Полный текст (256 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
يعود بفضلٍ على من رجاه ... وراجيه في كلِّ حين يجاب
فلا تأس يوماً على فائتٍ ... وعندك منه رضاً واحتساب
فلا بدّ من كون ما خطّ في ... كتابك تحبى به أو تصاب
فمن حائلٌ دون ما في الكتاب ... ومن مرسلٌ ما أباه الكتاب
في أبيات قد ذكرتها في موضعها من هذا الكتاب.
وقال محمد بن يسير:
إنّ الأمور إذا انسدّت مسالكها ... فالصَّبر يفتق منها كلَّ ما ارتتجا
لا تيأسنَّ وإن طالت مطالبةٌ ... إذا استعنت بصبرٍ أن ترى فرجا
أخلق بذي الصَّبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
وقال محمد بن حازم الباهلي:
هوِّن عليك فكلّ الأمر ينقطع ... وخلّ عنك عنان الهمّ يندفع
فكلُّ همٍّ له من بعده فرجٌ ... وكل أمرٍ إذا ما ضاق يتِّسع
إنَّ البلاء وإن طال الزَّمان به ... فالموت يقطعه أو سوف ينقطع
وقال آخر:
رأيت الأمر يبعد بعد قربٍ ... ويدنو الأمر بالقدر المسوق
فلا تفرح بأمرٍ إن تدانى ... ولا تيأس من الأمر السَّحيق
وقال ابن المبارك:
ما أقرب الأشياء حين يسوقها ... قدرٌ وأبعدها إذا لم تقدر
وقال آخر:
إن يكن يومي تولّى سعده ... وتداعى لي بنحسٍ ونكد
فلعلّ الله يقضي فرجاً ... في غدٍ من عنده أو بعد غد
وقال آخر:
أحسن الظَّنّ بمن قد عوّدك ... حسناً أمس وسوَّى أودك
إنّ رباً كان يكفيك الَّذي ... كان بالأمس سيكفيك غدك
قال العبسي: خرجت حاجاً فضاق صدري، فجعلت أقول:
أرى الموت لمن أمسى ... على الذُّلِّ له أصلح
فإذا هاتف من ورائي يقول:
يا أيُّها المرء الَّذي ... يرى الهمّ به برَّح
إذا ضاق بك الصَّدر ... ففكِّر في ألم نشرح
وقال آخر:
رأيت العسر يتبعه يسار ... وقول الله أصدق كلِّ قيل
فلا تجزع وقد أعسرت يوماً ... فقد أيسرت في دهرٍ طويل
ولا تظنن بربِّك ظنّ سوءٍ ... فإنّ الله يأتي بالجميل
ذكر الطحاوي قال: حدثنا أحمد بن أبي عمران، قال: حدثنا أبو النصر أحمد بن حاتم، قال: حدثنا الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، قال: استعمل الحجّاج أبي علي بعض أعماله فنقم عليه فتوارى أبي عنه في بادية قومه وأنا معه، فبينا أنا في سحر من الأسحار إذ مرّ راكب وهو يقول:
صبِّر الَّنفس عند كلّ ملمٍّ ... إنّ في الصَّبر حيلة المحتال
لا تضق في الأمور ذرعاً فقد ... يكشف غمَّاؤها بغير احتيال
ربَّما تجزع الُّنفوس من الأم ... ر له فرجةٌ كحلّ العقال
قال: فقلت: ما ذاك؟ قال: مات الحجاج. فوالله ما أدري بأيهما كنت أشد فرحا، أبقوله مات الحجاج أم بقوله:فرجة.
قال العطوي:
مستشعر الصّبر مقرونٌ به الفرج ... يبلى ويصبر والأشياء تنتهج
حتَّى إذا بلغت مقدور غايتها ... جاءتك تضحك عن ظلمائها السُّرج
فاصبر ودم واقرع الباب الَّذي طلعت ... منه المطامع فالمغرى به يلج
يقدِّر الله فارج الله وارض به ... ففي إرادته الغمَّاء تنفرج
وقال هلال بن العلاء الرَّقّي:
هوِّن عليك مصائر الدُّ ... نيا تكن سبلاً فجاجا
لا تضجرنَّ بضيقةٍ ... يوماً فإنَّ لها انفراجا
وقال آخر:
كلوا اليوم من رزق الإله وأبشروا ... فإنّ على الرحمن رزقكم غدا
وقال منصور الفقيه:
يامن يخاف أن يكو ... ن ما يخاف سرمدا
أما سمعت قولهم ... إنّ مع اليوم غدا
وقال أبو العتاهية:
هي الأيَّام والغير ... وأمر الله منتظر
أتيأس أن ترى فرجاً ... فأين الله والقدر
باب الجدِّ والحدّ
قال رسول الله ﷺ : " لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجدِّ منه الجدّ ".
стр. 37
قال أكثم بن صيفي: جدُّك لا كدُّك.
قال أشجع السُّلمي:
سبق القضاء بكلِّ ما هو كائنٌ ... فليجهد المتقلِّب المحتال
قالوا: أسعد الناس: من كان القضاء له مساعداً، وكان لذلك أهلا، وأشقى الناس: من كان مشغولاً بلا دين ولا دنيا، ولم يثق بأحد لسوء ظنه، ولا وثق به أحدٌ لسوء فعله.
قال أبو الأسود الدُّؤلي:
المرء يحمد سعيه من جدِّه ... حتَّى يزيَّن بالَّذي لم يعمل
وترى الشَّقيَّ إذا تكامل حدُّه ... يرمي ويقذف بالَّذي لم يفعل
أنشد ابن الأعرابي:
الجدُّ أنهض بالفتى من عقله ... فانهض بجدٍّ في الحوادث أو ذر
فلقد يجد المرء وهو مقصرٌ ... ويجدُّ ثم يحدُّ غير مقصِّر
وقال يزيد بن محمَّد المهلَّبيّ:
وإذ جددت فكلّ شيءٍ نافعٌ ... وإذا حددت فكلُّ شيءٍ ضائر
وإذا أتاك مهلَّبيٌ في الوغى ... والسَّيف في يده فنعم النَّاصر
قال أبو يعقوب الخزيمي، وإسمه إسحاق بن حسَّان:
لا تنظرنّ إلى عقلٍ ولا أدب ... إن الجدود قرينات الحماقات
وقال خراش بن زهير:
وكانت قريشٌ يفلق الصَّخر جدُّها ... إذا أوهن النَّاس الجدود العواثر
وقال الحارث بن حلِّزة:
عش بخيرٍ لا يضر ... ك النَّوك ما لاقيت جدَّا
والنَّوك خيرٌ في ظلا ... ل الرّزق ممَّن عاش كدَّا
وقال آخر:
فعش في ظلّ أنوك حالفته ... مقاديرٌ يساعدها الصَّواب
ذهاب المال في حمدٍ وأجرٍ ... ذهابٌ لا يقال له ذهاب
قيل لزياد: ما الحظّ؟ قال: من طال عمره، ورأى في عدوه ما يسره فهو ذو حظ.
وكان يقال لا حظّ إلا ما أشخص عنك ما تكره، وجلب إليك ما تحب.
قال محمد بن أبي حازم الباهلي:
لا تعجبنّ لأحمقٍ ... نال الغنى من غير كدِّه
ولعاقلٍ ما يستقلّ ... فكُّلهم يسعى بجدِّه
وقال امرؤ القيس:
وقاهم جدَّهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب
وقال عبد العزيز بن زرارة الكلابيّ:
وما لبّ الَّلبيب بغير حظٍّ ... بأغنى في المعيشة من فتيل
رأيت الحظّ يستر عيب قومٍ ... وهيهات الحظوظ من العقول
ولحسان أو لابنه عبد الرحمن:
وإنَّ امرءاً يمسي ويصبح سالماً ... من النَّاس إلاَّ ما جنى لسعيد
وقال أعرابيّ:
وإنّ الَّذي ينجو من النَّار بعدما ... تزوَّد من أعمالها لسعيد
ولبعض أهل عصرنا:
أرى همم المرء ما لم يكن ... يساعده السَّعد همَّاً عليه
وقد يعجز المرء ذو الإحتيال ... إذا الله لم يقض رزقاً إليه
وقال صالح بن عبد القدوس:
وليس رزق الفتى من حسن حيلته ... لكن جدودٌ بأرزاقٍ وأقسام
كالصَّيد يحرمه الرَّامي المجيد وقد ... يرمي فيرزقه من ليس بالرَّامي
ولرجل من بني قريع أو للمعلوط، وقيل: إنها لحاتم الطائي:
متى مايرالنَّاس الغنيَّ وجاره ... فقيرٌ يقولوا عاجزٌ وبليد
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظٍ قسِّمت وجدود
وكائن رأينا من غنىٍّ مذمَّمٍ ... وصعلوك قومٍ باد وهو حميد
ومعطى ثراء المال من غير قوَّةٍ ... ومحروم جمع المال وهو جليد
ٍوقال حبيب الطائي:
أبا جعفر ٍإنّ الجهالة أمُّها ... ولودٌ وأمّ العلم جذَّاء حائل
وله أيضاً:
فإنِّي ما حورفت في طلب الغنى ... ولكنَّكم حورفتم في المكارم
احتاج أبو الأسود الدؤلي إلى جار له يستقرض منه، وكان حسن الظَّنِّ به، فاعتلَّ عليه ودفعه، فقال أبو الأسود:
فلا تطمعن في مال جارٍ لقربه ... فكلّ قريبٍ لا ينال بعيد
وفوِّض إلى الله الأمور فإنَّما ... تروح بأرزاقٍ عليك جدود
ولا تشعرنَّ النَّفس يأساً فإنَّما ... يعيش بجدٍّ عاجزٌ وبليد
وفي نحو هذا لبعض أهل عصرنا:
стр. 38
تجشَّم جسيم الهول في طلب المجد ... فنيل الغنى بين التَّجشُّم والكدِّ
ودع قول ذي جهلٍ يرى العجز راحةً ... ذر الكدّ فيما رمته المنع بالجدِّ
وقال آخر:
تطلَّبت حتَّى لم أجد متطلَّباً ... وبالجدِّ يسعى المرء لا بالتَّطلُّب
كتب كسرى إلى بزرجمهر وهو في الحبس: جنت لك ثمرة العلم أن صرت به أهلا للقتل. فكتب إليه بزرجمهر: أما ما كان معي الجد فقد كنت أنتفع بثمرة العلم، والآن إذ ولّى عني الجدّ، فقد أنتفع بثمرة الصبر.
قال سابق البربري:
والنَّاس في طلب المعاش وإنَّما ... بالجدِّ يرزق منهم من يرزق
ولو أنَّهم رزقوا على أقدارهم ... ألفيت أكثر ما ترى يتصدَّق
ما النَّاس إلاَّ عاملان فعاملٌ ... قد مات من عطشٍ وآخر يغرق
وقال البحتري:
ألا ليت المقادر لم تقدَّر ... ولم تكن الأحاظي والجدود
فتعلم أيُّنا يغدو ويمسي ... له هذي المواكب والعبيد
وقال حبيب الطائي:
ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ... ويكدى الفتى في دهره وهو عالم
وقال ابن دريد:
لا ينفع العلم بلا جدٍّ ولا ... يحبطك الجهل إذا الجدُّ علا
وقال الحسين بن أحمد:
بالجدِّ أجدى على امرئٍ طلبه ... ومن يطل حرصه يطل تعبه
وقال آخر:
عش بجدٍّ وكن هبنَّقة القي ... ي نوكاً أو شيبة بن الوليد
عش بجدٍّ ولا يضرك نوكٌ ... إنما عيش من ترى بالجدود
هبنقة القيسي اسمه يزيد بن ثروان، وكنيته أبو نافع، أحد بني قيس بن ثعلبة، وهو الذي شرد له بعير فجعل لمن جاء به بعيرين، فقيل له: لم هذا؟ قال: فأين فرحة الوجدان؟ وأنشدني محمد بن نصر الكاتب ﵀ لنفسه:
لا تشرهنّ إلى دنيا تملكها ... قومٌ كثيرٌ بلا عقلٍ ولا أدب
ولا تقل إنَّني أبصرت ما جهلوا ... من الإرادة في مرٍّ ومنقلب
فبالجدود هم نالوا الَّذي ملكوا ... لا بالعقول ولا بالعلم والحسب
وأيسر الجدُّ نحوي كلَّ ممتنعٍ ... على التَّمكُّن عند البغي والطَّلب
وإن تأمَّلت أحوال الَّذين مضوا ... رأيت من ذا وهذا أعجب العجب
وقال إبراهيم بن المهدي:
قد يرزق المرء لم تتعب رواحله ... ويحرم الرِّزق من لم يؤت من تعب
مع أنَّني واجدٌ في النَّاس واحدةً ... الرِّزق أروغ شيءٍ عن ذوي الأدب
وخلَّةٍ قلّ فيها من يخالفني ... الرِّزق والنَّوك مقرونان في سبب
يا ثابت العقل كم عانيت ذا حمقٍ ... الرِّزق أولى به من لازم الجرب
وقال آخر:
ما ازددت في أدبي حرفاً أسر به ... إلا تزيدت حرفاً فيه لي شوم
إن المقدم في حذف بصنعته ... أنى توجه فيها فهو محروم
وقال آخر:
كفى حزناً أنَّ الغنى متعذِّرٌ ... عليَّ وأنِّي بالمكارم مغرم
فوالله ما قصَّرت في نيل غايةٍ ... ولكنَّني أسعى إليها فأحرم
وقال آخر:
ليس عن حيلة الرِّجال أصابوا ال ... مال بل قسمةٌ لهم وجدود
منهم العاجز المرجَّى له الرِّ ... زق ومنهم محارفٌ مجدود
قال بشار بن برد:
ما ضر أهل النَّوك ضعف الكدِّ ... صادف حظاً من سعي بجدِّ
وقال البحتري:
وآيسني علمي بألاَّ تقدُّمي ... مفيدي ولا مزرٍ على تأخُّري
ولو فاتني المقدور ممَّا أرومه ... بسعيٍ لأدركت الَّذي لم يقدَّر
وقال الصابي:
إذا جمعت بين امرأين صناعةٌ ... وأحببت أن تدري الَّذي هو أحذق
فلا تتأمَّل منهما غير ما به ... جرت لهما الأرزاق حين تفرَّق
فحيث يكون النَّوك فالرِّزق واسعٌ ... وحيث يكون الحذق فالرِّزق ضيِّق
باب المال حمداً وذمّاً
قال رسول الله ﷺ : " قلب الشَّيخ شابٌ في حب اثنتين: طول الحياة وكثرة المال ".
стр. 39
وقال رسول الله ﷺ : " نعم المال الصَّالح للرجل الصالح ".
وقال رسول الله ﷺ : " إن الدِّينار والدِّرهم أهلكا من كان قبلكم وإنهما مهلكاكم ".
وقال رسول الله ﷺ : " لكلّ أمةٍ فتنة، وفتنة أمتي المال ".
وقال أيضاً: " إنَّ أحساب أهل الدُّنيا التي إليها ينتمون: المال ".
وقال ﵇: " ما ذئبان جائعان أرسلا في حظيرة غنم بأفسد لها من حب المال، والسَّرف لدين المؤمن ".
قال قيس بن عاصم لبنيه حين حضرته الوفاة: يا بني عليكم بالمال واصطناعه، فإنه منبهةٌ للكريم، ويستغنى به عن اللئيم.
قال الحسن البصري: لكل أمة وثن يعبدونه، وصنم هذه الأمة الدينار والدرهم.
وقال الحسن: إذا أردت أن تعلم من أين أصاب الرجل ماله، فانظر فيم أنفقه، فإن الخبيث ينفق في السرف.
قال أبو ذرّ أموال الناس تشبه الناس، وعن أبي ذر أيضا: إنما مالك لك، أو للوارث أو للجائحة، فلا تكن أعجز الثلاثة.
قال أكثم بن صيفي: من ضعف عن كسبه اتكل على زاد غيره.
قال سعيد بن المسيب: لا خير فيمن لا يكسب المال ليكفَّ به وجهه، ويؤدِّي به أمانته، ويصل به رحمه.
قالوا للمسيح: يا روح الله أخبرنا عن المال، فقال المال لا يخلو صاحبه من ثلاث خلال: إما أن يكسبه من غير حله، وإما أن يمنعه حقه، وإما أن يشغله إصلاحه عن عبادة ربه.
قال الحطيئة:؟ ولست أرى السَّعادة جمع مالٍ ولكنَّ التَّقيَّ هو السَّعيد وأنشد ابن الأعرابي:؟
المال يغشى رجالاً لا طباخ لهم ... كالسَّيل يغشى أصول الدِّندن البالي
وهذا البيت في شعر لعمار الكلبي أوله:
قف بالعوير على أبلاء أطلال ... كأنَّها حللٌ أو خطُّ تمثال
الفقر يزري بأقوامٍ ذوي حسبٍ ... وربَّما ساد جبس القوم بالمال
وفيه يقول:
أصون عرضي بمالي لا أدنِّسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال
أحتال للمال إن أودى فأجمعه ... ولست للعرض إن أودى بمحتال
الجبس: اللئيم. وقوله: لا طباخ لهم: أي لا قوة ولا طاقة، قاله الخليل.
وقال فضالة بن زيد العدواني:؟ وماالعيش إلاَّ المال فاحمد فضوله ولا تهلكنه في الضَّلال فتندم
إذا جلّ خطبٌ صلت بالمال حيثما ... توجَّهت من أرضٍ فصيح وأعجم
وهابك أقوامٌ وإن لم تصبهم ... بنفعٍ ومن يستغن يحمد ويكرم
ويعطي الذي يبغي وإن كان باخلاً ... بما في يديه من متاعٍ ودرهم
وقال لبيد:
وماالبرُّ إلاَّ مضمراتٌ من التُّقى ... وما المال إلاَّ مضمرات ودائع
وقال حاتم الطائي:
لعمرك ما يغني الثَّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصَّدر
أماويّ إنَّ المال غادٍ ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذِّكر
وقال الشماخ:
لمال المرء يصلحه فيغني ... مفاقره أعفُّ من القنوع
وقال المتلمس:
لحفظ المال أيسر من بغاه ... وضربك في البلاد بغير زاد
قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
وقال آخر:
واطلب المال بحرصٍ ... واسرع المشي إليه
كلُّ من كان غنيَّاً ... سلَّم الناس عليه
وإذا كان فقيراً ... فقد البرُّ لديه
وثياب المرء أعوانٌ ... له بين يديه
وقال آخر:
إذا قلَّ مال المرء قلَّ صفاؤه ... وضاقت عليه أرضه وسماؤه
وأصبح لا يدري وإن كان حازماً ... أقدَّامه خيرٌ له أم وراؤه
إذا قلَّ مال المرء لم يرض عقله ... بنوه ولم يغضب له أولياؤه
فإن مات لم يفقد ولم يحزنوا له ... وإن عاش لم يسرر صديقاً بقاؤه
وقال أبو اليقظان: ما ساد في الجاهلية مملق إلا عتبة بن ربيعة.
وقال محمد بن مناذر:
رضينا قسمة الجبَّار فينا ... لنا حسبٌ وللثَّقفيِّ مال
وقال المعلوط:
وماسوَّد المال الدَّنيء ولا دنا ... لذاك ولكنَّ الكريم يسود
وقال عروة بن الورد:
стр. 40
ومن يك مثلي ذا عيالٍ ومقتراً ... من المال يطرح نفسه كلَّ مطرح
ليبلغ عذراً أو يصيب غنيمةً ... ومبلغ نفسٍ عذرها مثل منجح
هذان البيتان أنشدهما ابن قتيبة لأوس بن حجر، وخالفه حبيب وغيره فأنشدهما لعروة.
وقال عروة بن الورد:
إذاالمرء لم يطلب معاشاً لنفسه ... شكا الفقر أو لام الصَّديق فأكثرا
وصار على الأذنين كلاً وأوشكت ... صلات ذوي القربى له أن تنكَّرا
وقال منصور الفقيه:
إذا المرء لم يطلب معاشاً لنفسه ... وهي نعله أو باع في السُّوق خفَّه
ولم يك مأموناً على مال جاره ... إذا ما رآه خالياً أن يلفَّه
وقال الفرزدق:؟
والمال بعد ذهاب المال يكتسب
قال إبراهيم النخعي: إنما أهلك الناس فضول الكلام وفضول المال.
ولعبيد الله بن عبد الله بن عتبة الهذلي الفقيه:
أعاذل عاجل ما أشتهي ... أحبُّ إليَّ من الرَّائث
سأحبس مالي على حاجتي ... وأوثر نفسي على الوارث
وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:
أرى نفسي تتوق إلى أمورٍ ... ويقصر دون مبلغهنَّ مالي
فنفسي لا تطاوعني لبخلٍ ... ومالي لا يبلِّغني فعالي
وقال أعرابي:
إذا ما الفتى لم يبلغ إلاَّ لباسه ... ومطعمه فالخير منه بعيد
يذكِّرني صرف الزَّمان ولم أكن ... لأهرب ممَّا ليس منه محيد
فلو كنت ذا مالٍ لقرِّب مجلسي ... وقيل إذا أخطأت أنت رشيد
فذرني أجوِّل في البلاد لعلَّه ... يسرُّ صديقٌ أو يساء حسود
وقال آخر:؟
أنت للمال إذا أمسكته ... فإذا أنفقته فالمال لك
وقال قيس بن عاصم:
سأودع مالي الحمد والأجر كلَّه ... فلا أجر في الدُّنيا ولا الحمد دائم
فرحت بما قدَّمت منه وإنَّني ... على حسن ما أخَّرت منه لنادم
كان يقال: شر مالك ما لزمك إثم مكسبه، وحرمت لذة إنفاقه.
قال الشاعر:
ذهاب المال في حمدٍ وأجرٍ ... ذهابٌ لايقال له ذهاب
وقال آخر:
وحفظك مالاً قد عنيت بجمعه ... أشدُّ من المال الَّذي أنت طالبه
قال جعفر من محمد رحمهما الله: من نقله الله من ذل المعصية إلى عز الطاعة أغناه بلا مال، وآنسه بلا أنيس، وأعزّه بلا عشيرة.
قال محمود الوراق:
هاك الدّليل لمن أرا ... د غنىً يدوم بغير مال
وأراد عزَّاً لم توطِّ ... ده العشائر بالقتال
ومهابةً من غير سل ... لطانٍ وجاهاً في الرِّجال
فليعتصم دخوله ... في عزِّ طاعة ذي الجلال
وخروجه من ذلَّة ال ... معاصي له في كلِّ حال
وقال النمر بن تولب:
خاطر بنفسك كي تصيب رغيبةً ... إنَّ الجلوس مع النِّساء قبيح
فالمال فيه تجلَّةٌ ومهابةٌ ... والفقر فيه مذلَّةٌ وفضوح
وقال آخر:
ويزري بعقل المرء قلَّة ماله ... تحمقِّه الأقوام وهو لبيب
وقال حسان بن ثابت الأنصاري:
ربّ حلمٍ أضاعه عدم الما ... ل وجهلٍ غطَّى عليه النَّعيم
وقال الخريمي وهو أبو يعقوب:
العيش لا عيش إلاَّ ما قنعت به ... قد يكثر المال والإنسان مفتقر
وقال أمية بن أبي الصَّلت:
إذا اكتسب المال الفتى من وجوهه ... وأحسن تدبيراً له حين يجمع
وميَّز في إنفاقه ما بين مصلحٍ ... معيشته فيما يضرّ وينفع
وأرضى به أهل الحقوق ولم يضع ... به الذُّخر زاداً لَّلتي هي أنفع
فذاك الفتى لا جامع المال ذاخراً ... لأولاد سوءٍ حيث جاءوا وأرضعوا
وقال كثير:
إذا المال لم يوجب عليك عطاءه ... صنيعة نعمى أو خليلٌ توامقه
بخلت وبعض البخل حزمٌ وقوَّةٌ ... فلم يفتلتك المال إلاَّ حقائقه
وقال محمود الوراق:
ولم أر مثل الفقر أوضع للفتى ... ولم أر مثل المال أرفع للنَّذل
стр. 41
ولم أر عزَّاً لامرئٍ كعشيرةٍ ... ولم أر ذلاً نأيٍ عن الأهل
ولم أر من عدمٍ أضَّر على الفتى ... إذا عاش بين النَّاس من عدم العقل
وقال آخر:
الفقر يزري بأقوامٍ ذوي حسبٍ ... وقد يسوِّد غير السَّيِّد المال
وقال محمود الوراق:
أرى دهرنا فيه عجائب جمَّةٌ ... إذا استعرضت بالعقل ضلَّ لها العقل
أرى كلَّ ذي مالٍ يسود بماله ... وإن كان لا أصلٌ هناك ولا فصل
وآخر منسوباً إلى الرَّأي خاملاً ... وأنوك مخبولاً له الجاه والنُّبل
وما الفضل في هذا الزمان لأهله ... ولكنَّ ذا المال الكثير له الفضل
فشرِّف ذوي الأموال حيث لقيتهم ... فقولهم قولٌ وفعلهم فعل
ومما ينسب إلى محمود، وأظنها لغيره وهو أبو عبد الرحمن العطوي:
دع الرِّياء لمن لجّ الرِّياء به ... في الأمر بالبذل واذكر ذلَّة العدم
ومت على الدِّرهم المنقوش موت فتىً ... رأى الممات عليه أكرم الكرم
وعدِّ عن ذا وعن هذا وقولهم ... الذكر يبقى وتفنى لذَّة النِّعم
لولا غناك لكنت الكلب عندهم ... فإن أبيت فجرِّب واشق بالنَّدم
وقال أبو العتاهية:
والنَّاس حيث يكون المال والجاه
باب جامع القول في الغنى والفقر
قال رسول الله ﷺ : " ارض بما قسم الله لك تكن أغنى النَّاس، واعمل بما افترض الله عليك تكن أعبد النَّاس، واجتنب ما حرَّم الله عليك تكن أورع النّاس ".
