Полный текст (115 стр.). Показаны 106–115 · переход к 111.
стр. 106
فقالوا لنا ثنتانِ لا بد منهما ... صدورُ رماحٍ أُشرِعتْ أَو سَلاسِلُ
ولو نزل خميسهم بحيث يظن المرجفون، وهو وافر كامل، لرأيت الطويل العاتر مديداً فيهم، والخفيف المقبوض بسيطاً إليهم. فكثر المتقارب عند ذلك بينهم، وسمعوا الهزج والرجز، فعجزوا عن الرمل والمضارع له في تلك الساعة، وكان السريع والمنسرح عندهم محمودين.
وظل جيشهم مجتثاً وعميدهم مقتضباً؛ واستغنى بما أخذ منهم الخليل وحمل جهازهم على العروض، وكثر فيهم المقيد وقل المطلق.
وهذه الألفاظ ألغزتها عن أجناس الشعر التي رتبها " الخليل: فأردت بالطويل الرمح، وبالمديد الرمح إذا مد إليهم، وهو فعيل من: مددت، في معنى مفعول.
وعنيت بالخفيف السيف، لأن السيوف يقال لها: البيض الخفاف.
وأوهمت أني أريد الخفيف من الشعر.
وأردت بالمقبوض، الذي قبضة الكف على قائمه. وأوهمت أني أريد المقبوض الأجزاء، وهو الذي ذهب خامسه الساكن في الأصيل. وليس في الخفيف من الأوزان قبض، فذلك تقوية للإلغاز.
ووصفت الجيش بالوفارة والكمال، لأن في الشعر وزنين يقال لهما: الوافر والكامل.
وعنيت بالبسيط، المبسوط للضرب، لأن في الشعر وزناً يقال له البسيط وذكرت الهزج وأنا أعني به هزج السيوف في الضرب، لأن في اشعر هزجاً.
وعنيت بالرجز، ارتجاز القوم في الحرب، لا أني خصصت به الرجز الذي ذكره " الخليل " دون الرجز على مذهب العرب.
وأردت بالرمل، الرمل من السير، كما قال الراجز:
مالَكِ من شيخِكِ إِلا عَمَلُهْ
إِلا رسيمُه وإِلا رَمَلُه
وأردت بالمضارع له، ما قاربه من السير، ومن ذلك قيل للفعل مضارع، لأنه ضارع الأسماء، أي قاربها.
وعنيت بالسريع، الرجل الذي يسع في الهرب.
وبالمنسرح، الذي ينسرح في السير ويمتد، من ذلك: سرحت الغنم إذا أرسلتها.
وأردت بالمجتث، الذي قد اجتث أصله، أي قطع.
وبالمقتضب، الذي قد اتضب من أصحابه، أي اقتطع. والاقتضاب الاقتطاع.
والمتقارب، أردت به الخطو المتقارب من الفزع، أو الرجل الذي تقارب خلقه، أي انضم وتضاءل من الخوف.
فهذه أجناس العروض الخليلية، قد مضت في هذا الفصل على معنى اللغز والتورية.
وأردت بالخليل، الفقير. ألغزته عن " الخليل بن أحمد ".
وأردت بالعروض، الناقة التي لم تكمل رياضتها. ألغزتها عن عروض الخليل قال الشاعر:
ورَوْحةِ دُنيا بين حَيَّينِ رُحتُها ... أَسيرُ عروضاً أَو قضيباً أَرُوضُها
وأردت بالمقيد، رجلاً قيد.
وبالمطلق، من يطلق من الإسار.
وزعم المرجفون من أله ملة الطاغية، أنه قد أمر قوماً من أهل عمله، بحفر أماكن في بلده ظن المرجفون أن حفرها يكون قوة لزيادة الماء في السعيد " قويق " - جعله الله الغمر السائح - وإنما سميته السعيد لأن النهر الصغير يقال له سعيد، وجمعه سعد. قال " أوس بن حجر ":
وكأَن أَظعنَهم مُقَفِّيةً ... نَخلٌ مَوَاقِرُ بينها السُّعُدُ
ولأنه سعد بقربه من " السيد عزيز الدولة " أعز الله نصره " وبكونه شرباً للمسلمين. وفي قدرة الله تعالى أن يجعله في الآخرة من أنهار الجنان.
وزعموا أن ذلك الموضع يتصل بالسواجير. وتلك السواجير في أعناقهم إن شاء الله.
وهذا فن من الكذب دل على نزول الطاغية بدار المعجزة. وكيف لنا أن يذهب الله عمرو! وما له في تقوية " قويق " السعيد حتى يكون ثالثاً للرافدين وهما " دجلة والفارت "؟ قال " الفرزدق ":
أَميرَ المؤمنين وأَنت عَفٌّ ... نَقِيٌّ لستَ بالوالِي الحريصِ
بعثتَ على العراقِ ورافِديه ... فَزارِيّاً أَحَذَّ يدِ القميصِ
وحتى يعظم سمكه فتصير واحدته، وهي دون الشبر، تزيد على شبر الرجل أي قامته؛ وحتى تكون صغاره التي يعمل من مثلها الصحناء، حيتاناً تشبع أخيذتها جماعة يشكون اسغب، وحتى تجري فيه السفن والفرافير، وحتى يكون النازل بحلب حرسها الله، كما قال القائل:
يا صاحِ أَلمِمْ بأَهلِ الفصرِ والوادي ... وحبَّذا أَهلهُ من حاضرٍ بَادِ
تُزجَى فَرافيرُه والعيسُ واقفةٌ ... والضَّبُّ والنُّونُ والملاَّحُ والحادِي
стр. 107
وقد مضى القول في أن " قويقاً " المبارك، طيرة لهم. فكلما زادوه من قوة فإنما يرجع وبالاً عليهم. ولعل هذا الغراب المصغر في قول العامة، يعظم فيصير عقاباً إن شاء الله، فتكون مضرة عدوها أعظم.
لأنه إذا فتك بهم وهو صغير من أفرخة الغربان، فكيف به إذا عد من الكواسر المختطفات؟ ولعله إن شاء الله يصير العنقاء التي يذكرها الناس ويضربون بها المثل. فإذا صار كذلك، صارت جموع الأعداء قوتاً في كل أوان. وذلك أن بعض الرواة زعم أن العنقاء المذكورة كانت طائراً عظيماً فاختطفت صبياً في بعض الأيام، فدعا عليها " حنظلة بن صفوان " - وهو نبي أهل الرس فيما يقال - فغابت إلى اليوم.
ولو كان عنده من القوة ما يدعيه أهل ملته، لشرع في قطع " قويق " السرى، لا في تقويته. وإنما وصفته بالسرى، لأن السرى النهر الصغير.
وهو سرى في نفسه، من: السرو، لأن ماءه نمير يروي الواردة ويسقي الأرض المجاورة، وقلما يغرق كما يفعل غيره من الأنهار الخضارم.
