Полный текст (254 стр.). Показаны 246–254 · переход к 251.
стр. 246
قال: وكان لشريح القاضي ابن يكثر البطالة فنظر إليه شريح يوماً وهو يهارش بكلب له فكتب رقعة إلى معلمه وفيها هذه الأبيات:
ترك الصلاة لأكلبٍ يسعى بها ... طلب الهراش مع الغواة الرُّجس
فإذا أتاك فغطّه بملامة ... وعظته موعظة الرفيق الأكيس
فإذا هممت بضربه فبدرةٍ ... وإذا ضربت بها ثلاثاً فاحبس
وليحملن مني إليك صحيفةً ... نكراء مثل صحيفة المتلمّس
اعلم بأنك ما أتيت فنفسه ... مع ما يجرّعني أعزُّ الأنفس
فضربه المعلم عشراً عشراً. فقال له شريح: لم ثنّيت عليه الضرب؟ فقال: العشر الأولى للبطالة والثانية للبلادة حيث لا يدري ما يحمل.
مساوئ المعلمين
قيل: كان معلم يصلي بالناس في شهر رمضان وكان يقف على ما لا يوقف عليه، فقرأ: واتبعوا ما تتلو الشَّ، ثم قال: الله أكبر، فركع ثم قام في الثانية. فقلت: ما تراه يصنع؟ فلما قال: ولا الضالين، فقال: ياطين على ملك سليمان.
قال: وسمعت معلماً يقرأ بالناس في شهر رمضان: وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً وأكيد كيداً فمهل الكافرين أمهلهم رويداً.
وقال بعضهم: الله جل وعز أعان على عرامة الصبيان برقاعة المعلمين.
وقال فيهم بعض الشعراء:
وهل يستفيد العقل من كان دهره ... يروح على أنثى ويغدو على طفل
وقال آخر:
إذا كنت ورّاقاً فأنت محارفٌ ... وحسبك نوكى أن تكون معلما
محاسن السؤال
قال الجاحظ: سمعت شيخاً من المكدين وقد التقى مع شاب منهم قريب العهد بالصناعة فسأله الشيخ عن حاله فقال: بعن الله الكدية ولعن أصحابها من صناعة ما أخسها وأقلها، إنها ما علمت تخلق الوجه وتضع من الرجال، وهل رأيت مكدياً أفلح؟ قال: فرأيت الشيخ قد غضب والتفت إليه فقال: يا هذا أقلل الكلام فقد أكثرت، مثلك لا يفلح لأنك محروم ولم تستحكم بعد وإن للكدية رجالاً فما لك ولهذا الكلام! ثم التفت فقال: اسمعوا بالله يجيئنا كل نبطيّ قرنانٍ وكل حائك صفعان وكل ضرّاط كشحان يتكلم سبعاً في ثمان إذا لم يصب أحدهم يوماً شيئاً ثلب الصناعة ووقع فيها، أوما علمت أن الكدية صناعة شريفة وهي محببة لذيذة صاحبها في نعيم لا ينفد فهو على بريد الدنيا ومساحة الأرض وخليفة ذي القرنين الذي بلغ المشرق والمغرب حيث ما حلّ لا يخاف البؤس، يسير حيث شاء، يأخذ أطايب كل بلدة؟ فهو أيام النرسيان والهيرون بالكوفة، ووقت الشبّوط وقصب السكر بالبصرة، ووقت البرنيّ والأزاذ والرّازقيّ والرمان المرمر ببغداد، وأيام التين والجوز الرطب بحلوان، ووقت اللوز الرطب والسختيان والطبرزد بالجبل، يأكل طيبات الأرض، فهو رخي البال حسن الحال لا يغتمّ لأهل ولا مال ولا دار ولا عقار، حيث ما حلّ فعلفه طبليّ، أما والله لقد رأيتني وقد دخلت بعض بلدان الجبل ووقفت في مسجدها الأعظم وعليّ فوطة قد ائتزرت بها وتعممت بحبل من ليف وبيدي عكازة من خشب الدفلى وقد اجتمع إلي عالم من الناس كأني الحجاج بن يوسف على منبره وأنا أقول: يا قوم رجل من أهل الشام ثم من بلد يقال له المصيصة من أبناء الغزاة والمرابطين في سبيل الله من أبناء الركّاضة وحرسة الإسلام، غزوت مع والدي أربع عشرة غزوة سبعاً في البحر وسبعاً في البر، وغزوت مع الأرمنيّ، قولوا رحم الله أبا الحسن، ومع عمر بن عبيد الله، قولوا رحم الله أبا حفص، وغزوت مع البطال بن الحسين والرنرداق بن مدرك وحمدان بن أبي قطيفة، وآخر من غزوت معه يازمان الخادم، ودخلت قسطنطينية وصليت في مسجد مسلمة بن عبد الملك، من سمع باسمي فقد سمع ومن لم يسمع فأنا أعرفه نفسي، أنا ابن الغزيّل بن الركان المصيصي المعروف المشهور في جميع الثغور والضارب بالسيف والطاعن بالرمح، سدٌّ من أسداد الإسلام نازل الملك على باب طرسوس فقتل الذراري وسبى النساء، وأُخذ لنا ابنان وحملا إلى بلاد الروم فخرجت هارباً على وجهي ومعي كتب من التجار فقطع عليّ وقد استجرت بالله ثم بكم فإن رأيتم أن تردّوا ركناً من أركان الإسلام إلى وطنه وبلده!
стр. 247
فوالله ما أتممت الكلام حتى انهالت عليّ الدراهم من كل جانب وانصرفت ومعي أكثر من مائة درهم. فوثب إليه الشاب وقبل رأسه وقال: أنت والله معلم الخير فجزاك الله عن إخوانك خيراً.
