Полный текст (517 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مقدمة التحقيق
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. والحمد لله الذي لا يؤدَّى شكرُ نعمة من نِعَمه إلا بنعمةٍ منه توجب على مؤدِّي ماضي نعمه بأدائها: نعمةً حادثة يجب عليه شكره بها.
أحمده حمدًا كما ينبغي لكرم وجهه وعزِّ جلاله، وأستعينه استعانة من لا حول له ولا قوة إلا به، وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه، وأستغفره لما أزلفت وأخَّرت: استغفار من يقرُّ بعبوديته، ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، بعثه والناس صنفان:
(أحدُهما): أهل كتاب بدَّلوا من أحكامه، وكفروا بالله، فافتعلوا كذبًا صاغوه بألسنتهم، فخلطوه بحق الله الذي أنزل إليهم. فذكر ﵎ لنبيه من كفرهم، فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران/ ٧٨].
وقال ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء/ ٥١ - ٥٢].
(وصِنْفٌ): كفروا بالله فابتدعوا ما لم يأذن به الله، ونصبوا بأيديهم
стр. 2
حجارةً وخُشُبًا وصورًا استحسنوها، ونبزوا أسماءً افتعلوها، ودعوها آلهةً عبدُوها. فأولئك العرب. وسلكت طائفةٌ من المعجم سبيلهم في هذا، وفي عبادة ما استحسنوا، فذكر الله لنبيه ﷺ جوابًا من جواب بعضهم إذ قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ [الزخرف/ ٢٢].
فلما بلغ الكتاب أجَلَه، فحقَّ قضاء الله بإظهار دينه الذي اصطفى: فتح أبواب سماواته برحمته، فكان خيرتُه المصطفى لوحيه، المنتخبُ لرسالته المفضل على جميع خلقه: محمدًا عبدَه ورسوله، فصلى الله عليه كما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون، وصلى عليه في الأولين والآخرين، أفضل وأكثر وأزكى ما صلى على أحدٍ من خلقه وسلم (١).
وبعد:
فإن الله بعث رسله، وأنزل كتبه وشرائعه، ليقوم الناس بالقسط والعدل، وختم الله تعالى هذه الشرائع برسالة نبينا محمد ﷺ التي اختصها الله تعالى باسم "الإسلام"، فكانت هي الدين الكامل، والنعمة التامة، وجعلها مهيمنة على سائر الأديان، موجهة للناس كافة.
وقد وسعت البشريةَ كلَّها بدعوتها إلى التوحيد، وحملت مشعل النور إلى العالمين، وأعادت للإنسان حريته وكرامته، وأرست دعائم الحضارة التي تقوم على الإيمان والأخلاق، والعلم والعمل، والحق والعدل، كما عُنيت بتحديد العلاقات مع أهل الأديان الأخرى، الذين عاشوا في
_________
(١) اقتباس من افتتاحية كتاب "الرسالة" للإمام الشافعي ﵀.
стр. 3
ظلها، ينعمون بالأمن والأمان، ويتمتعون بحقوقهم كاملة غير منقوصة.
ولكنَّ أولئك القوم -من وثنيين وكتابيين وغيرهم- وقفوا من هذه الدعوة ومن نبيِّها وأتباعه موقف العداء والصدود والتآمر، منذ فجر هذه الدعوة؛ فنازلوها في ميدان القتال بالسلاح والسِّنان، وفي ميدان الفكر بالجدال وإلقاء الشبهات، والدعاية المغرضة الكاذبة، وبآلتُّهم الظالمة الجائرة، وفي ميدان الاقتصاد والاجتماع بالحصار والإنفاق للصدِّ عن سبيل الله، وفي ميدان السياسة بنقض العهود والمواثيق، وبالتآمر ومكر الليل والنهار.
وقد حكى الله تعالى في كتابه الكريم موقف القوم وعداءهم للإسلام والمسلمين، وتحالفهم جميعًا لتحقيق مآربهم ومخططاتهم، ثم جاء الواقع التاريخي العمليُّ -في القديم والحديث- يؤكد ذلك ويصدِّقه. وما خبر الحروب الصليبية عنا ببعيد، تلك الحروب الغاشمة، التي كان مبدؤها ذلك الصراع المبكر بين المسلمين والرومان، ومن صورها الأخيرة: محاربة المسلمين والعدوان عليهم في فلسطين، وفي سائر البلاد التي تقاسمها المستعمرون الفرنسيون والإنجليز والإيطاليون والهولنديون. .
وفي الأيام الأخيرة العدوان الهمجي على المسلمين في البوسنة والهرسك، وفي الشيشان، وفي الفلبين، وفي تايلند، وفي الهند، وفي كشمير، وفي الصومال، وفي أفغانستان، وفي العراق.
وقبل ذلك: حرب الإبادة الجماعية في الاتحاد السوفيتي، وفي الهند، وفي كشمير أيضًا، وفي يوغوسلافيا وفي الحبشة وغيرها من الأصقاع التي يسيطر فيها غير المسلمين، أو يتغلبون فيها عليهم، سواء
стр. 4
أكانوا أقلية أو أغلبية أو أكثرية.
وفي العصور السالفة: محاكم التفتيش في إسبانيا بعد سقوط دولة المسلمين في الأندلس، وحرب التتار وهجومهم على دار الإسلام والخلافة الإسلامية، وتآمر النصارى الصليبيين والمغول … (١).
وفي العصر الحديث: يتعاون أهل الكتاب مع الملحدين أيضًا في المعسكر الشيوعي، ليواجهوا الإسلام، وليضربوا كلَّ حركة إسلامية صادقة؛ فهم يتناسون كلّ خلاف يمكن أن يقوم بينهم إذا ما واجهوا الإسلام والمسلمين، فهم دائمًا متعاونون ضدنا، ومع ذلك يحاولون الخداع بالشعارات الزائفة والدعاوى العريضة الكاذبة (٢).
_________
(١) يقول المستشرق الأمريكي (جون. ل. لامونت): "فرحت أوربا، وهللت لانتصارات المغول، ولما كان المغول -بصورة عامة- مسالمين للنصارى، ولما كان بينهم عدد كبير من النساطرة … فقد اعتبر البابا وحكام أوربا الغربية المغول حلفاء لهم في صراعهم المشترك ضد الإسلام، وكان البابا يحلم طوال سنوات عديدة بإنشاء حلف عظيم بين المغول وأوربا يسحق الدولة الإسلامية سحقًا. .). انظر بحث الكاتب المذكور عن "الحروب الصليبية والجهاد" في كتاب "دراسات إسلامية" بقلم مجموعة من المستشرقين، ترجمة د. أنيس فريحة وزملائه من أساتذة الجامعة الأمريكية في بيروت، ص (١٣٥). وراجع بتوسع: "الشخصية الدولية في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية" د. محمد كامل ياقوت، ص (٢٥٥) وما بعدها، "الدعوة إلى الإسلام" تأليف توماس أرنولد، ترجمة د. حسن إبراهيم حسن، ص (٢٥٦ - ٢٦٦)، "في ظلال القرآن" للأستاذ سيد قطب، ص (١٦٠٨ - ١٦١٠)، "منهج الإسلام في الحرب والسلام" عثمان جمعة ضميرية، ص (٥٠ - ٥٥).
(٢) قال الرئيس الأمريكي الأسبق (ريتشارد نيكسون) حين عاد من جولة قام بها في أفغانستان لدراسة الأحوال هناك، فسأله الصحفيون: ماذا وجدت هناك؟ فقال: =
стр. 5
ومن قبل هذا كلِّه: التحالف الوثني اليهودي في عهد النبي ﷺ في غزوة الأحزاب، والتآمر اليهودي النصراني في حروب الرِّدَّة … (١).
وإذا كانت الحروب العسكرية، ليست الميدان الوحيد للنزال والصراع، وليست الوسيلة المضمونة للغلبة على المسلمين، ولا الأداة المشروعة في المواثيق الدولية؛ فإنَّ هناك ميدانًا آخر للنزال، وهو ميدان الفكر والإعلام، والدعاية والمعلومات، فليكنْ ذلك وسيلة مأمونةً ومضمونة في التشويه والتشويش والتشكيك!
وهذه الصورة الجديدة للحرب الفكرية والصراع الحضاري -رغم
_________
= وجدت أن الخطر هو الإسلام! ويجب أن نصفي خلافاتنا مع روسيا في أقرب وقت، فروسيا -على أي حال- بلد أوروبي، والخلاف بيننا وبينها قابل للتسوية، أما الخلاف الذي لا يقبل التسوية فهو الخلاف بيننا وبين الإسلام". انظر: "رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر" للأستاذ محمد قطب، ص (١٦١).
