Полный текст (3 087 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يَحْلِفُ غَيْرُ الْمُتَّهَمِ مَا فَرَّطَ انْتَهَى.
(فَرْعٌ:) وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ فِي رَدِّ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ وَتَقَدَّمَ فِي الْعَارِيَّةِ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فَانْظُرْهُ وَانْظُرْ الْمُقَدِّمَاتِ وَانْظُرْ التَّوْضِيحَ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَإِنْ ادَّعَى الرَّدَّ إلَخْ (تَنْبِيهٌ:) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْمُسْتَأْجِرُ أَمِينٌ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَعْنِي أَنَّ مَنْ مَلَكَ مَنْفَعَةً بِعِوَضٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: فِي تَلَفِ الذَّاتِ الَّتِي قَبَضَهَا لِاسْتِيفَاءِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الذَّاتُ مِنْ نَوْعِ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالْحَيَوَانِ، أَوْ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالْجَفْنَةِ، أَوْ لَا. هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ وُجُودَ الْخِلَافِ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَمَنْ أَثْبَتَهُ لَمْ يُثْبِتْهُ عُمُومًا كَمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ، بَلْ هُوَ مَقْصُورٌ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا يُغَابُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي إجَارَةِ الْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ مِنْ كِتَابِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ اسْتَأْجَرَ فُسْطَاطًا، أَوْ بِسَاطًا أَوْ غَرَائِرَ، أَوْ آنِيَةً إلَى مَكَّةَ ذَاهِبًا وَجَائِيًا جَازَ ذَلِكَ، فَإِنْ ادَّعَى حِينَ رَجَعَ ضَيَاعَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي الْبُدَاءَةِ صُدِّقَ فِي الضَّيَاعِ وَلَزِمَهُ الْكِرَاءُ كُلُّهُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ عَلَى وَقْتِ الضَّيَاعِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ قَوْمٌ فِي سَفَرِهِ فَشَهِدُوا أَنَّهُ أَعْلَمَهُمْ بِضَيَاعِ ذَلِكَ، وَطَلَبَهُ بِمَحْضَرِهِمْ حَلَفَ، وَسَقَطَ عَنْهُ مِنْ يَوْمِئِذٍ حِصَّةُ بَاقِي الْمُدَّةِ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَحُكْمُ اكْتِرَاءِ الْعُرُوضِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ حُكْمُ بَيْعِ الثُّنْيَا يُفْسَخُ الْكِرَاءُ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْمُكْتَرِي بِإِسْقَاطِ الشَّرْطِ، فَإِنْ فَاتَ الْكِرَاءُ كَانَ عَلَى الْمُكْتَرِي الْأَكْثَرُ مِنْ الْكِرَاءِ الْمُسَمَّى، أَوْ كِرَاءُ الْمِثْلِ عَلَى غَيْرِ شَرْطِ الضَّمَانِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: فِي الدِّمْيَاطِيَّةِ فِيمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً بِالضَّمَانِ: إنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَيُرَدُّ إلَى كِرَاءِ مِثْلِهِ مِمَّا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فَظَاهِرُهُ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْمُسَمَّى، أَوْ أَقَلَّ وَمَعْنَاهُ إنْ فَاتَ الْكِرَاءُ، وَأَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ فَوْتِهِ، وَإِنْ تَرَكَ الْمُكْرِي الشَّرْطَ، وَهُوَ الْقِيَاسُ خِلَافُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ اهـ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ أَمِينٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ بِكَسْرِ الْجِيمِ، فَيَكُونُ أَشَارَ إلَى هَذَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى الْمُسْتَأْجَرِ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ، وَلَوْ شَرَطَ إثْبَاتَهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِسِمَةِ الْمَيِّتِ، وَيَكُونُ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا ضَمَانَ عَلَى الرُّعَاةِ إلَّا فِيمَا تَعَدَّوْا فِيهِ، أَوْ فَرَّطُوا فِي جَمِيعِ مَا رَعَوْهُ مِنْ الْغَنَمِ وَالدَّوَابِّ لِأُنَاسٍ شَتَّى، أَوْ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا اشْتَرَطَ عَلَى الرَّاعِي الضَّمَانَ فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ بِغَيْرِ ضَمَانٍ نَافَ عَلَى التَّسْمِيَةِ، أَوْ نَقَصَ قَالَ غَيْرُهُ: وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ التَّسْمِيَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا قَالَ: وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَا إنْ شَرَطُوا عَلَى الرَّاعِي أَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِسِمَةِ مَا مَاتَ مِنْهَا ضَمِنَ فَلَا يَضْمَنُ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا، وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ مِمَّنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: وَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاعِي فِيمَا تَلِفَ، أَوْ ضَلَّ، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ إنْ اُتُّهِمَ أَنَّهُ مَا فَرَّطَ، وَلَا تَعَدَّى، وَلَا دَلَّسَ وَيَضْمَنُ إنْ فَرَّطَ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ نَامَ مَغْلُوبًا فِي إبَّانِ النَّوْمِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُنْكَرُ، وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ، وَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِيمَا رَعَى انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلَوْ شَرَطَ إلَى آخِرِهِ صَحِيحٌ فِي نَفْيِ الضَّمَانِ إلَّا أَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ مَعَ صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِفَسَادِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ لُزُومُ أُجْرَة الْمِثْلِ بِالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ]
(مَسْأَلَةٌ:) قَالَ فِي الْإِرْشَادِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ: وَتَلْزَمُ بِالْفَاسِدَةِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ عِنْدَ الْفَوَاتِ بِمَا تَفُوتُ بِهِ مِنْ انْقِضَاءِ الْعَمَلِ وَنَحْوِهِ نَعَمْ وَكُلُّ مَا يُفِيتُ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ يُفِيتُ الْإِجَارَةَ الْفَاسِدَةَ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى، وَأُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ الْفَاسِدَةِ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ الْأَكْثَرُ، وَقَدْ يُحْكَمُ بِالْمُسَمَّى فَقَطْ لِشَبَهِ الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ تَسْقُطُ لِانْتِفَاءِ الْمُوجِبِ فَانْظُرْ ذَلِكَ كُلَّهُ انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ ادَّعَى الرَّاعِي أَنَّ بَعْضَ الْغَنَمِ لَهُ]
(مَسْأَلَةٌ:) قَالَ فِي الطُّرَرِ: وَإِذَا ادَّعَى الرَّاعِي أَنَّ بَعْضَ الْغَنَمِ لَهُ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِسَبَبٍ يَدُلُّ
стр. 2627
عَلَى صِدْقِهِ فَيَحْلِفُ، وَنَقَلَهُ عَنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ الصَّانِعُ هَذَا مَتَاعُ فُلَانٍ وَقَالَ فُلَانٌ لَيْسَ هُوَ لِي]
(مَسْأَلَةٌ) إذَا قَالَ الصَّانِعُ: هَذَا مَتَاعُ فُلَانٍ، وَقَالَ فُلَانٌ: لَيْسَ هُوَ لِي فَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الصَّانِعِ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: إذَا احْتَرَقَ الْخُبْزُ فِي الْفُرْنِ فَقَالَ الْفَرَّانُ: هُوَ لِفُلَانٍ، وَقَالَ صَاحِبُهُ: لَيْسَ هُوَ لِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْفَرَّانِ قَالَهُ ابْنُ زَرْبٍ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ اللَّخْمِيِّ مَا مَضْمُونُهُ: إنْ كَانَ مَا يَعْمَلُ لِلنَّاسِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ، وَإِنْ كَانَ يَعْمَلُ بِنَفْسِهِ لَمْ يُصَدَّقْ فَانْظُرْهُ وَأَظُنُّهُ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الطُّرَرِ فِي تَرْجَمَةِ وَثِيقَةٍ بِاسْتِئْجَارِ جَمَاعَةٍ لِرِعَايَةِ غَنَمٍ: لَا يُجْبَرُ أَهْلُ الْأَفْرَانِ وَأَهْلُ الْأَزْحَاءِ وَأَهْلُ الْحَمَّامَاتِ عَلَى طَبْخٍ، وَلَا طَحْنٍ، وَلَا غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الصُّنَّاعُ كُلُّهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْقَضَاءَ بِطُلَيْطُلَةَ عَلَى جَبْرِ الْفَرَّانِ عَلَى طَبْخِ خُبْزِ جَارِهِ إذَا امْتَنَعَ بِمِثْلِ مَا يُطْبَخُ بِهِ خُبْزُ مِثْلِهِ انْتَهَى.
ص (وَأَجِيرٌ لِصَانِعٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْأَجِيرَ الَّذِي يَعْمَلُ عِنْدَ الصَّانِعِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَالضَّمَانُ عَلَى الصَّانِعِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ: وَيَضْمَنُ الْقَصَّارُ مَا أَفْسَدَ أَجِيرُهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَجِيرِ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى أَوْ يُفَرِّطَ انْتَهَى.
ص (وَسِمْسَارٌ ظَهَرَ خَيْرُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ)
ش: هَذَا إذَا ادَّعَى ضَيَاعَ الْمَتَاعِ، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ بَاعَهُ مِنْ رَجُلٍ، وَالرَّجُلُ يُنْكِرُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِتَفْرِيطِهِ بِعَدَمِ الْإِشْهَادِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَنَصُّهُ: وَأَمَّا السِّمْسَارُ يَدَّعِي بَيْعَ السِّلْعَةِ مِنْ رَجُلٍ عَيَّنَهُ، وَهُوَ يُنْكِرُهُ فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهُ ضَامِنٌ لِتَرْكِهِ الْإِشْهَادَ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ السِّلْعَةَ عَلَى رَبِّهَا إذَا دَفَعَهَا إلَى الْمُبْتَاعِ، وَلَمْ يَتَوَثَّقْ عَلَيْهِ بِالْإِشْهَادِ، وَلَا يُرَاعَى فِي هَذَا الْعُرْفُ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ؛ إذْ لَيْسَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُرَاعَى فِيهَا ذَلِكَ لِافْتِرَاقِ مَعَانِيهَا انْتَهَى مِنْهُ بِلَفْظِهِ، وَانْظُرْ أَوَّلَ الْإِجَارَةِ مِنْ مَسَائِلِ الْبُرْزُلِيِّ وَانْظُرْ كَلَامَ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي آخِرِ التَّدْلِيسِ بِالْعُيُوبِ، فَقَدْ أَطَالَ فِي ذَلِكَ.
ص (أَوْ أَنْزَى بِلَا إذْنٍ)
ش:
стр. 2628
فَرْعٌ:) قَالَ فِي الطُّرَرِ فِي تَرْجَمَةِ اسْتِئْجَارِ رَاعٍ لِغَنَمٍ سُئِلَ بَعْضُهُمْ عَمَّا كَسَرَ الرَّاعِي مِنْ الْغَنَمِ قَالَ أَمَّا مَا كَسَرَهُ بِالْعَصَا حِينَ يَذُودُهَا بِهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَا كَسَرَهُ بِالْحِجَارَةِ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّعَدِّي انْتَهَى.
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي التَّرْجَمَةِ الْمَذْكُورَةِ قَالَ فِي الْمُؤَلَّفَة لِابْنِ لُبَابَةَ إذَا عَقَرَ الرَّاعِي مِنْ الْغَنَمِ مَرَّةً ثَانِيَةً وَثَالِثَةً، وَلَمْ يُضَمِّنْهُ صَاحِبُ الْغَنَمِ وَأَمْضَاهُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَرَضِيَ لَمْ يَضْمَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ انْتَهَى.
ص (أَوْ صَانِعٌ فِي مَصْنُوعِهِ)
ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: تَلِفَ بِصُنْعِهِ أَوْ بِغَيْرِ صُنْعِهِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: كَمَا لَوْ ادَّعَى أَنَّ سَارِقًا سَرَقَهُ (فَرْعٌ:) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ قَالَ فِي الْكَافِي: فِي الصَّانِعِ تَضِيعُ عِنْدَهُ السِّلْعَةُ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا، ثُمَّ تُوجَدُ أَنَّهَا لِلصَّانِعِ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ عَبْدَهُ فَأَنْكَرَ فَصَالَحَهُ عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ وُجِدَ الْعَبْدُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ يَحْيَى: هُوَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا يُنْقَضُ الصُّلْحُ صَحِيحًا كَانَ، أَوْ مَعِيبًا إلَّا أَنْ يَجِدَهُ عِنْدَهُ قَدْ أَخْفَاهُ، فَيَكُونُ لِرَبِّهِ، وَفِي التَّهْذِيبِ فِي الْمُكْتَرِي يَتَعَدَّى عَلَى الدَّابَّةِ فَتَضِلَّ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا، ثُمَّ تُوجَدُ هِيَ لِلْمُكْتَرِي انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ:) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ ابْنُ رُشْدٍ: وَالضَّمَانُ بِسَبَبِ الصَّنْعَةِ إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَغْرِيرٌ، وَأَمَّا إنْ كَانَ فِيهَا تَغْرِيرٌ كَثَقْبِ اللُّؤْلُؤَةِ وَنَقْشِ الْفُصُوصِ وَتَقْوِيمِ السُّيُوفِ وَاحْتِرَاقِ الْخُبْزِ عِنْدَ الْفَرَّانِ وَالثَّوْبِ عِنْدَ الصَّبَّاغِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ تَعَدَّى فِيهَا أَوْ أَخَذَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ مَأْخَذِهَا وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْمَوَّازِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ:) تَضْمِينُ الصُّنَّاعِ
مِنْ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي أَنَّ مَالِكًا كَثِيرًا مَا يَبْنِي مَذْهَبَهُ عَلَى الْمَصَالِحِ، وَقَدْ قَالَ: إنَّهُ يُقْتَلُ ثُلُثُ الْعَامَّةِ لِمَصْلَحَةِ الثُّلُثَيْنِ الْمَازِرِيُّ، وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ أَبُو الْمَعَالِي عَنْ مَالِكٍ صَحِيحٌ انْتَهَى.
وَفِي بَعْضِ نُسَخِ التَّوْضِيحِ وَلَكِنَّهُ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ، وَانْظُرْ كَلَامَ الْقَرَافِيِّ فِي آخِرِ شَرْحِ الْمَحْصُولِ فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ بِكَلَامٍ حَسَنٍ، وَأَنْكَرَ مَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ إنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ:) قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ فِي شَرِكَةِ الْأَبَدَانِ فِيمَا إذَا مَرِضَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ: وَلَوْ أَجَّرَ رَجُلَانِ أَنْفُسَهَا بِعَمَلِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ أَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَكُنْ عَلَى أَحَدِهِمَا أَنْ يُوَفِّيَ عَمَلَ الْآخِرِ، وَلَيْسَ كَالْأَوَّلِ يَعْنِي شَرِيكَيْ الصَّنْعَةِ أُولَئِكَ مُتَفَاوِضَانِ فَلَزِمَ أَحَدَهُمَا مَا لَزِمَ الْآخِرَ انْتَهَى.
يَعْنِي مُتَفَاوِضَيْنِ فِي الْعَمَلِ كَالْمُتَفَاوِضِينَ فِي الْمَالِ (فَرْعٌ:) قَالَ: وَقَبْلَهُ: إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلِ رَجُلٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَضْمَنَ عَنْهُ رَجُلٌ آخَرُ ذَلِكَ الْفِعْلَ إنْ مَرِضَ أَوْ مَاتَ، أَوْ غَابَ اهـ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَجَّرْت رَجُلَيْنِ عَلَى حَفْرِ بِئْرِ كَذَا فَحَفَرَا بَعْضَهَا، ثُمَّ مَرِضَ أَحَدُهُمَا فَأَتَمَّهَا الْآخَرُ فَالْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا، وَيُقَالُ لِلْمَرِيضِ أَرْضُ الْحَافِرِ مِنْ حَقِّكَ، فَإِنْ أَبَى لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ
стр. 2629
وَالْحَافِرُ مُتَطَوِّعٌ لَهُ انْتَهَى.
ص (إنْ نَصَبَ نَفْسَهُ)
ش: ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ الْمُنْتَصِبُ مَنْ أَقَامَ نَفْسَهُ لِعَمَلِ الصَّنْعَةِ الَّتِي اُسْتُعْمِلَ فِيهَا كَانَ بِسُوقِهَا، أَوْ دَارِهِ وَغَيْرِ الْمُنْتَصِبِ لَهَا مَنْ لَمْ يُقِمْ نَفْسَهُ لَهَا، وَلَا مِنْهَا مَعَاشُهُ (قُلْت:) ظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ انْتِصَابُهُ لِجَمَاعَةٍ خَاصَّةٍ وَنَصَّ عِيَاضٌ عَلَى أَنَّ الْخَاصَّ بِجَمَاعَةٍ دُونَ غَيْرِهِمْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَنَحْوُ لَفْظِ اللَّخْمِيِّ سَمَاعُ عِيسَى: لَا ضَمَانَ عَلَى الصَّانِعِ حَتَّى يَنْصِبَ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ الصَّقَلِّيُّ إثْرَ سَمَاعِ عِيسَى قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: مَعْنَاهُ أَنَّهُ عَمَلُهُ بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَلَوْ أَخَذَ عَلَيْهِ أَجْرًا صَارَ صَانِعًا فَيَضْمَنُ، وَحَكَى أَنَّهُ مَنْصُوصٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ (قُلْت:) فَفِي ضَمَانِهِ بِمُجَرَّدِ نَصْبِ نَفْسِهِ أَوْ بِقَيْدِ عُمُومِهِ لِلنَّاسِ قَوْلَانِ الظَّاهِرُ سَمَاعُ عِيسَى مَعَ بَعْضِ شُيُوخِهِ الصَّقَلِّيُّ وَطَرِيقُ عِيَاضٍ مَعَ ابْنِ رُشْدٍ
ص (وَغَابَ عَلَيْهَا)
ش: يُرِيدُ فِي بَيْتِهِ فَشَمِلَ شَرْطَيْنِ: الْأَوَّلَ أَنْ لَا يَكُونَ عَمَلُهُ فِي بَيْتِ رَبِّ
стр. 2630
السِّلْعَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ جَلَسَ مَعَهُ رَبُّهَا أَمْ لَا؟ عَمِلَ بِأَجْرٍ أَمْ لَا؟ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ رَبُّهُ مُلَازِمَهُ، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (وَصُدِّقَ إنْ ادَّعَى خَوْفَ مَوْتٍ فَنَحَرَ) ش قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهَذَا إذَا جَاءَهُ بِالشَّاةِ مَنْحُورَةً، أَوْ بِثَمَنِهَا، أَوْ ادَّعَى أَنَّهَا سُرِقَتْ مِنْهُ بَعْدَ الذَّبْحِ، وَأَمَّا لَوْ أَكَلَهَا فَلَا يُصَدَّقُ قَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ فِي الْكَافِي، وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ، وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: وَإِنْ أَتَى بِشَاةٍ مَذْبُوحَةٍ قَالَ: خَشِيت عَلَيْهَا الْمَوْتَ صُدِّقَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ سُرِقَتْ بَعْدَ الذَّبْحِ وَضَمِنَهُ غَيْرُهُ انْتَهَى. وَانْظُرْ هَلْ يُصَدَّقُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِيَمِينٍ أَمْ لَا
ص (لَا بِهِ إلَّا صَبِيَّ تَعْلِيمٍ وَرَضَاعٍ وَفَرَسَ نَزْوٍ وَرَوْضٍ)
ش: قَالَ الشَّارِحُ فِي الْوَسَطِ الْحَقُّ بِهَذِهِ الْأَرْبَعِ مَسَائِلَ، وَهِيَ: أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ عَلَى أَنْ يَحْصُدَ أَرْضَهُ، وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا، أَوْ يَبْنِيَ لَهُ حَائِطًا، ثُمَّ حَصَلَ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ وَالْخَيَّاطُ وَالْحَائِكُ يُدْفَعُ إلَيْهِ ثَوْبٌ لِيَعْمَلَهُ لِلِّبَاسِ لَا لِلتِّجَارَةِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ غَيْرُهُ، وَالطَّبِيبُ يُوَافِقُ عَلَى مُعَافَاةِ الْعَلِيلِ مُدَّةً فَيَمُوتُ قَبْلَهَا وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ مَا إذَا اسْتَأْجَرَ عَلَى الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ لِيَضَعَ فِيهَا شَيْئًا فَهَلَكَتْ وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ تَعَذُّرُ الْخَلْفِ غَالِبًا انْتَهَى.
، وَنَقَلَهَا صَاحِبُ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ
[فَرْعٌ أَصَابَ الْأَجِيرَ فِي الْبِنَاءِ مَطَرٌ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ مَنَعَهُ مِنْ الْبِنَاءِ فِي وَقْت الْمَطَر]
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي مَسَائِلِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ: سُئِلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ إذَا أَصَابَ الْأَجِيرَ فِي الْبِنَاءِ مَطَرٌ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ مَنَعَهُ مِنْ الْبِنَاءِ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ قَالَ: فَلَهُ بِحِسَابِ مَا مَضَى، وَيُفْسَخُ فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ، وَمِثْلُهُ لِسَحْنُونٍ وَلِغَيْرِهِ يَكُونُ لَهُ جَمِيعُ الْأَجْرِ
стр. 2631
لِأَنَّ الْمَنْعَ لَمْ يَأْتِ مِنْ قِبَلِهِ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ سَحْنُونٌ فِي وَثَائِقِهِ: إنْ مَنَعَ أَجِيرَ الْبِنَاءِ، أَوْ الْحَصْدِ، أَوْ عَمَلٍ مَا مَطَرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِحِسَابِ مَا عَمِلَ مِنْ النَّهَارِ، وَأَجِيرُهُ لَهُ كُلُّ الْأَجْرِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَا يَدْخُلُ هَذَا الْخِلَافُ فِي نَوَازِلَ وَقَعَتْ فِي بَلَدِنَا بِتُونُسَ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ بِفَسْخِ الْإِجَارَةِ بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ وَنُزُولِ الْخَوْفِ انْتَهَى.
ذَكَرَهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا تُفْسَخُ بِهِ الْإِجَارَةُ
ص (وَسِنٌّ لِقَلْعٍ فَسَكَنَتْ كَعَفْوِ الْقِصَاصِ) ش قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ شَاسٍ: وَتَنْفَسِخُ بِمَنْعِ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ شَرْعًا كَسُكُونِ أَلَمِ السِّنِّ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى قَلْعِهَا أَوْ عَفْوٍ عَنْ الْقِصَاصِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى اسْتِيفَائِهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْت: هَذَا إذَا كَانَ الْعَفْوُ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَانْظُرْ هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ فِي ذَهَابِ أَلَمِهِ؟ وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ إلَّا أَنْ يَقُومَ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ، وَفِي يَمِينِهِ مَعَ ذَلِكَ نَظَرٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا كَأَيْمَانِ التُّهَمِ انْتَهَى.
ص (وَحَمْلُ ظِئْرٍ)
ش: أَيْ وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِحَمْلِ الظِّئْرِ أَيْ الْمُرْضِعَةِ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى الْوَلَدِ مِنْ لَبَنِهَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ: وَإِذَا حَمَلَتْ الظِّئْرُ فَخِيفَ عَلَى الْوَلَدِ فَلَهُمْ فَسْخُ
стр. 2632
الْإِجَارَةِ انْتَهَى.
قَالَ الْبِسَاطِيُّ: فَإِنْ قُلْت: كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ يُخَالِفُ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَالَ فِيهَا: إذَا خِيفَ وَالْمُؤَلِّفُ أَطْلَقَ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ فِيهَا فَلَهُمْ الْفَسْخُ وَالْمُصَنِّفُ جَزَمَ.