أصناف المكدين وأفعالهم
منهم المكي وهو الذي يأتيك وعليه سراويل واسع دبيقيّ أو نرسي وفيه تكة أرمنية قد شدّها إلى عنقه فيأتي المسجد فيقول: أنا من مدينة مصر ابن فلان التاجر وجهّني أبي إلى مرو في تجارة ومعي متاع بعشرة آلاف درهم فقطع عليّ الطريق وتركت على هذه الحال ولست أحسن صناعة ولا معي بضاعة وأنا ابن نعمة وقد بقيت ابن حاجة. ومنهم السحري الذي يبكر إلى المساجد من قبل أن يؤذن المؤذن. والشجوي الذي كان يؤثر في يده اليمنى ورجليه حتى يري الناس أنه كان مقيداً مغلولاً ويأخذ بيده تكة فينسجها يوهّمك أنه من الخلديّة وقد حبس في المطبق خمسين سنة. ومنهم الذرارحي الذي يأخذ الذراريح فيشدها في موضع من جسده من أول الليل ويبيت عليه ليلته حتى يتيقظ فيخرج بالغداة عرياناً وقد تنفّط ذلك الموضع وصار فيه القيح الأصفر ويصبّ على ظهره قليل رماد فيوهم الناس أنه محترق. ومنهم الحاجور وهو الذي يأخذ الحلقوم مع الرئة فيدخل الحلقوم في دبره ويشرّح الرئة على فخذه تشريحاً رقيقاً ويذرّ عليه دم الأخوين. ومنهم الخاقاني الذي يحتال في وجهه حتى يجعله مثل وجه خاقان ملك الترك ويسوده بالصبر والمداد ويوهّمك أنه ورم. ومنهم السّكوت الذي يوهمك أنه لا يحسن أن يتكلم. ومنهم الكان وهو الذي يواضع القاص من أول الليل على أنه يعطيه النصف أو الثلث فيتركه حتى إذا فرغ من الأخذ لنفسه اندفع هو فتكلم.
ومنهم المفلفل، الرفيقان يترافقان فإذا دخلا مدينة قصدا أنبل مسجد فيها فيقوم أحدهما في أول الصف فإذا سلم الإمام صاح الذي في آخر الصف بالذي في أول الصف: يا فلان قل لهم. فيقول الآخر: قل لهم أنت أنا أيش. فيقول: قل ويحك ولا تستح. فلا يزالان كذلك وقد علّقا قلوب الناس ينتظرون ما يكون منهما، فإذا علما أنهما قد علقا القلوب تكلما بحوائجهما وقالا: نحن شريكان وكان معنا أحمال بزّ كنا حملناها من فسطاط مصر نريد العراق فقطع علينا وقد بقينا على هذه الحال لا نحسن أن نسأل وليست هذه صناعتنا. فيوهمان الناس أنهما قد ماتا من الحياء.
ومنهم زكيم الحبشة الذي يأتيك وعليه درّاعة صوف مضرّبة مشقوقة من خلف وقدّام وعليه خفّ ثغري بلا سراويل يتشبه بالغزاة. ومنهم زكيم المرحومة المكافيف يجتمعون خمسة وستة وأقل وأكثر وقائدهم يبصر أدنى شيء عينه مثل الخفاش يقال له الاسطيل فهو يدعو وهم يؤمنون. ومنهم الكاغانيّ الذي يتجنن أو يتصارع ويزبد حتى لا يشك أحد في جنونه وأنه لا دواء له لشدة ما ينزل به. ومنهم القرسيّ وهو الذي يعصب ساقيه أو ذراعيه عصباً شديداً ويبيت على ذلك ليلة فإذا تورم واحتقن فيه الدم مسحه بشيء من صابون ودم الأخوين وقطر عليه من سمن البقر وأطبق عليه خرقة ثم كشف بعضه فلا يشك من رآه أنه آكلة نعوذ بالله منها. ومنهم المشعب الذي يحتال للصبي حين يولد بأن يزمنه أو يعميه ليسأل به الناس، وربما جاءت أمه أو يجيء أبوه فيتولى ذلك فإما أن يكسبا به أو يكرباه فإن كان عندهما ثقة وإلا أقام بالأولاد والأجرة كفيلاً. ومنهم الفيلور وهو الذي يحتال لخصيتيه حتى يريك أنه آدرٌ وربما أراك أن بهما شرطاً أو جرحاً، وربما أراك ذلك في دبره، وتفعل المرأة ذلك بفرجها. ومنهم الكاخان الغلام المكدي إذا واجر وعليه مسحةٌ من جمال وعمل العملين جميعاً. والعواء الذي يسأل بين المغرب والعشاء ويطرّب في صوته. ومنهم الاسطيل وهو المتعامي الذي إن شاء أراك أنه أعمى وإن شاء أراك أنه ممن نزل في عينه الماء وإن شاء أراك أنه لا يبصر. ومنهم المزيديّ وهو الذي يدور ومعه دريهمات يقول: هذه دريهمات قد جمعت لي في ثمن قطيفة فزيدوني فيها ورحمكم الله. ومنهم المستعرض الذي يعارضك وهو ذو هيأة في ثياب صالحة يريك أنه يستحيي من المسألة ويخاف أن يراه معرفة فيعرض لك اعتراضاً ويكلمك خفتاً. ومنهم المطيّن وهو الذي يطيّن نفسه من قرنه إلى قدمه ويأخذ البلاذر يريك أنه يأكل البلاذر.
ومن نوادرهم
стр. 248
قيل: إنه أتى سائل داراً يسأل منها فأشرفت عليه امرأة من الغرفة فقال لها: يا أمة الله الله أن تصدّقي عليّ بشيء! قالت: أي شيء تريد؟ قال: درهماً. قالت: ليس. قال: فدانقاً. قالت: ليس. قال: ففلساً. قالت: ليس. قال: فكسوة. قالت: ليس. قال: فكفاً من دقيق. قالت: ليس. قال: فزيت، حتى عد كل شيء يكون في البيوت وهي تقول: ليس. فقال لها: يا زانية فما يجلسك؟ مرّي تصدّقي معي.