وإنما مثل " قويق " ومثل الروم في هذا الحديث المصنوع، مثل رجلين يتحاربان، في يد أحدهما نصل من نصال السهام وقد شق على الآخر مكانه في يده، فكان ينبغي إن كان من أهل القوة أن ينتزعه من يد ذلك الرجل، لا أن يشرع في زيادته وتقويته حتى يوجد سناناً أو سيفاً.
ولولا أن الكذب لا يحسن بأهل الإسلام ولا بأحد من الناس، لجازيناهم على كذبهم الظاهر، وكنا فيما نفعل بريئين من الملامة.
وذلك أن فاعل القبيح من القبائح على سبيل الجزاء، لا يحسب ذميماً في الرأي. قال الله " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " وجل: " ومكروا ومكر الله، والله خير الماكرين ".
فالمكر منهم ذميم، والمكر الثاني على سبيل الجزاء، فهو خارج عن المعنى الأول. وقال " عمرو بن كلثوم ":
أَلاَ لا يَجهَلَنْ أَحدٌ علينا ... فنَجهلَ فوقَ جَهْلِ الجاهلينا
فالجهل الأول قبيح، والثاني على طريق الجزاء فليس بقبيح.
ولم نكن لنرضى في مجازاتهم بالمماثلة، ولكن نضعف ونزيد. لأن ذلك من أفعال الله تعالى، يجزي على السيئة والحسنة بالخلود الدائم، إما في الشقوة وإما في النعيم.
وما الذي كنا نقول لو استحسنا ذلك؟ كنا نزعم أن " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - قد راسل " أمير المؤمنين الظاهر لإعزاز دين الله " بأن يأمر الحفدة والأعوان والعلماء بالهندسة ومجاري المياه، أن يصرفوا البحر عن مدينتهم " قسطنطينية " إلى جهة أخرى، حتى ينضب مما بينها وبين بلاد المسلمين من ماء البحر، فيصير أرضاً مسلوكة تسافر فيه الناقة والبعير، ويمكن الجيوش المنصورة أن تسلكه لفتح مدينتهم التي بها دار المملكة، فما حجزهم عن ذلك بصدر الإسلام إلا البحر.
وقد روى أن رسول الله ﷺ قال: " أما فراس فنطحة أو نطحتان، ثم لا فارس بعدها " والروم ذات القرون أهل صخر وبحر، هيهات آخر الدهر.
وإنما قلت ذلك لأن بعض أصحاب السير من الفلاسفة، ذكر أن ما بين " الإسكندرية " وبلادها وبين " القسطنطينية " كان في قديم الزمان أرضاً تنبت الجميز، وكانت مسكونة وخمة، وكان أهلها من اليونانية. وأن " الإسكندر " خرق إليها البحر فغلبت أمواهه على تلك الأرض. وكان بها فيما يزعمون " ققنس " الطائر الذي تدعى الفلاسفة فيه تلك الدعوى المستطرفة، وأنا أذكر من دعواهم ما سنح: يزعمون أن هذا الطائر طائر حسن الصوت، وأنه كان في بلاد اليونانية.
فإذا حان موته زاد حسن صوته قبل ذلك بسبعة أيام، حتى لا يمكن أحداً أن يسمع صوته، لأن يغلب على قلبه من حسن ذلك الصوت ما يميت السامع. وأنه يدركه قبل موته بأيام طرب عظيم وسرور فلا يهدأ من الصياح. ويزعمون أن عامل الموسيقى من الفلاسفة، أراد أن يسمع صوت ققنس في تلك الحال، فخشي إن هجم عليه أن يقتله حسن صوته، فسد أذنيه سداً محكماً، ثم قرب إليه فجعل يفتح من أذنيه شيئاً بعد شيء حتى استكمل فتح الأذنين في ثلاثة أيام، يريد أن يتوصل إلى سماعه رتبة بعد رتبة، ولا يبغته حسنه في أول مرة فيأتي عليه. ويزعمون أن ذلك الطائر هلك فلم يبق منه ولا من ولده شيء. وكأنهم يرون أن ماء البحر غشي ققنس ورهطه بالليل في الأوكار، فلم تبق له بقية.
وهذا حديث يذكر للعجب منه.
стр. 108
وأهل الفلسفة يزعمون أن البلاد الوخمة، يكون أهلها أصح أفهاماً من أهل البلاد الصحيحة، لأن الهواء إذا صح والماء إذا كان نميراً، دعوا إلى شهوة الطعام، والاستكثار منه مضر بالفهم. وقد قال الأولون: البطنة تذهب الفطنة.
ويقال إن بعض الفلاسفة أراد ملك من الملوك قتله، فتحوب من قتله بالسيف، فأعطاه قدحاً فيه سم ليشربه، وأعلمه بذلك فظهرت منه مسرة وفرح. فقال له أصحابه: ما هذا أيها الحكيم؟ فقال هل أعجز أن أكون مثل ققنس؟ أو كنا تقول لهؤلاء السفهاء: إن " السيد عزيز الدولة " أعز الله نصره، يراسل أمير المؤمنين في خرق " بحر القلزم " إلى " بحر الروم " ليكثر الماء على مدينتهم فيغرقها. وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: " لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم.
أراد بالخزي فتح مدينتهم العظمى، ولا بد لها أن تفتح فيما يقال.
والله يجعل ذلك على يدي " السيد عزيز الدولة، أعز الله نصره ".
وزعيم الروم قد ألف الغدر ونشأ عليه من شب إلى دب:
والشيخُ لا يتْركُ عاداتِه ... حتى يُوارَى في ثَرَى رَمْسِهِ
وقال " حاتم بن عبد الله الطائي ":
ومَنْ يبتدعْ خِيماً سوَى خيمِ نفسه ... يَدَعْه ويَغلبْه على النفسِ خِيمُها
وإنما قلت ذلك لأنه خرج إلى هذه البلاد مرتين وهو فيما يزعم سلم للحمدانية، فجعل غنيمته من رعاياهم وبلادهم في المرتين. وقد طرقت سرية له " معرة النعمان " في سنة خمس وثمانين، فكان مثله مثل " عمرو بن هند " والطائيين: كان بينه وبينهم عهد، فغزا " عمرو " في جيش فأخفق، فلما قفل المريض بقوم من طيء يسكنون السهل فأخذهم ففي ذلك يقول " عارق الطائي ":
أَلا حَيِّ قبل البَيْن من أَنت عاشقُهْ ... ومَنْ أَنتَ موموقٌ إِليه ووامقُهْ
ومَنْ لا تُوَاتى دَارُه غيرَ فَيْنةٍ ... ومَنْ أَنت تبكي كلَّ يومٍ تَفارقُه
تَحُثُّ بصَحراءِ الثوِيةِ ناقتي ... كعَدْوِ رَبَاعٍ قد أَمَخَّتْ نواهِقُه
إِلى الملك الجبرِ ابنِ هند تزورُه ... وليس من الفَوْتِ الذي هوَ سابقُه
أَكُلُّ خميس أَخطأَ الغُنْمَ مَرَّةٌ ... فَصادَفَ حَيّاً غافلاً فهو سائقه
فإِن نساءً غير ما قال قائلٌ ... غنيمةُ سُوءٍ بينهن مَهارقُه
ولو نيلَ فيما بيننا لحمُ أَرنبٍ ... وفَيْنَا، وهذا العهدُ أَنت مغالِقُه
حلَفتُ بهَدْيٍ مُشعَرٍ بَكَراتُه ... تُحَثُّ بصحراءِ المَرِيطِ دَرادِقُه
لَئِنْ لم تُغيِّرْ بعضَ ما قد صنعتُمُ ... لأَنتحِيَنْ لِلعَظمِ ذو أَنا عارقُه
فأما إيعاده فعجز وفشل. والمثل السائر: الصدق ينبي عنك لا الوعيد.
