← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

يسْتَحق النَّار لكَونه ظَالِما! فَمَا بَال الْمَقْتُول وَهُوَ مظلوم؟ وَنَظِيره: هَذَا زيد عَالم، وَقد علم أَن الْمُبْتَدَأ إِذا اتَّحد بالْخبر لَا يحْتَاج إِلَى ضمير، وَمِنْه قَوْله : ﴿ولباس التَّقْوَى ذَلِك خير﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٦) وَقَوله ﵇: (أفضل مَا قلت، أَنا والنبيون من قبلي: لَا إِلَه إِلَّا الله) . بَيَان الْمعَانِي وَالْأَحْكَام: قَوْله: (انصر هَذَا الرجل) يَعْنِي: عَليّ بن أبي طَالب، ﵁، وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ يَعْنِي: عليا، وَوَقع للْبُخَارِيّ فِي الْفِتَن: (أُرِيد نصْرَة ابْن عَم رَسُول الله ﷺ . وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقيل: يَعْنِي عُثْمَان، ﵁، قلت: هَذَا بعيد، وَيَردهُ مَا فِي الصَّحِيح. قَوْله: (إِذا التقى المسلمان بسيفيهما) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (إِذا توجه المسلمان) ، أَي: إِذا ضرب كل وَاحِد مِنْهُمَا وَجه صَاحبه، أَي: ذَاته وَجُمْلَته. قَوْله: (فالقاتل والمقتول فِي النَّار) قَالَ عِيَاض وَغَيره: مَعْنَاهُ إِن جازاهما الله تَعَالَى وعاقبهما كَمَا هُوَ مَذْهَب أهل السّنة، وَهُوَ أَيْضا مَحْمُول على غير المتأول، كمن قَاتل لمعصية أَو غَيرهَا مِمَّا يشبهها، وَيُقَال: معنى الْقَاتِل والمقتول فِي النَّار، أَنَّهُمَا يستحقانها، وَأَمرهمَا إِلَى الله ، كَمَا هُوَ مُصَرح بِهِ فِي حَدِيث عبَادَة: (فَإِن شَاءَ عَفا عَنْهُمَا، وَإِن شَاءَ عاقبهما، ثمَّ أخرجهُمَا من النَّار فأدخلهما الْجنَّة) ، كَمَا ثَبت فِي حَدِيث أبي سعيد وَغَيره فِي العصاة الَّذين يخرجُون من النَّار فينبتون كَمَا تنْبت الْحبَّة فِي جَانب السَّيْل، وَنَظِير هَذَا الحَدِيث فِي الْمَعْنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم﴾ (النِّسَاء: ٩٣) مَعْنَاهُ: هَذَا جَزَاؤُهُ، وَلَيْسَ بِلَازِم أَن يجازى. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الْقِتَال فِي الْفِتْنَة: فَمنع بَعضهم الْقِتَال فِيهَا وَإِن دخلُوا عَلَيْهِ، عملا بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث، وَبِحَدِيث أبي بكرَة فِي صَحِيح مُسلم الطَّوِيل: (إِنَّهَا سَتَكُون فتن) الحَدِيث. وَقَالَ هَؤُلَاءِ: لَا يُقَاتل، وَإِن دخلُوا عَلَيْهِ وطلبوا قَتله، وَلَا تجوز لَهُ المدافعة عَن نَفسه لِأَن الطَّالِب متأول، وَهَذَا مَذْهَب أبي بكرَة وَغَيره. وَفِي (طَبَقَات) ابْن سعد مثله عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَقَالَ عمرَان بن حُصَيْن وَابْن عَمْرو وَغَيرهمَا: لَا يدْخل فِيهَا، فَإِن قصدُوا دفع عَن نَفسه. وَقَالَ مُعظم الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَغَيرهمَا: يجب نصر الْحق وقتال الباغين لقَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله﴾ (الحجرات: ٩) وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، ويتأول أَحَادِيث الْمَنْع على من لم يظْهر لَهُ الْحق، أَو على عدم التَّأْوِيل لوَاحِد مِنْهُمَا، وَلَو كَانَ كَمَا قَالَ الْأَولونَ لظهر الْفساد واستطالوا، وَالْحق الَّذِي عَلَيْهِ أهل السّنة الْإِمْسَاك عَمَّا شجر بَين الصَّحَابَة، وَحسن الظَّن بهم، والتأويل لَهُم، وَأَنَّهُمْ مجتهدون متأولون لم يقصدوا مَعْصِيّة وَلَا مَحْض الدُّنْيَا، فَمنهمْ المخطىء فِي اجْتِهَاده والمصيب، وَقد رفع الله الْحَرج عَن الْمُجْتَهد المخطىء فِي الْفُرُوع، وَضعف أجر الْمُصِيب، وَتوقف الطَّبَرِيّ وَغَيره فِي تعْيين المحق مِنْهُم، وَصرح بِهِ الْجُمْهُور وَقَالُوا: إِن عليا، ﵁، وأشياعه كَانُوا مصيبين إِذا كَانَ أَحَق النَّاس بهَا، وَأفضل من على وَجه الدُّنْيَا حِينَئِذٍ. قَوْله: (إِنَّه كَانَ حَرِيصًا على قتل صَاحبه) وَفِي رِوَايَة: إِنَّه قد أَرَادَ قتل صَاحبه. قَالَ القَاضِي: فِيهِ حجَّة للْقَاضِي أبي بكر بن الطّيب، وَمن قَالَ بقوله: إِن الْعَزْم على الذَّنب وَالْعقد على عمله مَعْصِيّة بِخِلَاف الْهم المعفو عَنهُ، قَالَ: وللمخالف لَهُ أَن يَقُول: هَذَا قد فعل أَكثر من الْعَزْم، وَهُوَ المواجهة والقتال. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَالْأول هُوَ الصَّحِيح. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَن من نوى الْمعْصِيَة وأصر عَلَيْهَا يكون آثِما، وَإِن لم يعملها وَلَا تكلم. قلت: التَّحْقِيق فِيهِ أَن من عزم على الْمعْصِيَة بِقَلْبِه ووطن نَفسه عَلَيْهَا أَثم فِي اعْتِقَاده وعزمه، وَلِهَذَا جَاءَ بِلَفْظ الْحِرْص فِيهِ، وَيحمل مَا وَقع من نَحْو قَوْله ﵇: (إِن الله تجَاوز لأمتي عَن مَا حدثت بِهِ أَنْفسهَا مَا لم يتكلموا أَو يعلمُوا بِهِ) . وَفِي الحَدِيث الآخر: (إِذا هم عَبدِي بسيئة فَلَا تكتبوها عَلَيْهِ) ، على أَن ذَلِك فِيمَا إِذا لم يوطن نَفسه عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا مر ذَلِك بفكره من غير اسْتِقْرَار، وَيُسمى هَذَا هما وَيفرق بَين الْهم والعزم، وَإِن عزم تكْتب سَيِّئَة، فَإِذا عَملهَا كتبت مَعْصِيّة ثَانِيَة. الأسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: فِي قَوْله (انصر هَذَا الرجل) إِن السُّؤَال عَن الْمَكَان وَالْجَوَاب عَن الْفِعْل، فَلَا تطابق بَينهمَا. وَأجِيب: بِأَن المُرَاد: أُرِيد مَكَانا انصر فِيهِ. وَمِنْهَا مَا قيل: الْقَاتِل والمقتول من الصَّحَابَة فِي الْجنَّة إِن كَانَ قِتَالهمْ من الِاجْتِهَاد الْوَاجِب اتِّبَاعه. وَأجِيب: بِأَن ذَلِك عِنْد عدم الِاجْتِهَاد وَعدم ظن أَن فِيهِ الصّلاح الديني أما إِذا اجْتهد وَظن الصّلاح فِيهِ، فهما مأجوران مثابان، من أصَاب فَلهُ أَجْرَانِ، وَمن أَخطَأ فَلهُ أجر، وَمَا وَقع بَين الصَّحَابَة هُوَ من هَذَا الْقسم، فَالْحَدِيث لَيْسَ عَاما. وَمِنْهَا مَا قيل: لم منع أَبُو بكرَة الْأَحْنَف مِنْهُ، وَلم امْتنع بِنَفسِهِ مِنْهُ؟ وَأجِيب: بِأَن ذَلِك أَيْضا اجتهادي، فَكَانَ يُؤَدِّي اجْتِهَاده إِلَى الِامْتِنَاع وَالْمَنْع، فَهُوَ أَيْضا مثاب فِي ذَلِك. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن لَفْظَة (فِي النَّار) مشعرة بحقية مَذْهَب الْمُعْتَزلَة، حَيْثُ

стр. 212

قَالُوا بِوُجُوب الْعقَاب للعاصي وَأجِيب: بِالْمَنْعِ لِأَن مَعْنَاهُ: حَقّهمَا أَن يَكُونَا فِي النَّار، وَقد يعْفُو الله عَنهُ، وَقد مر تَحْقِيقه عَن قريب. وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ أَدخل الْحِرْص على الْقَتْل وَهُوَ صَغِيرَة فِي سلك الْقَتْل وَهُوَ كَبِيرَة؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ أدخلهما فِي سلك وَاحِد فِي مُجَرّد كَونهمَا سَببا لدُخُول النَّار فَقَط، وَإِن تَفَاوتا صغرا وكبرا وَغير ذَلِك. وَمِنْهَا مَا قيل: إِنَّمَا سمى الله الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْآيَتَيْنِ: مُؤمنين، وسماهما النَّبِي، ﵇، فِي الحَدِيث: مُسلمين، حَال الالتقاء لَا حَال الْقِتَال وَبعده وَأجِيب: بِأَن دلَالَة الْآيَة ظَاهِرَة، فَإِن فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فأصلحوا بَين أخويكم﴾ (لُقْمَان: ١٣) سماهما الله أَخَوَيْنِ وَأمر بالاصلاح بَينهمَا، وَلِأَنَّهُمَا عاصيان قبل الْقِتَال، وَهُوَ من حِين سعيا إِلَيْهِ وقصداه، وَأما الحَدِيث فَمَحْمُول على معنى الْآيَة، وَالله أعلم. ٢٣ - (بَاب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ) الْكَلَام فِيهِ على وَجْهَيْن. الأول: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ أَن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ أَن الله تَعَالَى سمى الْبُغَاة مُؤمنين، وَلم ينف عَنْهُم اسْم الْإِيمَان مَعَ كَونهم عصاة، وَأَن الْمعْصِيَة لَا تخرج صَاحبهَا عَن الْإِيمَان، وَلَا شكّ أَن الْمعْصِيَة ظلم، وَالظُّلم فِي ذَاته مُخْتَلف، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب الْإِشَارَة إِلَى أَنْوَاع الظُّلم حَيْثُ قَالَ: ظلم دون ظلم، وَقَالَ ابْن بطال: مَقْصُود الْبَاب أَن تَمام الْإِيمَان بِالْعَمَلِ، وَأَن الْمعاصِي ينقص بهَا الْإِيمَان وَلَا تخرج صَاحبهَا إِلَى كفر، وَالنَّاس مُخْتَلفُونَ فِيهِ على قدر صغر الْمعاصِي وكبرها. الثَّانِي: قَوْله: (بَاب) لَا يعرب إلَاّ بِتَقْدِير مُبْتَدأ قبله، لأَنا قد قُلْنَا غير مرّة إِن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ بعد التَّرْكِيب، وَلَا يُضَاف إِلَى مَا بعده، وَالتَّقْدِير فِي الْحَقِيقَة: هَذَا بَاب يبين فِيهِ ظلم دون ظلم، وَهَذَا لفظ أثر رَوَاهُ أَحْمد فِي كتاب الْإِيمَان من حَدِيث عَطاء بن أبي رَبَاح وَغَيره، أَخذه البُخَارِيّ وَوَضعه تَرْجَمَة، ثمَّ رتب عَلَيْهِ الحَدِيث الْمَرْفُوع. وَلَفظه: دون، إِمَّا بِمَعْنى: غير، يَعْنِي: أَنْوَاع الظُّلم مُخْتَلفَة مُتَغَايِرَة؛ وَإِمَّا بِمَعْنى: الْأَدْنَى، يَعْنِي: بَعْضهَا أَشد فِي الظلمية وَسُوء عَاقبَتهَا. ٣٢ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدّثنا شُعْبَةُ ح قَالَ وحدّثني بِشْرٌ قَالَ حدّثنا مُحَمَّدٌ عَن شُعْبَةَ عَن سُلَيْمَانَ عَن إبْراهِيمَ عَن عَلْقَمَةَ عَن عبدِ اللَّهِ قالَ لَمَّا نَزَلَت الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ فأنْزَلَ ﴿اللَّهُ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ .. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه لما علم أَن الظُّلم على أَنْوَاع، وَأَن بعض أَنْوَاع الظُّلم كفر وَبَعضهَا لَيْسَ بِكفْر، فَيعلم من ذَلِك ضَرُورَة أَن بَعْضهَا دون بعض، وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين إِحْدَاهمَا: عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله. وَالْأُخْرَى: عَن بشر بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله. فَإِن قلت: الحَدِيث عَال فِي الطَّرِيق الأولى لِأَن رجالها خَمْسَة، وَرِجَال الثَّانِيَة سِتَّة، فلِمَ لم يكتف بِالْأولَى؟ قلت: إِنَّمَا أخرجه بِالطَّرِيقِ الثَّانِيَة أَيْضا لكَون مُحَمَّد بن جَعْفَر أثبت النَّاس فِي شُعْبَة، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّنْبِيه عَلَيْهِ. فَإِن قلت: اللَّفْظ الَّذِي سَاقه لِمَنْ من شيخيه؟ قلت: اللَّفْظ لبشر بن خَالِد. وَكَذَلِكَ أخرجه النَّسَائِيّ عَنهُ، وَتَابعه ابْن أبي عدي عَن شُعْبَة، وَهُوَ عِنْد البُخَارِيّ فِي تَفْسِير الْأَنْعَام. وَأما لفظ ابْن الْوَلِيد فساقه البُخَارِيّ فِي قصَّة لُقْمَان بِلَفْظ: (أَيّنَا لم يلبس إيمَانه بظُلْم) ؟ وَزَاد فِيهِ أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) من طَرِيق سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة بعد قَوْله: ﴿إِن الشّرك لظلم عَظِيم﴾ (لُقْمَان: ١٣) فطابت أَنْفُسنَا. بَيَان رِجَاله: وهم ثَمَانِيَة. الأول: أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ، وَقد مر ذكره. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج، وَقد مر ذكره أَيْضا. الثَّالِث: بشر، بِكَسْر الْبَاء وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، ابْن خَالِد العسكري أَبُو مُحَمَّد الفارض، روى عَنهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وَقَالَ: ثِقَة، وَمُحَمّد بن يحيى بن مَنْدَه وَمُحَمّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة. توفّي سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن جَعْفَر الْهُذلِيّ، مَوْلَاهُم، الْبَصْرِيّ صَاحب الكراديس الْمَعْرُوف بغندر، وَسمع السفيانين وَشعْبَة وجالسه نَحوا من عشْرين سنة، وَكَانَ شُعْبَة زوج أمه، روى عَنهُ أَحْمد وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَبُنْدَار وَخلق كثير، صَامَ خمسين سنة يَوْمًا وَيَوْما، وَقَالَ يحيى بن معِين: كَانَ من أصح النَّاس كتابا. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق، وَهُوَ فِي شُعْبَة: ثِقَة، وغندر لقب لَهُ لقبه بِهِ ابْن جريج لما قدم الْبَصْرَة، وَحدث عَن الْحسن؟ فَجعل مُحَمَّد يكثر التشغيب عَلَيْهِ، فَقَالَ: أسكت يَا غنْدر. وَأهل الْحجاز يسمون المشغب: غندرا

стр. 213

وَزعم أَبُو جَعْفَر النّحاس فِي كتاب (الِاشْتِقَاق) أَنه من الْغدر، وَأَن نونه زَائِدَة، وَالْمَشْهُور فِي داله الْفَتْح، وَحكى الْجَوْهَرِي ضمهَا. مَاتَ سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة، قَالَه أَبُو دَاوُد، وَقيل: سنة أَربع، وَقَالَ ابْن سعد: سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ. وَقد تلقب عشرَة أنفس بغندر. الْخَامِس: سُلَيْمَان بن مهْرَان، أَبُو مُحَمَّد الْأَسدي الْكَاهِلِي، مَوْلَاهُم، الْكُوفِي الْأَعْمَش. وكاهل هُوَ أَسد بن خُزَيْمَة، يُقَال: أَصله من طبرستان من قَرْيَة يُقَال لَهَا دباوند، بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْألف وَفتح الْوَاو وَسُكُون النُّون وَفِي آخِره دَال مُهْملَة، ولد بهَا الْأَعْمَش وَجَاء بِهِ أَبوهُ حميلاً إِلَى الْكُوفَة، فَاشْتَرَاهُ رجل من بني أَسد فَأعْتقهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي (جَامِعَة) فِي بَاب الاستتار عِنْد الْحَاجة، عَن الْأَعْمَش أَنه قَالَ: كَانَ أبي حميلا فورثه مَسْرُوق. فالحميل على هَذَا أَبوهُ، والحميل: الَّذِي يحمل من بَلَده صَغِيرا وَلم يُولد فِي الْإِسْلَام، وَظهر للأعمش أَرْبَعَة ألآف حَدِيث، وَلم يكن لَهُ كتاب، وَكَانَ فصيحا لم يلحن قطّ، وَكَانَ أَبوهُ من سبي الديلم، يُقَال: إِنَّه شهد قتل الْحُسَيْن، ﵁، وَأَن الْأَعْمَش ولد يَوْم قتل الْحُسَيْن، يَوْم عَاشُورَاء سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ. وَقَالَ البُخَارِيّ: ولد سنة سِتِّينَ، وَمَات سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة، رأى أنسا، قيل: وَأَبا بكرَة، وروى عَن عبد الله بن أبي أوفى، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي (شَرحه) : رأى أنس بن مَالك وَعبد الله بن أبي أوفى وَلم يثبت لَهُ سَماع من أَحدهمَا، وَسمع أَبَا وَائِل ومعرورا ومجاهدا وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ والتيمي وَالشعْبِيّ وخلقا، روى عَنهُ السبيعِي وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ وَالثَّوْري وَشعْبَة وَيحيى الْقطَّان وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَخلق سواهُم. وَقَالَ يحيى الْقطَّان: الْأَعْمَش من النساك المحافظين على الصَّفّ الأول، وَكَانَ عَلامَة الْإِسْلَام، وَقَالَ وَكِيع: بَقِي الْأَعْمَش قَرِيبا من سبعين سنة لم تفته التَّكْبِيرَة الأولى، وَكَانَ شُعْبَة إِذا ذكر الْأَعْمَش قَالَ: الْمُصحف الْمُصحف، سَمَّاهُ الْمُصحف لصدقه، وَكَانَ يُسمى: سيد الْمُحدثين، وَكَانَ فِيهِ تشيع، وَنسب إِلَى التَّدْلِيس، وَقد عنعن هَذَا الحَدِيث عَن إِبْرَاهِيم، وَلم ير فِي جَمِيع الطّرق الَّتِي فِيهَا رِوَايَة الْأَعْمَش للْبُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا أَنه صرح بِالتَّحْدِيثِ أَو الْإِخْبَار إلَاّ فِي رِوَايَة حَفْص بن غياث عَن الْأَعْمَش، الحَدِيث الْمَذْكُور فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي قصَّة إِبْرَاهِيم ﵇، على مَا سَيَجِيءُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى: فَإِن قلت: المعنعن إِذا كَانَ مدلسا لَا يحمل حَدِيثه على السماع، إِلَّا أَن يبين، فَيَقُول: حَدثنَا، أَو أخبرنَا، أَو سَمِعت، أَو مَا يدل على التحديث. قلت: قَالَ ابْن الصّلاح وَغَيره: مَا كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من ذَلِك عَن المدلسين: كالسفيانين وَالْأَعْمَش وَقَتَادَة وَغَيرهم، فَمَحْمُول على ثُبُوت السماع عِنْد البُخَارِيّ وَمُسلم من طَرِيق آخر، وَقد ذكر الْخَطِيب عَن بعض الْحفاظ، أَن الْأَعْمَش يُدَلس عَن غير الثِّقَة، بِخِلَاف سُفْيَان فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُدَلس عَن ثِقَة. وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا بُد أَن يبين حَتَّى يعرف، وَالله أعلم، روى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّادِس: إِبْرَاهِيم بن يزِيد بن قيس بن الْأسود بن عَمْرو بن ربيعَة بن ذهل بن سعد بن مَالك بن النخع، النَّخعِيّ أَبُو عمرَان الْكُوفِي، فَقِيه أهل الْكُوفَة، دخل على عَائِشَة، ﵂، وَلم يثبت مِنْهَا لَهُ سَماع. وَقَالَ الْعجلِيّ: أدْرك جمَاعَة من الصَّحَابَة وَلم يحدث من أحد مِنْهُم، وَكَانَ ثِقَة. مفتي أهل زَمَانه هُوَ وَالشعْبِيّ، وَسمع عَلْقَمَة وَالْأسود بن زيد وخالدا ومسروقا وخلقا كثيرا، روى عَنهُ الشّعبِيّ وَمَنْصُور وَالْأَعْمَش وَغَيرهم، وَكَانَ أَعور، وَقَالَ الشّعبِيّ: لما مَاتَ إِبْرَاهِيم مَا ترك أحدا أعلم مِنْهُ وَلَا أفقه، فَقيل لَهُ: وَلَا الْحسن وَابْن سِيرِين؟ قَالَ: وَلَا هما، وَلَا من أهل الْبَصْرَة، وَلَا من أهل الْكُوفَة والحجاز. وَفِي رِوَايَة: وَلَا بِالشَّام. قَالَ الْأَعْمَش: كَانَ إِبْرَاهِيم صيرفي الحَدِيث، مَاتَ وَهُوَ مختف من الْحجَّاج، وَلم يحضر جنَازَته إلَاّ سَبْعَة أنفس سنة سِتّ وَتِسْعين، وَهُوَ ابْن تسع، وَقيل: ثَمَان وَخمسين. قيل: ولد سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ، وَقيل: سنة خمسين، فَيكون على هَذَا توفّي ابْن سِتّ وَأَرْبَعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّابِع: عَلْقَمَة بن قيس بن عبد الله بن عَلْقَمَة بن سلامان بن كهيل بن بكر بن عَوْف بن النَّخعِيّ، أَبُو شبْل الْكُوفِي، عَم الْأسود وَعبد الرَّحْمَن ابْني يزِيد، خَالِي إِبْرَاهِيم بن يزِيد النَّخعِيّ لِأَن أم إِبْرَاهِيم مليكَة ابْنة يزِيد، وَهِي أُخْت الْأسود وَعبد الرَّحْمَن ابْني يزِيد، روى عَن أبي بكر، ﵁، وَسمع عَن عمر وَعُثْمَان وَعلي وَابْن مَسْعُود وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة، ﵃، وروى عَنهُ أَبُو وَائِل وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَغَيرهم، اتّفق على جلالته وتوثيقه، وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: كَانَ عَلْقَمَة يشبه عبد الله بن مَسْعُود. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: كَانَ عَلْقَمَة من الربانيين. وَقَالَ أَبُو قيس: رَأَيْت إِبْرَاهِيم آخِذا بركاب عَلْقَمَة. مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، وَقيل: وَسبعين، وَلم يُولد لَهُ قطّ، روى لَهُ الْجَمَاعَة إلَاّ ابْن مَاجَه. الثَّامِن: عبد الله بن مَسْعُود، ﵁، وَقد مر ذكره فِي أول كتاب الْإِيمَان. وَفِي الصَّحَابَة ثَلَاثَة عبد لله بن مَسْعُود أحدهم: هَذَا وَالثَّانِي: أَبُو عَمْرو الثَّقَفِيّ، أَخُو أبي عُبَيْدَة، اسْتشْهد يَوْم الجسر. وَالثَّالِث: غفاري، لَهُ حَدِيث. وَفِيهِمْ رَابِع: اخْتلف فِي إسمه فَقيل: ابْن مسْعدَة، وَقيل: ابْن مَسْعُود الْفَزارِيّ.

стр. 214

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصُورَة الْجمع وَصُورَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ ثَلَاثَة من التَّابِعين الْكُوفِيّين يروي بَعضهم عَن بعض: الْأَعْمَش وَإِبْرَاهِيم وعلقمة، وَهَذَا الْإِسْنَاد أحد مَا قيل فِيهِ إِنَّه أصح الْأَسَانِيد. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم حفاظ أَئِمَّة أجلاء. وَمِنْهَا: أَن فِي بعض النّسخ قبل قَوْله: (وحَدثني بشر) صُورَة: ح، أَشَارَ إِلَى التَّحْوِيل حَائِلا بَين الإسنادين، فَهَذَا إِن كَانَ من المُصَنّف، فَهِيَ تدل على التَّحْوِيل قطعا، وَإِن كَانَ من بعض الروَاة قد زَادهَا فَيحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا، أَن تكون مُهْملَة دَالَّة على التَّحْوِيل كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَالْآخر: أَن تكون مُعْجمَة دَالَّة على البُخَارِيّ بطرِيق الرَّمْز، أَي: قَالَ البُخَارِيّ: وحَدثني بشر، وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة بواو الْعَطف. فَافْهَم. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، ﵈، عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة، وَعَن بشر بن خَالِد عَن غنْدر عَن شُعْبَة، وَفِي التَّفْسِير عَن بنْدَار عَن ابْن عدي عَن شُعْبَة، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، ﵈، عَن ابْن حَفْص بن غياث عَن أَبِيه، وَعَن إِسْحَاق عَن عِيسَى بن يُونُس، وَفِي التَّفْسِير واستتابة الْمُرْتَدين عَن قُتَيْبَة عَن جرير. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر عَن ابْن إِدْرِيس، وَأبي مُعَاوِيَة ووكيع، وَعَن إِسْحَاق وَابْن خشرم عَن عِيسَى، وَعَن منْجَاب عَن عَليّ بن مسْهر، وَعَن أبي كريب عَن ابْن إِدْرِيس كلهم عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم بِهِ، وَفِي بعض طرق البُخَارِيّ: لما نزلت الْآيَة شقّ ذَلِك على أَصْحَاب رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالُوا: أَيّنَا لم يلبس إِيمَانًا بظُلْم؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِنَّه لَيْسَ كَذَلِك، أَلا تَسْمَعُونَ إِلَى قَول لُقْمَان ﴿إِن الشّرك لظلم عَظِيم﴾ (لُقْمَان: ١٣) وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا. بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب: قَوْله: (لم يلبسوا) من بَاب: لبست الْأَمر ألبسهُ، بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي، وَالْكَسْر فِي الْمُسْتَقْبل، إِذا خلطته؛ وَفِي: لبس الثَّوْب بضده يَعْنِي، بِالْكَسْرِ فِي الْمَاضِي، وَالْفَتْح فِي الْمُسْتَقْبل. والمصدر من الأول: لبس، بِفَتْح اللَّام، وَمن الثَّانِي: لبس بِالضَّمِّ. وَفِي (الْعباب) : قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وللبسنا عَلَيْهِم مَا يلبسُونَ﴾ (الْأَنْعَام: ٩) أَي شبهنا عَلَيْهِم وأضللناهم كَمَا ضلوا، قَالَ ابْن عَرَفَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تلبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ﴾ (الْبَقَرَة: ٤٢) أَي: لَا تخلطوه بِهِ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿أويلبسكم شيعًا﴾ (الْأَنْعَام: ٦٥) أَي يخلط أَمركُم خلط اضْطِرَاب لَا خلط اتِّفَاق. وَقَوله جلّ ذكره: ﴿وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم﴾ (الْأَنْعَام: ٨٢) أَي: لم يخلطوه بشرك، قَالَ العجاج: (ويفصلون اللّبْس بعد اللّبْس ... من الْأُمُور الربس بعد الربس) واللبس أَيْضا: اخْتِلَاط الظلام، وَفِي الْأَمر لبسة، بِالضَّمِّ، أَي: شُبْهَة وَلَيْسَ بواضح. قَوْله: (بظُلْم) ، الظُّلم فِي أصل الْوَضع: وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه، يُقَال: ظلمه يَظْلمه ظلما ومظلمة والظلامة والظليمة والمظلمة: مَا تطلبه عِنْد الْمَظَالِم، وَهُوَ اسْم مَا أَخذ مِنْك. وتظلمني فلَان أَي: ظَلَمَنِي مَالِي. قَوْله: (لما) ، بِمَعْنى: حِين، وَقَوله: (قَالَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ جَوَابه. قَوْله: (نزلت) : فعل وفاعله، قَوْله: ( ﴿الَّذين آمنُوا﴾ (الْأَنْعَام: ٨٢)) الْآيَة، والتأنيث بِاعْتِبَار الْآيَة، وَالتَّقْدِير: لما نزلت هَذِه الْآيَة: ( ﴿الَّذين آمنُوا﴾ (الْأَنْعَام: ٨٢)) إِلَى آخرهَا. قَوْله: (أَيّنَا) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَقَوله: (لم يظلم) خَبره، وَالْجُمْلَة مقول القَوْل، قَوْله: (فَأنْزل الله) عطف على: قَالَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، وَالْفَاء مَعْنَاهَا التعقيب، وَقد تكون بِمَعْنى: ثمَّ، يَعْنِي للتراخي، وَالَّذِي تَقْتَضِيه الْحَال أَنَّهَا هَهُنَا على أَصْلهَا. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (أَيّنَا لم يظلم) ، وَفِي بعض النّسخ: (أَيّنَا لم يظلم نَفسه) ، بِزِيَادَة: نَفسه، وَالْمعْنَى: إِن الصَّحَابَة فَهموا الظُّلم على الْإِطْلَاق، فشق عَلَيْهِم ذَلِك، فَبين الله تَعَالَى أَن المُرَاد الظُّلم الْمُقَيد، وَهُوَ الظُّلم الَّذِي لَا ظلم بعده. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا شقّ عَلَيْهِم لِأَن ظَاهر الظُّلم الافتيات بِحُقُوق النَّاس، والافتيات السَّبق إِلَى الشَّيْء، وَمَا ظلمُوا بِهِ أنفسهم من ارْتِكَاب الْمعاصِي، فظنوا أَن المُرَاد هَهُنَا مَعْنَاهُ الظَّاهِر، فَأنْزل الله تَعَالَى الْآيَة. وَمن جعل الْعِبَادَة وَأثبت الربوبية لغير الله تَعَالَى فَهُوَ ظَالِم، بل أظلم الظَّالِمين. وَقَالَ التَّيْمِيّ: معنى الْآيَة: لم يفسدوا إِيمَانهم ويبطلوه بِكفْر، لِأَن الْخَلْط بَينهمَا لَا يتَصَوَّر، أَي: لم يخلطوا صفة الْكفْر بِصفة الْإِيمَان فَتحصل لَهُم صفتان إِيمَان مُتَقَدم وَكفر مُتَأَخّر بِأَن كفرُوا بعد إِيمَانهم، وَيجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: ينافقوا فيجمعوا بَينهمَا ظَاهرا وَبَاطنا، وَإِن كَانَا لَا يَجْتَمِعَانِ. قلت: اخْتلفت أَلْفَاظ الحَدِيث فِي هَذَا، فَفِي رِوَايَة جرير عَن الْأَعْمَش: (فَقَالُوا أَيّنَا لم يلبس إيمَانه بظُلْم؟ فَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِك، أَلا تَسْمَعُونَ إِلَى قَول لُقْمَان) ؟ وَفِي رِوَايَة وَكِيع عَنهُ: (فَقَالَ لَيْسَ كَمَا تظنون) . وَفِي رِوَايَة عِيسَى بن يُونُس عَنهُ: (إِنَّمَا هُوَ الشّرك، ألم تسمعوا مَا قَالَ لُقْمَان؟) وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَنهُ مَا مضى ذكره هَهُنَا، فَبين

стр. 215

رِوَايَة شُعْبَة عَنهُ وَبَين رِوَايَات جرير ووكيع وَعِيسَى بن يُونُس اخْتِلَاف، والتوفيق بَينهمَا أَن يَجْعَل إِحْدَاهمَا مبينَة لِلْأُخْرَى، فَيكون الْمَعْنى: لما شقّ عَلَيْهِم أنزل الله تَعَالَى ﴿إِن الشّرك لظلم عَظِيم﴾ (لُقْمَان: ١٣) فأعلمهم النَّبِي ﷺ أَن الظُّلم الْمُطلق فِي إِحْدَاهمَا يُرَاد بِهِ الْمُقَيد فِي الْأُخْرَى، وَهُوَ الشّرك. فالصحابة، ﵃، حملُوا اللَّفْظ على عُمُومه، فشق عَلَيْهِم إِلَى أَن أعلمهم النَّبِي ﷺ بِأَنَّهُ لَيْسَ كَمَا ظننتم، بل كَمَا قَالَ لُقْمَان ﵇. فَإِن قلت: من أَيْن حملوه على الْعُمُوم؟ قلت: لِأَن قَوْله: (بظُلْم) نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي، فاقتضت التَّعْمِيم. فَإِن قلت: من أَيْن لزم أَن من لبس الْإِيمَان بظُلْم لَا يكون آمنا وَلَا مهتديا حَتَّى شقّ عَلَيْهِم؟ قلت: من تَقْدِيم: لَهُم، على الْأَمْن، فِي قَوْله: ﴿أُولَئِكَ لَهُم الْأَمْن﴾ (الْأَنْعَام: ٨٢) أَي: لَهُم الْأَمْن لَا لغَيرهم، وَمن تَقْدِيم ﴿وهم﴾ على ﴿مهتدون﴾ (الْأَنْعَام: ٨٢) فِي قَوْله: ﴿وهم مهتدون﴾ (الْأَنْعَام: ٨٢) وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي: ﴿كلمة هُوَ قَائِلهَا﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ١٠٠) إِنَّه: للتخصيص، أَي: هُوَ قَائِلهَا لَا غَيره. فَإِن قلت: لَا يلْزم من قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الشّرك لظلم عَظِيم﴾ (لُقْمَان: ١٣) إِن غير الشّرك لَا يكون ظلما. قلت: التَّنْوِين فِي: بظُلْم، للتعظيم، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم عَظِيم، فَلَمَّا تبين أَن الشّرك ظلم عَظِيم، علم أَن المُرَاد: لم يلبسوا إِيمَانهم بشرك، وَقد ورد ذَلِك صَرِيحًا عِنْد البُخَارِيّ من طَرِيق حَفْص بن غياث عَن الْأَعْمَش، وَلَفظ: (قُلْنَا: يَا رَسُول الله أَيّنَا لم يظلم نَفسه؟ قَالَ: لَيْسَ كَمَا تَقولُونَ، لم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم بشرك، أولم تسمعوا إِلَى قَول لُقْمَان) ؟ فَذكر الْآيَة. فَإِن قلت: لِمَ ينْحَصر الظُّلم الْعَظِيم على الشّرك؟ قلت: عَظمَة هَذَا الظُّلم مَعْلُومَة بِنَصّ الشَّارِع، وعظمة غَيره غير مَعْلُومَة، وَالْأَصْل عدمهَا. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: إِن الْعَام يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْخَاص، بِخِلَاف قَول أهل الظَّاهِر، فَحمل الصَّحَابَة ذَلِك على جَمِيع أَنْوَاع الظُّلم، فَبين الله تَعَالَى أَن المُرَاد نوع مِنْهُ، وَحكى الْمَاوَرْدِيّ فِي الظُّلم فِي الْآيَة قَوْلَيْنِ. أَحدهمَا: أَن المُرَاد مِنْهُ الشّرك، وَهُوَ قَول أبي بن كَعْب وَابْن مَسْعُود عملا بِهَذَا الحَدِيث. قَالَ: وَاخْتلفُوا على الثَّانِي، فَقيل: إِنَّهَا عَامَّة، وَيُؤَيِّدهُ مَا وَرَاه عبد بن حميد عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ (أَن رجلا سَأَلَ عَنْهَا رَسُول الله ﷺ فَسكت حَتَّى جَاءَ رجل فَأسلم، فَلم يلبث قَلِيلا حَتَّى اسْتشْهد. فَقَالَ، ﵇: هَذَا مِنْهُم، من الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم) . وَقيل: إِنَّهَا خَاصَّة نزلت فِي إِبْرَاهِيم، ﵇، وَلَيْسَ فِي هَذِه الْآيَة فِيهَا شَيْء، قَالَه عَليّ، ﵁. وَقيل: إِنَّهَا فِيمَن هَاجر إِلَى الْمَدِينَة. قَالَه عِكْرِمَة. قلت: جعل صَاحب (الْكَشَّاف) هَذِه الْآيَة جَوَابا عَن السُّؤَال، أَعنِي قَوْله: ﴿فَأَي الْفَرِيقَيْنِ أَحَق بالأمن إِن كُنْتُم تعلمُونَ﴾ (الْأَنْعَام: ٨١) وَأَرَادَ بالفريقين فريقي الْمُشْركين والموحدين، وَفسّر الشّرك بالمعصية. فَقَالَ: أَي لم يخلطوا إِيمَانهم بِمَعْصِيَة تفسقهم، ثمَّ قَالَ: وأبى تَفْسِير الظُّلم بالْكفْر لفظ اللّبْس، وَهَذَا لَا يمشي إلَاّ على قَول من قَالَ: إِنَّهَا خَاصَّة نزلت فِي إِبْرَاهِيم. الثَّانِي: إِن الْمُفَسّر يقْضِي على الْمُجْمل. الثَّالِث: إِثْبَات الْعُمُوم. الرَّابِع: عُمُوم النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي لفهم الصَّحَابَة وَتَقْرِير الشَّارِع عَلَيْهِ وَبَيَانه لَهُم التَّخْصِيص، وَأنكر القَاضِي الْعُمُوم، فَقَالَ: حملوه على أظهر مَعَانِيه، فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ يُطلق على الْكفْر وَغَيره لُغَة وَشرعا، فَعرف الِاسْتِعْمَال فِيهِ الْعُدُول عَن الْحق فِي غير الْكفْر، كَمَا أَن لفظ الْكفْر يُطلق على معَان من: جحد النعم والستر، لَكِن الْغَالِب عِنْد مُجَرّد الْإِطْلَاق حمله على ضد الْإِيمَان، فَلَمَّا ورد لفظ الظُّلم من غير قرينَة حمله الصَّحَابَة على أظهر وجوهه، فَلَيْسَ فِيهِ دلَالَة الْعُمُوم. قلت: يرد هَذَا مَا ذَكرْنَاهُ من أَن النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي تفِيد الْعُمُوم، وَرِوَايَة البُخَارِيّ أَيْضا. الْخَامِس: استنبط مِنْهُ الْمَازرِيّ وَالنَّوَوِيّ وَغَيرهمَا تَأْخِير الْبَيَان إِلَى وَقت الْحَاجة وَقَالَ القَاضِي عِيَاض فِي الرَّد على ذَلِك بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِه الْقَضِيَّة تَكْلِيف عمل، بل تَكْلِيف اعْتِقَاد بِتَصْدِيق الْخَبَر، واعتقاد بِتَصْدِيق لَازم لأوّل وُرُوده، فَمَا هِيَ الْحَاجة المؤخرة إِلَى الْبَيَان؟ لكِنهمْ لما أشفقوا بَين لَهُم المُرَاد. وَقَالَ بَعضهم: وَيُمكن أَن يُقَال: المعتقد أَيْضا يحْتَاج إِلَى الْبَيَان فَمَا انْتَفَت الْحَاجة، وَالْحق أَن فِي الْقَضِيَّة تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْخطاب لأَنهم حَيْثُ احتاجوا إِلَيْهِ لم يتَأَخَّر. قلت: لَو فهم هَذَا الْقَائِل كَلَام القَاضِي لما استدرك عَلَيْهِ بِمَا قَالَه، فَالْقَاضِي يَقُول: اعْتِقَاد التَّصْدِيق لَازم ... الخ، فَالَّذِي يفهم هَذَا الْكَلَام كَيفَ يَقُول: فَمَا انْتَفَت الْحَاجة. وَقَوله: وَالْحق أَن فِي الْقِصَّة تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْخطاب، لَيْسَ بِحَق، لِأَن الْآيَة لَيْسَ فِيهَا خطاب، وَالْخطاب من بَاب الْإِنْشَاء، وَالْآيَة إِخْبَار. على أَن تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْخطاب مُمْتَنع عِنْد جمَاعَة. وَقيد الْكَرْخِي جَوَازه فِي الْمُجْمل على مَا عرف

