سلسلة زاد المؤمن (٥)
اِرقِ
نفسَك وأهلَك بنفسِك
تأليف
د. خالد بن عبد الرحمن الجريسي
تقديم
العلاّمة الشيخ د/ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
стр. 2
تقديم
العلاّمة الشيخ د/ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على أشرف الأنبياء والمرسلين نبِّينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعدُ، فقد قرأت هذه الرسالةَ في موضوع العلاج بالرقية الشرعية من القرآن والأحاديث الصحيحة، وقد أجاد وأفاد أخونا خالد بن عبد الرحمن الجريسي في الانتقاء واختيار الأدعية النافعة الثابتة في النقل، والآيات القرآنية المناسبة؛ بحيث يتمكن كلُّ إنسان عاقل عارفٍ أن يستعمل الرقية بهذه النصوص، على نفسه وعلى
стр. 3
أهله، ويقرأَ هذه الآيات والأدعية كوِرْدٍ دائم، صباحاً ومساءً؛ ليكون حِرْزًا له من الشيطان وأعوانه.
فجزى الله الكاتب أحسن الجزاء، وجعل سعيه مشكورًا وعملَه مقبولاً. وصلَّى الله على محمدٍ وآله وصحبه وسلَّم.
د. عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
٢٤/١/١٤٢٥هـ
стр. 4
المقدمة
الحمد لله الحنَّان (١) المنَّان، القديرِ الرحمن، مالكِ الملك عظيمِ الشان، يجيب مضطرًّا دعاه، ويعافي عبدًا ابتلاه، نحمده سبحانه على عظيم النِّعَم وجزيل الإحسان، ونشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، المبعوث رحمةً للأنام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه السادة الغُرِّ الأعلام، والتابعين لهم بإحسان.
وبعد، فقد صارت الرقيةُ الشرعية من الأمور التي غفل عنها بعض الناس، بل ربما لم تخطر لهم على بال، وقد
стр. 5
أضحت عندهم كأنها حديث خُرَافة (٢) ، لكنِ المؤمنون حقًّا يوقنون بأن الرُّقى الشرعية جليلةُ القدر، عظيمة النفع، يُستشفى بها من الأمراض جميعِها؛ الحسِّيةِ منها والمعنوية، ولقد تضافرت نصوص الشريعة الغَرَّاء على مشروعية الاستشفاء بالقرآن، والأدعية والتعوُّذاتِ النبوية؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ﴾ . وفي الصحيح أن عائشة ﵂ قالت: كان إذا اشتكى رسولُ الله ﷺ رقاه جبريل؛ قال: بِاسْمِ اللهِ يُبْرِيكَ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، وَشَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ (٣) .
ومن المقرر - عند أهل هذا الشأن - أنَّ
стр. 6
مفهوم الرُّقى فيه سعة ظاهرة، وأن ما كان منها مباحًا، ومؤداه حصول نفع به، عملوا به؛ فترى بعضَهم يقتصر بالرقية على سورة بعينها كالفاتحة مثلاً، أو سورة البقرة، أو يجمع بين سورٍ؛ كالفاتحة والمعوِّذتين، وتجد بعضًا آخر يرقي بآية وحسب؛ كآية الكرسي، ومنهم من يرى الرقية بالقراءة على ماءٍ طهور، أو على زيتٍ ليُدَّهن به، أو عسلٍ ليؤكل منه، وكلٌّ من هؤلاء الرقاة قد عَمَدَ إلى بعض ما يُباح من الرقية، مما يُرجى نفعه ويناسب حالَ المَرْقِيِّ، وعمدتهم في ذلك كلِّه قولُ النبيِّ ﷺ : «اعْرُضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لاَ بَأْسَ بِالرُّقى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (٤) ، وقولُه ﷺ : مَا أَرَى بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ
стр. 7
أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ (٥) .