وأما " القلعة " أدام الله حمايتها، فكما قال القائل:
فما تَبْلغُ الأَرْوَى شماريخَها العُلاَ ... ولا الطيرُ إِلا نَسْرُها وعُقَابُها
ولا طمِعتْ فيها أَمانيُّ طالبٍ ... ولا نَبحَتْ إِلا النجومَ كِلابُها
وقال " عمرو بن أمامة " لعمرو بن هند:
مَنْ مُبلغٌ عمرَو بنَ هند رسالةً ... إِذا استَحْقَبَتْها العِيسُ تَهوِي من البُعْدِ
أَيوعِدُني والرمْلُ بيني وبينَه ... تأَمَّلْ رُوَيداً ما أُمَامَةُ من هنْدِ
ومن أَجَأٍ حولي رِعانٌ كأَنها ... قنابلُ خَيْل من كُمَيتِ ومن وَرْدِ
غَدَرْتَ بأَمْرٍ أَنتَ كنتَ اجتذبتَنا ... إِليه، وبئسَ الشِّيمَةُ الغَدْرُ بالعَهْدِ
وقد يَترُكُ الغَدْرَ الفتى وطعامُه ... إِذا هو أَمسى، جُلُّهُ من دَمِ الفصْدِ
فويحه! ألا فعل فعل " عامر بن حوين الطائي " مع " امريء القيس ابن حجر "؟ وذلك أن " امرأ القيس " لما قتل أبوه وتشتت ملك بني آكل المرار، جاوز جبلي طيء فنزل ب " عامر بن جوين " وهو بالجزع.
стр. 109
ومع امريء القيس يومئذ جهاز وأثاث من بقايا المملكة، وعلى نسائه حلى ونظام فكانت امرأة عامر بن جوين ترى على نساء امريء القيس من الحلي واللباس ما لا تصل إلى مثله، فجعلت تحسن لعامر الغجر به حتى هم بذلك وتردد في نفسه، إلا أنه تهيب الغدر. فيقال إنه لما طال عليه ما يعتلج في صدره من حديث الغدر والوفاء، أتى موضعاً بالجزع وهو خال من الناس فصاح بأعلى صوته: " غدر عامر بن جوين " فأجابه الصدى: غدر عامر بن جوين. ثم صاح: " وفي عامر بن جوين ".
فأجابه الصدى: وفي عامر بن جوين. فقال لنفسه: هاتا أحسنهما. ثم انصرف إلى امرأته فأخبرها أنه لا سبيل له إلى الغدر بامريء القيس.
ثم إن " امرأ القيس " ظن بعامر ظنن السوء وخاف أن يغدر به.
فتحمل عنه بأهله وماله. ففي ذلك يقول " عامر بن جوين ":
أَأَظْعانُ هندٍ تلكمُ المُتَحمِّلَهْ ... لتُحزِنَ قلبي خُلَّتِي المتدِلِلَّهْ
أَلم تَرَكم بالجَزْعِ من مَلِكات وكم ... بالصعيدِ من هِجَانٍ مؤَبَّلَه
فلم أَرَ مِثلَهما خُباسةَ واحدٍ ... ونَهنهتُ نفسي بعدما كدتُ أَفْعلَه
إِذا هَزَّتِ العنقاءُ دونِيَ رأسَها ... كجِيدِ العروسِ أَصبحتْ متعطِّلَة
فآليتُ لا أُعطي مليكاً مَقَادةً ... ولا سُوقَةً حتى يعيشَ ابنُ مَنْدله
الخباسة: الغنيمة. والعنقاء: هضبة في الجبلين. " وابن مندلة " ملك قديم ضرب به المثل لأنه مشهور. كما قال " الهذلي ":
وحتى يئوبَ القارظانِ كِلاهما ... ويُنشَرَ في القتلى كليبٌ لوائلِ
و" قويق " السعيد إذا أراد كيد العدو، فإنه مصغر على معنى التكبير، كما قال " لبيد ":
دُوَيهيَّةٌ تَصفَرُّ منها الأَناملُ
ولو خرج في الأشهبين، والعامة تسمى ذلك الوقت الكوانين، لكان شطر هذه الكلمة طيرة له بالكي. وقد حدث بعض من ورد من حضرة هذا الرجل وادعى الخبرة بما عنده، أنه يعرض له صداع شديد. وأنه يداوي منه بالكي، ففي رأسه مسامير كثيرة. والمثل السائر: آخر الدواء الكي.
وبعضهم يقول: آخر الداء الكي. وكلاهما له معنى قال الراجز:
يُنْقَضُ مني كُلَّ يومٍ شَيُّ
وأَنا في ذاكَ صحيحٌ حَيُّ
والمرءُ يُفنيه المَدَى والطيُّ
وآخِرُ الداءِ الدويِّ الكي
والعامة إذا أنكروا ما يأتي به الرجل قالوا: يجب أن يكون على رأسه صليب. وملة هذا الرجل تقتضي أن يكون كيه مصلباً. وما خير شيخ قد كوى رأسه ذات المرار؟ وقد علمنا أن " سحيماً " لما ابتهل في الدعاء قال:
وَرَاهُنَّ ربيِّ مِثْلَ ما قد وَرَيْننِي ... وأَحْمَى على أَكبادِهنَّ المَكاوِيا
وإنما مثله في سه وتنقض جسمه الكي الذي برأسه، مثل " عمرو ابن أحمر " لما قال:
لَبِسْتُ أَبي حتى تَمَلَّيْتُ عُمْرَهُ ... وأَبْلَيْتُ أَعمامي وأَبليتُ خاليا
وما كنت أَخشى أَن تكون مَنِيَّتي ... ضَرِيبَ جِلاَدِ الشَّوْلِ مَحْضاً وصافيا
شربتُ الشُّكاعَى والتددتُ أَلِدَّةً ... وأَقبلتُ أَفواهَ العروقِ المكاويا
أُرَجِّي شباباً مُطْرِهِمّاً وصحةً ... وكيف رجاءُ المرءِ ما ليس لاقِيا
ولسنا نعيره الكبر ولا غيره من القضية، وإن كان القائل قد قال:
إِذا عُيِّروا قالوا مقاديرُ قُدِّرتْ ... وما العارُ إِلا ما تَجُرُّ المقادِرُ
لأن المثل: لا تسخر من شيء فيحور بك: وقال " عمرو بن شرحبيل ": لو عيرت رجلاً برضاع الغنم، لخشيت أن أرضعها. وقال بعض التابعين: إني لأرى الشيء مما يعاب فلا يمنعني أن أعيبه إلا مخافة أن أبتلي به. وزعم الرواة أن " الأخطل " لما بلغه قول " جرير ":
جارَيْتَ مُطَّلَعَ الرِّهانِ عَشِيَّةً ... رَوْقاً شبيبتُه وعُمْرُكَ فان
قال: " أديل والله مني النابغة الجعدي " وذلك أنهما كانا تهاجيا والنابغة شيخ والأخطل شاب. فعيره الأخطل مسنه، قال:
لقد جارَى أَبو ليلى بقَحْمِ ... ومُنْتَكِثٍ عن التقريب وانِ
فهذا من قولهم: لا تسخر من شيء فيحور بك.
