← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 558

بهجة المجالس وأنس المجالس

ابن عبد البر

Полный текст (256 стр.). Показаны 246–256 · переход к 251.

стр. 246

اليوم تعلم ما يجئ به ... ومضى بفصل قضائه أمس وقال أبو العتاهية: الشمس تنعي ساكن الدنيا ... ويسعدها القمر أين الذين عهدتهم ... لهم المهابة والأثر أودوا وصار عليهم ... ركم الجنادل والمدر أفناهم غلس العشا ... ء وهز أجنحة السحر ما للقلوب رقيقةً ... وكأن قلبك من حجر ولقلما تبقى وعو ... دك كل يومٍ يعتصر وقال أبو العتاهية: سبحان ذي الملكوت أية ليلةٍ ... مخضت صبيحتها بيوم الموقف لو أن عيناً أوهمتها نفسها ... يوم الحساب تمثلاً لم تطرف وقال أبو العتاهية أيضاً: أيا عجباً كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد والله في كل تحريكةٍ ... وفي كل تسكينةٍ شاهد وفي كل شيءٍ له آية ... تدل على أنه الواحد وقال آخر: ومنتظرٍ للموت في كل ساعةٍ ... يشيد ويبني دائباً ويحصن له حين تبلوه حقيقة موقنٍ ... وأفعاله أفعال من ليس يوقن عيان كإنكارٍ وكالجهلٍ علمه ... لمذهبه في كل ما يتيقن وقال العطوي: نحن أهل اليقين بالموت والبع ... ث وعرض الأقوال والأعمال ثم لا نرعوي وقد أمهل الل ... هـ بطول الإيقاظ والإمهال أي شيءٍ تركت يا عارفاً ... بالله للممترين والجهال مكتوب في التوراة: البر لا يبلي، والذنب لا ينسى، والمال يفنى، والخير يبقى، والديان حي لا يموت، فكن كما شئت، كما تدين تدان. وجد حجر مكتوب فيه: ما أكلنا نلنا، وما قدمنا وجدنا، وما تركنا ندمنا. وخير من هذا قول ر سول الله ﷺ : " ليس للإنسان من ماله إلا ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأمضى، وغير ذلك فإلى وارثه ". ولأعرابي من بني أسد: يقولون ثمر ما استطعت وإنما ... لوارثه ما ثمر المال كاسبه فكله وأطعمه وجنبه وارثا ... شحيحا ودهراً تعتريك نوائبه وقال آخر: وللمنايا تربى كل مرضعةٍ ... وللخراب يجد الناس عمرانا وقال آخر: فإن يكن الموت أفناهم ... فللموت ما تلد الوالده وقال أبو العتاهية: لدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلكم يصير إلى تباب لمن نبني ونحن إلى ترابٍ ... نصير كما خلقنا للتراب ألا يا موت لم تقبل فداءً ... أتيت فما تحيف ولا تحابي كأنك قد هجمت على مشيبي ... كما هجم المشيب على شبابي وقال آخر: كم من مصيخٍ إلى أوتار مسمعةٍ ... ناحت عليه وقد كانت تغنيه وقال منصور الفقيه: تراوح ما ليس يرضى الإله ... وتغدو عليه وتخشى البلاء كفعل النساء إذا ما أسأن ... فعاتبتهن أطلن البكاء ولو كنت داويت قرح الذنوب ... بترك الذنوب جمعت الدواء وقال عروة بن أذينة: نراع إذا الجنائز قابلتنا ... ويحزننا بكاء الباكيات كروعة ثلةٍ لمغار سبعٍ ... فلما غاب عادت راتعات وقال أبو العتاهية: إذا ما رأيتم ميتين جزعتم ... وإن لم تروا ملتم إلى صبواتها قال علي بن أبي طالب: لا وجع إلا وجع القلوب من الذنوب، ولا شيء أشد من الموت، وكفى بما سلف تفكرا، وكفى بالموت واعظاً. قال عبد الله بن المبارك: رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها وهل بدل الدين غير الملوك ... وأحبار سوءٍ ورهبانها قال أبو العتاهية: مالي أراك بغير نفسك لا أبالك تشتغل خذ للوفاة من الحيا ... ة بحظها قبل الأجل واعلم بأن الموت ... ليس بغافلٍ عمن غفل أين المرازبة الجحا ... جحة البطارقة الأول