قال الأصمعي: وقفت على سائل بالمربد وهو يقول:
قد رهنت القصاع من شهوة الخبز
فقلت له: أتممه. فقال: أتممه أنت. فقلت: فمن لي بمن يفك القصاعا فقال: اضمم إليه بيتاً. فقلت:
ما رهنت القصاع يا قوم حتى ... خفت والله أن أموت ضياعا
فقال: أنت والله أحوج إلى المسألة وأحق بها مني.
ولأبي فرون الأعرابي السائل:
وصبيةٍ مثل صغار الذرّ ... سود الوجوه كسواد القدر
كلهم ملتزقٌ بصدري ... حتى إذا لاح عمود الفجر
ولاحت الشمس خرجت أسري ... أسبقهم إلى أصول الجدر
ألا فتى يحمل عني إصري ... هذا جميع قصتي وأمري
فاسمع مقالي وتوقّ شري ... فأنت أنت بغيتي وذخري
كنّيت نفسي كنية في شعري ... أنا أبو الفقر وأم الفقر
قال: قال الأصمعي: رأيت سائلاً وقد تعلق بأستار الكعبة من بني تميم وهو يقول:
أيا رب رب الناس والمنّ والهدى ... أما لي في هذا الأنام قسيم
أما تستحي مني وقد قمت عارياً ... أناجيك يا ربي وأنت كريم
أترزق أبناء العلوج وقد عصوا ... وتترك قرماً من قروم تميم
قال: ورأيت رجلاً آخر من الأعراب وقد تعلق بأستار الكعبة وهو يقول:
يا رب إني سائلٌ كما ترى ... مشتملٌ شميلتي كما ترى
وشيختي جالسةٌ فيما ترى ... والبطن مني جائعٌ كما ترى
فما ترى يا ربنا فيما ترى
قال: وأتى سائل من الأعراب إلى بني عبد العزيز بن مروان فقال: أتت علينا سنون لم تبق زرعاً حصيداً ولا مالاً تليداً إلااجتاحته بزوبره وأصله وأنتم أئمة أملي وقصد ثقتي. فلم يعطوه شيئاً، فقال:
بنو عبد العزيز إذا أرادوا ... سماحاً لم يلق بهم السماح
لهم عن كل مكرمةٍ حجابٌ ... فقد تركوا المكارم واستراحوا
قال: ومر سائل منهم برجل يكنّى أبا الغمر ضخم عريض وكان بواباً لبعض الملوك فقال له: أعن المسكين الضعيف الفقير المحتاج. فقال: ما ألحف جائعكم وأكثر سائلكم، أراحنا الله منكم! فقال السائل: اسكت فوالله لو فرّق قوت جسمك في عشرة أجسام منا لكفانا طعامك ليوم شهراً، وإنك لنبيه الضرطة لو ذري بها بيدر لكفته الريح، عظيم السلحة لو ضربت لبناءٍ لكفت سوراً.
قال: وقال أعرابي وهو يسأل: رحم الله من أعطى من فضل وآثر من قلة وواسى من كفاف.
قيل: ودخل رجل منهم على هشام بن عبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين أتتنا سنون ثلاث، فأما الأولى فأذابت الشحم، وأما الثانية فأغضت اللحم، وأما الثالثة فهاضت العظم، وعندك أموال فإن كانت لله جل وعز فبثها في عباد الله، وإن كانت لهم ففيم تحبسها عنهم؟ وإن كانت لك فتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين.
قال: ودخل أزهر السمان على المنصور فشكا إليه الحاجة وسوء الحال، فأمر له بألف درهم وقال: يا أزهر لا تأتنا في حاجة أبداً. قال: أفعل يا أمير المؤمنين. فلما كان بعد قليل عاد فقال له: يا أزهر ما حاجتك؟ قال: جئت لأدعو لأمير المؤمنين. قال: بل أتيتنا لمثل ما أتيت. فأمر له بألف درهم وقال: يا أزهر لا تأتنا ثالثة فلا حاجة لنا في دعائك. قال: نعم، ثم لم يلبث أن عاد، فقال: يا أزهر ما جاء بك؟ قال: دعاء كنت سمعته منك أحب أن آخذه عنك. فقال: لا تردده فإنه غير مستجاب وقد دعوت به الله جل وعز أن يريحني من خلقتك فلم يفعل.
وممن سأل الخلفاء أيضاً ربيعة بن ربيعة، ذكروا أنه دخل على معاوية بن أبي سفيان فقال: يا أمير المؤمنين زوجني بعض بناتك. فقال: قد شغلناهنّ بأكفائهنّ. قال: فولّني شرطة البصرة. قال: قد ولّيتها من كفانا. قال: فهب لي قطيفة. قال: أما هذا فنعم.
стр. 249
ومنهم أبو دلامة دخل على المنصور فقال: يا أمير المؤمنين تأمر لي بكلب صيد؟ قال: أعطوه. قال: كلب بلا صقر؟ قال: أعطوه صقراً. قال: كلب وصقر بلا بازبان؟ قال: أعطوه غلاماً بازباناً. قال: فلا بد لهم من دار! قال: أعطوه داراً. قال: فمن أي شيء يعيشون؟ قال: قد أقطعتك أربع مائة جريب منها مائتا جريب عامر ومائتان غامر. قال: وما الغامر؟ قال: الخراب. قال: فأنا أقطعتك أربعة آلاف جريب بالدهناء غامرة. قال: فقد جعلتها كلها عامرة فهل بقي لك شيء؟ قال: نعم تدعني أقبل يدك. قال: ليس إلى ذلك سبيل. فقال: ما منعتني شيئاً أهون على عيالي من هذا.
