← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 5705

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (517 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

من الأنبياء، فإن عند أهل الكتاب -وأنتم معهم- أنَّ الله تجلَّى لإبراهيم واسْتَعْلَنَ له وتراءى له. وأما قوله: "وأحل فيك" لم يرد سبحانه بهذا حلول ذاته -التي لا (١) تَسَعُهَا السمواتُ والأرض- في بيت المقدس، وكيف تحلُّ ذاته في مكانٍ يكون فيه مقهورًا مغلوبًا مع شرار الخلق؟! كيف (٢) وقد قال: "ويعرفون أني أنا الله القوي الساكن فيك"؟!. أفَتَرَى عَرَفُوا (٣) قوّتَه بالقبض عليه، وشدِّ يديه بالحبال، ورَبْطِهِ على خشبة الصليب، ودقِّ المسامير في يديه ورِجْلَيه، ووضع تاج الشوك على رأسه وهو يستغيثُ ولا يُغَاث؟! وما كان المسيح يدخل بيت المقدس إلا وهو مغلوب مقهورٌ مُسْتَخْفٍ في غالب أحواله، ولو صحَّ مجيء هذه الألفاظ صحةً لا تُدْفَع، وصحَّتْ ترجمتها كما ذكروه لكان معناها: أنَّ معرفة الله والإيمان به وذكره ودينه وشرعه حل في تلك (٤) البقعة. وبيت المقدس لما ظهر فيه دين المسيح بعد رفعه حصل فيه من الإيمان بالله ومعرفته ما لم يكن قبل ذلك. وجماع الأمر: أنَّ النبوات المتقدمة والكتبَ الإلهيَّةَ لم تنطق بحرفٍ واحد يقتضي أنْ يكون ابنُ البشر إلهًا تامًا؛ إلهٌ حقٌّ من إلهٍ حقٍّ، وأنه غير مصنوعِ ولا مربوبٍ (٥)، بل لم يخصَّه إلا بما خُصَّ

стр. 422

به (١) أخوه وأَوْلى الناس به محمد بن عبد الله في قوله: إنه (٢) عَبْدُ اللهِ ورسولُهُ وكلمَتُهُ ألقاها إِلى مَرْيَمَ وروحٌ منه. وكُتُبُ الأنبياءِ المتقدِّمةُ وسائِرُ النبوات مُوَافِقةٌ لما أخبر (٣) به محمد ﷺ ، وذلك كلُّه يصدِّق بعضُه (٤) بعضًا، وجميع ما تستدل به المثلِّثة عُبَّاد الصليب على إلهية المسيح من ألفاظ وكلمات في الكتب؛ فإنها مشتركة بين المسيح وغيره، كتسميته: ابنًا، وكلمةً، ورُوْحَ حقٍّ، وإلهًا. وكذلك ما أُطلق من حلول روح القدس فيه وظهور الرب فيه أو في مكانه. وقد وقع في نظير شركهم وكفرهم طوائف من المنتسبين إلى الإسلام، واشتبه عليهم ما يَحُل في قلوب العارفين من الإيمان به ومعرفته ونوره وهداه، فظنُّوا أنَّ ذلك نَفْسُ ذاتِ الربِّ، وقد قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعَلَى﴾ [النحل: من الآية ٦٠]. وقال: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧]، وهو ما في قلوب ملائكته وأنبيائه وعباده المؤمنين من الايمان به ومعرفته ومحبته وإجلاله وتعظيمه، وهو نظير قوله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: ١٣٧]. وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣].

стр. 423

وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤]. فأولياء الله يعرفونه ويحبونه، ويُجلُّونه، ويقال: هو في قلوبهم، والمراد: مَحَبَّتُه ومعرفته، والمَثَلُ الأعَلى في قلوبهم، لا نَفْسُ ذاته، وهذا أمرٌ يعتاده الناس في مخاطباتهم ومحاوراتهم، يقول الإنسان لغيره: أنت في قلبي، ولا زلتَ في عيني، كما قال القائل: وَمِنْ عَجَب أنِّي أَحِنُّ إلَيْهِمُ … وأَسْألُ عَنْهُمْ مَنْ لَقِيْتُ وَهُمْ مَعِي وتَطْلُبُهُمْ عَيْنِي وهُمْ في سَوَادِهَا (١) … وَيَشْتَاقُهُمْ قَلْبِي وَهُمْ بَيْنَ أَضْلُعِي (٢) وقال آخر في المعنى (٣): خيالُكَ في عَيْنِي وذِكْرُكَ في فَمِي … وَمَثْواكَ في قَلْبِي (٤) فَأَيْنَ تَغِيْبُ (٥) وقال آخر (٦): ساكن في القلب يعمره … لست أنساه فأذكره وقال آخر:

стр. 424

إن قلت (١): غبت فقلبي لا يصدقني … إذ أنت فيه -فدتك النفس- لم تغب أو قلت: ما غبت قال الطرف: ذا كذب … فقد تحيرت بين الصدق والكذب وقال الآخر: أحن إليه وهو (٢) في القلب ساكن … فيا عجبًا ممن (٣) يحن لقلبه ومَنْ غَلُظَ طَبْعُه وكثف (٤) فهمه عن فهم مثل هذا لم يكثر عليه أن يفهم من ألفاظ الكتب أن ذات الله سبحانه تحل في الصورة البشرية وتتحد بها وتمتزج بها، تعالى الله عما يقول الكافرون علوًّا كبيرًا. فصل وإن قلتم: أوجبنا (٥) له الإلهيَّة من قول إشَعْيَا: "مِنْ أعجبِ الأعاجيب أن ربَّ الملائكة سيولد من البشر" (٦). قيل لكم: هذا مع أنه يحتاج إلى صحة هذا الكلام عن إشَعْيَا، وأنه لم يحرف بالنقل من ترجمة إلى ترجمة، وأنه كلام منقطع عما قبله وبعده ببينة = فهو دليل على أنه مخلوق مصنوع، وأنه (٧) ابن البشر مولود منه، لا من الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد؟!

стр. 425

فصل وإن قلتم: جعلناه إلهًا من قول مَتَّى في إنجيله: "إنَّ ابن الإنسان يُرْسِلُ ملائكته ويَجْمَعُونَ كلَّ الملوك فيلقونهم في أتُّون النار" (١). قيل: هذا كالذي قبله سواء، ولم يُرِد أنَّ المسيح هو ربُّ الأرباب، ولا أنه خالق الملائكة، (وحاشى لله أن يطلق عليه أنه ربُّ الملائكة، بل) (٢) هذا من أقبح الكذب والافتراء؛ بل ربُّ الملائكةِ أوصى الملائكةَ بحفظ المسيح وتأييده (٣) ونصره بشهادة لوقا النبيِّ القائل عندهم: "إنَّ الله يوصي (٤) ملائكته بك ليحفظوك" (٥)، ثم بشهادة لوقا: "إنَّ الله أرسل له ملكًا من السماء ليُقَوِّيَه" (٦). هذا الذي نطقت به الكتب، فحرَّف (٧) الكذَّابون على الله وعلى مسيحه ذلك، ونسبوا إلى الأنبياء أنهم قالوا: هو رب الملائكة. وإذا شهد الإنجيل واتفاق الأنبياء والرسل أنَّ الله يوصي ملائكته بالمسيح ليحفظوه: عُلِمَ أن الملائكة والمسيح عبيدُ (٨) الله مُنَفِّذون لأمره، ليسوا أربابًا ولا آلهة.

стр. 426

وقال المسيح لتلامذته: "مَنْ قَبلَكُم (١) فقد قَبلَني، ومن قَبلَني فقد قَبِل مَنْ أرسلني" (٢). وقال المسيحَ لتلامذته أيضًا: "من أنكرَني قُدَّام الناس أَنكرْتُه قدام ملائكة الله" (٣). وقال للذي ضرب عَبْدَ رئيسِ الكهنة: "أغمِدْ سيفك ولا تظنَّ أني لا أستطيع أن أدعوَ الله الأبَ فيقيم لي أكثر من اثني عشر من الملائكة" (٤). فهل يقول هذا من هو رب الملائكة وإلههم وخالقهم؟!. فصل وإن أوجبتم له الإلهيَّة بما نقلتموه عن إشَعْيَا: "تخرج (٥) عصا من بيت نبي، وينبت (٦) منها نور، ويحلُّ فيه روح القدس، روح الله، روح الكلمة والفهم، روح الحيل والقوة، روح العلم وخوف الله، وبه يؤمنون وعليه يتوكلون، ويكون لهم التاج والكرامة إلى دهر الداهرين" (٧). قيل لكم: هذا الكلام -بعد المطالبة بصحة نقله عن إشَعْيَا، وصحة الترجمة له باللسان العربي وأنه لم تحرِّفه التراجم- هو حُجَّةٌ على المثلَّثة عُبَّاد الصليب، لا لهم؛ فإنَّه لا يدل على أنَ المسيح خالق السموات والأرض؛ بل يدلُّ على مثل ما دلَّ عليه القرآن، وأنَّ المسيح أُيِّد بروح

стр. 427

القدس؛ فإنه قال: ويحل فيه روح القدس روح الله، روح الكلمة والفهم، روح الحيل والقوة، روح الفهم (١) وخوف الله. ولم يقل: تحل فيه حياة الله، فضلًا عن أن يحلَّ الله فيه ويتحد به ويتخذ حجابًا من ناسوته. وهذه روح تكون مع الأنبياء والصديقين. وعندهم في التوراة: "أنَّ الذين كانوا يعملون في قبة الزمان حلَّت فيهم روح الحكمة" (٢)، وروح الفهم والعلم: هي ما يحصل به الهدى والنصر والتأييد. وقوله: "هي (٣) روح الله" لا تدلُّ على أنها صفته، فضلًا عن أن يكون هو الله!! وجبريل يسمى: روح الله، والمسيح اسمه: روح الله. والمضاف إلى الله إذا كان ذاتًا قائمة بنفسها فهو إضافة مملوك إلى مالك كبيت الله، وناقة الله، وروح الله، وليس المرادَ به: بيتٌ يسكنُه، ولا ناقةٌ يركَبُهَا، ولا روحٌ قائمة به، وقد قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. فهذه الروح أيَّد بها عبادَهُ المؤمنين. وأما قوله: [وبه يؤمنون وعليه يتوكلون] فهو عائد إلى الله لا إلى العصا التي نبتت (٤) من بيت النبوة.