(١) في حركة الردة عن الإسلام بعد وفاة الرسول ﷺ تكونت أحلاف من القبائل التي يكثر فيها عناصر يهودية أو نصرانية وهاجموا المسلمين، ولكن أبا بكر ﵁ ردّهم وكسر شوكتهم، فقامت هذه القبائل بالانتقام من المسلمين في قبائلهم وقتلوهم دون شفقة أو رحمة؛ فبعضهم حرق حيًّا وبعضهم الآخر ألقي من أعلى الصخور الشاهقة … فكانت هذه الأحلاف في حقيقتها مؤامرة يهودية نصرانية مستغلة الوثنية، متقنعة بحركة الردة من قبل الأعراب. انظر: "تاريخ الدعوة الإسلامية في زمن الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين" د. جميل عبد الله المصري، ص (٢٤٤ - ٢٥٠). وراجع: "تاريخ الطبري": ٣/ ٢٤٤ وما بعدها. ومسألة التحالف الوثني الكتابي (اليهودي والنصراني) جديرة بالدراسة والوقوف عندها، والتاريخ شاهد على ذلك، والواقع المعاصر يؤيده، رغم الدعاوى والشعارات التي يحاولون إطلاقها للتعمية والتدليس والخداع.
стр. 6
كل ما يقال عن التسامح والتعايش والحوار- اتخذت صورًا متعددة وأشكالًا مختلفة، وتذرعت بوسائل متنوعة. وهذا كله يهدف إلى إضعاف الشعور الديني والحمية الدينية عند المسلمين، مما يؤدي إلى تفرُّقهم، ويسهِّل السيطرة عليهم، في مجال الفكر والثقافة، وفي مجال السياسة والاقتصاد. وفي الوقت نفسه يسهِّل الطريق أمام المنصِّرين والعلمانيين، ويتعاون الجميع على الطعن في الإسلام، وفي القرآن الكريم، وفي النبي ﷺ ودعوته، ثم في أصحاب النبي -رضوان الله عليهم- الذين حملوا هذا الدين.
وهذا الذي تقدم -وغيره كثير- يوجب على علماء الإسلام ومفكِّريه وقادته أن يقوموا بواجب الدعوة إلى هذا الدين، وعندئذ يبيِّنون حقيقته وأحكامه، ويردُّون الشبهات التي يثيرها الحاقدون والجاهلون والمُغْرِضون من الأعداء الظاهرين المستعلنين وغير الظاهرين المتخفِّين والمتسترين.
وقد قام هؤلاء العلماء بواجبهم -في القديم والحديث- وكان من بينهم الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب، ابن قيِّم الجوزية المتوفى سنة (٧٥١)، وكتابه "هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى" يقف شاهدًا ناطقًا على قيامه ﵀ بهذا الواجب، فكان من الخير أن ينال من العناية ما يستحق من الدراسة والإخراج، كي يستمر النفع به إن شاء الله تعالى.
هذا، وسنقدم بين يدي نصِّ الكتاب فقرات تتناول بداية الحوار مع أهل الكتاب، وأهم الكتب والمؤلفات التي كانت ثمرة لهذه الحوارات والمجادلات، ثم علاقة الإسلام باليهودية والنصرانية، ويتخلل ذلك بعض
стр. 7
الملاحظات حول البشارات وما يتصل بذلك. ثم نوجز مكانة الكتاب وموضوعه ووصف مخطوطاته، وطريقة العمل فيه.
وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه، موافقًا لشرعه، متقبَّلًا عنده، وأن ينفع به كما نفع بأصله. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
الطائف: في ١/ محرم/ ١٤٢٩ هـ
كتبه
عثمان بن جمعة ضميرية
стр. 8
أولًا: الحوار مع أهل الكتاب
بدأ الحوار مع أهل الكتاب منذ فترة مبكرة في تاريخ الإسلام، تعود إلى عصر النبي ﷺ ، فقد حفل القرآن الكريم بمناقشة أهل الكتاب والردِّ عليهم.
فاليهود الذين عاصرهم النبي ﷺ في المدينة بعد الهجرة، وقد كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج ببعثة نبي جديد؛ هم الذين كفروا بالنبي ﷺ وناصبوه العداء منذ اللحظة الأولى، وتنوعت وسائلهم في الصدِّ عن الدعوة والمماطلة والجدال وإلقاء الشبهات وإثارة الحرب الفكرية والنفسية، ونقض العهود والمواثيق.
وكان القرآن الكريم يتولى مناقشتهم والردَّ عليهم وبيان مؤامراتهم، كما أوضح تحريفهم لكتبهم، ورسم صورةً صادقة لطبيعتهم ونفسيتهم.
وبعد أن خرج اليهود من الجزيرة العربية، قاموا بدور كبير في عدائهم لهذا الدين -ومنهم من دخل فيه ظاهرًا وهم على حقد وضغينة- وقد بدأ اتصالهم بالمسلمين لإثارة الفتنة، فكان لعبد الله بن سبأ دوره في الفتنة في عهد عثمان بن عفان ﵁ ثم تتابعت مظاهر الفتنة في نشر فكرة الإمام المعصوم والوصية والرجعة التي تلقفتها عنهم الفرق الباطنية، وأثاروا الجدل بين المسلمين حول الذات الإلهية والصفات، وهم الذين عرف عنهم التشبيه والتجسيم، كما هو مكتوب في كتبهم، وقد انتقلت هذه الأفكار إلى التراث الإسلامي فيما عرف باسم "الإسرائيليات" في كتب التفسير والحديث.
وأثاروا أيضًا بين المسلمين الجدل حول الجبر والاختيار وغير ذلك
стр. 9
من أمور العقيدة، وعندئذ قام المسلمون بالردّ على مفتريات اليهود وشبهاتهم وناقشوا عقائدهم، واتخذوا لذلك منهجًا يقوم على النظر والدليل.
وأما النصارى؛ فقد بدأ الجدل بينهم وبين المسلمين في الحبشة أولًا، عند الهجرة الأولى للمسلمين، في حقيقة المسيح، وفي الكلمة، وفي غير ذلك من مسائل تدور حول العقيدة الإسلامية في المسيح. ثم جاء وفد نصارى نجران إلى المدينة وجادلوا النبي ﷺ في شأن عيسى ﵇، وقد دعاهم النبي ﷺ إلى المباهلة. قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران/ ٦١].
ثم وصل الإسلام إلى الشام والعراق ومصر، فبدأت النصرانية تنازعه نزاعًا فكريًا شديدًا. وثار الجدل حول طبيعة المسيح وحول مسائل الألوهية، وفكرة الجوهر والعَرَض، والأقانيم الثلاثة والوحدانية، وفكرة الخطيئة والصَّلب. وبلغ الجدل ذروته من الشدة بعد "يوحنا الدمشقي" (طبيب الأمويين الذي وضع للنصارى أصول الجدل مع المسلمين) على يد نصراني آخر هو "يوحنا النقيوسي" المصري الذي رحل إلى الحبشة وبدأ يرسل رسائله إلى أقباط مصر، يحاول فيها مناقشة العقائد الإسلامية، والحيلولة دون اعتناقهم الإسلام في عهد الدولة العباسية (١).
_________
(١) انظر: "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام"، د. علي سامي النشار: (١/ ٦١ - ٦٢).
стр. 10
وكان لعلماء المسلمين مناقشات لمذاهب النصارى، وجدال معهم ومع اليهود، كما تقدم، فتركوا لنا تراثًا ضخمًا في هذا المجال يتمثل فيما كتبه أئمة أعلام نقدًا وردًا، فقد نقدوا ما عند القوم من تحريف وتغيير وتبديل، وبيَّنوا ذلك أحسن بيان، وردُّوا على الشبهات التي أثاروها حول القرآن والنبي ﷺ ودين الإسلام، وأقاموا عليهم الحجة، وتباينت مناهجهم وأساليبهم في ذلك. وحسبنا أن نشير هنا إشارات موجزة إلى تلك الجهود في الجدال مع اليهود والنصارى، والرد على كتبهم وتحريفهم وما يتصل بذلك من بيان فضل الإسلام وخصائصه عند المقارنة والموازنة (١). وذلك بعرض سريع لأهم الأعلام الذين كتبوا في ذلك ومؤلفاتهم منذ العصور الأول إلى عصرنا الحاضر.
أ - ومن أوائل الكتب والرسائل في ذلك من المصادر القديمة:
١ - "رسالة الهاشمي إلى الكندي"، يدعوه فيها إلى الإسلام. وقد نشرت لأول مرة في لندن عام ١٨٨٠ م بعناية أ. تيان. ثم أعيد نشرها أيضًا سنة ١٨٨٥ وسنة ١٩١٢ م، كما نشرت في القاهرة مرتين عام ١٨٩٥ م
_________
(١) كانت المجادلات من الجانب الإسلامي في العادة تسمى "ردًّا على النصارى" مثلًا، وليس معنى ذلك أن هؤلاء قد هاجموا الإسلام بالضرورة فانبرى المسلمون للردّ عليهم. وإنما هو فنّ "كلامي" قد يندرج ضمن باب التوحيد في المؤلفات العقدية عمومًا، وقد تخصص له كتب أو رسائل مفردة. والغرض في كلتا الحالتين: دحض عقائد النصارى. وكثيرًا ما يكون موجهًا إلى المسلمين في الدرجة الأولى لتثبيت عقيدتهم وتحذيرهم من ضلال النصارى وتضليلهم، وإن احتوى على الدعوة إلى اعتناق الإسلام. وقد تكون بعض هذه المؤلفات أيضًا ردًّا على هجوم النصارى أو اليهود. انظر: "الفكر الإسلامي في الرد على النصارى"، د. عبد المجيد الشرفي ص (١٤).
