Полный текст (3 087 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
الرِّوَايَةِ أَنْ تَكُونَ الطَّلْقَةُ الَّتِي حَلَفَ بِهَا هِيَ الثَّالِثَةُ. وَالْأَقْرَبُ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا لِوَجْهِ رُجُوعِهِ إِلَى طَلَاقِ الْبَتِّ، وَيَكُونُ الْوَجْهُ مَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ، وَنَصَّهُ الشَّيْخُ، انْظُرْ قَوْلَهُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ وَجْهٌ، وَلَعَلَّ الْوَجْهَ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الْأَمَةُ الَّتِي حُلِفَ بِعِتْقِهَا، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي حُلِفَ بِطَلَاقِهَا، عُلِّقَ بِهَا الْحَالِفُ، وَيُخْشَى أَنْ لَا يَتْرُكَهَا إِنْ حَنِثَ، فَالْوَجْهُ حِينَئِذٍ الْفِطْرُ، أَوْ غَيْرُ هَذَا مِمَّا يُعْرَفُ عِنْدَ النُّزُولِ، انْتَهَى.
وَيَكُونُ قَوْلُهُ: كَوَالِدٍ وَشَيْخٍ- تَشْبِيهًا لِإِفَادَةِ الْحُكْمِ، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الرِّوَايَةِ وَسِيَاقِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِطْرَهُ لِلْوَالِدَيْنِ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَكُونَ رِقُّهُ عِلَّةً لِإِدَامَةِ صَوْمِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّيْخِ: الشَّيْخُ الَّذِي أَخَذَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ، كَذَا قَيَّدَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ بَعْدَ مَسْأَلَةِ الْوَالِدِ: (قُلْتُ) : ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ شَيْخَهُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ عَلَيْهِ الْعِلْمَ لَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْأَبِ، وَكَانَ بَعْضُ مَنْ لَقِيتُهُ يُفْتِي بِأَنَّهُ كَهُوَ، انْتَهَى.
وَإِذَا أَفْطَرَ لِطَاعَةِ وَالِدَيْهِ أَوْ شَيْخِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْقَضَاءِ، كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ عِيَاضٍ، انْتَهَى.
وَكَلَامُ عِيَاضٍ الْمُشَارُ إِلَيْهِ هُوَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ جَاءَ عَنْ عِيسَى بْنِ مِسْكِينٍ أَحَدِ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ قَالَ لِصَاحِبٍ لَهُ فِي صَوْمِ تَطَوُّعٍ أَمَرَهُ بِفِطْرِهِ: ثَوَابُكَ فِي سُرُورِ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ بِفِطْرِكَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِكَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِقَضَاءٍ. فَقَالَ عِيَاضٌ: قَضَاؤُهُ وَاجِبٌ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ - يَعْنِي ابْنَ مِسْكِينٍ - لِوُضُوحِهِ، انْتَهَى.
وَفِي أَخْذِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَالْفِطْرُ مُبَاحٌ، فَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، وَلَا يُعْلَمُ شَيْءٌ يُبَاحُ لِأَجْلِهِ الْفِطْرُ فِي التَّطَوُّعِ، وَيَلْزَمُ الْقَضَاءُ.
وَالْمَسْأَلَةُ نَقَلَهَا ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ، وَتَقَدَّمَ فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَنِ التَّادَلِيِّ أَنَّهُ لَا يَقْضِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : لَوْ حَلَفَ هَذَا الصَّائِمُ لَيُفْطِرَنَّ كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، نَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) : رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نَزَلَ عَلَى قَوْمٍ فَلَا يَصُومَنَّ تَطَوُّعًا إِلَّا بِإِذْنِهِمْ» قَالَ فِي الْعَارِضَةِ: حَدِيثٌ مُنْكَرُ السَّنَدِ صَحِيحُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُمْ يَتَكَلَّفُونَ لَهُ فَيَفْسُدَ عَلَيْهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلِمَهُمْ حَتَّى لَا يَخْسَرُوا، انْتَهَى.
ص: (وَكَفَّرَ إِنْ تَعَمَّدَ) ش: ابْنُ عَرَفَةَ: وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي إِفْسَادِ صَوْمِ رَمَضَانَ انْتِهَاكًا بِمُوجِبِ الْغُسْلِ: وَطْئًا، وَإِنْزَالًا. وَالْإِفْطَارَ بِمَا يَصِلُ إِلَى الْجَوْفِ أَوِ الْمَعِدَةِ مِنَ الْفَمِ، وَأَكْلَ النَّاسِي، وَمُخْطِئَ الْفَجْرَ، وَظَانَّ الْغُرُوبِ لَا يُوجِبُهَا. وَفِي جِمَاعِ النَّاسِي ثَالِثُهَا يَتَقَرَّبُ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنَ الْخَيْرِ لَهَا. وَلِابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ، انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) : مَنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ فِي يَوْمِ ثَلَاثِينَ، ثُمَّ جَاءَ الثَّبْتُ أَنَّهُ يَوْمُ الْعِيدِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا قَضَاءَ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ تُفْطِرُ مُتَعَمِّدَةً ثُمَّ تَعْلَمُ أَنَّهَا حَاضَتْ قَبْلَ فِطْرِهَا. وَعَنِ ابْنِ حَمْدِيسَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الطَّلَبَةِ: عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ، نَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ. وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ إِثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَمِثْلُهَا مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مُعْتَقِدًا أَنَّهَا فِي الْعِدَّةِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْهَا غَرَّ وَسَلَّمَ، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
وَمَنْ سَلَّمَ مُعْتَقِدًا عَدَمَ إِتْمَامِ صِلَاتِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ تَمَامَهَا كَذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ التُّونِسِيُّ اخْتَارَ إِبْطَالَهَا لِأَنَّهُ قَاصِدٌ لِإِبْطَالِهَا بِسَلَامِهِ.
وَكَذَا إِنْ حَلَفَ فِي مَسَائِلِ الْغَمُوسِ مُعْتَقِدًا لِلْكَذِبِ، أَوْ حَلَفَ عَلَى الظَّنِّ أَوِ الْوَهْمَ أَوِ الشَّكِّ لِلْقَطْعِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ مُوَافَقَةِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ يَقِينًا. انْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ فِي الصَّائِمِ، وَانْظُرْ الْمُقَدِّمَاتِ فِي فَصْلِ السَّهْوِ.
ص: (وَجَهْلٍ) ش: أَيْ بِلَا جَهْلٍ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى الْجَاهِلِ. قَالَ اللَّخْمِيُّ: اخْتُلِفَ فِي الْجَاهِلِ.
فَجَعَلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ كَالْعَامِدِ، فَقَالَ فِي الَّذِي يَتَنَاوَلُ فَلْقَ حَبَّةٍ: إِنْ كَانَ سَاهِيًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ عَامِدًا كَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ. وَالْمَعْرُوفُ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْجَاهِلَ فِي حُكْمِ الْمُتَأَوَّلِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ انْتِهَاكَ صَوْمِهِ، وَلَوْ كَانَ رَجُلٌ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، يَظُنُّ أَنَّ الصِّيَامَ الْإِمْسَاكَ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ دُونَ الْجِمَاعِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إِنْ جَامَعَ، انْتَهَى.
ثُمَّ اسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِيمَنْ سَافَرَ دُونَ
стр. 982
الْقَصْرِ، أَوْ قَدِمَ لَيْلًا فَأَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَفِي الْمَرْأَةِ تَطْهُرُ لَيْلًا فَلَمْ تَغْتَسِلْ إِلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ فَتُفْطِرُ- قَالَ: فَكُلُّ هَؤُلَاءِ أَفْطَرُوا عَلَى الْجَهْلِ بِمُوجِبِ الْحُكْمِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْجَهْلِ مَا لَمْ يَتَأَوَّلْ شَيْئًا لَا تَأْوِيلًا قَرِيبًا وَلَا بَعِيدًا.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي الْكَبِيرِ: وَاخْتُلِفَ فِي الْجَاهِلِ. فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ هَذَا فِيمَنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَعْلَمْ صَوْمَ رَمَضَانَ هَلْ هُوَ فَرْضٌ أَمْ لَا؟ انْتَهَى.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْجَهْلِ بِوُجُودِ رَمَضَانَ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَاضِحٌ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا ذَكَرَ فِيهِ خِلَافًا. بَلِ الْمَذْهَبُ أَنَّ مَنْ أَكَلَ فِي يَوْمِ الشَّكِّ قَبْلَ أَنْ يَثْبُتَ الْهِلَالُ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ الْأَسِيرُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِرَمَضَانَ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ قَوْلًا بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْجَاهِلِ وَالْمُتَأَوِّلِ - فَإِنَّهُ جَاهِلٌ أَيْضًا بِالْحُكْمِ - فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ ثُمَّ إِنَّهُمْ فَرَّقُوا فِي الْمُتَأَوِّلِ بَيْنَ التَّأْوِيلِ وَالْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ- فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا إِذَا حَمَلَ الْجَاهِلُ عَلَى مَنْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، فَجَهِلَ وُجُوبَ رَمَضَانَ، أَوْ بَعْضَ مَا يَمْنَعُهُ رَمَضَانُ مِنْ أَحْكَامِهِ الْمُشْتَهِرَةِ. وَالْمُتَأَوِّلُ مَنْ أَفْطَرَ لِوَجْهٍ يُخْفِي حُكْمَهُ. بَلْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِجَوَازِ الْإِفْطَارِ بِهِ.
وَحَاصِلُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُتَأَوِّلِ وَالْجَاهِلِ، وَأَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا بِوَجْهٍ؛ وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا هِيَ عَلَى الْمُنْتَهِكِ، فَمَنْ لَمْ يَنْتَهِكْ وَادَّعَى وَجْهًا يُعْذَرْ بِهِ وَجَاءَ مُسْتَفْتِيًا- قُبِلَ مِنْهُ، وَمَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ نَظَرٌ فِيمَا يَدَّعِيهِ، فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِمَّا يَرَى أَنَّ مِثْلَهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ صُدِّقَ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ بَعِيدًا لَمْ يُصَدَّقْ. قَالَ اللَّخْمِيُّ إِثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَذِكْرِهِ التَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ مَا نَصَّهُ الشَّيْخُ: أَصْلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ قَصَدَ الْفِطْرَ جُرْأَةً وَانْتِهَاكًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ نُظِرَ إِنَّ مَنْ أَفْطَرَ بِتَأْوِيلٍ، فَإِنْ جَاءَ مُسْتَفْتِيًا وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ صُدِّقَ فِيمَا يَدَّعِيهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ جُرْأَةً، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ نُظِرَ فِيمَا يَدَّعِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى أَنَّ مِثْلَهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ صُدِّقَ، وَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ لَمْ يُصَدَّقْ وَأُلْزِمَ الْكَفَّارَةَ وَهَذِهِ فَائِدَةُ قَوْلِهِمْ: إِنَّ هَذَا يَنْوِي، وَلَا يَنْوِي الْآخَرُ، وَيُجْبَرُ عَلَى الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ كَانَ إِخْرَاجُ الْكَفَّارَةِ إِلَيْهِ إِذَا ادَّعَى مَا لَا يُشْبِهُ، لَمْ يَكُنْ لِلتَّفْرِقَةِ وَجْهٌ. وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِي الْأَمْوَالِ، فَمَنْ كَانَ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، أَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، أَوْ عِتْقٌ عَنْ ظِهَارٍ، أَوْ قَتْلٌ، أَوْ هَدْيٌ، فَامْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ. وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ فِيمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَارَّةٌ، فَمَاتَ قَبْلَ إِخْرَاجِ ذَلِكَ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنَ التَّرِكَةِ إِذَا لَمْ يُفَرِّطْ.
فَإِنْ قِيلَ: الْكَفَّارَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا هَلْ هِيَ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي فَكَيْفَ يُجْبَرُ عَلَى إِخْرَاجِهَا مَعَ الْقَوْلِ أَنَّهَا عَلَى التَّرَاخِي؟ قِيلَ: إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا مَنْ كَانَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ يُخْرِجُهَا، وَأَمَّا مَنْ عُلِمَ مِنْهُ جُحُودُهَا، وَأَنَّهُ يَقُولُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَلَا يُؤْخَذُ بِهَا. وَهَذَا فِي الْحُقُوقِ الَّتِي تَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يُوجِبْهَا عَلَى نَفْسِهِ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَا تَطَوَّعَ بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: مَالِي صَدَقَةٌ لِلْمَسَاكِينِ فِي غَيْرِ يَمِينٍ. فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُجْبَرُ عَلَى إِنْفَاذِ ذَلِكَ. وَقَالَ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ مِنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ: يُجْبَرُ. وَبَقِيَّةُ مَا تَعَلَّقُ بِذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ، انْتَهَى بِلَفْظِهِ.
وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَصَاحِبُ التَّوْضِيحِ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْكَفَّارَةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا، وَلَمْ يَتَعَقَّبُوهُ بِرَدٍّ وَلَا غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) :
الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْكَفَّارَةِ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: قَالَ اللَّخْمِيُّ: مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ الْإِجْبَارُ عَلَى الْكَفَّارَةِ، وَلَا يُوكَلُ إِلَى الْأَمَانَةِ. فَمَنِ ادَّعَى سُقُوطَهَا بِجَهْلٍ أَوْ تَأْوِيلٍ لَمْ يُصَدَّقْ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يُشْبِهُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ: هِيَ مَوْكُولَةٌ إِلَى الْأَمَانَةِ، انْتَهَى.
الثَّانِي: قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَتَسْتَقِرُّ الْكَفَّارَةُ فِي الذِّمَّةِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا، انْتَهَى.
الثَّالِثُ: قَالَ الْجُزُولِيُّ: لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُفْطِرَ بِالتَّأْوِيلِ، دُونَ أَنْ يَسْمَعَ فِيهِ شَيْئًا. انْتَهَى، وَهَذَا مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا دُونَ أَنْ يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (فِي رَمَضَانَ فَقَطْ) ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَا يُكَفِّرُ فِي دَهْرٍ مَنْذُورٍ صَوْمُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، انْتَهَى.
стр. 983
وَقَالَ فِي الْبَيَانِ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ: وَسُئِلَ سَحْنُونٌ عَمَّنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ الدَّهْرَ كُلِّهِ فَأَفْطَرَ يَوْمًا، قَالَ سَحْنُونٌ: إِنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا أَوْ مِنْ عُذْرٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ أَفْطَرَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، قِيلَ: وَمَا الْكَفَّارَةُ؟ قَالَ: إِطْعَامُ مِدٍّ. أَخْبَرَ بِهِ أَبُو زَيْدٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ: أَنَّ عَلَيْهِ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا. وَوَجْهُ هَذَا: أَنَّهُ لَمَّا أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا مَا لَا يَجِدُ لَهُ قَضَاءً أَشْبَهَ الْفِطْرَ فِي رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا، فَإِنَّهُ لَا يَجِدُ لَهُ قَضَاءً، إِذْ قَدْ جَاءَ أَنَّهُ لَا يَقْضِيهِ بِصِيَامِ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: الْقِيَاسُ عَلَى كَفَّارَةِ التَّفْرِيطِ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَجَبَتْ لِلْفِطْرِ مُتَعَمَّدًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ الْفِطْرُ فِيهِ، وَهَذَا أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْفِطْرُ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ نَذَرَ صِيَامَ الدَّهْرِ فَلَزِمَهُ صِيَامُ ظِهَارٍ أَوْ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَصُومُ ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: يَصُومُ وَيُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنَ الْوَاضِحَةِ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَمَنْ نَذَرَ صِيَامَ الدَّهْرِ فَأَفْطَرَ يَوْمًا نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ فَعَلَ عَامِدًا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ؛ إِذْ لَا يَجِدُ لَهُ قَضَاءً. وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ: كَفَّارَةُ إِطْعَامِ مَسَاكِينَ، قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِالصَّوْمِ، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيَمِينِهِ، وَيُطْعِمْ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَمَنْ نَذَرَ صِيَامَ الدَّهْرِ، أَوْ نَذَرَ صِيَامَ الْاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، ثُمَّ لَزِمَهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ لِظِهَارٍ فَلْيَصُمْهَا لِظِهَارِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا نَذَرَ مِنْ صِيَامِ الدَّهْرِ مِنَ الْأَيَّامِ الْمُسَمَّاةِ، قَالَهُ مَالِكٌ. وَعَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ: يُطْعِمُ لِعِدَّةِ مَا صَامَ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدًّا، وَهَذَا أَدْنَى الْكَفَّارَةِ فِي الصَّوْمِ، انْتَهَى.
وَمِثْلُ صِيَامِ الْكَفَّارَةِ: صِيَامُ الْهَدْيِ، وَالْفِدْيَةِ، وَغَيْرِهِ مِمَّا يُشْبِهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْظُرْ كَلَامَ التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِهِ: وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ.
وَنَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْمَقْدِسِيِّ الْمَالِكِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ نَذَرَ صِيَامَ الدَّهْرِ ثُمَّ أَفْطَرَ يَوْمًا مُتَعَمِّدًا: قَالَ كَافَّةُ النَّاسِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وَانْظُرْ بَقِيَّتَهُ.
ص: (جِمَاعًا) ش: قَالَ سَنَدٌ: وَكَذَلِكَ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ لَوْ وَطِىءَ امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا، أَوْ فَرْجَ مَيْتَةٍ، أَوْ بَهِيمَةٍ، انْتَهَى مِنَ الذَّخِيرَةِ.
(فَرْعٌ) : قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَمَنِ احْتَلَمَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِمَا رُوِيَ «: ثَلَاثَةٌ لَا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ» ... فَذَكَرَ الِاحْتِلَامَ مِنْ ذَلِكَ. نَقَلَهُ الشَّيْخُ بَهْرَامُ فِي الْكَبِيرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (أَوْ رَفْعُ نِيَّةٍ نَهَارًا) ش: يَعْنِي بَعْدَ أَنْ أُصْبِحَ صَائِمًا، فَأَحْرَى إِذَا أَصْبَحَ نَاوِيًا لِلْفِطْرِ وَسَوَاءٌ اسْتَمَرَّ
стр. 984
بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى نِيَّةِ الْفِطْرِ، أَوْ نَوَى الصَّوْمَ نَهَارًا قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ جَمِيعِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَيُؤْخَذُ حُكْمُهُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي إِصْبَاحِهِ يَنْوِي الْفِطْرَ، قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ مَالِكٍ، وَأَشْهَبَ مَعَ رِوَايَتِيْ أَبِي الْفَرَجِ، وَفِيهَا: لَوْ أَصْبَحَ يَنْوِي الْفِطْرَ، ثُمَّ نَوَى الصَّوْمَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَفَّرَ. أَشْهَبُ: لَا كَفَّارَةَ. الصَّقَلِّيُّ: لَعَلَّهُ فِيمَنْ صَامَ بَعْضَهُ؛ إِذْ لَا تَرْتَفِعُ نِيَّتُهُ إِلَّا بِفِعْلٍ.
وَلَوْ كَانَ أَوَّلَ صَوْمِهِ كَفَّرَ اتِّفَاقًا. وَفِيهَا الشَّكُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ: بِكَفَّارَةِ مَنْ نَوَى الْفِطْرَ بَعْدَ الصُّبْحِ. ابْنُ الْقَاسِمِ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُكَفَّرَ. سَحْنُونُ: لَا كَفَّارَةَ، وَقَضَاؤُهُ مُسْتَحَبٌّ. فَخَرَّجَهُمَا عِيَاضٌ عَلَى صِحَّةِ رَفْضِهِ وَامْتِنَاعِهِ. الشَّيْخُ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ: مَنْ نَوَى الْفِطْرَ بَعْدَ الْفَجْرِ نَهَارَهُ لَمْ يُفْطِرْ بِالنِّيَّةِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : لَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنِ ارْتَدَّ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. ذَكَرَهُ فِي الْمَعُونَةِ. وَفِي الْعُمْدَةِ مُخْتَصَرَةِ الْمَعُونَةِ: وَالرِّدَّةُ مُبْطِلَةٌ، وَلَا يُلْزَمُ قَضَاءَ مَا أَفْطَرَهُ فِيهَا إِذَا أَسْلَمَ كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، انْتَهَى.
ص: (أَوْ أَكْلًا أَوْ شُرْبًا) ش: انْظُرْ مَا مُرَادُهُ بِالْأَكْلِ: هَلْ هُوَ الْأَكْلُ الْمُعْتَادُ؟ فَلَا تَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ بِالْحَصَا وَالتُّرَابِ وَنَحْوِهِ. أَوْ مُرَادُهُ مَا قَدَّمَ أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ الْإِفْطَارُ فَيَعُمُّ ذَلِكَ الْجَمِيعَ؟
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْكَفَّارَةِ: وَفِي نَحْوِ التُّرَابِ وَفِلْقَةِ الطَّعَامِ عَلَى تَفْرِيعِ الْإِفْطَارِ قَوْلَانِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْأَقْرَبُ سُقُوطُ الْكَفَّارَةِ، انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وُقُوعُ الْفِطْرِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَشَى عَلَى مَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ. وَالَّذِي اخْتَارَهُ هُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ، وَهُوَ يَرَى الْكَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ فِي الْعَمْدِ.
وَنَصَّ اللَّخْمِيُّ فِي بَابِ مَا يَقَعُ بِهِ الْفِطْرُ: وَاخْتُلِفَ فِي الْحَصَى وَالدِّرْهَمِ. فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ: لَهُ حُكْمُ الطَّعَامِ فَعَلَيْهِ فِي السَّهْوِ الْقَضَاءُ، وَفِي الْعَمْدِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَعَمِّدًا، فَيَقْضِي لِتَهَاوُنِهِ. وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ الْحَصَى يَشْغَلُ الْمَعِدَةَ إِشْغَالًا وَيُنْقِصُ مِنْ كَلَبِ الْجُوعِ، انْتَهَى.
ص: (بِإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا) ش: وَلَوْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا سِتِّينَ يَوْمًا لَمْ يُجْزِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمَقْصُودُ سَدُّ سِتِّينَ خَلَّةً، وَهُوَ حَاصِلٌ، فَلِمَ لَا يُجْزِئُ؟ قِيلَ: الْمَقْصُودُ سَدُّ خُلَّةِ سِتِّينَ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْأَجْرِ، وَلِتَوَقُّعِ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ وَلِيٌّ مَقْبُولُ الدُّعَاءِ. نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ.
(فَائِدَةٌ) : وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ فِي حَدِيثِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ فِي حَدِيثِ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ
стр. 985
بَعْدَ ذِكْرِ الرَّقَبَةِ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ بَدَنَةً؟ قَالَ: لَا» . قَالَ فِي التَّمْهِيدِ: وَهَذَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُسْنَدَةِ الصِّحَاحِ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْبَدَنَةِ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَذِكْرُ الْبَدَنَةِ هُوَ الَّذِي أُنْكِرَ عَلَى عَطَاءٍ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ يُفْتِي بِهِ إِلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَجَامِعُ فِي رَمَضَانَ عَامِدًا رَقَبَةً، أَهْدَى بَدَنَةً إِلَى مَكَّةَ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا.
ص: (لِكُلِّ مُدٍّ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ أَشْهَبُ: الْمُدُّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنِ الْغَذَاءِ وَالْعَشَاءِ. وَنَقَلَهُ فِي الشَّامِلِ بِلَفْظِ: إِنْ شَاءَ.
(تَنْبِيهَاتٌ) :
الْأَوَّلُ: فَلَوْ أَطْعَمَ ثَلَاثِينَ: مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ فِي يَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يُجْزِهِ حَتَّى يُطْعِمَ ثَلَاثِينَ آخَرِينَ، انْتَهَى مِنَ الذَّخِيرَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
أَبُو الْحَسَنِ: وَلَهُ أَنْ يَسْتَرْجِعَ ثَلَاثِينَ مُدًّا مِنَ الْمَسَاكِينِ، وَيُعْطِيَهَا غَيْرَهُمْ، فَإِنْ فَوَّتُوهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِمْ رُجُوعٌ، كَمَنْ عَوَّضَ مِنْ صَدَقَةٍ ظَانًّا لُزُومَهَا، انْتَهَى.
الثَّانِي: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: اللَّخْمِيُّ صَنَّفَهَا كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي كَوْنِ إِطْعَامِ الْكَفَّارَةِ لِأَيَّامٍ مِنْ رَمَضَانَ وَاحِدٍ كَيَمِينٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَأْخُذُ مِنْهَا الْمِسْكِينُ الْوَاحِدُ إِلَّا لِيَوْمٍ وَاحِدٍ. أَوْ أَيَّامَهُ كَأَيْمَانٍ يُجْزِيهِ أَخْذُهُ لِلْيَوْمَيْنِ نَظَرٌ، وَهَذَا أَبْيَنُ. وَقَوْلُ الْجَلَّابِ: لَوْ أَطْعَمَ سِتِّينَ لِإِحْدَى كَفَارَتَيْهِ، ثُمَّ أَطْعَمَهُمْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لِلْأُخْرَى أَجْزَأَهُ؛ مَفْهُومُهُ لَوْ أَطْعَمَهُمْ عَنْهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ لَمْ يُجْزِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، انْتَهَى.
الثَّالِثُ: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ: وَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْأَيَّامِ، وَلَا تَتَعَدَّدُ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ اتِّفَاقًا، وَلَا بَعْدَهُ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَعْرُوفِ مِنَ الْمَذْهَبِ. وَقَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ أَيَّامِ مُوجِبِهَا وَلَوْ قَبْلَ إِخْرَاجِهَا، لَا بِتَعَدُّدِ مُوجِبِهَا قَبْلَهُ اتِّفَاقًا، وَبُعْدَهُ نَقَلًا. ابْنُ بَشِيرٍ عَنِ الْمُتَأَخِّرِينَ، انْتَهَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَهُوَ الْأَفْضَلُ) ش: قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَإِنْ كَانَ حُرًّا مَالِكَ التَّصَرُّفِ، وَيُكَفِّرُ الْعَبْدُ وَالْأُمَّةُ بِالصِّيَامِ إِلَّا أَنْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِالسَّيِّدِ، فَيَبْقَى دَيْنًا عَلَيْهِمَا إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ السَّيِّدُ فِي الْإِطْعَامِ. وَنَقَلَهُ الْمُصَنَّفُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَإِذَا فَعَلَ السَّفِيهُ مُوجَبَ الْكَفَّارَةِ، وَقُلْنَا: إِنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ، أَمَرَهُ وَلَيُّهُ بِالصِّيَامِ لِحِفْظِ مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ وَأَبَى، كَفَّرَ عَنْهُ وَلِيُّهُ بِالْأَقَلِّ مِنِ الْعِتْقِ وَالطَّعَامِ. عَبْدُ الْحَقِّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ إِذَا أَبَى مِنَ الصَّوْمِ. قَالَ: وَهُوَ الْأَبْيَنُ، انْتَهَى مِنَ التَّوْضِيحِ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيُّ: أَفْتَى مُتَأَخِّرُو أَصْحَابِنَا بِالْإِطْعَامِ فِي الشِّدَّةِ، وَالْعِتْقِ فِي الرَّخَاءِ. وَأَبُو إِبْرَاهِيمَ: بِصَوْمِ ذِي سَعَةٍ.
وَبَادَرَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْأَمِيرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حِينَ سَأَلَ الْفُقَهَاءَ عَنْ وَطْءِ جَارِيَةٍ لَهُ فِي رَمَضَانَ بِكَفَّارَتِهِ بِصَوْمِهِ، فَسَكَتَ حَاضَرُوهُ. ثُمَّ سَأَلُوهُ: لِمَ لَمْ تُخَيِّرْهُ فِي أَحَدِ الثَّلَاثَةِ؟ فَقَالَ: لَوْ خَيَّرْتُهُ وَطِىءَ كُلَّ يَوْمٍ وَأَعْتَقَ. فَلَمْ يُنْكِرُوهُ.
عِيَاضٌ: وَحَكَاهُ فَخْرُ الدِّينِ عَنْ بَعْضِهِمْ. وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ مِمَّا ظَهَرَ مِنَ الشَّرْعِ إِلْغَاؤُهُ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى إِبْطَالِهِ.
(قُلْتُ) : وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُفْتِيَ بِذَلِكَ رَأَى الْأَمِيرَ فَقِيرًا، مَا بِيَدِهِ إِنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ.
(قُلْتُ) : وَلَا يَرِدُ هَذَا بِتَعْلِيلِ الْمُفْتِي بِذَلِكَ بِمَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِيهِ، وَالتَّصْرِيحُ بِهِ مُوحِشٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ لِلْفَخْرِ: هَذَا الْمِثَالُ قَدْ يُتَحَيَّلُ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا أَبْطَلَهُ الشَّرْعُ؛ لِأَجْلِ قِيَامِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا شَرَعَ الْكَفَّارَةَ زَجْرًا، وَالْمُلُوكُ لَا تَنْزَجِرُ بِالْإِعْتَاقِ، فَتَعَيَّنَ مَا هُوَ زَجْرٌ فِي حَقِّهِمْ، فَهَذَا نَوْعٌ مِنَ النَّظَرِ
стр. 986
الْمَصْلَحِيِّ الَّذِي لَا تَأْبَاهُ الْقَوَاعِدُ، انْتَهَى.
