Полный текст (100 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الضرب الثاني: يجيز معيناً غيره كأجزتك مسموعاتي فالخلاف فيه أقوى وأكثر، والجمهور من الطوائف جوزوا الرواية وأوجبوا العمل بها.
الضرب الثالث: يجيز غير معين بوصف العموم كأجزت المسلمين أو كل أحد أو أهل زماني، وفيه خلاف للمتأخرين، فإن قيد بوصف خاص فأقرب إلى الجواز، ومن المجوزين القاضي أبو الطيب، والخطيب، وأبو عبد الله بن منده، وابن عتاب، والحافظ أبو العلاء، وآخرون. قال الشيخ: ولم نسمع عن أحد يقتدي به الرواية بهذه. قلت: الظاهر من كلام مصححيها جواز الرواية بها، وهذا مقتضي صحتها، وأي فائدة لها غير الرواية بها.
الضرب الرابع: إجازة مجهول أوله كأجزتك كتاب السنن وهو يروي كتباً في السنن، أو أجزت لمحمد ابن خالد الدمشقي، وهناك جماعة مشتركون في هذا الاسم وهي باطلة، فإن أجاز لجماعة مسمين في الاستجازة أو غيرها ولم يعرفهم بأعيانهم ولا أنسابهم ولا عددهم ولا تصفحهم صحت الإجازة كسماعهم منه في مجلسه في هذا الحال، وأما أجزت لمن يشاء فلان أو نحو هذا ففيه جهالة وتعليق فالأظهر بطلانه، وبه قطع القاضي أبو الطيب الشافعي، وصححه ابن الفراء الحنبلي، وابن عمروس المالكي، ولو قال أجزت لمن يشاء الإجازة فهو كأجزت لمن يشاء فلان وأكثر جهالة، فلو قال أجزت لمن يشاء الرواية عني فأولى بالجواز، لأنه تصريح بمقتضى الحال،
стр. 37
ولو قال أجزت لفلان كذا إن شاء روايته عني، أو لك إن شئت أو أحببت أو أردت، فالأطهر جوازه.
الضرب الخامس: الإجازة للمعدوم كأجزت لمن يولد لفلان، واختلف المتأخرون في صحتها فإن عطفه على موجود كأجزت لفلان ومن يولد له أو لك ولعقبك ما تناسلوا فأولى بالجواز، وفعل الثاني من المحدثين أبو بكر بن أبي داود، وأجاز الخطيب الأول، وحكاه عن ابن الفراء، وابن عمروس، وأبطلها القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ: الشافعيان، وهو الصحيح الذي لا ينبغي غيره، وأما الإجازة للطفل الذي لا يميز فصحيحه على الصحيح الذي قطع به القاضي أبو الطيب، والخطيب خلافاً لبعضهم.
الضرب السادس: إجازة ما لم يتحمله المجيز بوجه ليرويه المجاز إذا تحمله المجيز. قال القاضي عياض: لم أر من تكلم فيه، ورأيت بعض المتأخرين يصنعونه، ثم حكى عن قاضي قرطبة أبي الوليد منع ذلك، قال عياض: وهو الصحيح، وهذا هو الصواب، فعلى هذا يتعين على من أراد أن يروي عن شيخ أجاز له جميع مسموعاته أن يبحث حتى يعلم أن هذا ما تحمله شيخه قبل الإجازة، أما قوله أجزت لك ما صح أو يصح عندك من مسموعاتي فصحيح تجوز الرواية بما لما صح عنده سماعه له قبل الإجازة، وفعله الدارقطني وغيره.
الضرب السابع: إجازة المجاز كأجزتك مجازاتي فمنعه بعض من لا يعتد
стр. 38
به، والصحيح الذي عليه العمل جوازه، وبه قطع الحفاظ: الدارقطني، وابن عقدة، وأبو نعيم وأبو الفتح نصر المقدسي، وكان أبو الفتح يروي بالإجازة عن الإجازة، وربما والى بين ثلاث، وينبغي للراوي بها تأملها لئلا يروي ما لم يدخل تحتها، فإن كانت إجازة شيخ شيخه أجزت له ما صح عنده من سماعي فرأى سماع شيخ شيخه فليس له روايته عن شيخه عنه حتى يعرف أنه صح عند شيخه كونه من مسموعات شيخه.
فرع
قال أبو الحسين بن فارس: الإجازة مأخوذة من جواز الماء الذي تسقاه الماشية والحرث، يقال: استجزته فأجازني إذا أسقاك ماءً لماشيتك أو أرضك كذا طالب العلم علمه فيجيزه، فعلى هذا يجوز أن تقول أجزت فلاناً مسموعاتي، ومن جعل الإجازة إذناً وهو المعروف يقول: أجزت له رواية مسموعاتي، ومتى قال: أجزت له مسموعاتي فعلى الحذف كما في نظائره، قالوا: إنما تستحسن الإجازة إذا علم المجيز ما يجيز، وكان المجاز من أهل العلم، واشترطه بعضهم وحكي عن مالك، وقال ابن عبد البر: الصحيح أنها لا تجوز إلا لماهر بالصناعة في معين لا يشكل إسناده، وينبغي للمجيز كتابة أن يتلفظ بها فإن اقتصر على الكتابة مع قصد الإجازة صحت، والله أعلم.
القسم الرابع:
المناولة
هي ضربان مقرونة بالإجازة، ومجردة، فالمقرونة أعلى أنواع الإجازة مطلقاً، ومن صورها أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه أو مقابلاً. ويقول: هذا سماعي أو روايتي عن فلان
стр. 39
فاروه أو أجزت لك روايته عني، ثم يبقيه معه تمليكاً أو لينسخه أو نحوه، ومنها أن يدفع إليه الطالب سماعه فيتأمله وهو عارف متيقظ ثم يعيده إليه ويقول: هو حديثي أو روايتي فاروه عني أو أجزت لك روايته، وهذا سماه غير واحد من أئمة الحديث عرضاً، وقد سبق أن القراءة عليه تسمى عرضاً فليسمّ هذا عرض المناولة وذاك عرض القراءة، وهذه المناولة كالسماع في القوة عند الزهري، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومجاهد، والشعبي، وعلقمة، وإبراهيم، وأبي العالية، وأبي الزبير، وأبي التوكل، ومالك، وابن وهب، وابن القاسم، وجماعات آخرين، والصحيح أنها منحطة عن السماع والقراءة، وهو قول الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأبي حنيفة، والشافعي، البويطي، والمزني، وأحمد، وإسحاق، ويحيى بن يحيى. قال الحاكم: وعليه عهدنا أئمتنا وإليه نذهب، والله أعلم. ومن صورها أن يناول الشيخ الطالب سماعه ويجيزه له ثم يمسكه الشيخ، وهذا دون ما سبق، ويجوز روايته إذا وجد الكتاب أو مقابلاً به موثوقاً بموافقته ما تناولته الإجازة كما يعتبر في الإجازة المجردة، ولا يظهر في هذه المناولة كبير مزية على الإجازة في معين، وقال جماعة من أصحاب الفقه والأصول: لا فائدة فيها، وشيوخ الحديث قديماً وحديثاً يرون لها مزية معتبرة، ومنها أن يأتيه الطالب بكتاب ويقول: هذا روايتك فناولنيه وأجزلي روايته فيجيبه إليه من غير نظر فيه وتحقق لروايته فهذا باطل، فإن وثق
стр. 40
بخبر الطالب ومعرفته اعتمده وصحت الإجازة كما يعتمده في القراءة، ولو قال: حدث عني بما فيه إن كان حديثي مع براءتي من الغلط كان جائزاً حسناً، والله أعلم.
الضرب الثاني: المجردة بأنه يناوله مقتصراً على: هذا سماعي، فلا تجوز الرواية بها على الصحيح الذي قاله الفقهاء وأصحاب الأصول، وعابوا المحدثين المجوزين.
