← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 5705

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (517 стр.). Показаны 491–517 · переход к 496.

стр. 491

مشيئتين (١) غير متضادَّتَيْن ولا متضارعتين، ولكن مع المشيئة الإنسية في المشيئة الإلهية القادرة على كل شيء. هذه شهادتهم وأمانة المجمع السادس من المجمع الخَلْقَدوني، وثبَّتوا ما ثبَّتَه الخمس مجامع التي كانت قبلهم، ولَعَنُوا من لَعَنُوه، وبين المجمع الخامس إلى هذا المجمع مائة سنة (٢).

стр. 492

فصل ثم كان لهم مجمع عاشر (١) لما مات الملك ووَلِيَ بعده ابنُه، واجتمع فريق المجمع السادس وزعموا أنَّ اجتماعهم كان على الباطل، فجمع الملك مائة وثلاثين أُسْقُفًّا فَثبَّتوا قول المجمع السادس ولعنوا من لعنهم وخالفهم. وثبَّتوا قول المجامع الخمسة، ولعنوا من لعنوا (٢) وانصرفوا (٣). فانقرضت هذه المجامع والحشود، وهم علماءُ النصارى وقدماؤهم وناقِلُو الدِّين إلى المتأخرين، وإليهم يستند مَنْ بعدهم. وقد اشتملت هذه المجامع العشرة المشهورة على زهاءِ أربعةَ عَشَرَ ألفًا من الأساقفة والبتاركة والرهبان، كلُّهم يكفِّر بعضُهم بعضًا، ويلعنُ بعضُهم بعضًا. فدِيْنُهُم إنما قام على اللعنة بشهادة بعضهم على بعض، وكلٌ منهم لاعنٌ ملعونٌ.

стр. 493

فصل فإذا كانت هذه حال المتقدِّمين (١) مع قرب زمنهم من أيام المسيح وبقاء أخيارهم فيهم، والدولةُ دولتهم والكلمةُ لهم، وعلماؤهم إذْ ذاك أوفرُ ما كانوا، واحتفالُهم بأمر دينهم واهتمامهم به كما ترى، ثم هم مع ذلك تائهون حائرون بين لاعنٍ وملعونٍ لا يثبت لهم قَدَمٌ، ولا يتحصَّل لهم قول في معرفة معبودهم. بل كل منهم قد اتخذ إلهه هواه وباح باللَّعن والبراءة ممَّن اتَّبع سواه. = فما الظنُّ بحُثَالةِ (٢) الماضين (٣)، ونُفَايةِ الغَابِرين، وزُبَالةِ الحائرين، وذُرِّيَّة الضَّالين، وقد طال عليهم الأمد، وبَعُد العهد، وصار دينُهم ما يتلقَّونه (٤) عن الرُّهْبان. وقوم إذا كشفت عنهم وَجَدْتَهم أشبَه شيءٍ بالأنعام، وإن كانوا في صُوَر الأنام، بل هم كما قال تعالى -ومن أصدق من الله قيلًا-: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]. وهؤلاء هم الذين عناهم الله سبحانه بقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]. ومن أمة الضلال بشهادة الله ورسوله عليهم، وأمة اللعن بشهادتهم على نفوسهم بلعن بعضهم بعضًا.

стр. 494

وقد لعنهم الله -سبحانه- على لسان رسوله في قوله ﷺ : "لعن اللهُ اليهودَ والنَّصارى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائهِمْ مَسَاجِدَ - يحذِّر ما فعلوه" (١). هذا، والكتابُ واحدٌ، والربُّ واحدٌ، والنبيُّ واحدٌ، والدعوى واحدةٌ، وكلُّهم يتمسك بالمسيح وإنجيله (٢) وتلاميذه، ثم يختلفون فيه هذا الاختلاف المتباين! فمنهم من يقول: إنه إله. ومنهم من يقول: ابن الله. ومنهم من يقول: ثالث ثلاثة. ومنهم من يقول: إنه عبد. ومنهم من يقول: إنه أُقْنُوم وطبيعة. ومنهم من يقول: أُقْنومان وطبيعتان. إلى غير ذلك من المقالات التي حَكَوْها عن أسلافهم، وكلٌّ منهم يكفر صاحبه. فلو أنَّ قومًا لم يعرفوا لهم إلهًا، ثم عرض عليهم دين النصرانية هكذا، لتوقَّفوا عنه وامتنعوا من قَبُوله. فوازِنْ بينَ هذا وبينَ ما جاء به خَاتَمُ الأنبياء والرُّسل -صلوات الله

стр. 495

عليه وسلامه- تَعْلَمْ علمًا يضارعُ المحسوسات أو يزيد عليها: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].