ص: (وَعَنْ أَمَةٍ وَطِئَهَا، أَوْ زَوْجَةٍ أَكْرَهَهَا) ش: إِنَّمَا قَالَ فِي الْأَمَةِ وَطِئَهَا، وَالزَّوْجَةِ أَكْرَهَهَا؛ لِيُنَبَّهَ عَلَى أَنَّ طَوْعَ الْأُمَّةِ كَالْإِكْرَاهِ، فَإِذَا وَطِئَهَا وَجَبَّتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ طَائِعَةً أَوْ مُكْرَهَةً، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّمَا يُكَفِّرُ عَنْهَا إِذَا كَانَتْ مُكْرَهَةً.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَمَةِ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِنْ وَطِىءَ أَمَةً كَفَّرَ عَنْهَا، وَإِنْ طَاوَعَتْهُ؛ لِأَنَّ طَوْعَهَا كَالْإِكْرَاهِ لِلرِّقِّ، وَلِذَلِكَ لَا تُحَدُّ الْمُسْتَحَقَّةُ، وَإِنْ كَانَتْ تَعْلَمُ أَنْ وَاطِئَهَا غَيْرُ مَالِكٍ. قَالَ ابْنُ يُونُسَ: إِلَّا أَنْ تَطْلُبَهُ هِيَ بِذَلِكَ وَتَسْأَلَهُ فِيهِ، فَيَلْزَمُ الْأَمَةَ الْكَفَّارَةُ، وَتُحَدُّ الْمُسْتَحَقَّةُ، إِنْ لَمْ تُعْذَرْ بِجَهْلٍ، انْتَهَى.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِالسُّؤَالِ مَا إِذَا تَزَيَّنَتْ، وَلَمْ أَرَ فِي كِتَابِ الْأَصْحَابِ خِلَافَ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
(فَرْعٌ) : فَإِنْ أَعْتَقَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهَا، فَالْإِطْعَامُ عَنْهَا لَازِمٌ لَهُ، انْتَهَى مِنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَبِيرِ عَنِ ابْنِ يُونُسَ، وَانْظُرْ تَخْصِيصَهُ التَّكْفِيرَ عَنْهَا حِينَئِذٍ بِالْإِطْعَامِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ الْأَخَفُّ غَالِبًا، وَإِلَّا فَحِينَ صَارَتْ حُرَّةً فَيَصِحُّ التَّكْفِيرُ عَنْهَا بِالْعِتْقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَإِنْ فَعَلَ الْعَبْدُ ذَلِكَ بِمَنْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ فَهِيَ جِنَايَةٌ، إِمَّا أَنْ يُسْلِمَهُ السَّيِّدُ فِيهَا، أَوْ يَفْدِيَهُ بِالْأَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ مِنْ قِيمَتِهِ. وَلَوْ طَلَبَتِ الْمَفْعُولُ بِهَا أَخْذَ ذَلِكَ وَتَصُومُ عَنْ نَفْسِهَا لَمْ يُجْزِهَا وَإِنْ رَضِيَ السَّيِّدُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ لَهَا، فَيَصِيرُ ثَمَنُهَا لِلصِّيَامِ، وَالصِّيَامُ لَا ثَمَنَ لَهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِنْ أَكْرَهَ الْعَبْدُ زَوْجَتَهُ، فَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: هُوَ جِنَايَةٌ إِنْ شَاءَ السَّيِّدُ أَسْلَمَهُ، أَوِ افْتَكَّهُ بِأَقَلِّ الْقِيمَتَيْنِ مِنَ الرَّقَبَةِ أَوِ الطَّعَامِ. وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ ذَلِكَ وَتُكَفِّرَ بِالصِّيَامِ؛ إِذْ لَا ثَمَنَ لَهُ.
ابْنُ مُحْرِزٍ: وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ شَعْبَانَ: الرَّقَبَةُ الَّتِي يُكَفَّرُ بِهَا لَا رَقَبَةُ الْعَبْدِ الْجَانِي، وَهُوَ خِلَافُ مَا حَكَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ. وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْأُصُولِ مِمَّا حَكَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ. وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَفْتَدِيَهُ السَّيِّدُ بِالْأَكْثَرِ مِنَ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مُخَيَّرَةٌ فِيمَا تُكَفِّرُ بِهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَقْوَى عِنْدِي مِنَ الْأَوَّلِ، إِلَّا أَنَّهُ لَاحَظَ فِي الْأَوَّلِ كَوْنَ الْمُكَفِّرِ إِنَّمَا يُكَفِّرُ بِأَخَفِّ الْكَفَّارَاتِ لَا بِأَثْقَلِهَا، انْتَهَى بِمَعْنَاهُ.
خَلِيلٌ: وَقَوْلُهُ: خِلَافُ مَا حَكَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ إِلَخْ، يُرِيدُ لِأَنَّ عِبَارَةَ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: يَفْدِيهِ بِالْأَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ مِنْ قِيمَتِهِ، فَهَذَا يَقْتَضِي قِيمَةَ الْعَبْدِ وَلَيْسَ حُكْمَ الْجِنَايَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ كَهَذَا، بَلْ يَفْتَكُّهُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ، أَوْ يُسْلِمُهُ. وَعَلَى هَذَا فَفِي نَقْلِ أَبِي مُحَمَّدٍ نَظَرٌ. فَاعْلَمْهُ، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
(قُلْتُ) : وَلَيْسَ مَا قَالَاهُ مُتَعَيِّنًا فِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ، بَلْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَا، بِأَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: مِنْ ذَلِكَ- رَاجِعًا إِلَى مَا يُكَفِّرُ بِهِ وَهُوَ الرَّقَبَةُ وَالطَّعَامُ، وَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي رَقَبَتِهِ رَاجِعًا إِلَى ذَلِكَ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُسْلِمَهُ أَوْ يَفْتَكَّهُ بِالْأَقَلِّ مِنَ الرَّقَبَةِ وَالطَّعَامِ أَوْ قِيمَةِ الرَّقَبَةِ وَالطَّعَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: الْمَرْأَةُ مُخَيَّرَةٌ- يَعْنِي: فِيمَا إِذَا كَانَتْ تُكَفِّرُ عَنْ نَفْسِهَا، وَأَمَّا إِذَا كَفَّرَ الزَّوْجُ فَالْخِيَارُ لَهُ، وَلِهَذَا إِنَّمَا يَرْجِعُ بِالْأَقَلِّ. وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُلَاحِظَ أَكْثَرَ الْقِيمَتَيْنِ لِكَوْنِ الْمَرْأَةِ لَوْ كَفَّرَتْ عَنْ نَفْسِهَا كَانَتْ مُخَيَّرَةً. فَتَأَمَّلْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ النَّوَادِرِ: أَنَّهُ لَوْ أَكْرَهَ أَمَةً فَالْحُكْمُ كَالزَّوْجَةِ، بَلْ صَرِيحُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ: قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: وَإِذَا أَكْرَهَ الْمَرْأَةَ عَلَى الْوَطْءِ رَجُلَانِ، فَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا دُونَ الثَّانِي؛ وَذَلِكَ أَنَّ الثَّانِي لَمْ يُفْسِدْ صَوْمَهَا، وَلَا أَوْجَبَ عَلَيْهَا بِوَطْئِهِ مَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا،
стр. 987
انْتَهَى.
ص: (وَفِي تَكْفِيرِهِ عَنْهَا إِنْ أَكْرَهَهَا عَلَى الْقُبْلَةِ حَتَّى أَنْزَلَا تَأْوِيلَانِ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: اخْتُلِفَ فِي الَّذِي يُقَبِّلُ امْرَأَتَهُ مُكْرَهَةً حَتَّى يَنْزِلَا. فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُكَفِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَقَطْ، وَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَحَمْدِيسٌ: وَيُكَفِّرُ عَنْهَا، وَكُلُّ أَوَّلِ الْمُدَوَّنَةِ: عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَرَجَّحَ مَذْهَبَ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ؛ لِأَنَّ الِانْتِهَاكَ مِنَ الرِّجَالِ خَاصَّةً، انْتَهَى.
ص: (وَفِي تَكْفِيرِ مُكْرِهِ رَجُلٍ لِيُجَامِعَ قَوْلَانِ) ش: ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْأَقْرَبُ السُّقُوطُ؛ لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ، وَالْمُكْرَهُ مُبَاشِرٌ.
وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ: أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَى الْمُكْرِهِ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - عِنْدَ الْأَكْثَرِ. وَلَكِنَّ أَوَّلَ كَلَامِهِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْمُكْرَهِ - بِفَتْحِ الرَّاءِ -.
(تَنْبِيهٌ) : وَهَذَا الْخِلَافُ إِنَّمَا يَتَفَرَّعُ عَلَى الْقَوْلِ بِسُقُوطِهَا عَنِ الْمُكْرَهِ - بِفَتْحِ الرَّاءِ - وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ.
قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: وَاخْتُلِفَ فِي الرَّجُلِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْوَطْءِ. فَقِيلَ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَكْثَرُ أَقْوَالِ أَصْحَابِنَا: إِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ، وَالْخِلَافُ فِي حَدِّهِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى إِيجَابِ الْحَدِّ، انْتَهَى مِنْ شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: فَلَا كَفَّارَةَ فِي الْإِكْرَاهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي الرَّجُلِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْوَطْءِ قَوْلَانِ لَهَا، وَلِابْنِ الْمَاجِشُونِ.
عِيَاضٌ: وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ: وَتَبِعَ الْمُصَنِّفَ ﵀ فِي نَقْلِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُكْرَهِ ابْنُ الْحَاجِبِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَنَقْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وُجُوبَهَا عَلَى مَكْرِهِ رَجُلٍ عَلَى وَطْءٍ، لَا أَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي النَّائِمِ، وَقَوْلِ اللَّخْمِيِّ انْتِهَاكُ صَوْمِ غَيْرِهِ كَنَفْسِهِ، انْتَهَى.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُكْرِهُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - لَا خِلَافَ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُكْرَهِ، فَعَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ مُكْرِهٌ فِي قَوْلِ الْمُصَنَّفِ: وَفِي تَكْفِيرِ مُكْرَهِ رَجُلٍ - بِفَتْحِ الرَّاءِ يَعْنِي الَّذِي أَكْرَهَهُ رَجُلٌ - عَلَى الْوَطْءِ. وَفِيهِ تَكَلُّفٌ جَدًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَا تَجِبِ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَكْرَهٍ عَلَى أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوِ امْرَأَةٍ عَلَى وَطْءٍ، انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) : قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، فِيمَنْ غَرَّرَ رَجُلًا وَقَالَ لَهُ: لَمْ يَطَّلِعِ الْفَجْرُ وَجَعَلَ يَأْكُلُ: إِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَى الْغَارِّ؛ لِأَنَّهُ غُرُورٌ بِالْقَوْلِ، قَالَ: وَلَوْ أَطْعَمَهُ بِيَدِهِ لُقْمَّةً وَجَعَلَ الطَّعَامَ فِي فِيهِ فَهَاهُنَا يُكَفِّرُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ غُرُورٌ بِالْفِعْلِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى الْآكِلِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْتَهِكٍ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ كَذَبَ وَغَرَّهُ، انْتَهَى مِنَ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ. قَالَ: نَقَلَهُ مِنْ خَطِّ الْقَاضِي جَمَالِ الدِّينِ الْأَقْفَهْسِيِّ.
ص: (لَا إِنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا) ش: هَذَا هُوَ الْإِفْطَارُ بِالتَّأْوِيلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ عَلَى قِسْمَيْنِ: قَرِيبٍ وَبَعِيدٍ.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: الْقَرِيبُ مَا كَانَ مُسْتَنِدَ السَّبَبِ إِلَى أَمْرٍ مَوْجُودٍ، وَالْبَعِيدُ مَا اسْتَنَدَ إِلَى سَبَبٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْقَرِيبُ الْمُسْتَنِدُ لِحَادِثٍ، وَقَوْلُهُ: أَفْطَرَ نَاسِيًا، يَعْنِي: أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ مُبِيحٌ لَهُ الْإِفْطَارَ بَعْدَ ذَلِكَ، لِكَوْنِ صَوْمِهِ قَدْ بَطَلَ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ فَأَفْطَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مُتَعَمَّدًا مُعْتَقِدًا أَنَّ التَّمَادِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقِيلَ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ. وَثَالِثُهَا: إِنْ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ كَفَّرَ، وَبِغَيْرِهِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
ص: (أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ إِلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ مِنْ حَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ جُنُبٍ فَلَمْ يَغْتَسِلْ إِلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ صَوْمَهُ وَيُبِيحُ لَهُ الْإِفْطَارَ فَأَفْطَرَ مُتَعَمَّدًا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا الْمُصَنَّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ فِي هَذِهِ خِلَافًا، لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْعُذْرُ فِي هَذِهِ أَضْعَفُ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا، وَلِهَذَا يُمْكِنُ إِجْرَاءُ الْخِلَافِ فِيهَا.
ص: (أَوْ تَسَحَّرَ قُرْبَهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَسَحَّرَ قُرْبَ الْفَجْرِ فَظَنَّ أَنَّ صَوْمَهُ بَطَلَ وَأَنَّ ذَلِكَ يُبِيحُ لَهُ الْإِفْطَارَ فَأَفْطَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مُتَعَمَّدًا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ. وَالْعُذْرُ فِي هَذَا أَضْعَفُ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ قَبْلَهُ إِنْ لَمْ يُقِلْ أَحَدٌ
стр. 988
إِنَّ مَنْ تَسَحَّرَ قُرْبَ الْفَجْرِ يَبْطُلُ صَوْمُهُ. قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: وَلَا يَبْعُدُ إِجْرَاءُ الْخِلَافِ فِيهَا.
ص: (أَوْ قَدِمَ لَيْلًا) ش: يَعْنِي أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا قَدِمَ لَيْلًا فَظَنَّ أَنَّ الصَّوْمَ إِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ قَدِمَ نَهَارًا فَأَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَعُذْرُهُ فِي هَذِهِ أَضْعَفُ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إِذْ لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ إِلَى مَا تَوَهَّمَهُ، انْتَهَى.
وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ خِلَافًا، لَكِنْ يَبْعُدُ إِجْرَاءُ الْخِلَافِ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (أَوْ سَافَرَ دُونَ الْقَصْرِ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ سَافَرَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُبِيحُ لَهُ الْإِفْطَارَ فَنَوَى الْإِفْطَارَ وَأَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَعُذْرَهُ هُنَا أَقْوَى مِنَ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الَّتِي قَبِلَهُ؛ إِذْ قَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يُبِيحُ الْإِفْطَارَ، وَأَمَّا مَنْ أَصْبَحَ فِي الْحَضَرِ صَائِمًا فَسَافِرَ دُونَ الْقَصْرِ فَأَفْطَرَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجْرِي فِيهَا الْخِلَافُ فِيمَنْ سَافَرَ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَأَفْطَرَ لِذَلِكَ. وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِيهِ، بَلْ هُوَ أَحْرَى فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ.
ص: (أَوْ رَأَى شَوَّالًا نَهَارًا) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ رَأَى شَوَّالًا نَهَارًا ثَلَاثِينَ فِي رَمَضَانَ، فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُبِيحُ لَهُ الْإِفْطَارَ فَأَفْطَرَ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ رُؤْيَتُهُ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. فَقَدْ حَكَاهَا فِي التَّوْضِيحِ فِيمَنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ نِصْفَ النَّهَارِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ رَآهُ قَبْلَ الزَّوَالِ أُعْذِرَ، وَلِوُجُودِ الْخِلَافِ فِي إِبَاحَةِ الْإِفْطَارِ.
ص: (فَظَنُّوا الْإِبَاحَةَ) ش: رَاجِعٌ إِلَى الْمَسَائِلِ السِّتِّ، وَاحْتَرَزَ بِهِ مِمَّنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِفْطَارُ بِذَلِكَ فَأَفْطَرَ مُتَعَمَّدًا، فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) :
الْأَوَّلُ: تَقَدَّمَ مِنَ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ مَا إِذَا ثَبَتَ هِلَالُ رَمَضَانَ نَهَارًا، فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْإِمْسَاكَ لِعَدَمِ التَّثَبُّتِ، فَأَفْطَرَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْهِلَالِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَيَأْتِي مِنْهُ مَسْأَلَتَانِ:
الْأُولَى: مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ مُتَأَوِّلًا أَنَّ السَّفَرَ يُبِيحُ لَهُ الْإِفْطَارَ.
وَالثَّانِيَةُ: إِذَا أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ عَزَمَ عَلَى السَّفَرِ فَأَفْطَرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ ظَانًّا أَنَّ عَزْمَهُ عَلَى السَّفَرِ يُبِيحُ لَهُ الْإِفْطَارَ. بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَوْ أَفْطَرَ مُتَعَمَّدًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ.
وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ هُنَا؛ لِمَا سَيَذْكُرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: فَظَنُّوا الْإِبَاحَةَ- أَنَّهُمْ لَوْ شَكُّوا فِي الْإِبَاحَةِ لَزِمَتْهُمُ الْكَفَّارَةُ، وَأَحْرَى إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إِلَّا تَوَهُّمُ الْإِبَاحَةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِأَنَّهُمْ مَعَ ظَنِّ الْإِبَاحَةِ يَسْقُطُ عَنْهُمُ الْإِثْمُ، كَمَا سَيَأْتِي مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ.
وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ ظَنِّ الْإِبَاحَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْفِطْرِ. وَهُمْ آثِمُونَ فِي إِقْدَامِهِمْ عَلَى الْإِفْطَارِ مَعَ الشَّكِّ أَوْ مَعَ التَّوَهُّمِ، فَإِنْ أَفْطَرُوا فَعَلَيْهِمُ الْكَفَّارَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثُ: كُلُّ مِنْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِظَنِّهِ الْإِبَاحَةَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ ارْتِكَابَ مُحَرَّمٍ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّوْمِ، فِي مَسْأَلَةِ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ عَزَمَ عَلَى السَّفَرِ فَأَفْطَرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَمَسْأَلَةِ مَنْ أَفْطَرَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مُتَأَوِّلًا: أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا هِيَ تَكْفِيرٌ لِلذَّنْبِ، وَمَنْ تَأَوَّلَ فَهِمَ بِذَنَبٍ وَإِنَّمَا أَخْطَأَ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ تَجَاوَزَ لِأَمَةِ نَبِيهِ ﷺ عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ. وَوَجْهُ قَوْلِ مَنْ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ: هُوَ أَنَّهُ لَمْ يَعْذُرْهُ بِالْجَهْلِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَسَعُ جَهْلُهَا، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ فَكَأَنَّهُ يُلْزِمُهُ أَنْ يَتَوَقَّفَ حَتَّى يَسْأَلَ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ فَإِقْدَامُهُ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ، انْتَهَى.
ص: (بِخِلَافٍ بَعِيدِ التَّأْوِيلِ) ش: أَيْ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنَّفِ: أَنَّ التَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ هُوَ مَا اسْتَنَدَ إِلَى سَبَبٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ، لَكِنَّهُ لَا يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنَّفُ.
ص: (كَرَاءٍ وَلَمْ يُقْبِلْ) ش: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ:
стр. 989
تَأْوِيلُهُ أَقْرَبُ مِنْ تَأْوِيلِ الْمُسَافِرِ يُقْدِمُ لَيْلًا، (قُلْتُ) : وَأَقْرَبُ مِنْ تَأْوِيلِ مَنْ تَسَحَّرَ قُرْبَ الْفَجْرِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ تَأْوِيلَيْنِ: وَهُمَا قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ:
فَابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَأَشْهَبُ يَقُولُ بِالسُّقُوطِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْمَشْهُورُ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَهُمَا خِلَافٌ فِي حَالِ هَلْ هُوَ تَأْوِيلٌ قَرِيبٌ أَوْ بَعِيدٌ، وَجَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ قَوْلَ أَشْهَبَ خِلَافًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ يُونُسَ، وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ عَنِ الشُّيُوخِ: أَنَّهُمْ جَعَلُوهُ تَقْيِيدًا، انْتَهَى.
وَذِكْرَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا تَقَدَّمَ التَّأْوِيلَيْنِ، وَجَزَمَ هُنَا بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَأَنَّهُ مِنَ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ، فَكَأَنَّهُ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (أَوْ لِحُمَّى ثُمَّ حُمَّ، أَوْ لِحَيْضٍ ثُمَّ حَصَلَ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ أَنْ تَأْتِيَهُ الْحُمَّى فِي يَوْمٍ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، فَأَصْبَحَ فِي يَوْمِ الْحُمَّى مُفْطِرًا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَهُ الْحُمَّى - يُرِيدُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الصَّوْمِ إِذَا لَمْ تَأْتِهِ الْحُمَّى - ثُمَّ جَاءَتْهُ الْحُمَّى فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَنِدٌ لِسَبَبٍ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ.
وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ، إِذَا كَانَتْ مُعْتَادَةً أَنْ يَأْتِيَهَا الْحَيْضُ فِي يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ، فَأَصْبَحَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مُفْطِرَةً قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهَا الْحَيْضُ، ثُمَّ جَاءَهَا الْحَيْضُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ كَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبِلَهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا كَفَّارَةَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَرَآهُ مِنَ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ.
ص: (أَوْ حِجَامَةٍ) ش: حَمَلَهُ الشَّارِحُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ مَنْ احْتَجَمَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَظَنَّ أَنَّ صَوْمَهُ قَدْ بَطَلَ فَأَفْطَرَ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ مَعَ الْكَفَّارَةِ.
ثُمَّ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
زَادَ فِي الْكَبِيرِ: فَذَكَرَ عَنِ النَّوَادِرِ مَا نَصُّهُ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: كُلُّ مُتَأَوِّلٍ فِي الْفِطْرِ فَلَا يُكَفِّرُ إِلَّا فِي التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ، مِثْلُ أَنْ يَغْتَابَ أَوْ يَحْتَجَمَ، فَتَأَوَّلَ أَنَّهُ أَفْطَرَ لِذَلِكَ.
ثُمَّ قَالَ: وَمِنَ الْعَتَبِيَّةِ: قَالَ عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنِ احْتَجَمَ فِي رَمَضَانَ فَتَأَوَّلَ: إِنْ لَهُ الْفِطْرَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْقَضَاءُ، وَقَالَ أَصْبُغُ: هَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ، انْتَهَى كَلَامُ النَّوَادِرِ.
ثُمَّ قَالَ الشَّارِحُ: فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ مَسْأَلَةَ الْحِجَامَةِ مِنَ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُحْمَلَ مَسْأَلَةُ ابْنِ حَبِيبٍ عَلَى فَاعِلِ الْحِجَامَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ، وَمَسْأَلَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى الْمُحْتَجِمِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ، إِنْ ظَهَرَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : مَا ذَكَرَهُ عَنِ النَّوَادِرِ هُوَ كَذَلِكَ، وَالِاحْتِمَالُ الَّذِي أَرَادَ الْجَمْعَ بِهِ بَعِيدٌ.
أَمَّا أَوَّلًا فَلَا يَظْهَرُ أَنَّ بَيْنَ تَأْوِيلِ الْحَاجِمِ وَالْمُحْتَجِمِ الْإِفْطَارَ فَرْقًا؛ لِأَنَّ مُسْتَنَدَ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي تَأْوِيلِ الْإِفْطَارِ قَوْلُهُ ﷺ : «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمُحْتَجِمُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا عَنِ الْحَسَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مَرْفُوعًا، وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ.
وَأَمَا ثَانِيًا: فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ وَاللَّخْمِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ كَلَامَ ابْنِ حَبِيبٍ بِلَفْظِ: يَحْتَجِمُ- وَجَعَلُوهُ خِلَافَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَكَذَلِكَ الْمُصَنَّفُ فِي التَّوْضِيحِ، وَابْنُ عَرَفَةَ، وَغَيْرُهمَا مِنَ الشُّيُوخِ فَرَضُوا الْمَسْأَلَةَ فِيمَنِ احْتَجَمَ، وَجَعَلُوا قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ خِلَافَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ سَلَفٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى كَلَامَ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمُتَقَدِّمَ، قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ الْكَفَّارَةَ، وَرَآهُ مِنَ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ، انْتَهَى.
وَإِذَا كَانَ ابْنُ حَبِيبٍ يَقُولُ بِالْكَفَّارَةِ فِي الْمُحْتَجِمِ إِذَا تَأَوَّلَ، فَالْحَاجِمُ مَثَّلُهُ، أَوْ أَحْرَى بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ.
وَلَفْظُ ابْنِ حَبِيبٍ فِي مُخْتَصَرِ
стр. 990
الْوَاضِحَةِ لِفَضْلِ بْنِ مَسْلَمَةَ - صَالِحٌ لِأَنَّ يُحْمَلَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا؛ فَإِنَّهُ قَالَ: وَكَذَلِكَ الَّذِي يَتَأَوَّلُ الْإِفْطَارَ مَعَ الْحِجَامَةِ فَيُفْطِرُ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا: أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُحْتَجِمِ فِيهَا قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ حَبِيبٍ، كَمَا حَكَاهُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْحَاجِمِ فَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ النَّوَادِرِ الَّذِي نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ، وَكَوْنُهَا مُسَاوِيَةً لِمَسْأَلَةِ الْمُحْتَجِمِ أَوْ أَحْرَى بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَأَمَّا مَا نَقَلُوهُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِنَفْيِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا، إِلَّا أَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِسُقُوطِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّ قَوْلَهُ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنَّفَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَا: إِنَّ التَّأْوِيلَ الْقَرِيبَ هُوَ مَا كَانَ مُسْتَنِدًا لِسَبَبٍ مَوْجُودٍ، وَالتَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ مَا كَانَ مُسْتَنِدًا لِسَبَبٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ، كَمَسْأَلَتِيِ الْحُمَّى وَالْحَيْضِ، وَمَثَلُهُ أَيْضًا يُقَالُ فِي مَسْأَلَةِ الْغِيبَةِ - أَعْنِي مَنِ اغْتَابَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ صَوْمَهُ فَأَفْطَرَ لِذَلِكَ - وَلَكِنِّي لَمْ أَرَ فِيهَا إِلَّا قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) :
الْأَوَّلُ: جَزَمَ الْبِسَاطِيُّ بِحَمْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الِاحْتِمَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، فَقَالَ: قَوْلُهُ: (أَوْ حِجَامَةٍ) يَعْنِي: مَنْ حَجَّمَ غَيْرَهُ، وَأَمَّا مَنِ احْتَجَمَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْمُوجِبُ لِهَذَا الْمُحْتَمَلِ- قُلْتُ: إِذَا اطَّلَعْتَ عَلَى الرِّوَايَاتِ عَلِمْتَ وَجْهَ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ النَّوَادِرِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا يُوجِبُ الْحَمْلَ عَلَى مَا حُمِلَ.
ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قُلْتَ: لَعَلَّ الْمَشْهُورَ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَنَّ كَلَامَهُ عَامٌّ فِيمَنْ حَجَّمَ أَوِ احْتَجَمَ، أَوْ خَاصٌّ بِمَنِ احْتَجَمَ وَتَأَوَّلَ كَلَامَهُ- قُلْتُ: هُوَ مُحْتَمَلٌ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي، لَكِنْ فِي تَأْوِيلِ حَجَمَ بِاحْتَجَمَ بُعْدٌ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَقَدْ تَقَدَّمَتْ نُصُوصُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ كَلَامَ ابْنِ حَبِيبٍ وَكَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَامٌّ فِيمَنْ حَجَّمَ غَيْرَهُ أَوِ احْتَجَمَ، وَأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يُخَالِفُ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ الرَّاجِحُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: تَقَدَّمَ أَنَّ إِفْسَادَ الصَّوْمِ بِالْغِيبَةِ حُكِيَ عَنْ سُفْيَانَ وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَمَّا الْحِجَامَةُ فَحَكَى صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنِ ابْنِ حَنْبَلٍ وَابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُمَا قَالَا: يُفْطِرُ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ، وَقَالَ: وَعَنِ ابْنِ حَنْبَلٍ رِوَايَةٌ أَنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ، قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ. وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ.
الثَّالِثُ: أَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِوُجُوهٍ: إِمَّا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ الشَّافِعِيُّ. أَوْ بِأَنَّ مَعْنَاهُ تَعَرَّضَ لِلْإِفْطَارِ، أَمَّا الْمَحْجُومُ فَلِلضَّعْفِ، وَأَمَّا الْحَاجِمُ فَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَصِلَ إِلَى جَوْفِهِ شَيْءٌ بِالْمَصِّ. أَوْ بِأَنَّ مَعْنَاهُ نُقْصَانُ الْأَجْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعُ: مِنَ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ مَسْأَلَةُ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ مَنْ بَيَّتَ الصِّيَامَ ثُمَّ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا، فَإِنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَسَوَاءٌ أَفَطَرَ فِي السَّفَرِ أَوْ بَعْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْحَضَرِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
ص: (وَلَزِمَ مَعَهَا الْقَضَاءُ إِنْ كَانَتْ لَهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَنْ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ يَلْزَمُهُ مَعَهَا الْقَضَاءُ، إِذَا كَانَتِ الْكَفَّارَةُ لَهُ - أَيْ لِلْمُكَفِّرِ - وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ مِمَّا إِذَا لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ عَنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ عَنِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ. وَعَلَى هَذَا حَمَلَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الصَّغِيرِ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَجَعَلَ فِي الْكَبِيرِ وَالْوَسَطِ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: لَهُ عَائِدًا عَلَى رَمَضَانَ، وَلَا وَجْهَ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَالْقَضَاءُ فِي التَّطَوُّعِ بِمُوجِبِهَا) ش: فَلَا يَفْسُدُ مَعَ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ إِلَّا الْفَرْضُ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: وَفِيمَا قَالَهُ الْمُصَنَّفُ نَظَرٌ. فَإِنْ أَفْطَرَ فِي تَطَوُّعِهِ نَاسِيًا فَظَنَّ أَنَّ صَوْمَهُ قَدْ فَسَدَ فَأَفْطَرَ ثَانِيًا، فَإِنَّهُ يَقْضِيهِ، هَكَذَا قَالُوا، انْتَهَى.
وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا ذَكَرُوا الْقَضَاءَ فِيمَا إِذَا أَفْطَرَ ثَانِيًا مُتَعَمَّدًا، وَأَمَّا الْمُتَأَوِّلُ فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي الْمُتَقَدِّمِ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. نَعَمْ يُرَدُّ عَلَى الْمُصَنَّفِ مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ لِسَفَرِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِي أَنْ لَا كَفَّارَةَ
стр. 991
عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إِذَا فَعَلَهُ فِي رَمَضَانَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ فِي التَّطَوُّعِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَيَأْتِي.
ص: (وَلَا قَضَاءَ فِي غَالِبِ قَيْءٍ، وَذُبَابٍ، وَغُبَارِ طَرِيقٍ، أَوْ دَقِيقٍ، أَوْ كَيْلٍ، أَوْ جِبْسٍ لِصَانِعِهِ) ش: قَوْلُهُ: وَذُبَابٍ- قَالَ فِي الْجَلَّابِ: أَوْ بَعُوضٍ. قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَيُغْتَفَرُ غُبَارُ الطَّرِيقِ، وَكَيْلُ الْقَمْحِ وَالدَّقِيقِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنِ السُّلَيْمَانِيَّةِ: إِنْ وَجَدَ طَعْمَ دُهْنِ رَأْسِهِ قَضَى وَقَالَ التُّونُسِيُّ: وَفِي لَغْوِ غُبَارِ الدَّقِيقِ وَالْجِبْسِ وَالدِّبَاغِ لِصَانِعِهِ نَظَرٌ لِضَرُورَةِ الصَّنْعَةِ وَإِمْكَانِ غَيْرِهَا ابْنُ شَاسٍ. اُخْتُلِفَ فِي غُبَارِ الْجَبَّاسِينَ وَرَوَى ابْنُ مُحْرِزٍ لَا يُفْطِرُ مَنْ عَطِشَ فِي رَمَضَانَ مِنْ عِلَاجِ صَنْعَتِهِ وَالتَّشْدِيدُ فِي مَنْعِ مَا يَمْنَعُهُ فَرْضًا وَالْوَقْفُ عَنْ الْكَفَّارَةِ بِهِ ابْنُ مُحْرِزٍ وَالْقِيَاسُ جَوَازُهُ لِسَفَرِ التَّجْرِ ثُمَّ خَرَّجَهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْقَدْحِ الْمُجَوِّزِ لِلْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ وَابْتِلَاعِ حَبَّةٍ بَيْنَ أَسْنَانِهِ إنْ غَلَبَتْهُ لَغْوٌ، انْتَهَى. الْمَشَذَّالِيُّ فِي قَوْلِهِ وَابْتَلَعَ فِلْقَةً اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي الْقَضَاءِ فِي ذَا الْبَابِ وَأَجْرَى عَلَيْهِ الشُّيُوخُ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ بَعْدَ أَنْ أَكَلَ مِنْهُ وَتَبَقَّى مِنْهُ بَقِيَّةُ فِلْقَةٍ فَابْتَلَعَهَا فَقَالُوا اللَّازِمُ عَلَى الْقَضَاءِ الْحِنْثُ وَعَلَى الْعَدَمِ الْعَدَمُ ((قُلْتُ)) وَخَرَّجَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مَنْ نَسِيَ حَصَاةً فِي يَدِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ فِي نَعْلِهِ أَنَّهُ إنْ رَدَّهَا فَحَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى مَنْ ابْتَلَعَ فِلْقَةً؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ غَالِبٌ فَكَمَا أَنَّهُ لَا قَضَاءَ فَكَذَلِكَ لَا رَدَّ، انْتَهَى. وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: مَسْأَلَةُ الْحُكْمِ فِي غُبَارِ الْكَتَّانِ وَغُبَارِ الْفَحْمِ وَغُبَارِ خَزْنِ الشَّعِيرِ وَالْقَمْحِ كَالْحُكْمِ فِي غُبَارِ الْجَبَّاسِينَ قَالَ: وَعَلَى هَذَا يَقَعُ السُّؤَالُ فِي زَمَانِنَا إذَا وَقَعَ الصِّيَامُ فِي زَمَانِ الصَّيْفِ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْأَجِيرِ الْخُرُوجُ لِلْحَصَادِ مَعَ الضَّرُورَةِ لِلْفِطْرِ أَمْ لَا؟ كَانَتْ الْفُتْيَا عِنْدَنَا إنْ كَانَ مُحْتَاجًا لِصَنْعَتِهِ لِمَعَاشِهِ مَا لَهُ مِنْهَا بُدٌّ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا كُرِهَ وَأَمَّا مَالِكُ الزَّرْعِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ جَمْعِهِ زَرْعَهُ وَإِنْ أَدَّى إلَى فِطْرِهِ وَإِلَّا وَقَعَ فِي النَّهْيِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَكَذَا غَزْلُ النِّسَاءِ الْكَتَّانَ وَتَرْقِيقُ الْخَيْطِ بِأَفْوَاهِهِنَّ فَإِنْ كَانَ الْكَتَّانُ مِصْرِيًّا فَجَائِزٌ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ دَمَنِيًّا لَهُ طَعْمٌ يَتَحَلَّلُ فَهِيَ كَذَوِي الصِّنَاعَاتِ إنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً سَاغَ لَهَا ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُحْتَاجَةٍ كُرِهَ لَهَا ذَلِكَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَأَفْتَى ابْنُ قَدَّاحٍ إذَا غَزَلَتْ الْكَتَّانَ الْمَعْرُوفَ فَوَجَدَتْ طَعْمَ مُلُوحَتِهِ فِي حَلْقِهَا بَطَلَ صَوْمُهَا وَهُوَ نَحْوُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَمَنْ ابْتَلَعَ خَيْطًا مِنْ غَزْلٍ أَوْ حَرِيرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ إنْ لَمْ تَكُنْ صَنْعَتَهُ فَهِيَ كَابْتِلَاعِ النَّوَاةِ وَإِنْ كَانَتْ صَنْعَتَهُ فَفِيهَا نَظَرٌ كَغُبَارِ الدَّقِيقِ لِذِي الصَّنْعَةِ
ص (وَحُقْنَةٍ فِي إحْلِيلٍ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ عِيَاضٌ: الْإِحْلِيلُ
стр. 992
بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ثَقْبُ الذَّكَرِ مِنْ حَيْثُ يَخْرُجُ الْبَوْلُ، انْتَهَى. وَنَحْوُهُ فِي الصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَالْإِحْلِيلُ يَقَعُ عَلَى ذَكَرِ الرَّجُلِ وَفَرْجِ الْمَرْأَةِ.
ص (وَجَازَ سِوَاكٌ كُلَّ النَّهَارِ)
ش: ابْنُ عَرَفَةَ وَالسِّوَاكُ بِالْيَابِسِ كُلَّ النَّهَارِ وَفِيهَا وَلَوْ بُلَّ وَيُكْرَهُ بِالرَّطْبِ خَوْفَ تَحَلُّلِهِ ابْنُ حَبِيبٍ إلَّا لِعَالِمٍ ثُمَّ قَالَ الْبَاجِيُّ فِي قَوْلِهِ إنْ جَهِلَ مَجَّ مَا اجْتَمَعَ مِنْ سِوَاكِ الرَّطْبِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ رِيقَهُ فَفِي عَمْدِهِ الْكَفَّارَةُ وَفِي نِسْيَانِهِ وَتَأْوِيلِهِ الْقَضَاءُ، انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ ﵇: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» . الْخُلُوفُ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَاءٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِفَتْحِ الْخَاءِ فَقِيلَ: خَطَأٌ، وَقِيلَ: لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَهُوَ تَغْيِيرُ رَائِحَةِ الْفَمِ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ اسْتِطَابَةِ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: مَجَازٌ؛ لِأَنَّهُ جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَقْرِيبِ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ هُنَا فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِتَقْرِيبِ الصَّوْمِ مِنْ اللَّهِ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْمِسْكِ عِنْدَكُمْ أَيْ يُقَرَّبُ إلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ تَقْرِيبِ الْمِسْكِ إلَيْكُمْ وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَلَائِكَةِ وَإِنَّهُمْ يَسْتَطِيبُونَ رِيحَ الْخُلُوفِ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَطِيبُونَ رِيحَ الْمِسْكِ
وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّ الْخُلُوفَ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ الْمِسْكِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَنَقَلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّ لِلطَّاعَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِيحًا فَرَائِحَةُ الصِّيَامِ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ كَالْمِسْكِ (فَرْعٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَقَعَ نِزَاعٌ بَيْنَ ابْنِ الصَّلَاحِ وَالشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَنَّ هَذَا الطِّيبَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَمْ فِي الْآخِرَةِ خَاصَّةً؟ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فِي الْآخِرَةِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: هُوَ عَامٌّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاسْتَدَلَّ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ حِينَ يَخْلُفُ إلَخْ وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ سِنِينَ فِي مُسْنَدِهِ «أُعْطِيت أُمَّتِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَمْسًا قَالَ: وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُمْ يُمْسُونَ وَخُلُوفُ أَفْوَاهِهِمْ أَطْيَبُ إلَخْ» حَسَّنَهُ السَّمْعَانِيُّ فِي أَمَالِيهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ وَقْتَ وُجُودِ الْخُلُوفُ فِي الدُّنْيَا يَتَحَقَّقُ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ قَالَ: وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ شَرْقًا وَغَرْبًا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِ الْخَطَّابِيِّ طِيبُهُ عِنْدَ اللَّهِ رِضَاهُ بِهِ وَثَنَاؤُهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَعْنَاهُ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْرَبُ إلَيْهِ وَأَرْفَعُ عِنْدَهُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ الْبَغَوِيّ مَعْنَاهُ الثَّنَاءُ عَلَى الصَّائِمِ وَالرِّضَا بِفِعْلِهِ الْقُدُورِيُّ الْحَنَفِيُّ مَعْنَاهُ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ وَمِثْلُهُ لِلْبَوْنِيِّ مِنْ قُدَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَكَذَا قَالَ الصَّابُونِيُّ وَالسَّمْعَانِيُّ وَابْنُ الصَّفَّارِ الشَّافِعِيُّونَ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ فَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَذْكُرُوا سِوَى مَا ذَكَرْتُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَجْهًا فِي تَخْصِيصِهِ بِالْآخِرَةِ مَعَ أَنَّ كُتُبَهُمْ جَامِعَةٌ لِلْمَشْهُورِ وَالْغَرِيبِ وَمَعَ أَنَّ رِوَايَةَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي الصَّحِيحِ بَلْ جَزَمُوا بِأَنَّهُ بِمَعْنَى الرِّضَا وَالْقَبُولِ لِمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَمَّا ذِكْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ فَلِأَنَّهُ يَوْمُ الْجَزَاءِ وَفِيهِ يَظْهَرُ رُجْحَانُ الْخُلُوفِ عَلَى الْمِسْكِ، انْتَهَى. مِنْ حَاشِيَةِ الْمُوَطَّإِ لِلشَّيْخِ جَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيّ وَانْظُرْ الْعَارِضَةَ
ص (وَمَضْمَضَةٌ لِعَطَشٍ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَبَلْعُ رِيقِهِ الْبَاجِيُّ يُرِيدُ بَعْدَ زَوَالِ طَعْمِ الْمَاءِ مِنْهُ وَفِي مَجِّهَا أَكْرَهُ غَسْلَ الصَّائِمِ رَأْسَهُ فِي الْمَاءِ، انْتَهَى. الْمَشَذَّالِيُّ وَسُئِلَ عِزُّ الدِّينِ عَمَّنْ دَمِيَ فَمُهُ فَمَجَّ الدَّمَ وَلَمْ يَغْسِلْ فَهَلْ يَبْطُلُ صَوْمُهُ بِابْتِلَاعِهِ الرِّيقَ النَّجِسَ فَأَجَابَ بِأَنَّ الصَّائِمَ لَا يَحِلُّ لَهُ ابْتِلَاعُ الرِّيقِ النَّجِسِ وَيَبْطُلُ صَوْمُهُ إنْ فَعَلَ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إنَّمَا وَقَعَتْ فِي رِيقٍ يَجُوزُ ابْتِلَاعُهُ لِمَا فِي طَرْحِهِ مِنْ الْحَرَجِ وَإِذَا كَانَ ابْتِلَاعُهُ مُحَرَّمًا فِي الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ بَطَلَ صَوْمُهُ بِابْتِلَاعِهِ لِانْتِفَاءِ سَبَبِ التَّرْخِيصِ فِي ابْتِلَاعِهِ الْمَشَذَّالِيُّ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: هَذَا بَيِّنٌ إنْ لَمْ يَنْقَطِعْ أَثَرُ الدَّمِ وَأَمَّا إنْ انْقَطَعَ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا أَثَرُ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ لَا عَيْنُهَا قَالَ: وَيَلْزَمُ عَلَى مَا حَكَى عَبْدُ الْحَقِّ فِي مَسْأَلَةِ الدَّلْوِ الَّذِي دُهِنَ بِزَيْتٍ فَاسْتُنْجِيَ بِهِ أَنَّ الْمَاءَ كُلَّهُ
стр. 993
نَجِسٌ أَنْ يَقُولَ هَذَا كُلُّهُ نَجِسٌ وَلَوْ انْقَطَعَ أَثَرُ الدَّمِ حَتَّى يَغْسِلَهُ بِالْمَاءِ كَمَا قَالَ هَذَا الشَّيْخُ، انْتَهَى. وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ قَبْلَهُ فِي الصِّيَامِ عَنْ ابْنِ قَدَّاحٍ مَا نَصُّهُ وَيَقْضِي إنْ جَاوَزَ حَلْقَهُ الدَّمُ وَإِنْ بَسَقَهُ حَتَّى ابْيَضَّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُهُ لِلصَّلَاةِ وَالْأَكْلِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ قَدَّاحٍ وَهُوَ يُجْزِئُ عَلَى التَّطْهِيرِ بِالْمَائِعِ غَيْرِ الْمَاءِ وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ بِهِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَضُرُّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَكْلِ؛ لِأَنَّ عَيْنَ النَّجَاسَةِ زَالَتْ إلَّا أَنْ يَتَكَرَّرَ ذَلِكَ فَيَسْقُطُ الْقَضَاءُ حِينَئِذٍ كَالْمُتَكَرِّرِ غَلَبَةً كَالذُّبَابِ وَاسْتَحَبَّ أَشْهَبُ فِيهِ الْقَضَاءَ، انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَصَوْمُ دَهْرٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ جَائِزٌ وَهَلْ هُوَ الْأَفْضَلُ أَوْ الْأَفْضَلُ خِلَافُهُ قَالَ مَالِكٌ سَرْدُ الصَّوْمِ أَفْضَلُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةٍ مِنْهُ مَعْنَى كَلَامِ مَالِكٍ أَنَّ سَرْدَ الصَّوْمِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ إذَا لَمْ يَضْعُفْ بِسَبَبِهِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَإِنْ ضَعُفَ فَالصَّوْمُ أَوْ الْفِطْرُ، انْتَهَى. وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ أَفْضَلُ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وَقَوْلِهِ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] . «وَقَوْلِهِ ﷺ : لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لَا أَفْضَلَ لَكَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ: إذَا فَعَلْت ذَلِكَ نَقِيَتْ نَفْسُك وَغَارَتْ عَيْنُك» وَلِأَنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ مَا كَانُوا يُسْأَلُونَ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ إلَّا لِيَخْتَارُوهُ وَكَذَا قَوْلُهُ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ أَخِي دَاوُد.» وَمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ سَأَلَ: أَيُّ غَبِّ الصَّوْمِ وَتَفْرِيقِهِ أَفْضَلُ؟ وَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا ذَكَرْت تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْبُرْزُلِيُّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّيْخُ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي النَّوَادِرِ وَحَمَلَ مَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَلَى مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ أَوْ عَمَّمَ صَوْمَهُ حَتَّى صَامَ مَا يَحْرُمُ صَوْمُهُ، انْتَهَى. وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ فِيمَا أَظُنُّ بِفَضْلِ صَوْمِ الدَّهْرِ
ص (وَفِطْرٌ بِسَفَرِ قَصْرٍ)
ش: أَيْ وَجَازَ فِطْرٌ بِسَفَرِ قَصْرٍ أَيْ فِي السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي فَصْلِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ سُنَّ لِمُسَافِرٍ غَيْرِ عَاصٍ بِهِ وَلَاهٍ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ فَإِنْ قِيلَ: جَعَلَ هُنَا الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ جَائِزًا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ مُسْتَحَبٌّ وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِأَنَّ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ مَكْرُوهٌ فَالْجَوَابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مُرَادَهُ هُنَا بِالْجَائِزِ مَا يُقَابِلُ الْمَمْنُوعَ فَيَشْمَلُ الْمَكْرُوهَ وَالْمُبَاحَ وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ إثْرَ قَوْلِ الْعُتْبِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُسَافِرِ يُقِيمُ فِي الْمَنْزِلِ يَوْمًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ مَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ وَهَذَا كَمَا قَالَ: وَهُوَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] إلَّا أَنَّ مَالِكًا اسْتَحَبَّ لَهُ الصِّيَامَ وَيُكْرَهُ لَهُ الْفِطْرُ لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] ، انْتَهَى. وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْفِطْرُ لِلْمُسَافِرِ فِي الْبَحْرِ إذَا كَانَ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُ سَفَرُ قَصْرٍ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رَسْمٍ بَاعَ غُلَامًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ وَنَصُّ السَّمَاعِ: وَسُئِلَ عَنْ الْمُسَافِرِ فِي الْبَحْرِ يُرِيدُ أَنْ يُفْطِرَ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْمُسَافِرَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ سَوَاءٌ فِي جَوَازِ الْفِطْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢] .
وَوُجُوبُ الْقَصْرِ وَهَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ احْفَظْهُ، انْتَهَى. وَنَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ: وَسَفَرُ الْقَصْرِ يُبِيحُ فِطْرَهُ وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْبَحْرُ كَالْبَرِّ. الشَّيْخُ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ لَوْ أَقَامَ بِبَلَدٍ مَا لَا يُوجِبُ إتْمَامَهُ، انْتَهَى. وَانْظُرْ التَّلْقِينَ وَالْمَعُونَةَ وَفُهِمَ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يُفْطِرُ وَلَوْ أَقَامَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً مَا لَمْ يَنْوِ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ سَفَرُ قَصْرٍ وَصَرَّحَ بِهِ فِي النَّوَادِرِ وَتَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْهُ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ الْمُتَقَدِّمِ (فَرْعٌ) قَالَ الْجُزُولِيُّ: وَيُفْطِرُ فِي السَّفَرِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُبَاحِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمَحْظُورِ. وَالْمَشْهُورُ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ فِي الْمُبَاحِ وَلَا يَجُوزُ فِي الْمَكْرُوهِ وَلَا الْمَحْظُورِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) رَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ
стр. 994
طَلَبَةِ الْعِلْمِ عَنْ شَارِحِ الرِّسَالَةِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ مَنْ تَعَمَّدَ السَّفَرَ فِي رَمَضَانَ لِأَجْلِ الْفِطْرِ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ وَيُعَامَلُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُبَاحًا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ إلَّا الْإِفْطَارُ قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُبَلِّغُهُ الْحَجَّ فَتَصَدَّقَ بِجُلِّهِ لِيَسْقُطَ عَنْهُ الْحَجُّ ذَكَرَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَإِنْ حَاضَتْ لِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ النَّهَارِ وَأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ يَوْمَ حَيْضَتِهَا وَأَخَّرَتْ الصَّلَاةَ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ عَمْدًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهَا الْقَضَاءُ، انْتَهَى.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الثَّلَاثَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: إنَّ الْحَائِضَ لَا يَلْزَمُهَا قَضَاءٌ وَهِيَ عَاصِيَةٌ وَالْمُتَصَدِّقُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَجُّ وَالْمُسَافِرُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْقَضَاءُ وَزَادَ الْمُقِيمُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ فَيُسَافِرُ وَيُصَلِّيهَا صَلَاةَ قَصْرٍ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْجُزُولِيُّ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا مُؤَثَّمٌ فِي هَذَا كُلِّهِ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَالْجُزُولِيُّ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ فِي زَكَاةِ الْخُلَطَاءِ مِنْ تَبْصِرَتِهِ إلَّا أَنَّهُ قَالَهُ وَجَمِيعُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَنَصُّهُ: وَمِنْ الْبُخَارِيِّ قَالَ أَنَسٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ» . ثُمَّ قَالَ: اُخْتُلِفَ فِي الْحَدِيثِ هَلْ مَحْمَلُهُ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ وَالْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْمَعْرُوفَ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْوُجُوبِ وَرُوِيَ عَنْهُ فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ فِيمَنْ بَاعَ إبِلًا بَعْدَ الْحَوْلِ بِذَهَبٍ فِرَارًا أَنَّهُ يُزَكِّي زَكَاةَ الذَّهَبِ فَعَلَى هَذَا مَحْمَلُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ عَلَى النَّدْبِ؛ لِأَنَّهُ فَرَّ قَبْلَ الْوُجُوبِ وَلَوْ تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ مَا يُسْقِطُ عَنْهُ الْحَجَّ وَعَلِمَ ذَلِكَ أَوْ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ إرَادَةً لِسُقُوطِ الصَّوْمِ عَنْهُ الْآنَ أَوْ أَخَّرَ صَلَاةَ الْحَضَرِ عَنْ وَقْتِهَا لِيُصَلِّيَهَا فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَخَّرَتْ امْرَأَةٌ صَلَاةً بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا رَجَاءَ أَنْ تَحِيضَ فَحَاضَتْ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا فَجَمِيعُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَلَا يَجِبُ عَلَى هَذَا فِي السَّفَرِ صِيَامٌ وَلَا أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا وَلَا عَلَى الْحَائِضِ قَضَاءٌ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْخَلْطَةِ وَقَبِلَهُ إلَّا أَنَّهُ نَاقَشَهُ فِي احْتِجَاجِهِ عَلَى حَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى النَّدْبِ بِالْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ وَنَصَّهُ اللَّخْمِيُّ: مَحْمَلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْوُجُوبِ وَرِوَايَةُ ابْنِ شَعْبَانَ مَنْ بَاعَ إبِلًا بَعْدَ الْحَوْلِ بِذَهَبٍ فِرَارًا زَكَّى زَكَاةَ الْعَيْنِ عَلَى النَّدْبِ ثُمَّ قَالَ: وَاحْتِجَاجُ اللَّخْمِيُّ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى النَّدْبِ بِأَنَّ مَنْ قَصَدَ سُقُوطَ الْحَجِّ عَنْهُ بِصَدَقَتِهِ مَا يَنْفِي اسْتِطَاعَتَهُ أَوْ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ لِسُقُوطِ صَوْمِهِ أَوْ أَخَّرَ صَلَاةً لِيُصَلِّيَهَا فِي سَفَرِهِ قَصْرًا أَوْ امْرَأَةٌ لِتَحِيضَ فَتُسْقِطُ لَمْ يُعَامَلُوا بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِمْ يُرَدُّ بِأَنَّهُ فِي الْحَجِّ لِتَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ وَبِأَنَّ السَّفَرَ وَالتَّأْخِيرَ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُمَا وَالتَّفْرِيقُ وَالِاجْتِمَاعُ مَنْهِيٌّ عَنْهُمَا وَتَعْبِيرُهُ بِالنَّدْبِ دُونَ الْكَرَاهَةِ مُتَعَقَّبٌ، انْتَهَى. قَوْلُهُ وَتَعْبِيرُهُ بِالنَّدْبِ دُونَ الْكَرَاهَةِ مُتَعَقَّبٌ يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ هَلْ مَحْمَلُهُ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ الْكَرَاهَةِ بَدَلَ قَوْلِهِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ قَالَ الْوَنْشَرِيسِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ مِنْ الْأُصُولِ الْمُعَامَلَةُ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ الْفَاسِدِ وَخَالَفُوا هَذَا الْأَصْلَ فِي الْمُتَصَدِّقِ بِكُلِّ الْمَالِ لِإِسْقَاطِ فَرْضِ الْحَجِّ وَمُنْشِئِ السَّفَرِ فِي رَمَضَانَ لِلْإِفْطَارِ وَمُؤَخِّرِ الصَّلَاةِ إلَى السَّفَرِ لِلتَّقْصِيرِ أَوْ إلَى الْحَيْضِ لِلسُّقُوطِ، انْتَهَى. فَمَا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ وَيُعَامَلُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ إلَّا أَنَّ مَا قَالَهُ ظَاهِرٌ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ مِنْ السَّفَرِ إلَّا الْإِفْطَارُ فِي رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُبَاحًا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْجُزُولِيِّ أَنَّهُ مَأْثُومٌ فِي هَذَا كُلِّهِ وَهَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْجَوَازِ وَصَرَّحَ فِي الْمَدْخَلِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَدُّقُ بِمَالِهِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الشَّيْخِ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ فِي الْحَائِضِ أَنَّهَا عَاصِيَةٌ وَصَرَّحَ اللَّخْمِيُّ بِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ فَالْفِطْرُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَتَأَتَّى عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الْمَكْرُوهِ أَوْ الْحَرَامِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْجُزُولِيِّ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَلَمْ يَنْوِهِ فِيهِ) ش ذَكَرَ لِجَوَازِ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ ثَلَاثَةَ شُرُوطٍ، الْأَوَّلُ: أَنْ يَشْرَعَ فِيهِ
стр. 995
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ شُرُوعُهُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَإِلَيْهِمَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ الْفَجْرِ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ نَوَى الصِّيَامَ فِيهِ أَيْ فِي السَّفَرِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ وَلَا أَنْ يُبَيِّتَهُ قَالَ اللَّخْمِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ قَبْلَ أَنْ يَتَلَبَّسَ بِالسَّفَرِ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَمُبِيحُ تَبْيِيتِ الْفِطْرِ الِاتِّصَافُ بِهِ لَا يُبَيِّتُ أَبُو عُمَرَ اتِّفَاقًا انْتَهَى وَفِي النَّوَادِرِ وَمَنْ يُرِيدُ السَّفَرَ فِي صِيَامِ يَوْمٍ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّتَ الصِّيَامَ انْتَهَى وَيَأْتِي فِي كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا لَمْ يُبَيِّتْ وَإِنْ شَرَعَ فِي السَّفَرِ بَعْدَ الْفَجْرِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْبَيَاتُ وَيَأْتِي حُكْمُهُ إنْ لَمْ يُبَيِّتْ فَإِذَا بَيَّتَهُ ثُمَّ سَافَرَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ أَوْ لَا؟ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْأَصَحُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَدَمُ الْجَوَازِ وَقِيلَ: يَجُوزُ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَسَيَأْتِي لَفْظُهَا وَإِنْ شَرَعَ فِي السَّفَرِ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَبْيِيتُ الْفِطْرِ وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ فَإِنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْفِطْرُ؟ قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِلَّا قَضَى)
ش: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي السَّفَرِ قَبْلَ الْفَجْرِ بَلْ عَزَمَ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُبَيِّتَ الصَّوْمَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ: وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصَّوْمَ وَأَصْبَحَ مُفْطِرًا أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ سَوَاءٌ سَافَرَ أَمْ لَا، انْتَهَى.
وَإِنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ ثُمَّ أَفْطَرَ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي السَّفَرِ أَوْ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي السَّفَرِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَكَذَلِكَ إذَا نَوَى الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ فَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ وَلَوْ تَطَوُّعًا وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا تَطَوُّعًا فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَوْ نَوَى الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ تَطَوُّعًا ثُمَّ أَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي الصُّورَتَيْنِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلُهُ وَلَا كَفَّارَةَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ بِسَفَرٍ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الصُّوَرِ كُلِّهَا الْمَفْهُومَةِ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِذَا بَيَّتَ الصَّوْمَ وَأَصْبَحَ صَائِمًا وَعَزَمَ عَلَى السَّفَرِ فَأَفْطَرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَفْطَرَ بَعْدَ خُرُوجِهِ وَكَذَا لَوْ بَيَّتَ الْفِطْرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَأَنَّهُ إنَّمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الصُّورَةِ الرَّابِعَةِ وَهِيَ مَا إذَا نَوَى الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَمَا فُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ أَعْنِي فِيمَا إذَا بَيَّتَ الصِّيَامَ وَسَافَرَ بَعْدَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَفْطَرَ بَعْدَ سَفَرِهِ فَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَأَمَّا الْأُولَى وَهِيَ مَا إذَا بَيَّتَ الصَّوْمَ وَهُوَ يُرِيدُ السَّفَرَ ثُمَّ أَفْطَرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ فَلَمْ يُصَرِّحْ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا وَلَا بِسُقُوطِهَا وَأَمَّا الثَّالِثَةُ وَهُوَ مَا إذَا بَيَّتَ الْفِطْرَ فِي الْحَضَرِ قَبْلَ خُرُوجِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ وَاجِبَةٌ بِلَا خِلَافٍ فَيَتَعَيَّنُ إخْرَاجُهَا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ أَصْبَحَ فِي السَّفَرِ صَائِمًا فِي رَمَضَانَ ثُمَّ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ وَإِنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَلْيُكَفِّرْ مَعَ الْقَضَاءِ قَالَ الْمَخْزُومِيُّ وَابْنُ كِنَانَةَ: لَا يُكَفِّرُ وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ تَأَوَّلَ مَالِكٌ وَأَشْهَبُ
وَإِنْ أَفْطَرَ بَعْدَ دُخُولِهِ إلَى أَهْلِهِ نَهَارًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ مَالِكٌ كَانَ فِطْرُهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَوْ آخِرِهِ أَشْهَبُ وَلَا يُعْذَرُ أَحَدٌ فِي مِثْلِ هَذَا انْتَهَى وَإِلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ
ص (كَفِطْرِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا بَيَّتَ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ دَخَلَ الْقَرْيَةَ فَأَفْطَرَ فَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ بِلَا خِلَافٍ ثُمَّ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَصْبَحَ فِي الْحَضَرِ صَائِمًا فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا فَلَا يُفْطِرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَلَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ بَعْدَ خُرُوجِهِ فَإِنْ أَفْطَرَ بَعْدَ أَنْ سَافَرَ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ فَقَطْ وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ وَابْنُ كِنَانَةَ: يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ انْتَهَى. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ بَشِيرٍ وَاللَّخْمِيُّ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيمَا إذَا بَيَّتَ الصِّيَامَ ثُمَّ أَفْطَرَ قَبْلَ سَفَرِهِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ وَعَدَمُ وُجُوبِهَا وَثَالِثُهَا تَجِبُ إنْ لَمْ يَأْخُذْ فِي أُهْبَةِ السَّفَرِ وَرَابِعُهَا تَجِبُ إنْ لَمْ يُتِمَّ سَفَرَهُ وَلَمْ يُرَجِّحُوا قَوْلًا مِنْهَا إلَّا أَنَّهُ عَزَى
стр. 996
الْأَوَّلَ فِي التَّوْضِيحِ لِمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَسَحْنُونٍ وَالثَّانِيَ لِأَشْهَبَ وَالثَّالِثَ لِابْنِ حَبِيبٍ وَالرَّابِعَ لِسَحْنُونٍ أَيْضًا وَأَشْهَبَ وَقَالَ فِي الْبَيَانِ فِي سَمَاعِ عِيسَى بَعْدَ حِكَايَتِهِ الْأَقْوَالَ الْأَرْبَعَةَ: وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا هِيَ تَكْفِيرٌ لِلذَّنْبِ وَمَنْ تَأَوَّلَ لَمْ يُذْنِبْ وَاَللَّهُ تَعَالَى مُجَاوِزٌ عَنْ الْأُمَّةِ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ، انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِهِ بِرُمَّتِهِ فِي رَسْمٍ سَلَفَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَصْبَحَ فِي الْحَضْرَةِ صَائِمًا فِي رَمَضَانَ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُسَافِرَ فَتَأَوَّلَ أَنَّ لَهُ الْفِطْرَ فَأَكَلَ قَبْلَ الْخُرُوجِ فَخَرَجَ فَسَافَرَ لَمْ أَرَ عَلَيْهِ إلَّا قَضَاءَ يَوْمٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ سَافَرَ أَوْ لَمْ يُسَافِرْ وَالثَّانِي: أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ سَافَرَ أَوْ لَمْ يُسَافِرْ وَالثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُسَافِرَ أَوْ لَا يُسَافِرُ وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ إنْ أَكَلَ قَبْلَ الْأَخْذِ فِي أُهْبَةِ السَّفَرِ كَفَّرَ سَافَرَ أَمْ لَمْ يُسَافِرْ وَإِنْ أَكَلَ بَعْدَ الْأَخْذِ فِي أُهْبَةِ السَّفَرِ كَفَّرَ إنْ لَمْ يَخْرُجْ، وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ بِحَالٍ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ بِرُمَّتِهِ ثُمَّ قَالَ: وَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ مَنْ أَرَادَ سَفَرًا فَحَبَسَهُ مَطَرٌ فَأَفْطَرَ فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ، انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ بَعْضُ كَلَامِهِ هَذَا عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَظَنُّوا الْإِبَاحَةَ وَأَمَّا إذَا بَيَّتَ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ فَقَدْ تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَظَاهِرُهَا سَوَاءٌ كَانَ مُتَعَمِّدًا أَوْ مُتَأَوِّلًا وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَعِنْدِي أَنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَاعْتَمَدَهُ فِي الشَّامِلِ فَقَالَ: وَحُرِّمَ فِطْرُهُ إنْ خَرَجَ نَهَارًا أَوْ نَوَاهُ بِسَفَرٍ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي إنْ تَأَوَّلَ وَإِلَّا فَمَشْهُورُهَا يُكَفِّرُ فِي الثَّانِي فَقَطْ وَرَابِعُهَا عَكْسُهُ، انْتَهَى.
وَصَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِأَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَى الْمُتَأَوِّلِ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هَذَا مُخَالِفٌ لِنَصِّ الْعُتْبِيَّةِ ثُمَّ ذَكَرَهُ ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ اعْتَرَضَهُ التُّونُسِيُّ يَعْنِي نَصَّ الْعُتْبِيَّةِ وَقَالَ: فِيهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدِي كَمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَذَكَرَ لَفْظَهَا الْمُتَقَدِّمَ وَأَمَّا إذَا بَيَّتَ الصِّيَامَ فِي الْحَضَرِ وَسَافَرَ ثُمَّ أَفْطَرَ بَعْدَ سَفَرِهِ فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِعَدَمِ الْكَفَّارَةِ وَظَاهِرُهُ مُتَعَمِّدًا أَوْ مُتَأَوِّلًا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّامِلِ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَإِنْ أَفْطَرَ بَعْدَ سَفَرِهِ فَإِنْ تَأَوَّلَ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ فَقَوْلَانِ وَصَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِأَنَّهُ إنْ تَأَوَّلَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا وَإِنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ فَحَكَى فِيهِ الْخِلَافَ قَالَ: وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا أَعْنِي مَسْأَلَةَ مَا إذَا نَوَى فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ وَمَسْأَلَةَ مَا إذَا سَافَرَ بَعْدَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَفْطَرَ فَقَالَ فِيهِمَا فَإِنْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا فَلَا كَفَّارَةَ وَإِنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ فَثَالِثُهَا الْمَشْهُورُ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَرَابِعُهَا الْعَكْسُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَظَاهِرُهَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِالْتِزَامِهِ الصَّوْمَ وَفِطْرِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَقِيلَ: لَا فِيهِمَا مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ وَالْمَشْهُورُ تَجِبُ فِيمَا إذَا نَوَى فِي السَّفَرِ دُونَ مَا إذَا صَامَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ؛ لِأَنَّ طُرُوُّ السَّفَرِ مُبِيحٌ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بِخِلَافِ مَنْ أَنْشَأَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مُبِيحٌ وَعَكْسُ الْمَشْهُورِ لِلْمَخْزُومِيِّ وَابْنِ كِنَانَةَ وَوَجْهُهُ أَنَّ حُرْمَةَ الصَّوْمِ فِي حَقِّ مَنْ أَنْشَأَ الصَّوْمَ فِي الْحَضَرِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ حِينَ الْإِنْشَاءِ إلَّا الصَّوْمُ بِخِلَافِ مَنْ أَصْبَحَ فِي السَّفَرِ صَائِمًا فَإِنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الْفِطْرِ ابْتِدَاءً، انْتَهَى.
وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى مَسْأَلَتَيْ الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ بَيَانُ حُكْمِ مَنْ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ وَأَمَّا مَنْ أَفْطَرَ فِي الْحَضَرِ فَسَكَتَ عَنْهُ اعْتِمَادًا عَلَى هَذَا الظَّاهِرِ مِنْ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الْأَقْوَى؛ لِأَنَّهُ نَسَبَهُ لِمَالِكٍ (تَنْبِيهٌ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَفِطْرِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ وَلَوْ تَرَكَهُ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومٌ بِالْأَحْرَوِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ بِسَفَرٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فَأَحْرَى إذَا أَفْطَرَ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَى أَهْلِهِ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: وَكَأَنَّهُ شَبَّهَ الْأَضْعَفَ الَّذِي يُخَالِفُ فِيهِ أَشْهَبُ
стр. 997
بِالْأَقْوَى الَّذِي يُوَافِقُ عَلَيْهِ وَاسْتَوَى مَعَ ذَلِكَ ذِكْرُ الْفَرْعَيْنِ الْمَنْصُوصَيْنِ فَلِهَذَا لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ ذِكْرِ الْأَحْرَوِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَسَائِلَ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ خَمْسُ مَسَائِلَ، الْأُولَى: إذَا عَزَمَ عَلَى السَّفَرِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَلَمْ يُسَافِرْ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّتَ الصِّيَامَ فَإِذَا بَيَّتَ الْإِفْطَارَ فَصَرَّحَ أَبُو الْحَسَنِ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ عَامِدًا أَوْ مُتَأَوِّلًا وَهُوَ ظَاهِرٌ.
الثَّانِيَةُ: إذَا بَيَّتَ الصِّيَامَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ عَزَمَ عَلَى السَّفَرِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْإِفْطَارُ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ: لَا يُفْطِرُ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِهِ اتِّفَاقًا فَإِنْ أَفْطَرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ فَفِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ حَكَاهَا ابْنُ الْحَاجِبِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ ذَلِكَ فِي الْعَامِدِ أَوْ الْمُتَأَوِّلِ وَحَكَى فِي الْبَيَانِ فِي آخِرِ سَمَاعِ عِيسَى الْأَرْبَعَةَ الْأَقْوَالَ الَّتِي حَكَاهَا ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْمُتَأَوِّلِ كَمَا تَقَدَّمَ وَحَكَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ سُقُوطَ الْكَفَّارَةِ وَاسْتَظْهَرَهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْعَامِدَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لِطَرِيقِ اللَّخْمِيِّ ثُمَّ ذَكَرَ طَرِيقَ ابْنِ رُشْدٍ.
الثَّالِثَةُ: إذَا أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ الْإِفْطَارُ أَمْ لَا؟ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِفْطَارُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ: يُكْرَهُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ حَكَاهَا الْبَاجِيُّ وَنَقَلَهَا فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَمْ يَحْكُوا فِيهِ خِلَافًا وَإِنْ أَفْطَرَ عَامِدًا فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ. الرَّابِعَةُ: إذَا بَيَّتَ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ أَمْ لَا؟ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي سَمَاعِ مُوسَى مِنْ الْعُتْبِيَّةِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّهُ مُبَيِّنٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ تَأَوَّلَ وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدِي مِثْلُ مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَإِنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا فَالْمَشْهُورُ أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ وَلِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ حَكَاهُ فِي الْبَيَانِ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْفَرْقَ عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ وَبَيْنَ مَنْ بَيَّتَ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ أَنَّ طُرُوُّ السَّفَرِ عُذْرٌ مُبِيحٌ طَرَأَ لَمْ يَكُنْ بِخِلَافِ الَّذِي بَيَّتَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مُبِيحٌ وَأَنَّ الْمَخْزُومِيَّ عَكَسَ ذَلِكَ فَقَالَ بِالْكَفَّارَةِ مَعَ الْعَمْدِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ دُونَ الرَّابِعَةِ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ حُرْمَةَ الصَّوْمِ فِي حَقِّ مَنْ أَنْشَأَهُ فِي الْحَضَرِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ حِينَ الْإِنْشَاءِ إلَّا الصَّوْمُ بِخِلَافِ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الْفِطْرِ حِينَ أَنْشَأَ الصَّوْمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسَةُ: مَنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ دَخَلَ الْحَضَرَ فَأَفْطَرَ بَعْدَ دُخُولِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ بِلَا خِلَافٍ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ بِمَرَضٍ خَافَ زِيَادَتَهُ)
ش: قَالَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ: إذَا كَانَ الصَّوْمُ يَضُرُّ بِهِ وَيَزِيدُهُ ضَعْفًا أَفْطَرَ وَيُقْبَلُ
стр. 998
قَوْلُ الطَّبِيبِ الْمَأْمُونِ أَنَّهُ يَضُرُّ بِهِ وَيُفْطِرُ الزَّمِنُ إذَا أَضَرَّ بِهِ الصَّوْمُ وَكَذَا كُلُّ صَوْمٍ مُضِرٍّ يُبِيحُ الْفِطْرَ الْبُرْزُلِيُّ هِيَ تَتَخَرَّجُ عَلَى مَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ فَلَا خِلَافَ إذَا خَافَ الْمَوْتَ وَاخْتُلِفَ إذَا خَافَ مَا دُونَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ وَالْمَشْهُورُ الْإِبَاحَةُ وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْمَرَضِ وَلَوْ قَلَّ يُبِيحُ الْفِطْرَ اُنْظُرْهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ أَشْهَبَ فِي مَرِيضٍ لَوْ تَكَلَّفَ الصَّوْمَ لَقَدَرَ عَلَيْهِ أَوْ الصَّلَاةَ قَائِمًا لَقَدَرَ إلَّا أَنَّهُ بِمَشَقَّةٍ وَتَعَبٍ فَلْيُفْطِرْ وَيُصَلِّي جَالِسًا وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ قَالَ مَالِكٌ: رَأَيْت رَبِيعَةَ أَفْطَرَ فِي مَرَضٍ لَوْ كَانَ غَيْرُهُ لَقُلْت يَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ إنَّمَا ذَلِكَ بِقَدْرِ طَاقَةِ النَّاسِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا: إنَّ الْمَرِيضَ إذَا خَافَ إنْ صَامَ يَوْمًا أَحْدَثَ عَلَيْهِ زِيَادَةً فِي عِلَّتِهِ أَوْ ضَرَرًا فِي بَصَرِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَعْضَائِهِ فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ
ص (وَالْقَضَاءُ بِالْعَدَدِ)
ش: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى فَاعِلِ وَجَبَ فِي قَوْلِهِ وَوَجَبَ إنْ خَافَ هَلَاكًا وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاءُ رَمَضَانَ إذَا أَفْطَرَ فِيهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْفِطْرُ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ قَضَائِهِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ إذَا أَفْطَرَهُ كُلَّهُ بِالْعَدَدِ أَيْ يَحْسُبُ عَدَدَ شَهْرِ رَمَضَانَ الَّذِي أَفْطَرَهُ سَوَاءٌ ابْتَدَأَ فِي الْقَضَاءِ بِالْهِلَالِ أَوْ بِغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهُ إنْ صَامَ بِالْهِلَالِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ الشَّهْرَ سَوَاءٌ وَافَقَتْ أَيَّامُهُ عَدَدَ رَمَضَانَ الَّذِي أَفْطَرَهُ أَوْ كَانَ عَدَدُ الْقَضَاءِ أَنْقَصَ وَيَجِبُ تَكْمِيلُهُ إنْ كَانَتْ أَيَّامُ شَهْرِ الْقَضَاءِ أَكْثَرَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هَكَذَا نَقَلَ صَاحِبُ النَّوَادِرِ وَغَيْرُهُ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا كَانَ رَمَضَانُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَصَامَ شَهْرًا فَكَانَ ثَلَاثِينَ وَجَبَ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْعَكْسِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقَالَ: إذَا كَانَ رَمَضَانُ ثَلَاثِينَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ كَذَلِكَ وَيُفَرَّقُ بِالِاحْتِيَاطِ وَالنَّقْلِ كَمَا تَقَدَّمَ، انْتَهَى.
((قُلْتُ)) الَّذِي ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ أَوَّلًا لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يَجِبُ إكْمَالُ الشَّهْرِ ثَلَاثِينَ إذَا كَانَ رَمَضَانُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ يَقْتَضِي وُجُوبَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْوَاجِبُ عَدَدُ الْأَوَّلِ وَلَوْ قَضَى شَهْرًا لِلْهِلَالِ عَنْ آخَرَ فَفِي كَوْنِ الْمُعْتَبَرِ عَدَدَ الْأَوَّلِ أَوْ كُلَّ الثَّانِي يُجْزِئُ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَيُكَمِّلُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ قَوْلَانِ لِنَقْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ مَعَ الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالشَّيْخِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ مَعَ نَقْلِ اللَّخْمِيِّ قَائِلًا هَذَا وَهْمٌ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَيْدِ إكْمَالِهِ إنْ كَانَ أَكْثَرَ دُونَ إجْزَائِهِ إنْ كَانَ أَقَلَّ لَا أَعْرِفُهُ (تَنْبِيهٌ) وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَضَاءُ رَمَضَانَ عَلَى الْفَوْرِ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إلَى شَعْبَانَ وَيَحْرُمُ بَعْدَهُ وَقِيلَ: يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ.
نَقَلَ الْقَوْلَيْنِ الرَّجْرَاجِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى حِكَايَةِ الِاتِّفَاقِ وَكَذَلِكَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَحَصَّلَ ابْنُ عَرَفَةَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ، الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ، الثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي لِبَقَاءِ قَدْرِهِ قَبْلَ تَالِيهِ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ فَإِنْ صَحَّ بَعْدَ رَمَضَانَ قَدْرَ زَمَانِ الْقَضَاءِ وَلَمْ يَقْضِ فِيهِ ثُمَّ أَصَابَهُ مَرَضٌ أَوْ سَفَرٌ وَاتَّصَلَ ذَلِكَ إلَى رَمَضَانَ الثَّانِي فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي حَتَّى يَبْقَى قَدْرُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَيَّامِ مِنْ شَعْبَانَ مُطْلَقًا وَاعْتُرِضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي حِكَايَتِهِ الِاتِّفَاقَ وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ فِي شَرْحِ قَوْلِ عَائِشَةَ: ﵂ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إلَّا فِي شَعْبَانَ لِلشُّغْلِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ قَضَاءَ رَمَضَانَ لَيْسَ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ خِلَافًا لِلدَّاوُدِيِّ فِي إيجَابِهِ مِنْ ثَانِي شَوَّالٍ وَأَنَّهُ آثِمٌ مَتَى لَمْ يُتِمَّهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْفَوْرِ فَوَقْتُهُ مُوَسَّعٌ مُقَيَّدٌ بِبَقِيَّةِ السَّنَةِ مَا لَمْ يَدْخُلْ رَمَضَانُ آخَرُ لَكِنَّ الِاسْتِحْبَابَ الْمُبَادَرَةُ، انْتَهَى.
ص (بِزَمَنٍ أُبِيحَ صَوْمُهُ
стр. 999
غَيْرِ رَمَضَانَ) ش يَعْنِي أَنَّ الزَّمَنَ الَّذِي يُبَاحُ فِيهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ هُوَ كُلُّ زَمَانٍ أُبِيحَ صَوْمُهُ غَيْرِ رَمَضَانَ فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ أُبِيحَ صَوْمُهُ مَا حَرُمَ صَوْمُهُ كَيَوْمِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ وَالْيَوْمَانِ بَعْدَهُ وَمَا كُرِهَ صَوْمُهُ كَالْيَوْمِ الرَّابِعِ قَالَ فِي الشَّامِلِ: فَإِنْ وَقَعَ فِي يَوْمِ عِيدٍ لَمْ يُجْزِئْ كَالْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَثَالِثُهَا يُجْزِئُ الثَّالِثُ، انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ الْخِلَافَ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ وَصَرَّحَ فِي التَّوْضِيحِ بِتَشْهِيرِ مَا شَهَّرَهُ فِي الشَّامِلِ وَصَرَّحَ ابْنُ بَشِيرٍ بِتَصْحِيحِهِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ أُبِيحَ صَوْمُهُ أَيْضًا مَا وَجَبَ صَوْمُهُ كَرَمَضَانَ لِلْحَاضِرِ فَإِنَّ صَوْمَهُ لَيْسَ بِمُبَاحٍ بَلْ وَاجِبٌ فَلَوْ صَامَهُ قَضَاءً عَنْ رَمَضَانَ الْمَاضِي لَمْ يُجْزِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ الْأَقْوَالِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ كُلِّهِمْ وَوَجْهُهُ أَنَّ رَمَضَانَ لَا يُقْبَلُ غَيْرُهُ فَلَا يُجْزِي عَنْ الْقَضَاءِ وَأَمَّا عَدَمُ إجْزَائِهِ عَنْ الْأَدَاءِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُجْزِهِ وَقِيلَ: يُجْزِي عَنْ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَقِيلَ: يُجْزِي عَنْ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ رَمَضَانَ لَا يُقْبَلُ غَيْرُهُ وَالْقَوْلَانِ لِمَالِكٍ وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ مُحْتَمِلٌ لَهُمَا؛ لِأَنَّ فِيهَا وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْآخَرِ وَقَوْلُهُ غَيْرُ رَمَضَانَ خَرَجَ بِهِ رَمَضَانُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ فَلَا يُجْزِئُ فِيهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) إذَا قُلْنَا لَا يُجْزِئُ رَمَضَانُ فِي الْحَضَرِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يُكَفِّرُ عَنْ الْأَوَّلِ مِنْ الْكُلِّ يَوْمًا وَيُكَفِّرُ عَنْ الثَّانِي كَفَّارَةَ الْعَمْدِ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ أَوْ تَأْوِيلٍ وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَامَهُ وَلَمْ يُفْطِرْهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَهُوَ الصَّوَابُ، انْتَهَى.
مِنْ التَّوْضِيحِ وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ فِي الشَّامِلِ (الثَّانِي) خَرَجَ بِقَوْلِهِ أُبِيحَ صَوْمُهُ أَيْضًا مَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَلَا يَقْضِي فِيهِ رَمَضَانَ فَإِنْ قَضَى فَحُكْمُهُ حُكْمُ رَمَضَانَ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ (الثَّالِثُ) قَوْلُهُ أُبِيحَ صَوْمُهُ فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَرَادَ بِهِ الْمُبَاحَ الشَّرْعِيَّ الْمُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ فَلَيْسَ فِي السَّنَةِ يَوْمٌ أُبِيحَ صَوْمُهُ بِهَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ بِالصَّوْمِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَإِنْ أَرَادَ بِالْمُبَاحِ الْجَائِزَ الشَّامِلَ لِلْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ دَخَلَ فِيهِ رَابِعُ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ تَطَوُّعًا مَكْرُوهٌ عَلَى الْمَشْهُورِ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أُبِيحَ صَوْمُهُ أَنَّ الزَّمَانَ مَنْ يُبَاحُ فِيهِ الصَّوْمُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مُبَاحٌ بِالنَّظَرِ إلَى الْمُكَلَّفِ قُلْنَا فِي هَذَا الْفَرْقِ نَظَرٌ وَلَوْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِهِ الْأَيَّامُ وَالشُّهُورُ الَّتِي نَدَبَ الشَّرْعُ إلَى صِيَامِهَا فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ بِزَمَنٍ لَمْ يُمْنَعْ فِيهِ مِنْ التَّطَوُّعِ لَصَحَّ كَلَامُهُ وَاسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِهِ غَيْرُ رَمَضَانَ وَالْمَنْعُ يَشْمَلُ الْمُحَرَّمَ وَالْمَكْرُوهَ (الرَّابِعُ) مَنْ نَذَرَ صَوْمَ الْأَبَدِ ثُمَّ لَزِمَهُ قَضَاءُ رَمَضَانَ أَوْ صَوْمُ ظِهَارٍ أَوْ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ مَا لَزِمَهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ سَحْنُونٌ عَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا نَقَلَهُ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ بِرُمَّتِهِ مَعَ كَلَامِ النَّوَادِرِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ رَمَضَانُ فَقَطْ (الْخَامِسُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ أَشْهَبَ مَنْ دَامَ مَرَضُهُ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى انْقَضَى آخَرُ بَدَأَ بِالْأَوَّلِ وَيُجْزِئُ الْعَكْسُ، انْتَهَى.
(السَّادِسُ) أَيَّامُ رَمَضَانَ هَلْ يَجِبُ قَضَاؤُهَا عَلَى التَّرْتِيبِ فَيَنْوِي الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مِنْ أَيَّامِ الْقَضَاءِ لِلْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْأَيَّامِ الْفَائِتَةِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا صَرِيحًا الْآنَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَقَالَ سَنَدٌ فِي فَصْلِ السَّهْوِ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ مَنْ سَهَا عَنْ سَجْدَةٍ ثُمَّ قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ: وَأَمَّا أَيَّامُ رَمَضَانَ فَلَيْسَ التَّرْتِيبُ فِيهَا بِمَقْصُودٍ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ التَّعْيِينِ، انْتَهَى.
ص (وَتَمَامُهُ إنْ ذَكَرَ قَضَاءَهُ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا قَالَ ابْنُ قَدَّاحٍ مَسْأَلَةَ
стр. 1000
مَنْ تَلَبَّسَ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّاهَا فَهَلْ يَقْطَعُ أَمْ لَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَتَمَادَى عَلَى نَافِلَتِهِ وَمَنْ تَلَبَّسَ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّاهَا فَإِنْ كَانَ عَقَدَ رَكْعَةً أَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى وَسَلَّمَ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً قَطَعَ، انْتَهَى. وَمِنْهُ أَيْضًا مَا قَالَهُ سَنَدٌ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةَ عَشَرَ مِنْ بَابِ الْهَدْيِ مِنْ الْحَجِّ الثَّانِي أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ عَمَّا عَلَيْهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ قَبْلَ عَامِهِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ مَا أَحْرَمَ بِهِ إلَّا أَنَّ الْوَاجِبَ الْأَوَّلُ، انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي وُجُوبِ قَضَاءِ الْقَضَاءِ خِلَافٌ)
ش: شَهَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ وُجُوبِ قَضَاءِ الْقَضَاءِ وَذَكَرَ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ عَنْ وَجِيزِ ابْنِ غَلَّابٍ أَنَّ الْمَشْهُورَ وُجُوبُ قَضَاءِ الْقَضَاءِ
ص (وَإِطْعَامُ مُدِّهِ ﵊ لِمُفَرِّطٍ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ لِمِثْلِهِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ لِمِسْكِينٍ)
ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ: فَلَوْ فَرَّطَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ لِمِثْلِهِ أَوْ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثَالِثٌ أَوْ أَكْثَرُ أَطْعَمَ مُدًّا مَعَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ، انْتَهَى. فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ لِمِثْلِهِ أَوْ أَكْثَرَ لَدَخَلَ هَذَا الْفَرْعُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ (تَنْبِيهٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: سُئِلَ السُّيُورِيُّ عَمَّنْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ قَبْلَ قَضَاءِ رَمَضَانَ قَبْلَهُ نِسْيَانًا هَلْ يُعْطِي كَفَّارَةَ التَّفْرِيطِ؟ فَأَجَابَ النَّاسِي لَا إطْعَامَ عَلَيْهِ الْبُرْزُلِيّ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وُجُوبُ الْإِطْعَامِ وَلَا يُعْذَرُ إلَّا بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ مِنْ زَمَنِ تَعْيِينٍ إلَى دُخُولِ رَمَضَانَ الثَّانِي، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ لِمِسْكِينٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَمَصْرِفُهَا مِسْكِينٌ وَاحِدٌ وَفِيهَا لَا يُجْزِئُهُ أَمْدَادٌ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ ((قُلْتُ)) يُرِيدُ مِنْ رَمَضَانَ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ فِدْيَةَ أَيَّامِ رَمَضَانَ الْوَاحِدِ كَأَمْدَادِ الْيَمِينِ الْوَاحِدَةِ وَالرَّمَضَانَانِ كَالْيَمِينَيْنِ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالظَّاهِرُ عَلَى مَذْهَبِنَا جَوَازُ إعْطَاءِ الْمِسْكَيْنِ مُدَّيْنِ مِنْ عَامَيْنِ أَوْ مُدَّيْنِ مُتَغَايِرَيْ النِّسْبَةِ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُمَا يَوْمًا وَاحِدًا كَالْحَامِلِ مَثَلًا إذَا أَفْطَرَتْ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ وَلَمْ
стр. 1001
تَقْضِهِ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ وَكَالْمُفْطِرِ مُتَعَمِّدًا أَوْ تَرَكَ قَضَاءَهُ إلَى أَنْ دَخَلَ رَمَضَانُ ثَانٍ آخَرُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَدْ يُقَالُ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ.