стр. 11
و ١٩١٢. واحتوت هذه الطبعات كلها بالإضافة إلى رسالة الهاشمي على رسالة الكندي إلى الهاشمي يرد بها عليه ويدعوه إلى النصرانية. ولا نعرف اسم المؤلفين إلا من خلال ما ذكره البيروني في "الآثار الباقية" ويفيد أنهما: عبد الله بن إسماعيل الهاشمي، وعبد المسيح بن إسحاق الكندي.
٢ - "الدِّين والدولة في إثبات نبوة النبي محمد ﷺ " لعلي بن ربّن الطبري (توفي بعد ١٨٥٥)، وهو أبو الحسن علي بن سهل بن ربّن الطبري، أسلم على يد المعتصم، وكتابه هذا أول كتاب وصلنا في الجدل الإسلامي المسيحي من تأليف نصراني نسطوري أسلم، وطبع الكتاب سنة ١٣٢٢ هـ في مطبعة المقتطف بمصر، ثم نشر أيضًا في تونس مصورًا عن طبعة أوربية. وصدرت طبعة أخرى في بيروت ١٣٩٣ هـ بتحقيق عادل نويهض. وتكررت طباعته بعد ذلك.
٣ - "الرد على النصارى" لترجمان الدين القاسم بن إبراهيم الحسني الرسّي (توفي نحو ٢٤٦ هـ) وهو مؤسس مذهب القاسمية في الفقه ومن دعائم المدرسة الزيدية الشيعية. ونشر هذا الرد في مجلة الدراسات الشرقية في روما، سنة ١٩٢١ م، حققه أ. دي ميتو. وترجمه إلى الإيطالية.
٤ - "مقالة في الرد على النصارى" كتبها أبو يوسف، يعقوب بن إسحاق الكندي (توفي سنة ٢٥٢ هـ) وصل منها مقتطفات أثبتها يحيى بن عدي ليرد عليها. وقد نشرها أ. بيريني سنة ١٩٢٠ م في مجلة الشرق المسيحي في أربع صفحات.
٥ - "الرد على النصارى" للجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر (توفي ٢٥٥ هـ) وهي رسالة نشرها يوشع فنكل ضمن (ثلاث رسائل للجاحظ)، القاهرة، ١٣٢٨ هـ، وأعيد طبعها سنة ١٣٣٢ هـ، ونشرها عبد السلام
стр. 12
هارون في "رسائل الجاحظ" سنة ١٩٧٩ م وحققها الدكتور محمد عبد الله الشرقاوي مع دراسة تحليلية، القاهرة، ١٤٠٥ هـ. وقدم الأستاذ الدكتور إبراهيم عوض دراسة حول الرسالة بعنوان "مع الجاحظ في رسالة الرد على النصارى" ونشرها في القاهرة بمكتبة زهراء الشرق، ١٤١٩ هـ.
٦ - "الكتاب الأوسط في المقالات" لأبي العباس عبد الله بن محمد الأنباري الناشئ الأكبر، ويعرف كذلك بابن شرشير (توفي ٢٩٣ هـ) وقد وجدت مقتطفات من هذا الكتاب عند ابن العسال النصراني نشرها المستشرق يوسف فان غس في بيروت، ١٩٧١ م مع كتابه "مسائل الإمامة".
٧ - "الرد على النصارى" لأبي عيسى محمد بن هارون الورَّاق (توفي ٢٩٧ هـ) ذكره ابن النديم في "الفهرست"، وله نسخ مخطوطة في مكتبات باريس والفاتيكان والقاهرة.
٨ - "أوائل الأدلة" لأبي القاسم البلخي الكعبي (توفي ٣١٩ هـ) ومنه مقتطفات ضمن كتاب الفيلسوف اليعقوبي في رده عليها. ونشرها بولس سباط في القاهرة، ١٩٢٩ م.
٩ - "كتاب التوحيد" لأبي منصور الماتريدي (توفي ٣٣٣ هـ) وفيه عرض لآراء النصارى والرد عليها، وبذل قصارى جهده في بيان فساد العقيدة النصرانية التي تجعل المسيح إلهًا.
١٠ - "جواب على رسالة راهب فرنسا إلى المقتدر بالله حاكم سرقسطة" تأليف أبي الوليد الباجي (توفي ٣٧٣ هـ). تحقيق د. محمد عبد الله الشرقاوي، طبع الرئاسة العامة لإدارات البحوث والإفتاء والدعوة والإرشاد بالرياض.
стр. 13
١١ - "رسالة الحسن بن أيوب إلى أخيه علي بن أيوب" (توفي نحو ٣٧٨ هـ)، ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كان من علماء النصارى وأسلم على بصيرة بعد الخبرة بكتبهم ومقالاتهم، ونقل في "الجواب الصحيح" نبذًا من هذه الرسالة.
١٢ - "الرد على اليهود" تأليف محمد بن عبد الرحمن المصري (توفي ٣٨٠ هـ) ذكره في كشف الظنون.
١٣ - "الإعلام بمناقب الإسلام" لأبي الحسن العامري (توفي ٣٨١ هـ) وهو محاولة للتوفيق بين العقل والدين أو الفلسفة والشريعة، وكذلك مقارنة بين الإسلام واليهودية والنصرانية حتى تتبين فضيلة الإسلام عليها، وهو ليس خاصًا بالرد على النصارى، لكنه يتناول ذلك تبعًا. وطبع بتحقيق الدكتور أحمد عبد الحميد غراب في القاهرة، ١٩٦٧ م.
١٤ - "التمهيد" لأبي الطيب الباقلاني (توفي ٤٠٣ هـ) خصص الباب الثالث منه للكلام على النصارى والرد عليهم. وقد طبع أكثر من مرة.
١٥ - "تثبيت دلائل النبوة" للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهَمَذاني (توفي ٤١٥ هـ) تعرض فيه لعقائد النصارى وردّ عليهم في كثير من القضايا الاعتقادية، والكتاب مطبوع في بيروت بتحقيق الدكتور عبد الكريم عثمان. وللقاضي أيضًا كتاب "المغني" وكتاب "شرح الأصول الخمسة" وفيهما أيضًا كلام عن النصارى في جملة فصول وكلاهما مطبوع في القاهرة.
١٦ - "الفصل في الملل والأهواء والنِّحل" للإمام أبي محمد علي بن أحمد، المعروف بابن حزم الظاهري (توفي ٤٥٦ هـ). وله طبعات كثيرة، ونشره محققًا الدكتور محمد إبراهيم نصر، والدكتور عبد الرحمن عميرة، دار عكاظ بجدة، ١٤٠٢ هـ.
стр. 14
١٧ - "شفاء العليل في الرد على من حرَّف الإنجيل" لإمام الحرمين أبي المعالي الجُويني (توفي ٤٧٨ هـ)، تحقيق د. أحمد حجازي السقا، نشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالرياض ١٤٠٤ هـ.
١٨ - "الرد الجميل لإلهيَّة عيسى بصريح الإنجيل" لحجة الإسلام الغزالي (توفي ٥٠٥ هـ) تحقيق روبيرشدياق، وترجم المقدمات التي كتبها شدياق وحققه وقدم له وعلق عليه الدكتور عبد العزيز حلمي، ونشره مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، القاهرة ١٣٩٣ هـ. وحققه أيضًا عبد الله الشرقاوي، ١٤٠٦ هـ.
١٩ - "نفخ الروح والتسوية" للغزالي أيضًا، تحقيق أحمد حجازي السقا، مكتبة المدينة المنورة بالقاهرة ١٣٩٩ هـ.
٢٠ - "بذل المجهود في إفحام اليهود" للسموأل بن يحيى بن عباس المغربي (توفي نحو ٥٧٠ هـ) تحقيق عبد الوهاب طويلة، نشر دار القلم بدمشق ١٩٨٩ م.
٢١ - "إفحام اليهود وقصة إسلام السموأل ورؤياه النبي ﷺ " تقديم وتحقيق د. محمد عبد الله الشرقاوي، نشر إدارة الرئاسة العامة للبحوث بالرياض ١٩٨٦ م.