стр. 247

وذوو التفاضل في المجا ... لس والترفل في الحلل قال عمر بن عبيد للمنصور: إن الله قد وهب لك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها. كتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز: خف ما خوفك الله يكفك ما خوفك الناس، وخذ مما في يديك لما بين يديك، فعند الموت يأتيك الخبر اليقين. قال الحسن بن أبي الحسن، وقد نظر إلى الناس يلعبون ويضحكون في يوم العيد: إن الله قد جعل شهر رمضان مضمار الخلق، يستبقون فيه لطاعته إلى مرضاته، فالعجب من الضاحك واللاعب في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون، أما والله لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه، ومسيء بإساءته عن تجديد ثوب أو ترجيل شعر. وقال منصور الفقيه: أتلهو وقد ذهب الأطيبان ... وأنذرك الشيب قرب الأجل كأنك لم تر حياً يموت ... ولم تر ميتاً على مغتسل كان بعض الحكماء يقول: لئن كانت الحظوظ بالجدود فما الحرص، وإن كانت الأيام ليست بدائمةٍ فما السرور، وإن كانت الدنيا غرارة فما الطمأنينة. قال أحمد بن زهير: سمعت مصعب بن عبد الله الزبيري يقول: أبو العتاهية أشعر الناس، فقلت: بأي شيءٍ استحق ذلك عندك؟ فقال: بقوله: تعلقت بآمالٍ ... طوالٍ أي آمال وأقبلت على الدنيا ... ملحاً أي إقبال أيا هذا تجهز ل ... فراق الأهل والمال فلابد من الموت ... على حالٍ من الحال ثم قال مصعب: هذا كلام حق لا حشو فيه ولا نقصان، يعرفه العاقل، ويقر به الجاهل. قال عمر بن عبد العزيز: خلقنا لأمر إن كنا نؤمن به إنا لحمقى، وإن كنا تكفر به إنا لهلكي. قال أبو العتاهية: أتطمع أن تخلد لا أبا لك ... أمنت قوى المنية أن تنالك أما والله إن لها رسولا ... أقسم لو أتاك لما أقالك توقع حيث كنت نزول يومٍ ... يشتت بعد جمعهم عيالك كأني بالتراب عليك يحثى ... وبالباكين يقتسمون مالك ولست بحاملٍ منه نقيراً ... ولا متزوداً إلا فعالك قال داود الطائي: من خاف الوعيد قصر عليه البعيد، ومن طال أمله قصر عمله. وقال سابق البربري: أين الملوك التي عن خطبها غفلت ... حتى سقاها بكاس الموت ساقيها نرجو ونأمل أياماً تعد لنا ... سريعو المر تطوينا ونطويها أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودارنا لخراب الدهر نبنيها قال ميمون بن مهران: دخلت على عمر بن عبد العزيز يوماً، وعنده سابق البربري ينشده شعراً، فكان مما حفظت منه: فكم من صحيحٍ بات للموت آمناً ... أتته المنايا بغتةً بعد ما هجع فلم يستطع إذ جاءه الموت بغتةً ... فراراً ولا منه بحيلةٍ امتنع ولا يترك الموت الغنى لماله ... ولا معدماً في المال ذا حاجةٍ يدع وقال مصبح الأسدي: كفى خيبةً بالمرء يا أم مالكٍ ... ركوب المعاصي عامداً واحتقارها وقال محمود الوراق: دب في السقام سفلا وعلوا ... وأراني أموت عضواً فعضوا لهف نفسي على ليال وأيا ... مٍ تمليتهن لعباً ولهوا بليت جدتي بطاعة نفسي ... وتذكرت طاعة الله نضوا ويروى لمنصور الفقيه: إذا لم يكن لك في المحكمات ... وفي الموت ناه عن المنكرات فلا تغدون إلى واعظٍ ... فلست بمنتفع بالعظات وقال أيضاً: من لم تعظه المنايا ... ولم يعظه الكتاب فليس ينجع فيه ... فلا تعن عتاب الحسن بن هانئ، ويروى لأبي العتاهية: وعظتك أجداث صمت ... ونعتك أزمنة خفت وأرتك قبرك في القبو ... ر وأنت حي لم تمت وتكلمت عن أوجهٍ ... تبلي وعن صورٍ شتت وقال محمود الوراق: حياتك أنفاس تعد وكلما ... مضى نفس منها انتقصت به جزءا فتصبح في نقصٍ وتمسى بمثله ... وما لك معقول تحس به رزءا

стр. 248

يميتك ما يحييك في كل ساعةٍ ... ويحدوك حادٍ ما يريد بك الهزءا وقال منصور الفقيه: يا رسوم الجدث المه ... جور قولي لابن سعد لو رأت عيناك عيني ... كيف سالت فوق خدي بعد دفني بثلاثٍ ... ما هناك العيش بعدي وقال آخر: من كان لا يطأ التراب بنعله ... وطئ التراب بصفحة الخد من كان بينك في التراب وبينه ... شبران فهو بغاية البعد لو كشفت للناس أغطية الثرى ... لم يعرف المولى من العبد خرج النعمان بن المنذر يتنزه بظاهر الحيرة ومعه عدي بن زيد العبادي، فمرا على المقابر فقال له عدي: أبيت اللعن! أتدري ما تقول هذه المقابر؟ قال: لا. قال: فإنها تقول: من رآنا فليحدث نفسه ... أنه موفٍ على قرن الزوال وصروف الدهر لا تبقى لها ... ولما تأتي به صم الجبال رب ركبٍ قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال والأباريق عليها فدم ... وجياد الخيل تردي في الجلال عمروا الدهر بعيشٍ حسنٍ ... آمني دهرهم غير عجال ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالاً بعد حال كان عمر بن الخطاب يتمثل: لا شيء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويودي المال والولد لم تغن عن هرمزٍ يوماً خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا ولا سليمان إذ تجري الرياح له ... والإنس والجن فيما بينها ترد أين الملوك التي كانت لعزتها ... من كل أوبٍ إليها وافد يفد حوض هنالك مورود بلا كذبٍ ... لابد من ورده يوماً كما وردوا وقال آخر: وإذا مضت للمرء من أعوامه ... خمسون وهو إلى التقى لم يجنح عقدت عليه النابحات وقلن قد ... أرضيتنا فأقم كذا لا تبرح وإذا رأى الشيطان غرة وجهه ... حياً، وقال: فديت من لم يفلح نظر مالك من ملوك الفرس يوماً إلى ملكه فأعجبه، فقال: إن هذا لهو الملك لو لم يكن بعده هلك، وإنه لسرور لولا أنه غرور، وإنه ليوم، لو كان يوثق له بغد. قال مالك بن أنس: سكن القبور رجل مجاوراً لها ملازماً، فعوتب في ذلك، فقال: إنهم جيران صدق لا يؤذونني، ولي فيهم عبرة. قال ابن المعتز: وجيران صدق لا تزاور بينهم ... على قرب بعض في التجاور من بعض كأن خواتيماً من الطين فوقهم ... فليس لها حتى القيامة من فض وقال الخليل بن أحمد: كن كيف شئت فقصرك الموت ... لا مزحل عنه ولا فوت بينا غنى بيتٍ وبهجته ... زال الغنى وتقوض البيت وقال آخر: اسمع فقد أسمعك الصوت ... إن لم تبادر فهو الفوت كل كل ما شئت وعش ناعماً ... آخر هذا كله الموت وقال آخر: إذا ما وعظت الجاهلين بحكمةٍ ... فلم يعرفوها أنزلوها على هجر فعظ كل ذي عقلٍ على قدر عقله ... ولا تعظ الحمقى على ذلك القدر باب العمل قال ر سول الله ﷺ : " اعملوا، وخير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ". وقال ﵇: " لا تعمل شيئاً رياءً ولا تتركه حياء ". قال أبو ذر: قلت يا رسول الله! الرجل يعمل العمل لنفسه ويحبه الناس عليه؟ قال: " ذلك عاجل بشري المؤمن ". قال أبو الدرداء: اعملوا ما شئتم أن تعملوا، فإنه لن يأجركم الله حتى تعملوا. قال القاسم بن محمد: أدركت الناس وما يعجبهم القول، إنما يعجبهم العمل. قيل لمحمد بن المنكدر: أي الأعمال أفضل؟ قال: إدخال السرور على المؤمن. قال بعض العلماء: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس، ويشهد لهذا قوله ﷺ : " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء عند المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط ". لما قدم عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون من العراق، وسئل عن أهلها، قال:

стр. 249

بها ما شئت من رجلٍ نبيلٍ ... ولكن الوفاء بها قليل يقول فلا ترى إلا جميلا ... ولكن ليس يفعل ما يقول وقال دعبل: ولي صاحب أسترزق الله قوته ... خفيف عليه قول ما ليس يفعل قيل لسفيان الثوري: ما العمل الصالح؟ قال: مالا تحب أن يحمدك عليه أحد. قال رجل لرسول الله ﷺ : دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. قال: " ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس ". قال المأمون: نحن إلى أن نوعظ بالأعمال، أحوج منا إلى أن نوعظ بالأقوال. كان أبو معاوية الأسود يقول: الله أكرم من أن ينعم بنعمةٍ إلا يتمها، ويستعمل بعمل إلا يقبله. قال بعض الحكماء: لو ثقل الكلام على الواعظين كما ثقل على العاملين، قل كلامهم. قال ابن السماك: قليل من توفيق، أحب إلى من كثير من عمل. كان يقال: العمل قرين لا يستطاع فراقه، فمن استطاع أن يكون قرينه صالحا فليعمل، فإنه لا يصحبه في آخرته غير عمله. قال الشاعر: الموت داء لا دواء له ... إلا التقى والعمل الصالح رأى أعرابي جنازة حمزة الزيات وقد حشد لها الناس، فقال: ما رأيت أرفع لخساسة من عمل صالح. قال عمرو بن العاص: اعمل لدنياك عمل من يعيش أبداً، واعمل لآخرتك عمل من يموت غداً. كان يقال: اعمل وأنت مشفق، ودع العمل وأنت تحبه. قيل لرابعة القيسية: هل عملت عملاً ترين أنه يقبل منك؟ قالت: إن كان فمخافة أن يرد علي. قال أبو بكر المزني: رحم الله من كان قوياً فأعمل قوته في طاعة، أو كان ضعيفاً فكف عن معصية الله. كان أبو حنيفة رحمة الله يتمثل: كفى حزناً ألا حياة هنيةً ... ولا عمل يرضى به الله صالح وقال آخر: يا أيها الناس كان لي أمل ... أعجلني من بلوغه الأجل فليتق الله ربه رجل ... أمكنه في حياته العمل وقال محمود الوراق: لقد رأيت الصغير من عمل الخي ... ر ثواباً عجبت من كبره حذ وقد رأيت الحقير من عمل الشر ... جزاء أشفقت من خدره وقال أيضاً: قطع الدهر بأسباب العلل ... وأعار السهو أيام الأجل ألف اللذة حتى اعتادها ... واشتهى الراحة واستوطا الكسل فهو الدهر يقضي أملاً ... ولعل الموت في طى الأمل يحسن القول إذ قال ولا ... يتحرى حسناً فيما فعل صير القول بجهلٍ عملاً ... ثم أجراه على مجرى العمل ليته كان كما قال ولا ... يقطع الأيام إلا بالجدل باب مختصر من التعازي في المصائب والصبر على النوائب روى عن النبي ﵇، من حديث ابن عمر، أنه قال: " من كنوز البر كتمان المصائب ". قال ر سول الله ﷺ : " ليعز المسلمين في مصائبهم المصيبة بي ". وفي حديث آخر: " من عظمت مصيبته فليذكر مصيبتي، فإنها ستهون عليه مصيبته ". كان أبو بكر الصديق رضى الله عنه إذا عزى قوماً، قال: ليس مع العزاء مصيبة، وليس مع الجزع فائدة، والموت أشد مما قبله، وأهون مما بعده، اذكروا فقد ر سول الله ﷺ تسهل عليكم مصيبتكم. قال أبو العتاهية: اصبر لكل مصيبةٍ وتجلد ... واعلم بأن المرء غير مخلد أو ما ترى أن المصائب جمة ... وترى المنية للعباد بمرصد من لم يصب ممن ترى بمصيبةٍ؟ ... هذا قبيل لست فيه بأوحد وإذا أتتك مصيبة تشجي بها ... فاذكر مصابك بالنبي محمد وقال منصور الفقيه: ألا أيها النفس السئوم تنبهي ... وألقى إلى السمع إلقاء حازمه ضلال لأذهان وظن مكذب ... رجاؤك أن تبقى على الدهر سالمه وقد غص بالكأس الكريهة أحمد ... ومات فمات الحق إلا معالمه عليه سلام الله ما فصل الندى ... وصدق ذو الشح المطاع لوائمه قال رسول الله ﷺ : " تنزل المعونة على قدر المئونة، وينزل الصبر على قدر المصيبة ".