(قُلْت:) قَدْ يُجَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْغِيلَةَ مَضْمُونَةٌ بِالْحَمْلِ فَأَحَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى الْخَوْفِ إشَارَةً إلَى الْعِلَّةِ وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ إشَارَةً إلَى الْمَظِنَّةِ مَعَ أَنَّكَ إذَا تَأَمَّلْت وَجَدْت الْخَوْفَ عَلَى الْوَلَدِ مَقْطُوعًا بِهِ عِنْدَ الْحَمْلِ، وَاَلَّذِي قَدْ يَكُونُ، وَقَدْ لَا يَكُونُ إنَّمَا هُوَ حُصُولُ الضَّرَرِ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَالظَّاهِرُ وُرُودُهُ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ انْتَهَى.
(قُلْت) قَدْ قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فَقَالَ: وَلِزَوْجِهَا فَسْخُهُ إنْ لَمْ يَأْذَنْ كَأَهْلِ الطِّفْلِ إذَا حَمَلَتْ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّهُ إنْ خِيفَ عَلَى الصَّبِيِّ الْمَوْتُ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْفَسْخُ، وَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ غَيْرُ الْمَوْتِ فَلَهُمْ تَرْكُهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ إنَّمَا يَكُونُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ الضَّرَرِ، وَأَمَّا لَوْ تَحَقَّقَ الضَّرَرُ لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الْفَسْخُ فَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِالْفَسْخِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا قَدَّمَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِي كَلَامِهِ عَلَى تَحَتُّمِ الْفَسْخِ بَلْ أَكْثَرُ الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرَهَا لَا يَتَحَتَّمُ فِيهَا الْفَسْخُ نَعَمْ يُعْتَرَضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي تَكْرَارِهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ أَرَادَ جَمْعَ النَّظَائِرِ الَّتِي تُفْسَخُ فِيهَا الْإِجَارَةُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ اسْتِيفَاءٌ لَهَا، فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِرُشْدِ صَغِيرٍ عُقِدَ عَلَيْهِ)
ش: عِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ: فَاحْتَلَمَ لَكِنْ قَيَّدَهُ الشُّرَّاحُ بِأَنْ يَكُونَ رَشِيدًا؛ إذْ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الِاحْتِلَامِ فِي الْمَحْجُورِ اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ.
ص (وَبِمَوْتِ مُسْتَحِقِّ وَقْفٍ آجَرَ، وَمَاتَ قَبْلَ تَقَضِّيهَا عَلَى الْأَصَحِّ)
ش: قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ إذَا مَاتَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ: مِنْ أَرْبَابِ الْوَقْفِ بَعْدَ الْإِجَارَةِ قَبْلَ تَقَضِّي مُدَّتِهَا انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ فِي بَاقِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ تَنَاوَلَ بِالْإِجَارَةِ مَا لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَقِيلَ: إذَا أَكْرَى مُدَّةً يَجُوزُ الْكِرَاءُ إلَيْهَا لَزِمَ بَاقِيهَا انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَا أَعْرِفُ الثَّانِيَ لِغَيْرِ ابْنِ شَاسٍ، وَلَمْ يَعْزُهُ ابْنُ هَارُونَ، وَلَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَظَاهِرُ أَقْوَالِ الشُّيُوخِ: نَفْيُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَالْمُتَيْطِيِّ وَابْنِ فَتُّوحٍ أَنَّهُ يُنْقَضُ بِمَوْتِ الْمُسْتَحِقِّ (تَنْبِيهٌ:) قَالَ فِي الْإِرْشَاد فِي بَابِ الْوَقْفِ: وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْآيِلِ إلَيْهِ الْوَقْفُ لَا الْمُسْتَأْجِرِ قَالَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ الْبُحَيْرِيُّ فِي شَرْحِهِ نَاقِلًا عَنْ شَرْحِ مُؤَلِّفِهِ الْمُعْتَمَدِ مَعْنَى قَوْلِنَا: إنَّهَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ مُسْتَحِقِّ الْأُجْرَةِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى بَطْنٍ بَعْدَ بَطْنٍ فَآجَرَ الْبَطْنَ الْأَعْلَى، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا انْفَسَخَتْ فِيمَا بَقِيَ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ انْتَقَلَ بِالْمَوْتِ لِلْبَطْنِ الْآخَرِ مِمَّنْ يَرْجِعُ إلَيْهِ الْوَقْفُ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ آجَرَ مِلْكَهُ وَمِلْكَ غَيْرِهِ بِخِلَافِ مَوْتِ النَّاظِرِ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ وَمَوْتِ الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنَّهُ لَا يُفْسَخُ انْتَهَى.
ص (أَوْ خُلْفُ رَبِّ دَابَّةٍ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَحَجٍّ)
ش: وَلَهُ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ فَيَنْظُرَ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ رَأَى أَنَّ فِي الصَّبْرِ ضَرَرًا فَسَخَ الْكِرَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ لَمْ يَفْسَخْ نَقَلَهُ
стр. 2633
ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَوْ غَابَ كِرَى مَضْمُونٍ وَوُجِدَ لَهُ مِثْلُهُ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ مُكْتَرِيهِ إلَّا بِالْحُكْمِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ، وَلَهُ مَا يُكْرَى بِهِ عَلَيْهِ أَكْرَى عَلَيْهِ الْحَاكِمُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ وَضَاعَ الْمُكْتَرَى بِسَلَفِهِ جَازَ إنْ عُلِمَ لَهُ مَالٌ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ فَفِي صِحَّةِ سَلَفِهِ لِذَلِكَ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدٍ وَرَجَّحَ اللَّخْمِيُّ الْأَوَّلَ بِالْقِيَاسِ الْأَحْرَوِيِّ عَلَى مَنْعِ غُرَمَاءِ مُفْلِسٍ طَاعَ بِرَدِّ مَا ابْتَاعَهُ لِبَائِعِهِ لِعَجْزِهِ عَنْ ثَمَنِهِ بِسَلَفِهِمْ إيَّاهُ الثَّمَنَ لِرِبْحٍ فِيهِ انْتَهَى.
صِ (أَوْ فِسْقُ مُسْتَأْجِرٍ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِذَا ظَهَرَ مِنْ مُكْتَرِي الدَّارِ دَعَارَةٌ وَخَلَاعَةٌ وَفِسْقٌ وَشُرْبُ خَمْرٍ لَمْ يُنْقَضْ الْكِرَاءُ وَلَكِنَّ الْإِمَامَ يَمْنَعُهُ وَيَكُفُّ أَذَاهُ عَنْ الْجِيرَانِ، وَعَنْ رَبِّ الدَّارِ، وَإِنْ رَأَى إخْرَاجَهُ أَخْرَجَهُ، وَأَكْرَاهَا عَلَيْهِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ مَنْ اكْتَرَى دَارًا، وَلَهُ جِيرَانُ سُوءٍ فَلَهُ رَدُّهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ اشْتَرَى دَارًا وَلَهَا جِيرَانُ سُوءٍ: إنَّهُ عَيْبٌ تُرَدُّ بِهِ قَالَ الشَّاعِرُ:
يَقُولُونَ لِي بِعْت الدِّيَارَ رَخِيصَةً ... وَلَا أَنْتَ مَدْيُونٌ وَلَا أَنْتَ مُفْلِسُ
فَقُلْت لَهُمْ كُفُّوا الْمَلَامَةَ وَاقْصُرُوا ... بِجِيرَانِهَا تَغْلُو الدِّيَارُ وَتَرْخُصُ
انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي فَاسِقٍ ذِي دَارٍ بَيْنَ النَّاسِ يُعَاقِبُهُ السُّلْطَانُ وَيَمْنَعُهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ بِيعَتْ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ وَأَرَى أَنْ يَبْدَأَ بِعُقُوبَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ أُكْرِيَتْ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ إذَايَتِهِ لِإِتْيَانِهِ إلَيْهَا بِيعَتْ عَلَيْهِ وَسَمِعَ أَبُو زَيْدٍ ابْنُ الْقَاسِمِ آخِرَ مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ قَالَ مَالِكٌ فِي فَاسِقٍ يَأْوِي إلَيْهِ أَهْلُ الْفِسْقِ يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ وَتُخَارَجُ عَلَيْهِ الدَّارُ وَالْبُيُوتُ، وَلَا تُبَاعُ عَلَيْهِ لَعَلَّهُ يَتُوبُ ابْنُ الْقَاسِمِ يَتَقَدَّمُ إلَيْهِ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ أُخْرِجَ وَأُكْرِيَ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ رِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ يُبَاعُ عَلَيْهِ خِلَافُ هَذَا السَّمَاعِ وَقَوْلُهُ فِيهَا أَصَحُّ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ رَجَاءِ تَوْبَتِهِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الدَّارُ لَهُ إلَّا بِكِرَاءٍ أُكْرِيَتْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْفَسِخْ كِرَاؤُهُ ابْنُ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّ فَسْخَ الْكِرَاءِ مَضَرَّةٌ عَلَى رَبِّ الدَّارِ وَيُحْتَمَل حَمْلُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ عَلَى مَنْ لَا تَرْتَفِعُ مَضَرَّةُ فِسْقِهِ إلَّا بِرَفْعِ مِلْكِهِ وَحَمَلَ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَنْ تَرْتَفِعُ مَضَرَّتُهُ بِمُجَرَّدِ كِرَائِهَا عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنَّهُ قَالَ: أَرَى أَنْ يُحَرَّقَ بَيْتُ الْخَمَّارِ قَالَ
стр. 2634
وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَسْتَحِبُّ حَرْقَ بَيْتِ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَبِيعُ الْخَمْرَ قِيلَ لَهُ فَالنَّصْرَانِيُّ يَبِيعُهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: إنْ تَقَدَّمَ إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ أَحْرَقْتُ بَيْتَهُ قَالَ وَحَدَّثَنِي اللَّيْثُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَحْرَقَ بَيْتَ رُوَيْشِدٍ الثَّقَفِيِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الْخَمْرَ، وَقَالَ: أَنْتَ فُوَيْسِقٌ لَا رُوَيْشِدٌ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ كِرَاءُ الدَّوَابِّ]
ص (أَوْ لِيَرْكَبَهَا فِي حَوَائِجِهِ أَوْ لِيَطْحَنَ بِهَا شَهْرًا)
ش: شَهْرًا قَيْدٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
ص (وَلَمْ يَلْزَمْ الْفَادِحُ)
ش: قَالَ عِيَاضٌ: الْفَادِحُ مِنْ الرِّجَالِ وَالْأَحْمَالِ الْعِظَامُ الثِّقَالُ الَّتِي تُهْلِكُ الدَّوَابَّ انْتَهَى.
ص (وَبَيْعُهَا وَاسْتِثْنَاءُ رُكُوبِهَا الثَّلَاثَةَ) ش تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ، وَالْمَسْأَلَةُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: يَجُوزُ بَيْعُ الْبَعِيرِ وَاسْتِثْنَاءُ رُكُوبِهِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ لَكِنْ قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ مَعْلُومَةً قَرِيبَةً وَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
ص (وَكِرَاءُ دَابَّةٍ شَهْرًا إنْ لَمْ يَنْقُدْ)
ش: قَوْلُهُ: دَابَّةٍ يُرِيدُ مُعَيَّنَةً وَقَوْلُهُ: شَهْرًا يَعْنِي يَكْتَرِيهَا
стр. 2635
وَلَا يَرْكَبُهَا إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ شَهْرٍ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ الْمُعَيَّنَةَ إذَا لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا لَمْ يَجُزْ النَّقْدُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ تَارَةً ثَمَنًا وَتَارَةً سَلَفًا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً بِعَيْنِهَا عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا إلَى يَوْمٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ، وَمَا قَرُبَ جَازَ وَجَازَ النَّقْدُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ إلَى شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ جَازَ مَا لَمْ يَنْقُدْ اهـ.
ص (وَإِقَالَةٌ بِزِيَادَةٍ قَبْلَ النَّقْدِ وَبَعْدَهُ إنْ لَمْ يَغِبْ عَلَيْهِ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِقَالَةُ بِرَأْسِ الْمَالِ وَتَجُوزُ بِزِيَادَةٍ قَبْلَ النَّقْدِ وَبَعْدَهُ وَقَبْلَ الْغَيْبَةِ عَلَيْهِ مِنْ الْمُكْتَرِي وَالْمُكْرِي وَيُرِيدُ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ مُعَجَّلَةً، وَقَدْ اسْتَوْفَى أَقْسَامَهَا فِي الْمُقَدِّمَاتِ.
ص (وَاشْتِرَاطُ هَدِيَّةِ مَكَّةَ إنْ عُرِفَ)
ش: نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ (فَائِدَةٌ:) قَالَ بَعْدَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَأَجَازَ لِلْمُكْتَرِي أَنْ يَحْمِلَ فِي غَيْبَتِهِ ثَوْبًا، أَوْ ثَوْبَيْنِ لِغَيْرِهِ، وَلَا يُخْبِرُ بِذَلِكَ الْحَمَّالَ، وَهُوَ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ، وَلَوْ بَيَّنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَوَزْنَهَا كَانَ أَحْسَنُ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَا اشْتِرَاطَ إنْ مَاتَتْ مُعَيَّنَةً أَتَاهُ بِغَيْرِهَا)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ اشْتَرَطَ فِي الْمُعَيَّنَةِ إنْ مَاتَتْ أَتَاهُ بِغَيْرِهَا لَمْ يَجُزْ انْتَهَى.
стр. 2636
ص (أَوْ عَطِبَتْ بِزِيَادَةِ الْمَسَافَةِ أَوْ حِمْلٍ تَعْطَبُ بِهِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الدَّابَّةَ إذَا عَطِبَتْ بِزِيَادَةِ الْمَسَافَةِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِمَّا تَعْطَبُ الدَّابَّةُ فِي مِثْلِهَا أَمْ لَا، وَكَذَا يَضْمَنُ الدَّابَّةَ إذَا عَطِبَتْ بِسَبَبِ زِيَادَةٍ فِي الْحِمْلِ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِمَّا تَعْطَبُ الدَّابَّةُ بِمِثْلِهَا (تَنْبِيهَاتٌ:
الْأَوَّلُ:) قَوْلُهُ: أَوْ عَطِبَتْ بِزِيَادَةِ مَسَافَةٍ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا زَادَ عَلَى الْمَسَافَةِ الَّتِي اكْتَرَى إلَيْهَا يَضْمَنُ، وَلَوْ كَانَ اكْتَرَى ذَاهِبًا وَرَاجِعًا، وَلَا يُعْتَبَرُ قَدْرُ الرُّجُوعِ مِمَّا زَادَ عَلَى الْمَسَافَةِ كَمَا تَقُولُ الشَّافِعِيَّةُ إنَّهُ لَا يَضْمَنُ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى الْمَسَافَةِ الْمُشْتَرَطَةِ قَدْرَ الرُّجُوعِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي كِتَابِ الرَّوَاحِلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اكْتَرَاهَا إلَى بَلَدٍ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ يَوْمَ وُصُولِهِ إلَى الْبَلَدِ لَمْ يَضْمَنْ الْمُكْتَرِي، وَلِرَبِّهَا نِصْفُ الْكِرَاءِ فَقَطْ، وَإِنْ جَاوَزَهَا فَلِرَبِّهَا أَخْذُ قِيمَتِهَا يَوْمَ تَعَدِّيهِ مَعَ كِرَائِهَا إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ دَابَّتَهُ وَكِرَاءَ مَا تَعَدَّى فِيهِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ مَعَ كِرَاءِ الْأَوَّلِ وَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ الْآتِيَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَنْ يَحْبِسَهَا كَثِيرًا.
(الثَّانِي:) قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ ضَمِنَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَعْنَاهُ أَنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَأْخُذَ قِيمَتَهَا، أَوْ يَأْخُذَ الْكِرَاءَ الْأَوَّلَ وَكِرَاءَ الزِّيَادَةِ (الثَّالِثُ:) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ التَّعَدِّيَ فِي زِيَادَةِ الْمَسَافَةِ مِنْ التَّعَدِّي فِي زِيَادَةِ الْحِمْلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ إذَا تَعَدَّى بِزِيَادَةِ الْمَسَافَةِ يُخَيَّرُ رَبُّ الدَّابَّةِ فِي أَنْ يَأْخُذَ قِيمَتَهَا يَوْمَ التَّعَدِّي مَعَ كِرَائِهِ الْأَوَّلِ أَوْ يَأْخُذَ كِرَاءَهُ الْأَوَّلَ مَعَ كِرَاءِ مِثْلِ مَا تَعَدَّى، وَأَمَّا إذَا تَعَدَّى بِزِيَادَةِ الْحِمْلِ فَإِنَّ رَبَّهَا يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَ مِثْلِ مَا زَادَ عَلَى الدَّابَّةِ بَالِغًا مَا بَلَغَ مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ، أَوْ قِيمَةَ الدَّابَّةِ يَوْمَ التَّعَدِّي، وَلَا كِرَاءَ لَهُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ: وَإِذَا زَادَ الْمُكْتَرِي عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْحِمْلِ الَّذِي شُرِطَ فَعَطِبَتْ، فَإِنْ زَادَ مَا تَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ خُيِّرَ رَبُّهَا فِي أَخْذِ الْمُكْتَرِي بِقِيمَةِ كِرَاءِ مَا زَادَ عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْحِمْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ أَوْ قِيمَةِ الدَّابَّةِ يَوْمَ التَّعَدِّي، وَلَا كِرَاءَ لَهُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ إذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْمَسَافَةِ، وَإِنْ زَادَ بَعْدَ أَنْ سَارَ نِصْفَ الطَّرِيقِ وَاخْتَارَ رَبُّهَا أَخْذَ قِيمَةِ الدَّابَّةِ فَلَهُ قِيمَةُ الدَّابَّةِ يَوْمَ التَّعَدِّي وَنِصْفُ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ فِي ثُلُثِ الطَّرِيقِ، أَوْ رُبُعِهِ ثُلُثُ الْكِرَاءِ، أَوْ رُبْعُهُ مَعَ قِيمَةِ الدَّابَّةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى: وَإِذَا بَلَغَ الْمُكْتَرِي الْغَايَةَ الَّتِي اكْتَرَى إلَيْهَا، ثُمَّ زَادَ مِيلًا فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ فَلِرَبِّهَا كِرَاؤُهُ الْأَوَّلُ وَالْخِيَارُ فِي أَخْذِ قِيمَةِ كِرَاءِ الْمِيلِ الزَّائِدِ مَا بَلَغَ، أَوْ قِيمَةِ الدَّابَّةِ يَوْمَ التَّعَدِّي انْتَهَى.
ص (وَإِلَّا فَالْكِرَاءُ)
ش: أَيْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الزِّيَادَةُ الَّتِي فِي الْحِمْلِ مِمَّا تَعْطَبُ الدَّابَّةُ بِمِثْلِهَا فَلَا يَلْزَمُ الْمُكْتَرِيَ إلَّا كِرَاءُ الزِّيَادَةِ، وَلَوْ عَطِبَتْ الدَّابَّةُ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ أَعْنِي أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الزِّيَادَةِ فِي الْمَسَافَةِ وَبَيْنَ الزِّيَادَةِ فِي الْحِمْلِ فَفِي
стр. 2637
زِيَادَةِ الْمَسَافَةِ يَضْمَنُ إذَا عَطِبَتْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِمَّا تَعْطَبُ بِمِثْلِهَا أَمْ لَا، وَفِي زِيَادَةِ الْحِمْلِ لَا يَضْمَنُهَا إذَا عَطِبَتْ إلَّا إذَا زَادَ زِيَادَةً تَعْطَبُ بِمِثْلِهَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّعَدِّيَ بِزِيَادَةِ الْحِمْلِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَمْ تَعْطَبْ بِمِثْلِهِ مُسْتَنِدٌ إلَى إذْنٍ وَتَعَدٍّ فَالْإِذْنُ فِي الْحِمْلِ الْمُعْتَادِ، وَالزِّيَادَةُ فِي الْيَسِيرِ إنَّمَا هُوَ تَعَدٍّ فَقَطْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ:) الشَّعْبِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إذَا حَمَلَ عَلَى الدَّابَّةِ الْمُكْتَرَاةِ إلَى مَوْضِعٍ أَقَلَّ مِنْ الشَّرْطِ غَلَطًا مِنْهُ حَتَّى وَصَلَ، فَعَلَيْهِ الْكِرَاءُ كَامِلًا؛ إذْ لَوْ شَاءَ لَتَثَبَّتَ فِي حَمْلِ الْجَمِيعِ انْتَهَى.
ص (كَأَنْ لَمْ تَعْطَبْ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الدَّابَّةَ إذَا لَمْ تَعْطَبْ فَلَا يَلْزَمُ الْمُكْتَرِيَ إلَّا كِرَاءُ مَا زَادَ مِنْ الْحِمْلِ أَوْ الْمَسَافَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ تَعْطَبُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ زِيَادَةِ الْمَسَافَةِ
ص (إلَّا أَنْ يَحْسِبَهَا كَثِيرًا فَلَهُ كِرَاءُ الزِّيَادَةِ وَقِيمَتُهَا)
ش: وَيُشِيرُ بِهِ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً مِنْ مِصْرَ إلَى بَرْقَةَ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا إلَى مِصْرَ فَتَمَادَى إلَى إفْرِيقِيَّةَ وَعَادَ إلَى مِصْرَ فَرَبُّ الدَّابَّةِ مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِ قِيمَةِ كِرَائِهَا مِنْ بَرْقَةَ إلَى إفْرِيقِيَّةَ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا إلَى بَرْقَةَ مَا بَلَغَ مَعَ كِرَائِهِ الْأَوَّلِ، أَوْ نِصْفِ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ مَعَ قِيمَتِهَا بِبَرْقَةَ يَوْمَ التَّعَدِّي رَدُّهَا بِحَالِهَا، أَوْ بِغَيْرِ حَالِهَا؛ لِأَنَّ سُوقَهَا قَدْ تَغَيَّرَ، وَقَدْ حَبَسَهَا الْمُكْتَرِي عَنْ نَفْعِهِ بِهَا، وَعَنْ أَسْوَاقِهَا انْتَهَى.
ص (وَلَكَ فَسْخُ عَضُوضٍ أَوْ جَمُوحٍ، أَوْ أَعْشَى، أَوْ دَبِرَةٍ فَاحِشًا)
ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَكَ فَسْخُ كِرَاءِ عَضُوضٍ وَأَعْشَى وَعُثُورٍ وَجَمُوحٍ وَذِي دَبَرَةٍ فَاحِشَةٍ وَقَيَّدَ إنْ كَانَ بِمُسْتَعْتَبٍ، وَإِلَّا تَمَادَى وَحُطَّ عَنْهُ قِيمَةُ الْعَيْبِ كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى وَصَلَ انْتَهَى.