ثم لما كان واقع الحال يشهد بأن أئمةً من سلف الأمة قد رقَوْا بآياتٍ لم يَرِد النصُّ باختصاص الرقية بها، ومن ذلك ما ذكره ابن القيم ﵀ في «الطِبِّ النبوي» ، من أن الإمام أحمد ﵀ كان يكتب للمرأة إذا عَسُر عليها ولادتُها في جامٍ (ورق) أبيض، أو أي شيء نظيف: حديثَ ابن عباسٍ ﵄: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللهِ، وَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيْمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» (٦) ، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاَغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥] ، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا *﴾ [النَّازِعات: ٤٦] ، وقد
стр. 8
كتب - أي الإمام أحمد ﵀ ذلك لغير واحد، وذكر ابن القيم ﵀ ذلك عن جماعة من السلف، منهم شيخ الإسلام ابن تيميةَ ﵀، وقد يضيق المقام بنا لو أردنا استقصاء ما أُثِر عن السلف الصالح في ذلك، وقد كان ذلك كله اجتهادًا منهم ﵏، لذلك فإني لم أقتصر في اختيار الآيات على ما دلت النصوص على خصوص الاستشفاء بها، لكنْ أوردتُ معها ما يُستشفُّ منه وجهُ نفعٍ فيما يُقرأ لأجل الاستشفاء به من أعراض السحر والمس والعين، وسائر العلل المعنوية والحسية.
وقد اجتهدتُ - بحمد الله - في اختيارها؛ مستفيدًا من خبرة بعض الرُّقاة الذين نحسبهم على خير - والله حسيبهم -
стр. 9
وقد رقيتُ بها نفسي، ومن احتاج إليها من ذوي قرابتي، فألفيتُها - بفضل الله ظاهرةَ الأثر، بيِّنةَ النفع، وإني لأحتسب الأجر بنشرها محبة لإخواني المؤمنين، وحرصًا على نفعهم.
وقد جعلت ذلك على ثلاثة أقسام، من أجل أن توافق حال كلٍّ من الراقي والمرقي؛ حيث اكتفيتُ في القسم الأول بذكر رقية موجزة من كتاب الله، وما ثبت من سنة النبي ﷺ ، وهي رقية وقائية لكل محتاجٍ إليها، كما أنها مناسبة ليُرقى بها مَنْ هم دون سن البلوغ؛ لكونها موجزة فلا تثقل عليهم، ثم متى كان لدى الراقي متسع من الوقت وكانت حالة المَرْقِيِّ تستدعي وقتًا مُطوَّلاً للعلاج، أخذ بما في
стр. 10
القسم الثاني من هذه الرقية، وهي رقية من القرآن وما ثبت من السنة أيضًا، لكنها متوسطة الكمِّ ومناسبةٌ لأن يَرقِي بها عموم المسلمين.
أما القسم الثالث من الرقية فقد أوردت فيه رقية مطوَّلة من القرآن الكريم ومفصَّلةً من سنة النبي ﷺ ؛ يرقي بها من تمرَّس في شأن الرقية، ويُلجأ إليها في الحالات المستعصية التي قد تستدعي زمنًا طويلاً في العلاج.
هذا، وقد قدَّمت بين يدي الكتاب بيانًا لحقيقة العين والسحر وطرق علاج ذلك. كما ذكرت تعريفًا بالرقية، وأنواعها، وضابطها، وشروط الانتفاع التام بها، والأسباب التي تساعد في تعجيل الشفاء
стр. 11
بإذن الله. كما أوردت أسبابًا عشرة يندفع بها شرُّ الحاسد وغيره، وبيَّنت بعدها أمورًا لو أيقن بها المُصاب لهانت عليه مصيبته. ثم أتبعت ذلك بإرشادات عامة، رأيت الحاجة إليها ماسة. كما ألحقت بالكتاب ثلاثة ملحقات؛ بيَّنت في الأول منها سُبُل العلاج بالماء والسِّدْر والزيت والعسل، وأوردت في الثاني أذكارًا يتحصن بها المسلم في يومه وليلته من شرِّ شياطين الإنس والجن وكيدهم، أما الأخير منها فقد ذكرت فيه بعض الأعراض التي تعتري المسحور، أو المَعِين، أو مَنْ به مَسٌّ؛ وذلك ليكون الراقي على بصيرة من أمره، متثبتًا في حال المَرْقِيِّ، قبل الشروع برَقْيِه.