стр. 216

فِي مَوْضِعه. السَّادِس: أَن الْمعاصِي لَا تكون كفرا، وَهُوَ مَذْهَب أهل الْحق، وَأَن الظُّلم مُخْتَلف فِي ذَاته كَمَا عَلَيْهِ تَرْجَمته. السَّابِع: احْتج بِهِ من قَالَ: الْكَلَام حكمه الْعُمُوم حَتَّى يَأْتِي دَلِيل الْخُصُوص. الثَّامِن: أَن اللَّفْظ يحمل على خلاف ظَاهره لمصْلحَة تَقْتَضِي ذَلِك، فَافْهَم. ٢٤ - (بابُ عَلَاماتِ المُنَافِقِ) الْكَلَام فِيهِ من وُجُوه. الأول: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ أَن الْبَاب الأول مترجم على أَن الظُّلم فِي ذَاته مُخْتَلف وَله أَنْوَاع، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا مُشْتَمل على بَيَان أَنْوَاع النِّفَاق، وَأَيْضًا فالنفاق نوع من أَنْوَاع الظُّلم، وَلما قَالَ فِي الْبَاب الأول: ظلم دون ظلم، عقبه بِبَيَان نوع مِنْهُ. وَقَوله الْكرْمَانِي: وَأما مُنَاسبَة هَذَا الْبَاب لكتاب الْإِيمَان أَن يبين أَن هَذِه عَلامَة عدم الْإِيمَان، أَو يعلم مِنْهُ أَن بعض النِّفَاق كفر دون بعض لَيْسَ بمناسب، بل الْمُنَاسب ذكر الْمُنَاسبَة بَين كل بَابَيْنِ متواليين، فَذكر الْمُنَاسبَة بَين بَابَيْنِ بَينهمَا أَبْوَاب غير مُنَاسِب. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مُرَاد البُخَارِيّ بِذكر هَذَا هُنَا أَن الْمعاصِي تنقص الْإِيمَان، كَمَا أَن الطَّاعَة تزيده. قلت: هَذَا أَيْضا غير موجه فِي ذكر الْمُنَاسبَة على مَا لَا يخفى. الثَّانِي: إِن لفظ بَاب مُعرب لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَهُوَ مُضَاف إِلَى مَا بعده تَقْدِيره: هَذَا بَاب فِي بَيَان عَلَامَات الْمُنَافِق. والعلامات جمع عَلامَة، وَهِي الَّتِي يسْتَدلّ بهَا على الشَّيْء، وَمِنْه سمي الْجَبَل: عَلامَة وعلما أَيْضا. فَإِن قلت: كَانَ الْمُنَاسب أَن يَقُول: بَاب آيَات الْمُنَافِق، مُطَابقَة للفظ الحَدِيث. قلت: لَعَلَّه نبه بذلك على مَا جَاءَ فِي رِوَايَة أخرجهَا أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه بِلَفْظ: (عَلَامَات الْمُنَافِق) . الثَّالِث: لفظ الْمُنَافِق من النِّفَاق، وَزعم ابْن سَيّده أَنه الدُّخُول فِي الْإِسْلَام من وَجه وَالْخُرُوج عَنهُ من آخر، مُشْتَقّ من نافقاء اليربوع، فَإِن إِحْدَى جحريه يُقَال لَهَا النافقاء، وَهُوَ مَوضِع يرققه بِحَيْثُ إِذا ضرب رَأسه عَلَيْهَا ينشق، وَهُوَ يكتمها وَيظْهر غَيرهَا، فَإِذا أَتَى الصَّائِد إِلَيْهِ من قبل القاصعاء، وَهُوَ جُحْره الظَّاهِر الَّذِي يقصع فِيهِ، أَي: يدْخل، ضرب النافقاء بِرَأْسِهِ فانتفق، أَي: خرج، فَكَمَا أَن اليربوع يكتم النافقاء وَيظْهر القاصعاء، كَذَلِك الْمُنَافِق يكتم الْكفْر وَيظْهر الْإِيمَان، أَو يدْخل فِي الشَّرْع من بَاب وَيخرج من آخر؛ ويناسبه من وَجه آخر وَهُوَ أَن النافقاء ظَاهره يرى كالأرض، وباطنه الحفرة فِيهَا، فَكَذَا الْمُنَافِق. وَقَالَ الْقَزاز: يُقَال: نَافق اليربوع ينافق فَهُوَ مُنَافِق إِذا فعل ذَلِك، وَكَذَلِكَ نفق ينْفق فَهُوَ مُنَافِق من هَذَا، وَقيل: الْمُنَافِق مَأْخُوذ من النفق وَهُوَ: السرب تَحت الأَرْض يُرَاد أَنه يسْتَتر بِالْإِسْلَامِ كَمَا يسْتَتر صَاحب النفق فِيهِ؛ وَجمع النفق أنفاق. وَقَالَ ابْن سَيّده: النافقاء وَالنَّفقَة جُحر الضَّب واليربوع، وَالْحَاصِل أَن الْمُنَافِق هُوَ الْمظهر لما يبطن خِلَافه. وَفِي الِاصْطِلَاح: هُوَ الَّذِي يظْهر الْإِسْلَام ويبطن الْكفْر، فَإِن كَانَ فِي اعْتِقَاد الْإِيمَان فَهُوَ نفاق الْكفْر وإلَاّ فَهُوَ نفاق الْعَمَل، وَيدخل فِيهِ الْفِعْل وَالتّرْك، وتتفاوت مراتبه. قلت: هَذَا التَّفْسِير تَفْسِير الزنديق الْيَوْم، وَلِهَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ عَن مَالك: إِن النِّفَاق على عهد رَسُول الله ﷺ هُوَ الزندقة الْيَوْم عندنَا. فَإِن قيل: الْمُنَافِق من بَاب المفاعلة، وَأَصلهَا أَن تكون لإثنين. أُجِيب: بِأَن مَا جَاءَ على هَذَا عِنْدهم لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة خَادع وراوغ، وَقيل: بل لِأَنَّهُ يُقَابل بِقبُول الْإِسْلَام مِنْهُ، فَإِن علم أَنه مُنَافِق فقد صَار الْفِعْل من اثْنَيْنِ، وَسمي الثَّانِي باسم الأول مجَازًا للازدواج، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ﴾ (الْبَقَرَة: ١٩٤) وَاعْلَم أَن حَقِيقَة النِّفَاق لَا تعلم إلَاّ بتقسيم نذكرهُ، وَهُوَ: إِن أَحْوَال الْقلب أَرْبَعَة، وَهِي: الِاعْتِقَاد الْمُطلق عَن الدَّلِيل وَهُوَ: الْعلم. والاعتقاد الْمُطلق لَا عَن الدَّلِيل وَهُوَ: اعْتِقَاد الْمُقَلّد. والاعتقاد الْغَيْر المطابق وَهُوَ: الْجَهْل. وخلو الْقلب عَن ذَلِك، فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَقسَام، وَأما أَحْوَال اللِّسَان فَثَلَاثَة: الْإِقْرَار وَالْإِنْكَار وَالسُّكُوت، فَيحصل من ذَلِك اثْنَا عشر قسما. الأول: مَا إِذا حصل الْعرْفَان بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ، فَهَذَا الْإِقْرَار إِن كَانَ اختباريا فصاحبه مُؤمن حَقًا، وَإِن كَانَ اضطراريا فَهُوَ كَافِر فِي الظَّاهِر. الثَّانِي: أَن يحصل الْعرْفَان القلبي وَالْإِنْكَار اللساني، فَهَذَا الْإِنْكَار إِن كَانَ اضطراريا فصاحبه مُسلم، وَإِن كَانَ اختياريا كَانَ كَافِرًا معاندا. الثَّالِث: أَن يحصل الْعرْفَان القلبي، وَيكون اللِّسَان خَالِيا عَن الْإِنْكَار وَالْإِقْرَار، فَهَذَا السُّكُوت إِمَّا أَن يكون إضطراريا أَو اختياريا، فَإِن كَانَ اضطراريا فَهُوَ مُسلم حَقًا. وَمِنْه مَا إِذا عرف الله تَعَالَى بدليله، ثمَّ لما تمم النّظر مَاتَ فَجْأَة، فَهَذَا مُؤمن قطعا؛ وَإِن كَانَ اختياريا فَهُوَ كمن عرف الله بدليله ثمَّ إِنَّه لم يَأْتِ بِالْإِقْرَارِ، فَقَالَ الْغَزالِيّ: إِنَّه مُؤمن. الرَّابِع: اعْتِقَاد الْمُقَلّد لَا يَخْلُو مَعَه

стр. 217

الاقرار وَالْإِنْكَار أَو السُّكُوت، فَإِن كَانَ مَعَه الْإِقْرَار وَكَانَ اختياريا فَهُوَ إِيمَان الْمُقَلّد، وَهُوَ صَحِيح، خلافًا للْبَعْض. وَإِن كَانَ اضطراريا فَهَذَا يفرع على الصُّورَة الأولى، فَإِن حكمنَا هُنَاكَ بالأيمان وَجب أَن نحكم هَهُنَا بالنفاق، وَهُوَ الْقسم الْخَامِس. السَّادِس: أَن يكون مَعَه السُّكُوت، فَحكمه حكم الْقسم الثَّالِث اضطراريا أَو اختياريا. السَّابِع: الانكار القلبي، فإمَّا أَن يُوجد مَعَه الْإِقْرَار أَو الْإِنْكَار أَو السُّكُوت، فَإِن كَانَ مَعَه الْإِقْرَار فَإِن كَانَ اضطراريا فَهُوَ مُنَافِق، وَإِن كَانَ اختياريا فَهُوَ كفر الْجُحُود والعناد، وَهُوَ أَيْضا قسم من النِّفَاق وَهُوَ الْقسم الثَّامِن. التَّاسِع: أَن يُوجد الْإِنْكَار بِاللِّسَانِ مَعَ الْإِنْكَار القلبي، فَهَذَا كَافِر. الْعَاشِر: القلبي الْخَالِي فَإِن كَانَ مَعَه الْإِقْرَار فَإِن كَانَ اختياريا يخرج من الْكفْر، وَإِن كَانَ اضطراريا لم يكفر. الْحَادِي عشر: الْقلب الْخَالِي مَعَ الْإِنْكَار بِاللِّسَانِ فَحكمه على الْعَكْس مَعَ حكم الْقسم الْعَاشِر. الثَّانِي عشر: الْقلب الْخَالِي مَعَ اللِّسَان الْخَالِي، فَهَذَا إِن كَانَ فِي مهلة النّظر فَذَاك هُوَ الْوَاجِب، وَإِن كَانَ خَارِجا عَن مهلة النّظر وَجب تكفيره، وَلَا يحكم بالنفاق الْبَتَّةَ؛ وَقد ظهر من هَذَا النِّفَاق الَّذِي لَا يُطَابق ظَاهره بَاطِنه، فَافْهَم. ٣٣ - حدّثنا سُلَيْمَانُ أبُو الرَّبِيع حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ جَعْفرٍ قَالَ حدّثنا نَافِعُ بنُ مَالِكِ ابنِ أبِي عامرٍ أبُو سُهَيلٍ عَن أبِيهِ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبيِّ ﷺ قَالَ آيةُ المنافِق ثَلَاثٌ إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذا وَعَدَ أخْلَفَ وَإِذا ائْتُمنَ خانَ. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: سُلَيْمَان أَبُو الرّبيع بن دَاوُد الزهْرَانِي الْعَتكِي، سكن بَغْدَاد، سمع من مَالك حَدِيثا، وَسمع فليح بن سُلَيْمَان وَإِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا عِنْدهمَا، وَإِسْمَاعِيل بن جُنْدُب عِنْد البُخَارِيّ، وَجَمَاعَة كَثِيرَة عِنْد مُسلم، روى عَن البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم، وروى النَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ، وَقَالَ: ثِقَة. وَقَالَ يحيى بن معِين وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة: ثِقَة. توفّي بِالْبَصْرَةِ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن أبي كثير الْأنْصَارِيّ، أَبُو إِبْرَاهِيم الزرقي، مَوْلَاهُم الْمدنِي، قارىء أهل الْمَدِينَة، أَخُو مُحَمَّد وَيحيى وَكثير وَيَعْقُوب بني جَعْفَر، سمع أَبَا سُهَيْل نَافِعًا وَعبد الله بن دِينَار وَغَيرهمَا. قَالَ يحيى: ثِقَة مَأْمُون قَلِيل الْخَطَأ صَدُوق. وَقَالَ أَبُو زرْعَة وَأحمد وَابْن سعد: ثِقَة، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ من أهل الْمَدِينَة، قدم بَغْدَاد فَلم يزل بهَا حَتَّى مَاتَ. وَهُوَ صَاحب خمس مائَة حَدِيث الَّتِي سَمعهَا مِنْهُ النَّاس توفّي بِبَغْدَاد سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: أَبُو سُهَيْل نَافِع بن مَالك بن أبي عَامر، وَنَافِع أَخُو أنس وَالربيع وأويس، وهم عمومة مَالك الإِمَام، سمع ابْن مَالك وأباه وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَالقَاسِم وَابْن الْمسيب وَغَيرهمَا روى عَنهُ مَالك وَغَيره، وَقَالَ أَحْمد وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أَبُو أنس مَالك بن أبي عَامر، جد مَالك الإِمَام، وَالِد أنس وَالربيع وَنَافِع وأويس، حَلِيف عُثْمَان بن عبد الله أخي طَلْحَة التَّيْمِيّ الْقرشِي، سمع طَلْحَة بن عبد الله عِنْدهمَا، وَعَائِشَة عِنْد البُخَارِيّ وَعُثْمَان عِنْد مُسلم فِي الْوضُوء والبيوع. أما فِي الْوضُوء فَمن طَرِيق وَكِيع عَن سُفْيَان عَن أبي أنس عَن عُثْمَان، ﵁. وَأما فِي الْبيُوع فَفِي بَاب الرِّبَا من حَدِيث سُلَيْمَان بن يسَار عَنهُ، فاستدرك الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره الأول، فَقَالَ: خَالف وكيعا أصحابُ الثَّوْريّ والحفاظ حَيْثُ رَوَوْهُ عَن سُفْيَان عَن أبي النَّضر عَن بسر بن سعيد عَن عُثْمَان، ﵁، وَهُوَ الصَّوَاب، وَكَذَا قَالَ الجياني: إِن وكيعاً توهم فِيهِ، فَقَالَ: عَن أبي أنس، إِنَّمَا يرويهِ أَبُو النَّضر عَن بسر بن سعيد عَن عُثْمَان. وَقَالَ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) فِي الحَدِيث الثَّانِي: إِنَّه بلغه عَن جده عَن عُثْمَان، ﵁، وَقَالَ فِي الْإِيمَان فِي حَدِيث طَلْحَة: إِنَّه سمع طَلْحَة بن عبيد الله، فَأتى فِي طَلْحَة بِلَفْظ: سَمِعت، وَكَذَا صرح بِهِ ابْن سعد، وَقَالَ: وَقد روى مَالك بن أبي عَامر عَن عمر وَعُثْمَان وَطَلْحَة بن عبيد الله وَأبي هُرَيْرَة، وَكَانَ ثِقَة، وَله أَحَادِيث صَالِحَة، وَقَالَ مُحَمَّد بن سرُور الْمَقْدِسِي: قَالَ الْوَاقِدِيّ: توفّي سنة ثِنْتَيْ عشرَة وَمِائَة، وَهُوَ ابْن سبعين أَو اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة، وَكَذَا حكى عَنهُ مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي وَأَبُو نصر الكلاباذي، وَقَالَ الْحَافِظ زكي الدّين الْمُنْذِرِيّ: كَيفَ يَصح سَمَاعه عَن طَلْحَة مَعَ أَنه توفّي سنة ثِنْتَيْ عشرَة وَمِائَة، وَهُوَ ابْن سبعين واثنتين أَو سبعين؟ فعلى هَذَا يكون مولده سنة أَرْبَعِينَ من الْهِجْرَة، وَلَا خلاف أَن طَلْحَة قتل يَوْم الْجمل سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ من الْهِجْرَة والإسناد صَحِيح، أخرجه الْأَئِمَّة وَفِيه أَنه سمع طَلْحَة بن عبيد الله. قلت: فَلَعَلَّ السّبْعين، صوابها: التسعين، وتصحفت بهَا، وَقد ذكر أَبُو عمر النمري أَنه توفّي سنة مائَة أَو نَحْوهَا، فعلى هَذَا

стр. 218

يكون مولده سنة ثَمَان وَعشْرين، وَيُمكن سَمَاعه مِنْهُ. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: يشكل أَيْضا بِمَا رَوَاهُ ابْن سعد من أَنه رأى عمر، ﵁، وَتُوفِّي عمر، ﵁، لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَعشْرين، فَكيف يَصح لَهُ رُؤْيَته؟ وَقَالَ ابْن سعد: أخبرنَا يزِيد بن هَارُون، أخبرنَا جرير بن حَازِم عَن عَمه جرير بن زيد عَن مَالك بن أبي عَامر، قَالَ: شهِدت عمر، ﵁، عِنْد الْجَمْرَة وأصابه حجر فدماه، فَذكر الحَدِيث. وَفِيه: فَلَمَّا كَانَ من قَابل أُصِيب عمر، ﵁، وَقد نبه الْحَافِظ الْمزي أَيْضا على هَذَا الْوَهم فِي الْوَفَاة فِي أَنَّهَا سنة ثِنْتَيْ عشرَة وَمِائَة مَعَ السن الْمَذْكُور. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي حَاشِيَة تهذيبه: إِنَّه خطأ لَا شكّ فِيهِ، فَإِنَّهُ قد سمع عمر فَمن بعده، وَنقل فِي أصل تهذيبه عَن وَلَده الرّبيع أَن وَالِده هلك حِين اجْتمع النَّاس على عبد الْملك، قَالَ: يَعْنِي سنة أَربع وَسبعين، وَجزم بِهِ فِي (الكاشف) وَالله أعلم. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن بن صَخْر، ﵁، وَقد مر ذكره. بَيَان الْأَنْسَاب: الزهْرَانِي: نِسْبَة إِلَى زهران بن كَعْب بن الْحَارِث بن كَعْب بن عبد الله بن مَالك بن نضر بن الأزد، وَهُوَ قبيل عَظِيم فِيهِ بطُون وأفخاذ. والعتكي: فِي الأزد ينْسب إِلَى العتيك بن الْأسد بن عمرَان بن عَمْرو بن عَامر بن حَارِثَة بن امرىء الْقَيْس بن ثَعْلَبَة بن مَازِن بن الأزد، وَفِي قضاعة ولخم أَيْضا. والزرقي، بِضَم الزَّاي وَفتح الرَّاء بعْدهَا الْقَاف؛ فِي الْأَنْصَار وَفِي طي. فَالَّذِي فِي الْأَنْصَار: زُرَيْق بن عَامر بن زُرَيْق بن عبد حَارِثَة بن مَالك بن غضب بن جشم بن الْخَزْرَج، وَالَّذِي فِي طي: زُرَيْق بطن بن عبد بن خُزَيْمَة بن زُهَيْر بن ثَعْلَبَة بن سلامان بن ثقل بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طي. والتيمي: فِي قبائل، فَفِي قُرَيْش: تيم بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر، مِنْهُم أَبُو بكر الصّديق، ﵁. وَفِي الربَاب: تيم بن عبد مَنَاة بن أد بن طابخة بن الياس بن مُضر، وَفِي النمر بن قاسط: تيم الله بن نمر بن قاسط، وَفِي شَيبَان بن ذهيل: تيم بن شَيبَان، وَفِي ربيعَة بن نزار: تيم الله بن ثَعْلَبَة بن عكابة، وَفِي ضبة: تيم بن ذهل بن مَالك بن بكر بن سعد بن ضبة. وَفِي قضاعة: تيم الله بن رفيدة بن ثَوْر بن كلب، بطن ينْسب إِلَيْهِ التَّيْمِيّ. بَيَان لطائف إِسْنَاده. مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رِجَاله كلهم مدنيون إلَاّ أَبَا الرّبيع، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْوَصَايَا عَن أبي الرّبيع، وَفِي الشَّهَادَات عَن قُتَيْبَة، وَفِي الْأَدَب عَن ابْن سَلام. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن قُتَيْبَة وَيحيى بن أَيُّوب كلهم عَن إِسْمَاعِيل بن جعد عَن أبي سُهَيْل عَن أَبِيه. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (آيَة الْمُنَافِق) ، أَي: علامته، وَسميت آيَة الْقُرْآن آيَة لِأَنَّهَا عَلامَة انْقِطَاع كَلَام عَن كَلَام. فَإِن قلت: مَا وزن آيَة؟ قلت فِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال: الأول: إِن وَزنهَا: فعلة، أَصْلهَا: أيية، قلبت الْيَاء الأولى ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، وَهُوَ مَذْهَب الْخَلِيل. الثَّانِي: إِن وَزنهَا: فعلة، أَصْلهَا: اية، بِالتَّشْدِيدِ، قلب أول المضاعفين ألفا كَمَا قلبت يَاء فِي: إِيمَاء، وَهُوَ مَذْهَب الْفراء. الثَّالِث: إِن وَزنهَا: فاعلة، وَأَصلهَا: آيية، فنقصت، وَهُوَ مَذْهَب الْكسَائي، وَاعْترض عَلَيْهِ الْفراء بِأَنَّهَا قد صغرت أيية، وَلَو كَانَ أَصْلهَا آيية لقيل: آوية، فَأجَاب الْكسَائي بِأَنَّهَا صغرت تَصْغِير التَّرْخِيم كفطيمة فِي فَاطِمَة، وَاعْترض إِنَّمَا ذَلِك يجْرِي فِي الْأَعْلَام. الرَّابِع: إِن وَزنهَا فعلة، وَأَصلهَا ايية، وَهُوَ مَذْهَب الْكُوفِيّين. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَالْأَصْل أوية بِالتَّحْرِيكِ. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: مَوضِع الْعين من الْآيَة وَاو، لِأَن مَا كَانَ مَوضِع الْعين واوا وَاللَّام يَاء أَكثر مِمَّا مَوضِع الْعين وَاللَّام يَا آن، مثل: شويت، أَكثر من: حييت، وَتَكون النِّسْبَة إِلَيْهِ: أووى، وَقَالَ الْفراء: هِيَ من الْفِعْل فاعلة، وَإِنَّمَا ذهبت مِنْهُ اللَّام وَلَو جَاءَت تَامَّة لجاءت: آيية، وَلكنهَا خففت، وَجمع الْآيَة، آي وآيات. انْتهى. قلت: الْمَشْهُور أَن عينهَا يَاء، وَزنهَا فاعة، لِأَن الأَصْل آيية، فحذفوا الْيَاء الثَّانِيَة الَّتِي هِيَ لَام، ثمَّ فتحُوا الْيَاء الَّتِي هِيَ عين لأجل تَاء التَّأْنِيث، وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ أيي. فَافْهَم. قَوْله: (كذب) الْكَذِب هُوَ الْإِخْبَار على خلاف الْوَاقِع، وَعَن ابْن عَرَفَة: الْكَذِب هُوَ الِانْصِرَاف عَن الْحق، وَفِي (الْكَشَّاف) : الْكَذِب الْإِخْبَار بالشَّيْء على خلاف مَا هُوَ بِهِ. وَفِي (الْمُحكم) : الْكَذِب نقيض الصدْق، كذب يكذب كذبا وكذبة وكذبة هَاتَانِ عَن اللحياني، وكذابا وَرجل كَاذِب وَكَذَّاب وتكذاب وكذوب وكذوبة وكذبان وكيذبان وكيذبان وكذبذب قَالَ ابْن جنى: أما كذبذب خَفِيف، وكذبذب ثقيل فهاتان لم يحكهما سِيبَوَيْهٍ، وَالْأُنْثَى: كَاذِبَة وكذابة وكذوب، وَكذب الرجل: أخبر

стр. 219

بِالْكَذِبِ. وَفِي نَوَادِر أبي مسحل: قد كَانَ ذَلِك وَلَا كذبا لَك وَلَا تَكْذِيب وَلَا كذبان وَلَا مكذبة وَلَا كذب وَمَعْنَاهُ: لَا أرد عَلَيْك، وَلَا أكذبك وَفِي (الْمُنْتَهى) لأبي الْمعَانِي: فَهُوَ كذيب وكذبة مثل همزَة، وَالْكذب: جمع كَاذِب مثل: رَاكِع ورُكع، وَالْكذب جمع كذوب، مثل: صبور وصبر، وقرىء ﴿وَلم تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب﴾ (النَّحْل: ١١٦) جعله نعتا للألسنة، والأكذوبة الْكَذِب، والأكاذيب الأباطيل من الحَدِيث، وأكذبت الرجل ألفيته كَاذِبًا، وأكذبته إِذا أخْبرته أَنه جَاءَ بِالْكَذِبِ، وكذبته إِذا أخْبرته أَنه كَاذِب. وَقَالَ ثَعْلَب: أكذبته وكذبته بِمَعْنى: حَملته على الْكَذِب أَو وجدته كَاذِبًا. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: أكذبته أظهرت كذبه، وكذبته قلت لَهُ كذبت، والتكاذب نقيض التصادق، وَفِي (الْجَامِع) : كذب يكذب كذبا، مكسور الْكَاف سَاكن الذَّال، والكذاب، مخفف جمع كَاذِب. وَفِي (الصِّحَاح) فَهُوَ كَاذِب ومكذبان ومكذبانة، وَفِي (الْعباب) كذب، يكذب كذبا وكذبا وكذوبة وكاذبة ومكذوبة، زَاد ابْن الْأَعرَابِي: مكذبة وكذبانا، مثل عنوان، وكذبى مثل بشرى، وَيُقَال: كذب كذابا وَيُقَال كذب كذابا، بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد، أَي: متناهيا. وَقَرَأَ عمر بن عبد الْعَزِيز، ﵁: ﴿وكذبوا بِآيَاتِنَا كذابا﴾ (النبأ: ٢٨) وَيكون صفة على الْمُبَالغَة: كوضاء وَحسان، وَرجل تكذاب وتصداق، أَي: يكذب وَيصدق. قَوْله: (وَإِذا وعد) قَالَ ابْن سَيّده: وعده الْأَمر وَبِه عدَّة، ووعدا، وموعودا وموعدةً وموعدا وموعودة، وَهُوَ من المصادر الَّتِي جَاءَت على: مفعول ومفعولة، وَقد تواعد الْقَوْم واتعدوا، وواعده الْوَقْت والموضع، وواعده فوعده، وَقد أوعده وتوعد، قَالَ الْفراء: يُقَال: وعدته خيرا ووعدته شرابًا بِإِسْقَاط الْألف. فَإِذا أسقطوا الْخَيْر وَالشَّر قَالُوا فِي الْخَيْر: وعدته، وَفِي الشَّرّ: أوعدته، وَفِي الْخَيْر الْوَعْد وَالْعدة، وَفِي الشَّرّ الإيعاد والوعيد. فَإِذا قَالُوا: أوعدته بِالشَّرِّ، أثبتوا الْألف مَعَ الْيَاء. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أوعدته خيرا وَهُوَ نَادِر. وَفِي (الصِّحَاح) : تواعد الْقَوْم أَي وعد بَعضهم بَعْضًا، وَهَذَا فِي الْخَيْر. وَأما فِي الشَّرّ فَيُقَال: اتعدوا والإيعاد أَيْضا قبُول الْوَعْد، وناس يَقُولُونَ: أيتعد يأتعد فَهُوَ مؤتعد بِالْهَمْزَةِ، قَالَ ابْن الْبري: وَالصَّوَاب ترك الْهمزَة، وَكَذَا ذكره سِيبَوَيْهٍ وَجَمِيع النُّحَاة. قلت: الْوَعْد فِي الِاصْطِلَاح الْإِخْبَار بإيصال الْخَيْر فِي الْمُسْتَقْبل، والإخلاف جعل الْوَعْد خلافًا. وَقيل: هُوَ عدم الْوَفَاء بِهِ. قَوْله: (وَإِذا اؤتمن) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من الائتمان، وَهُوَ جعل الشَّخْص أَمينا، وَفِي بعض الرِّوَايَات بتَشْديد التَّاء. وَهُوَ بقلب الْهمزَة الثَّانِيَة مِنْهُ واواً أَو إِبْدَال الْوَاو يَاء وإدغام الْيَاء فِي التَّاء. قَوْله: (خَان) ، من الْخِيَانَة وَهُوَ التَّصَرُّف فِي الْأَمَانَة على خلاف الشَّرْع، وَقَالَ ابْن سَيّده: هُوَ أَن يؤتمن الْإِنْسَان فَلَا ينصح، يُقَال: خانه خونا وخيانة وخانة ومخانة واختانه، وَرجل خائن وخائنة وخون وخوان، الْجمع: خانة وخونة، والأخيرة شَاذَّة، وخوان، وَقد خانه الْعَهْد وَالْأَمَانَة، وَفِي (التَّهْذِيب) للأزهري: رجل خَائِنَة إِذا بولغ فِي وَصفه بالخيانة، وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: خَان فلَان فلَانا يخونه من الْخِيَانَة، واصله من النَّقْص. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (آيَة الْمُنَافِق) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ، و (ثَلَاث) خَبره، فَإِن قلت: الْمُبْتَدَأ مُفْرد، وَالثَّلَاث جمع، والتطابق شَرط. وَالْقِيَاس: آيَات الْمُنَافِق ثَلَاث. قلت: لَا نسلم أَن الثَّلَاث جمع، بل هُوَ اسْم جمع وَلَفظه مُفْرد، على أَن التَّقْدِير: آيَة الْمُنَافِق مَعْدُودَة بِالثلَاثِ، وَقَالَ بَعضهم: إِفْرَاد الْآيَة إِمَّا على إِرَادَة الْجِنْس، أَو أَن الْعَلامَة إِنَّمَا تحصل باجتماع الثَّلَاث. قلت: كَيفَ يُرَاد الْجِنْس وَالتَّاء تمنع ذَلِك، لِأَنَّهَا التَّاء فِيهَا كالتاء فِي تَمْرَة، فالآية والآي كالتمرة وَالتَّمْر، وَقَوله: أَو أَن الْعَلامَة إِنَّمَا تحصل باجتماع الثَّلَاث، يشْعر أَنه إِذا وجد فِيهِ وَاحِد من الثَّلَاث لَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْمُنَافِق، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْمُنَافِق، غير أَنه إِذا وجد فِيهِ الثَّلَاث كلهَا يكون منافقا كَامِلا، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث عبد الله بن عَمْرو الْآتِي عَن قريب، على أَن هَذَا الْقَائِل أَخذ مَا قَالَه من قَول الْكرْمَانِي، وَالْكل مَدْخُول فِيهِ. قَوْله: (إِذا حدث) ، كلمة إِذا، ظرف للمستقبل متضمنة معنى الشَّرْط، وَيخْتَص بِالدُّخُولِ على الْجُمْلَة الفعلية. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْجمل الشّرطِيَّة بَيَان لثلاث، أَو بدل، لَكِن لَا يَصح أَن يُقَال: الْآيَة إِذا حدث كذب، فَمَا وَجهه؟ قلت: مَعْنَاهُ آيَة الْمُنَافِق كذبه عِنْد تحديثه، وَذَلِكَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهِ آيَات بَيِّنَات مقَام إِبْرَاهِيم وَمن دخله كَانَ آمنا﴾ (آل عمرَان: ٩٧) على أحد التوجيهات. قلت: تَقْرِير كَلَامه أَنه جعل قَوْله: إِذا حدث كذب، بَيَانا لثلاث، وَلذَلِك قدره بقوله: آيَة الْمُنَافِق كذبه عِنْد تحديثه، كَمَا قدر نَحوه فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن دخله كَانَ آمنا﴾ (آل عمرَان: ٩٧) فَإِن تَقْدِيره: آيَات بَيِّنَات مقَام إِبْرَاهِيم وَأمن من دخله. فَإِن قلت: كَيفَ يَصح بَيَان الْجمع بالاثنين؟ . قلت: إِن الْإِثْنَيْنِ نوع من الْجمع أَو يكون الثَّالِث مطويا. وَقَوله: لَكِن لَا يَصح أَن يُقَال الْآيَة إِذا حدث كذب، أَرَادَ: أَن الْبَدَل لَا يَصح لكَون الْمُبدل مِنْهُ فِي حكم

стр. 220

السُّقُوط، فَيكون التَّقْدِير الْآيَة إِذا حدث كذب، وَلَكِن قَوْله: لَا يَصح غير صَحِيح، إِمَّا أَولا: فَلِأَن كَون الْمُبدل مِنْهُ فِي حكم السُّقُوط لَيْسَ على الْإِطْلَاق، وَإِمَّا ثَانِيًا: فَلِأَن تَقْدِيره بقوله الْآيَة: إِذا حدث كذب لَيْسَ بِتَقْدِير صَحِيح، بل التَّقْدِير على تَقْدِير الْبَدَل: آيَة الْمُنَافِق وَقت تحديثه بِالْكَذِبِ، وَوقت إخلافه بالوعد، وَوقت خيانته بالأمانة. والمبدل مِنْهُ هُوَ لفظ: ثَلَاث، لَا لفظ: الْمُنَافِق. فَافْهَم. بَيَان الْمعَانِي: فِيهِ ذكر: إِذا فِي الْجمل الثَّلَاث الدَّالَّة على تحقق الْوُقُوع، تَنْبِيها على أَن هَذِه عَادَة الْمُنَافِق. وَقَالَ الْخطابِيّ: كلمة إِذا تَقْتَضِي تكْرَار الْفِعْل، وَفِيه نظر. وَفِيه: حذف المفاعيل الثَّلَاثَة من الْأَفْعَال الثَّلَاثَة تَنْبِيها على الْعُمُوم. وَفِيه: عطف الْخَاص على الْعَام، لِأَن الْوَعْد نوع من التحديث، وَكَانَ دَاخِلا فِي قَوْله: (إِذا حدث) ، وَلكنه أفرده بِالذكر مَعْطُوفًا تَنْبِيها على زِيَادَة قبحه على سَبِيل الادعاء، كَمَا فِي عطف جِبْرِيل، ﵇، على الْمَلَائِكَة مَعَ كَونه دَاخِلا فيهم، تَنْبِيها على زِيَادَة شرفه. لَا يُقَال: الْخَاص إِذا عطف على الْعَام لَا يخرج من تَحت الْعَام فَحِينَئِذٍ تكون الْآيَة اثْنَتَيْنِ لَا ثَلَاثًا، لأَنا نقُول: لَازم الْوَعْد الَّذِي هُوَ الإخلاف الَّذِي قد يكون فعلا، ولازم التحديث الَّذِي هُوَ الْكَذِب الَّذِي لَا يكون فعلا متغايران، فَبِهَذَا الِاعْتِبَار كَانَ الملزومان متغايرين فَافْهَم. وَفِيه: الْحصْر بِالْعدَدِ، فَإِن قلت: يُعَارضهُ الحَدِيث الآخر الَّذِي فِيهِ لفظ أَربع! قلت: لَا يُعَارضهُ أصلا، لِأَن معنى قَوْله: (وَإِذا عَاهَدَ غدر) . معنى قَوْله: (وَإِذا اؤتمن خَان) ، لِأَن الْغدر خِيَانَة فِيمَا اؤتمن عَلَيْهِ من عَهده. وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا مُنَافَاة بَين الرِّوَايَتَيْنِ من ثَلَاث خِصَال كَمَا فِي الحَدِيث الأول، أَو: أَربع خِصَال، كَمَا فِي الحَدِيث الآخر، لِأَن الشَّيْء الْوَاحِد قد يكون لَهُ عَلَامَات كل وَاحِدَة مِنْهَا يحصل بهَا صفة، قد تكون تِلْكَ الْعَلامَة شَيْئا وَاحِدًا، وَقد تكون أَشْيَاء وروى أَبُو أُمَامَة مَوْقُوفا: (وَإِذا غنم غل، وَإِذا أُمر عصى، وَإِذا لَقِي جبن) . وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: لَا مُنَافَاة، لِأَن الشَّيْء الْوَاحِد قد يكون لَهُ عَلَامَات، فَتَارَة يذكر بَعْضهَا، وَأُخْرَى جَمِيعهَا أَو أَكْثَرهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يحْتَمل أَن النَّبِي، ﵇، استجد لَهُ من الْعلم بخصالهم مَا لم يكن عِنْده. قلت: الأولى أَن يُقَال: إِن التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يدل على الزَّائِد والناقص، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ بَين الْحَدِيثين تعَارض لِأَنَّهُ لَا يلْزم من عد الْخصْلَة كَونهَا عَلامَة، على أَن فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة مَا يدل على عدم إِرَادَة الْحصْر، فَإِن لَفظه: (من عَلامَة الْمُنَافِق ثَلَاث) . وَكَذَا أخرج الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، ﵁. وَإِذا حمل اللَّفْظ الأول على هَذَا لم يرد السُّؤَال، فَيكون قد أخبر بِبَعْض العلامات فِي وَقت، وببعضها فِي وَقت آخر. قلت: وَلَا فرق بَين الْخصْلَة والعلامة، لِأَن كلا مِنْهُمَا يسْتَدلّ بِهِ على الشَّيْء، وَكَيف يَنْفِي هَذَا الْقَائِل الْمُلَازمَة الظَّاهِرَة وَقَوله: على أَن فِي رِوَايَة مُسلم إِلَخ لَيْسَ بِجَوَاب طائل؟ بل الْمُعَارضَة ظَاهِرَة بَين الرِّوَايَتَيْنِ، وَدفعهَا بِمَا ذَكرْنَاهُ وَحمل اللَّفْظ الأول على هَذَا لَا يَصح من جِهَة التَّرْكِيب، فَافْهَم. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: استنبط من هَذِه العلامات الثَّلَاث صفة الْمُنَافِق وَجه الانحصار على الثَّلَاث، هُوَ: التَّنْبِيه على فَسَاد القَوْل وَالْفِعْل وَالنِّيَّة. فبقوله: (إِذا حدث كذب) نبه على فَسَاد القَوْل، وَبِقَوْلِهِ: (إِذا اؤتمن خَان) نبه على فَسَاد الْفِعْل، وَبِقَوْلِهِ: (إِذا وعد أخلف) نبه على فَسَاد النِّيَّة، لِأَن خلف الْوَعْد لَا يقْدَح إلَاّ إِذا عزم عَلَيْهِ مُقَارنًا بوعده، أما إِذا كَانَ عَازِمًا ثمَّ عرض لَهُ مَانع أَو بدا لَهُ رَأْي فَهَذَا لم تُوجد فِيهِ صفة النِّفَاق، وَيشْهد لذَلِك مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ فِي حَدِيث طَوِيل من حَدِيث سلمَان، ﵁: (إِذا وعد وَهُوَ يحدث نَفسه أَنه يخلف) . وَكَذَا قَالَ فِي بَاقِي الْخِصَال. وَقَالَ الْعلمَاء: يسْتَحبّ الْوَفَاء بالوعد بِالْهبةِ وَغَيرهَا اسْتِحْبَابا مؤكدا، وَيكرهُ إخلافه كَرَاهَة تَنْزِيه لَا تَحْرِيم، وَيسْتَحب أَن يعقب الْوَعْد بِالْمَشِيئَةِ ليخرج عَن صُورَة الْكَذِب، وَيسْتَحب إخلاف الْوَعيد إِذا كَانَ التوعد بِهِ جَائِزا، وَلَا يَتَرَتَّب على تَركه مفْسدَة. وَاعْلَم أَن جمَاعَة من الْعلمَاء عدوا هَذَا الحَدِيث من المشكلات من حَيْثُ أَن هَذِه الْخِصَال قد تُوجد فِي الْمُسلم الْمُصدق بِقَلْبِه وَلسَانه، مَعَ أَن الْإِجْمَاع حَاصِل أَنه لَا يحكم بِكُفْرِهِ، وَلَا بِنفَاق يَجعله فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار. قلت: ذكرُوا فِيهِ أوجها. الأول: مَا قَالَه النَّوَوِيّ: لَيْسَ فِي الحَدِيث إِشْكَال؛ إِذْ مَعْنَاهُ أَن هَذِه الْخِصَال نفاق، وصاحبها شَبيه بالمنافق فِي هَذِه، ومتخلق بأخلاقهم، إِذْ النِّفَاق إِظْهَار مَا يبطن خِلَافه، وهوموجود فِي صَاحب هَذِه الْخِصَال، وَيكون نفَاقه خَاصّا فِي حق من حَدثهُ ووعده وائتمنه، لَا أَنه مُنَافِق فِي الْإِسْلَام مبطن للكفر. الثَّانِي: مَا قَالَه بَعضهم: هَذَا فِيمَن كَانَت هَذِه الْخِصَال غالبة عَلَيْهِ، وَأما من نذر