стр. 496

القسم الثاني في تقرير نبوة محمد ﷺ بجميع أنواع الدلائل

стр. 497

فصل في أنه لا يمكن الإيمان بنبيٍّ من الأنبياء أصلًا مع جحود نبوة محمدٍ رسول الله ﷺ ، وأنَّه من جحد نبوَّته فهو لنبوَّةِ غيره من الأنبياء أشدُّ جَحْدًا. وهذا يتبيَّن بوجوه: (أحدها) أن الأنبياء المتقدِّمين بشَّروا بنبوته، وأَمروا أُممهم بالإيمان به، فمن جحد نبوته فقد كذب الأنبياء قبله فيما أخبروا به، وخَالَفَهم فيما أَمروا وأَوْصَوا به من الإيمان به. والتَّصديقُ به لازمٌ من لوازم التصديق بهم، وإذا انتفى اللازم (١) انتفى مَلْزُومُه قطعًا. وبيان الملازمة: ما تقدَّم من الوجوه الكثيرة التي تفيد بمجموعها القَطْعَ على أنه ﷺ قد ذُكِر في الكتب الإلهيَّة على أَلْسُن الأنبياء. وإذا ثَبَتَتِ المُلَازمةُ فانتِفَاءُ اللازم موجِبٌ لانتفاء مَلْزُومِهِ. (الوجه الثاني) أنَّ دعوة محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه- هي دعوة جميع المرسلين قَبْلَه من أولهم إلى آخرهم، فالمكذبُ بدعوته مكذِّبٌ بدعوة إخوانه كلِّهم، فإنَّ جميع الرسل جاؤوا بما جاء به، فإذا كذبه المكذِّبُ فقد زعم أنَّ ما جاء به باطل. وفي ذلك تكذيبُ كلِّ رسولٍ أرسله الله، وكل كتاب أنزله الله (٢)، ولا يمكن أن يَعْتَقِد أنَّ ما جاء به صدق وأنه كاذبٌ مفترٍ على الله. وهذا في غاية الوضوح.

стр. 498

وهذا بمنزلة شهود شهدوا بحقٍّ فصدَّقهم الخَصْمُ وقال: هؤلاء كلُّهم شهودٌ عدول صادقون، ثم (شهد آخرُ) (١) على شهادتهم سواء، فقال الخصم: هذه الشهادة باطلةٌ وكَذِبٌ لا أصل لها. وذلك تكذيب بشهادة جميع الشهود قطعًا، ولا يُنْجيه من تكذيبهم اعترافُه بصحة شهادتهم وأنها شهادةُ حقٍّ (مع قوله) (٢) إن الشاهد بها كاذبٌ فيما شهد به. فكما أنه لو لم يظهر محمد ﷺ لبطلت نُبُوات الأنبياء قبله، فكذلك (٣) إن لم يُصَدَّقْ لم يمكن تصديقُ نبيٍّ من الأنبياء قبله. (الوجه الثالث) أن الآيات والبراهين التي دلت على صحة نبوته وصدقه أضعافُ أضعافِ آيات (٤) مَنْ قَبْلَه من الرسل، فليس لنبيٍّ من الأنبياء آيةٌ توجب (٥) الإيمانَ به إلا ولمحمدٍ ﷺ مثلُها أو ما هو في الدلالة مثلها، وإن لم يكن من جنسها فآياتُ نبوته أعظمُ وأكبر وأبْهَرُ وأدلُّ، والعِلْمُ بنَقْلها قطعيٌّ، لقُرْبِ العهد، وكثرةِ النَّقَلة، واختلافِ أمصارهم وأعصارهم، واستحالةِ تواطئهم على الكذب. فالعِلمُ بآيات نبوته كالعِلْمِ بنفس وجوده وظهورِه وبَلَدِه، بحيث لا يمكن المكابرة في ذلك، والمكابِرُ فيه في غاية الوقاحة والبَهْت، كالمكابر في وجود ما يشاهده الناس ولم يشاهده (٦) هو من البلاد

стр. 499

والأقاليم والجبال والأنهار. فإن جاز القَدْحُ في ذلك كلِّه، فالقدحُ في وجود عيسى وموسى وآياتِ نبوتهما أَجْوَزُ وأجوز، وإن امتنع القَدْح فيهما وفي آيات نبوتهما فامتناعه في محمد ﷺ وآيات نبوته أشدُّ. ولذلك (١) لمَّا علم بعضُ علماءِ أهلِ الكتاب أنَّ الإيمان بموسى لا يتمُّ مع التكذيب بمحمد أبدًا = (كَفَر بالجميع) (٢)، وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]. قال سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ: جاء رجل من اليهود، يقال له مالكُ بنُ الصَّيف، يخاصم النبيَّ ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : "أَنشُدكَ بالذي أنزل التوراةَ على موسى، أمَا تجدُ في التوراة أنَّ الله يبغض الحَبْرَ السَّمين؟! "-وكان حبرًا سمينًا- فغضب عدوُّ الله وقال: والله (ما أنزل الله) (٣) على بشرٍ من شيء. فقال له أصحابه الذين معه: ويحك ولا موسى؟ فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء. فأنزل الله ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٤) الآية