وقال ﵇: " ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى النَّفس ".
وفي الحديث المرفوع: " الفقر أزين للمؤمن من الغدار، وعلى خدِّ الفرس ".
وقد أتينا معنى الفقروالغنى، والمقدار المحمود في ذلك عند العلماء بدلائل السنن، وأقاويل السلف، بما فيه كفايةٌ وتبصرة وشفاءٌ لما في الصدور في موضعه من كتاب " بيان العلم " والحمد لله.
قال أوس بن حارثة: خير الغنى القناعة، وشرُّ الفقر الضَّراعة.
قال فضيل بن عياض: إنما الفقر والغنى بعد العرض على الله.
أنشدنا الرياشي:
ما شقوة المرء بالإقتار تقتره ... ولا سعادته يوماً بإكثار
إنَّ الشَّقيَّ الذي في النَّار منزله ... والفوز فوز الذي ينجو من النَّار
قال جعفر بن محمد: العز والغنى يجولان في الأرض، فإذا أصابا موضعاً يدخله التَّوكُّل أوطناه.
كان يقال: الشكر زينة الغنى، والعفاف زينة الفقر.
وقالوا: حقُّ الله واجب في الغنى والفقر، ففي الغنى العطف والشكر، وفي الفقر العفاف والصبر.
كان يقال: سوء حمل الغنى يورث مقتاً، وسوء حمل الفاقة يضع شرفاً.
كان يقال: الغنى في النفس، والشرف في التواضع، والكرم في التقوى.
أنشدنا الرياشي:
وبينا الفتى في الفقر إذ صار في الغنى ... وبينا الفتى في البؤس إذ صار في الخفض
كذاك صروف الدَّهر تلعب بالفتى ... فنبرم أحياناً وتسرع في النَّقض
وقال آخر:
قد أنطقت الدَّراهم بعد عيٍّ ... أناساً طالما كانوا سكوتا
فما عادوا على جارٍ بخيرٍ ... ولا رفعوا لمكرمةٍ بيوتاً
كذاك المال ينطق كلَّ عيٍّ ... ويترك كلَّ ذي حسبٍ صموتا
وقال آخر:
نطقت مذ استفدت المال حتَّى ... كأنَّك عالمٌ ذلق اللِّسان
وشجَّعك الَّذي قد كان قدماً ... يسمِّيك الجبان ابن الجبان
وقال محمود الوراق:
الفقر في النَّفس وفيها الغنى ... وفي غنى النَّفس الغنى الأكبر
وقال حماد الراوية: أفضل بيت من الشعر قيل في الأمثال:
يقولون يستغني ووالله ما الغنى ... من المال إلاَّ ما يعفُّ وما يكفي
ولمحمود الوراق أيضاً:
صاحب اليسر يرقب العسر والمع ... سر في دهره يراقب يسرا
ليس خلقٌ له على الله حقٌ ... إنَّما حقُّه على النَّاس طرَّا
لا يحابي الغنيَّ فيما أتاه ... لا ولا يظلم الذي مات فقرا
стр. 42
يمنع الله عبده نظراً من ... هـ ويسنى له العطيَّة مكرا
ليس من بخله ينقِّص ذا الفق ... ر ولم يعط ذا الغنى المال قسرا
قال عبد الله بن الأهتم: من ولد في الفقر أبطره الغنى.
كان يقال: خصلتان مذمومتان: الاستطالة مع السّخاء والبطر مع الغناء.
كان يقال: لا تدع على ولدك بالموت، فإنَّه يورث الفقر.
قال أعرابيٌ من باهلة:
سأعمل نصّ العيس حتَّى يكفَّني ... غنى المال يوماً أو غنى الحدثان
فللموت خيرٌ من الحياةٍ يرى لها ... على الحرِّ بالإقلال وسم هوان
كأنَّ الغنى في أهله بورك الغنى ... بغير لسانٍ ناطقٌ بلسان
وقال يحيى بن حكم الغزال، وتروى لغيره ابن المعتز، أو غيره:
إذا كنت ذا ئروةٍ من غنًى ... فأنت المسوَّد في العالم
وحسبك من نسب صورةٌ ... تخبِّر أنَّك من آدم
وللغزال أيضاً:
إنِّى حلبت الدَّهرأصناف الدِّرر ... فمرَّةً حلوٌ وأحياناً مقر
وعلقماً حيناً وأحياناً صبر ... وجلُّ ما يسقيكه الدَّهر كدر
فلم أجد شيئاً من الفقر أمرّ ... ألا ترى أكثر من فيها يفرّ
مخافة الفقر إلى نارٍ سقر وقال آخر:
لعمرك إنَّ القبر خيرٌ من الفقر ... لمن كان ذا يسرٍ وعاد إلى عسر
ولعروة بن الورد:
دعيني للغنى أسمى فإنِّي ... رأيت النَّاس شرُّهم الفقير
وأحقرهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له كرمٌ وخير
يباعده الخليل وتزدريه ... حليلته وينهره الصَّغير
وتلقي ذا الغنى وله جلالٌ ... يكاد فؤاد صاحبه يطير
قليلٌ عيبه والعيب جمٌ ... ولكن للغنى ربٌّ غفور
وقال آخر:
رأيت النَّاس لمَّا قلَّ مالي ... وأكثرت الغرامة ودَّعوني
فلمَّا أن غنيت وثاب وفرىإذا هم لا أب لك راجعني
وقالوا: بقدر ما يعطى الغنىُّ من الإيسار، يعطى من الإجلال، وبقدر ما ينزل بالفقير من فقر يذهب بهاؤه وتتضع منزلته، حتى يتهمه من كان يأمنه، ويسيء به الظن من كان يثق به. ومحاسن الغني مساوىء الفقير، إذا كان جواداً قالوا: مبذر، وإن كان لسناً قالوا: مهذار، وإن كان شجاعاً، قالوا: أهوج، وإن كان حليماً صموتاً، قالوا: عيّ بليد، وكل شيء هو للغنىّ مدح هو للفقير ذم.
قال الشاعر:
لعمرك إنَّ المال قد يجعل الفتى ... سنيَّاً وإنَّ الفقر بلمرء قد يزري
فما رفع النَّفس الدَّنيئة كالغنى ... ولا وضع النَّفٍس الكريمة كالفقر
وقال حبيب:
لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسَّيل حربٌ للمكان العالي
وللمغيرة بن حبناء:
وماالفقر يزري بالرَّجال ولا الغنى ... ولكن قلوب القوم للقوم تقدح
وقال امرؤ القيس:
بكى صاحبي لما رأى الدَّرب دونه ... وأيقن أنَّا لاحقان بقيصرا
فقلت له: لا تبك عينك إنَّما ... نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
وقال أبو العتاهية:
أجلَّك قومٌ حين صرت إلى الغنى ... فكلُّ غنيٍّ في العيون جليل
إذا مالت الدُّنيا إلى المرء رغَّبت ... إليه ومال النَّاس حيث يميل
وليس الغنى إلاَّغنىً زيَّن الفتى ... عشيَّة يقرى أو غداة ينيل
وقال الصَّلتان العبديّ:
إذا قلت يوماً لمن قد ترى ... أروني السّرىَّ أورك الغنى
وقال ابن سعدان:
تقنَّع بما يكفيك والتمس الرِّضا ... فإنَّك لا تدري أتصبح أم تمسي
فليس الغنى عن كثرة المال إنَّما ... يكون الغنى والفقر من قبل الَّنفس
وقال بكر بن أذينة:
كم من فقيرٍ غني النَّفس نعرفه ... ومن غنيٍّ فقير النَّفس مسكين
وقال محمود الوراق:
لبست صروف الدَّهر كهلاً وناشئاً ... وجرَّبت حالي على العسر واليسر
فلم أر بعد الدِّين خيراً من الغنى ... ولم أر بعد الكفر شراً من الفقر
ولمحمود الوراق:
стр. 43
ياعائب الفقر ألا تزدجر ... عيب الغنى أكثر لو تعتبر
من شرف الفقر ومن فضله ... على الغنى إن صحَّ منك النَّظر
أنَّك تعصي كي تنال الغنى ... ولست تعصي الله كي تفتقر
وفي رواية أخرى:
أنَّك تعصي الله ترجو الغنى ... ولست تعصي الله كي تفتقر
وقال آخر:
ولا تعدني الفقر ياأمّ مالكٍ ... فإنَّ الغنى للمنفقين قريب
وهذا مأخوذ والله أعلم من حديث الرسول ﷺ : " يقول الله ياابن آدم أنفق أنفق عليك ".
وقال بعض الحكماء في ذم الغنى: طالب الغنى طويل العناء، دائم النَّصب، كثير التعب، قليل منه حظُّه، خسيس منه نصيبه، شديد من الأيام حذره، ثم هو بين سلطان يرعاه، ويفغر عليه فاه، وبين حقوق تجب عليه، يضعف عن منعها، وبين أكفاء وأعداء ينالونه ويحسدونه ويبغون عليه، وأولاد يمُّلونه ويودون موته، ونوائب تعتريه وتحزنه.
وقال بشر بن المعتمر المتكلم:
وإذاالجهول رأيته مستغنياً ... أعيا الطَّبيب وحيلة المحتال
وقال الخليل بن أحمد:
ماأسمج النُّسك بسأل ... وأقبح البخل بذي المال
من كان محتاجاً إلى أهله ... هان على ابن العمِّ والخال
ماوقع الإنسان في ورطةٍ ... أزرى به من رقَّة الحال
قيل لبعض الحكماء: مابالنا نجد من يطلب المال من العلماء أكثر ممن يطلب العلم من ذوي الأموال؟ قال: لمعرفة العلماء بمنافع المال، وجهل ذوي الأموال بمنافع العلم.
قال الشاعر:
ألم تر أنَّ الفقر يزرى بأهله ... وإنَّ الغنى فيه العلا والتَّجمُّل
قال أحيحة بن الجلاح:
استغن عن كلِّ ذي قربى وذي رحمٍ ... إنَّ الغنىَّ من استغنى عن النَّاس
والبس عدوَّك في رفقٍ وفي دعةٍ ... لباس ذي إربة للدَّهر لبَّاس
باب الدَّين
قال رجل لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله مقبلا غير مدبر، أيكفّر الله عنّي خطاياي؟ قال: " نعم. إلاّالدَّين، بذلك أخبرني جبريل ".
وعنه ﵇ أنه قال: " صاحب الدَّين محبوسٌ عن الجنة بدينه ".
وقال ﵇ " بعد أن فتح الله عليه وأفاء الله على المسلمين " -: " من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك ديناً فعليّ ".
كان يقال: لا همّ إلاّهمّ الدَّين، ولا وجع إلاّوجع العين. وقد روى هذا القول عن النبي ﷺ من وجه ضعيف.
قال عمر بن الخطاب: إياكم والدَّين، فإنّ أوله همٌّ وآخره حرب.
قال جعفر بن محمد: المستدين تاجر الله في الأرض.
قال عمر بن عبد العزيز: الدَّين وقرٌ طالما حمله الكرام.
قال عمرو بن العاص: من كثر صديقه كثر دينه.
قيل لمحمد بن المنكدر: أتحجُّ وعليك الدين؟ قال: الحج أقضى للدين. يريد الدعاء فيه والله أعلم.
كان يقال: الدَّين رقّ، فلينظر أحدكم أين يضع رقّه.
كان يقال: الأذلة أربعة: النَّمَّام، والكذّاب، والفقير، والمديان.
كان يقال: حرّيّة المسلم كرامته، وذلُّه دينه، وعذابه سوء خلقه.
كان الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب الشاعر يعامل الناس بالعينة، فإذا حلت دراهمه ركب حماراً يقال له شارب الريح، فيقف على غرمائه فيقول:
بنو عمِّنا أدُّوا الدَّراهم إنَّما ... يفرِّق بين النَّاس حبُّ الدَّراهم
وقال آخر:
فما شأن ديني إذ يحلُّ عليكم ... أرى النَّاس يقضون الدُّيون ولا يقضى
لقد كان ذاك الدَّين نقداً وبعضه ... لمرضٍ فما أدَّيت نقداً ولا عرضا
ولكنَّما هذا الَّذي كان منكم ... أمانيّ ما لاقت سماءً ولا أرضا
فلو كنت تنوين القضاء لديننا ... لأنسأت لي بعضاً وعجَّلت لي بعضا
قال أبو عثمان المازني: سمعت معاذ بن معاذ، وبشر بن المفضل ينشدان هذين البيتين لمجنون عامر:
طمعت بليلى أن تريع وإنَّما ... تقطِّع أعناق الرِّجال المطامع
وداينت ليلى في خلاءٍ ولم يكن ... شهودٌ على ليلى عدولٌ مقانع
وقال آخر أنشده ابن الزبير:
ألا ليت النَّهار يعود ليلاً ... فإنَّ الصُّبح يأتي بالهموم
стр. 44
حوائج ما نطيق لها قضاءً ... ولادفعاً وروعات الغريم
كان يقال: الدَّين همٌّ بالليل وذل بالنهار، وإذا أراد الله أن يذل عبده جعل في عنقه ديناً.
وقال آخر:
إنَّ القضاء سيأتي دونه زمنٌ ... فاطو الصَّحيفة واحفظها من الفار
قال كثير بن عبد الرحمن بن أبي جمعة:
قضى كلُّ ذي دينٍ فوفىَّ غريمه ... وعزَّةٌ ممطولٌ معنىً غريمها
أنشدنا الصولي لسليمان بن وهب متمثلا:
من النَّاس إنسانان ديني عليهما ... مليَّان لو شاءا لقد قضياني
خليليّ أمَّا أمُّ عمرو فمنهما ... وأمَّا عن الأخرى فلا تسلاني
باب الاقتصاد والرفق
قال الله : " ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط " وقال: " والَّذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ".
فهذا أدب الله تعالى.
وقال رسول الله ﷺ : " ماعال من اقتصد ".
كان يقال: ثلاثٌ من حقائق الإيمان: الاقتصاد في الإنفاق، والإنصاف من نفسك، والابتداء بالسلام.
كتب بعض الصالحين إلى بعض إخوانه: كل مارده العقل، وناله الفضل فجميلٌ حسن.
قال عبد الله بن عباس الهدي الصّالح، والسَّمت الحسن، والاقتصاد، جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة.
قال رسول الله ﷺ : " إن الله يحبُّ الرفق في الأمر كله ".
قال ﵇: " ما كان أرفق قط في شيءٍ إلاّزانه، ومن حرم الرفق حرم الخير ".
وقال ﷺ : " ماأراد الله بأهل بيت خيراً إلا أدخل عليهم الرفق ولا أراد بهم شرَّاً إلاّ أدخل عليهم الخرق ".
قال عمر بن الخطاب: لا يقل مع الإصلاح شيء، ولا يبقى مع الفساد شيء.
قال المتلمِّس:
وإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
قال رسول الله ﷺ : " الرفق يمن، والخرق شؤم ".
سئل بعض العلماء عن السكينة، فقال: هي السكون عما الحركة فيه، والعجلة لا يحمدها الله ولا يرضاها.
قال رسول الله ﷺ : " الأناة من الله، والعجلة من الشيطان ".
لسهل بن هارون في يحيى بن خالد:
عدوُّ تلاد المال فيما ينوبه ... منوعٌ إذا ما منعه كان أحزما
وقال آخر:
عليك بأوساط الأمور فإنَّها ... نجاةٌ ولا تركب ذلولاً ولا صعبا
وقال آخر:
لا تذهبنَّ في الأمور فرطا ... لا تسألنَّ إن سألت شططا
وكن من النَّاس جميعاً وسطا
قال أعرابي للحسن: ياأباسعيد؟؟ علمني ديناً وسوطاً لا ذاهباً فروطاً، ولا ساقطاً سقوطاً. قال له الحسن: أحسنت، خير الأمور أوسطها.
قال محمود الوراق:
إنِّي رأيت الصَّبر خير معوَّلٍ ... في النَّائبات لمن أراد معوَّلا
ورأيت أسباب القنوع منوطةً ... بعرى الغنى فجعلتها لي معقلا
فإذا نبا بي منزلٌ لا يرتضي ... جاوزته واخترت عنه منزلا
وإذا غلا شيءٌ عليَّ تركته ... فيكون أرخص ما يكون إذا غلا
لبعض المتأخرين من البخلاء يوصي ابنه:
إذا ما كنت في بلدٍ غريباً ... وخفت من أن تبوء بغير مال
فلا تبسط يديك وكل قليلاً ... يفوتك كلُّ يومٍ في اعتدال
وذبَّ عن الدَّراهم كلَّ حينٍ ... وكثِّرها وقلِّل في العيال
وقل في كل شيءٍ تشتهيه ... من الأشياء هذا الشَّيء غال
فترك المال للأعداء خيرٌ ... لربِّ المال من ذلِّ السُّؤال
روينا عن نصر بن علي الجهضمي، قال: دخلت على أمير المؤمنين المتوكل فإذا هو يمدح الرفق فأطنب، فقلت: ياأميرالمؤمنين أنشدني الأصمعي في الرفق. فقال هاته يا نصر، فقلت:
لم أر مثل الرِّفق في لينه ... أخرج للعذراء من خدرها
من يستعن بالرِّفق في أمره ... قد يخرج الحيَّة من جحرها
قال سابق:
إنَّ التَّرفُّق للمقيم موافقٌ ... وإذا يسافر فالتَّرفُّق أوفق
لو سار ألف مدجَّجٍ في حاجةٍ ... لم يلقها إلاَّالَّذي يترفَّق
باب السَّفر والاغتراب
стр. 45
قال رسول الله ﷺ : " السفر قطعةٌ من العذاب، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجِّل الرجوع إلى أهله ".
وزاد بعضهم في هذا الحديث " السفر قطعة من العذاب، فاقطعوه بالدُّلجة ".
وقال عمر بن الخطاب ﵁: تلقَّوا الحاجَّ ولا تشّيعوهم.
قال رسول الله ﷺ : " سافروا تصحّوا وتغنموا ".
وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ ، أنه قال: " مامات ميت بأرض غربةٍ إلا قيس له من مسقط رأسه إلى منقطع أثره في الجنة ".
ومن حديث ابن عباس عن النبي ﷺ ، قال: " موت الغريب شهادة ".
ومن حديث أنس، عن النبيّ ﷺ ، قال: " من مات غريباً مات شهيداً ".
وعن رسول الله ﷺ : " العباد عباد الله، والبلاد بلاد الله، فأينما وجدت الخير فأقم واتق الله ".
وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ ومنهم من يرفعه - قال: من سعادة المرء أن تكون زوجته موافقة، وأولاده أبراراً، وإخوانه صالحين، ورزقه في بلده الذي فيه أهله. مكتوبٌ في التوراة: ابن آدم؟ أحدث سفراً أحدث لك رزقاً.
قالت العرب: من أجدب انتجع.
قيل لأعرابيّ أين منزلك؟ قال: بحيث ينزل الغيث.
من أمثال العامة: البركات مع الحركات.
وقالوا: ربما أسفر السَّفر عن الظَّفر.
قال البحتري:؟؟ وإذا الزَّمان كساك حلَّة معدمٍ فالبس لها حلل النَّوى وتغرَّب وقال زهير:
ومن يغترب يحسب عدوَّاً صديقه ... ومن لا يكرِّم نفسه لا يكرَّم
وقال الأعشى:
ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى ... مصارع مظلومٍ مجرّاً ومسحبا
وتدفن منه الصَّالحات وإن يسيء ... يكن ماأساء النَّار في رأس كبكبا
وقال آخر:
إنَّ الغريب بأرضٍ لا عشير بها ... كبائع الرِّيح لا يعطى به ثمنا
وقال سابق:
لا ألفينَّك ثاوياً في غربةٍ ... إنَّ الغريب بكلِّ سهمٍ يرشق
وقال آخر:
فلم أرعزَّ المرء إلاَّ عشيرةً ... ولم أر ذلاً مثل نأيٍ عن الأهل
وقال آخر:
إنِّي الغريب فما ألام على البكا ... إنَّ البكا حسنٌ بكلِّ غريب
وقال آخر:
يجازى بالَّذي تجد القلوب ... ويأنس بابن بلدته الغريب
وصادفني غريبٌ فالتقينا ... وكلُّ مساعدٍ فهو القريب
وقال آخر:
تغرَّبت عن أهلي أؤمِّل ثروةً ... فلم أعط آمالي وطال التَّغرُّب
فما للفتى المحتال في الرِّزق حيلةٌ ... ولا لجدودٍ جدَّها الله مذهب
وقال كعب بن زهير:
فقرِّي في بلادك إنَّ قوماً ... متى يدعوا بلادهم يهونوا
وقال آخر:
ليس ارتحالك تزداد الغنى سفراً ... بل المقام على خسفٍ هو السَّفر
قالوا: ترك الوطن أحد اليسارين.
قال الشاعر:
وماالموت إلاَّرحلةٌ غير أنَّها ... من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي
وقال آخر:
لقرب الدَّار في الإقتار خيرٌ ... من العيش الموسَّع في اغتراب
وقال آخر:
ومهمةٍ فيها السَّراب يسبح ... يدأب فيه القوم حين يصبح
كأنَّما ثووا بحيث أصبحوا ... الَّليل أخفى والنَّهار أفضح
قالوا: إذا كنت في غير بلدك، فلا تنس نصيبك من الذل.
وأنشدوا:
إنَّ الغريب له استكانة مذنبٍ ... وخضوع مديانٍ وذلٌ مريب
وقال آخر:
إذا كنت في قومٍ عداً لست منهم ... فكل ما علفت من خبيثٍ وطيِّبٍ
وقال آخر:
إنّ الغريب وإن أقام ببلدةٍ ... يهدى إليه خراجها لغريب
وقال آخر:
غريبٌ يقاسي الهمَّ في أرض غربةٍ ... فياربِّ قرِّب دار كلِّ غريب
قالوا: الغريب كغرس ذابل ماتت أرضه، ونفد شربه.
قال النمر بن تولب:
إذا كنت في سعدٍ وأمُّك منهم ... غريباً فلا يغررك خالك من سعد
فإنّ ابن أخت القوم مصغىً إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأبٍ جلد
قالت العرب: ليس بينك وبين بلاد نسب، خير البلاد ما حملك.
وقال آخر:
стр. 46
ليس الفتى بفتىً لا يستضاء به ... ولا يكون له في الأرض آثار
وقال آخر:
سل الله الإياب من المغيب ... فكم قد ردَّ مثلك من غريب
سلِّ الهمَّ عنك بحسن ظنٍ ... ولا تيأس من الفرج القريب
قال بعض العقلاء: أعرف بيتاً قد بيّت أكثر من مائة ألف رجل في المساجد، وفي غير أوطانهم، وهو:
فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تمش ذا يسارٍ أو تموت فتعذرا
قال خالد بن صفوان: في السفر ثلاثة معان: الأول الغرم، الثاني القدرة، والثالث الرحيل.