قال: وبعث المنصور إلى زياد بن عبد الله مالاً وأمره أن يفرّقه في القواعد والأيتام والعميان، فدخل إليه أبو حمزة الرقيّ فقال: أصلح الله أمير المؤمنين! قد بلغني الكبر فاكتبني في القاعدين. قال: يغفر الله لك إنما القواعد النساء اللواتي قعدن عن الأزواج. قال: فاكتبني في العميان فإن الله جل ذكره يقول: فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، وأنا أشهد أن قلبي أعمى، واكتب ولدي في الأيتام فإن من كنت أباه فهو يتيم. قال: اكتبوه في العميان واكتبوا ولده في الأيتام.
قال وقالت أعرابية لحاتم بن عبد الله الطائي: أتيتك من بلاد نائية شاسعة تخفضني خافضة وترفعني رافعة لملمات من الأمور نزلن بي فبرين عظمي وأذهبن لحمي فرتكنني بالجريض قد ضاق بي البلد العريض، لم يتركن لي سبداً ولم يبقين لي لبداً، غاب الوالد وهلك الرافد، وأنا امرأة من هوازن أقبلت في أفناء من العرب أسأل عن المرجو نائله والمحمود سائله والمأمون جانبه، فقيل لي أنت فاصنع بي إحدى ثلاث: إما أن تحسن صفدي، أو تقيم أودي، أو تردني إلى بلدي. فقال: أجمعهن لك وحباً. ففعل بها ذلك كله.
قال: وجاءت أعرابية تسأل فقالت: يا قوم طرائد زمان وفرائس نازلة ولحمان وضمٍ، نبذتنا الرجال وأنشزتنا الحال وأطمعنا السؤال، فهل من مكتسب للأجر أو راغب في الذخر؟ وسأل أعرابي فقال: سنة جردت وحال جهدت وأيدٍ خمدت فرحم الله من رحم وأقرض من لا يظلم.
وسأل أعرابي فقال: أين الوجوه الواضحات الصباح، والعقول الراجحات الصحاح، والصدور الرحاب السماح، والمكارم الثمينة الرباح؟ وسأل أعرابي فقال: رحم الله امرأً لم يمجّ أذنه كلامي وقدم لمعاذة من سوء مقامي، فإن البلاد مجدبة والحال مسغبة والحياء زاجر ينهى عن كلامكم والفقر عاذر يدعو إلى إخباركم فرحم الله امرأً واسى بمير أو دعا بخير. فقال رجل: ممن يا أعرابي؟ فقال: أخٌ في كتاب الله وجارٌ في بلاد الله وطالب خيرٍ من رزق الله.
وسأل آخر فقال: نقص الكيل وعجفت الخيل وقلّ النيل فهل من رحيم أجره لله فإنه غنى عن الله لقوله جل وعز: " من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً "، لم يستقرض ربنا جل وعز من عدم ولكن ليبلو ويختبر.
وسأل آخر فقال: إني رجل من مدينة رسول الله، عليه وعلى آله السلام، مشيت حتى انتعلت الدم، فرحم الله من حملني على نعلين فكأنما حملني على ناقتين، فلا قليل من الأجر ولا غنى من الله جل وعز. وقيل لسائل أعرابي: أين منزلك؟ قال: ما لي منزل إنما أشتمل الليل إذا عسعس وأظهر بالنهار إذا تنفس.
مساوئ الثقلاء
قال بختيشوع للمأمون: لا تجالس الثقلاء فإنا نجد في كتب الطب أن مجالسة الثقيل حمّى الروح.
وقال بعضهم: سخنة العين النظر بها إلى الثقلاء.
قال: ونقش رجل على خاتمه: أبرمت فقم. فكان إذا جلس إليه الثقيل ناوله إياه.
قيل: ودخل أبو حنيفة على الأعمش يوماً فأطال جلوسه فقال: لعلي قد ثقلت عليك؟ قال: وإني لأستثقلك وأنت في منزلك فكيف وأنت عندي! قيل: واجتمع أصحاب الحديث عند شريك بن عبد الله، فتبرم بهم وأضجروه فصاح بهم وفرّقهم فلم يبرحوا. فقال بعضهم: أنا أطردهم عنك. قال: نعم، وانطرد معهم.
قيل: وأتى رجل ابن المقفع في حاجة فلم يصل إليه وكان مستثقلاً له فكتب بيتاً في رقعة وأرسل به إليه:
هل لذي حاجةٍ إليك سبيل ... وقليلٌ تلبثي لا كثير
فوقّع إليه:
أنت يا صاحب الكتاب ثقيل ... وقليلٌ من الثقيل كثير
فأجابه الرجل:
قد بدأت الجواب منك بفحشٍ ... أنت بالفحش والبذاء جدير
فضحك وقضى حاجته.
стр. 250
قال: وكتب أعرابي إلى حماد الراوية المعروف بعجرد، وكان حماد يسثقله:
إن لي حاجةً فرأيك فيها ... لك نفسي الفدا من الأوصاب
وهي ليست مما يُبلّغها غي ... ري ولا أستطيعها في كتاب
غير أني أقولها حين ألقا ... ك رويداً أسرّها باكتئاب
فكتب إليه: اكتب بالحاجة يا ثقيل. فكتب:
إني عاشقٌ لجبّتك الدك ... ناء عشقاً قد حال دون الشراب
فاكسنيها فدتك نفسي وأهلي ... أتمزّى بها على أصحابي
ولك الله والأمانة إني ... أجعلنها عمري أمير ثيابي
وقد قيل: إذا علم الثقيل أنه ثقيل فليس بثقيل.