стр. 500

وهذا قول عكرمة (١). وقال محمد بن كعب: "جاء ناسٌ من اليهود إلى النبيِّ ﷺ -وهو محتب، فقالوا: يا أبا القاسم، ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحًا يحملها من عند الله فأنزل الله (٢): ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ الآية [النساء: ١٥٣] ". وجاء رجلٌ من اليهود فقال: ما أنزل اللهُ عليك ولا على موسى ولا على عيسى ولا على أحدٍ شيئًا، ما أنزل الله على بشير من شيء، فحلَّ رسول الله ﷺ حُبْوته (٣)، وجعل يقول: ولا على أحد؟! (٤). وذهب جماعةٌ، منهم مجاهد، إلى أنَّ الآية نزلت في مشركي قريش، فهم الذين جَحَدُوا أصل الرسالة، وكذَّبوا بالرسل، وأما أهلُ الكتاب فلم يجحدوا نبوة موسى وعيسى. وهذا اختيار ابن جرير (٥)، قال: وهو أوْلى الأقاويل بالصواب، لأنَّ ذلك في سياق الخبر عنهم، فهو أشبه من أن يكون خبرًا عن اليهود، ولم يَجْرِ لهم ذكر يكون هذا به متصلًا، مع ما في الخبر عن من أخبر الله عنه في هذه الآية من إنكاره أن

стр. 501

يكون الله أنزل على بشر شيئًا (١) من الكتب، وليس ذلك مما تَدِيْنُ به اليهود، بل المعروف من دين اليهود الإقرارُ بصُحُف إبراهيمَ، وموسى، وزبور داود. والخبر من أول السورة إلى هذا الموضع خبرٌ عن المشركين من عَبَدَةِ الأوثان، وقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ موصولٌ به غيرُ مفصولٍ عنه. قلت: ويقوِّي قولَه، أنَّ السورة مكيةٌ، فهي خبرٌ عن زنادقة العرب المنكرين لأصل النبوة. ولكن؛ بقي أن يقال: فكيف يحسن الردُّ عليهم بما لا يُقرُّون به من إنزال الكتاب الذي جاء به موسى؟ وكيف يقال لهم: "يَجْعَلُونَهُ قَرَاطيسَ يُبْدُوْنَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا"، ولاسيما على قراءة من قرأ بتاء الخطاب (٢)؟ وهل ذلك صالح لغير اليهود؟ فإنهم كانوا يخفون من الكتاب ما لا يوافق أهواءهم وأغراضهم، ويُبْدُون منه ما سواه، فاحتجَّ عليهم بما يُقِرُّون به من كتاب موسى، ثم وبَّخهم بأنهم خانوا الله ورسوله فيه، فأخْفَوا بعضه وأظهروا بعضه، وهذا استطراد من ذكر جَحْدِهم النبوة بالكلية، وذلك إخفاء لها وكتمان، إلى جحد بعض (٣) ما أقرُّوا به من كتابهم بإخفائه وكتمانه، فتلك سجيَّةٌ لهم معروفةٌ لا تُنْكَر، إذْ مَنْ أخفى بعضَ كتابِه الذي

стр. 502

يقرُّ بأنه من عند الله كيف لا يجحدُ أصلَ النبوَّة؟! ثم احتج عليهم، بأنهم قد علموا بالوحي ما لم يكونوا يعلمونه هم ولا آباؤهم، ولولا الوحي الذي أنزله الله على أنبيائه ورسله لم يَصِلُوا إليه. ثم أمر رسوله أن يُجيب عن هذا السؤال، وهو قوله: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾؟ فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي: اللهُ الذي أنْزَلَه. أي: إن كفروا به وجحدوه فَصَدِّقْ به أنتَ وأقِرَّ به ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾؟. وجوابُ هذا السؤال أن يُقال: إن الله احتجَّ عليهم بما يُقِرُّ به أهلُ الكتابَيْنِ، وهم أولو العلم دون الأمم التي لا كتاب لها. أي: إنْ جَحَدْتُمْ أصْلَ النبوَّة، وأنْ يكونَ الله أنزل على بشرٍ شيئًا، فهذا كتابُ موسى يقرُّ به أهل الكتاب، وهم أعلمُ منكم، فاسألوهم عنه. ونظائرُ هذا في القرآنِ كثيرةٌ؛ يستشهد -سبحانه- بأهل الكتاب على مُنْكِرِي النبوَّاتِ والتوحيدِ. والمعنى: إنكم إن أنكرتُم أن يكونَ اللهُ أنزلَ على بشرٍ شيئًا، فمن أنزل كتاب موسى؟ فإنْ لم تعلموا ذلك فاسألوا أهل الكتاب. وأمَّا قولُه تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾، فمن قرأها بالياء فهو إخبارٌ عن اليهود بلفظ الغَيْبَةِ، ومن قرأها (بلفظ التاء) (١) للخطاب فهو خطابٌ لهذا الجنس الذين (٢) فَعَلُوا ذلك. أي: تجعلونه يا مَنْ أُنزِلَ عليه كذلك.