فرع
جوز الزهري، ومالك، وغيرهما، إطلاق حدثنا وأخبرنا في الرواية بالمناولة، وهو مقتضى قول من جعلها سماعاً، وحكي عن أبي نعيم الأصبهاني وغيره جوازه في الإجازة. والصحيح الذي عليه الجمهور وأهل التحري المنع وتخصيصها بعبارة مشعرة بها: كحدثنا وأخبرنا إجازة أو مناولة وإجازة أو إذناً أو في إذنه أو فيما أذن لي أو فيما أطلق لي روايته أو أجازني أولي أو ناولني أو أشبه ذلك وعن الأوزاعي تخصيصها بخبرنا والقراءة بأخبرنا، واصطلح قوم من المتأخرين على إطلاق أنبأنا في الإجازة، واختاره صاحب كتاب الوجازة وكان البيهقي يقول أنبأني إجازة، وقال الحاكم: الذي اختاره وعهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري أن
стр. 41
يقول فيما عرض على المحدث فأجازه شفاها: أنبأني، وفيما كتب إليه كتب إلي، وقال أبو جعفر بن حمدان: كل قول البخاري قال لي فلان: عرض ومناولة، وعبر قوم عن الإجازة بأخبرنا فلان أن فلاناً حدثه أو أخبره، واختاره الخطابي أو حكاه، وهو ضعيف، واستعمل المتأخرون في الإجازة الواقعة في رواية من فوق الشيخ حرف عن فيقول من سمع شيخاً بإجازته عن شيخ: قرأت على فلان عن فلان، ثم أن المنع من إطلاق حدثنا لا يزول بإباحة المجيز ذلك والله أعلم.
القسم الخامس:
المكاتبة
وهي أن يكتب مسموعه لغائب أو حاضر بخطه أو بأمره، وهي ضربان: مجردة عن الإجازة، ومقرونة بأجزتك ما كتب لك أو إليك ونحوه من عبارة الإجازة، وهي في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة، وأما المجردة فمنع الرواية بها قوم، منهم القاضي الماوردي الشافعي، وأجازها كثيرون من المتقدمين والمتأخرين، منهم أيوب السختياني، ومنصور، والليث، وغير واحد من الشافعيين، وأصحاب الأصول، وهو الصحيح المشهور بين أهل الحديث، ويوجد في مصنفاتهم: كتب إليّ فلان قال حدثنا فلان، والمراد به هذا وهو المعمول به عندهم معدود في الموصول لإشعاره بمعنى الإجازة، وزاد السمعاني فقال، هي أقوى من الإجازة، ثم يكفي معرفته خط الكاتب، ومنهم من شرط البينة وهو ضعيف؛ ثم الصحيح أنه يقول في الرواية بها: كتب إليّ فلان قال: حدثنا فلان أو
стр. 42
أخبرني فلان مكاتبة أو كتابة ونحوه، ولا يجوز إطلاق حدثنا وأخبرنا، وجوزه الليث، ومنصور، وغير واحد من علماء المحدثين وكبارهم.
القسم السادس:
إعلام الشيخ الطالب
أن هذا الحديث أو الكتاب سماعه مقتصراً عليه، فجوز الرواية به كثير من أصحاب الحديث، والفقه، والأصول، والظاهر، منهم ابن جريج، وابن الصباغ الشافعي، وابو العباس الغمري، بالمعجمة المالكي، قال بعض الظاهرية: لو قال هذه روايتي لا تروها كان له روايتها عنه، والصحيح ما قاله غير واحد من المحدثين وغيرهم: إنه لا يجوز الرواية به لكن يجب العمل به إن صح سنده.
القسم السابع:
الوصية
هي أن يوصي عند موته أو سفره بكتاب يرويه فجوز بعض السلف للموصى له روايته عنه، وهو غلط، والصواب أنه لا يجوز.
القسم الثامن:
الوجادة
وهي مصدر لوجد مولّد غير مسموع من العرب، وهي أن يقف على أحاديث بخط راويها لا يرويها الواجد فله أن يقول: وجدت أو قرأت
стр. 43
بخط فلان أو في كتابه بخطه حدثنا فلان ويسوق الإسناد والمتن، أو قرأت بخط فلان عن فلان، هذا الذي استمر عليه العمل قديماً وحديثاً، وهو من باب المنقطع، وفيه شوب إتصال، وجازف بعضهم فأطلق فيها حدثنا وأخبرنا، وأنكر عليه، وإذا وجد حديثاً في تأليف شخص، قال ذكر فلان أو قال أخبرنا فلان وهذا منقطع لا شوب فيه، وهذا كله إذا وثق بأنه خطه وكتابه، وإلا فليقل: بلغني عن فلان أو وجدت عنه ونحوه أو قرأت في كتاب: أخبرني فلان إنه بخط فلان، أو ظننت أنه خط فلان، أو ذكر كتابه أنه فلان، أو تصنيف فلان، أو قيل: بخط أو تصنيف فلان، وإذا نقل من تصنيف فلا يقل: قال فلان إلا إذا وثق بصحة النسخة بمقابلته أو ثقة لها، فإن لم يوجد هذا ولا نحوه فليقل: بلغني عن فلان، أو وجدت في نسخة من كتابه ونحوه، وتسامح أكثر الناس في هذه الأعصار بالجزم في ذلك من غير تحر، والصواب ما ذكرناه، فإن كان المطالع متقناً لا يخفى عليه غالباً الساقط والمغير رجونا جوازاً الجزم له، وإلا هذا استروح كثير من المصنفين في نقلهم، وأما العمل بالوجادة فنقل عن معظم المحدثين والفقهاء المالكيين، وغيرهم أنه لا يجوز، وعن الشافعي ونظار أصحابه جوازه وقطع بعض المحققين الشافعيين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة، وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه هذه الأزمان غيره والله أعلم.
стр. 44
النوع الخامس والعشرون:
كتابة الحديث وضبطه
وفيه مسائل:
إحداها:
اختلف السلف في كتابة الحديث، فكرهها طائفة وأباحها طائفة، ثم أجمعوا على جوازها، وجاء في الإباحة والنهي حديثان، فالأذن لمن خيف نسيانه، والنهي لمن أمن وخيف اتكاله، أو نهى حين خيف اختلاطه بالقرآن وأذن حين أمن، ثم على كاتبه صرف الهمة إلى ضبطه وتحقيقه شكلاً ونقطاً يؤمن اللبس، ثم قيل إنما يشكل المشكل ونقل عن أهل العلم كراهة الاعجام الأعراب إلا في الملتبس، وقيل يشكل الجميع.
الثانية:
ينبغي أن يكون اعتناؤه بضبط الملتبس من الأسماء أكثر، ويستحب ضبط المشكل في نفس الكتابة وكتبه مضبوطاً واضحاً في الحاشية قبالته، ويستحب تحقيق الخط دون مشقة وتعليقه، ويكره تدقيقه إلا من المهملة، قيل تجعل تحت الدال، والراء، والسين،
стр. 45
والصاد، والطاء، والعين، النقط التي فوق نظائرها، وقيل فوقها كقلامة الظفر مضطجعة على قفاها، وقيل تحتها حرف صغير مثلها، وفي بعض الكتب القديمة فوقها خط صغير، وفي بعضها تحتها همزة، ولا ينبغي أن يصطلح مع نفسه برمز لا يعرفه الناس، فإن فعل فليبين في أول الكتاب أو آخره مراده، وينبغي أن يعتني بضبط مختلف الروايات وتمييزها، فيجعل كتابه على رواية، ثم ما كان في غيرها من زيادة ألحقها في الحاشية، أو نقص أعلم عليه، أو خلاف كتبه معيناً في كل ذلك من رواه بتمام اسمه لا رامزاً إلا أن يبين أول الكتاب أو آخره، واكتفى كثيرون بالتمييز بحمرة فالزيادة تلحق بحمرة والنقص يحوِّق عليه بحمرة مبيناً اسم صاحبها أول الكتاب أو آخره.
الثالثة:
ينبغي أن يجعل بين كل حديثين دائرة، نقل ذلك عن جماعات من المتقدمين، واستحب الخطيب أن تكون غفلاً، فإذا قابل نقط وسطها، ويكره في مثل عبد الله، وعبد الرحمن بن فلان كتابة عبد آخر السطر واسم الله مع ابن فلان أول الآخر، وكذا يكره رسول آخره والله ﷺ أوله، وكذا ما أشبهه، وينبغي أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ ، ولا يسأم من تكراره، ومن أغفله حرم حظاً عظيماً، ولا يتقيد فيه بما في الأصل إن كان ناقصاً، وهكذا الثناء على الله : كعز وجل، وسبحانه وتعالى وشبهه، وكذا الترضي والترحم على الصحابة والعلماء وسائر الأخيار، وإذا جاءت الرواية بشيء منه كانت العناية به أكثر وأشد، ويكره الاقتصار على الصلاة أو التسليم والرمز إليهما في الكتابة، بل يكتبهما بكمالهما.