وأنشد " ابن الأعرابي ":
لا يَبْعُدَنْ عهدُ الشابِ ولا ... لذاتِه وزمانِه النَّضْرِ
стр. 110
والمُرْشِقَاتِ من الخدور كإِي ... مَاضِ الغمامِ صوَاحبِ العِطْر
هَزِئتْ زُنَيْبَةُ أَنْ رأَتْ ثَرَمِي ... وأَن انحنى لِتقادُمٍ ظهري
حتى كأَنيَ خاتِلٌ قَنصاً والمرءُ بعدَ تمامِه يَحرِي
لا تَهزئي مني زُنَيْبَ فما ... في ذاكِ من عجَبٍ ولا سُخرِ
أَوَ لم تَرَىْ لُقمانَ أَهْلَكهُ ... ما اقتاتَ من سَنَةٍ ومن شهْرِ
وبقاءُ نِسْرٍ كلما نفدتْ ... أَيامُه عادت إِلى نَسْرِ
وحدث بعض الواردين من حضرة هذا الرجل بأشياء يكنى عنها. ولكنا نجعل البدل من ذكرها إنشاد أبيات ل " امريء القيس " وأبيات ل " الفرزدق " لأنهما كانا يتاظهران بطلب المنكرات. قال " امرؤ القيس ":
سَمَوتُ إِليها بعد ما نام أَهلُها ... سُمُوَّ حَبَابِ الماءِ حالاً على حالِ
فقالتْ سَبَاكَ اللهُ إِنكَ فاضِحي ... أَلستَ ترى السُّمَّارَ والناسَ أَحوالي
فقلت يمينَ اللهِ أَبرَحُ قاعداً ... ولو قطعوا رأسي لدَيْكِ وأَوصالي
حلفتُ لها باللهِ حِلفةَ فاجر ... لَناموا فما إِنْ مِنْ حديثٍ ولا صَال
وقال " الفرزدق ":
ترى قُضُبَ الأراك وهنُّ خُضْرٌ ... يَمِحْنَ بها وعِيدانَ البَشام
بكَرْنَ به على بردٍ عِذابٍ ... وليس بُكورُهنَّ على الطعامِ
سَيُبْلِغُهُنَّ وَحْيَ القولِ عني ... ويُدخِلُ رأسَه تحت القِرامِ
أُسَيِّدُ ذو خُرَيِّطةٍ ضئيلٌ ... من المُتَلَقِّطِي قَرَدَ القُمامِ
فقُلن له نَواعِدُكَ الثريا ... وذاكَ إِليه مُرتَفَعُ الزحامِ
ثلاثٌ واثنتان فهن خمسٌ ... وسادِسةٌ تميلُ إِلى الشِّمامِ
وأفحش في أبيات لا أذكرها، ثم وصف كبره فقال:
رمَتْني بالثمانينَ الليالي ... وسهمُ الدهرِ أَقْتَلُ سَهمِ رامِ
رآني الغانياتُ فِقُلن: هذا ... أَبونا جاءَ من تحتِ الرِّجامِ
رأَيْنَ لِدَاتِهن مؤزَّراتٍ ... وشَرْخَ لِدِيَّ أَسنانُ الهِرَامِ
ولو جَدَّاتُهن سأَلن عني ... قرأنَ عليَّ أَضعافَ السلامِ
ولو كان هذا الرجل ولد له في اقتبال عمره، لكان ولد ولده كهولاً.
وقد أنشد " عاصم بن بهدلة القاريء " ل " زر بن حبيش " صاحب " ابن مسعود " وعنه أخذ " عاصم " القراءة:
إِذا الرجالُ ولدتْ أَولادُها
واضطربتْ من كِبَرٍ أَكتادُها
وجعلتْ أَوجاعُها تعتادُها
فهْيَ زروعٌ قد دَنَا حَصَادُها
والذي يوجب ما وقع إلينا من أخباره، أنه في عشر السبعين. وقد يولد للإنسان وهو ابن اثنتي عشرة سنة. وقد روي أن " عمرو بن العاص " كان أكبر من ولده " عبد الله " باثنتي عشرة سنة.
وقال " كثير ":
وإِني لأَسْتأنِي ولولا طماعتي ... بعَزَّةَ قد جمَّعتُ بين الضرائرِ
وهَمَّتْ بناتي أَن يَبِنَّ وحُمِّمَتْ ... وجوهُ رجالٍ من بَنِيَّ الأَصاغرِ
وقد يمكن أن يكون هذا، في ابن ثلاثين وما دونها من السنين.
فلو كان ولد لهذا الرجل - وهو زائد في السن عن هذا العدد الذي ذكر لعمرو بن العاص ﵀ حتى يكون ابن خمس عشرة أو ابن ثماني عشرة، وهي الأشد في قول بعض المفسرين، لكان أولاده " شيوخاً.
لأن " عطاء بن أبي رباح " روى عن " عبد الله بن عباس " في قوله تعالى " ثم لتكونوا شيوخاً " قال: إذا بلغ الرجل أربعين سنة فهو شيخ.
وقد اختلف ذلك، فقال أصحاب اللغة: إذا غلب البياض على السواد في اللحية فالرجل شيخ. وحكى " قطرب " أن الرجل يقال له من سبع عشرة إلى أربع وثلاثين: شاب، ومن أربع وثلاثين إلى إحدى وخمسين كهل، ثم هو شيخ إلى أن يموت. وقال المفسرون قي قوله تعالى: " ويكلم الناس في المهد وكهلاً ": الكهل: ابن ثمان وعشرين سنة، وقيل: ابن ثلاثين. وأقوال الناس تختلف في هذا اختلافاً شديداً. وقد تردد في أخبار النبي ﷺ ، أن شاباً من قريش فعل وصنع. وهو المعنى بذلك. ولم يبعث ﷺ حتى بلغ أربعين سنة.
