من العبيد ونحوهم، وكذلك الحاجة لكشف وجوه الإماء لأنهن سلعة تباع وتشترى وبالناس حاجة إلى النظر إلى وجهها عند الشراء. فالمراد هو الحاجة للمعاملة مع من لم يضرب دونهم الحجاب؛ وهم العبيد المملوكون، ومن لم يؤمرن بحجاب وهن الإماء، وليس المراد معاملة المرأة الحرة مع الرجال الأحرار الأجانب الذين ضرب دونهم الحجاب ومنعوا من النظر إليها والمعاملة معها بقوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ... الأحزاب: ٥٣ ومما يشهد أن المراد؛ المعاملة مع هؤلاء:
ما جاء في المبسوط للسرخسي ١٠/ ١٥٨ (ت ٤٨٣ هـ): وحديث أم سلمة ﵂ (إذا كان لإحداكن مكاتب (١) وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) (٢) محمول على الاحتجاب لمعنى زوال الحاجة فإن قبل ذلك تحتاج إلى المعاملة معه بالأخذ والإعطاء فتبدي وجهها وكفها له وقد زال ذلك بالأداء فلتحتجب.
وما جاء في قواطع الأدلة في الأصول لأبي المظفر السمعاني ٢/ ٨٢ (ت ٤٨٩ هـ): فإن الجارية سلعة تباع وتشترى وبالناس حاجة إلى النظر إلى وجهها وشعرها
стр. 105
عند المعاملات فأعرض الشرع عن خوف الفتنة لوقوع الحاجة، بخلاف الحرة فإن الأصل أنها عورة فالشرع حرم النظر سواء كانت شوهاء أو حسناء حسما للباب وسدا له وزيادة احتياط للأمور.
بل إن من أهل العلم من لم يدع هذا الأمر على إطلاقه:
قال ابن القطان في أحكام النظر/١٩٣: (حكم نظر من يريد شراء أمة يقلبها) ... مسألة؛ ليس من الضرورات احتياجها إلى أن تبيع وتبتاع أو تستصنع وقد روي عن مالك أنه قال: ولا تترك الشابة تجلس إلى الصناع، وأما المتجالة والخادم الدون فلا بأس بذلك، وهذا كله صواب من القول، فإن أكثر هذه ليست بضرورات مبيحة للتكشف، فقد تستصنع وتتصرف بالبيع والشراء وغير ذلك وهي مستترة. ولا يمنعن - الإماء - من الخروج والمشي في حاجاتهن ولو كن معتدات وإلى المساجد، وإنما يمنعن من التبرج والتكشف والتطيب للخروج والتزين، بل يخرجن وهن تفلات ولا يتوسطن في المشي الطرقات بل يلصقن بالجدران ... وقال القاضي أبو بكر بن الطيب: أما بروزهن للتهمة والنظر والتعرض للفساق فيجب إنكاره والمنع منه، وأما خروجهن للحوائج والمهمات، وعلى غير وجه التعرض للفساد، فإنه غير منكر لأنه غير مطلق لهن، وقد يخرجن لسماع الوعظ وتعلم العلم والفضيلة من صلاة أو غير ذلك ونحوه لمن أمن الافتتان بهن من العجائز وأما الشواب منهن فيجب إنكار اختلاطهن بالرجال في المساجد ومجمع القصاص إلا أن يكون من وراء حجاب بحيث لا يراهن الرجال. انتهى كلامه بنصه وهو صواب كما ذكر. اهـ
стр. 106
سادسا: لم يجد الشيخ الألباني ما يستشهد به من أقوال الأئمة الأربعة مسندة إليهم ليحتج بها على إباحتهم كشف المرأة وجهها للرجال الأجانب؛ ولينفي أن أقوالهم المنسوبة إليهم هي عن عورة المرأة في الصلاة؛ إلا أقوالهم عن كيفية ستر المرأة لوجهها حال إحرامها لما هو معلوم من نهي المحرمة من تغطية وجهها بالشّد عليه بالبرقع والنقاب، ولا يصح الاحتجاج بهذا النهي على جواز كشف المرأة لوجهها حال إحرامها فضلا أن يحتج به على جواز كشفه حال حلِّها؛ لأنه لم يرد النهي عن تغطيتها لوجهها مطلقا، بل هي مأمورة بتغطية وجهها بسدل الثوب عليه من فوق رأسها، وإنما نُهيت عن عطف الثوب على أنفها وشدّه على وجهها للتلثم
والتبرقع، فالمنهي عنه هو طريقة التغطية وليس التغطية نفسها، ومما يشهد لذلك الآثار الآتية:
١ - صح عن عائشة ﵂ أنها قالت " تسدل المحرمة جلبابها من فوق رأسها على وجهها" (١). وهذه الرواية مما لم يتطرق لها الشيخ الألباني بذكر!
وصح عنها أنها قالت "كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه". (٢) وفي رواية: "سدلنا الثوب على وجوهنا من خلفنا ولم يجئ من ها هنا يعني من قبل
стр. 107
خديها فإذا جاوزنا نزعناه " (١)، وفي رواية قالت " ولا تتبرقع ولا تَلَثَّم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت". (٢)
٢ - صح عن ابن عباس ﵁ قال (تدلي عليها من جلبابها ولا تضرب به) قلت وما لا تضرب به؟ فأشار إلى كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب فقال (لا تعطفه فتضرب به على وجهها فذلك الذي يبقى عليها، ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولا، ولا تقلبه، ولا تضرب به، ولا تعطفه) (٣).