وَالْأَعْشَى هُوَ الَّذِي لَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ، وَالْجَمُوحُ الْقَوِيُّ الرَّأْسِ الَّذِي لَا يُقَادُ إلَّا بِعُسْرٍ، وَالْعَضُوضُ الَّذِي يَعَضُّ مَنْ يَقْرَبُ مِنْهُ، وَالدَّبَرُ الْعَقْرُ الَّذِي يَحْصُلُ فِي ظُهُورِ الْإِبِلِ قَالَهُ بَهْرَامُ
ص (كَأَنْ يَطْحَنَ لَكَ كُلَّ يَوْمٍ إرْدَبَّيْنِ بِدِرْهَمٍ فَوُجِدَ لَا يَطْحَنُ إلَّا إرْدَبًّا)
ش: هَكَذَا قَالَ فِي كِتَابِ الرَّوَاحِلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهَا: وَإِنْ اكْتَرَيْت ثَوْرًا لِتَطْحَنَ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ إرْدَبَّيْنِ بِدِرْهَمٍ فَوَجَدْتَهُ لَا يَطْحَنُ إلَّا إرْدَبًّا فَلَكَ رَدُّهُ، وَعَلَيْكَ فِي الْإِرْدَبِّ نِصْفُ دِرْهَمٍ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ بِفَاسِدٍ، وَهُوَ جَارٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ اللَّذَيْنِ تَقَدَّمَا فِيمَا إذَا قَيَّدَ الْعَمَلَ بِالزَّمَانِ وَتَحَمَّلَ الْعَمَلَ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ فِي كِتَابِ كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ اللَّخْمِيُّ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْمَلَ وَأَنْ يُتِمَّهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ زَادَ، أَوْ نَقَصَ مَا يُشْبِهُ الْكَيْلَ فَلَا لَكَ، وَلَا عَلَيْكَ)
ش: لَوْ جَعَلَ مِنْ تَمَامِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ مَا بَعْدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصَلِّ كِرَاءُ حَمَّامٍ وَدَارٌ غَائِبَةٌ]
(فَصْلٌ) جَازَ كِرَاءُ حَمَّامٍ.
ص (وَدَارٌ غَائِبَةٌ كَبَيْعِهَا)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ بِكِرَاءِ أَرْضٍ، أَوْ دَارٍ غَائِبَةٍ بِبَلَدٍ قَرِيبٍ، أَوْ بَعِيدٍ عَلَى صِفَةٍ، أَوْ رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ وَيَنْقُدُهُ كَالْبَيْعِ، ثُمَّ لَا رَدَّ لَهُ إنْ وَجَدَهَا عَلَى الصِّفَةِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ مُنْذُ أَمَدٍ لَا تَتَغَيَّرُ فِي مِثْلِهِ انْتَهَى.
أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: وَيَنْقُدُهُ كَالْبَيْعِ قَالَ أَحْمَدُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ: وَلَا يَنْقُدُهُ عَلَى صِفَةِ رَبِّهَا، وَإِنَّمَا يَنْقُدُهُ عَلَى صِفَةِ غَيْرِهِ، أَوْ يُرْسِلُ
стр. 2638
الْمُكْتَرِي رَسُولًا يُبْصِرُهَا انْتَهَى.
ص (أَوْ نِصْفُهَا، أَوْ نِصْفُ عَبْدٍ)
ش: قَالَ فِي كِرَاءِ الدُّورِ مِنْهَا: وَتَجُوزُ إجَارَةُ نِصْفِ دَابَّةٍ، أَوْ نِصْفِ عَبْدٍ يَكُونُ لِلْمُسْتَأْجِرِ يَوْمًا، وَلِلَّذِي لَهُ النِّصْفُ الْآخَرُ يَوْمًا كَالْبَيْعِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِكِرَاءِ نِصْفِ دَارٍ أَوْ سُدُسِهَا، أَوْ جُزْءٍ شَائِعٍ قَلَّ، أَوْ كَثُرَ كَالشِّرَاءِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ قَالَ اللَّخْمِيُّ: فَيَسْتَعْمِلُهُ الْمُسْتَأْجِرُ، وَذَكَرَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ فِي التَّنْبِيهِ الْأَوَّلِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ قَدَرَ عَلَى تَسْلِيمِهَا.
ص (إنْ مَلَكَ الْبَقِيَّةَ)
ش: يَعْنِي إنْ كَانَ الْمُكْتَرِي يَمْلِكُ مَنْفَعَةَ الْبَيْتِ فِي بَقِيَّةِ الشَّهْرِ إنْ شَاءَ سَكَنَ، وَإِنْ شَاءَ أَسْكَنَ غَيْرَهُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ اسْتَأْجَرَ بَيْتًا شَهْرًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنَّهُ إنْ سَكَنَ فِيهِ يَوْمًا وَاحِدًا فَالْكِرَاءُ لَهُ لَازِمٌ جَازَ إنْ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْكُنَ بَقِيَّةَ الشَّهْرِ أَوْ يُكْرِيَهُ إذَا خَرَجَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ عَلَى حَالٍ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ:) زَادَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ إنْ خَرَجْت فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تُكْرِيَ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: وَنَقَلَهَا اللَّخْمِيُّ بِزِيَادَةِ لَا خَيْرَ فِيهَا، وَالْكِرَاءُ لَازِمٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنَّهُ إنْ خَرَجَ رَجَعَ الْبَيْتُ لِرَبِّهِ، وَلَا يَحُطُّ مِنْ الْكِرَاءِ شَيْئًا فَهُوَ فَاسِدٌ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا سَكَنَ وَفُسِخَ مَتَى أُدْرِكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهَا: لَا خَيْرَ فِيهِ أَنَّهُ فَاسِدٌ، وَهُوَ مُقْتَضَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ فِي الشَّرْطِ الْمُنَافِي لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ (الثَّانِي:) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلِلْكَرِيِّ أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَ كُلِّ يَوْمٍ يَمْضِي إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ فَيُحْمَلَانِ عَلَيْهِ ابْنُ يُونُسَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ، وَكَانَتْ سُنَّةُ الْبَلَدِ النَّقْدَ قَضَى بِهِ انْتَهَى.
ص (كَوَجِيبَةٍ)
ش: الْوَجِيبَةُ الْمُدَّةُ الْمُعَيَّنَةُ
стр. 2639
ص (وَأَرْضُ مَطَرٍ عَشْرًا)
ش: مُرَادُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ مَأْمُونَةً، أَوْ غَيْرَ مَأْمُونَةٍ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَرْضِينَ وَقَوْلُهُ: عَشْرًا ذَكَرَ الْعَشْرَ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَهُوَ يُجَوِّزُ كِرَاءَهَا أَكْثَرَ مِنْ عَشْرٍ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إنْ لَمْ يُنْقَدْ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ بِكِرَاءِ أَرْضِ الْمَطَرِ عَشْرَ سِنِينَ إنْ لَمْ يُنْقِدْ، فَإِنْ شَرَطَ النَّقْدَ فَسَدَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يُنْقَدْ مَعْنَاهُ إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ النَّقْدُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَإِنْ شَرَطَ انْتَهَى.
، وَقَدْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الْخِيَارِ: الْمَوَاضِعُ الَّتِي يَمْتَنِعُ النَّقْدُ فِيهَا مَعَ الشَّرْطِ وَعَدَمِهِ وَعَدَّ هَذَا فِيمَا يَمْتَنِعُ النَّقْدُ فِيهِ مَعَ الشَّرْطِ فَقَطْ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ بَهْرَامَ قَالَ هُنَالِكَ: ظَاهِرُهُ أَنَّ التَّطَوُّعَ بِالنَّقْدِ جَائِزٌ وَنَصَّ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَلَى خِلَافِهِ انْتَهَى.
وَفِي: الْمُدَوَّنَةِ مَا يُوَافِقُ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ، وَنَصُّهَا فِي أَكْرِيَةِ الدُّورِ: وَإِنْ أَكْرَيْت مِنْ رَجُلٍ أَرْضَهُ قَابِلًا، وَفِيهَا زَرْعٌ لَهُ، أَوْ لِمُكْتَرِي عَامِهِ جَازَ، فَإِنْ كَانَتْ مَأْمُونَةً كَأَرْضِ النِّيلِ جَازَ النَّقْدُ فِيهَا، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ بِشَرْطٍ انْتَهَى.
ص (إلَّا الْمَأْمُونَةَ كَالنِّيلِ، وَالْمُعَيَّنَةَ فَيَجُوزُ)
ش: أَيْ الْأَرْضَ الْمَأْمُونَةَ مِنْ أَرْضِ الْمَطَرِ فَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ فِيهَا كَمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي أَرْضِ النِّيلِ الْمَأْمُونَةِ الرَّيِّ، وَفِي الْأَرْضِ الْمُعَيَّنَةِ الْمَاءِ الْمَأْمُونَةِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي التَّوْضِيحِ هُنَا بِأَنَّهُ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ فِي الْأَرْضِ الْغَالِبِ رَيُّهَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَكَلَامُ الْبِسَاطِيِّ فِيهِ شَيْءٌ فَتَأَمَّلْهُ وَلِلرَّجْرَاجِيِّ كَلَامٌ فِي ذَلِكَ فَانْظُرْهُ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعَلَى أَنْ يَحْرُثَهَا ثَلَاثًا، أَوْ يَزْبُلَهَا)
ش: ابْنُ عَرَفَةَ وَشَرْطُ مَنْفَعَةٍ فِي الْأَرْضِ كَشَرْطِ نَقْدِ بَعْضِ كِرَائِهَا فِيهَا مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا عَلَى أَنْ يُكْرِيَهَا
стр. 2640
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَزْرَعَهَا فِي الْكِرَابِ الرَّابِعِ جَازَ، وَكَذَا عَلَى أَنْ يَزْبُلَهَا بِشَيْءٍ مَعْرُوفٍ الصَّقَلِّيُّ وَغَيْرُهُ يُرِيدُ إنْ كَانَتْ مَأْمُونَةً؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْكِرَابِ وَالتَّزْبِيلِ مَنْفَعَةٌ تَبْقَى فِي الْأَرْضِ إنْ لَمْ يَتِمَّ زَرْعُهُ، فَإِنْ نَزَلَ
стр. 2641
فِي غَيْرِ الْمَأْمُونَةِ، وَلَمْ يَتِمَّ زَرْعُهُ نُظِرَ كَمْ يَزِيدُ كِرَاؤُهَا لِزِيَادَةِ مَا اشْتَرَطَ عَلَى مُعْتَادِ حَرْثِهَا، وَهُوَ عِنْدَنَا حَرْثُهُ عَلَى كِرَائِهَا دُونَ مَا اُشْتُرِطَتْ زِيَادَتُهُ عَلَى الْمُعْتَادِ فَيَرْجِعُ بِالزَّائِدِ؛ لِأَنَّهُ كَنَقْدٍ اشْتَرَطَهُ فِيهَا، وَلَوْ تَمَّ زَرْعُهُ كَانَ عَلَيْهِ كِرَاءُ مِثْلِهَا بِشَرْطِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهُ كِرَاءٌ فَاسِدٌ قَالَهُ التُّونُسِيُّ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: نُظِرَ كَمْ يَزِيدُ كِرَاؤُهَا إلَخْ يُرِيدُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَغَيْرُهُ أَبُو الْحَسَنِ أَجَازَ هُنَا بَيْعَ الزِّبْلِ فَهُوَ يُنَاقِضُ مَا فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ إنْ كَانَ لِمَالِكٍ، وَإِنْ كَانَ لِابْنِ الْقَاسِمِ فَهُوَ مُوَافِقٌ انْتَهَى.
ص (وَفِي السَّقْيِ بِالشُّهُورِ إلَى آخِرِهِ)
ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَفِي السَّقْيِ بِتَمَامِهَا، فَإِنْ تَمَّتْ، وَالزَّرْعُ بَاقٍ، وَكَانَ رَبُّهُ يَظُنُّ تَمَامَهُ فَزَادَ الشَّهْرَ وَنَحْوَهُ لَزِمَ رَبَّ الْأَرْضِ تَرْكُهُ لِتَمَامِهِ بِكِرَاءِ الْمِثْلِ فِيمَا زَادَ، وَقِيلَ: نِسْبَةُ الْمُسَمَّى، وَلَوْ بَعْدَ الْأَمَدِ وَعَلِمَ رَبُّهُ ذَلِكَ فَلِرَبِّهَا قَلْعُهُ، أَوْ تَرْكُهُ بِالْأَكْثَرِ مِنْ الْمُسَمَّى وَكِرَاءِ الْمِثْلِ، وَلَيْسَ لَهُ شِرَاؤُهُ عَلَى الْأَصَحِّ انْتَهَى.
ص (أَوْ عَدَمُهُ بَذْرًا أَوْ سَجْنُهُ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ اكْتَرَى أَرْضًا، فَلَمْ يَجِدْ بَذْرًا، أَوْ سَجَنَهُ سُلْطَانٌ بَاقِي الْمُدَّةِ فَالْكِرَاءُ يَلْزَمُهُ، وَلَا يُعْذَرُ بِهَذَا وَلَكِنْ لِيُكْرِيَهَا إنْ
стр. 2642
لَمْ يَقْدِرْ هُوَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَالَ اللَّخْمِيُّ مَحْمَلُ قَوْلِهِ فِي الْبَذْرِ عَلَى أَنَّ الْمُكْتَرِيَ وَحْدَهُ عَجَزَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُكْرِيَهَا، وَلَوْ كَانَتْ شِدَّةٌ، فَلَمْ يَجِدْ أَهْلُ الْمَوْضِعِ بَذْرًا سَقَطَ عَنْهُ الْكِرَاءُ، وَكَذَلِكَ إذَا قَصَدَ السُّلْطَانُ أَنْ يَحْبِسَهُ لِيَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زِرَاعَتِهَا وَكِرَائِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا طَلَبَهُ السُّلْطَانُ بِأَمْرٍ فَكَانَ ذَلِكَ السَّبَبَ فِي امْتِنَاعِ حَرْثِهَا كَانَ عَلَيْهِ كِرَاؤُهَا انْتَهَى.
ص (أَوْ انْهَدَمَتْ شُرُفَاتُ الْبَيْتِ)
ش: يُرِيدُ، وَلَمْ يُنْقِصْ ذَلِكَ مِنْ قِيمَةِ كِرَائِهَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ ص (لَا إنْ نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْكِرَاءِ، وَإِنْ قَلَّ)
ش: يُرِيدُ إذَا قَامَ بِذَلِكَ، فَإِنْ سَكَتَ وَسَكَنَ، وَلَمْ يَقُمْ بِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمَا، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ: أَنَّ حُكْمَ انْهِدَامِ الْبَيْتِ مِنْهَا كَذَلِكَ لَا شَيْءَ لَهُ إنْ سَكَتَ، وَإِنَّمَا يُخَالِفُ حُكْمَ بَيْتِ غَيْرِهِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ السُّكْنَى، وَلَا يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ، وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ إذَا انْهَدَمَ شَيْءٌ مِنْ الدَّارِ قَلِيلًا كَانَ، أَوْ كَثِيرًا لَمْ يُجْبَرْ رَبُّهَا عَلَى إصْلَاحِهِ مُطْلَقًا كَمَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَضَرَّةٌ عَلَى السَّاكِنِ فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَسْكُنَ بِجَمِيعِ الْكِرَاءِ، أَوْ يَخْرُجَ، فَإِنْ خَرَجَ، ثُمَّ عَمَرَهَا رَبُّهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا، وَإِنْ عَمَّرَهَا، وَهُوَ فِيهَا لَزِمَهُ بَقِيَّةُ الْكِرَاءِ، وَإِنْ سَكَنَ الدَّارَ مَهْدُومَةً لَزِمَهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ، وَإِنْ كَانَ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُكْتَرِي فِي السُّكْنَى فَالْكِرَاءُ لَهُ لَازِمٌ، وَيُنْظَرُ إلَى الْمُتَهَدِّمِ، فَإِنْ نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْكِرَاءِ حُطَّ ذَلِكَ النَّقْصُ إذَا قَامَ بِهِ الْمُكْتَرِي، وَلَمْ يُصْلِحْهُ رَبُّ الدَّارِ، فَإِنْ سَكَتَ وَسَكَنَ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُنْقِصْ مِنْ قِيمَةِ الْكِرَاءِ شَيْئًا فَلَا كِرَاءَ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ عَطِشَ بَعْضُ الْأَرْضِ، أَوْ غَرِقَ فَبِحِصَّتِهِ)
ش: قَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ: تَنْبِيهٌ: وَصِفَةُ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِمَا عُهِدَ مِنْ حَالِ هَذِهِ
стр. 2643
الْأَرْضِ فِي الْأَعْوَامِ الْمُتَوَسِّطَةِ، فَإِنْ قِيلَ لِلْفَقِيرِ خَمْسَةٌ، أَوْ ثَمَانِيَةٌ نُظِرَ مَا رَفَعَ الْآنَ مِنْهَا وَأَعْطَى مِنْ الْكِرَاءِ بِحِسَابِ ذَلِكَ انْتَهَى.
ص (وَخُيِّرَ فِي مُضِرٍّ)
ش: اُنْظُرْ اللَّخْمِيَّ وَالرَّجْرَاجِيَّ وَالْجُزُولِيَّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ عَطَشٍ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ، وَإِنْ غَرِقَتْ الْأَرْضُ بَعْدَ الْإِبَّانِ، ثُمَّ ذَهَبَ عَنْ قُرْبٍ بَعْدَ مَا أَفْسَدَ الزَّرْعَ، ثُمَّ لَمْ تُمْطِرْ بَقِيَّةَ السَّنَةِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَفْسُدْ لَمْ يَتِمَّ الزَّرْعُ سَقَطَ كِرَاؤُهَا، وَاخْتُلِفَ إنْ أَذْهَبَهُ السَّيْلُ فَرَوَى مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الْكِرَاءُ، وَقَالَ: يُرِيدُ إنْ أَذْهَبَهُ بَعْدَ الْإِبَّانِ، وَأَرَى إنْ أَذْهَبَ السَّيْلُ وَجْهَ الْأَرْضِ قَبْلَ الْإِبَّانِ، أَوْ بَعْدَهُ أَنْ لَا كِرَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ فِي وَجْهِهَا، وَهُوَ الْمُكْتَرَى، وَهُوَ الْمَقْصُودُ (قُلْت:) قَوْلُهُ: اُخْتُلِفَ يَدُلُّ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَلَا ثَانِيَ لِمَا ذَكَرَ إلَّا اخْتِيَارُهُ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ غَارَتْ عَيْنُ مُكْرًى سِنِينَ بَعْدَ زَرْعِهِ أُنْفِقَتْ حِصَّةُ سَنَةٍ فَقَطْ)
ش: ابْنُ عَرَفَةَ، وَفِيهَا لِمَنْ اكْتَرَى أَرْضًا ثَلَاثَ سِنِينَ فَزَرَعَهَا، ثُمَّ غَارَتْ عَيْنُهَا أَوْ انْهَدَمَتْ بِئْرُهَا، وَأَبَى رَبُّهَا إصْلَاحَهَا أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا حِصَّةَ تِلْكَ السَّنَةِ فَقَطْ مِنْ الْكِرَاءِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ بِهِ مُتَطَوِّعٌ الصَّقَلِّيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ قَبَضَهَا رَبُّهَا غَرِمَهُ، فَإِنْ كَانَ عَدِيمًا
стр. 2644
فَلِلْمُكْتَرِي إنْفَاقُ قَدْرِهِ، وَيَتْبَعُهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ إنْفَاقُ حِصَّتِهَا، وَلَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ حِصَّةِ الْأُولَى، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَزْرَعَهَا فَقَالَ أَشْهَبُ: لَا شَيْءَ عَلَى رَبِّهَا، وَلِلْمُكْتَرِي أَنْ يَفْسَخَ، فَإِنْ أَنَفَقَ مِنْ عِنْدِهِ فَلِرَبِّ الْأَرْضِ كِرَاؤُهُ كَامِلًا، وَلَا شَيْءَ لِلْمُكْتَرِي فِيمَا أَنْفَقَ إلَّا فِي نَقْصٍ قَائِمٍ مِنْ حَجَرٍ وَنَحْوِهِ يُعْطِيهِ قِيمَتَهُ مَنْقُوضًا، أَوْ يَأْمُرُهُ بِقَلْعِهِ (قُلْت:) يَجْرِي الْحُكْمُ بِأَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ كَرِهَ رَبُّ الْأَرْضِ، أَوْ يَأْمُرُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي ذَهَابِ الرَّحَى بِسَيْلٍ، أَوْ قِيمَةَ النَّقْضِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بِنَاءِ الْمُكْتَرِي بِإِذْنِ رَبِّ الدَّارِ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ تَزَوَّجَ ذَاتَ بَيْتٍ، وَلَوْ بِكِرَاءٍ فَلَا كِرَاءَ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ) ش قَالَ فِي كِتَابِ كِرَاءِ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ نَكَحَ امْرَأَةً، وَهِيَ فِي بَيْتٍ اكْتَرَتْهُ سَنَةً فَدَخَلَ بِهَا فِيهِ، وَسَكَنَا بَاقِيَ الْمُدَّةِ فَلَا كِرَاءَ لَهَا عَلَيْهِ، وَلَا لِرَبِّهَا، وَهِيَ كَدَارٍ تَمْلِكُهَا هِيَ إلَّا أَنْ تُبَيِّنَ لَهُ أَنِّي بِالْكِرَاءِ فَإِمَّا أُدِّيَتْ أَوْ خَرَجَتْ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: قَالَ اللَّخْمِيُّ: يُرِيدُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمُكَارَمَةِ، وَإِنْ كَانَ يَسْكُنُ بِهَا فِي مَسْكَنٍ لِأَبِيهَا، أَوْ أُمِّهَا كَانَ كَمَسْكَنِهَا لَا شَيْءَ لَهُمَا عَنْ مُدَّةِ مَا كَانَتْ فِي الْعِصْمَةِ، وَأَمَّا الْأَخُ وَالْعَمُّ فَالْأَمْرُ فِيهِمَا مُشْكِلٌ فَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ إلَّا أَنْ تَطُولَ الْمُدَّةُ وَالسُّنُونَ، وَهُوَ لَا يَتَكَلَّمُ، وَمِثْلُهُ إذَا سَكَنَ عِنْدَ أَبَوَيْهِ، ثُمَّ طَلَبَا الْكِرَاءَ فَلَا شَيْءَ لَهُمَا، وَذَلِكَ لِأَخِيهِ وَعَمِّهِ إنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ لَهُمَا عَلَى الْمُكَارَمَةِ انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالْقَوْلُ لِلْأَجِيرِ أَنَّهُ وَصَلَّ كِتَابًا)
ش: قَالَ فِي كِرَاءِ الدَّوَابِّ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَجَّرْت رَجُلًا عَلَى تَبْلِيغِ كِتَابٍ مِنْ مِصْرَ إلَى إفْرِيقِيَّةَ بِكَذَا فَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْصَلْته وَأَكْذَبَتْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: فِي أَمَدٍ يَبْلُغُ فِي مِثْلِهِ؛ لِأَنَّكَ ائْتَمَنْتَهُ عَلَيْهِ، وَعَلَيْكَ دَفْعُ كِرَائِهِ، وَكَذَلِكَ الْحُمُولَةُ كُلُّهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: عَلَى الْمُكْرِي الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَوْفَاهُ حَقَّهُ، وَبَلَّغَهُ غَايَتَهُ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي أَمَدٍ يَبْلُغُ فِي مِثْلِهِ يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ بَعْدَ أَنْ أَشْبَهَ فَإِنَّهُ عَائِدٌ إلَى الْفُرُوعِ الْأَرْبَعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: جَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَهُ، وَإِنْ كَانَتْ ذِمَّتُهُ عَامِرَةً بِمَا دَفَعَ فَصَدِّقْهُ فِي أَدَائِهَا ابْنُ يُونُسَ كَوَكِيلِ الْبَيْعِ يَقُولُ: بِعْت وَيَقُولُ الْمُوَكِّلُ: لَمْ تَبِعْ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَلَعَلَّ ابْنَ الْقَاسِمِ إنَّمَا أَرَادَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتٍ؛ لِأَنَّهُ عُرْفٌ عِنْدَهُمْ أَوْ لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ فَصَارَ كَالْمُشْتَرِطِ أَنْ يُصَدَّقَ فِي قَوْلِهِ: أَوْصَلْتَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ إدْخَالٌ فِي ذِمَّةِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ وَانْظُرْ مِثْلَ هَذَا مَا قَالَ فِي كِرَاءِ الدُّورِ فِي مَسْأَلَةِ الدَّمِ، وَفِي كِتَابِ الْوَكَالَاتِ فِي مَسْأَلَةِ اللُّؤْلُؤِ وَانْظُرْ خِلَافَهَا مَسْأَلَةَ الصُّبْرَةِ فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ وَمَسْأَلَةَ الْغَرَائِرِ فِي السَّلَمِ الثَّانِي، وَانْظُرْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ هَذَا الرَّسُولُ يَقُولُ: دَفَعْت الْبِضَاعَةَ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، وَفِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ، وَفِي كِتَابِ الْوَكَالَاتِ، وَفِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ الْكِتَابِ وَانْظُرْ وَكِيلَ الْبَيْعِ فِي الْمُسَاقَاةِ، وَفِي الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ، وَانْظُرْهَا فِي النِّكَاحِ فِي
стр. 2645
الْمَرْأَةِ تُوَكِّلُ مَنْ يُزَوِّجُهَا، وَانْظُرْ لَوْ مَاتَ الرَّسُولُ فِي الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ مِنْ الْإِجَارَةِ بِحَسَبِ مَا سَارَ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا عَلَى تَبْلِيغِ غُلَامٍ إلَى مَوْضِعٍ فَيَأْبَقُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ: إنَّهُ لَهُ بِحِسَابِ مَا سَارَ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْجُعْلِ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ الشَّيْخُ وَقَوْلُ الْغَيْرِ بَيِّنٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ جَارٍ عَلَى الْأَصْلِ انْتَهَى.