كان يقال: فقد الأحبة غربة.
قال الشاعر:
إذا مامضى القرن الَّذي أنت فيهم ... وخلِّفت في قرنٍ فأنت غريب
وقال لبيد بن ربيعة:
لعمرك مايدريك إلاَّ تظنِّياً ... إذا رحل السُّفار من هو راجع
لعمرك ماتدري الطَّوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطَّير ما الله صانع
وقال علي بن الجهم:
يارحمتا للغريب في البلدالنَّا ... زح ماذا بنفسه صنعا
فارق أحبابه فما انتفعوا ... بالعيش من بعده ولا انتفعا
يقول في نأيه وغربته ... عدلٌ من الله كلُّ ما صنعا
أراد أعرابي السفر فقال لامرأته - وقيل إنه الحطيئة -:
عدِّي الِّسنين لغيبتي وتصبَّري ... وذري الشُّهور فإنَّهنَّ قصار
فأجابته:
اذكر صبابتنا إليك وشوقنا ... وارحم بناتك إنَّهنَّ صغار
فأقام وترك سفره.
قال امرؤ القيس:
وقد طوَّفت في الآفاق حتَّى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
طربت إلى الأصيبية الصِّغار ... وهاجك منهم قرب المزار
وكلُّ مسافرٍ يزداد شوقاً ... إذا دنت الدِّيار من الدِّيار
وقال جرير:
ولما التقى الحيَّان ألقيت العصا ... ومات الهوى لما أصببت مقاتله
وقال آخر:
سررت بجعفرٍ والقرب منه ... كما سرَّ المسافر بالإياب
وكنت بقربه إذ حلَّ أرضى ... أميراً بالسَّكينة والصَّواب
كممطورٍ ببلدته فأضحى ... غنيّاً عن مطالبة السَّحاب
وقال آخر، وحكى صاحب البيان أنه لمضرَّس الأسدي:
مقلٌ رأى الإفلال عاراً فلم يزل ... يجوب بلاد الله حتَّى تموَّلا
إذا جاب أرضاً أو ظلاماً رمت به ... مهامه أخرى عيسه متقلقلا
ولم يثنه عمَّا أراد مهابةٌ ... ولكن مضى قدماً وما كان مبسلا
فلمَّا أفاد المال جاد بفضله ... لمن جاءه يرجو نداه مؤمِّلا
وقال آخر، وهو الأحمر بن سالم المزني:
فألقت عصاها واستقرّ بها النَّوى ... كماقرَّعيناً بالإياب المسافر
وقال آخر:
إذا نحن أبنا سالمين بأنفسٍ ... كرامٍ رجت أمراً فخاب رجاؤها
فأنفسنا خير الغنيمة إنَّها ... تؤوب وفيها ماؤها وحياؤها
وقال آخر:
رجعنا سالمين كما بدأنا ... وما خابت غنيمة سالمينا
وماتدرين أيُّ الأمر خيرٌ ... أما تهوين أم ما تكرهينا
قال عوف بن محلِّم: عادلت عبد الله بن طاهر إلى خراسان، فدخلنا الرُّيّ في السحر فإذا قمرية تغرد على فنن شجرة، فقال عبد الله: أحسن والله أبو كبير في قوله:
ألاياحمام الأيك إلفك حاضرٌ ... وغصنك ميَّادٌ ففيم تنوح
ثم قال: يا عوف أجزها. فقلت: شيخ كبير، وحملت على البديهة، وهي معارضة أبي كبير، ثم انفتح لي شيء، فقلت:
أفي كلِّ عامٍ غربةٌ ونزوح ... أما للنَّوى من ونيةٍ فتريح
لقد طلح البين المشتُّ ركائبي ... فهل أرينَّ البين وهو طليح
وأرَّقني بالرَّيِّ نوح حمامةٍ ... فنحت وذو الشَّجو القريح ينوح
على أنَّها ناحت ولم تذر عبرةً ... ونحت وأسراب الدُّموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه فيح
وذكر تمام الخبر.
كان يقال: من لم يرزق ببلدة فليتحوّل إلى أخرى.
стр. 47
قال رسول الله ﷺ : " الأرض أرض الله، والعباد عباد الله، فحيث وجد أحدكم رزقه، فليتق الله وليقم ".
قال عبد الله بن أبي الشّيص:
أظنُّ الدَّهر قد آلا فبرَّا ... بألاَّ يكسب الأموال حرَّاً
لقد قعد الزَّمان بكلِّ حرٍّ ... ونقّض من قواه المستمرَّا
كأنَّ صفائح الأحرار أردت ... أباه فحارب الأحرار طرَّا
فأصبح كلُّ ذي شرفٍ ركوباً ... لأعناق الدُّجى برَّاً وبحرا
فهتَّك جيب درع الَّليل عنه ... إذا ما جيب درع الَّليل زرَّا
يراقب للغنى وجهاً ضحوكاً ... ووجها للمنيَّة مكفهرَّا
فيكسب من أقاصي الأرض كسباً ... يحلُّ به المحلَّ المشمخرَّا
ومن جعل الظَّلام له قعوداً ... أضاء له الدُّجى خيراً وشرَّا
وقال آخر:
لا تصحبنَّ رفيقاً لست تأمنه ... شرُّ الرَّفيق رفيقٌ غير مأمون
أنشد نفطويه:
خاطر بنفسك لا تقعد بمعجزةٍ ... فليس حرٌ على عجزٍ بمعذور
إن لم تنل في مقامٍ ماتطالبه ... فأبل عذراً بادلاجٍ وتهجير
لن يبلغ المرء بالإحجام همَّته ... حتَّى يباشرها منه بتغيير
قالت بنت الأعشى:
أرانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع منَّا الرّحم
إذا غبت عنَّا وخلَّفتنا ... فإنَّا سواءٌ ومن قد يتم
وقال آخر:
وقالت وعيناها تفيضان عبرةً ... أيا أملي خبِّر متى أنت راجع
فقلت لها تالله يدري مسافرٌ ... إذا أضمرته الأرض ما الله صانع
وقال آخر:
حتَّى متى أنا في حلٍّ وترحال ... وطول سعىٍ وإدبارٍ وإقبال
ونازح الدَّار لا أنفكُّ مغترباً ... عن الأحبَّة لا يدرون ما حالي
بمشرق الأرض طوراً ثمَّ مغربها ... لايخطر الموت من حرصي على بالي
ولو قنعت أتاني الرِّزق في دعةٍ ... إنَّ القنوع الغنى لا كثرة المال
أنشد الأصمعي لحاجب الفيل اليشكري:
لمَّا رأت بنتي بأنِّي مزمعٌ ... بترحُّلٍ من أرضها فمودِّع
ورأت ركابي قرِّبت لرحالها ... قالت وغرب العين منها يدمع
أبتا أتتركنا وتذهب تائهاً ... في الأرض تخفضك البلاد وترفع
فيضيع صبيتك الّذين تركتهم ... بمضيمةٍ في المصر لم يترعرعوا
فيهم صغيرٌ ليس ينفع نفسه ... وصغيرةٌ تبكي وطفلٌ يرضع
إنَّا سنرضى ما أقمت بعيشنا ... ماكان من شيءٍ نجوع ونشبع
والله يرزقنا فنرضى رزقه ... وكفى بحسن معيشة من يقنع
إنَّا إذا ما غبت عنَّا لم نجد ... ممَّا تخلَّف عندنا ما ينفع
تجفو موالينا ويعرض جارنا ... وقريبنا الأدنى يعزُّ ويقطع
ونخاف أن تلقاك وشك منيّةٍ ... فيصيبنا الأمر الجليل المفظع
فنصير بعدك ليس يرفع بيتنا ... ويذلُّنا أعداؤنا ونضيَّع
هذا الرَّحيل وأمرنا ماقد ترى ... فمتى تؤوب إلى الصِّغار وترجع
فخنقت من قول الصِّغار بعبرةٍ ... كاد الفؤاد لقولهم يتصدَّع
وأجبتها صبراً بنيَّة واعلمي ... أن ليس يعدو يومه من يجزع
وقال الغزال:
وكم ظاعنٍ قد ظنَّ أن ليس آيباً ... فآب وأودى حاضرون كثير
وإنَّ الَّذي أعظمته من تغرُّبيعليَّ وإن أعظمت ذاك يسير
رأيت المنايا يدرك العصم عدوها ... فينزلها والطَّير منه تطير
وعلِّي أمضي ثمَّ أرجع سالماً ... ويهلك بعدي آمنون حضور
جعلت أرجِّيها إيابي ومن غدا ... على مثل حالي لا يكاد يحور
وكيف أبالي والزَّمان قد انقضى ... وعظمي مهيضٌ والمكان شطير
وإنِّي وإن أظهرت منِّي تجلُّداً ... لذو كبدٍ حرَّي عليك حسير
وقال آخر:
стр. 48
يقيم الرِّجال الأغنياء بأرضهم ... وترمي النَّوى بالمقترين المراميا
فأكرم أخاك الدَّهر ما دمتما معاً ... كفى بالممات فرقةً وتنائيا
وقال الراجز:
إنَّ فراخاً كفراخ الأوكر ... بأرض بغداد وراء الأجسر
تركتهم كبيرهم كالأصغر ... عجزاً عن الحيلة والتَّشمر
ذكرى لديهم مثل طعم السُّكَّر ... ووجدهم بي مثل وجد الأعور
بعينه إذ ذهبت لم يبصر
التشمر: الاكتساب، شمرت لأهلي: أي اكتسبت لهم، وتشَّمر الشجر إذا أورق.
قال أبو الفتح البستيّ:
لئن تنقَّلت من دارٍ إلى دارٍ ... وصرت بعد ثواءٍ رهن أسفار
فالحرُّ حرٌ عزيز النَّفس حيث ثوى ... والشَّمس في كلِّ برج ذات أنوار
وقال غيره:
كفى حزناً أنِّي مقيمٌ ببلدةٍ ... وأنت بأخرى ما إليك سبيل
خرج الشافعي الفقيه ﵁ في بعض أسفاره، فضمَّه الليل إلى مسجدٍ، فبات فيه، وإذا في المسجد قوم عوامّ يتحدثون بضروب من الخنا وهجر المنطق، فتمثل:
وأنزلني طول النَّوى دار غربةٍ ... إذا شئت لاقيت امرءاً لا أشاكله
قال شريك: كان يقال: إن أنجى النَّاس من البلايا والفتن، من انتقل من بلدٍ إلى بلد.
قيل لبعضهم:أيُّ سفرٍ أطول؟ فقال: من كان في طلب صاحبٍ يرضاه، أودرهم حلالٍ يكسبه.
قال حاتم الطَّائي:
إذا لزم النَّاس البيوت وجدتهم ... عماةً عن الأخبار خرق المكاسب
قال محمد بن أبي حازم الباهلي:
كم المقام وكم تعتافك العلل ... ما ضاقت الأرض في الدُّنيا ولا السُّبل
فارحل فإنّ بلاد الله ما خلقت ... إلا ليسلك منها السَّهل والجبل
إن ضاق لي بلدٌ يّممت لي بلداً ... وإن نبا منزلٌ بي، كان لي بدل
وإن تغيَّر لي عن ودِّه رجلٌ ... أصفى المودَّة لي من بعده رجل
لم يقطع الله لي من صاحب أملا ... إلاّ تجدَّد لي من صاحبٍ أمل
الله قد عوَّد الحسنى فما برحت ... منه لنا نعمٌ تترى وتتَّصل
يمسي ويصبح بي عمرٌ أدافعه ... برزق ربِّي حتى ينفد الأجل
وقال بعض المتأخرين من المغاربة، وتنسب إلى المتنبي، ولا تصح له:
رأيت المقام على الإقتصاد ... قنوعاً به ذلَّةً للعباد
وعجزٌ بذي أدبٍ أن يضيق ... به عيشه وسع هذي البلاد
وماغرب الرِّزق عن رائدٍ ... ولا سيما حسن الإرتياد
إذا ما الأديب ارتضى بالخمول ... فلاحظَّ في الأدب المستفاد
وفي الإضطراب وفي الإغتراب ... منال المنى وبلوغ المراد
وشرُّ الضَّراغم ضرغامةٌ ... طوى شبله وهو في الغيل هاد
وإن صارمٌ قرَّ في غمده ... حوى غيره الفضل يوم الجلاد
ولو يستوي بالنُّهوض القعود ... لما ذكر الله فضل الجهاد
إذا النَّار ضاق بها زندها ... ففسحتها في فراق الزِّناد
فدع موطناً واغد مسترزقاً ... كذا الرِّزق غادٍ إلى كلِّ غاد
ولا تفن عمرك خوف الفراق ... لبيضٍ ملاح وسمرٍ خراد
يطلن البكا عند شحط النَّوى ... ويأسين كلَّ الأسى في البعاد
فكم ترحةٍ من أسى فرقةٍ ... تعود سروراً بحسن المعاد
إلى كم تحمَّل ضيق المعاش ... وتصبر والصَّبر صعب القياد
على حالةٍ فوتها خيرها ... وضيق المعيشة سقم الفؤاد
بلا حاسدٍ لي ولا حامدٍ ... قليلة خيرٍ كماء الثِّماد
فلا شرَّ منِّي يخاف العدو ... ولا خير يرجوه أهل الوداد
جب الأرض شرقاً وجب غربها ... إلى كلِّ فجٍ عميقٍ وواد
عساك تنال الغنى أو تموت ... وعذرك في ذاك للنَّاس باد
فإن يكن الفقر حتماً عليك ... فكابده في غير ناديك ناد
стр. 49
فللموت أهون من أن تراك ... بعين الخساسة عين الأعادي
فإن لم تنل مطلباً رمته ... فليس عليك سوى الإجتهاد
وقال آخر:؟
مامن غريبٍ وإن أبدى تجلُّده ... إلاَّ سيذكر بعد الغربة الوطنا
وقال عبيد بن الأبرص:
وكلُّ ذي غيبةٍ يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب
باب التحول عن مواطن الذل
روي عن النبي ﷺ أنه قال: " لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه " قالوا: يا رسول الله وكيف يذل نفسه؟ قال: " يتعرض من البلاء لما لا يطيق ".
قال أوس بن حجر:
؟ أقيم بدار الحزم ما دام حزمها ... وأحر إذا حالت بأن أتحوَّلا
وقال المتلمّس:؟؟؟
إنَّ الهوان حمار البيت يألفه ... والحرُّ ينكره والفيل والأسد
؟ ولا يقيم بدار الذُّلِّ يألفها إلاَّ الذَّ ليلان عير الحيِّ والوتد
هذا على الخسف مربوطٌ برمَّته ... وذا يشجُّ فما يأوي له أحد
وقال مالك بن الرَّيب:
فإن تنصفونا آل مروان نقترب ... إليكم وإلاَّفأذنوا ببعاد
ففي الأرض عن دار المذلَّة مذهبٌ ... وكلُّ بلادٍ أوطنت كبلادي
وقال المغيرة بن حبناء:
ومثلى إذا ما الدَّار يوماً نبت به ... تحوَّل عنها واستمرَّت مرائره
ولا أنزل الدَّار المقيم بها الأذى ... ولا أرأم الشّيء الَّذي أنا قادره
إذا أنت لم ترغب بدارٍ نزلتها ... فبعها بدار أو بجارٍ تجاوره
أنشد أبو عبيد عن الأصمعي:؟
إذا كنت في دارٍ يهينك أهلها ... ولم تك مكبولاً بها فتحوَّل
وقال الزبير بن عبد المطلب:؟
ولا أقيم بدارٍ لا أشدُّ بها ... صوتي إذا ما اعترتني سورة الغضب
وقال آخر:
لا تأسفنَّ على خلٍّ تفارقه ... إنَّ الأقاصي قد تدنو فتأتلف
في النَّاس متبدلٌ والأرض واسعةٌ ... فيها مجالٌ لذي لبٍّ ومنصرف
وقال قيس بن الخطيم:؟
ومابعض الإقامة في ديارٍ ... يعيش بها الفتى إلاَّ بلاء
وقال المغيرة بن حنباء:
وفي الدّهر والأيَّام للمرء عبرةٌ ... وفي الأرض عن دار الأذى مترحرح
وقال معن بن أوس:
وفي النَّاس إن رثَّت حبالك واصلٌ ... وفي الأرض عن دار القلى متحوَّل
وقال عبد الصمد بن المعذل، ويروى لغيره:
إذا وطنٌ رابني ... فكلُّ بلادٍ وطن
وقال أبو العتاهية:
من عاش قضَّى كثيراً من لبانته ... وللمضايق أبوابٌ من الفرج
من ضاق عنك فأرض الله واسعةٌ ... في كلِّ وجه مضيقٍ وجه منفرج
وقال الحسين بن الضحاك، أو أبو العتاهية:
هممٌ تقاذفت الخطوب بها ... فهرعن من بلد إلى بلد
وقال آخر:
وفي الأرض عمَّن لايواتيك مرحل
وقال حبيب بن أوس الطائي:
وطول مقام المرء في الحيِّ مخلقٌ ... لديباجتيه فاغترب تتجدَّد
فإني رأيت الشَّمس زيدت محبَّةً ... إلى النَّاس إذ ليست عليهم بسرمد
وقال ابن المعتز:
رأيت حياة المرء ترخص قدره ... فإن مات أغلته المنايا الطَّوائح
كما يخلق الثوب الجديد ابتذاله ... كذا تخلق المرء العيون اللَّوامح
وقالأ أبوالفتح البستي:
وطول الماء في مستقرِّه ... يغيِّره لوناً وريحاً ومطعما
وقال أبو الفتح الشدوني:
إذا ما الحرُّ هان بأرض قومٍ ... فليس عليه في هربٍ جناح
وقد هنَّا بأرضكم وصرنا ... لقى في الأرض تذروه الرِّياح
وقال محمود الوراق:
وإذا نبا بي منزلٌ لا يرتضي ... جاوزته واخترت منه منزلا
وقال آخر:
وإذا الدِّيار تنكَّرت عن حالها ... فدع الدِّيار وأسرع التَّحويلا
ليس المقام عليك حقاً واجباً ... في منزلٍ يدع العزيز ذليلا
وقال بشار بن برد:
وكنت إذا ضاقت عليّ محلةٌ ... تيمَّمت أخرى ما عليّ تضيق
стр. 50
وماخاب بين الله والنَّاس عاملٌ ... له في النّقى أو في المحامد سوق
ولا ضاق فضل الله عن متعفّفٍ ... ولكنَّ أخلاق الرِّجال تضيق
وقال آخر:؟ إذا كنت في دارٍ وحاولت رحلةٍ فدعها وفيها إن رجعت معاد وقال آخر:
خلِّط فهذا زمانٌ فيه تخليط ... والنَّاس صنفان محرومٌ ومغبوط
ولا تقم ببلادٍ لا انتفاع بها ... فالأرض واسعةٌ والرِّزق مبسوط
ولا تكن غرَّةًٍترضى بغير رضىً ... فإنَّ رزقك عند الله مخطوط
وقال جواس الكلبي:
وإذا العلج أغلق الباب دوني ... لم يحرِّم على متن الطَّريق
وكفاني جفاء من يزدريني ... قطعي الخرق بالمروخ الحروق
وقال آخر:
اصبر على حدث الزَّمان فإنَّما ... فرج الشَّدائد مثل حلِّ عقال
وإذا خشيت تعذُّراً في بلدةٍ ... فاشدد يديك بعاجل التِّرحال
إنَّ المقام على الهوان مذلَّةٌ ... والعجز أضعف حيلة المحتال
وقال يحيى بن حكم الغزال:
وإنَّ مقامي شطر يومٍ بمنزلٍ ... أخاف على نفسي به لكثير
وقد يهرب الإنسان من خيفة الردى ... فيدركه ما خاف حيث يسير
وقال المتنبي:
إذا لم أجد في بلدةٍ ما أريده ... فعندي لأخرى عزمةٌ وركاب
وقال أبو عثمان العروضي في مهموزته:
إنَّ الفتى كلَّ الفتى من رأى ... هوانه أقبح ما قد رأى
اهرب عن الذُّلِّ وعجِّل فما ... أقربه من كلِّ من أبطآ
لو جرحت رأسي يدا منصفٍ ... لما تمنَّيت بأن أبرآ
ولي حين رحلت من إشبيلية:
وقائلةٍ مالي أراك مرحّلاً ... فقلت لها: صه واسمعي القول مجملا
تنكَّر من كنَّا نسرُّ بقربه ... وعاد زعافاً بعدما كان سلسلا
وحقَّ لجارٍ لم يوافقه جاره ... ولا لاء مته الدَّار أن يترحَّلا
بليت بخفضٍ والمقام ببلدةٍ ... طويلاً لعمري مخلقٌ يورث البلا
إذا هان حرٌ عند قومٍ أتاهم ... ولم ينأ عنهم كان أعمى وأجهلا
ولم تضرب الأمثال إلاَّ لعالمٍ ... ولا عوتب الإنسان إلاَّ ليعقلا
وقال ابن حازم، أو ابن بسام:
وإن نبا منزلٌ بحرٍّ ... فمن مكانٍ إلى مكان
لا يلبث الحرُّ في مكانٍ ... ينسب فيه إلى هوان
الحرُّ حرٌّ وإن تعدَّت ... عليه يوماً يد الزَّمان
والنَّذل نذلٌ وإن تكنَّى ... وصار ذا منطقٍ وشان
فاسترزق الله واستعنه ... فإنَّه خير مستعان
وقال أبو الفتح:
متى رفضتني دار قومٍ تركتها ... وإن لم يكن منها ومن أهلها بد
وقال حبيب:
لا يمنعنَّك خفض العيش في دعةٍ ... نزوع نفسٍ إلى أهلٍ وأوطان
تلقى بكلِّ بلادٍ إن نزلت بها ... أهلاً بأهل وإخواناً بإخوان
وقال ابن أبي حبيش:
يا نازلاً ببطليوسٍ إذا ظفرت ... يوماً يداك بيوم البين فاستبق
ولا تقم ببلادٍ لا يعاد بها ال ... مرضى وعجِّل على ما فيك من رمق
إنَّ المقام بأرضٍ لا يزار بها ... ولا يعاد أخو الشَّكوى من الحمق
باب التَّوديع والفراق
ودع رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب في مسيره إلى العمرة، فقال: " يا أخي لا تنسنا من دعائك ".
وقال رسول الله ﷺ : " إذا خرج أحدكم إلى سفر فليودع إخوانه، فإن الله جاعل له في دعائهم بركة ".
وكان عبد الله بن عمر إذا ودع رجلا يقول: استودع الله دينك، وأمانتك، وخواتم عملك.
قال الشعبي: السُّنة إذا قدم رجل من سفر، أن يأتيه إخوانه فيسلّموا عليه، إذا خرج إلى سفر أن يأتيهم فيودعهم ويغتنم دعائهم.
ودع شعبة بن الحجّاج رجلا خارجاً إلى الحج فقال له:أما إنَّك إن لم تعدَّ الحلم ذلاً، ولا السّفه شرفاً، سلم حجُّك.