الرابعة:
عليه مقابلة كتابه بأصل شيخه وإن كان إجازة، وأفضلهما أن
стр. 46
يمسك هو وشيخه كتابيهما حال التسميع، ويستحب أن ينظر معه من لا نسخة معه لا سيما إن أراد النقل من نسخته، وقال يحيى ابن معين: لا يجوز أن يروي من غير أصل الشيخ إلا أن ينظر فيه حال السماع، والصواب الذي قاله الجماهير أنه لا يشترط نظره ولا مقابلته بنفسه بل يكفي مقابلة ثقة أي وقت كان، ويكفي مقابلته بفرع قوبل بأصل الشيخ ومقابلته بأصل أصل الشيخ المقابل به اصل الشيخ، وإن لم يقابل أصىً فقد أجاز الرواية منه الأستاذ أبو إسحاق، وآباء بكر الإسماعيلي، والبرقاني، والخطيب إن كان الناقل صحيح النقل، قليل السقط، ونقل من الأصل، وبين حال الرواية أنه لم يقابل، ويراعي في كتاب شيخه مع من فوقه ما ذكرنا في كتابه، ولا يكن كطائفة إذا رأوا سماعه لكتاب سمعوه من أي نسخة اتفقت، وسيأتي فيه خلاف وكلام آخر في أول النوع الآتي.
الخامسة:
المختار في تخريج الساقط وهو اللحق " بفتح اللام والحاء " أن يخط من موضع سقوطه في السطر خطاً صاعداً معطوفاً بين السطرين عطفه يسيرة إلى جهة الحق، وقيل: تمد العطفة إلى أول اللحق ويكتب واللحق قبالة العطفة في الحاشية اليمنى إن اتسعت إلا أن يسقط في آخر السطر فيخرجه إلى الشمال وليكتبه صاعداً إلى أعلى الورقة، فإن زاد اللحق على سطر ابتدأ سطوره من أعلى إلى أسفل، فإن كان في يمين الورقة انتهت إلى باطنها، وإن كان في الشمال فإلى طرفها، ثم يكتب في انتهاء اللحق صح، وقيل يكتب مع " صح " رجع، وقيل يكتب الكلمة المتصلة به داخل الكتاب وليس بمرضي لأنه تطويل موهم، وأما الحواشي من غير الأصل كشرح، وبيان غلط، أو اختلاف رواية،
стр. 47
أو نسخة ونحوه، فقال القاضي عياض ﵀: لا يخرج له خط، والمختار استحباب التخريج من وسط الكلمة المخرج لأجلها.
السادسة:
شأن المتقنين التصحيح، والتضبيب، والتمريض. فالتصحيح كتابة صح على كلام صح رواية ومعنى، وهو عرضه للشك أو الخلاف، والتضبيب، ويسمى التمريض أن يمد خط أوله كالصاد، ولا يلزق بالممدود عليه، يمد على ثابت نقلاً فاسد لفظاً أو معنى أو ضعيف أو ناقص، ومن الناقص موضع الإرسال أو الانقطاع، وربما اختصر بعضهم علامة التصحيح فاشتبهت الضبة، ويوجد في بعض الأصول القديمة في الإسناد الجامع جماعة معطوفاً بعضهم على بعض علامة تشبه الضبة بين أسمائهم وليست ضبة وكأنها علامة اتصال.
السابعة
إذا وقع في الكتاب ما ليس منه نفي بالضرب، أو الحك، أو المحو، أو غيره، وأولاها الضرب، ثم قال الأكثرون: يخط فوق المضروب عليه خطا بيناً دالا على إبطاله مختلطاً به، ولا يطمسه بل يكون ممكن القراءة، ويسمى هذا الشق، وقيل: لا يخلط بالمضروب عليه بل يكون فوقه معطوفاً على أوله وآخره، وقيل يحوق على أوله نصف دائرة وكذا آخره، وإذا كثر المضروب عليه فقد يكتفي بالتحويق أوله وآخره، وقد يحوق أول كل سطر وآخره، ومنهم من اكتفى بدائرة صغيرة أول الزيادة وآخرها، وقيل يكتب لا في أوله وإلى في آخره، وأما الضرب على المكرر فقيل يضرب على الثاني، وقيل يبقى أحسنهما صورة وأبينهما، وقال عياض ﵀: إن كانا أول سطر ضرب على الثاني، أو آخره فعلى الأول، أو أول سطر وآخر آخَر، فعلى آخر السطر، فإن تكرر المضاف والمضاف إليه أو الموصوف والصفة ونحوه روعي اتصالهما، وأما الحك، والكشط والمحو فكرهها أهل العلم، والله أعلم.
الثامنة:
غلب عليهم الاقتصار على الرمز في حدثنا وأخبرنا وشاع
стр. 48
بحيث لا يخفى، فيكتبون من حدثنا: الثاء والنون والألف، وقد تحذف الثاء، ومن أخبرنا: أنا، ولا يحسن زيادة الباء قبل النون وإن فعله البيهقي، وقد يزاد راء بعد الألف ودال أول رمز حدثنا، ووجدت الدال في خط الحاكم وأبي عبد الرحمن السلمي، والبيهقي، والله أعلم. وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الإنتقال من إسناد إلى إسناد ولم يعرف بيانها عمن تقدم، وكتب جماعة من الحفاظ موضعها صح، فيشعر بأنها رمز صح، وقيل هي من التحويل من إسناد إلى إسناد، وقيل لأنها تحول بين الإسنادين فلا نكون من الحديث فلا يلفظ عندها بشيء، وقيل هي رمز إلى قولنا الحديث، وأهل المغرب كلهم يقولون إذا وصلوا إليها: الحديث، والمختار أن يقول حَاوَيَمُرّ، والله أعلم.
التاسعة:
ينبغي أن يكتب بعد البسملة اسم الشيخ ونسبه وكنيته ثم يسوق المسموع، ويكتب فوق البسملة أسماء السامعين، وتاريخ السماع، أو يكتبه في حاشية أول ورقة أو آخر الكتاب، أو حيث لا يخفى منه، وينبغي أن يكون بخط ثقة معروف الخط، ولا بأس عند هذا بأن لا يصح الشيخ عليه، ولا بأس أن يكتب سماعه بخط نفسه إذا كان ثقة كما فعله الثقات، وعلى كاتب التسميع التحري وبيان السامع، والمسمع، والمسموع، بلفظ وجيز غير محتمل ومجانبة التساهل فيمن يثبته، والحذر من إسقاط بعضهم لغرض فاسد، فإن لم يحضر فله أن يعتمد في حضورهم خبر ثقة حضر، ومن ثبت في كتابه سماع غيره فقبيح به كتمانه ومنعه نقل سماعه منه أو نسخ الكتاب، وإذا أعاره فلا يبطئ عليه، فإن منعه فإن كان سماعه مثبتاً برضا صاحبالكتاب لزمه إعارته وإلا فلا يلزمه، كذا قاله أئمة مذاهبهم في أزمانهم، منهم القاضي حفص بن غياث الحنفي، وإسماعيل القاضي المالكي، وأبو عبد الله الزبيري الشافعي، وحكم به القاضيان، وخالف فيه بعضهم، والصواب الأول،
стр. 49
وإذا نسخه فلا ينقل سماعه إلى نسخته إلا بعد المقابلة المرضية، ولا ينقل سماع إلى نسخة إلا بعد مقابلة مرضية إلا أن يبين كونها غير مقابلة، والله أعلم.
النوع السادس والعشرون:
صفة رواية الحديث
تقدم جمل منه في النوعين قبله وغيرهما، وقد شدد قوم في الرواية فأفرطوا، وتساهل آخرون ففرطوا، فمن المشددين من قال: لا حجة إلا فيما رواه من حفظه وتذكره، روي عن مالك، وأبي حنيفة، وأبي بكر الصيدلاني الشافعي، ومنهم من جوزها من كتابه إلا إذا خرج من يده، وأما المتساهلون فتقدم بيان جمل عنهم في النوع الرابع والعشرين، ومنهم قوم رووا من نسخ غير مقابلة بأصولهم فجعلهم الحاكم مجروحين، قال: وهذا كثير تعاطاه قوم من أكابر العلماء والصلحاء، وقد تقدم في آخر الرابعة من النوع الماضي أن النسخة التي لم تقابل يجوز الرواية منها بشروط، فيحتمل أن الحاكم يخالف فيه، ويحتمل أنه أراد إذا لم توجد الشروط، والصواب ما عليه الجمهور وهو التوسط، فإذا قام في التحمل والمقابلة بما تقدم جازت الرواية منه وإن غاب إذا كان الغالب سلامته من التغيير لا سيما إن كان ممن لا يخفى عليه التغيير غالباً، والله أعلم.