стр. 221

ذَلِك مِنْهُ فَلَيْسَ دَاخِلا فِيهِ. الثَّالِث: مَا قَالَه الْخطابِيّ: هَذَا القَوْل من النَّبِي ﷺ تحذير من اعْتَادَ هَذِه الْخِصَال خوفًا أَن يُفْضِي بِهِ إِلَى النِّفَاق، دون من وَقعت نادرة مِنْهُ من غير اخْتِيَار أَو اعتياد، وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث: (التَّاجِر فَاجر، وَأكْثر منافقي أمتِي قراؤها) . وَمَعْنَاهُ التحذير من الْكَذِب، إِذْ هُوَ فِي معنى الْفُجُور، فَلَا يُوجب أَن يكون التُّجَّار كلهم فجارا، أَو الْقُرَّاء قد يكون من بَعضهم قلَّة إخلاص للْعَمَل وَبَعض الرِّيَاء، وَهُوَ لَا يُوجب أَن يَكُونُوا كلهم منافقين. وَقَالَ أَيْضا: والنفاق ضَرْبَان. أَحدهمَا: أَن يظْهر صَاحبه الدّين وَهُوَ مبطن للكفر، وَعَلِيهِ كَانُوا فِي عهد رَسُول الله ﷺ . وَالْآخر: ترك الْمُحَافظَة على أُمُور الدّين سرا ومراعاتها علنا، وَهَذَا أَيْضا يُسمى نفَاقًا، كَمَا جَاءَ: (سباب الْمُؤمن فسوق وقتاله كفر) . وَإِنَّمَا هُوَ كفر دون كفر، وَفسق دون فسق، كَذَلِك هُوَ نفاق دون نفاق. الرَّابِع: مَا قَالَه بَعضهم: ورد الحَدِيث فِي رجل بِعَيْنِه مُنَافِق، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يواجههم بِصَرِيح القَوْل، فَيَقُول: فلَان مُنَافِق، بل يُشِير إِشَارَة كَقَوْلِه، ﵇: (مَا بَال أَقوام يَفْعَلُونَ كَذَا) ؟ فههنا أَشَارَ بِالْآيَةِ إِلَيْهِ حَتَّى يعرف ذَلِك الشَّخْص بهَا. الْخَامِس: مَا قَالَه بَعضهم: المُرَاد بِهِ المُنَافِقُونَ الَّذين كَانُوا فِي زمن النَّبِي ﷺ حدثوا بِأَنَّهُم آمنُوا فكذبوا، واؤتمنوا على دينهم فخانوا، ووعدوه فِي نصْرَة الدّين فاخلفوا. قَالَ القَاضِي: وَإِلَيْهِ مَال كثير من أَئِمَّتنَا، وَهُوَ قَول عَطاء بن أبي رَبَاح فِي تَفْسِير الحَدِيث، وَإِلَيْهِ رَجَعَ الْحسن الْبَصْرِيّ، وَهُوَ مَذْهَب ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير، ﵃. وَرووا فِي ذَلِك حَدِيثا: (يرْوى أَن رجلا قَالَ لعطاء: سَمِعت الْحسن يَقُول: من كَانَ فِيهِ ثَلَاث خِصَال لم أتحرج أَن أَقُول إِنَّه مُنَافِق: من إِذا حدث كذب، وَإِذا وعد أخلف، وَإِذا اؤتمن خَان) . فَقَالَ عَطاء: إِذا رجعت إِلَى الْحسن فَقل لَهُ: إِن عَطاء يقرؤك السَّلَام، وَيَقُول لَك: أذكر إخْوَة يُوسُف ﵇. وَاعْلَم أَنه لن يخلق أهل اللإسلام أَن يكون فيهم الْخِيَانَة وَالْخلف. وَنحن نرجو أَن يعيذهم الله من النِّفَاق، وَمَا اسْتَقر اسْم النِّفَاق قطّ إلَاّ فِي قلب جَاحد، وَقد قَالَ الله فِي حق الْمُنَافِقين ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم آمنُوا ثمَّ كفرُوا﴾ (المُنَافِقُونَ: ٣) فَذكر زَوَال الْإِسْلَام عَن قُلُوبهم، وَنحن نرجوا أَن لَا يَزُول عَن قُلُوب الْمُؤمنِينَ، فَأخْبر الْحسن، فَقَالَ: جَزَاك الله خيرا، ثمَّ قَالَ لأَصْحَابه: إِذا سَمِعْتُمْ مني حَدِيثا فحدثتم بِهِ الْعلمَاء فَمَا كَانَ غير صَوَاب فَردُّوا على جَوَابه. وَرُوِيَ أَن سعيد بن جُبَير أهمه هَذَا الحَدِيث، فَسَأَلَهُ ابْن عمر وَابْن عَبَّاس ﵃، فَقَالَا: أهمنا من ذَلِك يَا ابْن أخي مثل الَّذِي أهمك، فسألنا رَسُول الله ﷺ ، فَضَحِك النَّبِي، ﵇، وَقَالَ: مالكم ولهن، إِنَّمَا خصصت بِهِ الْمُنَافِقين. أما قولي: إِذا حدث كذب، فَذَلِك فِيمَا أنزل الله تَعَالَى عَليّ: ﴿إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ﴾ (المُنَافِقُونَ: ١) الْآيَة، أفأنتم كَذَلِك؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَلَا عَلَيْكُم، أَنْتُم من ذَلِك برَاء. وَأما قولي: إِذا وعد أخلف، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم من عَاهَدَ الله لَئِن آتَانَا من فَضله﴾ (التَّوْبَة: ٧٥) الْآيَات الثَّلَاث، أفأنتم كَذَلِك؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: لَا عَلَيْكُم، أَنْتُم من ذَلِك برَاء. وَأما قولي: إِذا اؤتمن خَان، فَذَلِك فِيمَا أنزل الله تَعَالَى عَليّ: ﴿إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال﴾ (الْأَحْزَاب: ٧٢) الْآيَة فَكل إِنْسَان مؤتمن على دينه يغْتَسل من الْجَنَابَة وَيُصلي ويصوم فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة، وَالْمُنَافِق لَا يفعل ذَلِك إِلَّا فِي الْعَلَانِيَة، أفأنتم كَذَلِك؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: لَا عَلَيْكُم، أَنْتُم من ذَلِك برَاء. السَّادِس: مَا قَالَه حُذَيْفَة: ذهب النِّفَاق، وَإِنَّمَا كَانَ النِّفَاق على عهد رَسُول الله، ﵇، وَلكنه الْكفْر بعد الْإِيمَان، فَإِن الْإِسْلَام شاع وتوالد النَّاس عَلَيْهِ، فَمن نَافق بِأَن أظهر الْإِسْلَام وأبطن خِلَافه فَهُوَ مُرْتَد. السَّابِع: مَا قَالَه القَاضِي: إِن المُرَاد التَّشْبِيه بأحوال الْمُنَافِقين فِي هَذِه الْخِصَال، فِي إِظْهَار خلاف مَا يبطنون، لَا فِي نفاق الْإِسْلَام الْعَام، وَيكون نفَاقه على من حَدثهمْ وَوَعدهمْ وائتمنه وخاصمه وعاهده من النَّاس. الثَّامِن: مَا قَالَه الْقُرْطُبِيّ: إِن المُرَاد بالنفاق نفاق الْعَمَل، وَاسْتدلَّ بقول عمر لِحُذَيْفَة، ﵄. هَل تعلم فيَّ شَيْئا من النِّفَاق؟ فَإِنَّهُ لم يرد بذلك نفاق الْكفْر، وَإِنَّمَا أَرَادَ نفاق الْعَمَل. قلت: الْألف وَاللَّام فِي: النِّفَاق، لَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون للْجِنْس، أَو للْعهد فَإِن كَانَت للْجِنْس يكون على سَبِيل التَّشْبِيه والتمثيل لَا على الْحَقِيقَة، وَإِن كَانَت للْعهد يكون من مُنَافِق خَاص بِعَيْنِه، أَو من الْمُنَافِقين الَّذين كَانُوا فِي زَمَنه، ﵇، على مَا ذكرنَا. ٣٤ - حدّثنا قَبِيصَةُ بنُ عُقْبَةَ قَالَ حدّثنا سُفْيانُ عنِ عبدِ اللَّهِ عَن الأعْمَشِ بنِ مُرَّةَ عَن مَسْرُوقٍ عَن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍ وأنّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ أرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيه كَانَ مُنَافِقا خَالِصا

стр. 222

ومَنْ كَانَتْ فيهِ خَصْلَةٌ مِن النِّفاقِ حتَّى يَدَعَهَا إِذا ائْتُمِنَ خانَ وَإِذا حدَّثَ كَذَبَ وَإِذا عاهَدَ غَدَرَ وَإِذا خاصَمَ فَجَرَ. الْمُنَاسبَة بَين الْحَدِيثين ظَاهِرَة، وكلك مناسبته للتَّرْجَمَة. بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: قبيصَة، بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْبَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة، ابْن عقبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، ابْن مُحَمَّد بن سُفْيَان بن عقبَة بن ربيعَة بن جُنْدُب بن بَيَان بن حبيب أبي سواءة بن عَامر بن صعصعة أَبُو عَامر، السوَائِي الْكُوفِي، أَخُو سُفْيَان بن عقبَة، روى عَن: مسعر وَالثَّوْري وَشعْبَة وَحَمَّاد بن سَلمَة وَغَيرهم، روى عَنهُ: أَحْمد بن حَنْبَل وَمُحَمّد بن يحيى الذهلي وَالْبُخَارِيّ، وروى مُسلم حَدِيثا وَاحِدًا فِي الْجَنَائِز عَن ابْن أبي شيبَة عَنهُ عَن الثَّوْريّ. وروى أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه عَن رجل عَنهُ قلت: هُوَ يحيى بن بشر يروي عَن قبيصَة، وَكَذَا روى البُخَارِيّ فِي الْأَدَب وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن يحيى بن بشر عَنهُ، وَكَانَ من الصَّالِحين، وَهُوَ مُخْتَلف فِي توثيقه وجرحه، واحتجاج البُخَارِيّ بِهِ فِي غير مَوضِع كَاف. وَقَالَ يحيى بن معِين: ثِقَة فِي كل شَيْء إلَاّ فِي حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ لَيْسَ بذلك الْقوي، وَقَالَ يحيى بن آدم: قبيصَة كثير الْغَلَط فِي سُفْيَان، كَأَنَّهُ كَانَ صَغِيرا لم يضْبط، وَأما فِي غير سُفْيَان فَهُوَ ثِقَة رجل صَالح، وَعَن قبيصَة أَنه قَالَ: جالست الثَّوْريّ، وَأَنا ابْن سِتّ عشرَة سنة، ثَلَاث سِنِين. توفّي فِي الْمحرم سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ، كَذَا قَالَه قطب الدّين فِي شَرحه. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرحه: سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَلَيْسَ لقبيصة بن عقبَة عَن ابْن عُيَيْنَة شَيْء. الثَّانِي: سُفْيَان، بِتَثْلِيث سينه، إِبْنِ سعيد بن مَسْرُوق بن حبيب بن رَافع بن عبد الله بن موهبة ابْن أبي عبد الله بن منقذ بن نضر بن الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بن ملكان بن ثَوْر بن عبد مَنَاة، أَبُو عبد الله الثَّوْريّ الإِمَام الْكَبِير، أحد أَصْحَاب الْمذَاهب السِّتَّة المتبوعة، الْمُتَّفق على جلالة قدره وكثره علومه وصلابه دينه وتوثقه وأمانته، وَهُوَ من تَابع التَّابِعين، وَقَالَ ابْن عَاصِم: سُفْيَان أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث. وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: كتبت عَن ألف وَمِائَة وَمَا كتبت عَن أفضل من سُفْيَان. ولد سنة سبع وَتِسْعين، وَتُوفِّي سنة سِتِّينَ وَمِائَة بِالْبَصْرَةِ متواريا من سلطانها، وَدفن عشَاء، وَكَانَ يُدَلس، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش، وَقد مر ذكره، الرَّابِع: عبد الله بن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء، الْهَمدَانِي، بِسُكُون الْمِيم، الْكُوفِي التَّابِعِيّ الخارفي، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وبالراء وَالْفَاء، وخارف: هُوَ مَالك بن عبد الله بن كثير بن مَالك بن جشم بن خيوان بن نوف بن هَمدَان، قَالَ يحيى بن معِين وَأَبُو زرْعَة: ثِقَة، توفّي سنة مائَة، وَقَالَ ابْن سعد: فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أَبُو عَائِشَة مَسْرُوق بن الأجدع، بِالْجِيم وبالمهملتين، ابْن مَالك بن أُميَّة بن عبد الله بن مر بن سُلَيْمَان بن الْحَارِث بن سعد بن عبد الله بن ودَاعَة بن عَمْرو بن عَامر، الْهَمدَانِي الْكُوفِي، صلى خلف أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَسمع عَمْرو عبد الله بن مَسْعُود وَعَائِشَة وَغَيرهم، وَكَانَ من المخضرمين، اتّفق على جلالته وتوثيقه وإمامته، وَكَانَ أَفرس فَارس بِالْيمن، وَهُوَ ابْن أُخْت معدي كرب، مَاتَ سنة ثَلَاث: وَقيل: اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّادِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَقد مر ذكره. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض، وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم كوفيون إلَاّ الصَّحَابِيّ، وَقد دخل الْكُوفَة أَيْضا. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِزْيَة عَن قُتَيْبَة عَن جرير عَن الْأَعْمَش بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر عَن عبد الله بن نمير، وَعَن أبي نمير، حَدثنَا أبي، حَدثنَا الْأَعْمَش، وَحدثنَا زُهَيْر، حَدثنَا وَكِيع عَن الْأَعْمَش. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (خَالِصا) من: خلص الشَّيْء يخلص، من بَاب: نصر ينصر، ومصدره خلوصا وخالصة،

стр. 223

والخالص أَيْضا الْأَبْيَض من الألوان، وخلص الشَّيْء إِلَيْهِ خلوصا؛ وصل، وخلص الْعظم، بِالْكَسْرِ، يخلص بِالْفَتْح خلصا بِالتَّحْرِيكِ، إِذا تشظى فِي اللَّحْم. قَوْله: (خصْلَة) أَي خلة، بِفَتْح الْخَاء فيهمَا، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (حَتَّى يَدعهَا) ، أَي: يَتْرُكهَا. . قيل: قد أميت ماضيه، وَقد اسْتعْمل فِي قِرَاءَة من قَرَأَهَا ﴿مَا وَدعك رَبك﴾ (الضُّحَى: ٣) بِالتَّخْفِيفِ. قَوْله: (عَاهَدَ) من المعاهدة. وَهِي المحالفة والمواثقة. قَوْله: (غدر) من الْغدر، وَهُوَ ترك الْوَفَاء. قَالَ الْجَوْهَرِي: غدر بِهِ فَهُوَ غادر، وغدر أَيْضا، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل هَذَا فِي النداء بالشتم. وَفِي (الْمُحكم) : غدره وغدر بِهِ يغدر عدرا، وَرجل غادر وغدار وغدور، وَكَذَلِكَ الْأُنْثَى بِغَيْر هَاء، وغدرة. وَقَالَ بَعضهم: يُقَال للرجل: يَا غدر، وَيَا مغدر، وَيَا ابْن مغدر، ومغدر، وَالْأُنْثَى: يَا غدار. لَا يسْتَعْمل إلَاّ فِي النداء، وغذر الرجل غدار وغدرانا، عَن اللحياني، وَلست مِنْهُ على ثِقَة، وَفِي (الْمُجْمل) : الْغدر نقض الْعَهْد وَتَركه، وَيُقَال: أَصله من الغدير. وَهُوَ المَاء الَّذِي يغادره السَّيْل، أَي: يتْركهُ يُقَال: غادرت الشَّيْء إِذا تركته، فكأنك تركت مَا بَيْنك وَبَينه من الْعَهْد. وَفِي (شرح الفصيح) لِابْنِ هِشَام السبتي والعماني: غدر فِي الْمَاضِي بِالْكَسْرِ، زَاد الْعمانِي: وغدر بِالْفَتْح أفْصح، وَفِي (شرح الْمُطَرز) : الْعَرَب الفصحاء يَقُولُونَ، كَمَا ذكره ثَعْلَب: غدرت بِالْفَتْح. وَمِنْهُم من يَقُول: غدرت، بِالْكَسْرِ. وَفِي (نَوَادِر ابْن الْأَعرَابِي) غدر الرجل، بِكَسْر الدَّال، عَن أَصْحَابه إِذا تخلف. قَالَ: وَيُقَال مَاتَ إخْوَته وغدر. وَفِي (شرح الْحَضْرَمِيّ) : غدر يغدر ويغدر، بِالْكَسْرِ وَالضَّم، هُوَ فِي مُسْتَقْبل غدر بِالْكَسْرِ، يغدر بِالْفَتْح، قِيَاسا. وَفِي كتاب (صعاليك الْعَرَب) للأخفش: غادر وغدار، مثل شَاهد وشهاد. قَوْله: (خَاصم) من الْمُخَاصمَة، وَهِي المجادلة. قَوْله: (فجر) من الْفُجُور، وَهُوَ الْميل عَن الْقَصْد، والشق بِمَعْنى: فجر، مَال عَن الْحق وَقَالَ الْبَاطِل، أَو شقّ ستر الدّيانَة. بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (أَربع) ، مُبْتَدأ بِتَقْدِير: أَربع خِصَال، أَو: خِصَال أَربع، لِأَن النكرَة الصرفة لَا تقع مُبْتَدأ، وَخَبره قَوْله: (من كن فِيهِ) فَقَوله: من مَوْصُولَة متضمنة معنى الشَّرْط، وَقَوله: كن فِيهِ، صلتها، وَقَوله (كَانَ منافقا) خبر للمبتدأ الثَّانِي أَعنِي: قَوْله: من، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول كَمَا ذكرنَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن تكون الشّرطِيَّة صفة، يَعْنِي صفة: أَربع، وَإِذا اؤتمن خَان. الخ خَبره، بِتَقْدِير: أَربع كَذَا هِيَ الْخِيَانَة عِنْد الائتمان إِلَى آخِره. قلت: هَذَا وَجه بعيد لَا يخفى. قَوْله: (منافقا) خبر كَانَ، و ((خَالِصا) صفته. قَوْله: (وَمن) مُبْتَدأ مَوْصُولَة، وَقَوله: (كَانَت فِيهِ خصْلَة) جملَة صلَة لَهَا، وَقَوله: (كَانَت فِيهِ خصْلَة) ، خبر الْمُبْتَدَأ، وَالضَّمِير فِي مِنْهُنَّ، يرجع إِلَى: الْأَرْبَع، قَوْله (حَتَّى) للغاية، و (يَدعهَا) مَنْصُوب بِأَن الْمقدرَة، أَي: حَتَّى أَن يَدعهَا. قَوْله: (إِذا اؤتمن خَان) إِذا للظرف فِيهِ معنى الشَّرْط و: (خَان) جَوَابه، وَالْبَاقِي كَذَلِك، وَهُوَ ظَاهر. قَوْله: (كَانَ منافقا) مَعْنَاهُ على مَا تقدم من الْأَوْجه الْمَذْكُورَة، وَوَصفه بالخلوص يشد عضد من قَالَ: المُرَاد بالنفاق الْعَمَل لَا الْإِيمَان، أَو النِّفَاق الْعرفِيّ لَا الشَّرْعِيّ. لِأَن الخلوص بِهَذَيْنِ الْمَعْنيين لَا يسْتَلْزم الْكفْر الملقي فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار وَأما كَونه خَالِصا فِيهِ فَلِأَن الْخِصَال الَّتِي تتمّ بهَا الْمُخَالفَة بَين السِّرّ والعلن لَا يزِيد عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن بطال: خَالِصا، مَعْنَاهُ خَالِصا من هَذِه الْخلال الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث فَقَط لَا فِي غَيرهَا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: أَي شَدِيد الشّبَه بالمنافقين بِهَذِهِ الْخِصَال. وَقَالَ أَيْضا فِي شَرحه للصحيح: حصل من الْحَدِيثين أَن خِصَال الْمُنَافِقين خَمْسَة، وَقَالَ فِي شرح مُسلم: (وَإِذا عَاهَدَ غدر) . هُوَ دَاخل فِي قَوْله: (إِذا اؤتمن خَان) . يَعْنِي: أَرْبَعَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَو اعْتبرنَا هَذَا الدُّخُول فالخمس رَاجِعَة إِلَى الثَّلَاث، فَتَأمل. وَالْحق أَنَّهَا خَمْسَة مُتَغَايِرَة عرفا، وَبِاعْتِبَار تغاير الْأَوْصَاف واللوازم أَيْضا، وَوجه الْحصْر فِيهَا أَن إِظْهَار خلاف الْبَاطِن، أما فِي الماليات وَهُوَ: إِذا اؤتمن، وَأما فِي غَيرهَا، فَهُوَ إِمَّا فِي حَالَة الكدورة فَهُوَ إِذا خَاصم، وَإِمَّا فِي حَالَة الصفاء فَهُوَ إِمَّا مُؤَكدَة بِالْيَمِينِ فَهُوَ إِذا عَاهَدَ، أَو لَا فَهُوَ إِمَّا بِالنّظرِ إِلَى الْمُسْتَقْبل فَهُوَ إِذا وعد، وَإِمَّا بِالنّظرِ إِلَى الْحَال فَهُوَ إِذا حدث. قلت: الْحق بِالنّظرِ إِلَى الْحَقِيقَة ثَلَاث، وَإِن كَانَ بِحَسب الظَّاهِر خمْسا، لِأَن قَوْله: (إِذا عَاهَدَ غدر) دَاخل فِي قَوْله: (إِذا اؤتمن خَان) . وَقَوله: (وَإِذا خَاصم فجر) ، ينْدَرج فِي الْكَذِب فِي الحَدِيث، وَوجه الْحصْر فِي الثَّلَاث قد ذَكرْنَاهُ.

стр. 224

تَابَعَهُ شُعْبَةُ عنِ الأعمَشِ أَي: تَابع سُفْيَان الثَّوْريّ شُعْبَة بن الْحجَّاج فِي رِوَايَته هَذَا الحَدِيث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن عبد الله بن مرّة عَن مَسْرُوق عَن عبد الله بن عمر، ﵄، وأوصل البُخَارِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة فِي كتاب الْمَظَالِم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذِه الْمُتَابَعَة هِيَ الْمُتَابَعَة الْمقيدَة لَا الْمُطلقَة، حَيْثُ قَالَ: الْأَعْمَش، والناقصة لَا التَّامَّة حَيْثُ ذكر الْمُتَابَعَة من وسط الْإِسْنَاد لَا من أَوله. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّمَا أوردهَا البُخَارِيّ على طَرِيق الْمُتَابَعَة لَا الْأَصَالَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ ذكره فِي هَذَا الْموضع على طَرِيق الْمُتَابَعَة لمُخَالفَة هَذَا الحَدِيث مَا تقدم لفظا وَمعنى من جِهَات، كالاختلاف فِي: ثَلَاث وَأَرْبع، وكزيادة لفظ: خَالِصا. قلت: أَرَادَ البُخَارِيّ بالمتابعة هُنَا كَون الحَدِيث مرويا من طرق أُخْرَى عَن الثَّوْريّ، مِنْهَا رِوَايَة شُعْبَة عَن الثَّوْريّ، نبه على ذَلِك هَهُنَا، وَإِن كَانَ قد رَوَاهَا فِي كتاب الْمَظَالِم، وَكَذَلِكَ هُوَ مَرْوِيّ فِي (صَحِيح مُسلم) وَغَيره من طرق أُخْرَى عَن الثَّوْريّ، وَكَلَام الْكرْمَانِي يُشِير إِلَى أَنه فهم أَن المُرَاد بالمتابعة مُتَابعَة حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب، وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ ذَلِك لسماه شَاهدا، وَقَالَ بَعضهم: وَأما دَعْوَاهُ أَن بَينهمَا مُخَالفَة فِي الْمَعْنى فَلَيْسَ بِمُسلم، وغايته أَن يكون فِي أَحدهمَا زِيَادَة، وَهِي مَقْبُولَة، لِأَنَّهَا من ثِقَة مُتَيَقن. قلت: نَفْيه التَّسْلِيم لَيْسَ بِمُسلم، لِأَن الْمُخَالفَة فِي اللَّفْظ ظَاهِرَة لَا تنكر وَلَا تخفى، فَكَأَنَّهُ فهم أَن قَوْله: من جِهَات، كالاختلاف يتَعَلَّق بِالْمَعْنَى وَلَيْسَ كَذَلِك، بل يتَعَلَّق بقوله: لفظا. فَافْهَم. ٢٥ - (بابُ قِيامُ لَيْلَةِ القَدْرِ مِنَ الإيمانِ) لما كَانَ الْمَذْكُور، بعد ذكر الْمُقدمَة الَّتِي هِيَ بَاب كَيْفيَّة بَدْء الْوَحْي، كتاب الْإِيمَان الْمُشْتَمل على أَبْوَاب فِيهَا بَيَان أُمُور الْإِيمَان، وَذكر فِي أَثْنَائِهَا خَمْسَة من الْأَبْوَاب، مِمَّا يضاد أُمُور الْإِيمَان لأجل مُنَاسبَة ذَكرنَاهَا عِنْد ذكر أول الْأَبْوَاب الْخَمْسَة، عَاد إِلَى بَيَان بَقِيَّة الْأَبْوَاب الْمُشْتَملَة على أُمُور الْإِيمَان، نَحْو: قيام لَيْلَة الْقدر من الْإِيمَان، وَالْجهَاد من الْإِيمَان، وتطوع قيام رَمَضَان من الْإِيمَان، وَصَوْم رَمَضَان من الْإِيمَان، وَغير ذَلِك من الْأَبْوَاب الْمُتَعَلّقَة بِأُمُور الْإِيمَان. وَيَنْبَغِي أَن تطلب الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَبَين بَاب السَّلَام من الْإِسْلَام، لِأَن الْأَبْوَاب الْخَمْسَة الْمَذْكُورَة بَينهمَا إِنَّمَا هِيَ بطرِيق الاستطراد، لَا بطرِيق الْأَصَالَة. فالمذكور بطرِيق الاستطراد كَالْأَجْنَبِيِّ، فَيكون هَذَا الْبَاب فِي الْحَقِيقَة مَذْكُورا عقيب بَاب السَّلَام من الْإِسْلَام، فتطلب الْمُنَاسبَة بَينهمَا، فَنَقُول: وَجه الْمُنَاسبَة هُوَ أَن الْمَذْكُور فِي بَاب السَّلَام من الْإِسْلَام هُوَ أَن إفشاء السَّلَام من أُمُور الْإِيمَان، وَكَذَلِكَ لَيْلَة الْقدر فِيهَا يفشى السَّلَام من الْمَلَائِكَة على الْمُؤمنِينَ. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿سَلام هِيَ حَتَّى مطلع الْفجْر﴾ (الْقدر: ٥) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مَا هِيَ إلَاّ سَلام لِكَثْرَة مَا يسلمُونَ، أَي: الْمَلَائِكَة على الْمُؤمنِينَ، وَقيل: لَا يلقون مُؤمنا وَلَا مُؤمنَة إِلَّا سلمُوا عَلَيْهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة. ثمَّ قَوْله: (بَاب) مُعرب على تَقْدِير أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف منون، أَي: هَذَا بَاب. وَقَوله: (قيام) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبره. قَوْله: (من الْإِيمَان) ، وَيجوز أَن يتْرك التَّنْوِين من: بَاب على تَقْدِير إِضَافَته إِلَى الْجُمْلَة، وعَلى كل التَّقْدِير الأَصْل: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن قيام لَيْلَة الْقدر من شعب الْإِيمَان، وَالْقِيَام مصدر: قَامَ، يُقَال: قَامَ قيَاما، وَأَصله قواما، قلبت الْوَاو يَاء لانكسار مَا قبلهَا. وَالْكَلَام فِي لَيْلَة الْقدر على أَنْوَاع: الأول: فِي وَجه التَّسْمِيَة بِهِ. فَقيل: سمي بِهِ لما تكْتب فِيهَا الْمَلَائِكَة من الأقدار والأرزاق والآجال الَّتِي تكون فِي تِلْكَ السّنة، أَي: يظهرهم الله عَلَيْهِ، وَيَأْمُرهُمْ بِفعل مَا هُوَ من وظيفتهم. وَقيل: لعظم قدرهَا وشرفها وَقيل: لِأَن من أَتَى فِيهَا بالطاعات صَار ذَا قدر. وَقيل: لِأَن الطَّاعَات لَهَا قدر زَائِد فِيهَا. الثَّانِي: فِي وَقتهَا اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ، فَقَالَت جمَاعَة: هِيَ منتقلة، تكون فِي سنة فِي لَيْلَة وَفِي سنة فِي لَيْلَة أُخْرَى، وَهَكَذَا. وَبِهَذَا يجمع بَين الْأَحَادِيث الدَّالَّة على اخْتِلَاف أَوْقَاتهَا، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد وَغَيرهمَا، قَالُوا: إِنَّمَا تنْتَقل فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان، وَقيل: بل فِي كُله، وَقيل: إِنَّهَا مُعينَة لَا تنْتَقل أبدا بل هِيَ لَيْلَة مُعينَة فِي جَمِيع السنين لَا تفارقها. وَقيل: هِيَ فِي السّنة كلهَا. وَقيل: فِي شهر رَمَضَان كُله، وَهُوَ قَول ابْن عمر، ﵄، وَبِه أَخذ أَبُو حنيفَة، ﵁، وَقيل: بل فِي الْعشْر الْأَوْسَط والأواخر، وَقيل: بل فِي الْأَوَاخِر، وَقيل: يخْتَص بأوتار الْعشْر، وَقيل: بأشفاعه، وَقيل: بل فِي ثَلَاث وَعشْرين أَو سبع وَعشْرين، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس. وَقيل: فِي لَيْلَة سبع عشرَة، أَو إِحْدَى وَعشْرين، أَو ثَلَاث وَعشْرين، وَقيل: لَيْلَة ثَلَاث وَعشْرين، وَقيل: لَيْلَة أَربع عشْرين، وَهُوَ محكي عَن بِلَال وَابْن عَبَّاس ﵃، وَقيل: سبع وَعشْرين، وَهُوَ قَول جمَاعَة من الصَّحَابَة، وَبِه قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد. وَقَالَ زيد بن أَرقم:

стр. 225

سبع عشرَة، وَقيل: تسع عشرَة، وَحكي عَن عَليّ، ﵁، وَقيل، آخر لَيْلَة من الشَّهْر. وميل الشَّافِعِي إِلَى أَنَّهَا لَيْلَة الْحَادِي وَالْعِشْرين، أَو الثَّالِث وَالْعِشْرين ذكره الرَّافِعِيّ، وَهُوَ خَارج عَن الْمَذْكُورَات. الثَّالِث: هَل هِيَ مُحَققَة ترى أم لَا؟ فَقَالَ قوم: رفعت لقَوْله ﷺ : حِين تلاحى الرّجلَانِ رفعت، وَهَذَا غلط، لِأَن آخر الحَدِيث يدل عَلَيْهِ، وَهُوَ (عَسى أَن يكون خيرا لكم، التمسوها فِي السَّبع وَالتسع) ، وَفِيه تَصْرِيح بِأَن المُرَاد برفعها رفع بَيَان علم عينهَا، لَا رفع وجودهَا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: أجمع من يعْتد بِهِ على وجودهَا ودوامها إِلَى آخر الدَّهْر، وَهِي مَوْجُودَة ترى ويحققها من شَاءَ الله تَعَالَى من بني آدم كل سنة فِي رَمَضَان، وأخبار الصَّالِحين بهَا ورؤيتهم لَهَا أَكثر من أَن تحصى، وَأما قَول الْمُهلب: لَا يُمكن رؤيتها حَقِيقَة فغلط، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَلَعَلَّ الْحِكْمَة فِي إخفائها أَن يحيي من يريدها اللَّيَالِي الْكَثِيرَة طلبا لموافقتها، فتكثر عِبَادَته وَأَن لَا يتكل النَّاس عِنْد إظهارها على إِصَابَة الْفضل فِيهَا، فيفرطوا فِي غَيرهَا. ٣٥ - حدّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ حدّثنا أبُو الزِّنَادِ عَنِ الأعْرجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا واحْتِسَابا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. (الحَدِيث ٣٥ أَطْرَافه: ٣٧، ٣٨، ١٩٠١، ٢٠٠٨، ٢٠٠٩، ٢٠١٤) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. قد ذكرُوا بِهَذَا التَّرْتِيب فِي بَاب: حب الرَّسُول، ﵇، وَأَبُو الْيَمَان: هُوَ الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب هُوَ ابْن حَمْزَة، وَأَبُو الزِّنَاد، بالنُّون، عبد الله بن ذكْوَان الْقرشِي، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْمدنِي الْقرشِي قيل: أصح أَسَانِيد أبي هُرَيْرَة عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَنهُ. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصّيام مطولا. وَأخرجه مُسلم وَلَفظه: (من يقم لَيْلَة الْقدر فيوافقها، أرَاهُ إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ والموطأ، وَلَفْظهمْ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يرغب فِي قيام رَمَضَان من غير أَن يَأْمُرهُم بعزيمة، فَيَقُول: من قَامَ رَمَضَان إِيمَانًا وإحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) . فَتوفي رَسُول الله، ﵊، وَالْأَمر على ذَلِك. ثمَّ كَانَ الْأَمر على ذَلِك فِي خلَافَة أبي بكر وصدرا من خلَافَة عمر: ﵄، وَأخرج البُخَارِيّ وَمُسلم أَيْضا نَحوه، وَأخرج النَّسَائِيّ: (عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، ﵁، أَن رَسُول الله ﷺ ذكر رَمَضَان بفضله على الشُّهُور) . وَقَالَ: (من قَامَ فِي رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه) . وَقَالَ: هَذَا خطأ، وَالصَّوَاب: أَنه عَن أبي هُرَيْرَة. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (من يقم) ، بِفَتْح الْيَاء، من قَامَ يقوم، وَهُوَ مُتَعَدٍّ هَهُنَا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ وَمُسلم: عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لرمضان: من قامه إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) . وَفِي رِوَايَة للنسائي: (فَمن صَامَهُ وقامه إِيمَانًا واحتسابا خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه) . قَوْله: (إِيمَانًا) ، أَي تَصْدِيقًا بِأَنَّهُ حق وَطَاعَة. قَوْله: (واحتسابا) ، أَي: إِرَادَة وَجه الله تَعَالَى لَا لرياء وَنَحْوه، فقد يفعل الْإِنْسَان الشَّيْء الَّذِي يعْتَقد أَنه صَادِق، لَكِن لَا يَفْعَله مخلصا، بل لرياء أَو خوف أَو نَحْو ذَلِك، يُقَال احتسابا أَي: حَسبه الله تَعَالَى. يُقَال: احتسبت بِكَذَا أجرا عِنْد الله تَعَالَى، وَالِاسْم الْحِسْبَة، وَهِي الْأجر. وَفِي (الْعباب) : احتسبت بِكَذَا أجرا عِنْد الله، أَي: اعتددته أنوي بِهِ وَجه الله تَعَالَى، وَمِنْه قَوْله ﵇: (من صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا) الحَدِيث واحتسبت عَلَيْهِ كَذَا: أَي أنكرته عَلَيْهِ، قَالَه ابْن دُرَيْد، وَمِنْه: محتسب الْبَلَد. قَوْله: (غفر لَهُ) من الغفر، وَهُوَ السّتْر، وَمِنْه المغفر وَهُوَ الخودة، وَفِي (الْعباب) الغفر التغطية، والغفر والغفران وَالْمَغْفِرَة وَاحِد، ومغفرة الله لعَبْدِهِ إلباسه إِيَّاه الْعَفو وستره ذنُوبه. بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (من يقم) ، كلمة: من، شَرْطِيَّة، و: يقم، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَقعت فعل الشَّرْط، قَوْله: (لَيْلَة الْقدر) كَلَام إضافي مفعول بِهِ، ليقمْ، وَلَيْسَ بمفعول فِيهِ. قَوْله: (إِيمَانًا واحتسابا) منصوبان على أَنَّهُمَا حالان متداخلتان أَو مترادفتان على تَأْوِيل: مُؤمنا ومحتسبا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَحِينَئِذٍ لَا تدل على تَرْجَمَة الْبَاب، إِذْ الْمَفْهُوم مِنْهُ لَيْسَ إلَاّ الْقيام فِي حَال الْإِيمَان، وَفِي زَمَانه مشْعر بِأَنَّهُ من جملَته. قلت: لَيْسَ المُرَاد من لَفظه: إِيمَانًا، هُوَ الْإِيمَان الشَّرْعِيّ، وَإِنَّمَا المُرَاد هُوَ الْإِيمَان