وقال " مروان بن الحكم بن أبي العاصي ":
стр. 111
ما قلتُ يومَ الدارِ للقومِ حاجزِوا ... عن الموتِ واستبقوا الحياةَ على الذُّلِّ
ولكنني قد قلتُ للقومِ ضارِبُوا ... بأَسيافِكم حتى يَصِلْنَ إِلى الكهْلِ
يعني " عثمان بن عفان " وهو يومئذ ابن نيف وثمانين سنة. وكان ﵁ فيما يزعمون - يخضب بالصفرة. وروى أصحاب الأخبار أن " نائلة ابنة الفرافصة الكلبي " - و " ابن حبيب " يقول: الفرافصة، بفتح الفاء - لما دخلت على " عثمان " قال لها: أتقومين إلى أم أقوم إليك؟ قالت: ما كنت لأقطع إليك عرض السماوة، وأكلفك أن تقطع إلى عرض السرير. فقال لها: لا يغرنك الشيب، فإن وراءه ما تحبين.
فقالت: إني من نساءٍ أحبُّ أزواجهن إليهن الكهل.
فسمته كهلاً.
و" الأصمعي " يذهب إلى أن شعر اللحية إذا اتصل ولم يبق فيه مزيد، فالرجل كهل. وقال بعض الناس: إذا رأى الشيب الرجل فهو كهل، ولذلك يقال للنبات: اكتهل. إذا أزهر.
وقد كان يجب على هذا الرجل أن يأخذ نفسه بشيم أهل السن.
وقد يكون الإنسان على الطريقة العادلة، ثم يستيقظ فيلزم القصد. قال " زهير ":
صَحَا القلبُ عن سلمى وأَقصر باطلُه ... وعُرِّيَ أَفراسُ الصِّبا ورواحلُه
وأَقْصَرتُ عمَّا تعلمينَ وسُدِّدتْ ... عليَّ سِوَى قَصْدِ السبيلِ مَعَادِلُه
وقال " أعشى قيس " وكان أحد غواة العرب:
فإِن أَخاكِ الذي تعلمين ... لياليَنا إِذ نَحُلُّ الجِفارا
تبدَّل بعدَ الصِّبا حِكمةً ... وقنَّعه الشيبُ منه خمارا
فإِمَّا تَريْني على آلة ... قلَيْتُ الصِّبا وهجرتُ التِّجارا
فقد أُخرِجُ المُسْتَرا ... ةَ من خِدْمِها وأشِيعُ الفِجارا
وأحسن من هذا الانتقال عن الغي إلى الرشد، ما قال " الأعور الشني ":
وإِني لأَرجو أَن أَموت ولم أَنَلْ ... حراماً من الدنيا: زِناءً ولا خَمْرا
وما أَطلعتْني بِنتُ جارٍ مجاوِرٍ ... على سِرِّها حتى أَسوقَ لها مَهْرا
وقول " الدعيل بن الكلب العنبري ":
وما أَعجبَتْني حُلَّةٌ فوق خاربٍ ... رأَى اللهُ حَظِّي غيرَها فكسانِيا
وما أَنا بالجاذي على حَدِّ مرْفَقي ... إِلى جارتي ليلاً لأُصبحَ زانِيا
وقول الآخر:
نارِي ونارُ الجارِ واحدةٌ ... وإِليه قَبْلِي تُنزَلُ القِدْرُ
ما ضرَ جارِي إِذ أجاوِرُه ... أَلا يكونَ لِبيتِه سِتْرُ
وفي الحديث المأثور: " أبغض الناس إلى الله، الشيخ الزاني والفقير المحتال ".
وحدث رجل يعرف ب " مشرق بن عبد الله " - وأصله رومي وهو من أهل القرآن ومقامه الآن بحلب حرسها الله، وكان في صحبة محمد ابن عبد الله الفصيصي - أن هذا الرجل له ولد من امرأة ليست تحل لمثله على رأي أصحاب الشرائع، وأنه قد جعل له رتبة. ورأيه، إن مات أخوه قبله، أن يقر بنسبه ويجعل الملك إليه. فمثله في هذا مثل " معاوية " و " زياد ابن أبيه " وإذا صح أمر هذا الولد، فمثله مثل قول الشاعر وهو يروي ل " أم تأبط شراً ":
ليت شعري ضَلَّة ... أَيُّ شيءٍ قَتَلكْ
أَمرِيضٌ لم تُعَدْ ... أَم رصيدٌ خَتَلَكْ
والمنايا رصدٌ ... للفتى حيث سَلك
كلُّ شيءٍ قاتل ... حينَ تَلْقَى أَجَلَك
ليت نفسي قُدِّمتَّ ... للمنايا بَدَلَكْ
أَيُّ شيءٍ حَسَنٍ ... في الفتى لم يك لك
والأبيات معروفة، وقد ذكرها صاحب الحماسة وإنما ضربت بها المثل لهذا الولد، لأنها تحتمل أمرين: أن تكون من الوزن المديد، وهو من أهل بيت المملكة في الشعر، لأنه أخو الطويل والبسيط وإن كان مقصراً عنهما، وهو معهما في دار الملك. وعنيت بدار الملك: الدائرة التي تجمعه وأخويه. فمثله مثل " إبراهيم بن شكلة " خرج اسمه بالغناء، وأخواه " موسى وهارون " الملكان. والأمر الآخر في هذه الأبيات أن تكون من الرمل، وهو من عامة الشعر. وبذلك حكم عليها أهل العلم.
стр. 112
ولذلك يجب أن يحكم على هذا الولد بأنه من العامة لا من الملوك، لأن رسول الله ﷺ قال: " الولد للفراش، وللعاهر الحجر " وفي حديث آخر: " وللعاثر دعدع وللعاهر الحجر " ومر رسول الله ﷺ بأمة مجح - وهي الحامل المقرب - فقال: لم هذه؟ قالوا: لفلان. قال: أيلم بها؟ قالوا: نعم. قال: " لقد هممت أن ألعنه لعناً يدخل معه قبره. كيف يورثه وهو لا يعرفه؟ أم كيف يستخدمه وهو لا يعرفه؟ ".
فقول نحن: إن الميراث ليتفاضل. ورسول الله ﷺ كره أن يرث ولد الأمة شيئاً قليلاً امرأة المال، لأنه ملا يعرف أبوه. فكيف يورث هذا الرجل ملكه امرأة لا يثبت نسبه في الأحكام؟ أم كيف يكو ملك جيل من الأجيال من ولد لغير رشدة وقد علم أهل الملك بذلك؟ إن هذا لهو الخزي العظيم.