ودع عبد الله بن المبارك رجلا، فقال:
ونحن ننادي أنّ فرقة بيننا ... فراق حياةٍ لا فراق ممات
стр. 51
وقال إبراهيم الموصلي:
تقضَّت لباناتٌ وجدّ رحيل ... ويشف من أهل الصَّفاء غليل
ومدَّت أكفٌ للوداع تصافحت ... وكادت عيونٌ للفراق تسيل
ولا بد للإلفين من ذمِّ لوعةٍ ... إذا ماالخليل بان عنه خليل
فكم من دمٍ قد طلّ يوم تحمَّلت ... أوانس لا يودى لهنّ قتيل
غداة جعلت الصَّبر شيئاً نسيته ... وأعولت لو أجدى عليك عويل
وقال محمد بن مقسم، أنشده له ابنه أبو الحسن أحمد بن مقسم:
فراق الأحبَّة داءٌ دخيلٌ ... ويوم الرَّحيل لنفسٍ رحيل
سمعت ببينك فاعتادني ... غليلٌ ببقلبي وحزنٌ طويل
أهذا ولم يك يوم الفراق ... فإن كان لا كان زاد الغليل
وأيقنت أنِّي به تالفٌ ... ما قد وصفت عليه دليل
حياة الخليل حضور الخليل ... ويفنى إذا غاب عنه الخليل
وقال آخر:
بكت عيني غداة البين حزناً ... والأخرى بالبكا بخلت علينا
فجازيت التي جادت بدمع ... بأن أقررتها بالوصل عينا
وجازيت التي جادت بدمعٍ ... بأن غمّضتها يوم التقينا
وقال الزبير بن بكار: شيعني إسحاق بن إبراهيم وقال:
فراقك مثل فراق الحياة ... وفقدك مثل افتقاد الدّيم
عليك السَّلام فكم من وفاءٍ ... أفارق منك وكم من كرم
وقال آخر:
ودّع أحبابه فما وقفوا ... ولا على ذي صبابةٍ عطفوا
كم كبدٍ قطعوا بينهم ... وكم دموعٍ عليهم تلف
كأنَّهم لم يجاوروك ولم ... تعرفهم والوصال مؤتلف
وقال آخر:
لم أنس يوم الرَّحيل موقفها ... وطرفها في دموعها غرق
وقولها والرِّكاب واقفةٌ ... تركتني هكذا وتنطلق
وقال آخر:؟
ليس شيءٌ من الفراق وإن كا ... ن أخو الوجد والهاً كلفا
أحرق من وقفة المشيِّع للقل ... ب يريد الرُّجوع منصرفا
وقال آخر:
أقول له حين ودَّعته ... وكلٌّ بعشرته مبلس
لئن رجعت عنك أجسامنا ... لقد سافرت معك الأنفس
وقال آخر:
من يكن يكره الفراق فإنِّي ... أشتهيه لموضع التَّسليم
إنَّ فيه اعتناقةً لوداعٍ ... وانتظار اعتناقةٍ لقدوم
وقال آخر:
صاح الغراب بوشك البين فارتحلوا ... وقرَّبوا العيس قبل الصُّبح واحتملوا
وغادروا القلب ما تهدا لواعجه ... كأنَّه بضرام النَّار مشتعل
وفي الجوانح نار الحبِّ تقذفها ... أيدي النّوى بزناد الشَّوق إذ رحلوا
لمَّا أناخوا قبيل الصّبح عيرهم ... ورحَّلوها وسارت بالدُّمى الإبل
وقلَّبت من خلال السُّجف ناظرها ... ترنو إليًّ ودمع العين منهمل
وودّعت ببنان عقده عنمٌ ... ناديت: لا حملت رجلاك يا جمل
ويحيى من البين ماذا حلَّ بي وبهم ... من نازل البين حلَّ البين وارتحلوا
يا راحل العيس عرِّج كي نودِّعهم ... يا راحل العيس في ترحالك الأجل
إنِّي على العهد لم أنقض مودّتهم ... يا ليت شعري لطول البين ما فعلوا
أنشدني أبو القاسم خلف بن قاسم ﵀، قال أنشدني أبو بكر بن محمد ابن عبد الله بن الصَّيدلاني، قال: أنشدني أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل الأخفش:
سقياً ورعياً وإيماناً ومغفرةً ... للباكيات علينا حين نرتحل
يبكي علينا ولا نبكي على أحدٍ ... أنحن أغلظ أكباداً أم الإبل
وقال آخر:
أحجَّاج بيت الله في أيِّ هودجٍ ... وفي أيِّ خدرٍ من خدوركم قلبي
أأبقى نحيل الجسم في أرض غربةٍ ... وحاديكم يحدو بقلبي مع الرَّكب
وقال عمر بن أبي ربيعة:
هاج القريض الذِّكر ... لمَّا غدوا فانشمروا
على بغالٍ شحَّجٍ ... قد ضمَّهنَّ السَّفر
стр. 52
فيهنَّ هندٌ ليتني ... ما عمِّرت أعمَّر
حتَّى إذا ما جاءها ... حتفٌ أتاني القدر
وقال آخر:
أيا عجباً ممَّن يودِّع إلفه ... يمدَّ يداً نحو الفراق فيسرع
هممت بتوديع الحبيب فلم أطق ... فودَّعته بالقلب والعين تدمع
وينظر إليه في قول الآخر:
ودَّعها طرفي فقالت له ... بالدَّمع أستودعك الله
وقال حبيب
مااليوم أوَّل توديعي ولا الثَّاني ... البين أكثر من شوقي وأحزاني
حسب الفراق بأنَّ الدَّهر ساعده ... فصار أملك من روحي بجثماني
وماأظنُّ النَّوى يرضى بما صنعت ... حتَّى تشافه بي أقصى خرسان
وقال آخر:
أهدى إليه سفرجلاً فتطيَّرا ... منه وظلّ مفكِّراً مستعبراً
خوف الفراق لأنَّ شطر هجائه ... سفرٌ وحقَّ له بأن يتطيَّرا
وقال آخر:
أقيم وتظعنين وأنت روحي ... وهل جسدٌ يعيش بغير روح
لئن كان الفراق غداً فإنِّي ... سأحمل لا أشكُّ إلى ضريحي
تعالي بعد فرقتنا لنبكي ... فإنِّي نائحٌ أبداً فنوحي
وقال أبو الشيص، وهو محمد بن عبد الله بن رزين:
مافرَّق الأحباب بع ... د الله إلاَّ الإبل
والنَّاس يلحون غرا ... ب البين لمَّا جهلوا
وماعلى ظهر غرا ... ب البين تطوى الرِّحل
ولا إذا صاح غرا ... بٌ في الدِّيار ارتحلوا
وماغراب البين إلاَّ ... ناقةٌ أو جمل
أنشدنيها عبد الوارث عن قاسم عن أبي خيثمة لأبي الشِّيص.
وقال العلوي علي بن محمد:
ولقد نظرت إلى الفراق فلم أجد ... للموت لو فقد الفراق سبيلا
ياساعة البين الطَّويل كأنَّما ... واصلت ساعات القيامة طولا
وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الفقيه:
لعمري لئن شطَّت بعثمة دارها ... لقد كدت من قبل الفراق أليح
أروح بهمٍّ ثم أغدو بمثله ... ويحسب أنِّي في الثِّياب صحيح
وقال حبيب:
يوم الفراق لقد خلقت طويلا ... لم تبق لي جلداً ولا معقولا
لو جاء مرتاد المنيَّة لم تجد ... إلاَّ الفراق على النُّفوس دليلا
قالوا الرَّحيل فما شككت بأنَّها ... نفسي عن الدُّنيا تريد رحيلا
وهذا باب أكثر فيه أهل الظرف، فرأيت اختصاره، قال الحارث بن وعلة، وتنسب إلى العتّابي كلثوم بن عمرو، وهي أبيات كثيرة أولها:
ماغناء الحذار والإشفاق ... وشآبيب دمعك المهراق
غرَّ من ظنَّ أن يفوت المنايا ... وعراها قلائد الأعناق
ويد الحادثات رهنٌ بمرَّا ... تٍ من العيش مصرَّات المذاق
كم صفيَّين متّعا باتفاقٍ ... ثمَّ صارا من بعده لافتراق
قلت للفرقدين والَّليل ملقٍ ... سود أكنافه على الآفاق
ابقيا ما بقيتما سوف يرمي ... بين شخصيكما بسهم الفراق
هوِّني ذا عليك واقني حياءً ... لست تبقين لي ولست بباق
أيُّنا قدَّمت حمام المنايا ... فالَّذي أخَّرت سريع الَّلحاق
لا يدوم البقاز للخلق ل ... كنَّ دوام البقاء للخلاَّق
إن قضى الله أن يكون تلاقٍ ... بعد ما قد ترين كان التّلاقي
وقال آخر، وهو نفطويه:
شيئان لو بكت الدِّماء عليهما ... عيناي حتَّى تؤذنا بذهاب
لم يبلغا المعشار من حقَّيهما ... فقد الشَّباب وفرقة الأحباب
وقال الغزال:
وإن رجائي في الإياب إليكم ... وإن أنا أظهرت العزاء قصير
وإن كنت تبغين الوداع فبالغي ... فدونك أحوالٌ أرى وشهور
وقال آخر:
ليس الفراق وإن جزعت بضائرٍ ... ما لم تفرِّق بيننا الأخلاق
إن لم يحل حدث المنيَّة بيننا ... فسنلتقي وسيحفظ الميثاق
стр. 53
والدَّهر يجمع بين كلِّ مفارقٍ ... ولكلِّ ملتقيين منه فراق
وقال محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين:
مدَّت إلى البين أطرافاً مخضَّبةً ... لمَّا تولَّت وذاقت حرقة البين
وودَّعتني وما همَّت ولا نطقت ... وإنَّما ودّعت وحياً بعينين
بلى لقد أومأت نحوي بإصعبها ... إيماءةً ختلت عنها الرَّقيبين
وقال آخر:
أتذكر إذا تودِّعنا سليمى ... بعود بشامةٍ سقى البشام
يريد: تشير إلينا بمسواكها مودعة.
وقال أبوعوانة: كنت أجالس أبا العتاهية فأراد الخروج إلى مكة فودعني وقال:
إن نعش نجتمع وإلاَّ فما ... أشغل من مات عن جميع الأنام
قالت أعرابية لابن لها، وقد ودعته وهو يريد سفراً: امض مصاحباً مكلوءاً، لا أشمت الله بك عدواً، ولا أرى محبيك فيك سوءاً.
ودع أعرابي رجلا، فقال كبت الله لك كل عدوّ إلا نفسك، وجعل خير عملك، ما ولى أجلك. بيت قديم:
وكلُّ مصيبات الزَّمان وجدتها ... سوى فرقة الأحباب هيِّنة الخطب
قال محمد بن عبد السلام الخشني:
كأن لم يكن بينٌ ولم تك فرقةٌ ... إذا كان من بعد الفراق تلاق
كأن لم تؤرَّق بالعراقين مقلتي ... ولم تمر كفُّ الشَّوق ماء مآق
ولم أزر الأعراب في خبت أرضهم ... بذات اللِّوى من رامةٍ وبراق
ولم أصطبح في البيد من قهوة النَّوى ... بكأسٍ سقانيها الفراق دهاق
وقال آخر:
خليليّ إلاَّتبكيا لي أستعن ... خليلاً إذا أفنيت دمعي بكى ليا
كأن لم تكن بينٌ إذا كان بعده ... تلاق ولكن لا إخال تلاقيا
قالوا: كم بين لوعة الفراق وفرح التلاق.
باب الزيارة والعيادة
قال رسول الله ﷺ : " من زار أخاً له في الله، أو عاده، خاض الرحمة حتى يرجع وقال الله له: طبت ممشاك وتبوأت من الجنَّة منزلا "، وقال رسول الله ﷺ : " إذا أتاكم الزائر فأكرموه " وقال حاكياً عن الله : " وجبت محبتي للمتزاورين فيّ والمتحابين فيّ ".
قال رسول الله ﷺ ، لأبي هريرة: " ياأباهريرة زرغبَّاً تزدد حبّاً ".أخذه الشاعر فقال:
إذا شئت أن تقلى فزر متواتراً ... وإن شئت أن تزداد حبَّاً فزد غبَّا
أنشدني أبو عثمان سعيد بن سيد، لعبد الملك بن جهور الوزير:
وقد قال الرَّسول وكان برَّاً ... إذا زرت الحبيب عزره غبَّا
وأقلل زور من تهواه تزدد ... إذا ما زرته مقةً وحبَّا
ولعلي بن أبي طالب الكاتب:
إنِّي رأيتك لي محبَّاً ... وإليّ حين أغيب صبَّا
فهجرت لا لملالةٍ ... حدثت ولا استحدثت ذنبا
إلاَّ لقول نبيِّنا ... زوروا على الأيَّام غبَّا
ولقوله من زار غبَّا ... منكم يزداد حبَّا
قال خارجة بن زيد النحوي: دخلت على محمد بن سيرين بيته زائراً له، فوجدته جالساً بالأرض، فألقى إليّ وسادة، فقلت له: إني قد رضيت لنفسي مارضيت لنفسك. فقال: إني لا أرضى لك في بيتي ما أرضى لنفسي، واجلس حيث تؤمر، فلعل الرجل في بيته يكره أن تستقبله.
قال بشار:
لا تجعلن أحداً عليك إذا ... أحببته وهويته ربَّا
وصل الخليل إذا شغفت به ... واطو الزِّيارة دونه غبَّا
فلذاك خيرٌ من مواصلةٍ ... ليست تزيدك عنده قربا
لكن يملُّك ثمَّ تدعو باسمه ... فيقول: ها، وطالما لبَّى
وقال آخر:
عليك بإقلال الزِّيارة إنَّها ... تكون إذا ما دامت إلى الهجر مسلكا
فإنِّي رأيت الغيث يسأم دائماً ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
قال قيس بن سعد بن عبادة: أتى رسول الله ﷺ زائراً، فوقف ببابنا.
قال ابن المعتز:
وقفةٌ في الطَّريق نصف الزِّياره
وقال آخر:
وحظُّك زورةٌ في كلِّ عامٍ ... موافقةٌ على ظهر الطَّريق
стр. 54
سلاماً خالياً من كلِّ شيءٍ ... يعود به الصَّديق على الصَّديق
كان يقال: امش ميلاً وعد عليلا، وامش ميلين وأصلح بين اثنين، وامش ثلاثة أميال، وزر في الله.
قال رسول الله ﷺ : " كان فيمن قبلكم رجل يزور أخاً له في الله بقرية أخرى، فأرصد الله على مدرجه ملكا، فلما انتهى إليه قال له: أين تريد؟ قال: أريد قرية كذا. قال: وما حاجتك فيها؟ قال: زيارة أخ لي في الله. قال: وهل غيرذلك؟ قال: لا قال: فهل عليك من نعمة تربيها، أو تشكرها؟ قال: لا،إلا أنه أحبني في الله فأحببته فيه. قال: فإني رسول الله إليك، مخبرك أنه يحبك كما أحببت فيه ".
قال رسول الله ﷺ : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ثم أذن لي فيها فزوروها فإنها تذكّر الآخرة، ولا تقولوا هجراً ".
كان سفيان بن عيينة يقول: لا تعمل الأقدام في الزيارة إلاّ إلى أقدارها، وينشد:
فضع الزِّيارة حيث لا يزرى بها ... كرم المزور ولا يعاب الزَّائر
وقال العباس بن الأحنف:
يقرِّب الشَّوق داراً وهي نازحةٌ ... من عالج الشَّوق لم يستبعد الدَّارا
أزوركم لا أكافئكم بجفوتكم ... إنَّ المحبَّ إذا لم يستزر زارا
وقال الأحوص:
وماكنت زوَّاراً ولكنَّ ذا الهوى ... إذا لم يزر لا بدَّ أن سيزور
أزور على أن لست أفقد كلَّما ... أتيت عدوَّاً بالبنان يشير
وقال آخر:
فإنَّي لزوَّارٌ لمن لا يزورني ... إذا لم يكن في ودِّه بمريب
ومستقربٌ دار الحبيب وإن نأت ... وما دار من أبغضته بقريب
وقال آخر:
رأيت تباعد الإخوان قرباً ... إذا اشتملت على الودِّ القلوب
وليس يواصل الإلمام إلاَّ ... ضنينٌ في مودَّته مريب
وقال إبراهيم بن العباس الصولي:
دنت بأناسٍ من تناءٍ زيارةٌ ... وشطَّ بليلى عن دنوٍ مزارها
وإنَّ مقيماتٍ بمنقطع الِّلوى ... لأقرب من ليلى وهاتيك دارها
وأما قول قرم بن مالك:
علام إوايم البخلاء فيها ... فأقعد لا أزور ولا أزار
قال بعضهم: إن معناه علام أستوحش من الناس، وتأول من ذهب هذا المذهب في قول العرب: لولا الأوام هلك الأنام، أي لولا أنس الناس بعضهم ببعض لهلكوا إذا عمتهم الوحشة. وقال آخرون: في قولهم: لولا الأوام هلك الأنام، أي لولا أن بعض الناس إذا رأى صاحبه صنع خيراً تشبه به لهلك الناس، ولبعض أهل العصر:
أزور خليلي ما بدا لي هشُّه ... وقابلني منه البشاشة والبشر
فإن لم يكن هشٌ وبشٌ تركته ... ولو كان في الُّلقيا الولاية واليسر
وحقُّ الذي ينتاب داري زائراً ... طعامٌ وبرٌ قد تقدَّمه بشر
باب العيادة أيضاً
قال رسول الله ﷺ : " عائد المريض في مخرفة الجنة ".
وقال ﵇: " عائد المريض يخوض الرحمة، فإذا قعد عنده غمرته ".
قال مالك: أو نحو هذا.
قال رسول الله ﷺ : " من حقِّ المسلم على المسلم أن يسلِّم عليه إذا لقيه، ويعوده إذا مرض ويشمِّته إذا عطس، ويشيِّع جنازته إذا مات ويجيبه لطعامه إذا دعاه ".
قال رسول الله ﷺ : " أفضل العيادة أخفُّها ".
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن الحجاج - يعني بن أرطاة - عن المنهال عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عبّاس، قال: " من دخل على مريضٍ لم تحضر وفاته، فقال: أسأل الله العظيم، ربَّ العرش العظيم أن يشفيك سبع مرات شفي ".
قال الشاعر:
؟ إن كنت في ترك العيادة تاركاً ... حظِّي فإنِّي في الدُّعاء لجاهد
ولربَّما ترك العيادة مشفقٌ ... وأتى على غلِّ الضّمير الحاسد
وقال آخر:
إذامرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم فنعتذر
وقال عبد الله بن مصعب الزبيري:
مالي مرضت فلم يعدني عائدٌ ... منكم ويمرض كلبكم فأعود
فسمي عائد الكلب.
ولجعفر بن حذار الكاتب:
؟ إنَّ العيادة يومٌ بين يومين ... واقعد قليلاً كلحظ العين بالعين
стр. 55
لا تبرمنَّ مريضاً في عيادته ... يكفيك من ذاك تسآلٌ بحرفين
وللشافعي الفقيه ﵁ وقد اشتكى بمصر شكوى عاده فيها بعض إخوانه، فلمسوا جبينه، وقالوا له: أنت بخير ونحو هذا، فقال:
أقول لعائديَّ وشجَّعوني ... وغرَّهم فتور حمى جبيني
تعزَّوا بالتَّصبُّر عن أخيكم ... فضجُّوا بالبكاء وودّعوني
فلم أدع الأنين لقلِّ سقمي ... ولكنِّي ضعفت عن الأنين
سأصبر للحمام وقد أتاني ... وإلاَّ فهو آتٍ بعد حين
وإن أسلم يمت قبلي حبيبٌ ... وموت أحبَّتي قبلي يسوني
قال المدائني: سقط عبد الله بن شبرمة القاضي عن دابته، فوثئت رجله، فدخل عليه يحيى بن نوفل الشاعر عائداً له ومادحاً، وكان جاره فأنشده:
أقول غداة أتانا الخبير ... ود سَّ أحاديثه هينمه
لك الويل من مخبرٍ ماتقول؟ ... أبن لي وعدِّ عن الجمجمه
فقال خرجت وقاضي القضا ... ة منفكَّةٌ رجله مؤلمه
فقلت وضاقت عليَّ البلاد ... وخفت المجلِّلة المعظمه
فغزوان حرٌّ وأمُّ الوليد ... إن الله عافى أبا شبرمه
جزاءً لمعروفه عندنا ... وما عتق عبدٍ له أو أمه
قال: وفي المجلس جارٌ ليحيى بن نوفل يعرف ما في منزله، فلما خرج تبعه، فقال له: ياأبا معمر! رحمك الله من غزوان وأمّ الوليد؟ قال: سنَّوران في البيت فاستر عليّ.
باب الحجاب
قال رسول الله ﷺ : " من ولي من أمور النَّاس شيئاً فاحتجب عن حاجتهم، احتجب الله عنه يوم القيامة وعن حاجته، وخلّته وفاقته ".
وقال رسول الله ﷺ : " من رفع حاجة ضعيفٍ إلى ذي سلطان لا يستطيع رفعها، ثبَّت الله قدميه على الصِّراط يوم القيامة ".
حجب معاوية أبا الدّرداء يوماً وحبسه عند بابه، فقيل له: يا أبا الدرداء! ويفعل هذا بك وأنت صاحب رسول الله ﷺ ؟ فقال: من يأت أبواب السلطان يقم ويقعد.
قال عبد العزيز بن زرارة الكلابي:؟ دخلت على معاوية بن صخر على حين يئست من الدّخول
وما نلت الدُّخول عليه حتّى ... حللت محلّة الرّجل الذَّليل
وأغضيت الجفون على قذاها ... ولم أنظر إلى قالٍ وقيل
فأدركت الّذي أمّلت منه ... بمكثٍ والخطا زاد العجول
حجب أعرابيٌّ عند باب سلطان فقال:
أهين لهم نفسي لأكرمها بهم ... ولن يكرم النّفس الّذي لا يهينها
حدثني أبو القاسم خلف بن قاسم ﵀، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عبيد الله الصَّيدلاني، قال:حدثنا عليُّ بن سليمان الأخفش، قال: أنشدني بعض أصحابنا:
في كلِّ يومٍ لي ببابك وقفةٌ ... أطوى إليها سائر الأبواب
فإذا جلست وغبت عنك فإنّه ... ذنبٌ عقوبته على البوّاب
استأذن أبو سفيان على عثمان ﵁، فأبطأ إذنه، فقيل حجبك أمير المؤمنين؟ فقال: لا عدمت من قومي من إذا شاء حجب.
قال معاوية لحضين بن المنذر: يا أبا ساسان كأنك لا تحسن إذنك. فأنشأ يقول:
كلُّ خفيف الرّأي يمشي مشِّمراً ... إذا فتح البواب بابك إصبعا
ونحن الجلوس الماكثون رزانةً ... وحلماً إلى أن يفتح الباب أجمعا
قال زياد لحاجبه: يا عجلان! إنّي ولّيتك ما وراء بابي، وعزلتك عن أربعة: طارق الليل فشرٌ ما جاء به، وخبر رسول صاحب الثغر فإنّه إن تأخر ساعة أبطل عمل سنة، وهذا المنادي الصّلاة وصاحب الطعام فإنَّ الطَّعام إذا أعيد عليه التَّسخين فسد.
قال مروان لابنه عبد العزيز - حين ولاّه مصر - يا بنيّ مر حاجبك يخبرك من حضر بابك كلّ يوم، فتكون أنت تأذن وتحجب، وآنس من دخل عليك بالحديث فينبسط إليك، ولا تعجل بالعقوبة إذا أشكل عليك الأمر، فإنّك على العقوبة أقدر منك على ارتجاعها.
كان يقال: لا تقم على باب حتى تدعى إليه.
стр. 56
أقام رجل على باب كسرى سنة، فلم يؤذن له، فقال له الحاجب: اكتب كتاباً وخفّفه أوصله لك. فقال: لا أزيد على أربعة أسطر، فكتب في السطر الأول: الأمل والضرورة أقدماني عليك، وفي السطر الثاني: ليس مع العدم صبر على الطلب، وفي السطر الثالث: الرجوع بلا فائدة شماتة الأعداء وفي السطر الرابع: إما نعم مثمرة، وإما لا موئسة. فوقع كسرى تحت كل سطر بأربعة آلاف درهم، فانصرف بستة عشر ألف درهم.
قال أشجع بن عمر السُّلمي، في باب محمد بن منصور بن زياد:
على باب ابن منصورٍ ... علاماتٌ من البذل
جماعاتٌ وحسب البا ... ب فضلا كثرة الأهل
وقال بشار بن برد:
يسقط الطَّير حيث ينتثر الحبُّ ... وتغشى منازل الكرماء
وقال حبيب:
إنّ السّماء ترجَّى حين تحتجب
وقال آخر:
يزدحم النَّاس على بابه ... والمشرب العذب كثير الزِّحام
وقال عبيد الله بن عكراش:
وإنّي لأرثي للكريم إذا غدا ... على طمعٍ عند الَّلئيم يطالبه
وأرثي له من وقفةٍ عند بابه ... كمرثيتي للطِّرف والعلج راكبه
كتب رجل إلى عبد الله بن طاهر:
إذا كان الجواد له حجابٌ ... فما فضل الجواد على البخيل
فأجابه عبد الله بن طاهر:
إذا كان الجواد قليل مالٍ ... ولم يعذر تعلَّل بالحجاب
وقال البحتري:
أتيتك لَّلتسليم لا أنَّني امرؤٌ ... طلبت بإتيانك أسباب نائلك
فألفيت بوَّاباً ببابك مغرماً ... بهدم الّذي أوطأته من فضائلك
وقد قيل قدماً حاجب المرء عاملٌ ... على عرضه فاحذر جناية عاملك
وكن عالماً أن لست من بعد راجعاً ... إليك ولو كان الهدى من رسائلك
ولعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود إلى عمر بن عبد العزيز:
يا عمر بن عمر بن الخطّاب ... إن وقوف الحرِّ عند الأبواب
يدفعه البوَّاب بعد البواب ... يعدل عند الحرّ قلع الأنياب
قال بعض الأكاسرة لحاجبه: لا تحجب عني أحداً إذا أخذت مجلسي، فإن الوالي لا يحجب إلا عن ثلاث: عيٌ يكره أن يطلع عليه، أو بخل فيكره أن يدخل عليه من يسأله، أو ريبة.