стр. 12
هذا، وقد أوردت آيات الرقية بحَسَب موضوعاتها لا بترتيب سور القرآن؛ فجعلت آياتِ الحمد والثناء متتابعة، وكذلك آيات الرقية من العين والسحر وغير ذلك؛ بحيث يتمكّن الراقي من توجيه تركيزه على الداء، كما أن ذلك يعينُه على استذكارها - لترابط موضوعها - فلا يجد بعدُ حاجةً لتلاوتها من هذا الكتاب، ومن شاء قراءتها بترتيب المصحف فقد أوردت رقىً مرتبة بترتيبه في كتابي (الرقية الشرعيَّة) .
هذا وقد تيسَّر تسجيل هذه الرقية صوتيًّا، ليتسنى للمرضى الاستماع إليها، بخاصةٍ منهم من لا يُحسن القراءة. راجيًا الله تعالى أن ينفع بها عباده؛ إنه سميع قريب
стр. 13
مجيب الدعاء، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمدٍ الرحمةِ المهداة والنعمة المُسداة، وعلى آله وصحبه ومنِ استَنَّ بسنَّته واهتدى بهداه إلى يوم الدين.
د. خالد بن عبد الرحمن الجريسي
стр. 14
حقيقة العين والسحر، وطرق العلاج
أولاً: حقيقة العين، وطرق العلاج منها:
قال الحافظ ابن حجر ﵀: «والعين نظرٌ باستحسانٍ مَشُوبٍ بحسد، من خبيث الطبع، يحصل للمنظور منه ضرر» (٧) . وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا (٨) ، وقال ﷺ : أَكْثَرُ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أُمَّتِي بَعْدَ كِتَابِ اللهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ: بِالأَنْفُسِ قال الراوي: يعني: بِالْعَيْنِ (٩) .
стр. 15
هذا، وإن للإصابة بالعين حالين؛ لكل منهما طريق في العلاج:
الحال الأول: إذا عُرِف العائن، فإنه يبرَّك على المَعين (١٠) ، (أي: يُدعى له بالبركة، أو يقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله) ، ثمَّ يؤمر العائن بغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره (١١) في قَدَح، ثم يُصبُّ ذلك الماءُ على المَعين من خلفه على رأسه وظهره صبةً واحدة، ثم يُكفأ القَدَح وراءه على الأرض (١٢) .
الحال الثاني: إذا لم يُعْرَف العائن، فإنه يُبرَّكُ على المَعين كذلك، ثم يُرقى بما شُرع من الرقية.
стр. 16
ثانيًا: حقيقة السحر، وطرق العلاج منه:
«السحر يطلق على معانٍ:
أحدها: ما لَطُف ودقَّ، ومنه: سحرتُ الصبيَّ: إذا خادعتَه واستملتَه، وكلُّ مَن استمال شيئاً فقد سحره.
الثاني: ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها؛ نحو ما يفعله المُشَعْوِذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده.
الثالث: ما يحصل بمعاونة الشياطين؛ بضربٍ من التقرُّب إليهم.
الرابع: ما يحصل بمخاطبة الكواكب واستنزال روحانياتها، بزعمهم» (١٣) .
وقد ثبت في السُّنّة «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُحِرَ، حَتَّى إِنَّهُ ليُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا
стр. 17
فَعَلَهُ! حَتّى كَانَ يَرى أَنَّهُ يَأْتِي نِسَاءَهُ وَلاَ يَأْتِيهِنَّ» ، [وهذا أشدُّ ما يكون من السحر] (١٤) .
وأما علاج السحر؛ فإن لذلك حالين أيضًا:
إن أمكن استخراج السحر استُخرِج فَبَطَل تأثيره، وإن لم يتيسر ذلك فإنه يُعمد عندها إلى الرقية الشرعية.