стр. 428

وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩]، (فهو عائد إلى الله) (١) وقال موسى لقومه: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]، وهو كثير في القرآن، وقد أخبر أنه أيده بروح العلم وخوف الله، فجمع بين العلم والخشية. وهما الأصلان اللذان جمع القرآن بينهما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨]. وفي قول النبي ﷺ : "أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية" (٢) وهذا شأن العبد المحض، وأما الإله الحق وربُّ العالمين فلا يلحقه خوف ولا خشية ولا يعبد غيره، والمسيح كان قائمًا بأوراد العبادات لله أتَمَّ القيام!!. فصل وإنْ أوجبتم له الإلهيَّة بقول إشَعْيَا: "إنَّ غلامًا وُلِدَ لنا وإننا أعطيناه كذا وكذا، ورياستُه على عاتقيه وبين منكبيه، ويُدعى اسمه ملكًا عظيمًا عجيبًا إلهًا قويًّا مسلَّطًا رئيسًا، قوي السلامة في كل الدهور، وسلطانه كامل ليس له فناء" (٣). قيل لكم: ليس في هذه البشارة ما يدلُّ على أن المراد بها المسيح بوجه من الوجوه، ولو كان المراد بها المسيح لم يدلَّ على مطلوبهم.

стр. 429

أما المقام الأول: فدلالتها على محمد بن عبد الله أظهر من دلالتها على المسيح، فإنه هو الذي رياستُه على عاتِقَيْه (١) وبين منكبيه من جهتين: من جهةِ: أنَّ خاتم النبوة على بعض كتفيه (٢)، وهو من أعلام النبوة التي أخبرت به الأنبياء، وعلامة ختم ديوانهم، ولذلك كان في ظهره. ومن جهةِ: أنَّه بُعِث بالسيف الذي يتقلَّد به على عاتقه ويرفعه -إذا ضرب به- على عاتقه. ويدلُّ عليه قوله: "رئيس مسلَّط قويُّ السلامة" وهذه صفة محمد ﷺ المؤيَّدِ المنصورِ، رئيس السلامة، فإنَّ دينه الإسلام، ومن اتبعه سَلِمَ (٣) مِنْ خِزْي (٤) الدنيا ومن عذاب الآخرة، ومن استيلاءِ عدوّه عليه. والمسيحُ لم يسلَّط على أعدائه كما سُلِّط محمد ﷺ بل كان أعداؤه مسلَّطين (٥) عليه قاهرين له حتى عملوا به ما عملوا عند المثلِّثةِ عُبَّاد الصليب. فأين مطابقة هذه الصفات للمسيح بوجه من الوجوه؟! وهي مطابقة لمحمد بن عبد الله ﷺ من كل وجهٍ، وهو الذي سلطانُه كاملٌ، ليس له فناء (إلى آخر الدهر. فإن قيل: إنكم لا تَدْعونَ محمدًا إلهًا، بل هو عندكم عبدٌ محض؟) (٦).

стр. 430

قيل لهم: نعم واللهِ، إنه لكذلك (عبدٌ محضٌ لله، والعبودية أجلُّ مراتبه) (١)، واسم "الإله" من جهة التراجم جاء، والمراد به السيِّد المطاع لا الإله المعبود الخالق الرازق. فصل وإن أوجبتم له الإلهية من قول إشَعْيَا - فيما زعمتم: "ها هي العذراء تحبل وتلد ابنًا يدعى اسمه عَمَانُويل" (٢) وعمانويل كلمة عبرانية تفسيرها بالعربية: "إلهنا معنا" فقد شهد له النبيُّ أنه إله. قيل لكم: بعد ثبوت هذا الكلام وتفسيره - لا يدلُّ على أن العذراء ولدت ربَّ العالمين وخالق السموات والأرَضِيْن؛ فإنه قال: تلد ابنًا، وهذا دليل على أنه ابنٌ من جملة البنين، ليس هو رب العالمين. وأما قوله: "ويدعى اسمه عمانويل" فإنما يدل على أنه يسمى بهذا الاسم كما يسمِّي الناسُ أبناءَهم بأنواعٍ من الصفات والأسماء والأفعال والجُمَل المركَّبة من اسمين أو اسم وفعل، وكثيرٌ من أهل الكتاب يُسَمُّون أولادهم: عمانويل. ومن علمائكم من يقول: المراد بالعذراء هاهنا غير مريم، ويذكر في ذلك قصة، ويدل على هذا: أن المسيح لا يعرف اسمه "عمانويل"، وإن كان ذلك اسمه، فكونُه (٣) يُسمَّى: إلهنا معنا، أو بالله حسبي، أو الله وحده، ونحو ذلك (لا يدل على أنه إله) (٤).

стр. 431

وقد حرَّف بعضُ المُثَلِّثة عُبَّاد الصليب هذه الكلمة وقال: معناها "الله معنا". وردَّ عليهم بعض من أنصف (١) من علمائهم، وحكَّم رشده على هواه، وهداه الله للحق، وبصَّره مِنْ عماه وقال: أهذا هو القائل: "أنا الرب، ولا إله غيري، وأنا أحي وأميت وأخلق وأرزق" (٢)؟ أم هو القائل لله: "إنك أنت الإله الحقُّ وحدك الذي أرسلت اليسوع المسيح" (٣)؟! قال: والأول باطل قطعًا، والثاني هو الذي شهد به الإنجيل، ويجب تصديق الإنجيل وتكذيب مَنْ زعم أنَّ المسيح إله معبود. قال: وليس المسيح مخصوصًا بهذا الاسم، فإن "عمانويل" اسم تسمِّي به النصارى واليهود أولادهما. قال: وهذا موجود في عصرنا هذا، ومعنى هذه التسمية بينهم: شريف القدر. قال: وكذلك السُّرْيَانُ يُسمُّون أولادهم "عمانويل"، والمسلمون وغيرهم يقولون للرجل: الله معك. فإذا سُمِّي الرجل بقوله: "الله معك" كان هذا تَبرُّكًا بمعنى هذا الاسم!!. فصل وإن أوجبتم له الإلهيَّة بقول حَبقُّوقَ -فيما حكيتموه عنه-: "إنَّ الله في الأرض يتراءى ويختلط مع الناس ويمشي معهم" (٤)، ويقول إِرْمِيَا

стр. 432

أيضًا بعد هذا: "الله يظهر في الأرض وينقلب (١) مع البشر" (٢). قيل لكم: هذا -بعد احتياجه إلى ثبوت نبوة هذين الشخصين أولًا، وإلى ثبوت هذا النقل عنهما، وإلى مطابقة الترجمة من غير تحريف. وهذه ثلاث مقامات (٣) يعزُّ عليكم إثباتها- لا يَدلُّ (٤) على أنَّ المسيح هو خالق السموات والأرض، وأنه إله حق ليس بمخلوق ولا مصنوع؛ ففي التوراة ما هو من هذا الجنس وأبلغ، ولم يدلَّ ذلك على أن موسى إله ولا أنه خارج من جملة العبيد!. وقوله: "يتراءى" (٥) مثل قوله: تجلَّى، وظهر، واستعلن، ونحو ذلك من ألفاظ التوراة وغيرها من الكتب الإلهية. وقد ذكر في التوراة "أن الله تجلَّى وتراءَى لإبراهيم وغيره من الأنبياء" ولم يدل ذلك على الإلهيَّة لأحدٍ منهم، ولم يزل في عرف الناس ومخاطبتهم أن يقولوا: فلان معنا، وهو بين أظهرنا ولم يمت. إذا كان عمله وسُنَّتُه وسيرته بينهم، ووصاياه يُعْمل بها بينهم. وكذلك يقول القائل لمن مات والده: ما مات من خلَّف مثلك، وأنا والدك. وإذا رأوا تلميذًا لعالم تعلَّم عِلْمَه قالوا: هذا فلان باسم أُستاذه. كما كان يقال عن عكرمة: هذا ابن عباس، وعن أبي حامدٍ: هذا الشافعيُّ. وَإِذا بعث الملك نائبًا يقوم مقامه في بلد قال الناس: جاء المَلِك، وحكم الملك، ورسم الملك.