ص (وَفِي الْأُجْرَةِ إنْ أَشْبَهَ وَجَازَ)
ش: تَصَوُّرُهُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ وَابْنِ غَازِيٍّ وَاضِحٌ، فَإِنْ اخْتَلَفَ الصَّانِعُ وَالْمَصْنُوعُ لَهُ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا نَقْدَ يَوْمِ التَّعَاقُدِ، وَالْآخَرُ يَوْمَ الْفَرَاغِ فَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ: إنَّهُ يَقْضِي بِنَقْدِ يَوْمِ التَّعَاقُدِ، وَنَصُّهُ: فِي آخِرِ تَرْجَمَةِ تَفْلِيسِ الصُّنَّاعِ، وَإِذَا طَلَبَ الصَّانِعُ بَعْدَ فَرَاغِ الْمَتَاعِ نَقْدَ يَوْمئِذٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا النَّقْدُ الَّذِي كَانَ جَارِيًا يَوْمَ دَفَعَ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْمُكْرِي لَهُ نَقْدُ الْبَلَدِ الَّذِي حَمَلَهُ مِنْهُ لَا نَقْدُ الْبَلَدِ الَّذِي حَمَلَهُ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ عَنْهُ بِبَلَدٍ حُمِلَ إلَيْهِ انْتَهَى.
ص (وَلَا فِي رَدِّهِ فَلِرَبِّهِ)
ش: قَالَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا أَقَرَّ الصَّانِعُ بِقَبْضِ مَتَاعٍ، وَقَالَ: عَمِلْتُهُ وَرَدَدْتُهُ ضَمِنَ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى الرَّدِّ أَبُو الْحَسَنِ زَادَ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ابْنُ يُونُسَ، فَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى الرَّدِّ حَلَفَ رَبُّهُ وَأَخَذَ قِيمَتَهُ بِغَيْرِ صَنْعَةٍ انْتَهَى.
، ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ اُدُّعِيَ عَلَى أَحَدِهِمْ فَأَنْكَرَ لَمْ يَأْخُذْ إلَّا بِبَيِّنَةِ أَنَّ الْمَتَاعَ قَدْ دُفِعَ إلَيْهِ، وَإِلَّا حَلَفَ انْتَهَى.
، وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ (فَرْعٌ:) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي آخِرِ الْإِجَارَةِ: وَإِنْ اخْتَلَفَ الْأَجِيرُ، وَمَنْ آجَرَهُ فِي مَرَضِهِ، أَوْ عُطْلَتِهِ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَفِي قَبُولِ قَوْلِ مَنْ آجَرَهُ إنْ آوَاهُ إلَيْهِ لَيْلَهُ، أَوْ نَهَارَهُ، وَإِلَّا فَالْأَجِيرُ وَعَكْسُهُ ثَالِثُهَا الْأَوَّلُ: فِي الْعَبْدِ، وَفِي الْحُرِّ قَوْلُ الْأَجِيرِ مُطْلَقًا وَرَابِعُهَا الْقَوْلُ قَوْلُهُ: مُطْلَقًا وَخَامِسُهَا عَكْسُهُ لِابْنِ عَاتٍ عَنْ ابْنِ مُغِيثٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ وَفَتْوَى الشُّيُوخِ، وَعَنْ اللَّخْمِيِّ مَعَ مُحَمَّدٍ مَعَ أَشْهَبَ وَعَنْ ابْنِ حَبِيبٍ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَعَنْ التُّونُسِيِّ عَنْ أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ ادَّعَاهُ، وَقَالَ: سُرِقَ مِنِّي إلَى قَوْلِهِ حَلَفَا وَاشْتَرَكَا)
ش: مَشَى ﵀ عَلَى مَا قَيَّدَ بِهِ صَاحِبُ
стр. 2646
النُّكَتِ وَالتُّونُسِيُّ وَاللَّخْمِيُّ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَجَعَلَ رَبَّ الثَّوْبِ تَارَةً يُرِيدُ أَخْذَهُ وَتَارَةً يُرِيدُ تَضْمِينَ الصُّنَّاعِ قِيمَتَهُ فَقَالَ: إنْ أَرَادَ أَخْذَهُ دَفَعَ قِيمَةَ الصَّبْغِ، ثُمَّ يُنْظَرُ، فَإِنْ زَادَتْ دَعْوَى الصَّانِعِ عَلَى قِيمَةِ الصَّبْغِ حَلَفَ رَبُّ الثَّوْبِ لِيَسْقُطَ عَنْهُ الزَّائِدُ عَلَى قِيمَةِ الصَّبْغِ مِنْ التَّسْمِيَةِ الَّتِي ادَّعَى الصَّانِعُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ بِيَمِينٍ إلَى آخِرِهِ، وَقَوْلُهُ: بِيَمِينٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ أَخَذَهُ بِيَمِينٍ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: إنْ زَادَتْ دَعْوَى الصَّانِعِ عَلَيْهَا أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ دَعْوَاهُ مُسَاوِيَةً لَهَا، أَوْ أَقَلَّ أَخَذَهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ اخْتَارَ رَبُّ الثَّوْبِ تَضْمِينَ الصَّانِعِ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلصَّانِعِ: ادْفَعْ لَهُ قِيمَةَ الثَّوْبِ أَبْيَضَ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَا يَمِينَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ امْتَنَعَ حَلَفَا وَاشْتَرَكَا، وَكَيْفِيَّةُ حَلِفِهِمَا أَنْ يُبْدَأَ بِرَبِّ الثَّوْبِ فَيُقَالَ: احْلِفْ لَهُ أَنَّكَ لَمْ تَسْتَعْمِلْهُ، فَإِذَا حَلَفَ قِيلَ لِلصَّانِعِ: احْلِفْ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَكَ، وَإِلَّا ادْفَعْ قِيمَةَ الثَّوْبِ أَبْيَضَ، فَإِنْ حَلَفَ قِيلَ لِرَبِّهِ: ادْفَعْ قِيمَةَ عَمَلِهِ وَخُذْهُ، فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلصَّانِعِ: ادْفَعْ إلَيْهِ قِيمَةَ ثَوْبِهِ غَيْرَ مَعْمُولٍ، فَإِنْ أَبَى كَانَا شَرِيكَيْنِ هَذَا بِقِيمَةِ ثَوْبِهِ غَيْرَ مَعْمُولٍ، وَهَذَا بِقِيمَةِ عَمَلِهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ عَلَى صَاحِبِهِ، قَالَ جَمِيعَ ذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ (تَنْبِيهٌ:) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ ادَّعَى أَنَّ الصَّانِعَ سَرَقَهُ مِنْهُ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ الصَّانِعُ مِمَّنْ لَا يُشَارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ عُوقِبَ رَبُّ الثَّوْبِ، وَإِلَّا لَمْ يُعَاقَبْ انْتَهَى.
ص (لَا إنْ تَخَالَفَا فِي لَتِّ السَّوِيقِ، وَأَبَى مِنْ دَفْعِ مَا قَالَهُ يَكْرُهُ فَمِثْلُ سَوِيقِهِ)
ش: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ عَنْ عِيَاضٍ: لَتُّ السَّوِيقِ بِالتَّاءِ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ فَوْقٍ هُوَ بَلُّهُ بِالسَّمْنِ وَنَحْوِهِ انْتَهَى.
وَيُشِيرُ الْمُؤَلِّفُ إلَى قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ لَتَّ سَوِيقًا بِسَمْنٍ، وَقَالَ لِرَبِّهِ أَمَرْتَنِي أَنْ أَلُتَّهُ لَكَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَقَالَ لَهُ: لَمْ آمُرْك أَنْ تَلُتَّهُ قِيلَ لِصَاحِبِ السَّوِيقِ: إنْ شِئْت فَاغْرَمْ لَهُ مَا قَالَ، وَخُذْ السَّوِيقَ مَلْتُوتًا، فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلَّاتِّ: اغْرَمْ لَهُ مِثْلَ سَوِيقَةِ غَيْرَ مَلْتُوتٍ، وَإِلَّا فَأَسْلِمْهُ إلَيْهِ بِلُتَاتِهِ، وَلَا شَيْءَ لَكَ، وَلَا يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي الطَّعَامِ لِوُجُودِ مِثْلِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ إذَا امْتَنَعَ رَبُّ السَّوِيقِ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا لَتَّهُ بِهِ قُضِيَ لَهُ عَلَى اللَّاتِّ بِمِثْلِ سَوِيقِهِ غَيْرَ مَلْتُوتٍ انْتَهَى.
أَبُو الْحَسَنِ مَسْأَلَةُ السَّوِيقِ هَذِهِ دَائِرَةٌ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ رَبُّهُ أَوْدَعْتُك إيَّاهُ، أَوْ يَقُولَ: سُرِقَ مِنِّي فَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ: وَقَالَ رَبُّهُ: لَمْ آمُرْكَ بِلَتِّهِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا لَفْظُهُ فِي الْأُمَّهَاتِ، وَنَقَلَهَا عَبْدُ الْحَقِّ بِلَفْظِ: وَقَالَ رَبُّهُ: مَا دَفَعْت إلَيْكَ شَيْئًا عَبْدُ الْحَقِّ فَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الثَّوْبِ: سُرِقَ مِنِّي، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَوْلَ الْغَيْرِ، وَهَلْ هُوَ وِفَاقٌ، أَوْ خِلَافٌ؟ وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْمُؤَلِّفَ حَمَلَهُ عَلَى الْخِلَافِ، وَتَرَكَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِتَرْجِيحِ غَيْرِهِ عِنْدَهُ اُنْظُرْ أَبَا الْحَسَنِ وَابْنَ يُونُسَ وَالنُّكَتَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَهُ وَلِلْجَمَّالِ بِيَمِينٍ إلَى قَوْلِهِ فَلِمُكْتَرِيهِ بِيَمِينٍ)
ش: قَالَ فِي كِتَابِ كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِنْ قَالَ الْمُكْتَرِي: دَفَعْت الْكِرَاءَ، وَأَكْذَبَهُ الْجَمَّالُ، وَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَمَّالِ إنْ كَانَتْ الْحُمُولَةُ بِيَدِهِ، أَوْ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَهَا بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَمَا قَرُبَ، وَعَلَى الْمُكْتَرِي الْبَيِّنَةُ، وَكَذَلِكَ الْحَاجُّ إنْ قَامَ الْكَرِيُّ بَعْدَ بُلُوغِهِمْ مَا لَمْ يَبْعُدْ صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ فَالْمُكْتَرِي مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْجَمَّالُ بَيِّنَةً، وَكَذَلِكَ قِيَامُ الصُّنَّاعِ بِحِدْثَانِ رَدِّ الْمَتَاعِ، فَإِنْ قَبَضَ الْمَتَاعَ رَبُّهُ وَتَطَاوَلَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَتَاعِ، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ انْتَهَى.
فَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ: وَلَهُ أَيْ لِلْأَجِيرِ يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَكَذَلِكَ قِيَامُ الصُّنَّاعِ إلَى آخِرِهِ وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ إلَّا لِطُولٍ فَلِمُكْتَرِيهِ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْأَجِيرِ وَالْجَمَّالِ، وَإِطْلَاقُ الْمُكْتَرِي عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَعَلَى الْمُكْرِي سَائِغٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ: فَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ فَالْمُكْتَرِي مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْجَمَّالُ الْبَيِّنَةَ ظَاهِرُهُ: أَنَّ الْجَمَّالَ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْمُكْتَرِيَ لَمْ يُقَبِّضْهُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ عَلَى إقْرَارِ الْمُكْتَرِي أَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ شَيْئًا فَيُقْضَى بِهَا انْتَهَى.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ لَهُ رَاجِعًا لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالدَّارِ
стр. 2647
الْمَفْهُومَةِ مِنْ السِّيَاقِ؛ لِأَنَّهُ فِي فَصْلِ أَكْرِيَةِ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ وَالْحُكْمُ فِي الْمَسْأَلَةِ كَذَلِكَ قَالَهُ فِي رَسْمِ يُوصِي مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ أَكْرِيَةِ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ طَوِيلَةٌ فَرَاجِعْهَا
ص (وَإِنْ قَالَ: بِمِائَةٍ لَبُرْقَة، وَقَالَ بَلْ لِإِفْرِيقِيَّةَ حَلَفَا وَفُسِخَ إنْ عُلِمَ السَّيْرُ) ش قَالَ فِي الْكَبِيرِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَيَبْدَأُ صَاحِبُ الظَّهْرِ بِالْيَمِينِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ السَّلَمِ: سَمِعْت شَيْخَنَا يَنْقُلُ عَنْ التُّونُسِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِإِفْرِيقِيَّةَ حَيْثُ مَا وَقَعَتْ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْقَيْرَوَانُ.
ص (وَإِنْ قَالَ: أَكْرَيْتُكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِائَةٍ وَبَلَغَاهَا، وَقَالَ بَلْ لِمَكَّةَ بِأَقَلَّ، فَإِنْ نَقَدَهُ فَالْقَوْلُ لِلْجَمَّالِ فِيمَا يُشْبِهُ وَحَلَفَا وَفُسِخَ، وَإِنْ لَمْ يُنْقَدْ فَلِلْجَمَّالِ فِي الْمَسَافَةِ، وَلِلْمُكْرِي فِي حِصَّتِهَا مِمَّا ذَكَرَ بَعْدَ يَمِينِهِمَا، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا)
ش: اعْلَمْ أَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إنَّمَا كَانَ فِي الْمَسَافَةِ فَقَطْ، وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي
стр. 2648
هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَسَافَةِ، وَفِي قَدْرِ الْكِرَاءِ مَعًا، وَقَدْ اخْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ الْكَلَامَ فِيهَا تَبَعًا لِلْمُدَوَّنَةِ، فَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ مَا إذَا كَانَ اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ الرُّكُوبِ، أَوْ بَعْدَ الرُّكُوبِ بِيَسِيرٍ، أَوْ بَعْدَ رُكُوبٍ كَثِيرٍ اعْتِمَادًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهَا إذَا تَخَالَفَا قَبْلَ الرُّكُوبِ، أَوْ بَعْدَ الرُّكُوبِ الْيَسِيرِ التَّحَالُفُ وَالتَّفَاسُحُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا بَعْدَ الرُّكُوبِ الْكَثِيرِ فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ مَا إذَا بَلَغَا الْمَدِينَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الرَّجْرَاجِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: فَإِنْ نَقَدَهُ فَالْقَوْلُ لِلْجَمَّالِ فِيمَا يُشْبِهُ، وَحَلَفَا فُسِخَ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا كَانَ اخْتِلَافُهُمَا بَعْدَ أَنْ بَلَغَا الْمَدِينَةَ يُرِيدُ، أَوْ بَعْدَ السَّيْرِ الْكَثِيرِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ النَّقْدِ، أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَنْ انْتَقَدَ الْجَمَّالُ الْكِرَاءَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَمَّالِ فِيمَا يُشْبِهُ، وَيُشِيرُ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ فِي كِتَابِ كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَنَصُّهُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ قَالَ الْكَرِيُّ: أَكْرَيْتُكَ إلَى الْمَدِينَةِ بِمِائَتَيْنِ، وَقَدْ بَلَغَاهَا، وَقَالَ الْمُكْتَرِي بَلْ إلَى مَكَّةَ بِمِائَةٍ، فَإِنْ نَقَدَهُ الْمِائَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَمَّالِ فِيمَا يُشْبِهُ؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَنَهُ، وَيَحْلِفُ لَهُ الْمُكْتَرِي فِي الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَحْلِفُ الْجَمَّالُ أَنَّهُ لَمْ يُكْرِهِ إلَى مَكَّةَ بِمِائَةٍ وَيَتَفَاسَخَانِ، وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: فَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُهُمَا، أَوْ قَوْلُ الْجَمَّالِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: فِيمَا اُنْتُقِدَ مَعَ يَمِينِهِ كَانَ مَا اُنْتُقِدَ كُلَّ الَّذِي اُدُّعِيَ، أَوْ بَعْضَهُ وَيَحْلِفُ لَهُ الْمُكْتَرِي فِيمَا لَمْ يُنْقَدْهُ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الرَّجْرَاجِيُّ خِلَافُ مَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ أَنَّهُ قَالَ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ: هَذَا إذَا أَشْبَهَ مَا قَالَاهُ جَمِيعًا، وَأَمَّا إنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْتَرِي خَاصَّةً فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى دَعْوَى الْمُكْتَرِي، وَيَكُونُ لَهُ الْمِائَةُ قَالَهُ فِيمَا يَأْتِي إذَا لَمْ يُنْقَدْ فَأَحْرَى إذَا اُنْتُقِدَ انْتَهَى.
وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ هَذَا: وَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْرِي فَقَطْ عَائِدًا إلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا أَعْنِي مَسْأَلَةَ الِانْتِقَادِ وَعَدَمِ الِانْتِقَادِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا إذَا أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْتَرِي فَقَطْ، وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: الْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَتُفَضُّ الْمِائَةُ عَلَى الْمَسَافَتَيْنِ، فَمَا نَابَ الْمَسَافَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا كَانَ لِلْكَرِيِّ، وَمَا نَابَ الْمَسَافَةَ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا رَدَّهُ الْكَرِيُّ عَلَى الْمُكْتَرِي يُرِيدُ بَعْدَ حَلِفِ الْجَمَّالِ عَلَى أَنَّ الْكِرَاءَ إنَّمَا كَانَ لِلْمَدِينَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ نَكَلَ الْمُكْتَرِي عَنْ الْيَمِينِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُكْرِي، وَيَأْخُذُ مَا ادَّعَاهُ؛ لِأَنَّ الْمُكْتَرِيَ مَكَّنَّهُ بِنُكُولِهِ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ، وَيَكُونُ لِلْكَرِيِّ فِي الْمَسَافَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا كِرَاءُ الْمِثْلِ وَقَوْلُهُ: إنْ لَمْ يُنْقَدْ هَذَا هُوَ الشِّقُّ الثَّانِي مِنْ شِقَّيْ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَ اخْتِلَافُهُمَا بَعْدَ أَنْ بَلَغَا الْمَدِينَةِ يُرِيدُ، أَوْ بَعْدَ السَّيْرِ الْكَثِيرِ وَلَكِنْ لَمْ يُنْتَقَدْ الْكِرَاءُ فَقَالَ الْمُصَنِّفُ: الْقَوْلُ لِلْجَمَّالِ فِي الْمَسَافَةِ، وَلِلْمُكْتَرِي فِي حِصَّتِهَا مِمَّا ذَكَرَا بَعْدَ يَمِينِهِمَا، وَهَذَا الْحُكْمُ إذَا أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْتَرِي وَحْدَهُ، أَوْ أَشْبَهَ قَوْلُهُمَا مَعًا يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْرِي فَقَطْ فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينٍ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: وَإِنْ لَمْ يَنْقُدْهُ صُدِّقَ الْجَمَّالُ فِي الْمَسَافَةِ وَصُدِّقَ الْمُكْتَرِي فِي حِصَّتِهَا مِنْ الْكِرَاءِ الَّذِي يُذْكَرُ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا، وَيُفَضُّ الْكِرَاءُ عَلَى مَا يَدَّعِي الْمُكْتَرِي، وَقَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ: وَذَلِكَ إذَا أَشْبَهَ مَا قَالَا، أَوْ مَا قَالَ الْمُكْتَرِي، وَأَمَّا إنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْرِي خَاصَّةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: وَيَحْلِفُ عَلَى دَعْوَى الْمُكْتَرِي انْتَهَى.
وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: فَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا، أَوْ انْفَرَدَ الْمُكْتَرِي بِالشَّبَهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: مَعَ يَمِينُهُ وَيُفَضُّ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الْكِرَاءِ عَلَى الْمَسَافَتَيْنِ فَمَا نَابَ مَسَافَةَ الْمَدِينَةِ كَانَ لِلْكَرِيِّ، وَمَا نَابَ مَسَافَةَ مَكَّةَ سَقَطَ عَنْ الْمُكْتَرِي، وَيَكُونُ لَهُ الرُّكُوبُ إلَى الْمَدِينَةِ إنْ اخْتَلَفَا قَبْلَ بُلُوغِهَا، وَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْرِي فَقَطْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَكُونُ لَهُ جَمِيعُ مَا ادَّعَاهُ، وَبَقِيَ وَجْهٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يُشْبِهْ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ أَنْ يَتَحَالَفَا، وَيَكُونُ لِلْكَرِيِّ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِي الْمَسَافَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَمَنْ نَكَلَ مِنْهُمَا قُبِلَ عَلَيْهِ قَوْلُ صَاحِبِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ:) وَإِذَا اخْتَلَفَا فِيمَنْ يَبْدَأُ بِالثَّمَنِ فَإِنَّهُمَا يَقْتَرِعَانِ
стр. 2649
نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَقَوْلُهُ: وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا، وَإِلَّا سَقَطَتَا إنَّمَا نَبَّهَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ كَذَلِكَ لِيُنَبِّهَ عَلَى غَيْرِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِنَّهُ قَالَ: أَقْبَلُ بَيِّنَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا إذَا كَانَتْ عَادِلَةً؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ادَّعَى فَضْلَةً أَقَامَ عَلَيْهَا بَيِّنَةً فَأَقْضِي بِأَبْعَدِ الْمَسَافَتَيْنِ، وَبِأَكْثَرِ الثَّمَنَيْنِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ التَّهَاتُرِ، وَسَوَاءٌ اُنْتُقِدَ، أَوْ لَمْ يُنْتَقَدْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ]
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ فِي كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ: وَإِنْ طَلَبَ الْجَمَّالُ نَقْدَ الْكِرَاءِ قَبْلَ الرُّكُوبِ، أَوْ بَعْدَ السَّيْرِ الْقَرِيبِ فَامْتَنَعَ الْمُكْتَرِي حُمِلَا عَلَى سُنَّةِ النَّاسِ فِي نَقْدِ الْكِرَاءِ، أَوْ تَأْخِيرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سُنَّةٌ كَانَ كَالسُّكْنَى لَا يُعْطِيهِ إلَّا بِمِقْدَارِ مَا سَكَنَ، وَإِنْ عُجِّلَ الْكِرَاءُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَلَا رُجُوعَ لَهُ فِيهِ، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا نَقْدَ الْبَلَدِ الَّذِي بَلَغَا إلَيْهِ وَطَلَبَ الْآخَرُ نَقْدَ بَلَدِ التَّعَاقُدِ قُضِيَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ الَّذِي عَقَدَا فِيهِ الْكِرَاءَ انْتَهَى.