стр. 250

وقال ﵇: " إنما الصبر عند الصدمة الأولى ". وقال ﵇: " ثلاث من رزقهن فقد رزق خير الدنيا والآخرة؛ الدعاء في الرخاء، والرضا بالقضاء، والصبر عند البلاء ". قال علي رضى الله عنه: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له. قال محمد بن علي بن الحسين: الصبر صبران؛ فصبر عند المصيبة حسن جميل، والصبر عما حرم الله أفضل. مات ابن لداود ﵇، فجزع عليه جزعاً شديداً، فأوحى الله إليه: أتفرح إذ جعلته فتنة، وتجزع إذ جعلته صلاة ورحمة. مات ابن لخالد بن عبد الله القسري، فقامت الخطباء تعزيه فأطنبت، فقام دهقان فقال: أيها الأمير! إن رأيت أن تقدم ما أخرت من الصبر، وتؤخر ما قدمت من الجزع فافعل. فلم يحفظ إلا كلامه. مات ابن لعمر بن عبد العزيز، فكتب إليه بعض إخوانه يعزيه عنه، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإن هذا أمر كنا نعرفه، فلما وقع لم ننكره، والسلام. عزى ابن عباس عمر عن ابن له، فقال له: عوضك الله منه ما عوضه منك. عزى عبد الله بن عباس عبد الله بن جعفر، فقال: لا أعدمك الله الأجر على الرزية، ولا الخلف من الفقيد، وثقل به ميزانك. قال العتبي: كل حزن يبلي على قدم الدهر ... وحزني يجده الأبد فجعت باثنين ليس بينهما ... إلا ليالٍ ليست لها عدد ما عالج الحزن والحرارة في الأح ... شاء من لم يمت له ولد قال سهم بن عبد الحميد: شهدت يونس بن عبيد وقد عزاه عمرو بن عبيد على ابنٍ له هلك، فقال: إن أباك كان أصلك، وإن ابنك كان فرعك، وإن امرءاً ذهب أصله وفرعه لحرى أن يقل بقاؤه. قال عمر بن عبد العزيز: ما أحسن تعزية أهل اليمن، فكانت تعزيتهم: لا يحزنكم الله ولا يفتنكم، وأثابكم ما أثاب المتقين، وأوجب لكم الصلاة والرحمة. عزت امرأة المنصور عن أخيه أبي العباس، فقالت: أعظم الله أجرك، فلا مصيبة أعظم من مصيبتك، وبارك الله لك فيما أتاك، فلا عوض أحسن من خلافتك. كتب بعض العلماء إلى المنصور يعزيه: أما بعد، يا أمير المؤمنين، فإن أحق الناس بالرضا والتسليم لأمر الله من كان إماماً بعد الله، ولم يكن له إمام إلا الله. عزى الزبير عبد الرحمن بن عوف عن بعض نسائه فقام على قبرها، فقال: لا اصفر الله ربعك، ولا أوحش بيتك، ولا أضاع أجرك، رحم الله متوفاك، وأحسن الخلافة عليك. مات لرجل بنون فترك كلام الناس حيناً ثم انبسط وضحك، فقيل له في ذلك، فقال: كان قرحاً فبرأ. قال حذيفة: إن الله لم يخلق شيئاً قط إلا صغيراً ثم يكبر، إلا المصيبة فإنه خلقها كبيرةً ثم تصغر. قال الطائي: ومهما يدم فالوجد ليس بدائم وقال آخر: وكما تبلى وجوه في الثرى ... فكذا يبلى عليهن الحزن خرجت امرأة من العرب تريد المقابر حتى جلست على قبر ابنها، فقالت بصوتٍ لها ضعيف: هذا والله المنزل الحق، والوعد الصدق، والوعيد الشديد، والمسكن الذي ليس لأهل الدنيا عنه محيد، هذا والله المفرق بين الأحباب، والمقرب من الحساب، وبه يعرف الفريقان منازلهم، أهل السعادة وأهل الشقاء، لا أقول هجراً، ولكني أحتسب على الله مصابي بك يا بني، ففسح الله لك في ضريحك، وجمع بينك وبين نبيك، أما إني أقول علمي بك، كنت - والله عليم بباطنك - جواداً، إن أتيت أتيت رشاداً، وإن اعتمدت وجدت عماداً. ثم أنشأت تقول: يا ليت شعري كيف غيرك الردى ... أم كيف صار جمال وجهك في الثرى لله درك أي كهلٍ غيبوا ... تحت الجنادل لا يحس ولا يرى لباً وحلماً بعد حزمٍ زانه ... بأس وجود حين يطرق للقرى لما نقلت إلى المقابر والبلى ... دنت الهموم فغاب عن عيني الكرى قال: ثم لم تزل تبكي وتشهق وتضرب على قرنيها حتى ماتت. كان خالد بن برمك يقول: التعزية بعد ثلاث تجديد للمصيبة، والتهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودة.