стр. 226

اللّغَوِيّ، وَهُوَ التَّصْدِيق كَمَا فسرناه الْآن، والترجمة غير مترتبة عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هِيَ مترتبة على مُبَاشرَة عمل هُوَ سَبَب لغفران مَا تقدم من ذَنبه، وَهُوَ قيام لَيْلَة الْقدر هَهُنَا، ومباشرة مثل هَذَا الْعَمَل شُعْبَة من شعب الْإِيمَان فَافْهَم. ثمَّ إِن الْكرْمَانِي جوز انتصابهما على التَّمْيِيز، وعَلى الْعلَّة أَيْضا بعد أَن قَالَ: التَّمْيِيز وَالْمَفْعُول لَهُ لَا يدلان على أَنه من الْإِيمَان بِتَأْوِيل أَن: من، للابتداء، فَمَعْنَاه: أَن الْقيام منشؤه الْإِيمَان، فَيكون للْإيمَان أَو من جِهَة الْإِيمَان. قلت: وُقُوع كل مِنْهُمَا بعيد، أما التَّمْيِيز فَإِنَّهُ يرفع الْإِبْهَام المستقر عَن ذَات مَذْكُورَة أَو مقدرَة، وكل مِنْهُمَا هَهُنَا مُنْتَفٍ، أما الأول: فَلِأَنَّهُ يكون عَن ذَات مُفْردَة مَذْكُورَة، وَذَلِكَ الْمُفْرد يكون مُقَدرا غَالِبا. وَأما الثَّانِي: فَإِنَّهُ لَا إِبْهَام فِي لَفْظَة: يقم، وَلَا فِي إِسْنَاده إِلَى فَاعله. وَأما النصب على الْعلَّة فَإِنَّهُ مَا فعل لأَجله فعل مَذْكُور، وَهَهُنَا الْقيام لَيْسَ لأجل عِلّة الْإِيمَان، وَإِنَّمَا الْإِيمَان سَبَب للْقِيَام. ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: شَرط التَّمْيِيز أَن يَقع موقع الْفَاعِل نَحْو: طَابَ زيد نفسا قلت: اطراد هَذَا الشَّرْط مَمْنُوع، وَلَئِن سلمنَا فَهُوَ أَعم من أَن يكون فَاعِلا بِالْفِعْلِ، أَو بِالْقُوَّةِ، كَمَا يؤول: طَار عَمْرو فَرحا، بِأَن المُرَاد طيَّره الْفَرح. فَهُوَ فِي الْمَعْنى إِقَامَة الْإِيمَان. قلت: هَذَا التَّمْثِيل لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَن نِسْبَة الطيران إِلَى عَمْرو فِيهِ إِبْهَام، وَفَسرهُ بقوله: فَرحا، وتأويله: طيره الْفَرح كَمَا فِي قَوْلك طَابَ زيد نفسا تَقْدِيره: طَابَ نفس زيد، وَلَيْسَ كَذَلِك. قَوْله: (من يقم لَيْلَة الْقدر) لِأَنَّهُ إِبْهَام فِي نِسْبَة الْقيام إِلَيْهِ وَلَا فِي نفس الْقيام، وتأويله بقوله: إِقَامَة الْإِيمَان، لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَن الْإِيمَان لَيْسَ بفاعل لَا بِالْفِعْلِ وَلَا بِالْقُوَّةِ. قَوْله: (غفر لَهُ) ، جَوَاب الشَّرْط، وَهَذَا كَمَا ترى وَقع مَاضِيا، وَفعل الشَّرْط مضارعا، والنحاة يستضعفون مثل ذَلِك. وَمِنْهُم من مَنعه إِلَّا فِي ضَرُورَة شعر، وأجازوا ضِدّه، وَهُوَ أَن يكون فعل الشَّرْط مَاضِيا وَالْجَوَاب مضارعا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿من كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا نوف إِلَيْهِم﴾ (هود: ١٥) وَجَمَاعَة مِنْهُم جوزوا ذَلِك مُطلقًا، وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، وَبقول عَائِشَة، ﵂، فِي أبي بكر الصّديق، ﵁: مَتى يقم مقامك رق، وَالصَّوَاب: مَعَهم، لِأَنَّهُ وَقع فِي كَلَام أفْصح النَّاس، وَفِي كَلَام عَائِشَة الفصيحة. وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتَدَلُّوا بقوله تَعَالَى: ﴿إِن نَشأ ننزل عَلَيْهِم من السَّمَاء آيَة فظلت﴾ (الشُّعَرَاء: ٤) لِأَن قَوْله: فظلت، بِلَفْظ الْمَاضِي، وَهُوَ تَابع للجواب، وتابع الْجَواب جَوَاب! قلت: لَا نسلم أَن تَابع الْجَواب جَوَاب، بل هُوَ فِي حكم الْجَواب، وَفرق بَين الْجَواب وَحكم الْجَواب. وَقَوله (ظلت) عطف على قَوْله: ننزل، وَحقّ الْمَعْطُوف صِحَة حُلُوله مَحل الْمَعْطُوف عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَعِنْدِي فِي الِاسْتِدْلَال بِهِ نظر، أَرَادَ بِهِ اسْتِدْلَال المجوزين بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، لأنني أَظُنهُ من تصرف الروَاة، فقد رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن عَليّ بن مَيْمُون عَن أبي الْيَمَان، شيخ البُخَارِيّ فِيهِ، فَلم يغاير بَين الشَّرْط وَالْجَزَاء، بل قَالَ: من يقم لَيْلَة الْقدر يغْفر لَهُ. وَرَوَاهُ أَبُو نعيم فِي الْمُسْتَخْرج عَن سُلَيْمَان، وَهُوَ الطَّبَرَانِيّ، عَن أَحْمد بن عبد الْوَهَّاب بن نجدة عَن أبي الْيَمَان وَلَفظه: (لَا يقوم أحد لَيْلَة الْقدر فيوافقها إِيمَانًا واحتسابا إلَاّ غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) . قلت: لقَائِل أَن يَقُول: لم لَا يجوز أَن يكون تصرف الروَاة فِيمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ، وَأَن مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ بالمغايرة بَين الشَّرْط وَالْجَزَاء هُوَ اللَّفْظ النَّبَوِيّ، بل الْأَمر كَذَا، لِأَن رِوَايَة مُحَمَّد بن عَليّ بن مَيْمُون عَن أبي الْيَمَان لَا تعادل رِوَايَة البُخَارِيّ عَن أبي الْيَمَان: وَلَا رِوَايَة أَحْمد بن عبد الْوَهَّاب بن نجدة عَن أبي الْيَمَان مثل رِوَايَة البُخَارِيّ عَنهُ، وَيُؤَيّد هَذَا رِوَايَة مُسلم أَيْضا، وَلَفظ البُخَارِيّ: (من يقم لَيْلَة الْقدر فيوافقها أرَاهُ إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) ، وَلَفظ حَدِيث الطَّبَرَانِيّ يُنَادي بِأَعْلَى صَوته بِوُقُوع التَّغْيِير وَالتَّصَرُّف من الروَاة فِيهِ، لِأَن فِيهِ النَّفْي وَالْإِثْبَات مَوضِع الشَّرْط وَالْجَزَاء فِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَمُسلم. قَوْله: (من ذَنبه) يتَعَلَّق بقوله: (غفر) أَي: غفر من ذَنبه مَا تقدم، وَيجوز أَن تكون: من، البيانية لما تقدم. فَإِن قلت: (مَا تقدم) مَا موقعه من الْإِعْرَاب؟ قلت: النصب على المفعولية على الْوَجْه الأول، وَالرَّفْع على أَنه مفعول نَاب عَن الْفَاعِل على الْوَجْه الثَّانِي، فَافْهَم. الأسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: لِمَ قَالَ هَهُنَا: من يقم، بِلَفْظ الْمُضَارع، وَقَالَ فِيمَا بعده: من قَامَ رَمَضَان وَمن صَامَ رَمَضَان، بالماضي؟ وَأجِيب: بِأَن قيام رَمَضَان وصيامه مُحَقّق الْوُقُوع، فجَاء بِلَفْظ يدل عَلَيْهِ بِخِلَاف قيام لَيْلَة الْقدر، فَإِنَّهُ غير مُتَيَقن، فَلهَذَا ذكره بِلَفْظ الْمُسْتَقْبل. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا النُّكْتَة فِي وُقُوع الْجَزَاء بالماضي مَعَ أَن الْمَغْفِرَة فِي زمن الِاسْتِقْبَال؟ وَأجِيب: للإشعار بِأَنَّهُ مُتَيَقن الْوُقُوع مُتَحَقق الثُّبُوت، فضلا من الله تَعَالَى على عباده. وَمِنْهَا

стр. 227

مَا قيل: لفظ: من يقم لَيْلَة الْقدر، هَل يَقْتَضِي قيام تَمام اللَّيْلَة، أَو يَكْفِي أقل مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْقيام؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ يَكْفِي الْأَقَل وَعَلِيهِ بعض الْأَئِمَّة، حَتَّى قيل بكفاية فرض صَلَاة الْعشَاء فِي دُخُوله تَحت الْقيام فِيهَا، لَكِن الظَّاهِر مِنْهُ عرفا أَنه لَا يُقَال: قيام اللَّيْلَة، إلَاّ إِذا قَامَ كلهَا أَو أَكْثَرهَا. قلت: قَوْله: (من يقم لَيْلَة الْقدر) . مثل: من يصم يَوْمًا، فَكَمَا لَا يَكْفِي صَوْم بعض الْيَوْم وَلَا أَكْثَره، فَكَذَلِك لَا يَكْفِي قيام بعض لَيْلَة الْقدر وَلَا أَكْثَرهَا، وَذَلِكَ لِأَن لَيْلَة الْقدر وَقعت مَفْعُولا لقَوْله: يقم، فَيَنْبَغِي أَن يُوصف جَمِيع اللَّيْلَة بِالْقيامِ، لِأَن من شَأْن الْمَفْعُول أَن يكون مشمولاً بِفعل الْفَاعِل. فَافْهَم. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا معنى الْقيام فِيهَا إِذْ ظَاهره غير مُرَاد قطعا؟ وَأجِيب: بِأَن الْقيام للطاعة كَأَنَّهُ مَعْهُود من قَوْله تَعَالَى: ﴿قومُوا لله قَانِتِينَ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٨) وَهُوَ حَقِيقَة شَرْعِيَّة فِيهِ. وَمِنْهَا مَا قيل: الذَّنب علم لِأَنَّهُ اسْم جنس مُضَاف، فَهَل يَقْتَضِي مغْفرَة ذَنْب يتَعَلَّق بِحَق النَّاس؟ وَأجِيب: بِأَن لَفظه مُقْتَض لذَلِك مُقْتَض لذَلِك، وَلَكِن علم من الْأَدِلَّة الخارجية أَن حُقُوق الْعباد لَا بُد فِيهَا من رضى الْخُصُوم، فَهُوَ عَام اخْتصَّ بِحَق الله تَعَالَى وَنَحْوه بِمَا يدل على التَّخْصِيص، وَقيل: يجوز أَن تكون: من، تبعيضية. وَفِيه نظر. ٢٦ - (بابٌ الْجِهادُ مِنَ الإيمانِ) الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع الأول: قَوْله: (بَاب) لَا يسْتَحق الْإِعْرَاب إِلَّا بِتَقْدِير: هَذَا بَاب، فَيكون خَبرا مَحْذُوف الْمُبْتَدَأ. وَقَوله: (الْجِهَاد) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره: (من الْإِيمَان) وَلَا يجوز فِيهِ غير الرّفْع. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ قيام لَيْلَة الْقدر، وَلَا يحصل ذَلِك، إِلَّا بالمجاهدة التَّامَّة ومقاساة الْمَشَقَّة وَترك الِاخْتِلَاط بالأهل والعيال، فَكَذَلِك الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب حَال الْمُجَاهِد الَّذِي لَا يحصل لَهُ الْحَظ من الْجِهَاد، وَلَا يُسمى مُجَاهدًا إلَاّ بالمجاهدة التَّامَّة ومقاساة الْمَشَقَّة الزَّائِدَة وَترك الْأَهْل والعيال، وكما أَن الْقَائِم لَيْلَة الْقدر يجْتَهد أَن ينَال رُؤْيَة تِلْكَ اللَّيْلَة ويتحلى بهَا، وإلَاّ فيكتسب أجورا عَظِيمَة، فَكَذَلِك الْمُجَاهِد يجْتَهد أَن ينَال دَرَجَة الشُّهَدَاء ومنزلتهم وإلَاّ فَيرجع بغنيمة وافرة مَعَ اكْتِسَاب اسْم الْغُزَاة، فَهَذَا هُوَ وَجه الْمُنَاسبَة وَإِن كَانَ التَّرْتِيب الوضعي يَقْتَضِي أَن يذكر بَاب تطوع قيام رَمَضَان عقيب هَذَا الْبَاب، وَبَاب صَوْم رَمَضَان عقيب هَذَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَل لترتيب الْكتاب وتوسيط الْجِهَاد بَين قيام لَيْلَة الْقدر وَقيام رَمَضَان وصيامه مُنَاسبَة أم لَا؟ قلت: مناسبته تَامَّة وَهِي الْمُشَاركَة فِي كَون كل من الْمَذْكُورَات من أُمُور الْإِيمَان. وتوسيط الْجِهَاد مشْعر بِأَن النّظر مَقْطُوع عَن غير هَذِه الْمُنَاسبَة. قلت: يُرِيد بِكَلَامِهِ هَذَا أَن الْمُنَاسبَة بَين هَذِه الْأَبْوَاب كلهَا هِيَ اشتراكها فِي كَونهَا من خِصَال الْإِيمَان، مَعَ قطع النّظر عَن طلب الْمُنَاسبَة بَين كل بَابَيْنِ من الْأَبْوَاب، وَهَذَا كَلَام من يعجز عَن إبداء وَجه الْمُنَاسبَة الْخَاصَّة مَعَ الْمُنَاسبَة الْعَامَّة، وَمَا يَنْبَغِي أَن يذكر مَا ذكرته، فَافْهَم. الثَّالِث: معنى قَوْله: (الْجِهَاد من الْإِيمَان) الْجِهَاد شُعْبَة من شعب الْإِيمَان. وَقَالَ ابْن بطال وَعبد الْوَاحِد، الشارحان: هَذَا كالأبواب الْمُتَقَدّمَة فِي أَن الْأَعْمَال إِيمَان، لِأَنَّهُ لما كَانَ الْإِيمَان هُوَ الْمخْرج لَهُ فِي سَبيله، كَانَ الْخُرُوج إِيمَانًا تَسْمِيَة للشَّيْء باسم سَببه، كَمَا قيل للمطر سَمَاء لنزوله من السَّمَاء، وللنبات. توأ لِأَنَّهُ ينشأ من النوء، وَالْجهَاد الْقِتَال مَعَ الْكفَّار لإعلاء كلمة الله تَعَالَى. ٣٦ - حدّثنا حَرَمِيُّ بنُ حَفْصٍ قَالَ حدّثنا عبدُ الوَاحِدِ قَالَ حدّثنا عُمَارَةُ قَالَ حدّثنا أبُو زُرْعَةَ بنُ عَمْرو بنِ جَرِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إلَاّ إيمانٌ بِي وتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أَن أَرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أجْرِ أَو غَنِيمَةٍ أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ وَلَوْلَا أنْ أشُقَّ على أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ وَلوِددْتُ أنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُم أُحْيا ثمَّ أُقْتَلُ ثمَّ أُحيا ثمَّ أُقتل.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة أَن الْمخْرج للْجِهَاد فِي سَبِيل الله تَعَالَى لما كَانَ هُوَ كَونه مُؤمنا بِاللَّه ومصدقا برسله، كَانَ خُرُوجه من الْإِيمَان، وَالْجهَاد هُوَ الْخُرُوج فِي سَبِيل الله لِلْقِتَالِ مَعَ أعدائه، وَقد ثَبت أَن الْخُرُوج من الْإِيمَان، فينتج أَن الْجِهَاد من الْإِيمَان.

стр. 228

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: حرمي، اسْم بِلَفْظ النِّسْبَة، ابْن حَفْص بن عمر، الْعَتكِي الْقَسْمَلِي الْبَصْرِيّ، روى عَنهُ البُخَارِيّ، وَانْفَرَدَ بِهِ عَن مُسلم، وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ. مَاتَ سنة ثَلَاث، وَقيل: سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبُو بشر عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، الْعَبْدي الْبَصْرِيّ، وَيعرف: بالثقفي. قَالَ يحيى وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة: ثِقَة. وَقَالَ ابْن سعد: ثِقَة كثير الحَدِيث، مَاتَ سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة، روى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم، فِي طبقته عبد الْوَاحِد بن زيد الْبَصْرِيّ أَيْضا لكنه ضَعِيف، وَلم يخرج عَنهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ شَيْء. الثَّالِث: عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة، ابْن الْقَعْقَاع بن شبْرمَة، ابْن أخي عبد الله بن شبْرمَة الْكُوفِي الضَّبِّيّ، روى عَنهُ الثَّوْريّ وَالْأَعْمَش وَغَيرهمَا، قَالَ يحيى، ثِقَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَالح الحَدِيث، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أَبُو زرْعَة، بِضَم الزَّاي، وَاخْتلف فِي اسْمه وأشهرها: هرم، وَقيل: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: عَمْرو، وَقيل: عبيد الله بن عَمْرو بن جرير بن عبد الله البَجلِيّ، سمع جده وَأَبا هُرَيْرَة وَغَيرهمَا، قَالَ يحيى: ثِقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، ﵁. بَيَان الْأَنْسَاب: الْعَتكِي: بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، فِي الأزد: ينْسب إِلَى العتيك بن الْأسد بن عمرَان بن عَمْرو بن عَامر بن حَارِثَة بن امرىء الْقَيْس بن ثَعْلَبَة بن مَازِن بن الأزد، وَفِي قضاعة: عتِيك بطن. الْقَسْمَلِي بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم، فِي الأزد: ينْسب إِلَى قسملة، وَهُوَ: مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن دوس، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: قسملي فِي الأزد وهم القسامل، سموا بذلك لجمالهم، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: الْقَسْمَلِي نِسْبَة إِلَى القساملة، قَبيلَة من الأزد نزلت الْبَصْرَة فنسبت الْمحلة إِلَيْهِم أَيْضا، وَهَذَا مَنْسُوب إِلَى الْقَبِيلَة، وَفِي شرح النَّوَوِيّ على قِطْعَة من البُخَارِيّ: أَن الْقَسْمَلِي، بِكَسْر الْقَاف وَالْمِيم، وَكَأَنَّهُ سبق قلم، وَالصَّوَاب فتحهما؛ والعبدي: نِسْبَة إِلَى عبد الْقَيْس بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أَسد بن ربيعَة بن نزار، وَفِي قُرَيْش: عبد بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر، وَفِي تَمِيم: ينْسب إِلَى عبد الله بن دارم. وَفِي قضاعة: إِلَى عبد الله بن الْخِيَار وَفِي هَمدَان إِلَى عبد الله بن عليان. والثقفي: نِسْبَة إِلَى ثَقِيف، وَهُوَ قسي بن مُنَبّه بن بكر بن هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس بن غيلَان. والضبي، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى ضبة بن أد بن طابخة بن الياس بن مُضر، وَفِي قُرَيْش: ضبة بن الْحَارِث ابْن فهر، وَفِي هُذَيْل: ضبة بن عَمْرو بن الْحَارِث بن تَمِيم بن سعد بن هُذَيْل. والبجلي بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم: نِسْبَة إِلَى بجيلة بنت صَعب بن سعد الْعَشِيرَة بن مَالك بن مذْحج. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا وَهُوَ أعظمها: أَنه خَال عَن العنعنة وَلَيْسَ فِيهِ إلَاّ التحديث وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي. وَمِنْهَا: أَن فيهم إسما على صُورَة النِّسْبَة، وَرُبمَا يَظُنّهُ من لَا إِلْمَام لَهُ بِالْحَدِيثِ أَنه نِسْبَة. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن أبي هُرَيْرَة ﵁، وَأخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن زُهَيْر عَن جرير، وَعَن أبي بكر وَأبي كريب عَن ابْن فُضَيْل عَن عمَارَة بِهِ. وَفِي لفظ مُسلم: (يضمن الله) ، وَفِي بَعْضهَا: (تكفل الله) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (توكل الله) وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ: وَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ: (انتدب الله لمن يخرج فِي سَبيله لَا يُخرجهُ إلَاّ الْإِيمَان بِي وَالْجهَاد فِي سبيلي أَنه ضَامِن حَتَّى أدخلهُ الْجنَّة بِأَيِّهِمَا كَانَ: إِمَّا بقتل أَو وفادة، أَو أرده إِلَى مَسْكَنه الَّذِي يخرج مِنْهُ، نَالَ مَا نَالَ من أجر أَو غنيمَة) . بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (انتدب الله) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون النُّون وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، من قَوْلهم: نَدبه لأمر فَانْتدبَ لَهُ، أَي: دَعَاهُ لَهُ فَأجَاب، فَكَأَن الله تَعَالَى جعل جِهَاد الْعباد فِي سَبِيل الله سؤالاً، وَدُعَاء لَهُ إِيَّاه. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) فِي فصل النُّون مَعَ الدَّال قَوْله: (انتدب الله لمن جَاهد فِي سَبيله) أَي: سارع بثوابه وَحسن جَزَائِهِ، وَقيل: أجَاب، وَقيل: تكفل، وَقَالَ ابْن بطال: أوجب وتفضل أَي: حقق واحكم أَي: ينجز ذَلِك لمن أخْلص قلت: كَأَنَّهُ يُرِيد مَا وعده، بقوله تَعَالَى: ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ﴾ (التَّوْبَة: ١١١) الْآيَة، وَذكره أَيْضا فِي (الْمطَالع) فِي فصل الْهمزَة مَعَ الدَّال من مَادَّة أدب، فَقَالَ قَوْله: (ائتدب الله لمن خرج فِي سَبيله) . كَذَا للقابسي بِهَمْزَة، وَمَعْنَاهُ: أجَاب من دَعَاهُ، من المأدبة، يُقَال: أدب الْقَوْم يأدبهم ويأدبهم أدبا إِذا دعاهم. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: انتدب، بالنُّون، وَأَهْمَلَهُ الْأصيلِيّ وَلم يُقَيِّدهُ، وَمَعْنَاهُ قريب من الأول، كَأَنَّهُ أجَاب رغبته. يُقَال:

стр. 229

ندبته فَانْتدبَ أَي دَعوته فَأجَاب، وَمِنْه فِي حَدِيث الخَنْدَق: فَانْتدبَ الزبير، ﵁، وَذكره الصغاني أَيْضا فِي بَاب النُّون مَعَ الدَّال وَقَالَ: وَأما قَول النَّبِي ﷺ : (انتدب الله) الحَدِيث، فَمَعْنَاه: أَجَابَهُ إِلَى غفرانه. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: رَوَاهُ الْقَابِسِيّ: ائتدب، بِهَمْزَة صورتهَا يَاء من: المأدبة، يُقَال: أدب الْقَوْم مخففا، إِذا دعاهم، وَمِنْه: (الْقُرْآن مأدبة الله فِي الأَرْض) . قلت: قَالَ الصغاني: الْأَدَب الدُّعَاء إِلَى الطَّعَام، يُقَال أدبهم يأدبهم بِكَسْر الدَّال، وَاسم الطَّعَام عَن أبي زيد: المأدبة والمأدبة، يَعْنِي بِفَتْح الدَّال وَضمّهَا، ثمَّ قَالَ: وَأما المأدبة، بِالْفَتْح، فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود، ﵁: (إِن هَذَا الْقُرْآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته) فَلَيْسَتْ من الطَّعَام فِي شَيْء، وَإِنَّمَا هِيَ مفعلة من الْأَدَب بِالتَّحْرِيكِ، انْتهى. وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ هُنَا: ايتدب، بياء تَحْتَانِيَّة مَهْمُوزَة بدل النُّون من المأدبة وَهُوَ تَصْحِيف، وَقد وجههوه بتكلف، لَكِن إِطْلَاق الروَاة على خِلَافه. قلت: لم يقل أحد من الشُّرَّاح ولامن رُوَاة الْكتاب إِن هَذَا تَصْحِيف، وَلَا أطبقت الروَاة على خِلَافه، وَقد رَأَيْت مَا قَالَت الْمَشَايِخ فِيهِ وَالدَّعْوَى بِلَا برهَان لَا تقبل. قَوْله: (أَن أرجعه) بِفَتْح الْهمزَة من رَجَعَ، وَقد جَاءَ مُتَعَدِّيا ولازما، فمصدر الأول الرجع، ومصدر الثَّانِي الرُّجُوع، وَهَهُنَا مُتَعَدٍّ نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن رجعك الله إِلَى طَائِفَة﴾ (التَّوْبَة: ٨٣) وَفِي (الْعباب) : رَجَعَ بِنَفسِهِ يرجع رُجُوعا ومرجعا ورجعي، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ثمَّ إِلَى ربكُم مرجعكم﴾ (الْأَنْعَام: ١٦٤، الزمر: ٧) وَهُوَ شَاذ لِأَن المصادر من: فعل يفعل، إِنَّمَا تكون بِالْفَتْح. وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن إِلَى رَبك الرجعى﴾ (العلق: ٨) ورجعته عَن الشَّيْء وَإِلَى الشَّيْء رجعا: رَددته. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّه على رجعه لقادر﴾ (الطارق: ٨) أَي: على إِعَادَته حَيا بعد مَوته وبلاه، لِأَنَّهُ المبدىء المعيد. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يرجع بَعضهم إِلَى بعض القَوْل﴾ (سبأ: ٣١) أَي: يتلاومون. قَوْله: (بِمَا نَالَ) . أَي: بِمَا أصَاب من النّيل، وَهُوَ الْعَطاء. قَوْله: (خلف سَرِيَّة) خلف هَهُنَا بِمَعْنى بعد، والسرية: هِيَ قِطْعَة من الْجَيْش، يُقَال: خير السَّرَايَا أَربع مائَة رجل. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (انتدب) فعل مَاض، وَلَفْظَة: الله، فَاعله، وَقَوله (لمن خرج) يتَعَلَّق بانتدب، وَمن، مَوْصُولَة. وَخرج، جملَة صلتها، وَفِي سَبيله، يتَعَلَّق بِهِ، وَالضَّمِير فِي سَبيله، يرجع إِلَى الله. قَوْله: (لَا يُخرجهُ) جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول وَهُوَ الضَّمِير، وموضعها نصب على الْحَال، وَقد علم أَن الْمُضَارع إِذا وَقع حَالا وَكَانَ منفيا يجوز فِيهِ الْوَاو وَتركهَا، نَحْو: جَاءَنِي زيد لَا يركب، أَو: وَلَا يركب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا بُد من التَّأْوِيل وَهُوَ تَقْدِير اسْم فَاعل من القَوْل مَنْصُوب على الْحَال، كَأَنَّهُ قَالَ: انتدب الله لمن خرج فِي سَبيله قَائِلا لَا يُخرجهُ إِلَّا إِيمَان بِي. قلت: هَذَا لَيْسَ بسديد لِأَنَّهُ على تَقْدِيره يلْزم أَن يكون ذُو الْحَال هُوَ الله تَعَالَى، وَيكون قَوْله لَا يُخرجهُ، مقول القَوْل، وَلَيْسَ كَذَلِك بل ذُو الْحَال هُوَ الضَّمِير الَّذِي فِي خرج وَأَيْضًا فِيهِ حذف الْحَال وَهُوَ لَا يجوز. قَوْله: (إِيمَان) مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: لَا يُخرجهُ، وَالِاسْتِثْنَاء مفرغ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم والإسماعيلي: إلَاّ إِيمَانًا، بِالنّصب. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَنْصُوب على أَنه مفعول لَهُ، وَتَقْدِيره: لَا يُخرجهُ مخرج إِلَّا الْإِيمَان والتصديق. قَوْله: (وتصديق برسلي) ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَو تَصْدِيق، وَفِي بعض النّسخ: (وتصديق) بِالْوَاو الْوَاصِلَة وَهُوَ ظَاهر. قلت: لم أَقف على من ذكر هَذَا رِوَايَة، ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: إِذا كَانَ: بِأَو، الفاصلة، فَمَا مَعْنَاهُ إِذْ لَا بُد من الْأَمريْنِ: الْإِيمَان بِاللَّه والتصديق برسل الله؟ قلت: أَو، هَهُنَا لِامْتِنَاع الْخُلُو مِنْهُمَا مَعَ إِمْكَان الْجمع بَينهمَا، أَي: لَا يَخْلُو عَن أَحدهمَا، وَقد يَجْتَمِعَانِ بل يلْزم الِاجْتِمَاع، لِأَن الْإِيمَان بِاللَّه مُسْتَلْزم لتصديق رسله، إِذْ من جملَة الْإِيمَان بِاللَّه الْإِيمَان بأحكامه وأفعاله، وَكَذَا التَّصْدِيق بالرسل يسْتَلْزم الْإِيمَان بِاللَّه، وَهُوَ ظَاهر. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره لَيْسَ مِمَّا يدل عَلَيْهِ: أَو، لِأَن الِاجْتِمَاع هَهُنَا لَازم و: أَو، لَا يدل على لُزُوم الِاجْتِمَاع. قَوْله: (أَن أرجعه) يتَعَلَّق بقوله: (انتدب) ، وَأَن مَصْدَرِيَّة، وَأَصلهَا: بِأَن أرجعه، أَي: يرجعه، وَالْبَاء فِي: بِمَا نَالَ، يتَعَلَّق بِهِ، وَمَا، مَوْصُولَة، و: نَالَ، صلتها والعائد مَحْذُوف أَي: بِمَا ناله. قَوْله: (من) للْبَيَان، قَوْله: (أَو غنيمَة) أَو: هَهُنَا لِامْتِنَاع الْخُلُو مِنْهُمَا مَعَ إِمْكَان الْجمع بَينهمَا أَعنِي: أَن اللَّفْظ لَا يَنْفِي اجْتِمَاعهمَا، بل يثبت أَحدهمَا مَعَ جَوَاز ثُبُوت الآخر، فقد يَجْتَمِعَانِ. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: مَعْنَاهُ أَن أرجعه بِمَا نَالَ من أجر مُجَرّد وَإِن لم يكن غنيمَة، أَو أجر وغنيمة إِذا كَانَت، فَاكْتفى بِذكر الْأجر أَولا عَن تكراره، أَو أَن: أَو، هَهُنَا بِمَعْنى الْوَاو، كَمَا جَاءَ فِي مُسلم من رِوَايَة يحيى بن يحيى، وَفِي سنَن أبي دَاوُد: من أجر وغنيمة بِغَيْر ألف. وَقد قيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين﴾ (النِّسَاء: ١١ و ١٢) مَعْنَاهُ: وَدين، وَقيل: من وَصِيَّة وَدين، أَو دين دون وَصِيَّة. قَوْله: (أَو أدخلهُ) بِالنّصب عطفا على قَوْله: (أَن أرجعه) . قَوْله: (لَوْلَا) هِيَ الامتناعية لَا التحضيضية، وَأَن، مَصْدَرِيَّة فِي مَحل الرّفْع

стр. 230

على الِابْتِدَاء، وَالتَّقْدِير: لَوْلَا الْمَشَقَّة، وَيجوز أَن يكون مَرْفُوعا بِفعل مَحْذُوف، أَي: لَوْلَا ثَبت أَن أشق، وَقَوله: أشق مَنْصُوب بِهِ. قَوْله: (مَا قعدت) جَوَاب لَوْلَا، وَأَصله: لما قعدت، فحذفت اللَّام مِنْهُ. وَقَوله: (خلف) نصب على الظَّرْفِيَّة، وَسبب الْمَشَقَّة صعوبة تخلفهم بعده، وَلَا يقدرُونَ على الْمسير مَعَه لضيق حَالهم، وَلَا قدرَة لَهُ على حملهمْ، كَمَا جَاءَ مُبينًا فِي حَدِيث آخر، حَيْثُ قَالَ: (فَإِنَّهُ يشق عَلَيْهِم التَّخَلُّف بعده، وَلَا تطيب أنفسهم بذلك) . قَوْله: (ولوددت) اللَّام للتَّأْكِيد، وَهُوَ عطف على قَوْله: مَا قعدت، وَيجوز أَن تكون اللَّام فِيهِ جَوَاب قسم مَحْذُوف أَي: وَالله لَوَدِدْت أَي: أَحْبَبْت. قَوْله: (أَن أقتل) فِي مَحل النصب على المفعولية، وَأَن، مَصْدَرِيَّة، أَي: الْقَتْل، والهمزة فِي الْمَوَاضِع الْخَمْسَة مَضْمُومَة. قَوْله: (ثمَّ أحيى) أَي: ثمَّ أَن أحيى، وَكَذَلِكَ التَّقْدِير فِي الْبَوَاقِي. ﴿بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (إلَاّ إِيمَان بِي وتصديق برسلي) : يُرِيد خلوص نِيَّته لذَلِك، وَفِيه الْتِفَات، وَهُوَ الْعُدُول من الْغَيْبَة، إِلَى ضمير الْمُتَكَلّم، والسياق كَانَ يَقْتَضِي أَن يَقُول: إِلَّا إِيمَان بِهِ. قَوْله: (أَن أرجعه) فِيهِ حذف أَي: إِلَى مَسْكَنه. قَوْله: (بِمَا نَالَ) فِيهِ اسْتِعْمَال الْمَاضِي مَوضِع الْمُضَارع لتحَقّق وعد الله تَعَالَى. قَوْله: (ثمَّ أحيى) كلمة ثمَّ، وَإِن كَانَت تدل على التَّرَاخِي فِي الزَّمَان، وَلكنهَا هَهُنَا حملت على التَّرَاخِي فِي الرُّتْبَة، لِأَن المتمنى حُصُول مرتبَة بعد مرتبَة إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى الفردوس الْأَعْلَى. استنباط الْأَحْكَام: فِيهِ: فضل الْجِهَاد وَالشَّهَادَة فِي سَبِيل الله. وَفِيه: تمني الشَّهَادَة وتعظيم أجرهَا. وَفِيه: تمني الْخَيْر وَالنِّيَّة فَوق مَا لَا يُطيق الْإِنْسَان وَمَا لَا يُمكنهُ إِذا قدر لَهُ، وَهُوَ أحد التَّأْويلَيْنِ فِي قَوْله ﷺ : (نِيَّة الْمُؤمن أبلغ من عمله) وَفِيه: بَيَان شدَّة شَفَقَة رَسُول الله ﷺ على أمته ورأفته بهم. وَفِيه: اسْتِحْبَاب طلب الْقَتْل فِي سَبِيل الله. وَفِيه: جَوَاز قَول الْإِنْسَان: وددت حُصُول كَذَا من الْخَيْر الَّذِي يعلم أَنه لَا يحصل. وَفِيه: إِذا تعَارض مصلحتان بدىء بأهمهما، وَأَنه يتْرك بعض الْمصَالح لمصْلحَة أرجح مِنْهَا، أَو لخوف مفْسدَة تزيد عَلَيْهَا. وَفِيه: إِن الْجِهَاد فرض كِفَايَة لَا فرض عين. وَفِيه: السَّعْي فِي زَوَال الْمَكْرُوه وَالْمَشَقَّة عَن الْمُسلمين. وَفِيه: إِن من خرج فِي قتال الْبُغَاة وَفِي إِقَامَة الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَنَحْو ذَلِك يدْخل فِي قَوْله: (فِي سَبِيل الله) وَإِن كَانَ ظَاهره فِي قتال الْكفَّار. الأسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: جَمِيع الْمُؤمنِينَ يدخلهم الله تَعَالَى الْجنَّة، فَمَا وَجه اختصاصهم بذلك؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يدْخلهُ بعد مَوته، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾ (آل عمرَان: ١٦٩) وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد: الدُّخُول عِنْد دُخُول السَّابِقين والمقربين بِلَا حِسَاب وَلَا عَذَاب، وَلَا مُؤَاخذَة بذنوب، وَتَكون الشَّهَادَة مكفرة لَهَا كَمَا رُوِيَ من قَوْله، ﵊: (الْقَتْل فِي سَبِيل الله يكفر كل شَيْء إِلَّا الدّين) . رَوَاهُ مُسلم. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن الْمُجَاهِد لَهُ حالتان: الشَّهَادَة والسلامة، فالجنة للحالة الأولى، وَالْأَجْر وَالْغنيمَة للثَّانِيَة وَلَفظه: أَو فِي قَوْله: أَو غنيمَة، تدل على أَن للسالم، إِمَّا الْأجر، وَإِمَّا الْغَنِيمَة لَا كِلَاهُمَا؟ وَأجِيب: بِأَن معنى: أَو، لِامْتِنَاع الْخُلُو عَنْهُمَا مَعَ إِمْكَان الْجمع بَينهمَا. وَمِنْهَا مَا قيل: هَهُنَا حَالَة ثَالِثَة للسالم وَهُوَ: الْأجر بِدُونِ الْغَنِيمَة. وَأجِيب: بِأَن هَذِه الْحَالة دَاخِلَة تَحت الْحَالة الثَّانِيَة إِذْ هِيَ أَعم من الْأجر فَقَط، أَو مِنْهُ مَعَ الْغَنِيمَة. وَمِنْهَا مَا قيل: الْأجر ثَابت للشهيد الدَّاخِل فِي الْجنَّة، فَكيف يكون السَّالِم والشهيد مقترنين فِي أَن لأَحَدهمَا الْأجر وَللْآخر الْجنَّة، مَعَ أَن الْجنَّة أَيْضا أجر؟ وَأجِيب: بِأَن هَذَا أجر خَاص، وَالْجنَّة أجر أَعلَى مِنْهُ، فهما متغايران. أَو أَن الْقسمَيْنِ هما الرجع والإدخال، لَا الْأجر وَالْجنَّة. وَمعنى الحَدِيث: إِن الله تَعَالَى ضمن أَن الْخَارِج للْجِهَاد ينَال خيرا بِكُل حَال، فإمَّا أَن يستشهد فَيدْخل الْجنَّة، وَإِمَّا أَن يرجع بِأَجْر فَقَط، وَإِمَّا بِأَجْر وغنيمة. وَمِنْهَا مَا قيل: بِمَاذَا هَذَا الضَّمَان؟ وَأجِيب: بِمَا سبق فِي علمه، وَمَا ذكره فِي كِتَابه بقوله: ﴿إِن الله اشْترى﴾ (التَّوْبَة: ١١١) الْآيَة: وَمِنْهَا مَا قيل: لَا مشقة على الْأمة فِي ودادة الرَّسُول ﷺ ، لِأَن غَايَة مَا فِي الْبَاب وجود الْمُتَابَعَة فِي الودادة، وَلَيْسَ فِيهَا مشقة. وَأجِيب: بِأَنا لَا نسلم عدم الْمَشَقَّة، وَلَئِن سلمنَا فَرُبمَا ينجر إِلَى تشييع مودوده، فَيصير سَببا للْمَشَقَّة. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن الْفِرَار إِنَّمَا هُوَ على حَالَة الْحَيَاة. فَلم جعل النِّهَايَة هِيَ الْقَتْل؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد هُوَ الشَّهَادَة، فختم الْحَال عَلَيْهَا، أَو أَن الْإِحْيَاء للجزاء وَهُوَ مَعْلُوم شرعا، فَلَا حَاجَة إِلَى ودادته، لِأَنَّهُ ضَرُورِيّ الْوُقُوع. فَافْهَم. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن الْقَوَاعِد تَقْتَضِي أَن لَا يتَمَنَّى الْمعْصِيَة أصلا، لَا لنَفسِهِ وَلَا لغيره، فَكيف تمناه؟ لِأَن حَاصله أَنه تمنى أَن يُمكن فِيهِ كَافِر فيعصى فِيهِ؟ وَأجِيب: بِأَن الْمعْصِيَة لَيست مَقْصُودَة بالتمني، إِنَّمَا المتمنى الْحَالة الرفيعة وَهِي الشَّهَادَة، وَتلك تحصل تبعا. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله ﷺ : (بِمَا نَالَ من أجر أَو غنيمَة) يُعَارضهُ قَوْله ﵇ فِي الصَّحِيح: (مَا من غَازِيَة أَو سَرِيَّة تغزو فتغنم وتسلم، إلَاّ كَانُوا