والعرب، على أنهم كانوا أهل رتب وشقوة، يعيبون على الرجل والمرأة قلة المهر. قال " جرير ":
تُساقُ من المِعْزَى مُهورُ نسائِهم ... وفي قزمِ المِعْزى لهنَّ مهورُ
وقال آخر، وهو كالمفتخر بكثرة المهر:
إِني وإِنْ سِيقَ إِليَّ المَهرُ ... عبدٌ وقيناتٌ وذُودٌ عَشْرُ
أَحَبُّ أَصهارِي إِليَّ القبرُ
فأما الفقهاء فيختلفون في المهر اختلافاً كثيراً: فأجاز بعضهم التزويج على ما قل وما كثر، ولم يجعل في المهر حداً يعرف. وممن ذهب إلى ذلك " محمد بن إدريس الشافعي ".
وقال " أبو حنيفة " وأهل العراق: عشرة دراهم أقل المهور.
وقال " مالك ": المهر ربع دينار.
وروى عن " إبراهيم النخعي " في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أنه قال: المهر رطل امرأة ذهب. وهذا قول لم يأت على الجزم والإيجاب.
والقول الثاني: أربعون درهماً. والقول الثالث أنه قال: أحب عشرة أو عشري، ليكون مخالفاً لمهر البغي.
وروى العرب " سعيد بن جبير " أنه قال في أقل المهور: خمسون درهماً.
وروى عن " الأوزاعي " أنه قال كلاماً معناه: أنه من تزوج على درهم لم ينقض عليه قاض. فيروون أن مذهبه في أقل المهور هو الدرهم الواحد.
وقال " ابن شبرمة " خمسة دراهم.
وروى أن " سعيد بن المسيب " زوج ابنته على درهم.
فأما الذي توجبه المروءة والديانة، فأن يكون مهر امرأة على مقدار حال الرجل: فإن كان موسراً حسن منه أن يكثر مهر امرأته. وإن كان مقتراً عذر في التقصير.
وذكرت المهر لأن ولد الرومي جائز أن تكون أمه لم تعط مهر بغي ولا غيره.
وإنما يمكن أن تكون هذه الأبيات الكافية من المديد لأنه إذا حمل على أخويه وجب أن يكون على ثمانية أجزاء، ولم تستعمله العرب إلا سداسياً.
وأطول ما استعملت منه: " إن بالشعب " ونحوها. إلا أن أهل العلم يضعون له أصلاً ثمانياً ليكون مثل أخويه. فمن ذلك قول القائل:
ليس مَن يشكو إِلى أَهلِه طولَ الكرَى ... مثْلَ مَنْ يشكو إِلى أَهلِه طولَ السَّهَرْ
الأبيات الكافية مشطور هذا الوزن.
ولهذا الولد ولهذين الملكين مثل آخر: وهو أنهما إذا كانا مثل الضربين الأولين من البسيط، وهما ملكان، والأول منهما هو الأكبر والثاني منهما هو الأصغر، فهذا الولد إن صح أنه من أهلهما فهو مثل الثالث من البسيط، لا يعرف في الظاهر أن بينه وبين الأولين قرابة، لأن الأول مثل قول " الأعشى ":
ودِّعْ هُريرةَ إِن الركْبَ مُرتحِلُ
وهو " بسيل ".
والثاني مثل قول " كعب ":
بانتْ سُعادُ فقلبي اليومَ مَتبولُ
وهو " قسطنطين ": والثالث مثل قول " عمرو بن قميئة ":
الكأْسُ مُلْكٌ لمنْ أَعملَها ... والملْكُ منه كبيرٌ وصغير
منها الصَّبوحُ التي تتركني ... ليثَ عِفرِّينَ والمالُ كثير
وأَولَ الليلِ لَيْثٌ خادِرٌ ... وآخرَ الليلِ ضِبْعَانٌ عَثور
وهذا الوزن في السمع بعيد من نمط الوزنين الأولين، وإنما يعلم بقرابته منهما أهل الخبرة. و " الخليل " سمى هذا الوزن الثالث: مذالاً.
أخذه من الذيل لأن في الجزء زيادة حرف ساكن.
ونحن نتأوله إذا نقلناه إلى ذلك الولد، أنه من الإذالة، أي الهوان.
стр. 113
وللأخ الأصغر من الأخوين أولاد إناث. فمثلهن مثل الضروب الثلاثة الأخيرة من البسيط: فيهن انكسار وضعف وركاكة. وهذه الأوزان الثلاثة لا يستعملها المحدثون إلا أن يخبنوا الثالث منها في العروض والضرب، فيستعملوه عن ذلك. وإنما توجد شاذة في أشعار الليل ومن بعدهم من القالة.
وإذا قدم عهد الشاعر كان ديوانه مظنة لمثل هذه الأوزان النادرة، وما أفلح وزن منها قط. وربما ندر بيت بعد بيت، ولا يجيء حسناً في السمع إلا أن يلحقه بعض التغيير عما هو في الأصل. فمن ذلك قول " عبيد ":
تَصبو وأَنَّى لكَ التصَابي ... أَنَّى وقد راعك المَشِيبُ
وفيها.
مَنْ يسأَلِ الناسَ يَحرِموه ... وسائلُ اللهِ لا يَخيبُ
فهذان البيتان إنما حسنا في الوزن لأجل شيء سقط منهما فقبلتهما الغريزة الخالصة. ألا ترى إلى قوله:
والمرءُ ما عاش في تكذيبِ ... طولُ الحياةِ له تعذيبُ
كيف هو مخالف لهذين البيتين؟ فقد يجوز أن تحسن عقول الروم لها إذا فقد هذان الأخوان، أن تملك بعض بنات الأصغر، فيكون مثلها مثل ما استقام من هذا الوزن في السمع، وهي مع ذلك ضعيفة ركيكة. والروم ربما ملكت النساء وبعض الناس يقول: " الزباء الرومية " - يعني صاحبة " جذيمة " - ينسبها إلى الروم. وتمليك امرأة صحيحة النسب في بيت الملك، أحسن من تمليك رجل لم يثبت نسبه.
وإذا شبهنا الطاغية بالضرب الأول من البسيط، وظهر من الدروب ناقضاً للسلم، ف " عزيز الدولة " - أعز الله نصره - يلحق به الطي أو الخبل. فإنه إذا طوى تغيرت هيئته وذهب أيده. والطي الذي وضعه " الخليل " هو ذهاب الرابع من السباعي. ونحن نعني به المصدر من قولك: طواه الله، أي أهلكه. وقد طوى " زهير " الضرب الأول من البسيط في موضعين. في أول النصف الأول، وفي أول النصف الثاني. وذلك قوله:
يَطعَنُهمْ ما ارتموَا حتى إِذا طُعِنُوا ... ضارَبَ حتى إِذا ما ضارَبوا اعتنَقا
و" السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - لا يرضى له بالطي في موضعين، بل يطويه في أربعة مواضع ليكون التغيير له أشد، وحاله عند من عرفها أنكر. ألا ترآ إلى قول " الباهلي ":
إِني أَتتْني لسانٌ لا أُسَرُّ بها ... من عَلْوَ لا عَجَبٌ فيها ولا سَخَرُ
لو دخل معه قول القائل:
ارتحلوا غُدوَةً فانطلقوا بُكَراً ... في زُمَرٍ منهم تتبعُها زُمَرُ
لكان بعيداً عن شكله غير ملائم له في وزنه؟ وهذا البيت الثاني قد لحقه الطي في أربعة أماكن.