اُنْظُرْ الْمَشَذَّالِيِّ فِي هَذَا الْمَحِلِّ فَإِنَّهُ ذَكَرَ اخْتِلَافَهُمَا فِي كِرَاءِ الدُّورِ وَانْظُرْ أَبَا الْحَسَنِ (فَائِدَةٌ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ يُقَالُ: الْكَرِيُّ وَالْمُكَارِي وَالْمُكْرِي لِبَائِعِ الْمَنَافِعِ، وَيُقَالُ الْمُكْتَرِي وَالْمُتَكَارِي لِمُشْتَرِيهَا حَيْثُ دَخَلَتْ التَّاءُ فَهُوَ مُشْتَرِي الْمَنَافِعِ، وَجَمْعُ الْمُكْرِي مُكْرُونَ، وَجَمْعُ الْكَرِيِّ أَكْرِيَاءٌ، وَجَمْعُ الْمُكْتَرِي مُكْتَرُونَ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ قَالَ: اكْتَرَيْت عَشْرًا بِخَمْسِينَ، وَقَالَ بَلْ خَمْسًا بِمِائَةٍ حَلَفَا وَفُسِخَ)
ش: يُرِيدُ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْكِرَاءِ، وَلَمْ يَزْرَعْ شَيْئًا يُبَيِّنُهُ مُقَابِلَتُهُ لَهُ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ زَرَعَ إلَى آخِرِهِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْكِرَاءِ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا أَبُو الْحَسَنِ، وَلَا يُرَاعَى الْأَشْبَهُ وَظَاهِرُهُ اُنْتُقِدَ أَمْ لَا، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ النَّقْدَ فَوْتًا انْتَهَى.
ص (إنْ أَشْبَهَ وَحَلَفَ)
ش: أَيْ إنْ أَشْبَهَ قَوْلُهُ: وَيَحْلِفُ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَلِرَبِّهَا فِيمَا مَضَى مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُكْتَرِي إنْ أَشْبَهَ تَغَابُنَ النَّاسِ أَبُو الْحَسَنِ ظَاهِرُهُ، وَإِنْ أَشْبَهَ مَعَ ذَلِكَ قَوْلَ الْآخَرِ فَهَذَانِ وَجْهَانِ انْتَهَى.
الْأَوَّلُ: إذَا أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْتَرِي فَقَطْ الثَّانِي: إذَا أَشْبَهَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَوْلُهُ: فَلِرَبِّهَا مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، وَهُوَ خَمْسَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ انْتَهَى.
ص (وَإِلَّا فَقَوْلُ رَبِّهَا إنْ أَشْبَهَ)
ش: يُرِيدُ مَعَ يَمِينِهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ أَيْ قَوْلُ الْمُكْتَرِي قَبْلَ قَوْلِ رَبِّهَا مَعَ يَمِينِهِ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ يُرِيدُ، أَوْ نَكَلَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّهَا، وَهَذَا، وَهَذَا وَجْهٌ ثَالِثٌ انْتَهَى وَالرَّابِعُ: إذَا أَتَيَا مَعًا بِمَا لَا يُشْبِهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفُسِخَ الْبَاقِي مُطْلَقًا)
ش: هُوَ كَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُفْسَخُ بَاقِي الْمُدَّةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَبُو الْحَسَنِ يَعْنِي فِي الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ.
ص (وَإِنْ نُقِدَ فَتَرَدَّدَ)
ش: أَجْمَلَ ﵀ فِي ذِكْرِ هَذَا التَّرَدُّدِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ شُرَّاحُهُ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِذِكْرِ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَشُرَّاحِهَا قَالَ فِيهَا فِي كِرَاءِ الدُّورِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْأَوْجُهَ الْأَرْبَعَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُنْقَدْ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: مَفْهُومُهُ لَوْ نُقِدَ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّهَا، وَلَا يُفْسَخُ بَقِيَّةُ الْخَمْسِ سِنِينَ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ الْغَيْرِ وَمُخَالِفًا لِقَوْلِهِ: وَيُفْسَخُ بَاقِي الْمُدَّةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَهَذَا إذَا لَمْ يُنْقَدْ أَيْ هَذَا الَّذِي سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ إذَا اُنْتُقِدَ، وَالْحُكْمُ عِنْدَهُ سَوَاءٌ فِيهِمَا لَكِنْ يُعْتَرَضُ هَذَا بِقَوْلِهِ: وَمِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: إنَّ رَبَّ الْأَرْضِ وَالدَّابَّةِ وَالدَّارِ مُصَدَّقٌ فِي الْغَايَةِ فِيمَا يُشْبِهُ، وَإِنْ لَمْ يُنْتَقَدْ إذْ هَذَا الْكَلَامُ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ إذَا اُنْتُقِدَ إذْ هُوَ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَهَذَا يُعْطِي سَمَاعَهُ لِلْوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: إنَّهُ يَعُودُ عَلَى أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ، وَهَذَا إذَا زَرَعَ سَنَةً، أَوْ سَنَتَيْنِ إلَّا أَنَّ فِيهِ تَكْرَارًا انْتَهَى.
وَنَصُّ قَوْلِ الْغَيْرِ فِيهَا قَالَ غَيْرُهُ: إذَا اُنْتُقِدَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّهَا مَعَ يَمِينِهِ فِيمَا يُشْبِهُ مِنْ الْمُدَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِمَا يُشْبِهُ وَأَتَى الْمُكْتَرِي بِمَا يُشْبِهُ صُدِّقَ فِيمَا سَكَنَ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ، وَيَرْجِعُ بِبَقِيَّةِ الْمَالِ عَلَى رَبِّهَا بَعْدَ يَمِينِهِ عَلَى مَا ادَّعَى عَلَيْهِ وَيَمِينِ الْمُكْرِي فِيمَا ادَّعَى عَلَيْهِ
стр. 2650
مِنْ طُولِ الْمُدَّةِ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا تَحَالَفَا، وَفُسِخَ الْكِرَاءُ، وَعَلَى الْمُكْتَرِي قِيمَةُ كِرَاءِ مَا سَكَنَ، وَإِنْ أَتَيَا بِمَا يُشْبِهُ صُدِّقَ رَبُّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ اُنْتُقِدَ مَعَ يَمِينِهِ انْتَهَى.
فَجَعَلَهُ إذَا أَتَى رَبُّ الْأَرْضِ بِمَا يُشْبِهُ لَا يَنْفَسِخُ، وَكَذَا إذَا أَتَيَا مَعًا بِمَا يُشْبِهُ، فَيَكُونُ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مُخَالِفًا لِمَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا لَمْ يُنْتَقَدْ فَمِنْ الشُّيُوخِ مَنْ حَمَلَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُنْتَقَدْ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إنْ اُنْتُقِدَ فَلَا يُفْسَخُ يُرِيدُ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، وَيَكُونُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مُوَافِقًا لِقَوْلِ الْغَيْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُفْسَخُ مُطْلَقًا، وَيَكُونُ قَوْلُ الْغَيْرِ خِلَافًا، وَهُوَ تَأْوِيلُ ابْنِ يُونُسَ فَإِنَّهُ قَالَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَ الْغَيْرُ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا قَوْلَهُ: إذَا أَشْبَهَ قَوْلُ رَبِّهَا، أَوْ أَشْبَهَ مَا قَالَا أَنَّ الْمُكْتَرِيَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْكُنَ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُكْتَرِي فَهَذَا يُخَالِفُ فِيهِ ابْنَ الْقَاسِمِ وَيَرَى أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهَا كَسِلْعَةٍ قَائِمَةٍ لَمْ تُقْبَضْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْجَعَالَةِ]
[بَابٌ صِحَّةُ الْجُعْلِ بِالْتِزَامِ أَهْلِ الْإِجَارَةِ جُعْلًا]
ص (بَابٌ) (صِحَّةُ الْجُعْلِ بِالْتِزَامِ أَهْلِ الْإِجَارَةِ جُعْلًا عُلِمَ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْجُعْلُ عَلَى عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ عَلَى عَمَلِ آدَمِيٍّ بِعِوَضٍ غَيْرِ نَاشِئٍ عَنْ مَحَلِّهِ بِهِ لَا يَجِبُ إلَّا بِتَمَامِهِ لَا بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، فَيَخْرُجُ كِرَاءُ السُّفُنِ، وَالْمُسَاقَاةُ، وَالْقِرَاضُ وَقَوْلُنَا بِهِ خَوْفَ نَقْضٍ عَكَسَهُ بِقَوْلِهِ: إنْ أَتَيْتَنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَكَ عَمَلُهُ كَذَا، أَوْ خِدْمَتُهُ شَهْرًا؛ لِأَنَّهُ جُعْلٌ فَاسِدٌ لِجَهْلِ عِوَضِهِ وَالْمَعْرُوفُ حَقِيقَتُهُ الْمَعْرُوضَةُ لِلصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، أَوْ جَزَاءٌ مِنْهُ مُعَاوَضَةً عَلَى عَمَلِ آدَمِيٍّ يَجِبُ عِوَضُهُ بِتَمَامِهِ لَا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَتَخْرُجُ الْمُسَاقَاةُ وَالْإِجَارَاتُ لِاسْتِحْقَاقِ بَعْضِهِ بِبَعْضِهِ فِيهِمَا، وَالْقِرَاضُ لِعَدَمِ وُجُوبِ عِوَضِهِ لِجَوَازِ تَجْرِهِ، وَلَا رِبْحٌ وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ هُوَ جَعْلُ الرَّجُلِ جُعْلًا عَلَى عَمَلِ رَجُلٍ لَوْ لَمْ يُكْمِلْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ يُنْتَقَضُ بِالْقِرَاضِ انْتَهَى.
وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بِهِ يَعُودُ لِلْعَمَلِ أَيْ بِعِوَضٍ غَيْرِ نَاشِئٍ عَنْ مَحِلِّ الْعَمَلِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعَمَلِ فَتَخْرُجُ الْمُغَارَسَةُ وَالْقِرَاضُ؛ لِأَنَّهُ بِعِوَضٍ نَاشِئٍ عَنْ مَحِلِّ الْعَمَلِ لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ الْعِوَضُ نَاشِئًا بِسَبَبِ الْعَمَلِ فَتَأَمَّلْهُ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْأَصْلُ فِي الْجَعَالَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢] وَحَدِيثُ الرُّقْيَةِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ قُلْت تَمَسَّكَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَشْيَاخِ الْمَذْهَبِ فِي جَوَازِ الْجُعْلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِجَوَازِ كَوْنِ
стр. 2651
إقْرَارِهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ إيَّاهُ بِالضِّيَافَةِ فَأَجَازَ لَهُمْ اسْتِخْلَاصَ ذَلِكَ بِالرُّقْيَةِ رُخْصَةً اتِّفَاقًا انْتَهَى.
، وَقَدْ بَحَثَ ابْنُ نَاجِي مَعَ ابْنِ عَرَفَةَ فِي رَدِّ الِاسْتِدْلَالِ الْمَذْكُورِ، وَالصَّوَابُ مَعَ ابْنِ نَاجِي فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَكِرَاءِ السُّفُنِ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ (فَرْعٌ:) قَالَ فِي أَوَائِلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الرَّوَاحِلِ قَالَ مَالِكٌ فِي النَّفَرِ يَتَكَارُونَ السَّفِينَةَ فَيَحْمِلُونَ فِيهَا طَعَامًا لَهُمْ، فَإِذَا بَلَغُوا، قَالَ أَوَّلُ مَنْ يَمُرُّ: بِمَنْزِلِهِ مِنْهُمْ أَنَا آخُذُ طَعَامِي فَأَخَذَ طَعَامَهُ، ثُمَّ إنَّ السَّفِينَةَ غَرِقَتْ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ لِأَصْحَابِهِ أَذِنُوا فِي ذَلِكَ أَمْ لَمْ يَأْذَنُوا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْلُغَ مَعَهُمْ بِطَعَامِهِ، ثُمَّ يَرْجِعَ إلَّا أَنْ يَكْتَالُوا فَيَنْقُصُ الْكَيْلُ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ طَعَامِهِ ابْنُ رُشْدٍ الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَنَّهُمْ اكْتَرَوْا السَّفِينَةَ عَلَى أَنْ يُحْمَلَ فِيهَا الطَّعَامُ إلَى مَنَازِلِهِمْ فَوَجَبَ كُلَّمَا مَرَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمَنْزِلِهِ أَنْ يَأْخُذَ طَعَامَهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ حَمَلَهُ، فَإِنْ نَقَصَ الطَّعَامُ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ النُّقْصَانِ بِحَسَبِ طَعَامِهِ يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَمَلَهُ مَعَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الشَّرِكَةِ، وَكَذَا لَوْ وَجَدَ أَسْفَلَ الْقَمْحِ قَدْ اسْوَدَّ لِمَوْجٍ رَكِبَهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ فَسَادَهُ إنَّمَا كَانَ بَعْدَ أَخْذِ طَعَامِهِ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ تَبِعَةٌ كَمَا لَوْ غَرِقَ الْمَرْكَبُ بَعْدَ أَخْذِهِ طَعَامَهُ فَذَهَبَ بِمَا فِيهِ، وَأَمَّا لَوْ حَمَلُوا الطَّعَامَ فِي سَفِينَةٍ إلَى بَلَدٍ وَاحِدٍ لِتِجَارَةٍ، أَوْ لِغَيْرِ تِجَارَةٍ فَخَلَطُوهُ، أَوْ اخْتَلَطَ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَأْخُذَ طَعَامَهُ بِالطَّرِيقِ إلَّا أَنْ يَرْضَى أَصْحَابُهُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ أَسْفَلُ طَعَامِهِ فَاسِدًا، أَوْ يَفْسُدَ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ يَنْقُصَ فِي الْكَيْلِ، فَإِنْ أَخَذَ طَعَامَهُ مِنْ الطَّرِيقِ بِرِضَا أَصْحَابِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَيْهِ تَبَاعَةٌ إنْ أَلْفَوْهُ فَاسِدًا، أَوْ نَقَصَ كَيْلُهُ عَلَى مَا قَالَهُ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ الثَّانِي عَنْ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الشَّرِكَةِ، وَمَا يَأْتِي لَهُ بَعْدَ هَذَا فِي رَسْمِ حَلَفَ، وَفِي رَسْمِ أَخَذَ يَشْرَبُ خَمْرًا، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ رِوَايَةَ أَشْهَبَ مُعَارِضَةٌ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ وَالصَّحِيحُ أَنْ لَا تَعَارَضَ بَيْنَهُمَا، وَلَا اخْتِلَافَ عَلَى مَا بَيِّنَاهُ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي رَسْمِ حَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَمَلَ طَعَامًا مِنْ الرِّيفِ فِي سَفِينَةٍ فَمَرَّ بِأَخٍ لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَقَالَ: أَفِي سَفِينَتِكَ فَضْلٌ تَحْمِلُ لِي مِائَةَ إرْدَبٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَقَدْ كَانَ الْأَوَّلُ حَمَلَ فِيهَا خَمْسَمِائَةِ إرْدَبٍّ فَأَلْقَى طَعَامَهُ مِنْ فَوْقِ طَعَامِ صَاحِبِهِ فَانْخَرَقَ الْمَرْكَبُ فَدَخَلَ الْمَاءُ فِي أَسْفَلِهِ فَأَصَابَ مِنْهُ نَحْوَ خَمْسِينَ إرْدَبًّا، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى طَعَامِ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ حَمَلَهُ فَوْقَ طَعَامِهِ الْأَوَّلِ قَالَ: أَرَاهُمَا فِي ذَلِكَ شَرِيكَيْنِ قُلْت: إنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى الْأَوَّلِ، قَالَ: قَدْ حَمَلَاهُ عَلَى وَجْهِ الشَّرِكَةِ وَخَلَطَ ابْنُ رُشْدٍ مُضِيَّ الْقَوْلِ فِي
стр. 2652
مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَالَ فِي رَسْمِ أَخَذَ يُشْرِبُ خَمْرًا مِنْ السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ قَالَ مَالِكٌ فِي الطَّعَامِ الَّذِي فِي السَّفِينَةِ الَّذِي فَسَدَ بَعْضُهُ، وَلَمْ يَفْسُدْ بَعْضُهُ إنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ طَعَامُهُ مَحْجُوزٌ عَلَى حِدَتِهِ قَدْ حَازَهُ بِشَيْءٍ جَعَلَهُ حَاجِزًا فِيمَا بَيْنَ الْقَمْحِ فَأَرَى أَنَّ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ فَلَهُ مَا سَلِمَ وَمَنْ أُصِيبَ مِنْهُ بِمَا أَصَابَهُ، أَوْ اسْوَدَّ لِمَوْجٍ رَكِبَهُ فَمُصِيبَتُهُ مِنْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الَّتِي حَجَزُوهَا قَدْ انْخَرَقَ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ حَتَّى اخْتَلَطَ الطَّعَامُ كَانُوا شُرَكَاءَ جَمِيعًا فِيمَا فَسَدَ لَهُمْ وَضَاعَ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحِصَّةِ طَعَامِهِ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ: إنَّ الطَّعَامَ إذَا انْخَرَقَ مَا حُجِزَ بِهِ بَيْنَ طَعَامِ كُلِّ وَاحِدٍ فَاخْتَلَطَ أَنَّهُ يُحْكَمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا فَسَدَ مِنْهُ بِحُكْمِ الشَّرِكَةِ فَهُوَ صَحِيحٌ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَحْمِلُوهُ عَلَى الشَّرِكَةِ أَوْ يَخْتَلِطَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ فِيمَا يَجِبُ مِنْ أَنْ يَكُونُوا شُرَكَاءَ فِيهِ بِحَسَبِ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ انْتَهَى.
وَفِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الشَّرِكَةِ، وَسُئِلَ عَنْ الْقَوْمِ يَحْمِلُونَ الطَّعَامَ مِنْ الْقَمْحِ فِي السَّفِينَةِ الْوَاحِدَةِ يَخْتَلِطُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ يُرِيدُ بَعْضُهُمْ الْبَيْعَ بِالطَّرِيقِ، فَقَالَ: لَا أَرَى لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَرْضَى أَصْحَابُهُ أَنْ يُعْطُوهُ لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ أَسْفَلُ الطَّعَامِ فَاسِدًا، أَوْ يُمْطَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَفْسُدُ الْقَمْحُ فَلَا أَرَى لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَأْخُذَ حَتَّى يَبْلُغُوا جُدَّةَ فَيَقْتَسِمُونَهُ الْفَاسِدَ وَالْجَيِّدَ إلَّا أَنْ يَرْضَى أَصْحَابُهُ أَنْ يُسَلِّمُوا لَهُ حَقَّهُ فَأَرَى ذَلِكَ، وَلَا أَرَى لَهُ عَلَيْهِمْ تَبَاعَةً إذَا نَزَلُوا فَوَجَدُوا الْقَمْحَ فَاسِدًا (قُلْت:) الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُمْ حَمَلُوا الطَّعَامَ فِي السَّفِينَةِ عَلَى أَنْ يَمُرُّوا لِبَلَدٍ وَاحِدٍ لِتِجَارَةٍ، أَوْ لِغَيْرِ تِجَارَةٍ فَلِذَلِكَ لَمْ يَرَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَأْخُذَ طَعَامَهُ إذَا كَانَ قَدْ اخْتَلَطَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ لَوْ كَانُوا خَلَطُوهُ، وَحَمَلُوهُ عَلَى الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَاطَهُ يُوجِبُ اشْتِرَاكَهُمْ فِيهِ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَمَلُوهُ عَلَى أَنْ يَمُرُّوا بِهِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ كَانَ مِنْ حَقِّ مَنْ يَمُرُّ مِنْهُمْ بِمَنْزِلِهِ أَوَّلًا أَنْ يَأْخُذَ طَعَامَهُ فِيهِ، وَلَا يَكُونُ لِأَصْحَابِهِ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ الطَّعَامُ، أَوْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَتْهُ آفَةٌ عَلَى مَا قَالَهُ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي ذَلِكَ، فَلَيْسَ هَذَا بِمُخَالِفٍ لَهَا، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى الْخِلَافِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي بِصَحِيحٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْقِسْمَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: لَا شَهَادَتُهُ عَنْ الْبُرْزُلِيِّ أَنَّ السُّفُنَ إذَا اخْتَلَطَ فِيهَا الطَّعَامُ الْمَشْحُونُ أَنَّهُ يُقْبَلُ كُلُّ وَاحِدٍ فِيمَا ذَكَرَ بَعْدَ يَمِينِهِ إذَا ادَّعَى مَا يُشْبِهُ، وَقَالَ فِي رَسْمِ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ سِلْعَةً مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ: وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَبْعَثُ مَعَهُ قَوْمٌ بِبَضَائِعَ لَهُمْ فِي قَمْحٍ فَيَجْمَعُ ذَهَبَهُمْ فَيَشْتَرِي لَهُمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يُصَابُ ذَلِكَ الطَّعَامُ قَالَ: لَا يُشْبِهُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْت مِنْ الدَّقِيقِ، وَلَيْسَ بِهَذَا بَأْسٌ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ (قُلْت:) هَذَا كَمَا قَالَ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يَنْقَسِمُ بِكَيْلٍ، أَوْ وَزْنٍ يَشْتَرِيهِ لَهُمْ مُشَاعًا، ثُمَّ يَقْسِمُهُ، وَأَمَّا مَا لَا يُقْسَمُ إلَّا بِالْقِيمَةِ فَهَذَا يُضْمَنُ قَالَ مُحَمَّدٌ: بِخِلَافِ الْعَامِلِ فِي الْقِرَاضِ يَخْلِطُ أَمْوَالَ الْمُقَارِضِينَ فِيمَا يُقْسَمُ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ إلَيْهِ الْبَيْعُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْأَوَّلِ انْتَهَى.