ومما قيل فيهم من الشعر:
سألتك بالله إلا صدقت ... وعلمي بأنك لا تصدق
أتبغض نفسك من بغضها ... وإلا فأنت إذاً أحمق
ولآخر:
قل للبغيض أخي البغي ... ض ابن البغيض ابن البغيضه
أنت الذي حملتك أ ... مك بين فاحشة وحيضه
ضاقت على الثقلين من ... بغضائك الأرض العريضه
ودعت ملائكة السما ... ء عليك دعوى مستفيضه
ولآخر:
يا من تبرّمت الدنيا بطلعته ... كما تبرّمت الأجفان بالسهد
يمشي على الأرض مجتازاً فأحسبه ... من بغض طلعته يمشي على كبدي
ولآخر:
شخصك في مقلة النديم ... أثقل من رعية النجوم
يا رائحاً روحة علينا ... أثقل من سبة اللئيم
إني لأرجو بما أقاسي ... منك خلاصاً من الجحيم
ولآخر:
يا مفرعاً في قالب البغض ... بغضك يشكوك إلى بغض
كأنما تمشي على ناظري ... إذا تخطّأت على الأرض
ولآخر:
يا من له حركاتٌ ... على النفوس ثقيله
وليس يعرف معنى ... قصيرةٍ من طويله
أورثني بجلوسي ... إليك حمّى مليله
فاصفع لنفسك عنّي ... فإن كفّي عليله
ولآخر:
أيا من أعرض الربُّ ... عن العالم من بغضه
ومن عاذ مليك المو ... ت بالرحمن من قبضه
ويا من بغضه يشه ... د بالبغض على بغضه
مساوئ الحمقى
قيل في المثل: هو أحمق من عجل، هو عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وذلك أنه قيل له: ما سميت فرسك؟ ففقأ عينه وقال: الأعور، أو قال: سميته أعور. وقال الشاعر فيه وفي قومه:
رمتني بنو عجلٍ بداء أبيهم ... وأي امريءٍ في الناس أحمق من عجل
أليس أبوهم عار عين جواده ... فصارت به الأمثال تضرب في الجهل
ويقال: هو أحمق من هبنقة، وبلغ من حمقه أنه ضلّ له بعير فجعل ينادي: من وجد البعير فهو له. فقيل له: فلم تنشده؟ قال: وأين حلاوة الوجدان! واختصمت إليه بنو الطفاوة وبنو راسب في رجل ادّعى هؤلاء وهؤلاء، فقالت الطفاوة: هذا من عرافتنا. وقالت بنو راسب: هذا من عرافتنا. ثم قالوا: قد رضينا بأول طالع علينا. فطلع عليهم هبنّقة، فلما رأوه قالوا: إنا لله! من طلع علينا؟ فلما دنوا قصّوا عليه قصّتهم فقال هبنقة: الحكم في هذا بيّن، يُذهب به إلى نهر البصرة فيُلقى فيه فإن كان راسبياً رسب وإن كان طفاوياً طفا. فقال الرجل: لا أريد أن أكون من أحد هذين الحيين ولا حاجة لي في الديوان.
وكان هينقة يرعى غنم أهله فيرعى السمان في العشب وينحّي المهازيل عنه. فقيل له: ويحك ما تصنع؟ فقال: أُصلح ما أصلح الله وأُفسد ما أفسد الله. أو قال: لا أفسد ما أصلح ولا أصلح ما أفسد الله. وقال الشاعر:
عش بجدٍّ فلن يضرك نوكٌ ... إنما عيش من ترى بالجدود
عش بجدٍّ وكن هبنّقة العي ... سيّ نوكاً أو شيبة بن الوليد
رب ذي إربةٍ مقلٍّ من الما ... ل وذي عنجهيةٍ مجدود
وكان شيبة من عقلاء العرب.
стр. 251
وقيل أيضاً: هو أحمق من دغة، وهي مارية بنت مغنج تزوجت في بني العنبر وهي صغيرة، فلما أصابها المخاض ظنّت أنها تريد الخلاء فخرجت تبرّز فصاح الولد فجاءت منصرفةً فقالت: يا أمه هل يفتح الجعر فاه؟ قالت: نعم يدعو أباه. فسبّت بنو العنبر بذاك فقالوا لهم بنو الجعراء.
وقيل أيضاً: هو أحمق من الممهورة إحدى خدمتيها، وهي امرأة أخذها رجل ليفجر بها فقالت: لا أمكنك من نفسي حتى تمهرني. فقال: قد مهرتك إحدى خدمتيك، وهما خلخالاها، فرضيت ومكنّته من نفسها.
وقيل: هو أحمق من جهيزة، وهي عرس الذئب لأنها تدع ولدها وترضع ولد الضبع. وقال الكميت:
كما خامرت في حضنها أم عامرٍ ... لذي الحبل حتى عال أوسٌ عيالها
أوس هو الذئب.