стр. 231

قد تعجلوا ثُلثي أجرهم، وَمَا من غَازِيَة أَو سَرِيَّة تخفق فتصاب إِلَّا تمّ أُجُورهم) . والإخفاق أَن تغزو وَلَا تغتنم شَيْئا وَلَا يَصح أَن ينقص الْغَنِيمَة من أجرهم، كَمَا لم تنقص أهل بدر، وَكَانُوا أفضل الْمُجَاهدين. وَأجِيب: بأجوبة. الأول: الطعْن فِي هَذَا الحَدِيث، فَإِن فِي إِسْنَاده: حميد بن هَانِيء، وَلَيْسَ بالمشهور، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ أخرج لَهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، وَقَالَ يحيى بن سعيد: حدث عَنهُ الْأَئِمَّة، وَأَحَادِيثه كَثِيرَة مُسْتَقِيمَة. الثَّانِي: إِن الَّذِي يخْفق يزْدَاد بِالْأَجْرِ، والأسف على مَا فاتها من الْمغنم، ويضاعف لَهَا كَمَا يُضَاعف لمن أُصِيب بأَهْله وَمَاله. الثَّالِث: أَن يحمل الأول على من أخْلص فِي نِيَّته لقَوْله: (لَا يُخرجهُ إلَاّ جِهَاد فِي سبيلي) وَيحمل الحَدِيث الثَّانِي على من خرج بنية الْجِهَاد والمغنم، فَهَذَا شرك بِمَا يجوز فِيهِ التَّشْرِيك، وانقسمت نِيَّته بَين الْوَجْهَيْنِ فنقص أجره، وَالْأول خَاص فكمل أجره. وَنفى النَّوَوِيّ التَّعَارُض لِأَن الْغُزَاة إِذا سلمُوا وغنموا تكون أُجُورهم أقل من أجر من لم يسلم، أَو سلم وَلم يغنم، وَأَن الْغَنِيمَة فِي مُقَابلَة جُزْء من أجر غزوهم، فَإِذا حصلت فقد تعجلوا ثُلثي أجرهم. وَقَالَ القَاضِي: الحَدِيث الَّذِي فِيهِ، بِمَا نَالَ من أجر وغنيمة، مُطلق لِأَنَّهُ لم يقل فِيهِ: إِن الْغَنِيمَة تنقص الْأجر، والْحَدِيث الثَّانِي مُقَيّد، وَأما استدلالهم بغزوة بدر فَلَيْسَ فِيهِ أَنهم لَو لم يغنموا لَكَانَ أجرهم على قدر أجرهم مَعَ الْغَنِيمَة، وكونهم مغفورا مرضيا عَنْهُم لَا يلْزم مِنْهُم أَن لَا يكون فَوْقه مرتبَة أُخْرَى هِيَ أفضل. ٢٧ - (بابٌ تَطَوُّعُ قِيام رَمَضَانَ مِنَ الْإِيمَان) أَي: هَذَا بَاب. قَوْله: (تطوع) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ مُضَاف إِلَى مَا بعده، وَخَبره قَوْله: (من الْإِيمَان) ، وَفِي بعض النّسخ: بَاب تطوع قيام شهر رَمَضَان. والتطوع: تفعل، وَمَعْنَاهُ: التَّكَلُّف بِالطَّاعَةِ والتطوع بالشَّيْء: التَّبَرُّع بِهِ. وَفِي الِاصْطِلَاح: التَّنَفُّل، وَالْمرَاد من الْقيام هُوَ الْقيام بِالطَّاعَةِ فِي لياليه، وَقد ذكرنَا وَجه تخَلّل بَاب الْجِهَاد من الْإِيمَان بَين هَذَا الْبَاب وَبَاب قيام لَيْلَة الْقدر من الْإِيمَان. ورمضان فِي الأَصْل مصدر: رمض إِذا احْتَرَقَ من الرمضاء، ثمَّ جعل هَذَا علما لهَذَا الشَّهْر، وَمنع الصّرْف: للتعريف وَالْألف وَالنُّون، وَلما نقلوا أَسمَاء الشُّهُور عَن اللُّغَة الْقَدِيمَة سَموهَا بالأزمنة الَّتِي وَقعت فِيهَا، فَوَافَقَ هَذَا الشَّهْر أَيَّام رمض الْحر. ٣٧ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ حدّثني مَالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ حُمَيْدٍ بنِ عبدِ الرَّحْمَنِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا واحْتِسابا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ. (رَاجع الحَدِيث رقم ٣٥) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن مُبَاشرَة الْعَمَل الَّذِي فِيهِ غفران مَا تقدم من الذُّنُوب شُعْبَة من شعب الْإِيمَان، وَالتَّقْدِير فِي الْبَاب: بَاب تطوع قيام رَمَضَان شُعْبَة من شعب الْإِيمَان. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: إِسْمَاعِيل بن أويس الأصبحي الْمدنِي، ابْن أُخْت شَيْخه الإِمَام مَالك. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: حميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ، أَبُو إِبْرَاهِيم، وَيُقَال: أَبُو عبد الرَّحْمَن، وَيُقَال: أَبُو عُثْمَان الْقرشِي الزُّهْرِيّ الْمدنِي، وَأمه أُخْت عُثْمَان بن عَفَّان، أول الْمُهَاجِرَات من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، قلت: اسْمهَا أم كُلْثُوم بنت عقبَة بن أبي معيط، أُخْت عُثْمَان لأمه، أخرج لَهُ البُخَارِيّ هُنَا، وَفِي الْعلم، وَفِي غير مَوضِع عَن الزُّهْرِيّ وَسعد بن إِبْرَاهِيم وَابْن أبي مليكَة عَنهُ، عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد ومَيْمُونَة، وَأخرج لَهُ أَيْضا عَن عُثْمَان وَسَعِيد بن زيد وَغَيرهمَا، سمع جمعا من كبار الصَّحَابَة مِنْهُم أَبَوَاهُ وَابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة، وَعنهُ الزُّهْرِيّ وخلائق من التَّابِعين وَثَّقَهُ أَبُو زرْعَة وَغَيره، وَكَانَ كثير الحَدِيث، مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين بِالْمَدِينَةِ عَن ثَلَاث وَسبعين سنة، وَقيل: سنة خمس وَمِائَة وَهُوَ غلط. وَاعْلَم أَن البُخَارِيّ وَمُسلمًا قد أخرجَا لحميد بن عبد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِي الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ الْفَقِيه، وَلَا يلتبس بِهَذَا، وَإِن رُوِيَ هَذَا عَن ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة أَيْضا وَغَيرهمَا فاعلمه. وَمَا قلت من إِخْرَاج البُخَارِيّ لهَذَا جزم بِهِ الكلاباذي فِي كِتَابه، والمزي فِي (تهذيبه) ، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي شَرحه عَن الْحَاكِم، والْحميدِي، وَصَاحب الْجمع وَعبد الْغَنِيّ وَغَيرهم أَنهم قَالُوا: لم يخرج لَهُ شَيْئا، وَلم يخرج

стр. 232

مُسلم فِي صَحِيحه عَنهُ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ غير حَدِيث: (أفضل الصّيام بعد رَمَضَان) الحَدِيث ... فَقَط، وَمَا عداهُ فَهُوَ من رِوَايَة ابْن عَوْف، قَالَ: وَقد غلطوا الكلاباذي فِي دَعْوَاهُ: إِخْرَاج البُخَارِيّ لَهُ ووهموه، قَالَ: وَمِمَّا يدل على ذَلِك أَنه لم يذكرهُ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي من رِوَايَة البُخَارِيّ وَلما ذكر النَّوَوِيّ فِي شَرحه لمُسلم حَدِيثه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: اعْلَم أَن أَبَا هُرَيْرَة يروي عَنهُ اثْنَان كل مِنْهُمَا حميد بن عبد الرَّحْمَن: أَحدهمَا هَذَا الْحِمْيَرِي، وَالثَّانِي الزُّهْرِيّ. قَالَ الْحميدِي فِي جمعه: كل مَا فِي البُخَارِيّ وَمُسلم حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة فَهُوَ الزُّهْرِيّ إلَاّ فِي هَذَا الحَدِيث خَاصَّة، فَإِن رَاوِيه عَن أبي هُرَيْرَة الْحِمْيَرِي، وَهَذَا الحَدِيث لم يذكرهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه. قَالَ: وَلَا ذكر الْحِمْيَرِي فِي البُخَارِيّ أصلا، وَلَا فِي مُسلم إلَاّ هَذَا الحَدِيث قلت: دَعْوَاهُ أَن البُخَارِيّ لم يذكرهُ فِي صَحِيحه قد علمت مَا فِيهِ، وَقَوله: وَلَا فِي مُسلم إلَاّ هَذَا الحَدِيث، لَيْسَ بجيد، فقد ذكره مُسلم فِي ثَلَاثَة أَحَادِيث. أَحدهَا: أول الْكتاب حَدِيث ابْن عمر فِي الْقدر عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن يحيى بن يعمر وَحميد بن عبد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِي قَالَا: لَقينَا ابْن عمر وَذكر الحَدِيث. الثَّانِي: فِي الْوَصَايَا عَن عَمْرو بن سعيد عَن حميد الْحِمْيَرِي عَن ثَلَاثَة من ولد سعد أَن سَعْدا، فَذكره. الثَّالِث: فِيهَا عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة وَعَن رجل آخر هُوَ فِي نَفسِي أفضل من عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة، ثمَّ سَاقه من حَدِيث قُرَّة قَالَ: وسمى الرجل: حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي بكرَة: (خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ يَوْم النَّحْر فَقَالَ؛ أَي يَوْم هَذَا؟) الحَدِيث. فَائِدَة: روى مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن أَن عمر وَعُثْمَان، ﵄، كَانَا يصليان الْمغرب فِي رَمَضَان، ثمَّ يفطران. وَرَوَاهُ يزِيد بن هَارُون عَن ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد قَالَ: رَأَيْت عمر وَعُثْمَان فَذكره قَالَ الْوَاقِدِيّ: حميد لم يسمع من عمر، ﵁، وَلَا رَآهُ، وسنه وَمَوته يدلان على ذَلِك، وَلَعَلَّه سمع من عُثْمَان، ﵁، لِأَنَّهُ كَانَ خَاله لأمه، لِأَن أم مَكْتُوم أُخْت عُثْمَان، وَكَانَ يدْخل على عُثْمَان كَمَا يدْخل وَلَده. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن بن صَخْر، ﵁. بَيَان لطائف إِسْنَاده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَنهم أَئِمَّة أجلاء. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصّيام. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه والموطأ وَآخَرُونَ. بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (من) ، مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (غفر لَهُ) ، وهما الشَّرْط وَالْجَزَاء، وَمعنى من قَامَ رَمَضَان: من قَامَ بِالطَّاعَةِ فِي ليَالِي رَمَضَان، وَيُقَال: يُرِيد صَلَاة التَّرَاوِيح، وَقَالَ بَعضهم: لَا يخْتَص ذَلِك بِصَلَاة التَّرَاوِيح بل فِي أَي وَقت صلى تَطَوّعا حصل لَهُ ذَلِك الْفضل، وَاتفقَ الْعلمَاء على اسْتِحْبَاب التَّرَاوِيح، وَاخْتلفُوا فِي الْأَفْضَل. فَقَالَ الشَّافِعِي وَجُمْهُور أَصْحَابه وَأَبُو حنيفَة وَأحمد وَابْن عبد الحكم من أَصْحَاب مَالك: أَن حضورهما فِي الْجَمَاعَة فِي الْمَسَاجِد أفضل، كَمَا فعله عمر بن الْخطاب وَالصَّحَابَة، ﵃، وَاسْتمرّ الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ. وَقَالَ مَالك وَأَبُو يُوسُف والطَّحَاوِي وَبَعض الشَّافِعِيَّة وَغَيرهم: الْإِفْرَاد بهَا فِي الْبيُوت أفضل، لقَوْله ﷺ : (أفضل الصَّلَاة صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إلَاّ الْمَكْتُوبَة) . قَوْله: (إِيمَانًا واحتسابا) منصوبان على الحالية على تَأْوِيل مُؤمنا ومحتسبا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب: قيام لَيْلَة الْقدر من الْإِيمَان، أَي: مُصدقا ومريدا بِهِ وَجه الله تَعَالَى بخلوص النِّيَّة. استباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ حجَّة لمن جوز قَول رَمَضَان بِغَيْر إِضَافَة شهر إِلَيْهِ، وَهُوَ الصَّوَاب، وَسَيَجِيءُ الْكَلَام فِي بَابه. الثَّانِي: فِيهِ الدّلَالَة على غفران مَا تقدم من الذُّنُوب بِقِيَام رَمَضَان: وَدلّ الحَدِيث الْمَاضِي على غفرانها بِقِيَام لَيْلَة الْقدر، ولاتعارض بَينهمَا، فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا صَالح للتكفير، وَقد يقْتَصر الشَّخْص على قيام لَيْلَة الْقدر بِتَوْفِيق الله لَهُ فَيحصل ذَلِك. الثَّالِث: ظَاهر الحَدِيث غفران الصَّغَائِر والكبائر، وَفضل الله وَاسع، وَلَكِن الْمَشْهُور من مَذَاهِب الْعلمَاء فِي هَذَا الحَدِيث وَشبهه كَحَدِيث غفران الْخَطَايَا بِالْوضُوءِ، وبصوم يَوْم عَرَفَة، وَيَوْم عَاشُورَاء وَنَحْوه أَن المُرَاد غفران

стр. 233

الصَّغَائِر فَقَط، كَمَا فِي حَدِيث الْوضُوء: مَا لم يُؤْت كَبِيرَة مَا اجْتنبت الْكَبَائِر. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِي التَّخْصِيص نظر، لَكِن أَجمعُوا على أَن الْكَبَائِر لَا تسْقط إلَاّ بِالتَّوْبَةِ، أَو بِالْحَدِّ. فَإِن قيل: قد ثَبت فِي الصَّحِيح هَذَا الحَدِيث فِي قيام رَمَضَان، وَالْآخر فِي صِيَامه، وَالْآخر فِي قيام لَيْلَة الْقدر، وَالْآخر فِي صَوْم عَرَفَة: أَنه كَفَّارَة سنتَيْن، وَفِي عَاشُورَاء أَنه كَفَّارَة سنة، وَالْآخر: رَمَضَان إِلَى رَمَضَان كَفَّارَة لما بَينهمَا، وَالْعمْرَة إِلَى الْعمرَة كَفَّارَة لما بَينهمَا، وَالْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة كَفَّارَة لما بَينهمَا، وَالْآخر: إِذا تَوَضَّأ خرجت خَطَايَا فِيهِ إِلَى آخِره، وَالْآخر: مثل الصَّلَوَات الْخمس كَمثل نهر ... إِلَى آخِره، وَالْآخر: من وَافق تأمينه تَأْمِين الْمَلَائِكَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه ... وَنَحْو ذَلِك، فَكيف الْجمع بَينهَا؟ أُجِيب: إِن المُرَاد أَن كل وَاحِد من هَذِه الْخِصَال صَالِحَة لتكفير الصَّغَائِر، فَإِن صادفها كفرتها، وَإِن لم يصادفها فَإِن كَانَ فاعلها سليما من الصَّغَائِر لكَونه صَغِيرا غير مُكَلّف، أَو موفقا لم يعْمل صَغِيرَة، أَو عَملهَا وَتَابَ، أَو فعلهَا وعقبها بحسنة أذهبتها، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات﴾ (هود: ١١٤) فَهَذَا يكْتب لَهُ بهَا حَسَنَات، وَيرْفَع لَهُ بهَا دَرَجَات. وَقَالَ بعض الْعلمَاء: ويرجى أَن يُخَفف بعض الْكَبِيرَة أَو الْكَبَائِر. ٢٨ - (بابٌ صَوْمُ رَمَضانَ احْتِسابا مِنَ الإيمانِ) أَي: هَذَا بَاب، قَوْله: (صَوْم رَمَضَان) كَلَام إضافي مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبره: قَوْله: (من الْإِيمَان) . قَوْله: (احتسابا) حَال بِمَعْنى: محتسبا، أَو مفعول لَهُ، أَو تَمْيِيز، وَفِيه نظر، وَإِنَّمَا لم يقل: إِيمَانًا واحتسابا، إِمَّا لِأَنَّهُ لما كَانَ حسبَة لله تَعَالَى خَالِصا لَهُ لَا يكون إلَاّ للْإيمَان، وَإِمَّا لِأَنَّهُ اخْتَصَرَهُ بِذكرِهِ، إِذْ الْعَادة الِاخْتِصَار فِي التراجم والعناوين؛ وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر. ٣٨ - حدّثنا ابنُ سَلَامٍ قَالَ أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بُن فُضَيْلٍ قَالَ حدّثنا يحْيَى بنُ سَعيدٍ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ مَن صامَ رَمَضانَ إِيمَانًا واحْتِسابا غُفِرَ لهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. (رَاجع الحَدِيث رقم ٣٥) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لَا تخفى. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن سَالم البيكندي، وَالصَّحِيح تَخْفيف لامه، وَقد مر ذكره. الثَّانِي: مُحَمَّد بن فُضَيْل، بِضَم الْفَاء وَفتح الْمُعْجَمَة، ابْن غَزوَان بن جرير الضَّبِّيّ، مَوْلَاهُم الْكُوفِي، سمع السبيعِي وَالْأَعْمَش وَغَيرهمَا من التَّابِعين، وَعنهُ الثَّوْريّ وَأحمد وَخلق من الْأَعْيَان، قَالَ أَبُو زرْعَة: صَدُوق من أهل الْعلم، مَاتَ سنة تسع وَخمسين وَمِائَة. الثَّالِث: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ قَاضِي الْمَدِينَة. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، ﵁. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة. وَقد مر الْكَلَام فِي أَلْفَاظه عَن قريب. وَمعنى من صَامَ رَمَضَان أَي: فِي رَمَضَان، أَي: شهر رَمَضَان. فَإِن قيل: هَل يَكْفِي أقل مَا ينْطَلق عَلَيْهِ إسم الصَّوْم حَتَّى لَو صَامَ يَوْمًا وَاحِدًا دخل الْجنَّة؟ قلت: إِنَّه لَا يُقَال فِي الْعرف صَامَ رَمَضَان إِلَّا إِذا صَامَ كُله، والسياق ظَاهر فِيهِ. فَإِن قيل: الْمَعْذُور كَالْمَرِيضِ إِذا ترك الصَّوْم فِيهِ، وَلَو لم يكن مَرِيضا لَكَانَ صَائِما، وَكَانَ نِيَّته الصَّوْم لَوْلَا الْعذر هَل يدْخل تَحت هَذَا الحكم؟ . الْجَواب: نعم، كَمَا أَن الْمَرِيض إِذا صلى قَاعِدا لعذر لَهُ ثَوَاب صَلَاة الْقَائِم. قَالَه الْعلمَاء. فَإِن قيل: كل من اللَّفْظَيْنِ وهما: إِيمَانًا واحتسابا، يُغني عَن الآخر، إِذْ الْمُؤمن لَا يكون إلَاّ محتسبا، والمحتسب لَا يكون إلَاّ مُؤمنا، فَهَل لغير التَّأْكِيد فِيهِ فَائِدَة أم لَا؟ الْجَواب: الْمُصدق لشَيْء رُبمَا لَا يَفْعَله مخلصا بل للرياء وَنَحْوه، والمخلص فِي الْفِعْل رُبمَا لَا يكون مُصدقا بثوابه وبكونه طَاعَة مَأْمُورا بِهِ سَببا للمغفرة وَنَحْوه، أَو الْفَائِدَة هُوَ التَّأْكِيد، ونعمت الْفَائِدَة. ٢٩ - (بابٌ الدِّينُ يُسْرٌ) الْكَلَام فِيهِ من وُجُوه. الأول: أَن لَفْظَة: بَاب، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى الْجُمْلَة، أَعنِي: قَوْله: (الدّين يسر) فَإِن قَوْله: الدّين، مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ و: يسر، خَبره. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ وجود معنى الْيُسْر فِي صَوْم رَمَضَان، وَذَلِكَ أَن صَوْم رَمَضَان يجوز تَأْخِيره عَن وقته للْمُسَافِر وَالْمَرِيض، بِخِلَاف الصَّلَاة، وَيجوز تَركه بِالْكُلِّيَّةِ فِي حق الشَّيْخ الفاني مَعَ إِعْطَاء الْفِدْيَة، بِخِلَاف الصَّلَاة، وَهَذَا عين الْيُسْر، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ شهر وَاحِد فِي كل اثْنَي عشر شهرا، وَالصَّلَاة فِي كل يَوْم

стр. 234

وَلَيْلَة خمس مَرَّات، وَهَذَا أَيْضا عين الْيُسْر. الثَّالِث: قَوْله: (يسر) ، أَي: ذُو يسر، وَذَلِكَ لِأَن الالتئام بَين الْمَوْضُوع والمحمول شَرط، وَفِي مثل هَذَا لَا يكون إلَاّ بالتأويل، أَو الدّين يسر أَي: عينه على سَبِيل الْمُبَالغَة، فَكَأَنَّهُ لشدَّة الْيُسْر وكثرته نفس الْيُسْر، كَمَا يُقَال: أَبُو حنيفَة فقه، لِكَثْرَة فقهه، كَأَنَّهُ صَار عين الْفِقْه، وَمِنْه: رجل عدل. واليسر، بِضَم السِّين وسكونها: نقيض الْعسر، وَمَعْنَاهُ: التَّخْفِيف، ثمَّ كَون هَذَا الدّين يسرا يجوز أَن يكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَاته، وَيجوز أَن يكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَائِر الْأَدْيَان، وَهُوَ الظَّاهِر، لِأَن الله تَعَالَى رفع عَن هَذِه الْأمة الإصر الَّذِي كَانَ على من قبلهم، كَعَدم جَوَاز الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد، وَعدم الطَّهَارَة بِالتُّرَابِ، وَقطع الثَّوْب الَّذِي يُصِيبهُ النَّجَاسَة، وَقبُول التَّوْبَة بقتل أنفسهم وَنَحْو ذَلِك. فَإِن الله تَعَالَى من لطفه وَكَرمه رفع هَذَا عَن هَذِه الْأمة رَحْمَة لَهُم، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ (الْحَج: ٧٨) فَإِن قلت: مَا الْألف وَاللَّام فِي الدّين؟ قلت: للْعهد، وَهُوَ دين الْإِسْلَام. وَقَالَ ابْن بطال: المُرَاد أَن إسم الدّين وَاقع على الْأَعْمَال لقَوْله: (الدّين يسر) ، ثمَّ بَين جِهَة الْيُسْر فِي الحَدِيث بقوله: (سددوا) ، وَكلهَا أَعمال، واليسر: اللين والانقياد، فالدين الَّذِي يُوصف باليسر والشدة إِنَّمَا هِيَ الْأَعْمَال. وقَولُ النَّبيَّ ﷺ أحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الحَنِيفيَّةُ السَّمْحَةُ ف (قَول) مجرور لِأَنَّهُ مَعْطُوف على الَّذِي أضيف إِلَيْهِ الْبَاب، فالمضاف إِلَيْهِ مجرور، والمعطوف عَلَيْهِ كَذَلِك، وَالتَّقْدِير: بَاب قَول النَّبِي ﷺ ، وَإِنَّمَا اسْتعْمل هَذَا فِي التَّرْجَمَة لوَجْهَيْنِ. أَحدهمَا: لكَونهَا متقاصرة عَن شَرطه، أخرجه هَهُنَا مُعَلّقا وَلم يسْندهُ فِي هَذَا الْكتاب، وَإِنَّمَا أخرجه مَوْصُولا فِي كتاب الْأَدَب الْمُفْرد. وَالْآخر: لدلَالَة مَعْنَاهُ على معنى التَّرْجَمَة، وَأخرجه أحمدبن حَنْبَل وَغَيره مَوْصُولا من طَرِيق مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن دَاوُد بن الْحصين عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، ﵄ وَإِسْنَاده حسن، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عُثْمَان بن أبي عَاتِكَة عَن عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة بِنَحْوِهِ، وَمن حَدِيث عفير بن معدان عَن سليم بن عَامر عَنهُ، وَكَذَا أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي مُسْنده، وطرق هَذَا عَن سَبْعَة من الصَّحَابَة، ﵃. قَوْله: (أحب الدّين) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ بِمَعْنى: المحبوبة، لَا بِمَعْنى: الْمُحب، وَخَبره قَوْله (الحنيفية) وَالْمرَاد: الْملَّة الحنيفية، فَإِن قيل: التطابق بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر شَرط، والمبتدأ هَهُنَا مُذَكّر وَالْخَبَر مؤنث؟ قلت: كَأَن الحنيفية غلب عَلَيْهَا الإسمية حَتَّى صَارَت علما، أَو أَن أفعل التَّفْضِيل الْمُضَاف لقصد الزِّيَادَة على من أضيف إِلَيْهِ يجوز فِيهِ الْإِفْرَاد والمطابقة لمن هُوَ لَهُ. فَإِن قلت: فَيلْزم أَن تكون الْملَّة دينا، وَأَن تكون سَائِر الْأَدْيَان أَيْضا محبوبا إِلَى الله تَعَالَى، وهما باطلان، إِذْ الْمَفْهُوم من الْملَّة غير الْمَفْهُوم من الدّين، وَسَائِر الْأَدْيَان مَنْسُوخَة. قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: اللَّازِم الأول قد يلْتَزم، وَأما الثَّانِي فموقوف على تَفْسِير الْمحبَّة، أَو المُرَاد بِالدّينِ الطَّاعَة، أَي: أحب الطَّاعَات هِيَ السمحة. قلت: لَا يَخْلُو الْألف وَاللَّام فِي الدّين أَن يكون للْجِنْس أَو للْعهد، فَإِن كَانَ للْجِنْس فَالْمَعْنى: أحب الْأَدْيَان إِلَى الله الحنيفية، وَالْمرَاد بالأديان الشَّرَائِع الْمَاضِيَة قبل أَن تبدل وتنسخ، وَإِن كَانَ للْعهد فَالْمَعْنى: أحب الدّين الْمَعْهُود، وهودين الْإِسْلَام، وَلَكِن التَّقْدِير: أحب خِصَال الدّين، وخصال الدّين كلهَا محبوبة، وَلَكِن مَا كَانَ مِنْهَا سَمحا سهلاً فَهُوَ أحب إِلَى الله تَعَالَى، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث أَعْرَابِي لم يسمع، أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: (خير دينكُمْ أيسره) وَالْمرَاد بالملة الحنيفية: الْملَّة الإبراهيمية، ﵊، مقتبسا من قَوْله تَعَالَى: ﴿مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ (الْبَقَرَة: ١٣٥، آل عمرَان: ٩٥، النِّسَاء: ١٢٥، الْأَنْعَام: ١٦١، النَّحْل: ١٢٣) والحنيف عِنْد الْعَرَب من كَانَ على مِلَّة إِبْرَاهِيم، ﵊، ثمَّ سموا من اختتن وَحج الْبَيْت: حَنِيفا، والحنيف: المائل عَن الْبَاطِل إِلَى الْحق، وَسمي إِبْرَاهِيم، ﵊: حَنِيفا لِأَنَّهُ مَال عَن عبَادَة الْأَوْثَان. قَوْله: (السمحة) بِالرَّفْع صفة: الحنيفية، وَمَعْنَاهَا: السهلة، والمسامحة هِيَ: المساهلة، وَالْملَّة السمحة: الَّتِي لَا حرج فِيهَا وَلَا تضييق فِيهَا على النَّاس، وَهِي مِلَّة الْإِسْلَام. ٣٩ - حدّثنا عبدُ السَّلَامِ بنُ مُطَهِّرٍ قَالَ حدّثنا عُمَرُ بنُ عَلِيٍّ عَن مَعْنِ بنِ مُحَمَّدٍ الغِفَاريِّ عَن سَعِيدِ بن أبي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَن أبي هرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ ولَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إلَاّ غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقارِبُوا وأبْشِرُوا واسْتَعِينُوا بالغُدْوَةِ والرَّوْحَةِ وشيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ. .

стр. 235

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي أَنه أَخذ جُزْء مِنْهُ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ، وَأما الْمُنَاسبَة بَينه وَبَين الحَدِيث الْمُعَلق فَهِيَ أَن الْمَذْكُور فِيهِ الْمحبَّة، فَهِيَ إِمَّا مجَاز عَن الِاسْتِحْسَان، يَعْنِي: أحسن الْأَدْيَان هُوَ الْملَّة الحنيفية، والْحَدِيث الْمسند دلّ على الْحسن، لِأَن فِيهِ أوَامِر، والمأمور بِهِ سَوَاء كَانَ وَاجِبا أَو مَنْدُوبًا حسن، وَإِمَّا حَقِيقَة عَن إِرَادَة إِيصَال الثَّوَاب إِلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي الْمَأْمُور بِهِ وَاجِبا أَو مَنْدُوبًا، إِذْ لَا ثَوَاب فِي غَيره. بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة الأول: عبد السَّلَام بن مطهر، بِصِيغَة الْمَفْعُول من التَّطْهِير بِالطَّاءِ الْمُهْملَة بن حسام بن مصك بن ظَالِم بن شَيْطَان، الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وكنيته: أَبُو ظفر، بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَالْفَاء، روى عَن جمع من الْأَعْلَام مِنْهُم شُعْبَة، وروى عَنهُ الْأَعْلَام مِنْهُم البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم، وَسُئِلَ عَنهُ فَقَالَ: هُوَ صَدُوق، توفّي سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عمر بن عَليّ بن عَطاء بن مقدم، بِفَتْح الدَّال الْمُشَدّدَة، أَبُو حَفْص الْمقدمِي الْبَصْرِيّ، وَالِد عَاصِم وَمُحَمّد، وَهُوَ أَخُو أبي بكر، سمع جمعا من التَّابِعين مِنْهُم هِشَام بن عُرْوَة، وَعنهُ خلق من الْأَعْلَام مِنْهُم ابْنه عَاصِم وَعَمْرو بن عَليّ، وَكَانَ مدلسا، قَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة وَكَانَ يُدَلس تدليسا شَدِيدا، يَقُول: سَمِعت وَحدثنَا، ثمَّ يسكت، ثمَّ يَقُول: هِشَام بن عُرْوَة الْأَعْمَش. وَقَالَ عَفَّان: كَانَ رجلا صَالحا، وَلم يَكُونُوا ينقمون عَلَيْهِ غير التَّدْلِيس، وَلم أكن أقبل مِنْهُ حَتَّى يَقُول: حَدثنَا، وَقَالَ البُخَارِيّ: قَالَ ابْنه عَاصِم: مَاتَ سنة تسعين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: معن، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة، ابْن مُحَمَّد بن معن بن نَضْلَة الْغِفَارِيّ الْحِجَازِي، سمع حميدا، وَعنهُ جمع مِنْهُم ابْن جريج، ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته، روى لَهُ الْجَمَاعَة وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه. الرَّابِع: سعيد بن أبي سعيد وَاسم أبي سعيد: كيسَان، المَقْبُري الْمدنِي، أَبُو سعد، بِسُكُون الْعين، روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، قَالَ أَبُو زرْعَة: ثِقَة، وَقَالَ أَحْمد: لَا بَأْس بِهِ، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث وَلكنه كبر وَبَقِي حَتَّى اخْتَلَط قبل مَوته، وَقدم الشَّام مرابطا، وَحدث ببيروت. وَقَالَ غَيره: اخْتَلَط قبل مَوته بِأَرْبَع سِنِين، توفّي سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، ﵁. بَيَان الْأَنْسَاب: الْأَزْدِيّ: نِسْبَة إِلَى الأزد بن الْغَوْث بن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، يُقَال لَهُ: الأزد بالزاي، و: الْأسد، بِالسِّين. والمقدمي: بِضَم الْمِيم وَفتح الدَّال: نِسْبَة إِلَى مقدم أحد الأجداد، والغفاري، بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة نِسْبَة إِلَى غفار بن مليل بن ضَمرَة بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة. والمقبري، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقيل بِفَتْحِهَا، نِسْبَة إِلَى: مَقْبرَة بِالْمَدِينَةِ كَانَ مجاورا لَهَا، وَقيل: كَانَ منزله عِنْد الْمَقَابِر، وَهُوَ بِمَعْنى الأول، وَقيل: جعله عمر على حفر الْقُبُور، فَلذَلِك قيل لَهُ: المَقْبُري، حَكَاهُ الْحَرْبِيّ وَغَيره، وَيحْتَمل أَنه اجْتمع فِيهِ ذَلِك كُله: فَكَانَ على حفرهَا، ونازلاً عِنْدهَا، والمقبري صفة لأبي سعيد وَالِد سعيد الْمَذْكُور، وَكَانَ مكَاتبا لامْرَأَة من بني لَيْث بن بكر. بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة؛ وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين مدنِي وبصري. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة مُدَلّس شَدِيد بعن، وَلكنه مَحْمُول على ثُبُوت سَمَاعه من جِهَة أُخْرَى، وكل مَا كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن المدلسين بعن، فَمَحْمُول على سماعهم من جِهَة أُخْرَى. بَيَان نوع الحَدِيث: هُوَ أَمن أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن مُسلم. فَإِن قلت: قد قيل: فِيهِ عِلَّتَانِ إِحْدَاهمَا: أَنه رِوَايَة مُدَلّس بالعنعنة. وَالْأُخْرَى: أَنه رِوَايَة معن عَن سعيد، وَسَعِيد كَانَ قد اخْتَلَط قلت: الْجَواب عَن الأول مَا ذكرته الْآن، مَعَ أَنه صرح بِالسَّمَاعِ من طَرِيق أُخْرَى، فقد رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيق أَحْمد بن الْمِقْدَام، أحد شُيُوخ البُخَارِيّ، عَن عَمْرو بن عَليّ الْمَذْكُور، قَالَ: سَمِعت معن بن مُحَمَّد فَذكره، وَهُوَ من أَفْرَاد معن بن مُحَمَّد وَهُوَ مدنِي ثِقَة قَلِيل الحَدِيث، لَكِن تَابعه على شقَّه الثَّانِي ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد، أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الرقَاق بِمَعْنَاهُ، وَلَفظه: (سددوا وقاربوا) . وَزَاد فِي آخِره: (الْقَصْد الْقَصْد تبلغوا) وَلم يذكر شقَّه الأول، وَله شَوَاهِد مِنْهَا حَدِيث عُرْوَة الْفُقيْمِي، بِضَم الْفَاء وَفتح الْقَاف، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (إِن دين الله يسر) رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن، وَمِنْهَا: حَدِيث بُرَيْدَة، أخرجه أَحْمد أَيْضا بِإِسْنَاد حسن. قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (عَلَيْكُم هَديا قَاصِدا فَإِنَّهُ من يشاد هَذَا الدّين يغلبه) . وَالْجَوَاب عَن الثَّانِي: أَن سَماع معن عَن سعيد كَانَ قبل اخْتِلَاطه، وَلَو لم يَصح ذَلِك عِنْد البُخَارِيّ لما أودعهُ فِي كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ (صَحِيحا) . فَافْهَم.