стр. 18
التعريف بالرقية وبيان أنواعها
الرُّقْيَة - بالضمِّ -: هي العُوذة التي يُتعوَّذ بها (١٥) ، ويُرقى بها صاحب الآفة؛ كالحُمَّى والصَّرْع، وغيرِ ذلك من الآفات (١٦) . والرقية أربعة أنواع (١٧) :
الأول: ما كان بكلام الله تعالى، وبأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، فهذا جائز، بل هو مستحب.
الثاني: ما يلحق بذلك مما كان بالذِّكر والدعاء المأثور، وهذا حكمه كسابقه.
الثالث: ما كان منها بالذكر والدعاء غير المأثور، مما لا يخالف ما في المأثور، وهذا جائز أيضًا.
стр. 19
الرابع: ما كان بما لا يُعقل معناه، كالرقى التي كانت في الجاهلية، فهذه يجب اجتنابها؛ لئلا يكون فيها شرك أو ما يؤدي إلى الشرك.
ضابط الرقية المشروعة:
[أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط:
١- ... أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.
٢- ... أن تكون باللسان العربي، أو بأي لغة أخرى يفهمها المَرقِيُّ.
٣- ... أن يعتقد - كلٌّ من الراقي والمَرْقِيِّ - أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بذات الله تعالى] (١٨) .
стр. 20
أما الشروط التي ينبغي توافرها في كلٍّ من الراقي والمرقي؛ ليكون الانتفاع بالرقية تامًّا، بإذن الله ؛ فمنها:
١- ... أهليَّة الراقي؛ بأن يكون من أهل الخير والصلاح والاستقامة.
٢- ... معرفة الرقى المناسبة من الآيات القرآنية.
٣- ... أن يكون المريض من أهل الإيمان والصلاح والخير والتقوى والاستقامة على الدين، والبعدِ عن المحرمات والمعاصي والمظالم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا *﴾ [الإسرَاء: ٨٢] . فالرقى لا تؤثر - غالبًا - في أهل المعاصي والمنكرات.
стр. 21
٤- ... الإيمان يقينًا بأن القرآن شفاء ورحمة وعلاج نافع، فلا يُرقى بالآيات على سبيل التجربة، إن نفعت وإلا عُمِد إلى غيرها!!.
فمتى تمت هذه الشروط كان الانتفاع بالرقية تامًّا بإذن الله تعالى، والله أعلم (١٩) .
стр. 22
وثمة أسباب مهمة، لو التزم بها المُبتلى لساعدت في تعجيل معافاته بإذن الله تعالى؛ منها:
١- ... الحرص التام على تأدية العبادات في أوقاتها، ومن أهمها الصلاة في جماعة، وبخاصة صلاة الفجر؛ لقوله ﷺ : مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ ... (٢٠) ، وقوله ﵊: ... مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ (٢١) .
٢- ... أن يشرع ابتداءً برَقْي نفسه؛ فإن رقية المرء لنفسه هي أَوْلى من رقية سواه، ذلك أن الرقية هي من جنس الدعاء، ودعاء المرء لنفسه - بتحقيق تمام
стр. 23
التوكل - هو أرجى للقبول من دعاء غيره له، بخاصةٍ في زمنٍ عزَّ فيه الرقاة المخلصون!
٣- ... إن لم يتمكن من رقية نفسه لاشتداد وطأة المرض عليه، أو رقى نفسه ثمَّ رغب في الاستزادة برقية غيره له، فليحرص كل الحرص على الاسترقاء لدى رقاة مخلصين ممن حَسُنت عقيدتهم، وشاع بين الناس صلاحُهم وحُسْنُ ذِكْرِهم، وليحذرْ كلَّ الحذر من الانسياق خلف السحرة والمشعوذين؛ فهذا مما عُلمت بالضرورة حرمتُه، كما ليحذر المؤمن من التسهُّل في التداوي بمحرَّمٍ، فإن الله تعالى لمَّا شرع التداوي لعباده، لم يجعل
стр. 24
سبحانه شفاءهم فيما حرمه عليهم؛ كما قال ﷺ : إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِي حَرَامٍ (٢٢) .