ص (بِخِلَافِ مَوْتِهِ)
ش: (فَرْعٌ:) ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ فَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَمَنْ جَعَلَ فِي آبِقٍ جُعْلًا، ثُمَّ أَعْتَقَهُ فَلَا شَيْءَ لِمَنْ وَجَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعِتْقِ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ أَنْ وَجَدَهُ كَانَ لَهُ جُعَلُهُ، فَإِنْ كَانَ عَدِيمًا فَذَلِكَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ بِالْقَبْضِ وَجَبَ لَهُ الْجُعْلُ قَالَ أَحْمَدُ: إنْ كَانَ الْعِتْقُ بَعْدَ الْقُدُومِ فَكَمَا قَالَ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ لَزِمَهُ جُعْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ لَمْ يَصِحَّ عِتْقُ الْعَبْدِ حَتَّى يَقْبِضَ هَذَا جُعْلَهُ مُبْدَأً عَلَى الْغُرَمَاءِ أَحْمَدُ كَالْمُرْتَهِنِ انْتَهَى.
ص (فِي كُلِّ مَا جَازَ فِيهِ الْإِجَارَةُ)
ش:
стр. 2653
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْعَمَلُ، وَفِي الْجَوَاهِرِ هُوَ كُلُّ عَمَلٍ يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَعْلُومًا
تَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ
احْتِرَازًا مِمَّنْ وَجَدَ آبِقًا، أَوْ ضَالًّا بِغَيْرِ عَمَلٍ فَلَا جُعْلَ لَهُ، وَمِمَّنْ عَرَفَ مَكَانَهُ فَدَلَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ فِي مَسْأَلَةِ طَلَبِ الْآبِقِ: فَإِنْ طَلَبَ مَنْ يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْكِتَابِ فِي شُرُوطِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَلْزَمُ الْمَجْعُولَ لَهُ عَمَلُهُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَلْزَمُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَيْهِ مِثْلُ أَنْ يَجِدَ آبِقًا مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ؛ لِأَنَّ رَدَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ: وَمَنْ رَدَّ آبِقًا، أَوْ ضَالَّةً مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ فَلَا جُعْلَ لَهُ عَلَى رَدِّهِ، وَلَا عَلَى دَلَالَتِهِ لِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْجُعْلُ عَلَى طَلَبِ عَبْدٍ يَجْهَلُ مَكَانَهُ فَأَمَّا مَنْ وَجَدَ آبِقًا أَوْ ضَالًّا، أَوْ ثِيَابًا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَى رَدِّهِ، وَلَا عَلَى أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى مَكَانِهِ بَلْ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَأَمَّا مَنْ وَجَدَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ جَعَلَ رَبُّهُ فِيهِ جُعْلًا فَلَهُ الْجُعْلُ عَلِمَ بِمَا جَعَلَ فِيهِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ تَكَلَّفَ طَلَبَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ أَمْ لَمْ يَتَكَلَّفْ، وَإِنْ وَجَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَ رَبُّهُ فِيهِ شَيْئًا فَانْظُرْ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَطْلُبُ الْإِبَاقَ، وَقَدْ عُرِفَ بِذَلِكَ فَلَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ نَصَبَ لِذَلِكَ نَفْسَهُ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا نَفَقَتُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَ بِهِ بَدَأَ، وَلَمْ يَبْذُلْ رَبُّهُ فِيهِ جُعْلًا، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبُغ: وَكُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي كِتَابِهِ: إذَا كَانَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ طَلَبُ الْإِبَاقِ فَلَا جُعْلَ لَهُ، وَلَا نَفَقَةَ قَوْلًا مُجْمَلًا انْتَهَى.
[مَسْأَلَة الْآبِقُ فِي مَوْضِعٍ بَعِيدٍ وَنَفَقَتُهُ تَسْتَغْرِقُ الْجُعْلَ الَّذِي جُعِلَ عَلَيْهِ]
(مَسْأَلَةٌ) : إذَا كَانَ الْآبِقُ فِي مَوْضِعٍ بَعِيدٍ وَنَفَقَتُهُ تَسْتَغْرِقُ الْجُعْلَ الَّذِي جُعِلَ عَلَيْهِ فَلْيَرْفَعْ الْمَجْعُولُ لَهُ الْأَمْرَ لِلْقَاضِي لِيَبِيعَهُ، وَيَحْكُمَ بِجُعْلِهِ، فَإِنْ جَاءَ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ الْجُعْلِ الَّذِي جُعِلَ لَهُ انْتَهَى مِنْ أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ.
стр. 2654
[بَابٌ مَوَاتُ الْأَرْضِ]
(مَوَاتُ الْأَرْضِ مَا سَلِمَ عَنْ الِاخْتِصَاصِ بِعِمَارَةٍ وَلَوْ انْدَرَسَتْ)
ش: هَذَا بَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَالْمَوَاتُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُقَالُ مَوَتَانُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ الْأَرْضُ الَّتِي لَيْسَ لَهَا مَالِكٌ وَلَا بِهَا مَاءٌ وَلَا عِمَارَةٌ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا إلَّا أَنْ يَجْرِيَ إلَيْهَا مَاءٌ أَوْ تُسْتَنْبَطَ فِيهَا عَيْنٌ أَوْ يُحْفَرَ فِيهَا بِئْرٌ وَيُقَالُ لَهَا مَيْتَةً وَالْمُوَاتُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَيُقَالُ الْمَوْتَانُ بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْضًا الْمَوْتُ الذَّرِيعُ وَبَدَأَ الْمُؤَلِّفُ ﵀ بِتَعْرِيفِ الْمَوَاتِ إمَّا لِأَنَّهُ السَّابِقُ فِي الْوُجُودِ فَلِتَقَدُّمِهِ طَبْعًا قَدَّمَهُ وَضْعًا وَإِمَّا لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَوَاتِ مُتَّحِدَةٌ وَالْإِحْيَاءُ يَكُونُ بِأُمُورٍ كُلٌّ مِنْهَا مُضَادٌّ لِلْمَوَاتِ فَاحْتَاجَ إلَى ذِكْرِهِ أَوَّلًا لِيَذْكُرَ أَضْدَادَهُ وَالتَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ تَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ ابْنَ الْحَاجِبِ وَهُوَ تَبِعَ ابْنَ شَاسٍ وَهُوَ تَبِعَ الْغَزَالِيَّ وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي مَعْنَاهُ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إحْيَاءُ الْمَوَاتِ لَقَبٌ لِتَعْمِيرِ دَاثِرِ الْأَرْضِ بِمَا يَقْتَضِي عَدَمَ انْصِرَافِ الْمُعَمِّرِ عَنْ انْتِفَاعِهِ بِهَا وَمَوَاتُ الْأَرْضِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الدُّورِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى بْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ رَوَى ابْنُ غَانِمٍ مَوَاتُ الْأَرْضِ هِيَ الَّتِي لَا نَبَاتَ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [النحل: ٦٥] فَلَا يَصِحُّ الْإِحْيَاءُ إلَّا فِي الْبَوَارِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ فَتَبِعَ مَعَ ابْنِ شَاسٍ الْغَزَالِيُّ وَتَرَكَا رِوَايَةَ ابْنِ غَانِمٍ وَهِيَ أَجْلَى لِعَدَمِ تَوَقُّفِ تَصَوُّرِ مَدْلُولِهَا عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَمُوجَبِهِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي اللُّبَابِ حَقِيقَةُ الْإِحْيَاءِ الْعِمَارَةُ وَالْمَوَاتُ مَا لَمْ يُعَمَّرْ مِنْ الْأَفْنِيَةِ وَحُكْمُهُ الْجَوَازُ وَهِيَ سَبَبٌ فِي الْمِلْكِ
стр. 2655
وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ الرِّفْقُ وَالْحَثُّ عَلَى الْعِمَارَةِ انْتَهَى.
ص (إلَّا لِإِحْيَاءٍ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ الثَّانِي أَحَقَّ إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ بَعْدَ عَوْدِهِ إلَى حَالَتِهِ الْأُولَى وَأَمَّا إنْ أَحْيَاهُ الثَّانِي بِحِدْثَانِ عَوْدِهِ إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى فَإِنْ كَانَ عَنْ جَهْلٍ مِنْهُ بِالْأَوَّلِ فَلَهُ قِيمَةُ عِمَارَتِهِ قَائِمَةً لِلشُّبْهَةِ وَإِنْ كَانَ عَنْ مَعْرِفَةٍ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا قِيمَةُ عِمَارَتِهِ مَنْقُوضَةً بَعْدَ يَمِينِ الْأَوَّلِ إنْ تَرَكَهُ إيَّاهُ لَمْ يَكُنْ إسْلَامًا لَهُ وَأَنَّهُ عَلَى نِيَّةِ إعَادَتِهِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِأَنْ لَا يَكُونَ الْأَوَّلُ عَلِمَ بِعِمَارَةِ الثَّانِي وَسَكَتَ عَنْهُ وَإِلَّا كَانَ سُكُوتُهُ دَلِيلًا عَلَى تَسْلِيمِهِ إيَّاهُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمَا لَا يَضِيقُ عَلَى وَارِدٍ وَلَا يَضُرُّ بِمَاءِ بِئْرٍ)
ش: قَالَ الشَّارِحُ وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ حَرِيمُ الْبِئْرِ الْعَادِيَّةِ خَمْسُونَ وَاَلَّتِي اُبْتُدِئَ عَمَلُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ انْتَهَى.
وَالْعَادِيَّةُ بِالتَّشْدِيدِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ لِابْنِ الْأَثِيرِ شَجَرَةٌ عَادِيَّةٌ أَيْ قَدِيمَةٌ كَأَنَّهَا تُنْسَبُ إلَى عَادٍ وَهُمْ قَوْمُ هُودٍ ﵇ وَكُلُّ قَدِيمٍ يَنْسُبُونَهُ إلَى عَادٍ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُمْ انْتَهَى.
فَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْعَادِيَّةَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَفِي الصِّحَاحِ: وَشَيْءٌ عَادِيٌّ أَيْ قَدِيمٌ كَأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى عَادٍ.
ص (وَلَا يَقْطَعُ مَعْمُورَ الْعَنْوَةِ)
ش: قَالَ فِي كِتَابِ التِّجَارَةِ لِأَرْضِ الْحَرْبِ مِنْ التَّنْبِيهَاتِ وَأَرْضُ الْعَنْوَةِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الَّتِي غُلِبَ عَلَيْهَا قَهْرًا انْتَهَى.
ص (وَبِحِمَى إمَامٍ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ قَلَّ مِنْ بَلَدٍ عَفَا لِكَغَزْوٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْوَجْهَ الرَّابِعَ مِنْ أَوْجُهِ الِاخْتِصَاصِ الَّتِي تَمْنَعُ إحْيَاءَ الْمَوَاتِ الْحِمَى يُحْمَى لِلضُّعَفَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِتَرْعَاهُ مَوَاشِيهِمْ وَيُمْنَعُ مِنْهُ الْأَغْنِيَاءُ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ
стр. 2656
وَالْحِمَى بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَالْقَصْرِ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يُمْنَعُ رَعْيُهُ لِيَتَوَفَّرَ فِيهِ الْكَلَأُ فَتَرْعَاهُ مَوَاشٍ مَخْصُوصَةٌ وَيُمْنَعُ غَيْرُهَا مِنْ رَعْيِهِ وَالْكَلَأُ بِالْهَمْزِ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ هُوَ الْمَرْعَى - رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا - وَالْخَلَا بِالْقَصْرِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ النَّبَاتُ الرَّطْبُ قَالَ فِي الْمَشَارِقِ وَضَبَطَهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ وَالْعُذْرِيُّ بِالْمَدِّ وَهُوَ خَطَأٌ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَمَنْ مَدَّهُ فَقَدْ أَخْطَأَ.
وَالْحَشِيشُ هُوَ الْعُشْبُ الْيَابِسُ وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْقَامُوسِ أَنَّ الْحِمَى يَجُوزُ فِيهِ الْمَدُّ وَلَمْ يَحْكِ فِي الْمُشَارَكِ فِيهِ إلَّا الْقَصْرَ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ فَالْحِمَى بِمَعْنَى الْمَحْمِيِّ فَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ خِلَافُ الْمُبَاحِ وَتَثْنِيَتُهُ حِمَيَانِ وَحَكَى الْكِسَائِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ فِي تَثْنِيَتِهِ حِمَوَانِ بِالْوَاوِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ يَأْتِي وَأَصْلُ الْحِمَى عِنْدَ الْعَرَبِ أَنَّ الرَّئِيسَ مِنْهُمْ كَانَ إذَا نَزَلَ مَنْزِلًا مُخَصَّبًا اسْتَعْوَى كَلْبًا عَلَى مَكَان عَالٍ فَحَيْثُ انْتَهَى صَوْتُهُ حَمَاهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَلَا يَرْعَى فِيهِ غَيْرُهُ وَيَرْعَى هُوَ مَعَ غَيْرِهِ فِيمَا سِوَاهُ وَأَمَّا الْحِمَى الشَّرْعِيُّ فَهُوَ أَنْ يَحْمِيَ الْإِمَامُ مَوْضِعًا لَا يَقَعُ بِهِ التَّضْيِيقُ عَلَى النَّاسِ لِلْحَاجَةِ الْعَامَّةِ إلَى ذَلِكَ إمَّا لِلْخَيْلِ الَّتِي يَحْمِلُ عَلَيْهَا النَّاسَ لِلْغَزْوِ أَوْ لِمَاشِيَةِ الصَّدَقَةِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا فَإِنَّهُ ذَكَرَ لِلْحِمَى شُرُوطًا أَرْبَعَةً الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْحَامِي هُوَ الْإِمَامُ يُرِيدُ أَوْ نَائِبُهُ كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ حِمَى إمَامٍ فَلَيْسَ لِآحَادِ النَّاسِ أَنْ يَحْمِيَ وَالشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْحِمَى مُحْتَاجًا إلَيْهِ أَيْ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ إمَّا لِخَيْلِ الْمُجَاهِدِينَ وَالْإِبِلِ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا لِلْغَزْوِ أَوْ لِمَاشِيَةِ الصَّدَقَةِ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ لِلضُّعَفَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِتَرْعَاهُ مَوَاشِيهِمْ وَيَمْنَعُ مِنْهُ الْأَغْنِيَاءَ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَمْنَعَ مِنْهُ أَهْلَ الذِّمَّةِ وَلَا يَجُوزُ الْعَكْسُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
(قُلْت) وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا جَارٍ عَلَى مَذْهَبِنَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ الْمُوَطَّإِ الْآتِي وَقَوْلُهُ أَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لِكَغَزْوٍ فَقَوْله لِكَغَزْوٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فَهُوَ مِنْ تَتِمَّةِ الشَّرْطِ الثَّانِي وَأَتَى بِالْكَافِ فِي قَوْلِهِ لِكَغَزْوٍ لِيُدْخِلَ مَاشِيَةَ الصَّدَقَةِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ بَعْدَ هَذَا فَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ لِنَفْسِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ أَعْنِي أَنْ يَحْمِيَ لِنَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْخَصَائِصِ قَالُوا وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مِنْهُ ﷺ قَالَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّاءُ وَلَوْ وَقَعَ لَكَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ مَا كَانَ مَصْلَحَةً لَهُ ﷺ فَهُوَ مَصْلَحَةٌ لَهُمْ وَهُوَ كَلَامٌ صَحِيحٌ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَلِيلًا لَا يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ بَلْ يَكُونُ فَاضِلًا عَنْ مَنَافِعِ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ قَلَّ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى مَا فِي نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ سَحْنُونٍ الْآتِي فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحِمَى كَثِيرًا يَضُرُّ بِالنَّاسِ وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ. الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا عِمَارَةَ فِيهَا بِغَرْسٍ وَلَا بِنَاءٍ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ مِنْ بَلَدٍ عَفَا؛ أَيْ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ أَثَرُ بِنَاءٍ وَلَا غَرْسٍ وَالْمُرَادُ بِالْبَلَدِ الْأَرْضُ وَأَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَيْهَا مُذَكَّرًا اعْتِبَارًا بِلَفْظِ الْبَلَدِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحِمَى فِي الْمَوَاضِعِ الْمَعْمُورَةِ بِالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ ﵀ بِمَا ذَكَرَهُ فِي هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ إلَى مَا قَالَهُ سَحْنُونٌ وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي النَّوَادِرِ وَغَيْرِهَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ سَحْنُونٌ الْأَحْمِيَةُ إنَّمَا تَكُونُ فِي بِلَادِ الْأَعْرَابِ الْعَفَاءُ الَّتِي لَا عِمَارَةَ فِيهَا بِغَرْسٍ وَلَا بِنَاءٍ وَإِنَّمَا تَكُونُ الْأَحْمِيَةُ فِيهَا فِي الْأَطْرَافِ حَتَّى لَا تُضَيِّقَ عَلَى سَاكِنٍ وَكَذَلِكَ الْأَوْدِيَةُ الْعَفَاءُ الَّتِي لَا مَسَاكِنَ بِهَا إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ مَنَافِعِ أَهْلِهَا مِنْ الْمَسَارِحِ وَالْمَرْعَى انْتَهَى.
وَجَعَلَ الشَّارِحُ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ قَلَّ مِنْ بَلَدٍ عَفَا؛ شَرْطًا وَاحِدًا وَجَعَلَ قَوْلَهُ لِكَغَزْوٍ؛ شَرْطًا مُسْتَقِلًّا وَهُوَ نَحْوُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ وَالظَّاهِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ شَرْطًا وَاحِدًا كَمَا قَالَ الشَّارِحُ فَتَكُونُ الشُّرُوطُ ثَلَاثَةً.
[تَنْبِيهٌ لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) الْأَصْلُ فِي الْحِمَى مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الشِّرْبِ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُرَادُ بِالشِّرْبِ الْحُكْمُ فِي قِسْمَةِ الْمَاءِ
стр. 2657
وَضَبَطَهُ الْأَصِيلِيُّ بِالضَّمِّ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى قَالَ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ ﵁ قَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» قَالَ وَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ وَأَنَّ عُمَرَ حَمَى الشَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ.
وَأَخْرَجَ مِنْهُ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ فِي بَابِ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيِّتُونَ الْمَوْصُولَ مِنْهُ عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَيْضًا أَعْنِي قَوْلَهُ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» وَقَوْلُهُ وَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ هَكَذَا وَقَعَ لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَإِنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بَلَغَنَا فَاغْتَرَّ بِذَلِكَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَظَنَّ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ وَأَنَّهُ مِنْ تَعْلِيقَاتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا الْقَائِلُ بَلَغَنَا هُوَ ابْنُ شِهَابٍ فَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إلَيْهِ لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ شِهَابٍ وَهَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد فَقَالَ عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَمَى وَقَالَ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَبَلَغَنِي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ» ثُمَّ ذَكَرَ أَبُو دَاوُد رِوَايَةً أُخْرَى بَعْدَهَا عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ وَقَالَ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ» وَلَمْ يَقُلْ وَلِرَسُولِهِ وَذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجِرَاحِ مِنْ سُنَنِهِ وَاقْتَصَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي عَلَى ذِكْرِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مِنْ رِوَايَتَيْ أَبِي دَاوُد وَلَمْ يَذْكُرْ الثَّانِيَةَ وَذَكَرَهَا فِي تَخْرِيجِهِ لِأَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ وَعَزَاهَا لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالْحَاكِمِ وَقَالَ إنَّهَا مُدْرَجَةٌ يَعْنِي حَمَى النَّقِيعَ. وَذَكَرَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَهِمَ مَنْ أَدْرَجَهَا وَقَالَ أَيْضًا فِي تَخْرِيجِهِ لِأَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ أَغْرَبَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْجَمْعِ فَجَعَلَ قَوْلَهُ وَبَلَغَنَا مِنْ تَعْلِيقَاتِ الْبُخَارِيِّ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الرِّفْعَةِ قَالَ وَيَكْفِي فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمَا أَنَّ أَبَا دَاوُد صَرَّحَ بِأَنَّهُ مِنْ مَرَاسِيلِ الزُّهْرِيِّ يَعْنِي فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ وَابْنَ حِبَّانَ أَخْرَجَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ» وَالصَّعْبُ ضِدُّ السَّهْلِ وَعَلَى وَزْنِهِ وَجَثَّامَةُ بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ وَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ مُشَدَّدَةٍ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ. (الثَّانِي) اقْتَصَرَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْأَحْكَامِ عَلَى عَزْوِ الْحَدِيثِ لِأَبِي دَاوُد وَاقْتَصَرَ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ رِوَايَتَيْهِ وَزَادَ فِيهَا لَفْظَ وَلِرَسُولِهِ؛ فَقَالَ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ وَقَالَ: لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْمُنْتَخَبِ حَمَى النَّقِيعَ لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ تَرْعَى فِيهِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَيْنِ آخَرَيْنِ ثُمَّ قَالَ وَأَصَحُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ وَهُوَ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
تَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْحَدِيثَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ فِي كِتَابِ الْحِمَى وَفِي كِتَابِ السِّيَرِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ الْمَوْصُولَ مِنْهُ أَعْنِي قَوْلَهُ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» وَعَزَا جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ حَدِيثَ «أَنَّهُ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ» لِابْنِ حِبَّانَ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فَعَزْوُهُ لَهُ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا لِأَنَّ مَرَاسِيلَ الْبُخَارِيِّ كُلَّهَا صَحِيحَةٌ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ اعْتَضَدَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) وَقَعَ لِلْحَاكِمِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا اتَّفَقَا عَلَى إخْرَاجِ حَدِيثِ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ فِي الْإِلْمَامِ وَابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَخْرِيجِهِ لِأَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ وَقَدْ وَهِمَ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ الْحَدِيثَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ. (الرَّابِعُ) اقْتَصَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ عَلَى عَزْوِ الْحَدِيثِ لِلْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُد وَلَمْ يَذْكُرْ النَّسَائِيُّ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ رَوَاهُ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ سُنَنِهِ.
(الْخَامِسُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ أَعْنِي قَوْلَهُ صَلَّى
стр. 2658
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَمَّا كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْجَاهِلِيَّةُ وَأَضَافَ الْحِمَى لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ أَيْ إلَّا مَا يَحْمِي لِلْخَيْلِ الَّتِي تُرْصَدُ لِلْجِهَادِ وَالْإِبِلِ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ لَمَّا ذَكَرَ الْحَدِيثَ تَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَى إلَّا كَمَا حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِخَيْلِ الْمُجَاهِدِينَ وَشِبْهِ ذَلِكَ مِثْلُ مَا فَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ حَمَوْا لِإِبِلِ الْغُزَاةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ قَوْلُهُ لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدَهُمَا لَا حِمَى إلَّا مَا حَمَاهُ ﷺ وَالثَّانِي لَا حِمَى إلَّا مِثْلُ مَا حَمَاهُ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْوُلَاةِ أَنْ يَحْمِيَ بَعْدَهُ وَعَلَى الثَّانِي يَخْتَصُّ بِمَنْ قَامَ مَقَامَهُ فَهُوَ الْخَلِيفَةُ دُونَ سَائِرِ نُوَّابِهِ انْتَهَى.
وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ يَتَّفِقُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِنُوَّابِ الْإِمَامِ أَنْ يَحْمُوا وَقَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَالْأَرْجَحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْحِمَى يَخْتَصُّ بِالْخَلِيفَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَ بِهِ وُلَاةَ الْأَقَالِيمِ وَمَحَلُّ الْجَوَازِ أَنْ لَا يَضُرَّ بِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى.
وَاَلَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْحِمَى لَا يَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ بَلْ لِوُلَاتِهِ أَنْ يَحْمُوا وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ بِالشُّرُوطِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا عَلَى نُوَّابِهِ وَلَكِنْ مُقْتَضَى كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ عُمُومِ الْوِلَايَةِ وَخُصُوصِهَا فَإِذَا عَمَّ الْإِمَامُ الْوِلَايَةَ عَلَى بَلَدٍ لِأَمِيرٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْمِيَ وَأُخْرَى إذَا فُوِّضَ إلَيْهِ النَّظَرُ فِي أَمْرِ الْحِمَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ عَبْدِ الْحَقِّ الْمُتَقَدِّمَ لَفْظُ النَّقِيعِ وَجَدْته فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ الْبَاجِيِّ وَمِنْ أَحْكَامِ عَبْدِ الْحَقِّ بِالنُّونِ قَبْلَ الْقَافِ وَذَكَرَهُ الْبَكْرِيُّ بِالْبَاءِ قَبْلَ الْقَافِ وَكَذَا وَجَدْته فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ النَّوَادِرِ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ اللُّغَوِيِّينَ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي حَرْفِ الْبَاءِ وَالْبَقِيعِ مَوْضِعٌ فِيهِ أُرُومُ الشَّجَرِ مِنْ ضُرُوبٍ شَتَّى وَبِهِ سُمِّيَ بَقِيعُ الْغَرْقَدِ وَهُوَ مَقْبَرَةُ الْمَدِينَةِ وَنَحْوُهُ فِي مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ وَمِثْلُهُ لِابْنِ سِيدَهْ وَزَادَ وَالْغَرْقَدُ شَجَرٌ لَهُ شَوْكٌ كَانَ يَنْبُتُ هُنَاكَ فَذَهَبَ وَبَقِيَ الِاسْمُ لَازِمًا لِلْمَوْضِعِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ النَّقِيعَ بِالنُّونِ قَبْلَ الْقَافِ أَنَّهُ اسْمُ مَوْضِعٍ مَعَ كَثْرَةِ مَا جَلَبَ فِيهِ ابْنُ سِيدَهْ فِي الْمُحْكَمِ وَقَالَ الْبَاجِيُّ فِي آخِرِ الْمُوَطَّإِ فِي تَرْجَمَةِ مَا يُتَّقَى مِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ وَفِيهِ ذَكَرَ الْحِمَى فَقَالَ الْبَاجِيُّ وَهَذَا الْحِمَى هُوَ النَّقِيعُ بِالنُّونِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عِيَاضٌ فِي مَشَارِقِهِ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ لِعَدَمِ وُقُوعِهَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ انْتَهَى.
(قُلْت) وَكَأَنَّهُ ﵀ لَمْ يَقِفْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ فِي آخِرِ حَرْفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ لَمَّا ذَكَرَ أَسْمَاءَ الْمَوَاضِعِ وَنَصُّهُ بَقِيعُ الْغَرْقَدِ الَّذِي فِيهِ مَقْبَرَةُ الْمَدِينَةِ بِبَاءٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِشَجَرَاتِ غَرْقَدٍ وَهُوَ الْعَوْسَجُ كَانَتْ فِيهِ وَكَذَلِكَ بَقِيعُ بَطْحَانَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ بِالْبَاءِ أَيْضًا قَالَ الْخَلِيلُ الْبَقِيعُ كُلُّ مَوْضِعٍ مِنْ الْأَرْضِ فِيهِ شَجَرٌ شَتَّى وَأَمَّا الْحِمَى الَّذِي حَمَاهُ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ عُمَرُ بَعْدَهُ وَهُوَ الَّذِي يُضَافُ إلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ غَرَزُ النَّقِيعِ وَفِي الْآخَرِ بِقَدَحِ لَبَنٍ مِنْ النَّقِيعِ وَحَمَى النَّقِيعَ وَهُوَ عَلَى عِشْرِينَ فَرْسَخًا مِنْ الْمَدِينَةِ وَهُوَ صَدْرُ وَادِي الْعَقِيقِ وَهُوَ أَخْصَبُ مَوْضِعٍ هُنَالِكَ وَهُوَ مِيلٌ فِي بَرِيدٍ وَفِيهِ شَجَرٌ وَيَسْتَجِمُّ حَتَّى يَغِيبَ فِيهِ الرَّاكِبُ فَاخْتَلَفَ الرُّوَاةُ وَأَهْلُ الْمَعْرِفَةِ فِي ضَبْطِهِ فَوَقَعَ عِنْدَ أَكْثَرِ رُوَاةِ الْبُخَارِيُّ بِالنُّونِ وَكَذَا قَيَّدَهُ النَّسَفِيُّ وَأَبُو ذَرٍّ وَالْقَابِسِيُّ وَسَمِعْنَاهُ فِي مُسْلِمٍ مِنْ أَبِي بَحْرٍ بِالْبَاءِ وَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَاهَانَ وَسَمِعْنَاهُ مِنْ الْقَاضِي الشَّهِيدِ وَغَيْرِهِ بِالنُّونِ وَبِالنُّونِ ذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَدْ صَحَّفَهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فَيَرْوُونَهُ بِالْبَاءِ وَإِنَّمَا الَّذِي بِالْبَاءِ بَقِيعُ الْمَدِينَةِ مَوْضِعُ قُبُورِهَا وَأَمَّا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَكْرِيُّ فَقَالَ إنَّمَا هُوَ بِالْبَاءِ مِثْلُ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ قَالَ وَمَتَى ذُكِرَ الْبَقِيعُ بِالْبَاءِ دُونَ إضَافَةٍ فَهُوَ هَذَا وَوَقَعَ فِيهِ فِي كِتَابِ الْأَصِيلِيِّ
стр. 2659
فِي مَوْضِعٍ بِالنُّونِ وَالْبَاءِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ قَبِيحٌ وَالْأَشْهَرُ فِي هَذَا النُّونُ وَالْقَافُ وَالنَّقِيعُ بِالنُّونِ كُلُّ مَوْضِعٍ يَسْتَنْقِعُ الْمَاءُ فِيهِ وَبِهِ سُمِّيَ هَذَا انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ بَقِيعُ بَطْحَانَ هُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ قَالَ فِي الْمَشَارِقِ هَكَذَا يَرْوِيه الْمُحَقِّقُونَ وَكَذَا سَمِعْنَاهُ مِنْ الْمَشَايِخِ وَهُوَ الَّذِي يَحْكِي أَهْلُ اللُّغَةِ فِيهِ فَتْحَ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرَ الطَّاءِ وَكَذَا قَيَّدَهُ اللَّقَانِيُّ فِي الْبَارِعِ وَأَبُو حَاتِمٍ وَالْبَكْرِيُّ فِي الْمُعْجَمِ وَقَالَ الْبَكْرِيُّ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ وَهُوَ وَادٍ فِي الْمَدِينَةِ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ غَرَزُ النَّقِيعِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ وَبَعْدَهَا زَاي قَالَ فِي الْمَشَارِقِ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ وَحَكَى فِيهِ صَاحِبُ الْعَيْنِ السُّكُونَ قَالَ وَوَاحِدُهُ غَرْزَةٌ مِثْلُ تَمْرَةٍ وَتَمْرٍ وَبِالْوَجْهَيْنِ وَجَدْته فِي أَصْلِ الْجَيَّانِيُّ فِي كِتَابِ الْخَطَّابِيُّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ نَبَاتٌ ذُو أَغْصَانٍ رِقَاقٍ حَدِيدُ الْأَطْرَافِ يُسَمَّى الْأَسَلَ وَتُسَمَّى بِهِ الرِّمَاحُ وَتُشَبَّهُ بِهِ وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ هُوَ نَوْعٌ مِنْ الثِّمَارِ
اهـ وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِ صَاحِبِ الْمَشَارِقِ أَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ عَبْدِ الْحَقِّ هَكَذَا رَأَيْت فِي نُسْخَةٍ مِنْ الْأَحْكَامِ مَنْسُوبَةً إلَى الصِّحَّةِ بِالنُّونِ وَالْقَافِ وَذَكَرَهُ الْبَكْرِيُّ بِالْبَاءِ وَالْقَافِ قَالَ وَهُوَ صَدْرُ وَادِي الْعَقِيقِ وَقَالَ وَهُوَ مُنْتَدًى لِلنَّاسِ وَمُتَصَيَّدٌ وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ فِي الْمَسْجِدِ بِأَعْلَى عَسِيبٍ» وَهُوَ جَبَلٌ بِأَعْلَى قَاعِ الْعَقِيقِ ثُمَّ أَمَرَ رَجُلًا صَيِّتًا فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ فَكَانَ مَدَى صَوْتِهِ بَرِيدًا وَهُوَ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ فَجَعَلَ ذَلِكَ حِمًى طُولُهُ وَعَرْضُهُ مِيلٌ وَفِي بَعْضِهِ أَقَلُّ مِنْ مِيلٍ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ مُنْتَدًى بِمَعْنَى النَّادِي وَهُوَ الْمَجْلِسُ الَّذِي يُتَحَدَّثُ فِيهِ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ بَعْضَ كَلَامِ الْمَشَارِقِ وَلَكِنَّ كَلَامَهُ يَقْتَضِي أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ غَيْرُ الْبَكْرِيِّ وَكَلَامُ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي الْمَشَارِقِ يَقْتَضِي أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ هُوَ الْبَكْرِيُّ وَكَذَا رَأَيْته فِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ ابْنُ حَجَرٍ فِي مُقَدَّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ عَنْ الْبَكْرِيِّ أَنَّهُ حَكَى فِيهِ وَجْهَيْنِ وَاَلَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ عَنْ الْبَكْرِيِّ إنَّمَا هُوَ وَجْهٌ وَاحِدٌ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ النَّقِيعُ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْقَافِ هُوَ صَدْرُ وَادِي الْعَقِيقِ عَلَى نَحْوِ عِشْرِينَ مِيلًا مِنْ الْمَدِينَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَهُوَ بَلَدٌ لَيْسَ بِالْوَاسِعِ الَّذِي يُضَيَّقُ عَلَى مَنْ حَوْلَهُ إذَا حُمِيَ وَيَعْنِي بِالْبَلَدِ الْأَرْضَ قَالَ صَاحِبُ مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ مِسَاحَتُهُ مِيلٌ فِي بَرِيدٍ وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمَشَارِقِ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى عِشْرِينَ مِيلًا مِنْ الْمَدِينَةِ خِلَافُ مَا قَالَ فِي الْمَشَارِقِ وَاَلَّذِي حَكَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ عَلَى عِشْرِينَ فَرْسَخًا كَمَا قَالَ فِي الْمَشَارِقِ وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّ قَدْرَ النَّقِيعِ مِيلٌ فِي ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ قَالَ ثُمَّ زَادَ فِيهِ الْوُلَاةُ بَعْدُ وَهَكَذَا ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي عَنْ مُوَطَّإِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ مِيلٌ فِي ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ هُوَ فِي مُقَدَّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَشَارِقِ وَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ مِنْ أَنَّهُ مِيلٌ فِي بَرِيدٍ فَإِنَّ الْبَرِيدَ اثْنَا عَشَرَ مِيلًا.
(السَّابِعُ) تَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ ﵁ حَمَى الشَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَهُوَ مِنْ بَلَاغِ الزُّهْرِيِّ وَالشَّرَفُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ فِي الْمَشْهُورِ وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ قَالَ وَفِي مُوَطَّإِ ابْنِ وَهْبٍ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ قَالَ كَذَا رَوَاهُ بَعْضُ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ أَوْ أَصْلَحَهُ وَهُوَ الصَّوَابُ وَأَمَّا سَرِفُ فَهُوَ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ مَكَّةَ وَلَا يَدْخُلُهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي مُقَدَّمَتِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ هُوَ مَاءٌ لِبَنِي بَاهِلَةَ أَوْ لِبَنِي كِلَابٍ انْتَهَى.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ هُوَ مِنْ عَمَلِ الْمَدِينَةِ وَأَمَّا سَرِفُ فَمِنْ عَمَلِ مَكَّةَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ وَقِيلَ سَبْعَةٌ وَقِيلَ تِسْعَةٌ وَقِيلَ اثْنَا عَشَرَ انْتَهَى.
وَأَمَّا الرَّبَذَةُ فَهِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَهَا ذَالٌ مُعْجَمَةٌ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ
стр. 2660
بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ مَوْضِعٌ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ مِنْ الْمَدِينَةِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمَالِكِيُّ قَالَ الْبَكْرِيُّ الرَّبَذَةُ هِيَ الَّتِي جَعَلَهَا عُمَرُ حِمًى لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ وَكَانَ حِمَاهُ الَّذِي حَمَاهُ بَرِيدًا فِي بَرِيدٍ قَالَ ثُمَّ تَزَيَّدَتْ الْوُلَاةُ فِي الْحِمَى أَضْعَافًا ثُمَّ أُبِيحَتْ الْأَحْمِيَةُ فِي أَيَّامِ الْمَهْدِيِّ فَلَمْ يَحْمِهَا أَحَدٌ وَحَمَى عُمَرُ ﵁ صَرَفَةَ وَزَادَ فِيهِ عُثْمَانُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ وَحَمَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ الرَّبَذَةَ لِمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نَحْوُ خَمْسَةِ أَمْيَالٍ فِي مِثْلِهَا وَحَمَى ذَلِكَ عُمَرُ لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَحَمَى أَيْضًا الشَّرَفَ انْتَهَى.
(الثَّامِنُ) ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ الْحَدِيثَ السَّابِقَ بِلَفْظِ «أَنَّهُ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ» قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ تَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ مُدْرَجٌ لَيْسَ فِي أَصْلِ الْخَبَرِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(التَّاسِعُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ اُنْظُرْ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ حَمَى النَّقِيعَ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ وَذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ رُبَاعِيًّا فَقَالَ أَحْمَيْت الْمَكَانَ جَعَلْته حِمًى انْتَهَى.
(قُلْت) لَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ مِنْهُ إلَّا الرُّبَاعِيُّ وَنَصُّهُ حَمَيْته أَيْ دَفَعْت عَنْهُ وَهَذَا شَيْءٌ حِمًى عَلَى فَعْلٍ أَيْ مَحْظُورٍ لَا يُقْرَبُ وَأَحْمَيْت الْمَكَانَ جَعَلْته حِمًى انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ حَمَى الشَّيْءَ يَحْمِيه حَمْيًا وَحِمَايَةً بِالْكَسْرِ وَمَحْمِيَّةٌ مَنَعَهُ وَكَلَأٌ حِمًى كَرِضًا مَحْمِيٌّ ثُمَّ قَالَ وَأَحْمَى الْمَكَانَ جَعَلَهُ حِمًى لَا يُقْرَبُ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ الْحِمَى بِكَسْرِ الْحَاءِ مَقْصُورٌ الْمَمْنُوعُ مِنْ الرَّعْيِ تَقُولُ حَمَيْت الْحِمَى فَإِذَا اُمْتُنِعَ مِنْهُ قُلْت أَحْمَيْته وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ حَمَيْت الْمَاءَ الْقَوْمَ أَيْ مَنَعْتهمْ انْتَهَى. فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمَشَارِقِ أَنَّهُ يُقَالُ حَمَيْته بِالْفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ وَأَنَّهُ لَا يُقَالُ أَحْمَيْته بِالرُّبَاعِيِّ إلَّا بَعْدَ امْتِنَاعِ النَّاسِ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْعَاشِرُ) قَوْلُهُ لَا حِمَى بِلَا تَنْوِينٍ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِالتَّنْوِينِ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ فَتَكُونُ - حِينَئِذٍ - لَا بِمَعْنَى لَيْسَ أَيْ فَتَكُونُ لِلِاسْتِغْرَاقِ عَلَى الْأَوَّلِ بِخِلَافِ الثَّانِي.
(الْحَادِيَ عَشَرَ) قَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَيَنْبَغِي لِلْوَالِي إذَا حَمَى أَنْ يَجْعَلَ لِلْحِمَى حَافِظًا يَمْنَعُ أَهْلَ الْقُوَّةِ مِنْ الرَّعْيِ فِيهِ وَيَأْذَنُ لِلضَّعِيفِ وَالْعَاجِزِ فَإِنْ دَخَلَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقُوَّةِ وَرَعَى مُنِعَ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ وَلَا تَعْزِيرَ انْتَهَى.
(قُلْت) وَهُوَ ظَاهِرٌ وَكَلَامُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ يَقْتَضِيهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ لِهُنَيٍّ حِينَ وَلَّاهُ عَلَى الْحِمَى أَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَابْنِ عَفَّانَ اهـ. إلَّا أَنَّ قَوْلَهُمْ لَا تَعْزِيرَ عَلَيْهِ فِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ بَلَغَهُ النَّهْيُ وَتَعَدَّى بَعْدَ ذَلِكَ وَرَعَى فِي الْحِمَى فَلِلْإِمَامِ أَنْ يُعَزِّرَهُ بِالزَّجْرِ أَوْ التَّهْدِيدِ فَإِنْ تَكَرَّرَتْ الْمُخَالَفَةُ فَيُعَزِّرُهُ بِالضَّرْبِ وَقَوْلُهُمْ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ عُمَرَ ﵁ هُوَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ ﵁ فِي آخِرِ جَامِعِ الْمُوَطَّإِ فِي بَابِ مَا يُتَّقَى مِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا عَلَى الْحِمَى فَقَالَ يَا هُنَيُّ اُضْمُمْ جَنَاحَك عَنْ النَّاسِ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُجَابَةٌ وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَابْنِ عَفَّانَ فَإِنَّهُمَا إنْ تَهْلِكْ مَوَاشِيهِمَا يَرْجِعَانِ إلَى الْمَدِينَةِ إلَى زَرْعٍ وَنَخِيلٍ وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ إنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُ يَأْتِ بِبَنِيهِ فَيَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا - لَا أَبَا لَك - فَالْمَاءُ وَالْكَلَأُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَأَيْمُ اللَّهِ إنَّهُمْ لَا يُرَوْنَ أَنِّي قَدْ ظَلَمْتُهُمْ إنَّهَا لَبِلَادُهُمْ وَمِيَاهُهُمْ قَاتَلُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَسْلَمُوا عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْت عَلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا انْتَهَى.
(الثَّانِي عَشَرَ) هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ عَنْ إسْمَاعِيلَ يَعْنِي ابْنَ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَهَذَا الْحَدِيثُ
стр. 2661
لَيْسَ فِي الْمُوَطَّإِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ هُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ انْتَهَى.
(قُلْت) وَهَذَا مِنْ الْأَمْرِ الْعَجِيبِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمُوَطَّإِ وَشُرُوحِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثَ عَشَرَ) قَوْلُهُ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا هُوَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ هَكَذَا ضَبَطَهُ ابْنُ مَاكُولَا وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْإِتْقَانِ وَكَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَالْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِمَا قَالَ وَرَأَيْت بِخَطِّ مَنْ لَا تَحْقِيقَ لَهُ أَنَّهُ يُقَالُ أَيْضًا بِالْهَمْزِ وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ نَبَّهْت عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ رُوِيَ هُنَيٌّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَمُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵃ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي قَوْلُهُ يُدْعَى هُنَيًّا بِالنُّونِ مُصَغَّرًا مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ وَقَدْ يُهْمَزُ وَهَذَا الْمَوْلَى لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ مَعَ إدْرَاكِهِ. وَقَوْلُهُ عَلَى الْحِمَى قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي بَيَّنَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ كَانَ عَلَى حِمَى الرَّبَذَةِ وَقَوْلُهُ اُضْمُمْ جَنَاحَك عَنْ النَّاسِ أَيْ اُكْفُفْ يَدَك عَنْ ظُلْمِهِمْ فِي الْمَالِ وَالْبَدَنِ وَالْجَنَاحُ الْيَدُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: ٣٢] وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ اُضْمُمْ جَنَاحَك عَنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَفِي رِوَايَةِ مَعْنٍ عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْغَرَائِبِ اُضْمُمْ جَنَاحَك لِلنَّاسِ وَعَلَى هَذَا اُسْتُرْهُمْ بِجَنَاحِك وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اُضْمُمْ جَنَاحَك لِلنَّاسِ لَعَلَّهُ عَلَى النَّاسِ فَإِنِّي رَأَيْته كَذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُ اُضْمُمْ جَنَاحَك يَقُولُ لَا تَسْتَطِلْ عَلَى أَحَدٍ لِمَكَانِك مِنِّي وَقَوْلُهُ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ كِنَايَةٌ لَطِيفَةٌ عَنْ النَّهْيِ عَنْ الظُّلْمِ وَهَكَذَا رَأَيْته فِي نُسَخِ الْبُخَارِيِّ وَذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي بِلَفْظِ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَالَ وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَأَبِي نُعَيْمٍ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَقَوْلُهُ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُجَابَةٌ هَكَذَا فِي نُسَخِ الْمُوَطَّإِ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وَقَوْلُهُ وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ أَدْخِلْ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَمُتَعَلِّقُ الْإِدْخَالِ مَحْذُوفٌ وَالْمُرَادُ الْمَرْعَى وَالصُّرَيْمَةُ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرُ الصِّرْمَةِ بِكَسْرِ الصَّادِ وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ الْإِبِلِ نَحْوُ الثَّلَاثِينَ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ فِي كِتَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إلَى الثَّلَاثِينَ مِنْ الْإِبِلِ خَاصَّةً وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إلَى الثَّلَاثِينَ أَوْ إلَى الْخَمْسِينَ أَوْ الْأَرْبَعِينَ أَوْ مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إلَى الْأَرْبَعِينَ أَوْ مَا بَيْنَ عَشَرَةٍ إلَى بِضْعِ عَشَرَةٍ وَالْغُنَيْمَةُ عَلَى وَزْنِ الصُّرَيْمَةِ مُصَغَّرٌ أَيْضًا هِيَ مَا بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ إلَى الْمِائَتَيْنِ قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ أَيْضًا وَقَوْلُهُ وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَابْنِ عَفَّانَ فِيهِ تَحْذِيرُ الْمُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ وَهُوَ شَاذٌّ لَا يُقَاسَ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ النَّحْوِيِّينَ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَقَدْ وَقَعَ لِلرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ بِالْكَافِ وَالْوَارِدُ فِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ بِالْيَاءِ وَابْنُ عَوْفٍ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَابْنُ عَفَّانَ هُوَ عُثْمَانُ ﵄ وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ عَلَى طَرِيقِ الْمِثَالِ لِكَثْرَةِ نَعَمِهِمَا لِأَنَّهُمَا مِنْ مَيَاسِيرِ الصَّحَابَةِ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَلَمْ يُرِدْ مَنْعَهُمَا أَلْبَتَّةَ وَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسَعْ الْمَرْعَى إلَّا نَعَمَ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ فَنَعَمُ الْمُقِلِّينَ أَوْلَى فَنَهَاهُ عَنْ إيثَارِهِمَا عَلَى غَيْرِهِمَا أَوْ تَقْدِيمِهِمَا قَبْلَ غَيْرِهِمَا وَقَدْ بَيَّنَ حِكْمَةَ ذَلِكَ انْتَهَى.