وقد نظم هذا كله محمود الوراق فقال:
إذا اعتصم الوالي بإغلاق بابه ... وردّ ذوي الحاجات دون حجابه
ظننت به إحدى ثلاثٍ وربّما ... نزعت بظنٍّ واقعٍ بصوابه
فقلت به مسٌ من العيِّ قاطعٌ ... ففي إذنه للنّاس إظهار ما به
فإن لم يك عيُّ اللسان فغالبٌ ... من البخل يحمي ماله عن طلابه
فإن لم يكن هذا ولا ذا فريبةٌ ... يصرُّ عليها عند إغلاق بابه
وله أيضاً:
لولا مقارفة الرِّيب ... ما كنت مّمن يحتجب
أو لا فعيٌ فيك أو ... بخلٌ على أهل الطَّلب
فاكشف لنا وجه العتا ... ب ولا تبال من عتب
وقد جمع منصور الفقيه هذا المعنى في أقل نظم، فقال:
وطول الحجاب مخبِّرٌ ... عن عيِّ صاحبه وبخله
فإذا الفتى لم يستبن ... هذا تبيّن ضعف عقله
وأرفع من هذا قول زهير:
السِّتر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر
قصد إبراهيم بن المهدي بن يحيى بن خالد فحجبه، فكتب إليه إبراهيم:
إني أتيتك للسّلام ولم ... أنقل إليك لحاجةٍ رجلي
فحجبت دونك مرّتين وقد ... تشتدّ واحدةٌ على مثلي
وقال آخر:
سأترك باباً تملك إذنه ... وإن كنت أعمى عن جميع المسالك
فلو كنت بوّاب الجنان تركتها ... وحوّلت رجلي مسرعاً نحو مالك
وقال محمود الوراق:
سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... كعهدي به حتّى يخفَّ قليلا
وما خاب من لم يأته متعمِّدا ... ولا فاز من قد نال منه وصولا
وما جعلت أرزاقنا بيد امرئٍ ... حمى بابه من أن ينال دخولا
إذا لم أجد يوماً إلى الإذن سلَّماً ... وجدت إلى ترك المجيء سبيلا
وقال آخر:
стр. 57
على أيِّ بابٍ أطلب الإذن بعدما ... حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه
وفي معنى هذا قول الفرزدق:
وكان يجير النّاس من سيف مالكٍ ... فأصبح يبغي نفسه من يجيرها
وقال آخر:
ولست بمتّخذٍ صاحباً ... يقيم على بابه حاجبا
ويلزم إخوانه حقَّه ... وليس يرى حقّهم واجبا
وقال أبو تمام:
هشٌ إذا نزل الوفود ببابه ... سهل الحجاب مهذّب الخدّام
وإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيُّهما أخو الأرحام
وقال أبو العتاهية في عمرو بن مسعدة:
ما لك قد حلت عن وفائك واس ... تبدلت يا عمرو شيمة كدره
ما لي في حاجةٍ إليك سوى ... تسهيل إذني فإنها عسره
إّني إذ االباب تاه صاحبه ... لم يك عندي لتركه نظره
لستم ترجَّون للحساب ولا ... يوم تكون السَّماء منفطره
لكن لدنيا تكون بهجتها ... سريعة الإنقضاء منشمره
قد كان وجهي لديك معرفةً ... فاليوم أضحى باباً من النكرة
كتب أبو مسهر إلى أبي جعفر محمد بن عبدكان، وكان قد حجب على بابه:
إني أتيتك للسَّلام أمس فلم ... تأذن عليك لي الأستار والحجب
وقد علمت بأني لم أردَّ ولا ... والله ما ردّ إلاَّ الحديث والأدب
فأجابه محمد بن عبد كان:
لو كنت كافأت بالحسنى لقلت كما ... قال ابن أوسٍ ففي أشعاره أدب
ليس الحجاب بمقصٍ عنك لي أملاً ... إنّ السَّماء ترجّى حين تحتجب
وقال منصور الفقيه:
إن الحجاب عذابٌ ... وليس لي بالعذاب
كلاَّ فلا تعذلوني ... على اتَّصال اجتنابي
وله أيضاً:
إذا كان لا بدَّ من حجبةٍ ... ومن حاجبٍ فاجعلوه رفيقا
يخاطب من جاءه بالجميل ... فيأتي صديقاً ويمضي صديقا
باب المصافحة وتقبيل اليد والفم
قال رسول الله ﷺ : " تصافحوا يذهب الغلّ ".
وقال رسول الله ﷺ ": إذا التقى المسلمان وتصافحا تحاتت ذنوبهما كما يتحاتُّ الشَّجر ".
كان رسول الله ﷺ ، إذا صافح رجلاً لم ينزع يده من يده حتى يكون الرّجل هو الذي ينزع يده من يده.
قال أبو مخلد: المصافحة تجلب المحبة.
كان يقال: تحية المؤمنين المصافحة والسَّلام.
قال الشّاعر:
قد يمكث النّاس دهراً ليس بينهم ... ودٌّ فيزرعه التَّسليم والُّلطف
لما حضر رسول الله ﷺ بني قريظة، وأرادوا النزول على حكم سعد بن معاذ وكان قد تخلف بالمدينة لجرحٍ أصابه بعث إليه رسول الله ﷺ ، فلما قدم عليه قال للأنصار: " قوموا إلى سيّدكم ".
قال رسول الله ﷺ : " من سرّه أن يمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار ".
ومذهب الحديثين أنه جائز للرجل أن يكرم القاصد إليه إذا كان كريم القوم، أو عالمهم، أو من يستحقّ البرّ منهم بالقيام إليه أو يرضى بذلك منهم.
قال ابن المسيّب البغدادي جار ابن الرومي:
أقوم وما بي أن أقوم مذلةٌ ... عليّ وإنّي للكرام مذلَّل
على أنَّها منِّي لغيرك هجنةٌ ... ولكنَّها بيني وبينك تجمل
كان يقال: تقبيل اليد إحدى السجدتين.
تناول أبو عبيدة بن الجراح يد عمر ليقبِّلها، فقبضها، فتناول رجله فقال: ما رضيت منك بتلك فكيف بهذه.!! دخل عقَّال بن شبَّة على هشام بن عبد الملك، فأراد أن يقبِّل يده فقبضها، وقال: مه فإنه لم يفعل هذا من العرب إلا هلوع، ومن العجم إلا خضوع.
قال الحسن: قبلة يد الإمام العدل طاعة.
كان يقال: قبلة الرّجل زوجته الفم، وقبلة الوالد ولده الرأس، وقبلة الأمِّ الولد الخدَّ، وقبلة الأخت الأخ العنق.
قال عليّ بن أبي طالب ﵁: قبلة الوالد عبادة، وقبلة الولد رحمة، وقبلة المرأة شهوة وقبلة الرجل أخاه دين.
قال رسول الله ﷺ : " العينان تزنيان وزناهما النظر،والفم يزني وزناؤه القبل، واليد تزني وزناؤهما اللمس، ويصدِّق ذلك كله الفرج أو يكذبه ".
стр. 58
قال الهيثم بن عديّ قال لي صالح بن حيّان: من أفقه الشّعراء؟ فقلت: اختلف في ذلك. فقال: أفقه الشعراء وضَّاح اليمن، حيث يقول:
إذا قلت هاتي ناوليني تبسّمت ... وقالت معاذ الله من فعل ما حرم
فما نوَّلت حتّى تضرّعت عندها ... وأعلمتها ما أرخص الله في الَّلمم
باب الرَّسول ﷺ
ذكر ابن الأنباري عن ثعلب، عن ابن الأعرابي، قال: الرَّسول والرَّسيل والرّسالة سواء.
وينشد هذا البيت على وجهين:
لقد كذب الواشون ما بحث عندهم ... بسرٍّ ولا أرسلتهم برسول
ويروى برسيل.
قال رسول الله ﷺ : " إذا أبردتم إليّ بريداً، أو بعثتم رسولا، فليكن حسن الوجه، حسن الاسم، وإذا سألتم الحوائج فاسألوا حسان الوجوه ".
قال رسول الله ﷺ : " الرجل الصّالح يجيء بالخبر الصالح، والرجل السّوء يأتي بالخبر السّوء ".
أنشد أبو حازم القاضي ببغداد:
وأتانا عن النبيِّ حديثا ... ن إليه كلاهما يسندان
واحدٌ في الحاجات يأمرنا أن ... نبتغي من ذوي الوجوه الحسان
ثم في الفال حبّه حسن الاس ... م وهذان فيك مجتمعان
ومعاذ الإله أن يلفيا في ... ك كما جاء عنه لا يصدقان
كان عبد الملك بن مروان إذا ولَّى رجلاً البريد، سأل عن صدقه وعفته وأمانته، وقال: إن كذبه يشكك في صدقه، وشرّه يحمله على كتمان الحق، وعجلته تهجم به على ما يندمه ويؤثمه.
قالوا: الرسول قطعة من المرسل.
قال عمرو بن العاص: ثلاثةٌ دالّة على صاحبها: الرسول على المرسل، والهدية على المهدي، والكتاب على الكاتب.
لما قال عمر بن أبي ربيعة:
من رسولي إلى الثُّريّا فإنِّي ... ضقت ذرعاً بهجرها والكتاب
هي مكنونةٌ تحيَّر منها ... في أديم الخدَّين ماء الشّباب
أبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين خمسٍ كواعبٍ أتراب
ثم قالوا تحبها؟ قلت بهراً ... عدد القطر والحصى والتّراب
قال له ابن أبي عتيق: والله لا كان المبلغ لهذا الشعر غيري. فارتحل من المدينة حتى أتى مكة، فصادف الثريا في الطواف. فقالت له: يا ابن أبي عتيق! ماجاء بك، وليس هذا أوان الحج؟ فقال: أبيات لعمر. فقالت أنشدني. فأنشدها الأبيات حتى أتى على آخرها. فقالت: أدى الله أمانتك، فقد أديت. قال: فضرب راحلته ورجع.
قال صالح بن عبد القدوس:
إذا كنت في حاجةٍ مرسلاً ... فأرسل حكيماً ولا توصه
وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور لبيباً ولا تعصه
سمع الخليل بن أحمد رجلاً ينشد بيت صالح هذا:
إذا كنت في حاجةٍ مرسلاً ... فأرسل حكيماً ولا توصه
فقال: هو الدِّرهم.
وقال آخر:
وما أرسل الأقوام في حاجةٍ ... أمضى ولا أنفع من درهم
يأتيك عفواً بالذي تشتهي ... نعم رسول الرَّجل المسلم
ولبعض المتأخرين من أهل عصرنا:
إذا كنت متّخذاً رسولاً ... فلا ترسل سوى حرٍّ نبيل
فإن النُّجح في الحاجات يأتي ... لطالبها على قدر الرَّسول
وقال الراجز:
ما مرسلٌ أنجح فيما نعلم ... من طبقٍ يهدي وهذا الدِّرهم
وقال منصور الفقيه:
أرسلت في حاجةٍ رسولاً ... يكنى أبا درهمٍ فتمَّت
ولو سواه بعثت فيها ... لم تحظ نفسي بما تمنّت
باب الهديَّة
قال رسول الله ﷺ : " الهدية رزقٌ من رزق الله، فمن أهدي إليه شيءٌ فليقبله ولا يردّه، وليكافئ عليه ".
وقال ﷺ : تهادوا فإنّ الهدية تذهب السّخيمة، وتزيل وحر الصدور ولا تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن شاة "، وكان رسول الله ﷺ يقبل الهدية، ويثيب عليها أفضل منها.
وقال رسول الله ﷺ : " لو أهدي إليّ ذراع لقبلت، ولو دعيت لكراع لأجبت ".
قال رجل لأبي ذر: فلان يقرئك السلام. فقال:هدية حسنة، وحمل خفيف.
وقال عليٌّ بن أبي طالب ﵁: نعم الشيء الهدية أمام الحاجة.
стр. 59
وقد حدثنا ابن صاعد، قال: حدثنا زياد بن يحيى أبو الخطاب، حدثنا أبو عتّاب الدَّلاَّل، وحدثنا عثمان بن عبد الرحمن، حدثنا الزُّهري، عن عبد الله بن وهب بن زمعه عن أم سلمة، عن النبي ﷺ قال: " الهدية تذهب السّخيمة ". قيل: وماالسَّخيمة؟ قال: " الإحنة تكون في الصُّدور ".
وعن الهيثم بن عديّ، قال: كان يقال: ما ارتضى الغضبان، ولا استعطف السُّلطان، ولا سلبت الشَّحناء، ولا دفعت المغارم ولا توقِّي المحذور، ولا استعمل المهجور بمثل الهدية والبرّ.
قال رسول الله ﷺ : " من أهديت إليه هدية فجلساؤه شركاؤه فيها ".
قال أبو إسحاق الصَّابي:
رويت في السُّنة المشهورة البركه ... أنّ الهديَّة في الجلاَّس مشتركه
كان يزيد بن قيس الأرحبيّ، والياً لعلي ﵁، فأهدى إلى الحسن والحسين ﵄ وترك ابن الحنفية، فضرب عليّ ﵀ على جنب ابن الحنفية وقال:
وما شرُّ الثَّلاثة أمَّ عمروٍ ... بصاحبك الَّذي لم تصبحينا
روي عن النبي ﷺ أنه قال للقرابات: " تزاوروا ولا تجاوروا، وتهادوا فإن الهدّية تثبت المروءة وتستلُّ السّخيمة ".
أصبح عند عليّ بن أبي طالب ﵁ بالكوفة يوم نيروز هدايا كثيرة وتحف، فأنكر ذلك. فقالوا له: إنه يوم نيروز قال: فنيروز لنا إذاً كل يوم.
قال أبو عمر: كان هذا منه ﵁ إن صحّ - قبل أن يدخل الكوفة، وأن يكون خليفة، لأن المحفوظ عنه من رواية الثقات أنه كان لا يقبل هدية نيروز ولا مهرجان، وأنه كان يأخذ ما أهدى إليه عماله فيضعه في بيت المال - مال المسلمين.
قال يونس بن عبيد: أتيت ابن سيرين يوماً ومعي خبيص، فقلت: قولوا له: يونس بالباب. فقال - وأنا أسمع -:قولوا له: قد نام. فقلت: إن معي خبيصاً. قال: كما أنت حتى أخرج إليك.
قال الشاعر:
هدايا النّاس بعضهم لبعضٍ ... تولِّد في قلوبهم الوصالا
وتزرع في الضّمير هوىً وودّاً ... ويكسوهم إذا حضروا جمالا
قال أبو عوانة: قلت للأعمش: ياأبا محمد! إن عندي بطة سمينة، أفتكون عندي في الدار؟ قال: وما تصنع بعنائي؟! ابعث بها إلى الدار.
قال الشاعر:
إنّ الهدايا لها حظٌّ إذا وردت ... أحظى من الإبن عند الوالد الحدب
وقال آخر:
ما من صديقٍ وإن أبدى مودّته ... يوماً بأنجح في الحاجات من طبق
إذا تلثّم بالمنديل منطلقاً ... لم يخش صولة بوابٍ ولا غلق
لا تكذبنّ فإنّ النَّاس قد خلقوا ... لرغبةٍ يكرمون النَّاس أو فرق
أمّا الفعال فعند النَّجم مطلعه ... والقول يوجد مطروحاً على الطُّرق
وقال آخر:
أهدى إليه حبيبه أترجّةً ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر
خوف التّبدُّل والتَّلوُّن إنَّها ... لونان باطنها خلاف الظّاهر
بعث أبو العتاهية إلى الفضل بن الربيع بنعل، وكتب معها:
نعلٌ بعثت بها لتلبسها ... تمشي بها قدمٌ إلى المجد
لو كان يحسن أن أشرِّكها ... خدّي جعلت شراكها خدِّي
أهدى الطائي إلى الحسن بن وهب قلماً، وكتب إليه:
قد بعثنا إليك أكرمك الل ... هـ بشيءٍ فكن له ذا قبول
لا تقسه إلى ندى كفِّك الغم ... ر ولا نيلك الكثير الجزيل
واغتفر قلَّة الهديَّة منِّي ... إن جهد المقلِّ غير قليل
أولم إسحاق بن إبراهيم الموصلي وليمة، فأهدى إليه إخوانه هدايا، وأهدى إليه إبراهيم بن المهدي جراب ملح وجراب أشنان مطيب، وكتب إليه رقعة: فداك أخوك عنده، لولا أن البضاعة تقصر لجزت السَّابقين إلى برِّك، وكرهت أن تطوى صحيفة البرّ ولاحظّ لي فيها،فوّجهت إليك بالمبتدأ به ليمنه وبركته، والمختوم به لطيبه ونظافته، جراب ملح وجراب أشنان هدية من يحتشم إلى من لا يغتنم، وكتب أسفل الرقعة:
هديَّتي تقصر عن همّتي ... وهمّتي تعلو على مالي
وخالص الودِّ ومحض الهوى ... أحسن ما يهديه أمثالي
بعث رجل إلى دعبل بأضحية، فكتب إليه دعبل:
بعثت إلينا بأضحيَّةٍ ... وكنت حريَّاً بأن تفعلا
стр. 60
ولكنَّها خرجت غثَّةً ... كأنك أرعيتها حرملا
فإن قبل الله قربانها ... فسبحان ربِّك ما أعدلا
قال قتادة: يعرف سخف الرجل في سخف هديته. قال ذلك في نعل أهديت إليه.
ولي في هذا:
سخافة المرء تدرى في هديَّته ... والنَّوك والُّلؤم فيها يظهران معا
إنّ اللئيم إذا أهدى هديّته ... أبدى نذالته فيها لمن سمعا
ولخلف الأحمر:
سقى حجَّاجنا نوء الثُّريّا ... على ما كان من بخلٍ ومطل
هم جمعوا النِّعال وأحرزوها ... وسدُّوا دونها باباً بقفل
إذا أهديت فاكهةً وشاةً ... وعشر دجائجٍ بعثوا بنعل
ومسواكين طولهما ذراعٌ ... وعشرٌ من رديء المقل خشل
فإن أهديت ذاك لتحملوني ... على نعل فدقّ الله رجلي
أناسٌ يأنفون لهم رواءٌ ... تغيم سماؤهم من غير وبل
إذا انتسبوا ففرعٌ من قريشٍ ... ولكنّ الفعال فعال عكل
وقال آخر في جار له أتى من الحج لم يهد إليه شيئاً:
عبّاس ما وجهك بالهشِّ ... ولا أبرئك من الغشِّ
لم تهد لي نعلاً ولا مقلةً ... كأنَّما جئت من الحشِّ
ولمنصور الفقيه - يداعب صديقاً يكنى أبا النصر ويسمى فتحاً، قدم من الحج - شعرٌ حسن النظم مليح المعنى، رأيت إيراده لحسنه:
سألت الحجيج وقد أقبلوا ... يؤمُّون مصر من أرض الحرم
فقلت لهم بعد إيناسهم: أفتحٌ بمكَّة أم قد قدم؟
فقالوا: ترحَّل من قبلنا ... لعشر ليالٍ توالت حرم
فقلت بحرمة من زرتم؟ ... أحقّاً تقولون؟ قالوا: نعم
فأقبلت في صرخةٍ منهم ... وقلبي ممّا به يضطرم
أعدِّد آلاءه والجفون ... مسافيح بالدَّمع والدَّمع دم
فصادفني صالحٌ عبده ... فقال: فديتك لم تلتدم؟
وماذا دعاك إلى ما أرى ... فقلت: الحذار على ذي الكرم
أبى نصرٍ البحر من جوده ... إذا المزن ضنّت بصوب الدِّيم
فقال: ألم يأت من جمعةٍ ... فقلت كذبت فأين الأدم؟
وأين القفاف الحسان القدود ... وأقداح جيشان تلك السُّلم
وأين النِّعال وأين الفراء ... وأين البرود وأين البرم
وأين القديد قديد الظِّباء ... وأين الملوَّز مثل العنم
فقال: وحقّك ما جاءنا ... بشيءٍ سوى نفسه فاغتنم
قدوم صديقك واستهده ... حديث الوفود وفود الأمم
إلى البيت يشهدك أخباره ... عجائب عربهم والعجم
فقلت: ألا ليت أخباره ... وناقلها خلف قافٍ ولم
ولخلف بن خليفة الأقطع من بني قيس بن ثعلبة في جار له غاب ثم قدم، ولم يهد له، وكانت بينهما مصافاة:
أتانا أخٌ من غيبةٍ غاب أشهراً ... وكنت إذا ما غاب أنشده الرَّكبا
فجاء بمعروفٍ كثيرٍ فدسَّه ... كما دسَّ راعي السُّوء في حضنه الوطبا
فقلت له: هل جئتني بهديَّةٍ ... فقال: بنفسي. قلت: آثر بها الكلبا
هي الَّنفس لا آسى عليها وإن نأت ... ولا أتمنّى الدَّهر يوماً لها قربا
إذا هي أوفت من ثمانين قامةً ... فلا السَّهل لقَّاها الإله ولا الرَّحبا
أهدى أبو أسامة الكاتب إلى بعض إخوانه في يوم نيروز وسهماً وديناراً ودرهماً، وكتب إليه:
لا زلت كالورد نضير الميسم ... ونافذاً مثل نفوذ الأسهم
في عزّ دينارٍ ونجح درهم
أهدى أبو إسحاق بن هلال الصابي إلى عضد الدولة في يوم مهرجان اصطرلاباً على قدر الدرهم محكم الصنعة وكتب إليه:
أهدى إليك بنو الحاجات واحتشدوا ... في مهرجانٍ عظيمٍ أنت تعليه
لكنّ عبدك إبراهيم حين رأى ... سموّ قدرك عن شيءٍ تساميه
لم يرض بالأرض يهديها إليك فقد ... أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه
стр. 61
وأهدى شمس المعالي إلى عضد الدولة سبعة أقلام، وكتب إليه:
قد بعثنا إليك سبعة أقلا ... م لها في البهاء حظٌ عظيم
مرهفاتٍ كأنّها ألسن الحيَّ ... ات قد جاز حدَّها التّقويم
وتفاءلت أن ستحوى الأقالي ... م بها كلُّ واحدٍ إقليم
وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: كانت الهدية فيما مضى هدية، أما اليوم فهي رشوة. وقال كعب الأحبار: قرأت في ما أنزل الله على بعض أنبيائه: الهدية تفقأ عين الحكيم.
وقال الشاعر:
إذا أتت الهدية باب قومٍ ... تطايرت الأمانة من كواها
باب الجار
قالت عائشة: يا رسول الله! إن لي جارين فإلى أيِّهما أهدي؟ قال: " إلى أقربهما باباً ".
وقال رسول الله ﷺ : " لا يؤمن جارٌ حتى يأمن جاره بوائقه " وقال رسول الله ﷺ : " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثه ".
كان داود ﵇ يقول: الّلهم إني أعوذ بك من جار سوءٍ، عينه ترعاني، وقلبه لا ينساني.
مكتوب في التوراة: إنّ أحسد النّاس لعالمٍ وأنعاه عليه قرابته وجيرانه.
وقال عكرمة: أزهد النّاس في عالم جيرانه.
قال رجل لسعيد بن العاص: والله إنّي لأحبُّك. فقال له: ولم لا تحبنّي ولست بجار لي ولا ابن عم.
كان يقال: الحسد في الجيران، والعدواة في الأقارب.