٤- ... أن تصدر الرقية المشروعة عمَّن حَسُنت سريرته، واستقامت طريقته، وقد طهَّر نفسه عن الحرام، واستيقن بأن الشفاء من الله وحده، وأنه سبحانه هو الشافي المعافي؛ ذلك أن الرقية - كما سبق - هي من جنس الدعاء، فإذا قرأ الراقي على نفسه أو على غيره كان لا بد من اعتقاده عند الرَّقْي حصولَ الشفاء من الله يقينًا لا على سبيل التجربة، فلو رقى الراقي مجرِّبًا نفعَ الرقيةِ فإنه يكون بذلك قد فوَّت على نفسه النفع المرجوَّ بها.
стр. 25
٥- ... أن يدعو دعاء المُضْطرِّ المِلْحاح؛ اقتداءً بالنبي ﷺ (٢٣) ، مُتَيَقِّنًا الاستجابة، كما وعد سبحانه بقوله: [النَّمل: ٦٢] ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ *﴾ . كما ينبغي للراقي تلمُّس ساعات الإجابة؛ ومنها: الثلث الأخير من الليل (٢٤) ، والساعة الأخيرة من يوم الجمعة (٢٥) (قُبَيل المغرب) ، وكذلك في السجود (٢٦) ، وغير ذلك من الأوقات والأحوال الفاضلة.
٦- ... الحرص على طِيب المَطْعَم؛ لقول النبي ﷺ : أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ (٢٧) ، وقوله ﷺ :
стр. 26
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا ... ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟! (٢٨) .
٧- ... الحرص على تلاوة سورة البقرة في البيت، فهي - ولا ريب - حصن حصين ورقية عظيمة لأهل ذلك البيت، لقول النبي ﷺ : اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ؛ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلاَ تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ (٢٩) .
ومن عظيم بركة هذه السورة ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ
стр. 27
الْبَقَرَةِ (٣٠) . ويمكن أن يقرأها المريض بنفسه، أو أن تُقرأ عليه، كما أنها لو كرِّرت تلاوتها تامة بجهاز تسجيل كل يوم أو كل ليلة، كان ذلك - بإذن الله - سببًا عظيمًا لمعافاة أهل ذلك البيت من أذى الشياطين، كما أفتاني بذلك فضيلة الشيخ العلاَّمة ابنُ جبرين حفظه الله (٣١) .
٨- ... الحرص على كثرة ذكر الله ، والمداومة على قراءة القرآن، وملازمة الاستغفار، والتحصُّن بالأذكار المشروعة، وقد أوردتُ جملةً منها في الملحق الثاني من هذا الكتاب.
٩- ... الحرص على شرب الماء الطَّهور المقروء عليه، والاغتسال به،
стр. 28
وبخاصة ماء زمزم؛ فهو شفاءُ سُقْمٍ (٣٢) ، فلو قرئ عليه كان ذلك أولى وأرجى لحصول الشفاء إن شاء الله (٣٣) . ولو أضيف إليه ورق السدر، أو إلى أي ماء طهور مقروء عليه، أو نُقِعَت فيه أوراقٌ كُتب عليها آياتٌ قرآنية بمِداد طاهر - من زعفرانٍ ونحوه - كان ذلك سببًا للشفاء أيضًا بإذن الله (٣٤) .
١٠- ... الحرص على أكل زيت الزيتون والادِّهان به؛ لقوله ﷺ : كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ (٣٥) ، وكذلك الحبة السوداء، وزيتها، يؤكل منها ويُدَّهن بزيتها؛ لقوله ﷺ : فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ
стр. 29
مِنْ كُلِّ دَاءٍ، إِلاَّ السَّامَ (٣٦) ، ولو قرئ عليهما - أي: زيت الزيتون، وزيت الحبة السوداء - من آيات القرآن كان ذلك أفضل إن شاء الله.