стр. 251

دخل عبد الله بن عمر بن عتبة على المهدي يعزيه بالمنصور، فقال: آجر الله أمير المؤمنين على أمير المؤمنين، وبارك له فيما خلفه فيه، فلا مصيبة أعظم من المصيبة بإمام، ولا عقبي أفضل من خلافة الله على أمة نبيه ﵇، فاقبل يا أمير المؤمنين من الله أفضل العطية، واحتسب عنده أفضل الرزية. قال عبد الصمد بن المعذل، أو صالح بن عبد القدوس: إن يكن ما به أصبت جليلا ... فذهاب العزاء فيه أجل وقال محمود الوراق: تعز بحسن الصبر عن كل هالك ... ففي الصبر مسلاة الهموم اللوازم إذا أنت لم تسل اصطباراً وحسبة ... سلوت على الأيام مثل البهائم وليس يذود النفس عن شهواتها ... من الناس إلا كل ماضي العزائم وقال أيضاً: يمثل ذو العقل في نفسه ... مصائبه قبل أن تنزلا فإن نزلت لم تكن بغتة ... لما كان في نفسه مثلا رأى الهم يفضي إلى آخرٍ ... فصير آخره أولا وذو الجهل يأمن أيامه ... وينسى مصارع من قد خلا فإن بدهته صروف الزمان ... ببعض مصائبه أعولا ولو قدم الحزم في رأيه ... لعلمه الصبر عند البلا وقال أبو تمام الطائي: أتصبر في البلوى عزاءً وحسبةً ... فتؤجر أم تسلو سلو البهائم كتب رجل إلى صديق: أما بعد، فإن الصبر سجية المؤمن، وعزيمة المتوكل، وسبب درك النجح في الحوائج، وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب: أصيب الأحنف بمصيبةٍ فلم يجزع لها، فقيل له: إنك لصبور! فقال: الجزع شر الحالين، يباعد المطلوب، ويورث الحسرة، ويوقع على صاحبه العار. وقيل لامرأة أصيبت بولدها: كيف أنت والجزع؟ فقالت: لو رأيت فيه دركاً ما اخترت عليه، ولو دام لي لدمت عليه. جزع أعرابي على موت ابنه؟ فليم على ذلك، فقال: أعلى قدر الله أتجلد؟ والله للجزع من قدر الله أحب إلي، لأن الجزع استكانة، والصبر قساوة. سئل محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن الرجل المسلم تموت له أم نصرانية كيف يعزى فيها؟ فقال: تقول: الحمد الله على ما قضى، قد كنا نحب أن تموت على الإسلام ويسرك الله بذلك. وسئل أيضاً عن الجار النصراني يموت وله ولي من النصارى، كيف نعزيه؟ قال: تقول: إن الله كتب الموت على خلقه، والموت حتم على الخلق كلهم. عزى أعرابي عمر بن عبد العزيز في ابنه، فقال: تعز أمير المؤمنين فإنه ... لما قد ترى يغذى الصغير ويولد لما قطعت رجل عروة بن الزبير تمثل بأبيات معن بن أوس: لعمرك ما أهديت كفى لريبة ... ولا حملتني فوق فاحشةٍ رجلي ولا قادني سمعي ولا بصري لها ... ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي وأعلم أني لم تصبني مصيبة ... من الدهر إلا قد أصابت فتىً قبلي قدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك حين دويت رجله، فقيل له: اقطعها. فقال: إني لأكره أن أقطع مني طائفة، فارتفعت إلى الركبة، فقيل: إن وقعت في ركبتك قتلنك فقطعها، فلم يقبض وجهه ولا تأوه. ويقال: إنه لم يترك حزبه في تلك الليلة. وقيل له قبل أن يقطعها: نسقيك دواءً لا تجد لها ألما؟ قال: ما يسرني أن هذا الحائط وقاني أذاها. فلما كان بعد أيام قام ابنه محمد بن عروة ليلا فسقط من أحد الأسطح في اصطبل دواب الوليد، فضربته بقوائمها حتى قتلته. فأتى رجل عروة يعزيه، فقال له عروة: إن كنت جئت تعزي برجلي فقد احتسبتها. فقال: بل أعزيك في محمد ابنك. قال: وماله؟ فخبره بشأنه، فقال: وكنت إذا الأيام أحدثن نكبة ... أقول شوى، ما لم يصبن صميمي اللهم أخذت عضواً وتركت أعضاء، وأخذت ابناً وتركت أبناء، ولئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن كنت ابتليت لقد عافيت. ولما قدم المدينة نزل قصره بالعقيق، فأتاه محمد بن المنكدر، فقال له: كيف كنت؟ قال: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا. وجاءه عيسى بن طلحة، فقال لبعض بنيه: اكشف لعمك عن رجلي ينظر إليها، ففعل. فقال عيسى بن طلحة: أما والله يا أبا عبد الله ما أعددناك للصراع ولا للسباق، ولقد أبقى الله لنا ما كنا نحتاج إليه منك، رأيك وعلمك، فقال عروة: ما عزاني أحد عن رجلي مثلك.

стр. 252

قال سهل بن هارون: التهنئة على آجل الثواب أولى من التعرية على عاجل المصيبة. قال عيينة بن حصن الفزاري، وقد قدم من سفر، وقد أصابه مصيبة، فأتاه قومه فقال لهم: اجعلوا لقاءكم سلاماً، ولا يأتي أحدكم معزياً، فإن التعزية تهيج التذكرة، ومن أراد أن يدعو بخير في الرزية فليظهر العتب. أصيب محمود الوراق بجارية يقال لها نشوى، كان علمها وخرجها وأعطى فيها مالا كثيراً فأبى، فأتى بعض إخوانه يعزيه عنها، وهو عنده أنه شامت، فجعل يعذله على ما كان يحمل إليه من ثمنها ويذكر حاله، ويطنب في وصفها، فأنشأ محمود يقول: ومنتصح يكرر ذكر نشوى ... على عمدٍ ليبعث لي اكتئابا فقلت وعد ما كانت تساوي سيحسب ذاك من خلق الحسابا عطيته إذا أعطى سرور ... وإن أخذ الذي أعطى أثابا فأي النعمتين أعم فضلا ... وأحمد في عواقبها إيابا أنعمته التي أهدت سروراً ... أم الأخرى التي أهدت ثوابا بل الأخرى وإن نزلت بكرهٍ ... أحق بشكر من صبر احتسابا وقال محمود أيضاً في نشوى: لعمري لئن غال صرف الزمان ... نشوى لقد غال نفساً حبيبه ولكن علمي بما في الثواب ... عند المصيبة ينسى المصيبة روى يحيى القطان، عن خالد بن أبي عثمان، قال: أتاني سعيد بن جبير يعزيني عن أبي، فرآني مستكيناً، فقال لي: أما علمت أن الاستكانة من الجزع. كان علي ﵀ إذا عزى قوماً قال: عليكم بالصبر؛ فبه يأخذ الحازم، وإليه منصرف الجازع. ولما دفن علي فاطمة رضى الله عنهما تمثل على قبرها بهذين البيتين: لكل اجتماع من خليلين فرقة ... وكل الذي دون الممات قليل وإن افتقادي واحداً بعد واحدٍ ... دليل على ألا يدوم خليل يقال: إنها له، وقال ابن الأعرابي: هي أبيات لسقران السلاماني. كان يقال: جزعك على مصيبة أخيك أحمد من صبرك، وصبرك على مصيبتك أحمد من جزعك. ومن أبيات لضابئ بن الحارث البرجمي: ولا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب عزى رجل رجلاً فقال: لا أراك الله بعد مصيبتك ما ينسيكها. قال بعض تميم: لقد عزى ربيعة أن يوماً ... عليها مثل يومك لا يعود ومن عجبٍ قصدن له المنايا ... على عمدٍ، وهن له جنود أخذه يعقوب بن الربيع في رثائه جاريته، فقال: لئن كان قربك لي نافعاً ... لبعدك أصبح لي أنفعا لأني أمنت رزايا الدهور ... وإن جل خطب فلن أجزعا وقال محمود الوراق: لا تطل الحزن على فائتٍ ... فقلما يجدي عليك الحزن سيان محزون لما قد مضى ... ومظهر حزنٍ لما لم يكن وقال أخو ذي الرمة: تعزيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاءً وجفن العين ملآن مترع ولم تنسني أوفى المصائب بعده ... ولكن نكء القرح بالقرح أوجع وقال آخر: أترجو البقاء وهذا محال ... ولله البقاء فلو كان للفضل يبقى كريم ... لما مات من خلقه الأنبياء تموت النفوس وتبقى الشخوص ... وعند الحساب يكون الجزاء دخل أبو العتاهية على الفضل بن الربيع يعريه بابنه العباس، فقال: الحمد الله الذي جعلنا نعريك عنه، ولم يجعلنا نعزيه عنك. فدعا الفضل بالطعام فأكل، وقد كان قبل ذلك امتنع من الأكل. ومن أحسن ما قيل في رثاء البنين قول العتبي: ألا يزجر الدهر عنا المنونا ... يبقى البنات ويفنى البنينا وأخنى على بلا رحمةٍ ... فلم يبق لي فوق جفنٍ جفونا وكنت أبا صبية كالبدور ... أفقي بهم أعين الكاشحينا فمروا على حادثات الزمان ... كمر الدراهم بالناقدينا وما زال ذلك دأب الزمان ... حتى أماتهم أجمعينا وحتى بكى لي حسادهم ... وقد أقرحوا بالدموع العيونا وحسبك من حادثٍ بامرئٍ ... ترى حاسديه له راحمينا