стр. 503

وهذا من أعلام نبوته أنْ يُخْبِرَ أهلَ الكتاب بما (اعتمدوه في كتابهم) (١)، وأنَّهم جعلوه قَرَاطِيْسَ وأبْدَوا بعضَه وأخْفَوا كثيرًا منه، وهذا لا يُعْلَم من غير جهتهم إلا بوحيٍ من الله. ولا يلزم أن يكون (٢) قولُه: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ خطابًا لمن حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾، بل هذا استطراد من الشيء إلى نَظِيْره وشِبْهِه ولَازِمِه (٣). وله نظائرُ في القرآن كثيرةٌ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ إلى آخر الآية [المؤمنون: ١٢ - ١٤]. فاستطرد من الشخص المخلوق من الطين -وهو آدم- إلى النوع المخلوق من النطفة -وهو أولاده- وَأَوْقَعَ الضَّمِيْرَ على الجميعِ بلفظٍ واحدٍ. ومثله قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٩ - ١٩٠]. إلى آخر الآيات. ويشبه هذا: قولُه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ

стр. 504

لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [الزخرف: ٩ - ١٢]، إلى آخر الآيات. وعلى التَّقْدِيْرَيْنِ: فهؤلاء لم يَتِمَّ لهم إنكارُ نبوَّةِ النبيِّ ﷺ ومُكَابَرَتُهُم إلا بهذا الجحد والتكذيب العام، ورأوا أنَّهم إِنْ أقرُّوا ببعض النبوَّات وجحدوا نبوَّته: ظَهَرَ تَناقُضُهم وتَفْريْقُهم بين المتماثِلَيْن، وأنهم لا يمكنهم الإيمانُ بنبيٍّ وجَحْد نبوَّةِ مَنْ نُبُوَّتُه أظْهَرُ وآياتُها أكثَرُ وأعْظَمُ مِمَّن أقرُّوا به. وأخبر -سبحانه- أنَّ مَنْ جَحَدَ أن يكونَ قد أرسَلَ رُسُلَه وأنْزَلَ كُتُبَه: لم يَقْدُرْه حقَّ قَدْرِه، وأنه نَسَبَهُ (١) إلى ما لا يَلِيقُ به، بل يتعالى ويتنزَّه عنه، فإنَّ في ذلك إنكارَ ديِنهِ (٢) وإلهيَّتِه ومُلْكِه وحِكْمتِه ورحمتِه، والظنَّ السيئ به؛ أنه خَلَقَ خَلْقَه عبثًا باطلًا، وأنه خَلَّاهمِ سُدًى مُهْمَلًا، وهذا يُنَافِي كمالَهُ المقدَّسَ، وهو متعالٍ عن كلِّ ما يُنَافِي كمَالَهُ. فمَنْ أنكرِ كَلامَهُ وتكليمَهُ وإرْسَالَه الرُّسلَ إلى خَلْقه، فما قَدَرَهُ حقَّ قدره، ولا عَرَفَهُ حقَّ معرفته، ولا عظَّمه حقَّ عَظَمَتِهِ، كما أنَّ مَنْ عَبَدَ معه إلهًا غيره لم يَقْدُرْه حقَّ قَدْرِهِ: مُعَطِّلٌ جاحدٌ لِصفاتِ كَمالِهِ ونُعُوتِ جَلَالِه وإرسال رسله وإنزالِ كُتُبه، ولا عظَّمه حقَّ عظمته.

стр. 505

فصل ولذلك كان جَحْدُ نبوَّة خَاتَمِ أنبيائه ورُسُلِه، وتكذِيبُه: إنكارًا للربِّ -تعالى- في الحقيقة (١)، وجحودًا له، فلا يمكن الإقرارُ بربوبيَّتِه وإلهيَّتِه ومُلْكه، بل ولا بوجوده، مع تكذيبِ محمدِ بنِ عبدِ الله ﷺ . وقد أشرنا إلى ذلك في المناظرة التي تقدَّمتْ، فلا يُجَامعُ الكُفْرُ برسولِ الله ﷺ ، الإقرارَ بالربِّ -تعالى- وصفاته أصلًا، كما لا يجامع الكفرُ (٢) بالمعاد، واليومِ الآخرِ (٣) الإقرارَ بوجود الصَّانع أصلًا. وقد ذكر -سبحانه- ذلك في مَوْضِعَيْن (من كتابه) (٤) في سورة الرعد، في قوله: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٥]. والثاني في سورة الكهف، في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: ٣٥ - ٣٨]. فالرسولُ -صلوات الله عليه- إنما جاء بتعريفِ الربِّ -تعالى-