روى يحيى بن يحيى الباجي، قال حدثني محمد بن الفضل المكّي. قال حدثني أبي عن إبراهيم عن عبد الله، قال: مرَّ مالك بن أنسٍ بقينة تغني شعر مسلم:
أنت أختي وأنت حرمة جاري ... وحقيقٌ عليّ حفظ الجوار
إنَّ للجار إن تغيبّ غيباً ... حافظاً للمغيب والأسرار
ما أبالي أكان للباب سترٌ ... مسبل أم بقي بغير ستار
فقال مالك: علموا أهليكم هذا ونحوه.
وعن مالك، أيضاً، قال مالك بن أنس، قال أبو حازم: كان أهل الجاهلية أحسن جواراً منكم، فإن قلتم: لا.فبيننا وبينكم قول شاعرهم:
ناري ونار الجار واحدةٌ ... وإليه قبلي تنزل القدر
ما ضرَّ جاراً لي أجاوره ... ألاَّ يكون لبيته ستر
أعمى إذا ما جارتي برزت ... حتّى يواري جارتي الخدر
قال أبو عمر: هذا الشاعر مسكين الدارميّ.
وقال آخر:؟ أقول لجاري إذ أتاني معاتباً مدلا بحقٍّ أو مدلا بباطل
إذا لم يتصل خيري وأنت مجاوري ... إليك فما شرِّي إليك بواصل
قال الأصمعي: ومن أحسن ما قيل في حسن الجوار:
جاورت شيبان فاحلولى جوارهم ... إن الكرام خيار النّاس للجار
من كلام عليّ ﵀: الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق، أخذه الشاعر فقال:
يقولون قبل الدّار جارٌ مجاورٌ ... وقبل الطَّريق الّنهج أنس رفيق
وقال آخر:؟
اطلب لنفسك جيراناً تجاورهم ... لا تصلح الدّار حتّى يصلح الجار
وقال آخر:
يلومونني أن بعت بالرُّخص منزلي ... ولم يعرفوا جاراً هناك ينغِّص
فقلت لهم كفُّوا الملام فإنّها ... بجيرانها تغلو الدِّيار وترخص
قال الحسن البصري ﵀: إلى جنب كلِّ مؤمن، منافقٌ يؤذيه.
وقال بشَّار بن بشر المجاشعي:
وإني لعفٌّ عن زيارة جارتي ... وإنّي لمشنوءٌ لدى اغتيابها
إذا غاب عنّي بعلها لم أكن لها ... زؤوراً ولم تأنس إليّ كلابها
ولم أك طلاّباً أحاديث سرِّها ... ولا عالماً من أي جنسٍ ثيابها
قال عمر بن الخطّاب ﵁: من حق الجار أن تبسط له معروفك وتكف عنه أذاك. قال علّي للعباس ﵄: مابقي من كرم أخلاقك؟ قال: الإفضال على الإخوان وترك أذى الجيران.
كان يقال: ليس من حسن الجوار ترك الأذى، ولكنه الصبر على الأذى.
قال منصور الفقيه يمدح بعض إخوانه من جيرانه:؟ يا سائلي عن حسينٍ وقد مضى أشكاله
أقل ما في حسينٍ ... كفُّ الأذى واحتماله
قال الحطيئة:
لعمرك ما المجاور في كليبٍ ... بمقصىً في الجوار ولا مضاع
هم صنعوا لجارهم وليست ... يد الخرقاء مثل يد الصَّناع
стр. 62
ويحرم سرُّ جارتهم عليهم ... ويأكل جارهم أنف القصاع
وقال الحسن بن عرفطة:
ولم أر مثل الجهل يدعو إلى الرّدى ... ولا مثل جار السُّوء يكره جانبه
وقال آخر:
لا يأمن الجار شرّاً في جوارهم ... ولا محالة من شتم وألقاب
ومثل هذا قول الآخر:
أجلُّ العشيرة إمّا حضرت ... ولا أتعلّم ألقابها
وقال حاتم الطائي ويروى لغيره:
أيا ابنة عبد الله وابنة مالكٍ ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما عملت الزَّاد فاتَّخذي له ... أكيلاً فإنّي لست آكله وحدي
بعيداً قصيّا أو قريباً فإنّني ... أخاف مذ مّات الأحاديث من بعدي
وكيف يسيغ المرء زاداً وجاره ... خفيف المعي بادي الخصاصة والجهد
وقال غيره:
سقياً ورعياً لأقوامٍ نزلت بهم ... كأنّ دار اغترابي عندهم وطني
إذا تأملت من أخلاقهم خلقاً ... علمت أنَّهم من حيلة الزَّمن
وقال ابن حبناء:
إذا ما رفيقي لم يكن خلف ناقتي ... له مركبٌ فضلٌ فلا حملت رجلي
ولم يك من زادي له نصف مزودي ... فلا كنت ذا زادٍ ولا كنت ذا رحل
شريكين فيما نحن فيه وقد أرى ... عليَّ له فضلاً بما نال من فضلي
ويروى لحاتم الطائي.
تذاكر أهل البصرة من ذوي الآداب والأحساب في أحسن ما قاله المولدون في حسن الجوار من غير تعسف ولا تعجرف، فأجمعوا على بيتي أبي الهندي وهما:
نزلت على آل المهلَّب شاتياً ... غريباً عن الأوطان في زمنٍ محل
فما زال بي إكرامهم وافتقادهم ... وبرُّهم حتّى حسبتهم أهلي
باب الضَّيف
قال رسول الله ﷺ : " ليلة الضّيف حقٌ واجب ".
وقد أوضحنا في كتاب " التمهيد " معنى هذا الحديث وغيره في الضيافة، وذكرنا قول من أوجبها ومن ندب إليها؟ ووجوه أقوالهم واعتلالهم والحمد لله وحده.
قال رسول الله ﷺ : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، وما زاد فهو صدقة، ولا يحل أن يثوي غيره حتى يحرجه ". قيل للأوزاعي: رجل قدِّم إلى ضيفه الكامخ والزيتون، وعنده اللحم والعسل والسمن؟ فقال: هذا لا يؤمن بالله واليوم الآخر.
قال أبو ذؤيب:
لا درَّ درِّى إن أطعمت نازلهم ... خبز الشَّعير وعندي البرُّ مكنوز
قال نافع: كان ابن عمر إذا نزل على قوم لا يأكل لهم شيئاً فوق ثلاث، ويقول بعد الثلاث: أمسكوا عنا صدقتكم، ويقول لي: أنفق من عندك.
ذكر أبو عبيدة أن معاوية قال يوماً لجلسائه: أي أبيات العرب في الضيافة أحسن؟ فاختلفوا وأكثروا، فقال معاوية: قاتل الله أبا النجم حيث يقول:
لقد علمت عرسي فلانة أنَّنى ... طويلٌ سنا ناري بعيدٌ خمودها
إذا حلَّ ضيفي با لفلاة ولم أجد ... سوى منبت الأطناب شبَّ وقودها
وقالوا: أحسن شيء في الضيافة قول مسكين الدارميّ:
طعامي طعام الضَّيف والرَّحل رحله ... ولم يلهني عنه غزالٌ مقنَّع
أحدِّاثه إنّ الحديث من القرى ... وتعلم نفسي أنّه سوف يهجع
وقال العلوي صاحب الزنج:
يستأنس الضَّيف في أبياتنا أبداً ... فليس يعلم خلقٌ أيُّنا الضَّيف
ولخالد عينين، وإنما قيل له خالد عينين لأنه كان ينزل أرضا بالبحرين: يقال لها عينين:
أيها الموقدان شبَّا سناها ... إنّ للضَّيف طارفي وتلادي
وقال عوف بن الأحوص.
ومستنبحٌ يغشى الغداة ودونه ... من الَّليل بابا ظلمةٍ وستورها
رفعت له ناري فلمّا اهتدى لها ... زجرت كلابي أن يهرَّ عقورها
فلا تسأليني واسألي عن خليقتي ... إذا ردَّ عافي القدر من يستعيرها
ترى أن قدري لا تزال كأنَّها ... لدى الغرث المقرور أمٌ يزورها
وقال حسان بن ثابت:
يغشون حتّى ما تهرُّ كلابهم ... لا يسألون عن السَّواد المقبل
وقال أبو الطحان القيني
стр. 63
وقد عرفت كلابهم ثيابي ... كأنّي منهم ونسيت أهلي
وقال المَّرار الحملي:
ألف النَّاس فما يهجمهم ... من عسيف يبتغي الخير وحرّ
وقال امرؤ القيس:
أعرف الحقّ ولا أجهله ... وكلابي أنسٌ غير عقر
ما يرى كلبي إلا آيساً ... إن رأي خابط ليلٍ لم يهر
وقال حاتم الطائي:
إذا ما بخيل النّاس هَّرت كلابه ... وشقّ على الضَّيف الغريب عقورها
فإن كلابي قد أقرَّت وعوِّدت ... قليلٌ على من يعتريها هريرها
وقال يعقوب الخريمي:
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... ويخضب عندي والمحلُّ جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنَّما وجه الكريم خصيب
وللشماخ في عبد الله بن جعفر بن أبي طالب:
إنك يا ابن جعفر خير الفتى ... وخيرهم لطارقٍ إذا أتى
وربَّ نضوٍ طرق الحيّ سرىً ... صادف زاداً وحديثاً ما اشتهى
إنّ الحديث جانبٌ من القرى
وقال سهل الوراق:
وضيفك قابله بِّبرك وليكن ... له منك أبكار الحديث وعونه
وقال آخر:
سلي الطارق المعترَّ ياأمّ مالكٍ ... إذا ما أتاني بين ناري ومجزري
أأبسط وجهي؟ إنَّه أوّل القرى ... وأبذل معروفي له دون منكري
تمثل بهذين البيتين عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في جوابه معاوية.
أما قول الشاعر:
بئس عمر الله قوماً طرقوا ... فقروا أضيافهم لحماً وحر
فإنه أراد لحماً دبت عليه الوحرة، وهي دويبَّة كالعظاية خضراء إذااجتمعت تلتصق بالأرض: الجمع: وحر، ومنه قيل وحر الصدر، كما قيل للحقد ضبّ، ذهبوا به إلى لزوقه بالصَّدر التزاق الوحرة بالأرض، يقال: لحم وحر، إذا دبّت عليه الوحرة. ولبن فئر إذا وقعت فيه الفأرة.
وقال رجل من بني فقعس، وهو الحارث بن يزيد، يمتدح نفسه بخدمة الضيف:
لعمر أبيك الخير إني لخادمٌ ... لضيفي وإني إن ركبت لفارس
وقال المقنّع الكندي:
وإني لعبد الضِّيف مادام نازلاً ... وما شيمةٌ لي غيرها تشبه العبدا
وما امتدح به ذم بضده، قال الشاعر:
تراهم خشية الأضياف خرساً ... يصلُّون الصَّلاة بلا أذان
وقال حمّاد عجرد:
وجدت أبا الصَّلت ذا خبرةٍ ... بما يصلح المعدة الفاسده
تخوّف تخمة أضيافه ... فعلّمهم أكلة واحده
وقال عمرو بن الأهتم التَّميمي المنقري من أشرافهم، وكان شاعراً محسناً، يقال: كأن شعره حللٌ منشَّرة، وله صحبة:
ذريني فإنَّ الشُّحَّ يا أم مالكٍ ... لصالح أخلاق الرِّجال سروق
ذريني وحظِّي في هواي فإنَّني ... على الحسب العالي الرفيع شفيق
ومستنبحٍ بعد الهدوء أجبته ... وقد حان من ساري الشتاء طروق
فقلت له: أهلاً وسهلاً ومرحباً ... فهذا مبيتٌ صالحٌ وصديق
أضفت ولم أفحش عليه، ولم أقل: للأحرمهإنَّ الفناء يضيق
لعمرك ما ضاقت بلادٌ بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق
وقال آخر:
وطريد ليل ساقه سغبٌ ... وهناً إليَّ وقاده برد
أوسعت جهد بشاشةٍ وقرىً ... وعلى الكيم لضيفه الجهد
ثم اغتدى ورداؤه نعمٌ ... أسديتها وردائي الحمد
وقال القاسم بن أميَّة بن أبي الصّلت:
قومٌ إذا نزل الغريب بأرضهم ... ردُّوه ربَّ صواهل وقيان
باب المعروف
قال رسول الله ﷺ : " كلُّ معروفٍ صدقة ".
قال أبو جرى الهجيمي: يارسول الله أوصني. فقال: " لا تحقرنَّ شيئاًمن المعروف أن تأتيه، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقى، ولو أن تلقي أخاك ووجهك منبسطٌ إليه ".
قال رسول الله ﷺ : " أهل المعروف في الدُّنيا، هم أهل المعروف في الآخرة ".
قال رسول الله ﷺ : " إذا طلبتم المعروف فاطلبوه عند حسان الوجوه ".
стр. 64
وقال ﷺ : " ألا أدلُّكم على شيءٍ يحبُّه الله ورسوله؟ " قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: " المعروف والتَّغابن للضَّعيف ".
قال عيسى ﵇: استكثروا من شيء لاتمسّه النار. قالوا: وما هو يا روح الله؟ قال: المعروف.
قال عبد الله بن عباس: ما رأيت رجلاً أوليته معروفاً إلا أضاء مابيني وبينه، ولا رأيت رجلاً فرط إليه مني شيء إلا أظلم ما بيني وبينه.
قال زيد بن علي بن حسين: ما شيء أفضل من المعروف ولا ثوابه ولا كلُّ من رغب فيه يقدر عليه ولا كلّ من قدر عليه يؤذن له فيه، فإذا اجتمعت الرغبة والقدرة والإذن تمت السعادة للطالب والمطلوب منه.
قال ابن عباس: المعروف أيمن زرع، وأفضل كنز، ولا يتم إلا بثلاث خصال: بتعجيله وتصغيره وستره. فإذا عجّل هني، وإذا صغّر فقد عظم، وإذا ستر فقد تمِّم.
قال زهير:
ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتَّق الشَّتم يشتم
وقال أخر:
إنَّ ابتداء العرف مجدٌ باسقٌ ... والمجد كلُّ المجد في استتمامه
إنَّ الهلال يروق أبصار الورى ... حسناً وليس كحسنه لتمامه
أنشد الزبير بن بكّار:
أبل من شئت تقله ... عن قليلٍ لفعله
ضاع معروف واضع ال ... عرف في غير أهله
قال القاسم بن معن، قال رجل لعون بن عبد الله بن عتبة: ما السخاء؟ قال: التأني للمعروف. قال فما البخل؟ قال: الاستقضاء على الملهوف.
قال ابن عباس لا يزهِّدنك في المعروف كفرٌ من كفر، فإنه يشكرك عليه من لم يصنعه.
كان يقال: في كل شيء سرفٌ إلاّفي المعروف.
قال حبيب:
وإذا امرؤٌ أهدى إليك صنيعةً ... من جاهه فكأنَّها من ماله
كان يقال: لا يزهِّدنك في المعروف دمامة من يسديه إليك، ولا ينبو بصرك عنه، فإن حاجتك في شكره ووفائه لا منظره، وإن لم يكن أهله فكن أنت أهله.
قال الشاعر:
ولم أر كالمعروف أمَّا مذاقه ... فحلوٌ وأمَّا وجهه فجميل
تمثل رجل عند عبد الله بن جعفر بقول الشاعر:
إنَّ الصَّنيعة لا تكون صنيعةً ... حتَّى يصاب بها طريق المصنع
فإذا أصبت صنيعةً فاعمد بها ... لله أو لذوي القرابة أو أودع
فقال عبد الله بن جعفر: هذان البيتان يبخّلان الناس، لا. ولكن أمطر المعروف إمطاراً، فإن أصاب الكرام كانوا له أهلاً، وإن أصاب اللئام كنت له أهلا.
كان يقال: من أسلف المعروف كان ربحه الحمد.
قال عمرو بن العاص: في كل شيءٍ سرفٌ إلا في ابتناء المكارم أو اصطناع معروف، أو إظهار مروءة.
وكان يقال: كما يتوخَّى للوديعة أهل الأمانة والثقة، كذلك ينبغي أن يتوخَّى بالمعروف أهل الوفاء والشكر.
كان يقال: إعطاء الفاجر يقوّيه على فجوره، ومسألة اللئيم إهانة للعرض، وتعليم الجاهل زيادة في الجهل، والصّنيعة عند الكفور إضاعة النعمة، فإذا هممت بشيء من هذا، فارتد الموضع قبل الإقدام على الفعل.
قال النبي ﷺ : " إنَّ الصَّنيعة لا تكون إلاَّفي ذي حسبٍ أو دين، كما أنَّ الرِّياضة لا تكون إلا في نجيب ".
مكتوب في التوراة:افعل إلى امرئ السُّوء خيراً يجزك شراً.
كان يقال: صاحب المعروف لا يقع، فإذا وقع أصاب متكئاً.
قال الشاعر:
ودون النَّدى في كلِّ قلبٍ ثنيةٌ ... لها منجدٌ حزنٌ ومنحدرٌ سهل
يودُّ الفتى في كلِّ نيلٍ ينيله ... إذا ما انقضى لو أنَّ نائله جزل
كان الحجاج بن يوسف يقول: خير المعروف ما أنعشت به الكرام.
كان يقال: من لم يرب معروفه فكأنه لم يصطنعه.
كان يقال: أحي معروفك بإماتته.
كتب أرسطو طاليس إلى الإسكندر: املك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها، وطلبك ذلك منها بالإحسان أدوم بقاء لإحسانك منه باعتسافك، وأعلم أنك إنما تملك الأبدان فتخطَّها إلى القلوب بالمعروف، واعلم أن الرعية إذا قدرت على أن تقول، قدرت على أن تفعل، فاجهد ألاّ تقول تسلم من أن تفعل.
كان يقال: اتق أن يسدّ عنك طريق المعروف بالكفر أو بالمنّ، فإن المنّ يفسد الصنيعة والكفر يمحوها، والشكر يمحوها والشكر يجلب النعمة.
قال الشاعر:
أفسدت بالمنّ ماأوليت من حسنٍ ... ليس الكريم بما أسدى بمنَّان
وقال الحسن بن هانئ:
стр. 65
فامض لا تمنن عليَّ يداً ... منك المعروف من كدره
قال معاوية ليزيد: يابني اتخذ المعروف منالا عند ذوي الأحساب تشتمل به مودتهم، وتعظم في أعينهم، وتكف به عاديهم، وإياك والمنع، فإنه ضد المعروف.
كان يقال: حصاد من يزرع المعروف في الدنيا، اغتباط في الآخرة.
ذم أعرابي رجلا، فقال: كان سمين المال، مهزول المعروف.
قال الزهيري: من زرع معروفاً حصد خيراً، ومن زرع شراً حصد ندامة.
قال الشاعر:
من يزرع الخير يحصد ما يسرُّ به ... وزارع الشَّرِّ منكوسٌ على الرَّأس
وقال الراجز:
من يزرع الخير يحصد حصاده ... موفَّراً يوماً إذا ماأراده
قال بشر بن أبي خازم:
وأيدي النَّدى في الصَّالحين فضول
وقال الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
وقال عبد الله بن مبارك ﵁:
يد المعروف غنمٌ حيث كانت ... تحمَّلها شكورٌ أو كفور
ففي شكر الشَّكور لها جزاءٌ ... وعند الله ما كفر الكفور
قال الأصمعي: سمعت أعرابيّاً يقول: أسرع الذنوب عقوبة كفر المعروف.
ولابن دريد وقيل إنه أنشدها:
وماهذه الأيَّام معارةٌ ... فما اسطعت من معروفها فتزوَّد
فإنَّك لا تدري بأيَّة بلدةٍ ... تموت ولاما يحدث الله في غد
قال بزرجمهر: خير أيام المرء ما أغاث فيه المضطر، واحتسب فيه الأجر، وارتهن فيه الشكر، واسترقّ فيه الحرّ.
جمع كسرى مرازبته وعيون أصحابه، فقال لهم: على أي شيء أنتم أشد ندامة؟ قالوا: على وضع المعروف في غير أهله، وطلب الشكر ممن لا يشكره.
قال الشاعر:
وزهَّدني في كلِّ خيرٍ منعته ... إلى النَّاس ماجرَّبت من قلَّة الشُّكر
وقال آخر:
النَّاس من شاكرٍ للعرف محتملٍ ... ومن كفورٍ لما أوليته زمر
فابسط يد الجود تحمل بعض نائلها ... وإنّما النَّاس والمعروف كالغرر
وقال آخر:
ومن يجعل المعروف في غير أهله ... يلاقي الّذي لاقى مجير أمَّ عامر
قال المهلب: عجبت لمن يشتري المماليك بماله، ولا يشتري الأحرار بمعروفه.
وقال: ليس للأحرار ثمن إلا الإكرام فأكرم حرّاً تملكه.
قال المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت الَّلئيم تمرَّدا
قال عبد مناف: دواء من لم يصلحه الإكرام الهوان.
قال الشاعر:
من لم يؤدِّبه الجمي ... ل ففي عقوبته صلاحه
وقال محمود الوراق:
فكَّرت في المال وفي جمعه ... فكان ما يبقى هو الفاني
وكان ما أنفقت في أوجه ال ... برِّ بمعروفٍ وإحسان
هو الَّذي يبقى وأجزى به ... يوم يجازى كلُّ إنسان
ومن فساد العرف إحصاؤه ... وذكره في كلِّ إبَّان
فانشر إذا أوليت عرفاً وإن ... أوليته فاستر بنسيان
باب الشُّكر
قال رسول الله ﷺ : " من أولى معروفاً فلم يجد إلا الثنا فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره ".
وقال ﷺ : " من أهدى إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء ".
سمع رسول الله ﷺ عائشة ﵂ تنشد لليهودي:
ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ... يوماً فتدركه العواقب قد نما
يجزيك أو يثنى عليك وإنَّ من ... أثنى عليك بما فعلت فقد جزى
فقال: " قاتله الله ما أحسن ما قال!، من لم يجد إلا الدعاء والثناء فقد كافأ ".
وفي رواية أخرى لهذا الخبر عن عائشة أنها قالت: قال لي رسول الله ﷺ : " أنشدي شعر ابن الغريض اليهودي حيث قال: إن الكريم " فأنشدته:
إنَّ الكريم إذا أراد وصالنا ... لم يلف حبلي واهياً رثَّ القوى
أرعى أمانته وأحفظ غيبه ... جهدي فيأتي بعد ذلك ماأتى
أجزيه أو أثني عليه فإنَّ من ... أثنى عليك بما فعلت فقد جزى
стр. 66
وهذا الشعر لا يصح فيه إلا ماروي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أنه للغريض اليهودي وهو الغريض بن السموءل بن عادياء اليهودي، من ولد الكاهن هرون بن عامر بن ساعر، وأما أهل الأخبار، فاختلفوا في قائله، فقيل: هو لورقة بن نوفل، وقيل هو لزهير بن جناب الكلبي، وقيل: لعامر بن المجنون وقيل ليزيد بن عمرو بن نفيل، ومنهم من قال: إنه ليزيد عن عمرو أو ورقة بن نوفل البيتان الأولان، والصحيح فيها وفي الأبيات غيرها أنهما للغريض اليهودي والله أعلم.
قال ابن أبي الدنيا: أنشدني الحسين بن عبد الرحمن:
لوكنت أعرف فوق الشُّكر منزلةً ... أعلى من الشكر عند الله في الثَّمن
إذا منحتكها منِّي مهنَّدةً ... شكراً على صنع ما أوليت من حسن
وقال آخر في يحيى بن خالد البرمكي:
طلبت ابتغاء الشُّكر فيما فعلت بي ... فقصَّرت مغلوباً وإنِّي لشاكر
لقد كنت تعطيني الجزيل بديهةً ... وأنت لما استكثرت من ذاك حاقر
فأرجع مقنوطاً وترجع بالَّتي ... لها أوَّلٌ في المكرمات وآخر
ومما أنشده الرياشي:
شكري لفعلك فانظر في عواقبه ... تعرف بفضلك ما عندي من الشُّكر
قال رسول الله ﷺ : " ما أنعم الله على عبد نعمة فعلم أنها من عند الله إلا كتب الله له شكرها، وما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر له إن يستغفر، وإن الرجل ليلبس الثوب فيحمد الله فما يبلغ ركبته حتى يغفر له ".
وقال رسول الله ﷺ : " من لم يشكر الناس لم يشكر الله ".
وقال: " أشكر الناس لله أشكرهم لعباده، ومن لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ".