стр. 50
فروع
الأول: الضرير إذا لم يحفظ ما سمعه فاستعان بثقة في ضبطه وحفظ كتابه واحتاط عند القراءة عليه بحيث يغلب على ظنه سلامته من التغيير صحت روايته، وهو أولى بالمنع من مثله في البصير، قال الخطيب: والبصير الأمي كالضرير.
الثاني: إذا أراد الرواية من نسخة ليس فيها سماع ولا هي مقابلة به لكن سمعت على شيخه أو فيها سماع شيخه أو كتبت عن شيخه وسكنت نفسه إليها لم يجز الرواية منها عند عامة المحدثين، ورخص فيه أيوب السختياني ومحمد بن بكر البرساني، قال الخطيب: والذي يوجبه النظر أنه متى عرف أن هذه الأحاديث هي التي سمعها من الشيخ جاز أن يرويها إذا سكنت نفسه إلى صحتها وسلامتها، والله أعلم. هذا إذا لم يكن له إجازة عامة من شيخه لمروياته، أو لهذا الكتاب فإن كانت جاز له الرواية منها، وله أن يقول حدثنا وأخبرنا، وإن كان في النسخة سماع شيخ شيخه أو مسموعة على شيخ شيخه فيحتاج أن يكون له إجازة عامة من شيخه ولشيخه مثلها من شيخه والله أعلم.
الثالث: إذا وجد في كتابه خلاف حفظه، فإن كان حفظ منه رجع إليه، وإن كان حفظ من فم الشيخ اعتمد حفظه وإن لم يشك وحسن يجمعها فيقول: حفظي كذا وفي كتابي كذا وإن خالفه غيره قال: حفظي كذا، وقال فيه غيري أو فلان كذا، وإذا وجد سماعه في كتابه ولا يذكره فعن أبي حنيفة وبعض الشافعية، لا يجوز روايته، ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه، وأبي يوسف، ومحمد، جوازها، وهو الصحيح، وشرطه أن يكون السماع بخطه أو خط من يثق به، والكتاب مصون يغلب على الظن سلامته من التغيير، وتسكن إليه نفسه، فإن شك لم يجز والله أعلم.
стр. 51
الرابع: إن لم يكن عالماً بالألفاظ ومقاصدها، خبيراً بما يحيل معانيها لم يجز له الرواية بالمعنى بلا خلاف، بل يتعين اللفظ الذي سمعه، فإن كان عالماً بذلك فقالت طائفة من أصحاب الحديث والفقه، والأصول، لا تجوز إلا بلفظه، وجوز بعضهم في غير حديث النبي ﷺ ولم يجوز فيه، وقال جمهور السلف والخلف من الطوائف: يجوز بالمعنى في جميعه إذا قطع بأداء المعنى وهذا في غير المصنفات، ولا يجوز تغيير مصنف وإن كان بمعناه والله أعلم وينبغي للراوي بالمعنى أن يقول عقيبه: أو كما قال أو نحوه، أو شبهه، أو ما أشبه هذا من الألفاظ. وإذا اشتبه على القارئ لفظة فحسن أن يقول بعد قراءتها على الشك أو كما قال، لتضمنه إجازة وإذناً في صوابها إذا بان، والله أعلم.
الخامس: اختلف في رواية بعض الحديث الواحد دون بعض، فمنعه بعضهم مطلقاً بناء على منع الرواية بالمعنى، ومنعه بعضهم مع تجويزها بالمعنى إذا لم يكن رواه هو أو غيره بتمامه قبل هذا، وجوزه بعضهم مطلقاً، والصحيح التفصيل وجوازه من العارف إذا كان ما تركه غير متعلق بما رواه بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة بتركه، وسواء جوزناها بالمعنى أم لا، رواه قبل تاماً أم لا، هذا إن ارتفعت منزلته عن التهمة، فأما من رواه تاماً فخاف إن رواه ثانياً ناقصاً أن يتهم بزيادة أولاً أو نسيان لغفلة وقلة ضبط ثانياً فلا يجوز له النقصان ثانياً ولا ابتداء إن تعين عليه أداؤه،
стр. 52
وأما تقطيع المصنف الحديث في الأبواب فهو إلى الجواز أقرب، قال الشيخ: ولا يخلو من كراهة، وما أظنه يوافق عليه.
السادس: ينبغي أن لا يروي بقراءة لحان أو مصحف وعلى طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يسلم به من اللحن والتصحيف، وطريقه في السلامة من التصحيف الأخذ من أفواه أهل المعرفة والتحقيق، وإذا وقع في روايته لحن أو تحريف، فقال ابن سيرين، وابن سخبرة: يرويه كما سمعه، والصواب وقول الأكثرين روايته على الصواب، وأما إصلاحه في الكتاب فجوزه بعضهم والصواب تقريره في الأصل على حاله مع التضبيب عليه وبيان الصواب في الحاشية ثم الأولى عند السماع أن يقرأ على الصواب، ثم يقول في روايتنا أو عند شيخنا أو من طريق فلان كذا، وله أن يقرأ ما في الأصل ثم يذكر الصواب، وأحسن الإصلاح بما جاء في رواية أو حديث آخر، والله أعلم. فإن كان الإصلاح بزيادة ساقط فإن لم يغاير معنى الأصل فهو على ما سبق وإن غاير تأكد الحكم بذكر الأصل مقروناً بالبيان، فإن علم أن بعض الرواة أسقطه وحده فله أيضاً أن يلحقه في نفس الكتاب مع كلمة يعني، هذا إذا علم أن شيخه رواه على الخطأ، فأما إن رآه في كتاب نفسه وغلب على ظنه أنه من كتابه لا من شيخه فيتجه إصلاحه في كتابه وروايته كما إذا درس من كتابه بعض الإسناد أو المتن فإنه يجوز استدراكه من كتاب غيره إذا عرف صحته وسكنت نفسه إلى أن ذلك هو الساقط، كذا قاله أهل التحقيق، ومنعه بعضهم، وبيانه حال الرواية أولى، وهكذا الحكم في استثبات الحافظ ما شك فيه من كتاب غيره أو حفظه، فإن وجد في كتابه
стр. 53
كلمة غير مضبوطة أشكلت عليه جاز أن يسأل عنها العلماء بها ويرويها على ما يخبرونه والله أعلم.
السابع: إذا كان الحديث عنده عن اثنين أو أكثر واتفقا في المعنى دون اللفظ فله جمعها في الإسناد ثم يسوق الحديث على لفظ أحدهما، فيقول: أخبرنا فلان وفلان واللفظ لفلان أو وهذا لفظ فلان قال: أو قالا: أخبرنا فلان ونحوه من العبارات ولمسلم في صحيحه عبارة حسنة كقوله: حدثنا أبو بكر وأبو سعيد كلاهما عن أبي خالد قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد عن الأعمش فظاهره أن اللفظ لأبي بكر، فإن لم يخص فقال: أخبرنا فلان وفلان وتقاربا في اللفظ قالا: حدثنا فلان جاز على جواز الرواية بالمعنى، فإن لم يقل تقارباً فلا بأس به على جواز الرواية بالمعنى، وإن كان قد عيب ب البخاري أو غيره، وإذا سمع من جماعة مصنفاً فقابل نسخته بأصل بعضهم ثم رواه عنهم وقال: اللفظ لفلان فيحتمل جوازه ومنعه.
الثامن: ليس له أن يزيد في نسب غير شيخه أو صفته إلا أن يميزه فيقول: هو ابن فلان، الفلاني، أو يعني ابن فلان ونحوه. فإن ذكر شيخه نسب شيخه في أول حديث ثم اقتصر في باقي أحاديث الكتاب على اسمه أو بعض نسبه فقد حكى الخطيب عن أكثر العلماء جواز روايته تلك الأحاديث مفصولة عن الأول مستوفياً نسب شيخ شيخه، وعن بعضهم: الأولى أن يقول: يعني ابن فلان، وعن علي بن المديني وغيره يقول: حدثني شيخي أن فلان ابن فلان حدثه، وعن بعضهم أخبرنا فلان هو ابن فلان واستحبه الخطيب وكله
стр. 54
جائز وأولاه هو ابن فلان أو يعني ابن فلان ثم قوله إن فلان ابن فلان، ثم أن يذكره بكماله من غير فصل.