٣ - صح عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت" كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نتمشط قبل ذلك في الإحرام" (٤)
٤ - صح عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق. (٥)
٥ - صح عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال" تلبس المحرمة السراويل والقفازين وتخمر وجهها كله". (٦)
стр. 108
فهذه الروايات تؤكد أن المنهي عنه حال الإحرام هو الشد على الوجه بالنقاب والبرقع واللثام وليس المنهي عنه ستر الوجه مطلقا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١٤٩ - ١٥٠): وأما المرأة فإنها لم تنه عن شيء من اللباس لأنها مأمورة بالاستتار والاحتجاب فلا يشرع لها ضد ذلك، لكن منعت أن تنتقب ... وقد تنازع الفقهاء هل وجهها كرأس الرجل أو كيديه على قولين في مذهب أحمد وغيره فمن جعل وجهها كرأسه أمرها إذا سدلت الثوب من فوق رأسها أن تجافيه عن الوجه كما يجافى عن الرأس ما يظلل به. ومن جعله كاليدين وهو الصحيح قال هي لم تنه عن ستر الوجه وإنما نهيت عن الانتقاب.
قال ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ) في المحلى (٧/ ٩٢): وما نهيت المرأة عن تغطية وجهها بل هو مباح لها في الإحرام وإن نهيت عن النقاب فقط.
قال ابن عبدالبر في التمهيد (ت ٤٦٣ هـ) (١٥/ ١٠٨): وأجمعوا أن إحرامها في وجهها دون رأسها وأنها تخمر رأسها وتستر شعرها وهي محرمة، وأجمعوا أن لها أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها سدلا خفيفا تستتر به عن نظر الرجال إليها.
قال صدر الدين عليّ بن أبي العز الحنفي (ت ٧٩٢ هـ) في التنبيه على مشكلات الهداية (٣/ ١٠٠٦): فإن النبي لم يشرع للمرأة كشف الوجه للرجال في الإحرام ولا غيره خصوصًا عند خوف الفتنة، وإنما جاء النص بالنهي عن
стр. 109
النقاب خاصًا، كما جاء النهي عن القفازين ... وقد تقدم أن القول بأن إحرام المرأة في وجهها إنما هو من كلام ابن عمر ... فالذي دلت عليه السنة أن وجه المرأة كبدن الرجل يحرم ستره بالمفصل على قدره كالنقاب، والبرقع .. وأما ستره بالملحفة، والخمار ونحوهما فلم تنه عنه المرأة البتة.
قال الشوكاني في السيل الجرار (٢/ ١٨٠): وأما تغطية وجه المرأة فلما روي أن إحرام المرأة في وجهها ولكنه لم يثبت ذلك من وجه يصلح للاحتجاج ... فليس في المنع من تغطية وجه المرأة ما يتمسك به والأصل الجواز حتى يرد الدليل الدال على المنع. اهـ
وقد أطلق بعض أهل العلم جواز تغطية وجه المحرمة بالسدل عليه وإن لم تكن بحضرة رجال أجانب؛ وقيّده البعض الآخر فقال إن لم تكن بحضرة رجال أجانب فلا تسدل، أي لا يشرع لها إدامة تغطية وجهها إلا للستر من الرجال، وهذا خلاصة ما ذهب إليه الأئمة الأربعة في أقوالهم التي استشهد بها الشيخ الألباني وقال بأنهم يخيرون بها المرأة بين الكشف أو السدل!!
١) كما في مذهب الإمام أبي حنيفة نقل الشيخ الألباني قول محمد بن الحسن " ولا ينبغي للمرأة المحرمة أن تنتقب فإن أرادت أن تغطي وجهها فلتسدل الثوب سدلاً من فوق خمارها" فمراده أنها منهية عن الشد على الوجه بالنقاب، فإن أرادت تغطيته لبروزها أمام الرجال فلتغطيه بسدل الثوب عليه من فوق رأسها.
стр. 110
٢) وقول الإمام مالك كما في المدونة الكبرى (٢/ ٤٦١): قلت له أرأيت لو أن محرما غطى وجهه أو رأسه ما قول مالك فيه؟ قال: قال مالك إن نزعه مكانه فلا شيء عليه، وإن تركه لم ينزعه مكانه حتى انتفع به افتدى. قلت: وكذلك المرأة إذا غطت وجهها؟ قال: نعم إلا أن مالكا كان يُوسع للمرأة أن تسدل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت سترا، فإن كانت لا تريد سترا فلا تسدل. اهـ
فالذي ينبغي أن يفهم من قوله؛ أنه لا ينبغي للمرأة أن تغطي وجهها حال إحرامها إلا للستر من الرجال الأجانب، فإن لم تكن على مرأى من رجال أجانب فلا ينبغي لها أن تغطي وجهها، وهذا ما فهمه الشرّاح عن الإمام مالك:
قال الباجي في المنتقى شرح الموطأ (٢/ ٢٠٠): وإنما يجوز أن يخمرن وجوههن على ما ذكرنا بأن تسدل ثوبا على وجهها تريد الستر، ولا يجوز أن تسدله لحر ولا لبرد.
قال الزرقاني في شرحه على موطأ الإمام مالك (٢/ ٣١٤): يجوز للمرأة المحرمة ستر وجهها بقصد الستر عن أعين الناس بل يجب إن علمت أو ظنت الفتنة بها أو ينظر لها بقصد لذة، قال ابن المنذر أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله والخفاف وإن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها إلا وجهها فتسدل عليه الثوب سدلا خفيفا تستر به عن نظر الرجال.