ص (وَمَنْذُورُهُ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ مَسْأَلَتَيْنِ مَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يَلْزَمُهُ يَوْمٌ وَيُسْتَحَبُّ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَوْ قَالَ: الصِّيَامُ يَلْزَمُنِي وَلَا نِيَّةَ لَهُ يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْوَاجِبِ مِنْ الصِّيَامِ ((قُلْتُ)) أَمَّا جَوَابُهُ فِي الْأُولَى فَوَاضِحٌ وَنَحْوُهُ لِابْنِ سَهْلٍ وَنَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ النُّذُورِ وَأَمَّا جَوَابُهُ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنَّمَا يَتِمُّ لَوْ قَالَ النَّاذِرُ: الصِّيَامُ اللَّازِمُ وَالصَّوَابُ عِنْدِي فِي الصِّيَامِ يَلْزَمُنِي يَوْمٌ وَاحِدٌ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِمْ الطَّلَاقُ يَلْزَمُهُ وَلَا نِيَّةَ فَإِنَّمَا تَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِطْرُ نَاذِرِ الدَّهْرِ نِسْيَانًا أَوْ لِعُذْرٍ لَغْوٌ وَعَمْدًا فِي كَوْنِهِ كَذَلِكَ وَلُزُومُ كَفَّارَةِ التَّفْرِيطِ وَالِانْتِهَاكِ قَوْلَا سَحْنُونٍ وَابْنِ حَبِيبٍ مَعَ رِوَايَتِهِ فِيهِ وَفِي صَوْمِ مَنْ نَذْرِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ أَبَدًا لِظِهَارِهِ، انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ التَّوْضِيحِ نَحْوُهُ.
ص (كَشَهْرٍ فَثَلَاثِينَ)
ش: هَذَا مِثَالٌ لِمَا يَحْتَمِلُ اللَّفْظُ فِيهِ الْأَكْثَرَ وَالْأَقَلَّ وَيَلْزَمُ الْأَكْثَرُ وَدَخَلَ تَحْتَهُ مَا إذَا نَذَرَ نِصْفَ شَهْرٍ أَوْ ثُلُثَ شَهْرٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ فِي النِّصْفِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَفِي الثُّلُثِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَلَوْ نَذَرَ نِصْفَ شَهْرٍ فَابْتَدَأَ فِيهِ بَعْدَ مُضِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَكَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا فَإِنَّهُ يُكْمِلُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا عَلَى الْمَشْهُورِ وَحَكَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْأَرْبَعَ عَشَرَ الَّتِي صَامَهَا نِصْفُ شَهْرٍ وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ أَنَّ نِصْفَ الشَّهْرِ إمَّا خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَنِصْفٌ وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ يَوْمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ تَكْمِيلُهُ وَوَجْهُ مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ النَّاذِرَ لَمَّا نَذَرَ نِصْفَ يَوْمٍ وَلَيْسَ هُوَ طَاعَةٌ لَمْ يَجِبْ الْوَفَاءُ بِهِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ: وَانْظُرْ هَلْ يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا نَذَرَ نِصْفَ عِبَادَةٍ كَمَا لَوْ نَذَرَ نِصْفَ رَكْعَةٍ أَوْ نِصْفَ حَجٍّ وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ فِي هَذَا الْأَصْلِ خِلَافًا فَأَخْرَجَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ مَا إذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ لَيْلَةٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَلْزَمُهُ يَوْمُهَا وَقِيلَ:
стр. 1002
لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، انْتَهَى.
ص (وَابْتَدَأَ سَنَةً)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ نَذْرِ صَوْمَ سَنَةٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبْتَدِئَ صَوْمَ سَنَةٍ كَامِلَةٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَبْدَأَ صَوْمَ السَّنَةِ عِنْدَ حِنْثِهِ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ فِيهَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَمَا صَامَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِالْأَهِلَّةِ اُحْتُسِبَ بِهِ وَمَا أَفْطَرَ فِيهِ مِنْ الشُّهُورِ فَإِنَّهُ يُكَمِّلُهُ ثَلَاثِينَ نَقَلَهُ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ
ص (وَقَضَى مَا لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ فِي سَنَةٍ)
ش: أَيْ مَا لَا يَصِحُّ فِيهِ صَوْمُ النَّذْرِ إمَّا لِكَوْنِهِ يَجِبُ فِيهِ الْفِطْرُ كَيَوْمِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ وَالْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَهُ أَوْ يُكْرَهُ كَالْيَوْمِ الرَّابِعِ أَوْ كَوْنِهِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُصَامَ
ص (وَلَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ)
ش: أَيْ قَضَاءُ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ رَمَضَانُ وَيَوْمُ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ وَالْيَوْمَانِ اللَّذَانِ بَعْدَهُ وَأَمَّا الْيَوْمُ الرَّابِعُ فَإِنَّهُ يَصُومُهُ مَنْ نَذَرَ صَوْمَهُ سَنَةً بِعَيْنِهَا وَقَالَ فِي آخِرِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ مَسْأَلَةٌ وَسُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ جَعَلَتْ عَلَى نَفْسِهَا يَوْمًا سَمَّتْهُ مِنْ الْجُمُعَةِ مَا عَاشَتْ ثُمَّ نَذَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ صِيَامَ سَنَةٍ لِأَمْرٍ شَكَّتْ فِيهِ أَتَرَى عَلَيْهَا قَضَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي كَانَتْ نَذَرَتْهُ قَبْلَ نَذْرِ السَّنَةِ إذَا هِيَ قَضَتْ السَّنَةَ قَالَ: لَا أَرَى عَلَيْهَا قَضَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مَعْنَاهُ أَنَّ السَّنَةَ الَّتِي نَذَرَتْ بِعَيْنِهَا فَلَا تَقْضِي الْيَوْمَ الَّذِي صَامَتْهُ بِالنَّذْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا وَلِأَنَّ رَمَضَانَ الَّتِي صَامَتْهُ لِفَرْضِهَا وَمِثْلُ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا لَا تَقْضِي رَمَضَانَ وَلَا يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَا أَيَّامَ الذَّبْحِ وَقَالَ فِيهَا: إنَّ مَنْ نَذَرَ صِيَامَ ذِي الْحِجَّةِ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ أَيَّامَ الذَّبْحِ فَحَكَى عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ لَا يَدْخُلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَامَهُ وَحَكَى عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ لِمَالِكٍ فِي كِتَابِ الْأَبْهَرِيِّ فَعَلَى هَذَا يَدْخُلُ الْخِلَافُ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَيَكُونُ عَلَيْهَا قَضَاءُ الْيَوْمِ الَّذِي صَامَتْهُ لِنَذْرِهَا إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا صَامَتْهُ لِنَذْرِهَا أَوْ لِفَرْضِهَا وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ السَّنَةُ الَّتِي نَذَرَتْ لِأَمْرٍ شَكَّتْ فِيهِ بِغَيْرِ عَيْنِهَا لَكَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَصُومَ سَنَةً كَامِلَةً سِوَى أَيَّامِ نَذْرِهَا وَأَيَّامِ صَوْمِهَا لِفَرْضِهَا قَوْلًا وَاحِدًا، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَصَبِيحَةُ الْقُدُومِ فِي يَوْمِ قُدُومِهِ إنْ قَدِمَ لَيْلَةَ غَيْرِ عِيدٍ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ قُدُومِ فُلَانٍ فَقَدِمَ لَيْلًا صَامَ صَبِيحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَإِنْ قَدِمَ نَهَارًا وَبَيَّتَ النَّاذِرُ الْفِطْرَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ قُدُومِهِ أَبَدًا فَقَدِمَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ صَامَ كُلَّ اثْنَيْنِ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ
стр. 1003
غَدٍ فَإِذَا هُوَ يَوْمُ الْفِطْرِ أَوْ يَوْمُ الْأَضْحَى وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَمْ لَا فَلَا يَصُومُهُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِيهِ. أَبُو الْحَسَنِ.
هَذَا عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمَ ذِي الْحِجَّةِ وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ عَلَيْهِ وَهَذَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَوْمَ الْفِطْرِ أَوْ يَوْمَ الْأَضْحَى أَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. الشَّيْخُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ غَدًا فَإِذَا هُوَ يَوْمُ الْفِطْرِ أَوْ يَوْمُ الْأَضْحَى لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ صِيَامًا يُثَابُ عَلَيْهِ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَسَمِعَ سَحْنُونٌ ابْنَ الْقَاسِمِ إنْ نَسِيَ نَاذِرٌ صَوْمَ يَوْمِ قُدُومِ فُلَانٍ يَوْمَ قُدُومِهِ صَامَ آخِرَ أَيَّامِ الْجُمُعَةِ يَعْنِي ابْنَ رُشْدٍ يُرِيدُ وَنَذَرَهُ أَبَدًا وَلِذَا قَالَ: يَصُومُ آخِرَ أَيَّامِ الْجُمُعَةِ يُرِيدُ أَبَدًا وَلَوْ نَذَرَهُ لَا أَبَدًا قَضَاهُ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ مُطْلَقًا وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ قَدِمَ لَيْلًا أَيْ يَوْمَ شَاءَ اتِّفَاقًا.
((قُلْتُ)) يَنْقُضُ الِاتِّفَاقَ قَوْلُ سَحْنُونٍ فِي الَّتِي قَبْلَهَا وَفِي النَّوَادِرِ مَا نَصُّهُ: وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ قَالَ سَحْنُونٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ قُدُومِ فُلَانٍ فَنَسِيَ يَوْمَ قُدُومِهِ صَامَ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ الْجُمُعَةِ، انْتَهَى. وَاَلَّتِي قَبْلَهَا هِيَ قَوْلُهُ وَإِنْ نَسِيَ يَوْمًا مُعَيَّنًا فَقَالَ الشَّيْخُ عَنْ سَحْنُونٍ: يَصُومُ أَيَّ يَوْمٍ شَاءَ وَقَالَ أَيْضًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قَالَ: الْجُمُعَةَ كُلَّهَا قَالَ: وَلَوْ نَذَرَ أَبَدًا صَامَ الْأَبَدَ، انْتَهَى. وَالْمَشْهُورُ صَوْمُ الْجُمُعَةِ كُلِّهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ
ص (وَصِيَامُ الْجُمُعَةِ إنْ نَسِيَ الْيَوْمَ عَلَى الْمُخْتَارِ)
ش: وَالْمُرَادُ الْجُمُعَةُ كُلُّهَا كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ (فَرْعٌ) فَإِنْ صَامَ الْيَوْمَ الْمُعَيَّنَ الَّذِي نَذَرَهُ ثُمَّ أَفْطَرَ فِيهِ نَاسِيًا ثُمَّ نَسِيَ أَيَّ يَوْمٍ كَانَ مِنْ الْجُمُعَةِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الْفَوَائِتِ: يُجْزِئُهُ يَوْمٌ وَاحِدٌ يَنْوِي بِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ يَوْمٌ بِعَيْنِهِ فَنَوَاهُ لِقَضَائِهِ ثُمَّ انْكَشَفَ لَهُ أَنَّهُ غَيْرُ ذَلِكَ الْيَوْمِ قَالَ: الظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَرَابِعُ النَّحْرِ لِنَاذِرٍ وَإِنْ تَعْيِينًا لَا سَابِقَيْهِ إلَّا لِمُتَمَتِّعٍ)
ش: قَالَ الشَّبِيبِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِي الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ لِغَيْرِ الْمُتَمَتِّعِ الَّذِي لَا يَجِدُ هَدْيًا أَوْ مَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ فَيُمْنَعُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَأَمَّا الْيَوْمُ الرَّابِعُ فَيُكْرَهُ صَوْمُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَّا لِمَنْ كَانَ فِي صِيَامٍ مُتَتَابِعٍ أَوْ نَذَرَهُ، انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ: وَفِي صِيَامِ الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ لِغَيْرِ الْمُتَمَتِّعِ وَشَبَهِهِ قَوْلَانِ بِالتَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ وَفِي صِيَامِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْكَرَاهَةُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ إلَّا لِمَنْ نَذَرَهُ أَوْ كَانَ فِي صِيَامٍ مُتَتَابِعٍ قَبْلَ ذَلِكَ وَقِيلَ بِإِبَاحَتِهِ وَقِيلَ بِتَحْرِيمِهِ، انْتَهَى.
ص (وَلَيْسَ لِامْرَأَةٍ يَحْتَاجُ لَهَا زَوْجٌ تَطَوُّعٌ بِلَا إذْنٍ)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ غَيْرَ التَّطَوُّعِ لَا تَحْتَاجُ فِيهِ إلَى اسْتِئْذَانِهِ وَلَيْسَ
стр. 1004
كَذَلِكَ بَلْ كُلُّ مَا أَوْجَبَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةِ يَمِينٍ أَوْ فِدْيَةٍ أَوْ جَزَاءِ صَيْدٍ فِي الْإِحْرَامِ أَوْ فِي الْحَرَمِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ التَّطَوُّعِ بِخِلَافِ قَضَاءِ رَمَضَانَ وَحُكْمُ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْأَمَةِ الَّتِي لِلْوَطْءِ كَالزَّوْجَةِ وَأَمَّا الْخَادِمُ الَّتِي لِلْخِدْمَةِ وَالْعَبْدُ فَلَيْسَ عَلَيْهِمَا اسْتِئْذَانُ السَّيِّدِ إذَا لَمْ يَضُرَّ الصَّوْمُ بِخِدْمَةِ السَّيِّدِ قَالَهُ فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: وَإِذَا أَذِنَ لَهُمْ فِي صِيَامِ التَّطَوُّعِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْإِذْنِ وَإِنْ صَامُوا بِإِذْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَهُمْ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيّ: مَنْ صَامَ مِنْهُنَّ وَلَوْ دُونَ إذْنٍ لَمْ يَجُزْ فِطْرُهُ وَانْظُرْ هَلْ لِلزَّوْجِ إفْطَارُهُنَّ، انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَهُنَّ وَلِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهَا وَإِذَا عَلِمَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا فَلَا تَتَطَوَّعُ بِالصَّوْمِ وَلَهُ أَنْ يُفْطِرَهَا إنْ شَاءَ، انْتَهَى. فَانْظُرْهُ (فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمِ الْجَامِعِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ قَالَ أَصْبَغُ: سَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ وَسُئِلَ عَنْ النَّصْرَانِيَّةِ تَحْتَ الْمُسْلِمِ أَيُفْطِرُهَا فِي صِيَامِهَا الَّذِي تَصُومُهُ مَعَ أَهْلِ دِينِهَا قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُكْرِهَهَا عَلَى مَا عَلَيْهِ أَهْلُ دِينِهَا وَمِلَّتِهَا يَعْنِي شَرَائِعَهَا وَلَا عَلَى أَكْلِ مَا يَجْتَنِبُونَ فِي صِيَامِهِمْ أَوْ يَجْتَنِبُونَ أَكْلَهُ رَأْسًا لَيْسَ ذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ قَالَ أَصْبَغُ: وَلَا عَلَيْهِ مَنْعُهَا إيَّاهُ كُرْهًا وَلَا لَهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] وَقَرَأَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] . حَتَّى بَلَغَ ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: وَهُوَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِمَّا تَتَشَرَّعُ بِهِ وَاخْتُلِفَ هَلْ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ أَكْلِ الْخِنْزِيرِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالذَّهَابِ إلَى الْكَنِيسَةِ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: لَهُ مَنْعُهُمَا مِنْ أَكْلِ الْخِنْزِيرِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ دِينِهَا وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ الْكَنِيسَةِ إلَّا فِي الْفَرْضِ.
[بَابٌ الِاعْتِكَافُ]
ص (بَابٌ الِاعْتِكَافُ نَافِلَةٌ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الِاعْتِكَافُ لُزُومُ مَسْجِدٍ مُبَاحٍ لِقُرْبَةٍ نَاجِزَةٍ بِصَوْمٍ مَعْزُومٍ عَلَى دَوَامِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً سِوَى وَقْتِ خُرُوجِهِ لِجُمُعَةٍ أَوْ بِمُعَيَّنِهِ الْمَمْنُوعِ فِيهِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ نَافِلَةٌ أَيْ مُسْتَحَبَّةٌ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الِاعْتِكَافُ قُرْبَةٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لَمْ يُبَيِّنْ مَا رُتْبَتُهُ فِي الْقُرَبِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ إذْ لَوْ كَانَ سُنَّةً لَمْ يُوَاظِبْ السَّلَفُ عَلَى تَرْكِهِ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْقَاضِي هُوَ قُرْبَةٌ كَالشَّيْخِ نَفْلُ خَيْرٍ الْكَافِي فِي رَمَضَانَ سُنَّةٌ وَفِي غَيْرِهِ جَائِزٌ. الْعَارِضَةِ: سُنَّةٌ لَا يُقَالُ فِيهِ مُبَاحٌ وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا فِي كُتُبِهِمْ جَائِزٌ جَهْلٌ ابْنُ عَبْدُوسٍ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ مَا رَأَيْت صَحَابِيًّا اعْتَكَفَ وَقَدْ اعْتَكَفَ ﷺ حَتَّى قُبِضَ وَهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ اتِّبَاعًا فَلَمْ أَزَلْ أُفَكِّرُ حَتَّى أَخَذَ بِنَفْسِي أَنَّهُ لِشِدَّتِهِ نَهَارُهُ وَلَيْلُهُ سَوَاءٌ كَانَ كَالْوِصَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَعَ وِصَالِهِ ﷺ فَأَخَذَ ابْنُ رُشْدٍ مِنْهُ كَرَاهِيَةَ مَالِكٍ، انْتَهَى. وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ التَّشَبُّهُ بِالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ فِي الِاسْتِغْرَاقِ فِي الْعِبَادَةِ وَحَبْسِ النَّفْسِ عَنْ الشَّهَوَاتِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ
ص (وَصِحَّتُهُ بِمُطْلَقِ صَوْمٍ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَوْ مَنَعَ مَرَضٌ صَوْمَهُ فَقَطْ فَفِي بَقَائِهِ بِمُعْتَكَفِهِ وَخُرُوجِهِ حَتَّى يَصِحَّ قَوْلَا الْقَاضِي مَعَ تَخْرِيجِ اللَّخْمِيِّ عَلَى قَوْلِهَا إنْ صَحَّ أَوْ طَهُرَتْ، وَرِوَايَةُ الْمَجْمُوعَةِ وَيَخْرُجُ مِنْهُ لِطُرُوِّ حَيْضٍ أَوْ مَرَضٍ يَمْنَعُهُ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ، انْتَهَى.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَيُخْتَلَفُ فِي اعْتِكَافِ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ كَالرَّجُلِ الضَّعِيفِ الْبِنْيَةِ وَالْمُسْتَعْطِشِ وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ قِيَاسًا عَلَى الْمُعْتَكِفِ فِي الْمَرَضِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الِاعْتِكَافِ سِوَى الصَّوْمِ أَوْ يَمْرَضُ مَرَضًا لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الْمَقَامِ فَيَخْرُجُ ثُمَّ يَصِحُّ فِي بَعْضِ يَوْمٍ وَكَذَا الْحَائِضُ تَطْهُرُ فِي بَعْضِ يَوْمٍ هَلْ يَرْجِعَانِ حِينَئِذٍ وَمَنْ مَضَى لَهُ يَوْمُ الْفِطْرِ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنْ اعْتِكَافِهِ فَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ فِي مُعْتَكَفِهِ وَهُوَ مُفْطِرٌ أَوْ
стр. 1005
لَا يَعُودُ وَلَا يَكُونُ فِي مُعْتَكَفِهِ حَتَّى يَصِحَّ مِنْهُ الصَّوْمُ فَقَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: إذَا مَرِضَ فَأَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى اعْتِكَافِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ مِنْ الضَّعْفِ فَيُفْطِرُ فَقَالَ: يَعْتَكِفُ وَهُوَ مُفْطِرٌ لَيْسَ هَذَا اعْتِكَافًا وَلَكِنْ يَخْرُجُ ثُمَّ يَقْضِي وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ: لَا يَخْرُجُ إلَّا لِمَرَضٍ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الْمَقَامَ وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا صَحَّ الْمَرِيضُ أَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ فِي بَعْضِ يَوْمٍ رَجَعَا حِينَئِذٍ. فَاخْتُلِفَ فِيهِ قَوْلُهُ فَقَالَ فِيمَنْ أَتَى عَلَيْهِ يَوْمُ الْفِطْرِ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ اعْتِكَافِهِ بَقِيَّةٌ هَلْ يَخْرُجُ لِأَجْلِ أَنَّهُ مُفْطِرٌ أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ الْيَوْمَ فِي مُعْتَكَفِهِ عَلَى اعْتِكَافِهِ؟
وَهَذَا كُلُّهُ أَصْلٌ وَاحِدٌ فَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا يَعُودُ الْمَرِيضُ وَلَا الْحَائِضُ إذَا طَهُرَتْ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَيَكُونُ الْآخَرُ يَوْمَ الْعِيدِ فِي بَيْتِهِ وَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْمَرِيضِ وَالْحَائِضِ يَعُودَانِ فِي بَعْضٍ وَيَكُونَانِ عَلَى اعْتِكَافِهِمَا وَهُمَا مُفْطِرَانِ لَا يَخْرُجُ الْمَرِيضُ إذَا غَلَبَ عَلَى الصَّوْمِ وَلَا يَخْرُجُ الْآخَرُ يَوْمَ الْعِيدِ وَهَذَا أَصْوَبُهُمَا لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ إذَا أَصْبَحَ» ، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاعْتِكَافِ بِغَيْرِ صَوْمٍ وَلِقَوْلِ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ بِغَيْرِ صَوْمٍ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَةَ الْأَخِيرَةَ يَعْتَكِفُهَا وَلَا يَصُومُ صَبِيحَتَهَا وَلِقَوْلِ سَحْنُونٍ فِي الْحَائِضِ إذَا خَرَجَتْ لَا تَتَصَرَّفُ وَهِيَ عَلَى الِاعْتِكَافِ وَكَذَا أَرَى أَنْ لَا يُمْنَعَ مَنْ كَانَ صَحِيحًا عَاجِزًا عَنْ الصَّوْمِ، انْتَهَى. وَمَا قَالَ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: إنَّهُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَعَلَى ذَلِكَ اعْتَمَدَ فِي الْمُخْتَصَرِ حَيْثُ قَالَ: كَأَنْ مُنِعَ مِنْ الصَّوْمِ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ عِيدٍ.
ص (وَلَوْ نَذْرًا)
ش: أَيْ الِاعْتِكَافُ كَمَا قَالَ فِي الْوَسَطِ وَالْكَبِيرِ أَيْ وَلَوْ كَانَ الِاعْتِكَافُ مَنْذُورًا وَهَذَا مَحَلُّ الْخِلَافِ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَالَ فِي الصَّغِيرِ: وَلَوْ نَذَرَ أَيْ الصَّوْمَ وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ أَنَّ الْمَنْذُورَ لَا يَكْفِي فِيهِ مُطْلَقُ الصَّوْمِ فَلَا يَصِحُّ فِي رَمَضَانَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمَسْجِدٍ)
ش: أَيْ فِي صِحَّتِهِ بِمُطْلَقِ مَسْجِدٍ أَيْ مَسْجِدٍ مُبَاحٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَأَمَّا الِاعْتِكَافُ فِي مَسَاجِدِ الْبُيُوتِ فَلَا يَصِحُّ عِنْدَ مَالِكٍ لِرَجُلٍ وَلَا امْرَأَةٍ خِلَافَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ الْمَرْأَةَ تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، انْتَهَى. مِنْ رَسْمِ مَرَضٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ
[فَرْعٌ الِاعْتِكَافُ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ]
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّهُ مَسْجِدٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] وَلِقَوْلِهِ ﷺ : إلَّا الْمَسْجِدَ. وَلِجَوَازِ النَّافِلَةِ فِيهَا وَلَا يَضُرُّ أَنْ يَرْقَى إلَيْهَا بِدَرَجٍ كَالْمَسْجِدِ يُرْقَى إلَيْهِ كَذَلِكَ وَهُوَ جَائِزٌ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فِي الْبَيْتِ تَحْجِيرًا خَاصًّا وَهُوَ غَلْقُهَا فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ وَلَيْسَ مَحَلًّا لِلْفَرْضِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْفَرْضِ فِيهَا يَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَقَاصِيرِ الْمُعَدَّةِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ لِلْأُمَرَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ وَكَذَا عِنْدِي يَجْرِي الْخِلَافُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِيهَا أَيْ عَلَى الْكَعْبَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْفَرْضِ وَعَلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ وَالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ فِيهَا وَمِنْ هَذَا النَّظَرِ بَيْتُ الْقَنَادِيلِ وَالصَّوْمَعَةِ وَظَهْرُ الْمَسْجِدِ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَفِي الِاعْتِكَافِ فِي بَعْضِهَا خِلَافٌ وَكَذَلِكَ صُعُودُ الْمَنَارِ وَالسَّطْحِ وَاخْتُلِفَ فِي الْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْشِي لِمُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ وَكَذَا مَنْ فِي الْكَعْبَةِ لَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ مِنْهَا وَالصَّلَاةِ خَارِجَهَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَمْنَعُ الْفَرْضَ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ الْمَسْجِدَ وَهُوَ ابْنُ لُبَابَةَ وَالشَّافِعِيُّ يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي الْكَعْبَةِ بِالْإِطْلَاقِ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّ لِلْمَسْجِدِ خُصُوصِيَّةً فِي الِاعْتِكَافِ لِذِكْرِهِ فِيهِ
ص (وَتَجِبُ بِهِ)
ش: قَالَ الشَّارِحُ: الْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إلَى الِاعْتِكَافِ أَيْ لِمَنْ فَرْضُهُ الْجُمُعَةُ وَنَوَى اعْتِكَافًا تَجِبُ فِيهِ الْجُمُعَةُ أَيْ قَبْلَ انْقِضَاءِ زَمَنِهِ بِالْجَامِعِ، انْتَهَى. فَتَقْدِيرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَاءَ بِمَعْنَى فِي وَأَنَّ مَجْرُورَهَا عَائِدٌ لِلِاعْتِكَافِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ بِهِ أَيْ تَجِبُ فِي زَمَنِ اعْتِكَافِهِ.
ص (وَإِلَّا خَرَجَ وَبَطَلَ)
ش: اُنْظُرْ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ هَلْ يَبْطُلُ الِاعْتِكَافُ بِعِصْيَانِهِ أَوْ لَا يَبْطُلُ؟
стр. 1006
غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ آثِمٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَمَرَضِ أَبَوَيْهِ)
ش: أَيْ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ لِعِيَادَتِهِمَا أَوْ عِيَادَةِ أَحَدِهِمَا وَلَوْ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّ مَرَضَ الْأَبَوَيْنِ لَا يَخْرُجُ لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ لِعِيَادَةِ أَبَوَيْهِ إذَا مَرِضَا وَيَبْتَدِئُ اعْتِكَافَهُ وَرَأَى ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ لِبِرِّهِمَا، انْتَهَى. وَقَالَ سَنَدٌ: أَرَى أَنَّ ذَلِكَ يَجِبُ لِإِبْرَارِهِمَا وَوُجُوبِهِ بِالشَّرْعِ فَوْقَ وُجُوبِ الِاعْتِكَافِ بِالنَّذْرِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الِاعْتِكَافِ وَلَا مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي لَا انْفِكَاكَ لِأَحَدٍ عَنْهَا وَإِنَّمَا وَجَبَ الْخُرُوجُ لِعَارِضٍ هُوَ كَالْخُرُوجِ لِتَخْلِيصِ الْغُرَمَاءِ أَوْ الْهَرَمِيِّ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجِبُ وَيَفْسُدُ الِاعْتِكَافُ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ مَنْ صَلَّى نَهَارًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ إلَيْهِمَا مِنْ بِرِّهِمَا وَبِرُّهُمَا فَرْضٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَهُوَ آكَدُ مِمَّا دَخَلَ فِيهِ مِنْ الِاعْتِكَافِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ يَقْضِيهِ وَمَا فَاتَهُ مِنْ بِرِّ أَبَوَيْهِ لَا يَسْتَدْرِكُهُ وَلَا يَقْضِيهِ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَخْرُجُ لِمَرَضِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ وَيَبْتَدِئُ اعْتِكَافَهُ ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ وَبِرُّهُمَا يَفُوتُ، انْتَهَى.
وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ لِعِيَادَةِ غَيْرِهِمَا وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ وَأَنَّهُ إنْ خَرَجَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ فَهَذَا يُقَيِّدُ إطْلَاقَ قَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي كَعِيَادَةٍ وَجِنَازَةٍ.