стр. 433

وفي الحديث الصحيح (١) الإلهيِّ: "يقولُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ: عبدي! مَرِضتُ فلم تَعُدْنِي، فيقولُ: يا ربِّ كيف أَعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمِيْنَ؟! قال: أما إنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فلم تَعُدْهُ، أمَا لو عُدْتَه لوَجَدْتَنِي عندَه. عَبْدِي! جُعْتُ فلم تُطْعِمْنِي، فيقول: ربِّ كيف أُطْعِمُك وأنت ربُّ العالمين!! قال: أما علمتَ أنَّ عبدي فلانًا اسْتَطْعَمَكَ فلم تُطْعِمْهُ، أما لو أطْعَمْتَه لوجدتَ ذلك عندي. عَبْدِي! اسْتَسْقَيْتُكَ فلم تَسْقِنِي، فيقولُ: ربِّ كيف أَسْقِيْك وأنتَ ربُّ العالمين؟! فيقول: أما إنَّ عبدي فلانًا عَطِشَ فَاسْتَسْقَاكَ فلم تَسْقِهِ، أما لو سَقَيْتَهُ لوجَدْتَ ذلك عندي" (٢). وأبْلَغُ من هذا (٣): قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]. ومن هذا قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. فلو استحلَّ المسلمون ما استحللتم، لكان اسْتِدْلَالُهم (٤) بذلك على أن محمدًا إله من جنس استدلالكم لا فرق بينهما (٥)!!. فصل وإن أوجبتم له الإلهيَّة بقوله في السفر الثالث من أسفار الملوك: "والآن يا ربَّ إله إسرائيل ليتحقق كلامك لداود، لأنه حقٌّ أن يكون أنه

стр. 434

سيسكن الله مع الناس على الأرض، اسمعوا أيتها الشعوب كلُّكم، ولْتُنْصِتِ الأرضُ وكلُّ مَنْ فيها، فيكون الربُّ عليها شاهدًا، ويخرج من موضعه، وينزل، ويطأ على مشارق الأرض في شأن خطيئة بني يعقوب" (١). قيل لكم: هذا السفر يحتاج فيه أولًا إلى أن يثبت أن الذي تكلَّم به نبيٌّ، وأن هذا لفظه، وأنَّ الترجمة مطابقةٌ له. وليس ذلك بمعلوم. وبعد ذلك: فالقول في هذا الكلام (كالقول في نظائره (٢) مما ذكرتموه وما لم تذكروه، وليس في هذا الكلام) (٣) ما يدلُّ على أن المسيح خالقُ السمواتِ والأرض، وأنه إلهٌ حقٌّ غير مصنوعٍ ولا مخلوقٍ، فإن قوله: "إن الله سيسكن مع الناس في الأرض" هو مثل كونه معهم، وإذا صار في الأرض نوره وهداه ودينه ونبيه كانت هذه سكناه، لا أنه بذاته المقدَّسةِ نَزَلَ عن عرشه وسكن مع أهل الأرض، ولو قُدِّر -تقدِيْرَ المُحَالَات- أنَّ ذلك واقعٌ: لم يلزم أن يكون هو المسيح، فقد سكن الرُّسل والأنبياء قَبْلَه وبعده، فما الموجب لأن يكون المسيح هو الإله دون إخوانه من المرسلين؟! أترى ذلك للقوة والسلطان الذي كان له وهو في الأرض، وقد قلتم: إنه قُبض عليه وفُعِل به ما فُعِل من غاية الإهانة والإذلال والقهر، فهذا ثمرة سكناه في الأرض مع خلقه. فإن قلتم: سُكْنَاه في الأرض: هو ظهوره في ناسوت المسيح، قيل لكم: أمَّا الظهور الممكن المعقول، وهو ظهور محبته ومعرفته ودينه

стр. 435

وكلامه، فهذا لا فرق فيه بين ناسوت المسيح وناسوت سائر الأنبياء والمرسلين، وليس في اللفظ على هذا التقدير ما يدلُّ على اختصاصه بناسوت المسيح، وأما الظهور المستحيل الذي تأباه العقول والفِطَر والشرائع وجميع النبوات، وهو ظهور ذات الرب في ناسوت مخلوقٍ من مخلوقاته واتحادُه به، أو امتزاجُه واختلاطُه: فهذا محالٌ عقلًا وشرعًا، فلا يمكن أن تنطق به نُبوَّةٌ أصلًا. بل جميع النبوات مِنْ أولها إلى آخرها متَّفِقةٌ على أصول: (أحدها): أنَّ الله قديمٌ واحدٌ لا شريك له في ملكه، ولا نِدَّ ولا ضدَّ، ولا وزير ولا مُشِير، ولا ظهير، ولا شافع إلا من بعد إذنه. (الثاني): أئَه لا والِدَ له ولا وَلَد، ولا كُفُؤَ ولا نسيب -بوجهٍ من الوجوه- ولا زوجةَ. (الثالث): أنه غنيٌّ بذاته؛ فلا يأكل ولا يشرب، ولا يحتاج إلى شيء مما يحتاج إليه خَلْقُه بوجهٍ من الوجوه. (الرابع): أنه لا يتغيَّر ولا تعرض له الآفات؛ من الهَرَم (١) والمرض والسِّنَةِ والنَّوم والنِّسيان والنَّدمِ والخوفِ والهمِّ والحَزَنِ، ونحو ذلك. (الخامس): أنه لا يُمَاثِل (٢) شيئًا من مخلوقاته، بل ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

стр. 436

(السادس): أنه لا يَحُلُّ في شيء من مخلوقاته ولا يَحُلُّ في ذاته شيء منها، بل هو بَائِنٌ (١) عن خلقه بذاته، والخلق بَائِنُونَ عنه. (السابع): أنه أعظم من كلِّ شيءٍ، وأكبرُ من كلِّ شيءٍ، وفوقَ كلِّ شيء، وعَالٍ على كلِّ شيء، وليس فوقه شيء البتَّةَ. (الثامن): أنه قادر (٢) على كلِّ شيء؛ فلا يعجزه شيء يريده، بل هو الفعَّال لما يريد. (التاسع): أنه عالمٌ بكل شيء؛ يعلم السِّرَّ وأخفى، ويعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] ولا مُتَحرِّكَ إلا وهو يعلمه على حقيقته. (العاشر): أنه سميعٌ بصير، يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنُّنِ الحاجات، ويرى دبيب النَّمْلة السوداء على الصخرة الصمَّاء في الليلة الظلماء، فقد أحاط سَمْعُه بجميع المسموعات، وبَصَرُهُ بجميع (٣) المُبْصَرَات، وعلمُه بجميع المعلومات، وقدرتُه بجميع المقدورات، ونفذت مشيئتُه في جميع البَرِيَّات، وعمت رحمتُه جميعَ المخلوقاتِ، ووسع كرسيُّه الأرضَ والسمواتِ. (الحادي عشر): أنه الشَّاهد الذي لا يغيب، ولا يستخلف أحدًا على تدبير ملكه، ولا يحتاج إلى من يرفع إليه حوائج عباده أو يعاونه

стр. 437

عليها أو يستعطفه (١) عليهم ويسترحمه لهم. (الثاني عشر): أنه الأبديُّ الباقي الذي لا يضمحلُّ ولا يتلاشى ولا يعدم ولا يموت. (الثالث عشر): أنه المتكلِّم المكلِّم الآمر الناهي، قائلُ الحقِّ، وهادي السبيل، ومرسل الرسل، ومنزلُ الكتب، والقائمُ على كلِّ نفس بما كسبت من الخير والشر، ومجازي المحسنِ بإحسانِه، والمسيءِ بإساءتِه. (الرابع عشر): أنه الصادق في وعده وخبره، (فلا أصْدَقَ منه قيلًا) (٢)، ولا أصدق منه حديثًا، وهو لا يُخْلِف الميعادَ. (الخامس عشر): أنَّه -تعالى- صَمَدٌ بجميع معاني الصَّمَدِيَّة، فيَسْتَحِيْلُ عليه ما يناقض صَمَدِيَّتَهُ. (السادس عشر): أنَّه قُدُّوس سلام، فهو المُبَرَّأُ من كلِّ عيبٍ وآفةٍ ونَقْص. (السابع عشر): أنَّه الكامل الذي له الكمالُ المُطْلَق من جميع الوجوه. (الثامن عشر): أنه العَدْلُ الذي لا يجور ولا يَظْلِم، ولا يخاف عبادُه منه ظلمًا. فهذا ممَّا اتفقت عليه جميع الكتب والرسل، وهو من المُحْكَمِ الذي

стр. 438

لا يجوز أن تأتيَ شريعةٌ بخلافه، ولا يخبرَ نبيٌّ بخلافه أصلًا، فَتَرَك المُثلِّثة عُبَّادُ الصليب هذا كلَّه، وتمسَّكوا بالمتشابهِ من المعانى، والمُجْمَلِ من الألفاظ، وأقوالِ من ضلُّوا من قَبْلُ، وأضَلُّوا كثيرًا وضلُّوا عن سواء السبيل. وأصولُ المثلِّثة ومقالتُهم في ربِّ العالمين تخالِفُ هذا كلَّه أشدَّ المخالفة وتبايِنُه أعْظَمَ المبايَنَةِ. فصل في أنه لو لم يظهر محمد بن عبد الله ﷺ لبطلت نبوة سائر الأنبياء. فظهورُ نبوته تصديقٌ لنبواتهم، وشهادةٌ لها بالصدق (١)، فإرسالُه من آيات الأنبياء قَبْلَه. وقد أشار -سبحانه- إلى هذا المعنى بعينه في قوله: ﴿بَلْ جَاَءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧]. فإن المرسلين بشَّروا به وأخبروا بمجيئه، فمجيئه هو نفس (صدق خبرهم) (٢)، فكان مجيئه تصديقًا لهم؛ إذْ هو تأويل ما أخبروا به. ولا تنافي بين هذا وبين القول الآخر: إنَّ تصديقَه المرسلين شهادتُه بصِدْقِهم (٣) وإيمانُه بهم، فإنه صدَّقهم بقوله ومجيئه، فشهد بصِدْقِهم بنفس مجيئهِ، وشهد بصدقهم (٤) بقوله. ومثلُ هذا: قول المسيح: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ

стр. 439

بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، فإن التوراة لما بشَرتْ به وبنبوته كان نَفْسُ ظهورِه تصديقًا لها، ثم بشَّر برسولٍ يأتي مِن بعده؛ فكان ظهورُ الرسول (١) المبشَّر به تصديقًا له، كما كان ظهوره تصديقًا للتوراة. فعادة الله في رسله أنَّ السابق يبشِّر باللَّاحِقِ، واللَّاحِقِ يصدِّق السابقَ. فلو لم يظهر (٢) محمد بن عبد الله ولم يبعث: لَبَطَلَتْ نبوةُ الأنبياء قبله. والله سبحانه لا يخلف وَعْدَه ولا يكْذِبُ خَبَرُه. وقد كان بشَّر إبراهيمَ وهَاجَرَ بشاراتٍ بيِّناتٍ، ولم نرها تَمَّتْ ولا ظهرتْ إلا بظهور رسول الله ﷺ فقد بُشِّرت به هاجر من ذلك بما لم تبشَّر به امرأةٌ من العالمين غير مريم ابنة عمران بالمسيح، على أنَّ مريم بُشِّرت به مرةً واحدة، وبُشِّرت هاجر بإسماعيل مرتين، وبُشِّر به إبراهيم مرارًا، ثم ذكر الله -سبحانه- هاجر (٣) بعد وفاتها كالمخاطِب لها على ألسنة الأنبياء. ففي التوراة: "إن الله تعالى قال لإبراهيم: قد أجبتُ دعاءك في إسماعيل، وباركتُ عليه، وكبَّرته، وعظَّمته (جدًّا جدًّا، وسيلد ابنًا عظيمًا، وأجعل له أمة عظيمة") (٤) (٥). هكذا في ترجمة بعض المترجمين وأما في الترجمة التي ترجمها اثنان وسبعون حبرًا من أحبار اليهود فإنه يقول: "وسيلد اثني عشر أمةً من

стр. 440

الأمم" (١). وفيها: "لما هربت هاجر من سارة تراءى لها مَلَك الله، وقال: يا هَاجَرُ (أمةَ سارة!) (٢) مِنْ أين أقبلت؟ وإلى أين تذهبين؟! قالت: هربت من سيدتي. فقال لها الملك: ارجعي إلى سيدتك واخضعي لها، فإني سأكثِّر ذريَّتك وزَرْعَك حتى لا يُحْصَون كثرةً، وها أنت تحبلين وتلدين ابنًا تسمِّينه إسماعيل، لأنَّ الله قد سمع بذلك خشوعك، وهو يكون عين الناس، وتكون يَدُه فوق الجميع، ويَدُ الجميعِ مبسوطةٌ إليه بالخضوع، ويكون مَسْكَنُه على تُخُوم جميع إخوته" (٣). وفي موضع آخر قصة إسكانها وابنها إسماعيل في بَرِّيَّة فاران، وفيها: "فقال لها المَلَكُ: يا هاجر ليفرح روعك فقد سمع الله تعالى صوت الصبيِّ، قومي فَاحْمِلِيْه وتمسَّكي به؛ فإن الله جاعِلُه لأمةٍ عظيمةٍ، وإنّ الله فتح عليها. فإذا ببئر ماء، فذهبتْ وملأت المزادة (٤) منه وسقت الصبيَّ منه، وكان الله معها ومع الصبي حتى تربَّى، وكان مسكنه (٥) في بَرِّيَّةِ فَارَانَ" (٦). فهذه أربع بشارات خالصة (٧) لأم إسماعيل؛ نزلت اثنتان منها على إبراهيم، واثنتان على هاجر.

стр. 441

وفي التوراة أيضًا بشارات أُخَر بإسماعيل وولده وأنهم أمة عظيمة جدًّا، وأن نجوم السماء تُحْصَى ولا يُحْصَون (١)، وهذه البشارة إنما تمت بظهور محمد بن عبد الله وأمته. فإن بني إسحاق كانوا لم يزالوا مطرودين مُشَرَّدِينَ خَوَلًا للفراعنة والقِبْط حتى أنقذهم الله بنبيِّه وكليمه موسى بنِ عِمْرَانَ، وأورثهم أرض الشام فكانت كرسيَّ مملكتهم، ثم سَلَبَهم ذلك وقطَّعهم في الأرض أممًا مسلوبًا عِزُّهم ومُلْكهم؛ قد أخذتهم سيوف السودان، وعَلَتْهُمْ (٢) أعلاج الحمران حتى إذا ظهر النبيُّ ﷺ تَمَّت تلك النبوات، وظهرتْ تلك البشارات بعد دهر طويل، وعلت بنو إسماعيل على من حولهم فَهَشَمُوهُمْ هَشْمًا، وطحنوهم طحنًا، وانتشروا في آفاق الدنيا، ومدَّت الأمم أيْدِيَها إليهم بالذلِّ والخضوع، وعَلَوْهم عُلُوَّ الثريا فيما بين الهند والحبشة والسُّوس الأقصى وبلاد التُّرْك والصَّقَالِبَة والخَزَر، وملكوا ما بين الخافقين وحيث ملتقى أمواج البحرين، وظهر ذِكْرُ إبراهيم على ألسنة الأمم كلها، فليس صبيٌّ من بعد ظهور النبيِّ ﷺ ولا امرأةٌ، ولا حرٌّ ولا عَبْد، ولا ذكرٌ ولا أنثى إلا وهو يعرف إبراهيم وآلَ إبراهيم. وأما النصرانية - وإن كانت قد ظهرتْ في أممٍ كثيرة جليلة؛ فإنه لم يكن لهم في محلِّ إسماعيل وأمه هاجر سلطانٌ ظاهر، ولا عِزٌّ قاهرٌ البتَّة، ولا صارت أيدي هذه الأمة فوق أيدي الجميع، ولا امتدَّت إليهم أيدي الأمم بالخضوع.

стр. 442

وكذلك سائر ما تقدَّم من البشارات التي تفيد (١) بمجموعها العِلْم القطعيَّ بأنَّ المراد بها: محمدُ بنُ عبد الله ﷺ وأمَّتُه، فإنَّه لو لم يقع تأويلها بظهوره ﷺ لبطلتْ تلك النبوَّات. ولهذا لما علم الكُفَّار من أهل الكتاب أنَّه لا يمكن الإيمانُ بالأنبياء (٢) المتقدِّمين إلا بالإيمان بالنبيِّ الذي بشّروا به قالوا: نحن في انتظاره ولم يجئ بعد، ولما عَلِمَ بعضُ الغلاة في كفره وتكذيبه منهم: أنَّ هذا النبيَّ في ولد إسماعيل، أنكروا أن يكون لإبراهيم ولدٌ اسمه إسماعيل، وأن هذا لم يخلقه الله! ولا يكثر على أمة البَهْتِ وإخوانِ القرود وقَتَلَةِ الأنبياء مثلُ ذلك، كما لم يكثر على المثلِّثة عُبَّاد الصليب -الذين سبُّوا رب العالمين أعظم مسبَّة- أن يطعنوا في ديننا وينتقصوا نبينا ﷺ . فصل ونحن نبيِّن أنهم لا يمكنهم أن (٣) يُثْبِتُوا للمسيح فضيلةً ولا نبوةً ولا آيةً ولا معجزة إلا بإقرارهم أنَّ محمدًا رَسول الله، وإلا فمع تكذيبه لا يمكن أن يثبت للمسيح شيءٌ من ذلك البتَّة. فنقول: إذا كفرتم -مَعَاشِرَ المثلِّثة عُبَّادَ الصَّليب- بالقرآن وبمحمد ﷺ ، فمن أين لكم أن تُثْبِتُوا لعيسى فضيلةً أو معجزةً؟! ومَنْ نقل إليكم عنه آيةً أو معجزة؟! فإنكم إنما تبعتم مَنْ بعده بنَيِّفٍ على مائتين وعَشَراتٍ

стр. 443

من السنين، أُخْبِرْتُم عن منام رُئي فأسرعتم إلى تصديقه. وكان الأَوْلى لمن كفر بالقرآن أن ينكر وجود عيسى في العالم؛ لأنه لا يَقْبَل قَوْلَ اليهود فيه، ولاسيَّما وهم أعظم أعدائه الذين رَمَوه وأمَّه (١) بالعظائم، فأخبارُ المسيح والصليب إنما شيوخُكم فيها اليهود، وهم فيما بينهم مختلفون في أمره أعْظَمَ اختلافٍ، وأنتم مختلفون معهم في أمره! فاليهود تزعم أنَّهم حين أخذوه حَبَسُوه في السجن أربعين يومًا، وقالوا: ما كان لكم أن تحبسوه أكثر من ثلاثة أيام ثمَّ تقتلوه (٢) إلا أنَّه كان يعضده أحد قواد الروم، لأنه كان يُدَاخِلُه في صناعة الطبِّ عندهم. وفي (الأناجيل التي) (٣) بأيديكم: "أنَّه أُخِذ صبح يوم الجمعة وصُلِبَ في الساعة التاسعة من اليوم بعينه" (٤). فمتى تتوافقون مع اليهود في خبره. واليهود مجمعون (٥) أنَّه لم يظهر له معجزة ولا بَدَتْ منه لهم آيةٌ غير أنَّه طار يومًا وقد هموا بأخذه فطار على أثره آخر منهم، فَعَلاه في طيرانه، فسقط إلى الأرض بزعمهم؟! وفي الإنجيل الذي بأيديكم -في غير موضع- ما يشهد أنَّه لا معجزةَ له ولا آية!! فمن ذلك أن فيه منصوصًا: "أن اليهود قالوا له يومًا: ماذا تفعل حتى تنتهي به إلى أمر الله تعالى؟ فقال: أمر (٦) الله أن تؤمنوا

стр. 444

بمن بعثه، فقالوا له: وما آيَتُكَ التي تُرِيْنَا ونؤمن بك، وأنت تعلم أن آباءنا قد أكلوا المنَّ والسَّلوى بالمفاوز؟ قال: إن كان أطعمكم موسى خبزًا فأنا أطعمكم خبزًا سماويًّا" (١) يريد: نعيم الآخرة. فلو عرفوا له معجزةً ما قالوا ذلك. وفي الإنجيل الذي بأيديكم أن اليهود قالت له: "ما آيتك التي نُصَدِّقك بها؟ قال: اهدموا البيت أبْنِيه لكم في ثلاثة أيام" (٢). فلو كانت اليهود تعرفُ له آيةً لم تَقُلْ هذا. ولو كان قد أظهر لهم معجزةً لذكَّرهم بها حينئذ. وفي الإنجيل الذي بأيديكم أيضًا: "أنهم جاءوا يسألونه (آية فقذفهم) (٣)، وقال: إن القبيلةَ الفاجرةَ الخبيثةَ تطلب آيةً فلا تُعْطَى ذلك" (٤). وفيه أيضًا: "أنهم كانوا يقولون له -وهو على الخشبة بظنِّكم-: إن كنت المسيح فأنْزِلْ نَفْسَك فنؤمن بك - يطلبون منه بذلك آية. فلم يفعل" (٥). فإذا كفرتم -مَعَاشِرَ المثلِّثة عُبَّادَ الصليب- بالقرآن لم يتحقَّقْ لعيسى ابنِ مريمَ آيةٌ ولا فضيلةٌ، فإنَّ أخباركم عنه وأخبار اليهود لا يلتفت إليها

стр. 445

لاختلافكم في شأنه أشد الاختلاف وعدم تيقنكم (١) لجميع أمره. وكذلك (٢) اجتمعت اليهود على أنَّه لم يدَّع شيئًا من الإلهية التي نسبتم إليه أنَّه ادَّعاها، وكان أقصى مرادهم أن يدَّعي ذلك فيكون أبلغ في تسلطهم عليه، وقد ذُكر السبب في استفاضة ذلك عنه، وهو أن أحبارهم وعلماءهم لما مضى وبقي ذكره خافوا أن تصير عامتهم إليه إذْ كان على سنن تقبله قلوب الذين لا غرض لهم، فشنعوا عليه أمورًا كثيرة، ونسبوا إليه دعوى الإلهيَّة تزهيدًا للناس في أمره. ثم إنَّ اليهود عندهم من الاختلاف في أمره ما يدلُّ على عدم تيقُنِهم (٣) بشيء من أخباره؛ فمنهم من يقول: إنه كان رجلًا منهم ويعرفون أباه وأمه ويَنْسُبُونه لزانية (٤)! -وحاشاه وحاشى أمَّه الصدِّيقة الطاهرة البَتُول التي لم يَقْرَعْها فَحْلٌ قط قاتلهم الله أنَّى يُؤْفَكُونَ- ويسمُّون أباه الزاني البنديرا الرُّوميَّ، وأمَّه مريم المَاشِطَة، ويزعمون أنَّ زوجها يوسف بن يهودا وجد البنديرا عندها على فراشها، وشعر (٥) بذلك، فهَجَرَها وأنْكَرَ ابنها. ومن اليهود من رغب عن هذا القول وقال: إنما أبوه يوسف بن يهودا الذي كان زوجًا لمريم، ويذكرون أن السبب في استفاضة اسم الزنيم عليه (٦): أنه بينما هو يومًا مع معلِّمه يهشوع بن برخيا وسائر التلاميذ

стр. 446

(في سفر، فنزلوا) (١) موضعًا، فجاءت امرأةٌ من أهله وجعلت تبالغ في كرامتهم، فقال يهشوع: ما أحسن هذه المرأة؟! يريد أفعالها، فقال عيسى -بزعمهم-: لولا عَوَرُ (٢) في عينها، فصاح يهشوع وقال له: يا ممزار -ترجمته: يا زَنِيم- أتَزْنِي بالنَّظر؟! وغضب غضبًا شديدًا، وعاد إلى بيت المقدس وحرَّم اسمه ولعنه في أربعمائة قرن، فحينئذ لحق ببعض (٣) قُوَّاد الروم وداخله بصناعة الطبِّ، فَقَوِيَ بذلك على اليهود وهم يومئذ في ذِمَّة قيصر تباريوش (٤)، وجعل يخالف حكم التوراة ويستدرك عليها ويُعْرض عن بعضها إلى أن كان من أمره ما كان. وطوائف من اليهود يقولون غير هذا، ويقولون: إنه كان يلاعب الصِّبْيان بالكرة، فوقعت لهم بين جماعة من مشايخ اليهود، فضَعُف الصِّبْيان عن استخراجها من بينهم حياءً من المشايخ، فقَوِي عيسى وتخطَّى رقابهم وأخذها، فقالوا له: ما نظنُّك إلا زَنِيمًا. ومن اختلاف (٥) اليهود في أمره: أنهم يسمُّون أباه -بزعمهم- الذي كان خَطَب مَرْيمَ: يوسفَ بنَ يهودا النجَّار. وبعضهم يقول: إنما هو يوسف الحدَّاد. والنَّصارى تزعم أنها كانت ذاتَ بَعْلٍ وأنَّ زَوْجَها يوسفُ بنُ يعقوب. وبعضهم يقول: يوسف بن هالي (٦). وهم يختلفون أيضًا في آبائه وعددهم إلى إبراهيم، فمن مُقِلٍّ ومن مُكْثِر.

стр. 447

فهذا ما عند اليهود، وهم شيوخكم في نقل الصَّلْب وأمره، وإلا فمن المعلوم: أنَّه لم يحضُرْه أحد من النصارى، وإنما حضره (١) اليهود، وقالوا: قتلناه وصَلَبْنَاه، وهم الذين قالوا فيه ما حكيناه عنهم، فإنْ صدَّقْتُموهم في الصَّلْب فَصَدِّقُوهم في سائر ما ذكروه، وإن كذَّبْتُموهم فيما نَقَلُوه عنه فما الموجب لتصديقِهم في الصَّلْب وتكذيبِ أصْدَقِ الصَّادقين الذي قامت البراهينُ القطعيَّة على صِدْقه أنهم ما قتلوه وما صلبوه، بل صانه الله وحماه وحفظه، وكان أكرم على الله وأوْجَهَ عنده من أن يَبْتَلِيَه بما تقولون أنتم واليهود. وأما خبر ما عندكم أنتم؛ فلا نعلم أمةً من الأمم (٢) أشدَّ اختلافًا في معبودها ونبيِّها ودينها منكم. فلو سألتَ الرَّجلَ وامرأتَه وابنته وأمَّه وأباه عن دينهم لأجابك كل منهم بغير جواب الآخر. ولو اجتمع عشرة منهم يتذاكرون الدِّين لتفرَّقوا عن أحدَ عَشَر مذهبًا مع اتِّفاق فِرَقِهمُ المشهورةِ (٣) اليومَ على القول بالتثليث وعبادة الصليب، وأنَّ المسيح ابنَ مريمَ ليس بعبد صالح ولا نبيٍّ ولا رسولٍ، وأنه إلهٌ في الحقيقة، وأنه هو خالق السموات والأرض والملائكة والنبيِّيْن، وأنه هو الذي أَرْسَل الرُّسل، وأظهر على أيديهم المعجزات والآيات، وأنَّ للعالم إلهًا هو أبٌ والدٌ لم يزل، وأنَّ ابنه نزل من السماء وتجسَّم من روح القُدُس ومن مريم، وصار هو وابنها النَّاسُوتِيُّ (٤) إلهًا واحدًا، ومسيحًا

стр. 448

واحدًا وخالقًا واحدًا، ورازقًا واحدًا، وحبلت به مريم وولدته، وأُخِذ وصُلِب وأَلِمَ ومات ودُفِن، وقام بعد ثلاثة أيام وصَعِدَ إلى السماء. وجلس عن يمين أبيه. قالوا: والذي ولدته مريم وعَايَنَهُ الناسُ وكان بينهم: هو الله، وهو ابن الله، وهو كلمة الله، فالقديمُ الأَزَليُّ خالق السموات والأرض هو الذي حبلت به مريم، وأقام هناك تسعةَ أشهرٍ، وهو الذي وُلِدَ ورَضَع وفُطِم، وأكل وشَرِب، وتغوَّط، وأُخِذ وصُلِب وشُدَّ بالحبال وسُمِرَتْ يداه. ثم اختلفوا: فقالت اليعقوبية -أتباع يعقوب البَرَادعيِّ ولقب بذلك لأنَّ لباسه كان من خرق بَرَادِع الدوابِّ يَرْقَعُ بعضَها ببعضٍ ويلبسها-: إنَّ المسيح طبيعةٌ واحدة منَ طبيعتين: "إحداهما" طبيعة الناسوت، "والأخرى" طبيعة اللاهوت. وأنَّ هاتين الطبيعتين تَرَكَّبتَا فصار إنسانًا واحدًا، وجوهرًا واحدًا، وشخصًا واحدًا. (فهذه الطبيعة الواحدة والشخص الواحد) (١) هو المسيح، وهو إلهٌ كلُّه، وإنسانٌ كلُّه، وهو شخص واحد، وطبيعة واحدة من طبيعتين. وقالوا: إنَّ مريم ولدتِ اللهَ، وإنَّ الله -سبحانه- قُبِضَ عليه وصُلِب، وسُمِرَ ومات، ودُفِنَ ثم عاش بعد ذلك. وقالت "الملكية" (٢) -وهم الروم نسبة إلى دين الملِك لا إلى رجل

стр. 449

يدعى ملكانا (١) هو صاحب مقالتهم كما يقوله بعض من لا علم له بذلك-: إنَّ الابن الأزَلِيَّ الذي هو الكلمةُ تجسَّدت من مريم تجسُّدًا كاملًا كسائر أجساد الناس، ورُكِّبت في ذلك الجسد نفسًا كاملة بالعقل والمعرفة والعلم كسائر أنفس الناس، وأنه صار إنسانًا بالجسد والنفس اللَّذَيْن هما من جوهر الناس، وإلهًا بجوهر اللَّاهوت كمثل أبيه لم يزل، وهو إنسان بجوهر الناس مثل إبراهيمَ وموسى وداود، وهو شخص واحدٌ لم يزد عدده، وثبت له جوهر اللَّاهوت كما لم يزل، وصحَّ له جوهر الناسوت الذي لَبِسَه ابنُ مريم، وهو شخص واحد -لم يزد عدده- وطبيعتان، ولكلِّ واحدةٍ من الطبيعتين مَشِيئةٌ كاملة، فله بلاهوته مشيئةٌ مِثْلُ الأب، وله بناسوته مشيئةٌ كمشيئة إبراهيم وداود. وقالوا: إن مريم ولدت "المسيح"، وهو اسم يجمع اللَّاهوتَ والنَّاسوتَ، وقالوا: إن الذي مات هو الذي ولدته مريمُ، وهو الذي وقع عليه الصلب والتسمير والصَّفْع والرَّبْطُ بالحبال (٢). واللَّاهوتُ لم يمت، ولم يَأْلَمْ ولم يُدْفَن. قالوا: وهو إلهٌ تام بجوهر لَاهُوتِهِ، وإنسانٌ قائم بجوهر نَاسُوتِه، وله المشيئتان: مشيئة اللَّاهوت، ومشيئة النَّاسوت. فَأَتَوا بمثل ما أتى به اليعقوبيةُ من أنَّ مريم ولدت الإلهَ إلا أنهم -بزعمهم- نزَّهوا الإله عن الموت. وإذا تدبَّرت قولهم وجدتَهُ -في الحقيقة- هو قولُ اليعقوبيَّة مع تنازعهم فيه وتناقضهم فيه، فاليعقوبية أطْرَدُ لكفرهم لفظًا ومعنىً.

стр. 450

وأما النَّسْطُوريَّة: فذهبوا إلى القول بأنَّ المسيح شخصان وطبيعتان لهما مشيئة واحدة وأنَّ طبيعة اللاهوت لما وجدت بالناسوت صار لهما إرادة واحدة، واللَّاهوت لا يقبل زيادةً ولا نقصانًا، ولا يمتزج بشيء. والنَّاسوت يقبل الزيادة والنقصان، فكان المسيحُ -بذلك- إلهًا وإنسانًا، فهو الإله بجوهر اللَّاهوت الذي لا يَقْبل الزيادة والنقصان، وهو إنسانٌ بجوهر (١) النَّاسوت الذي يقبل الزيادة والنقصان. وقالوا: إنَّ مريم ولدت المسيح بناسوته وإنَّ اللاهوت لم يفارقه قط. وكلُّ هذه الفِرَق استَنْكَفَتْ أن يكونَ المسيحُ عَبْدَ اللهِ، وهو لم يستنكف من ذلك، ورغبت به عن عبوديةِ الله، وهو لم يرغب عنها، بل أعْلى منازلِ (٢) العبوديةِ عبوديةُ الله، ومحمدٌ وإبراهيمُ خيرٌ منه، وأعْلَى منازِلهما تكميلُ مراتب العبوديَّة، فاللهُ رَضِيَهُ أنْ يكونَ له عبدًا فلم ترض المثلِّثة بذلك. وقالت الأَرْيُوسيَّة منهم -: وهم أتباع أريوس- إنَّ المسيح عبد الله كسائر الأنبياء والرسل، وهو مَرْبُوبٌ مخلوقٌ مصنوع، وكان النَّجاشِيُّ على هذا المذهب. وإذا ظَفِرَت، المثلِّثة بواحدٍ من هؤلاء قتلتْه شَرَّ قِتْلة، وفعلوا به ما يُفْعَل بمن سبَّ المسيح وشتمه أعْظَمَ سبٍّ. والكلُّ من تلك الفرق الثلاث؛ عَوَامُّهم لا تفهم مقالةَ خَوَاصِّهم على حقيقتها، بل يقولون: إنَّ الله تخطَّى مريم كما يتخطَّى الرجلُ المرأةَ، وأحْبَلَها فولدت له ابنًا، ولا يعرفون تلك الهذيانات التي وضعها

стр. 451

خواصُّهم، فهم يقولون: الذي تُدَنْدِنُون حولَه نحن نعتقده بغير حاجة منا إلى معرفة الأقانيم الثلاثة من الطبيعتين والمشيئتين، وذلك للتهويل والتطويل، وهم يُصَرِّحون بأنَّ مريم والدةُ الإله، والله أبوه، وهو الابن. فهذا الزوج، والزوجة، والولد. ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥]. فهذه أقوال أعداء المسيح من اليهود والغَالِيْنَ فيه من النَّصارى المثلِّثة عُبَّاد الصليب. فبعث اللهُ محمدًا ﷺ بما أزال الشُّبْهةَ في أمره وكشف الغُمَّة، وبرَّأ المسيح وأمَّه (١) من افتراء اليهود وبَهْتِهم وكَذِبهم عليهما، ونزَّه ربَّ العالمين وخالق المسيحِ وأمَّه مما افتراه عليه المثلِّثة عُبَّادُ الصليب الذين سَبُّوه أعظم السَّبِّ، فأنزَل المسيحَ أخاه بالمنزلة التي أنزله الله بها، وهي أشرف منازله، فآمن به وصدَّقه، وشهد له بأنّه عَبْدُ الله ورسولُه وروحُه وكلمتُه ألقاها إلى مريم العذراء البَتُولِ الطاهرةِ الصدِّيقة سيدةِ نساء العالمينَ في زمانها، وقرَّر معجزاتِ المسيح وآياتِه، وأخبر عن ربِّه تعالى بتَخْليد مَنْ كَفَرَ بالمسيح في النار، وأن ربَّه تعالى أكْرَمَ عَبْدَه ورسولَه ونزَّهه وصانه أن ينال إخوانُ القِرَدَةِ منه ما زعمتْه النَّصارى أنهم نالوه منه؛ بل رفعه إليه مؤيَّدًا منصورًا لم يَشُكْهُ أعداؤه بِشَوْكةٍ، ولا نالته أيديهم

стр. 452

بأذى، فرفعه إليه وأسكنه سماءه، وسيُعِيْده إلى الأرض ينتقم به من مسيحِ الضَّلال وأتباعِه، ثم يَكْسرُ به الصَّليبَ، ويقتلُ به الخِنْزيرَ، ويُعْلِي به الإِسلامَ، ويَنْصُر به مِلَّةَ أخيه وأولى الناس به محمدِ بن عبد الله -عليهما أفضل الصلاة والسلام-. فإذا وضع هذا القَوْل في المسيح في كِفَّة وقَوْلُ عُبَّاد الصليب المثلِّثة في كِفَّة تبيَّن لكلِّ من له أدنى مُسْكَةٍ من عَقْلٍ ما بينهما من التفاوت، وأنَّ تفاوتَهما كتفاوتِ ما بينه وبين قول المغضوب عليهم فيه، وبالله التوفيق. فلولا محمد ﷺ لما عَرَفْنَا أنَّ المسيح ابنَ مَرْيَمَ -الذي هو رسول الله وعبده وكلمته وروحه- موجودٌ أصلًا؛ فإنَّ هذا المسيح الذي أثْبَتَهُ اليهود مِن شِرَار خلق الله ليس بمسيح الهُدى. والمسيح الذي أَثْبَتَه النَّصارى من أبْطَلِ الباطل، لا يمكن وجوده في عقلٍ ولا فطرةٍ، ويستحيل أن يدخل في الوجود أعْظَمَ استحالةٍ، ولو صحَّ (١) وُجُودُه لبطلتْ أدلةُ العقول، ولم يَبْقَ لأحدٍ ثقةٌ بمعقولٍ أصلًا؛ فإنَّ استحالة وُجُودِه فوقَ استحالةِ جميع المُحَالات، ولو صحَّ ما يقولون (٢) لَبَطَلَ العالَم واضمحلَّتِ السمواتُ والأرض، وعُدِمَتِ الملائكةُ والعَرْشُ والكرسيُّ، ولم يكن بعثٌ ولا نُشُورٌ، ولا جَنَّةٌ ولا نارٌ. ولا يستعجب من إطباق أُمَّة الضَّلال -الذين شهد الله أنهم أضلُّ من الأنعام- على ذلك، فكلُّ باطلٍ في الوجود يُنْسَبُ إلى أمةٍ من الأمم. فإنها مُطْبِقَةٌ عليه، وقد تقدم ذِكْرُ إطباقِ الأمم العظيمة -التي لا يحصيها

стр. 453

إلا الله- على الكفر والضلال بعد معاينةِ الآياتِ البَيِّنَاتِ، فَلِعُبَّادِ الصَّليب أسْوَةٌ بإخوانهم من أهل الشِّرْك والضَّلال!. فصل في ذكر استنادهم في دينهم إلى أصحاب المجامع الذين كفَّر بعضُهم بعضًا، (ولعن بعضهم بعضًا) (١)، وتَلَقِّيْهِم أُصولَ دينهم عنهم. ونحن نذكر الآن الأمر كيف ابتدأ، وتوسط، وانتهى، حتى كأنك تراه عِيَانًا (٢). كان الله سبحانه قد بشَّر بالمسيح على ألسنة أنبيائه، من لَدُنْ موسى إلى زمن (٣) داود ومَنْ بَعْدَه من الأنبياء. وأكْثَرُ الأنبياء تبشيرًا به: داود. وكانت اليهود تنتظره وتصدِّق به قبل مبعثه، فلما بُعث كفروا به بغيًا وحسدًا، وشرَّدُوه في البلاد، وطَرَدُوه وحَبَسُوه (٤)، وهَمُّوا بقتله مرارًا إلى أن أجمعوا على القبض عليه وعلى قَتْله، فصانه اللهُ وأنقذَه من أيديهم ولم يُهنْهُ بأيديهم، وشُبِّه لهم أنهم صَلَبُوه ولم يَصْلِبُوه، كما قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ

стр. 454

مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦ - ١٥٨]. وقد اخْتُلِف في معنى قوله: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾. (فقيل: المعنى ولكن شُبِّه للذين صلبوه بأن ألقي شبهه على غيره فَصَلَبوا الشَّبَهَ. وقيل: المعنى) (١) ولكن شُبِّه للنَّصارى، أي: حصلت لهم الشبهة في أمره، وليس لهم علم بأنّه ما قُتِل وما صُلِبَ، ولكن لما قال أعداؤه: إنهم قتلوه وصلبوه واتَّفق رَفْعُه من الأرض وقعتِ الشبهةُ في أمره، وصدَّقهم النصارى في صلبه لِتَتِمَّ الشَّناعةُ عليهم، وكيف ما كان فالمسيح -صلوات الله وسلامه عليه- لم يُقْتَل ولم يُصْلب يقينًا لا شكَّ فيه. ثم تفرَّق الحَوَارِيُّون في البلاد -بعد رَفْعِه- على دينه ومنهاجه يَدْعُون الأمم إلى توحيد الله ودينه، والإيمان بعبده ورسوله ومسيحه، فدخل كثير من الناس في دينه ما بين ظَاهرٍ مشهور ومختفٍ مَسْتورٍ، وأعداءُ الله -اليهود- في غاية الشدة (٢) والأذى لأصحابه وأتباعه، ولَقِيَ تلاميذ المسيح وأتباعُه من اليهود ومن الروم شِدَّةً شديدةً؛ من قَتْلٍ وعذابٍ، وتشريد وحبس، وغير ذلك، وكان اليهود في زمن المسيح في ذمَّة الروم، وكانوا ملوكًا عليهم، وكَتَب نائبُ الملِكِ ببيت المقدس إلى الملك يُعْلِمُه بأمر المسيح وتلاميذه، وما يفعل من العجائب الكثيرة من إبراء الأكْمَهِ والأَبْرَصِ وإحياء الموتى، فهمَّ أنْ يُؤْمِنَ به ويَتَّبِعَ دينه فلم يُتَابِعْهُ أصحابه، ثم هلك ووَلِيَ بعده ملكٌ آخر، فكان شديدًا على

стр. 455

(تلامذة المسيح) (١). ثم مات وَوَلِيَ بعده آخر، وفي زمنه كتب "مرقس" إنْجِيْلَه بالعبرانيَّة، وفي زمانه صار إلى الإسكندرية، فدعا إلى الإيمان بالمسيح، وهو أول شخص جعل بَتْرَكًا على الإسكندرية، وصَيَّر (٢) معه اثني عَشَرَ قسِّيسًا -على عدة نقباء بني إسرائيل في زمن موسى- وأمَرَهُمْ إذا مات البَتْرَكُ أن يختاروا من الاثني عشر واحدًا يجعلونه مكانه، ويضع الاثْنَا عَشَر أيْدِيَهُم على رأسه ويبرِّكونه، ثم يختارون رجلًا فاضلًا قسيسًا يصيِّرونه تمام العِدَّة. ولم يزل أمر القوم كذلك إلى زمن قسطنطين. ثم انقطع هذا الرسم واصطلحوا على أن ينصِّبوا البَتْركَ من أيِّ بلد كان من أولئك القسِّيسيْنَ أو من غيرهم، ثم سَمَّوه "بابا" (٣) ومعناه: أبو الآباء. وخرج "مرقس" إلى بَرْقَةَ يدعو الناس إلى دين المسيح. ثم ملك آخر فأهاج على أتْبَاع المسيح الشَّرَّ والبلاءَ، وأخَذَهُمْ بأنواع العذاب، وفي عصره كتب "بطرس" -رئيسُ الحَوارِيِّيْن- إنجيلَ مرقس عنه بالرُّوميَّة، ونسبه إلى مرقس. وفي عصره كتب لوقا "إنجيله" بالرُّوميَّة لرجل شريف من عظماء الروم، وكتب له "الأبركسيس" الذي فيه أخبار التلاميذ (٤). وفي زمنه

стр. 456

صُلِب "بطرس"، وزعموا أنَّ بطرس قال له: إن أردت أن تَصْلِبَنِي فَاصْلِبْني مُنَكَّسًا لئلا أكون مِثْلَ سيِّدي المسيح فإنَّه صُلِبَ قائمًا، وضرب عنق بولس بالسيف، وأقام بطرس بعد صعود المسيح اثنتين وعشرين سنة، وأقام "مرقس" بالإسكندريَّة وبَرْقَةَ سبع سنين يدعو الناس إلى الإيمان بالمسيح، ثم قُتِلَ بالإسكندريَّة وأُحْرِق جسدُه بالنار. ثم استمرَّتِ القياصرةُ ملوك الروم على هذه السيرة إلى أن مَلَكَ مِصْرَ قَيْصَرٌ يسمى "طيطس" (١)، فخرَّب بيت المقدس بعد المسيح بسبعين سنة بعد أن حاصرها، وأصاب أهلَها جوعٌ عظيم، وقَتَلَ مَنْ كان بها من ذكر وأنثى حتى كانوا يَشُقُّون بطون الحُبَالى ويضربون بأطفالهنَّ الصُّخورَ، وخرَّب المدينة وأضْرَمَ فيها النار، وأُحْصِي القتلى على يده فَبَلغُوا ثلاثةَ آلافِ ألفٍ. ثم مَلَكَ ملوك آخرون؛ فكان منهم واحدٌ شديد على اليهود جدًّا فبلَّغوه أن النصارى يقولون: إن المسيح مَلِكُهم وأنَّ مُلْكَهُ يدوم إلى آخر الدهر، فاشتدَّ غضبُه وأمَرَ بقتل النصارى وأن لا يبقى في مُلْكِه (٢) نصرانيٌّ. وكان "يوحنا" صاحب الإنجيل هناك فهرب، ثم أمر المَلِك بإكرامِهِمْ وتَرْكِ الاعتراض عليهم. ثم ملك بعده آخرُ فأثار على النصارى بلاءً عظيمًا، وقتل بتركَ أنطاكية برومية، وقَتَلَ أُسْقُفَّ بيت المقدس وصَلَبَهُ، وله يومئذ مائة وعشرون سنة، وأمر باستعباد النَّصارى فاشتدَّ عليهم البلاءُ إلى أن

стр. 457

رَحِمَتْهُمُ الرُّومُ. وقال له وزراؤُه: إنَّ لهم دينًا وشريعةً وإنه لا يَحِلُّ استعبادُهم، فكفَّ عنهم، وفي عصره كتب يوحنا إنجيله بالروميَّة، وفي ذلك العصر رجع اليهود إلى بيت المقدس، فلما كثروا وامتلأت منهم المدينة عَزَمُوا على أن يملِّكوا منهم ملكًا. فبلغ الخَبَرُ قَيْصَرَ فوجَّه إليهم جيشًا فقتل منهم من لا يُحْصَى. ثم ملك بعده آخر، وأخذ الناسَ بعبادةِ الأصنام، وقتل من النصارى خَلْقًا كثيرًا، ثم ملك بعده ابنُه، وفي زمانه قُتِلَ اليهود ببيت المقدس قتلًا ذريعًا، وخُرِّب بيت المقدس. وهربَ اليهودُ إلى مِصْرَ والشَّامِ والجبال والأغْوَار، وتقطَّعوا في الأرض. وأمر المَلِكُ أن لا يسكنَ بالمدينة يهوديٌّ، وأن يُقْتَلَ اليهودُ ويُسْتأصَلُوا، وأن يَسْكُنَ المدينة اليُونَانِيُّونَ، وامتلأت بيت المقدس من اليونانِيِّين، والنصارى ذِمَّةٌ تحت أيديهم، فرَأَوْهُمْ يأتون إلى مَزْبَلَةٍ هناك فَيُصَلُّون فيها، فمنعوهم من ذلك، وبنوا على المزبلة هيكلًا (باسم "الزهرة") (١)، فلم يمكن النصارى بعد ذلك قِربانُ ذلك الموضع، ثم هلك هذا الملك، وقام بعده آخر، فنصَّب (٢) يهودا أسْقُفًّا على بيت المقدس. قال ابن البطريق (٣): فمن يعقوب أُسقُفِّ بيت المقدس الأوّل إلى يهودا أسْقُفِّهِ هذا كانت الأساقفة الذين على بيت المقدس كلهم مختونين (٤).

стр. 458

ثم وَلِيَ بعده آخر، وأثار على النصارى بلاء شديدًا وحربًا طويلًا ووقع في أيامه قَحْطٌ شديدٌ كاد الناس أن يَهْلَكُوا فسألوا النصارى أن يَبْتَهِلُوا إلى إلههم، فَدَعَوا وابتهلوا إلى الله فمطروا (١) وارتفع عنهم القَحْطُ والوَبَاءُ. قال ابن البِطْرِيْق (٢): وفي زمانه كتب بترك الإسكندرية إلى أُسْقُفّ بيت المقدس وبترك أنطَاكِيَة وبترك رومية في كتاب فصح النَّصارى وصومهم وكيف يستخرج من فصح اليهود، فوضعوا فيها كتبًا (٣) على ما هي اليوم. قال: وذلك أن النصارى كانوا بعد صعود المسيح إذا عيَّدوا عِيْدَ الغِطَاس من الغد يصومون أربعين يومًا، (ويفطرون كما فعل المسيح، لأنه لما اعتمد بالأردن خرج إلى البريَّة فأقام بها أربعين يومًا) (٤)، وكان النَّصارى إذا أفصح اليهود عيَّدوا هم الفصح، فوضع هؤلاء البتاركة حسابًا للفصح ليكون فِطْرُهُمْ يوم الفصح، وكان المسيح يُعَيِّد مع اليهود في عيدهم، واستمرَّ على ذلك أصحابُه إلى أن ابتدعوا تغيير الصوم فلم يصوموا عَقِيْبَ الغِطَاس، بل نقلوا الصوم إلى وقتٍ لا يكون عِيْدُهم مع اليهود. ثم مات ذلك الملك وقام بعده آخر، وفي زمنه كان "جالينوس" وفي زمنه ظهرت الفُرْس وغلبت على بَابِل وآمِد وفارس. وتملَّك أردشير

стр. 459

ابن بابك في إصطخر، وهو أول ملكٍ مَلَك على فارس في المدة الثانية. ثم مات قيصر وقام (١) بعده آخر، ثم آخر وكان شديدًا على النصارى عذَّبهم عذابًا عظيمًا (٢)، وقتل خَلْقًا كثيرًا منهم، وقتل كلَّ عالم فيهم، ثم قتل من كان بمصر والإسكندرية من النصارى، وهَدَم الكنائس، وبنى بالإسكندرية هيكلًا وسمّاه هيكل الآلهة (٣). ثم قام بعده قيصر آخر، ثم آخر وكانت النصارى في زمنه في هدوء وسلامة، (وكانت أُمُّه تحبُّ النّصارى) (٤). ثم قام بعده آخر فأثار على النصارى بلاء عظيمًا، وقتل منهم خَلْقًا كثيرًا، وأخذ الناسَ بعبادة الأصنام، وقتل من الأساقفة خلقًا كثيرًا، وقتل (٥) بترك أنطاكية فلما سمع بترك بيت المقدس بقتله هرب وترك الكرسي، ثم هلك، وقام بعده آخر، ثم آخر. وفي أيام هذا ظهر "ماني" الكذَّاب، وزعم أنَّه نبيٌّ، وكان كثير الحِيَل والمَخَارِيْقِ، فأخذه بهرام ملك الفرس فشقَّه نصفين، وأخذ من أتباعه مائتي رجلٍ، فغرس رؤوسهم في الطِّين مُنَكَّسِيْن حتى ماتوا. ثم قام من بعده فيلبس فآمن بالمسيح، فوثب عليه بعض قُوَّاده فقتله.

стр. 460

ثم قام بعده "دانقيوس (١) " (-ويسمى دقيانوس-) (٢) فلقي النصارى منه بلاءً عظيمًا، وقَتَل منهم ما لا يُحْصَى، وقَتَل بترك رومية، وبنى هيكلًا عظيمًا، وجعل فيه الأصنام، وأمر أن يُسْجَد لها ويُذْبَح لها، ومن لم يفعل قُتِل، فقتل خلقًا كثيرًا من النصارى، وصُلِبوا على الهيكل، واتخذ من أولاد عظماء المدينة سبعة غلمان (٣) فجعلهم خاصَّته وقدَّمهم على جميع مَنْ عنده، وكانوا لا يسجدون للأصنام، فأُعْلِم الملك بخبرهم فحبسهم ثم أطلقهم، وخرج إلى مخرج له، فأخذ الفتيةُ كلَّ ما لهم فتصدَّقوا به، ثم خرجوا إلى جبل عظيم فيه كهف كبير فاختفوا فيه، وصبَّ الله عليهم النعاس فناموا كالأموات، وأمر الملك أن يُبْنَى عليهم بابُ الكهف ليموتوا، فأخذ قائدٌ من قواده صفيحة من نحاس فكتب (٤) فيها أسماءهم وقصتهم وما تمَّ مع دقيانوس وصيَّرها في صندوق من نحاس، ودفنه داخل الكهف وسدَّه. ثم مات الملك (٥). ثم قام بعده قيصر آخر، وفي زمنه جعل في أنطاكية بتركًا يسمى "بولس الشمشاطي" (٦) وهو أول من ابتدع في شأن المسيح اللاهوت والناسوت، وكانت النصارى قبله كلمتُهم واحدة؛ أنَّه عبدٌ رسولٌ مخلوق مصنوع مربوب، لا يختلف فيه اثنان منهم. فقال بولس هذا
следующие страницы →