٢٢ - "كتاب الداعي إلى الإسلام" تأليف كمال الدين أبي البركات عبد الرحمن بن الأنباري النحوي (٥٧٧ هـ) تحقيق سعيد باعجوان، بيروت، ١٤٠٩ هـ.
٢٣ - "بين الإسلام والمسيحية" كتاب أبي عَبِيْدة الخزرجي (المتوفى
стр. 15
٥٨٢ هـ) حققه وقدم له د. محمد شامة، القاهرة ١٩٧٢ م. ونشره الدكتور عبد المجيد الشرفي بعنوان "مقامع الصلبان" في الشركة التونسية ١٩٧٥ م.
٢٤ - "النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية" تأليف نصر بن عيسى بن سعيد المتطبب (توفي ٥٨٩ هـ) كان نصرانيًا فأسلم. بحث فيه مذاهب النصارى واعتقاداتهم واضطرابهم في ذلك، وردّ عليهم قولهم بألوهية عيسى ﵇، وعرض لدلائل نبوة محمد ﷺ في التوراة والإنجيل. حققه الدكتور محمد عبد الله الشرقاوي، القاهرة ١٤٠٦ هـ.
٢٥ - "مناظرة في الرد على النصارى" لأبي عبد الله فخر الدين محمد بن عمر الرازي (توفي ٦٠٦ هـ)، تحقيق د. عبد المجيد النجار، دار الغرب الإسلامي، بيروت ١٩٨٦ م.
٢٦ - "تخجيل من حرَّف الإنجيل" تأليف صالح بن الحسين الجعفري (توفي ٦٦٨ هـ) تحقيق محمود عبد الرحمن قدح، مكتبة العبيكان، ١٤١٩ هـ.
٢٧ - "الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة" للقَرافي، أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي (توفي ٦٨٤ هـ). جمع فيه الشبهات التي يوردها أهل الكتاب والأسئلة التي يوردونها، وردَّ عليها، وتناول قضايا في النصرانية، وجمع البشارات الدالة على نبوة نبينا محمد ﷺ .
طبع بمطبعة الموسوعات بالقاهرة سنة ١٣٢٢ هـ على هامش "الفارق بين المخلوق والخالق"، ثم طبع بتحقيق د. بكر زكي عوض، مكتبة وهبة بالقاهرة، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٧ هـ.
٢٨ - "أدلة الوحدانية في الرد على النصرانية" للقرافي أيضًا، تحقيق
стр. 16
عبد الرحمن دمشقية.
٢٩ - "منظومة في الردِّ على النصارى واليهود" لمحمد بن سعيد بن حماد الأبوصيري (توفي ٦٩٦ هـ). تحقيق أحمد حجازي السقا، القاهرة ١٣٩٩ هـ.
٣٠ - "الرد على اليهود" تأليف علاء الدين علي بن محمد عبد الرحمن الباجي الشافعي (ت ٧١٤ هـ). ذكره في كشف الظنون.
٣١ - "الانتصارات الإسلامية في كشف شبهة النصرانية" تأليف سليمان بن عبد القوي الطوفي (ت ٧١٦ هـ) تحقيق سالم محمد القرني، طبع في مكتبة العبيكان بالرياض.
٣٢ - "الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح" لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ)، وهو كتاب ضخم في أربع مجلدات، طبع في القاهرة بمطبعة المدني ثم صور عنها عدة مرات، وحقق في الرياض وطبع في سبع مجلدات.
٣٣ - "تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب" لأبي محمد عبد الله الترجمان الميُورَقي (ت ٨٣٢ هـ). طبعة دي إيبلزا في حوليات الجامعة التونسية عام ١٩٧٥ م. وطبع في روما سنة ١٩٧١ م، وفي القاهرة ١٨٩٥ م. ثم حققه الأستاذ عمر وفيق الداعوق لنيل درجة الماجستير من جامعة أم القرى بمكة المكرمة، وطبع في بيروت ١٤٠٨ هـ.
٣٤ - الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام واثبات نبوة نبينا محمد ﵊" للقرطبي (ت ٩٢٧ هـ) حقق قسم منه سنة ١٩٧٠ م لنيل الدكتوراة وقسم آخر منه ١٩٨١ م في ستراسبورغ، ثم نشره كاملًا أحمد حجازي السقا في القاهرة ١٩٨٠ م.
٣٥ - "البحث الصريح في أيِّما هو الدين الصحيح" للشيخ زيادة بن يحيى الرسِّي
стр. 17
(القرن الحادي عشر) تحقيق سعود الخلف، طبع الجامعة الإسلامية ١٤٢٣ هـ.
٣٦ - "قبس الأنوار في الرد على النصارى" تأليف عبد الله العمري الطرابلسي (توفي ١١٥٢ هـ). ذكره في "إيضاح المكنون".
٣٧ - "منحة القريب المجيب في الرد على عُبَّاد الصليب" للشيخ عبد العزيز بن حمد بن ناصر آل معمَّر (توفي ١٢٤٤ هـ). طبع في القاهرة سنة ١٣٥٨ هـ، ثم نشرته دار ثقيف للنشر والتأليف بالطائف، الطبعة الثانية، ١٣٩٨ هـ.
٣٨ - "المنتخب الجليل من تخجيل من حرَّف الإنجيل" لأبي الفضل المالكي المسعودي (توفي ٩٤٢ هـ) طبع بمطبعة التمدن بمصر ١٣٢٢ هـ، وحققه رمضان الصفناوي مع آخرين، دار الحديث بالقاهرة، ١٤١٨ هـ.
٣٩ - "إظهار الحق"، للشيخ رحمة الله العثماني الهندي (توفي ١٣٠٨ هـ)، وله طبعات كثيرة، وحققه الدكتور محمد أحمد ملكاوي، طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء بالرياض، ١٤١٠ هـ.
٤٠ - "الفارق بين المخلوق والخالق" تأليف عبد الرحمن الباجه جي زاده (توفي ١٣٣٠ هـ) طبع بالقاهرة ١٣٢٣ هـ. ثم أعيد طبعه فيها مصورًا عنها بدار الكتاب الإسلامي. ثم نشر في عمان بالأردن بمكتبة دار عمار.
ب - ومن الكتب المعاصرة:
كتب كثير من العلماء المعاصرين بحوثًا وردودًا على النصارى واليهود، وفندوا شبهاتهم، وفي الجامعات والمعاهد رسائل جامعية في هذا لها أهميتها. وفي هذه الفقرة إشارة إلى بعض هذه الكتب والمؤلفات:
١ - الأب فوكو في مواجهة الإسلام، للأستاذ علي مراد، دار
стр. 18
المنشورات العربية، بيروت.
٢ - الأجوبة الجليّة في دحض الدعوات النصرانية، محمد بن علي عبد الرحمن الدمشقي الطيبي.
٣ - الأدلة العقلية في الردِّ على المسيحية، محمد أحمد الحنفي، طبع القاهرة.
٤ - أدلة اليقين، رد على كتاب (ميزان الحق)، عبد الرحمن الحريري، مطبعة الإرشاد، القاهرة.
٥ - إزالة الأوهام في الرد على كتاب (ينابيع الإسلام) لبعض النصارى، تأليف الشيخ أحمد بن محمد علي الشاهرودي.
٦ - الاستشراق والتبشير وصلتهما بالإمبريالية العالمية، إبراهيم خليل أحمد، مكتبة الوعي العربي، القاهرة ١٩٨٢ م.
٧ - إسرائيل والتلمود: دراسة تحليلية، للأستاذ إبراهيم خليل أحمد، مكتبة الوعي العربي، القاهرة ١٤٠٣ هـ.
٨ - الإسلام والديانات السماوية، للأستاذ محمد حسين الذهبي، طبع دار الإنسان في القاهرة ١٩٧٩ م.
٩ - الإسلام والرد على اللورد كرومر، محمد توفيق صدقي، نشر تباعًا في جريدة المؤيد - بمصر.
١٠ - الإسلام والرد على منتقديه، للشيخ محمد عبده حسن خير الله المصري، مطبعة السعادة بمصر.
١١ - الإسلام والمسيحية في الميزان، شريف محمد هاشم، مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان.
стр. 19
١٢ - الإسلام ومستر سكوت، للشيخ علي أحمد الجرجاوي طبع بمصر.
١٣ - أصول النصرانية في الميزان، محمد سيد أحمد المسير، طبع دار الطباعة المحمدية الأزهر، القاهرة ١٩٨٨.
١٤ - أضواء على المسيحية، متولي يوسف شلبي، عام ١٩٦٨ م.
١٥ - الأناجيل بين انقطاع السند وتناقض المتن، محمد عبد الله الشرقاوي، الرياض ١٤٠٣ هـ.
١٦ - الأناجيل: دراسة مقارنة، أحمد طاهر، دار المعارف بمصر.
١٧ - البرهان الصحيح في بشائر النبي والمسيح، أحمد أفندي ترجمان، طبع بمصر مطبعة المنار سنة ١٣٢٩.