وقيل: هو أحمق من نعامة، لأنها تدع الحضن على بيضتها وتحضن بيض نعامة أخرى، وقال ابن هرمة:
فإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفّي زناداً شحاحا
كتاركةٍ بيضها بالعراء ... وملبسةٍ بيض أخرى جناحا
وقيل: هو أحمق من باقل، وكان اشترى عنزاً بأحد عشر درهما، فقالوا له: بكم اشتريت العنز؟ ففتح كفيه وفرّق أصابعه وأخرج لساناً، يريد أحد عشر درهماً، فعيّروه بذلك. وقيل: إن الذي اشتراه ظبي، فلما فتح أصابعه أفلت الظبي. وقالوا في باقل:
يلومون في حمقه باقلاً ... كأن الحماقة لم تُخلق
ولا تكثروا العذل في عيّه ... فللعيّ أجمل بالأموق
خروج اللسان وفتح البنان ... أحب إلينا من المنطق
قيل: وقدم وفد من العراق على سليمان بن عبد الملك فقضوا حوائجهم وانصرفوا. فقال رجل منهم: بلغني أن أمير المؤمنين يبرز للعامة فأنا أقيم بعدكم يوماً أو يومين فلعلي أن أراه وأسمع كلامه ثم أتبعكم. فلما كان في الغد برز سليمان للناس وجلس على سريره وأذن للعامة فدخلوا وفيهم العراقي. فجلس في سماط سليمان إلى جنب رجل أحمق من أهل الشأم. فقال له الأحمق: ممن الرجل؟ قال: أنا من أهل العراق. وقال: فعل الله بك وفعل، وجعل يشتمه ويذكر أباه وعرضه، وقال: مثلك يقعد في سماط أمير المؤمنين! والعراقيّ يناشده الله ويسأله أن يكفّ عنه فيأبى، إلى أن قال سليمان: أيكم يخبرني من الذي يقول:
أنخن القرون فعقّلْنَها ... كعطف العسيب عراجين ميلا
ويفسّر لنا قوله فله جارية برحالتها؟ والشامي مقبل على العراقي لا يفتر عن شتمه ويقول: يا جاسوس. فقال له: كفّ عني فإني أنفعك. قال: وهل معك خير؟ قال: نعم، قم فقل لأمير المؤمنين أنا أعرف من قال هذا وأفسره، فإذا قال: من قاله؟ فقل: امرؤ القيس، فإذا قال: ما عنى به؟ فقل: البطيخ. فقال الشاميّ: يا أمير المؤمنين أنا أعرف من قال هذا وأفسره. فقال: هات. قال: امرؤ القيس. فتبسم سليمان وقال: فما عنى به؟ قال: البطيخ. فضحك سليمان حتى استلقى على فراشه ثم قال: ويحك عمن أخذت هذا العلم؟ فقال: عن هذا العراقي. فأشار سليمان إلى العراقي فأقبل إليه، فقال له: من أنت؟ قال: رجل من أهل العراق كنت قدمت مع فلان وفلان فقضوا حوائجهم وانصرفوا فأقمت أرقب جلوس أمير المؤمنين فقعدت إلى هذا الشاميّ فلم يدع سباً ولا شتماً إلا استقبلني به. فقلت له كفّ عني فإني أنفعك، قل لأمير المؤمنين كذا وكذا، فكان منه ما قد سمعته. فضحك وقال: أتعرف أنت من قاله؟ قلت: كثيّر عزة. قال: وما عنى به؟ قلت: قرون الرأس، والعسيب الخادم، والعراجين قد اختلفوا فيه فقال بعضهم عناقيد الكرم وقال بعضهم عراجين النخل. فأمر له بجائزة سنيّة وقال له: الحق بأصحابك.
стр. 252
وحكي عن أبي عباد الكاتب أنه قال: كنت يوماً عند المأمون فدعا بالغداء وكان يستنزل من قام من مجلسه عند ذكر الطعام ويقول: هذا من أخلاق اللئام، فقدّموا إليه بطيخاً على أطباق جدد فجعل يقوّر بيده ويذوق البطيخة فإذا حمد حلاوتها قال: ادفع هذه بسكينتها إلى فلان. فقال لي وقد دفع إلي بطيخة كانت أحلى من الشهد المذاب: يا أبا عباد بم تستدل على حمق الرجل؟ قلت: يا أمير المؤمنين أما عند الله فعلامات كثيرة وأما عندي فإذا رأيت الرجل يحب الشاهلوج ويبغض البطيخ علمت أنه أحمق. قال: وهل تعرف صاحب هذه الصفة؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين الرستمي أحد من هذه صفته. قال: فدخل الرستمي على أمير المؤمنين، فقال له المأمون: ما تقول في البطيخ الرمشيّ؟ قال: يا أمير المؤمنين يفسد المعدة ويلطخها ويُرقّها، يرخي العصب ويرفع البخار إلى الرأس. قال: لم أسألك عن فعله إنما سألتك أشهي هو؟ قال: لا. قال: فما تقول في الشاهلوج؟ قال: سماه كسرى سيد أجناسه. قال: فالتفت المأمون إليّ وقال: الرجل الذي كنا في حديثه أمس من تلامذة كسرى في الحمق.
قال: ودخل أبو طالب صاحب الطعام على المأمون وكان أحمق فقال: كان أبوك يا أبا خيراً لنا منك وأنت يا أبا ليس تعدنا ولا تبعث إلينا ونحن يا أبا تجارك وجيرانك. قال: فجعل المأمون لا يزيده على التبسم.
قال: وقال مروان بن الحكم لرجل: إني أظنك أحمق. فقال: ظنٌ أو يقينٌ؟ قال: بل ظنّ. فقال: أحمق ما يكون الشيخ إذا استعمل ظنه.
ومما قيل فيهم من الشعر:
يا ثابت العقل كم عاينت ذا حمقٍ ... الرزق أغرى به من لازِمِ الجرب
وإنني واجدٌ في الناس واحدةً ... الرزق أروغ شيءٍ عن ذوي الأدب
وخصلةً ليس فيها من يخالفني ... الرزق والنُّوك مقرونان في سبب
ولآخر:
أرى زمناً نوكاه أسعد أهله ... على أنه يشقى به كلُّ عاقل
سعى فوقه رجلاه والرأس تحته ... فكُبّ الأعالي بارتفاع الأسافل
ولآخر:
رأيت الدهر بالأحرار يكبو ... ويرفع رتبة القوم اللئام
كأن الدهر موتورٌ حقودٌ ... يطالب ثأره عند الكرام
ولآخر:
كم من قويٍّ قويٍّ في تقلّبه ... مهذّب اللبّ عنه الرزق منحرف
ومن ضعيفٍ ضعيف العقل مختلطٍ ... كأنه من خليج البحر يغترف
محاسن مضاحيك وألقاب
قال: كان اسم الأقيشر المغيرة بن الأسود وكان يغضب إذا دعي بالأقيشر، فمرّ ذات يوم بقوم من بني عبس فقال بعضهم: يا أقيشر. فنظر إليه طويلاً وهو مغضب ثم قال:
أتدعوني الأقيشر ذاك إسمي ... وأدعوك ابن مطفئة السراج
تناجي خدنها بالليل سراً ... ورب الناس يعلم من تناجي
فسمي ذلك الرجل ابن مطفئة السراج وبذلك يعرف ولده إلى اليوم.