والخبل الذي وضعه " الخليل " هو سقوط الثاني والسابع من السباعي كما قال " النابغة ":
فَحسَبُوه فأَلْفَوه كما حَسَبتْ
وقد مضى ذكره.
ونحن نعني بالخبل فساد الأعضاء وتغير العقل من الهلع، كما قال " متمم ":
وكلُّ فتًى في الناسِ بعدَ ابنِ أُمِّه ... كذَاهبَة إِحدى يَدَيْه من الخبْلِ
ويقال: أصاب بنو فلان بني فلان بخبل؛ أي بقطع أيد وأرجل.
وإذا قالوا: فلان مخبول؛ فإنما يريدون اضطراب العقل وتغيره.
ولم يكن " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - يقتنع بخبله في موضع واحد، بل يجمع له الخبل في أربعة مواطن حتى ينكره أدنى الأحباء وأعز القرابين، فيكون مثله مثل هذا البيت:
وزعَموا أَنهم لَقيَهم رجلٌ ... فأَخذوا مالَهُ وضربوا عُنُقَه
ألا ترى أن حاله تغيرت حتى أنكرته الأذن ونفر منه الحس؟ فلو أقسم مقسم أنه لا يناسب قول " زهير ":
بانَ الخَليطُ ولم يَئودُوا لِمنْ بانُوا
ولا قوله:
إِن الخَليطَ أَجَدَّ البَيْنَ فانفرقا
لعذر في ذلك.
وإن لم يشبه بالبسيط الأول وجعلناه من الطويل الذي هو أشرف وأجل، فإن " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - يلقاه بالثرم.
وهو فيما وضعه " الخليل " مثل قول الشاعر:
هاجَها رَبْعٌ دارِسُ الرسْمِ باللوَى ... لأَسماءَ عَفَّى آيَهُ المُورُ والقَطْرُ
ونحن نعني بالثرم قولنا: ثرم الرجل، إذا سقطت مقاديم أسنانه.
وثرمه غيره ثرماً. ونضيف له إلى ذلك، الكف. وهو في رأي " الخليل " سقوط السابع من الجزء السباعي ففي هذا الوزن. كما ينشد بعض الناس:
سآخُذُ مِنكُمْ آلَ حَزْنٍ بِحَوْشبٍ ... وإِن كان مولايَ وكنتم بَنِي أَبِي
стр. 114
وهكذا في النسخ القديمة. وقد غيره بعض الناس كراهة الكف، قالوا:
وإِن كان لي مولى وكنتم بني أَبي
ونحن نعني بالكف أشياء كثيرة: إن شئت كف البصر، وإن شئت كف اليد؛ وكل منع يقع بالإنسان فهو كف. ويقبض " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - يد عوده أن تنبسط. كما قبضت عروض الطويل فلم ينشرها أحد من الفصحاء المتقدمين ولا نشرها أحد من فحول الإسلام.
غير أن " الجعفي " فعل ذلك في كلمته التي أولها.
لِجنِّيَّةٍ أَمْ غادةٍ رُفعَ السَّجفُ
وهو قوله:
تَفكُّرُه عِلْمٌ ومَنطِقُه حُكْمُ ... وباطنُه دِينٌ وظاهرُه ظَرْفُ
وقد عابه عليه " اسماعيل بن عباد، الصاحب ".
وإنما يزول قبض هذه العروض في التصريع إذا وقع في الضرب الأول.
ولم يكن - أعز الله نصره - يخليه من القبض في مواضع سوى هذه، كما قال " امرؤ القيس ":
سَمَاحةَ ذا وبشرَ ذا ووفاءَ ذا ... ونائلَ ذا، إِذا صَحَا وإِذا سَكِرْ
والقبض سقوط الخامس. ويجوز أن نعني به قبض النفس، من قولك: قبض الله روحه. وهل يأمن المتعرض لمضرة المسلمين - وإن كان مثله مثل قول " امريء القيس ":
أَلا انْعِمْ صباحاً أَيها الطلَلُ البالي
ومثل قول " الشماخ ":
أَلا يا اصْبَحاني قبلَ غارةِ سِنْجالِ ... وقبل منايا نازلاتٍ وأَشغالِ
أن تدور عليه الدائرة فينعكس أمره حتى يحسب من الأركاء الضعفاء؟ فإن هذين البيتين وغيرهما من الأبيات التامة المحسوبة من الطويل والبسيط، تدور عليهن الدائرة التي وضعها " الفرهودي " فيصرن في رتبة قول " إسماعيل بن القاسم ":
عُتْبَ ما للخيالِ ... خبِّريني ومالِي
ما لَه لم يَزُرْني ... طارقاً مُذْ ليال
وهذا من أضعف أوزان الشعر وأركهن. ولم تستعمله الجاهلية ولا الفحول في الإسلام. وإنما عمله " إسماعيل بن القاسم " على هيئة اللعب. وإذا أردت أن تخرج من قول القائل:
قِفَا نَبْك من ذكرى حبيبٍ وعرفان
مثل قول " إسماعيل ":
عُتبَ ما للخَيالِ
فأسقط من أوله: " قفا نبك من " والذال والكاف من " ذكرى " ثم زد أسقطت من أول البيت، على آخره. فإنه يخرج منه وزن بيتين من أبيات " إسماعيل " لأن كل بيت من أبياته مثل نصف هذا الوزن.
ولم يكن " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - يعدمه حذفاً و " الخليل " لم يذكر الحذف إلا في الضرب الثالث. وهذا الحذف الذي ذكرت، هو شيء يحدث في آخر النصف الأول، كما قال " النابغة ":
جزى اللهُ عَبْساً، عبسَ آلِ بَغيضٍ ... جزاءَ الكلابِ العاوياتِ، وقد فَعَلْ
وكما قال " القتال الكلابي ":
لقد ولدتْ لي بنتُ عبدِ منافِ ... أميمةُ، عزّاً إن غضبتُ ومَغضَبَا
وإنما عنيت بالحذف نقصاً يلحق الطاغية في جسده أو عسكره.
ولو قرب وهو يريد الحرب، وقد مثلته بالطويل. لأدركته المعاقبة من " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - وذلك أن " الخليل " جعل المعاقبة في الطويل سقوط الخامس من السباعي تارة، وسقوط السابع أخرى.
وأنا أعني بالمعاقبة مصدر: عاقبته، من العقوبة.
وإن كان في عسكره بطاريق ورؤساء يجرون مجرى الوافر والكامل لأنهما لا يبلغان رتبة أملاك الشعر - وهي خمسة: الطويل بضروبه الثلاثة، والضربان الولان من البسيط - فإن " السيد عزيز الدولة "، أعز الله نصره، يلقي من كان منهم في منزلة الوافر بالعضب والعصب والعقص والقصم والعقل والنقص، ويجعل ذا الرمح منهم أجم.