١١- ... الحرص على شرب العسل؛ فإن فيه شفاءً للناس؛ كما أخبر الله ، ولو قرئ عليه بعض آيات القرآن لكان ذلك أولى؛ ليُجمع بذلك بين فضل الاستشفاء بالقرآن الكريم، ومشروعية الاستشفاء بالعسل (٣٧) .
١٢- ... الحرص على الاحتجام كلما احتيج إليه؛ وذلك لقول النبي ﷺ : «الشِّفَاءُ فِي ثَلاَثَةٍ: فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنَا أَنْهى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ» (٣٨) .
وهاك - أخي القارئ - ملخصًا لأسبابٍ عشرة، ذكرها ابنُ القيم ﵀، يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر بإذن الله (٤٠) :
١- ... التعوُّذ بالله من شرِّ هؤلاء والتحصُّن به سبحانه واللجوء إليه (٤١) .
٢- ... تحقيق تقوى الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه؛ فمن اتقى الله تولَّى اللهُ حِفْظَه ولم يكِلْه إلى غيره طَرْفة عين.
٣- ... التحلِّي بالصبر على العَدوِّ الحاسد؛ فما نُصِرَ محسودٌ على حاسده بمثل الصبر عليه، ولا يحيق المكر السيِّئ إلا بأهله.
٤- ... التوكل على الله تعالى؛ فمن يتوكل على الله فهو حَسْبُه، وهذا التوكل هو
стр. 32
من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبدُ ما لا يطيق من أذى الخلق.
٥- ... تفريغ القلب من الاشتغال بالحاسد، والفكرِ فيه، وأن يقصد المحسودُ أن يمحوه من باله كلما خطر له، فلا يلتفت إليه، ولا يخافه.
٦- ... الإقبال على الله والإخلاص له، وهذا حصن حصين لا خوف على مَن تحصَّن به، ولا ضَيْعَةَ لمن أوى إليه.
٧- ... تجريد التوبة إلى الله من الذنوب؛ فما سُلِّط على العبد ما يؤذيه إلا بذنب، عَلِمه أو لم يَعلمْه.
٨- ... التصدُّق والإحسان ما أمكن؛ فإن لذلك تأثيرًا عجيبًا في دفع البلاء ودفع العين وشرِّ الحاسد؛ فقد جاء في
стр. 33
الأثر: «داوُوا مرضاكم بالصدقة» (٤٢) .
٩- ... إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه؛ فالإحسان إلى الخلق يورث المودة، ويخفِّف من وطأة الشحناء أو يزيلُها؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *﴾ [فُصّلَت: ٣٤] .
١٠- ... تجريد التوحيد لله جل وعلا؛ ذلك أن التوحيد هو حصن الله الأعظم، فمن دخله كان من الآمنين، وكذلك الترحُّل بالفكر في الأسباب إلى المسبِّب العزيز الحكيم، واليقين بأن كل شيء لم يكن ليضر أو ينفع إلا بإذنه سبحانه.
стр. 34
وهذه أمور مهمة لو أيقن بها المصاب لهانت عنده مصيبته:
- أن يؤمن بالقدر خيرِه وشرِّه؛ كما أرشد النبي ﷺ بقوله: لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ؛ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ (٤٣) .
- ... أنْ يعلم أنّ ما أصابَ العبدَ المؤمن إنما هو تمحيص له من الله تعالى، وأن يرجو أن يكون ذلك من علامة محبة الله له، لأن البلاء مظنة للتطهر من الخطايا، كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاَءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا،
стр. 35
وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ (٤٤) .
- ... أن يصبر ويحتسبَ أجر ذلك عند الله، ويجعلَ تعلُّقه بالله وحده، وأن ينتظر الفَرَج منه سبحانه؛ فإن ذلك من أفضل العبادة، وأن يسأل الله العافية؛ كما أرشد النبي ﷺ بقوله: سَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ (٤٥) .