стр. 506

بأسمائِهِ وصفاتهِ وأفعالِه، والتعريفِ (١) بحقوقِه (٢) على عباده، فمَنْ أنكر رسالاتِه (٣) فقد أنكرَ الربَّ الذي دعا إليه، وحُقوقَهُ التي أمَرَ بها. بل نقول: لا يمكن الاعترافُ بالحقائق -على ما هي عليه- مع تكذيب رسوله. وهذا ظاهرٌ جدًّا لمن تأمَّل مقالاتِ أهلِ الأرض وأديانَهُمْ: فإنَّ الفلاسفة؛ لم يمكنهم (٤) الاعترافُ بالملائكةِ والجنِّ والمبدأ والمعادِ، وتفاصيلهما، وتفاصيلِ صفات الرب -تعالى- وأفعاله، مع إنكار النبوات، بل والحقائق المشاهَدَةِ -التي لا يمكن إنكارُها- لم يُثْبِتُوها ما علمه، ولا أثْبَتُوا حقيقةً واحدةً على ما هى عليه البتَّة. وهَذا ثمرةُ إنكارِهم النبوَّات، فسَلَبَهُم اللهُ إدراكَ الحقائق التي زعموا أنَّ عقولَهم كافيةٌ في إدراكها، فلم يُدْرِكُوا منها شيئًا على ما هو عليه، حتى ولا الماءَ ولا الهواءَ ولا الشمس ولا غيرها. فمَنْ تأمَّلَ مذاهبَهم فيها: عَلِمَ أنَّهم لم يُدْرِكُوها (٥) وإنْ عَرَفُوا من ذلك بعضَ ما خَفِيَ على غيرهم. وأما المجوس: فأضلُّ وأضلُّ. وأما عُبَّادُ الأصنام: فلا عَرَفُوا الخالقَ، ولا عرفوا حقيقةَ المخلوقاتِ، ولا مَيَّزُوا بين الشياطين والملائكة وبين الأرواحِ الطيّبةِ والخبيثةِ، وبين أحْسَنِ الحَسَنِ وأقْبَحِ القبيح، ولا عَرفوا كمالَ النفس وما

стр. 507

تَسْعَدُ به ونَقْصَها وما تَشْقى به. وأما النَّصارى: فقد عَرَفْتَ ما الذي أدركوه من مَعْبُودِهم وما وَصَفُوه به، وما الذي قَالُوه في نبيِّهِم، وكيف لم يُدْرِكوا حقيقتَهُ البتَّة، ووَصَفُوا اللهَ بما هو مِنْ أعظمِ العيوبِ والنَّقائصِ، ووصفوا عَبْدَهُ ورسولَه بما ليس له بوجهٍ من الوجوه، وما عرفوا اللهَ ولا رسولَه. والمعادُ الذي أقرُّوا به لم يُدْرِكُوا (١) حَقِيْقَتَهُ، ولم يؤمنوا بما جاءتْ به الرسل من حقيقتِهِ، إذْ لا أكْلَ عندهمِ في الجنة ولا شُرْبَ، ولا زوجةَ هناك، ولا حورَ عينٍ يلذُّ بهن الرجال كَلذَّاتهم في الدنيا، ولا عرفوا حقيقةَ أنفسِهِم وما تسعد به وتشقى. ومن لم يعرف ذلك فهو أجْدَرُ أن لا يعرف حقيقة شيءٍ كما ينبغي البته، فلا لأنْفُسِهِم عَرَفُوا، ولا لِفَاطِرهَا (٢) وبارِئها، ولا لمن جعلَهُ الله سببًا في فَلاحِها وسعادتها، ولا للموجوداتِ وأنها جميعها فقيرةٌ مربوبة مصنوعةٌ -ناطقها وصامتها آدميها وجنيها وملكها- فكلُّ مَنْ في السموات والأرض عَبْدُه ومُلْكُه، وهو مخلوقٌ مصنوعٌ مربوبٌ، فقيرٌ من كلِّ وَجْهٍ. ومن لم يعرفْ هذا لم يعرف (٣) شيئًا. وأمَّا اليهودُ؛ فقد حكى الله لك عن جَهْل أَسْلافِهم وغَبَاوَتهم (٤) وضَلالِهم ما يدلُّ على ما وراءه (٥) من ظُلُماتِ الجهلِ التي بعضُهِا فوقَ بعضٍ. ويكفي في ذلك عبادتُهم العِجْلَ الذي صَنَعَتْهُ أيديهم من ذهَبٍ،

стр. 508

ومِنْ غَبَاوَتهم (١) أنْ جعلوه على صورةِ أبْلَدِ (٢) الحيوان وأقلِّه فَطَانةً الذي يُضْرَبُ المَثَلُ به في قِلَّة الفَهْم. فانظرْ إلى هذه الجهالةِ والغَبَاوةِ المتجاوزةِ للحدِّ كيف عَبَدُوا مع الله إلهًا آخر، وقد شاهدوا من أدلةِ التوحيد وعظمةِ الربِّ وجَلالِه ما لم يشاهِدْه سواهم؟! وإذْ قد عزموا على اتخاذ إلهٍ دون الله فَاتَّخَذوه ونَبيُّهم حيٌّ بين أظْهُرِهِمْ لم ينتظروا موته! وإذْ قد فَعَلُوا؛ (فلم يتَّخذوه من الملائكة المقرَّبِيْنَ، ولا مِنَ الأحياءِ الناطقين، بل اتَّخذوه من الجمادات!. وإذْ قد فعلوا) (٣)؛ فلم يتَّخذوه من الجواهر العُلْوِيَّة كالشمس والقمر والنجوم، بل من الجواهر الأرْضِيَّة. وإذْ قد فعلوا؛ فلم يتَّخِذوه من الجَواهر التي خُلِقَتْ فوق الأرض عاليةً عليها كالجبال ونحوها، بل من جواهرٍ لا تكون إلا تحت الأرضِ، والصخورُ والأحجارُ عاليةٌ (٤) عليها!. وإذْ قد فعلوا؛ فلم يَتَّخِذوه من (جَوْهرٍ يَسْتغني عن الصَّنْعَةِ) (٥) وإدخالِ النار وتَقْليبهِ وجوهًا مختلفةً وضربِهِ بالحديد وسَبْكِهِ، بل مِنْ جَوْهرٍ يحتاج إلىَ نَيْل الأيدي له بضروبٍ مختلفةٍ، وإدخالِهِ النارَ،