стр. 253

رأيت بني على ظهرها ... فصاروا إلى بطنها ينقلونا فمن كان يسليه مر الزمان ... فحرني تجدده لي السنونا ومما يسكن وجدي بهم ... بأن المنون ستلقى المنونا وقال آخر: فإن تصبرا فالصبر خير مغبةٍ ... وإن تجرعا فالأمر ما تريان قال يونس بن حبيب: أشعر بيت قالته العرب، قول دريد بن الصمة: قليل التشكي للمصيبات ذاكر ... من اليوم أعقاب الأحاديث من غد وقال آخر: وما كثرة الشكوى بأمرٍ حزامة ... ولا بد من شكوى إذا لم يكن حرم وقال منصور الفقيه: ماذا جنته الليالي ... فيما جلبن إلينا وفي كل يوم نعزى ... فيمن يعز علينا وقال آخر: غز امرؤ منته نف ... س أن تدوم له السلامه هيهات أعيا الأولي ... ن دواء دائك يا دعامه عرى رجل رجلاً ماتت امرأته من نفاسها، فقال: أعظم الله أجرك فيما أباد، وبارك لك فيما أفاد. قال جرير: وأهون مفقودٍ إذا الموت غاله ... على المرء من أحبابه من تقنعا وقال آخر: ولم أر نعمةً شملت كريماً ... كنعمة عورةٍ سترت بقبر وقد مضى من هذا المعنى ذكر في باب الولد. ومن شعر جرير في رثاء امرأته: لن يلبث القرناء أن يتفرقوا ... ليل يكر عليهم ونهار صلى الملائكة الذين تخيروا ... والطيبون عليك والأبرار قال عمر بن الخطاب: أفضل الصبر التصبر. قال يونس بن عبيد: لو أمرنا بالجزع لصبرنا. قال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: اصبر إذا عضك الزمان، ومن أصبر عند الزمان. وقال محمود الوراق: أئن فات ما كنت أملته ... جزعت وماذا يرد الجزع ففوض إلى الله كل الأمور ... فليس يكون سوى ما صنع ولا يخدعنك صرف الرمان ... فإن الرمان كثير الخدع وقال آخر: إذا ضيقت أمراً زاد ضيقاً ... وإن هونت ما قد عز هانا فلا تهلك لشيءٍ فات حرناً ... فكم أمرٍ تصعب ثم لانا وقال آخر: فإذا أتتك مصيبة فاصبر لها ... عظمت مصيبة مبتلىّ لا يصبر وأنشد ابن عائشة: يعزى المعزى ساعةً ثم ينقضى ... ونفس المعزى في أحر من الجمر لأن المعزى إلفه في مكانه ... وإلف المعزى في ضريحٍ من القبر وأنشد ابن عائشة أيضاً: خليلي إني للثريا لحاسد ... وإني على صرف الزمان لواجد أيجمع منها شملها وهي سبعة ... وأفقد من أحببته وهو واحد وقال ربيعة الرقي: أليس الزمان كما قد علمت ... فمالك تجزع من صرفه وعندك علم به ثاقب ... وعين تدل على وصفه وأيامه دول والنفوس ... رهون الحوادث من حتفه فأين المعافى من النائبات ... ومن صاحب الدهر لم يعفه ومن صاحب الدهر لاقى الذي ... يخاف على الرغم من أنفه فكن حازم الرأي واصبر له ... فللحر صبر على ضعفه وقال أبو العتاهية: ليس لمن ليست له حيلة ... موجودة خير من الصبر وقال آخر: رمن لم يسلم للنوائب أصبحت ... خلائقه طراً عليه نوائبا وقال آخر: لعمرك ما يدري الفتى كيف يتقى ... نوائب هذا الدهر أم كيف يحذر يرى الشيء مما يتقى فيخافه ... وما لا يرى مما يقي الله أكثر وقال أبو العتاهية: حيلة من ليست له حيلة ... حسن عزاء النفس بالصبر لضابئ بن الحارث البرجمي: وما عاجلات الطير تدنى من الفتى ... رشاداً ولا عن ريثهن يخيب ورب أمور لا تضيرك ضيرةً ... وللقلب من مخشاتهن وجيب ولا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب وفي الشك تفريط وفي الحزم قوة ... ويخطىء في الظن الفتى ويصيب وقال آخر: كم نعمةٍ مطويةٍ ... لك بين أثواب النوائب