قال: وكان المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل عامل الحجاج على الكوفة، وكان يلقب أبا صفية، فاستعدت امرأة على زوجها، فأتاه صاحب العدوى عند المساء فأعلمه. فقال: نعم أغدو معها. فبات الرجل يقول لامرأته: لو قد أتيت الأمير لقلت أبا صفية إنها تفعل كذا وكذا، فيأمر من يوجعك ضرباً، وجعل يكرّر عليها بأبي صفية فحفظت الكنية وظنّت أنها كنيته، فلما تقدمت إليه قالت: أصلحك الله أبا صفية. فقال لها: أبو عبد الله عافاك الله. فأعادت. فقال لها: أبو عبد الله فأعادت. فقال: يا فاسقة أظنك ظالمة! خذ بيدها الخبيثة. وحكم للزوج عليها.
قال: وولّى يوسف بن عمر رجلاً من بني سُليم يلقب بأبي العاج، وكان يغضب منه، فقدّم إليه رجل خصماً له فقال: يا أبا العاج. فقال: أبو محمد يا ابن البظراء. فقال: أتقول هذا لأمي وقد حجّت! قال: لا يمنعها ما قلت من الحج.
فنّ منه في الطمع
قيل لأشعب: أي شيء بلغ من طمعك؟ قال: ناديت بصبيان ولعوا بي فقلت لهم لأنحيّهم عن نفسي: إن في دار بني فلان عرساً وهناك نثارٌ. فولوا عني مبادرين وجعلت أشتد معهم طمعاً في النثار.
стр. 253
قال: وكان في دار بعض جيرانه عرس فتجوّع ولزم منزله طمعاً في أن يدعى. فلما تعالى النهار وجاع ولم يُدع قال: قبح الله هذا الخبز! وقام إلى طعام له فقدمه وجعل يأكل. فسمع وقع الباب فقال: من هذا؟ قال: من دار العروس. قال: اصبر فديتك! ودخل الخلاء فرمى بجميع ما كان أكله وغسل فمه وخرج إليه فقال: تقول لك مولاتي أعيرونا الهاون ساعة. فقال: مرّ فأمك وأم مولاتك زانية يا ابن الفاعلة!
فنّ منه آخر
مرّ ضرير على رجل بصير فقال: أين الطريق؟ فقال البصير: خذ يمنةً. فأخذ يمنة فسقط في بئر. فقال البصير: إنا لله! غلطت، أردت أن أقول يسرةً فقلت يمنة. فقال الضرير من أسفل البئر: ويحك أهذا من الغلط الذي يستقال! قال: وقيل للعلاء بن عبد الكريم: بكم اكتريت الدار؟ فقال: بدينارين وطعامهما. قالوا: ويلك وما طعامهما؟ فقال: صاحب الدار يأكل معي كلما أكلت.
قال: وسمع أعرابي إماماً يقرأ: إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه، فأُرتج عليه فجعل يردد الآية. فقال: يا هذا إن لم يذهب نوح فأرسل غيره.
قال: وشرب أعرابي وعلى يساره ابن له فسقاه. فقال له جليسه: السنة أن تسقي من على يمينك. قال: قد علمت ولكنه أحب إلي من السنة.
قال: وقيل لابن رواح الطفيلي: كيف ابنك هذا؟ قال: ليس في الدنيا شيء مثله، سمع نادبةً خلف جنازةٍ وهي تقول: واسيداه! يُذهب بك إلى بيت ليس فيه ماء ولا طعام ولا فراش ولا وطاء، ولا غطاء ولا سراج ولا ضياء! فقال: يا ابه يذهبون به إلى بيتنا.
وقال بعضهم: جاء جماعة من أصحاب مزيد إليه فقالوا: قم بنا نتنزه فإنه يوم طيّب. فقال: هو يوم أربعاء. قالوا: فإن فيه وُلد يونس بن متى، ﵇. فقال: بأبي وأمي، صلى الله عليه، لا جرم أنه التقمه الحوت. قالوا: نُصر فيه رسول الله، ﷺ . قال: أجل ولكن بعد إذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون.
وكان الحارث بن قيس الفزاري شيخاً أعمى وكان له ابن شيعي وابنة حرورية وامرأة ترى رأي المعتزلة، وكانوا جلوساً معه، فقال بيده عليهم وجسّهم ثم قال: إن الله جل وعز يحشرني وإياكم يوم القيامة طرائق قدداً.
وقال الجاحظ: قيل لرجل طويل اللحية: ما لك لا تأخذ من لحيتك؟ قال: لأصون بها عرضي، فإن الناس يقولون: انظر إلى لحيته كأنها طارةٌ، وخلق الله هذه اللحية، ولحيته كأنها جوالقٌ، ولا بارك الله في هذه اللحية، فما لي أعرض لشيء يصون عرضي؟ وحدث رجل من عامر بن لؤي قال: كان صبي منا ترك له أبوه غنماً وعبيداً فخرج يوماً فنظر إلى جارية في خبائها فهويها ومال إلى أمها وسألها أن تزوجها منه فقالت: حتى أسأل عن أخلاقك. فسأل عن أكرم الناس إليها فدلّ على شيخ كان معروفاً بحسن المحضر، فأتاه وسلّم علي. وقال: ما جاء بك؟ فأخبره. فقال: لا عليك فإن العجوز غير خارجة من رأيي فامض إلى منزلك وأقم يوماً أو يومين ومر بغنمك أن تُساق وناد في أهلك: أما من أراد أن يحلب فليأتنا، ودعني والأمر. فشاع الخبر فخرجت العجوز مع من خرج والشيخ مع القوم فنظر إلى الشاب وقد كانت العجوز أخبرته بشأنه فقال: هو هو! فقالت: نعم. قال: لقد حُرمت حظك. قالت: إني أريد أن أسأل عن أخلاقه. قال: أنا ربيته. قالت: فكيف لسانه؟ قال: خطيب أهله والمتكلم عنهم. قالت: فكيف سماحته؟ قال: ثمال في قومه وربيعهم. قالت: فكيف شجاعته؟ قال: حامي قومه والدافع عنهم. قال: فطلع الفتى، فقال: أما ترين ما أحسن ما أقبل ما انحنى ولا انثنى؟ فلما قرب سلّم، فقال: ما أحسن ما سلّم ما حار ولا ثار! ثم استوى جالساً، فقال: ما أحسن ما جلس ما ركع ولا عجر. قالت: أجل. فذهب يتحرك فضرط، فقال الشيخ: ما أحسن والله ما ضرط! ما أطنها ولا أغنها ولا نفخها ولا ترترها. فنهض الفتى خجلاً، فقال الشيخ: ما أحسن والله ما نهض ما انختل ولا انفتل! قالت العجوز: أجل والله فصح به وردّه فوالله لزوّجناه ولو خريء.