١٨ - التحريف والتناقض في الأناجيل الأربعة، سارة حامد العبادي رسالة ماجستير بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، طبع عام ١٤٢٨ هـ.
١٩ - تناقض العهدين للسيد محمد مهدي الموسوي القزويني، مطبوع في العراق.
٢٠ - تنزيه الأنبياء: في الرد على النصارى، للشيخ مصطفى حسين البغدادي.
٢١ - تهافت قضية التجسد في العقيدة النصرانية، ليلى زكي قطب، دار الكتاب الجامعي القاهرة ١٩٨٧ م.
٢٢ - التوراة بين الوثنية والتوحيد، للأستاذ سهيل ديب دار النفائس - بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ.
٢٣ - الجواب الفسيح لما لَفَّقَه عبدُ المسيح، رد على أكاذيب عبد المسيح الكندي، لنعمان محمود الآلوسي، طبع في لاهور سنة ١٢٥٢.
стр. 20
٢٤ - جوهر الإيمان في صحيح الأديان (١ - ٢)، صلاح العجماوي، ١٤٠٩ هـ.
٢٥ - حديث مع الدعاة، مناظرة دينية مع بعض الدعاة البروتستانتية في بغداد، محمد علي هبة الدين.
٢٦ - حوار بين مسيحي ومسلم، محمد فؤاد الهاشمي، دار الرسالة - القاهرة ١٩٨٤ م.
٢٧ - حوار عقائدي بين مسلم ونصراني، ترجمة وإعداد محمد عبد الله، عالم المعرفة للنشر والتوزيع بجدة.
٢٨ - حول القرآن الكريم والكتاب المقدس، هاشم جودة، مطبعة الأمانة بمصر ١٤٠٤ هـ.
٢٩ - رد مفتريات على الإسلام، عبد الجليل شلبي الكويت ١٤٠٢ هـ.
٣٠ - الردود القرآنية على الكتب المسيحية، علي نقي بن أبي الحسن اللكهنوي الهندي.
٣١ - رسالة في الرد على مسيو هانتو، للشيخ محمد عبده المصري طبعت بمصر المحميّة.
٣٢ - السؤال العجيب في الرد على أهل الصليب، نظم الشيخ أحمد بن علي المليجي مطبعة التمدّن بمصر سنة ١٣٢٢ هـ.
٣٣ - سلاسل المناظرة الإسلامية بين شيخ وقسيس، عبد الله العلمي، ١٣٠٩ هـ.
стр. 21
٣٤ - شبهات النصارى وحجج الإسلام لمحمد رشيد رضا، مطبعة المنار في القاهرة.
٣٥ - الشهاب الثاقب (في أحقية الدين الإسلامي وإبطال غيره) للعلامة السيد محمود بن يوسف الحسيني التبريزي.
٣٦ - شهادة الإنجيل على أن عيسى عبد الله ورسوله … عبد الرحمن عبد الخالق، الكويت ١٤١٤ هـ.
٣٧ - الصَّلب وهم أم حقيقة، أحمد ديدات، دار المنار بالقاهرة ١٤١٠ هـ.
٣٨ - صواعق الرحمن في الرد على اليهود وإثبات تحريف توراتهم، للسيد أحمد بن زين العابدين.
٣٩ - العقائد الوثنية في الديانة المسيحية، للأستاذ محمد طاهر التنير، طبع بالقاهرة وبالكويت.
٤٠ - عقيدة الصَّلب والفدا، لمحمد رشيد رضا، مطبعة المنار بمصر.
٤١ - عقيدتا التثليث والصلب وموقف الإسلام منهما، يونس نوري، رسالة ماجستير بجامعة أم القرى بمكة المكرمة لعام ١٤٠٣ هـ.
٤٢ - القول المبين في الرد على المبشرين، محمد طلعت، مطبعة التقدم العلمية القاهرة ١٣٣٠.
٤٣ - الكتاب المقدس تحت المجهر، للأستاذ عودة مهاوش الأردني، طبع دار أنصاريان بإيران ١٤١٢.
стр. 22
٤٤ - كفاية الطالبين لرد شبهات المبشرين، محمد عبد السميع، طبع في مطبعة أبي الهول بمصر سنة ١٣٣٠.
٤٥ - كنتُ نصرانيًا، للأستاذ واصف الراعي، دار الراية للطباعة والنشر، الرياض المملكة العربية السعودية ١٩٨٧ م.
٤٦ - لسان الصدق رد على كتاب (ميزان الحق لأحد النصارى) للشيخ علي بن عبد الله البحراني طبع في القاهرة سنة ١٣٢٠.
٤٧ - مجد المسيح (في تنزيهه عن الألوهية والمعبودية كما تزعمه النصارى) لحسين قلي الداغستاني، طبع في بغداد ١٣٢٤.
٤٨ - محاضرات في النصرانية للأستاذ محمد أبو زهرة، دار الكتاب العربي، القاهرة ١٩٦١ م.
٤٩ - محمد في الكتاب المقدس، البرفسور القسيس دافيد بنجامين كلداني طبع دار الضياء للنشر والتوزيع في قطر ١٩٨٥ م.
٥٠ - مسألة صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء، أحمد ديدات، دار الفضيلة بالقاهرة ١٤٠٩ هـ.
٥١ - المسيح الدجال. . قراءة سياسية في أصول الديانات الكبرى: رد على النصارى، سعيد أيوب، دار الهادي، بيروت ١٩٩١.
٥٢ - المسيح في مصادر العقائد المسيحية، أحمد عبد الوهاب، مكتبة وهبة بمصر ١٣٩٨ م.
٥٣ - المسيح في المفهوم المعاصر، عصام الدين حفني، دار الطليعة بيروت، ١٩٧٩ م.
стр. 23
٥٤ - موقف الإسلام من كتب اليهود والنصارى للأستاذ مصطفى الرفاعي اللبّان، طبع المطبعة السلفية، بالقاهرة ١٣٥٣.
٥٥ - النصرانية والإسلام، محمد عزت الطهطاوي، دار الأنصار بالقاهرة ١٩٧٧ م.
٥٦ - نظرة في كتب العهد الجديد وعقائد النصرانية، محمد توفيق صدقي، مطبوع في مصر.
٥٧ - يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء، رؤوف شلبي، دار الاعتصام، ١٤٠٠ هـ.
٥٨ - يد الارتباط في الرد على الأقباط، عبد العزيز جاويش، المطبعة اليوسفية، القاهرة.
٥٩ - اليهود في القرآن والسنة، د. محمد أديب الصالح، دار الهدى، الرياض، ١٤١٣ هـ.
стр. 24
ثانيًا: علاقة الإسلام بالشرائع الأخرى
شاء الله أن تكون رسالة محمد ﷺ خاتمة الرسالات السماوية، والتي اختصت عرفًا بمدلول كلمة "الإسلام" كما أن كلمة "اليهودية" أو "الموسوية" تخص شريعة موسى، ﵇، وما اشتق منها، وكلمة "النصرانية" أو "المسيحية" تخص شريعة عيسى ﵇ وما تفرع عنها.
وهذه الرسالة التي أنزلها الله على نبينا محمد ﷺ بلغت ذروة الكمال، وجاءت دعوة إنسانية عالمية، لا تخاطب قومًا بأعيانهم، ولا جنسًا بذاته، رضيها الله تعالى للناس دينًا، فكانت هي "الدين" الكامل الذي أتمَّ الله تعالى به علينا نعمته ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة/ ٣].
وبعد أن كان الموكب الكريم من الرسل والأنبياء ﵈ يرفع راية التوحيد، ويهتف كلٌ بقومه: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [نوح/ ٢]، ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف/ ٥٩] جاء خاتم النبيين وجامع كلمة المرسلين فجمع الرايات كلها تحت راية واحدة، وجعل ينادي الناس جميعًا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة/ ٢١]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء/ ١٧٤]، ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم/ ٥٢]، بل هو بلاغ لكل من بلغه خبره وانتهى إليه أمره في عصره وفي سائر العصور إلى يوم القيامة: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام/ ١٩]، والجن والإنس في
стр. 25
هذا الخطاب والبلاع سواء (١) ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأنعام/ ١٣٠، الرحمن/ ٣٣].
وقد فصّل الله تعالى في القرآن الكريم سمات هذه الدعوة العالمية العامة، وعرضها على أعين الناس في كثير من آياته، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف/ ١٥٨]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ/ ٢٨]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النساء/ ١٧٠]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان/ ١].
وأشار رسول الله ﷺ ، إلى عموم بعثته وعالمية دعوته فقال: "أُعطيت خمسًا لم يعطهنَّ أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأُحلّت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيِّبة وطهورًا ومسجدًا، فأيّما رجل أدركته الصلاة صلّى حيث كان، ونُصرت بالرُّعب بين يدي مسيرة شهر، وأُعطيت الشفاعة" (٢).