стр. 254

ومسرةٍ قد أقبلت ... من حيث تنتظر المصائب وقال آخر: كم نعمةٍ لا يستقل بشكرها ... لله في طى المكاره كامنه باب من كلام المحتضرين روى وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله البهمي مولى الزبير، عن عائشة رحمها الله، قالت: لما احتضر أبو بكر قالت: لعمرك ما يغنى الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر فقال: يا بنية! لا تقولي هكذا، ولكن قولي: " وجاءت سكرة الحق بالموت، ذلك ما كنت منه تحيد ". وكذلك كان يقرأها فيما زعموا. ثم قال: انظروا إلى ثوبي هذين، فاغسلوهما وكفنوني فيهما، فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت. وقد روى من وجوه في هذا الخبر أن أبا بكر ﵀ قال لها: قولي: " وجاءت سكرة الموت بالحق " على ما في مصحف عثمان. قيل لبعض الصالحين - وهو يجود بنفسه -: كيف تجدك؟ وكيف حالك؟ فقال: كيف حال من يريد سفراً بعيداً بلا زاد، ويدخل قبراً موحشاً بلا مؤنس، وينطلق إلى رب ملك بلا حجة. لما احتضر عمر بن الخطاب بكي، فكلمه ابن عباس أو غيره بكلام فيه ثناء عليه، فقال: المغرور من غررتموه، ليت أمي لم تلدني. ثم أوصى بوصايا حسان. لما احتضر معاوية، قيل له: قل: لا إله إلا الله، فضعف عنها حتى كررت عليه ثلاثاً، كل ذلك لا يقدر يقولها، ثم قال في آخر ذلك: أولست من أهلها؟!. وفي خبر آخر: أن معاوية لما احتضر، قال لابنه: يا بني! كنت مع رسول الله ﷺ ، وإني أخذت من شعره بمشقص، وهو عندي في موضع كذا، فإذا أنا مت فخذوا ذلك الشعر واحشوا فمي ومنخري، ثم قال: إن تناقش يكن نقاشك يا رب ... عذاباً لا حاق لي بالعذاب أو تجاوز وأنت رب رحيم ... عن مسىءٍ ذنوبه كالتراب ثم أغمى عليه، ثم أفاق فقال: فهل من خالدٍ إما هلكنا ... وهل بالموت يا للناس عار ثم قال لأهله الذين حضروا: اتقوا الله؛ فإن الله يقى من اتقاه. ثم قضى. وفي خبر آخر: أن معاوية لما حضرته الوفاة احتوشه أهله، فجعلوا يقبلوا به. فقال: إنكم لتقبلون حولاً قلبا إن نجا من النار. ثم قال: لا يدفع ريب المنية الحيل. وفي خبر آخر: أنه لما احتضر معاوية، رفع يديه؛ وهو يجود بنفسه، وقال متمثلا: هو الموت لا منجى من الموت والذي ... أحاذر بعد الموت أدهى وأفظع ثم قال: اللهم أقل العثرة، واعف عن الزلة، وجد بحلمك على من لا يرجو غيرك، ولا يثق إلا بك، فإنك واسع الرحمة، نعفو بقدرة، وما وراءك مذهب لذي خطيئة موبقة، يا أرحم الراحمين. وفي خبرٍ آخر عن سعيد بن المسيب، قال: لما احتضر معاوية قال: أقعدوني. فأقعد. فجعل يذكر الله، وقال: يا رب! ارحم الشيخ العاصي ذا القلب القاسي، وعزتك إن لم تغفر لي فقد هلكت، ثم غشى عليه فبكى أهله، ثم أفاق، فأنشأ يقول متمثلاً: لعمري لقد عمرت في الملك برهةً ... ودنت لي الدنيا بوقع البواتر وأضحى الذي قد كان منى يسرني ... كلمحٍ مضى في السالفات الغوابر فاليتني لم أغن في الملك ساعةً ... ولم أغن في لذات عيشٍ نواضر وكنت كذي طمرين عاش ببلغةٍ ... من الدهر حتى زار ضيق المقابر ثم مات ﵀: لما احتضر عمرو بن العاص قال: اللهم أمرتني فلم ائتمر، وزجرتني فلم أزدجر، ووضع يده في موضع الغل، فقال: اللهم لا قوى فأنتصر، ولا برئ فأعتذر، ولا مستكبر بل مستغفر، لا إله إلا أنت. فلم يزل يرددها حتى مات. ﵀. وفي خبر آخر، قيل لعمرو بن العاص في مرضه الذي مات فيه: كيف تجدك؟ قال: أجدني أذوب ولا أثوب. فلما قربت نفسه من أن تفيض قال له ابنه: قد كنت تحب أن ترى عاقلاً فطناً قد احتضر؛ فتسأله عما يجد المحتضر وقد احتضرت، وأنا أحب أن تصف لي الموت. فقال: أجد كأن المساء منطبقة على الأرض، وكأني أتنفس من خرم إبرة. لما نزل بهشام بن عبد الملك الموت، نظر إلى ولده يبكون حوله، فقال لهم: جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم له بالبكاء، وترك لكم ما جمع، وتركتم عليه ما اكتسب، ما أعظم منقلبه إن لم يغفر الله له.