ص (وَلَا جِنَازَتِهِمَا مَعًا)
ش: أَيْ فَلَا يَخْرُجُ لِجِنَازَةِ أَبَوَيْهِ إذَا مَاتَا مَعًا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَقَبِلَهُ الْبَاجِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ قَالَ الْبَاجِيُّ: إذَا كَانَا حَيَّيْنِ لَزِمَهُ طَلَبُ مَرْضَاتِهِمَا وَاجْتِنَابُ مَا يُسْخِطُهُمَا فَيَخْرُجُ لَهُمَا وَلَا يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ لِجِنَازَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَعْرِفَانِ بِحُضُورِهِ فَيُرْضِيهِمَا وَلَا بِتَخَلُّفِهِ فَيُسْخِطُهُمَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ إذْ لَيْسَ فِي تَرْكِ شُهُودِ جِنَازَتِهِمَا عُقُوقٌ لَهُمَا، انْتَهَى. وَلَمْ يَرْتَضِ صَاحِبُ الطِّرَازِ مَا قَالَهُ الْبَاجِيُّ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَهُ: وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ يَعُودُهُمَا إذَا مَرِضَا وَيُصَلِّي عَلَيْهِمَا إذَا مَاتَا وَلَعَلَّ مَالِكًا إنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ لِجِنَازَتِهِمَا فِي اعْتِكَافِهِ أَيْ لَا يَصِحُّ اعْتِكَافُهُ إذَا خَرَجَ لِذَلِكَ وَكَذَلِكَ فِي عِيَادَتِهِمَا وَيَكُونُ خُرُوجُهُ فِي الْعِيَادَةِ مُبْطِلًا لِعُكُوفِهِ إلَّا أَنَّهُ أَصْوَنُ لِقَضَاءِ حَقِّهِمَا وَكَذَلِكَ فِي الْجِنَازَةِ وَمَا يُعَلِّلُ بِهِ الْبَاجِيُّ يَلْزَمُهُ عَلَيْهِ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا فَإِنَّ تَخَلُّفَهُ عَنْهُ مِمَّا يُسْخِطُ الْآخَرَ وَلَا يَرْضَاهُ وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَفْعَلُ بِهِ كَذَلِكَ فَيَسُوءُهُ ذَلِكَ، انْتَهَى. وَمَا أَلْزَمَهُ مِنْ خُرُوجِهِ لِمَوْتِ أَحَدِهِمَا مُلْتَزَمٌ فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا وَالْآخَرُ حَيٌّ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ لِمَا يَخْشَى مِنْ عُقُوقِ الْحَيِّ وَغَضَبِهِ عَلَيْهِ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ وَنَصُّهُ: وَفِي الْمُوَطَّإِ لَا يَخْرُجَ لِجِنَازَتِهِمَا ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ عُقُوقٍ، انْتَهَى. .
ص (وَكَمُبْطِلٍ صَوْمَهُ)
ش: قَالَ الشَّيْخُ بَهْرَامُ فِي الْكَبِيرِ: قَوْلُهُ كَمُبْطِلٍ صَوْمَهُ كَالْحَيْضِ وَالْوَطْءِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ مَغْلُوبًا وَكَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ نَهَارًا مُتَعَمِّدًا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ أَفْطَرَ يَوْمًا نَاسِيًا فَلْيَقْضِهِ وَاصِلًا بِاعْتِكَافِهِ فَإِنْ أَفْطَرَ يَوْمًا عَامِدًا أَوْ جَامَعَ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ أَوْ لَامَسَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ وَابْتَدَأَهُ فَأَوْجَبَ الِاسْتِئْنَافَ لِجَمِيعِهِ مَعَ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَمَّا كَانَتْ سُنَّتُهُ التَّتَابُعَ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ الَّتِي إذَا فَسَدَ جُزْؤُهَا فَسَدَتْ كُلُّهَا بِخِلَافِ نِسْيَانِ الْأَكْلِ فَإِنَّهُ وَجَبَ مَعَهُ الْقَضَاءُ مُتَّصِلًا بِآخِرِهِ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْمَرَضَ وَالْحَيْضَ الَّذِي لَيْسَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهِ خِيرَةٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْوَسَطِ: يُرِيدُ كَالْحَيْضِ وَالْوَطْءِ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ مَغْلُوبًا وَكَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ نَهَارًا مُتَعَمِّدًا وَقَالَهُ كُلَّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الصَّغِيرِ: أَيْ فَيَبْطُلُ الِاعْتِكَافُ لِبُطْلَانِ شَرْطِهِ، انْتَهَى. وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ: وَكَمُبْطِلٍ صَوْمَهُ إذْ الصَّوْمُ شَرْطٌ وَمُبْطِلُ الشَّرْطِ مُبْطِلٌ لِلْمَشْرُوطِ، انْتَهَى. وَنَحْوُهُ
стр. 1007
لِلْأَقْفَهْسِيِّ.
وَأَمَّا ابْنُ الْفُرَاتِ فَنَقَلَ بَعْضَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى حِلِّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ يُنَبِّهْ ابْنُ غَازِيٍّ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا بَطَلَ الصَّوْمُ بِأَيِّ مُبْطِلٍ بَطَلَ الِاعْتِكَافُ وَكَلَامُ الشَّيْخِ بَهْرَامَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَالْبِسَاطِيِّ وَالْأَقْفَهْسِيِّ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا كَلَامُهُ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ فَكَالْمُتَدَافَعِ وَكَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ سَقَطَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ شَيْءٌ وَأَصْلُهُ وَكَمُبْطِلٍ صَوْمَهُ عَمْدًا بِغَيْرِ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ مِنْ الْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مَفْسَدَةٌ لَيْلًا وَنَهَارًا وَلَوْ كَانَتْ حَائِضًا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ مَفْسَدَةٌ أَيْ عَمْدًا لَا سَهْوًا أَوْ غَلَبَةً ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ بِجَمِيعِهِ بِالْمُفْسِدِ عَمْدًا وَيَجِبُ الْقَضَاءُ بِغَيْرِهِ.
وَالْبِنَاءُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يَعْنِي أَنَّ مُفْسِدَ الِاعْتِكَافِ إذَا فُعِلَ عَلَى سَبِيلِ الْعَمْدِ مُبْطِلٌ لِجَمِيعِ الِاعْتِكَافِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ سُنَّتُهُ التَّتَابُعَ تَنَزَّلَ بِذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ فَلِذَلِكَ كُلِّهِ يَفْسُدُ صَوْمُهُ بِفَسَادِ جُزْئِهِ. وَقَوْلُهُ وَبِغَيْرِهِ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَمْدًا بِأَنْ كَانَ سَهْوًا أَوْ غَلَبَةً فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ مُتَّصِلًا بِآخِرِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْقُبْلَةَ وَالْمُبَاشَرَةَ بَلْ وَالْوَطْءَ سَهْوًا مِمَّا يَقْضِي فِيهِ وَيَبْنِي وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ جَامَعَ فِي لَيْلِهِ أَوْ نَهَارِهِ أَوْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ أَوْ لَامَسَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ وَابْتَدَأَهُ ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا فِي التَّطَوُّعِ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ لِقَوْلِهِ مَنْ أَكَلَ يَوْمًا مِنْ اعْتِكَافِهِ نَاسِيًا يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ فَعُمِّمَ وَكَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ الْقَضَاءُ مُطْلَقًا وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَا يَقْضِي فِيهِ بِالنِّسْيَانِ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنِ حَبِيبٍ عِيَاضٌ وَهُوَ أَصَحُّ.
وَانْظُرْ عَلَى الْأَوَّلِ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ، انْتَهَى. وَفَرَّقَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ وَهِيَ أَنَّ مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ بِعَيْنِهَا فَمَرِضَ فِيهَا أَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا تَقْضِي الِاعْتِكَافَ وَلَا تَقْضِي الصَّوْمَ قَالَ: لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ أَشْبَهَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقِهِ بِالْمَسْجِدِ وَتَحْرِيمِ الْمُبَاشَرَةِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيَجِبُ اتِّصَالُ أَيَّامِهِ وَابْتِدَاءُ كُلِّهِ بِإِفْسَادِ بَعْضِهِ عَمْدًا مُطْلَقًا وَنِسْيَانًا بِغَيْرِ فِطْرِ الْغِذَاءِ وَبِهِ يَقْضِي بَانِيًا إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ الْبَاجِيُّ أَوْ وَاجِبٍ غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْلٍ فَفِي عَدَمِ قَضَائِهِ نَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مَعَ ابْنِ رُشْدٍ عَنْ سَحْنُونٍ وَرِوَايَةُ ابْنِ زَرْقُونٍ مَعَ ظَاهِرِهَا عِنْدَهُ وَابْنِ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَائِلًا بِشَرْطِ اتِّصَالِهِ الصَّقَلِّيُّ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ لَا قَضَاءَ خِلَافَ قَوْلِ مَالِكٍ وَيُحْتَمَلُ الْوِفَاقُ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ سَهْوُ غَيْرِ الْأَكْلِ كَالْأَكْلِ وَهْمٌ وَمَا مَرِضَ فِيهِ مِنْ نَذْرٍ مُبْهَمٍ أَوْ رَمَضَانَ قَضَاهُ وَمِنْ غَيْرِهِ فِي قَضَائِهِ ثَالِثُهَا إنْ مَرِضَ بَعْدَ دُخُولِهِ، انْتَهَى.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَطْءِ وَالْأَكْلِ أَنَّ الْأَكْلَ لَيْسَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الِاعْتِكَافِ وَلِهَذَا يَأْكُلُ الْمُعْتَكِفُ فِي غَيْرِ زَمَنِ الصَّوْمِ بِخِلَافِ الْوَطْءِ فَإِنَّهُ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ جَامَعَ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ نَاسِيًا أَوْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ أَوْ لَامَسَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ وَابْتَدَأَهُ، انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي إلْحَاقِ الْكَبَائِرِ بِهِ تَأْوِيلَانِ)
ش: فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الصَّغَائِرَ لَا تُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يُقَيَّدُ بِمَا إذَا لَمْ تَكُنْ الصَّغِيرَةُ مُبْطِلَةً لِلصَّوْمِ كَالنَّظَرِ لِلْأَجْنَبِيَّةِ إذَا وَالَاهُ حَتَّى أَمْذَى فَيَنْبَغِي أَنْ يُبْطِلَ اعْتِكَافَهُ، انْتَهَى. وَهَذَا ظَاهِرٌ بَلْ دَاخِلٌ فِي مُبْطِلِ الصَّوْمِ
ص (وَقُبْلَةٌ بِشَهْوَةٍ)
ش: قَالَ الشَّارِحُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ جَامَعَ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ نَاسِيًا أَوْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ أَوْ لَامَسَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ، وَابْتَدَأَهُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ يُرِيدُ إنْ قَصَدَ اللَّذَّةَ أَوْ وَجَدَهَا، انْتَهَى.
وَلِهَذَا قَيَّدَ الْمُصَنِّفُ الْقُبْلَةَ بِقَوْلِهِ بِشَهْوَةٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ عِيَاضٌ
стр. 1008
تَقْبِيلُهُ مُكْرَهًا لَغْوٌ إنْ لَمْ يَلْتَذَّ، انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ إنَّ وَطْءَ الْمُكْرَهَةِ كَالْمُخْتَارَةِ الصَّقَلِّيُّ وَالنَّائِمَةِ كَالْيَقْظَانَةِ وَالِاحْتِلَامُ لَغْوٌ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ نَاجِي ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ وُجُودُ اللَّذَّةِ وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ وَشَرَطَ اللَّخْمِيُّ وُجُودَ اللَّذَّةِ وَعَلَيْهِ تَأَوَّلَ الْمَغْرِبِيُّ قَوْلَهُمَا فَقَالَ: يُرِيدُ إذَا وَجَدَ اللَّذَّةَ أَوْ قَصَدَهَا، انْتَهَى.
ص (وَأَتَمَّتْ مَا سَبَقَ مِنْهُ أَوْ عِدَّةً) ش يَعْنِي أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا اعْتَكَفَتْ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهَا مَا يُوجِبُ الْعِدَّةَ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ مَوْتٍ فَإِنَّهَا تُتِمُّ اعْتِكَافَهَا وَلَا تَخْرُجُ لِأَجْلِ الْعِدَّةِ وَأَمَّا إنْ سَبَقَ مُوجِبُ الْعِدَّةِ فَلَا تَعْتَكِفُ حَتَّى تُتِمَّ الْعِدَّةَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَبَانَهَا زَوْجُهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا لَمْ تَخْرُجْ حَتَّى تُتِمَّ اعْتِكَافَهَا ثُمَّ تُتِمَّ بَاقِيَ عِدَّتِهَا فِي بَيْتِهَا. رَبِيعَةُ. وَإِنْ حَاضَتْ فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ أَنْ يَنْقَضِيَ اعْتِكَافُهَا خَرَجَتْ فَإِذَا طَهُرَتْ رَجَعَتْ لِتَمَامِ اعْتِكَافِهَا فَإِنْ سَبَقَ الطَّلَاقُ الِاعْتِكَافَ فَلَا تَعْتَكِفُ حَتَّى تَحِلَّ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) إذَا حَاضَتْ الْمُعْتَكِفَةُ فَخَرَجَتْ لِلْحَيْضِ فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا فَإِنَّهَا تَرْجِعُ لِلْمَسْجِدِ إذَا طَهُرَتْ لِتُكْمِلَ اعْتِكَافَهَا كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا وَهِيَ فِي الْمَسْجِدِ قَالَهُ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ (الثَّانِي) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إذَا سَبَقَ الطَّلَاقُ أَوْ الْمَوْتُ الِاعْتِكَافَ أَوْ الْإِحْرَامَ لَمْ يَصِحَّ لَهَا أَنْ تَعْتَكِفَ وَلَا أَنْ تُحْرِمَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ لَزِمَتْهَا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْقُضَهَا، انْتَهَى. مِنْ رَسْمِ مَرَضٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ وَالِاعْتِكَافِ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ إثْرَهُ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: إذَا أَحْرَمَتْ بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِهَا نَفَذَتْ وَهِيَ عَاصِيَةٌ فَانْظُرْهُ مَعَ كَلَامِ صَاحِبِ الْبَيَانِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ فِي الْبَيَانِ لَا يَصِحُّ عَلَى مَعْنًى لَا يَجُوزُ، انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ إذَا نَذَرَتْ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ الشَّهْرُ فَإِنَّهَا تَسْتَمِرُّ فِي عِدَّتِهَا وَمَبِيتِهَا فِي بَيْتِهَا وَتَصُومُ ذَلِكَ الشَّهْرَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهَا لِلِاعْتِكَافِ ظَهَرَ لِي هَذَا أَوَّلًا ثُمَّ ظَهَرَ لِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تَخْرُجَ إلَى الْمَسْجِدِ فَتَعْتَكِفَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ كَانَ لَازِمًا لَهَا قَبْلَ الْعِدَّةِ وَهِيَ كَمَنْ نَوَتْ الِاعْتِكَافَ وَدَخَلَتْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ فِي الِاعْتِكَافِ يُوجِبُ مَا نُوِيَ مِنْهُ وَالنَّذْرُ يُوجِبُ مَا نُذِرَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ فَالدُّخُولُ فِيهِ وَالنِّيَّةُ كَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، انْتَهَى. وَمَا ظَهَرَ لِي أَوَّلًا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي النُّكَتِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ
ص (وَإِنْ مَنَعَ عَبْدَهُ نَذْرًا فَعَلَيْهِ إنْ عَتَقَ)
ش: قَالَ الشَّارِحُ: يُرِيدُ إنْ كَانَ مَضْمُونًا وَأَمَّا الْأَيَّامُ الْمُعَيَّنَةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ مَنَعَهُ الِاعْتِكَافَ فِيهَا، انْتَهَى.
((قُلْتُ)) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَإِنْ مَنَعَهُ نَذْرًا فَعَلَيْهِ إنْ عَتَقَ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ مُعَيَّنًا أَوْ مَضْمُونًا قِيلَ: وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ سَحْنُونٌ: إنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، انْتَهَى. وَنَصُّ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ نَذَرَ عَبْدٌ عُكُوفًا فَمَنَعَهُ سَيِّدُهُ كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ إنْ أَعْتَقَ وَكَذَلِكَ الْمَشْيُ وَالصَّدَقَةُ إذَا نَذَرَ ذَلِكَ فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَمْنَعَهُ فَإِنْ أَعْتَقَ يَوْمًا لَزِمَهُ مَا نَذَرَ مِنْ مَشْيٍ أَوْ صَدَقَةٍ إنْ بَقِيَ مَالُهُ ذَلِكَ بِيَدِهِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ وَهُوَ رَقِيقٌ فَفَعَلَ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ، انْتَهَى. (فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُسْقِطَهُ عَنْهُ مُطْلَقًا بِخِلَافِ الدَّيْنِ.
ص (وَلَزِمَ يَوْمٌ إنْ نَذَرَ لَيْلَةً)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ لَزِمَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ سَحْنُونٌ فَأَمَّا إنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ لَزِمَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَيَدْخُلُ اعْتِكَافُهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَتِهِ وَإِنْ دَخَلَ فِيهِ قَبْلَ الْفَجْرِ فَاعْتَكَفَ يَوْمَهُ لَمْ يُجْزِهِ ابْنُ يُونُسَ لِأَنَّهُ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ فَيَلْزَمُهُ يَوْمٌ تَامٌّ وَذَلِكَ لَيْلَةٌ وَيَوْمٌ وَأَمَّا إنْ نَوَى اعْتِكَافَ يَوْمٍ فَدَخَلَ فِيهِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَأَجْزَأهُ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: فَرْعٌ: فَإِنْ اعْتَكَفَ مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ مِنْ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ هَلْ يُجْزِئُهُ يُخْتَلَفُ فِيهِ فَقَالَ سَحْنُونٌ
стр. 1009
لَا يُجْزِيهِ وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُجْزِيهِ وَلِمَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ نَحْوُ مَا ارْتَضَاهُ الْقَاضِي.
ص (لَا بَعْضَ يَوْمٍ)
ش: قَالَ سَنَدٌ لَوْ نَذَرَ عُكُوفَ بَعْضِ يَوْمٍ قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ صَوْمٍ وَلَا يَكُونُ عُكُوفًا وَإِنَّمَا يَكُونُ جِوَارًا نَذَرَهُ بِلَفْظِ الْعُكُوفِ وَكَمَا يَلْزَمُ الْعُكُوفُ إذَا قَصَدَ مَعْنَاهُ وَنَذَرَهُ بِلَفْظِ الْجِوَارِ يَلْزَمُ الْجِوَارُ إذَا قَصَدَ مَعْنَاهُ وَنَذَرَهُ بِلَفْظِ الْعُكُوفِ، انْتَهَى.
ص (كَمُطْلَقِ الْجِوَارِ)
ش: قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: الْجِوَارُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا مِنْ الْمُجَاوَرَةِ مِثْلُ الِاعْتِكَافِ، انْتَهَى. قَالَ سَنَدٌ: مَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُجَاوِرَ الْمَسْجِدَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا عِدَّةَ أَيَّامٍ فَهَذَا نَذْرُ اعْتِكَافٍ بِلَفْظِ الْجِوَارِ فَلَا فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ قَوْلِهِ أَعْتَكِفُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَوْ أُجَاوِرُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَيَلْزَمُ فِي ذَلِكَ مَا يَلْزَمُ فِي الِاعْتِكَافِ وَيُمْنَعُ فِيهِ مَا يَمْتَنِعُ مِنْ الِاعْتِكَافِ وَاللَّفْظُ لَا يُرَادُ لِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا يُرَادُ لِمَعْنَاهُ وَلَوْ لَمْ يُسَمِّ اعْتِكَافًا وَلَا جِوَارًا إلَّا أَنَّهُ نَوَى مُلَازَمَةَ الْمَسْجِدِ لِلْعِبَارَةِ أَيَّامًا مُتَوَالِيَةً وَشَرَعَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ سُنَّةُ الِاعْتِكَافِ
ص (لَا النَّهَارُ فَقَطْ فَبِاللَّفْظِ)
ش: قَالَ سَنَدٌ: أَمَّا الْجِوَارُ الَّذِي يَفْعَلُهُ أَهْلُ مَكَّةَ فَإِنَّمَا هُوَ لُزُومُ الْمَسْجِدِ بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ وَذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ سُنَّةِ الِاعْتِكَافِ وَلَا يَمْتَنِعُ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا يَمْتَنِعُ فِي الِاعْتِكَافِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ: لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَيُجَامِعَ أَهْلَهُ قَالَ الْبَاجِيُّ وَيَخْرُجَ فِي حَوَائِجِهِ وَلِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَشُهُودِ الْجَنَائِزِ وَيَطَأُ زَوْجَتَهُ وَأَمَتَهُ مَتَى شَاءَ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا وَضَعَ الِاعْتِكَافَ عَلَى وَجْهٍ يَعْسُرُ إقَامَتُهُ عَلَى جُلِّ النَّاسِ شَرَعَ فِي بَابِهِ مَا يُيَسِّرُ إقَامَتَهُ عَلَى جُلِّ النَّاسِ فَشَرَعَ الْجِوَارَ فَالْمُجَاوِرُ يَحْضُرُ الْمَسْجِدَ وَيُكْثِرُ جَمْعَهُ وَلَا يَلْتَزِمُ الْمَسْكَنَ، وَالتَّلَازُمُ كَمَا يَلْزَمُهُ الْمُعْتَكِفُ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ مُلَازَمَةَ الْمَسْجِدِ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ وَوُجُوهِ الْقُرْبِ ثُمَّ قَالَ: وَلَا تَحْرُمُ فِيهِ الْمُبَاشَرَةُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الصَّوْمُ وَلَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ عَلَى الْمُجَاوِرِ وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ لِحُرْمَةِ الْمَسْجِدِ حَتَّى لَوْ جَامَعَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَمْ يَأْثَمْ، انْتَهَى.
مُخْتَصَرًا وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الْجِوَارُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ فَبِاللَّفْظِ يَعْنِي أَنَّ الْجِوَارَ يَلْزَمُ إذَا نَذَرَهُ بِلَفْظِهِ وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأَمَّا عَقْدُهُ بِالْقَلْبِ فَذَلِكَ جَارٍ عَلَى الْخِلَافِ فِي انْعِقَادِ الْيَمِينِ بِالْقَلْبِ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا مُجَرَّدُ النِّيَّةِ فَإِنْ نَوَى يَوْمًا أَوْ أَيَّامًا لَمْ يَلْزَمْهُ مَا بَعْدَ الْأَوَّلِ وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْيَوْمُ الْمُنْفَرِدُ أَوْ الْيَوْمُ الْأَوَّلُ فِيمَا إذَا نَوَى أَيَّامًا بِالدُّخُولِ فِيهَا ابْنُ يُونُسَ حَمْلُ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى اللُّزُومِ قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ دَخَلَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لَزِمَهُ وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ: لَا يَلْزَمُهُ هَذَا الْجِوَارُ وَإِنْ دَخَلَ فِيهِ إذْ لَا صَوْمَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَوَى أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ وَالذِّكْرُ يَتَبَعَّضُ، انْتَهَى. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ
ص (وَفِي يَوْمِ دُخُولِهِ لَهُ تَأْوِيلَانِ)
ش: أَيْ وَفِي لُزُومِ الْيَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ
стр. 1010
وَعَدَمِ لُزُومِهِ تَأْوِيلَانِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ أَوَّلًا أَوْ ثَانِيًا أَوْ ثَالِثًا أَوْ غَيْرَهُ فَإِنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْجِوَارَ لَا يَلْزَمُهُ بِالنِّيَّةِ وَحْدَهَا وَإِذَا انْضَمَّ إلَيْهَا فِعْلٌ وَهُوَ الدُّخُولُ فَمَا بَعْدَ الْيَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ لَا يَلْزَمُهُ بِذَلِكَ الدُّخُولِ وَاخْتُلِفَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ هَلْ يَلْزَمُهُ جَمِيعُهُ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ تَأْوِيلَانِ تَأْوِيلُ ابْنِ يُونُسَ الْمُدَوَّنَةُ عَلَى اللُّزُومِ وَكَذَلِكَ عَبْدُ الْحَقِّ قَالَ فِي النُّكَتِ: إذَا نَوَى عُكُوفَ أَيَّامٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ شُهُورٍ لَزِمَهُ بِالدُّخُولِ فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِاتِّصَالِهِ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ مَنْ نَوَى صَوْمًا هَذَا وَإِنْ نَوَاهُ مُتَتَابِعًا لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَمَلُ الصَّوْمِ مُتَّصِلًا؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ فَاصِلٌ عَنْ الصَّوْمِ وَالْعُكُوفَ عَمَلُهُ مُتَّصِلٌ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَهُوَ كَالْيَوْمِ الْوَاحِدِ فِي الصَّوْمِ.
وَالْجِوَارُ إذَا كَانَ يَنْقَلِبُ فِيهِ بِاللَّيْلِ إلَى مَنْزِلِهِ مِثْلُ الصَّوْمِ لَا يَلْزَمُهُ بِالنِّيَّةِ وَالدُّخُولِ إلَى أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُ إنَّمَا يَتَرَتَّبُ بِدُخُولِهِ فِيهِ وَأَمَّا مَا لَا يَنْقَلِبُ فِيهِ فَهُوَ كَالْعُكُوفِ وَبِالدُّخُولِ فِي يَوْمٍ مِنْهُ يَلْزَمُهُ جَمِيعُهُ، انْتَهَى. وَتَأَوَّلَ أَبُو عِمْرَانَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى عَدَمِ اللُّزُومِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّوْمِ بِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ وَالْجِوَارُ يَصِحُّ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ يَحْصُلُ لِلْمُجَاوِرِ أَجْرُهُ، انْتَهَى. وَنَحْوُهُ فِي الطِّرَازِ قَالَ: فَرْعٌ: فَإِنْ نَوَى جِوَارَ يَوْمٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ وَبَعْدَ دُخُولِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِبْ فِيهِ صَوْمٌ فَيُقَدَّرُ بِزَمَانِهِ بَقَاءٌ مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ سَاعَاتِ النَّهَارِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَلَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَرْبَابُ الْمَذَاهِبِ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: الِاعْتِكَافُ يَجِبُ بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا بِالنَّذْرِ وَإِمَّا بِالنِّيَّةِ مَعَ الدُّخُولِ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْجِوَارُ إذَا جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ الصِّيَامَ وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ الصِّيَامَ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُجَاوِرَ كَجِوَارِ مَكَّةَ بِغَيْرِ صِيَامٍ فَلَا يَلْزَمُهُ بِالنِّيَّةِ مَعَ الدُّخُولِ فِيهِ مَا نَوَى مِنْ الْأَيَّامِ وَاخْتُلِفَ هَلْ يَلْزَمُهُ مُجَاوَرَةُ الْيَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ وَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ مَتَى شَاءَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ. إذْ لَمْ يَتَشَبَّثْ بِعَمَلٍ يُبْطِلُ عَلَيْهِ بِقَطْعِهِ، انْتَهَى. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِ سَنَدٍ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ (فَرْعٌ) فَلَوْ نَوَى جِوَارَ الْمَسْجِدِ مَا دَامَ فِيهِ أَوْ وَقْتًا مُعَيَّنًا لَمْ يَلْزَمْ بِبَقِيَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى مَا قَالَهُ سَنَدٌ وَابْنُ رُشْدٍ وَأَبُو عِمْرَانَ وَكَذَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ يُونُسَ وَعَبْدِ الْحَقِّ فِيمَا يَظْهَرُ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْمَدْخَلِ فِي أَوَّلِهِ فِي نِيَّةِ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ فَقَالَ: وَيَنْوِي الِاعْتِكَافَ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ أَوْ الْجِوَارَ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَشْتَرِطُ فِي الِاعْتِكَافِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً، انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَالْجِوَارُ كَالِاعْتِكَافِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ فِيهِ إنْ نَوَاهُ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةُ الْفِطْرِ فَلَهُ ذَلِكَ، انْتَهَى. فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ (وَلَا يَلْزَمُ فِيهِ حِينَئِذٍ صَوْمٌ) ش أَيْ إذَا نَوَى مُجَاوَرَةَ النَّهَارِ فَقَطْ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ بِاللَّفْظِ فَإِذَا نَذَرَهُ بِلَفْظِهِ وَلَزِمَهُ حِينَئِذٍ صَوْمٌ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَفِي الْحَاوِي لِأَبِي الْفَرَجِ: إذَا نَذَرَ جِوَارًا فِي أَيِّ مَسْجِدٍ كَانَ فَهُوَ كَالِاعْتِكَافِ وَعَلَيْهِ الصِّيَامُ إلَى أَنْ يَنْوِيَ الرُّجُوعَ إلَى مَنْزِلِهِ لَيْلًا فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ صِيَامٌ، انْتَهَى. وَفِي اللُّبَابِ وَإِذَا نَذَرَ جِوَارَ مَكَّةَ لَا يَلْزَمُهُ فِيهِ صَوْمٌ وَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِاللَّيْلِ إلَى مَنْزِلِهِ لِيَبِيتَ فِيهِ وَلَا يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ دُونَ النَّذْرِ إلَّا الْيَوْمُ الْأَوَّلُ فَيَلْزَمُهُ بِالنِّيَّةِ لِدُخُولِهِ فِيهِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) فُهِمَ مِنْ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ إذَا نَوَى مُجَاوَرَةَ الْمَسْجِدِ لَيْلًا وَنَهَارًا أَوْ نَوَى مَعَ ذَلِكَ عَدَمَ الصِّيَامِ أَنَّهُ يَصِحُّ وَيَلْزَمُهُ بِاللَّفْظِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِتْيَانُ سَاحِلٍ لِنَذْرِ صَوْمٍ بِهِ مُطْلَقًا)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ بِسَاحِلٍ
стр. 1011
مِنْ السَّوَاحِلِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ لِيَصُومَ فِيهِ يُرِيدُ إنْ كَانَ ذَلِكَ السَّاحِلُ مَحَلَّ رِبَاطٍ يَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِإِتْيَانِهِ وَقَوْلُهُ مُطْلَقًا يُرِيدُ وَلَوْ كَانَ النَّاذِرُ فِي بَلَدٍ أَشْرَفَ مِنْهُ كَمَنْ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إذَا نَذَرَ الصَّوْمَ بِسَاحِلٍ مِنْ السَّوَاحِلِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِ وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ
[فَرْعٌ نَذَرَ الصَّوْمَ بِمَكَّة أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ]
(فَرْعٌ) فَمَنْ نَذَرَ الصَّوْمَ بِمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَزِمَهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِ مِنْ بَابِ أَحْرَى وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَفِي أَوَّلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ فِيمَنْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ بِمَوْضِعٍ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِ إلَّا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ لِلِاعْتِكَافِ وَلَوْ نَذَرَهُ بِسَاحِلٍ مِنْ السَّوَاحِلِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ يُونُسَ.
[فَرْعٌ نَذَرَ صَوْمًا بِغَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثِ وَغَيْرِ رِبَاطٍ]
(فَرْعٌ) وَلَوْ نَذَرَ صَوْمًا بِغَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثِ وَغَيْرِ رِبَاطٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِ وَيَصُومُ بِمَوْضِعِهِ قَالَهُ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
ص (وَاعْتِكَافُهُ غَيْرُ مَكْفِيٍّ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَخْرُجَ فَيَشْتَرِيَ طَعَامَهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ وَالْأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَدْخُلَ مُعْتَكَفَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَوَائِجِهِ وَقَالَ عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ: وَلَا يَخْرُجُ لِشِرَاءِ طَعَامٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَا يَدْخُلُ حَتَّى يُعِدَّ مَا يُصْلِحُهُ وَلَا يَعْتَكِفُ إلَّا مَنْ كَانَ مَكْفِيًّا حَتَّى لَا يَخْرُجَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ فَإِنْ اعْتَكَفَ غَيْرَ مَكْفِيٍّ جَازَ أَنْ يَخْرُجَ لِشِرَاءِ طَعَامِهِ وَلَا يَقِفُ مَعَ أَحَدٍ يُحَدِّثُهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا يَمْكُثُ بَعْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ شَيْئًا أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ الْآخَرِ وَقَوْلُهُ لَا يَقِفُ عَلَى أَحَدٍ يُحَدِّثُهُ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الِاعْتِكَافِ وَحُرْمَةُ الِاعْتِكَافِ عَلَيْهِ كَالرَّاعِفِ يَنْصَرِفُ لِغَسْلِ الدَّمِ وَحُرْمَةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَإِنْ اشْتَغَلَ بِحَدِيثٍ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ غَيْرَ مُعْتَكِفٍ، انْتَهَى.
ص (وَكِتَابَةٌ وَإِنْ مُصْحَفًا وَإِنْ كَثُرَ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ كِتَابَةُ الْمُعْتَكِفِ سَوَاءٌ كَانَتْ عِلْمًا أَوْ مُصْحَفًا فَأَحْرَى غَيْرُ ذَلِكَ ثُمَّ قَيَّدَ ذَلِكَ بِالْكَثْرَةِ فَلَا تُكْرَهُ كِتَابَةُ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ مِنْ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا نَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ وَغَيْرِهَا فَالضَّمِيرُ فِي الْكِتَابَةِ رَاجِعٌ لِلْمُعْتَكِفِ وَكِتَابَةٌ مَرْفُوعَةٌ عَطْفًا عَلَى اشْتِغَالِهِ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى عِلْمٍ وَالْأَوَّلُ أَقْعَدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِعْلٌ غَيْرُ ذِكْرٍ وَصَلَاةٍ وَتِلَاوَةٍ)
ش: قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَدُعَاءٍ وَاسْتِغْفَارٍ وَنَحْوِهِ، انْتَهَى. وَهَذَا دَاخِلٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ يُحَاكِي الْمُؤَذِّنَ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ مَنْ اعْتَكَفَ بِمَكَّةَ]
(فَرْعٌ) قَالَ التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: وَيَجُوزُ لَهُ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، انْتَهَى. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ وَفِي ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ النَّوَادِرِ وَمَنْ اعْتَكَفَ بِمَكَّةَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْكَعْبَةَ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ وَتَرْقِيعُ ثَوْبِهِ وَقْت الِاعْتِكَاف]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَتَرْقِيعُ ثَوْبِهِ مَكْرُوهٌ وَلَا يُنْتَقَضُ بِهِ اعْتِكَافُهُ.
ص (كَعِيَادَةٍ وَجِنَازَةٍ وَلَوْ لَاصَقَتْ)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْعِيَادَةَ وَالْجِنَازَةَ يُكْرَهُ لَهُ فِعْلُهُمَا فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْكَرَاهَةُ إنَّمَا هِيَ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَلَا يَجُوزُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جِنَازَةٍ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ وَلَوْ، انْتَهَى إلَيْهِ زِحَامُ الْمُصَلِّينَ عَلَيْهَا وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ يُصَلِّيَ إلَى جَانِبِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ وَلَا يَقُومُ لِيُعَزِّيَ أَوْ لِيُهَنِّيَ أَوْ لِيَعْقِدَ نِكَاحًا فِي الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ يَغْشَاهُ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ فَحَبَسَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ، انْتَهَى. وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَلَا يَكُونُ مُعْتَكِفًا حَتَّى يَجْتَنِبَ عِيَادَةَ الْمَرْضَى وَالصَّلَاةَ عَلَى الْجَنَائِزِ وَاتِّبَاعَهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُعْتَكِفُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ وَإِنْ شَهِدَ جِنَازَةً وَعَادَ مَرِيضًا أَوْ أَحْدَثَ
стр. 1012
سَفَرًا صَنَعَ ذَلِكَ مُتَعَمِّدًا وَجَبَ عَلَيْهِ الِابْتِدَاءُ وَلَا يَنْفَعُهُ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ، انْتَهَى. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَلَا لِشُهُودِ جِنَازَةٍ وَلَا لِأَدَاءِ شَهَادَةٍ فَإِنْ فَعَلَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ، انْتَهَى. وَقَالَ قَبْلَهُ: وَاخْتُلِفَ فِي صَلَاتِهِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَهُوَ فِي مَكَان وَكَرِهَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَفِي الْمَعُونَةِ إجَازَتُهُ وَيُؤْخَذُ هَذَا مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا تَقَدَّمَ كَمَرَضِ أَبَوَيْهِ وَتَأَمَّلْهُ هَلْ يَصِحُّ الْأَخْذُ مِنْهُ أَوْ لَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَتَرَتُّبِهِ لِلْإِمَامَةِ)
ش: هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ سَحْنُونٍ وَحَكَى فِي الْإِكْمَالِ عَنْهُ قَوْلَيْنِ هَذَا وَالْقَوْلُ الثَّانِي الْجَوَازُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ فِي الرِّسَالَةِ وَاللَّخْمِيُّ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ إنَّهُ الْمَشْهُورُ.
ص (وَإِخْرَاجُهُ لِحُكُومَةٍ إنْ لَمْ يَلُدَّ بِهِ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ خَرَجَ يَطْلُبُ حَدًّا أَوْ دَيْنًا أَوْ أَخْرَجَ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ حَدٍّ أَوْ دَيْنٍ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ: إنْ أَخْرَجَهُ قَاضٍ لِخُصُومَةٍ أَوْ غَيْرِهَا كَارِهًا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَبْتَدِئَ اعْتِكَافَهُ وَإِنْ بَنَى أَجْزَأَهُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ إخْرَاجُهُ لِخُصُومَةٍ أَوْ غَيْرِهَا حَتَّى يُتِمَّ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ إنَّمَا اعْتَكَفَ لَدَدًا فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ، انْتَهَى. مِنْ التَّهْذِيبِ. إلَّا قَوْلَهُ لِخُصُومَةٍ أَوْ غَيْرِهَا الثَّانِي فَإِنَّهُ مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
ص (وَجَازَ إقْرَاءُ قُرْآنٍ)
ش: قَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُبَ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنْ يَقْرَأَ أَوْ يُقْرِئَ غَيْرَهُ الْقُرْآنَ إذَا كَانَ فِي مَوْضِعِهِ انْتَهَى وَنَقَلَهُ الشَّارِحُ وَزَادَ مَا نَصُّهُ: يُرِيدُ وَإِنْ كَثُرَ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مِنْ الْأَذْكَارِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَاصِدَ التَّعْلِيمِ فَلَا، انْتَهَى. وَكَذَا قَيَّدَهُ فِي الشَّامِلِ وَهَذَا التَّقْيِيدُ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِهِ التِّلِمْسَانِيُّ كَلَامَ الْجَلَّابِ وَجَعَلَ صَاحِبُ الطِّرَازِ مَا فِي الْجَلَّابِ خِلَافَ الْمَذْهَبِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَشْتَغِلُ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ وَذَلِكَ بَيِّنٌ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَشَاغَلَ بِتَدْرِيسِ الْعِلْمِ وَلَا يُدَرِّسُهُ وَلَا بِإِقْرَاءِ الْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَنْبَلٍ وَفِي التَّفْرِيعِ لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُبَ فِي الْمَسْجِدِ وَيُقْرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ إذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ شُرِعَ لَهَا الْمَسْجِدُ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إقْرَاءُ الْقُرْآنِ وَتَدْرِيسُ الْعِلْمِ، انْتَهَى. وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: الْمُعْتَكِفُ دَخَلَ عَلَى الْتِزَامِ نَوْعٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ مِمَّا شُرِعَ لَهُ الْمَسْجِدُ وَذَلِكَ الصَّلَاةُ وَالذِّكْرُ وَالتَّسْبِيحُ وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ ثُمَّ قَالَ: فَلَيْسَ لَهُ قَطْعُ مَا الْتَزَمَهُ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ كَالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَتَعَلُّمِهِ وَبَيَانُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الِاعْتِكَافِ، انْتَهَى. فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْغَيْرِ وَسَمَاعُهُ مِنْ الْغَيْرِ
ص (وَتَطَيُّبُهُ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَيَّبَ الْمُعْتَكِفُ قَالَ فِي الطِّرَازِ: ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إلَى جَوَازِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَتَطَيَّبَ وَلَا يَلْبَسَ الرَّفِيعَ مِنْ الثِّيَابِ، انْتَهَى. وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا ذَكَرَ صَاحِبُ الشَّامِلِ أَنَّ الصَّائِمَ لَا يَشُمُّ الرَّيَاحِينَ وَالْمُعْتَكِفَ لَا يَكُونُ إلَّا صَائِمًا وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الصَّوْمِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَبَخُورٌ
ص (وَأَخْذُهُ إذَا خَرَجَ لِكَغُسْلِ جُمُعَةٍ ظُفْرًا أَوْ شَارِبًا)
ش: فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ لِغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ جَوَازَهُ لِخُرُوجِهِ لِغُسْلِ الْجُمُعَةِ عَلَى جَوَازِ خُرُوجِهِ لِلْعِيدِ وَرَدَّهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَقَالَ التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْجَلَّابِ: وَلَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ مِنْ الْمَسْجِدِ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ لِغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ وَهُوَ مُخَاطَبٌ بِالْغُسْلِ، انْتَهَى. وَذَلِكَ لَا يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَخْرُجَ لِيَغْسِلَ مَا أَصَابَهُ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ دَفْعِ الْحَاجَةِ.
[فَرْعٌ الْمُعْتَكِف إذَا اصْبَحْ جنبا]
(فَرْعٌ) ثُمَّ قَالَ: وَيَخْرُجُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ إجْمَاعًا وَلَا يُؤَخِّرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ وَلَمْ يَجِدْ لَهُ سَبِيلًا يُتِمُّ لِاسْتِبَاحَةِ
стр. 1013
اللُّبْثِ وَاسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ وَهَلْ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ أَوْ لَا يَخْرُجُ وَلَا يَمْشِي فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَتَيَمَّمَ قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا فِي التَّيَمُّمِ ((قُلْتُ)) وَتَقَدَّمَ الْأَرْجَحُ عَدَمُ التَّيَمُّمِ ثُمَّ قَالَ: وَهَلْ يَذْهَبُ إلَى الْحَمَّامِ وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي الْمُعْتَكِفِ فِي الشِّتَاءِ يَحْتَلِمُ وَيَخَافُ الْمَاءَ الْبَارِدَ: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْحَمَّامَ وَهَذَا إذَا وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا أَوْ أَمْكَنَهُ أَخْذُ الْمَاءِ مِنْ الْحَمَّامِ وَيَتَطَهَّرُ فِي بَيْتِهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ جَازَ لَهُ بَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ الْجُنُبُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ: إذَا احْتَاجَ الْمُعْتَكِفُ إلَى قَصِّ أَظْفَارِهِ وَشَارِبِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ وَيُدْنِيَ رَأْسَهُ لِمَنْ يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَيُصْلِحُهُ وَلَا يَخْرُجُ فِي ذَلِكَ إلَى بَيْتِهِ وَلَا إلَى دُكَّانِ حَجَّامٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ: وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ وَيَنْتِفَ إبِطَهُ وَيَحْلِقَ عَانَتَهُ فِي بَيْتِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذَا خَرَجَ إلَى غُسْلِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ كَمَالِ التَّنْظِيفِ وَمُتَعَلِّقٌ بِالْغُسْلِ ثُمَّ قَالَ: وَلَا تَجُوزُ لَهُ الْحِجَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا الْفَصَادَةُ وَإِنْ جُمُعَةً كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ الْبَوْلُ وَالتَّغْوِيطُ فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ خَرَجَ وَإِنْ فَعَلَهُ فِي الْمَسْجِدِ يُخْتَلَفُ فِيهِ فَمَنْ رَاعَى فِي ارْتِكَابِهِ مَا نُهِيَ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ كَبِيرَةً لَمْ يُبْطِلْهُ وَمَنْ لَمْ يُرَاعِ أَبْطَلَهُ ثُمَّ قَالَ: وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَسْتَاكَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَجْلِ مَا يُلْقِيهِ مِنْ فِيهِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَأَخْذُهُ إذَا خَرَجَ لِكَغُسْلِ جُمُعَةٍ ظُفْرًا، أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ لِذَلِكَ مُسْتَقِلًّا كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ سَنَدٌ فِي كَلَامِهِ هَذَا وَانْظُرْ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنَ عَرَفَةَ وَكَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ
ص (وَانْتِظَارُ غَسْلِ ثَوْبِهِ وَتَجْفِيفِهِ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَنْتَظِرُ غَسْلَ ثَوْبِهِ وَتَجْفِيفَهُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: لِلشُّيُوخِ هُنَا تَأْوِيلَانِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَنْتَظِرُ وَاحِدًا مِنْ الْأَمْرَيْنِ لَا الْغُسْلَ وَلَا التَّجْفِيفَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ مَعْنَاهُ يَنْتَظِرُ التَّجْفِيفَ وَأَمَّا الْغُسْلُ فَإِنَّهُ يَغْسِلُهُ، انْتَهَى. وَفَهِمَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ: لَا يَنْتَظِرُ غَسْلَ ثَوْبِهِ وَلَا تَجْفِيفَهُ، انْتَهَى. وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ الثَّانِي لِقَوْلِهِ وَفِيهَا لَا يَنْتَظِرُ فِي خُرُوجِهِ لِغُسْلِ جَنَابَتِهِ جَفَافَ ثَوْبِهِ، انْتَهَى.
ص (وَمُكْثُ لَيْلَةِ الْعِيدِ)
ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ مُكْثَهُ لَيْلَةَ الْعِيدِ مُسْتَحَبٌّ فَلَوْ خَرَجَ فِيهَا لَمْ يَفْسُدْ اعْتِكَافُهُ عِنْدَ مَالِكٍ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ قَالَهُ فِي رَسْمٍ شَكَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا يَبْطُلُ الِاعْتِكَافُ أَيْضًا بِفِعْلِهِ مَا يُضَادُّ الِاعْتِكَافَ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّامِلِ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ.
ص (وَبِآخِرِ الْمَسْجِدِ)
ش: قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَلِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَطْلُبَ فَضِيلَةَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، انْتَهَى.
ص (لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ الْغَالِبَةِ بِهِ وَفِي كَوْنِهَا بِالْعَامِ أَوْ بِرَمَضَانَ خِلَافٌ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ
стр. 1014
يُسْتَحَبُّ اعْتِكَافُ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لِأَجْلِ طَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي يَغْلِبُ كَوْنُهَا فِيهِ وَنَحْوُ هَذَا لِابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَمَّا كَوْنُ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ فَذَلِكَ لِمُوَاظَبَتِهِ ﷺ عَلَى الِاعْتِكَافِ فِيهِ فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ وَأَمَّا طَلَبُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَإِنَّمَا هُوَ بِالِانْجِرَارِ أَلَا تَرَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَخْتَصُّ بِاللَّيْلِ لَكِنَّ حَدِيثَ: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ» يَشْهَدُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: اُخْتُلِفَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، الْأَوَّلُ: إنَّهَا فِي لَيْلَةٍ بِعَيْنِهَا لَا تَنْتَقِلُ إلَّا أَنَّهَا غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَقِيلَ: إنَّهَا مُبْهَمَةٌ فِي الْعَامِ كُلِّهِ وَقِيلَ: فِي رَمَضَانَ كُلِّهِ، وَقِيلَ: فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ وَالْأَخِيرِ وَقِيلَ: فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ فَقَطْ، الثَّانِي: إنَّهَا فِي لَيْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَا تَنْتَقِلُ مَعْرُوفَةٍ وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَقِيلَ: إحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ: ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ: سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إنَّهَا لَيْسَتْ فِي لَيْلَةٍ بِعَيْنِهَا وَإِنَّمَا تَنْتَقِلُ فِي الْأَعْوَامِ وَلَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِالْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَالْغَالِبُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ.
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ، انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) تَتَعَلَّقُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُدَوَّنَةِ ((قُلْتُ)) وَهَهُنَا مَسْأَلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ قَالَ تَقِيُّ الدِّينِ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ وَقِيلَ: فِي السَّنَةِ قَالُوا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ فِي رَمَضَانَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهَا السَّنَةُ؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا مَخْصُوصَةً بِرَمَضَانَ مَظْنُونٌ وَصِحَّةُ النِّكَاحِ مَعْلُومَةٌ فَلَا تَزَالُ إلَّا بِيَقِينٍ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا إذَا دَلَّتْ الْأَحَادِيثُ عَلَى اخْتِصَاصِهَا بِالْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ كَانَ إزَالَةُ النِّكَاحِ بِمُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ الْأَحَادِيثُ وَالْأَحْكَامُ الْمُقْتَضِيَةُ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ يَجُوزُ بِنَاؤُهَا عَلَى الْأَحَادِيثِ وَيَرْتَفِعُ بِهَا النِّكَاحُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي رَفْعِ النِّكَاحِ وَأَحْكَامِهِ اسْتِنَادُهُ إلَى التَّوَاتُرِ أَوْ قُطِعَ اتِّفَاقًا الْمَشَذَّالِيُّ وَمَا ذَكَرَهُ تَقِيُّ الدِّينِ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَلَا إلَى تَفْصِيلٍ بَلْ يُنَجَّزُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ مُطْلَقًا الْوَانُّوغِيُّ وَعَلَى أَنَّهَا ارْتَفَعَتْ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ الْمَشَذَّالِيُّ ذَكَرَ صَاحِبُ الِاسْتِغْنَاءِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ مُحْرِزٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِي أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ وَمُحَالٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ إخْبَارَهَا أَنَّهُ كَانَ طَلَّقَهَا. وَظَاهِرُ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَازِمٌ. الْبُرْزُلِيُّ عَنْ شَيْخِهِ الْإِمَامِ أَنَّهُ كَقَوْلِهِ إنْ شَاءَ الْحَجَرُ وَفِي النَّوَادِرِ تَقْيِيدُ الطَّلَاقِ بِالْمَاضِي كَطَلَاقِهِ فَهُوَ كَظَاهِرِ ابْنِ الْحَاجِبِ، انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ أَخَّرَهُ بَطَلَ)
ش: قَالَ فِي شَرْحِ أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَإِذَا طَهُرَتْ الْحَائِضُ فِي بَعْضِ يَوْمِهَا فَرَجَعَتْ إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا تُمْسِكُ عَنْ الْأَكْلِ بَقِيَّةَ يَوْمِهَا وَلَا تَعْتَدُّ بِهِ فِي اعْتِكَافِهَا إلَّا أَنْ تَطْهُرَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَتَنْوِيَ صِيَامَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَتَدْخُلَ مُعْتَكَفَهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، انْتَهَى.
ص (وَإِنْ اشْتَرَطَ سُقُوطَ الْقَضَاءِ لَمْ يُعِدْهُ)
ش: وَيَصِحُّ الِاعْتِكَافُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ: يَبْطُلُ الشَّرْطُ وَالِاعْتِكَافُ وَقِيلَ: إنْ اشْتَرَطَهُ مِنْ قَبْلِ الدُّخُولِ بَطَلَ الشَّرْطُ وَالِاعْتِكَافُ وَإِنْ اشْتَرَطَهُ بَعْدَ الدُّخُولِ بَطَلَ الشَّرْطُ وَصَحَّ الِاعْتِكَافُ قَالَهُ الْجُزُولِيُّ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا يُسْقِطُهُ الِاشْتِرَاطُ وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ الْقَصَّارِ أَنَّهُ قَالَ: إنْ اشْتَرَطَ فِي الِاعْتِكَافِ مَا يُغَيِّرُ سُنَّةً فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ الِاعْتِكَافُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَشَرْطُ مُنَافِيهِ لَغْوٌ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ الْبَغْدَادِيِّينَ لَوْ نَذَرَهُ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا بِدُخُولِهِ فَيَبْطُلُ شَرْطُهُ، انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَحُكِيَ لَنَا عَنْ ابْنِ الْقَصَّارِ: أَنَّهُ شَرَطَ فِي الِاعْتِكَافِ مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ الِاعْتِكَافُ وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ: إنْ دَخَلَ فِي الِاعْتِكَافِ بِهَذَا الشَّرْطِ لَزِمَهُ الْمُضِيُّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَخْرُجْ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ اُنْتُقِضَ اعْتِكَافُهُ وَلَزِمَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ اُنْظُرْ النُّكَتَ
стр. 1015
انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: فَإِنْ شَرَطَ سُقُوطَ الْقَضَاءِ لِحُدُوثِ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يُفِدْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَثَالِثُهَا إنْ وَقَعَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَإِلَّا بَطَلَ، انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْحَجِّ]
ص (بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ وَسُنَّةِ الْعُمْرَةِ مَرَّةً)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْحَجَّ يَجِبُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمْرِ وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَنَا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ عَنْهُ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ قُلْت: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ النَّسَائِيّ «لَوْ قُلْت: نَعَمْ لَوَجَبَتْ ثُمَّ إذًا لَا تَسْمَعُونَ وَلَا تُطِيعُونَ وَلَكِنَّهَا حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ» انْتَهَى.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: إنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] ، وَالرَّجُلُ السَّائِلُ هُوَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ كَذَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ طَرِيقِ النَّسَائِيّ ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مَنَاسِكِهِ وَحَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمْرِ، وَقَالَ بَعْضُ مَنْ شَذَّ: أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ.» قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَتِهِ رِوَايَةُ هَذَا الْحَدِيثِ حَرَامٌ فَكَيْفَ إثْبَاتُ حُكْمٍ بِهِ؟ ، يَعْنِي أَنَّهُ مَوْضُوعٌ، وَقَالَ فِي الْقَبَسِ: وَذَكَرَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ؛ لِحَدِيثٍ رَوَوْهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ ضَعِيفٌ انْتَهَى.
وَهَذَا لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لِشُذُوذِهِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَقَائِلُهُ مَحْجُوجٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلِهِ وَعَلَى تَسْلِيمِ وُرُودِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالتَّأَكُّدِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ، كَمَا حَمَلَ الْعُلَمَاءُ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ الْآتِي ذِكْرُهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَجِبُ بَعْدَ الْمَرَّةِ الْأُولَى إلَّا أَنْ يُنْذِرَهُ أَوْ يُرِيدَ دُخُولَ مَكَّةَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ أَوْ بِهِمَا، وَيُسْتَحَبُّ الْحَجُّ فِي كُلِّ سَنَةٍ لِمَنْ حَجَّ الْفَرْضَ وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ فِي كُلِّ خَمْسِ سِنِينَ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ: إنَّ عَبْدًا صَحَّحْت لَهُ جِسْمَهُ وَوَسَّعْت عَلَيْهِ فِي الْمَعِيشَةِ تَمْضِي عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ لَا يَمْضِي إلَيَّ لَمَحْرُومٌ» رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالتَّأَكُّدُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ انْتَهَى.
وَهَذَا مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى إخْلَاءِ الْبَيْتِ عَمَّنْ يَقُومُ بِإِحْيَائِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ إحْيَاؤُهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْجِهَادِ فَإِنَّهُ عَدَّ فِيهِ زِيَارَةَ الْكَعْبَةِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَفِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِسَنَدِهِ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: لَوْ تَرَكَ النَّاسُ زِيَارَةَ هَذَا الْبَيْتِ عَامًا وَاحِدًا مَا أُمْطِرُوا، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَنَاسِكِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: «لَوْ تَرَكَ النَّاسُ زِيَارَةَ هَذَا الْبَيْتِ عَامًا مَا أُمْطِرُوا» وَقَالَ التَّادَلِيُّ بَعْدَ كَلَامِ صَاحِبِ الْقَبَسِ الْمُتَقَدِّمِ: وَهَذَا مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى إخْلَاءِ الْبَيْتِ عَمَّنْ يَقُومُ بِإِحْيَائِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَأَمَّا إذَا خِيفَ إخْلَاؤُهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ إحْيَاؤُهُ وَفِي كُلِّ سَنَةٍ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي رَوْضَتِهِ فَقَالَ: وَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ إحْيَاءُ الْكَعْبَةِ بِالْحَجِّ فِي كُلِّ سَنَةٍ هَكَذَا أَطْلَقُوا وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ بَلْ وَالِاعْتِكَافُ وَالصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَإِنَّ التَّعْظِيمَ وَإِحْيَاءَ الْبُقْعَةِ يَحْصُلُ بِكُلِّ ذَلِكَ ((قُلْتُ)) : وَلَا
стр. 1016
يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْحَجِّ بِمَا ذَكَرَهُ فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى الْوُقُوفِ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى، وَالرَّمْيِ وَإِحْيَاءِ تِلْكَ الْبِقَاعِ بِالطَّاعَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَا يَبْعُدُ قَوْلُ مِثْلِهِ عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ، فَإِنَّ عِمَارَاتِ الْمَسَاجِدِ غَيْرَهُ بِالْجَمَاعَاتِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، فَكَذَلِكَ عِمَارَةُ الْكَعْبَةِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَهُوَ أَوْلَى. انْتَهَى كَلَامُ التَّادَلِيِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَيَنْبَغِي لِمَنْ حَجَّ الْفَرْضَ أَنْ يَنْوِيَ الْقِيَامَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ لِيَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُ ذَلِكَ، وَقَالَ فِي الْإِحْيَاءِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ: يُكْرَهُ لِلْحَاضِرِ بِمَكَّةَ مُقِيمًا أَنْ لَا يَحُجَّ فِي كُلِّ سَنَةٍ قَالَ: وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الْكَرَاهَةِ تَرْكُ الْأُولَى وَالْفَضِيلَةِ انْتَهَى.