(قُلْت) ظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّهُ أَرَادَ مَنْعَ نَعَمِهِمَا لِيَتَوَفَّرَ الْمَرْعَى لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ فَتَأَمَّلْهُ وَقَوْلُهُ يَأْتِنِي بِبَنِيهِ كَذَا فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمُوَطَّإِ يَأْتِنِي بِحَذْفِ الْيَاءِ لِلْجَزْمِ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ وَهُوَ الرَّاجِحُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَأْتِينِي بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَوْلُهُ بِبِنْيَتِهِ كَذَا فِي نُسَخِ الْمُوَطَّإِ بِالنُّونِ قَبْلَ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ جَمْعُ ابْنٍ وَهِيَ رِوَايَةُ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الْبُخَارِيِّ وَوَقَعَ عِنْدَ أَكْثَرِ رُوَاةِ الْبُخَارِيُّ بِبَيْتِهِ بِالتَّاءِ التَّحْتِيَّةِ ثُمَّ الْفَوْقِيَّةِ بِلَفْظِ الْبَيْتِ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ وَقَوْلُهُ فَيَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَقُولُ الْقَوْلِ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي لَفْظٍ مَخْصُوصٍ نَحْوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا فَقِيرٌ أَنَا مُحْتَاجٌ إلَى كَذَا وَقَوْلُهُ أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا اسْتِفْهَامٌ إنْكَارِيٌّ أَيْ لَا أَتْرُكُهُمْ مُحْتَاجِينَ وَقَوْلُهُ لَا أَبَا لَك بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَالْجُمْهُورِ
стр. 2662
أَنَّهُ مُضَافٌ وَاللَّامُ زَائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنَى الْإِضَافَةِ وَهِيَ مُعْتَدٌّ بِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ اسْمَ لَا لَا يُضَافُ لِمَعْرِفَةٍ فَاللَّامُ لِصُورَةِ الْإِضَافَةِ وَغَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ مَا قَبْلَهَا مَنْصُوبٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَإِنَّمَا يُنْصَبُ بِهَا إذَا كَانَ مُضَافًا وَيَشْكُلُ عَلَيْهِمْ لَا أَبَا لِي بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَإِنَّهُ لَا يُنْصَبُ بِالْأَلِفِ إذَا أُضِيفَ لِلْيَاءِ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْمُضَافِ وَيَشْكُلُ عَلَى قَوْلِهِمَا حَذْفُ التَّنْوِينِ وَسُمِعَ مِنْ قَوْلِهِمْ لَا أَبَاك بِدُونِ لَامٍ وَهُوَ مُشْكِلٌ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ لَا أَبَا لَك وَلَوْ سُمِعَ لَأَمْكَنَ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْمُضَافِ وَالْخَبَرُ عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ مَحْذُوفٌ وَسُمِعَ مِنْ كَلَامِهِمْ لَا أَبَا لَك بِالْبِنَاءِ عَلَى الْفَتْحِ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَقَوْلُهُ لَك هُوَ الْخَبَرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَوْ قَالَ لَا أَبٌ لَك بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ صَحَّ وَهَذَا اللَّفْظُ ظَاهِرُهُ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ؛ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَهُوَ عَلَى الْمَجَازِ لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَقَوْلُهُ إنَّهُمْ لَيُرَوْنَ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ أَوَّلَهُ بِمَعْنَى الظَّنِّ وَبِفَتْحِهَا بِمَعْنَى الِاعْتِقَادِ قَوْلُهُ أَنِّي قَدْ ظَلَمْتُهُمْ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ قَالَ ابْنُ التِّينِ يُرِيدُ أَرْبَابَ الْمَوَاشِي الْكَثِيرَةِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ أَرَادَ أَرْبَابَ الْمَوَاشِي الْقَلِيلَةِ لِأَنَّهُمْ الْأَكْثَرُ وَهُمْ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ مِنْ نَوَاحِي الْمَدِينَةِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ إنَّهَا لَبِلَادُهُمْ وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِلَادُنَا قَاتَلْنَا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَسْلَمْنَا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ تُحْمَى عَلَيْنَا فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْفُخُ وَيَفْتِلُ شَارِبَهُ وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ نَحْوَهُ وَزَادَ فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلُ ذَلِكَ أَلَحَّ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ قَالَ ﵁ الْمَالُ مَالُ اللَّهِ وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ وَالْأَرْضُ أَرْضُ اللَّهِ مَا أَنَا بِفَاعِلٍ انْتَهَى.
(قُلْت) وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي يُرَوْنَ يَعُودُ إلَى أَصْحَابِ الْمَوَاشِي الْمَمْنُوعِينَ سَوَاءٌ كَانَتْ مَوَاشِيهِمْ كَثِيرَةً أَوْ قَلِيلَةً ثُمَّ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَقَالَ ابْنُ الْمُنَيِّرِ لَمْ يَدْخُلْ ابْنُ عَفَّانَ وَلَا ابْنُ عَوْفٍ فِي قَوْلِهِ قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَالْكَلَامُ عَائِدٌ عَلَى عُمُومِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا عَلَيْهَا انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ وَقَالَ عُمَرُ ﵁ لِرَجُلٍ مِنْ الْعَرَبِ عَاتَبَهُ فِي الْحِمَى بِلَادُ اللَّهِ حُمِيَتْ لِمَالِ اللَّهِ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي أَيْ مِنْ الْإِبِلِ الَّتِي كَانَ يَحْمِلُ عَلَيْهَا مَنْ لَا يَجِدُ مَرْكَبًا وَجَاءَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عِدَّةَ مَا كَانَ فِي الْحِمَى فِي عَهْدِ عُمَرَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ إبِلٍ وَخَيْلٍ بَيَّنَهَا انْتَهَى وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ قَوْلُهُ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ أَيْ الْخَيْلُ الَّتِي أَعْدَدْتهَا لِأَحْمِلَ عَلَيْهَا مَنْ لَا مَرْكُوبَ لَهُ قَالَ مَالِكٌ ﵁ وَكَانَتْ عِدَّتُهَا أَرْبَعِينَ أَلْفًا انْتَهَى. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي.
(الرَّابِعَ عَشَرَ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ أَبُو عُمَرَ فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ عُمَرُ فِيهِ مِنْ التُّقَى وَأَنَّهُ لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُدَاهِنْ عُثْمَانَ وَلَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَآثَرَ الْمَسَاكِينَ وَالضُّعَفَاءَ وَبَيَّنَ وَجْهَ ذَلِكَ وَامْتَثَلَ قَوْلَهُ ﷺ لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ يَعْنِي إبِلَ الصَّدَقَةِ اهـ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَمَّا ذَكَرَ عَنْ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ يَحْمِي لِمَاشِيَةِ الصَّدَقَةِ قُلْت يَقُومُ مِنْهُ طُولُ تَأْخِيرِ صَرْفِ الزَّكَاةِ إذَا كَانَ لِتَأْخِيرِ مَصْرِفِهَا انْتَهَى.
(الْخَامِسَ عَشَرَ) قَالَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ مَا حَمَاهُ الرَّسُولُ ﷺ لَا يُنْقَضُ فَلَا يُنْقَضُ حِمَى النَّقِيعِ وَأَمَّا مَا حَمَاهُ غَيْرُهُ مِنْ الْوُلَاةِ فَيَجُوزُ نَقْضُهُ لِمَصْلَحَةٍ وَسَوَاءٌ كَانَ النَّاقِضُ هُوَ الَّذِي حَمَاهُ أَوْ غَيْرُهُ (قُلْت) هَذَا ظَاهِرٌ إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا حَمَى النَّقِيعَ أَمَرَ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ حِمًى لِلْمُسْلِمِينَ دَائِمًا وَأَمَّا إذَا حَمَاهُ فِي سَنَةٍ مِنْ السِّنِينَ وَلَمْ يُفْهَمْ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ مُسْتَمِرٌّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ اسْتِمْرَارُهُ وَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَاسْتَمَرَّ عَمَلُ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ عَلَى حِمَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصِّدِّيقَ ﵁ حَمَى الرَّبَذَةَ وَكَذَلِكَ عُمَرُ ﵁ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ مُسْلِمًا إنْ قَرُبَ) ش ظَاهِرُهُ أَنَّ الذِّمِّيَّ يُحْمَى فِي الْقَرِيبِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَهَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ لِلْمُتَقَدِّمِينَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَكِنْ رَكَنَ إلَيْهِ الْبَاجِيُّ وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ
стр. 2663
ثَانٍ لِابْنِ الْقَصَّارِ قَالَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْمَوَاتِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قَرِيبٍ وَلَا بَعِيدٍ وَفِيهَا قَوْلٌ ثَالِثٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِلْمُتَقَدِّمِينَ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ إنَّ حُكْمَهُمْ فِي الْبَعِيدِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ وَالْقَرِيبُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوهُ وَلَوْ أَذِنَ الْإِمَامُ وَالْقَرِيبُ هُوَ حَرِيمُ الْعِمَارَةِ مِمَّا يُلْحِقُونَهُ غُدُوًّا وَرَوَاحًا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَنَصُّهُ وَأَمَّا الْبَعِيدُ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ فِيهِ وَهُوَ مَا كَانَ خَارِجًا عَمَّا يَحْتَاجُهُ أَهْلُ الْعُمْرَانِ مِنْ مُحْتَطَبٍ وَمَرْعًى مِمَّا الْعَادَةُ أَنَّ الرِّعَاءَ يَصِلُونَ إلَيْهِ ثُمَّ يَعُودُونَ إلَى مَنَازِلِهِمْ فَيَبِيتُونَ بِهَا وَيَحْتَطِبُ الْمُحْتَطِبُ ثُمَّ يَعُودُ إلَى مَنْزِلِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الدُّورِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى فِي كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ وَحَدُّ الْبَعِيدِ مِنْ الْعُمْرَانِ الَّذِي يَكُونُ لِمَنْ أَحْيَاهُ دُونَ إذْنِ الْإِمَامِ مَا لَمْ يَنْتَهِ إلَيْهِ مَسْرَحُ الْعُمْرَانِ وَاحْتِطَابُ الْمُحْتَطِبِينَ إذَا رَجَعُوا إلَى الْمَبِيتِ فِي مَوَاضِعِهِمْ مِنْ الْعُمْرَانِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) يُعْتَرَضُ عَلَى الْمُؤَلِّفِ بِمَا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ لِأَنَّ الْمُؤَلِّفَ قَدْ قَدَّمَ أَنَّ الْقُرْبَ مِنْ وُجُوهِ الِاخْتِصَاصِ فَلَا يَكُونُ الْقَرِيبُ مَوَاتًا إذْ الْمَوَاتُ مَا انْفَكَّ عَنْ الِاخْتِصَاصِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي الْقَرِيبِ إحْيَاءٌ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَوَاتِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ حَرِيمَ الْعِمَارَةِ مَانِعٌ مِنْ الْإِحْيَاءِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ ثُمَّ يُنْظَرُ فِيهِ أَيْ فِي حَرِيمِ الْعِمَارَةِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ فَلَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ وَلَا يُبِيحُهُ الْإِمَامُ وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَيَكُونُ الْمَوَاتُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الدُّورِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ.
وَنَصُّهُ: الْمَوَاتُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ النَّاسُ بِالْإِحْيَاءِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ ﵀ فِي رِوَايَةِ ابْنِ غَانِمٍ عَنْهُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [النحل: ٦٥] فَلَا يَصِحُّ الْإِحْيَاءُ إلَّا فِي الْبَوَارِ ثُمَّ قَالَ وَحُكْمُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَوَاضِعِهِ وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ بَعِيدٌ مِنْ الْعُمْرَانِ وَقَرِيبٌ مِنْهُ لَا ضَرَرَ عَلَى أَحَدٍ فِي إحْيَائِهِ وَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي إحْيَائِهِ ضَرَرٌ عَلَى مَنْ يَخْتَصُّ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ. فَأَمَّا الْبَعِيدُ مِنْ الْعُمْرَانِ فَلَا يُحْتَاجُ فِي إحْيَائِهِ إلَى اسْتِئْذَانِ الْإِمَامِ إلَّا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ عَلَى مَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَمَّا الْقَرِيبُ مِنْهُ الَّذِي لَا ضَرَرَ فِي إحْيَائِهِ عَلَى أَحَدٍ فَلَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ وَقِيلَ إنَّ اسْتِئْذَانَ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَاخْتُلِفَ إنْ وَقَعَ بِإِذْنِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِهِ قِيلَ يَمْضِي مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُغِيرَةِ وَأَصْبَغَ وَأَشْهَبَ وَقِيلَ إنَّهُ يُخْرَجُ مِنْهُ وَيَكُونُ لَهُ قِيمَةُ بُنْيَانِهِ مَنْقُوضًا وَهُوَ الْقِيَاسُ وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ يَكُونُ لَهُ قِيمَتُهُ قَائِمًا لِلشُّبْهَةِ فِي ذَلِكَ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ. وَأَمَّا الْقَرِيبُ مِنْهُ الَّذِي فِي إحْيَائِهِ ضَرَرٌ كَالْأَفْنِيَةِ الَّتِي يَكُونُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهَا ضَرَرًا بِالطَّرِيقِ وَشِبْهِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ بِحَالٍ وَلَا يُبِيحُهُ الْإِمَامُ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ وَقَالَ فِي الرَّسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ مَا نَصُّهُ عَلَى مَا اخْتَصَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الشَّعَارِي الْمُجَاوِرَةُ لِلْقُرَى وَالْمُتَوَسِّطَةُ بَيْنَهَا لَا يَقْطَعُ الْإِمَامُ مِنْهَا شَيْئًا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالْعَفَاءِ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا هِيَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِمْ كَالسَّاحَةِ لِلدُّورِ وَإِنَّمَا الْعَفَاءُ مَا بَعُدَ وَتَعَقَّبَ الْفَضْلُ قَوْلَهُ فَقَالَ وَأَيْنَ يُقْطِعُ الْإِمَامُ إلَّا فِيمَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ وَهُوَ لَا يَلْزَمُ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الشَّعَارِي الْقَرِيبَةَ مِنْ الْقُرَى جِدًّا لِأَنَّ إقْطَاعَهَا ضَرَرٌ بِهِمْ فِي قَطْعِ مَرَافِقِهِمْ مِنْهَا الَّتِي كَانُوا يَخْتَصُّونَ بِهَا لِقُرْبِهِمْ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي رَسْمِ الدُّورِ انْتَهَى. وَاَلَّذِي فِي رَسْمِ الدُّورِ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ وَالشَّعَارِي هِيَ الشَّجَرُ الْمُخْتَلِطُ أَوْ الْأَرْضُ ذَاتُ الشَّجَرِ كَذَا فَسَّرَهَا أَهْلُ اللُّغَةِ فَعَلَى هَذَا إنَّمَا يَمْتَنِعُ مِنْ إحْيَاءِ الْقَرِيبِ الَّذِي فِي إحْيَائِهِ ضَرَرٌ وَأَمَّا مَا لَا ضَرَرَ فِي إحْيَائِهِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ
стр. 2664
إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْبِنَاءُ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ لِلسُّكْنَى وَلَا لِغَيْرِهَا إلَّا الْقَنَاطِرَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهَا انْتَهَى.
ص (وَافْتَقَرَ لِإِذْنٍ)
ش: أَيْ وَافْتَقَرَ إحْيَاءُ الْمَوَاتِ لِإِذْنِ الْإِمَامِ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَقْطَعَ شَيْئًا مِنْ الْمَوَاتِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ انْتَهَى
ص (أَوْ جَعْلَهُ مُتَعَدِّيًا)
ش: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ أَنَّ الْقَرِيبَ الَّذِي لَا ضَرَرَ فِيهِ يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ فَإِذَا أَحْيَاهُ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ تَعَقَّبَ الْإِمَامُ مَا فَعَلَهُ هَذَا فَإِنْ رَأَى إمْضَاءَهُ أَمْضَاهُ وَإِنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ أَخَذَهُ مِنْهُ وَأَعْطَاهُ قِيمَةَ مَا صَنَعَهُ مَنْقُوضًا إنْ رَدَّهُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَإِنْ شَاءَ كَلَّفَهُ بِهَدْمِهِ وَإِنْ شَاءَ أَقْطَعَهُ لِغَيْرِهِ فَكَانَ لِذَلِكَ الَّذِي أَقْطَعَهُ إيَّاهُ الْإِمَامُ أَنْ يَأْمُرَ هَذَا بِمَا كَانَ الْإِمَامُ يَأْمُرُهُ بِهِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَجْمَلَهُ الْمُؤَلِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ أَوْ جَعَلَهُ مُتَعَدِّيًا انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَمِثْلُهُ يُقَالُ عَلَى كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْمَشْهُورُ مَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ لِلْإِمَامِ إمْضَاءَهُ أَوْ جَعْلَهُ مُتَعَدِّيًا فَيُعْطِي قِيمَةَ بِنَائِهِ مَقْلُوعًا وَرَأَى اللَّخْمِيُّ أَنَّهُ يُعْطِي قِيمَتَهُ قَائِمًا لِلشُّبْهَةِ اللَّخْمِيُّ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ إنْ رَأَى أَنْ يُقِرَّهُ لَهُ أَوْ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهُ مَنْقُوضًا أَوْ يَأْمُرَهُ بِقَلْعِهِ أَوْ يُقْطِعَهُ لِغَيْرِهِ وَيَكُونَ لِلْأَوَّلِ قِيمَتُهُ مَنْقُوضًا ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ التَّوْضِيحِ أَنَّ كَلَامَ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ خِلَافُ الْمَشْهُورِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَكَمَا يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَابْنِ الْحَاجِبِ أَوْ جَعْلَهُ مُتَعَدِّيًا أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْغَلَّةِ بَلْ ظَاهِرُ نُصُوصِهِمْ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْغَلَّةِ بَلْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ أَنَّ اللَّخْمِيَّ رَأَى أَنْ تَكُونَ لَهُ قِيمَةُ الْبِنَاءِ قَائِمًا لِلشُّبْهَةِ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ قِيمَتُهُ مَنْقُوضًا قَالَ وَلَوْ قِيلَ قَائِمًا لِلشُّبْهَةِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ انْتَهَى.
ص (وَقَضَاءُ دَيْنٍ)
ش:
стр. 2665
يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ قَضَاءُ الدَّيْنِ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ فِي كِتَابِ الْبِدَعِ أَرَادَ بِالْقَضَاءِ الْمُعْتَادَ الَّذِي فِيهِ يَسِيرُ الْعَمَلِ وَقَلِيلُ الْعَيْنِ وَأَمَّا لَوْ كَانَ قَضَاءً بِمَالٍ جَسِيمٍ يَحْتَاجُ الْمُؤْنَةَ وَالْوَزْنَ وَالِانْتِقَادَ وَيَكْثُرُ فِيهِ الْعَمَلُ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجَامِعِ مِنْ الذَّخِيرَةِ قَالَ مَالِكٌ وَيُنْهَى السُّؤَالُ عَنْ السُّؤَالِ فِي الْمَسْجِدِ وَالصَّدَقَةُ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَيُكْرَهُ الْعَمَلُ فِي الْمَسَاجِدِ إلَى آخِرِهِ يَنْبَغِي أَنْ تُنَزَّهَ الْمَسَاجِدُ عَنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَاسْتَخَفَّ فِي الْبَيَانِ قَضَاءَ الدَّيْنِ وَكَتْبَ الْحَقِّ فِيهِ مَا لَمْ يَطُلْ وَإِنْشَادَ الضَّالَّةِ وَعَمَلَ الصِّنَاعَةِ وَالسُّؤَالَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي النَّوَادِرِ مَنْ سَأَلَ فَلَا يُعْطَى وَأَمَرَ بِحِرْمَانِهِمْ وَرَدِّهِمْ خَائِبِينَ قَالَ التَّادَلِيُّ كَانَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ يُغَلِّظُ عَلَيْهِمْ فِي النَّهْيِ وَرُبَّمَا أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ إلَى السِّجْنِ وَكَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ عَلَى الْعَكْسِ مِنْهُ فَيَرْفُقُ بِهِمْ وَيَسْأَلُ عَنْ أَحْوَالِهِمْ وَيَتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ فَالْأَوَّلُ تَصَرَّفَ بِالشَّرْعِ وَالثَّانِي بِعَيْنِ الْحَقِيقَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى قَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ» قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا إنَّمَا يُمْنَعُ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ عَمَلِ الصِّنَاعَاتِ مَا يَخْتَصُّ بِمَنْفَعَةِ آحَادِ النَّاسِ مِمَّا يُتَكَسَّبُ بِهِ فَلَا يُتَّخَذُ الْمَسْجِدُ مَتْجَرًا فَأَمَّا إنْ كَانَتْ لِمَا يَشْمَلُ الْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ مِثْلُ الْمُثَاقَفَةِ وَإِصْلَاحُ آلَاتِ الْجِهَادِ مِمَّا لَا مِهْنَةَ فِي عَمَلِهِ لِلْمَسْجِدِ فَلَا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَيُجْعَلُ الْمَاءُ الْعَذْبُ فِي الْمَسَاجِدِ وَكَانَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهَى.
ص (وَإِنَاءٌ لِبَوْلٍ إنْ خَافَ سَبُعًا)
ش: قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَكَذَلِكَ الْغَرِيبُ إذَا لَمْ يَجِدْ أَيْنَ يُدْخِلُ دَابَّتَهُ فَإِنَّهُ يُدْخِلُهَا فِي الْمَسْجِدِ إذَا خَافَ عَلَيْهَا مِنْ اللُّصُوصِ انْتَهَى.
ص (وَمُنِعَ عَكْسُهُ)
ش: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَسُكْنَى فَوْقَهُ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ نَذْرِ سُنَّةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ لَا خِلَافَ أَنَّ لِظَاهِرِ الْمَسْجِدِ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا لِلْمَسْجِدِ وَلَا يُورَثُ الْمَسْجِدُ وَلَا الْبُنْيَانُ الَّذِي فَوْقَهُ وَيُورَثُ الْبُنْيَانُ الَّذِي تَحْتَهُ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَلَيْهِ هَلْ تُكْرَهُ ابْتِدَاءً وَتَصِحُّ إنْ فُعِلَتْ أَوْ لَا تَصِحُّ وَيُعِيدُ أَبَدًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَإِخْرَاجِ رِيحٍ)
ش: عَدَّهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَتِهِ فِي بَابِ تَطْيِيبِ الْمَسَاجِدِ فِي شَرْحِ قَوْلِ عَائِشَةَ «أَمَرَ ﵊ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ» وَنَظَافَتُهَا أَنْ لَا تَبْقَى فِيهَا قُمَامَةٌ مِنْ الْخِرَقِ وَالْقَذَى وَالْعِيدَانِ وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ الْحَدَثُ يَكُونُ فِيهِ مِنْ رِيحٍ أَوْ صَوْتٍ وَلَا يُنَاقِضُ تَنْظِيفَهُ تَعْلِيقُ قِنْوٍ فِيهِ مِنْ ثَمَرٍ يَأْكُلُهُ الْمَسَاكِينُ وَلَا أَكْلُ مَا فِيهِ إذَا وَضَعَ لُقَاطَةً أَوْ سُقَاطَةَ مَا يَأْكُلُ فِي حِجْرِهِ أَوْ كُمِّهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي بَابِ الْمَشْيِ إلَى الْمَسْجِدِ وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِيهِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ ﷺ «لَا تَزَالُ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ» قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ مَا الْحَدَثُ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إرْسَالِهِمَا فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُرْسِلُهُ فِي بَيْتِهِ إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ وَأَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا يُنَزَّهُ عَنْ نَجَاسَةٍ عَيْنِيَّةٍ انْتَهَى.
ص (وَمُكْثٌ بِنَجِسٍ)
ش: هَذَا الَّذِي صَدَّرَ بِهِ ابْنُ شَعْبَانَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي
следующие страницы →