стр. 255

وقال معمر المتكلم صاحب المعاني: حضرت الوفاة رجلاً كان معي في الحبس، وكان داؤه البطن، فقلت له: كيف تجدك؟ قال: أجد تحرري أكثر من تبردي، وأجد روحي قد خرج من نصفي الأسفل، وكأن السماء قد دنت مني فلو شئت أن ألمسها بيدي لفعلت، ومهما شككت في شيءٍ فلا تشك أن الموت برد ويبس، وأن الحياة رطوبة وحرارة. ليعقوب بن الربيع يرثي جاريته: حتى إذا فتر اللسان وأصبحت ... للموت قد ذبلت ذبول النرجس وتسهلت منها محاسن وجهها ... وغدا الأنين تحثه بتنفسٍ رجع اليقين مطامعي يأساً كما ... رجع اليقين مطامع المتلمسٍ لما احتضر سعيد بن المسيب، وجه إلى القبلة، فقال: ما هذا؟ فقالوا: وجهناك إلى القبلة. فقال: أولست على القبلة؛ أليس وجهي إلى الله حيث كان. قال عطاء بن يسار: تبدي إبليس لرجل عند موته، فقال: نجوت قال ما أمنتك بعد. لما احتضر عمرو بن عبيد، قال: جاءني الموت ولم أتأهب له، اللهم إنك تعلم أنه لم يسنح لي أمران لك في أحدهما رضى، ولي في الآخرة هوىً، إلا اخترت رضاك على هواي، اللهم فاغفر لي. قيل لبعضهم، وقد احتضر: أي شيءٍ تشتكي؟ قال: تمام العدة، وانقضاء المدة. قيل لأعرابي في مرضه: ما الذي تجدٍ؟ قال: أجد مالا أشتهي، وأشتهي مالا أجد. قال: لما احتضر الحجاج قال: والله لئن كنت على سبيل هدىً فليس حين جزع، وإن كنت على سبيل ضلالة فليس حين فزع. قال عبد الأعلى بن حماد البرقي: دخلت على بشر بن منصور، وهو في الموت: فرأيته مستبشراً، فقلت له: ما هذا السرور؟ قال: أخرج من بين الحاسدين والباغين والمغتابين، وأقدم على رب العالمين، ولا أفرح. لما مرض أمية بن أبي الصلت - اسم أبي الصلت عبد الله بن أبي ربيعة بن عوف من ثقيف - مرضه الذي مات فيه، جعل يقول: قد دنا أجلي، وهذه المرضة منيتي، وأنا أعلم أن الحنيفية حق، ولكن الشك يداخلني في محمد، فلما دنت وفاته أغمى عليه قليلاً، ثم أفاق وهو يقول: لبيكما لبيكما، هأنذا لديكما. لا مال فيقذيني ولا عشيرة فتنجيني. ثم أغمى عليه أيضاً بعد ساعة حتى ظن من حضر من أهله أنه قد مضى، ثم أفاق وهو يقول: لبيكما لبيكما، هأنذا لديكما، لا برئ فأعتذر، ولا قوى فأنتصر. ثم إنه بقى يحدث من حضره ساعة، ثم أغمى عليه مثل المرتين الأوليين، حتى يئسوا من حياته، وأفاق وهو يقول: لبيكما لبيكما، هأنذا لديكما محفوف بالنعم، محفوظ من الريب: إن تغفر الله تغفر جما ... وأي عبدٍ لك لا ألما ثم أقبل على القوم، فقال: قد جاء وقتي، فكونوا في أهبتي، وحدثهم قليلا، ثم يئس القوم من موته، وأنشأ يقول: كل عيشٍ وإن تطاول دهراً ... قصره مرةً إلى أن يزولا ليتني كنت قبل ما إن بدا لي ... في رؤوس الجبال أرعى الوعولا اجعل الموت نصب عينيك واحذر ... غولة الدهر إن للدهر غولا ثم قضى نحبه، ولم يؤمن بالنبي ﵇. لما احتضر سيبويه، جعل رأسه في حجر أخيه، فقطرت قطرة من دموع أخيه على وجهه، فأفاق من غشيته، وقال: أخيين كنا فرق الدهر بيننا ... إلى المنزل الأقصى ومن يأمن الدهرا قال محمد بن إبراهيم الكاتب، دخلنا على أبي نواس نعوده في مرضه الذي مات فيه، ومعنا صالح بن علي الهاشمي، فقال له صالح: تب إلى الله يا أبا علي؛ فإنك في أول يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من أيام الدنيا، وبينك وبين الله هنات. فقال: أسندوني. فأسندوه، فقال: إياي تخوف الله؟ قد حدثني حماد بن سلمة، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي "، أتراني لا أكون منهم؟ وقد حدثني حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله، فإن حسن الظن بالله ثمن الجنة ". ورآه بعض إخوانه بعد موته بأيام في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بأبيات قلتها، وهي الآن تحت وسادتي. فنظروا وإذا برقعة تحت وسادته في بيته فيها مكتوب: يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يدعو إليه المجرم

стр. 256

أدعوك رب كما أمرت تضرعاً ... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم مالي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل ظني ثم أني مسلم حدث محمد بن يعقوب البزاز: كنت جارا لأبي نواس، فعدته في مرضه الذي مات فيه، ودخل عليه طبيب نصراني اسمه سعيد، فنظر إليه ووصف له دواء يعلله به، ثم خرج وخرجت بخروجه، فغمزني وقال: مرهم لا يعذبوه بالدواء؛ فإنه الساعة يموت، فرجعت إليه فقال: سألتك بالله ما قال لك النصراني، فإني رأيته قد غمزك؟ فقلت: ما عسى أن يقول؟! فقال: أقسمت عليك لما أخبرتني. فأخبرته، فرفع عينيه إلى السماء، وسالت دموعه على خديه، وقال: يا رب إني لم أزل ... في مثل حال السحره حين استلاذوا بعرى ... الدين وكانوا كفره فآمنوا يوماً ففا ... زوا بثواب البرره ولم أزل مستشعر ال ... إيمان ياذا المقدره فاغفر فإني منك أو ... لي منهم بالمغفره ويروى أن آخر بيت قاله محمود الوراق في مرضه الذي مات فيه: إن ظني بحسن عفوك يا رب ... جميل وأنت مالك أمري صنت سري عن القرابة والأهل ... جميعاً وأنت موضع سري ثقة بالذي لديك من السر ... فلا تخزني به يوم نشري يوم هتك الستور عن حجب الغيب ... فلا تهتكن للناس ستري لمحمد بن مناذر من شعره المطول: نحن للآفات أغراض فإن إنما أنفسنا عارية