стр. 509

وإحراقِهِ (١) واستخراجِ خَبَثِهِ. وإذْ قد فعلوا؛ فلم يَصُوغُوه على تمثالِ مَلَكٍ كريمٍ، ولا نبيٍّ مُرْسَلٍ، ولا على تمثالِ جوهرٍ عُلْويٍّ لا تناله الأيدي، بل على تمثالِ حيوانٍ أرضيٍّ!. وإذْ قد فعلوا؛ فلم يصوغوه على تمثالِ أشرفِ الحيواناتِ وأقواها وأشدِّها امتناعًا من الضيم كالأسد والفيل ونحوهما، بل صاغوه على تمثال أبْلَدِ الحيوان وأَقْبَلِهِ للضيم والذلِّ، بحيث يحرث عليه الأرض، ويُسْقى عليه بالسَّواني والدواليب، ولا له قوةٌ يمتنع بها من كبيرٍ ولا صغيرٍ. فأيُّ معرفةٍ لهؤلاء بمعبودِهم ونبيِّهم وحقائقِ الموجودات؟!!. وحقيقٌ بمن سأل نبيَّه أن يجعل له إلهًا، فيعبد إلهًا مجعولًا بعد ما شاهد تلك الآيات الباهرات: أنْ لا يعرف حقيقةَ الإلهِ ولا أسماءَه وصفاتِهِ ونعوتَهُ ودِيْنَهُ، ولا يعرفَ حقيقةَ المخلوق (٢) وحاجَتَهُ وفَقْرَهُ. ولو عرف هؤلاء معبودهم ورسولهم لما قالوا لنبيِّهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] ولا قالوا له: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولا قتلوا نفسًا وطَرَحُوا المقتولَ على أبواب البُرَآءِ مِنْ قتله، ونبيُّهم حيٌّ بين أَظْهُرِهِم، وخَبَرُ السماءِ والوحيُ يأتيه صباحًا ومساءً، فكأنهم جوَّزوا أن يخفى هذا على الله (كما

стр. 510

يخفى على) (١) الناس!. ولو عَرَفُوا معبودهم لما قالوا في بعض مخاطباتهم له: "يا أبانا انتبه من رقدتك، كم تنام" (٢)!! ولو عَرَفوه لما سارعوا إلى محاربة أنبيائه وقَتْلِهِم وحَبْسِهم ونَفْيِهم، ولَما تحيَّلُوا على تحليل محارمه وإسْقاطِ فرائضِه بأنواع الحِيَلِ. ولقد شهدتِ التوراةُ بعدم فَطانتِهم وأنهم من الأغبياء. ولو عَرَفوه لما حَجَرُوا (٣) عليه بعقولهم الفاسدةِ أنْ يأمرَ بالشيء في وقتٍ لمصلحةٍ ثم يزيلَ (٤) الأمْرَ به في وقتٍ آخر، لحصولِ المصلحة وتبدُّلِه بما هو خيرٌ منه، وينهى عنه ثم يبيحه في وقتٍ آخرَ لاختلافِ الأوقاتِ والأحوالِ في المصالح والمفاسد، كما هو مشاهدٌ في أحكامه القَدَرِيَّة الكونيَّة التي لا يتمُّ نظام العالَمِ ولا مصلحتُه إلا بتبدِيْلِها (٥) واختلافِها بحسب الأحوالِ والأوقاتِ والأماكنِ. فلو اعتمد طبيبٌ أن لا يُغَيِّر الأدويةَ والأغذيةَ بحسب اختلافِ الزمان والأماكن والأحوال لأهْلَكَ الحَرْثَ والنَّسْل، وعُدَّ من الجهَّال، فكيف يحجر على طبيب القلوب والأديانِ أن تتبدَّل أحكامُه بحسب اختلاف المصالح؟! وهلَ ذلك إلا قَدْحٌ في حكمتِهِ ورحمتِه، وقدرته ومُلكِه التَّامِّ، وتدبيرِه لخَلْقِه؟!!.