стр. 36
إرشادات عامة تُراعى عند الرقية:
١- ... كون الراقي والمرقي على طهارة تامة من الحدثَيْن الأكبر والأصغر.
٢- ... استقبال الراقي القبلة.
٣- ... لزوم تدبُّرِ الراقي والمرقي لنصوص الرقية، أثناء القراءة؛ فلا يقولها الراقي دون تفكُّرٍ بمعانيها، ولا يستمعها المرقيُّ إلا وقد اجتهد في تدبُّرها، واستحضر كلاهما تعلق القلب بعظيم قدرة الله تعالى، وحسن الاستعانة به سبحانه.
٤- ... النَّفْث في أثناء القراءة وبعدها، ولا بأس بتركه.
٥- ... استحسان وضع اليد اليمنى - في أثناء القراءة - على الناصية أو على موضع
стр. 37
الألم، إن تيسر ذلك. مع ملاحظة عدم جواز مسِّ النساء من غير المحارم.
٦- ... يُستحسن كذلك القراءة بصوت معتدل في الأذن اليُمنى أو اليُسرى للمريض من وقت لآخر في أثناء الرقية.
٧- ... إذا لاحظت تأثر المريض ببعض الآيات في أثناء الرقية، فلا بأس بتكرارها ثلاثاً، أو خمسًا، أو سبع مِرارٍ، حَسَب الحاجة وملاحظة درجة الاستجابة.
٨- ... أن ينوي الراقي برقيته نفع أخيه، ومحبة أن يشفيه الله ويخفف عنه البلاء، وكذلك توخِّي هدايته، بل إن تيقَّن الراقي وجود جنِّيٍّ متلبِّسٍ، حَرَص كذلك على دعوته إلى التقوى والاستقامة، وهذا مطلب مهم جداً،
стр. 38
ينبغي للراقي ملاحظته؛ ذلك أن رسالة المسلم الأساسية هي الدعوة إلى الله تعالى، لقول المولى : [يُوسُف: ١٠٨] ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ، فالمسلم داعية في المقام الأول؛ لذا كان الأَولى به أن يبدأ رقيته وهو يحمل في صدره هاتين النيتين (الشفاء والهداية) ، فلا ينبغي له أن يسعى إلى أذية الجني ابتداء إلا إذا استعصت عليه سبل هدايته.
٩- ... مراعاة لفظ الرقية المناسب للمقام عند القراءة فيقول: (أرقي نفسي) ، (أرقيكَ أو (أرقيكِ) ، أو (أرقيكم) ، وذلك بحسب الحال.
стр. 39
١٠- ... قد تستمر الرقية لمدة أسبوع كامل، وربما كانت أقل من ذلك أو أكثر، وذلك بحسب حال المريض ومدى استجابته للعلاج، حتى يتم الشفاء بإذن الله.
١١- ... بإمكان الراقي أن يختصر الرقية، بحيث يختار آياتٍ معينة بما يناسب حالَ المَرْقِيِّ، وبخاصَّةٍ في القسم الثالث الذي هو أكثر أقسام الرقية إسهابًا، وهو يحتاج إلى مزيد وقت، فمن لم يكن لديه متسع من الوقت فليختر أيًّا من القسمين الأول أو الثاني. وله كذلك أن يختار من القسم الثالث ما يناسب وقتَه، والحالةَ المَرَضِيّة التي بين يديه،
стр. 40
أو أن يقرأه على مراحل؛ بحيث يستريح المريض بينها.
١٢- ... كذلك بإمكان الراقي الاقتصار في الرقية على الآيات القرآنية أو التعوذات النبوية، لكن الأكمل في ذلك أن يجمع بينها.
١٣- ... وبإمكانه أيضًا القراءة جهرًا أو سرًا، والجهر أولى؛ ليتمكن المَرْقِيُّ من سماعه؛ فيزداد بذلك تأثُّرُه بالرقية وانتفاعُه بها.