_________
(١) للإمام ابن تيمية رسالة عنوانها "إيضاح الدلالة في عموم الرسالة" في الفتاوى (١٩/ ٩ - ٦٥)، وقد نشرها الشيخ محمد منبر الدمشقي في المجلد الثاني من "مجموعة الرسائل المنيرية". وانظر أيضًا: "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" (١/ ١٦٦) وما بعدها.
(٢) أخرجه البخاري (١/ ٤٣٦) في التيمم، ومسلم واللفظ له (١/ ٣٧٠) كتاب =
стр. 26
وقال ﵊: "فُضِّلت على الأنبياء بست: أُعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرُّعب، وحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون" (١).
خاتم النبيين:
ومن ثم كان محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، وكانت رسالته خاتمة الرسالات: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب/ ٤٠].
ويصور الرسول الكريم ﷺ ختم رسالته للرسالات السابقة، وكيف أتمَّ البناء الذي تعاقبت عليه رسل الله الكرام، فيقول: "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بني بيتًا، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية [من زواياه] فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلَّا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين" (٢).
ودعوته ناسخة للرسالات السابقة:
وإذا كان محمد ﷺ قد أرسل من عند الله تعالى بدين بلغ ذروة الكمال الذي لا كمال بعده، وتوجه الخطاب فيه للعالمين كافة، وختم
_________
= المساجد وفي رواية أخرى بلفظ "وأُرسلت إلى الخلق كافة".
(١) أخرجه مسلم (١/ ٣٧١) في المساجد.
(٢) أخرجه البخاري (٦/ ٥٥٨) في المناقب، ومسلم (٤/ ١٧٩٠) في الفضائل. ولأبي الأعلى المودودي كتاب ختم النبوة في ضوء الكتاب والسنة، وللندوي: النبي الخاتم.
стр. 27
الله به الرسالات، فإن النتيجة المنطقية اللازمة لهذا الكمال ولتمام النعمة أن تنقطع صلة الإنسانية عن سائر الرسالات والنبوات السابقة في طاعتها واتباعها، مع الإيمان بأصولها المنزلة - لا بما آلت إليه بعد التحريف على يد الأتباع.
فكل ما جاء به الأنبياء السابقون وعرضوه على الإنسانية ودَعَوْها إلى اتّباعه، قد نُسخ برسالة محمد ﷺ ، وما من شك أن الإيمان بنبوتهم وصدق دعوتهم على وجه الإجمال لازم لابد منه، إذ ما كانوا إلا دعاة إلى الإسلام، وما التصديق بدعوتهم إلا تصديق بالإسلام، ولكن مع ذلك انقطعت بهم صلة الإنسانية في طاعتها واتباعها فعلًا، وإنما ارتبطت برسالة محمد ﷺ وتعليمه وأسوته الحسنة؛ لأن الذي يقتضيه المبدأ:
أولًا: أن لا تعود الإنسانية بحاجة إلى المنسوخ بعد أن جاءها الكامل.
وثانيًا: أنه قد لعبت يد التحريف والإهمال بسيرة وتعاليم الأنبياء السابقين (١) مما لم يعد من الممكن، لأجله، أن تتبعهم الإنسانية فعلًا.
ومن هنا، فإن القرآن الكريم حيثما يأمر بطاعة الرسول واتباع أحكامه وأوامره، لا يأتي بكلمة "الرسول" و"النبي" إلا معرّفتين بالألف
_________
(١) اقرأ -إن شئت- "إظهار الحق" للشيخ رحمة الله العثماني ٢٠٧ - ٢٩٨، "الرسالة الخالدة" للسيد سليمان الندوي ٤١ - ٦٨، "المسيح في مصادر العقائد المسيحية" للمهندس أحمد عبد الوهاب ٧٧ وما بعدها، "محاضرات في النصرانية" للشيخ محمد أبي زهرة ٧٧ وما بعدها، "الجواب الصحيح" لابن تيمية (١/ ٣٦٢ وما بعدها و ٢/ ٣ - ٢٧).
стр. 28
واللام- لتكونا خاصتين بمحمد ﷺ (١).
يقول الله تعالى مثلًا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران/ ١٣٢]، ويقول: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء/ ٥٩]، ويقول أيضًا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء/ ٨٠].
والقرآن الكريم مهيمن على الكتب السابقة:
وكذلك فإن القرآن الكريم قد جعله الله تعالى مهيمنًا على ما سبقه من الكتب السماوية، وهو كلمة الله الأخيرة لهذه البشرية، التي يجب أن يفيء إليها الناس كلهم حتى يكونوا مؤمنين، ومن ثم فكل اختلاف يجب أن يُرد إلى هذا الكتاب ليفصل فيه، سواء كان هذا الاختلاف في التصور الاعتقادي بين أصحاب الديانات السماوية، أو في الشريعة التي جاء هذا الكتاب بصورتها الأخيرة، أو كان هذا الاختلاف بين المسلمين أنفسهم، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة/ ٤٨].
وكما استعمل الله تعالى كلمتي "الرسول" و"النبي" معرفتين عند الأمر بطاعتهما، لتكون خاصة بمحمد ﷺ ودالة على كماله، كذلك جاء لفظ "الكتاب" في هذه الآية للدلالة على القرآن الكريم الدلالة نفسها، فهو الكتاب الكامل الجدير بأن يسمى كتابًا، وأن ينصرف إليه معنى
_________
(١) انظر: "الإحكام في أصول الأحكام" - لابن حزم (٢/ ٧٣٢ - ٧٤٣)، "كشف الأسرار" للبخاري (٣/ ١٥٨ - ١٦٢)، "الحضارة الإسلامية" للمودودي ١٩٢ - ١٩٦، "الأسفار المقدسة في الأديان السابقة" د. علي عبد الواحد وافي ٨٧ - ٩٢.
стр. 29
الكتاب الإلهي الكامل الصادق عند الإطلاق، لحيازته جميع الأوصاف الكمالية لجنس الكتاب السماوي، وتفوّقه على بقية أفراده، بعد أن استعمل في الآيات السابقة لهذه الآية لفظ التوراة والإنجيل للكتابين اللذين أنزلهما الله على موسى وعيسى ﵉ (١).
ليظهره على الدين كله:
وقد أخبر الله سبحانه ووعد بإظهار هذا الدين على سائر الأديان فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة/ ٣٣]. فالله تعالى يُعلي هذا الدين ويرفع شأنه على جميع الأديان بالحجة والبرهان والهداية والعرفان، والعلم والعمران، وكذا السيادة والسلطان، ولم يكن لدين من الأديان مثل هذا التأثير الروحي والعقلي والمادي والاجتماعي والسياسي إلا للإسلام (٢). ولقد صح عن النبي ﵊ الوعد بإظهار الدين ونصره والتمكين لأهله (٣)، وقد تحقق هذا الوعد الصادق بإذن الله.
دعوة أهل الكتاب للإيمان بمحمد:
ولأجل هذا فإن الله تعالى يأمر بالإيمان بمحمد ﷺ ، وطاعته واتباع شريعته، حتى الأمم المؤمنة برسالة نبي من الأنبياء السابقين فإن القرآن
_________
(١) انظر: "الظلال" (٦/ ٩٠٢)، "تفسير أبي السعود" (٢/ ٦٧)، "تفسير المنار" لرشيد رضا (٦/ ٤١٠).
(٢) انظر تفسير المنار لرشيد رضا (١٠/ ١٧٥).
(٣) ذكر الإمام ابن كثير جملة من هذه الأحاديث في التفسير (٢/ ٢٥٠ - ٢٥١).
стр. 30
يوجه إليها هذا الخطاب أيضًا، يقول الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة/ ١٥ - ١٦].
تهديد ووعيد ..
ثم يأتي التهديد والوعيد الشديد لمن يعرض منهم عن الإيمان بما نزل الله تعالى على محمد ﷺ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء/ ٤٧].
وتأتي سورة البينة لتقرر ما كان عليه أهل الكتاب والمشركون الذين كفروا برسالة محمد ﷺ من الانحراف عن دين الله ومنهجه، وتقرر أنهم كانوا يُعلِّقون تحولهم وانفكاكهم عما هم عليه من الانحراف والكفر على بينة واضحة؛ هي بعثة نبي جديد، تكون سبب هدايتهم وتحويلهم عما هم عليه من ضلال وانحراف. ولكن عندما جاءتهم الهداية ممثلة بالكتاب المنزل: القرآن الكريم، والنبي المرسل، محمد ﷺ كفروا بهما، واستمروا على كفرهم وانحرافهم، فاستحقوا أن يدمغهم القرآن الكريم بأنهم ﴿هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة/ ٦] أما الذين آمنوا وصدقوا، في مقابل أولئك الذين كفروا فأولئك: ﴿هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة/ ٧ - ٨].
стр. 31
وجاءت أحاديث النبي ﷺ تبين هذا المعنى، وتوجب على كل من يسمع به أن يؤمن به ويتبعه، ويترك ما كان من شريعة سابقة انتهى العمل بها بعد مجيء محمد خاتم الأنبياء ﵊، فقال ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة - يهودي أو نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" (١).
ومؤمن أهل الكتاب، الذي يتبع محمدًا ﷺ له أجره مرتين، فعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب، آمن بنبيه وأدرك النبي ﷺ فآمن به واتبعه وصدّقه، فله أجران، وعبد مملوك أدّى حق الله تعالى وحق سيده، فله أجران. ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها، ثم أدَّبها فأحسن أدبها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران" (٢).
وعندما ينزل عيسى ﵇ في آخر الزمان بين يدي الساعة، ينزل حاكمًا بشريعة محمد ﷺ ، فما عذر أهل الكتاب في عدم إيمانهم به واتباعهم له ﷺ ؟ فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "والذي نفسي بيده ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية (٣)، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" (٤).
_________
(١) أخرجه مسلم (١/ ١٣٤) في الإيمان.
(٢) أخرجه البخاري (١/ ١٩٠) في العلم، ومسلم (١/ ١٣٤ - ١٣٥) في الإيمان.
(٣) أي لا يقبلها، ولا يقبل من الكفار إلا الإسلام، ومن بذل الجزية منهم لم يكفّ عنه، بل لا يقبل إلا الإسلام أو القتل.
(٤) أخرجه البخاري (٤/ ٤١٤) في البيوع، ومسلم (١/ ١٣٥ - ١٣٦) في الإيمان.
стр. 32
مواقف إيجابية حكاها القرآن الكريم:
ولكن فريقًا من أهل الكتاب، من الذين فتح الله قلوبهم للحق والإيمان، وأبصارهم للهدى والنور، فأدركوا حقيقة الدعوة التي انتظروها والنبي الذي كانوا يستفتحون به، هذا الفريق قد آمن فعلًا بمحمد ﷺ واتبعه، ولِمَ لا يؤمنون؟ وقد قامت الأدلة كلها على صدق هذا النبي، بعد أن بشرت به كتبهم ورأوا أعلام نبوته ﷺ وقد حكى الله تعالى ذلك وسجَّله فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (١) [الإسراء/ ١٠٧ - ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (٢) [القصص/ ٥٢ - ٥٥] … في آيات كثيرة في هذا المعنى، وسيأتي بعضها أيضًا في مناسبات أخرى.
وحفظها الواقع التاريخي:
وحفظ لنا الواقع التاريخي تصديق ذلك، بإسلام أكثر أهل العقول والأحلام والعلوم ممن لا يحصيهم إلا الله، من أولئك الذين عرفوا الحق من أهل الكتاب، فرقعة الإسلام إنما انتشرت في الشرق والغرب بإسلام أكثر الطوائف، فدخلوا في دين الله أفواجًا، حتى صار الكفار معهم تحت
_________
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٥٣ - ١٥٤)، ابن كثير (٣/ ٦٩).
(٢) انظر: البغوي مع الخازن (٥/ ١٤٧)، وابن كثير (٣/ ٣٩٤ - ٣٩٥).
стр. 33
المذلة والصَّغار، والذين أسلموا من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين أكثر من الذين لم يسلموا، وإنما بقي منهم أقل القليل، وقد دخل في دين الله من ملوك الطوائف ورؤسائهم في حياة رسول الله ﷺ خلق كثير (١) ".
وفي العصر الحديث:
وفي العصور الحديثة، نجد أمثلة كثيرة على ذلك، من أولئك الذين يدخلون في دين الإسلام ولا يستكبرون عن عبادة الله، وهم من المقدّمين في قومهم النصارى أو اليهود؛ فيهم علماء دينهم، ورجال الدولة والسياسة، وفيهم العلماء ورجال الفكر الثاقب، وفيهم الكتاب والأدباء والمصلحون والوعاظ ورجال الاجتماع وغيرهم .. (٢).
لا يتحقق إيمان اليهود والنصارى إلا بإيمانهم بمحمد ﷺ :
ولا يتحقق أصلًا إيمان اليهود والنصارى إلا بإيمانهم بمحمد ﷺ واتباعه في دينه الذي أنزله الله، وإلا فما هم بمؤمنين ولا مسلمين، فاليهود الذين آمنوا بموسى ﵇ وصدقوا بكتابه، وآمنوا بالرسل قبله كانوا مسلمين لله حتى أنزل الله شريعة عيسى، فوجب عليهم -ليحققوا إيمانهم- أن يؤمنوا به ويتبعوه وينفكّوا عن الشريعة السابقة، وكل من اليهود والنصارى عند بعثة محمد ﷺ -وجب عليهم- ليكونوا
_________
(١) انظر فيما سيأتي ص (٥٥) وما بعدها من نص المؤلف ﵀.
(٢) انظر أمثلة عن هؤلاء وتراجمهم في كتاب: "لماذا أسلمنا" وهو مجموعة مقالات لنخبة من رجال الفكر عن سبب إسلامهم، ترجمة مصطفى جبر، وكتاب: رجال ونساء أسلموا تأليف كامل عرفات العش.
стр. 34
مسلمين أن يؤمنوا بنبوة محمد ﷺ ورسالته، فإن لم يفعلوا فما هم بمؤمنين ولا مسلمين، وذلك أنهم أنكروا نبوة رسول من عند الله تعالى ورفضوا الإيمان برسالة أنزلها الله تعالى.
الإيمان بمحمد ﷺ شرط للإيمان بنبوة الأنبياء جميعًا:
فالإيمان بنبوة محمد ﷺ شرط للإيمان بنبوة الأنبياء جميعًا ﵈، إذ لا يمكن الإيمان بنبي من الأنبياء أصلًا مع جحود نبوة محمد رسول الله ﷺ ، ومن جحد نبوته فهو لنبوة غيره من الأنبياء أشد جحدًا.
وهذا يتبين بوجوه:
الوجه الأول: أن الأنبياء المتقدمين بشَّروا بنبوته، وأمروا أممهم بالإيمان به، فمن جحد نبوته فقد كذّب الأنبياء قبله فيما أخبروا به، وخالفهم فيما أمروا وأوصوا به من الإيمان به. والتصديق به لازم من لوازم التصديق بهم، وإذا انتفى اللازم انتفى ملزومه قطعًا، وبيان الملازمة هي الوجوه الكثيرة التي تلي هذا مباشرة، وهي تفيد بمجموعها القطع على أنه ﷺ قد ذكر في الكتب الإلهية على ألسن الأنبياء.
الوجه الثاني: أن دعوة محمد ﷺ هي دعوة جميع المرسلين قبله، من أولهم إلى آخرهم، فالمكذب بدعوته مكذبٌ بدعوة إخوانه كلهم، وهذا التكذيب كفر، فوجب الإيمان بدعوته ﵇ واتباعه.
الوجه الثالث: أن الآيات والبراهين التي دلت على صحة نبوته وصدقه ﵊ أضعاف أضعاف آيات من قبله من الرسل (١)، فليس لنبي من الأنبياء آية توجب الإيمان به إلا ولمحمد ﷺ
_________
(١) اقرأ في دلائل نبوته ﵊: الجزء الرابع من الجواب الصحيح =
стр. 35
مثلها أو ما هو في الدلالة مثلها، وإن لم يكن من جنسها، فآيات نبوته ﵊ أعظم وأكبر، والعلم بنقلها قطعي، لقرب العهد وكثرة النّقلة واختلاف أمصارهم وأعصارهم واستحالة تواطئهم على الكذب، فالعلم بآيات نبوته كالعلم بنفس وجوده وظهوره، فإذا جاز القدح في ذلك كله، فالقدح في وجود عيسى وموسى وآيات نبوتهما أشد جوازًا، وإن امتنع القدح فيهما وفي آيات نبوتهما فامتناعه في محمد ﷺ وآيات نبوته أشدّ (١).
ولو لم يظهر محمد لبطلت نبوة الأنبياء:
ولو لم يظهر محمد ﷺ لبطلت نبوة سائر الأنبياء، فظهور نبوته تصديق لنبواتهم وشهادة لها بالصدق، فإرساله من آيات الأنبياء قبله، وقد أشار الله سبحانه إلى هذا المعنى بعينه في قوله: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات/ ٣٧] فإن المرسلين بشروا به وأخبروا بمجيئه، فمجيؤه هو نفس صدق خبرهم، فكان مجيؤه تصديقًا لهم، إذ هو تأويل ما أخبروا به، ولا تنافي بين هذا وبين القول الآخر: إن تصديقه المرسلين شهادته بصدقهم وإيمانه بهم، فإنه صدقهم بقوله ومجيئه، فشهد بصدقهم بنفس مجيئه، وشهد بصدقهم بقوله، ومثل هذا قول المسيح فيما حكاه الله تعالى في القرآن الكريم عنه: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف/ ٦] فإن التوراة لما بشرت به
_________
= لابن تيمية، "تثبيت دلائل النبوة" للقاضي عبد الجبار بن أحمد، "دلائل النبوة" للبيهقي، و"أعلام النبوة" للماوردي. و"إظهار الحق" للشيخ رحمة الله. وسيذكر المصنف ﵀ طائفة من الأدلة.
(١) انظر فيما سيأتي كلام المصنف هذا في ص (٤٢٩) وما بعدها.
стр. 36
وبنبوته كان نفس ظهوره تصديقًا لها، ثم بشَّر برسول يأتي من بعده، فكان ظهور الرسول المبشر به تصديقًا له، كما كان ظهوره تصديقًا للتوراة، فعادة الله في رسله: أنّ السابق يبشر باللاحق، واللاحق يصدق السابق، فلو لم يظهر محمد بن عبد الله ﷺ ولم يبعث لبطلت نبوة الأنبياء قبله (١).
عهد وميثاق …
ومن حكمة الله سبحانه أنه ما بعث نبيًا إلا وقد أخذ عليه وعلى أتباعه العهد أن يؤمنوا بالنبي الذي يأتي بعده ويصدقوه وينصروه ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران/ ٨١ - ٨٢] فقد أخبر الله تعالى أنه أخذ الميثاق من أنبيائه بتصديق بعضهم بعضًا، وأخذ الأنبياء على أممهم وأتباعهم الميثاق بنحو الذي أخذ عليها ربها من تصديق أنبياء الله ورسله بما جاءتها به؛ لأن الأنبياء ﵈ أرسلوا بذلك إلى أممهم، ولم يدّع أحد ممن صدّق المرسلين أن نبيًا أُرسل إلى أمة بتكذيب أحد من أنبياء الله وحججه في عباده، بل كلها -وإن كذب بعض الأمم بعضَ أنبياء الله بجحودها نبوته- مقرّة بأنّ مَنْ ثبتت صحة نبوته -فعليها الدينونة بتصديقه، فذلك ميثاق مقرٌّ به جميعهم (٢).
فمهما آتى الله أحدَهم من كتاب وحكمة وبلغ أي مبلغ، ثم جاء رسول من بعده لابد أن يؤمن به وينصره، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم
_________
(١) ص (٣٧١ - ٣٧٢) فيما سيأتي.
(٢) تفسير الطبري (٦/ ٥٥٧) بتحقيق محمود شاكر.
стр. 37
والنبوة من اتباع من بُعث بعده ونصرته، وها قد بعث الله تعالى محمدًا ﷺ ، وجاء مصدقًا لما بين يديه من الكتاب (١)، وقد أخذ الله الميثاق والعهد على أهل الكتاب أن يؤمنوا به، فوجب الوفاء بذلك الميثاق والعهد، واكتفى -سبحانه- بذكر الأنبياء في الآية لأن العهد على المتبوعين عهد على الأتباع، ولأنه إذا وجب على الأنبياء الإيمان به ونصره فوجوب ذلك على من اتبعهم أولى وأحرى.
وهذا هو معنى ما روي عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄ حيث قالا: ما بعث الله نبيًا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث الله محمدًا وهو حي ليؤمِننَّ به ولينصرنَّه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنُنَّ به ولينصُرُنّه (٢).
بشارات الكتب السابقة بنبوة محمد ﵊:
وليس لأهل الكتاب أي عذر في عدم إيمانهم بمحمد ﷺ ، وقد
_________
(١) والمراد بالتصديق لما معهم -مع مخالفة شرعه ﵊ لشرعهم- حصول الموافقة في التوحيد والنبوات وأصول الشرائع، فأما تفاصيلها، وإن وقع الخلاف فيها، فذلك في الحقيقة ليس بخلاف، لأن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام متفقون على أن الحق في زمان موسى ﵊ ليس إلا شرعه، وأن الحق في زمان محمد ﵊ ليس إلا شرعه، فهذا وإن كان يوهم الخلاف إلا أنه في الحقيقة وفاق. وكذلك كان ظهوره ﵊ على ما هو مطابق لوصفه في كتبهم -كما سيأتي- تصديقًا لما معهم. انظر: "تفسير الفخر الرازي" (٨/ ١٣١).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (٦/ ٥٥٥ - ٥٥٦)، ابن كثير (١/ ٣٧٦)، "روح المعاني" (٣/ ٢٠٩)، البغوي (١/ ٣١٣)، "الرد على المنطقيين": ٤٥١.
стр. 38
بشرت كتبهم بنبوته وأشارت إلى ذلك (١)، نجد هذا حكاية عنهم في القرآن الكريم، ونجد له شاهدًا من الواقع التاريخي منذ عهد الرسول ﷺ ، ويتفق هذا كله مع نصوص كتبهم التي يعتمدون هم عليها، سواء في العهد القديم أو الجديد. وإليك شيئًا من البيان لذلك كله:
حكى الله تعالى ذلك في القرآن الكريم:
أما القرآن الكريم، فقد حكى الله تعالى: أن التوراة والإنجيل قد احتوى كل منهما على إشارات إلى بعثة محمد ﷺ ونبوته وصفته وصفة أصحابه. فقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف/ ١٥٧].
وهم يعلمون صدقه ﵊ وصدق الكتاب الذي أنزل عليه:
فترى علماءهم الصادقين يقرُّون بذلك، وإنهم ليعلمون أنه الحق من ربهم فيصدقونه، وإذا تلا عليهم الآيات تراهم يخرون للأذقان سُجَّدًا: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة/ ٨٣] ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء/ ١٠٧ - ١٠٩].
_________
(١) ساق الإمام ابن القيم اثني عشر وجهًا تدل على أنه ﷺ مذكور في الكتب المتقدمة، ومنها البشارات بنبوته في كتبهم. انظر فيما سيأتي ص (١٠٩) وما بعدها.
стр. 39
وهذه صفته ﵊ وصفة أصحابه عندهم، في كتبهم، كما حكاها الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح/ ٢٩].
وحكى الله تعالى بشارة عيسى ﵇ بمحمد ﷺ فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف/ ٦].
وتجمعت هذه الشواهد كلها لتعطي أهل الكتاب علمًا يقينيًا بمعرفة نبوته ﷺ : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام/ ٢٠].
ولكن فريقًا منهم يكتمون هذا الحق والعلم اليقيني مع علمهم بأنه حق، وفي هذا ما فيه من البشاعة والجحود، فقال الله تعالى عنهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة/ ١٤٦].
وبعد شهادة الله تعالى ليس هناك شهادة، فهو سبحانه أصدق القائلين وخير الشاهدين.
ولهذه البشارات شواهد سجلها التاريخ:
ولتقوم الحجة على أهل الكتاب أكثر نستدعي شهودًا منهم -وهم أولئك الذين سجّل التاريخ شهاداتهم واعترافاتهم بأنهم ينتظرون نبيًا
стр. 40
سوف يبعثه الله، وقد بشرت به كتبهم، فقد سبقت آنفًا الإشارة إلى عدد من رؤساء النصارى الذين أسلموا في حياة الرسول ﵊ لمّا بلغتهم دعوته، لأنهم عرفوها أولًا وعرفوا نبيها من كتبهم التي بشرت به، فما كانوا يرجمون الغيب، بل يعترفون بحقٍّ وجدوه مجسدًا في كتبهم (١).
فهذه شهادتهم القولية، وتلك شهادتهم الواقعية، اتفقتا معًا على تأكيد ما نجد من إشارات إلى بعثته ﵊ في كتبهم التي بين أيديهم اليوم، رغم كل ما أصابها من تحريف وتزوير، ورغم الكتمان لكثير منها.
ملاحظات بين يدي البشارات:
ونقدم بين يدي هذه البشارات التي ساقها المصنف ﵀ بعض الملاحظات المتعلقة بهذه البشارات وطبيعتها وتفسيرها:
١ - مع إيماننا بأن ما بين أيدي أهل الكتاب من اليهود والنصارى من الكتب ليس هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى وحيًا على موسى وعيسى ﵉، ورغم ما وقع فيهما على أيدي الأتباع من كتمان وتحريف -فهم يلبسون الحق بالباطل ويخلطونه به بحيث لا يتميز الحق من الباطل- ويكتمون الحق ويخفونه ويحرِّفون الكلم عن مواضعه لفظًا ومعنى، ويلوون ألسنتهم بالكتاب ليلبسوا على السامعين اللفظ المنزل بغيره (٢) -رغم هذا كله- فإن إشارات كثيرة لا تزال بين طيَّات هذه الكتب،
_________
(١) انظر فيما سيأتي ص (٥٥) وما بعدها من كلام المصنف رحمه الله تعالى.
(٢) قال الله تعالى حكاية عنهم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ =
следующие страницы →