стр. 236

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرج البُخَارِيّ طرفا مِنْهُ فِي الرقَاق عَن آدم بن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه: (لن يُنجي أحدا مِنْكُم عمله! قَالُوا: وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله؟ قَالَ: وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمته، سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وَشَيْء من الدلجة وَالْقَصْد تبلغوا) . وَأخرج النَّسَائِيّ أَيْضا مثل حَدِيث هَذَا الْبَاب. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (وَلنْ يشاد الدّين) من المشادة وَهِي: المغالبة من الشدَّة بالشين الْمُعْجَمَة، وَيُقَال: شاده يشاده مشادة: إِذا غالبه وقاواه، وَالْمعْنَى: لَا يتعمق أحدكُم فِي الدّين فَيتْرك الرِّفْق إلَاّ غلب الدّين عَلَيْهِ، وَعجز ذَلِك المتعمق وَانْقطع عَن عمله كُله أَو بعضه، وأصل لن يشاد: ويشادد، أدغمت الدَّال الأولى فِي الثَّانِيَة، وَمثل هَذِه الصِّيغَة مُشْتَرك بَين بِنَاء الْفَاعِل وَبِنَاء الْمَفْعُول، والفارق هُوَ الْقَرِينَة، وَهَهُنَا يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ على مَا يَجِيء عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (غَلبه) يُقَال: غَلبه يغلبه غلبا بِفَتْح الْغَيْن وَسُكُون اللَّام، وغلبا بتحريكها، وَغَلَبَة بإلحاق الْهَاء وغلابية مِثَال عَلَانيَة، وَغَلَبَة مِثَال حذقة، وغلبي بِضَمَّتَيْنِ، مُشَدّدَة الْبَاء مَقْصُورَة، ومغلبة؛ وَأما الغلب، بِضَم الْغَيْن فَهُوَ جمع غلباء، يُقَال: حديقة غلباء، وَحَدَائِق غلب، أَي: غِلَاظ ممتلئة. قَوْله: (فسددوا) من التسديد، بِالسِّين الْمُهْملَة، وَهُوَ: التَّوْفِيق للصَّوَاب وَهُوَ السداد وَالْقَصْد من القَوْل وَالْعَمَل، وَرجل مُسَدّد إِذا كَانَ يعْمل بِالصَّوَابِ وَالْقَصْد، وَيُقَال: معنى سددوا الزموا السداد، أَي: الصَّوَاب من غير تَفْرِيط وَلَا إفراط. قَوْله: (وقاربوا) بِالْبَاء الْمُوَحدَة لَا بالنُّون، مَعْنَاهُ: لَا تبلغوا النِّهَايَة بل تقربُوا مِنْهَا، يُقَال: رجل مقارب بِكَسْر الرَّاء: وسط بَين الطَّرفَيْنِ. وَقَالَ التَّيْمِيّ: قاربوا إِمَّا أَن يكون مَعْنَاهُ: قاربوا فِي الْعِبَادَة وَلَا تباعدوا فِيهَا، فَإِنَّكُم إِن باعدتم فِي ذَلِك لم تبلغوه، وَإِمَّا أَن يكون مَعْنَاهُ ساعدوا. يُقَال: قاربت فلَانا إِذا ساعدته أَي: ليساعد بَعْضكُم بَعْضًا فِي الْأُمُور، وَيُقَال: مَعْنَاهُ إِن لم تستطيعوا الْأَخْذ بِالْكُلِّ فاعملوا مَا يقرب مِنْهُ. وَفِي (الْعباب) : قَارب فلَان فلَانا إِذا ناغاه بِكَلَام حسن، وَفِي حَدِيث النَّبِي، ﵊، قَالَ: (قاربوا وسددوا) أَي: لَا تغلوا واقصدوا السداد وَهُوَ الصَّوَاب، وَشَيْء مقارب، بِكَسْر الرَّاء، أَي: وسط بَين الْجيد والرديء، وَلَا يُقَال: مقارب يَعْنِي بِالْفَتْح، وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ رخيصا. قَوْله: (وابشروا) بِقطع الْهمزَة من الإبشار أَي: أَبْشِرُوا بالثواب على الْعَمَل وَإِن قل، وَجَاء لُغَة: ابشروا، بِضَم الشين من الْبشرَة بِمَعْنى الإبشار. قَوْله: (وَاسْتَعِينُوا) . من الِاسْتِعَانَة، وَهُوَ طلب العون. قَوْله: (بالغدوة) بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي، بِفَتْح الْغَيْن، وَتَبعهُ على هَذَا بعض الشَّارِحين، وَالصَّحِيح مَا ذَكرْنَاهُ: وَهُوَ سير أول النَّهَار إِلَى الزَّوَال. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الغدوة مَا بَين صَلَاة الْغَدَاة وطلوع الشَّمْس، والروحة، بِفَتْح الرَّاء، اسْم للْوَقْت من زَوَال الشَّمْس إِلَى اللَّيْل، وَفِي (الْمُحكم) : الغدوة البكرة، وَكَذَا الْغَدَاة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: أَتَيْته غدْوَة غير مصروفة لِأَنَّهَا معرفَة مثل: سحر، إلَاّ أَنَّهَا من الظروف المتمكنة. تَقول: سر على فرسك غدْوَة وغدوة وغدوة وغدوة، فَمَا نوّن من هَذَا فَهُوَ نكرَة، وَمَا لم ينون فَهُوَ معرفَة، وَالْجمع: غُدى، وَيُقَال: أَتَيْتُك غَدَاة غَد، وَالْجمع: غدوات انْتهى. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: غدية لُغَة فِي غدْوَة، كضحية لُغَة فِي ضحوة، والغدو جمع غدات نَادِر، وَغدا عَلَيْهِ غدوا وغدوانا، واغتد أبكر، وغاده باكره، وغدوة من يَوْم بِعَيْنِه غير منون: علم للْوَقْت. وَأما الرواح فَذكر ابْن سَيّده أَنه الْعشي، ورحنا رواحا وتروحنا: سرنا من ذَلِك الْوَقْت أَو عَملنَا. قَوْله: (من الدلجة) ، بِضَم الدَّال، وَإِسْكَان اللَّام، كَذَا الرِّوَايَة، وَيجوز فِي اللُّغَة فتحهَا، وَيُقَال بِفَتْح اللَّام أَيْضا، وَهِي بِالضَّمِّ سير آخر اللَّيْل، وبالفتح سير اللَّيْل، وادلج بِالتَّخْفِيفِ: سير اللَّيْل كُله، وبالتشديد سير آخر اللَّيْل، هَذَا هُوَ الْأَكْثَر. وَقيل: يُقَال فيهمَا بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد، وَقَالَ ابْن سَيّده: الدلجة سير السحر، والدلجة سير اللَّيْل كُله والدلج والدلجة، الْأَخِيرَة عَن ثَعْلَب: السَّاعَة من آخر اللَّيْل، وأدلجوا سَارُوا اللَّيْل كُله، وَقيل: الدلج اللَّيْل كُله من أَوله إِلَى آخِره، وَأي سَاعَة سرت من اللَّيْل من أَوله إِلَى آخِره فقد أدلجت، على مِثَال: أخرجت، والتفرقة بَين أدلجت وأدلجت قَول جَمِيع أهل اللُّغَة إلَاّ الْفَارِسِي، فَإِنَّهُ حكى: أدلجت وأدلجت لُغَتَانِ فِي الْمَعْنيين جَمِيعًا، وَفِي الْجَامِع: الدلجة والدلجة لُغَتَانِ بِمَعْنى، وهما سير السحر، وَقَالَ قوم: الدلجة سير السحر، والدلجة، بِالْفَتْح سير أول اللَّيْل، كِلَاهُمَا بِمَعْنى عِنْد أَكثر الْعَرَب، كَمَا تَقول: مَضَت بُرْهَة من الدَّهْر وبرهة وَتقول: أدْلج الرجل يدلج إدلاجا إِذا سَار من أول اللَّيْل، وأدلج إدلاجا سَار من آخِره، وَفِي (الجمهرة) : سَارُوا دُلجة من اللَّيْل أَي: سَاعَة، وَفِي (الْمُنْتَهى) لأبي الْمعَانِي: وَالِاسْم الدلج، بِالتَّحْرِيكِ، وَجمع الدلجة: دلج، وَغلط ابْن درسْتوَيْه ثعلبا فِي تَخْصِيصه أدْلج، بِالتَّشْدِيدِ، بسير أول اللَّيْل، وادلج، بِالتَّخْفِيفِ، بسير آخِره؛ قَالَ: وإنهما عندنَا جَمِيعًا سير اللَّيْل فِي كل

стр. 237

وَقت من أَوله وأوسطه وَآخره، وَهُوَ إفعال وافتعال من: الدلج والدلج: سير اللَّيْل بِمَنْزِلَة السرى، وَلَيْسَ وَاحِد من هذَيْن المثالين بِدَلِيل على شَيْء من الْأَوْقَات، وَلَو كَانَ الْمِثَال دَلِيلا على الْوَقْت لَكَانَ قَول الْقَائِل: الاستدلاج بِوَزْن الاستفعال، دَلِيلا لوقت آخر، وَكَانَ الاندلاج على الانفعال لوقت آخر، وَهَذَا كُله فَاسد، وَلَكِن الْأَمْثِلَة عِنْد جَمِيعهم مَوْضُوعَة لاخْتِلَاف مَعَاني الْأَفْعَال فِي أَنْفسهَا لَا لاخْتِلَاف أَوْقَاتهَا، وَأما وسط اللَّيْل وَآخره وأوله وسحره وَقبل النّوم وَبعده فمما لَا يدل عَلَيْهِ الْأَفْعَال وَلَا مصادرها، وَقد وَافق قَول كثير من أهل اللُّغَة فِي ذَلِك، وَاحْتَجُّوا على اخْتِصَاص الإدلاج بسير آخِره، بقول الْأَعْشَى: (وادلاج بعد الْمَنَام وتهجير ... وقف وسبسب ورمال) وَقَول زُهَيْر بن أبي سلمى: (بكرن بكورا وادّلجن بسحرة ... فهن لوادي الرَّأْس كَالْيَدِ للفم) فَلَمَّا قَالَ الْأَعْشَى: وادلاج بعد الْمَنَام، ظنُّوا أَن الادلاج لَا يكون إلَاّ بعد الْمَنَام، وَلما قَالَ زُهَيْر: وادلجن بسحرة ظنُّوا أَن الادلاج لَا يكون إِلَّا بسحرة، وَهَذَا وهم وَغلط، وَإِنَّمَا كل وَاحِد من الشاعرين وصف مَا فعله هُوَ وخصمه دون مَا فعله غَيره، وَلَوْلَا أَنه يكون بسحرة وَبِغير سحرة لما احْتَاجَ إِلَى ذكر سحرة، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الادلاج بسحرة وَبعد الْمَنَام فقد اسْتغنى عَن تَقْيِيده. قَالَ: وَمِمَّا يفْسد تأويلهم أَن الْعَرَب تسمي الْقُنْفُذ: مدلجا لِأَنَّهُ يدرج بِاللَّيْلِ ويتردد فِيهِ، لَا لِأَنَّهُ من حَيْثُ لَا يدرج إلَاّ فِي أول اللَّيْل أَو فِي وَسطه أَو فِي آخِره أَو فِيهِ كُله. لكنه يظْهر بِاللَّيْلِ فِي أَي أوقاته احْتَاجَ إِلَى الدرج لطلب علف أَو غير ذَلِك. انْتهى كَلَامه. وَفِيه نظر من حَيْثُ إِن أَكثر اللغويين ذكرُوا الْفرق بَين اللَّفْظَيْنِ وَلم ينشدوا الْبَيْتَيْنِ، فَيحْتَمل أَن ذَلِك سَماع عِنْدهم، وَهُوَ الظَّاهِر، وَإِن كَانُوا أَخَذُوهُ عَن الْبَيْتَيْنِ فَمَا قَالَه ابْن درسْتوَيْه هُوَ الصَّوَاب لِأَنَّهُ لَيْسَ فيهمَا دَلِيل على ذَلِك، وَأما قَوْله: إِن الْأَفْعَال تخْتَلف لاخْتِلَاف الْمعَانِي، مَعْنَاهُ أَن الْأَفْعَال هَل دخلت لِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ تَخْصِيص الْحَدث بِزَمَان فَقَط، أَو دخلت لهَذَا وَلغيره من الْمعَانِي، فَابْن درسْتوَيْه يزْعم أَنَّهَا مَا دخلت إلَاّ لهَذَا الْمَعْنى فَقَط. وَقَالَ الشَّيْخ أثير الدّين أَبُو حَيَّان، ﵀: إِن الإستاذ أَبَا عَليّ الشلوبين وَغَيره خالفوه وَقَالُوا: الْأَفْعَال تخْتَلف ابنيتها لاخْتِلَاف الْمعَانِي على الْجُمْلَة، فالمعاني الَّتِي تخْتَلف لَهَا الْأَبْنِيَة لَيست بمقصورة على شَيْء من الْمعَانِي دون شَيْء، فَإِذا لم تكن مَقْصُورَة على شَيْء دون شَيْء من الْمعَانِي فَمَا الَّذِي يمْنَع أَن تكون الدّلَالَة إِذْ ذَاك على آخر الْوَقْت أَو أَوله أَو لوقت كُله؟ قلت: الحَدِيث يُؤَيّد قَول ابْن درسْتوَيْه، وَهُوَ قَوْله ﷺ : (عَلَيْكُم بالدلجة، فَإِن الأَرْض تطوى بِاللَّيْلِ) ، وَلم يفرق، ﵇، بَين أَوله وَآخره، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب، ﵁، وَجعل الادلاج فِي السحر: (اصبر على السّير والإدلاج فِي السحر ... وَفِي الرواح على الْحَاجَات وَالْبكْر) بَيَان الْأَعْرَاب: قَوْله: (إِن الدّين يسر) مُبْتَدأ وَخبر دخلت عَلَيْهَا: إِن، فَنصبت الْمُبْتَدَأ. قَوْله: (لن يشاد الدّين) كلمة: لن، حرف نفي وَنصب واستقبال. وَقَوله: (يشاد) مَنْصُوب بهَا وَلَيْسَ لَهُ فَاعل (وَالدّين) مَفْعُوله، قَالَ القَاضِي: رُوِيَ رفع الدّين ونصبه، وَهُوَ من الْأَحَادِيث الَّتِي سقط مِنْهَا شَيْء، يُرِيد أَنه سقط من هَذَا الحَدِيث لفظ أحد، فِي الرِّوَايَة. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) وَرَوَاهُ ابْن السكن بِزِيَادَة أحد، وعَلى هَذَا الدّين، مَنْصُوب، وَهُوَ ظَاهر. وَأما على رِوَايَة الْجُمْهُور فالرفع على مَا لم يسم فَاعله، وَالنّصب على إِضْمَار الْفَاعِل فِي: يشاد، للْعلم بِهِ. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) : وَالرَّفْع هُوَ رِوَايَة الْأَكْثَر. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْأَكْثَر فِي ضبط بِلَادنَا النصب، والتوفيق بَين كلاميهما بِأَن يحمل كَلَام (الْمطَالع) على رِوَايَة المغاربة، وَكَلَام النَّوَوِيّ على رِوَايَة المشارقة. قلت: وَفِي بعض الرِّوَايَة عَن الْأصيلِيّ بِإِظْهَار: أحد، لن يشاد الدّين أحد إلَاّ غَلبه، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي نعيم وَابْن حبَان والاسماعيلي وَغَيرهم. قلت: الأولى أَن يرفع: الدّين، على أَنه مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، فحينئد يكون يشاد على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقد قُلْنَا إِن هَذِه الصِّيغَة يَسْتَوِي فِيهَا بِنَاء الْمَعْلُوم والمجهول، لِأَن هَذَا من بَاب المفاعلة، وعلامة بِنَاء الْفَاعِل فِيهِ كسر مَا قبل آخِره، وعلامة بِنَاء الْمَفْعُول فِيهِ فتح مَا قبل آخِره، وَهَذَا لَا يظْهر فِي المدغم، وَلَا يفرق بَينهمَا إلَاّ بِالْقَرِينَةِ، فَافْهَم. قَوْله: (فسددوا) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَهُوَ: أَنْتُم، الْمُضمر فِيهِ، وَيُمكن أَن تكون: الْفَاء، جَوَاب شَرط مَحْذُوف، أَي: إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فسددوا،

стр. 238

والجمل الَّتِي بعْدهَا معطوفات عَلَيْهَا، و: الْبَاء، فِي: بالغدوة، للاستعانة، وَالْمعْنَى: اسْتَعِينُوا على الْأَعْمَال بِهَذِهِ الْأَوْقَات المنشطة للْعَمَل. قَوْله: (وَشَيْء من الدلجة) : أَي: اسْتَعِينُوا بِشَيْء، أَي بِبَعْض من الدلجة، وَإِنَّمَا قَالَ: وَشَيْء من الدلجة، وَلم يقل: والدلجة، لمعنيين: أَحدهمَا: التَّنْبِيه على الخفة، لِأَن الدلجة تكون بِاللَّيْلِ، وَعمل اللَّيْل أشق من عمل النَّهَار، وَالْآخر: أَن الدلجة هُوَ سير اللَّيْل كُله عِنْد الْبَعْض، واستغراق اللَّيْل كُله صَعب، فَأَشَارَ بقوله: وَشَيْء إِلَى جُزْء يسير مِنْهُ. بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان: قَوْله: (إِن الدّين يسر) فِيهِ: التَّأْكِيد بإن، ردا على مُنكر: يسر هَذَا الدّين، على تَقْدِير كَون الْمُخَاطب مُنْكرا، وإلَاّ فعلى تَقْدِير تَنْزِيله منزلَة الْمُنكر، وإلَاّ فعلى تَقْدِير المنكرين غير الْمُخَاطب، وإلَاّ فلكون الْقَضِيَّة مِمَّا يهتم بهَا. قَوْله: (وَلنْ يشاد الدّين) فِيهِ: حذف الْفَاعِل للْعلم بِهِ. قَوْله: (فسددوا) فِيهِ: حذف، أَي: فِي الْأُمُور، وَكَذَلِكَ فِي قَوْله: (وقاربوا) ، أَي فِي الْعِبَادَة، وَكَذَلِكَ فِي قَوْله: (وَأَبْشِرُوا) أَي: بالثواب على الْعَمَل، وابهم المبشر بِهِ للتّنْبِيه على التَّعْظِيم والتفخيم، وَفِيه: اسْتِعَارَة الغدوة والروحة وَشَيْء من الدلجة لأوقات النشاط، وفراغ الْقلب للطاعة، وَكَأَنَّهُ، ﵇، خَاطب مُسَافِرًا يقطع طَرِيقه إِلَى مقْصده فَنَبَّهَهُ على أَوْقَات نشاطه الَّتِي ترك فِيهَا عمله، لِأَن هَذِه الْأَوْقَات أفضل أَوْقَات الْمُسَافِر، وَالْمُسَافر إِذا سَار اللَّيْل وَالنَّهَار جَمِيعًا عجز وَانْقطع، وَإِذا تحرى السّير فِي هَذِه الْأَوْقَات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة. وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ: الْأَمر بالاقتصاد فِي الْعِبَادَة، أَي: لَا تستوعبوا الْأَيَّام وَلَا اللَّيَالِي كلهَا بهَا، بل أخلطوا طرف اللَّيْل بِطرف النَّهَار، وَأَجْمعُوا أَنفسكُم فِيمَا بَينهمَا لِئَلَّا يَنْقَطِع بكم. وَمن فَوَائده: الحض على الرِّفْق فِي الْعَمَل لقَوْله، ﵊: (اكلفوا من الْعَمَل مَا تطيقون) وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا أَمر بالاقتصاد وَترك الْحمل على النَّفس، لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا أوجب عَلَيْهِم وظائف من الطَّاعَات فِي وَقت دون وَقت تيسيراً وَرَحْمَة. وَمِنْهَا: التَّنْبِيه على أَوْقَات النشاط. لِأَن الغدو والرواح والإدلاج أفضل أَوْقَات الْمُسَافِر وأوقات نشاطه، بل على الْحَقِيقَة: الدُّنْيَا دَار نقلة وَطَرِيق إِلَى الْآخِرَة، فنبه أمته أَن يغتنموا أَوْقَات فرصتهم وفراغهم. ٣٠ - (بابٌ الصَّلاةُ مِنَ الإيمانِ) الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الاول: إِن قَوْله: بَاب، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذَا بَاب، وَيجوز فِيهِ التَّنْوِين وَتَركه بإضافته إِلَى الْجُمْلَة لَان قَوْله: (الصَّلَاة) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبره قَوْله: (من الْإِيمَان) . اي: الصَّلَاة شُعْبَة من شعب الايمان. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ أَن من جملَة الْمَذْكُور فِي حَدِيث الْبَاب الأول الِاسْتِعَانَة بالأوقات الثَّلَاثَة فِي إِقَامَة الطَّاعَات، وافضل الطَّاعَات الْبَدَنِيَّة الَّتِي تُقَام فِي هَذِه الاوقات الصَّلَوَات الْخمس والأوقات الثَّلَاثَة هِيَ: الغدوة والروحة وَشَيْء من الدلجة، فوقت صَلَاة الصُّبْح فِي الغدوة، وَوقت صَلَاة الظّهْر وَالْعصر فِي الروحة، وَوقت الْعشَاء فِي جُزْء الدلجة، على قَول من يَقُول من أهل اللُّغَة: ان الدلجة سير اللَّيْل كُله، وَلما كَانَ العَبْد مَأْمُورا بالاستعانة بِهَذِهِ الْأَوْقَات، وَكَانَت هِيَ أَوْقَات الصَّلَوَات الْخمس أَيْضا، وَهِي من الايمان، ناسب ذكرهَا عقيب هَذِه الْأَوْقَات الَّتِي يتضمنها الْبَاب الَّذِي قبل هَذَا الْبَاب، على أَن هَذَا الْبَاب إِنَّمَا ذكر بَينه وَبَين هَذَا الْبَاب اسْتِطْرَادًا للْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ، وَفِي الْحَقِيقَة يطْلب وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَبَاب صَوْم رَمَضَان احتساباً من الْإِيمَان وَهُوَ ظَاهر، لِأَن كلا من الصَّلَاة وَالصَّوْم من أَرْكَان الدّين الْعَظِيمَة، وَمن الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة. الثَّالِث: كَون الصَّلَاة من الْإِيمَان ظَاهر، وَلَا سِيمَا على قَول من يَقُول: الاعمال من الْإِيمَان. وَحَدِيث ابْن عمر، ﵄: (بني الاسلام على خمس) الحَدِيث. وَقَوْلُ الله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضيِعَ إيمانَكُمْ﴾ يَعْني صَلَاتكُمْ عندَ البَيْتِ لَفْظَة: قَول، يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ من الْإِعْرَاب، الْجَرّ، عطفا على الْمُضَاف إِلَيْهِ اعني قَوْله: (الصَّلَاة من الايمان) فَإِنَّهَا جملَة إضيف إِلَيْهَا الْبَاب على تَقْدِير ترك التَّنْوِين فِيهِ كَمَا ذكرنَا، وَالرَّفْع عطفا على لَفْظَة: الصَّلَاة. ثمَّ الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الأول: هَذِه الْآيَة من جملَة التَّرْجَمَة. لِأَن الْبَاب مترجم بترجمتين: إِحْدَاهمَا قَوْله: الصَّلَاة من الْإِيمَان. والاخرى: قَوْله،

стр. 239

وَقَول الله: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع ايمانكم﴾ والمناسبة بَين الترجمتين ظَاهِرَة، لِأَن فِي الْآيَة أطلق على الصَّلَاة الْإِيمَان على سَبِيل إِطْلَاق الْكل على الْجُزْء، وَبَين ذَلِك بقوله الصَّلَاة من الايمان، لِأَن كلمة: من، للتَّبْعِيض، وَالْمرَاد: الصَّلَاة من بعض الْإِيمَان. الثَّانِي: قَالَ الواحدي فِي كتاب (اسباب النُّزُول) : قَالَ ابْن عَبَّاس، ﵄، فِي رِوَايَة الْكَلْبِيّ: (كَانَ رجال من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ قد مَاتُوا على الْقبْلَة الأولى، مِنْهُم: سعد بن زُرَارَة، وابو امامة أحد بني النجار، والبراء بن معْرور أحد بني سَلمَة، فَجَاءَت عَشَائِرهمْ فِي أنَاس مِنْهُم آخَرين، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله توفّي إِخْوَاننَا وهم يصلونَ إِلَى الْقبْلَة الأولى، وَقد صرفك الله تَعَالَى إِلَى قبْلَة إِبْرَاهِيم، ﵊، فَكيف بإخواننا فِي ذَلِك؟ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع ايمانكم﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٣) الْآيَة. الثَّالِث: قَالَ ابْن بطال: هَذِه الْآيَة حجَّة قَاطِعَة على الْجَهْمِية والمرجئة، حَيْثُ قَالُوا: إِن الْأَعْمَال والفرائض لَا تسمى إِيمَانًا، وَهُوَ خلاف النَّص، لِأَن الله سمى صلَاتهم إِلَى بَيت الْمُقَدّس إِيمَانًا، وَلَا خلاف بَين أهل التَّفْسِير أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي صلَاتهم إِلَى بَيت الْمُقَدّس. قلت: لَا يلْزم من الِاتِّفَاق على نُزُولهَا فِي صلَاتهم إِلَى بَيت الْمُقَدّس إِطْلَاقهَا، وَقَالَ ابْن اسحق وَغَيره، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٣) بالقبلة الأولى، وتصديقكم نَبِيكُم وإتباعكم إِيَّاه إِلَى الْقبْلَة الْأُخْرَى، أَي: ليعطينكم أجرهَا جَمِيعًا. وَقَالَ الزمخشرى فِي (الْكَشَّاف) : ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع ايمانكم﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٣) اي: ثباتكم على الْإِيمَان، وأنكم لم تزلوا وَلم ترتابوا، بل شكر صنيعكم وَأعد لكم الثَّوَاب الْعَظِيم، وَيجوز أَن يُرَاد: وَمَا كَانَ الله ليترك تحويلكم، لعلمه أَن تَركه مفْسدَة وإضاعة لإيمانكم، وَقيل: من صلى إِلَى بَيت الْمُقَدّس قبل التَّحْوِيل فَصلَاته غير ضائعة. انْتهى. قلت: هَذَا ثَلَاثَة اوجه. الأول: من قبيل إِطْلَاق المعروض على الْعَارِض. الثَّانِي: من قبيل الْكِنَايَة، لَان التَّحْوِيل ملزوم لإضاعة الْإِيمَان. الثَّالِث: من قبيل إِطْلَاق الْكل على الْجُزْء، ثمَّ: اللَّام، فِي قَوْله ﴿لِيُضيع﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٣) لتأكيد النَّفْي، فَإِن قيل: الْمقَام يَقْتَضِي أَن يُقَال: إِيمَانهم، بِلَفْظ الْغَيْبَة، اجيب: بِأَن الْمَقْصُود تَعْمِيم الحكم للْأمة: الاحياء والاموات، فَذكر الْأَحْيَاء المخاطبين تَغْلِيبًا لَهُم على غَيرهم، وَلَا يُنَاسب وضع الْآيَة فِي التَّرْجَمَة إِلَّا من الْوَجْه الثَّالِث، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ البُخَارِيّ بقوله: يَعْنِي صَلَاتكُمْ، حَيْثُ فسر الْإِيمَان بِالصَّلَاةِ، وَهَكَذَا وَقع هَذَا التَّفْسِير فِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيّ وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق شريك وَغَيره عَن أبي اسحق عَن الْبَراء فِي الحَدِيث الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا، فَانْزِل الله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع ايمانكم﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٣) اي: صَلَاتكُمْ إِلَى بَيت الْمُقَدّس. الرَّابِع: قَوْله (عِنْد الْبَيْت) أَرَادَ بِهِ الْكَعْبَة، شرفها الله تَعَالَى. وَقَالَ النووى: هَذَا مُشكل، لِأَن المُرَاد: صَلَاتكُمْ إِلَى الْبَيْت الْمُقَدّس، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: اي صَلَاتكُمْ إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَهَذَا هُوَ مُرَاده، فيتأول عَلَيْهِ كَلَامه. وَقَالَ بعض الشَّارِحين المُرَاد: إِلَى الْبَيْت يَعْنِي: بَيت الْمُقَدّس، اَوْ الْكَعْبَة، لِأَن صلَاتهم إِلَيْهَا إِلَى جِهَة بَيت الْمُقَدّس. قلت: إِذا أطلق الْبَيْت يُرَاد بِهِ الْكَعْبَة، وَلم يقل أحد: إِن الْبَيْت إِذا اطلق يُرَاد بِهِ الْقُدس، أَو أَحدهمَا بِالشَّكِّ، وَقَالَ بَعضهم: قد قيل: إِن فِيهِ تصحيفاً. وَالصَّوَاب: يَعْنِي صَلَاتكُمْ لغير الْبَيْت، ثمَّ قَالَ: وَعِنْدِي أَنه لَا تَصْحِيف فِيهِ، بل هُوَ صَوَاب. بَيَان ذَلِك أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي الْجِهَة الَّتِي كَانَ النَّبِي ﷺ يتَوَجَّه إِلَيْهَا للصَّلَاة وَهُوَ بِمَكَّة، فَقَالَ ابْن عَبَّاس، ﵄، وَغَيره: كَانَ يُصَلِّي إِلَى بَيت الْمُقَدّس، لكنه لَا يستدبر الْكَعْبَة، بل يَجْعَلهَا بَينه وَبَين بَيت الْمُقَدّس، وَأطلق آخَرُونَ أَنه كَانَ يُصَلِّي إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَقَالَ آخَرُونَ كَانَ يُصَلِّي إِلَى الْكَعْبَة فَلَمَّا تحول إِلَى الْمَدِينَة اسْتقْبل بَيت الْمُقَدّس وَهَذَا ضَعِيف، وَيلْزم مِنْهُ دَعْوَى النّسخ مرَّتَيْنِ، وَالْأول أصح لِأَنَّهُ يجمع بَين الْقَوْلَيْنِ، وَقد صَححهُ الْحَاكِم وَغَيره من حَدِيث ابْن عَبَّاس، فَكَأَنَّهُ، البُخَارِيّ، أَرَادَ الْإِشَارَة إِلَى الْجَزْم بالأصح من أَن الصَّلَاة لما كَانَت عِنْد الْبَيْت كَانَت إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَاقْتصر على ذَلِك اكْتِفَاء بالاولوية، لِأَن صلَاتهم إِلَى غير جِهَة الْبَين وهم عِنْد الْبَيْت إِذا كَانَت لَا تضيع فأحرى أَلا تضيع إِذا بعدوا عَنهُ قلت هَذِه اللَّفْظَة ثَابِتَة فِي الْأُصُول صَحِيحَة وَمَعْنَاهَا صَحِيح غير أَنه اختصر فِي الْعبارَة وَالتَّقْدِير يَعْنِي صَلَاتكُمْ الَّتِي صليتموها إِلَى بَيت الْمُقَدّس عِنْد الْبَيْت أَي الْكَعْبَة فَقَوله عِنْد الْبَيْت يتَعَلَّق بذلك الْمَحْذُوف وَقَول هَذَا الْقَائِل وَاقْتصر على ذَلِك اكْتِفَاء بالأولوية ثمَّ تطويله بقوله: لِأَن صلَاتهم إِلَى آخِره ... كَلَام يحْتَاج إِلَى دعامة، لِأَن دَعْوَاهُ أَولا بقوله: وَاقْتصر على ذَلِك اكْتِفَاء بالاولوية. ثمَّ تَعْلِيله بقوله: لِأَن صلَاتهم ... الى آخِره، لَا تعلق لَهُ قطّ، لبَيَان تَصْحِيح قَول البُخَارِيّ: عِنْد الْبَيْت، وتصحيحه بِمَا ذَكرْنَاهُ، وَنَقله عَن بَعضهم أَن فِيهِ تصحيفاً، ثمَّ قَوْله: وَعِنْدِي أَنه لَا تَصْحِيف فِيهِ، وَإِن كَانَ كَذَلِك فِي نفس الْأَمر، لَكِن لَو كَانَ

стр. 240

عِنْده الْوُقُوف على معنى التَّصْحِيف كَانَ يَقُول أَولا مثل هَذَا لَا يُسمى تصحيفاً، وَإِنَّمَا يُقَال مُشكل كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ أَو نَحْو ذَلِك لَان التَّصْحِيف هُوَ أَن يتصحف لفظ بِلَفْظ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِك، وَقَالَ الصغاني، ﵀: التَّصْحِيف الْخَطَأ فِي الصَّحِيفَة، يَقُولُونَ: تصحف عَلَيْهِ لفظ كَذَا فَعرفت أَن من لم يعرف معنى التَّصْحِيف كَيفَ يُجيب عَنهُ بالتحريف. ٤٠ - حدّثنا عَمْرُو بِنُ خالدٍ قَالَ حدّثنا زُهَيْرٌ قَالَ حدّثنا أُبو إسْحاقَ عَن البَرَاءِ أنّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ أوّلَ مَا قَدِمَ الَمدِينَةَ نَزَلَ علَى أَجْدَادِهِ أَو قَالَ أَخوْالِهِ مِن الأنْصارِ وَأَنه صَلَّى قَبَلَ بَيْتِ المقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْراً أَو سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْراً وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَن تَكُونَ قِبْلَتُهُ قَبَلَ البَيْتِ وأنَّهُ صَلَّى أوّلَ صَلَاةٍ صَلَاها صَلَاةَ العَصْرِ وصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ على أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ راكِعُونَ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رسولِ الله ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ البَيْتِ وَكَانَت اليَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المقْدِس وأَهْلُ الْكِتَابِ فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلكَ.. مُطَابقَة الحَدِيث لِلْآيَةِ الَّتِي هِيَ احدى الترجمتين ظَاهِرَة، وَلَكِن لَا تطابق لصدر الحَدِيث الَّذِي هُوَ: إِحْدَى روايتي زُهَيْر عَن أبي اسحاق لقَوْل ﷺ : (الصَّلَاة من الايمان) . وَقَول النَّوَوِيّ فِي الحَدِيث فَوَائِد: مِنْهَا مَا ترْجم لَهُ، وَهُوَ كَون الصَّلَاة من الْإِيمَان إِشَارَة إِلَى آخر الحَدِيث الَّذِي هُوَ الرِّوَايَة الثَّانِيَة لزهير عَن أبي اسحاق. بَيَان رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: ابو الْحسن عَمْرو، وبفتح الْعين وَسُكُون الْمِيم، ابْن خَالِد بن فروخ بن سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن وَاقد ابْن لَيْث بن وَاقد ابْن عبد الله الْحَنْظَلِي الْجَزرِي الْحَرَّانِي، سكن مصر، وروى عَن اللَّيْث وَأبي لَهِيعَة وَغَيرهمَا، وروى عَنهُ البُخَارِيّ، وَانْفَرَدَ بِهِ وابو زرْعَة وَغَيرهمَا، وروى ابْن مَاجَه عَن رجل عَنهُ، قَالَ ابو حَاتِم: صَدُوق. وَقَالَ الْعجلِيّ: مصري ثَبت ثِقَة، مَاتَ بِمصْر سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ عَن عَبدُوس عَن ابْن زيد الْمروزِي، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني عمر بن خَالِد، بِضَم الْعين وَفتح الْمِيم، وَهُوَ تَصْحِيف نبه عَلَيْهِ ابو عَليّ الغساني وَغَيره، وَلَيْسَ فِي شُيُوخ البُخَارِيّ من اسْمه عمر بن خَالِد، وَلَا فِي رِجَاله كلهم، بل وَلَا رجال الْكتب السِّتَّة، وَلَهُم: عَمْرو بن خَالِد الوَاسِطِيّ الْمَتْرُوك، أخرج لَهُ ابْن مَاجَه وَحده وَعَمْرو بن خَالِد الْكُوفِي مُنكر الحَدِيث. الثَّانِي: زُهَيْر، بِصِيغَة التصغير، بن مُعَاوِيَة بن حديج، بِضَم الْحَاء وَفتح الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالجيم، بن الرحيل، بِضَم الرَّاء وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة، ابْن زُهَيْر بن خَيْثَمَة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة، ويكنى بِأبي خَيْثَمَة الْجعْفِيّ الْكُوفِي، سكن الجزيرة، سمع السبيعِي وَحميد الطَّوِيل وَغَيرهمَا من التَّابِعين وخلقاً من غَيرهم، وَعنهُ يحيى الْقطَّان وَجمع من الْأَئِمَّة، وَاتَّفَقُوا على جلالته وَحسن لَفظه واتقانه، قَالَ ابو زرْعَة: هُوَ ثِقَة إلَاّ أَنه سمع من ابى اسحاق بعد الِاخْتِلَاط، توفّي سنة اثْنَتَيْنِ أَو ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة، وَكَانَ قد فلج قبله بِسنة وَنصف أَو نَحْوهمَا، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: ابو اسحاق عَمْرو بن عبد الله بن عَليّ، وَقيل: عَمْرو بن عبد الله بن ذِي يحمد الْهَمدَانِي السبيعِي الْكُوفِي التَّابِعِيّ الْجَلِيل الْكَبِير الْمُتَّفق على جلالته وتوثيقه، ولد لِسنتَيْنِ بَقِيَتَا من خلَافَة عُثْمَان، ﵁، وَرَأى عليا واسامة والمغيرة، ﵃، وَلم يَصح سَمَاعه مِنْهُم، وَسمع ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَابْن الزبير وَمُعَاوِيَة وخلقاً من الصَّحَابَة وَآخَرين من التَّابِعين، وَعنهُ التَّيْمِيّ وَقَتَادَة وَالْأَعْمَش وهم من التَّابِعين، وَالثَّوْري وَهُوَ أثبت النَّاس فِيهِ، وَخلق من الْأَئِمَّة. قَالَ الْعجلِيّ: سمع ثَمَانِيَة وَثَلَاثِينَ من الصَّحَابَة، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: روى عَن سبعين أَو ثَمَانِينَ لم يرو عَنْهُم غَيره، مَاتَ سنة سِتّ، وَقيل: سبع، وَقيل: ثَمَان، وَقيل: تسع وَعشْرين وَمِائَة. روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: الْبَراء، بتَخْفِيف الرَّاء وبالمد على الْمَشْهُور، وَقيل: بِالْقصرِ، وَهُوَ أَبُو عمَارَة، بِضَم الْعين، وَيُقَال: ابو عَمْرو، وَيُقَال: ابو الطُّفَيْل بن عَازِب بن الْحَارِث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن الحارثة بن الْحَارِث بن الْخَزْرَج بن عمر بن أَوْس الْأنْصَارِيّ الاوسي، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وسلمثلاثمائة حَدِيث وَخَمْسَة أَحَادِيث،