وفي التفسير: " اعملوا آل داود شكراً ". قالوا: الطاعات كلها شكر، وأفضل الشكر الحمد.
وفي قوله في نوح ﵇: " إنَّه كان عبداً شكوراً "، وقالوا: كان لا يقوم ولا يقعد، ولا يلبس ثوباً، ولا يأكل ولا يشرب إلا حمد الله، فأثنى عليه الله بذلك.
مكتوب في التوراة: اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك، فإنه لا زوال للنعم إذا شكرت، ولا مقام لها إذا كفرت، والشكر زيادة في النعم، وأمان من الغير.
قال أبو نخيلة:؟ شكرتك إنَّ الشُّكر حبلٌ من التُّقى وما كلُّ من أوليته نعمةً يقضي
وأحييت من ذكري وما كنت خاملاً ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض
قال حذيفة بن اليمان: ماعظمت نعمة الله على أحد إلاّ ازداد حقّ الله عليه عظما.
قال عروة بن الزَّبير: من لم يعرف سوء ما يبلى لم يعرف خير مايولى.
قال جعفر بن محمد: ماأنعم الله على عبد نعمة فعرفها بقلبه وشكرها بلسانه فما يبرح حتى يزداد.
قال ابن عباس: لوقال لي فرعون خيراً لرددت عليه مثله.
قيل لسعيد بن جبير: المجوسيّ يوليني خيراً فأشكره؟ قال: نعم قال أوس بن حجر: وقيل: إنه لأبي يعقوب الخريمي:
سأجزيك أو يجزيك عنِّي ربُّنا ... وحسبك منِّي أن أودَّ وأحمدا
ولأبي المعافي يعقوب بن إسماعيل بن رافع، مولى مزينة في بكار بن عبد الله الزبيري:
إنَّني أثني بما أوليتني ... لم يضع حسن بلاءٍ من شكر
إنَّني والله لا أكفركم ... أبداً ما صاح ديكٌ في السَّحر
وقال آخر:
فلو كان يستغني عن الشُّكر ماجدٌ ... لعزَّة ملكٍ أو علوِّ مكان
لما ندب الله العباد لشكره ... فقال اشكروني أيُّها الثَّقلان
وقال آخر:
سأشكر عمرا ما تراخت منيَّتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلَّت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشَّكوى إذاالنَّعل زلَّت
وقال آخر:
رأى خلَّتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتَّى تجَّلت
وقال آخر:
لئن طبت نفساً عن ثنائي فإنَّني ... لأطيب نفساً من نداك على عسري
فلست إلى جدواك أعظم حاجةً ... على شدَّة الإعسار منك إلى شكري
قال عمر بن عبد العزيز: ذكر النعمة شكر.
قال جعفر بن محمد: من لم يشك الجفوة لم يشكر النعمة.
قال الشاعر:
إذا أنا لم أعرف لذي الفضل فضله ... ولم ألم الخبَّ الَّلئيم المذمَّما
стр. 67
ففيم عرفت الخير والشَّرَّ باسمه ... وشقَّ لي الله المسامع والفما
وقال آخر:
والكفر مخبثةٌ لنفس المنعم
وقال آخر:
وماتخفي الصَّنيعة حيث كانت ... ولا الشُّكر الصَّحيح من السَّقيم
وقال العتابي:
فلوكان للشُّكر شخصٌ يرى ... إذا ما تأمَّله النَّاظر
لمثَّلته لك حتَّى تراه ... فتعلم أنَّي امرؤٌ شاكر
وقال آخر:
وإنَّك إن ذوّقتني ثمر الغنى ... حمدت الَّذي تجنيه من ثمر الشُّكر
وإن يفن ما أعطيتني اليوم أو غداً ... فإنَّ الَّذي أعطيك يبقى على الدَّهر
وقال آخر:
لأشكرنَّك معروفاً هممت به ... إنَّ اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إن لم يمضه قدرٌ ... فالرِّزق بالقدر المحتوم مصروف
قال سليمان التيميّ: إن الله أنعم على عباده بقدر طاقته، وكلفهم من الشكر بقدر طاقتهم.
قالوا: كلّ شكر وإن قلّ، ثمن لكل نوال وإن جلّ.
كانت هند بنت المهلب تقول: إذا رأيتم النعمة مستبدرة فبادروها بالشكر قبل حلول الزوال. وقال أبو النواس:
أنت امرؤٌ أوليتني نعماً ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا
لا تجدثنَّ إليَّ عارفةً ... حتَّى أقوم بشكر ماسلفا
وقال البحتري:
من لا يقوم بشكر نعمة حبِّه ... فمتى يقوم بشكر نعمة ربِّه
أنشد المبرد لمحمود الوراق:
إذا كان شكري نعمة الله نعمةً ... عليَّ له في مثلها يجب الشُّكر
فكيف بلوغ الشُّكر إلاّ بفضله ... وإن طالت الأيَّام واتَّصل العمر
إذا سرَّ بالسَّراء عمَّ سرورها ... وإن مسَّ بالضَّراء أعقبها الأجر
ومامنهما إلاّ له فيه نعمةٌ ... تضيق بها الأوهام والبرُّ والبحر
قال أبو العباس المبرد: هذا معنى لطيف، يقول: إن الله لا يحمد إلا بتوفيقه، فيجب أن يحمد على التوفيق، ثم يجب في الحمد الثاني مايجب في الحمد الأول أبداً إلى حيث لا نهاية، ولقد أحسن أبو العتاهية في قوله:
إذا أنت لم تزدد على كلِّ نعمةٍ ... قد آتاكها شكراً فلست بشاكر
ومن أبيات ليزيد بن محمد المهلبي في هذا المعنى:
فكيف بشكر ذي نعم إذا ما ... شكرت له فشكري منه نعمه
قال رجل من قريش لأشعب الطمع: ياأشعب! أحسنت إليك فلم تشكر! فقال: إن معروفك خرج من غير محتسب إلى غير شاكر.
قالوا: لا تثق بشكر من تعطيه حتى تمنعه.
قال الشاعر:؟ إذا الشَّافع استقصى لك الجهد كلَّه وإن لم تنل نجحاً فقد وجب الشُّكر وقال آخر:
والحمد شهدٌ لا يرى مشتاره ... يجنيه إلا من نقع الحنظل
وقال آخر:
دنوت للمجد والسَّاعون قد بلغوا ... جهد النُّفوس وشدُّوا دونه الأزرا
وساوروا المجد حتَّى ملَّ أكثرهم ... وعانق المجد من وفّي ومن صبرا
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتَّى تلعق الصَّبرا
قال جعفر بن محمد: مامن شيء أسرُّ إليَّ من يد أتبعها أخرى، لأنَّ مع الأواخر يقطع لسان شكر الأوائل.
بابٌ في طلب الحاجات
قال رسول الله ﷺ : " اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيِّه ماشاء ".
قال رسول الله ﷺ : " استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإنَّ كلّ ذي نعمة محسود ".
قال رسول الله ﷺ : " إنَّ لله عباداً خلقهم لحوائج النَّاس، هم الآمنون يوم القيامة ".
قال رسول الله ﷺ : " اطلبوا الخير عند حسان الوجوه ".
قال الشاعر:
أنت وصف الَّنبيِّ إذ قال يوماً ... اطلبوا الخير من حسان الوجوه
وقال محمد بن واسع لقتيبة بن مسلم: إنِّي أتيتك في حاجة رفعتها إلى الله قبلك، فإن أذن الله فيها قضيتها وحمدناك، وإن لم يأذن الله فيها لم تقضها وعذرناك.
قال يونس ﵀:
أنزلت بالحرِّ إبراهيم مسألةً ... أنزلتها قبل إبراهيم بالله
فإن قضى حاجتي فالله يسَّرها ... هو المقدِّرها والآمر والنَّاهي
стр. 68
إذا أبى الله شيئاً ضاق مذهبه ... على الكبير العريض القدر والجاه
وقال أبو العتاهية:
خير المذاهب في الحاجات أنجحها ... وأضيق الأمر أدناه إلى الفرج
كتب سوار بن عبد الله بن سوار القاضي إلى محمد بن عبد الله بن طاهر:
لنا حاجةٌ والعذر فيها مقدَّمٌ ... خفيفٌ معنَّاها مضاعفة الأجر
فإن تقصنها فالحمد لله ربِّنا ... وإن تكن الأخرى ففي أوسع العذر
على أنَّه الرَّحمن معطٍ ومانعٌ ... وللرِّزق أسبابٌ إلى قدرٍ تجري
فأجابه محمد بن عبد الله بن طاهر:
فسلها تجدني موجباً لقضائها ... سريعاً إليها لا يخالطني فكر
شكورٌ بإفضالي عليك بمثلها ... وإن لم تكن فيما حوته شكر
فهذا قليلٌ لَّلذي قد رأيته ... لحقِّك لا منٌّ من لديّ ولا فخر
قال معاوية يوماً لعمرو بن العاص: لي إليك حاجة. قال: ولي إليك حاجة ياأميرالمؤمنين. قال:تهب لي الوهط. قال: هو لك يا أمير المؤمنين. قال معاوية: اذكر حاجتك قال: ترده علي.
قال جعفر بن محمد: حاجة الرجل إلى أخيه فتنة لهما، إن أعطاه شكر من لم يعطه، وإن منعه ذم من لم يمنعه. قال خالد بن صفوان: لاتطلبوا الحوائج عند غير أهلها، ولا تطلبوها في غير حينها، ولا تطلبوا مالا تستحقون منها، فإن من طلب مالا يستحق استوجب الحرمان.
كان يقال: إذا طلب العاقل إلى كريم حاجة انقضت، لأن العاقل لا يطلب إلا ما يمكن، والكريم إذا سئل ما يمكن لم يمنع.
كان يقال: إذا أحببت أن تطاع، فلا تسل مالا يستطاع.
قال عامر بن خالد بن جعفر ليزيد بن الصَّعق:
إنك إن كلَّفتني ما لم أطق ... ساءك ما سرَّك منِّي من خلق
قال رجل للأحنف: أتيتك في حاجة لا تزرؤك ولا تنكؤك. قال: إذاً لا تقضى، أمثلي يؤتي فيما لا يرزأ ولا ينكأ.
قال رجل للعباس بن محمد، أو لعبد الله بن عباس: أتيتك في حاجة صغيرة، قال: فاطلب لها رجلاً صغيراً.
قيل لآخر: أتيتك في حاجة. قال: اذكرها، فإن الحرّ يقوم بصغير الحاجات وكبيرها.
كان يقال: لا تستعن على حاجة بمن هي طعمته، ولا تستعن بكذاب، فإنه يقرب البعيد ويباعد القريب، ولا تستعن على رجل بمن له إليه حاجة.
قال ابن المقفع: الحاجة يعتري صاحبها الخيفة من مكانين: الاستقبال بها قبل وقتها، والثاني حتى تفوت، وأنشد:
وقد يفوت أناساً بعض ما طلبوا ... عند التَّأنِّي فكان الحزم لو عجلوا
قال أبو فزارة الغاضريّ: أصل العبادة ألا تسأل سوى الله حاجة، فلكل أحد في الله عوض من كل أحد، وليس لأحد من الله عوض بأحد.
سأل رجل مطرّف بن عبد الله بن الشِّخّير حاجة، فقال:من كانت له إلي حاجة فليكتبها في رقعة، فإني أرغب بوجوهكم عن مكروه السؤال.
كان يقال: لا تصرف حوائجك إلى من معيشته في رءوس المكاييل والموازين.
قال العرزمي وروى لأبي الأسود الدؤلي:
وإذا طلبت إلى كريم حاجةً ... فلقاؤه يكفيك والتَّسليم
وإذا طلبت إلى لئيمٍ حاجةً ... فألحَّ في رفقٍ وأنت مديم
وقال آخر:
لا تطلبنَّ إلى لئيمٍ حاجةً ... واقعد فإنَّك قائماً كالقاعد
ياخادع البخلاء عن أموالهم ... هيهات تضرب في حديدٍ باردٍ
وقال أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان:
أأطلب حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إنَّ شيمتك الحياء
كريمٌ لا يغيِّره صباحٌ ... عن الفعل الجميل ولا مساء
إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرُّضه الثَّناء
وقال جرير يخاطب عمر بن عبد العزيز:
أأذكر الضُّرَّ والبلوى التي نزلت ... أم أكتفي بالذي بلِّغت من خبري
وقال آخر:
كفاك مذكِّراً وجهي بأمري ... وحسبي أن أراك وأن تراني
وقال آخر:
أروح بتسليمٍ عليك وأغتدي ... وحسبك بالتَّسليم منِّي تقاضيا
كفى بطلاب المرء ما لا يناله ... عناءً وباليأس المصرَّح ناهيا
وقال آخر:
تخلَّ لحاجتي واشدد قواها ... فقد أمست بمنزلة الضَّياع
إذا أرضعتها بلبان أخرى ... أضرَّتها مشاركة الرَّضاع
وقال آخر:
стр. 69
ولا تستعيننَّ في حاجةٍ ... بمن يبتغي حاجةً مثلها
فينسى الَّذي كنت كلَّفته ... ويبدأ بحاجته قبلها
وقال آخر:
وإذا يصيبك والحوادث جمَّةٌ ... حدثٌ حداك إلى أخيك الأوثق
وقال أبو العتاهية:
اقض الحوائج ما استطع ... ت وكن لهمِّ أخيك فارج
فلخير أيَّام الفتى ... يومٌ قضى فيه الحوائج
وقال الحارثي:
وما روضةٌ علويَّةٌ أسديَّةٌ ... منمنمةٌ زهراء ذات ثرى جعد
سقاها النَّدى في غفلة الدَّهر نوءها ... فنوَّارها يهتز كالكوكب السَّعد
بأحسن من حرٍّ تضمَّن حاجةً ... لحرٍ فأوفى بالنَّجاح وبالرِّفد
قال عمر بن أبي ربيعة:
إنَّ لي حاجةً إليك فقالت ... بين أذني وعاتقي ما تريد
كان يقال: من بكر يوم السبت في حاجة، كان حقاً على الله قضاؤها.
قال بشار بن برد:
بكِّرا صاحبيَّ قبل السَّحور ... إنَّ جلَّ النَّجاح في التَّبكير
قالوا: من صبر على حاجة ظفر بها ومن أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له.
قال علي بن أبي طالب ﵁:
اصبر على مضض الإدلاج في السَّفر ... وفي الرَّواح إلى الحاجات والبكر
لا تضجرنَّ ولا يعجزك مطلبها ... فالنُّجح يتلف بين العجز والقصر
إنِّي رأيت وفي الأيَّام تجربةٌ ... للصَّبر عاقبةً محمودة الأثر
وقلَّ من جدَّ في شيءٍ يطالبه ... واستصحب الصَّبر إلاَّفاز بالظَّفر
وقال محمد بن بشير:
إنَّ الأمور إذا انسدَّت مسالكها ... فالصَّبر يفتق منها كلَّ ماارتتجا
لا تيأسنَّ وإن طالت مطالبةٌ ... إذا استعنت بصبرٍ أن ترى فرجا
أخلق بذي الصَّبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
سأل عبد الرحمن بن حسان بن ثابت رجلاً حاجة فلم يقضها له، وسألها غيره فقضاها إليه فكتب هذه الأبيات:
ذممت ولم تحمد وأدركت حاجتي ... تولَّى سواكم أجرها واصطناعها
أبى لك كسب الحمد رأيٌ مقصِّرٌ ... ونفسٌ أضاق الله في الخير باعها
إذا هي حثَّته على الخير مرَّةً ... عصاها وإن همَّت بسوءٍ أطاعها
الإلحاح لا يصلح ولا يحمل إلا على الله . قال مؤرق العجلي: سألت ربي حاجة عشرين سنة، فماانقضت لي ولا يئست منها.
قال أبو العتاهية:
في النَّاس من تسهل المطالب أح ... ياناً عليه وربَّما صعبت
ما كلُّ ذي حاجةٍ بمدركها ... كم من يدٍ لا تنال ما طلبت
من لم يسعه الكفاف معتدلاً ... ضاقت عليه الدُّنيا بما رحبت
وقال القطامي:
قد يدرك المتأنِّي بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزَّلل
كان بنو يربوع يوصون أولادهم، فيقولون: استعينوا على الناس في حوائجكم بالتثقيل فذلك أنجح لكم.
قال أبو نواس:
ولن يدرك الحاجات من حيث ينبغي ... من النَّاس إلاَّ المصبحون على رجل
وقال أشجع السلمي:
ليس للحاجات إلا ... من له وجهٌ وقاح
وابتكارٌ ودوامٌ ... وغدوٌّ ورواح
إن تكن أبطأت الحا ... جة عنِّي والسَّراح
فعليَّ الجهد فيها ... وعلى الله النَّجاح
وقال آخر:
هيبة الإخوان قاطعةٌ ... لأخي الحاجات عن طلبه
فإذا ماهبت ذا أملٍ ... مات ما أمَّلت من سببه
وقال آخر:
طلب الحوائج كلّها تغرير ... لا ترض معجزةً وأنت قدير
وقال دعبل بن علي الخزاعي:
جئتك مستشفعاً بلا سبب ... إليك إلاَّ بحرمة الأدب
فاقض ذمامي فإنَّني رجلٌ ... غير ملحٍّ عليك في الطَّلب
وقال آخر:
من عفَّ خفَّ على الصَّديق لقاؤه ... وأخو الحوائج وجهه مملول
وقال آخر:
وإذا هممت فأمض همَّك إنّما ... صلب الحوائج كلها تغرير
اختلف أبو العتاهية إلى الفضل بن الربيع في حاجة زماناً فلم يقضها له، فكتب إليه:
стр. 70
أكلّ طول الزِّمان أنت إذا ما ... جئت في حاجةٍ تقول غدا
لا جعل الله لي إليك ولا ... عندك ما عشت حاجةً أبدا
وقال آخر وأظنه محمود الوراق:
وذي ثقةٍ تبدَّل حين أثرى ... وما شيمي موافقة الثِّقات
فقلت له عتبت عليَّ ظلماً ... فراراً من مؤونات العدات
فعد لمودَّتي وعليَّ نذرٌ ... سؤالك حاجةً حتَّى الممات
كتب أبو العتاهية إلى أحمد بن يوسف:
لئن عدت بعد اليوم إنِّي لظالمٌ ... سأصرف نفسي حين تبغى المكارم
متى ينجح الغادي إليك لحاجةٍ ... ونصفك محجوب ونصفك نائم
وقال الصلتان العبدي:
نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجةٌ ما بقي
وقال أبو العتاهية:
متى تنقضي حاجات من ليس واصلاً ... إلى حاجةٍ حتَّى تكون له أخرى
وقال آخر:
إنَّما تنجح المقالة في المر ... ء إذا صادفت هوىً في الفؤاد
سئل بعض الحكماء حاجة فامتنع، فعوتب في ذلك، فقال: لأن يحمر وجهي مرة خير من أن يصفر وجهي مراراً.
قال منصور الفقيه:
من قال لا في حاجةٍ ... مطلوبةٍ فما ظلم
وإنَّما الظَّالم من ... يقول لا بعد نعم
وقال آخر:
إذا قلت في شيءٍ نعم فأتمَّه ... فإن نعم دينٌ على الحرِّ واجب
وإلاَّ فقل لا تسترح وترح بها ... لئَّلا يقول النَّاس إنَّك كاذب
وقال آبو العتاهية:
لا يزال المرء ما عاش له ... حاجةٌ في الصَّدر منه تعتلج
ربَّ أمرٍ قد تضايقت به ... ثمَّ يأتي الله منه بالفرج
وقال آخر:
لئن أخطأت في مدحي ... ك ماأخطأت في منعي
لقد أحللت آمالي ... بوادٍ غير ذي زرع
وقال آخر:
قد تخرج الحاجات ياأمَّ مالكٍ ... كرائم من ربٍّ بهنَّ ضنين
وقال أشجع السلمي:
قد خرجت حاجات أهل الحجا ... بنجحها وامتنع المنهج
وليس فيهم رجلٌ واحدٌ ... منِّي إلى حاجته أحوج
يريبني أنِّي أرى حاجتي ... تدخل في الحاج ولا تخرج
أقول إذا أقلقني عاذلٌ ... بكلِّ ما أكرهه ملهج
قد يدرك الأمر أناة الفتى ... ويسبق في الحاجة من يدلج
باب السُّلطان والسِّياسة
قال رسول الله ﷺ : " كلُّكم راع وكلُّكم مسؤلٌ عن رعيَّته، فالإمام الّذي على النَّاس راعٍ عليهم ومسؤلٌ عنهم، والمرأة راعيةٌ على مال زوجها وهي مسؤلةٌ عنه ".
وقال ﵇: " الإمام العدل لا تكاد تردُّ دعوته ".
وقال رسول الله ﷺ : " المقسطون يوم القيامة على منابر من نورٍ عن يمين الرَّحمن وكلتا يديه يمين لا يفزعون إذا فزع النَّاس ".
قال رسول الله ﷺ : " كلُّ أميرٍ لم يحط رعيَّته بالنَّصيحة لم يرح رائحة الجنة " قال أبو بكر الصديق ﵁: لا يصلح هذا الأمر إلاّ شدةٌ في غير عنف، ولين في غير ضعف.
قال عمر بن الخطاب ﵁: لن يقيم أمر الناس إلا امرؤ حصيف العقدة بعيد الغور، لا يطّلع الناس منه على غوره، ولا يخاف في الله لومة لائم.
وعن عمر ﵁ قال أيضاً: لا يقيم أمر الله إلاّ رجلٌ يتكلم بلسانه كله، يخاف الله في الناس، ولا يخاف الناس في الله.
لعليّ بن أبي طالب في أول كتاب كتبه: أمّا بعد، فإنه أهلك من كان قبلكم أنهم منعوا الحق حتى اشتري، وبسطوا الجور حتى اقتدي.
قال مجّاعة بن مرارة الحنفي لأبي بكر الصديق ﵄: إذا كان الرأي عند من لا يقبل منه، والسلاح عند من لا يستعمله، والمال عند من لا ينفقه، ضاعت الأمور.
قال علي بن أبي طالب ﵁: الملك والدين أخوان، لا غنى بأحدهما عن الآخر، فالدّين أّس، والملك حارس فما لم يكن له أس فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع.
قال عبد الله بن مبارك:
إنَّ الجماعة حبل الله فاعتصموا ... منه بعروته الوثقى لمن دانا
стр. 71
كم يدفع الله بالسُّلطان معضلةً ... في ديننا رحمةً منه ودنيانا
لولا الخلافة لم تأمن لنا سبلٌ ... وكان أضعفنا نهباً لأقوانا
قال رسول الله ﷺ : " لا يؤمّ أحد على سلطانه، ولا يجلس على تكرمة إلا بإذنه ".
كان يقال: شرّ الأمراء أبعدهم من العلماء، وشر العلماء أقربهم من الأمراء.
قال أبو بكر الصديق ﵁: من الملوك من إذا ملك زهّده الله فيما في يديه، ورغبه فيما يد غيره، وأشرب قلبه الإشفاق على ماعنده، فهو يحسد على القليل، ويتسخّط على الكثير.
ولّي عليُّ بن أبي طالب عمَّ المختار بن أبي عبيد عكبرا، وقال له بين يدي أهلها: استوف منهم خراجهم، ولا تجدن عندك ضعيفاً ولا رخصة. ثم قال له: رح إليَّ، قال: فرحت إليه، فقال لي: قد قلت لك بين أيديهم ما قلت، وهم قومٌ خدعٌ، وأنا الآن آمرك بما إن قبلته وإلا أخذك الله به دوني، وإن بلغني خلاف ما أمرتك به عزلتك، لا تتبعنّ لهم رزقاً يأكلونه، ولا كسوة شتاء ولا صيف، ولا تضربن رجلا منهم سوطاً في طلب درهم، ولا تقمه في السجن في طلب درهم، فإنا لم نؤمر بذلك، ولا تستعر لهم دابّة يعملون عليها، فإن أمرنا أن نأخذ منهم العفو.
قال عمرو بن العاص لابنه: يا بنيّ!! احفظ عني ماأوصيك به، إمام عدل خير من مطر وبل، وأسدٌ حطوم خيرٌ من إمام ظلوم، وإمام ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم.
رسالة أردشير بن بابك إلى الملوك بعده.