стр. 511

ومن جهلهم بمعبودهم ورسولِه وأمرِه: أنهم أُمِرُوا أن يدخلوا باب المدينة التي فتحها الله عليهم سُجَّدًا ويقولوا: حِطَّة، فيدخلوا مُتَواضِعِيْنَ لله سائلين منه أن يَحُطَّ عنهم خَطَايَاهُمْ، فدخلوا يَزْحَفُون على أسْتَاهِهِم بَدَلَ السُّجُود لله، ويقولون: "هنطا سقمانا" أي حنطة سمراء. فذلك سجودهم وخشوعُهم (١)، وهذا استغفارُهم واستقالتُهم (٢) من ذنوبهم!! ومن جهلهم وغباوتهم: أنَّ الله -سبحانه- أَرَاهُمْ من آياتِ قدرته، وعظيم سلطانِه، وصِدْق رسوله، ما لا مزيد عليه ثم أنزل عليهم -بعد ذلك- كتابَهُ وعَهِدَ إليهم فيه عَهْدَهُ وأمرَهُمْ أن يأخذوه بقوةٍ فيعبدوه بما فيه، كما خلَّصهم من عبودية فِرْعَون والقِبْط؛ فأَبَوا أنْ يَقْبَلُوا ذلك وامتَنعُوا منه، فَنَتَقَ الجبلَ العظيمَ فوق (٣) رؤوسهم على قَدْرِهم، وقيل لهم: إن لم تقبلوا أطْبَقْتُه عليكم. فَقَبِلُوه من تحت الجبل. قال ابن عباس: رفع الله الجبلَ فوق رؤوسهم، وبعث نارًا من قبَل وجوههم، وأتاهم البحرُ من تحتهم، ونُودُوا: إن لم تقبلوا أَرْضَخْتكم بهذا، وأحْرَقْتكم بهذا، وأغْرَقْتكم بهذا، فقبلوه، وقالوا: سمعنا وأطعنا (٤). ولولا الجبل ما أطعناك. ولمَّا أمنوا -بعد ذلك- قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾. ومن جهلهم: أنهم شاهدوا الآياتِ ورأوا العجائب التي يُؤمِنُ على

стр. 512

بعضها البَشَرُ، ثم قالوا بعد ذلك: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (١) [البقرة: ٥٥]. وكان الله سبحانه قد أمر موسى أن يختار من خيارهم سبعين رجلًا لميقاته فاختارهم موسى وذهب بهم إلى الجبل، فلما دَنَا موسى من الجبل وَقَع عليه عمودُ الغمام حتى تغشَّى (٢) الجبل، وقال للقوم: ادنوا. ودَنَا القومُ) (٣) حتى إذا دخلوا في الحجاب وقعوا سُجَّدًا، فسمعوا الربَّ -تعالى- وهو يكلِّمُ موسى ويأمُرُه وينهاه ويعهد إليه، فلما انكشف الغَمامُ قالوا: لن نُؤمِنَ لك حتى نَرى الله جهرةً. ومِنْ جهلهم: أنَّ هارون لما مات ودَفَنَهُ موسى قالت بنو إسرائيل لموسى: أنتَ قتلتَه، حَسَدتَّه على خُلُقِه ولِيْنِه، ومحبَّةِ إسرائيل له. قال: فاختاروا سبعين رجلًا، فوقفوا على (قبر هارونَ) (٤)، فقال موسى: يا هارون أَقُتِلْتَ أم مِتَّ، قال: بل متُّ، وما قَتَلَنِي أحدٌ!! فحَسْبُك من جهالةِ أمةٍ وجفائِهم أنَّهم اتَّهموا نبيَّهم ونَسَبُوه إلى قَتْلِ أخيه، فقال موسى: ما قَتَلْتُه، فلم يصدِّقوه حتى أسمعهم كلامَه وبراءة أخيه مما رَمَوه به!! ومِنْ جهلهم: أنَّ الله -سبحانه- شبههم في حَمْلِهِم التوراةَ وعَدَمِ الفقه فيها والعملِ بها بالحمار يحملُ أسْفَارًا. وفي هذا التشبيه من النِّداء على جهالتهم وجوهٌ متعددة:

стр. 513

(منها) أنَّ الحمار من أبْلَدِ الحيوانات التي يُضْرَبُ بها المَثلُ في البلادة (١). (و (منها) أنَّه لو حمل غير الأسفار من طعام أو علف أو ماء لكان له به شعورٌ بخلاف الأسفار) (٢). و (منها) أنَّهم حُمِّلوها، لا أنهم حَمَلُوها طوعًا واختيارًا، بل كانوا كالمكلَّفين لما حملوه لم يرفعوا به رأسًا. و (منها) أنهم حيث حملوها تكليفًا وقهرًا لم يَرْضَوا بها، ولم يحملوها رضًا واختيارًا، وقد علموا (٣) أنهم لابُدَّ لهم منها، وأنهم إنْ حملوها اختيارًا كانت لهم العاقبة في الدنيا والآخرة. و (منها) أنها مشتملةٌ على مصالحِ معاشِهم ومعادهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، فإعراضُهم عن التزام ما فيه سعادتُهم وفلاحُهم إلى ضدِّه، من غايةِ الجهل والغَبَاوة وعدمِ الَفِطَانة. ومِنْ جهلهم وقِفة معرفتهم: أنهم طلبوا، عِوَضَ المنِّ والسَّلوى -اللذين هما منْ أطيب الأطعمة وأنفعها وأوفقها للغذاء الصالح- البَقْلَ والقِثَّاءَ والثُّومَ والعَدَس والبَصَلَ، ومَنْ رضي باستبدال هذه الأغذية عوضًا عن المنِّ والسلوى لم يكثر عليه أن يستبدلَ الكُفْرَ بالإيمانِ، والضلالةَ بالهدى، والغضبَ بالرِّضى، والعقوبةَ بالرحمة. وهذه حالُ مَنْ لم يعرف ربَّه ولا كتابه ولا رسولَه ولا نَفْسَه.