التاسع: جرت العادة بحذف قال ونحوه بين رجال الإسناد خطأ، وينبغي للقارئ اللفظ بها، وإذا كان فيه قرئ على فلان أخبرك فلان أو قرئ على فلان حدثنا فلان فلقيل القارئ في الأول قيل له أخبرك فلان وفي الثاني قال حدثنا فلان، وإذا تكرر قال كقوله حدثنا صالح، قال: قال الشعبي فإنهم يحذفون أحدهما خطأ فليلفظ بهما القارئ، ولو ترك القارئ قال في هذا كله فقد أخطأ والظاهر صحة السماع، والله أعلم.
العاشر: النسخ والأجزاء المشتملة على أحاديث بإسناد واحد كنسخة همام عن أبي هريرة منهم من يجدد الإسناد أول كل حديث وهو أحوط، ومنهم من يكتفي به في أول حديث، أو أول كل مجلس ويدرج الباقي عليه قائلاً في كل حديث وبالإسناد أو وبه، وهو الأغلب. فمن سمع هكذا فأراد رواية غير الأول بإسناد جاز عند الأكثرين، ومنعه أبو إسحاق الإسفراييني وغيره، فعلى هذا طريقه أن يبين كقول مسلم: حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام قال هذا ما حدثنا أبو هريرة، وذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ : " إن أدنى مقعد أحدكم " وذكر الحديث وكذا فعله كثير من المؤلفين،
стр. 55
وأما إعادة بعضهم الإسناد آخر الكتاب فلا يدفع هذا الخلاف إلا أن يفيد احتياطاً وإجازة بالغة من أعلى أنواعها، والله أعلم.
الحادي عشر: إذا قدم المتن كقال النبي ﷺ وكذا، أو المتن وأخر الإسناد كروى نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ كذا ثم يقول: أخبرنا به فلان عن فلان حتى يتصل صح وكان متصلاً، فلو أراد من سمعه هكذا تقديم جميع الإسناد فجوزه بعضهم، وينبغي فيه خلاف كتقديم بعض المتن على بعض بناء على منع الرواية بالمعنى، ولو روي حديثاً بإسنادهم ثم أتبعه إسناداً قال في آخره مثله فأراد السامع رواية المتن بالإسناد الثاني فالأظهر منعه، وهو قول شعبة، وأجازه الثوري، وابن معين إذا كان متحفظاً مميزاً بين الألفاظ، وكان جماعة من العلماء إذا روى أحدهم مثل هذا ذكر الإسناد ثم قال مثل حديث قبله متنه كذا، واختار الخطيب هذا، وأما إذا قال نحوه فأجازه الثوري، ومنعه شعبة، وابن معين، قال الخطيب: فرق ابن معين بين مثله ونحوه يصح على منع الرواية بالمعنى، فأما على جوازها فلا فرق، قال الحاكم: يلزم الحديثيّ من الإتقان أن يفرق بين مثله ونحوه فلا يحل أن يقول مثله إلا إذا اتفقا في اللفظ ويحل نحوه إذا كان بمعناه.
الثاني عشر: إذا ذكر الإسناد وبعض المتن ثم قال: وذكر الحديث فأراد السامع روايته بكماله فهو أولى بالمنع من مثله ونحوه، فمنعه الأستاذ أبو إسحاق، وأجازه الإسماعيلي إذا عرف المحدث والسامع ذلك الحديث، والاحتياط أن يقتصر على المذكور ثم يقول: قال، وذكر الحديث وهو هكذا ويسوقه بكماله، وإذا جوز إطلاقه فالتحقيق أنه بطريق الإجازة القوية فيما لم يذكره الشيخ، ولا يفتقر إلى أفراده بالإجازة.
الثالث عشر: قال الشيخ ﵀: الظاهر أنه لا يجوز تغيير قال النبي ﷺ إلى قال رسول الله ﷺ ولا عكسه وإن جازت الرواية بالمعنى، لاختلافه، والصواب - والله أعلم - جوازه، لأنه لا يختلف به هنا المعنى، وهذا مذهب أحمد بن حنبل، وحماد بن سلمة، والخطيب.
стр. 56
الرابع عشر: إذا كان في سماعه بعض الوهن فعليه بيانه حال الرواية، ومنه إذا حدثه من حفظه في المذاكرة فليقل حدثنا مذاكرة كما فعله الأئمة، ومنع جماعة منهم الحمل عنهم حال المذاكرة، وإذا كان الحديث عن ثقة ومجروح، أو ثقتين فالأولى أن يذكرهما، فإن اقتصر على ثقة فيهما لم يحرم، وإذا سمع بعض حديث من شيخ وبعضه من آخر فروى جملته عنهما مبيناً أن بعضه عن أحدهما وبعضه عن الآخر جاز، ثم يصير كل جزء منه كأنه رواه عن أحدهما مبهماً فلا يحتج بشيء منه إن اكن فيهما مجروح، ويحب ذكرهما جميعاً مبيناً أن عن أحدهما بعضه وعن الآخر بعضه، والله أعلم.
النوع السابع والعشرون:
معرفة آداب المحدث
علم الحديث شريف يناسب مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، وهو من علوم الآخرة. من حرمه حرم خيراً عظيماً، ومن رزقه نال فضلاً جزيلاً، فعلى صاحب تصحيح النية، وتطهير قلبه من أغراض الدنيا، واختلف في السنن الذي يتصدى فيه لإسماعه، والصحيح أنه متى احتيج إلى ما عنده جلس له في أي سن كان، وينبغي أن يمسك عن التحديث إذا خشي التخليط بهرم أو خوف أو عمى، ويختلف ذلك باختلاف الناس.
فصل:
الأولى أن لا يحدث بحضرة من هو أولى منه لسنه أو علمه أو غيره، وقيل: يكره أن يحدث في بلد فيه أولى منه، وينبغي له إذا طلب منه ما
стр. 57
يعلمه عند أرجح منه أن يرشد إليه فالدين النصيحة، وى يمتنع من تحديث أحد لكونه غير صحيح النية فإنه يرجى صحتها وليحرص على نشره مبتغياً جزيل أجره.
فصل:
ويستحب له إذا أراد حضور مجلس التحديث أن يتطهر ويتطيب ويسرح لحيته ويجلس متمكناً بوقار، فإن رفع أحد صوته زبره، ويقبل على الحاضرين كلهم، ويفتتح مجلسه ويختتمه بتحميد الله تعالى، والصلاة على النبي ﷺ ، ودعاء يليق بالحال، بعد قراءة قارئ حسن الصوت شيئاً من القرآن العظيم، ولا يسرد الحديث سرداً يمنع فهم بعضه، والله أعلم.
فصل
يستحب للمحدث العارف عقد مجلس لإملاء الحديث فإنه أعلى مراتب الرواية، ويتخذ مستميلاً محصلاً متيقظاً يبلغ عنه إذا كثر الجمع على عادة الحفاظ، ويستملي مرتفعاً وإلا قائماً وعليه تبليغ لفظه على وجهه، وفائدة المستملي تفهيم السامع على بعد، وأما من لم يسمع إلا المبلغ فلا يجوز له روايته عن المملي إلا أن يبين الجال، وقد تقدم هذا في " الرابع والعشرين " ويستنصت المستملي الناس بعد قراءة قارئ حسن الصوت شيئاً من القرآن، ثم يبسمل ويحمد الله تعالى ويصلي على رسول الله ﷺ ويتحرى الأبلغ فيه ثم يقول للمحدث من أو ما ذكرت رحمك الله أو رضي عنك وما أشبهه وكلما ذكر النبي ﷺ . قال الخطيب: ويرفع به صوته وإذا ذكر صحابياً رضي الله عليه، فإن كان ابن صحابي قال ﵄، ويحسن بالمحدث الثناء على شيخه حال الرواية بما هو أهله كما فعله جماعات من السلف، وليعتن بالدعاء له فهو أهم، ولا بأس بذكر من يروى
стр. 58
عند بلقب أو وصف أو حرفة أو أم عرف بها، ويستحب أن يجمع في إملائه جماعة من شيوخه مقدماً أرجحهم، ويروي عن كل شيخ حديثاً ويختار ما علا سنده وقصر متنه، والمستفاد منه، وينبه على صحته وما فيه من علو، وفائدة، وضبط مشكل، وليتجنب ما لا تحتمله عقولهم وما لا يفهمونه، ويختم الإملاء بحكايات ونوادر وإنشادات بأسانيدها، وأولاها ما في الزهد، والآداب، ومكارم الأخلاق، وإذا قصر المحدث أو اشتغل عن التخريج للإملاء استعان ببعض الحفاظ، وإذا فرغ الإملاء قابله وأتقنه، والله أعلم.
النوع الثامن والعشرون:
معرفة آداب طالب الحديث
قد تقدم جمل منه مفرقة، ويجب عليه تصحيح النية، والإخلاص لله تعالى في طلبه والحذر من التوصل به إلى أغراض الدنيا، ويسأل الله تعالى التوفيق والتسديد والتيسير، وليستعمل الأخلاق الجميلة والآداب، ثم ليفرغ جهده في تحصيله بالسماع من أرجح شيوخ بلده إسناداً وعلماً وشهرة وديناً وغيره، فإذا فرغ من مهماتهم فليرحل على عادة الحفاظ المبرزين، ولا يحملنه الشره على التساهل في التحمل بشيء من شروطه،
стр. 59
وينبغي أن يستعمل ما يسمعه من أحاديث العبادات والآداب، فذلك زكاة الحديث وسبب حفظه.
فصل:
وينبغي أن يعظم شيخه ومن يسمع منه فذلك من إجلال العلم وأسباب الانتفاع، ويعتقد جلالة شيخه ورجحانه ويتحرى رضاه ولا يطول عليه بحيث يضجره وليستشره في أموره وما يشتغل فيه، وكيفية اشتغاله، وينبغي له إذا ظفر بسماع أن يرشد إليه غيره فإن كتمانه لؤم يقع فيه جهلة الطلبة فيخاف على كاتمه عدم الانتفاع فإن من بركة الحديث إفادته وبنشره ينمى، وليحذر كل الحذر من أن يمنعه الحياء والكبر من السعي التام في التحصيل وأخذ العلم ممن دونه في نسب أو سن أو غيره، وليصبر على جفاء شيخه، وليعتن بالمهم، ولا يضيع وقته في الاستكثار من الشيوخ لمجرد اسم الكثرة، وليكتب وليسمع ما يقع له من كتاب أو جزء بكماله ولا ينتخب فإن احتاج تولى بنفسه، فإن اقتصر عنه استعان بحافظز
فصل:
ولا ينبغي أن يقتصر على سماعه وكتبه دون معرفته وفهمه فليتعرف صحته وفقهه ومعانيه ولغته وإعرابه وأسماء رجاله محققاً كل ذلك معتنياً بإتقان مشكلها حفظاً وكتابة مقدماً الصحيحين، ثم سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، ثم السنن الكبرى للبيهقي، وليحرص عليه فلم يصنف مثله، ثم ما تمس الحاجة إليه، ثم من المسانيد مسند أحمد بن حنبل وغيره، ثم من العلل كتابه، وكتاب الدارقطني، ومن الأسماء تاريخ البخاري، وابن أبي خيثمة، وكتاب ابن أبي حاتم ومن ضبط الأسماء كتاب ابن ماكولا، وليعتن بكتب غريب الحديث، وشروحه، وليكن الاتقان من شأنه، وليذاكر بمحفوظه، ويباحث أهل المعرفة.
стр. 60
فصل:
وليشتغل بالتخريج والتصنيف إذا تأهل له، وليعتن بالتصنيف في شرحه وبيان مشكله متقناً واضحاً فقلما يمهر في علم الحديث من لم يفعل هذا، وللعلماء في تصنيف الحديث طريقان: أجودهما تصنيفه على الأبواب فيذكر في كل باب ما حضره فيه، والثانية تصنيفه على المسانيد فيجمع في ترجمة كل صحابي ما عنده من حديثه صحيحه وضعيفه، وعلى هذا له أن يرتبه على الحروف أو على القبائل فيبدأ ببني هاشم ثم بالأقرب فالأقرب نسباً إلى رسول الله ﷺ ، أو على السوابق، فبالعشرة، ثم أهل بدر، ثم الحديبية، ثم المهاجرين بينها وبين الفتح، ثم أصاغر الصحابة، ثم النساء بادئاً بأمهات المؤمنين، ومن أحسنه تصنيفه معللاً، بأن يجمع في كل حديث أو باب طرقه واختلاف رواته، ويجمعون أيضاً حديث كل شيخ على انفراده: كمالك وسفيان وغيرهما، والتراجم: كمالك عن نافع عن ابن عمر، والمساواة عن أبيه عن عائشة، والأبواب: كرؤية الله تعالى ورفع اليدين في الصلاة. وليحذر إخراج تصنيفه إلا بعد تهذيبه وتحريره وتكرير النظر فيه، وليحذر من تصنيف ما لم يتأهل له، وينبغي أن يتحرى العبارات الواضحة، والاصطلاحات المستعملة، والله أعلم.
стр. 61
النوع التاسع والعشرون
معرفة الإسناد العالي والنازل
الإسناد خصيصة لهذه الأمة، وسنة بالغة مؤكدة، وطلب العلو فيه سنة، ولهذا استحبت الرحلة، وهو أقسام: أجلُّها: القرب من رسول الله ﷺ بإسناد صحيح نظيف.
الثاني: القرب من إمام من أئمة الحديث، وإن كثر بعده العدد إلى رسول الله ﷺ .
الثالث: العلو بالنسبة إلى أحد الكتب الخمسة أو غيرها من المعتمدة، وهو ما كثر اعتناء المتأخرين به من الموافقة، والإبدال، والمساواة، والمصافحة: فالموافقة أن يقع لك حديث عن شيخ مسلم من غير جهته بعدد أقل من عددك إذا رويته عن مسلم عنه، والبدل أن يقع هذا العلو عن مثل شيخ مسلم، وقد يسمى هذا موافقة بالنسبة إلى شيخ شيخ مسلم والمساواة في أعصارنا قلة عدد إسنادك إلى الصحابي أو من قاربه بحيث يقع بينك وبين صحابي مثل ما وقع بين مسلم وبينه. والمصافحة أن تقع هذه المساواة لشيخك، فيكون لك مصافحة كأنك صافحت مسلماً فأخذته عنه، فإن كانت المساواة لشيخ شيخك كانت المصافحة لشيخك وإن كانت
стр. 62
المساواة لشيخ شيخ شيخك فالمصافحة لشيخ شيخك، وهذا العلو تابع لنزول، فولا نزول مسلم وشبهه لم تعل أنت، والله أعلم.
الرابع: العلو بتقدم وفاة الراوي فما أرويه عن ثلاثة عن البيهقي عن الحاكم أعلى مما أرويه عن ثلاثة عن ابن خلف عن الحاكم لتقدم وفاة البيهقي عن ابن خلف، وأما علوه بتقدم وفاة شيخك فحده الحافظ ابن جوصا بمضي خمسين سنة من وفاة الشيخ، وابن منده بثلاثين.
الخامس: العلوم يتقدم السماع ويدخل كثير منه فيما قبله ويمتاز بأن يسمع شخصان من شيخ وسماع أحدهما من ستين سنة مثلا والآخر من أربعين، وتساوي العدد إليهما فالأول أعلى، وأما النزول فضد العلو، فهو خمسة أقسام تعرف من ضدها، وهو مفضول مرغوب عنه على الصواب، وقول الجمهور، وفضله بعضهم على العلو، فإن تميز بفائدة فهو مختار، والله أعلم.
النوع الثلاثون:
المشهور من الحديث
هو قسمان، صحيح وغيره ومشهور بين أهل الحديث خاصة وبينهم وبين غيرهم، ومنه المتواتر المعروف في الفقه وأصوله، ولا يذكره المحدثون، وهو قليل لا يكاد يوجد في رواياتهم، وهو ما نقله من يحصل العلم بصدقهم ضرورة عن مثلهم من أوله إلى آخره،
стр. 63
وحديث " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " متواتر، لا حديث " إنما الأعمال بالنيات " والله أعلم.
النوع الحادي والثلاثون:
الغريب والعزيز
إذا انفرد عن الزهري وشبهه ممن يجمع حديثه رجل بحديث سمي غريبا، فإن انفرد اثنان أو ثلاثة سمي عزيزاً فإن رواه الجماعة سمي مشهورا، ويدخل في الغريب ما انفرد راو بروايته أو بزيادة في متنه أو إسناده، ولا يدخل فيه أفراد البلدان وينقسم إلى صحيح وغيره وهو الغالب، وإلى غريب متناً وإسناداً كما لو انفرد بمتنه واحد، وغريب إسناداً كحديث روي متنه جماعة من الصحابة انفرد واحد بروايته عن صحابي آخر، وفيه يقول الترمذي: غريب من هذا الوجه، ولا يوجد غريب متناً ولا إسناداً إلا إذا اشتهر الفرد فرواه عن المنفرد كثيرون صار غريباً مشهوراً، غريباً متناً لا إسناداً بالنسبة إلى أحد طرفيه كحديث " إنما الأعمال بالنيات " والله أعلم.
стр. 64
النوع الثاني والثلاثون:
غريب الحديث
هو ما وقع في متن الحديث من لفظة غامضة بعيدة من الفهم لقلة استعمالها، وهو فن مهم، والخوض فيه صعب، فليتحر خائضه، وكان السلف يتثبتون فيه أشد تثبت، وقد أكثر العلماء التصنيف فيه، قيل أول من صنفه النضر بن شميل، وقيل أبو عبيدة معمر، وبعدهما أبو عبيدة فاستقصى وأجاد، ثم ابن قتيبة ما فات أبا عبيد، ثم الخطابي ما فاتهما فهذه أمهاته، ثم بعدها كتب كثيرة فيها زوائد وفوائد كثيرة، ولا يقلد منها إلا ما كان مصنفوها أئمة جلة، وأجود تفسير ما جاء مفسراً في رواية والله أعلم.
النوع الثالث والثلاثون:
المسلسل
هو ما تتابع رجال إسناده على صفة أو حالة للرواة تارة وللرواية تارة، وصفات الروات أقوال وأفعال وأنواع كثيرة غيرها كمسلسل التشبيك باليد والعد فيها، وكاتفاق أسماء الرواة أو صفاتهم أو نسبتهم كأحاديث رويناها كل رجال دمشقيون، وكمسلسل الفقهاء، وصفاة الرواية كالمسلسل بسمعت، أو بأخبرنا، أو أخبرنا فلان والله، وأفضله ما دل على الاتصال، ومن فوائده زيادة الضبط، وقلما يسلم عن خلل
стр. 65
في التسلسل، وقد ينقطع تسلسله في وسطه كمسلسل أول حديث سمعته على ما هو الصحيح فيه، والله أعلم.
النوع الرابع والثلاثون:
ناسخ الحديث ومنسوخه
هو فن مهم صعب وكان للشافعي رحمة الله فيه يد طولى، وسابقة أولى، وأدخل فيه بعضهم بعض أهل الحديث ما ليس منه لخفاء معناه والمختار أن النسخ رفع الشارع حكما منه متقدماً بحكم منه متأخر، فمنه ما عرف بتصريح رسول الله ﷺ " ككان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار " ومنه ما عرف بالتاريخ، ومنه ماعرف بدلالة الاجماع كحديث قتل شارب الخمر في الرابعة والاجماع لا يَنسَخ ولا يُنسخ لكن يدل على ناسخ والله أعلم.
стр. 66
النوع الخامس والثلاثون:
معرفة المصحف
هو فن جليل إنما يحققه الحذاق، والدارقطني منهم وله فيه تصنيف مفيد ويكون تصحيف لفظ وبصر في الإسناد والمتن فمن الإسناد العوام بن مراجم " بالراء والجيم "، صحفه ابن معين فقال بالزاي والحاء، ومن الثاني حديث زيد بن ثابت: " أن النبي ﷺ احتجر في المسجد " أي اتخذ حجرة من حصير أو نحوه يصلي فيها، صحفه ابن لهيعة فقال: احتجم، وحديث " من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال " صحفه الصولي فقال: شيئا بالمعجمة، ويكون تصحيف سمع كحديث عن عاصم الأحوال، رواه بعضهم فقال: واصل الأحدب،
стр. 67
ويكون في المعنى كقول محمد بن المثنى: نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة صلى إلينا رسول الله ﷺ ، والله أعلم.
النوع السادس والثلاثون:
معرفة مختلف الحديث وحكمه
هذا من أهم الأنواع، ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف، وهو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهراً فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما، وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث، والفقه، والأصوليون الغواصون على المعاني، وصنف فيه الإمام الشافعي، ولم يقصد رحمة الله استيفاء، بل ذكر جملة ينبه بها على طريقه، ثم صنف فيه ابن قتيبة فأتى بأشياء حسنة وأشياء غير حسنة، لكون غيرها أقوى وأولى، وترك معظم المختلف، ومن جمع ما ذكرنا لا يشكل عليه إلا النادر في الأحيان، والمختلف قسمان أحدهما يمكن الجمع بينهما، فيتعين ويجعل العمل بهما، والثاني لا يمكن بوجه، فإن علمنا أحدهما ناسخاً قدمناه، وإلا عملنا بالراجح كالترجيح بصفات الرواة وكثرتهم في خمسين وجهاً، والله أعلم.
стр. 68
النوع السابع والثلاثون:
معرفة المزيد في متصل الأسانيد
مثاله ما روى ابن المبارك قال: حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن يزيد حدثني بسر بن عبيد الله قال: سمعت أبا إدريس قال: سمعت واثلة يقول: سمعت أبا مرثد يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لاتجلسوا على القبور " فذِكر سفيان وأبي إدريس زيادة ووهم، فالوهم في سفيان ممن دون ابن المبارك لأن ثقات رووه عن ابن المبارك عن ابن يزيد، ومنهم من صرح فيه بالاخبار، وفي أبي إدريس من ابن المبارك، لأن ثقات رووه عن ابن يزيد فلم يذكروا أبا إدريس، ومنهم من صرح بسمعاع بسر بن واثلة، وصنف الخطيب في هذا كتاباً في كثير منه نظر، لأن الخالي عن الزائدان كان بحرف عن فينبغي أن يجعل منقطعاً، وإن صرح فيه بسماع أو إخبار احتمل أن يكون سمعه من رجل عنه ثم سمعه منه إلا أن توجد قرينة تدل على الوهم، ويمكن أن يقال الظاهر ممن له هذا أن يذكر السماعين فإذا لم يذكرهما حمل على الزيادة والله أعلم.
النوع الثامن والثلاثون:
المراسيل الخفي إرسالها
هو فن مهم عظيم الفائدة، يدرك بالاتساع في الرواية وجمع الطرق مع المعرفة التامة، وللخطيب فيه كتاب
стр. 69
وهو ما عرف إرساله بعدم اللقاء أو السماع، ومنه ما يحكم بإرساله لمجيئه من وجه آخر بزيادة شخص، وهذا القسم من النوع السابق يتعرض بكل واحد منهما على الآخر، وقد يجاب بنحوه ما تقدم، والله أعلم.
النوع التاسع والثلاثون:
معرفة الصحابة ﵃
وهذا علم كبير، عظيم الفائدة، فيه يعرف المتصل من المرسل، وفيه كتب كثيرة من أحسنها وأكثرها فوائد " الاستيعاب " لابن عبد البر لولا ما شأنه بذكر ما شجر بين الصحابة وحكايته عن الأخباريين، وقد جمع الشيخ عز الدين بن الأثير الجزري في الصحابة كتاباً حسناً جمع فيه كتباً كثيرة وضبط وحقق أشياء حسنة وقد اختصرته بحمد الله تعالى.
فروع
أحدها:
اختلف في حد الصحابي، فالمعروف عند المحدثين أنه كل مسلم رأى رسول الله ﷺ ، وعن أصحاب الأصول أو بعضهم أنه من طالت مجالسته على طريق التبع، وعن سعد بن المسيب أنه لايعد صحابياً إلا من أقام مع رسول الله ﷺ سنة أوسنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين، فإن صح عنه فضعيف، فإن مقتضاه أن لا يعد جرير البجلي وشبهه صحابياً ولا خلاف أنهم صحابة، ثم تعرف صحبته بالتواتر، أو الاستفاضة، أو قول صحابي، أو قول إذا كان عدلاً
الثاني:
الصحابة كلهم عدول، من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يتعد به،
стр. 70
وأكثرهم حديثاً: أبو هريرة، ثم ابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأنس، وعائشة، وأكثرهم فتياً تروى: ابن عباس. وعن مسروق قال: انتهى علم الصحابة إلى ستة: عمر، وعلي، وأبي، وزيد، أبي الدرداء، وابن مسعود. ثم انتهى علم الستة إلى علي، وعبد الله، ومن الصحابة العبادلة، وهم ابن عمر، وابن عباس، ابن الزبير، ابن عمر بن العاص، وليس ابن مسعود منهم، وكذا سائر من يسمى عبد الله، وهم نحو مائتين وعشرين. قال أبو زرعة الرازي: قبض رسول الله ﷺ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفاً من الصحابة ممن روي عنه وسمع منه، واختلف في عدد طبقاتهم، وجعلهم الحاكم اثنتي عشرة طبقة، والله أعلم.
الثالث:
أفضلهم على الاطلاق أبو بكر، ثم عمر بإجماع أهل السنة، ثم عثمان، ثم علي، هذا قول جمهور أهل السنة، وحكى الخطابي عن أهل السنة من الكوفة تقديم علي على عثمان، وبه قال أبو بكر بن خزيمة، قال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجموعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم تمام العشرة ثم أهل بدر، ثم أحد، ثم بيعة الرضوان، وممن لهم مزية أهل العقبتين من الأنصار، والسابقون الأولون، وهم من صلى إلى القبلتين في قول ابن المسيب وطائفة، وفي قول الشعبي أهل بيعة الرضوان، وفي قول محمد بن كعب وعطاء أهل بدر.
الرابع:
قيل أولهم إسلاماً أبو بكر، وقيل علي، وقيل زيد، وقيل خديجة وهو الصواب عند جماعة من المحققين، وادعى الثعلبي فيه الإجماع وأن الخلاف فيمن بعدها، والأورع أن يقال من الرجال الأحرار، أبو بكر، ومن الصبيان علي،
стр. 71
ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال. وآخرهم موتاً أبو الطفيل سنة مائة وآخرهم قبله أنس.
الخامس:
لا يعرف أب وابنه شهداً بدراً إلا مرثد وأبوه، ولا سبعة أخوة مهاجرون إلا بنو مقرن، وسيأتون في الاخوة، ولا أربعة أدركوا النبي ﷺ متوالدون إلا عبد الله بن أسماء، بنت أبي بكر بن قحافة، وإلا أبو عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة ﵃.
النوع الأربعون:
معرفة التابعين ﵃
وهو وما قبله أصلان عظيمان، بهما يعرف المرسل، والمتصل، واحدهم تابعي وتابع، قيل: هو من صحب الصحابي، وقيل من لقيه، وهو الأظهر. قال الحاكم: هم خمس عشر طبقة. الأولى من أدرك العشرة. قيس بن أبي حازم، وابن المسيب، وغيرهما. وغلط في ابن المسيب فإنه ولد في خلافة عمر ولم يسمع أكثر العشرة، وقيل: يصح سماعه من غير سعد، وأما قيس فسمعهم وروى عنهم ولم يشاركه في هذا أحد، وقيل: لم يسمع عبد الرحمن، ويليهم الذين ولدوا في حياة النبي ﷺ من أولاد الصحابة،
стр. 72
ومن التابعين المخضرمون، واحدهم مخضرم " بفتح الراء " وهو الذي أدرك الجاهلية وزمن النبي ﷺ ولم يره وأسلم بعده، وعدهم مسلم عشرين نفساً، وهم أكثر وممن لم يذكره أبو مسلم الخولاني، والأحنف. زمن أكابر التابعين الفقهاء السبعة: ابن المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة وخارجة بن زيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، وجعل ابن المبارك سالم بن عبد الله بدل أبي سلمة، وجعل أبو الزناد بدلهما أبا بكر بن عبد الرحمن وعن أحمد بن حنبل قال: أفضل التابعين ابن المسيب. قيل فعلقمة والأسود، فقال: هو وهما، وعنه: لا أعلم فيهم مثل أبي عثمان النهدي، وقيس. وعنه: أفضلهم قيس، وأبو عثمان، وعلقمة، ومسروق. وقال أبو عبد الله بن خفيف: أهل المدينة يقولون أفضل التابعين ابن المسيب، وأهل الكوفة: أويس، والبصرة: الحسن وقال ابن أبي داود: سيدتا التابعيات حفصة بنت سيرين، وعمرة بنت عبد الرحمن، وتليهما أم الدرداء، وقد عد قوم طبقة في التابعين ولم يلقوا الصحابة، وطبقة هم صحابة فليتفطن لذلك والله أعلم.
النوع الحادي والأربعون:
رواية الأكابر عن الأصاغر
من فائدته أن لا يتوهم أن المروي عنه أكبر وأفضل لكونه الأغلب. ثم هو أقسام. أحدها: أن يكون الراوي أكبر سناً وأقدم طبقة كالزهري عن مالك، وكالأزهري عن الخطيب،
стр. 73
والثاني: أكبر قدراً، كحافظ عالم عن شيخ، كمالك عن عبد الله بن دينار، والثالث أكبر من الوجهين كعبد الغني عن الصوري، وكالبرقاني عن الخطيب ومنه رواية الصحابة عن التابعين كالعبادلة وغيرهم عن كعب الأحبار، ومنه رواية التابعي عن تابعه كالزهري، والأنصاري عن مالك وكعمرو بن شعيب ليس تابعياً، وروى عنه منهم أكثر من عشرين وقيل أكثر من سبعين، والله أعلم.
النوع الثاني والأربعون:
المدبج رواية القرين
القرينان هما المتقاربان في السن والاسناد وربما اكتفى الحاكم بالاسناد، فإن روى كل واحد منهما عن صاحبه كعائشة وأبي هريرة، ومالك، والأوزاعي فهو المدبج، والله أعلم.
النوع الثالث والأربعون:
معرفة الإخوة
هو إحدى معارفهم، أفرده بالتصنيف ابن المديني ثم النسائي، ثم السراج وغيرهم. مثال الأخوة في الصحابة: عمر، وزيد، ابنا الخطاب، وعبد الله وعتبة، ابنا مسعود،
стр. 74
ومن التابعين: عمرو، وأرقم، ابنا شرحبيل، وفي الثلاثة علي، وجعفر، وعقيل بنو أبي طالب. وسهل، وعباد، وعثمان، بنو حنيف وفي غير الصحابة، عمرو، وعمر، وشعيب. بنو شعيب وفي الأربعة: سهيل، وعبد الله، ومحمد، وصالح، بنو أبي صالح. وفي الخمسة: سفيان، وآدم، وعمران، ومحمد، بنو عيينة. حدثوا كلهم، وفي الستة: محمد، وأنس، ويحيى، ومعبد، وحفصة وكريمة، بنو سيرين، وذكر بعضهم خالداً بدل كريمة. وروى محمد عن يحيى عن أنس عن أنس بن مالك حديثاً، وهذه لطيفة غريبة ثلاثة أخوة روى بعضهم عن بعض، وفي السبعة: النعمان، ومعقل، وعقيل، وسويد، وسنان، وعبد الرحمن، وسابع لم يسم، بنو مقرن صحابة مهاجرون لم يشاركهم أحد، وقيل: شهدوا الخندق والله أعلم.
النوع الرابع والأربعون:
رواية الآباء عن الأبناء
للخطيب فيه كتاب فيه عن العباس عن ابنه الفضل أن رسول الله ﷺ جمع بين الصلاتين بالمزدلفة، وعن وائل بن داود عن ابنه بكر عن الزهري حديثاً، وعن معتمر بن سليمان قال: حدثني أبي قال: حدثتني أنت عني عن أيوب عن الحسن قال: ويح كلمة رحمة، وهذا طريف يجمع أنواعاً بينتها في الكبير والله أعلم.
стр. 75
النوع الخامس والأربعون:
رواية الأبناء عن آبائهم
لأبي نصر الوائلي فيه كتاب وأهمه ما لم يسم فيه الأب أو الجد، وهو نوعان: أحدها عن أبيه فحسب، وهو كثير. والثاني: عن أبيه عن جده كعمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبيه عن جده له. هكذا نسخة كبيرة أكثرها فقيهات جياد، واحتج به هكذا أكثر المحدثين حملا لجده على عبد الله دون محمد التابعي. وبهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده له هكذا نسخة حسنة وطلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب، وقيل كعب بن عمرو، ومن أحسنه رواية الخطيب عن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن زيد بن أكينة التميمي قال: سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت علي بن أبي طالب ﵁: يقول: " الحنان الذي يقبل على من أعرض عنه والمنان الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال " والله أعلم.
следующие страницы →