محاسن المزاح
стр. 254
قيل: أهدى نعيمان الأنصاري إلى رسول الله، ﷺ ، جرة عسل وكانت فيه دعابة وكان اشتراها من أعرابي بدينار وأتى بالأعرابي إلى باب رسول الله، ﷺ ، وقال له: خذ الثمن من هاهنا. فلما قسمها رسول الله، ﷺ ، بين نسائه، قال له الأعرابي: أعطني يا رسول الله ثمن العسل. فقال، ﵇: هذه إحدى هنات نعيمان. وسأله: لم فعلت؟ فقال: أردت أن أبرّك يا رسول الله ولم يكن معي شيء. فتبسم رسول الله، ﷺ ، وأعطى الأعرابي حقه.
وعن الهيثم قال: قدم تميم الداري من الشام وكان تاجراً فأتاه نعيمان وقال له: هل لك في غلام تاجر له فضل ودين؟ قال: وكيف لي به؟ قال: إنه إن علم ببيعنا إياه لم تنتفع به ولكن انطلق معي حتى أُريكه فإنه عندنا بمنزلة الولد. قال: فأدخله المسجد وأراه سويبط بن عبد العزى. فنظر إليه تميم فأعجبه فقال: بكم؟ قال: بمائة دينار. قال: هي لك. فأخذ منه المائة الدينار. فلما حضر شخوصه أتى نعيمان فقال: الغلام. فمضى معه إلى المسجد وقال: دونك الغلام. فجاء تميم وسويبط يصلي فصلى إلى جانبه ركعتين ثم قال له: خفف. فخفف وقال له: ما حاجتك؟ قال: قد باعك أهلك مني. قال: وأي أهلي؟ فارتفع الكلام بينهما حتى خرج رسول الله، ﷺ ، وقال: ما شأنكم؟ قال تميم: يا رسول الله باعنيه أهله. فقال، ﷺ : إني لأظن أن نعيمان صاحبه، عليّ به. فلما جاء قال له: ويحك ما هذه؟ قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! تزوجت امرأة ولم يكن عندي نفقة ولا صداق أدفعه إليها ولم أجد إلا ما رأيت. فتبسم رسول الله، ﷺ ، وقال لتميم: هي لك عندنا.
وذكروا أن نعيمان مرّ ذات يوم بمخرمة بن نوفل الزهري الضرير في المسجد، فقال له مخرمة: خذ بيدي حتى أبول. فأخذ بيده حتى إذا كان في أقصى المسجد قال له: اجلس. فجلس يبول. فصاح به الناس: يا أبا المسور إنك في المسجد! قال: ومن قادني؟ قالوا: نعيمان. قال: والله لأضربنه بعصاي هذه إن وجدته. فأتاه نعيمان وقال له: يا أبا المسور هل لك في نعيمان؟ قال: نعم. قال: فأخذ بيده حتى أوقفه على عثمان بن عفان وهو خليفة وتنحّى عنه، فعلاه بعصاته ضرباً. فصاح به الناس: ضربت أمير المؤمنين! قال: ومن قادني؟ قالوا: نعيمان. قال: لا جرم لا تعرّضت له أبداً.
مزاح الشعراء
قيل: دخل أبو دلامة على المهدي فسلّم ثم قعد وأرخى عينيه بالبكاء. فقال له: ما لك؟ قال: ماتت أم دلامة. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ودخلت له رقّةٌ لما رأى من جزعه، فقال له: أعظم الله أجرك يا أبا دلامة! وأمر أن يعطى ألف درهم وقال له: استعن بها في مصيبتك. فأخذها ودعا له وانصرف. فلما دخل إلى منزله قال لأم دلامة: اذهبي فاستأذني على الخيزران فإذا دخلت عليها فتباكي وقولي مات أبو دلامة. فمضت واستأذنت على الخيزران، فأذنت لها، فلما اطمأنت أرسلت عينها بالبكاء، فقالت لها: ما لك؟ فقالت: مات أبو دلامة. فقالت: إنا لله عظّم الله أجرك! وتوّجعت لها ثم أمرت لها بألفي درهم، فدعت لها وانصرفت. فلم يلبث المهدي أن دخل على الخيزران، فقالت: يا سيدي أما علمت أن أبا دلامة مات؟ قال: لا يا حبيبتي إنما هي امرأته أم دلامة. قالت: لا والله إلا أبو دلامة. فقال: خرج من عندي الساعة آنفاً. فقالت: خرجت من عندي الساعة. وأخبرته بخبرها وبكائها. فضحك وتعجّب من حيلهما.
قال: وكان أبو نواس ولعاً بأبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي، فكتب على أسطوانة في مسجد بمقدار قامة وبسطة:
صلى الإله على لوطٍ وشيعته ... أبا عبيدة قل بالله آمينا
فأنت عندي بلا شكٍ بقيّتهم ... منذ احتلمتَ وجازوت الثمانينا
فقال لكيسان: ويحك أما رأيت هذا الفاجر وما صنع؟ قم بنا نحكه لئلا يراه الناس. فبرك أبو عبيدة وركبه كيسان ليحكه. فلما ثقل عليه قال له: أوجز. فقال له كيسان: قد بقي لوط. فقال: عجل حكّه فهو المعنى وعليه تدور فضيحتي.