стр. 241

اتفقَا مِنْهَا على اثْنَيْنِ وَعشْرين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِخَمْسَة عشر، وَمُسلم بِسِتَّة، استصغر يَوْم أحد مَعَ ابْن عمر، ثمَّ شهد الخَنْدَق والمشاهد كلهَا، وافتتح الرّيّ سنة أَربع وَعشْرين صلحا اَوْ عنْوَة، وَشهد مَعَ أبي مُوسَى غَزْوَة تستر، وَشهد مَعَ عَليّ، ﵁، مشاهده، توفّي أَيَّام مُصعب بن الزبير بِالْكُوفَةِ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَأَبوهُ عَازِب صَحَابِيّ أَيْضا، ذكره ابْن سعد فِي (طبقاته) وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة: عَازِب، غَيره، وَلَا فيهم: الْبَراء بن عَازِب سوى وَلَده. بَيَان الْأَنْسَاب: الْحَنْظَلِي: نِسْبَة إِلَى حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وَفِي جعفي أَيْضا حَنْظَلَة بطن، وَهُوَ ابْن كَعْب بن عَوْف بن حَرِيم بن جعفي، والجزري: نِسْبَة إِلَى الجزيرة مَا بَين الْفُرَات ودجلة، قيل لَهَا الجزيرة لِأَنَّهَا مثل الجزيرة من جزائر الْبَحْر، والحراني: نِسْبَة إِلَى حران، مَدِينَة فِي ديار بكر، وَالْيَوْم خراب، والجعفي: بِضَم الْجِيم، نِسْبَة الى: جعفة بن سعد بن الْعَشِيرَة بن مَالك، وَمَالك هُوَ جماع مذْحج، والهمداني: بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْمِيم وبالدال الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى: هَمدَان، وَهُوَ اوسلة بن مَالك بن زيد اوسلة بن ربيعَة بن الْخِيَار، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة الْمَكْسُورَة، ابْن ملكان، بِكَسْر الْمِيم، ضَبطه ابْن حبيب، وَقيل: مَالك بن زيد بن كهلان. والسبيعي، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، نِسْبَة الى: السبيع جد الْقَبِيلَة، وَهُوَ السبيع بن الصعب بن مُعَاوِيَة بن كَبِير بن حاشد بن جشم بن خيوان بن نوف بن هَمدَان، وَأبْعد من قَالَ: عرف ابو اسحاق بذلك لنزوله فيهم، وَأغْرب الْمزي حَيْثُ ذكره فِي الألقاب. بَيَان لطائف اسناده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: ان رُوَاته أَئِمَّة أجلاء. وَمِنْهَا: إِنَّهُم أَرْبَعَة فَقَط. فان قيل: هَذَا مَعْلُول بعلتين. الأولى: ان زهيراً لم يسمع من أبي اسحاق إلاّ بعد الِاخْتِلَاط، قَالَه ابو زرْعَة، وَقَالَ احْمَد: ثَبت بخ بخ، لَكِن فِي حَدِيثه عَن أبي اسحاق لين، سمع مِنْهُ بآخرة. الثَّانِيَة: ابو إِسْحَاق مُدَلّس وَلم يُصَرح بِالسَّمَاعِ. قلت: الْجَواب عَن الأولى: أَنه لَو لم يثبت سَماع زُهَيْر مِنْهُ قبل الِاخْتِلَاط عَن البُخَارِيّ لما اودعه فِي صَحِيحه على أَنه تَابعه عَلَيْهِ عِنْد البُخَارِيّ إِسْرَائِيل بن يُونُس حفيده وَغَيره. وَعَن الثَّانِيَة: ان البُخَارِيّ روى فِي التَّفْسِير من طَرِيق الثَّوْريّ عَن أبي اسحاق: سَمِعت الْبَراء، فَحصل الْأَمْن من ذَلِك. فَافْهَم. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن اخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا عَن عَمْرو بن خَالِد، وَأخرجه أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن أبي نعيم، وَأخرجه ايضا فِي التَّفْسِير. وَمُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَأبي بكر بن خَلاد، وَالنَّسَائِيّ أَيْضا فيهمَا عَن مُحَمَّد بن بشار، ثَلَاثَتهمْ عَن يحيى بن سعيد عَن الثَّوْريّ عَن ابى اسحاق عَنهُ. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة، وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن أبي نعيم عَن حبَان بن مُوسَى عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن شريك بن عبد الله عَن أبي إِسْحَاق عَنهُ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الصَّلَاة وَفِي التَّفْسِير عَن هناد عَن وَكِيع عَن اسرائيل بن يُونُس عَن جده أبي اسحاق عَنهُ، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عبد الله بن رَجَاء، وَفِي خبر الْوَاحِد عَن يحيى عَن وَكِيع كِلَاهُمَا عَنهُ بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن اسماعيل عَن ابراهيم عَن إِسْحَاق بن يُوسُف عَن الْمَازرِيّ عَن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن أبي اسحاق عَنهُ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (الْمَدِينَة) ، أَرَادَ بهَا مَدِينَة الرَّسُول ﷺ ، واشتقاقها إِمَّا من: مدن بِالْمَكَانِ، إِذا قَامَ بِهِ على وزن فعيلة، وَيجمع على مَدَائِن بِالْهَمْزَةِ، وَإِمَّا من: دَان، أَي: أطَاع، أَو من: دينٍ، أَي: ملك، فعلى هَذَا يجمع على: مداين، بِلَا همز كمعايش. وَلَهُمَا اسماء كَثِيرَة: يثرب، وطيبة بِفَتْح الطَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وطابة، وَالطّيب إِمَّا لخلوصها من الشّرك أَو لطيبها لساكنيها لأمنهم ودعتهم، وَقيل: لطيب عيشهم فِيهَا، وَتسَمى: الدَّار، أَيْضا للاستقرار بهَا. قَوْله: (قبل بَيت الْمُقَدّس) بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، اي: نَحْو بَيت الْمُقَدّس وجهته والمقدس، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَكسر الدَّال، مصدر ميمي كالمرجع، أَو اسْم مَكَان من الْقُدس، وَهُوَ: الطُّهْر، أَي الْمَكَان الَّذِي يطهر فِيهِ العابد من الذُّنُوب، أَو تطهر الْعِبَادَة من الْأَصْنَام، وَجَاء فِيهِ ضم الْمِيم وَفتح الْقَاف وَالدَّال الْمُشَدّدَة، وَهُوَ اسْم مفعول من التَّقْدِيس، اي: التَّطْهِير، وَقد جَاءَ بِصِيغَة إسم الْفَاعِل ايضاً لِأَنَّهُ يقدس العابد فِيهِ من الآثام، وَفِي (الْعباب) : الْقُدس والقدس مِثَال: خلق وَخلق إلطهر، اسْم مصدر، وَمِنْه حَظِيرَة الْقُدس، وروح الْقُدس جِبْرِيل، ﵇، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وأيدناه بِروح الْقُدس﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧ و ٢٥٣) وَقيل لَهُ: روح الْقُدس، لِأَنَّهُ خلق من

стр. 242

الطَّهَارَة، والقدس: الْبَيْت الْمُقَدّس. قَوْله: (اشْهَدْ بِاللَّه) قَالَ الجوهرى: أشهد بِاللَّه أَي: أَحْلف بِهِ. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (كَانَ أول مَا قدم الْمَدِينَة) هَذِه الْجُمْلَة خبر: إِن، فِي مَحل الرّفْع، و: أول، نصب على الظّرْف، و: مَا، مَصْدَرِيَّة، تَقْدِيره: فِي أول قدومه الْمَدِينَة عِنْد الْهِجْرَة من مَكَّة، وَقدم، بِكَسْر الدَّال مضارعة؛ يقدُمَ بِالضَّمِّ، ومصدره: قدوم. وَأما: قدَم، بِالْفَتْح، فمضارعه: يقدُم بِالضَّمِّ أَيْضا، ومصدره: قُدوم، بِضَم الْقَاف. قَالَ تَعَالَى: ﴿يقدُم قومه يَوْم الْقِيَامَة فأوردهم النَّار﴾ (هود: ٩٨) وَأما: قدم بِالضَّمِّ، فمضارعه: يقدم بِالضَّمِّ أَيْضا، ومصدره: قِدَم، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الدَّال، فَهُوَ: قديم؛ وانتصاب: الْمَدِينَة، كانتصاب: الدَّار، فِي قَوْلك: دخلت الدَّار، والظروف يتوسع فِيهَا. قَوْله: (نزل) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر: كَانَ، قَوْله: (من الْأَنْصَار) كلمة: من، فِيهِ بَيَانِيَّة. قَوْله: (وَأَنه) بِفَتْح الْهمزَة عطف على قَوْله: أَن رَسُول الله ﷺ ، قَوْله: (صلى) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر أَن، قَوْله: (قِبَل بَيت الْمُقَدّس) ، نصب على الْحَال، بِمَعْنى مُتَوَجها إِلَيْهِ قَوْله: (وَكَانَ) اي النَّبِي ﷺ ، قَوْله: (يُعجبهُ) ، خبر كَانَ. قَوْله: (أَن يكون) فِي مَحل الرّفْع على أَنه فَاعل: يُعجبهُ، و: أَن، مَصْدَرِيَّة، تَقْدِيره: وَكَانَ يُعجبهُ كَون قبلته جِهَة الْبَيْت، أَي: كَانَ يحب ذَلِك. قَوْله: (وَأَنه) بِفَتْح الْهمزَة أَيْضا عطف على: أَنه، الْمَذْكُورَة قبلهَا. قَوْله: (صلى) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر: ان. قَوْله: (أول صَلَاة) ، كَلَام إضافي مَنْصُوب على أَنه مفعول: صلى. قَوْله: (صلاهَا) ، جملَة فِي مَحل الْجَرّ على أَنَّهَا صفة: صَلَاة. قَوْله: (صَلَاة الْعَصْر) ، كَلَام إضافي مَنْصُوب على أَنه بدل من قَوْله: أول صَلَاة، واعربه ابْن مَالك بِالرَّفْع. قَوْله: (وَصلى مَعَه) اي: مَعَ النَّبِي ﷺ و: (قوم) مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: صلى، وَقد قُلْنَا غير مرّة إِن لَفْظَة: قوم، مَوْضُوعَة للرِّجَال دون النِّسَاء، وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَرُبمَا دخلت النِّسَاء فِيهِ على سَبِيل التبع. قَوْله: (وهم رَاكِعُونَ) جملَة إسمية مَنْصُوبَة الْمحل على الْحَال. قَوْله: (فَقَالَ) : اي الرجل الْمَذْكُور. قَوْله: (أشهد بِاللَّه) ، جملَة وَقعت مُعْتَرضَة بَين: قَالَ، وَبَين مقول القَوْل، وَهُوَ قَوْله: لقد صليت، اللَّام للتَّأْكِيد، و: قد، للتحقيق. قَوْله: (قبل مَكَّة) ، حَال أَي: مُتَوَجها إِلَيْهَا. قَوْله: (فَدَارُوا) الْفَاء فِيهِ تسمى الْفَاء الفصيحة، أَي: سمعُوا كَلَامه فَدَارُوا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن اضْرِب بعصاك الْحجر فانفجرت﴾ (الْأَعْرَاف: ١٦٠) اي: فَضرب فانفجرت، وَالْفَاء الفصيحة هِيَ الَّتِي تدل على مَحْذُوف هُوَ سَبَب لما بعْدهَا. قَوْله: (كَمَا هم) قَالَ الْكرْمَانِي: مَا، مَوْصُولَة، و: هم، مُبْتَدأ، وَخَبره مَحْذُوف، وَمثل هَذِه الْكَاف تسمى بكاف الْمُقَارنَة، أَي: دورانهم مُقَارن لحالهم، وَتَبعهُ على هَذَا بَعضهم مُقَلدًا من غير تَحْرِير. قلت: الْكَاف المفردة إِمَّا جَارة أَو غير جَارة، فالجارة: حرف وَاسم، والحرف لَهُ خَمْسَة معانٍ: التَّشْبِيه، نَحْو زيد كالاسد، و: التَّعْلِيل، أثبت ذَلِك قوم ونفاه الْآخرُونَ نَحْو: ﴿كَمَا أرسلنَا فِيكُم﴾ (الْبَقَرَة: ١٥١) اي: لأجل إرسالي فِيكُم، و: الاستعلاء، ذكره الْأَخْفَش والكوفيون نَحْو: كخير جَوَابا، لقَوْل من قَالَ لَهُ: كَيفَ أَصبَحت؟ أَي: على خير. و: الْمُبَادرَة، فِيمَا اذا اتَّصَلت: بِمَا، نَحْو: سلم كَمَا تدخل، وصل كَمَا يدْخل الْوَقْت، ذكره ابْن الخباز، وَأَبُو سعيد السيرافي وَهُوَ غَرِيب جدا، و: التوكيد، وَهِي الزَّائِدَة نَحْو: ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ (الشورى: ١١) التَّقْدِير: لَيْسَ مثله شَيْء، وَأما اسْم الجارة فَهِيَ مرادفة: لمثل، وَلَا تقع كَذَلِك عِنْد سِيبَوَيْهٍ والمحققين إلاّ فِي الضَّرُورَة نَحْو قَوْله: (يضحكن عَن كَالْبردِ المنهم) واما الْكَاف غير الجارة فنوعان: مُضْمر مَنْصُوب أَو مجرور نَحْو ﴿مَا وَدعك رَبك﴾ (الضُّحَى: ٣) فاذا عرفت هَذَا علمت أَنه لم يقل أحد فِي أَقسَام الْكَاف: كَاف الْمُقَارنَة، وَالتَّحْقِيق فِي إِعْرَاب هَذَا الْكَلَام أَن نقُول: ان الْكَاف فِي: كَمَا هم، يحْتَمل وَجْهَيْن: الاول: أَن تكون للاستعلاء كَمَا فِي قَوْلك: كن كَمَا انت، أَي: على مَا أَنْت عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِير هَهُنَا ايضاً: فَدَارُوا على مَا هم عَلَيْهِ، ثمَّ فِي إعرابه أوجه. الأول: أَن تكون: مَا، مَوْصُولَة و: هم، مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف وَهُوَ: عَلَيْهِ. الثَّانِي: أَن تكون: مَا، زَائِدَة ملغاة و: الْكَاف جَارة و: هم، ضمير مَرْفُوع انيب عَن الْمَجْرُور كَمَا فِي قَوْلك: مَا أَنا كَأَنْت، وَالْمعْنَى فَدَارُوا فِي الْحَال مماثلين لأَنْفُسِهِمْ فِي الْمَاضِي. الثَّالِث: أَن تكون: مَا، كَافَّة و: هم، مُبْتَدأ حذف خَبره، وَهُوَ: عَلَيْهِ، أَو: كائنون. الرَّابِع: أَن تكون: مَا، كَافَّة أَيْضا و: هم، فَاعل وَالْأَصْل: كَمَا كَانُوا، ثمَّ حذف: كَانَ، فانفصل الضَّمِير. الْوَجْه الثانى: أَن تكون: الْكَاف، كَاف الْمُبَادرَة، كَمَا ذكرنَا الْآن، وَالْمعْنَى: فَدَارُوا متبادرين فِي حَالهم الَّتِي هم فِيهَا، وَالْوَجْه الأول هُوَ الْأَحْسَن. فَافْهَم. قَوْله (قِبل الْبَيْت) ، حَال، أَي: مواجهين اليه. قَوْله: (قد اعجبهم) ، الضَّمِير الْمَرْفُوع الْمُسْتَتر فِي: اعْجَبْ، يرجع إِلَى رَسُول الله ﷺ ، وَهُوَ فَاعل أعجب، و: هم، هُوَ الضَّمِير الْمَنْصُوب وَقع مَفْعُولا. قَوْله: (اذا كَانَ) أَي: النَّبِي ﷺ ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَإِذا كَانَ، بدل الاشتمال، وَإِذ هَهُنَا للزمان،

стр. 243

الْمُطلق، أَي: اعجبهم زمَان كَانَ يُصَلِّي فِيهِ رَسُول الله ﷺ نَحْو بَيت الْمُقَدّس، لِأَنَّهُ كَانَ قبلتهم، فإعجابهم لموافقة قبْلَة رَسُول الله ﷺ قبلتهم: قلت: إِذْ، هَهُنَا ظرف بِمَعْنى حِين، وَالْمعْنَى: اعْجَبْ الْيَهُود حِين كَانَ يُصَلِّي، ﵇، قبل بَيت الْمُقَدّس، و: إِذْ، إِنَّمَا تقع بَدَلا عَن الْمَفْعُول، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم إِذْ انتبذت﴾ (مَرْيَم: ١٦) وَهَهُنَا الْمَفْعُول هُوَ الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي قَوْله: اعجبهم، وَلَا يَصح أَن يكون بَدَلا مِنْهُ، لفساد الْمَعْنى، وَالضَّمِير الْمُسْتَتر فِي: اعْجَبْ، ضمير الْفَاعِل. قَوْله: (قبل بَيت الْمُقَدّس) حَال اي: مُتَوَجها إِلَيْهِ. فان قلت: مَا الْإِضَافَة الَّتِي فِي بَيت الْمُقَدّس؟ قلت: إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صفته: كَصَلَاة الاولى، وَمَسْجِد الْجَامِع، وَالْمَشْهُور فِيهِ الْإِضَافَة، وَجَاء أَيْضا على الصّفة لبيت الْمُقَدّس، وَقَالَ ابو عَليّ: تَقْدِيره: بَيت مَكَان الطَّهَارَة. قَوْله: (واهل الْكتاب) بِالرَّفْع عطف على قَوْله: (الْيَهُود) ، فَهُوَ من قبيل عطف الْعَام على الْخَاص لِأَن أهل الْكتاب يَشْمَل الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَغَيرهمَا مِمَّن يعْتَقد بِكِتَاب منزل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: اَوْ المُرَاد بِهِ، أَي: بِأَهْل الْكتاب النَّصَارَى فَقَط، عطف خَاص على خَاص؛ وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر، لِأَن النَّصَارَى لَا يصلونَ لبيت الْمُقَدّس، فَكيف يعجبهم؟ قلت: سُبْحَانَ الله، إِن هَذَا عجب شَدِيد كَيفَ لم يتَأَمَّل هَذَا كَلَام الْكرْمَانِي بِتَمَامِهِ حَتَّى نظر فِيهِ، فَإِنَّهُ لما قَالَ: المُرَاد بِهِ النَّصَارَى فَقَط، قَالَ: وَجعلُوا تَابِعَة لِأَنَّهُ لم تكن قبلتهم، بل إعجابهم كَانَ بالتبعية للْيَهُود، على نفس عبارَة الحَدِيث يشْهد بإعجاب النَّصَارَى أَيْضا، لَان قَوْله: (واهل الْكتاب) إِذا كَانَ عطفا على الْيَهُود يكونُونَ داخلين فِيمَا وصف بِهِ الْيَهُود، فالنصارى من جملَة أهل الْكتاب، فهم أَيْضا داخلون فِيهِ، وَالْأَظْهَر أَن يكون: وَأهل الْكتاب، بِالنّصب على أَن الْوَاو فِيهِ بِمَعْنى: مَعَ، أَي: كَانَ يُصَلِّي قبل بَيت الْمُقَدّس مَعَ اهل الْكتاب، وَهَذَا وَجه صَحِيح، وَلَكِن يحْتَاج إِلَى تَصْحِيح الرِّوَايَة بِالنّصب، وَفِي هَذَا الْوَجْه أَيْضا يدْخل فيهم النَّصَارَى لأَنهم من أهل الْكتاب. قَوْله: (فَلَمَّا ولى) أَي: اقبل رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَجهه نَحْو الْقبْلَة أَنْكَرُوا ذَلِك، اي: انكر أهل الْكتاب توجهه إِلَيْهَا فَعِنْدَ ذَلِك نزل: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء من النَّاس﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٢) الْآيَة، وَقد صرح البُخَارِيّ بذلك فِي رِوَايَته من طَرِيق إِسْرَائِيل. بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (كَانَ اول مَا قدم الْمَدِينَة) ، كَانَ قدومه، ﵇ إِلَى الْمَدِينَة يَوْم الْإِثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الاول حِين اشتداد الضحاء، وكادت الشَّمْس تعتدل. وَعَن ابْن عَبَّاس، ﵄: ان رَسُول الله ﷺ خرج من مَكَّة يَوْم الِاثْنَيْنِ، وَدخل الْمَدِينَة يَوْم الِاثْنَيْنِ، فَالظَّاهِر أَن بَين خُرُوجه من مَكَّة ودخوله الْمَدِينَة خَمْسَة عشر يَوْمًا، لانه أَقَامَ بِغَار ثَوْر ثَلَاثَة أَيَّام، ثمَّ سلك طَرِيق السَّاحِل وَهُوَ أبعد من طَرِيق الجادة. قَوْله: (نزل على أجداده أَو قَالَ أَخْوَاله) ، الشَّك من أبي اسحاق، وَالْمرَاد بالأجداد هم من جِهَة الأمومة، وَإِطْلَاق الْجد وَالْخَال هُنَا مجَاز، لِأَن هاشماً جد أَب رَسُول الله ﷺ تزوج من الْأَنْصَار، وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة وَابْن اسحاق والواقدي وَغَيرهم: أول مَا نزل رَسُول ﷺ على كُلْثُوم بن الْهدم بن امرىء الْقَيْس بن الْحَارِث بن زيد بن مَالك بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف بن مَالك بن الْأَوْس الْأنْصَارِيّ، وَكَانَ يجلس للنَّاس فِي بَيت سعد بن خَيْثَمَة، فَأَقَامَ النَّبِي ﷺ بقباء فِي بني عَمْرو بن عَوْف الْإِثْنَيْنِ والثلثاء وَالْأَرْبِعَاء وَالْخَمِيس، واسس مَسْجِدهمْ، وَقَالَ ابْن سعد: يُقَال: أَقَامَ فيهم أَربع عشرَة لَيْلَة، وَجَاء مُبينًا فِي البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّلَاة من رِوَايَة أنس، ﵁، قَالَ: فَنزل بِأَعْلَى الْمَدِينَة فِي حَيّ يُقَال لَهُم بَنو عَمْرو بن عَوْف، فَقَامَ فيهم أَربع عشرَة لَيْلَة، ثمَّ خرج يَوْم الْجُمُعَة، فَأَدْرَكته الْجُمُعَة فِي بني سَالم بن عَوْف فِي الْمَسْجِد الَّذِي فِي بطن الْوَادي، وَكَانَت أول جُمُعَة صلاهَا بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ ابْن اسحاق: فَأَتَاهُ عتْبَان بن مَالك فِي رجال من قومه فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، أقِم عندنَا فِي العَدد والعُدد والمنعة، فَقَالَ: خلوا سَبِيلهَا فَإِنَّهَا مأمورة، لناقته، فَخلوا سَبِيلهَا حَتَّى إِذا وازنت دَار بني بياضة، فَتَلقاهُ قوم فَقَالُوا لَهُ مثل ذَلِك، فَقَالَ لَهُم: خلوا سَبِيلهَا فَإِنَّهَا مأمورة، فَخلوا سَبِيلهَا حَتَّى مر ببني سَاعِدَة، فَقَالُوا لَهُ مثل ذَلِك فَقَالَ لَهُم مثل مَا تقدم، ثمَّ دَار ببني الْحَرْث بن الْخَزْرَج، فَكَذَلِك، ثمَّ دَار بني عدي بن النجار وهم أَخْوَاله، فَإِن أم عبد الْمطلب، سلمى بنت عَمْرو بن زيد بن لبيد بن خِدَاش بن عَامر بن غنم بن عدي بن النجار بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج، وَكَانَ هَاشم بن عبد الْمطلب قدم الْمَدِينَة فَتزَوج سلمى وَكَانَت شريفة، لَا تنْكح الرِّجَال حَتَّى يشترطوا لَهَا أَن أمرهَا بِيَدِهَا، إِذا كرهت رجلا فارقته، فَولدت لهاشم عبد الْمطلب فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، هَلُمَّ إِلَى اخوالك إِلَى العَدد والعُدد والمنعة، فَقَالَ: خلوا سَبِيلهَا فَإِنَّهَا مأمورة، فَخلوا سَبِيلهَا فَانْطَلَقت حَتَّى إِذا أَتَت دَار بني

стр. 244

مَالك بن النجار بَركت على بَاب الْمَسْجِد، وَهُوَ يومئذٍ مربد، فَلَمَّا بَركت وَرَسُول الله ﵇، عَلَيْهَا لم ينزل، وَثَبت فسارت غير بعيد، وَرَسُول الله، ﵇، وَاضع لَهَا زمامها لَا يثنيها بِهِ، ثمَّ التفتت خلفهَا فَرَجَعت إِلَى منزلهَا أول مرّة، فبركت ثمَّ تحلحلت ورزمت وَوضعت جِرَانهَا، فَنزل عَنْهَا رَسُول الله ﷺ ، وَاحْتمل أَبُو أَيُّوب خَالِد بن زيد، ﵁، رَحْله فَوَضعه فِي بَيته، فَنزل رَسُول الله ﷺ فَلم يزل عِنْده حَتَّى بنى مَسْجده ومساكنه، ثمَّ انْتقل إِلَى مساكنه من بَيت أبي ايوب، وَيُقَال: إِن النَّبِي ﷺ أَقَامَ عِنْد أبي أَيُّوب سَبْعَة أشهر، وَبعث وَهُوَ فِي بَيت أبي أَيُّوب زيدا وَأَبا رَافع، من موَالِيه، فَقدما بفاطمة وَأم كُلْثُوم ابْنَتَيْهِ، وَسَوْدَة زَوجته، ﵅، قلت: فعلى هَذَا إِنَّمَا نزل النَّبِي ﷺ على كُلْثُوم بن الْهدم وَهُوَ أوسي من بني عَمْرو بن عَوْف، وَفِي الثَّانِي: على أبي أَيُّوب خَالِد بن زيد، وليسا، وَلَا وَاحِد مِنْهُمَا، من أَخْوَاله وَلَا أجداده، وَإِنَّمَا أَخْوَاله وأجداده فِي بني عدي بن النجار، وَقد مر بهم، وَنزل على بني مَالك أخي عدي، فَيجوز أَن يكون ذكر ذَلِك تجوازاً لعادة الْعَرَب فِي النِّسْبَة إِلَى الْأَخ، أَو لقرب مَا بَين داريهما. وَقَالَ النَّوَوِيّ: (أجداده أَو أَخْوَاله) شكّ من الرَّاوِي، وهم أَخْوَاله وأجداده مجَازًا، لِأَن هاشماً تزوج فِي الْأَنْصَار. قَوْله: ثمَّ تحلحلت يُقَال: تحلحل الشَّيْء عَن مَكَانَهُ أَي: زَالَ، وحلحلت النَّاقة، اذا قلت بهَا: حل، وَهُوَ بالتسكين، وَهُوَ زجر لَهَا، وَهُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة. قَوْله: ورزمت، بِتَقْدِيم الرَّاء على الزَّاي الْمُعْجَمَة، يُقَال: رزمت النَّاقة ترزم وترزم رزوما ورزاما بِالضَّمِّ، قَامَت من الإعياء والهزل، وَلم تتحرك، فَهِيَ رازم. قَوْله: جِرَانهَا، بِكَسْر الْجِيم، وجران الْبَعِير: مقدم عُنُقه من مذبحه إِلَى منخره، وَالْجمع: جُرُن، بِضَمَّتَيْنِ. قَوْله: (سِتَّة عشر شهرا، أَو سَبْعَة عشر شهرا) كَذَا وَقع الشَّك فِي رِوَايَة زُهَيْر هَهُنَا، وَفِي الصَّلَاة أَيْضا عَن أبي نعيم عَنهُ، وَكَذَا فِي التِّرْمِذِيّ عَنهُ، وَفِي رِوَايَة اسرائيل عِنْد التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَرَوَاهُ أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه عَن عمار بن رَجَاء وَغَيره عَن أبي نعيم فَقَالَ: سِتَّة عشر، من غير شكّ. وَكَذَا لمُسلم من رِوَايَة أبي الاحوص، وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة وَشريك، ولابي عوَانَة أَيْضا من رِوَايَة عمار بن رُزَيْق، بِتَقْدِيم الرَّاء المضمومة، كلهم عَن أبي اسحاق، وَكَذَا لِأَحْمَد بِسَنَد صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس، ﵄، وللبزار وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عَمْرو بن عَوْف: سَبْعَة عشر، وَكَذَا للطبراني عَن ابْن عَبَّاس، ﵄، وللبزار وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عَمْرو بن عَوْف: سَبْعَة عشر، وَكَذَا للطبراني عَن ابْن عَبَّاس، ﵄، وَنَصّ النَّوَوِيّ على صِحَة: سِتَّة عشر، لإِخْرَاج مُسلم إِيَّاهَا بِالْجَزْمِ، فَيتَعَيَّن اعتمادها. وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّه الصَّحِيح قبل بدر بشهرين، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَالْحَرْبِيّ، لَان بَدْرًا كَانَت فِي رَمَضَان فِي السّنة الثَّانِيَة، وَنَصّ القَاضِي على صِحَة: سَبْعَة عشر، وَهُوَ قَول ابْن اسحاق وَابْن الْمسيب وَمَالك بن أنس. فان قلت: كَيفَ الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ؟ قلت: وَجه الْجمع أَن من جزم بِسِتَّة عشر أَخذ من شهر الْقدوم وَشهر التَّحْوِيل شهرا، والغى الْأَيَّام الزَّائِدَة فِيهِ، وَمن جزم بسبعة عشر عدهما مَعًا، وَمن شكّ تردد فِي ذَلِك، وَذَلِكَ أَن الْقدوم كَانَ فِي شهر ربيع الأول بِلَا خلاف، وَكَانَ التَّحْوِيل فِي نصف رَجَب فِي السّنة الثَّانِيَة على الصَّحِيح، وَبِه جزم الْجُمْهُور. وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِسَنَد صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس، وَجَاءَت فِيهِ رِوَايَات أُخْرَى، فَفِي (سنَن أبي دَاوُد) : ثَمَانِيَة عشر شهرا، وَكَذَا فِي (سنَن ابْن مَاجَه) من طَرِيق أبي بكر بن عَيَّاش عَن أبي اسحاق، وابو بكر سيء الْحِفْظ، وَعند ابْن جرير من طَرِيقه فِي رِوَايَة: سَبْعَة عشر، وَفِي رِوَايَة: سِتَّة عشر، وخرجه بَعضهم على قَول مُحَمَّد بن حبيب: إِن التَّحْوِيل كَانَ فِي نصف شعْبَان، وَهُوَ الَّذِي ذكره النووى فِي (الرَّوْضَة) وَأقرهُ مَعَ كَونه رجح فِي شَرحه رِوَايَة: سِتَّة عشر شهرا، لكَونهَا مَجْزُومًا بهَا عِنْد مُسلم، وَلَا يَسْتَقِيم أَن يكون ذَلِك فِي شعْبَان، وَقد جزم مُوسَى بن عقبَة بِأَن التَّحْوِيل كَانَ فِي جُمَادَى الْآخِرَة، وَحكى الْمُحب الطَّبَرِيّ: ثَلَاثَة عشر شهرا، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: سنتَيْن، وَأغْرب مِنْهُمَا: تِسْعَة أشهر، وَعشرَة أشهر، وهما شَاذان. وَقَالَ ابو حَاتِم بن حبَان: صلى الْمُسلمُونَ إِلَى بَيت الْمُقَدّس سَبْعَة عشر شهرا وَثَلَاثَة أَيَّام سَوَاء، لِأَن قدومه، ﵇، من مَكَّة كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول، وحولت يَوْم الثُّلَاثَاء نصف شعْبَان، وَفِي تَفْسِير ابْن الْخَطِيب عَن أنس: أَنَّهَا حولت بعد الْهِجْرَة بِتِسْعَة أشهر وَهُوَ غَرِيب، وعَلى هَذَا القَوْل يكون التَّحْوِيل فِي ذِي الْقعدَة إِن عد شهر الْهِجْرَة، وَهُوَ ربيع الأول، أَو ذِي الْحجَّة إِن لم يعد، وَهُوَ أغرب. وَفِي ابْن مَاجَه: إِنَّهَا صرفت إِلَى الْكَعْبَة بعد دُخُوله الْمَدِينَة بشهرين، وَقَالَ ابراهيم بن اسحاق: حولت فِي رَجَب، وَقيل: فِي جُمَادَى، فحصلت فِي تعْيين الشَّهْر أَقْوَال، وَالله تَعَالَى اعْلَم. قَوْله: (صَلَاة الْعَصْر) كَذَا هُوَ هَهُنَا: صَلَاة الْعَصْر، وَجَاء أَيْضا من رِوَايَة الْبَراء، أخرجهَا البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة، وَفِيه: فصلى مَعَ النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ

стр. 245

وَسلم، رجل، ثمَّ خرج بعد مَا صلى، فَمر على قوم من الْأَنْصَار فِي صَلَاة الْعَصْر يصلونَ نَحْو بَيت الْمُقَدّس، فَقَالَ لَهُم فانحرفوا، فقيد الأولى بالعصر فِي الحَدِيث الأول، واطلق الثَّانِيَة. وَقيد فِي الحَدِيث الثَّانِي الثَّانِيَة بالعصر، وَأطلق الاولى. وَجَاء فِي البُخَارِيّ فِي كتاب خبر الْوَاحِد تَقْيِيده الصَّلَاتَيْنِ بالعصر، فَقَالَ من رِوَايَة الْبَراء أَيْضا: فَوجه نَحْو الْكَعْبَة، وَصلى مَعَه رجل الْعَصْر، ثمَّ خرج فَمر على قوم من الْأَنْصَار فَقَالَ لَهُم: هُوَ يشْهد أَنه صلى مَعَ النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، الْعَصْر، وَأَنه قد وَجه إِلَى الْكَعْبَة. قَالَ: فانحرفوا وهم رُكُوع فِي صَلَاة الْعَصْر، وَكَذَا جَاءَ فِي الترمذى أَيْضا: إِن الصَّلَاتَيْنِ كَانَتَا الْعَصْر، وَلم يذكر مُسلم وَلَا النَّسَائِيّ فِي حَدِيث الْبَراء هَذَا تعْيين صَلَاة الْعَصْر وَلَا غَيرهمَا، وَجَاء فِي البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَمُسلم أَيْضا، فِي كتاب الصَّلَاة، من حَدِيث مَالك عَن عبد الله بن دِينَار، عَن ابْن عمر قَالَ: بَينا النَّاس بقباء فِي صَلَاة الصُّبْح، إِذا جَاءَهُم آتٍ ... وَفِيه: فَكَانَت وُجُوههم إِلَى الشَّام، فاستداروا إِلَى الْكَعْبَة. وَكَذَلِكَ أَيْضا جَاءَ فِي مُسلم من رِوَايَة ثَابت عَن انس كَرِوَايَة ابْن عمر أَنَّهَا الصُّبْح، فَمر رجل من بني سَلمَة وهم رُكُوع فِي صَلَاة الْفجْر: وَطَرِيق الْجمع بَين رِوَايَة الْعَصْر وَالصُّبْح أَن الَّتِي صلاهَا مَعَ النَّبِي ﷺ الْعَصْر، مر على قوم من الْأَنْصَار فِي تِلْكَ الصَّلَاة وَهِي الْعَصْر، فَهَذَا من رِوَايَة الْبَراء، وَأما رِوَايَة ابْن عمر وَأنس ﵄، أَنَّهَا الصُّبْح فَهِيَ صَلَاة أهل قبَاء ثَانِي يَوْم، وعَلى هَذَا يَقع الْجمع بَين الْأَحَادِيث، فَالَّذِي مر بهم لَيْسُوا أهل قبَاء، بل أهل مَسْجِد بِالْمَدِينَةِ، وَمر عَلَيْهِم فِي صَلَاة الْعَصْر، وَأما أهل قبَاء فَأَتَاهُم فِي صَلَاة الصُّبْح، كَمَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي الرِّوَايَات. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: وَمَال بعض الْمُتَأَخِّرين مِمَّن أدركناهم إِلَى تَرْجِيح رِوَايَة الصُّبْح. قَالَ: لِأَنَّهَا جَاءَت فِي رِوَايَة ابْن عمر وَأنس، وأهملت فِي بعض الرِّوَايَات حَدِيث الْبَراء، وعينت بالعصر فِي بعض الطّرق. قَالَ: فتقدمت رِوَايَة الصُّبْح لِأَنَّهَا من رِوَايَة صحابيين. قلت: الأول هُوَ الصَّوَاب، وَقد قَالَ النَّوَوِيّ: لِأَنَّهُ أمكن حمل الْحَدِيثين على الصِّحَّة فَهُوَ أولى من توهين رِوَايَة الْعُدُول المخرجة فِي الصَّحِيح، وَمِمَّنْ بَينه كَمَا روى أَبُو دَاوُد مُرْسلا عَن بكير بن الْأَشَج أَنه كَانَ بِالْمَدِينَةِ تِسْعَة مَسَاجِد مَعَ مَسْجِد رَسُول الله ﷺ يسمع أَهلهَا آذان بِلَال، ﵁، على عهد رَسُول الله ﷺ ، فيصلون فِي مَسَاجِدهمْ، وأقربها مَسْجِد بني عَمْرو بن مندول من بني النجار، وَمَسْجِد بني سَاعِدَة، وَمَسْجِد بني عبيد، وَمَسْجِد بني سَلمَة، وَمَسْجِد بني زُرَيْق، وَمَسْجِد عَفَّان، وَمَسْجِد سلم، وَمَسْجِد جُهَيْنَة. وَشك فِي تعْيين التَّاسِع. قَوْله: (فَخرج رجل) وَهُوَ: عباد بن نهيك، بِفَتْح النُّون وَكسر الْهَاء، بن أساف الخطمي، صلى الى الْقبْلَتَيْنِ مَعَ النَّبِي: ﵊، رَكْعَتَيْنِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَرَكْعَتَيْنِ إِلَى الْكَعْبَة يَوْم صرفت، قَالَه ابْن عبد الْبر: وَقَالَ ابْن بشكوال: هُوَ عباد بن بشر الأشْهَلِي، ذكره الفاكهي فِي أَخْبَار مَكَّة عَن خويلد بنت أسلم، وَكَانَت من المبايعات، وَفِيه قَول ثَالِث: إِنَّه عباد بن وهب، ﵁. قَوْله: (فَمر على اهل مَسْجِد) هَؤُلَاءِ لَيْسُوا أهل قبَاء، بل اهل مَسْجِد بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ مَسْجِد بني سَلمَة، وَيعرف بِمَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ، وَمر عَلَيْهِم الْمَار فِي صَلَاة الْعَصْر. وَأما أهل قبَاء فَأَتَاهُم الْآتِي فِي صَلَاة الصُّبْح كَمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لفظ الْكتاب يحْتَمل أَن يكون المُرَاد من: مَسْجِد، هُوَ مَسْجِد قبَاء، وَمن لفظ: هم رَاكِعُونَ، أَن يَكُونُوا فِي صَلَاة الصُّبْح، اللَّهُمَّ إلَاّ أَن يُقَال: الْفَاء، التعقيبية لَا تساعده. قلت: بِالِاحْتِمَالِ لَا يثبت الحكم، وَالتَّحْقِيق فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (وهم رَاكِعُونَ) ، يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ حَقِيقَة الرُّكُوع، وَأَن يُرَاد بِهِ الصَّلَاة من بَاب إِطْلَاق الْجُزْء وَإِرَادَة الْكل. بَيَان استنباط الاحكام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ دَلِيل على صِحَة نسخ الْأَحْكَام، وَهُوَ مجمع عَلَيْهِ إلَاّ طَائِفَة لَا يعبأ بهم. قلت: النّسخ جَائِز فِي جَمِيع أَحْكَام الشَّرْع عقلا، وواقع عِنْد الْمُسلمين أجمع شرعا خلافًا للْيَهُود، لعنهم الله، فَعِنْدَ بَعضهم بَاطِل نقلا، وَهُوَ مَا جَاءَ فِي التَّوْرَاة: تمسكوا بالسبت مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض، فَادعوا نَقله تواتراً، وَيدعونَ النَّقْل عَن مُوسَى، ﵇، أَنه قَالَ: لَا نسخ لشريعته. وَعند بَعضهم: بَاطِل عقلا، وَالدَّلِيل على جَوَازه ووقوعه الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول. اما النَّقْل: فَلَا شكّ أَن نِكَاح الْأَخَوَات كَانَ مَشْرُوعا فِي شَرِيعَة آدم، ﵇، وَبِه حصل التناسل، وَهَذَا لَا يُنكره أحد، وَقد ورد فِي التَّوْرَاة أَنه أَمر آدم، ﵇، بتزويج بَنَاته من بنيه، ثمَّ نسخ، وَكَذَا: استرقاق الْحر كَانَ مُبَاحا فِي عهد يُوسُف، ﵇، حَتَّى نقل عَنهُ أَنه اسْترق جَمِيع أهل مصر، عَام الْقَحْط، بِأَن اشْترى