وذلك أن " الخليل " جعل الأعضب مثل قول " الحطيئة ":
إن نزل الشتاءُ بدارِ قومٍ ... تجنَّبَ جارَ بيتهمُ الشتاءُ
وقد جاء في شعر " الجعفي " مثل هذا وهو قوله:
إِنْ تكُ طيِّيءٌ كانتْ لِئاماً
والأعقص عند " الخليل " مثل قول القائل:
لولا مَلِكٌ رءوف رحيم ... تغمَّدَني برحمته هلكت
والأقصم عند " الخليل " مثل قول " هدبة ":
إِني من قُضاعة مَنْ يَكِرْها ... أَكِرْه وهْيَ مني أَمانِ
إن سكنت الياء فهو أقصم، وإن حركتها فهو أعضب.
والعقفل عند " الخليل " مثل البيت المنسوب إلى " كعب بن زهير ":
وحِفْظي الوُدَّ للأَخِ المُداني
إذا خففت الخاء.
والنقص عنده مثل قول الآخر:
стр. 115
إِني من القوم الذين إِذا ... فارَقهم جاراتُهم أَثنَيْنا
أَثْنَيْن من حُسْنِ السلام عليهمُ ... يوماً وإِن ذُكِرَ الفراقُ أَبَيْنا
وله أحكام ليس هذا موضع ذكرها. وإنما أخذ من القطاة الحذاء وهي السريعة ويقال بل هي القصيرة الذنب، قال الشاعر:
أَما القَطاةُ فإِني سوف أَنعَتُها ... نعتاً يوافِقُ نعتي بعضَ ما فيها
حَذَّاءُ مدبرةً سَكَّاءُ مُقبِلةٍ ... سُودٌ قوادمُها حُمْرٌ خَوافيها
وفي خطبة " عتبة بن غزوان ": إن الدنيا قد أدبرت حذاء فلم يبق منها صبابة كصبابة الإناء ".
وعنيت بالحذذ أن أموالهم تؤخذ فيسرعون الهرب فيكونون حذا في السرعة وحذا في خفة متاعهم، لأنه كالريش لهم. فيشبهون بالقطا الحذ أي القصار الأذناب.
والإقعاد في الكامل، مثل قول " الربيع بن زياد ":
أَفبعدَ مَقْتَلِ مالِكِ بنِ زُهَيْرٍ ... ترجو النساءُ عواقِبَ الأَطهارِ
وقد فسرت الإقعاد الذي قصد في العدو.
والإذالة في الكامل، زيادة ساكن على آخر الضرب السابع، كقوله:
إِنْ كنَّ أَثوابي خَلُقْنَ ... فإِنهن على كرِيمْ
والإذالة للعدو، هي الإهانة.
والترفيل في الكامل، زيادة حرفين في آخر الضرب السادس، كقوله:
نَهْنِهْ دموعَك إِن من ... تبكي من الحَدَثانِ عاجزْ
وعنيت بالترفيل الذي يمنع منه العدو، المصدر من قولك: رفلته، إذا سودته. وقد مر ذكره.
ولا يفتأ صغار العدو الذين لا يصل إليهم القتل لاحتقارهم وللرغبة في ملكهم، يصيبهم الشتر والخرب، كما أصاب الهزج والمضارع.
وهما من صغار الأوزان. فالأخرب في الهزج كقوله:
لو كان أَبو بشرٍ ... أَميراً ما رضيناهُ
والأشتر كقوله:
في الذين قد ماتوا ... وفيما خلَّفوا عِبْرَه
والأخرب في المضارع كقوله:
إِن تَدْنُ مِنه شِبْراً ... يُقَرِّبْكَ منه باعا
والأشتر منه كقوله:
مَالِكٌ وابنُ زَيْدٍ ... يَجيئانِ بالمُحَالِ
فالأشتر من صغار العدو إنما يشتر على غير عمد، يصيبه ذباب سيف ما قصد به، أو نحو ذلك.
والأخرب هو المثقوب الأذن، واسم الثقب الخربة. قال " ذو الرمة ":
كأَنه حبَشِيٌّ يبتغِي أَثراً ... أَو من معاشِرَ في آذانِها الخُرَبُ
فيجوز أن يؤخذ صغير من القوم فتثقب أذنه للتقريط، أو تسبى امرأة فتثقب أذنها كذلك، أو يجذب قرطها قتخرب أذنها، أي يزول ذلك الذي كان يستمسك به القرط من شحمة الأذن.
وإنك لتجد في عامة الأوزان مثل المديد والرمل والخفيف، شكل العجز وشكل الطرفين، وكذلك تجد في العدو إن شاء الله: فشكل العجز في اشعر، هو أن يجتمع في الجزء سقوط السابع للكف، والخبن وهو سقوط الثاني. ويكون ذلك الخبن لغير معاقبة، كقوله:
لِمَنِ الديارُ غيَّرهن ك ... لُّ دافي المُزْنِ جَوْنِ الربابِ
وعنيت بشكل العجز في العدو، أن يؤخذ الأسير فتربط رجلاه إلى عجزه.
وشكل الطرفين في الشعر، سقوط السابع للكف، وسقوط الثاني للخبن، ويكون ذلك الخبن لمعاقبة، كقوله:
ليت شعري هل لنا ذاتَ يومٍ ... بِجُنوبِ فارعٍ من تلاقِ
وعنيت بشكل الطرفين في العدو، أن يؤسر الرجل فتشد يداه ورجلاه.
ولو وقع بأمر الله الزحاف، لقفاهم إن شاء الله بالعروض جنود المسلمين، فأصابهم من العذاب المتكاوس، ونزل بهم من الشر المتراكب، ومن النكال المتدارك، ومن الهلاك المتواتر، ومن الخزي المترادف.
وهذه ألفاظ ملغزة: أردت بالزحاف، المصدر من قولك: زاحف القوم عدوهم يزاحفونه زحافاً. ألغزته عن زحاف الشعر.
وقول: لقفاهم، أي تبعهم. ألغزته عن قولك: قفاهم. أي جعل لهم قافية، من قافية البيت.
والعروض ها هنا: الناحية. قال " الأخنس بن شهاب ":
لِكُلِّ أُناسٍ من مَعَدٍّ عِمَارةٍ ... عَروضٌ إِليها يلجئون وجانِبُ
ألغزته عن عروض الخليل.
والمتكاوس، الذي بعضه فوق بعض. قال " القطامي ":
تَخدَّدَ عنها لَحمُها المُتَكاوِسُ
ألغزته عن المتكاوس من القوافي، وهو الذي يبنى على أربعة أحرف متحركة بعدها ساكن كقول الراجز:
هلاَّ سأَلتَ طللاً وحُمَمَا
فقوله: وحمما، متكاوس.