((قُلْتُ)) : وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) تَحْصُلُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَجَّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: فَرْضُ عَيْنٍ وَفَرْضُ كِفَايَةٍ وَتَطَوُّعٍ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: وَهَذَا الثَّالِثُ يَحْتَاجُ إلَى تَصْوِيرٍ؛ لِأَنَّ الْقَاصِدَ لِلْبَيْتِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ فَرْضُ الْإِسْلَامِ سَقَطَ عَنْهُ وَكَانَ قَائِمًا بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَيْضًا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَرْضُ الْإِسْلَامِ كَانَ قَائِمًا بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ لَنَا حَجُّ تَطَوُّعٍ، قَالَ: وَصَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ فِي الْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِمْ قَالَ: وَهَذَا فِيهِ الْتِزَامُ السُّؤَالِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُكَلَّفِينَ ثُمَّ أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ وُقُوعُهُ فَرْضًا وَيَسْقُطُ بِهِمْ فَرْضُ الْكِفَايَةِ عَنْ الْمُكَلَّفِينَ كَمَا فِي الْجِهَادِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، قَالَ: وَقِيلَ: هُنَا جِهَتَانِ: جِهَةُ تَطَوُّعٍ وَهِيَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فَرْضُ الْعَيْنِ وَجِهَةُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ مِنْ حَيْثُ إحْيَاءِ الْكَعْبَةِ، قَالَ: وَهَذَا فِيهِ الْتِزَامُ السُّؤَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُصْ لَنَا حَجُّ تَطَوُّعٍ، قَالَ: وَلَا يُقَالُ: إذَا أُتِيَ بِهِ مَنْ يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْيَاءُ لَا يَكُونُ فَرْضًا فِي حَقِّ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ وَإِنْ تَقَدَّمَ إحْرَامُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ؛ لِأَنَّهُمْ حَكَمُوا بِأَنَّ مَا كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ لَا يَخْتَلِفُ الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَحْصُلَ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ وَأَزْمَانٍ كَمَا قَالُوا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَرَدِّ السَّلَامِ، انْتَهَى، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
إنَّمَا يَشْكُلُ عَلَى مَذْهَبٍ فِي أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ فَرْضُ الْإِسْلَامِ وَأَحْرَمَ بِنَفْلٍ يَنْقَلِبُ فَرْضًا وَعَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا خُوطِبَ بِهِ عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ كَانَ حُكْمُهُ مُسَاوِيًا لِحُكْمِ فَرْضِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ بِنَفْلٍ يَنْقَلِبُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِنَا فِي أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِنَفْلٍ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ الْفَرْضُ فَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَجَّ فَرْضَ الْإِسْلَامِ يُطْلَبُ بِإِحْيَاءِ الْكَعْبَةِ بِالْحَجِّ عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ، فَإِذَا قَامَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ سَقَطَ الطَّلَبُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ عَنْ الْبَاقِينَ وَصَارُوا مَطْلُوبِينَ بِهِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، فَمَنْ جَاءَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَنَوَى الْقِيَامَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ حَصَلَ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَنْوِ إلَّا التَّطَوُّعَ فَحَجُّهُ تَطَوُّعٌ، بَلْ لَوْ لَمْ يَقُمْ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَحَدٌ وَأَحْرَمَ الْجَمِيعُ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ انْعَقَدَ إحْرَامُهُمْ تَطَوُّعًا وَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ ثَوَابُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ إلَّا بِنِيَّةٍ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتَحْصُلُ أَيْضًا أَنَّ فَرْضَ الْإِسْلَامِ يَجِبُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمْرِ وَفَرْضِيَّةَ ذَلِكَ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَلَا يَحْتَاجُ لِلتَّطْوِيلِ بِهَا لِشُهْرَتِهَا وَفِيمَا تَقَدَّمَ كِفَايَةٌ، فَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهُ فَهُوَ مُرْتَدٌّ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَمَنْ تَرَكَهُ بَعْدَ الِاسْتِطَاعَةِ إلَيْهِ فَقَالَ فِي الرِّسَالَةِ: فَاَللَّهُ حَسِيبُهُ. قَالَ الْجُزُولِيُّ: أَيْ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ: وَعْظٌ وَزَجْرٌ وَوَبَخٌ انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ يُقْتَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنْكَرَتْ الْمُلْحِدَةُ الْحَجَّ وَقَالَتْ: إنَّ فِيهِ التَّجَرُّدَ مِنْ الثِّيَابِ وَهُوَ يُخَالِفُ الْحَيَاءَ، وَفِيهِ السَّعْيُ وَهُوَ يُخَالِفُ الْوَقَارَ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِغَيْرِ مَرْمًى فَصَارُوا إلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ كُلَّهَا بَاطِلَةٌ إذْ لَمْ يَعْرِفُوا لَهَا حِكْمَةً، وَجَهِلُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْعَبْدِ مَعَ الْمُولِي أَنْ يَفْهَمَ الْمَقْصُودَ بِجَمِيعِ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ وَلَا أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى فَائِدَةِ تَكْلِيفِهِ، وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الِامْتِثَالُ وَيَلْزَمُهُ الِانْقِيَادُ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ فَائِدَةٍ وَلَا سُؤَالٍ عَنْ مَقْصُودٍ؛ وَلِهَذَا كَانَ قَوْلُهُ ﵇: لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا لَبَّيْكَ تَعَبُّدًا وَرِقًّا، انْتَهَى مِنْ الْقُرْطُبِيِّ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي قَوْلِهِ: إنَّهَا سُنَّةٌ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ وَلَا
стр. 1017
بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ كَوْنِهَا مُؤَكَّدَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: وَالْعُمْرَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ مَالِكٌ: الْعُمْرَةُ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ كَالْوِتْرِ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَنْسَكِهِ هِيَ أَوْكَدُ مِنْ الْوِتْرِ، وَفِي الْمُوَطَّإِ قَالَ مَالِكٌ: الْعُمْرَةُ سُنَّةٌ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَخَّصَ فِي تَرْكِهَا انْتَهَى.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: حَمَلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ لَا نَعْلَمُ مَنْ رَخَّصَ فِي تَرْكِهَا عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ وَذَلِكَ جَهْلٌ مِنْهُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَنْسَكِهِ: قَالَ مَالِكٌ: الْعُمْرَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَلَيْسَتْ بِفَرْضٍ كَالْحَجِّ وَهِيَ أَوْكَدُ مِنْ الْوِتْرِ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] كَلَامٌ مُؤْتَنَفٌ وَقَدْ قُرِئَتْ بِالرَّفْعِ، وَقِيلَ: إنَّمَا أُمِرَ بِإِتْمَامِهَا مَنْ دَخَلَ فِيهَا، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْجَهْمِ: هِيَ فَرْضٌ كَالْحَجِّ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَنَازَعَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَصْحِيحِهِ؛ وَلِأَنَّهَا نُسُكٌ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ فَلَا تَكُونُ وَاجِبَةً كَطَوَافِ التَّطَوُّعِ وَلِعَدَمِ ذِكْرِهَا فِي حَدِيثِ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ حَارِثٍ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ: هِيَ فَرْضٌ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: كَرِهَ مَالِكٌ الِاعْتِمَارَ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَالْمُجَاوِرِينَ بِهَا وَقَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ عُمْرَةٌ إنَّمَا عُمْرَتُكُمْ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمْ انْتَهَى.
(قُلْت) : وَهُوَ غَرِيبٌ لَا يُعْرَفُ فِي الْمَذْهَبِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى النَّاسِ إلَّا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا تَجِبُ بِالنَّذْرِ وَيَجِبُ إتْمَامُهَا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحُكْمُهَا بَعْدَ الْمَرَّةِ الْأُولَى الِاسْتِحْبَابُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَبِيرُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ الثَّانِي قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْعُمْرَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ، وَأَمَّا أَكْثَرُ مِنْ مَرَّةٍ فَيَنْتَفِي عَنْهَا التَّأْكِيدُ وَتَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَحَبَّةً انْتَهَى.
وَيُسْتَحَبُّ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً وَيُكْرَهُ تَكْرَارُهَا فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يُكَرِّرْهَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ كَرِهَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَأَجَازَ ذَلِكَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا بَأْسَ بِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةٌ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَغَيْرُهُ: وَفَرَّطَتْ عَائِشَةُ ﵂ فِي الْعُمْرَةِ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ قَضَتْهَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةٌ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اعْتَمَرَ أَلْفَ عُمْرَةٍ وَحَجَّ سِتِّينَ حَجَّةً وَحُمِلَ عَلَى أَلْفِ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَعْتَقَ أَلْفَ رَقَبَةٍ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ: كَرِهَ مَالِكٌ تَكَرُّرَهَا فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ تَأَسِّيًا بِالنَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً وَحَكَى كَرَاهَةَ ذَلِكَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ وَمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَعْتَمِرُ كُلَّ يَوْمٍ وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَعْتَمِرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَضَاءً عَنْ نَذْرٍ أَوْ لِوَجْهٍ رَآهُ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ فَرَّطَتْ فِي الْعُمْرَةِ سَبْعَ سِنِينَ فَقَضَتْهَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَفَعَلَهُ ﵊ وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ أَوْ نَدَبَ إلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ يَقْطَعُ الْعُذْرَ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْن الْمَوَّازِ جَوَازَ تَكْرَارِهَا فِي السَّنَةِ مِرَارًا وَاخْتَارَهُ وَنَصُّهُ: قَالَ مُطَرِّفٌ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ: لَا بَأْسَ بِالْعُمْرَةِ فِي السَّنَةِ مِرَارًا، قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَلَا أَرَى أَنْ يَمْنَعَ أَحَدٌ مِنْ أَنْ يَتَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّاعَاتِ وَلَا مِنْ الِازْدِيَادِ مِنْ الْخَيْرِ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَأْتِ بِالْمَنْعِ مِنْهُ نَصٌّ، انْتَهَى.
وَكَلَامُهُ يُوهِمُ أَنَّ ابْنَ الْمَوَّازِ قَالَ ذَلِكَ فِي الِاعْتِمَارِ مِرَارًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ إنَّمَا قَالَهُ فِي الْمَرَّتَيْنِ فَقَطْ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَفِي كَرَاهَةِ تَكْرَارِ الْعُمْرَةِ فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ قَوْلَانِ: الْمَشْهُورُ الْكَرَاهَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ
стр. 1018
الْمُدَوَّنَةِ، وَالشَّاذُّ لِمُطَرِّفٍ إجَازَةُ تَكْرَارِهَا وَنَحْوِهِ لِابْنِ الْمَوَّازِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِالْعُمْرَةِ مَرَّتَيْنِ فِي سَنَةٍ بَأْسٌ وَقَدْ اعْتَمَرَتْ عَائِشَةُ مَرَّتَيْنِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الْمُنْكَدِرِ وَكَرِهَتْ عَائِشَةُ عُمْرَتَيْنِ فِي شَهْرٍ، وَكَرِهَهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ هُوَ كَذَلِكَ فِي النَّوَادِرِ وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ. وَنَصُّ النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَعْتَمِرَ عُمْرَتَيْنِ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ يُرِيدُ فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) وَعَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنْ يُكْرَهَ تَكْرَارُهَا فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ فَلَوْ أَحْرَمَ بِثَانِيَةٍ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ إجْمَاعًا، قَالَهُ سَنَدٌ وَغَيْرُهُ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ حَيْثُ قَالَ: يُرِيدُ فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَالْعُمْرَةُ فِي السَّنَةِ إنَّمَا هِيَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ اعْتَمَرَ بَعْدَهَا لَزِمَتْهُ كَانَتْ الْأُولَى فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَمْ لَا أَرَادَ الْحَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ أَمْ لَا انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ: وَعَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَكْرَارُهَا فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ فَأَوَّلُ السَّنَةِ الْمُحَرَّمُ فَيَجُوزُ لِمَنْ اعْتَمَرَ فِي أَوَاخِرِ ذِي الْحَجَّةِ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي الْمُحَرَّمِ قَالَهُ مَالِكٌ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ثُمَّ اسْتَثْقَلَهُ مَالِكٌ وَقَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ لِمَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ أَنْ لَا يَعْتَمِرَ حَتَّى يَدْخُلَ الْمُحَرَّمُ أَيْ لَقُرْبِ الزَّمَنِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ ثُمَّ اسْتَثْقَلَهُ أَيْ اسْتَثْقَلَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَوَاخِرِ ذِي الْحَجَّةِ ثُمَّ يَعْتَمِرُ فِي الْمُحَرَّمِ لَقُرْبِ الزَّمَنِ أَيْ فَلَا يَفْعَلُ إلَّا وَاحِدَةً، وَإِذَا كَانَ لَا يَفْعَلُ إلَّا وَاحِدَةً فَهَلْ الْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ فِي أَوَاخِرِ ذِي الْحَجَّةِ أَوْ الْمُحَرَّمِ؟ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ لِمَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ أَنْ لَا يَعْتَمِرَ حَتَّى يَدْخُلَ الْمُحَرَّمُ فَتَضَمَّنَ كَلَامُ مَالِكٍ الثَّانِي مَسْأَلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا اسْتِثْقَالُ الْإِتْيَانُ بِعُمْرَةٍ فِي ذِي الْحَجَّةِ، ثُمَّ أُخْرَى فِي الْمُحَرَّمِ، وَالثَّانِيَةُ اسْتِحْبَابُ أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ فِي الْمُحَرَّمِ لِمَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ وَكَذَلِكَ نَقَلَهَا التَّادَلِيُّ مَسْأَلَتَيْنِ وَقَالَ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا فِي الْعُمْرَةِ، الثَّالِثُ هَلْ يُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ أَنْ تَكُنْ فِي الْمُحَرَّمِ أَوْ لَا؟ قَالَ مَالِكٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تَكُونَ فِي الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهَا فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ لَهُ وَقِيلَ: لَهُ فِعْلُهَا بَعْدَ حَجِّهِ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ ذُو الْحَجَّةِ كُلُّهُ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَمْ لَا.
الرَّابِعُ إذَا اعْتَمَرَ بَعْدَ حَجِّهِ هَلْ لَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ أُخْرَى فِي الْمُحَرَّمِ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ، انْتَهَى.
فَقَوْلُهُ: لِقُرْبِ الزَّمَنِ؛ تَعْلِيلُ الِاسْتِثْقَالِ فَقَطْ وَأَمَّا اسْتِحْبَابُ كَوْنِهَا فِي الْمُحَرَّمِ فَلْتَكُنْ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ عَلَى مَا قَالَهُ التَّادَلِيُّ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَأَوَّلُ السَّنَةِ الْمُحَرَّمُ إلَخْ أَنَّ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ خِلَافًا هَلْ هُوَ الْمُحَرَّمُ أَوْ ذُو الْحَجَّةِ؟ إذْ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا فِي كَلَامِ مَالِكٍ وَإِلَّا لَعَلَّلَ اسْتِثْقَالَهُ الْعُمْرَةَ فِي الْمُحَرَّمِ بَعْدَ الْعُمْرَةِ فِي ذِي الْحَجَّةِ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا إنَّمَا عَلَّلَهُ بِقُرْبِ الزَّمَنِ وَقَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَإِذَا رَاعَيْنَا الْعُمْرَةَ فِي السَّنَةِ مَرَّةً فَهَلْ هِيَ مِنْ الْحَجِّ إلَى الْحَجِّ أَوْ مِنْ الْمُحَرَّمِ إلَى الْمُحَرَّمِ؟ وَاخْتُلِفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَمِرَ بَعْدَ أَيَّامِ الرَّمْيِ فِي آخِرِ ذِي الْحَجَّةِ ثُمَّ يَعْتَمِرُ فِي الْمُحَرَّمِ عُمْرَةً أُخْرَى فَيَصِيرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ لِمَنْ أَقَامَ أَنْ لَا يَعْتَمِرَ بَعْدَ الْحَجِّ حَتَّى يَدْخُلَ الْمُحَرَّمُ فَعَلَى هَذَا يَعْتَمِرُ قَبْلَ الْحَجِّ وَبَعْدَهُ وَيَكُونُ انْتِهَاءُ الْعُمْرَةِ وَقْتَ فِعْلِ الْحَجِّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إذَا اعْتَمَرَ قَبْلَ الْحَجِّ فَلَا يَعْتَمِرُ بَعْدَهُ حَتَّى يَدْخُلَ الْمُحَرَّمُ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ مَالِكٍ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَأَوَّلُ السَّنَةِ الْمُحَرَّمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) يُسْتَثْنَى مِنْ كَرَاهَةِ تَكْرَارِ الْعُمْرَةِ فِي السَّنَةِ مَنْ تَكَرَّرَ دُخُولُهُ إلَى مَكَّةَ مِنْ مَوْضِعٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ فَقَدْ أَحْرَمَ قَبْلَ وَقْتِهِ وَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ دَخَلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَمِرَ الصَّرُورَةَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ انْتَهَى.
وَيَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَدِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهُوَ صَرُورَةٌ فَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ بَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، وَأَمَّا إذَا قَدَّمَ الصَّرُورَةَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَيَجُوزُ لِمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا أَنْ يَخْرُجَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عُمْرَتِهِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ
стр. 1019
أُحِبُّ لِلْمُعْتَمِرِ أَنْ يُقِيمَ لِعُمْرَتِهِ ثَلَاثًا بِمَكَّةَ، وَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ كَانَ إذَا اعْتَمَرَ لَمْ يُحْطِطْ عَنْ رَاحِلَتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: فَرْضُ الْحَجِّ وَسُنَّةُ الْعُمْرَةِ الْمَوْجُودَةُ فِي غَالِبِ النُّسَخِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَرُفِعَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ عَلَى النِّيَابَةِ لِلْفَاعِلِ وَنُصِبَ مَرَّةً عَلَى النِّيَابَةِ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ وَالْعَامِلُ فِيهِ الْعُمْرَةُ وَيُقَدَّرُ مِثْلُهُ لِلْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ مَصْدَرَانِ يُقَدَّرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنْ وَالْفِعْلِ وَالْمَعْنَى فُرِضَ بِأَنْ يَحُجَّ مَرَّةً وَسُنَّ أَنْ يَعْتَمِرَ مَرَّةً وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ فُرِضَ وَسُنَّتْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُفِيدُ أَنَّ الْفَرْضَ وَالسُّنَّةَ وَقَعَ مِنْ الشَّارِعِ مَرَّةً وَلَا يُفِيدُ الْمَعْنَى الْمُرَادَ؛ لِأَنَّ الْمَفْعُولَ الْمُطْلَقَ قَيْدٌ فِي عَامِلِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُنْصَبَ مَرَّةً عَلَى التَّمْيِيزِ الْمُحَوَّلِ عَنْ النَّائِبِ عَنْ الْفَاعِلِ وَالْمَعْنَى فُرِضَ الْمَرَّةُ مِنْ الْحَجِّ وَسُنَّةِ الْعُمْرَةُ مِنْ الْعُمْرَةِ وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فَرْضُ الْحَجِّ بِفَتْحِ الْفَاء وَسُكُونِ الرَّاءِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَيُرْفَعُ سُنَّةٌ بِالْعَطْفِ عَلَيْهِ وَيُجَرُّ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ بِالْإِضَافَةِ، وَمَرَّةٌ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ وَعَلَيْهَا شَرْحُ الْبِسَاطِيِّ.
وَيَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ الْمَصْدَرُ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ، أَيْ الْمَفْرُوضُ مِنْ الْحَجِّ مَرَّةٌ، وَالْمُسِنُّونَ مِنْ الْعُمْرَةِ مَرَّةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنَّمَا أَطَلْت الْكَلَامَ هُنَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا وَلَمْ يُنَبِّهْ الشَّارِحُ عَلَيْهَا
(وَلِنَشْرَعْ) فِي الْكَلَامِ عَلَى اشْتِقَاقِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَمَعْنَاهُمَا لُغَةً وَشَرْعًا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ؛ فَنَقُولُ: الْحَجُّ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ، وَقِيلَ: الْقَصْدُ الْمُتَكَرِّرُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْحَجُّ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ، وَقِيلَ: بِقَيْدِ التَّكْرَارِ انْتَهَى. وَكَذَا قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: أَصْلُ الْحَجِّ الْقَصْدُ وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْعِبَادَةُ حَجًّا لِمَا كَانَتْ قَصْدَ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ وَقِيلَ: الْحَجُّ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّكْرَارِ وَالْعَوْدِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لِتَكْرَارِ النَّاسِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - مَثَابَةً لِلنَّاسِ أَيْ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ وَيَثُوبُونَ فِي كُلِّ عَامٍ، انْتَهَى. وَعَلَى الثَّانِي اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ عَنْ الْخَلِيلِ وَهُوَ ظَاهِرُ الصِّحَاحِ؛ لِقَوْلِهِ: الْحَجُّ الْقَصْدُ وَرَجُلٌ مَحْجُوجٌ أَيْ مَقْصُودٌ وَقَدْ حَجَّ بَنُو فُلَانٍ فُلَانًا إذَا أَطَالُوا الِاخْتِلَافَ إلَيْهِ انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي اللُّغَةِ بِالْوَجْهَيْنِ؛ لِقَوْلِ صَاحِبِ الْقَامُوسِ: الْحَجُّ الْقَصْدُ وَالْكَفُّ وَالْقُدُومُ وَكَثْرَةُ الِاخْتِلَافِ وَالتَّرَدُّدِ وَقَصْدُ مَكَّةَ لِلنُّسُكِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ الْمُتَقَدِّمِ «أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا» ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ: «أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ» الْحَدِيثَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُ لِهَذَا الْمَعْنَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ هَلْ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ أَوْ لَا يَقْتَضِيهِ أَوْ يَتَوَقَّفُ فِيمَا زَادَ عَلَى مَرَّةٍ عَلَى الْبَيَانِ فَلَا يُحْكَمُ بِاقْتِضَائِهِ، قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: وَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ مُقْتَضٍ لِلتَّكْرَارِ وَخَالَفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ يَرَى بَعْضَ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتُلِفَ فِي إطْلَاقِ الْحَجِّ عَلَى الْعِبَادَةِ الْمَشْرُوعَةِ فَقِيلَ: حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ، وَأَنَّ الْحَجَّ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ الَّذِي هُوَ الْقَصْدُ أَوْ الْقَصْدُ الْمُتَكَرِّرُ غَيْرَ أَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَ مَعَ ذَلِكَ أُمُورًا لَا بُدَّ مِنْهَا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ وَقِيلَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ نَقَلَهَا الشَّارِعُ مِنْ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ إلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةٍ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَإِنْ صَادَفَ أَنَّ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ عَلَّاقَةً لِأَمْرٍ اتِّفَاقِيٍّ وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَقِيلَ: إنَّهُ نُقِلَ إلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ لِمُنَاسِبَتِهِ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَالْمَازِرِيَّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَقْوَالُ جَارِيَةٌ عَلَى الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا، وَكَلَامُ صَاحِبِ الْقَامُوسِ الْمُتَقَدِّمِ يَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ قَصْدَ مَكَّةَ لِلنُّسُكِ مِنْ جُمْلَةِ مَعَانِي الْحَجِّ فِي اللُّغَةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ فَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ مَعْنَى الْحَجِّ فِي اللُّغَةِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ الْقَصْدُ ظَاهِرٌ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ الْمُتَكَرِّرُ فَقِيلَ فِي وَجْهِ مُنَاسَبَةِ الْحَجِّ فِي الشَّرْعِ لَهُ
стр. 1020
كَوْنُ النَّاسِ يَأْتُونَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ قَالَ ابْنُ مَشَدَّيْنِ: فَحُكْمُ التَّكْرَارِ بَاقٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْعُمُومِ قَالَ: وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَ مَنَارَهُ كُلَّ سَنَةٍ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَقِيلَ: لِأَنَّ النَّاسَ يَعُودُونَ إلَى الْبَيْتِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ يَعُودُونَ إلَيْهِ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ وَقَالَ التَّادَلِيُّ: قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: لَمَّا كَانَ مُقْتَضَى الْحَجِّ التَّكْرَارَ مِنْ حَيْثُ الِاشْتِقَاقُ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَلْزَمُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً كَانَتْ الْعَوْدَةُ إلَى الْبَيْتِ تَقْتَضِي كَوْنَهَا فِي عُمْرَةٍ حَتَّى يَحْصُلَ التَّرَدُّدَ إلَى الْبَيْتِ كَمَا اقْتَضَاهُ الِاشْتِقَاقُ انْتَهَى. فَيَتَحَصَّلُ فِي مَعْنَى التَّكْرَارِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ انْتَهَى كَلَامُ التَّادَلِيِّ. وَقَدْ أَشْبَعَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَقَالَ التَّادَلِيُّ: قَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: هُوَ الْقَصْدُ إلَى التَّوَجُّهِ إلَى الْبَيْتِ بِالْأَعْمَالِ الْمَشْرُوعَةِ فَرْضًا وَسُنَّةً انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ: فَحَجُّ الْبَيْتِ فِي الشَّرْعِ قَصْدُهُ عَلَى مَا هُوَ فِي اللُّغَةِ إلَّا أَنَّهُ قَصْدٌ عَلَى صِفَةٍ مَا فِي وَقْتٍ مَا تَقْتَرِنُ بِهِ أَفْعَالٌ مَا انْتَهَى. قَالَ التَّادَلِيُّ: وَيُرَدُّ عَلَى الْأَوَّلِ كَوْنُهُ لَمْ يَذْكُرْ الْأَعْمَالَ الْمَشْرُوعَةَ فِيهِ بَلْ أَطْلَقَ وَعَلَى الثَّانِي مَا فِيهِ مِنْ الْإِجْمَالِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْحَدِّ أَنْ يَكُونَ مُبَيِّنًا لِذَاتِ الْمَحْدُودِ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ ابْنُ هَارُونَ: لَا يُعْرَفُ؛ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ لِلْحُكْمِ بِوُجُوبِهِ ضَرُورَةً وَتَصَوُّرُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ ضَرُورَةً ضَرُورِيٌّ وَيُرَدُّ بِأَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ تَصَوُّرُهُ بِوَجْهٍ مَا وَالْمَطْلُوبُ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِعُسْرِهِ وَيُرَدُّ بِعَدَمِ عُسْرِ حُكْمِ الْفَقِيهِ بِثُبُوتِهِ وَنَفْيِهِ وَصِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ وَلَازِمُهُ إدْرَاكُ فَصْلِهِ أَوْ خَاصَّتِهِ كَذَلِكَ، وَيُمْكِنُ رَسْمُهُ بِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يَلْزَمُهَا وُقُوفٌ بِعَرَفَةَ لَيْلَةَ عَشَرَ ذِي الْحَجَّةِ وَحَدُّهُ بِزِيَارَةٍ وَطَوَافِ ذِي طُهْرٍ أَخُصُّ بِالْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ سَبْعًا بَعْدَ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ وَالسَّعْيِ مِنْ الصَّفَا لِلْمَرْوَةِ وَمِنْهَا إلَيْهَا سَبْعًا بَعْدَ طَوَافٍ كَذَلِكَ لَا يُقَيَّدُ وَقْتُهُ بِإِحْرَامٍ فِي الْجَمِيعِ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: وَلَازِمُهُ إدْرَاكُ فَصْلِهِ أَوْ خَاصَّتِهِ كَذَلِكَ أَيْ دُونَ عُسْرٍ. وَقَوْلُهُ: وَطَوَافُ ذِي طُهْرٍ بِإِضَافَةِ طَوَافٍ إلَى ذِي بِمَعْنَى صَاحِبٍ.
وَقَوْلُهُ: أَخُصُّ أَيْ مِنْ الْحَدَثِ وَالْخُبْثِ، وَقَوْلُهُ: بَعْدَ طَوَافٍ كَذَلِكَ، أَيْ ذِي طُهْرٍ. . . إلَخْ. وَقَوْلُهُ: لَا يُقَيِّدُ وَقْتَهُ يَعْنِي أَنَّ وَقْتَ السَّعْيِ لَيْسَ بِمُقَيَّدٍ كَوَقْتِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَوَقْتِ الْوُقُوفِ بَلْ يَصِحُّ السَّعْيُ فِي كُلِّ وَقْتٍ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. وَقَوْلُهُ: بِإِحْرَامٍ أَيْ مَعَ إحْرَامٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ لُزُومَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ذَاتِيٌّ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ رَسْمًا إذْ لَا يُؤْتَى فِيهِ بِالذَّاتِيَّاتِ وَإِنْ كَانَ اللُّزُومُ خَارِجِيًّا فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْحَدِّ؛ لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ الذَّاتِيِّ وَالْخَارِجِيِّ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ: وَالْجَوَابُ أَنَّا نَلْتَزِمُ صِحَّةَ الرَّسْمِ؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِيهِ الْجِنْسُ الْبَعِيدُ وَالْخَاصَّةُ قَوْلُكُمْ: لُزُومُ الْوُقُوفِ ذَاتِيٌّ، قُلْنَا: مَمْنُوعٌ، وَإِنَّمَا الذَّاتِيُّ فِعْلُ الْوُقُوفِ وَبَيْنَ الْوُقُوفِ وَبَيْنَ الْمَفْهُومَيْنِ بَوْنٌ بَعِيدٌ وَيَلْزَمُ تَرْكِيبُهُ مِنْ التَّصَوُّرَاتِ وَالتَّصْدِيقَاتِ؛ لِأَنَّ اللُّزُومَ مِنْ عَوَارِضِ التَّصْدِيقَاتِ انْتَهَى. فَكَأَنَّهُ الْتَزَمَ بُطْلَانَ الْحَدِّ وَيُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِأَنْ يُقَالَ: عِبَادَةٌ ذَاتُ وُقُوفٍ بِعَرَفَةَ إلَى آخِرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: وَلَمَّا كَانَ ابْنُ هَارُونَ حَجَّ أَشْبَهَ مَا قَالَ، وَلَمَّا لَمْ يَحُجَّ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ حَسُنَ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ لِعُسْرِهِ انْتَهَى، وَأَمَّا ضَبْطُهُ فَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ: الْحَجُّ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا وَكَذَا الْحَجَّةُ فِيهَا اللُّغَتَانِ وَأَكْثَرُ الْمَسْمُوعُ فِيهَا الْكَسْرُ وَالْقِيَاسُ الْفَتْحُ.
وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: الْحِجُّ بِالْكَسْرِ الِاسْمُ انْتَهَى، وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: الْحَجُّ بِالْكَسْرِ الِاسْمُ انْتَهَى. وَنَحْوُهُ فِي الْقَامُوسِ وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ: الْحَجُّ بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ وَبِكَسْرِهَا وَفَتْحِهَا مَعًا الِاسْمُ وَبِالْكَسْرِ أَيْضًا الْحُجَّاجُ انْتَهَى. وَالْعُمْرَةُ فِي اللُّغَةِ الزِّيَارَةُ يُقَالُ: اعْتَمَرَ فُلَانٌ أَيْ زَارَهُ قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: وَلِذَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَرَى الْعُمْرَةَ لِأَهْلِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُمْ بِهَا فَلَا مَعْنَى لِزِيَارَتِهِمْ إيَّاهَا انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ: قَالَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ: وَالِاعْتِمَارُ فِي الْكَلَامِ لُزُومُ الْمَوْضِعِ وَهِيَ أَيْضًا الزِّيَارَةُ قَالَ التَّادَلِيُّ: وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى الِاعْتِمَارِ
следующие страницы →