من أردشير ملك الملوك، إلى الملوك الكائنين بعده: الخراج عمود المملكة بكنفه تعيش الرعية، وتحفظ الأطراف والبيضة، فاختاروا للعمل عليه أولى الطينة الحرة، من ذوي العقل والحنكة، وكفّوهم بسني الأرزاق يحموا أنفسهم من الارتفاق، فمااستغزر بمثل العدل، ولا استنزر بمثل الجور.
ومن كلام الفرس في هذا الباب: لا ملك إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة،ولا عمارة إلا بعدل.
ومن قولهم أيضاً: مثل الملك الذي يأخذ أموال رعيته ويجحف بهم، مثل من يأخذ الطّين من أصول حيطانه، فيطيَّن به سطوحه فيوشك أن تقع عليه البيوت.
ومن كلامهم أيضاً، وينسب إلى أرسطاطاليس: العالم بستانٌ سياجه الدولة، الدولة سلطان تحيه به السُّنة، السُّنة سياسة يسوسها الملك، الملك راع يعضّده الجيش، الجيش أعوان يكنفهم المال، المال رزق تجمعه الرعية، الرعية عبيدٌ يتعبّدهم العدل، العدل مألوفٌ وهو صلاح العالم.
قال عبد الملك بن عمير: كان مكتوباً في مجلس زياد الذي يجلس فيه للناس بالكوفة، في أربع زوايا بقلم جليل: الوالي شديدٌ في غير عنف، ليِّنٌ في غير ضعف، العطية لأربابها والأرزاق لأوقاتها، البعوث لا تجمر، المحسن يحازى بإحسانه، والمسيء يؤخذ على يديه. فكان كلّما رفع رأسه قرأه.
قال قتيبة بن مسلم: ملاك الأمر في السلطان: الشِّدة على المذنب، والِّلين للمحسن، وصدق القول.
قال أشجع بن عمرو السلمي:
لا يصلح السُّلطان إلاَّ شدَّةٌ ... تغشى البريء بفضل ذنب المجرم
قال الوليد بن عبد الملك لأبيه عبد الملك: ياأمير المؤمنين! ماالسياسة؟ فقال: هيبة الخاصة مع شدع عفتها، واقتياد قلوب العامة بالإنصاف منها. قال مسلمة بن عبد الملك: ماحمدت نفسي على ظفر ابتدأته بعجز، ولا ذممتها على مكروه ابتدأته بحزم.
قال معاوية لابنه يزيد: أعط من أتاك صادقاً بما تكره، كما تعطي من أتاك بما تحب، واعلم أنه إذا أعطى الأمير على الهوى لا على الغنى فسد ملكه.
قيل لأنو شروان: إنك اصطنعت فلاناً ولا نسب له. فقال: اصطناعنا له نسبه.
قال أبو جعفر المنصور: الذي عليّ للرعية أن أحفظ سبلهم، فينصرفون آمنين في سبيلهم ولا يصدّون عن حجهم، وقضاء نسكهم، وأن أضبط ثغورهم، وأحصّنها من عدوهم وأن أختار قضاتهم، وأعزل بالحق كيلا يصل ظلم بعضهم إلى بعض، وأن أرفع أقدار فقهائهم وعلمائهم، وأكف جهالهم عن حكمائهم.
стр. 72
كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجَّاج: صف لي الفتنة حتى كأني أراها رأي العين. فكتب إليه: لوكنت شاعراً لوصفتها لك في شعري، ولكني أصفها لك بمبلغ رأيي وعلمي، الفتنة تلقح بالنجوى، وتنتج بالشكوى، فلما قرأ كتابه، قال: إن ذلك لكما وصفت، فخذ من قبلك بالجماعة، وأعطهم عطايا الفرقة، واستعن عليهم بالفاقة، فإنها نعم العون على الطاعة، فأخبر بذلك أبو جعفر المنصور فلم يزل عليه حتى مضى لسبيله.
قال بعض الحكماء من ملوك الفرس، لحكيم من حكماء مملكته: أي الملوك أحزم؟ قال: من غلب جدُّه هزله، وقهر لبُّه هواه، وأعرب عن ضميره فعله، ولم يختدعه رضاه عن خطئه، ولاغضبه عن كيده.
لما أراد عمرو بن العاص المسير إلى مصر، قال له معاوية: إني أريد أن أوصيك. قال: أجل. فأوص. قال: انظر فاقة الأحرار فاعمل في سدها، وطغيان السفلة فاعمل في قمعها، واستوحش من الكريم الجائع واللئيم الشبعان، فإنما يصول الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع.
قال بعض الحكماء: الرعية للملك كالروح للجسد، فإذا ذهب الروح فني الجسد.
وروى الهيثم بن عديّ، عن مجالد، عن الشعبي، قال عمر بن الخطاب: دلّوني عن رجل أستعمله فقد أعياني أمر المسلمين. قالوا له: عبد الرحمن بن عوف، قال لهم: ضعيف، قالوا له: فلان. قال: لا حاجة لي به. قالوا:فمن تريد؟ قال: رجل إذا كان أميرهم كان كأنّه رجل منهم، وإذا لم يكن أميرهم كان كأنه أميرهم. قالوا: ما نعلمه إلا الرّبيع بن زياد الحارثي. قال: صدقتم.
قال أبو عمر: والربيع بن زياد هذا، كان فاضلا جليلا في قومه، ولاَّه معاوية خراسان، فاستكتب الحسن بن أبي الحسن فكان كاتبه، فلما بلغه قتل معاوية حجر بن عديّ، قال: الَّلهم إن كان للربيع عندك خير فاقبضه إليك وعجّل، فزعموا أنه لم يبرح من مجلسه حتى مات. كتب بعض ملوك العجم إلى ملك آخر منهم: قلوب الرعية خزائن ملوكها، فما أودعوها فليعلموا أنه فيها.
قال الإسكندر لأرسطاطاليس: أوصني. قال: فانظر من كان له عبيد فأحسن سياستهم فولّه الجند، ومن كانت له ضيعةٌ فأحسن تدبيرها فولّه الخراج.
وقال بعض الحكماء: لا تصغِّر أمر من جاء يحاربك، فإنك إن ظفرت لم تحمد وإن عجزت لم تعذر.
قيل لكسرى ذي الأكتاف، وكان ضابطاً لمملكته: بم ضبطت ملكك؟ قال: بثمان خصال، لم أهزل في أمر ولا نهي، ولم أخلف وعداً ولا وعيداً، وولّيت للغنى لا للهوى، وعاقبت للأدب لا للغضب، وأوطأت قلوب الرعية الهيبة من غير ضغينة، وملأتها محبة من غير جرأة، وأعطيتها القوت، ومنعتها الفضول.
قال عبد الملك بن عمير: سمعت زياداً وهو يخطب، فقال بعد حمد الله والثناء عليه: إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي ملّكنا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خوَّلنا، فلنا عليكم الطاعة فيما أحسنَّا، ولكم العدل فيما ولينا، فاستوجبوا عدلنا بطاعتكم ومحض ودّنا بمناصحتكم، ومهما قصَّرت فيه من أداء حقكم فلن أقصر في ثلاث: لست محتجباً عن ذي حاجة ولو أتاني طارقاً بليل، ولا مجمِّراً لكم جيشاً، ولا حابساً عنكم عطاء ولا رزقاً لإبّانة، فادعوا الله لأئمتكم بالصلاح، فإنهم ساستكم المذبُّون وكهفكم الذي إليه تأوون، فإن تصلحوا يصلحوا، ولا تشعروا قلوبكم بغضتهم فيشتدَّ عيظكم، ويطول حزنكم، ولا تدركوا حاجتكم، فإنه لو استجيب لكم فيهم كان شراً لكم، نسأل الله أن يعين كلاًّ على كلّ.
كان يقال: ينبغي للملك أن يعمل بثلاث خصال: تأخير العقوبة عند الغضب، وتعجيل مكافأة المحسن بإحسانه، والعمل بالأناة فيما يحدث له، فإن له في تأخير العقوبة إمكان العفو، وفي تعجيل المكافأة بالإحسان: المسارعة إلى الطاعة، وفي الأناة انفساح الرأي وإيضاح الصواب. كان يقال: من سعى بدليل في التدبير لم يقعد به إلاّ سابق قضاء لا يملك.
ذكر المبرّد قال: كان بعض عقلاء ملوك الفرس إذا شاور من قد رتّبهم لمشورته فقصّروا في الرأي، دعا الذين قد وكّلهم في أرزاقهم فعاقبهم، فيقولون: يخطئ أهل مشورتك فتعاقبنا نحن. فيقول: نعم. إنهم لم يخطئوا إلاّ بتعلق قلوبهم بأرزاقهم فإذا اهتمُّوا لحاجاتهم أخطأوا.
стр. 73
قال بعض الحكماء لبعض الملوك: أوصيك بأربع خصال ترضى بهن ربَّك، وتصلح معهن رعيتك: لا يغرنَّك ارتقاء السهل إذا كان المنحدر وعراً، ولا تعدن وعداً ليس في يديك وفاؤه، واعلم أن الأمور بغتاتٌ فبادر، واعلم أن الأعمال جزاء، فاتَّق العذاب.
قال زياد: كمال الرأي شدةٌ في غير إفراط، ولين في غير إهمال.
ضرب مصعب بن الزبير وجه الأسقف بالقضيب، فقال: إني أجد في الإنجيل: لا ينبغي للإمام أن يكون سفيهاً ومنه يلتمس الحلم، ولا ينبغي له أن يكون جائراً ومن عنده يلتمس العدل. سألت بنو إسرائيل موسى ﵇ أن يعرّفهم الزمان الذي يرضى فيه الله عن الناس، فقال: إذا استعمل منهم الهيِّن البرّالخّير.
وفي خبر آخر: علامة رضا الله عن عباده أن يستعمل عليهم خيارهم، وأن ينزل الغيث في أوانه، وعلامة سخطه عليهم أن يولى عليهم شرارهم، وينزل عليهم الغيث في غير أوانه.
قال معاوية لابن الكوَّاء: صف لي الزمان، فقال: أنت الزمان إن تصلح يصلح، وإن تفسد يفسد.
خير من هذا قول رسول الله ﷺ : " صنفان من أمَّتي إذا صلحا صلح الناس، الأمراء والعلماء ".
قال الأحنف بن قيس: كلّ ملك غدور، وكلّ دابة شرود، وكل امرأة خئون؟؟.
قال الأعور السلمي: يا معشر بني سليم أنذركم السلطان فإنه أصبح صعباً حنوطاً يغضب كما يغضب الصبي، ويفترس كما يفترس الأسد.
قال عبد الملك بن مروان: لقد كنت أمشي في الزرع فأتقي الجندب أن أقتله، وإن الحجاج اليوم ليكتب إليّ بقتل فئام من النّاس فما أحفل بذلك.
قال بعض الولاة لأعرابي: قل الحق وإلا أوجعتك ضرباً، فقال وأنت فاعمل به، فما توعَّدك الله به أشدُّ مما توعدني به.
قيل لملكٍ زال عنه ملكه: لم زال عنك مللك؟ قال: لمدافعتي عمل اليوم إلى غد.
قال ابن شبرمة: من أكل من حلوائهم انحطّ؟ في أهوائهم.
قال كسرى لوزيره: إياك أن تدخل عليّ كثيراً فأملّك فتثقل عليّ حوائجك، ولا تطل الغيبة عني فأنساك.
قال بعض الحكماء: من زال عن أبصار الملوك زال عن قلوبهم.
قال ابن المعتز: أشقى النَّاس بالسُّلطان صاحبه، كما أن أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقاً.
قال الشاعر:
إنَّ الملوك بلاءٌ حيثما حلُّوا ... فلا يكن لك في أفنائهم ظلُّ
وما تريد بقومٍ إن هم سخطوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملُّوا
وإن مدحتهم ظنُّوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلُّ
فاستغن بالله عن أبوابهم أبداً ... إنَّ الوقوف على أبوابهم ذلُّ
قالوا: السلطان كالنار، من تباعد منها لم ينل من دفئها شيئاً، ومن تقرب منها أحرقته.
ذكر أعرابي الملوك فقال: الملك أقرب ما تكون إليه أخوف ما تكون منه، شاهده يظهر حبك، وغائبه يبتغي غيرك.
قال المأمون: لو كنت مع العامة لم أصحب السلطان.
قال أبو قردودة:
إنِّي نهيت ابن عمَّارٍ وقلت له ... لا تأمنن أحمر العينين والشَّعره
إنَّ الملوك متى تنزل بساحتهم ... يطر بثوبك من نيرانهم شرره
وقال آخر:
إذا ضحك الأمير إليك فاعلم ... بأنَّ ضميره لك مستقيم
ولا تحفل بضحكٍ من كفيٍّ ... فكلُّ النَّاس ضحكهم سقيم
قال العباس بن محمد المنصور: ياأمير المؤمنين؟ إنما هو سيفك ودرعك، فادرع بدرعك من شكرك واحصد بسيفك من كفرك.
قالوا: لا تغتر بالأمير إذا غشك الوزير.
ومنهم من قال: لا تثق بالأمير إذا خانك الوزير.
جلس معاوية يأخذ البيعة على الناس من عليّ. فقال رجل ياأمير المؤمنين إنا نطيع أحياءكم، ولا نبرأ من موتاكم. فالتفت معاوية إلى المغيرة بن شعبة فقال: رجل فاستوص به خيراً.
كان يقال: إذا نزلت من الوالي بمنزلة الثّقة فاعزل عنه كلام الخنا والملق، ولا تكثرنّ له الدعاء في كل كلمة، فإن ذلك يشبه الوحشة، وعظّمه ووقّره في الناس.
قال الشعبيّ: أخطأت عند عبد الملك بن مروان في أربع: حدثني بحديث يوماً فقلت:أعده عليّ فقال: أما علمت أن أمير المؤمنين لا يستعاد وقلت له حين أذن لي عليه: أن الشعبي فقال: ما أدخلناك حتى عرفناك. وكنيت عنده رجلا، فقال أما علمت أنه لا يكنى أحد عند أميرالمؤمنين. وحدثني بحديث فسألته أن يكتبه. فقال: إنا نكتِّب ولا نكتَّب.
стр. 74
وهذا الخبر عندي غير صحيح، لأن المحفوظ عن الشَّعبي أنه قال: مااستعدت حديثاً قط. ولا تشبه سائر الحكاية أخلاق الشعبي.
قال الشعبي: قال لي عبد الملك جنبني ثلاثاً وأورد عليَّ ما شئت، لا تطرني في وجهي، فأنا أعلم بنفسي، وإياك أن تغتاب عندي أحداً، واحذر أن أجد عليك كذبة فلا أسكن إلى قولك أبداً. وهذا مأخوذ من قول العباس لابنه عبد الله ﵄. قال عبد الله بن عباس، قال لي أبي: إني أرى أمير المؤمنين - يعني عمر بن الخطاب - يدنيك دون أصحاب محمد ﷺ فاحفظ عني ثلاثاً: لا يجدنّ عليك كذباً، ولا تغتابن عنده مسلماً، ولا تفشين له سرّاً. فقيل له: يا ابن عباس كل واحدة خير من ألف، فقال: كل واحدة خير من عشرة آلاف.
قال عمر بن الخطاب لهنيّ إذ ولاه الحمى: يا هني اضمم جناحك، واتق دعوة المظلوم.
قال الفرزدق:
قل لنصرٍ والمرء في دولة السُّل ... طان أعمى ما دام يدعى أميرا
فإذا زالت الولاية عنه ... واستوى بالرجال كان بصيرا
قال المهلب لابنه: يا بني اخفض جناحك واشتدّ في سلطانك، فإن الناس للسلطان أهيب منهم للقرآن.
كان يقال: ثلاثة من عازّهم رجعت عزّته ذلاًّ، السَّلطان والوالد والعالم.
كان يقال: أربعة تشتد معاشرتهم المتواني، والفرس الجموح، والسلطان الشديد المملكة والعالم.
بصق عبد الملك يوماً فقصر بصاقه، فوقع فوق البساط، فقام رجل من المجلس يمسحه بثوبه. فقال عبد الملك: أربعة لا يستحيا من خدمتهم: السلطان، والوالد، والضيف، والدابة. وأمر للرجل بصلة.
كتب إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ عامل له: إنّ مدينتنا قد احتاجت إلى مرمّة. فكتب إليه عمر: حصّن مدينتك بالعدل، ونقّ طريقها من الظلم. قال معاوية بن أبي سفيان: من وليناه من أمورنا شيئاً فليجعل الرفق بين الأمانة والعدل.
قال محمد بن كعب القرظي: قال لي عمر بن عبد العزيز: صف لي العدل يا ابن كعب. قلت: بخٍ بخٍ، سألت عن أمر عظيم. كن لصغير الناس أباً، ولكبيرهم ابناً، وللمثل منهم أخاً، وللنساء كذلك، وعاقب الناس بقدر ذنوبهم على قدر احتمالهم، ولا تضربن لغضبك سوطاً واحداً فتكون من العادين.
كان يقال: ليس شيءٌ أحسن عند الله من حلم إمام ورأفته.
قال زياد لابنه عبيد الله يا بنيّ: إذا دخلت على أمير المؤمنين فادع له، واصفح صفحاً جميلا، ولا تريّن متهالكا عليه، ولا منقبضاً عنه.
قال مالك: قيل لأبي الدرداء: يردُّك معاوية، وأنت صاحب رسول الله ﷺ . فقال الّلهمَّ غفراً. من يأت أبواب السلطان يقم ويقعد.
قال معاوية: لا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي.
قال معاوية يوماً، وقد ذكر من كان قبله: أما أبو بكر فهرب عن الدنيا، وهربت عنه. وأما عمر فأقبلت إليه وهرب منها، وأما عثمان فأصاب من الدنيا وأصابت منه، وأما أنا فقد داستني الدنيا ودستها.
قال أبو عمر ﵁: سكت عن عليّ، وأنا أقول: وأما عليّ فأصابت الدنيا منه ولم يصب منها.
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: إني لأستعمل الرجل، وأدع خيراً منه، وذلك أني أستعمله لأن يكون أنقص عيباً وأوسع رأياً، وأشد جرأة، وأصبر على الجوع والعطش. وقد روي هذا مرفوعاً إلى النبي ﷺ .
كان يقال: يوم من أيام إمام عادل أفضل من مطر أربعين صباحاً أحوج ما تكون الأرض إليه. قال المهلب: خير الولاة من كان في رعيته كأنه غائب عنها، وهو شاهد فيها وكان المحسن في أيامه آمناً والمسيء خائفاً.
وقال بعض الحكماء الناس يحبّون سلطانهم على الدِّين، والتواضع ولين الجانب، وينقادون لشدة الطّيش.
قال أبو العتاهية:
رضيت ببعض الذُّلِّ خوف جميعه ... وليس لمثلي بالملوك يدان
وكنت امرءاً أخشى العقاب وأتَّقي ... مغبَّة ما تجني يدي ولساني
ولوأنَّني عاندت صاحب قدرةٍ ... لعرَّضت نفسي صولة الحدثان
فهل من شفيعٍ منك يقبل توبتي ... فإنِّي امرؤٌ أو في كلِّ ضمان
وقال الحسن بن سهل:
فرضت عليَّ زكاة ما ملكت يدي ... وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا
فإذا ملكت فجد وإن لم تستطع ... فاجهد بجهدك كلّه أن تنفعا
وقال آخر:
стр. 75
ليس في كلِّ ساعةٍ وأوان ... تتهيَّا صنائع الإحسان
فإذا أمكنت فبادر إليها ... حذراً من تعذُّر الإمكان
كان زياد إذا أتي بصاحب زلة، أخرّ عقوبته أياماً يسأل عن قضيته مخافة الزيادة في العقوبة. صعد عبد الملك المنبر، فقال في خطبته: يا معشر رعيتنا سألتمونا سيرة أبي بكر وعمر، ولم تسيروا فينا ولا في أنفسكم سيرة رعية أبي بكر وعمر، ولكن نسأل الله أن يعين كلاً على كل. تعرَّض رجل للحسن بن سهل، فقال: من أنت؟ فقال: أنا الذي أحسنت إليَّ عام كذا فقال الحسن: مرحباً بمن توسل إلينا بنا.
وهذا عندي مأخوذ من قول معاوية: أحب الناس إلي، من له عندي يد ثم أحبهم إليّ بعده من لي عنده يد.
قال الشعبي: دخلت يوماً على ابن هبيرة وبين يديه رجل يريد قتله، فقلت: أصلح الله الأمير، أنت على فعل مالم تفعل أقدر منك على ما فعلت، ولأن تندم على العفو خير من أن تندم على العقوبة. قال: صدقت يا شعبي. وأمر بالرجل إلى السجن.
قال المأمون: تحتمل الملوك لأصحابهم كل شيء إلا ثلاث خصال: القدح في الملك، وإفشاء الأسرار، والتعرض للحرم.
روى ابن دريد، عن ابن أخي الأصمعي، عن عمه عن أبي عمرو بن العلاء أنه دخل على سليمان بن علي، فسأله عن شيء فصرفه عنه، فغضب سليمان بن علي فخرج أبو عمرو وهو يقول:
أنفت من العار عند الملوك ... وإن أكرموني وإن قرَّبوا
إذا ما صدقتهم خفتهم ... ويرضون منِّي بأن يكذبوا
قيل للعتابي: لم لا تخدم الأمير؟ أو لا تكتب للأمير، فقال: لأني رأيته يعطي رجلاً ألف مثقال بلا خصلة، ويرمي آخر من أعلى السور على الرأس بلا ذنب، فلا أدري أي الرجلين أكون عنده، مع أن الذي أعطي في ذلك، أكثر من الذي آخذ - يريد مهجته - وركوب الغرر فيها معه، والعتابي هو القائل:
تلوم على ترك الغنى باهلِّيةٌ ... زوى الدَّهر عنها كلَّ طرفٍ وتالد
رأت حولها النِّسوان يرفلن في الكسى ... مقلَّدةً أجيادها بالقلائد
يسرُّك أنِّي نلت ما نال جعفرٌ ... من الملك أو ما نال يحيى بن خالد
وأنَّ أمير المؤمنين أغصَّني ... مغصَّهما بالمرهفات البوارد
ذريني تجئني ميتتي مطمئنَّةً ... ولم أتجشَّم هول تلك الموارد
وإنَّ كريمات المعالي مشوبةٌ ... بمستودعاتٍ في بطون الأساود
وقال الغزال:
وإن أعطيت سلطاناً ... فحاذر صولة الزَّمن
أخو السُّلطان موصوفٌ ... بحسن الرَّأي والفطن
فساعة ما يزاوله ... رماه النَّاس بالَّلعن
ويصبح رأيه المحمو ... د منسوباً إلى الأفن
وتبصر في مطَّيته ... سقوط العين والأذن
وتسترخي مفاصله ... وتكسى كسوة الحزن
كأن بشاشة السُّلطا ... ن حين تزول لم تكن
وقال إدريس بن مقيم الإشبيلي:
قالوا تقرَّب من السُّلطان قلت لهم: ... يعيذني الله من قرب السَّلاطين
إن قلت دنيا فلا دنيا لممتحنٍ ... أو قلت دينٌ فلا ديناً لمفتون
قيل لأعرابي: من أنعم الناس عيشاً؟ قال: من لم يعرف السلطان ولم يعرفه السلطان، وكان في كفاف وغنى.
وأما أهل الآخرة فطريقتهم الإعراض عنهم، وترك معاشرتهم.
قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: حدثونا أن الحسن البصري نظر إلى قوم صحبوا السلطان واتسعت دنياهم، فقال: ماتنظرون إليهم، فوالله لئن كانوا من أهل الجنة لقد عجل لهم قليل من كثير ذخرلهم، ولئن كانوا من أهل النار لقد أعطوا قليلاً من كثير صرف عنهم فأتاهم، فارحموا ولا تغبطوا.
أنشدني عبد الله بن محمد بن يوسف لنفسه:
مايشتهي قرب السَّلاطين ... غير ضعيف العقل مجنون
لا تكذبن عنهم فما صحبهم ... منهم على دنيا ولا دين
دنياهم بالخزي موصولةٌ ... ولا تسل عن دين مفتون
خيرهم فاعلمه لا يرتجى ... وشرُّهم ليس بمأمون
لا رأي لهم في نيل دنياهم ... حسبي بأن يسلم لي ديني
следующие страницы →