стр. 246

انفسهم بِالطَّعَامِ، ثمَّ نسخ، وَكَذَلِكَ الْعَمَل فِي السبت: كَانَ مُبَاحا قبل شَرِيعَة مُوسَى، ﵇، ثمَّ نسخ بعْدهَا بِشَرِيعَتِهِ، ودعواهم: النَّص فِي التَّوْرَاة، على مَا زَعَمُوا، بَاطِلَة لِأَنَّهُ ثَبت قطعا عندنَا بأخبار الله تَعَالَى أَنهم حرفوا التَّوْرَاة، فَلم يبْق نقلهم حجَّة، وَلِهَذَا قُلْنَا: لم يجز الْإِيمَان بِالتَّوْرَاةِ الَّتِي فِي أَيْديهم، حَتَّى بَالغ بعض الشَّافِعِيَّة وجوزوا الِاسْتِنْجَاء بذلك، بل إِنَّمَا يجب الْإِيمَان بِالتَّوْرَاةِ الَّتِي انزلت على مُوسَى، مَعَ أَن شَرط التَّوَاتُر لم يُوجد فِي نقل التَّوْرَاة إِذا لم يبْق من الْيَهُود عدد التَّوَاتُر فِي زمن بخْتنصر، لِأَن أهل التواريخ اتَّفقُوا على أَنه: لما استولى بخت نصر على بني اسرائيل قتل رِجَالهمْ، وسبى ذَرَارِيهمْ، وأحرق اسفار التَّوْرَاة حَتَّى لم يبْق فيهم من يحفظ التَّوْرَاة. وَزَعَمُوا أَن الله الْهم عُزَيْرًا، ﵇، حَتَّى قَرَأَهُ من صَدره، وَلم يكن أحد قَرَأَهُ حفظا لَا قبله وَلَا بعده، وَلِهَذَا قَالُوا بانه ابْن الله وعبدوه، ثمَّ دفع عُزَيْر عِنْد مَوته إِلَى تلميذ لَهُ ليقرأه على بني اسرائيل، فَأخذُوا عَن ذَلِك الْوَاحِد، وَبِه لَا يثبت التَّوَاتُر. وَزعم بَعضهم أَنه زَاد فِيهَا شَيْئا وَحذف شَيْئا، فَكيف يوثق بِمَا هَذَا سَبيله؟ فَثَبت أَن مَا ادعوا من تأييد شَرِيعَة مُوسَى، ﵇، افتراء عَلَيْهِ، وَيُقَال: إِن مَا نقلوا عَن مُوسَى، ﵇، من قَوْله: تمسكوا بالسبت. الخ مختلق مفترى، وَيُقَال: إِن هَذَا مِمَّا اختلقه ابْن الراوندي عَلَيْهِ مِمَّا يسْتَحق. الثَّانِي: فِيهِ الدَّلِيل على نسخ السّنة بالقران، وَهُوَ جَائِز عِنْد الْجُمْهُور من الأشاعرة والمعتزلة، وَللشَّافِعِيّ فِيهِ قَولَانِ: قَالَ فِي إِحْدَى قوليه: لَا يجوز، كَمَا لَا يجوز عِنْده نسخ الْقُرْآن بِالسنةِ، قولا وَاحِدًا. وَقَالَ عِيَاض: أجَازه الْأَكْثَر عقلا وسمعاً، وَمنعه بَعضهم عقلا، وَأَجَازَهُ بَعضهم عقلا، وَمنعه سمعا. قَالَ الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ: قطع الشَّافِعِي وَأكْثر اصحابنا وَأهل الظَّاهِر وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيه بامتناع نسخ الْكتاب بِالسنةِ المتواترة، وَأَجَازَهُ الْجُمْهُور وَمَالك وَأَبُو حنيفَة، ﵃، وأستدل المجوزون على الْمَسْأَلَة الأولى بِأَن التَّوَجُّه نَحْو بَيت الْمُقَدّس لم يكن ثَابتا بِالْكتاب، وَقد نسخ بقوله تَعَالَى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٤ و ١٥٠) واجيب: من جِهَة الشَّافِعِي: بإنما هِيَ نسخ قُرْآن بقرآن، وَأَن الْأَمر كَانَ أَولا بتخبير الْمُصَلِّي أَن يولي وَجهه حَيْثُ شَاءَ بقوله تَعَالَى: ﴿اينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ (الْبَقَرَة: ١١٥) ، ثمَّ نسخ باستقبال الْقبْلَة، وَأجَاب بَعضهم بِأَن قَوْله تَعَالَى: ﴿اقيموا الصَّلَاة﴾ (الْبَقَرَة: ٤٣، ٨٣، ١١٠) مُجمل، فسر بِأُمُور: مِنْهَا. التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس فَيكون كالمأمور بِهِ لفظا فِي الْكتاب، فَيكون التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس بالقران بِهَذِهِ الطَّرِيقَة، وباحتمال أَن الْمَنْسُوخ كَانَ قُرْآنًا نسخ لَفظه. وَقَالَ بَعضهم: النّسخ كَانَ بِالسنةِ، وَنزل الْقُرْآن على وفقها، ورد الأول، وَالثَّانِي: بِأَنا لَو جَوَّزنَا ذَلِك لافضى إِلَى أَن لَا يعلم نَاسخ من مَنْسُوخ بِعَيْنِه أصلا، فَإِنَّهُمَا يطردان فِي كل نَاسخ ومنسوخ، وَالثَّالِث: مُجَرّد دَعْوَى فَلَا تقبل، قَالُوا: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل اليهم﴾ (النَّحْل: ٤٤) وَصفه بِكَوْنِهِ مَبْنِيا، فَلَو جَازَ نسخ السّنة بِالْقُرْآنِ لم يكن النَّبِي مُبينًا، وَاللَّازِم بَاطِل، فالملزوم مثله. أما الْمُلَازمَة فَلِأَنَّهُ إِذا أثبت حكما ثمَّ نسخه الله تَعَالَى بقوله لم يتَحَقَّق التَّبْيِين مِنْهُ، لِأَن الْمَنْسُوخ مَرْفُوع لَا مُبين، لِأَن النّسخ رفع لَا بَيَان، وَأما بطلَان اللَّازِم فَلقَوْله: ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل اليهم﴾ (النَّحْل: ٤٤) حَيْثُ وَصفه بِكَوْنِهِ مُبينًا. قُلْنَا: لَا نسلم الْمُلَازمَة، لِأَن المُرَاد بالتبيين الْبَيَان، وَلَا نسلم أَن النّسخ لَيْسَ بِبَيَان، فَإِنَّهُ بَيَان لانْتِهَاء أَمر الحكم الأول، وَلَئِن سلمنَا أَن النّسخ لَيْسَ بِبَيَان، وَأَن المُرَاد مِنْهُ بَيَان الْعَام والمجمل والمنسوخ وَغَيرهمَا، لَكِن نسلم أَن الْآيَة تدل على إمتناع كَون الْقُرْآن نَاسِخا للسّنة. وَقَالُوا: لَو جَازَ ذَلِك لزم تنفير النَّاس عَن النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَعَن طَاعَته، لِأَنَّهُ يُوهم أَن الله تَعَالَى لم يرض بِمَا سنه الرَّسُول، ﵇، وَاللَّازِم بَاطِل لِأَنَّهُ مُنَاقض للبعثة، فالملزوم كَذَلِك. قُلْنَا: الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة لِأَنَّهُ إِذا علم أَنه مبلغ، فَلَا تنفير وَلَا تنفر، لِأَن الْكل من عِنْد الله تَعَالَى. الثَّالِث: فِيهِ جَوَاز النّسخ بِخَبَر الْوَاحِد. قَالَ القَاضِي: وَإِلَيْهِ مَال القَاضِي ابو بكر وَغَيره من الْمُحَقِّقين، وَوَجهه أَن الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد مَقْطُوع بِهِ، كَمَا أَن الْعَمَل بالقران وَالسّنة المتواترة مَقْطُوع بِهِ، وَأَن الدَّلِيل الْمُوجب لثُبُوته أَولا غير الدَّلِيل الْمُوجب لنفيه وَثُبُوت غَيره. قلت: إختاره الإِمَام الْغَزالِيّ والباجي من الْمَالِكِيَّة، وَهُوَ قَول أهل الظَّاهِر. الرَّابِع: قَالَ الْمَازرِيّ وَغَيره: اخْتلفُوا فِي النّسخ إِذا ورد مَتى يتَحَقَّق حكمه على الْمُكَلف، ويحتج بِهَذَا الحَدِيث لَاحَدَّ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ أَنه لَا يثبت حكمه حَتَّى يبلغ الْمُكَلف، لِأَنَّهُ ذكر أَنهم تحولوا إِلَى الْقبْلَة وهم فِي الصَّلَاة، وَلم يُعِيدُوا مَا مضى، فَهَذَا يدل على أَن الحكم إِنَّمَا يثبت بعد الْبَلَاغ. وَقَالَ غَيره: فَائِدَة الْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فِي أَن مَا فعل من الْعِبَادَات بعد النّسخ، وَقبل الْبَلَاغ هَل يُعَاد ام لَا؟ وَلَا خلاف أَنه لَا يلْزم حكمه قبل تَبْلِيغ جِبْرِيل، ﵇. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَفِيه دَلِيل على أَن من لم يعلم بِفَرْض الله، وَلم تبلغه الدعْوَة، وَلَا أمكنه استعلام ذَلِك من غَيره، فالفرض غير

стр. 247

لَازم وَالْحجّة غير قَائِمَة عَلَيْهِ. وَقَالَ القَاضِي: قد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَن أسلم فِي دَار الْحَرْب أَو أَطْرَاف بِلَاد الاسلام حَيْثُ لَا يجد من يستعلم الشَّرَائِع، وَلَا علم أَن الله تَعَالَى فرض شَيْئا من الشَّرَائِع، ثمَّ علم بعد ذَلِك، هَل يلْزمه قَضَاء مَا مر عَلَيْهِ من صِيَام وَصَلَاة لم يعملها؟ فَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي آخَرين إِلَى إِلْزَامه، وَأَنه قَادر على الاستعلام والبحث وَالْخُرُوج إِلَى ذَلِك، وَذهب أَبُو حنيفَة أَن ذَلِك يلْزمه إِن أمكنه أَن يستعلم، فَلم يستعلم وفرط، وَإِن كَانَ لَا يحضرهُ من يستعلمه فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. قَالَ: وَكَيف يكون ذَلِك فرض على من لم يفرضه. الْخَامِس: قَالَ الإِمَام الْمَازرِيّ: بنوا على مَسْأَلَة الْفَسْخ مَسْأَلَة الْوَكِيل إِذا تصرف بعد الْعَزْل وَلم يعلم، فعلى القَوْل بِأَن حكم النّسخ لَازم حِين الْوُرُود لَا تمْضِي أَفعاله، وعَلى الثَّانِي: هِيَ مَاضِيَة. قَالَ القَاضِي: وَلم يخْتَلف الْمَذْهَب عندنَا فِيمَن اعْتِقْ، وَلم يعلم بِعِتْقِهِ أَن حكمه حكم الْأَحْرَار فِيمَا بَينه وَبَين النَّاس، وَأما فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى فَجَائِز، وَلم يَخْتَلِفُوا فِي الْمُعتقَة أَنَّهَا لَا تعيد مَا صلت بِغَيْر ستر، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِيمَن هُوَ فِيهَا بِنَاء على هَذِه الْمَسْأَلَة، وَفعل الْأنْصَارِيّ فِي الصَّلَاة كالأمة تعلم بِالْعِتْقِ فِي أثْنَاء صلَاتهَا. قلت: وَمذهب الشَّافِعِي فِيمَن أعتقت وَلم تعلم حَتَّى فرغت من الصَّلَاة، وَكَانَت قادرة على السّتْر، هَل تجب الْإِعَادَة عَلَيْهَا؟ فِيهِ قَولَانِ للشَّافِعِيّ: كمن صلى بِالنَّجَاسَةِ نَاسِيا عِنْده، وَإِن اعتقت فِي أَثْنَائِهَا وَعلمت بِالْعِتْقِ، فَإِن عجزت مَضَت فِي صلَاتهَا، وَإِن كَانَت قادرة على السّتْر وسترت قَرِيبا صَحَّ، وَإِن مَضَت مُدَّة فِي التكشف قطعت واستأنفت على الْأَصَح من الْمَذْهَب. السَّادِس: فِيهِ دَلِيل على قبُول خبر الْوَاحِد مَعَ غَيره من الاحاديث، وَعَادَة الصَّحَابَة ﵃، قبُول ذَلِك، وَهُوَ مجمع عَلَيْهِ من السّلف مَعْلُوم بالتواتر من عَادَة النَّبِي ﷺ فِي تَوْجِيهه ولاته وَرُسُله آحاداً إِلَى الْآفَاق ليعلموا النَّاس دينهم، ويبلغوهم سنة رسولهم. السَّابِع: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي الْقبْلَة ومراعاة السمت ليلهم إِلَى جِهَة الْكَعْبَة لأوّل وهلة فِي الصَّلَاة قبل قطعهم على مَوضِع عينهَا. الثَّامِن: فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة الْوَاحِدَة إِلَى جِهَتَيْنِ، وَهُوَ الصَّحِيح عِنْد أَصْحَاب الشَّافِعِي، فَمن صلى إِلَى جِهَة بِاجْتِهَاد، ثمَّ تغير اجْتِهَاده فِي أَثْنَائِهَا فيستدير إِلَى الْجِهَة الاخرى حَتَّى لَو تغير اجْتِهَاده أَربع مَرَّات فِي صَلَاة وَاحِدَة، فَتَصِح صلَاتهم على الْأَصَح فِي مَذْهَب الشَّافِعِي. التَّاسِع: فِيهِ جَوَاز الِاجْتِهَاد بِحَضْرَة النَّبِي، ﵇، وَفِيه خلاف، لِأَنَّهُ كَانَ يُمكنهُم أَن يقطعوا الصَّلَاة وَأَن يبنوا، فرجحوا الْبناء وَهُوَ مَحل الِاجْتِهَاد. الْعَاشِر: فِيهِ وجوب الصَّلَاة إِلَى الْقبْلَة وَالْإِجْمَاع على أَنَّهَا الْكَعْبَة، شرفها الله تَعَالَى. الْحَادِي عشر: يحْتَج بِهِ على أَن من صلى بِالِاجْتِهَادِ إِلَى غير الْقبْلَة، ثمَّ تبين لَهُ الْخَطَأ لَا يلْزم الْإِعَادَة، لِأَنَّهُ فعل مَا عَلَيْهِ فِي ظَنّه مَعَ مُخَالفَة الحكم وَنَفس الْأَمر، كَمَا أَن أهل قبَاء فعلوا مَا وَجب عَلَيْهِم عِنْد ظنهم بقباء الْأَمر، فَلم يؤمروا بِالْإِعَادَةِ. الثَّانِي عشر: فِيهِ اسْتِحْبَاب إكرام القادم أَقَاربه بالنزول عَلَيْهِم دون غَيرهم. الثَّالِث عشر: أَن محبَّة الْإِنْسَان الِانْتِقَال من طَاعَة إِلَى أكمل مِنْهَا لَيْسَ قادحاً فِي الرضى، بل هُوَ مَحْبُوب. الرَّابِع عشر: فِيهِ تمني تَغْيِير نفس الْأَحْكَام إِذا ظَهرت الْمصلحَة. الْخَامِس عشر: فِيهِ الدّلَالَة على شرف النَّبِي: ﵊، وكرامته على ربه، حَيْثُ يُعْطي لَهُ مَا يُحِبهُ من غير سُؤال. السَّادِس عشر: فِيهِ بَيَان مَا كَانَ من الصَّحَابَة فِي الْحِرْص على دينهم، والشفقة على إخْوَانهمْ. قَالَ زُهَيْرٌ حدّثنا أُبُو إسْحَاق عنِ البَرَاءِ فى حديثهِ هَذَا أَنه ماتَ علَى القِبْلَةِ قَبْلَ أَن تُحَوَّلَ رِجالٌ وَقُتِلُوا فَلمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضيِعَ إيمانَكُمْ﴾ . قَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل ان البُخَارِيّ ذكره على سَبِيل التَّعْلِيق مِنْهُ، وَيحْتَمل أَن يكون دَاخِلا تَحت حَدِيثه السَّابِق، سِيمَا لَو جَوَّزنَا الْعَطف بِتَقْدِير حرف الْعَطف، كَمَا هُوَ مَذْهَب بعض النُّحَاة. وَقَالَ بَعضهم: وَوهم من قَالَ: إِنَّه مُعَلّق، وَقد سَاقه المُصَنّف فِي التَّفْسِير مَعَ جملَة الحَدِيث عَن أبي نعيم عَن زُهَيْر سياقاً وَاحِدًا. قلت: أما الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ جوز أَن يكون هَذَا مُسْندًا بِتَقْدِير حرف الْعَطف، وحرف الْعَطف لَا يجوز حذفه فِي الِاخْتِيَار وَهُوَ الْمَذْهَب الصَّحِيح، وَأما الْقَائِل الْمَذْكُور فَإِنَّهُ جزم بِأَنَّهُ مُسْند هَهُنَا، لِأَن قَوْله: وَوهم من قَالَ: إِنَّه مُعَلّق، يدل على هَذَا، بل هَذَا وهم لِأَن صورته صُورَة التَّعْلِيق بِلَا شكّ، وَلَيْسَ مَا بَينه وَبَين مَا قبله مَا يشركهُ إِيَّاه، وَلَا يلْزم من سوقه فِي التَّفْسِير جملَة وَاحِدَة سياقاً وَاحِدًا أَن يكون هَذَا مَوْصُولا غير مُعَلّق، وَهَذَا ظَاهر لَا يخفى. وَمَا رَوَاهُ زُهَيْر بن مُعَاوِيَة هَذَا فِي حَدِيث الْبَراء، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي

стр. 248

الله عَنْهُمَا، قَالَ: لما وَجه النَّبِي ﷺ إِلَى الْكَعْبَة قَالُوا: يَا رَسُول الله! كَيفَ إِخْوَاننَا الَّذين مَاتُوا وهم يصلونَ إِلَى بَيت الْمُقَدّس؟ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع ايمانكم﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٣) ، وَكَذَا أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) . قَوْله: (إِنَّه) أَي: إِن الشَّأْن. قَوْله: (مَاتَ) فعل وفاعله. قَوْله (رجال) ، وَقَوله: (على الْقبْلَة قبل أَن تحول) معترض بَينهمَا، وَأَرَادَ بالقبلة بَيت الْمُقَدّس، وَهِي الْقبْلَة المنسوخة، و: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: قبل التَّحْوِيل إِلَى الْكَعْبَة، وَالَّذين مَاتُوا على الْقبْلَة المنسوخة قبل تحويلها إِلَى الْكَعْبَة عشرَة أنفس: ثَمَانِيَة مِنْهُم من قُرَيْش: وهم عبد الله بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَالْمطلب بن أَزْهَر الزُّهْرِيّ، والسكران بن عمر والعامري، مَاتُوا بِمَكَّة. وحطاب، بِالْمُهْمَلَةِ، ابْن الْحَارِث الجُمَحِي، وَعَمْرو بن أُميَّة الْأَسدي، وَعبد الله بن الْحَارِث السَّهْمِي، وَعُرْوَة بن عبد الْعُزَّى الْعَدوي، وعدي بن نَضْلَة الْعَدوي، وَاثْنَانِ من الْأَنْصَار، وهما: الْبَراء بن معْرور، بالمهملات، وأسعد بن زُرَارَة مَاتَا بِالْمَدِينَةِ، فَهَؤُلَاءِ الْعشْرَة مُتَّفق عَلَيْهِم. وَمَات أَيْضا قبل التَّحْوِيل: اياس بن معَاذ الأشْهَلِي، لكنه مُخْتَلف فِي إِسْلَامه. قَوْله: (وَقتلُوا) على صِيغَة الْمَجْهُول، عطف على قَوْله: (مَاتَ رجال) . فَإِن قلت: كَيفَ يتَصَوَّر إِطْلَاق الْقَتْل على الْمَيِّت، لِأَن الَّذِي يَمُوت حتف أَنفه لَا يُسمى مقتولا؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون المقتولون نفس الْمِائَتَيْنِ، وَفَائِدَة ذكر الْقَتْل بَيَان كَيْفيَّة مَوْتهمْ إشعاراً بشرفهم، واستبعاداً لضياع طاعتهم، وَأَن الْعقل قرينَة لكَون الْوَاو بِمَعْنى: أَو قلت: كَلَامه يشْعر بقتل رجال قبل تَحْويل الْقبْلَة، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لِأَنَّهُ لم يعرف قطّ فِي الْأَخْبَار أَن الْوَاحِد من الْمُسلمين قتل قبل تَحْويل الْقبْلَة، على أَن هَذِه اللَّفْظَة، اعني قَوْله: (وَقتلُوا) لَا تُوجد غير رِوَايَة زُهَيْر بن مُعَاوِيَة، وَفِي بَاقِي الرِّوَايَات كلهَا ذكر الْمَوْت فَقَط، فَيحْتَمل أَن تكون هَذِه غير مَحْفُوظَة. وَقَالَ بَعضهم: فَإِن كَانَت هَذِه مَحْفُوظَة، فَتحمل على أَن بعض الْمُسلمين مِمَّن لم يشْتَهر قتل فِي تِلْكَ الْمدَّة فِي غير الْجِهَاد، وَلم يضْبط اسْمه لقلَّة الاعتناء بالتاريخ إِذْ ذَاك، ثمَّ وجدت فِي الْمَغَازِي ذكر رجل اخْتلف فِي إِسْلَامه وَهُوَ: سُوَيْد بن الصَّامِت، فقد ذكر ابْن اسحق أَنه لَقِي النبيَّ ﷺ قبل أَن يلقاه الْأَنْصَار فِي الْعقبَة، فَعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام، فَقَالَ: إِن هَذَا القَوْل حسن، وأتى الْمَدِينَة فَقتل بهَا فِي وقْعَة بُعَاث، وَكَانَت قبل الْهِجْرَة، قَالَ: فَكَانَ قومه يَقُولُونَ: لقد قتل وَهُوَ مُسلم، فَيحْتَمل أَن يكون هُوَ المُرَاد. قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه. الأول: أَن هَذَا حكم بِالِاحْتِمَالِ فَلَا يَصح. الثَّانِي: قَوْله: لقلَّة الاعتتاء بالتاريخ إِذْ ذَاك لَيْسَ كَذَلِك، فَكيف اعتنوا بضبط أَسمَاء الْعشْرَة الميتين وَلم يعتنوا بضبط الَّذين قتلوا، بل الاعتناء بالمقتولين أولى، لِأَن لَهُم مزية على غَيرهم. وَالثَّالِث: أَن الَّذِي وجده فِي الْمَغَازِي لَا يصلح دَلِيلا لتصحيح اللَّفْظَة الْمَذْكُورَة من وَجْهَيْن: احدهما: أَن هَذَا الرجل لم يتَّفق على إِسْلَامه، وَالْآخر: أَن هَذَا وَاحِد، وَقَوله: (وَقتلُوا) ، صِيغَة جمع تدل على أَن المقتولين جمَاعَة، وأقلها ثَلَاثَة أنفس. وَالرَّابِع: من وُجُوه النّظر أَن وقْعَة بُعَاث كَانَت بَين الاوس والخزرج فِي الْجَاهِلِيَّة، وَلم يكن فِي ذَلِك الْوَقْت اسلام، فَكيف يسْتَدلّ بقتل الرجل الْمَذْكُور فِي وقْعَة بُعَاث على أَن قَتله كَانَ فى وَقت كَون الْقبْلَة هُوَ بَيت الْمُقَدّس؟ وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيح؟ وَقَالَ الصغاني: بُعَاث، بِالضَّمِّ، على لَيْلَتَيْنِ من الْمَدِينَة، وَيَوْم بُعَاث يَوْم، كَانَ بَين الْأَوْس والخزرج فِي الْجَاهِلِيَّة، وَوَقع فِي كتاب الْعين بالغين الْمُعْجَمَة وَالصَّوَاب بِالْعينِ الْمُهْملَة لَا غير، ذكره فِي فصل الثَّاء الْمُثَلَّثَة من كتاب الْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (فَلم يدر) أَي: فَلم يعلم رَسُول الله ﷺ ان طاعتهم ضائعة ام لَا فَأنْزل الله الْآيَة. ٣١ - (بابُ حُسْنِ إسْلَامِ المَرْء) اي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حسن إِسْلَام الْمَرْء، وَالْبَاب هُنَا مُضَاف قطعا، وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول أَن الصَّلَاة من الْإِيمَان، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ حسن إِسْلَام الْمَرْء، وَلَا يحسن إِسْلَام الْمَرْء إلَاّ بِإِقَامَة الصَّلَاة. وَقَالَ بَعضهم فِي فَوَائِد حَدِيث الْبَاب السَّابِق: وَفِيه بَيَان مَا كَانَ فِي الصَّحَابَة من الْحِرْص على دينهم والشفقة على أخوانهم، وَقد وَقع لَهُم نَظِير هَذِه الْمَسْأَلَة لما نزل تَحْرِيم الْخمر، كَمَا صَحَّ من حَدِيث الْبَراء ايضاً، فَنزلت: ﴿لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ (الْمَائِدَة: ٩٣) وَقَوله تَعَالَى: ﴿انا لَا نضيع أجر من احسن عملا﴾ (الْكَهْف: ٣٠) ولملاحظة هَذَا الْمَعْنى عقَّب المُصَنّف هَذَا الْبَاب بقوله: بَاب حسن إِسْلَام الْمَرْء، فَانْظُر إِلَى هَذَا، هَل ترى لَهُ تنَاسبا لوجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ وَقَالَ بعض الشَّارِحين: ومناسبة التَّبْوِيب زِيَادَة الْحسن على الْإِسْلَام وَاخْتِلَاف أَحْوَاله بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَعْمَال، قلت: هَذَا أَيْضا قريب من الأول.

стр. 249

٤١ - قَالَ مَالِكٌ أخْبَرَنِى زَيْدُ بنُ أَسْلَمَ أنّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِىَّ أخبَرَهُ أَنه سَمِعَ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللَّهُ عنهُ كلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفها وَكَانَ يَعْدَ ذلكَ القِصاصُ الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثالِها إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ والسَّيِئَةُ بِمثْلِها إلَاّ أَن يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لَا تخفى. بَيَان رِجَاله: وهم أَرْبَعَة. الأول: مَالك بن أنس، ﵀. الثَّانِي: زيد بن أسلم، ابو اسامة الْقرشِي الْمَكِّيّ، مولى عمر بن الْخطاب، ﵁. الثَّالِث: عَطاء بن يسَار، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة، أَبُو مُحَمَّد الْمدنِي، مولى مَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ. الرَّابِع: ابو سعيد سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ، وَقد مر ذكرهم. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء مَشْهُورُونَ. وَمِنْهَا: أَنه مسلسل بِلَفْظ الْإِخْبَار على سَبِيل الِانْفِرَاد وَهُوَ الْقِرَاءَة على الشَّيْخ إِذا كَانَ القارىء وَحده، وَهَذَا عِنْد من فرق بَين الْإِخْبَار والتحديث، وَبَين أَن يكون مَعَه غَيره أَولا يكون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التَّصْرِيح بِسَمَاع الصَّحَابِيّ من النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ يدْفع احْتِمَال سَمَاعه من صَحَابِيّ آخر، فَافْهَم. بَيَان حكم الحَدِيث: ذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا، وَلم يوصله فِي مَوضِع فِي الْكتاب، وَالْبُخَارِيّ لم يدْرك زمن مَالك، فَيكون تَعْلِيقا وَلكنه بِلَفْظ جازم، فَهُوَ صَحِيح وَلَا قدح فِيهِ، وَقَالَ ابْن حزم: إِنَّه قَادِح فِي الصِّحَّة لِأَنَّهُ مُنْقَطع، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، لِأَنَّهُ مَوْصُول من جِهَات أخر صَحِيحَة، وَلم يذكرهُ لشهرته، وَكَيف وَقد عرف من شَرطه وعادته أَنه لَا يجْزم إلَاّ بتثبت وَثُبُوت؟ وَلَيْسَ كل مُنْقَطع يقْدَح فِيهِ، فَهَذَا، وَإِن كَانَ يُطلق عَلَيْهِ أَنه مُنْقَطع بِحَسب الِاصْطِلَاح، إلَاّ أَنه فِي حكم الْمُتَّصِل فِي كَونه صَحِيحا، وَقد وَصله أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ فِي بعض النّسخ فَقَالَ: أخبرنَا النضروي، وَهُوَ الْعَبَّاس بن الْفضل، ثَنَا الْحُسَيْن بن إِدْرِيس، ثَنَا هِشَام بن خَالِد، ثَنَا الْوَلِيد بن مُسلم، عَن مَالك بِهِ. وَكَذَا وَصله النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن الْمُعَلَّى بن يزِيد، عَن صَفْوَان بن صَالح، عَن الْوَلِيد بن مُسلم، عَن مَالك بن زيد بن أسلم بِهِ. وَقد وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ بِزِيَادَة فِيهِ، فَقَالَ: أَخْبرنِي الْحسن بن سُفْيَان، ثَنَا حميد بن قُتَيْبَة الْأَسدي، قَالَ: قَرَأت على عبد الله بن نَافِع الصَّانِع أَن مَالِكًا اخبره قَالَ: واخبرني عبد الله بن مُحَمَّد بن مُسلم أَن أَبَا يُونُس بن عبد الْأَعْلَى حَدثنِي يحيى بن عبد الله بن بكير، ثَنَا عبد الله بن وهب أَبَا مَالك ابْن انس، وَاللَّفْظ لِابْنِ نَافِع، عَن زيد بن أسلم، عَن عَطاء بن يسَار، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، ان رَسُول الله ﷺ قَالَ: (أذا اسْلَمْ العَبْد كتب الله لَهُ كل حَسَنَة قدمهَا، ومحى عَنهُ كل سَيِّئَة زلفها، ثمَّ قيل لَهُ: أيتنف الْعَمَل الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة، والسيئة بِمِثْلِهَا، إلَاّ أَن يغْفر الله) . وَكَذَا أوصله الْحسن بن سُفْيَان من طَرِيق عبد الله بن نَافِع، وَالْبَزَّار من طَرِيق إِسْحَاق الْفَروِي، وَالْبَيْهَقِيّ فِي (الشّعب) من طَرِيق اسماعيل بن أبي أويس، كلهم عَن مَالك. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب (غرائب مَالك) : اتّفق هَؤُلَاءِ التِّسْعَة: ابْن وهب، والوليد بن مُسلم، وَطَلْحَة بن يحيى، وَزيد بن شُعَيْب، واسحاق الْفَروِي، وَسَعِيد الزبيرِي، وَعبد الله بن نَافِع، وابراهيم بن الْمُخْتَار، وَعبد الْعَزِيز بن يحيى فَرَوَوْه عَن مَالك عَن زيد عَن عَطاء عَن أبي سعيد، وَخَالفهُم معن بن عِيسَى فَرَوَاهُ عَن مَالك عَن زيد عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة، وَهِي رِوَايَة شَاذَّة وَرَوَاهُ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن زيد بن اسْلَمْ عَن عَطاء مُرْسلا، وَقد حفظ مَالك الْوَصْل فِيهِ، وَهُوَ اتقن لحَدِيث أهل الْمَدِينَة من غَيره، وَقَالَ الْخَطِيب: هُوَ حَدِيث ثَابت، وَذكر الْبَزَّار أَن مَالِكًا تفرد بوصله، وَقَالَ ابْن بطال: حَدِيث أبي سعيد أسقط البُخَارِيّ بعضه، وَهُوَ حَدِيث مَشْهُور من رِوَايَة مَالك فِي غير الْمُوَطَّأ، وَنَصه: (إِذا أسلم الْكَافِر فَحسن إِسْلَامه كتب الله لَهُ لكل حَسَنَة كَانَ زلفها، ومحى عَنهُ كل سَيِّئَة كَانَ زلفها) . وَذكر بَاقِيه بِمَعْنَاهُ. بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (فَحسن إِسْلَامه) معنى: حسن الْإِسْلَام الدُّخُول فِيهِ بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِن جَمِيعًا، يُقَال فِي عرف الشَّرْع: حسن إِسْلَام فلَان، إِذا دخل فِيهِ حَقِيقَة، وَقَالَ ابْن بطال: مَعْنَاهُ مَا جَاءَ فِي حَدِيث جِبْرِيل، ﵇: (الْإِحْسَان ان تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ) ، فاراد مُبَالغَة الْإِخْلَاص لله، ، بِالطَّاعَةِ والمراقبة لَهُ. قَوْله: (يكفر الله) من التَّكْفِير وَهُوَ التغطية فِي الْمعاصِي، كالإحباط فِي الطَّاعَات، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: التَّكْفِير إمَاطَة الْعقَاب من الْمُسْتَحق بِثَوَاب

стр. 250

أَزِيد اَوْ بتوبة. قَوْله: (كَانَ زلفها) أَي: قربهَا. وَقَالَ ابْن سَيّده: زلف الشَّيْء وزلفه قدمه. وَعَن ابْن الْأَعرَابِي: ازلف الشَّيْء قربه، وَفِي (الْجَامِع) : الزلفة تكون الْقرْبَة من الْخَيْر وَالشَّر، وَفِي (الصِّحَاح) : الزلف التَّقْدِيم، عَن أبي عبيد، وتزلفوا وازدلفوا أَي: تقدمُوا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: زلفها، بتَشْديد اللَّام وَالْفَاء، أَي: أسلفها وقدمها. يُقَال: زلفته تزليفاً وأزلفته إزلافاً، بِمَعْنى التَّقْدِيم. وأصل الزلفة: الْقرْبَة، وَفِي بعض نسخ المغاربة: زلفها، بتَخْفِيف اللَّام. قلت: أزلفها بِزِيَادَة الْألف رِوَايَة أبي ذَر، وَرِوَايَة غَيره: زلفها بِدُونِ الالف وبالتخفيف. وَقَالَ النَّوَوِيّ بِالتَّشْدِيدِ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق طَلْحَة بن يحيى عَن مَالك بِلَفْظ: (مَا من عبد يسلم فَيحسن إِسْلَامه إلَاّ كتب الله كل حَسَنَة زلفها ومحى عَنهُ كل خَطِيئَة زلفها) . بِالتَّخْفِيفِ فيهمَا، وللنسائي نَحوه، لَكِن قَالَ: ازلفها، وزلف بِالتَّشْدِيدِ وأزلف بِمَعْنى وَاحِد، قَالَ الْخطابِيّ. وَفِي (الْمُحكم) : أزلف الشَّيْء: قربه، وزلفه، مخففاً ومثقلا: قدمه، وَفِي (الْمَشَارِق) : زلف بِالتَّخْفِيفِ أَي: جمع وَكسب، وَهَذَا يَشْمَل الْأَمريْنِ، وَأما الْقرْبَة فَلَا تكون إلَاّ فِي الْخَيْر، فَإِن قيل: على هَذَا رِوَايَة غير أبي ذَر راجحة. قلت: الَّذِي قَالَه الْخطابِيّ يساعد رِوَايَة أبي ذَر. فَافْهَم. قَوْله: (كتب الله) أَي: أَمر أَن يكْتب، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق زين بن شُعَيْب عَن مَالك بِلَفْظ: (يَقُول الله لملائكته اكتبوا) . قَوْله: (الْقصاص) ، قَالَ الصغاني: هُوَ الْقود. قلت: المُرَاد بِهِ هَهُنَا مُقَابلَة الشَّيْء بالشَّيْء أَي: كل شَيْء يعمله يعْطى فِي مُقَابِله شَيْء، ان خيرا فخيراً، وَإِن شرا فشراً. قَوْله: (ضعف) قَالَ الْجَوْهَرِي: ضعف الشَّيْء مثله، وضعفاه مثلاه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: فَلم أوجب الْفَقِيه فِيمَا لَو اوصى بِضعْف نصيب ابْنه مثلي نصِيبه، وبضعفي نصِيبه ثَلَاثَة أَمْثَاله؟ قلت: الْمُعْتَبر فِي الْوَصَايَا والأقارير الْعرف الْعَام لَا الْمَوْضُوع اللّغَوِيّ، أَقُول: الَّذِي قَالَه الجوهرى مَنْقُول عَن أبي عُبَيْدَة، وَلَكِن قَالَ الْأَزْهَرِي: الضعْف فِي كَلَام الْعَرَب الْمثل إِلَى مَا زَاد، وَلَيْسَ بمقصور على المثلين، بل جَائِز فِي كَلَام الْعَرَب أَن تَقول: هَذَا ضعفه أَي: مثلاه وَثَلَاثَة أَمْثَاله، لِأَن الضعْف فِي الأَصْل زِيَادَة غير محصورة. ألَا ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فاؤلئك لَهُم جَزَاء الضعْف بِمَا عمِلُوا﴾ (سبإ: ٥٩) لم يرد مثلا وَلَا مثلين، وَلَكِن أَرَادَ بالضعف الْأَضْعَاف، فَأَقل الضعْف مَحْصُور، وَهُوَ: الْمثل، وَأَكْثَره غير مَحْصُور. فَإِذا كَانَ كَذَلِك يجوز أَن يكون إِيجَاب الْفَقِيه فِي الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة غير مَوْضُوع على الْعرف الْعَام، بل لوحظ فِيهِ اللُّغَة. بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (يَقُول) ، فِي مَحل النصب على أَنه مفعول ثَان لقَوْله: (سمع) : على قَول من يَدعِي أَنه يتَعَدَّى إِلَى مفعولين، وَالصَّحِيح أَنه لَا يتَعَدَّى، فَحِينَئِذٍ يكون نصبا على الْحَال، فان قيل: لِمَ لَمْ يقل: قَالَ مناسباً لسمع، مَعَ أَن الْقَضِيَّة مَاضِيَة؟ قلت: أُجِيب لغَرَض الاستحضار كَأَنَّهُ يَقُول الْآن، وَكَأَنَّهُ يُرِيد أَن يطلع الْحَاضِرين على ذَلِك القَوْل مُبَالغَة فِي تحقق وُقُوع القَوْل، وَذَلِكَ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ان مثل عِيسَى عِنْد الله كَمثل آدم خلقه من تُرَاب ثمَّ قَالَ لَهُ كن فَيكون﴾ (آل عمرَان: ٥٩) من حَيْثُ لم يقل: فَكَانَ. قَوْله: (فَحسن) : عطف على: (أسلم) . قَوْله: (يكفر الله) ، جَزَاء الشَّرْط، أَعنِي قَوْله: اذا، وَيجوز فِيهِ الرّفْع والجزم، كَمَا فِي قَول الشَّاعِر: (وَإِن أَتَاهُ خَلِيل يَوْم مسغبة ... يَقُول: لَا غَائِب مَا لي وَلَا حرم) وَذَلِكَ إِذا كَانَ فعل الشَّرْط مَاضِيا وَالْجَوَاب مضارعاً، وَعند الْجَزْم يلتقي الساكنان فَتحَرك الرَّاء بِالْكَسْرِ لِأَن الأَصْل فِي السَّاكِن إِذا حرك حرك بِالْكَسْرِ، وَلَكِن الرِّوَايَة هَهُنَا بِالرَّفْع، وَوَقع فِي رِوَايَة الْبَزَّار: كفر الله، بِصِيغَة الْمَاضِي، فَوَافَقَ فعل الشَّرْط. وَقَالَ بَعضهم: يكفر الله، بِضَم الرَّاء، لِأَن إِذا، وَإِن كَانَت من أدوات الشَّرْط لَكِنَّهَا لَا تجزم. قلت: هَذَا كَلَام من لم يشم من الْعَرَبيَّة شَيْئا. وَقد قَالَ الشَّاعِر: (استغن مَا أَغْنَاك رَبك بالغنى ... وَإِذا تصبك خصَاصَة فَتحمل) قد جزم إِذا. قَوْله: (تصبك) ، وَقد قَالَ الْفراء: تسْتَعْمل إِذا للشّرط، ثمَّ أنْشد الشّعْر الْمَذْكُور، ثمَّ قَالَ: وَلِهَذَا جزمه قَوْله: (كل سَيِّئَة) كَلَام إضافي مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول: (يكفر الله) . قَوْله: (كَانَ زلفها) ، جمله فعلية فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة سَيِّئَة. قَوْله: (وَكَانَ بعد ذَلِك) أَي: بعد حسن الْإِسْلَام الْقصاص، وَهُوَ مَرْفُوع لِأَنَّهُ إسم كَانَ، وَهُوَ يحْتَمل أَن تكون نَاقِصَة وَأَن تكون تَامَّة، وَإِنَّمَا ذكره بِلَفْظ الْمَاضِي، وَإِن كَانَ السِّيَاق يَقْتَضِي لفظ الْمُضَارع، لتحَقّق وُقُوعه كَأَنَّهُ وَاقع، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ونادى
следующие страницы →