стр. 514

وأمَّا نقضُهم ميثاقَهم، وتبديلُهم أحكامَ التوراة، وتحريفُهم الكَلِمَ عن مواضعه، وأكلُهم الرِّبا وقد نهوا عنه، وأكلهُم الرِّشا، واعتداؤهم في السبت حتى مُسِخوا قِرَدةً، وقَتْلُهم الأنبياءَ بغير حقٍّ، وتكذيبُهُم عيسى ابن مريم رسول الله، ورَمْيُهُم له ولأُمِّه بالعظائم، وحِرْصُهم على قتله، وتفرُّدُهم دون الأمم بالخبث والبهت، وشِدَّةُ تكالبهم على الدنيا وحرصهم عليها، وقسوة قلوبهم، وحسدهم، وكثرة سحرهم (١) = فإليه النِّهايةُ. وهذا وأضعافُه -من الجهل وفساد العقل- قليلٌ على من كذَّب رُسُلَ الله، وجَاهَرَ بمعاداتِهِ ومعاداة ملائكتِه وأنبيائِه وأهلِ ولايتِهِ. فأيُّ شيء عَرَفَ من لم يَعْرفِ اللهَ ورُسُلَه؟! وأيُّ حقيقةٍ أدرك من فاتَتْهُ هذه الحقيقة؟! وأيُّ علمٍ أو عملٍ حصل لمن فاته العِلْمُ بالله، والعملُ بمرضاته، ومعرفةُ الطريقِ الموصلةِ إليه، ومآله بعد الوصولِ إليه؟! فصل فأهلُ الأرضِ كلُّهم في ظلمات الجهلِ والغيِّ (٢) إلا من أَشْرَق عليه نورُ النبوة، كما في "المسند" وغيره من حديث عبدِ الله بنِ عَمْرو، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الله خَلَقَ خَلْقَهُ في ظُلْمةٍ وألْقَى عليهم من نوره، فَمَنْ أصابَهُ من ذلك النُّور: اهتدى، ومَنْ أخطأه: ضَلَّ، فلذلك أقول: جَفَّ القَلم على عِلْمِ اللهِ" (٣).

стр. 515

ولذلك (١) بَعَثَ اللهُ رُسُلَه (لِيُخْرِجُوا النَّاسَ) (٢) من الظُّلماتِ إلى النُّور، فمَنْ أجابهم: خرجَ إلى الفَضَاءِ والنُّورِ والضِّياءِ، ومَنْ لم يُجبْهم: بَقِيَ في الضِّيق والظُّلْمَةِ التي خُلِق فيها، وهي: ظلمة الطَّبْع، وَظلمة الجهلِ، وظلمة الهوى، وظلمة الغَفْلة عن نفسه وكمالها، وما تسعد به في معاشِهَا ومَعَادِهَا. فهذه كلُّها (٣) ظلماتٌ، خُلِقَ فيها العبد، فَبَعَثَ اللهُ رسلَه لإخراجه منها إلى نور (٤) العِلْم والمعرفةِ والإيمان والهدى الذي لا سعادةَ للنفس بدونه البتَّة، فمن أخطاه هذا النورُ: أخطأه حظُّه وكمالُه وسعادتُه، وصار يتقلَّب في ظلماتٍ بعضُها فوق بعض، فمدخلُه ظلمةٌ، ومخرجُه ظلمةٌ، وقولُه ظلمةٌ، وعَمَلُه ظلمةٌ، وقَصْدُه ظلمةٌ، وهو متخبِّطٌ في ظلماتِ طبعِه وهواهُ وجهلِهِ، وقَلْبُه مظلمٌ، ووجهُه (٥) مظلمٌ، لأنه يبقى على الظلمةِ الأصليَّةِ، ولا يناسِبُه من الأقوالِ والأعمالِ والإرادة والعقائد إلا ظلماتُها. فلو أشْرَقَ له شيءٌ من نور النبوَّة لكان بمنزلة إشراقِ الشمس على بصر (٦) الخُفَّاش.

стр. 516

بَصَائِرُ أَعْشَاهَا النَّهارُ بِضَوئِهِ … وَلَاءمها قِطْعٌ من الليل مظلمُ فصل يَكَادُ نُورُ النبوَّة يُعْمِي تلك البصائر ويَخْطَفُها لشدَّتِه وضَعْفِها، فتهرب إلى الظلمات لموافقتها لها وملاءمتها إيَّاها. والمؤمنُ: عَمَلُه نورٌ، وقولُه نورٌ، ومدخلُه نورٌ، ومخرجُه نورٌ، وقَصْدُه نورٌ، فهو يتقلَّب في النور في جميع أحواله. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥]. ثم ذَكَرَ حالَ الكُفَّار وأعمالَهم وتَقَلُّبَهُم (١) في الظُّلمات فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٣٩ - ٤٠]. والحمدُ للهِ أولًا وآخرًا، وباطنًا وظاهرًا، وصلَّى اللهُ على سيِّدِنا محمدِ خاتَمِ النبيِّينَ وعلى آلِه وصَحْبه أجمعينَ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدِّينِ. والحمد لله رب العالمين (٢).

стр. 517

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .