Полный текст (7 603 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
ابْن إِيَاس الْجريرِي، بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء الأولى، مر فِي: بَاب كم بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة. الرَّابِع: أَبُو الْعَلَاء يزِيد من الزِّيَادَة ابْن عبد الله بن الشخير الْمعَافِرِي. الْخَامِس: الْأَحْنَف، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح النُّون وَفِي آخِره فَاء مر فِي: بَاب ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (الحجرات: ٩) . السَّادِس: إِسْحَاق بن مَنْصُور بن بهْرَام الكوسج أَبُو يَعْقُوب. السَّابِع: عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث الثَّامِن أَبوهُ عبد الْوَارِث بن سعيد بن ذكْوَان الْعَنْبَري التَّمِيمِي.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي خَمْسَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: الْإِسْنَاد الأول الْجريرِي عَن أبي الْعَلَاء، وَفِي الْإِسْنَاد الثَّانِي الْجريرِي حَدثنَا أَبُو الْعَلَاء، وَكَذَلِكَ فِي الْإِسْنَاد الأول أَو الْعَلَاء عَن الْأَحْنَف، وَفِي الثَّانِي صرح أَبُو الْعَلَاء بِالتَّحْدِيثِ عَن الْأَحْنَف. فَإِن قلت: روى أَحْمد فِي (مُسْند) من حَدِيث أبي الْعَلَاء عَن أَخِيه مطرف عَن أبي ذَر طرفا من آخر هَذَا الحَدِيث قلت: لَيْسَ ذَاك بعلة لحَدِيث الْأَحْنَف، لِأَن حَدِيثه أتم سياقا وَأكْثر فَوَائِد، وَلَا مَانع أَن يكون لأبي الْعَلَاء شَيْخَانِ فِي هَذَا الحَدِيث. وَفِيه: أَن لفظ الْأَحْنَف لقب واسْمه فِيمَا ذكره المرزباني: صَخْر، قَالَ: وَهُوَ الثبت، وَيُقَال: الضَّحَّاك، وَيُقَال: الْحَارِث ابْن قيس، وَيُقَال: قيس. وَقَالَ الْحَافِظ فِي (كتاب العرجان) : كَانَ أحنف من رجلَيْهِ جَمِيعًا وَلم يكن لَهُ إلَاّ بَيْضَة وَاحِدَة وَضرب على رَأسه بخراسان فماهت إِحْدَى عَيْنَيْهِ. قَالَ: وَقَالَ أَبُو الْحسن: ولد مرتثقا ختار الأست حَتَّى شقّ وعولج. وَفِي (لطائف المعارف) لأبي يُوسُف: كَانَ أصلع متراكب الْأَسْنَان مائل الذقن. وَفِي (تَارِيخ الميتجاني) : كَانَ دميما قَصِيرا كوسجا. وَقَالَ الْهَيْثَم بن عدي فِي (كتاب العوران) : ذهبت عينه بسمرقند. وَفِي (الثِّقَات) لِابْنِ حبَان: ذهبت أحد عَيْنَيْهِ يَوْم الْحرَّة. وَفِيه: أَن الروَاة كلهم بصريون. وَفِيه: أَن ثَلَاثَة من الروَاة مذكورون بِلَا نِسْبَة، وَالْآخر مَذْكُور بِالنِّسْبَةِ. وَالْآخر بالكنية وَالْآخر باللقب. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة أَيْضا عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن شَيبَان بن فروخ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (جَلَست إِلَى مَلأ) أَي: انْتهى جلوسي إِلَى مَلأ، أَي: جمَاعَة، وَكلمَة: من، فِي: (من قُرَيْش) للْبَيَان مَعَ التَّبْعِيض. قَوْله: (خشن الشّعْر) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الشين الْمُعْجَمَة من الخشونة، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ: حسن الشّعْر، بالمهملتين من الْحسن، وَالْأول أصح لِأَنَّهُ هُوَ اللَّائِق بزِي أبي ذَر وطريقته، وَعند مُسلم: أخشن الثِّيَاب أخشن الْجَسَد أخشن الْوَجْه، بخاء مُعْجمَة وشين. وَعند ابْن الْحذاء فِي الآخر خَاصَّة: حسن الْوَجْه من الْحسن ضد الْقبْح وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب بن سُفْيَان من طَرِيق حميد بن هِلَال عَن الْأَحْنَف: قدمت الْمَدِينَة فَدخلت مَسْجِدهَا إِذْ دخل رجل آدم طوال أَبيض الرَّأْس واللحية يشبه بعضه بَعْضًا، فَقَالُوا: هَذَا أَبُو ذَر. قَوْله: (حَتَّى قَامَ) أَي: حَتَّى وقف. قَوْله: (بشّر الكانزين) ، بالنُّون وَالزَّاي، من: كنز يكنز، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: بشر الكنازين، بتَشْديد النُّون: جمع كناز مُبَالغَة كانز. وَقَالَ ابْن قرقول: وَعند الطَّبَرِيّ والهروي: الكاثرين، بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالرَّاء من الْكَثْرَة، وَالْمَعْرُوف هُوَ الأول. وَقَوله: بشر، من بَاب التهكم، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم﴾ (آل عمرَان: ١٢، التَّوْبَة: ٤٣، والانشقاق: ٤٢) . وَقَالَ عِيَاض: الصَّحِيح أَن إِنْكَار أبي ذَر كَانَ على السلاطين الَّذين يَأْخُذُونَ المَال من بَيته لأَنْفُسِهِمْ وَلَا ينفقونه فِي وَجهه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا الَّذِي قَالَه عِيَاض بَاطِل، لِأَن السلاطين فِي زَمَنه لم تكن هَذِه صفتهمْ، وَلم يخونوا فِي بَيت المَال إِنَّمَا كَانَ فِي زَمَنه أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَتُوفِّي فِي زمن عُثْمَان سنة ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ. قَوْله: (برضف) ، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره فَاء: وَهِي الْحِجَارَة المحماة. وَاحِدهَا رضفة. قَوْله: (فِي نَار جَهَنَّم) فِي جَهَنَّم مذهبان لأهل الْعَرَبيَّة: أَحدهمَا: أَنه اسْم أعجمي فَلَا ينْصَرف للعجمية والعلمية، قَالَ الواحدي: قَالَ يُونُس وَأكْثر النَّحْوِيين: هِيَ عجمية لَا تَنْصَرِف للتعريف والعجمة. وَالْآخر: أَنه اسْم عَرَبِيّ سميت بِهِ لبغد قعرها جدا، وَلم ينْصَرف للعلمية والتأنيث، قَالَ قطرب: عَن رؤبة، يُقَال: بِئْر جهنام أَي: بعيدَة القعر. وَقَالَ الواحدي: قَالَ بعض أهل اللُّغَة: هِيَ مُشْتَقَّة من الجهومة، وَهِي الغلظ. يُقَال: جهم الْوَجْه أَي غليظه، فسميت جَهَنَّم لغلظ أمرهَا فِي الْعَذَاب. قَوْله: (على حلمة ثدي أحدهم) ، الحلمة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَاللَّام: هُوَ مَا نشز من الثدي وَطَالَ، وَيُقَال لَهَا: قراد الصَّدْر، وَفِي (الْمُحكم) : حلمتا الثديين: طرفاهما. وَعَن الْأَصْمَعِي: هُوَ رَأس الثدي من الْمَرْأَة وَالرجل. وَفِي هَذَا الحَدِيث جَوَاز اسْتِعْمَال الثدي
стр. 2452
للرِّجَال وَهُوَ الصَّحِيح، وَقَالَ العسكري فِي (الفصيح) ؛ لَا يُقَال ثدي إلَاّ فِي الْمَرْأَة، وَيُقَال فِي الرجل تندوة، والثدي يذكر وَيُؤَنث قَوْله: (من نغض كتفه) ، بِضَم النُّون وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره ضاد مُعْجمَة: وَهُوَ الْعظم الرَّقِيق الَّذِي على طرف الْكَتف، وَقيل: هُوَ أَعلَى الْكَتف، وَيُقَال لَهُ أَيْضا: الناغض. وَفِي (الْمُخَصّص) : النغض تحرّك الغضروف، نغضت كتفه نغوضا ونغاضا ونغضانا. وَيُقَال: طعنه فِي نغض كتفه، ومرجع كتفه وَهُوَ حَيْثُ يَتَحَرَّك الغضروف مِمَّا يَلِي إبطه فِي كتفه. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: قرع الْكَتف مَا تحرّك مِنْهَا وَعلا، وَالْجمع فروع، ونغضها حَيْثُ يَجِيء فرعها، وَيذْهب. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ أَعلَى مُنْقَطع الغضروف من الْكَتف. وَقيل: النغضان اللَّتَان ينغضان من أَسْفَل الْكَتف فيتحركان إِذا مَشى. وَقَالَ شمر: هُوَ من الْإِنْسَان أصل الْعُنُق حَيْثُ ينغض رَأسه، ونغض الْكَتف هُوَ الْعظم الرَّقِيق على طرفها. وَقَالَ الْخطابِيّ: نغض الْكَتف الشاخص من الْكَتف، سمي بِهِ لِأَنَّهُ يَتَحَرَّك من الْإِنْسَان فِي مَشْيه. قَوْله: (يتزلزل) أَي: يَتَحَرَّك ويضطرب الرضف من نغض كتفه حَتَّى يخرج من حلمة ثديه، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: فيتجلجل بجيمين، وَهُوَ بِمَعْنى الأول، وَفِي بعض النّسخ حَتَّى يخرج من حلمة ثدييه، بالتثنية فِي الثَّانِي والإفراد فِي الأول. قَوْله: (ثمَّ ولى) أَي: أدبر قَوْله (سَارِيَة) وَهِي الاسطوانة وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فَوضع الْقَوْم رُؤْسهمْ فَمَا رَأَيْت أحدا مِنْهُم رَجَعَ إِلَيْهِ شَيْئا قَالَ فادبر فاتبعته حَتَّى جلس إِلَى سَارِيَة) . قَوْله: (وَأَنا لَا أَدْرِي من هُوَ) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم زِيَادَة من طَرِيق خُلَيْد العصري عَن الْأَحْنَف، وَهِي: (فَقلت: من هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا أَبُو ذَر، فَقُمْت إِلَيْهِ فَقلت: مَا شَيْء سَمِعتك تَقوله؟ قَالَ: مَا قلت إلَاّ شَيْئا سمعته من نَبِيّهم، ﷺ . وَفِي هَذِه الزِّيَادَة رد لقَوْل من يَقُول: إِنَّه مَوْقُوف على أبي ذَر، فَلَا يكون حجَّة على غَيره. وَفِي (مُسْند أَحْمد) من طَرِيق يزِيد الْبَاهِلِيّ: (عَن الْأَحْنَف: كنت بِالْمَدِينَةِ فَإِذا أَنا بِرَجُل يفر مِنْهُ النَّاس حِين يرونه، قلت: من أَنْت؟ قَالَ: أَبُو ذَر. قلت: مَا نفر النَّاس مِنْك؟ قَالَ: إِنِّي أنهاهم عَن الْكُنُوز الَّتِي كَانَ ينهاهم عَنْهَا رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: قلت: بِفَتْح التَّاء، خطاب لأبي ذَر. قَوْله: (قَالَ) أَي: أَبُو ذَر: (إِنَّهُم لَا يعْقلُونَ شَيْئا) ، فسر ذَلِك فِي الْأَخير بقوله: (إِنَّمَا يجمعُونَ الدُّنْيَا) ، فَالَّذِينَ يجمعُونَ الدُّنْيَا لَا يفهمون كَلَام من ينهاهم عَن الْكُنُوز. قَوْله: (قَالَ لي خليلي) أَرَادَ بِهِ النَّبِي ﷺ حَيْثُ بَينه بقوله، قَالَ النَّبِي ﷺ أَي: قَالَ أَبُو ذَر: خليلي هُوَ النَّبِي ﷺ ، وفاعل: قَالَ، هُوَ أَبُو ذَر. وَقَوله: (النَّبِي) ، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ النَّبِي ﷺ . قَوْله: (يَا أَبَا ذَر) ، تَقْدِيره: قَالَ النَّبِي ﷺ : يَا أَبَا ذَر، وَعَن هَذَا قَالَ ابْن بطال: سقط كلمة من الْكتاب، وَهِي: فَقَالَ النَّبِي ﷺ يَا أَبَا ذَر أتبصر أُحدا؟ هُوَ الْجَبَل الْمَعْرُوف. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لفظ يَا أَبَا ذَر يتَعَلَّق بقوله: (قَالَ لي خليلي) . قلت: فعلى قَوْله لَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير. قَوْله: (مَا بَقِي من النَّهَار) ، أَي: أَي شَيْء بَقِي من النَّهَار. قَوْله: (وَأَنا أرى) ، أَي: أَظن. قَوْله: (قلت: نعم) ، جَوَاب لقَوْله: (أتبصر أُحُدا) قَوْله: (مثل أحد) إِمَّا خبر لِأَن، وَإِمَّا حَال مقدم على الْخَبَر. وانتصاب (ذَهَبا) على التَّمْيِيز. قَوْله: (انفقه كُله) أَي: كل مثل أحد ذَهَبا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْإِنْفَاق فِي سَبِيل الله يستحسن، فَلم مَا أحبه رَسُول الله ﷺ ؟ قلت: المُرَاد أنفقهُ لخاصة نَفسه، أَو المُرَاد أنفقهُ فِي سَبِيل الله وَعدم الْمحبَّة، إِنَّمَا هُوَ للاستثناء الَّذِي فِيهِ. أَي: مَا أحب إلَاّ إِنْفَاق الْكل. قَوْله: (إلَاّ ثَلَاثَة دَنَانِير) ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الدَّنَانِير الثَّلَاثَة المؤخرة: وَاحِد لأَهله وَآخر لعتق رَقَبَة وَآخر لدين. . وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن هَذَا الْمِقْدَار كَانَ دينا أَو مِقْدَار كِفَايَة إخراجات تِلْكَ اللَّيْلَة لرَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (وَإِن هَؤُلَاءِ لَا يعْقلُونَ) ، عطف على: إِنَّهُم لَا يعْقلُونَ شَيْئا، وَلَيْسَ من تَتِمَّة كَلَام رَسُول الله ﷺ ، بل هُوَ من كَلَام أبي ذَر، وَكرر للتَّأْكِيد ولربط مَا بعده عَلَيْهِ. قَوْله: (إِنَّمَا يجمعُونَ الدُّنْيَا) قد قُلْنَا: إِن هَذَا بَيَان لقَوْله: (إِنَّهُم لَا يعْقلُونَ شَيْئا) . قَوْله: (لَا أسألهم دنيا) ، أَي: لَا أطمع فِي دنياهم. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (قلت مَالك لإخوانك من قُرَيْش لَا تعتريهم وَلَا تصيب مِنْهُم، قَالَ: وَرَبك لَا أسألهم دنيا) إِلَى آخِره. وَفِي رِوَايَة مُسلم: (لَا أسألهم عَن دنيا) . قَالَ النَّوَوِيّ: الأجود حذف: عَن، كَمَا فِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ، (ثمَّ قَالَ: لَا أسألهم شَيْئا من متاعها) . قَوْله: (لَا تعتريهم) أَي: تأتيهم وتطلب مِنْهُم. قَوْله: (وَلَا استفتيهم عَن دين) ، أَي: لَا أسألهم عَن أَحْكَام الدّين أَي: أقنع بالبلغة من الدُّنْيَا وأرضى باليسير مِمَّا سَمِعت من الْعلم من رَسُول الله ﷺ .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: زهد أبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ من مذْهبه أَنه يحرم على الْإِنْسَان إدخار مَا زَاد على حَاجته. وَفِيه: أَن أَبَا ذَر ذهب إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهر لفظ: ﴿وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة﴾ (التَّوْبَة: ٤٣) . إِذْ الْكَنْز فِي اللُّغَة: المَال المدفون.
стр. 2453
سَوَاء أدّيت زَكَاته أم لَا. وَفِي قَوْله: (إِنَّمَا يجمعُونَ الدُّنْيَا) دَلِيل على أَن الْكَنْز عِنْده جمع المَال. وَفِيه: وَعِيد شَدِيد لمن لَا يُؤَدِّي زَكَاته. وَفِيه: تكنية الشَّارِع لأَصْحَابه، و: الذَّر، جمع ذرة وَهِي: النملة الصَّغِيرَة، وَذكر أَن أَبَا ذَر لما أَتَى النَّبِي ﷺ ثمَّ انْصَرف إِلَى قومه فَأَتَاهُ بعد مُدَّة فَتوهم اسْمه فَقَالَ: أَنْت أَبُو نملة. قَالَ أَبُو ذَر: يَا رَسُول الله، بل أَبُو ذَر. وَقد ذكرنَا أَن اسْمه جُنْدُب بن جُنَادَة. وَفِيه: فِي قَوْله: أتبصر أُحدا؟ إِلَى آخِره، مثل لتعجيل الزَّكَاة، يَقُول: مَا أحب أَن أحبس مَا أوجبه الله بِقدر مَا بَقِي من النَّهَار. وَفِيه: مَا يشْعر أَنه ﷺ كَانَ يُرْسل أفاضل أَصْحَابه فِي حَاجته يفضلهم بذلك، لِأَنَّهُ يصير رَسُول رَسُول الله ﷺ . وَفِيه: مَا يشْهد لما، قَالَ سَحْنُون: ترك الدُّنْيَا زهدا أفضل من كسبها من الْحَلَال وإنفاقها فِي سَبِيل الله. وَفِيه: نفي الْعقل عَن الْعُقَلَاء.
٥ - (بابُ إنْفَاقِ المَالِ فِي حَقِّهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِنْفَاق المَال، أَي: صرفه فِي حَقه أَي: فِي مصرفه الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مُؤَاخذَة عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.
٩٠٤١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثني قَيْسٌ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ، قَالَ سَمِعْتُ النبيِّ ﷺ يَقُولُ لَا حَسَدَ إلَاّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلِ آتَاهُ الله مَالا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ وَرَجُلٍ آتَاهُ الله حِكْمَةً فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الشّطْر الأول مِنْهُ لِأَنَّهُ يدل على التَّرْغِيب فِي إِنْفَاق المَال فِي حَقه، والْحَدِيث قد مضى بِعَيْنِه فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الِاغْتِبَاط فِي الْعلم وَالْحكمَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان عَن إِسْمَاعِيل إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَا: عَن مُحَمَّد بن الْمثنى الْمَعْرُوف بالزمن الْبَصْرِيّ عَن يحيى الْقطَّان عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، واسْمه سعد الْكُوفِي عَن قيس بن أبي حَازِم واسْمه عَوْف الأحمسي البَجلِيّ، قدم الْمَدِينَة بَعْدَمَا قبض النَّبِي ﷺ ، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ، فلنذكر هُنَا شَيْئا يَسِيرا.
فَقَوله: (لَا حسد) أَي: لَا غِبْطَة، وَقَالَ ابْن بطال: أَي لَا مَوضِع للغبطة إلَاّ فِي هَاتين الخصلتين فَإِن فيهمَا مَوضِع التنافس. قَوْله: (إلَاّ فِي اثْنَتَيْنِ) أَي: خَصْلَتَيْنِ، ويروى: (إلَاّ فِي اثْنَيْنِ) ، أَي: شَيْئَيْنِ من الْخِصَال.
٦ - (بابُ الرِّياءِ فِي الصَّدَقَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الرِّيَاء فِي الصَّدَقَة، الرِّيَاء: مصدر من راءيت الرجل مراآة ورياء أَي: خلاف مَا أَنا عَلَيْهِ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين هم يراؤن﴾ (الماعون: ٦) . يَعْنِي: الْمُنَافِقين إِذا صلى الْمُؤْمِنُونَ صلوا مَعَهم يراؤنهم أَنهم على مَا هم عَلَيْهِ، وَفِي (الْمغرب) ؛ وَمن راأى راأى الله بِهِ، أَي: من عمل عملا لكَي يرَاهُ النَّاس شهر الله رياءه يَوْم الْقِيَامَة. ورأيا بِالْيَاءِ خطا، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: فلَان مراء وَقوم مراؤن وَالِاسْم الرِّيَاء. يُقَال: فعل ذَلِك رِيَاء وَسُمْعَة. وَقَالَ أَبُو حَامِد: الرِّيَاء مُشْتَقّ من الرُّؤْيَة وَأَصله طلب الْمنزلَة فِي قُلُوب النَّاس بإراءتهم الْخِصَال المحمودة، فحد الرِّيَاء هُوَ إراءة الْعباد بِطَاعَة الله تَعَالَى، فالمرائي هُوَ العابد، والمرائي لَهُ هُوَ النَّاس والمراأى بِهِ هُوَ الْخِصَال الحميدة، والرياء هُوَ قصد إِظْهَار ذَلِك.
لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالمَنِّ والأذَى﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿الكافِرِينَ﴾ (الْبَقَرَة: ٤٦٢) .
علل الرِّيَاء فِي الصَّدَقَة بقوله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . إِلَى آخِره، فَإِن الله تَعَالَى شبه الَّذِي يبطل صدقته بالمن والأذى بِالَّذِي ينْفق مَاله رئاء النَّاس، وَلَا شكّ أَن الَّذِي يرائي فِي صدقته أسوء حَالا من الْمُتَصَدّق بالمن، لِأَنَّهُ قد علم أَن الْمُشبه بِهِ يكون أقوى حَالا من الْمُشبه، وَلِهَذَا قَالَ فِي حق الْمرَائِي: وَلَا يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر، ثمَّ ضرب مثل ذَلِك الْمرَائِي بإنفاقه. بقوله: ﴿فَمثله كَمثل صَفْوَان﴾ (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . إِلَى آخِره ثمَّ إِن صدر الْآيَة خطاب للْمُؤْمِنين خاطبهم بقوله: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . أَي: ثَوَاب صَدقَاتكُمْ وأجور نفقاتكم. وَفِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث أبي ذَر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا ينظر إِلَيْهِم وَلَا يزكيهم
стр. 2454
وَلَهُم عَذَاب أَلِيم: المنان بِمَا أعْطى، والمسبل إزَاره، والمنفق سلْعَته بِالْحلف الْكَاذِب) . وَلما خاطبهم بِهَذَا الْخطاب ونهاهم عَن إبِْطَال صَدَقَاتهمْ بالمن والأذى شبه إبطالهم بإِطال الْمُنَافِق الَّذِي ينْفق مَاله رئاء النَّاس لَا يُرِيد بإنفاقه، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَلَا ثَوَاب الْآخِرَة، ثمَّ مثل ذَلِك بِصَفْوَان، وَهُوَ الْحجر الأملس عَلَيْهِ تُرَاب فَأَصَابَهُ وابل، أَي: مطر شَدِيد عَظِيم الْقدر فَتَركه صَلدًا وَهُوَ الأملس الَّذِي لَا ينبث عَلَيْهِ شَيْء، ثمَّ قَالَ: لَا يقدرُونَ على شَيْء مِمَّا كسبوا أَي: لَا يَجدونَ يَوْم الْقِيَامَة ثَوَاب شَيْء مِمَّا عمِلُوا كَمَا لَا يحصل النَّبَات من الأَرْض الصلدة، أَو من التُّرَاب الَّذِي على الصفوان، ثمَّ قَالَ: وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْكَافرين. أَي: لَا يخلق لَهُم الْهِدَايَة وَلَا يهْدِيهم غَدا لطريق الْجنَّة شبه الْكَافِر بالصفوان وَعَمله بِالتُّرَابِ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: صَلْدا لَيْسَ عَليه شَيءٌ
لما كَانَ لفظ: صَلدًا، مَذْكُورا فِي الْآيَة الْكَرِيمَة علق تَفْسِيره عَن ابْن عَبَّاس، وَصله مُحَمَّد بن جرير عَن مُحَمَّد بن سعد حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنِي عمر قَالَ: حَدثنِي أبي عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَركه صَلدًا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء﴾ (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . وَفِي رِوَايَة: تَركهَا نقية لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْء، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره: حَدثنَا أَبُو زرْعَة حَدثنَا منْجَاب بن الْحَارِث أخبرنَا بشر عَن أبي روق عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَركه صَلدًا﴾ (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . يَقُول: فَتَركه يَابسا حاشيا لَا ينْبت شَيْئا.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَابِلٌ مطَرٌ شَدِيدٌ وَالطَّلُّ النَّدَى
لما كَانَ لفظ الوابل علق تَفْسِيره عَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس، وَوَصله عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) : حَدثنَا روح عَن عُثْمَان بن غياث، سَمِعت عِكْرِمَة يَقُول: أَصَابَهَا وابل مطر شَدِيد، والطل: الندى، بِفَتْح النُّون، وَلَيْسَ فِي الْآيَة إلَاّ ذكر الصفوان والوابل. قَالَ الطَّبَرِيّ: الصفوان وَاحِد وَجمع، فَمن جعله جمعا قَالَ: واحدته صفوانة بِمَنْزِلَة: تَمْرَة وتمر ونخل ونخلة، وَمن جعله وَاحِدًا جمعه على صَفْوَان وصفى وصفى. وَفِي (الْمُحكم) : الصفاة الْحجر الصلد الضخم الَّذِي لَا ينْبت شَيْئا وَجمع الصفاة صغوات وصفى، وَجمع الْجمع: أصفاء وصفي، قَالَ:
(كَأَن منبته من الصفى)
مواقع الطير على الصفى
كَذَا أنْشدهُ دُرَيْد لِأَن بعده:
من طول إشرافي على الطرى
وحكمنا: أَن أصفاه وصفيا جمع: صفى لَا جمع صفاة. لِأَن فعلة لَا يكسر على فعول، إِنَّمَا ذَلِك لفعلة كبدرة وبدور، وَكَذَلِكَ أصفاء جمع صفا، لَا جمع صفاة، لِأَن فعلة لَا تجمع على أَفعَال. وَهُوَ الصفواء كالصخراء واحدتها صفاة، وَكَذَلِكَ الصفوان واحدته صفوانة. وَفِي (الجمهرة) : الصَّفَا من الْحِجَارَة مَقْصُور ويثنى صَفْوَان، والصفواء صَخْرَة وَهِي الصفوانة أَيْضا. وَفِي (الْجَامِع) : عَن قطرب، صَفْوَان، بِكَسْر الصَّاد، وَقَرَأَ سعيد بن الْمسيب: صَفْوَان، بتحريك الْفَاء قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ.
٧ - بابٌ لَا يَقْبَلُ الله صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ وَلَا يَقْبَلُ إلَاّ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذَى وَالله غَنِيٌّ حَلِيمٌ (الْبَقَرَة: ٣٦٢) .
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: لَا يقبل الله صَدَقَة من غلُول، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: بَاب لَا تقبل صَدَقَة من غلُول. فَقَوله: لَا تقبل، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَذَا قِطْعَة من حَدِيث أخرجه مُسلم من حَدِيث مُصعب ابْن سعد، قَالَ: دخل عبد الله بن عمر على ابْن عَامر يعودهُ وَهُوَ مَرِيض، فَقَالَ: أَلا تَدْعُو الله لي يَا ابْن عمر؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: لَا تقبل صَلَاة بِغَيْر طهُور وَلَا صَدَقَة من غلُول، وَكنت على الْبَصْرَة. قلت: كَأَنَّهُ قَاس الدُّعَاء على الصَّلَاة، فَكَمَا أَن الصَّلَاة لَا تكون إلَاّ عَن مصون من الأقذار، فَكَذَلِك الدُّعَاء للمصون من تبعات النَّاس، وكنتَ على الْبَصْرَة وتعلقت بك حُقُوق النَّاس، وَكَأَنَّهُ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قصد بِهَذَا الزّجر عَلَيْهِ والحث على التَّوْبَة. وَأخرجه الْحسن بن سُفْيَان فِي (مُسْنده) عَن أبي كَامِل، أحد مَشَايِخ مُسلم، فِيهِ بِلَفْظ: (لَا يقبل الله صَلَاة إلَاّ بِطهُور وَلَا صَدَقَة من غلُول) . وروى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) :
стр. 2455
حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أبي الْمليح عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (لَا يقبل الله تَعَالَى صَدَقَة من غلُول وَلَا صَلَاة بِغَيْر طهُور) . الْغلُول: بِضَم الْغَيْن الْخِيَانَة فِي الْمغنم وَالسَّرِقَة من الْغَنِيمَة قبل الْقِسْمَة، يُقَال: غل فِي الْمغنم يغل من بَاب ضرب يضْرب غلولاً، فَهُوَ غال، كل من خَان فِي شَيْء خُفْيَة فقد غل، وَسميت غلولاً لِأَن الْأَيْدِي فِيهَا مغلولة أَي مَمْنُوعَة مجعول فِيهَا غل وَهُوَ الحديدة الَّتِي تجمع يَد الْأَسير إِلَى عُنُقه، وَيُقَال لَهَا: جَامِعَة، أَيْضا. وَذكر ابْن سَيّده أَنه يُقَال: غل يغل غلولاً وأغل: خَان، وَخص بَعضهم بِهِ الخون فِي الْفَيْء وأغله خونه، وَالْإِغْلَال السّرقَة. قَالَ ابْن السّكيت: لم يسمع فِي الْمغنم إلَاّ غل غلولاً. وَفِي (الصِّحَاح) : يُقَال من الْخِيَانَة: أغل يغل، وَمن الحقد غل يغل وَمن الْغلُول غل يغل بِالضَّمِّ. قَوْله: (وَلَا صَلَاة) نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي فتعم وتشمل سَائِر الصَّلَوَات من الْفَرْض وَالنَّفْل وَالطهُور، بِضَم الطَّاء، وَالْمرَاد بِهِ الْفِعْل، وَهُوَ قَول الْأَكْثَرين. وَقد قيل: يجوز فتحهَا وَهُوَ بِعُمُومِهِ يتَنَاوَل المَاء وَالتُّرَاب. قَوْله: (وَلَا يقبل إلَاّ مِن كسب طيب) هَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده، وَهُوَ قِطْعَة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْآتِي بعد هَذَا. قَوْله: (لقَوْله) أَي: لقَوْل الله تَعَالَى. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه تَعْلِيله بقوله تَعَالَى: ﴿ومغفرة خير من صَدَقَة﴾ (الْبَقَرَة: ٣٦٢) . قلت: تِلْكَ الصَّدَقَة يتبعهَا الْأَذَى يَوْم الْقِيَامَة بِسَبَب الْخِيَانَة، وَنقل عَن بَعضهم وَجه مُطَابقَة التَّرْجَمَة لِلْآيَةِ: أَن الْأَذَى بعد الصَّدَقَة يُبْطِلهَا، فَكيف بالأذى الْمُقَارن لَهَا؟ وَذَلِكَ أَن الغال متصدق بِمَال مَغْصُوب، وَالْغَاصِب مؤذ لصَاحب المَال عَاص بتصرفه فِيهِ، فَكَانَ أولى بالإبطال. وَقَالَ ابْن الْمُنِير. فَإِن قلت: مَا وَجه الْجمع بَين التَّرْجَمَة وَالْآيَة؟ وهلا ذكر قَوْله تَعَالَى: ﴿انفقوا من طَيّبَات مَا كسبتم﴾ (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . قَالَ: قلت: جرى على عَادَته فِي إِيثَار الاستنباط الْخَفي والاتكال فِي الِاسْتِدْلَال الْجَلِيّ على سبق الأفهام لَهُ، وَوجه الاستنباط لَهُ يحْتَمل أَن الْآيَة لَهَا إِثْبَات الصدقةُ غير أَن الصَّدَقَة لما تبعها سَيِّئَة الْأَذَى بطلت، فالغلول غصب إِذا فيقارن الصَّدَقَة فَتبْطل بطرِيق الأولى. قَوْله: ﴿قَول مَعْرُوف﴾ (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . أَي: كَلَام حسن ورد جميل على السَّائِل، وَقيل: دُعَاء صَالح يَدْعُو لَهُ. وارتفاع: قَول، على الِابْتِدَاء وَإِن كَانَ نكرَة لِأَنَّهُ يخصص بِالصّفةِ. وَقَوله: ﴿خير﴾ (الْبَقَرَة: ٣٦٢) . خَبره وَقَوله: ﴿ومغفرة﴾ (الْبَقَرَة: ٣٦٢) . أَي: ستر وَتجَاوز من السَّائِل إِذا استطال عَلَيْهِ: ﴿خير من صَدَقَة يتبعهَا أَذَى﴾ (الْبَقَرَة: ٣٦٢) . بمنة. وَقيل: مغْفرَة، أَي: عَفْو عَن ظلم قولي أَو فعلي خير من صَدَقَة يتبعهَا أَذَى. وَقَالَ الضَّحَّاك: يَقُول: أَن تمسك مَالك خير من أَن تنفقه ثمَّ تتبعه منا وأذى. وَيُقَال: لما علم الله أَن الْفَقِير إِذا رد بِغَيْر نوال يشق عَلَيْهِ، وَرُبمَا يَدْعُو عَلَيْهِ ببسط اللِّسَان وَإِظْهَار الشكوى حث على الصفح وَالْعَفو. ثمَّ قَالَ: ﴿وَالله غَنِي﴾ (الْبَقَرَة: ٣٦٢) . عَن صَدَقَة الْعباد، وَلَو شَاءَ لأغنى جَمِيع الْخلق، وَلكنه أعْطى الْأَغْنِيَاء لينْظر كَيفَ شكرهم، وابتلى الْفُقَرَاء لينْظر كَيفَ صبرهم: ﴿حَلِيم﴾ (الْبَقَرَة: ٣٦٢) . لَا يعجل بالعقوبة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: غَنِي لَا حَاجَة بِهِ إِلَى منفق يمن ويؤذي، حَلِيم عَن معالجته بالعقوبة، وَهَذَا سخط مِنْهُ ووعيد لَهُ. وَالله أعلم.
٨ - (بابُ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الصَّدَقَة لَا تقبل إِلَّا من كسب طيب، وَيجوز إِضَافَة لفظ: بَاب، إِلَى مَا بعده، وَيجوز قطعه عَن الْإِضَافَة، وعَلى تَقْدِير الْقطع يكون التَّقْدِير: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الصَّدَقَة من كسب طيب، يَعْنِي: تقبل الصَّدَقَة الْحَاصِلَة من كسب طيب، أَو التَّقْدِير: الصَّدَقَة إِنَّمَا تقبل من كسب طيب. فَلفظ: الصَّدَقَة، مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ. وَفِي الْوَجْه الأول، مجرور بِالْإِضَافَة، وَلما ذكر فِي الْبَاب الأول فِي التَّرْجَمَة قَوْله: وَلَا تقبل إلَاّ من كسب طيب، تعرض إِلَى بَيَان الْكسْب الطّيب بِهَذِهِ التَّرْجَمَة الَّتِي لم تقع فِي الْكتاب إلَاّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَابْن شبويه والكشميهني.
لِقَوْلِهِ ﴿ويُرْبى الصَّدَقَاتِ وَالله لَا يُحِبُّ كلَّ كَفَّارٍ أثيمٍ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأقَامُوا الصَّلَاةَ واتُوا الزَّكَاةَ لَهُمْ أجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون﴾ (الْبَقَرَة: ٦٧٢ و ٧٧٢) .
علل كَون الصَّدَقَة من كسب طيب، بقوله تَعَالَى: ﴿ويربي الصَّدقَات﴾ (الْبَقَرَة: ٦٧٢ و ٧٧٢) . أَي: يزِيد فِيهَا ويبارك فِي الدُّنْيَا ويضاعف الثَّوَاب فِي الْآخِرَة، وَالْكَسْب الطّيب هُوَ من الْحَلَال قَالَ تَعَالَى: ﴿انفقوا من طَيّبَات مَا كسبتم﴾ (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . ﴿وكلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم﴾ (الْبَقَرَة: ٧٥ و ٢٧١، طه: ١٨) .
стр. 2456
وَإِنَّمَا لَا يقبل الله المَال الْحَرَام لِأَنَّهُ غير مَمْلُوك للمتصدق، وَهُوَ مَمْنُوع من التَّصَرُّف فِيهِ، وَالتَّصَدُّق بِهِ تصرف فِيهِ، فَلَو قبلت لزم أَن يكون مَأْمُورا بِهِ ومنهيا عَنهُ من وَجه وَاحِد، وَذَلِكَ محَال. فَإِن قلت: قَوْله: ﴿ويربي الصَّدقَات﴾ (الْبَقَرَة: ٦٧٢) . لفظ عَام لما يكون من الْكسْب الطّيب وَمن غَيره، فَكيف يدل على التَّرْجَمَة؟ قلت: هُوَ مُقَيّد بالصدقات الَّتِي من المَال الْحَلَال بِقَرِينَة السِّيَاق نَحْو: ﴿وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون﴾ (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . قلت: قَوْله تَعَالَى: ﴿يمحق الله الرِّبَا﴾ (الْبَقَرَة: ٦٧٢) . أقرب للاستدلال على مَا ذكره من قَوْله: ﴿وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون﴾ (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . لِأَن الله تَعَالَى أخبر فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة أَنه يمحق الرِّبَا، أَي: يذهبه إِمَّا بِأَن يذهب بِالْكُلِّيَّةِ من يَد صَاحبه أَو يحرمه بركَة مَاله، فَلَا ينْتَفع بِهِ بل يعذبه بِهِ فِي الدُّنْيَا ويعاقبه عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة. وروى الإِمَام أَحْمد فِي (مُسْنده) فَقَالَ: حَدثنَا حجاج حَدثنَا شريك عَن الركين بن الرّبيع عَن أَبِيه عَن ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: الرِّبَا وَإِن كثر فَإِن عاقبته تصير إِلَى قل، وَهَذَا من بَاب الْمُعَامَلَة بنقيض الْمَقْصُود، ثمَّ إِن الله تَعَالَى لما أخبر بِأَنَّهُ يمحق الرِّبَا لِأَنَّهُ حرَام، أخبر أَنه يُربي الصَّدقَات الَّتِي من الْكسْب الْحَلَال. وَفِي (الصَّحِيح) عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من تصدق بِعدْل تَمْرَة. .) الحَدِيث، على مَا يَأْتِي عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَلما قرن بَين قَوْله: ﴿يمحق الله الرِّبَا﴾ (الْبَقَرَة: ٦٧٢) . وَبَين قَوْله: ﴿ويربى الصَّدقَات﴾ (الْبَقَرَة: ٦٧٢) . بواو الْعَطف علم أَن إرباء الصَّدقَات إِنَّمَا يكون إِذا كَانَت من الْكسْب الْحَلَال بِقَرِينَة محقه الرِّبَا لكَونه حَرَامًا. قَوْله: ﴿وَالله لَا يحب كل كفار أثيم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٧٢) . أَي: لَا يحب كفور الْقلب أثيم القَوْل وَالْفِعْل، وَلَا بُد من مُنَاسبَة فِي ختم هَذِه الْآيَة بِهَذِهِ الصّفة، وَهِي أَن المرابي لَا يرضى بِمَا قسم الله لَهُ من الْحَلَال، وَلَا يَكْتَفِي بِمَا شرع لَهُ من التكسب الْمُبَاح، فَهُوَ يسْعَى فِي أكل أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ بأنواع المكاسب الخبيثة، فَهُوَ جحود لما عَلَيْهِ من النِّعْمَة، ظلوم آثم بِأَكْل أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ، ثمَّ قَالَ تَعَالَى، وتقدس، مادحا للْمُؤْمِنين برَبهمْ المطيعين أمره المؤدين شكره الْمُحْسِنِينَ إِلَى خلقه فِي إِقَامَة الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة، مخبرا عَمَّا أعدلهم من الْكَرَامَة وَأَنَّهُمْ يَوْم الْقِيَامَة آمنون من التَّبعَات فَقَالَ: ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة لَهُم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٧٧) . أَي: لَا خوف عَلَيْهِم عِنْد الْمَوْت، وَلَا هم يَحْزَنُونَ يَوْم الْقِيَامَة.
٠١٤١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُنِيرٍ سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ هُوَ ابنُ عَبْدِ الله ابنِ دِينَارٍ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ الله إلَاّ الطَّيِّبَ وَإنَّ الله يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَما يُرَبِّي أحَدُكُمْ فَلْوَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلِ الجَبَلِ.
(الحَدِيث ٠١٤١ طرفه فِي: ٠٣٤٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من كسب طيب) .
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عبد الله بن مُنِير، بِضَم الْمِيم وَكسر النُّون، مر فِي: بَاب الْغسْل وَالْوُضُوء فِي المخضب. الثَّانِي: أَبُو النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: اسْمه سَالم بن أبي أُميَّة مولى عمر بن عبيد الله بن معمر القريشي التَّيْمِيّ. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن دِينَار مولى عبد الله بن عمر مر فِي: بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ. الرَّابِع: أَبوهُ عبد الله بن دِينَار. الْخَامِس: أَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمان. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: اثْنَان مذكوران بالكنية. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة أَيْضا عَن أَحْمد بن عُثْمَان بن حَكِيم عَن خَالِد بن مخلد بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بِعدْل تَمْرَة) ، بِكَسْر الْعين: هُوَ مَا عَادل الشَّيْء من غير جنسه، وبالفتح مَا عادله من جنسه. تَقول: عِنْدِي عدل دراهمك من الثِّيَاب وَعدل دراهمك من الدَّرَاهِم. وَقَالَ البصريون: العَدل والعِدل لُغَتَانِ. وَقَالَ الْخطابِيّ: بِعدْل تَمْرَة أَي: قيمَة تَمْرَة. يُقَال: هَذَا عدله، بِفَتْح الْعين، أَي مثله فِي الْقيمَة، وبكسرها أَي مثله فِي المنظر. وَزعم ابْن قُتَيْبَة: أَن الْعدْل، بِالْفَتْح: الْمثل وَاحْتج بقوله تَعَالَى: ﴿أَو عدل ذَلِك صياما﴾ (الْمَائِدَة: ٥٩) . وَالْعدْل، بِالْكَسْرِ: الْقيمَة، وَزعم ابْن التِّين أَنه على هَذَا جمَاعَة من أهل اللُّغَة، وَفِي
стр. 2457
(الْمُحكم) : الْعدْل والعديل وَالْعدْل: النظير، والمثل. وَقيل: هُوَ الْمثل وَلَيْسَ بالنظير عينه، وَالْجمع أعدال وعدلاء. وَقيل: ضبط هَهُنَا بِالْفَتْح عِنْد الْأَكْثَرين. قَوْله: (من كسب طيب) أَي: حَلَال، وَهِي صفة مُمَيزَة لعدل تَمْرَة ليمتاز الْكسْب الْخَبيث الْحَرَام. قَوْله: (وَلَا يقبل الله إِلَّا الطّيب) جملَة مُعْتَرضَة وَارِدَة على سَبِيل الْحصْر بَين الشَّرْط وَالْجَزَاء تَأْكِيدًا وتقريرا للمطلوب فِي النَّفَقَة، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال الْآتِي ذكرهَا: (وَلَا يصعد إِلَى الله إلَاّ الطّيب) ، وَزَاد سُهَيْل فِي رِوَايَته الْآتِي ذكرهَا. (فَيَضَعهَا فِي حَقّهَا) . قَوْله: (بِيَمِينِهِ) ، قَالَ الْخطابِيّ: جرى ذكر الْيَمين ليدل بِهِ على حسن الْقبُول، لِأَن فِي عرف النَّاس أَن أَيْمَانهم مرصدة لما عز من الْأُمُور، وَقيل: المُرَاد سرعَة الْقبُول. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: وَلما قيد الْكسْب بالطيب أتبعه الْيَمين لمناسبة بَينهمَا فِي الشّرف، وَمن ثمَّة كَانَت يَده الْيُمْنَى ﷺ للطهور، وَفِي رِوَايَة سُهَيْل: إلَاّ أَخذهَا بِيَمِينِهِ، وَفِي رِوَايَة مُسلم بن أبي مَرْيَم الْآتِي ذكرهَا: فيقبضها، وَفِي حَدِيث عَائِشَة عِنْد الْبَزَّار: (فيتلقاها الرَّحْمَن بِيَدِهِ) ، وَيُقَال: لما كَانَت الشمَال عَادَة تنقص عَن الْيَمين بطشا وَقُوَّة عرفنَا الشَّارِع بقوله: وكلتا يَدَيْهِ يَمِين، فَانْتفى النَّقْص تَعَالَى عَنهُ، والجارحة على الرب محَال. قَوْله: (فلوه) ، بِفَتْح الْفَاء وَضم اللَّام وَتَشْديد الْوَاو: وَهُوَ الْمهْر لِأَنَّهُ يعلى أَي: يعظم وَالْأُنْثَى: فلوة، مِثَال عدوة، وَالْجمع: أفلاء، مثل: أَعدَاء. وَقَالَ الدَّاودِيّ: يُقَال للمهر: فَلَو، وللجحش: ولد الْحمار فلوة بِكَسْر الْفَاء، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: عَن أبي زيد: إِذا فتحت الْفَاء شددت الْوَاو، وَإِذا كسرت خففت، فَقلت: فَلَو مثل جرو. وَفِي (الْمُخَصّص) : إِذا بلغ سنة، يَعْنِي: ولد الجحش، فَهُوَ فَلَو، وَعَن سِيبَوَيْهٍ: وَالْجمع أفلاء، وَلم يكسر على فعل كَرَاهِيَة الْإِخْلَال، وَلَا كسروه على فعلان كَرَاهِيَة الكسرة قبل الْوَاو، وَإِن كَانَ بَينهمَا حاجز، لِأَن السَّاكِن لَيْسَ بحاجز حُصَيْن، وَعَن الْأَعرَابِي: الفلو كالتلو، وَخص أَبُو عبيد بِهِ فَلَو الأتان وَالْجمع كالجمع إلَاّ أَنه لَا يحوج إِلَى الِاعْتِذَار من فعلان. وَقد فلى مهره إِذا فَصله من أمه، وأفلاه. وَعَن ابْن السّكيت: فلوته عَن أمه وأفتليته: فصلته عَنْهَا، وَعَن ابْن دُرَيْد: فلوت الْمهْر: نحيته. وَعَن أبي عبيد: فلوت الْمهْر عَن أمه فَهُوَ فَلَو، وَفرس مفل ومفلية ذَات فَلَو. وَفِي (الْمُحكم) : فلوت الصَّبِي وَالْمهْر والجحش فلوا. وَفِي (الْجَامِع) : زَاد الْقَزاز: الْجمع أفلاء وفلاء. وَقَول الْعَامَّة: فَلَو، خطأ، وَجمع الفلوة: فلاوي: مثل: خَطَايَا. وَفِي (الْمُنْتَخب) لكراع، يصف أَوْلَاد الْخَيل وَلَا يَقع عَلَيْهِ اسْم الفلو حَتَّى يفتلى من أمه، أَي: يفطم ثمَّ هُوَ فَلَو حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول، ثمَّ هُوَ حَولي حَتَّى يتجاذع. وَفِي (المغيث) لأبي مُوسَى: وَالْجمع فَلَو، بِضَم الْفَاء. وَفِي (كتاب الْفرق) لأبي حَاتِم السجسْتانِي: قَالُوا فِي ولد الْخَيل العراب والبراذين للذكران: مهر، وللأنثى: مهرَة، فَإِذا كَانَت لَهُ سَبْعَة أشهر أَو ثَمَانِيَة يُقَال لَهُ: الخروف، وَالْجمع: خرف. فَإِذا كَانَت لَهُ سنة فَهُوَ: فَلَو وَالْأُنْثَى فلوة. وَلَا يُقَال: فَلَو وَلَا فلوة، كَمَا يَقُول من لَا يعلم من الْعَوام، وَقد أولعوا بذلك. وَفِي (كتاب الوحوش) : يُقَال لولد الْحمار: مهر وتولب وتالب، وَهِي المهار والفلاء. قَالَ: وحمر الوحوش على هَذِه الصّفة. وَقَوله: (كَمَا يربى أحدكُم فلوه) ضرب الْمثل لِأَنَّهُ يزِيد زِيَادَة بَيِّنَة، فَكَذَلِك الصَّدَقَة نتاج الْعَمَل فَإِذا كَانَت من حَلَال لَا يزَال نظر الله إِلَيْهَا حَتَّى تَنْتَهِي بالتضعيف إِلَى أَن تصير التمرة كالجبل، وَهُوَ معنى قَوْله: (حَتَّى تكون مثل الْجَبَل) . قَالَ الدَّاودِيّ: أَي: كمن تصدق بِمثل الْجَبَل، وتربية الصَّدقَات مضاعفة الْأجر عَلَيْهَا وَإِن أُرِيد بِهِ الزِّيَادَة فِي كمية عينهَا ليَكُون أثقل فِي الْمِيزَان لم يُنكر ذَلِك. وَفِي رِوَايَة مُسلم، رَحمَه الله تَعَالَى، من طَرِيق سعيد بن يسَار عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: حَتَّى تكون أعظم من الْجَبَل. وَفِي رِوَايَة ابْن جرير من وَجه آخر عَن الْقَاسِم: حَتَّى يوافي بهَا يَوْم الْقِيَامَة وَهِي أعظم من أحد. وَفِي رِوَايَة الْقَاسِم عِنْد التِّرْمِذِيّ بِلَفْظ: (حَتَّى إِن اللُّقْمَة لتصير مثل أحد) .
تابَعَهُ سُلَيْمَانُ عنِ ابنِ دِينَارٍ
أَي: تَابع عبد الرَّحْمَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن عبد الله بن دِينَار عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هَذِه الْمُتَابَعَة ذكرهَا البُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد، وَقَالَ: خَالِد بن مخلد عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن عبد الله بن دِينَار، فساق مثله إلَاّ أَن فِيهِ مُخَالفَة فِي اللَّفْظ يسيرَة، وَقد وَصله أَبُو عوَانَة والجوزقي من طَرِيق مُحَمَّد بن معَاذ بن يُوسُف عَن خَالِد بن مخلد بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ مُسلم: حَدثنَا يزِيد، يَعْنِي ابْن زُرَيْع، قَالَ: حَدثنَا روح بن الْقَاسِم، وحدثنيه أَحْمد بن عُثْمَان الأودي، قَالَ: حَدثنَا خَالِد بن مخلد، قَالَ: حَدثنِي سُلَيْمَان يَعْنِي ابْن بِلَال، كِلَاهُمَا عَن سُهَيْل بِهَذَا الْإِسْنَاد من حَدِيث روح: من الْكسْب الطّيب فَيَضَعهَا فِي حَقّهَا، وَفِي حَدِيث سُلَيْمَان: فَيَضَعهَا فِي موضعهَا.
стр. 2458
وَقَالَ وَرْقاءُ عنِ ابنِ دِينَارٍ عنْ سَعِيدِ بنِ يَسَارٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ ﷺ
أَي: قَالَ وَرْقَاء بن عمر بن كُلَيْب الْيَشْكُرِي: عَن عبد الله بن دِينَار عَن سعيد بن يسَار، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة، وورقاء هَذَا قد خَالف سُلَيْمَان حَيْثُ جعل شيخ ابْن دِينَار فِيهِ: سعيد بن يسَار بدل أبي صَالح، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا وهم لتوارد الروَاة عَن أبي صَالح دون سعيد بن يسَار، وَفِيه نظر لِأَنَّهُ مَحْفُوظ عَن سعيد بن يسَار من وَجه آخر كَمَا أخرجه مُسلم، قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد، قَالَ: حَدثنَا لَيْث عَن سعيد بن أبي سعيد عَن يسَار أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (مَا تصدق أحد بِصَدقَة من طيب وَلَا يقبل الله إلَاّ الطَّيِّب إلَاّ أَخذهَا الرَّحْمَن بِيَمِينِهِ وَإِن كَانَت تَمْرَة فتربو فِي كف الرَّحْمَن حَتَّى تكون أعظم من الْجَبَل كَمَا يُربي أحدكُم فلوه أَو فَصِيله) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة إِلَى آخِره نَحوه، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن عِيسَى بن حَمَّاد عَن اللَّيْث، وَقَالَ بَعضهم: وَلم أَقف على رِوَايَة وَرْقَاء هَذِه مَوْصُولَة. قلت: قد وَصلهَا الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) من رِوَايَة أبي النَّضر هَاشم بن الْقَاسِم: حَدثنَا وَرْقَاء، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ورويناه أَيْضا فِي الْجُزْء الرَّابِع من (فَوَائِد أبي بكر الشَّافِعِي) قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد يَعْنِي: ابْن غَالب: حَدثنَا عبد الصَّمد حَدثنَا وَرْقَاء.
ورَوَاهُ مُسْلِمُ بنُ أبِي مَرْيَمَ وَزَيْدُ بنُ أسْلَمَ وَسُهَيْلٌ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ ﷺ
أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور مُسلم بن أبي مَرْيَم السّلمِيّ الْمدنِي، وَوصل يُوسُف بن يَعْقُوب القَاضِي فِي كتاب الزَّكَاة رِوَايَة مُسلم هَذِه، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي حَدثنَا سعيد بن سَلمَة هُوَ ابْن أبي الحسام عَنهُ بِهِ. قَوْله: (وَزيد بن أسلم) ، عطف على مُسلم، وَوصل رِوَايَته مُسلم، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو الطَّاهِر، وَقَالَ: أخبرنَا عبد الله بن وهب قَالَ: أَخْبرنِي هِشَام بن سعيد عَن زيد بن أسلم عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ نَحْو حَدِيث يَعْقُوب عَن سُهَيْل، ونذكره الْآن. قَوْله: (وَسُهيْل) ، عطف على زيد بن أسلم، وَوصل رِوَايَته أَيْضا مُسلم، وَقَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ: حَدثنَا يَعْقُوب يَعْنِي: ابْن عبد الرَّحْمَن الْقَارِي، عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (لَا يتَصَدَّق أحد بتمرة من كسب طيب إلَاّ أَخذهَا الله بِيَمِينِهِ يُرَبِّيهَا كَمَا يُربي أحدكُم فلوه أَو قلوصه حَتَّى تكون مثل الْجَبَل أَو أعظم) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لِمَ قَالَ أَولا تَابِعَة، وَثَانِيا: قَالَ وَرْقَاء، وثالثا: قَالَ رَوَاهُ، مَعَ أَن الثَّالِث أَيْضا فِيهِ مُتَابعَة، لِأَن الثَّلَاثَة تابعوا ابْن دِينَار فِي الرِّوَايَة عَن أبي صَالح؟ قلت: الأول: مُتَابعَة لِأَن اللَّفْظ فِيهِ بِعَيْنِه لَفظه، وَالثَّالِث: رِوَايَة لَا مُتَابعَة لاخْتِلَاف اللَّفْظ وَإِن اتَّحد الْمَعْنى فيهمَا. وَالثَّانِي: لما لم يكن على سَبِيل النَّقْل وَالرِّوَايَة، بل على سَبِيل المذاكرة، قَالَ بِلَفْظ القَوْل.
٩ - (بابُ الصَّدَقَةِ قبل الرَّدِّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي التحريض على إِعْطَاء الصَّدَقَة قبل رد من يتَصَدَّق عَلَيْهِ بهَا، وَالْمَقْصُود من هَذِه التَّرْجَمَة المسارعة إِلَى الصَّدَقَة والتحذير عَن تسويفها، لِأَن التسويف قد يكون ذَرِيعَة إِلَى أَن لَا يجد من يقبلهَا. وَقد أخبر الشَّارِع أَنه سيقع فقد الْفُقَرَاء المحتاجين إِلَى الصَّدَقَة وَيخرج الْغَنِيّ صدقته فَلَا يجد من يقبلهَا، كَمَا يَأْتِي فِي حَدِيث الْبَاب (يَقُول الرجل: لَو جِئْت بهَا بالْأَمْس لقبلتها، فَأَما الْيَوْم فَلَا حَاجَة لي فِيهَا) .
١١٤١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا مَعْبَدُ بنُ خَالِدٍ قَالَ سَمِعْتُ حارِثَةَ بنَ وَهْبٍ قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ تَصَدَّقُوا فإنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا يَقُولُ الرَّجُلُ لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأمْسِ لَقَبِلْتُهَا فأمَّا اليَوْمَ فَلَا حاجَةَ لِي بِهَا.
стр. 2459
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: آدم بن أبي إِيَاس، وَشعْبَة بن الْحجَّاج، ومعبد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: ابْن خَالِد الجدلي، بِالْجِيم وَالدَّال الْمُهْملَة المفتوحتين: الْكُوفِي الْقَاص، بتَشْديد الصَّاد: العابد وَكَانَ من القانتين، مَاتَ سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَة، وحارثة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبكسر الرَّاء وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة: ابْن وهب الْخُزَاعِيّ أَخُو عبيد الله بن عمر بن الْخطاب لأمه، لَهُ صُحْبَة، يعد فِي الْكُوفِيّين.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين، وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه عسقلاني وَشعْبَة واسطي ومعبد كُوفِي والْحَدِيث من الرباعيات.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَليّ بن الْجَعْد، وَأخرجه فِي الْفِتَن عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن عبيد الله بن نمير.
قَوْله: (يَقُول الرجل) أَي: الرجل الَّذِي يُرِيد الْمُتَصَدّق أَن يُعْطِيهِ إِيَّاهَا. قَوْله: (فَلَا حَاجَة لي بِهِ) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فِيهَا. وَقَالَ بَعضهم: وَالظَّاهِر أَن ذَلِك يَقع فِي زمَان كَثْرَة المَال وفيضه قرب السَّاعَة. قلت: هَذَا كَلَام ابْن بطال، وَلكنه غير مُتبع لِأَن الظَّاهِر أَن ذَلِك يَقع فِي زمَان تظهر كنوز الأَرْض الَّذِي هُوَ من جملَة أَشْرَاط السَّاعَة.
وَفِيه: حث على الصَّدَقَة وَالتَّرْغِيب مَا وجد أَهلهَا المستحقون لَهَا خشيَة أَن يَأْتِي الزَّمن الَّذِي لَا يُوجد فِيهِ من يَأْخُذهَا، وَهُوَ الزَّمَان الَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا.
٢١٤١ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ حدَّثنا أبُو الزِّنادِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ المَالُ فَيَفِيضُ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ المَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ لَا أرَبَ لِي فِيهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: ذكْوَان، وَعبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج.
قَوْله: (فيفيض) ، من فاض الْإِنَاء إِذا امْتَلَأَ، وأفاضه ملأَهُ، واشتقاقه من الْفَيْض. وَفِي (الْمغرب) : فاض المَاء إِذا انصب على امتلائه، وأفاض المَاء صبه عَن كَثْرَة. قَوْله: (حَتَّى يهم) بِفَتْح الْيَاء وَضم الْهَاء من: الْهم، بِفَتْح الْهَاء، وَهُوَ مَا يشغل الْقلب من أَمر يهم بِهِ. قَوْله: (رب المَال) ، مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول يهم. وَقَوله: (من يقبل) فَاعله من: همه الشَّيْء أحزنه، ويروى: يهم، بِضَم الْيَاء وَكسر الْهَاء من: أهمه الْأَمر إِذا أقلقه، فعلى هَذَا أَيْضا الْإِعْرَاب مثل الأول، لِأَن كلا من: يهم، بِفَتْح الْيَاء، و: يهم، بضَمهَا، متعدٍ. يُقَال: همه الْأَمر وأهمه، وَقَالَ النَّوَوِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى فِي (شرح مُسلم) رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: ضبطوه بِوَجْهَيْنِ أشهرهما بِضَم أَوله وَكسر الْهَاء، و: رب المَال، مفعول، وَالْفَاعِل: من يقبل أَي يحزنهُ، وَالثَّانِي بِفَتْح أَوله وَضم الْهَاء، وَرب المَال فَاعل، و: من مَفْعُوله أَي: يقْصد. انْتهى. قلت: فهم من ذَلِك أَنهم فرقوا بَين الْبَابَيْنِ، فَجعلُوا الأول مُتَعَدِّيا من الإهمام وَالثَّانِي مُتَعَدِّيا من الْهم بِمَعْنى الْقَصْد، فَجعلُوا رب المَال مَفْعُولا فِي الأول، وفاعلاً فِي الثَّانِي. قَوْله: (لَا أرب لي فِيهِ) ، أَي: لَا حَاجَة لي فِيهِ، وَهُوَ بِفتْحَتَيْنِ لَا غير. وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَأَنَّهُ سقط كلمة: فِيهِ، من الْكتاب؟ قلت: السقط كَأَنَّهُ كَانَ فِي نسخته، وَهُوَ مَوْجُود فِي النّسخ. وَقَالَ أَيْضا: وَقد وجدت فِي أَيَّام الصَّحَابَة هَذِه الْحَال، كَانَت تعرض عَلَيْهِم الصَّدَقَة فيأبون قبُولهَا. قلت: كَانَ هَذَا لزهدهم وإعراضهم عَن الدُّنْيَا وَلم يكن لفيض من المَال، وَكَانُوا يعرضون عَنْهَا مَعَ قلَّة المَال وَكَثْرَة الإحتياج.
١٧ - (حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا أَبُو عَاصِم النَّبِيل قَالَ أخبرنَا سَعْدَان بن بشر قَالَ حَدثنَا أَبُو مُجَاهِد قَالَ حَدثنَا مَحل بن خَليفَة الطَّائِي قَالَ سَمِعت عدي بن حَاتِم ﵁ يَقُول كنت عِنْد رَسُول الله ﷺ َ - فَجَاءَهُ رجلَانِ أَحدهمَا يشكو الْعيلَة وَالْآخر يشكو قطع
стр. 2460
السَّبِيل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - أما قطع السَّبِيل فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْك إِلَّا قَلِيل حَتَّى تخرج العير إِلَى مَكَّة بِغَيْر خفير وَأما الْعيلَة فَإِن السَّاعَة لَا تقوم حَتَّى يطوف أحدكُم بِصَدَقَتِهِ لَا يجد من يقبلهَا مِنْهُ ثمَّ ليقفن أحدكُم بَين يَدي الله لَيْسَ بَينه وَبَينه حجاب وَلَا ترجمان يترجم لَهُ ثمَّ ليَقُولن لَهُ أم أوتك مَالا فليقولن بلَى ثمَّ ليَقُولن ألم أرسل إِلَيْك رَسُولا فليقولن بلَى فَينْظر عَن يَمِينه فَلَا يرى إِلَّا النَّار ثمَّ ينظر عَن شِمَاله فَلَا يرى إِلَّا النَّار فليتقين أحدكُم النَّار وَلَو بشق تَمْرَة فَإِن لم يجد فبكلمة طيبَة) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله " فَإِن السَّاعَة لَا تقوم حَتَّى يطوف أحدكُم بِصَدَقَتِهِ لَا يجد من يقبلهَا مِنْهُ ". (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن جَعْفَر الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي وَقد مر. الثَّانِي أَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد الملقب بالنبيل وَقد تكَرر ذكره. الثَّالِث سَعْدَان بن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة الْجُهَنِيّ. الرَّابِع أَبُو مُجَاهِد اسْمه سعد الطَّائِي. الْخَامِس مَحل بِضَم الْمِيم وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام ابْن خَليفَة الطَّائِي. السَّادِس عدي بن حَاتِم الطَّائِي (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَفِيه الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه السماع وَفِيه القَوْل فِي موضِعين وَفِيه أَن شَيْخه بخاري وَمن أَفْرَاده وَفِيه أَن شيخ شَيْخه شَيْخه أَيْضا لِأَنَّهُ روى عَنهُ وَأَنه بَصرِي وَأَن سَعْدَان من أَفْرَاده وَأَنه كُوفِي وَأَن لفظ سَعْدَان لقبه واسْمه سعدوان أَبَا مُجَاهِد أَيْضا من أَفْرَاده وَأَنه طائي وَأَن مَحل بن خَليفَة كُوفِي وَأَنه من أَفْرَاده قَالَ الْكرْمَانِي وجده عدي بن حَاتِم ثمَّ قَالَ وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة طائيون. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن مُحَمَّد بن الحكم عَن النَّضر بن شُمَيْل وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزَّكَاة عَن نضر بن عَليّ الْجَهْضَمِي مُخْتَصرا (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " يشكو الْعيلَة " بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة أَي الْفقر من عَال إِذا افْتقر قَالَ الْجَوْهَرِي يُقَال عَال يعيل عيلة وعيولا إِذا افْتقر قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن خِفْتُمْ عيلة﴾ وَهُوَ عائل وَقوم عيلة وَترك أَوْلَاده يتامى عيلى أَي فُقَرَاء وَذكره فِي الأجوف اليائي وَأما عَال عِيَاله عولا وعيالة أَي قاتهم ومأنهم وَأنْفق عَلَيْهِم فَهُوَ من الأجوف الواوي وَقَالَ ابْن قرقول وَأَصله من الْعَوْل وَهُوَ الْقُوت وَمِنْه قَوْله " وابدأ بِمن تعول " أَي بِمن تقوت قَوْله " قطع السَّبِيل " هُوَ من فَسَاد السراق واللصوص كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي وَفِيه نظر لِأَن قطع السَّبِيل لَا يكون إِلَّا من قطاع الطَّرِيق جَهرا وَالسَّارِق لَا يَأْخُذ جَهرا وَكَذَلِكَ اللص قَوْله " العير " بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف الْإِبِل الَّتِي تحمل الْميرَة وَفِي الْمطَالع العير الْقَافِلَة وَهِي الْإِبِل وَالدَّوَاب تحمل الطَّعَام وَغَيره من التِّجَارَة وَلَا تسمى عيرًا إِلَّا إِذا كَانَت كَذَلِك وَقَالَ ابْن الْأَثِير العير الْإِبِل بأحمالها فعل من عَار يعير إِذا سَار وَقيل هِيَ قافلة الْحمير فكثرت حَتَّى سميت بهَا كل قافلة كَأَنَّهَا جمع عير وَكَانَ قياسها أَن يكون فعلا بِالضَّمِّ كسقف فِي سقف إِلَّا أَنه حوفظ على الْيَاء بالكسرة نَحْو عين قَوْله " خفير " بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الْفَاء وَهُوَ المجير الَّذِي يكون الْقَوْم فِي ضَمَانه وذمته وَقَالَ الْكرْمَانِي وَالْمرَاد مِنْهُ حَتَّى تخرج الْقَافِلَة من الشَّام وَالْعراق وَنَحْوهمَا إِلَى مَكَّة بِغَيْر البدرقة وَفِي الصِّحَاح خفرت الرجل أخفره بِالْكَسْرِ خفرا إِذا آجرته وَكنت لَهُ خفيرا تَمنعهُ قَالَ الْأَصْمَعِي وَكَذَلِكَ خفرته تخفيرا وأخفرته إِذا نقضت عَهده وغدرت بِهِ قَوْله " بَين يَدي الله " هُوَ من المتشابهات وَالْأمة فِي أَمْثَالهَا كاليمين وَنَحْوه طَائِفَتَانِ المفوضة والمؤولة بِمَا يُنَاسِبهَا قَوْله " وَلَا ترجمان " بِضَم التَّاء وَفتحهَا وَالْجِيم مَضْمُومَة فيهمَا وَالتَّاء فِيهِ أَصْلِيَّة وَقَالَ الْجَوْهَرِي زَائِدَة وَقَالَ هُوَ نَحْو الزَّعْفَرَان فالجيم مَفْتُوحَة هَذَا على جِهَة التَّمْثِيل ليفهم الْخطاب أَن الله تَعَالَى لَا يُحِيط بِهِ شَيْء وَلَا يَحْجُبهُ حجاب وَإِنَّمَا يسْتَتر تَعَالَى عَن أبصارنا بِمَا وضع فِيهَا من الْحجب للعجز عَن الْإِدْرَاك فِي الدُّنْيَا
стр. 2461
فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة كشف تِلْكَ الْحجب عَن أبصارنا وقواها حَتَّى نرَاهُ مُعَاينَة كَمَا نرى الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر كَمَا ثَبت فِي الْأَحَادِيث الصِّحَاح قَوْله " فليتقين " أَمر مُؤَكد بالنُّون الثَّقِيلَة دخلت عَلَيْهِ اللَّام قَوْله " وَلَو بشق تَمْرَة " بِكَسْر الشين مَعْنَاهُ لَا تحقروا شَيْئا من الْمَعْرُوف وَلَو كَانَ بشق تَمْرَة أَي بِنِصْفِهَا قَوْله " فَإِن لم يجد " أَي فَإِن لم يجد أحدكُم شَيْئا يتَصَدَّق بِهِ على الْمُحْتَاج فليرده بِكَلِمَة طيبَة وَهِي الَّتِي فِيهَا تطييب قلبه فَدلَّ على أَن الْكَلِمَة الطّيبَة يتقى بهَا كَمَا أَن الْكَلِمَة الخبيثة مستوجب بهَا النَّار. وَفِيه حث على الصَّدَقَة وَأَن لَا يحقر شَيْئا من الْخَيْر قولا وفعلا وَإِن قل -
٤١٤١ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ قَالَ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسى ارضي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ ثُمَّ لَا يَجد أحَدا يَأخُذُهَا مِنْهُ وَيُرَى الرَّجُلُ الوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أرْبَعُونَ امْرَأةً يَلُذْنَ بِهِ من قِلَّةِ الرِّجَالِ وكَثْرَةِ النِّسَاءِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (ليَأْتِيَن على النَّاس زمَان يطوف الرجل فِيهِ بِالصَّدَقَةِ من الذَّهَب ثمَّ لَا يجد أحدا يَأْخُذهَا مِنْهُ) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن الْعَلَاء أَبُو كريب، مَاتَ سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ. الثَّالِث: بريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن عبد الله بن أبي بردة ابْن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. الرَّابِع: أَبُو بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: اسْمه عَامر، وَقيل: الْحَارِث بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. الْخَامِس: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه: عبد الله بن قيس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد عَن شَيْخه، وَقيل بِصِيغَة الْجمع وبصيغته أَيْضا فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن جده وَرِوَايَة الإبن عَن أَبِيه. وَفِيه: ثَلَاثَة مكيون.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا بِإِسْنَاد البُخَارِيّ.
قَوْله: (من الذَّهَب) ، خص بِالذكر مُبَالغَة فِي عدم من يقبل الصَّدَقَة لِأَن الذَّهَب أعز المعدنيات وأشرف الْأَمْوَال، فَإِذا لم يُوجد من يَأْخُذ هَذَا فَفِي غَيره بِالطَّرِيقِ الأولى. قَوْله: (وَيرى الرجل) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (يتبعهُ) ، جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال. قَوْله: (يلذن) ، بِضَم اللَّام وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة أَي: يلتجئن إِلَيْهِ ويرغبن فِيهِ، من لَاذَ بِهِ يلوذ لياذا إِذا التجأ إِلَيْهِ وانضم واستغاث، هَذَا وَالله أعلم يكون عِنْد ظُهُور الْفِتَن وَكَثْرَة الْقَتْل فِي النَّاس، قَالَ الدَّاودِيّ: لَيْسَ فِيهِنَّ قيم غَيره، وَهَذَا يحْتَمل أَن يكون نِسَاءَهُ وجواريه وَذَوَات مَحَارمه وقراباته، وَهَذَا كُله من أَشْرَاط السَّاعَة.
وَفِيه: الْإِعْلَام بِمَا يكون بعده من كَثْرَة الْأَمْوَال حَتَّى لَا يجد من يقبلهَا وَأَن ذَلِك بعد قتل عِيسَى، ﵊، الدَّجَّال وَالْكفَّار، فَلم يبْق بِأَرْض الْإِسْلَام كَافِر، وتنزل إِذْ ذَاك بَرَكَات السَّمَاء إِلَى الأَرْض وَالنَّاس إِذْ ذَاك قَلِيلُونَ لَا يدخرون شَيْئا لعلمهم بِقرب السَّاعَة، وتربي الأَرْض إِذْ ذَاك بركاتها حَتَّى تشبع الرمانة أهل الْبَيْت، وتلقى الأَرْض أفلاذ كَبِدهَا وَهُوَ مَا دَفَنته مُلُوك الْعَجم كسْرَى وَغَيره وَيكثر المَال حَتَّى لَا يتنافس فِيهِ النَّاس. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: تقدم فِي: بَاب رفع الْعلم أَنه يكون لخمسين امْرَأَة الْقيم الْوَاحِد؟ قلت: التَّخْصِيص بِعَدَد الْأَرْبَعين لَا يدل على نفي الزَّائِد. قلت: الْمَذْكُور فِي: بَاب رفع الْعلم وَظُهُور الْجَهْل، حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن من أَشْرَاط السَّاعَة أَن يقل الْعلم وَيظْهر الْجَهْل، وَيظْهر الزِّنَا وتكثر النِّسَاء ويقل الرِّجَال حَتَّى يكون لخمسين امْرَأَة الْقيم الْوَاحِد.
٠١ - (بابٌ اتَّقُوا النَّارَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: اتَّقوا النَّار وَلَو بشق تَمْرَة، وَهَذَا لفظ الحَدِيث على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَجمع فِي هَذَا الْبَاب بَين لفظ الْخَبَر وَالْآيَة لاشتمالها على الْحَث والتحريض على الصَّدَقَة، قَلِيلا كَانَت أَو كثيرا.
وَالْقَلِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ
стр. 2462
والقليل بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: (بشق تَمْرَة) ، من عطف الْعَام على الْخَاص، وَالتَّقْدِير: اتَّقوا النَّار وَلَو بِالْقَلِيلِ من الصَّدَقَة والقليل يَشْمَل شقّ التمرة وَغَيره.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ الله وتَثْبِيتا مِنْ أنْفُسِهِمْ﴾ (الْبَقَرَة: ٥٦٢) . الْآيَة وَإلَى قَوْلِهِ ﴿ومِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ (الْبَقَرَة: ٦٦٢) .
ذكر هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة لاشتمالها على قَلِيل النَّفَقَة وكثيرها. لِأَن قَوْله: ﴿أَمْوَالهم﴾ (الْبَقَرَة: ٥٦٢) . يتَنَاوَل الْقَلِيل وَالْكثير، وفيهَا حث على الصَّدَقَة مُطلقًا، فَذكرهَا يُنَاسب التَّبْوِيب، وَهَذَا مثل للْمُؤْمِنين الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم ابْتِغَاء مرضات الله عَنْهُم، والابتغاء: الطّلب. قَوْله: ﴿وتثبيتا﴾ (الْبَقَرَة: ٥٦٢) . عطف على ﴿ابْتِغَاء مرضات الله﴾ (الْبَقَرَة: ٥٦٢) . وَالتَّقْدِير: مبتغين ومتثبتين من أنفسهم بالإخلاص، وَذَلِكَ ببذل المَال الَّذِي هُوَ شَقِيق الرّوح، وبذله أشق شَيْء على النَّفس على سَائِر الْعِبَادَات الشاقة، وَكَأن إِنْفَاق المَال تثبيتا لَهَا على الْإِيمَان وَالْيَقِين. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى: وتثبيتا من أنفسهم عِنْد الْمُؤمنِينَ أَنَّهَا صَادِقَة الْإِيمَان مخلصة فِيهِ، وتعضده قِرَاءَة مُجَاهِد: وتثبتا من أنفسهم. وَقَالَ الشّعبِيّ: تثبيتا من أنفسهم أَي: تَصْدِيقًا أَن الله سيجزيهم على ذَلِك أوفر الْجَزَاء، وَكَذَا قَالَه قَتَادَة وَأَبُو صَالح وَابْن زيد. وَقَالَ مُجَاهِد وَالْحسن: أَي يثبتون أَيْن يضعون صَدَقَاتهمْ. وَقَالَ الْحسن: كَانَ الرجل إِذا هم بِصَدقَة تثبت، فَإِن كَانَ لله أمضى وإلَاّ ترك. قَوْله: (الْآيَة) أَي إِلَى آخر الْآيَة. وَهُوَ قَوْله: ﴿كَمثل حَبَّة بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وابل فآتت أكلهَا ضعفين فَإِن لم يصبهَا وابل فطل وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ (الْبَقر: ٥٦٢) . قَوْله: ﴿كَمثل حَبَّة﴾ (الْبَقَرَة: ٥٦٢) . خبر الْمُبْتَدَأ أَعنِي قَوْله: ﴿مثل الَّذين يُنْفقُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٥٦٢) . أَي: كَمثل بُسْتَان كَائِن بِرَبْوَةٍ، وَهِي عِنْد الْجُمْهُور: الْمَكَان الْمُرْتَفع المستوي من الأَرْض، وَزَاد ابْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك: وتجري فِيهِ الْأَنْهَار. قَالَ ابْن جرير: وَفِي الربوة ثَلَاث لُغَات من ثَلَاث قراآت، بِضَم الرَّاء وَبهَا قَرَأَ عَامَّة أهل الْمَدِينَة والحجاز وَالْعراق، وَفتحهَا، وَهِي قِرَاءَة بعض أهل الشَّام والكوفة، وَيُقَال إِنَّهَا لُغَة بني تَمِيم، وَكسر الرَّاء وَيذكر أَنَّهَا قِرَاءَة ابْن عَبَّاس. وَإِنَّمَا سميت بذلك لِأَنَّهَا ربت وغلظت من قَوْلهم: رَبًّا الشَّيْء يَرْبُو إِذا زَاد وانتفخ. وَإِنَّمَا خص الربوة لِأَن شَجَرهَا أزكى وَأحسن ثمرا. قَوْله: ﴿أَصَابَهَا وابل﴾ (الْبَقَرَة: ٥٦٢) . أَي: مطر عَظِيم الْقطر شَدِيد، وَهِي فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة ربوة. قَوْله: ﴿فآتت أكلهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٥٦٢) . أَي: ثَمَرهَا: ﴿ضعفين﴾ (الْبَقَرَة: ٥٦٢) . أَي: مثلي مَا كَانَت تثمر بِسَبَب الوابل، وَيُقَال: أَي مضاعفا تحمل من السّنة مَا يحمل غَيرهَا من السنتين. قَوْله: ﴿فَإِن لم يصبهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٥٦٢) . أَي: تِلْكَ الْجنَّة الَّتِي بالربوة ﴿وابلٌ فطلٌّ﴾ (الْبَقَرَة: ٥٦٢) . أَي: فَالَّذِي يُصِيبهَا طلُّ وَهُوَ أَضْعَف الْمَطَر. وَقَالَ الزّجاج: هُوَ الْمَطَر الدَّائِم الصغار الْقطر الَّذِي لَا يكَاد يسيل مِنْهُ المثاعب، وَقيل: الطل هُوَ الندى: وَقَالَ زيد بن أسلم: هِيَ أَرض مصر، فَإِن لم يصبهَا وابل زكتْ وَإِن أَصَابَهَا أضعفت، أَي: هَذِه الْجنَّة بِهَذِهِ الربوة لَا تمحل أبدا لِأَنَّهَا إِن لم يصبهَا وابل فطلٌّ أيا مَا كَانَ، فَهُوَ كفايتها، وَكَذَلِكَ عمل الْمُؤمنِينَ لَا يبور أبدا بل يتقبله الله مِنْهُ ويكثره وينميه لكل عَامل بِحَسبِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ (الْبَقَرَة: ٥٦٢) . أَي: لَا يخفى عَلَيْهِ من أَعمال عباده شَيْء. قَوْله: (وَإِلَى قَوْله: ﴿من كل الثمرات﴾ (الْبَقَرَة: ٦٦٢) . إِلَى آخِره، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أيود أحدكُم أَن تكون لَهُ جنَّة من نخيل وأعناب تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار لَهُ فِيهَا من كل الثمرات﴾ (الْبَقَرَة: ٦٦٢) . روى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: ضرب الله مثلا حسنا، وكل أَمْثَاله حسن، قَالَ: ﴿أيود أحدكُم. .﴾ (الْبَقَرَة: ٦٦٢) . إِلَى آخِره، وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين. قَوْله: ﴿أيود أحدكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٦٢) . مُتَّصِل بقوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ بالمن والأذى﴾ (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿جنَّة من نخيل وأعناب﴾ (الْبَقَرَة: ٦٦٢) . لِأَن النخيل وَالْأَعْنَاب لما كَانَت من أكْرم الشّجر وأكثرها مَنَافِع خصهما بِالذكر، وَلَفظ: نخيل: جمع نَادِر، وَقيل: هُوَ جنس، وَتَمام الْآيَة: ﴿وأصابه الْكبر وَله ذُرِّيَّة ضعفاء فأصابها إعصار فِيهِ نَار فاحترقت، كَذَلِك يبين الله لكم الْآيَات لَعَلَّكُمْ تتفكرون﴾ (الْبَقَرَة: ٦٦٢) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الهزة فِي: أيود، للإنكار. قَوْله: ﴿وأصابه الْكبر﴾ (الْبَقَرَة: ٦٦٢) . الوا فِيهِ للْحَال: ﴿وَله ذُرِّيَّة ضعفاء﴾ (الْبَقَرَة: ٦٦٢) . وقرىء: ضِعَاف. قَوْله: ﴿إعصارا﴾ (الْبَقَرَة: ٦٦٢) . هُوَ الرّيح الَّتِي تستدير فِي الأَرْض ثمَّ تسطع نَحْو السَّمَاء كالعمود، وَهَذَا مثل لمن يعْمل الْأَعْمَال الْحَسَنَة لَا يَبْتَغِي بهَا وَجه الله، فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة وجدهَا محبطة فيتحسر عِنْد ذَلِك حسرة من كَانَت لَهُ جنَّة من أبهى الْجنان وأجمعها للثمار، فَبلغ الْكبر وَله أَوْلَاد ضِعَاف وَالْجنَّة معاشهم ومنتعشهم، فَهَلَكت بالصاعقة. قَوْله: ﴿كَذَلِك يبين الله لكم الْآيَات﴾ (الْبَقَرَة: ٦٦٢) . يَعْنِي: كَمَا بَين هَذِه الْأَمْثَال: ﴿لَعَلَّكُمْ تتفكرون﴾ (الْبَقَرَة: ٦٦٢) . بِهَذِهِ الْأَمْثَال وتعتبرون بهَا وتنزلونها على المُرَاد مِنْهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتلك الْأَمْثَال نَضْرِبهَا للنَّاس وَمَا يَعْقِلهَا إلَاّ الْعَالمُونَ﴾ (العنكبوت: ٣٤) .
стр. 2463
١٩ - (حَدثنَا عبيد الله بن سعيد قَالَ حَدثنَا أَبُو النُّعْمَان الحكم هُوَ ابْن عبد الله الْبَصْرِيّ قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن سُلَيْمَان عَن أبي وَائِل عَن أبي مَسْعُود ﵁. قَالَ لما نزلت آيَة الصَّدَقَة كُنَّا نحامل فجَاء رجل فَتصدق بِشَيْء كثير فَقَالُوا مرائي وَجَاء رجل فَتصدق بِصَاع فَقَالُوا إِن الله لَغَنِيّ عَن صَاع هَذَا فَنزلت ﴿الَّذين يَلْمِزُونَ الْمُطوِّعين من الْمُؤمنِينَ فِي الصَّدقَات وَالَّذين لَا يَجدونَ إِلَّا جهدهمْ﴾ الْآيَة) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الله لما أنزل آيَة الصَّدَقَة حث النَّبِي ﷺ َ - أَصْحَابه عَلَيْهَا فَمنهمْ من تصدق بِكَثِير وَمِنْهُم من تصدق بِقَلِيل حَتَّى أَن مِنْهُم من يعْمل بِالْأُجْرَةِ فَيتَصَدَّق مِنْهُ كَمَا فهم ذَلِك من الحَدِيث والترجمة أَيْضا تدل على الْحَث على الصَّدَقَة وَإِن كَانَت شقّ تَمْرَة. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول عبيد الله بن سعيد بن يحيى بن برد بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة أَبُو قدامَة بِضَم الْقَاف وَتَخْفِيف الدَّال الْيَشْكُرِي مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي أَبُو النُّعْمَان الحكم بِالْحَاء وَالْكَاف المفتوحتين ابْن عبد الله الْأنْصَارِيّ. الثَّالِث شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع سُلَيْمَان بن مهْرَان الْأَعْمَش. الْخَامِس أَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة. السَّادِس أَو مَسْعُود واسْمه عقبَة الْأنْصَارِيّ البدري وَقد مر (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه ثَلَاثَة مذكورون بالكنى وَفِيه اثْنَان مجردان عَن النِّسْبَة وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن بشر بن خَالِد عَن غنْدر وَفِي الزَّكَاة أَيْضا عَن سعيد بن يحيى بن سعيد وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَن إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن يحيى بن معِين وَبشر بن خَالِد وَعَن بنْدَار وَعَن إِسْحَق بن مَنْصُور وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن بشر بن خَالِد وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَنهُ وَفِي الزَّكَاة أَيْضا عَن الْحُسَيْن بن حُرَيْث وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَأبي كريب كِلَاهُمَا عَن أبي أُسَامَة فِي مَعْنَاهُ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " لما نزلت آيَة الصَّدَقَة " وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة﴾ الْآيَة قَوْله " كُنَّا نحامل " جَوَاب لما مَعْنَاهُ كُنَّا نتكلف الْحمل بِالْأُجْرَةِ لنكتسب مَا نتصدق بِهِ وَفِي رِوَايَة لمُسلم " كُنَّا نحامل على ظُهُورنَا " مَعْنَاهُ نحمل على ظُهُورنَا بِالْأُجْرَةِ ونتصدق من تِلْكَ الْأُجْرَة أَو نتصدق بهَا كلهَا (فَإِن قلت) نحامل من بَاب المفاعلة وَهِي لَا تكون إِلَّا بَين اثْنَيْنِ (قلت) قد يَجِيء هَذَا الْبَاب بِمَعْنى فعل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وسارعوا إِلَى مغْفرَة﴾ أَي أَسْرعُوا ونحامل كَذَلِك بِمَعْنى نحمل وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح قَوْله " نحامل " كَانَ ابْن سَيّده تحامل فِي الْأَمر تكلفه على مشقة وإعياء وتحامل عَلَيْهِ كلفه مَا لَا يُطيق وَفِيه نظر لِأَن هَذَا الْمَعْنى لَا يُنَاسب هَهُنَا وَفِيه التحريض على الاعتناء بِالصَّدَقَةِ وَأَنه إِذا لم يكن لَهُ مَال يتَوَصَّل إِلَى تَحْصِيل مَا يتَصَدَّق بِهِ من حمل بِالْأُجْرَةِ أَو غَيره من الْأَسْبَاب الْمُبَاحَة قَوْله " فجَاء رجل فَتصدق بِشَيْء كثير " هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَالشَّيْء الْكثير كَانَ ثَمَانِيَة آلَاف أَو أَرْبَعَة آلَاف وَفِي أَسبَاب النُّزُول لِلْوَاحِدِيِّ حث رَسُول الله ﷺ َ - على الصَّدَقَة فجَاء عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم شطر مَاله يَوْمئِذٍ وَتصدق يَوْمئِذٍ عَاصِم بن عدي بن عجلَان بِمِائَة وسق من تمر وَجَاء أَبُو عقيل بِصَاع من تمر فَلَمَزَهُمْ المُنَافِقُونَ فَنزلت هَذِه الْآيَة ﴿الَّذين يَلْمِزُونَ الْمُطوِّعين﴾ وَقَالَ السُّهيْلي فِي كِتَابه التَّعْرِيف والإعلام أَبُو عقيل اسْمه حبحاب أحد بني أنيف وَقيل الملموز رِفَاعَة بن سُهَيْل وَقَالَ الإِمَام أَحْمد حَدثنَا يزِيد حَدثنَا الْجريرِي عَن أبي السَّلِيل قَالَ وقف علينا رجل فِي مَجْلِسنَا بِالبَقِيعِ فَقَالَ حَدثنِي أبي أَو عمي أَنه رأى رَسُول الله ﷺ َ - بِالبَقِيعِ وَهُوَ يَقُول من تصدق بِصَدقَة أشهد لَهُ بهَا يَوْم الْقِيَامَة قَالَ فحللت من عمامتي لوثا أَو لوثين وَأَنا أُرِيد أَن أَتصدق بهما فأدركني مَا يدْرك ابْن آدم فعقدت على عمامتي فجَاء رجل لم أر بِالبَقِيعِ رجلا أَشد سوادا مِنْهُ بِبَعِير سَاقه لم أر بِالبَقِيعِ نَاقَة أحسن مِنْهَا
стр. 2464
فَقَالَ يَا رَسُول الله أصدقة قَالَ نعم قَالَ دُونك هَذِه النَّاقة قَالَ فَلَمَزَهُ رجل فَقَالَ هَذَا يتَصَدَّق بِهَذِهِ فوَاللَّه لهي خير مِنْهُ قَالَ فَسَمعَهَا رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ كذبت بل هُوَ خير مِنْك وَمِنْهَا ثَلَاث مَرَّات ثمَّ قَالَ ويل لأَصْحَاب المئين من الْإِبِل ثَلَاثًا قَالُوا أَلا من يَا رَسُول الله قَالَ أَلا من قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَجمع بَين كفيه عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله ثمَّ قَالَ قد أَفْلح المزهد المجهد ثلاثاء المزهد فِي الْعَيْش والمجهد فِي الْعِبَادَة وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي هَذِه الْآيَة قَالَ جَاءَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّة من ذهب إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - وَجَاء رجل من الْأَنْصَار بِصَاع من طَعَام فَقَالَ بعض الْمُنَافِقين وَالله مَا جَاءَ عبد الرَّحْمَن بِمَا جَاءَ بِهِ إِلَّا رِيَاء وَقَالَ إِن الله وَرَسُوله لَغَنِيَّانِ عَن هَذَا الصَّاع وَقَالَ ابْن جرير حَدثنَا ابْن وَكِيع حَدثنَا زيد بن الْحباب عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة حَدثنِي خَالِد بن يسَار عَن ابْن أبي عقيل عَن أَبِيه قَالَ بت أجر الجريد على ظَهْري على صَاعَيْنِ من تمر فَانْقَلَبت بِإِحْدَاهُمَا إِلَى أَهلِي يبلغون بِهِ وَجئْت بِالْآخرِ أَتَقَرَّب إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - وأتيت رَسُول الله ﷺ َ - فَأَخْبَرته فَقَالَ اُنْثُرْهُ فِي الصَّدَقَة قَالَ فَسخرَ الْقَوْم وَقَالَ لقد كَانَ الله غَنِيا عَن صَدَقَة هَذَا الْمِسْكِين فَأنْزل الله ﴿الَّذين يَلْمِزُونَ الْمُطوِّعين﴾ الْآيَة قَوْله " وَجَاء رجل " هُوَ أَبُو عقيل بِفَتْح الْعين وَقد ذكرنَا اسْمه آنِفا قَوْله فَنزلت ﴿الَّذين يَلْمِزُونَ﴾ من اللمز يُقَال لمزه يلمزه ويلمزه إِذا عابه وَكَذَلِكَ همزه يهمزه وَمحل ﴿الَّذين يَلْمِزُونَ﴾ نصب بالذم أَو رفع على الذَّم أَو جر بَدَلا من الضَّمِير فِي (سرهم ونجواهم) قَوْله ﴿الْمُطوِّعين﴾ أَصله المتطوعين فأبدلت التَّاء طاء وأدغمت الطَّاء فِي الطَّاء أَي المتبرعين وَزعم أَبُو إِسْحَق أَن الرِّوَايَة عَن ثَعْلَب بتَخْفِيف الطَّاء وَتَشْديد الْوَاو وَقَالَ هَذَا غير جيد وَالصَّحِيح تشديدها وَأنكر ذَلِك ثَعْلَب عَلَيْهِ وَقَالَ إِنَّمَا هُوَ بِالتَّشْدِيدِ قَوْله ﴿وَالَّذين لَا يَجدونَ إِلَّا جهدهمْ﴾ قَالَ أهل اللُّغَة الْجهد بِالضَّمِّ الطَّاقَة والجهد بِالنّصب الْمَشَقَّة وَقَالَ الشّعبِيّ الْجهد هُوَ الْقُدْرَة والجهد فِي الْعَمَل وَتَمام الْآيَة قَوْله ﴿فيسخرون مِنْهُم سخر الله مِنْهُم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ أَي يستهزؤن بهم ﴿سخر الله مِنْهُم﴾ يَعْنِي يجازيهم جَزَاء سخريتهم وَهَذَا من بَاب الْمُقَابلَة على سوء صنيعهم واستهزائهم بِالْمُؤْمِنِينَ لِأَن الْجَزَاء من جنس الْعَمَل ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ يَعْنِي وجيع دَائِم
٦١٤١ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ يَحْيَى قَالَ حَدثنَا أبي قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ شقِيقٍ عنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِي رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ إذَا أمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أحَدُنَا إلَى السُّوقِ فَتَحَامَلَ فَيُصِيبُ المُدَّ وَإنَّ لِبَعْضِهِمْ اليَوْمَ لِمَائَةَ ألْفٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِذا أمرنَا بِالصَّدَقَةِ) ، والترجمة فِيهَا الْأَمر بِالصَّدَقَةِ.
وَرِجَاله: سعيد بن يحيى بن سعيد أَبُو عُثْمَان الْبَغْدَادِيّ، وَأَبوهُ يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن الْعَاصِ، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وشقيق أَبُو وَائِل، وَقد تقدم عَن قريب، وَقد ذكرنَا عِنْد الحَدِيث السَّابِق أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِي مَوَاضِع.
قَوْله: (فتحامل) ، على وزن: تفَاعل، صِيغَة مَاض، وَقد ذكرنَا مَعْنَاهُ عَن قريب، ويروى: (يحامل) ، على لفظ الْمُضَارع من المفاعلة، وَالْأول من التفاعل. فَافْهَم. قَوْله: (الْمَدّ) ، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الدَّال، وَهُوَ رَطْل وَثلث، سمي بِهِ لِأَنَّهُ ملىء كفي الْإِنْسَان إِذا مدهما. قَوْله: (وَإِن لبَعْضهِم الْيَوْم لمِائَة ألف) ، لفظ: مائَة، اسْم إِن وَخَبره قَوْله: (لبَعْضهِم) ، وَالْيَوْم: ظرف، ومميز الْألف: الدِّرْهَم أَو الدِّينَار، أَو الْمَدّ. قَالَ التَّيْمِيّ: وَالْمَقْصُود وصف شدَّة الزَّمَان فِي أَيَّام رَسُول الله ﷺ وَكَثْرَة الْفتُوح وَالْأَمْوَال فِي أَيَّام الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
٧١٤١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ مَعْقِلٍ، قَالَ سَمِعْتْ عَدِيَّ بنَ حاتِمٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ اتَّقُوا النَّارَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ..
التَّرْجَمَة هِيَ عين الحَدِيث، وَلَا مُطَابقَة أَكثر من هَذَا.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: سُلَيْمَان بن حَرْب أَبُو أَيُّوب الواشجي، وواشج حَيّ من الإزد. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: أَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي. الرَّابِع: عبد الله بن مُغفل، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف وباللام: أَبُو الْوَلِيد الْمُزنِيّ. الْخَامِس: عدي بن حَاتِم الطَّائِي.
стр. 2465
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي قَاضِي مَكَّة وَشعْبَة واسطي وَأَبُو إِسْحَاق وَعبد الله كوفيان.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الزَّكَاة عَن عَوْف بن سَلام الْكُوفِي عَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة عَن أبي إِسْحَاق، وَفِي الْبَاب عَن فضَالة عَن عبيد مَرْفُوعا: (اجعلوا بَيْنكُم وَبَين النَّار حِجَابا وَلَو بشق تَمْرَة) ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَعَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَرْفُوعا بِإِسْنَاد صَحِيح: (ليتق أحدكُم وَجهه النَّار وَلَو بشق تَمْرَة) . رَوَاهُ أَحْمد: وَعَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بِإِسْنَاد حسن: (يَا عَائِشَة استتري من النَّار وَلَو بشق تَمْرَة فَإِنَّهَا تسد من الجائع مسدها من الشبعان) . رَوَاهُ أَحْمد أَيْضا، وَعَن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نَحوه، وَأتم مِنْهُ بِلَفْظ: (تقع من الجائع موقعها من الشبعان) ، رَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي، وَعَن أنس يرفعهُ: (افْتَدَوْا من النَّار وَلَو بشق تَمْرَة) ، رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة، وَعَن ابْن عَبَّاس يرفعهُ: (اتَّقوا النَّار وَلَو بشق تَمْرَة) ، رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة أَيْضا، وَعَن أبي هُرَيْرَة مثله بِإِسْنَاد جيد، رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي (فضل الصَّدَقَة) .
٨١٤١ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنُ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ أبِي بَكْرِ بنِ حَزْمٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ دَخَلَتْ امْرَأةٌ مَعَها ابْنَتَانِ لَهَا تَسْألُ فَلَمْ تَجِدُ عِنْدِي شَيْئا غَيْرَ تَمْرَةٍ فأعْطَيْتُهَا إيَّاهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا ولَمْ تأكُلْ مِنْهَا ثُمَّ قامَتْ فَخَرَجَتْ فَدَخَلَ النبيُّ ﷺ عَلَيْنَا فأخْبَرْتُهُ فقالَ مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هاذِهِ البَنَاتِ بِشيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرا مِنَ النَّارِ.
(الحَدِيث ٨١٤١ طرفه فِي ٥٩٩٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فقسمتها بَين ابنتيها) أَي: لما قسمت التمرة بَينهمَا صَار لكل وَاحِدَة مِنْهُمَا شقّ تَمْرَة، فَدخلت الْأُم فِي عُمُوم قَوْله، ﷺ : (من ابْتُلِيَ) إِلَى آخِره، لِأَنَّهَا مِمَّن ابْتُلِيَ بِشَيْء من الْبَنَات. وَأما مُنَاسبَة فعل عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، للتَّرْجَمَة فَفِي قَوْله: (والقليل من الصَّدَقَة) . فَإِنَّهُ من التَّرْجَمَة أَيْضا.
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة ذكرُوا كلهم، وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة تقدم فِي كتاب الْوَحْي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَمعمر، بِفَتْح الميمين: هُوَ ابْن رَاشد، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَعبد الله بن أبي بكر بن حزم مر فِي: بَاب الْوضُوء مرَّتَيْنِ، وَعُرْوَة هُوَ ابْن الزبير. وَفِيه التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.
(ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَدَب عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن عبد الله بن عبد الرحمان الدَّارمِيّ وَأبي بكر بن إِسْحَاق الصغاني وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن فهزاد وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله عَن ابْن الْمُبَارك وَقَالَ حسن صَحِيح.
(ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله: (لَهَا) فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة لقَوْله (ابنتان) أَي ابنتان كائنتان لَهَا قَوْله (تسْأَل) جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال من الْأَحْوَال الْمقدرَة قَوْله (من هَذِه الْبَنَات) الظَّاهِر أَنَّهَا إِشَارَة إِلَى أَمْثَال الْمَذْكُورَات من أَصْحَاب الْفقر والفاقة وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الأشارة إِلَى جنس الْبَنَات مُطلقًا وَإِنَّمَا قَالَ سترا وَلم أستاراً وَلم يقل أستاراً لِأَن المُرَاد الْجِنْس فَيتَنَاوَل الْقَلِيل وَالْكثير وَقَوله (بِشَيْء) أَي أَحْوَال الْبَنَات أَو من نفس الْبَنَات أَي من ابتلى مِنْهُنَّ بِأَمْر من أمورهن أَو من ابتلى ببنت مِنْهُنَّ سَمَّاهُ ابتلاء لموْضِع الْكَرَاهَة لَهُنَّ كَمَا أخبر الله تَعَالَى. وَفِيه حض على الصَّدَقَة بِالْقَلِيلِ وَإِعْطَاء عَائِشَة التمرة لِئَلَّا ترد السَّائِل خائباً وَهِي تَجِد شَيْئا وروى أَنَّهَا أَعْطَتْ سَائِلًا جُبَّة عِنَب فَجعل يتعجب فَقَالَت كَمَا ترى فِيهَا مِثْقَال ذرة وَمثله قَوْله ﷺ لأبي تَمِيمَة الهُجَيْمِي (لَا تحقرن شَيْئا من الْمَعْرُوف وَلَو أَن تضع فِي دلوك فِي إِنَاء المستسقى) وَفِيه قسْمَة الْمَرْأَة التمرة بَين ابنتيها لما جعل الله فِي قُلُوب الإمهات من الرَّحْمَة. وَفِيه أَن النَّفَقَة على الْبَنَات وَالسَّعْي عَلَيْهِنَّ من أفضل أَعمال الْبر المنجية من النَّار وَكَانَت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا من أَجود النَّاس أَعْطَتْ فِي كَفَّارَة يَمِين أَرْبَعِينَ رَقَبَة وَقيل فعلت ذَلِك
стр. 2466
فِي نذر مُبْهَم وَكَانَت ترى أَنَّهَا لم توف مِمَّا يلْزمهَا فِيهِ وأعانت الْمُنْكَدر فِي كِتَابَته بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم.
١١ - (بابُ أيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ وصَدَقَةُ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ)
أَي: بَاب يذكر فِيهِ أَي الصَّدَقَة من الصَّدقَات أفضل وَأعظم أجرا، هَكَذَا هُوَ التَّرْجَمَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بَاب فضل صَدَقَة الشحيح الصَّحِيح. قَوْله: (وَصدقَة الشحيح) ، بِالرَّفْع عطف على مَا قبله من الْمُقدر تَقْدِيره: وَفضل صَدَقَة الشحيح، وَلم يتَرَدَّد فِيهِ لِأَن فضل صَدَقَة الشحيح الصَّحِيح على غَيره ظَاهر، لِأَن فِيهِ مجاهدة النَّفس على إِخْرَاج المَال الَّذِي هُوَ شَقِيق الرّوح مَعَ قيام مَانع الشُّح، وَلَيْسَ هَذَا إلَاّ من قُوَّة الرَّغْبَة فِي الْقرْبَة وَصِحَّة العقد، فَكَانَ أفضل من غَيره، وَتردد فِي الأول بِكَلِمَة: أَي، الَّتِي هِيَ للاستفهام لِأَن إطلالاق الْأَفْضَلِيَّة فِيهِ مَوضِع التَّرَدُّد. قَوْله: (الشحيح) ، صفة مشبهة من الشُّح، قَالَ ابْن سَيّده: وَالشح وَالشح وَالشح: الْبُخْل، وَالضَّم أَعلَى. وَقد شححت تشح وتشح، وشححت تشح، وَرجل شحيح وشحاح من قوم أشحة وأشحاء ومشحاح، وَنَفس شحة شحيحة، وَعَن ابْن الْأَعرَابِي: وشاحوا فِي الْأَمر، وَعَلِيهِ. وَفِي (الْجَامِع) حكى قوم الشُّح وَالشح، وَأرى أَن يكون الْفَتْح فِي الْمصدر وَالضَّم فِي الإسم وَجمعه فِي أقل الْعدَد أشحة وَلم أسمع غَيره. وَفِي (الْمُنْتَهى) لأبي الْمعَانِي: الشُّح بخل مَعَ حرص، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْحَرْبِيّ فِي كِتَابه (غَرِيب الحَدِيث) : للشح ثَلَاثَة وُجُوه: الأول: أَن تَأْخُذ مَال أَخِيك بِغَيْر حَقه، قَالَ رجل لِابْنِ مَسْعُود: مَا أعطي مَا أقدر على مَنعه، قَالَ: ذَاك الْبُخْل وَالشح أَن تَأْخُذ مَال أَخِيك بِغَيْر حق. الثَّانِي: مَا رُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَنه قَالَ: الشُّح منع الزَّكَاة وإدخار الْحَرَام. الثَّالِث: مَا رُوِيَ: (أَن تصدق وَأَنت صَحِيح شحيح) . قَالَ وَالَّذِي يبرىء من الْوُجُوه الثَّلَاثَة مَا روى (برىء من الشُّح من أدّى الزَّكَاة وقرى الضَّيْف واعطى فِي النائبة) . وَفِي (المغيث) : الشُّح أبلغ فِي الْمَنْع من الْبُخْل، وَالْبخل فِي أَفْرَاد الْأُمُور وخواص الْأَشْيَاء، وَالشح بِالْمَاءِ وَالْمَعْرُوف، وَقيل: الشحيح الْبَخِيل مَعَ التحرص. وَفِي (مجمع الغرائب) : الشُّح المطاع هُوَ الْبُخْل الشَّديد الَّذِي يملك صَاحبه بِحَيْثُ لَا يُمكنهُ أَن يُخَالف نَفسه فِيهِ.
لِقَوْلِهِ ﴿وِأنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أنْ يَأتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتَ﴾ (المُنَافِقُونَ: ٠١) . الْآيَة
علل التَّرْجَمَة بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة لِأَن مَعْنَاهَا التحذير من التسويف بِالْإِنْفَاقِ استبعادا لحلول الْأَجَل واشتغالاً بطول الأمل، والترجمة فِي فضل صَدَقَة الصَّحِيح الشحيح لِأَن فِيهَا مجاهدة النَّفس على الأنفاق خوفًا من هجوم الْأَجَل مَعَ قيام الْمَانِع، وَهُوَ الشُّح. فَلذَلِك كَانَت صدقته أفضل من صَدَقَة غَيره، وَهَذَا هُوَ وَجه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَالْآيَة، وَالْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة الْمُنَافِقين، وَمعنى: ﴿انفقوا﴾ (المُنَافِقُونَ: ٠١) . تصدقوا مِمَّا رزقكم الله من الْأَمْوَال ﴿من قبل أَن يَأْتِي أحدكُم الْمَوْت فَيَقُول رب لَوْلَا أخرتني إِلَى أجل قريب﴾ (المُنَافِقُونَ: ٠١) . يَعْنِي: يَقُول: يَا سَيِّدي ردني إِلَى الدُّنْيَا: ﴿فَأَصدق﴾ يَعْنِي: فأتصدق وَيُقَال أصدق ﴿بِاللَّه وأكن من الصَّالِحين﴾ (المُنَافِقُونَ: ٠١) . يَعْنِي: أفعل مَا فعل المصدقون. وروى الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: من كَانَ لَهُ مَال تجب فِيهِ الزَّكَاة فَلم يزكه، أَو مَال يبلغهُ بَيت ربه فَلم يحجّ، سَأَلَ عِنْد الْمَوْت الرّجْعَة، قَالَ: فَقَالَ رجل: اتَّقِ الله يَا ابْن عَبَّاس، إِنَّمَا سَأَلت الْكفَّار الرّجْعَة. قَالَ ابْن عَبَّاس: إِنِّي أَقرَأ عَلَيْك بِهَذَا الْقُرْآن.
وَقَوْلِهِ ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِما رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أنْ يأتِي يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ الْآيَة
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على: لقَوْله، وَهَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة الْبَقَرَة، وَهَذِه مُتَأَخِّرَة عَن الْآيَة الأولى فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بِالْعَكْسِ، وَقد أَمر الله تَعَالَى هُنَا أَيْضا بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا رزقهم الله فِي سبيلة ليدخروا ثَوَاب ذَلِك عِنْد رَبهم، فَعَلَيْهِم الْمُبَادرَة إِلَى ذَلِك من قبل أَن يَأْتِي يَوْم لَا بيع فِيهِ، أَي: لَا بدل فِيهِ، وَذكر لفظ البيع لما فِيهِ من الْمُعَاوضَة وَأخذ الْبَدَل وَلَا خلة أَي لَيْسَ خَلِيل ينفع فِي ذَلِك الْيَوْم وَلَا شَفَاعَة للْكَافِرِينَ، والكافرون هم الظَّالِمُونَ لأَنهم وضعُوا الْعِبَادَة فِي غير
стр. 2467
موضعهَا، وعولوا على شَفَاعَة الْأَصْنَام، وروى ابْن أبي حَاتِم عَن عَطاء بن دِينَار أَنه قَالَ: الْحَمد لله الَّذِي قَالَ: والكافرون هم الظَّالِمُونَ، وَلم يقل: والظالمون هم الْكَافِرُونَ.
٩١٤١ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا عُمَارَةُ بنُ القَعْقَاعِ قَالَ حَدثنَا أبُو زُرْعَةَ قَالَ حَدثنَا أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ جاءَ رَجَلٌ إلَى النبيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رسولَ الله أيُّ الصَّدَقَةِ أعْظَمُ أجْرا قَالَ أَن تَصَدَّقَ وَأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الفَقْرَ وتَأمُلُ الغِنَى وَلَا تمْهِلُ حَتَّى إذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتُ لِفُلانٍ كَذَا وَلِفُلانٍ كذَا وَقَدْ كانِ لِفُلَانٍ.
(الحَدِيث ٩١٤١ طرفه فِي: ٨٤٧٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَن تصدق وَأَنت صَحِيح شحيح) ، فالصدقة فِي هَذِه الْحَالة أعظم أجرا لِأَن هَذَا القَوْل من النَّبِي ﷺ فِي جَوَاب السَّائِل: (أَي الصَّدَقَة أعظم أجرا؟) فَإِذا كَانَت هَذِه الصَّدَقَة أعظم أجرا كَانَت أفضل من غَيرهَا.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: عبد الْوَاحِد ابْن زِيَاد أَبُو بشر. الثَّالِث: عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن الْقَعْقَاع، بالقافين المفتوحتين والعينين الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن شبْرمَة. الرَّابِع: أَبُو زرْعَة، بِضَم الزَّاي وَسُكُون الرَّاء، قيل: إسمه هرم، وَقيل: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: عَمْرو، وَقد مر فِي: بَاب الْجِهَاد من الْإِيمَان. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي الْإِسْنَاد كُله، وَإِلَى هُنَا مَا وَقع فِي الْكتاب نَظِير هَذَا، وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أحد الروَاة مَذْكُور بِغَيْر نِسْبَة وَالْآخر مَذْكُور بكنيته. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه بصريان، وَعمارَة وَأَبُو زرْعَة كوفيان.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْوَصَايَا عَن مُحَمَّد بن الْعَلَاء عَن أبي أُسَامَة عَن سُفْيَان. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن نمير، وَعَن أبي كَامِل عَن عبد الْوَاحِد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن حَرْب، وَفِي الزَّكَاة عَن مَحْمُود بن غيلَان.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (جَاءَ رجل) ، قيل: يحْتَمل أَن يكون أَبَا ذَر، لِأَنَّهُ فِي مُسْند أَحْمد. سَأَلَ: أَي الصَّدَقَة أفضل؟ وَكَذَا روى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة أَن أَبَا ذَر سَأَلَ: لَكِن جَوَابه جهد من مقل أَو سرى إِلَى فَقير. قَوْله: (قَالَ أَن تصدق) بتَشْديد الصَّاد، وَأَصله: أَن تَتَصَدَّق من بَاب التفعل، فأبدلت إِحْدَى التَّاءَيْنِ صادا وأدغمت الصَّاد فِي الصَّاد، وَيجوز تَخْفيف الصَّاد بِحَذْف إِحْدَى التَّاءَيْنِ، والمتصدق هُوَ الَّذِي يُعْطي الصَّدَقَة، وَأما الْمُصدق فَهُوَ الَّذِي يَأْخُذ الصَّدَقَة من التَّصْدِيق من بَاب التفعيل. فَإِن قلت: مَا مَحل (أَن تصدق) من الْإِعْرَاب؟ قلت: مَرْفُوع على الخبرية، والمبتدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: أعظم الصَّدَقَة أجرا أَن تصدق، أَي: بِأَن تصدق. قَوْله: (وَأَنت صَحِيح) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (شحيح) خبر بعد خبر، قَوْله: (تخشى الْفقر) ، جملَة فعلية وَقعت حَالا. قَوْله: (وَتَأمل الْغنى) عطف على مَا قبله، وَتَأمل بِضَم الْمِيم، أَي: تطمع بالغنى، وَالصَّدَََقَة فِي هَاتين الْحَالَتَيْنِ أَشد مراغمة للنَّفس. قَوْله: (وَلَا تمهل) بِفَتْح اللَّام من الْإِمْهَال، وَهُوَ التَّأْخِير. تَقْدِيره: وَأَن لَا تمهل لِأَنَّهُ مَعْطُوف على قَوْله: (أَن تصدق) ، ويروى بِسُكُون اللَّام على صُورَة النَّهْي. قَوْله: (حَتَّى إِذا بلغت الْحُلْقُوم) ، كلمة: حَتَّى، للغاية، وَالضَّمِير فِي: بلغت، يرجع إِلَى الرّوح بِدلَالَة سِيَاق الْكَلَام عَلَيْهِ، وَالْمرَاد مِنْهُ: قاربت الْبلُوغ، إِذْ لَو بلغته حَقِيقَة لم تصح وَصيته وَلَا شَيْء من تَصَرُّفَاته، والحلقوم هُوَ الْحلق، وَفِي (الْمُخَصّص) عَن أبي عُبَيْدَة: هُوَ مجْرى النَّفس والسعال من الْجوف وَهُوَ أطباق غراضيف لَيْسَ دونه من ظَاهر بَاطِن الْعُضْو إِلَّا جلد، وطرفه الْأَسْفَل فِي الرئة والأعلى فِي أصل عقدَة اللِّسَان، وَمِنْه مخرج البصاق وَالصَّوْت. وَفِي (الْمُحكم) ذكر الْحُلْقُوم فِي: بَاب حلق بِحَذْف زائدته، وهما: الْوَاو وَالْمِيم، وَقَالَ: الْحُلْقُوم كالحلق فعلوم عِنْد الْخَلِيل، وفعلول عِنْد غَيره. قَوْله: (لفُلَان) ، كِنَايَة عَن الْمُوصى لَهُ. وَقَوله: كَذَا كِنَايَة عَن الْمُوصى بِهِ، وَحَاصِل الْمَعْنى: أفضل الصَّدَقَة أَن تَتَصَدَّق حَال حياتك وصحتك مَعَ احتياجك إِلَيْهِ واختصاصك بِهِ، لَا فِي حَال سقمك وَسِيَاق موتك، لِأَن المَال حِينَئِذٍ خرج عَنْك وَتعلق بغيرك، وَيشْهد لهَذَا التَّأْوِيل حَدِيث أبي سعيد: (لِأَن يتَصَدَّق الْمَرْء فِي حَال حَيَاته بدرهم خير لَهُ من أَن يتَصَدَّق بِمِائَة عِنْد مَوته) . وَقَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ: دَلِيل على أَن
стр. 2468
الْمَرَض يقصر يَد الْمَالِك عَن بعض ملكه وَإِن سخاوته بِالْمَالِ فِي مَرضه لَا تمحو عَنهُ سمة الْبُخْل، وَلذَلِك شَرط أَن يكون صَحِيح الْبدن شحيحا بِالْمَالِ، يجد لَهُ وَقعا فِي قلبه لما يأمله من طول الْعُمر، وَيخَاف من حُدُوث الْفقر. قَالَ: والإسمان الْأَوَّلَانِ كِنَايَة عَن الْمُوصى لَهُ، وَالثَّالِث عَن الْوَارِث يُرِيد أَنه إِذا صَار للْوَارِث فَإِنَّهُ إِن شَاءَ أبْطلهُ وَلم يجزه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون كِنَايَة عَن الْمُورث أَي: خرج عَن تصرفه وَكَمَال ملكه واستقلاله بِمَا شَاءَ من التَّصَرُّفَات، فَلَيْسَ لَهُ فِي وَصيته كثير ثَوَاب بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا كَانَ كَامِل التَّصَرُّف. فَإِن قلت: فِي قَوْله: كِنَايَة عَن الْمُورث، نظر لَا يخفى، وروى أَبُو الدَّرْدَاء أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (مثل الَّذِي يعْتق عِنْد الْمَوْت كَالَّذي يهدي إِذا شبع) ، وَلما بلغ مَيْمُون بن مهْرَان أَن رقية امْرَأَة هِشَام مَاتَت واعتقت كل مَمْلُوك لَهَا، قَالَ: يعصون الله فِي أَمْوَالهم مرَّتَيْنِ: يَبْخلُونَ بِمَا فِي أَيْديهم، فَإِذا صَارَت لغَيرهم أَسْرفُوا فِيهَا. قَوْله: (وَقد كَانَ لفُلَان) يُرِيد بِهِ الْوَارِث، كَمَا قَالَه الْخطابِيّ آنِفا، فَإِنَّهُ إِذا شَاءَ لم يجزه، قيل: لَعَلَّه إِذا جَاوَزت الْوَصِيَّة الثُّلُث أَو كَانَت لوَارث وَقبل، سبق الْقَضَاء بِهِ للْمُوصى لَهُ.
(بابٌ)
أَي: هَذَا بَاب، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَسقط هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، فعلى رِوَايَته يكون هَذَا من تَرْجَمَة الْبَاب السَّابِق، وعَلى رِوَايَة غَيره يكون قَوْله: بَاب، كالفصل من الْبَاب، لِأَن دأب المصنفين جرى بِذكر لفظ: كتاب، فِي كَذَا ثمَّ يذكرُونَ فِيهِ أبوابا ثمَّ يذكرُونَ فِي كل بَاب فصولاً.
٠٢٤١ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ فِرَاسٍ عنِ الشَّعْبِيِّ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ بَعْضَ أزْوَاجِ النبيِّ ﷺ قُلْنَ لِللنَّبِيِّ ﷺ أيُّنَا بِكَ لُحُوقا قَالَ أطْوَلُكُنَّ يَدَا فأخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا فكَانَتْ سَوْدَةُ أطْوَلُهُنَّ يَدا فَعَلِمْنَا بَعْدُ أنَّما كانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ وكَانَتْ أسْرَعَنَا لُحُوقا بِهِ وكانَتْ تُحِبِّ الصَّدَقَةَ.
وَجه تعلق هَذَا الحَدِيث بِمَا قبله من حَيْثُ إِنَّه يبين أَن المُرَاد بطول الْيَد الْمُقْتَضِي للحاق بِهِ الطول، بِالْفَتْح، وَذَلِكَ لَا يَأْتِي إلَاّ من الصَّحِيح لِأَنَّهُ لَا يحصل إلَاّ بالمداومة فِي حَال الصِّحَّة.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري، وَقد مضى عَن قريب. الثَّانِي: أَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: واسْمه الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي. الثَّالِث: فراس، بِكَسْر الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء وَفِي آخِره سين مُهْملَة: ابْن يحيى الخارفي، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء وَالْفَاء: الْمكتب. الرَّابِع: عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ. الْخَامِس: مَسْرُوق بن الأجدع. السَّادِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَأَبُو عوَانَة واسطي وفراس وَالشعْبِيّ ومسروق كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية. وَفِيه: أَن أحد الروَاة مَذْكُور بكنيته وَالْآخر بنسبته وَالْآخر مُجَرّد.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة عَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي عَن يحيى بن حَمَّاد عَن أبي عوَانَة عَن فراس عَن الشّعبِيّ بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن بعض أَزوَاج النَّبِي ﷺ قُلْنَ:) بِصِيغَة جمع الْمُؤَنَّث، وَعند ابْن حبَان من طَرِيق يحيى بن حَمَّاد عَن أبي عوَانَة بِهَذَا الْإِسْنَاد، قَالَت: فَقلت، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: فَقُلْنَ، بِصِيغَة الْجمع. قَوْله: (أَيّنَا) إِنَّمَا لم يقل أَيَّتنَا، بتاء التَّأْنِيث لِأَن سِيبَوَيْهٍ يشبه تَأْنِيث: أَي: بتأنيث: كل، فِي قَوْلهم: كلتهن، يَعْنِي: لَيْسَ بفصيحة، ذكره الزَّمَخْشَرِيّ فِي سُورَة لُقْمَان. قَوْله: (لُحُوقا) نصب على التَّمْيِيز، أَي: من حَيْثُ اللحوق بك. قَوْله: (أَطْوَلكُنَّ) مَرْفُوع، يجوز أَن يكون مُبْتَدأ وَيجوز أَن يكون خَبرا. أما الأول: فتقديره: أَطْوَلكُنَّ يدا أسْرع بِي لُحُوقا. وَأما الثَّانِي: فتقديره: أسْرع بِي لُحُوقا أَطْوَلكُنَّ يدا، ويدا نصب على التَّمْيِيز، وَإِنَّمَا لم يقل: طولا، كن، بِلَفْظ: فعلى، لِأَن الْقيَاس هَذَا، لِأَن فِي مثله يجوز الْإِفْرَاد والمطابقة لمن أفعل التَّفْضِيل
стр. 2469
لَهُ، قَوْله: (يَذْرَعُونَهَا) أَي: يقدرونها بِذِرَاع كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ، وَإِنَّمَا ذكر بِلَفْظ جمع الْمُذكر، وَالْقِيَاس ذكر لفظ جمع الْمُؤَنَّث اعْتِبَارا لِمَعْنى الْجمع، أَو عدل إِلَيْهِ كَقَوْل الشَّاعِر:
(وَإِن شِئْت حرمت النِّسَاء سواكم)
ذكره بِلَفْظ جمع الْمُذكر تَعْظِيمًا. قَوْله: (فَكَانَت سَوْدَة) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة، وَفِي رِوَايَة ابْن سعد عَن عَفَّان عَن أبي عوَانَة بِهَذَا الْإِسْنَاد، سَوْدَة بنت زَمعَة القرشية العامرية، تزَوجهَا رَسُول الله، ﷺ ، بعد خَدِيجَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، على الْمَشْهُور. قَوْله: (بعد) مَبْنِيّ على الضَّم، أَي: بعد ذَلِك يَعْنِي: بعد موت أول نِسَائِهِ. قَوْله: (إِنَّمَا) ، بِالْفَتْح، لِأَنَّهُ فِي مَحل مفعول: علمنَا. قَوْله: (طول يَدهَا) ، هُوَ كَلَام إضافي مَنْصُوب، لِأَنَّهُ خبر كَانَت وَالصَّدَََقَة مَرْفُوع لِأَنَّهُ: اسْم كَانَت. قَوْله: (وَكَانَت أَسْرَعنَا لُحُوقا بِهِ) أَي: بِالنَّبِيِّ، ﷺ ، وَالضَّمِير فِي: كَانَت، بِحَسب الظَّاهِر، وَيرجع إِلَى سَوْدَة، وَقد صرح بِهِ البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه الصَّغِير) فِي رِوَايَته عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل بِهَذَا الْإِسْنَاد، فَكَانَت سَوْدَة أَسْرَعنَا. . إِلَى آخِره. وَكَذَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل من طَرِيق الْعَبَّاس الدوري: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَكَذَا فِي رِوَايَة عَفَّان عِنْد أَحْمد وَابْن سعد عَنهُ، وَقَالَ ابْن سعد: قَالَ لنا مُحَمَّد بن عمر، يَعْنِي: الْوَاقِدِيّ، هَذَا الحَدِيث، وهم فِي سَوْدَة، وَإِنَّمَا هُوَ فِي زَيْنَب بنت جحش، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَهِيَ أول نِسَائِهِ بِهِ لُحُوقا. وَتوفيت فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبقيت سَوْدَة إِلَى أَن توفت فِي خلَافَة مُعَاوِيَة فِي شَوَّال سنة أَربع وَخمسين، وَفِي (التَّلْوِيح) : هَذَا الحَدِيث غلط من بعض الروَاة، وَالْعجب من البُخَارِيّ كَيفَ لم يُنَبه عَلَيْهِ، وَلَا مَن بعده من أَصْحَاب التَّعَالِيق، حَتَّى: إِن بعضه فسره بِأَن لُحُوق سَوْدَة من أَعْلَام النُّبُوَّة، وكل ذَلِك وهم، وَإِنَّمَا هِيَ زَيْنَب بنت جحش، فَإِنَّهَا كَانَت أَطْوَلهنَّ يدا بِالْمَعْرُوفِ، وَتوفيت سنة عشْرين، وَهِي أول الزَّوْجَات وَفَاة، وَسَوْدَة توفيت سنة أَربع وَخمسين، وَقد ذكر مُسلم ذَلِك على الصِّحَّة من حَدِيث عَائِشَة بنت طَلْحَة، عَن عَائِشَة، قَالَت: وَكَانَت زَيْنَب أطولنا يدا لِأَنَّهَا كَانَت تعْمل وَتَتَصَدَّق. قلت: أَخذ صَاحب (التَّلْوِيح) هَذَا كُله من كَلَام ابْن الْجَوْزِيّ. وَقَوله: حَتَّى إِن بَعضهم، المُرَاد بِهِ الْخطابِيّ، وَذكر صَاحب (التَّلْوِيح) أَيْضا فَقَالَ: يحْتَمل أَن تكون رِوَايَة البُخَارِيّ لَهَا وَجه، وَهُوَ أَن يكون خطابه، ﷺ ، لمن كَانَ حَاضرا عِنْده، إِذْ ذَاك من الزَّوْجَات، وَأَن سَوْدَة وَعَائِشَة كَانَتَا ثمَّة وَزَيْنَب غَائِبَة لم تكن حَاضِرَة. قلت: هَذَا من كَلَام الطَّيِّبِيّ فَإِنَّهُ قَالَ: يُمكن أَن يُقَال فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ: المُرَاد الحاضرات من أَزوَاجه دون زَيْنَب، فَكَانَت سَوْدَة أولهنَّ موتا. قلت: يرد مَا قَالَه مَا رَوَاهُ ابْن حبَان من رِوَايَة يحيى بن حَمَّاد: أَن نسَاء النَّبِي ﷺ اجْتَمعْنَ عِنْده لم تغادر مِنْهُنَّ وَاحِدَة، وَيُمكن أَن يَأْتِي هَذَا على أحد الْقَوْلَيْنِ فِي وَفَاة سَوْدَة، فقد روى البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) بِإِسْنَاد صَحِيح إِلَى سعيد بن أبي هِلَال، أَنه قَالَ: مَاتَت سَوْدَة فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَجزم الذَّهَبِيّ فِي (التَّارِيخ الْكَبِير) بِأَنَّهَا مَاتَت فِي أُخر خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ ابْن سيد النَّاس: إِنَّه الْمَشْهُور. وَأما على قَول الْوَاقِدِيّ الَّذِي تقدم ذكره فَلَا يَصح وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا الحَدِيث سقط مِنْهُ ذكر زَيْنَب لِاتِّفَاق أهل السّير على أَن زَيْنَب أول من مَاتَ من أَزوَاج النَّبِي ﷺ ، قلت: مُرَاده أَن الصَّوَاب: وَكَانَت زَيْنَب أَسْرَعنَا لُحُوقا بِهِ. وَقَالَ بَعضهم: يُعَكر على هَذَا التَّأْوِيل الرِّوَايَات الْمُصَرّح فِيهَا بِأَن الضَّمِير لسودة. قلت: ابْن بطال لم يؤول، وَلَا يُقَال لمثل هَذَا تَأْوِيل، وَأَرَادَ بالروايات مَا ذَكرْنَاهُ من البُخَارِيّ الَّذِي ذكره فِي (تَارِيخه) وَالْبَيْهَقِيّ وَأحمد، وكل هَذِه الرِّوَايَات لَا تعَارض قَول من قَالَ: مَاتَ بعد رَسُول الله ﷺ من أَزوَاجه زَيْنَب لَا سَوْدَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: أجمع أهل السّير أَن زَيْنَب أول نسَاء رَسُول الله ﷺ موتا بعده، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا رَوَاهُ يُونُس بن بكير فِي (زِيَادَة الْمَغَازِي) وَالْبَيْهَقِيّ فِي (الدَّلَائِل) بِإِسْنَادِهِ عَنهُ عَن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن الشّعبِيّ، التَّصْرِيح بِأَن ذَلِك لِزَيْنَب، وَلَكِن قصر زَكَرِيَّا فِي إِسْنَاده فَلم يذكر مسروقا وَلَا عَائِشَة، وَلَفظه: (قُلْنَ النسْوَة لرَسُول الله ﷺ : أَيّنَا أسْرع بك لُحُوقا؟ قَالَ: أَطْوَلكُنَّ يدا فأخذن يتذارعن أيتهن أطول يدا، فَلَمَّا توفيت زَيْنَب علِمْنَ أَنَّهَا كَانَت أَطْوَلهنَّ يدا فِي الْخَيْر وَالصَّدَََقَة) . وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا مَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي المناقب من (مُسْتَدْركه) من طَرِيق يحيى بن سعيد عَن عمْرَة عَن عَائِشَة، قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ لأزواجه: (أَسْرَعكُنَّ لُحُوقا بِي أَطْوَلكُنَّ يدا. قَالَت عَائِشَة: فَكُنَّا إِذا اجْتَمَعنَا فِي بَيت إحدانا بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ نمد أَيْدِينَا فِي الْجِدَار نتطاول، فَلم نزل نَفْعل ذَلِك حَتَّى توفيت زَيْنَب بنت جحش، وَكَانَت
стр. 2470
امْرَأَة قَصِيرَة وَلم تكن أطولنا، فَعرفنَا حِينَئِذٍ أَن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا أَرَادَ بطول الْيَد: الصَّدَقَة) . وَكَانَت زَيْنَب امْرَأَة صناع بِالْيَدِ، فَكَانَت تدبغ وتخرز وَتصدق فِي سَبِيل الله. قَالَ الْحَاكِم: على شَرط مُسلم، وَهَذِه رِوَايَة مفسرة مبينَة مرجحة لرِوَايَة عَائِشَة بنت طَلْحَة فِي أَمر زَيْنَب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا يَخْلُو أَن يُقَال: إِمَّا أَن فِي الحَدِيث اختصارا وتلفيقا يَعْنِي: اختصر البُخَارِيّ الْقِصَّة وَنقل الْقطعَة الْأَخِيرَة من حَدِيث فِيهِ ذكر زَيْنَب، فالضمائر رَاجِعَة إِلَيْهَا. وَإِمَّا أَنه اكْتفى بشهرة الْحِكَايَة وَعلم أهل هَذَا الشَّأْن بِأَن الأسرع لُحُوقا هِيَ زَيْنَب، فتعود الضمائر إِلَى من هِيَ مُفْردَة فِي أذهانهم. وَإِن أَن يؤول الْكَلَام بِأَن الضَّمِير رَاجع إِلَى الْمَرْأَة الَّتِي هِيَ علم رَسُول الله ﷺ لحوقها بِهِ أَولا، وَعلمنَا بعد ذَلِك أَنَّهَا هِيَ الَّتِي طول صَدَقَة يَديهَا، وَالْحَال أَنَّهَا كَانَت أسْرع لُحُوقا بِهِ، وَكَانَت محبَّة للصدقة. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي لَيْسَ بسديد، لَا من جِهَة التَّوْفِيق بَين الْأَخْبَار، وَلَا من جِهَة مَا يَقْتَضِيهِ تركيب الْكَلَام، بل كَلَامه بعيد جدا من هَذَا الْوَجْه. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قَوْله: (فَعلمنَا بعد) ، يَعْنِي فهمنا من قَوْله: (أَطْوَلكُنَّ يدا) ابْتِدَاء ظَاهره فأخذنا لذَلِك قَصَبَة نذرع بهَا يدا يدا لنَنْظُر أَيّنَا أطول يدا، فَلَمَّا فطنا محبتها الصَّدَقَة، وَعلمنَا أَنه، ﷺ ، لم يرد بِالْيَدِ الْعُضْو، وبالطول طولهَا، بل أَرَادَ الْعَطاء وكثرته، أجريناه على الصَّدَقَة. فاليد هَهُنَا استعادة للصدقة، والطول ترشيح لَهَا لِأَنَّهُ ملائم للمستعار مِنْهُ. وَلَو قيل: أكبركن، لَكَانَ تجريدا لَهَا. وَقيل: وَجه الْجمع أَن فِي قَوْلهَا: فَعلمنَا بعد إِشْعَار بأنهن حملن طول الْيَد على ظَاهره، ثمَّ علِمْنَ بعد ذَلِك خلا مَا اعتقدن أَولا، وَقد انحصر الثَّانِي فِي زَيْنَب للاتفاق على أَنَّهَا آخِرهنَّ موتا، فَتعين أَن تكون هِيَ المرادة، وَكَذَلِكَ بَقِيَّة الضمائر بعد قَوْله: فَكَانَت، وَاسْتغْنى عَن تَسْمِيَتهَا لشهرتها بذلك. انْتهى. وَقَالَ بَعضهم: وَكَأن هَذَا هُوَ السِّرّ فِي كَون البُخَارِيّ حذف لفظ سَوْدَة من سِيَاق الحَدِيث لما أخرجه فِي (الصَّحِيح) لعلمه بالوهم فِيهِ، وَأَنه سَاقه فِي التَّارِيخ (بِإِثْبَات ذكرهَا. انْتهى) قلت: قَول الْقَائِل الأول: فَتعين أَن تكون هِيَ المرادة إِلَى آخِره غير مُسلم، فَمن أَيْن التَّعْيِين من التَّرْكِيب على أَن زَيْنَب هِيَ المرادة؟ وَكَيف تَقول: وَكَذَلِكَ بَقِيَّة الضمائر بعد قَوْله: فَكَانَت؟ وَاسْتغْنى عَن تَسْمِيَتهَا؟ أَي: عَن تَسْمِيَة زَيْنَب لشهرتها بذلك، وَالْمَذْكُور فِيهِ بالتصريح سَوْدَة، وَلَا يُبَادر الذِّهْن إلَاّ إِلَى أَن الضَّمِير فِي فَكَانَت يرجع إِلَى سَوْدَة بِمُقْتَضى حق التَّرْكِيب، وَهَذَا الَّذِي قَالَه خلاف مَا يَقْتَضِيهِ حق التَّرْكِيب، وَقَول بَعضهم: وَكَانَ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي كَون البُخَارِيّ حذف لفظ سَوْدَة إِلَى آخِره كَلَام تمجه الأسماع لِأَنَّهُ كَيفَ يحذف لفظ سَوْدَة فِي (الصَّحِيح) بالوهم ويثبته فِي (التَّارِيخ) وَكَانَ اللَّائِق بِهِ أَن يكون الْأَمر بِالْعَكْسِ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن من حمل الْكَلَام على ظَاهره وَحَقِيقَته لم يلم وَإِن كَانَ مُرَاد الْمُتَكَلّم مجازه، لِأَن نسْوَة النَّبِي ﷺ حملن طول الْيَد على الْحَقِيقَة، فَلم يُنكر عَلَيْهِنَّ. فَإِن قلت: روى الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من طَرِيق يزِيد بن الْأَصَم (عَن مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُنَّ: لَيْسَ ذَلِك، أَعنِي، إِنَّمَا أَعنِي أصنعكن يدا) . قلت: هَذَا حَدِيث ضَعِيف جدا، وَلَو كَانَ ثَابتا لم يحتجن بعد النَّبِي ﷺ إِلَى ذرع أَيْدِيهنَّ، كَمَا مر فِي رِوَايَة عمْرَة عَن عَائِشَة. وَفِيه: دلَالَة على أَن الحكم للمعاني لَا للألفاظ، لِأَن النسْوَة فهمن من طول الْيَد الْجَارِحَة، وَإِنَّمَا المُرَاد بالطول كَثْرَة الصَّدَقَة، قَالَه الْمُهلب، وَلكنه غير مطرد فِي جَمِيع الْأَحْوَال. وَفِيه: علم من أَعْلَام النُّبُوَّة ظَاهر. وَفِيه: أَنه لما كَانَ السُّؤَال عَن آجال مقدرَة لَا تعلم إلَاّ بِالْوَحْي، أجابهنصلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلَفْظ غير صَرِيح، وأحالهن على مَا لَا يتَبَيَّن إلَاّ بِآخِرهِ، وساغ ذَلِك لكَونه لَيْسَ من الْأَحْكَام التكليفية. وَفِيه: على مَا قَالَه بَعضهم جَوَاز إِطْلَاق اللَّفْظ الْمُشْتَرك بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز بِغَيْر قرينَة إِذا لم يكن هُنَاكَ مَحْذُور. قلت: لَيْت شعري مَا اللَّفْظ الْمُشْتَرك هُنَا حَتَّى يجوز إِطْلَاقه بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز؟ فَإِن كَانَ مُرَاده لفظ: الطول، فَهُوَ غير مُشْتَرك، بل هُوَ ترشيح الإستعادة، وَإِن كَانَ مُرَاده لفظ: الْيَد، فَهُوَ لَيْسَ بمشترك هُنَا، بل هُوَ اسْتِعَارَة للصدقة على مَا ذكرنَا.
٢١ - (بابُ صَدَقَةِ العَلَانِيَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر صَدَقَة الْعَلَانِيَة، وَلم يذكر فِيهِ شَيْئا من الحَدِيث، لِأَن الظَّاهِر أَنه لم يجد حَدِيثا فِيهِ على شَرطه، وَاكْتفى بِالْآيَةِ.
وقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ سِرَّا وعَلَانِيَّةً﴾ إِلَى قولِهِ ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٤٧٢) .
стр. 2471
وَقَوله: بِالْجَرِّ، عطف على قَوْله: صَدَقَة الْعَلَانِيَة، وَهُوَ أَيْضا من التَّرْجَمَة، وَقد سَقَطت فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَثبتت لغيره، وَقد اخْتلفُوا فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة، فَذكر الواحدي: أَنَّهَا نزلت فِي أَصْحَاب الْخَيل، وَهُوَ قَول أبي أُمَامَة وَأبي الدَّرْدَاء وَمَكْحُول وَالْأَوْزَاعِيّ عَن رَبَاح، وَرَوَاهُ ابْن غَرِيب عَن أَبِيه عَن جده مَرْفُوعا. قلت: روى ابْن أبي حَاتِم من حَدِيث أبي أُمَامَة أَنَّهَا نزلت فِي أَصْحَاب الْخَيل الَّذين يربطونها فِي سَبِيل الله. وَقَالَ مُجَاهِد والكلبي وَابْن عَبَّاس: نزلت فِي عَليّ بن أبي طَالب، كَانَ عِنْده أَرْبَعَة دَرَاهِم فأنفق بِاللَّيْلِ وَاحِدًا وبالنهار وَاحِدًا وَفِي السِّرّ وَاحِدًا وَفِي الْعَلَانِيَة وَاحِدًا. زَاد الْكَلْبِيّ، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : مَا حملك على هَذَا؟ قَالَ: حَملَنِي أَن أستوجب على الله تَعَالَى الَّذِي وَعَدَني. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا إِن ذَلِك لَك، فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة. وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق أَيْضا بِإِسْنَاد فِيهِ ضعف إِلَى ابْن عَبَّاس، وَرَوَاهُ أَيْضا ابْن جرير من طَرِيق عبد الْوَهَّاب بن مُجَاهِد عَن أَبِيه نَحوه، وَرَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس. وَفِي (الْكَشَّاف) نزلت فِي أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِذا أنْفق أَرْبَعِينَ ألف دِينَار وَعشرَة الْألف سرا وَعشرَة آلَاف جَهرا وَعشرَة آلَاف لَيْلًا وَعشرَة آلَاف نَهَارا. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: قَالَ آخَرُونَ: عَنى بِالْآيَةِ قوما أَنْفقُوا فِي سَبِيل الله فِي غير إِسْرَاف وَلَا تقتير. وَقَالَ قَتَادَة: نزلت فِيمَن أنْفق مَاله فِي سَبِيل الله، لقَوْله: ﷺ : (إِن المكثرين هم الأقلون يَوْم الْقِيَامَة إلَاّ من قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا، عَن يَمِينه وشماله وَقَلِيل مَا هم، هَؤُلَاءِ قوم أَنْفقُوا فِي سَبِيل الله فِي غير سرف وَلَا إملاق وَلَا تبذير وَلَا فَسَاد) . قَوْله إِلَى قَوْله: ﴿وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٤٧٢) . أَرَادَ تَمام الْآيَة، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٤٧٢) . أَي: لَهُم أجرهم يَوْم الْقِيَامَة على مَا فعلوا من الْإِنْفَاق فِي الطَّاعَات، فَلَا خوف عَلَيْهِم عِنْد الْمَوْت، وَلَا هم يَحْزَنُونَ يَوْم الْقِيَامَة.
٣١ - (بابُ صَدَقَةِ السِّرِّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر صَدَقَة السِّرّ، وَلم يذكر فِي هَذَا الْبَاب إلَاّ الحَدِيث الْمُعَلق وَالْآيَة الْكَرِيمَة.
وقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ ورَجُلٌ تصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنعَتْ يَمِينُهُ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن قَوْله: (فأخفاها) أَي: الصَّدَقَة، وَهِي صَدَقَة السِّرّ، وَهَذَا الْمُعَلق ذكره مَوْصُولا فِي: بَاب من جلس فِي الْمَسْجِد ينْتَظر الصَّلَاة، عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى عَن عبيد الله عَن حبيب بن عبد الرَّحْمَن عَن حَفْص بن عَاصِم عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: سَبْعَة يظلهم الله فِي ظله ... الحَدِيث، وَهَذَا الْمُعَلق قِطْعَة مِنْهُ، وَلَكِن لَفظه هُنَاكَ: (وَرجل تصدق بِصَدقَة وأخفى حَتَّى لَا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه) . وَذكره أَيْضا بِتَمَامِهِ فِي الْبَاب الثَّالِث بعد هَذَا الْبَاب، وَهُوَ: بَاب الصَّدَقَة بِالْيَمِينِ، على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (وَرجل) ، عطف على مَا قبله فِي الحَدِيث الْمَذْكُور.
وقالَ الله تَعَالى: ﴿وَإنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ١٧٢) .
مُطَابقَة هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وأولها: ﴿إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ﴾ (الْبَقَرَة: ١٧٢) . أَي: إِن أظهرتموا الصَّدَقَة فَنعم شَيْء هِيَ. وَقيل: فنعمت الْخصْلَة هِيَ، نزلت لما سَأَلُوا النَّبِي ﷺ : صَدَقَة السِّرّ أفضل أم الْجَهْل؟ قَالَ الطَّبَرِيّ: وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ﴾ (الْبَقَرَة: ١٧٢) . إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٤٧٢) . كَانَ هَذَا يعْمل بِهِ قبل أَن تنزل بَرَاءَة، فَلَمَّا نزلت بَرَاءَة بفرائض الصَّدقَات أقربت الصَّدقَات إِلَيْهَا. وَعَن قَتَادَة: ﴿إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ وَإِن تخفوها﴾ (الْبَقَرَة: ١٧٢) . كل مَقْبُول إِذا كَانَت النِّيَّة صَادِقَة، وَصدقَة السِّرّ أفضل. وَذكر لنا أَن الصَّدَقَة تطفىء الْخَطِيئَة كَمَا يطفىء المَاء النَّار. وَقَالَهُ أَيْضا الرّبيع، وَعَن ابْن عَبَّاس: جعل الله صَدَقَة السِّرّ فِي التَّطَوُّع تفضل علانيتها يُقَال: بسبعين ضعفا، وَجعل صَدَقَة الْفَرِيضَة علانيتها تفضل من سرها يُقَال بِخَمْسَة وَعشْرين ضعفا، وَكَذَلِكَ جَمِيع الْفَرَائِض والنوافل فِي الْأَشْيَاء كلهَا. وَقَالَ سُفْيَان: هُوَ سوى الزَّكَاة، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا عَنى الله جلّ ثَنَاؤُهُ بقوله: ﴿إِن تبدوا الصَّدقَات﴾ (الْبَقَرَة: ١٧٢) . يَعْنِي على أهل الْكِتَابَيْنِ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَنعما
стр. 2472
هِيَ، وَإِن تخفوها وتؤتوها فقراءهم فَهُوَ خير لكم. قَالُوا: فَأَما من أعْطى فُقَرَاء الْمُسلمين من زَكَاة وَصدقَة وتطوع فإخفاؤه أفضل، ذكر ذَلِك يزِيد بن أبي حبيب. وَنقل الطَّبَرِيّ وَغَيره الْإِجْمَاع على أَن الإعلان فِي صَدَقَة الْفَرْض أفضل من الْإخْفَاء وَصدقَة التَّطَوُّع على الْعَكْس من ذَلِك. وَنقل أَبُو إِسْحَاق الزّجاج أَن إخفاء الزَّكَاة فِي زمن النَّبِي، ﷺ ، كَانَ أفضل، فَأَما بعده فَإِن الظَّن يساء بِمن أخفاها، فَلهَذَا كَانَ إِظْهَار الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة أفضل. وَقَالَ أَبُو عَطِيَّة: وَيُشبه فِي زَمَاننَا أَن يكون الْإخْفَاء بِصَدقَة الْفَرْض أفضل، فقد كثر الْمَانِع لَهَا وَصَارَ إخْرَاجهَا عرضة للرياء. قَوْله: ﴿إِن تبدوا﴾ (الْبَقَرَة: ١٧٢) . قَالَ الزّجاج: يَعْنِي: تظهروا، يُقَال: بدا يَبْدُو إِذا ظهر، وأبديته إبداء إِذا أظهرته، وبدا لي بداء إِذا تغير رَأْيه عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ. قَوْله: ﴿فَنعما هِيَ﴾ (الْبَقَرَة: ١٧٢) . فِيهِ قراآت موضعهَا فِي محلهَا. قَوْله: ﴿وَإِن تخفوها﴾ (الْبَقَرَة: ١٧٢) . من الْإخْفَاء، يُقَال: أخفيت الشَّيْء إخفاء إِذا سترته، وخفي الشَّيْء خَفَاء إِذا استتر، وخفيته أخفيه خفِيا إِذا أظهرته. وَأهل الْمَدِينَة يسمون النباش المختفي. وَفِي تَفْسِير ابْن كثير. قَوْله: ﴿وَإِن تخفوها وتؤتوها الْفُقَرَاء﴾ (الْبَقَرَة: ١٧٢) . فِيهِ دَلِيل على أَن إسرار الصَّدَقَة أفضل من إظهارها، لِأَنَّهُ أبعد عَن الرِّيَاء إلَاّ أَن يتربت على الْإِظْهَار مصلحَة راجحة من اقْتِدَاء النَّاس بِهِ، فَيكون أفضل من هَذِه الْحَيْثِيَّة، والإسرار أفضل لهَذِهِ الْآيَة. وَلما ثَبت فِي (الصَّحِيح) عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (سَبْعَة يظلهم الله) الحَدِيث، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: حَدثنَا يزِيد بن هَارُون أخبرنَا الْعَوام بن حَوْشَب عَن سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان عَن أنس بن مَالك، عَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (لما خلق الله الأَرْض جعلت تميد، فخلق الْجبَال فألقاها عَلَيْهَا فاستقرت، فتعجب الْمَلَائِكَة من خلق الْجبَال، فَقَالَت: يَا رب، فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من الْجبَال؟ فَقَالَ: نعم الْحَدِيد. قَالَت: يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من الْحَدِيد؟ قَالَ: نعم النَّار. قَالَت: يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من النَّار؟ قَالَ: نعم المَاء. قَالَت: يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من المَاء؟ قَالَ: نعم الرّيح. قَالَت: يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من الرّيح؟ قَالَ: نعم، ابْن آدم يتَصَدَّق بِيَمِينِهِ فيخفيها من شِمَاله) . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي، قَالَ: حَدثنَا الْحُسَيْن بن زِيَاد الْمحَاربي، مُؤذن محَارب، أخبرنَا مُوسَى بن عُمَيْر عَن عَامر الشّعبِيّ. فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ وَإِن تخفوها وتؤتوها الْفُقَرَاء فَهُوَ خير لكم﴾ (الْبَقَرَة: ١٧٢) . قَالَ: أنزلت فِي أبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. أما عمر: فجَاء بِنصْف مَاله حَتَّى دَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : مَا خلفت وَرَاءَك لأهْلك يَا عمر؟ قَالَ: خلفت لَهُم نصف مَالِي. وَأما أَبُو بكر، فجَاء بِمَالِه كُله، فكاد أَن يخفيه من نَفسه حَتَّى دَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : مَا خلفت وَرَاءَك يَا أَبَا بكر؟ فَقَالَ: عدَّة الله وعدة رَسُوله، فَبكى عمر، وَقَالَ: بِأبي أَنْت يَا أَبَا بكر، وَالله مَا أسبقنا إِلَى بَاب خير قطّ ألَاّ كنت سَابِقًا، وَتَمام الْآيَة الْمَذْكُورَة: ﴿ونكفر عَنْكُم من سَيِّئَاتكُمْ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾ (الْبَقَرَة: ١٧٢) . أَي: نكفر عَنْكُم بدل الصَّدقَات من سَيِّئَاتكُمْ أَي من ذنوبكم، قَرَأَ ابْن عَامر وَعَاصِم من رِوَايَة حَفْص: يكفر، بِالْيَاءِ وَضم الرَّاء، وَقَرَأَ حَمْزَة وَنَافِع وَالْكسَائِيّ: ونكفر، بالنُّون وَجزم الرَّاء، وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَعَاصِم فِي رِوَايَة أبي بكر: ونكفر، بالنُّون وَضم الرَّاء ﴿وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾ (الْبَقَرَة: ١٧٢) . أَي: لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك وسيجزيكم عَلَيْهِ، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
٤١ - (بابٌ إذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهْوَ لَا يَعْلَمُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا تصدق رجل على شخص غَنِي، وَالْحَال أَنه لم يعلم أَنه غَنِي، يَعْنِي ظَنّه فَقِيرا. وَجَوَاب: إِذا، مُقَدّر أَي: فصدقته مَقْبُولَة، وَإِن كَانَت وَقعت فِي غير محلهَا لعدم التَّقْصِير من جِهَته.
٢٥ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ أخبرنَا شُعَيْب قَالَ حَدثنَا أَبُو الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ -. قَالَ قَالَ رجل لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد سَارِق فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق على سَارِق فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج
стр. 2473
بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَدي زَانِيَة فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على زَانِيَة فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على زَانِيَة لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَدي غَنِي فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق على غَنِي فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على سَارِق وعَلى زَانِيَة وعَلى غَنِي فَأتي فَقيل لَهُ أما صدقتك على سَارِق فَلَعَلَّهُ أَن يستعف عَن سَرقته وَأما الزَّانِيَة فلعلها أَن تستعف عَن زنَاهَا وَأما الْغَنِيّ فَلَعَلَّهُ أَن يعْتَبر فينفق مِمَّا أعطَاهُ الله) مطابقته للتَّرْجَمَة من قَوْله " فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد غَنِي " (فَإِن قلت) الْمَذْكُور فِي الحَدِيث ثَلَاثَة أَشْيَاء فَمَا وَجه التَّرْجَمَة فِي التَّصَدُّق على الْغَنِيّ (قلت) التَّصَدُّق على الْغَنِيّ لَا يجوز على كل حَال حَتَّى إِذا أعْطى زَكَاته لَغَنِيّ يَظُنّهُ فَقِيرا ثمَّ بَان لَهُ أَنه غَنِي يُعِيد زَكَاته عِنْد الْبَعْض على مَا نذكرهُ عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما دَفعهَا إِلَى سَارِق فَقِيرا وَإِلَى زَانِيَة فقيرة فَهُوَ جَائِز بِلَا خلاف. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة قد ذكرُوا غير مرّة وَأَبُو الْيَمَان بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف الحكم بن نَافِع الْحِمصِي وَشُعَيْب بن حَمْزَة الْحِمصِي وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون ذكْوَان والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِي رِوَايَة مَالك فِي الغرائب للدارقطني عَن أبي الزِّنَاد أَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز أخبرهُ أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة وَفِيه راويان مذكوران بكنيتهما وَالْآخر بلقبه وَالْآخر مُجَردا عَن نِسْبَة فَافْهَم. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة بِالْإِسْنَادِ وَأخرجه مُسلم من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج " عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ قَالَ رجل لأتصدقن اللَّيْلَة بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد زَانِيَة فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على زَانِيَة قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على زَانِيَة لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد غَنِي فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق على غَنِي قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على غَنِي لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد سَارِق فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق على سَارِق فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على زَانِيَة وعَلى غَنِي وعَلى سَارِق فَأتى فَقيل لَهُ أما صدقتك فقد قبلت أما الزَّانِيَة فلعلها تستعف بهَا عَن زنَاهَا وَلَعَلَّ الْغَنِيّ يعْتَبر فينفق مِمَّا أعطَاهُ الله وَلَعَلَّ السَّارِق يستعف بهَا عَن سَرقته " (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " قَالَ رجل " لم يعرف اسْمه وَوَقع عِنْد أَحْمد من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن الْأَعْرَج فِي هَذَا الحَدِيث أَنه كَانَ من بني إِسْرَائِيل قَوْله " لأتصدقن " فِي معرض الْقسم فَلذَلِك أكده بِاللَّامِ وَالنُّون الْمُشَدّدَة كَأَنَّهُ قَالَ وَالله لأتصدقن وَهُوَ من بَاب الِالْتِزَام كالنذر قَوْله " بِصَدقَة " وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة عَن أبي أُميَّة عَن أبي الْيَمَان بِهَذَا الْإِسْنَاد " لأتصدقن اللَّيْلَة " وَفِي رِوَايَة مُسلم " لأتصدقن فِي اللَّيْلَة بِصَدقَة " قَوْله " فوضعها فِي يَد سَارِق " أَي فَوضع صدقته فِي يَد سَارِق من غير أَن يعلم أَنه سَارِق قَوْله " فَأَصْبحُوا " أَي الْقَوْم الَّذين فيهم هَذَا الرجل الْمُتَصَدّق قَوْله " يتحدثون " فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ خبر أَصْبحُوا الَّذِي هُوَ من الْأَفْعَال النَّاقِصَة قَوْله " تصدق " على صِيغَة الْمَجْهُول هَذَا إِخْبَار فِي معنى التَّعَجُّب وَالْإِنْكَار وَفِي رِوَايَة أبي أُميَّة " تصدق اللَّيْلَة على سَارِق " وَفِي رِوَايَة ابْن لَهِيعَة " تصدق على فلَان السَّارِق " قَوْله " فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد " أَي على تصدقي على سَارِق هَذَا وَارِد إِمَّا إنكارا أَو إِمَّا تَعَجبا أما الْإِنْكَار فَأن يجْرِي الْحَمد على الشُّكْر وَذَلِكَ أَنه لما جزم أَن يتَصَدَّق على مُسْتَحقّ لَيْسَ بعده بِدلَالَة التنكير فِي صَدَقَة أبرز كَلَامه فِي معرض القسمية تَأْكِيدًا وقطعا للقبول بِهِ فَلَمَّا جوزي بِوَضْعِهِ على يَد سَارِق حمد الله بِأَنَّهُ لم يقدر على من هُوَ أَسْوَأ حَالا من السَّارِق وَأما التَّعَجُّب فَأن يجْرِي الْحَمد على غير الشُّكْر وَأَن يعظم الله تَعَالَى عِنْد رُؤْيَة الْعجب كَمَا يُقَال سُبْحَانَ الله عِنْد مُشَاهدَة مَا يتعجب مِنْهُ وللتعظيم قرن بِهِ اللَّهُمَّ قَوْله " لَك الْحَمد على زَانِيَة " قَالَ الطَّيِّبِيّ لما قَالُوا تصدق على زَانِيَة تعجب هُوَ أَيْضا من فعل نَفسه وَقَالَ الْحَمد لله على زَانِيَة أَي أَتصدق عَلَيْهَا فَهُوَ مُتَعَلق بِمَحْذُوف انْتهى (قلت) معنى قَوْله على زَانِيَة مُتَعَلق بِمَحْذُوف وَهُوَ قَوْله أتصدقت وَلَيْسَ هُوَ مُتَعَلقا بقوله لَك الْحَمد وَلم يفهم معنى هَذَا بَعضهم حَتَّى قَالَ وَلَا يخفى بعد هَذَا وَقَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) مَا معنى الْحَمد عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يكون إِلَّا على أَمر جميل وَمَا فَائِدَة تَقْدِيم
стр. 2474
لَك (قلت) التَّقْدِيم يُفِيد الِاخْتِصَاص أَي لَك الْحَمد لَا لي على زَانِيَة حَيْثُ كَانَ التَّصَدُّق عَلَيْهَا بإرادتك لَا بإرادتي وَإِرَادَة الله تَعَالَى كلهَا جميلَة حَتَّى إِرَادَة الله الإنعام على الْكفَّار قَوْله " تصدق اللَّيْلَة على زَانِيَة " على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا وَكَذَلِكَ لفظ تصدق الثَّالِث قَوْله " فَأتى " على صِيغَة الْمَجْهُول أَي رأى فِي الْمَنَام أَو سمع هاتفا ملكا أَو غَيره أَو أخبرهُ نَبِي أَو أفتاه عَالم وَقَالَ ابْن التِّين يحْتَمل أَن يكون أخبرهُ بذلك نَبِي زَمَانه أَو أخبر فِي نَومه وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح لَو رأى مَا فِي مستخرج أبي نعيم لما احْتَاجَ إِلَى هَذَا التخرص وَهُوَ قَوْله فساءه ذَلِك فَأتى فِي مَنَامه فَقيل لَهُ إِن الله قد قبل صدقتك وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي مُسْند الشامين عَن أَحْمد بن عبد الْوَهَّاب عَن أبي الْيَمَان بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور فساءه ذَلِك فَأتى فِي مَنَامه قَوْله " أما صدقتك على سَارِق " زَاد أَبُو أُميَّة " فقد قبلت " وَفِي رِوَايَة مُوسَى بن عقبَة وَابْن لَهِيعَة " أما صدقتك فقد قبلت " وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ " إِن الله قد قبل صدقتك " قَوْله " لَعَلَّه أَن يستعف " لَعَلَّ من الله تَعَالَى على معنى الْقطع والختم وَأَنه تَارَة يسْتَعْمل اسْتِعْمَال عَسى وَتارَة اسْتِعْمَال كَاد قَوْله " عَن زنَاهَا " قَالَ ابْن التِّين روينَاهُ بِالْمدِّ وَعند أبي ذَر بِالْقصرِ وَهِي لُغَة أهل الْحجاز وَالْمدّ لأهل نجد (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ دلَالَة على أَن الصَّدَقَة كَانَت عِنْدهم فِي أيامهم مُخْتَصَّة بِأَهْل الْحَاجة من أهل الْخَيْر وَلِهَذَا تعجبوا من الصَّدَقَة على الْأَصْنَاف الثَّلَاثَة. وَفِيه دَلِيل على أَن الله يَجْزِي العَبْد على حسب نِيَّته فِي الْخَيْر لِأَن هَذَا الْمُتَصَدّق لما قصد بِصَدَقَتِهِ وَجه الله تَعَالَى قبلت مِنْهُ وَلم يضرّهُ وَضعهَا عِنْد من لَا يَسْتَحِقهَا وَهَذَا فِي صَدَقَة التَّطَوُّع وَأما الزَّكَاة فَلَا يجوز دَفعهَا إِلَى الْأَغْنِيَاء. وَفِيه اعْتِبَار لمن تصدق عَلَيْهِ بِأَن يتَحَوَّل عَن الْحَال المذمومة إِلَى الْحَال الممدوحة ويستعف السَّارِق من سَرقته والزانية من زنَاهَا والغني من إِمْسَاكه. وَفِيه فضل صَدَقَة السِّرّ وَفضل الْإِخْلَاص. وَفِيه اسْتحبَّ إِعَادَة الصَّدَقَة إِذا لم تقع الْموقع. وَفِيه أَن الحكم للظَّاهِر حَتَّى يتَبَيَّن خِلَافه. وَفِيه التَّسْلِيم والرضى وذم التضجر بِالْقضَاءِ وَفِيه مَا يحْتَج بِهِ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد فِيمَا إِذا أعْطى زَكَاته لشخص وظنه فَقِيرا فَبَان أَنه غَنِي سَقَطت عَنهُ تِلْكَ الزَّكَاة وَلَا تجب عَلَيْهِ الْإِعَادَة وَحكي ذَلِك أَيْضا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ وَالْحسن بن صَالح لَا يجْزِيه وَعَلِيهِ الْإِعَادَة وَهُوَ قَول الثَّوْريّ لِأَنَّهُ لم يضع الصَّدَقَة موضعهَا وَأَخْطَأ فِي اجْتِهَاده كَمَا لَو نسي المَاء فِي رَحْله وَتيَمّم لصَلَاة لم يجزه فَافْهَم (فَإِن قيل) هَذَا الْخَبَر خَاص وَقع فِيهِ الِاطِّلَاع على قبُول الصَّدَقَة برؤيا صَادِقَة اتّفق وُقُوعهَا فَهَل يتَعَدَّى هَذَا الحكم إِلَى غَيره (قيل لَهُ) إِن التَّنْصِيص فِي هَذَا الْخَبَر على رَجَاء الاستعفاف فَيدل ذَلِك على التَّعْدِيَة فَيَقْتَضِي ارتباط الْقبُول بِهَذِهِ الْأَسْبَاب
٥١ - (بابٌ إذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ وَهْوَ لَا يَشْعُرُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا تصدق شخص على ابْنه وَالْحَال أَنه لَا يشْعر، وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف تَقْدِيره: جَازَ، وَإِنَّمَا حذفه إِمَّا اختصارا وَإِمَّا اكْتِفَاء بِمَا دلّ حَدِيث الْبَاب عَلَيْهِ. وَقيل: إِنَّمَا حذفه لِأَنَّهُ يصير لعدم شعوده كَالْأَجْنَبِيِّ.
٢٦ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف قَالَ حَدثنَا إِسْرَائِيل قَالَ حَدثنَا أَبُو الجويرية أَن معن بن يزِيد ﵁ حَدثهُ قَالَ بَايَعت رَسُول الله ﷺ َ - أَنا وَأبي وجدي وخطب عَليّ فأنكحني وخاصمت إِلَيْهِ وَكَانَ أبي يزِيد أخرج دَنَانِير يتَصَدَّق بهَا فوضعها عِنْد رجل فِي الْمَسْجِد فَجئْت فأخذتها فَأَتَيْته بهَا فَقَالَ وَالله مَا إياك أردْت فَخَاصَمته إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ لَك مَا نَوَيْت يَا يزِيد وَلَك مَا أخذت يَا معن) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن يزِيد أعْطى دَنَانِير للرجل ليتصدق عَنهُ وَلم يحْجر عَلَيْهِ فجَاء ابْنه معن وَأَخذهَا من الرجل فَكَانَ يزِيد هُوَ السَّبَب فِي وُقُوع صدقته فِي يَد ابْنه فَكَأَنَّهُ تصدق عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يشْعر. (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. الأول مُحَمَّد بن
стр. 2475
يُوسُف الْفرْيَابِيّ وَقد مر. الثَّانِي إِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَق السبيعِي. الثَّالِث أَبُو الجويرة مصغر الْجَارِيَة بِالْجِيم وَالرَّاء حطَّان بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الطَّاء الْمُهْملَة وبالنون ابْن جفاف بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْفَاء الأولى الْجرْمِي بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء. الرَّابِع معن بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة ابْن يزِيد من الزِّيَادَة السّلمِيّ بِضَم السِّين الْمُهْملَة يُقَال أَنه شهد بَدْرًا مَعَ أَبِيه وجده وَلم يتَّفق ذَلِك لغَيرهم وَقيل لم يُتَابع على ذَلِك فقد روى أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق صَفْوَان بن عَمْرو عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير بن نفير عَن يزِيد بن الْأَخْنَس السّلمِيّ أَنه أسلم فَأسلم مَعَه جَمِيع أَهله إِلَّا امْرَأَة وَاحِدَة أَبَت أَن تسلم فَأنْزل الله تَعَالَى على رَسُوله ﴿وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ فَهَذَا دَال على أَن إِسْلَامه كَانَ مُتَأَخِّرًا لِأَن الْآيَة مُتَأَخِّرَة الْإِنْزَال عَن بدر قطعا وَاسم جده الْأَخْنَس بن حبيب السّلمِيّ وَقيل ثَوْر وَمِمَّنْ قَالَه الطَّبَرَانِيّ وَابْن مَنْدَه وَأَبُو نعيم فترجموا فِي كتبهمْ لثور وَسَاقُوا حَدِيث الْبَاب من طَرِيق الْجراح وَالِد وَكِيع عَن أبي الجويرية عَن معن بن يزِيد بن ثَوْر السّلمِيّ (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه أَن سَماع أبي الجويرية عَن معن ومعن أَمِير على غزَاة الرّوم فِي خلَافَة مُعَاوِيَة وَفِيه أَن شَيْخه سكن قيسارية من الشَّام وَإِسْرَائِيل وحطان ومعن كوفيون وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَنا " تَأْكِيد للضمير الْمَرْفُوع الَّذِي فِي بَايَعت قَوْله " وَأبي " هُوَ يزِيد قَوْله " وجدي " هُوَ الْأَخْنَس بن حبيب قَوْله " وخطب عَليّ " أَي خطب النَّبِي ﷺ َ - عَليّ يُقَال خطب الْمَرْأَة إِلَى وَليهَا إِذا أرادها الْخَاطِب لنَفسِهِ وعَلى فلَان إِذا أرادها لغيره قَالَ الْكرْمَانِي الْفَاعِل هُوَ رَسُول الله ﷺ َ - لِأَنَّهُ أقرب الْمَذْكُورين قَوْله " فأنكحني " أَي طلب لي الْإِنْكَاح فأجبت ومقصود معن من ذَلِك بَيَان أَنْوَاع علاقاته من الْمُبَايعَة وَغَيرهَا من الْخطْبَة عَلَيْهِ وإنكاحه وَعرض الْخُصُومَة عَلَيْهِ قَوْله " وخاصمت إِلَيْهِ " أَي إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - وَلَفظ خاصمته ثَانِيًا تَفْسِير لقَوْله " خَاصَمت إِلَيْهِ " قَوْله " وَكَانَ أبي يزِيد " وَيزِيد بِالرَّفْع عطف بَيَان لقَوْله أبي وَلَيْسَ بِبَدَل كَمَا قَالَه بَعضهم على مَا لَا يخفى قَوْله " فوضعها عِنْد رجل " أَي فَوضع الدَّنَانِير الَّتِي أخرجهَا للصدقة عِنْد رجل وَفِيه حذف تَقْدِيره عِنْد رجل وَأذن لَهُ أَن يتَصَدَّق بهَا على من يحْتَاج إِلَيْهَا إِذْنا مُطلقًا من غير تعْيين نَاس فَجئْت فأخذتها يَعْنِي من الرجل الَّذِي أذن لَهُ فِي التَّصَدُّق بِاخْتِيَار مِنْهُ لَا بطرِيق الْغَصْب وَوَقع عِنْد الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أبي حَمْزَة الْيَشْكُرِي عَن أبي الجويرية فِي هَذَا الحَدِيث (قلت) وَمَا كَانَت خصومتك قَالَ كَانَ رجل يغشى الْمَسْجِد فَيتَصَدَّق على رجال يعرفهُمْ فَظن أَنِّي بعض من يعرف فَذكر الحَدِيث قَوْله " وَالله مَا إياك أردْت " يَعْنِي قَالَ يزِيد لِابْنِهِ معن مَا إياك أردْت فِي الصَّدَقَة وَلَو أردْت أَنَّك تأخذها لناولتها لَك وَلم أوكل فِيهَا قَوْله " فَخَاصَمته " أَي خَاصَمت أبي يزِيد إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " لَك مَا نَوَيْت يَا يزِيد " يَعْنِي من أجر الصَّدَقَة لِأَنَّهُ نوى أَن يتَصَدَّق بهَا على من يحْتَاج إِلَيْهَا وابنك يحْتَاج إِلَيْهَا وَقَالَ ﷺ َ - أَيْضا " وَلَك مَا أخذت يَا معن " لِأَنَّك أخذت مُحْتَاجا إِلَيْهَا ومفعول كل من نَوَيْت وَأخذت مَحْذُوف (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ دَلِيل على الْعَمَل بالمطلقات على إِطْلَاقهَا لِأَن يزِيد فوض إِلَى الرجل بِلَفْظ مُطلق فنفذ فعله وَفِيه جَوَاز التحاكم بَين الْأَب وَالِابْن وخصومته مَعَه وَلَا يكون هَذَا عقوقا إِذا كَانَ ذَلِك فِي حق على أَن مَالِكًا ﵀ كره ذَلِك وَلم يَجعله من بَاب الْبر واختياري هَذَا وَفِيه أَن مَا خرج إِلَى الابْن من مَال الْأَب على وَجه الصَّدَقَة أَو الصِّلَة أَو الْهِبَة لَا رُجُوع للْأَب فِيهِ وَهُوَ قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَاتفقَ الْعلمَاء على أَن الصَّدَقَة الْوَاجِبَة لَا تسْقط عَن الْوَالِد إِذا أَخذهَا وَلَده حاشا التَّطَوُّع قَالَ ابْن بطال وَعَلِيهِ حمل حَدِيث معن وَعند الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى يجوز أَن يَأْخُذهَا لولد بِشَرْط أَن يكون غارما أَو غازيا فَيحمل حَدِيث معن على أَنه كَانَ متلبسا بِأحد هذَيْن النَّوْعَيْنِ قَالُوا وَإِذا كَانَ الْوَلَد أَو الْوَالِد فَقِيرا أَو مِسْكينا وَقُلْنَا فِي بعض الْأَحْوَال لَا تجب نَفَقَته فَيجوز لوالده أَو لوَلَده دفع الزَّكَاة إِلَيْهِ من سهم الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين بِلَا خلاف عِنْد الشَّافِعِي لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْأَجْنَبِيِّ وَقَالَ ابْن التِّين يجوز دفع الصَّدَقَة الْوَاجِبَة إِلَى الْوَلَد بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا أَن يتَوَلَّى غَيره من صرفهَا إِلَيْهِ وَالثَّانِي أَن لَا يكون فِي عِيَاله فَإِن كَانَ فِي عِيَاله وَقصد إعطاءه فروى مطرف
стр. 2476
عَن مَالك لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يفعل ذَلِك فَإِن فعله فقد أَسَاءَ وَلَا يضمن إِن لم يقطع عَن نَفسه إِنْفَاقه عَلَيْهِم قَالَ ابْن حبيب فَإِن قطع الْإِنْفَاق عَن نَفسه بذلك لم يجزه وَاخْتلفُوا فِي دفع الزَّكَاة إِلَى سَائِر الْأَقَارِب المحتاجين الَّذين لَا يلْزمه نَفَقَتهم فَروِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه يجْزِيه وَهُوَ قَول عَطاء وَالقَاسِم وَأحمد وَقَالُوا هِيَ لَهُم صَدَقَة وصلَة وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَطَاوُس لَا يُعْطي قرَابَته من الزَّكَاة وَهُوَ قَول أَشهب وَذكر ابْن الْمَوَّاز عَن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه كره أَن يخص قرَابَته بِزَكَاتِهِ وَإِن لم تلْزمهُ نفقاتهم وَمِمَّنْ قَالَ بِإِعْطَاء الْأَقَارِب مَا لم يَكُونُوا فِي عِيَاله ابْن عَبَّاس وَابْن الْمسيب وَعَطَاء وَالضَّحَّاك وَطَاوُس وَمُجاهد حَكَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي المُصَنّف عَنْهُم وَفِي مُسْند الدَّارمِيّ من حَدِيث حَكِيم مَرْفُوعا " أفضل الصَّدَقَة على ذِي الرَّحِم الْكَاشِح " وَفِيه جَوَاز الافتخار بالمواهب الربانية والتحدث بنعم الله تَعَالَى وَفِيه جَوَاز الِاسْتِخْلَاف فِي الصَّدَقَة لَا سِيمَا فِي التَّطَوُّع لِأَن فِيهِ نوع أسرار وَفِيه أَن للمتصدق جَزَاء مَا نَوَاه سَوَاء صَادف الْمُسْتَحق أَو لَا
٦١ - (بابُ الصَّدَقَةِ بِاليَمِينِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الصَّدَقَة بِالْيَمِينِ فاضلة أَو مَرْغُوب فِيهَا.
٣٢٤١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني خُبَيْبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ حَفْصِ بنِ عَاصِمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَاّ ظِلِّهُ إمَامٌ عَدْلٌ وَشابٌ نَشَأ فِي عِبَادَةِ الله ورَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ ورَجُلانِ تحَابَّا فِي الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وتَفَرَّقَا عليهِ ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمالٍ فَقَالَ إنِّي أخافُ الله ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ ورَجُلٌ ذَكَرَ الله خالِيا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَرجل تصدق بِصَدقَة فأخفاها حَتَّى لَا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه) ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب من جلس فِي الْمَسْجِد ينْتَظر الصَّلَاة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى. . إِلَى آخِره. نَحوه وَيحيى، هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
٤٢٤١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ الجَعْدِ قَالَ أخبرنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبرنِي مَعْبَدُ بنُ خالِدٍ قَالَ سَمِعْتُ حارِثَةَ ابنَ وَهْبٍ الخُزَاعِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ تَصَدَّقُوا فَسَيأتِي عَلَيْكُمْ زَمانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأمْسِ لَقَبِلْتُهَا مِنْكَ فأمَّا اليَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا..
قيل مطابقته للتَّرْجَمَة من جِهَة أَنه اشْترك مَعَ الَّذِي قبله فِي كَون كل مِنْهُمَا حَامِلا لصدقته، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ حَامِلا لَهَا بِنَفسِهِ كَانَ أخْفى لَهَا، فَكَانَ لَا يعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه. انْتهى. قلت: مَا أبعد هَذَا من الْمُطَابقَة لِأَن مَعْنَاهَا أَن يُطَابق الحَدِيث التَّرْجَمَة، وَهنا التَّرْجَمَة: بَاب الصَّدَقَة بِالْيَمِينِ، فَيَنْبَغِي أَن يكون فِي الحَدِيث مَا يُطَابق التَّرْجَمَة بِوَجْه من الْوُجُوه، وَهَذَا الَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل إِنَّمَا هُوَ الْمُطَابقَة بِالْجَرِّ الثقيل بَين الْحَدِيثين، وَقَوله: لِأَنَّهُ إِذا كَانَ حَامِلا لَهَا بِنَفسِهِ كَانَ أخْفى لَهَا ... إِلَى آخِره غير مُسلم، لِأَن إخفاءها للحامل لَيْسَ من اللوازم، وَلَكِن يُمكن أَن يُوَجه شَيْء للمطابقة وَإِن كَانَ بالتعسف، وَهُوَ أَن اللَّائِق لحامل الصَّدَقَة ليتصدق بهَا إِلَى من يحْتَاج إِلَيْهَا أَن يَدْفَعهَا بِيَمِينِهِ لفضل الْيَمين على الشمَال، فَعِنْدَ التَّصَدُّق بِالْيَمِينِ يكون مطابقا لقَوْله: بَاب الصَّدَقَة بِالْيَمِينِ.
стр. 2477
وَقد مضى الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب الصَّدَقَة قبل الرَّد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن آدم عَن شُعْبَة. . أُلى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
٧١ - (بابُ مَنْ أمَرَ خادِمَهُ بِالصَّدَقَةِ ولَمْ يُنَاوِلْ بِنَفْسِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال من أَمر خادمه بِالصَّدَقَةِ، يَعْنِي: أمره بِأَن يتَصَدَّق عَنهُ وَلم يناول الصَّدَقَة للْفَقِير بِنَفسِهِ، وَالْخَادِم الَّذِي يخْدم غَيره أَعم من أَن يكون مَمْلُوكا أَو أَجِيرا أَو مُتَبَرعا بِالْخدمَةِ. قيل: فَائِدَة قَوْله: وَلم يناول بِنَفسِهِ، التَّنْبِيه على أَن ذَلِك مِمَّا يغْتَفر، وَأَن قَوْله فِي الْبَاب الَّذِي قبله: الصَّدَقَة بِالْيَمِينِ، لَا يلْزم مِنْهُ الْمَنْع من إعطائها بِالْغَيْر، وَإِن كَانَت الْمُبَاشرَة بِنَفسِهِ أولى. انْتهى. قلت: فَائِدَة قَوْله: وَلم يناول بِنَفسِهِ، التَّأْكِيد فِي عدم المناولة بِنَفسِهِ وَالتَّصْرِيح بِهِ، لِأَنَّهُ يجوز أَن يَأْمر خادمه بِالصَّدَقَةِ ثمَّ ناول بِنَفسِهِ قبل أَن يُبَاشر الْخَادِم أَو يَأْمُرهُ بهَا، ثمَّ ينهاه عَنْهَا. وَأما قَوْله فِي الْبَاب الَّذِي قبله: بَاب الصَّدَقَة بِالْيَمِينِ، أَعم من أَن يكون بِيَمِين الْمُتَصَدّق بِنَفسِهِ أَو بِيَمِين خادمه أَو وَكيله. فَإِن قلت: مَا فَائِدَة وضع هَذِه التَّرْجَمَة وَلَا يعلم مِنْهَا حكم؟ قلت: قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : كَأَن البُخَارِيّ أَرَادَ بِهَذِهِ مُعَارضَة مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة عَن عَبَّاس بن عبد الرَّحْمَن الْمدنِي، قَالَ: خصلتان لم يكن النَّبِي ﷺ يليهما إِلَى أحد من أَهله: كَانَ يناول الْمِسْكِين بِيَدِهِ، وَيَضَع الطّهُور لنَفسِهِ. وَفِي (التَّرْغِيب) للجوزي، بِسَنَد صَالح عَن ابْن عَبَّاس: كَانَ النَّبِي ﷺ لَا يكل طهوره وَلَا صدقته الَّتِي يتَصَدَّق بهَا إِلَى أحد، يكون هُوَ الَّذِي يتولاهما بِنَفسِهِ. انْتهى. قلت: الَّذِي يظْهر من كَلَامه أَن الْمُتَصَدّق بِنَفسِهِ والمأمور بِالصَّدَقَةِ عَنهُ كِلَاهُمَا فِي الْأجر سَوَاء على مَا يُشِير إِلَيْهِ مَا ذكره فِي الْبَاب، وَإِنَّمَا أطلق التَّرْجَمَة وَلم يشر إِلَى شَيْء من ذَلِك اكْتِفَاء بِمَا ذكره فِي الْبَاب، وَقد جرت عَادَته بذلك فِي مَوَاضِع عديدة، وَلَا مُعَارضَة هَهُنَا لِأَن مقَام النَّبِي ﷺ أَعلَى المقامات، فَإِذا أَمر بِشَيْء يَفْعَله أحد هَل يُقَال: إِنَّه يحصل لَهُ من الْأجر مثل مَا يحصل للنَّبِي ﷺ ؟ وَلَئِن سلمنَا التَّعَارُض ظَاهرا فَلَا نسلم أَنه تعَارض حَقِيقَة لعدم التَّسَاوِي بَين مَا ذكره فِي الْبَاب وَبَين غَيره.
وَقَالَ أَبُو مُوسى عنِ النبيِّ ﷺ هُوَ أحَدُ المُتَصَدِّقِينٌّ
أَبُو مُوسَى هُوَ الْأَشْعَرِيّ، واسْمه: عبد الله بن قيس، وَهَذَا التَّعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث ذكره مَوْصُولا يَأْتِي بعد سِتَّة أَبْوَاب فِي: بَاب أجر الْخَادِم إِذا تصدق. فَإِن الْمَذْكُور فِيهِ الخازن أحد المتصدقين، وَالضَّمِير أَعنِي قَوْله: (هُوَ) ، يرجع إِلَى الخازن. فَإِن قلت: التَّرْجَمَة فِيهَا لفظ الْخَادِم، والْحَدِيث فِيهِ لفظ الخازن فَلَا مُطَابقَة بَينهمَا؟ قلت: الخازن خَادِم للْمَالِك فِي الخزن، وَإِن لم يكن خَادِمًا حَقِيقَة. وَقد قُلْنَا إِن لفظ الْخَادِم أَعم. قَوْله: (هُوَ أحد المتصدقين) بِلَفْظ التَّثْنِيَة كَمَا يُقَال: الْقَلَم أحد اللسانين مُبَالغَة، أَي: الْخَادِم والمتصدق بِنَفسِهِ متصدقان لَا تَرْجِيح لأَحَدهمَا على الآخر فِي أصل الْأجر، قَالُوا: وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون مِقْدَار ثوابهما سَوَاء، لِأَن الْأجر فضل من الله يؤتيه من يَشَاء. ذكر الْقُرْطُبِيّ أَنه لم يرو إلَاّ بالتثنية، وَيصِح أَن يُقَال على الْجمع، وَيكون مَعْنَاهُ أَنه متصدق من جملَة المتصدقين، وبنحوه ذكره ابْن التِّين وَغَيره.
٥٢٤١ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ شَقِيقٍ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ قَالَ رسولُ الله ﷺ إذَا أنفَقَتِ المرْأةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كانَ لَهَا أجْرُهَا بِمَا أنْفَقَتْ وَلِزَوْجِهَا أجْرُهُ بِمَا كَسَبَ وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذالِكَ لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أجْرَ بَعْضٍ شَيْئا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وللخازن مثل ذَلِك) ، وَقد قُلْنَا: إِن للخازن خَادِم للْمَالِك فِي الخزن. فَإِن قلت: التَّرْجَمَة مُقَيّدَة بِالْأَمر وَلَيْسَ فِي الحَدِيث ذَلِك؟ قلت: الخازن أَمِين وَلَيْسَ لَهُ أَن يتَصَرَّف إلَاّ بِإِذن الْمَالِك، إِمَّا نصا وَإِمَّا عَادَة، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَة أمينة لَا يجوز لَهَا التَّصَرُّف إلَاّ بِإِذن زَوجهَا إِمَّا نصا وَإِمَّا عَادَة فِي الْأَشْيَاء الَّتِي لَا تؤلم زَوجهَا وتطيب بهَا نَفسه، فَلذَلِك قيد
стр. 2478
بقوله: غير مفْسدَة، وإفسادها إِنَّمَا يكون بِغَيْر إِذن الزَّوْج أَو بِمَا يؤلم زَوجهَا خَارِجا عَن الْعَادة على مَا نقرره عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة، كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَعُثْمَان هُوَ ابْن مُحَمَّد بن أبي شيبَة واسْمه: إِبْرَاهِيم أَبُو الْحسن الْكُوفِي أَخُو أبي بكر بن أبي شيبَة، وَجَرِير بن عبد الحميد وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر وشقيق بن سَلمَة ومسروق بن الأجدع.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن جَرِيرًا رازي أَصله من الْكُوفَة والبقية كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة عَن عمر بن حَفْص بن غياث عَن أَبِيه وَعَن قُتَيْبَة عَن جرير كِلَاهُمَا عَن الْأَعْمَش وَعَن آدم عَن شُعْبَة عَن الْأَعْمَش وَمَنْصُور كِلَاهُمَا عَن أبي وَائِل بِهِ، وَفِيه عَن يحيى بن يحيى، وَفِيه، وَفِي الْبيُوع عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة، كِلَاهُمَا عَن جرير عَن مَنْصُور بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن يحيى بن يحيى وَزُهَيْر ابْن حَرْب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، ثَلَاثَتهمْ عَن جرير، وَعَن مُحَمَّد بن يحيى وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن نمير عَن أَبِيه. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة عَن مَنْصُور بِهِ وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن غيلَان، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن قدامَة عَن جرير عَن مَنْصُور بِهِ، وَعَن أَحْمد بن حَرْب عَن أبي مُعَاوِيَة بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير بِهِ. وَأخرج التِّرْمِذِيّ هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن عَمْرو بن مرّة، قَالَ: سَمِعت أَبَا وَائِل يحدث عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (إِذا تَصَدَّقت الْمَرْأَة من بَيت زَوجهَا كَانَ لَهَا أجر ولزوجها مثل ذَلِك وللخازن مثل ذَلِك وَلَا ينقص كل وَاحِد مِنْهُم من أجر صَاحبه شَيْئا، لَهُ بِمَا كسب وَلها بِمَا أنفقت) . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن. وَالطَّرِيق الآخر: عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن المؤمل عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن أبي وَائِل عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة، قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا أَعْطَتْ الْمَرْأَة من بَيت زَوجهَا بِطيب نفس غير مفْسدَة كَانَ لَهَا مثل أجره لَهَا مَا نَوَت حسنا وللخازن مثل ذَلِك) . ثمَّ قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حسن صَحِيح، وَهُوَ أصح من حَدِيث عَمْرو بن مرّة عَن أبي وَائِل، وَعَمْرو بن مرّة لَا يذكر فِي حَدِيثه عَن مَسْرُوق. فَإِن قلت: قَالَ الطوسي: حَدِيث عَمْرو حسن صَحِيح؟ قلت: فِيهِ نظر، لِأَن الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ: رَوَاهُ جرير عَن الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق، وَرَوَاهُ عبد الصَّمد بن حسان عَن الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن أبي وَائِل عَن الْأسود، وَوهم فِي قَوْله: وَرَوَاهُ معَاذ بن معَاذ وَأَبُو قُتَيْبَة عَن شُعَيْب عَن عَمْرو بن مرّة عَن أبي وَائِل عَن مَسْرُوق، وَرَوَاهُ عبد الله بن أبي جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن الحكم بن عمَارَة عَن عُمَيْر عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، وَوهم فِيهِ، وَالصَّحِيح: عَن الْأَعْمَش وَمَنْصُور عَن أبي وَائِل عَن مَسْرُوق.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا أنفقت الْمَرْأَة) ، وَفِي رِوَايَة لِلتِّرْمِذِي: (إِذا تَصَدَّقت الْمَرْأَة) ، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ: (إِذا أَعْطَتْ الْمَرْأَة من بَيت زَوجهَا) . قَوْله: (من طَعَام بَيتهَا) ، قيد بِهِ، لِأَنَّهُ يسمح بِهِ عَادَة بِخِلَاف الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير فَإِن إنفاقها مِنْهَا لَا يجوز إلَاّ بِالْإِذْنِ. قَوْله: (غير مفْسدَة) نصب على الْحَال قيد بِهِ لِأَنَّهَا إِذا كَانَت مفْسدَة بِأَن تجاوزت الْمُعْتَاد فَإِنَّهُ لَا يجوز. قَوْله: (كَانَ لَهَا) أَي: للْمَرْأَة (أجرهَا) أَي لأجل إنفاقها غير مفْسدَة (ولزوجها أجره بِمَا كسب) أَي: بِسَبَب كَسبه، وَالْمعْنَى أَن المشارك فِي الطَّاعَة مشارك فِي الْأجر، وَمعنى المشارك أَن لَهُ أجرا كَمَا لصَاحبه أجر، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَن يزاحمه فِي أجره، أَو المُرَاد الْمُشَاركَة فِي أصل الثَّوَاب، فَيكون لهَذَا ثَوَاب وَإِن كَانَ أَحدهمَا أَكثر، وَلَا يلْزم أَن يكون مِقْدَار ثوابهما سَوَاء، بل يكون ثَوَاب هَذَا أَكثر وَقد يكون بعكسه. قَوْله: (وللخازن مثل ذَلِك) أَي: مثل ذَلِك الْأجر، والخازن هُوَ الَّذِي يكون بِيَدِهِ حفظ الطَّعَام والمأكول من خَادِم وقهرمان، وَقد قُلْنَا: إِنَّه أَعم من مَمْلُوك وَغَيره، فَإِذا أعْطى الْمَالِك لخازنه أَو امْرَأَته أَو غَيرهمَا مائَة دِرْهَم أَو نَحْوهَا ليوصلها إِلَى مستحقي الصَّدَقَة على بَاب دَاره أَو نَحوه. فأجر الْمَالِك أَكثر، وَإِن أعطَاهُ رمانة أَو رغيفا أَو نَحْوهمَا ليذْهب بِهِ إِلَى مُحْتَاج فِي مَسَافَة بعيدَة بِحَيْثُ يُقَابل مشي الذَّاهِب إِلَيْهِ بِأُجْرَة تزيد على الرمانة والرغيف، فأجر الْوَكِيل أَكثر،، وَقد يكون عمله قدر الرَّغِيف مثلا، فَيكون مِقْدَار الْأجر سَوَاء. فَإِن قلت: روى
стр. 2479
مُسلم من حَدِيث يزِيد بن عبيد، قَالَ: سَمِعت عُمَيْرًا مولى أبي اللَّحْم قَالَ: أَمرنِي مولَايَ أَن أقدد لَحْمًا، فجَاء مِسْكين فأطعمته مِنْهُ، فَعلم مولَايَ بذلك فضربني، فَأتيت رَسُول الله ﷺ فَذكرت ذَلِك لَهُ، فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: لِمَ ضَربته؟ قَالَ: يُعْطي طَعَامي من غير أَن آمره. فَقَالَ: الْأجر بَيْنكُمَا. قلت: مَعْنَاهُ: بَيْنكُمَا قِسْمَانِ، وَإِن كَانَ أَحدهمَا أَكثر، وَأَشَارَ القَاضِي عِيَاض إِلَى أَنه يحْتَمل أَيْضا أَن يكون سَوَاء، لِأَن الْأجر فضل من الله تَعَالَى، وَلَا يدْرك بِقِيَاس وَلَا هُوَ بِحَسب الْأَعْمَال، وَذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يَشَاء، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَالْمُخْتَار الأول. قَوْله: (لَا ينقص بَعضهم أجر بعض شَيْئا) شَيْئا: مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول لقَوْله: (لَا ينقص) ، وَقَوله: أجر، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: من أجر بعض، أَو هُوَ مفعول أول لقَوْله: لَا ينقص، لِأَنَّهُ ضد يزِيد وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مفعولين، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَزَادَهُم الله مَرضا﴾ (الْبَقَرَة: ٠١) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اخْتلف النَّاس فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ بَعضهم: هَذَا على مَذْهَب النَّاس بالحجاز، وبغيرها من الْبلدَانِ: إِن رب الْبَيْت قد يَأْذَن لأَهله وَعِيَاله وللخادم فِي الْإِنْفَاق بِمَا يكون فِي الْبَيْت من طَعَام أَو أدام، وَيُطلق أَمرهم فِيهِ إِذا حَضَره السَّائِل وَنزل الضَّيْف، وحضهم رَسُول الله ﷺ على لُزُوم هَذِه الْعَادة وَوَعدهمْ الثَّوَاب عَلَيْهِ، وَقيل: هَذَا فِي الْيَسِير الَّذِي لَا يُؤثر نقصانه وَلَا يظْهر، وَقيل: هَذَا إِذا علم مِنْهُ أَنه لَا يكره الْعَطاء فيعطي مَا لم يجحف، وَهَذَا معنى قَوْله: غير مفْسدَة، وَفرق بَعضهم بَين الزَّوْجَة وَالْخَادِم: بِأَن الزَّوْجَة لَهَا حق فِي مَال الزَّوْج وَلها النّظر فِي بَيتهَا، فَجَاز لَهَا أَن تَتَصَدَّق بِمَا لَا يكون إسرافا، لَكِن بِمِقْدَار الْعَادة، وَمَا يعلم أَنه لَا يؤلم زَوجهَا. فَأَما الْخَادِم فَلَيْسَ لَهُ تصرف فِي مَتَاع مَوْلَاهُ وَلَا حكم، فَيشْتَرط الْإِذْن فِي عَطِيَّة الْخَادِم دون الزَّوْجَة. فَإِن قلت: أَحَادِيث هَذَا الْبَاب جَاءَت مُخْتَلفَة. فَمِنْهَا: مَا يدل على منع الْمَرْأَة أَن تنْفق من بَيت زَوجهَا إلَاّ بِإِذْنِهِ، وَهُوَ حَدِيث أبي أُمَامَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، قَالَ: حَدثنَا هناد حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش حَدثنَا شُرَحْبِيل بن مُسلم الْخَولَانِيّ (عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي خطبَته عَام حجَّة الْوَدَاع: لَا تنْفق امْرَأَة شَيْئا من بَيت زَوجهَا إلَاّ بِإِذن زَوجهَا. قيل: يَا رَسُول الله وَلَا الطَّعَام؟ قَالَ: ذَاك أفضل أَمْوَالنَا) . وَقَالَ: حَدِيث حسن وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا. وَمِنْهَا: مَا يدل على الْإِبَاحَة بِحُصُول الْأجر لَهَا فِي ذَلِك، وَهُوَ حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور. وَمِنْهَا: مَا قيد فِيهِ التَّرْغِيب فِي الْإِنْفَاق بِكَوْنِهِ بِطيب نفس مِنْهُ، وبكونها غير مفْسدَة، وَهُوَ حَدِيث عَائِشَة أَيْضا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث مَسْرُوق عَنْهَا، قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا أَعْطَتْ الْمَرْأَة من بَيت زَوجهَا بِطيب نفس غير مفْسدَة. .) الحَدِيث. وَمِنْهَا: مَا هُوَ مُقَيّد بِكَوْنِهَا غير مفْسدَة، وَإِن كَانَ من غير أمره، وَهُوَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث همام بن مُنَبّه عَن أبي هُرَيْرَة. قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا تصم الْمَرْأَة وبعلها شَاهد إلَاّ بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأذن فِي بَيته وَهُوَ شَاهد إلَاّ بِإِذْنِهِ، وَمَا أنفقت من كَسبه من غير أمره فَإِن نصف أجره لَهُ) . وَمِنْهَا: مَا قيد الحكم فِيهِ بِكَوْنِهِ رطبا، وَهُوَ حَدِيث سعد ابْن أبي وَقاص، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة زِيَاد بن جُبَير (عَن سعد، قَالَ: لما بلغ رَسُول الله ﷺ النِّسَاء قَامَت امْرَأَة جليلة كَأَنَّهَا من نسَاء مُضر فَقَالَت: يَا نَبِي الله أنأكل من عمل آبَائِنَا وأبنائنا؟) قَالَ أَبُو دَاوُد: وَأرى فِيهِ (وَأَزْوَاجنَا فَمَا يحل لنا من أَمْوَالهم؟ قَالَ: الرطب تأكليه وتهديه) ، قَالَ أَبُو دَاوُد: الرطب الْخبز والبقل وَالرّطب. قلت: الرطب الأول، بِفَتْح الرَّاء وَالثَّانِي بضَمهَا، وَهُوَ رطب التَّمْر، وَكَذَلِكَ الْعِنَب وَسَائِر الْفَوَاكِه الرّطبَة دون الْيَابِسَة. قلت: كَيْفيَّة الْجمع بَينهمَا أَن ذَلِك يخْتَلف باخْتلَاف عادات الْبِلَاد وباختلاف حَال الزَّوْج من مسامحته. وَرضَاهُ بذلك أَو كَرَاهَته لذَلِك، وباختلاف الْحَال فِي الشَّيْء الْمُنفق بَين أَن يكون شَيْئا يَسِيرا يتَسَامَح بِهِ، وَبَين أَن يكون لَهُ خطر فِي نفس الزَّوْج يبخل بِمثلِهِ، وَبَين أَن يكون ذَلِك رطبا يخْشَى فَسَاده إِن تَأَخّر، وَبَين أَن يكون يدّخر وَلَا يخْشَى عَلَيْهِ الْفساد.
٨١ - (بابٌ لَا صَدَقَةَ إلَاّ عنْ ظَهْرِ غِنَى)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: لَا صَدَقَة إلَاّ عَن ظهر غنى، وَهَذِه التَّرْجَمَة لفظ حَدِيث أخرجه أَحْمد عَن أبي هُرَيْرَة من طَرِيق عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة. قَالَ: (لَا صَدَقَة إلَاّ عَن ظهر غنى) ، وَكَذَا ذكره البُخَارِيّ فِي الْوَصَايَا تَعْلِيقا، وَلَفظ حَدِيث الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (خير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهر غنى) . قَالَ الْخطابِيّ: الظّهْر قد يُزَاد فِي مثل
стр. 2480
هَذَا إشباعا للْكَلَام وَالنَّفْي فِيهِ للكمال لَا للْحَقِيقَة، وَالْمعْنَى: لَا صَدَقَة كَامِلَة إلَاّ عَن ظهر غنى، وَالظّهْر مُضَاف إِلَى غنى وَهُوَ بِكَسْر الْغَيْن مَقْصُورا ضد الْفقر، قَالَ ابْن قرقول، وَمِنْه خير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهر غنى، أَي: مَا أبقت غنى. قيل: مَعْنَاهُ الصَّدَقَة بِالْفَضْلِ عَن قوت عِيَاله وَحَاجته، وَقَالَ الْخطابِيّ: أفضل الصَّدَقَة مَا أخرجه الْإِنْسَان من مَال بعد أَن يستبقي مِنْهُ قدر الْكِفَايَة لأَهله وَعِيَاله، وَلذَلِك يَقُول: وابدأ بِمن تعول. وَقَالَ محيي السّنة: أَي: غنى مستظهر بِهِ على النوائب الَّتِي تنوبه.
وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهْوَ مُحْتَاجٌ أوْ أهْلُهُ مُحْتَاجٌ أوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فالدَّيْنُ أحَقُّ أنْ يُقْضَى مِنَ الصَّدَقَةِ والعِتْقِ والهِبَةِ وَهْوَ رَدٌّ عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ أنْ يُتْلِفَ أمْوَالَ النَّاسِ
هَذَا كُله من التَّرْجَمَة وَقع تَفْسِيرا لقَوْله: (لَا صَدَقَة إِلَّا عَن ظهر غنى) ، وَالْمعْنَى أَن شَرط التَّصَدُّق أَن لَا يكون مُحْتَاجا وَلَا أَهله مُحْتَاجا وَلَا يكون عَلَيْهِ دين فَإِذا كَانَ عَلَيْهِ دين فَالْوَاجِب أَن يقْضِي دينه، وَقَضَاء الدّين أَحَق من الصَّدَقَة وَالْعِتْق وَالْهِبَة لِأَن الِابْتِدَاء بالفرائض قبل النَّوَافِل، وَلَيْسَ لأحد إِتْلَاف نَفسه وَإِتْلَاف أَهله وإحياء غَيره، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ إحْيَاء غَيره بعد إحْيَاء نَفسه وَأَهله إِذْ هما أوجب عَلَيْهِ من حق سَائِر النَّاس. قَوْله: (وَهُوَ مُحْتَاج) جملَة إسمية وَقعت حَالا، والجملتان بعْدهَا أَيْضا حَال. قَوْله: (فالدين أَحَق) جَزَاء الشَّرْط، وَفِيه مَحْذُوف أَي: فَهُوَ أَحَق وَأَهله أَحَق وَالدّين أَحَق. قَوْله: (وَهُوَ رد) أَي: غير مَقْبُول، لِأَن قَضَاء الدّين وَاجِب وَالصَّدَََقَة تطوع وَمن أَخذ دينا وَتصدق بِهِ وَلَا يجد مَا يقْضِي بِهِ الدّين فقد دخل تَحت وَعِيد من أَخذ أَمْوَال النَّاس، وَمُقْتَضى قَوْله: (وَهُوَ رد عَلَيْهِ) أَن يكون الدّين الْمُسْتَغْرق مَانِعا من صِحَة التَّبَرُّع، لَكِن هَذَا لَيْسَ على الْإِطْلَاق وَإِنَّمَا يكون مَانِعا إِذا حجر عَلَيْهِ الْحَاكِم، وَأما قبل الْحجر فَلَا يمْنَع، كَمَا تقرر ذَلِك فِي مَوْضِعه فِي الْفِقْه، فعلى هَذَا إِمَّا يحمل إِطْلَاق البُخَارِيّ عَلَيْهِ أَو يكون مذْهبه أَن الدّين الْمُسْتَغْرق يمْنَع مُطلقًا، وَلَكِن هَذَا خلاف مَا قَالَه الْعلمَاء، حَتَّى إِن ابْن قدامَة وَغَيره نقلوا الْإِجْمَاع على أَن الْمَنْع إِنَّمَا يكون بعد الْحجر.
وَقَالَ النبيُّ ﷺ : مَنْ أخَذَ أمْوَالَ النَّاسِ يُريدُ إتْلَافَهَا أتْلَفَهُ الله
هَذَا أَيْضا من التَّرْجَمَة، قد ذكر فِيهَا خَمْسَة أَحَادِيث معلقَة هَذَا أَولهَا وَهَذَا طرف من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَصله البُخَارِيّ فِي الاستقراض فِي: بَاب من أَخذ أَمْوَال النَّاس يُرِيد أداءها أَو إتلافها: حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن عبد الله الأويسي حَدثنَا سُلَيْمَان عَن بِلَال (عَن ثَوْر بن زيد عَن أبي الْغَيْث عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (من أَخذ أَمْوَال النَّاس يُرِيد أداءها أدّى الله عَنهُ، وَمن أَخذهَا يُرِيد إتلافها أتْلفه الله) .
إلَاّ أنْ يَكُونَ مَعْرُوفا بِالصَّبْرِ فَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ ولَوْ كانَ بِهِ خَصَاصَةٌ كَفِعْلِ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ
قَوْله: (إلَاّ أَن يكون) من كَلَام البُخَارِيّ، وَهُوَ اسْتثِْنَاء من التَّرْجَمَة أَو من لفظ: من تصدق وَهُوَ مُحْتَاج، أَي: فَهُوَ أَحَق إلَاّ أَن يكون مَعْرُوفا بِالصبرِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَهُ أَن يُؤثر غَيره على نَفسه وَيتَصَدَّق بِهِ، وَإِن كَانَ غير غَنِي أَو مُحْتَاجا إِلَيْهِ. قَوْله: (خصَاصَة) أَي: فقر وخلل. قَوْله: (كَفعل أبي بكر حِين تصدق بِمَالِه) أَي: بِجَمِيعِ مَاله، لِأَنَّهُ كَانَ صَابِرًا، وَقد يُقَال: تخلي أبي بكر عَن مَاله كَانَ عَن ظهر غنى، لِأَنَّهُ كَانَ غَنِيا بِقُوَّة توكله، وَتصدق أبي بكر بِجَمِيعِ مَاله مَشْهُور فِي السّير، وَورد فِي حَدِيث مَرْفُوع أخرجه أَبُو دَاوُد وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم من طَرِيق زيد بن أسلم: سَمِعت عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: (أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نتصدق فَوَافَقَ ذَلِك مَالا عِنْدِي، فَقلت: الْيَوْم أسبق أَبَا بكر إِن سبقته يَوْمًا، فَجئْت بِنصْف مَالِي وأتى أَبُو بكر بِكُل مَا عِنْده، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ يَا أَبَا بكر مَا أبقيت لأهْلك؟ قَالَ: أبقيت لَهُم الله وَرَسُوله) . وَقَالَ الطَّبَرِيّ وَغَيره، قَالَ الْجُمْهُور: من تصدق بِمَالِه كُله فِي صِحَة بدنه وعقله حَيْثُ لَا دين عَلَيْهِ وَكَانَ صبورا على الْإِضَافَة، وَلَا عِيَال لَهُ، أَو لَهُ عِيَال يصبرون أَيْضا. فَهُوَ جَائِز، فَإِن فقد شَيْئا من هَذِه الشُّرُوط كره. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ مَرْدُود، وَرُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَيْثُ رد على غيلَان الثَّقَفِيّ قسْمَة مَاله، وَقَالَ آخَرُونَ: يجوز من الثُّلُث، وَيرد عَلَيْهِ الثُّلُثَانِ، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَمَكْحُول، وَعَن مَكْحُول أَيْضا
стр. 2481
يرد مَا زَاد على النّصْف.
وكَذالِكَ آثَرَ الأنْصَارُ المُهَاجِرِينَ
هَذَا ثَالِث الْأَحَادِيث الْمُعَلقَة، وَهُوَ أَيْضا مَشْهُور فِي السّير، وَفِيه أَحَادِيث مَرْفُوعَة. مِنْهَا: حَدِيث أنس: قدم الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَة وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِم شَيْء فقاسمهم الْأَنْصَار. وَأخرجه البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي حَدِيث طَوِيل من كتاب الْهِبَة فِي: بَاب فضل المنيحة. وَذكر ابْن إِسْحَاق وَغَيره أَن الْمُهَاجِرين لما نزلُوا على الْأَنْصَار آثروهم حَتَّى قَالَ بَعضهم لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف: انْزِلْ لَك عَن إِحْدَى امْرَأَتي.
ونَهاى النبيُّ ﷺ عنْ إضَاعَةِ المَالِ فَلَيْسَ لَهُ أنْ يُضَيِّعَ أمْوَالَ النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ
هَذَا رَابِع الْأَحَادِيث الْمُعَلقَة، وَهُوَ طرف من حَدِيث الْمُغيرَة، وَقد مضى بِتَمَامِهِ فِي أَوَاخِر صفة الصَّلَاة.
وَقَالَ كَعْبٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قُلْتُ يَا رسولَ الله إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِنْ مالِي صَدَقَةً إلَى الله وَإلَى رَسُولِهِ ﷺ قَالَ أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مالِكَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ قُلْتُ فإنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ
هَذَا خَامِس الْأَحَادِيث الْمُعَلقَة فَهُوَ قِطْعَة من حَدِيث طَوِيل فِي تَوْبَة كَعْب بن مَالك، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير التَّوْبَة، وَكَعب هَذَا شهد الْعقبَة الثَّانِيَة وَهُوَ أحد شعراء النَّبِي، ﷺ ، وَأحد الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا عَن رَسُول الله ﷺ فِي غَزْوَة تَبُوك، مَاتَ سنة خمسين. قَوْله: (من تَوْبَتِي) أَي: من تَمام تَوْبَتِي. قَوْله: (إِلَى الله) أَي: صَدَقَة منتهية إِلَى الله، وَإِنَّمَا منع النَّبِي، ﷺ ، كَعْبًا عَن صرف كل مَاله وَلم يمْنَع أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ شَدِيد الصَّبْر قوي التَّوَكُّل، وَكَعب لم يكن مثله.
٦٢٤١ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخْبَرَنَا عَبْدُ الله عنْ يُونُسَ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كانَ عنْ ظَهْرِ غِنىً وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَعْنى مُتَوَجّه. وَرِجَاله ذكرُوا غير مرّة، وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة عَن عَمْرو بن سَواد عَن ابْن وهب قَوْله: (وابدأ بِمن تعول) أَي: بِمن يجب عَلَيْك نَفَقَته، وعال الرجل أَهله: إِذا مانهم أَي: قَامَ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من الْقُوت وَالْكِسْوَة وَغَيرهمَا.
٣١ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا وهيب قَالَ حَدثنَا هِشَام عَن أَبِيه عَن حَكِيم بن حزَام ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى وابدأ بِمن تعول وَخير الصَّدَقَة عَن ظهر غنى وَمن يستعفف يعفه الله وَمن يسْتَغْن يُغْنِيه الله) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " وَخير الصَّدَقَة عَن ظهر غنى ". وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة ووهيب مصغر وهب بن خَالِد وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير وَحَكِيم بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة بن حزَام بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الزَّاي الْأَسدي الْمَكِّيّ ولد فِي بَاطِن الْكَعْبَة عَاشَ فِي الْجَاهِلِيَّة سِتِّينَ وَفِي الْإِسْلَام أَيْضا سِتِّينَ وَأعْتق مائَة رَقَبَة وَحمل على مائَة بعير فِي الْجَاهِلِيَّة وَحج فِي الْإِسْلَام وَمَعَهُ مائَة بَدَنَة ووقف بِعَرَفَة بِمِائَة رَقَبَة فِي أَعْنَاقهم أطواق الْفضة منقوش فِيهَا عُتَقَاء الله عَن حَكِيم بن حزَام وَأهْدى ألف شَاة وَمَات بِالْمَدِينَةِ سنة سِتِّينَ أَو أَربع وَخمسين (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى " وَقد فسر الْعليا والسفلى فِي حَدِيث ابْن عمر على مَا يَأْتِي عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَن الْيَد الْعليا هِيَ المنفقة والسفلى هِيَ السائلة وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث مَالك بن أنس عَن
стр. 2482
نَافِع عَن عبد الله بن عمر وَذكر ابْن الْعَرَبِيّ فِيهِ أقوالا. الأول أَن الْعليا يَد الْمُعْطِي للصدقة. وَالثَّانِي هِيَ يَد الْآخِذ. وَالثَّالِث هِيَ الْيَد المتعففة. وَالرَّابِع أَن الْعليا يَد الله ويليها يَد الْمُعْطِي وَيَد السَّائِل هِيَ السُّفْلى وَقَالَ عِيَاض قيل الْعليا الآخذة. والسفلى الْمَانِعَة وَقيل الْيَد هُنَا النِّعْمَة فَكَانَ الْمَعْنى أَن الْعَطِيَّة الجزيلة خير من الْعَطِيَّة القليلة وَهَذَا حث على المكارم بأوجز لفظ وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عَطِيَّة السَّعْدِيّ وَفِيه " إِن الْيَد المعطية هِيَ الْعليا وَإِن السائلة هِيَ السُّفْلى " وَرَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار بِلَفْظ سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول " الْيَد المعطية خير من الْيَد السُّفْلى " وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عدي الجذامي وَفِي حَدِيثه " يَا أَيهَا النَّاس تعلمُوا فَإِنَّمَا الْأَيْدِي ثَلَاثَة فيد الله الْعليا وَيَد الْمُعْطِي الْوُسْطَى وَيَد الْمُعْطى السُّفْلى فتعففوا وَلَو بحزم الْحَطب أَلا هَل بلغت ". وروى أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي رمثة بِلَفْظ يدل الْمُعْطِي الْعليا وروى عَليّ بن عَاصِم عَن إِبْرَاهِيم الهجري عَن أبي الْأَحْوَص عَن ابْن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " الْأَيْدِي ثَلَاثَة يَد الله الْعليا وَيَد الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا وَيَد السَّائِل أَسْفَل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " قَالَ الْبَيْهَقِيّ تَابع عليا إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن الهجري على رَفعه وَرَوَاهُ جَعْفَر بن عون عَن الهجري فَوَقفهُ وَقَالَ الْحَاكِم حَدِيث مَحْفُوظ مَشْهُور وخرجه وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين رَحمَه الله تَعَالَى الصَّوَاب أَن الْعليا هِيَ المعطية كَمَا تشهد بذلك الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَقَالَ الْخطابِيّ وَقد يتَوَهَّم كثير من النَّاس أَن معنى الْعليا هُوَ أَن يَد الْمُعْطِي المستعلية فَوق يَد الْآخِذ يجعلونه من علو الشَّيْء إِلَى فَوق قَالَ وَلَيْسَ ذَلِك عِنْدِي بِالْوَجْهِ وَإِنَّمَا هُوَ من عَلَاء الْمجد وَالْكَرم يرِيه بِهِ الترفع عَن المساءلة وَالتَّعَفُّف عَنْهَا وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ لَا يمْتَنع أَن يحمل على مَا أنكرهُ الْخطابِيّ لِأَنَّهُ إِذا حملت الْعليا على المتعففة لم يكن للمنفق ذكر وَقد صحت لَفْظَة المنفقة فَكَانَ المُرَاد أَن هَذِه الْيَد الَّتِي علت وَقت الْعَطاء على يَد السَّائِل هِيَ الْعَالِيَة فِي بَاب الْفضل قَوْله " وابدأ بِمن تعول " قد مر تَفْسِيره عَن قريب وروى النَّسَائِيّ من طَرِيق طَارق الْمحَاربي وَلَفظه " قدمنَا الْمَدِينَة فَإِذا رَسُول الله ﷺ َ - قَائِم على الْمِنْبَر يخْطب النَّاس وَهُوَ يَقُول يَد الْمُعْطِي الْعليا وابدأ بِمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك ثمَّ أدناك أدناك " وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن عجلَان عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " تصدقوا فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله عِنْدِي دينا فَقَالَ تصدق بِهِ على نَفسك قَالَ عِنْدِي آخر قَالَ تصدق بِهِ على زَوجتك قَالَ عِنْدِي آخر قَالَ تصدق بِهِ على ولدك قَالَ عِنْدِي آخر قَالَ تصدق بِهِ على خادمك قَالَ عِنْدِي آخر قَالَ أَنْت أبْصر " وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه هَكَذَا وَقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَصَححهُ بِتَقْدِيم الْوَلَد على الزَّوْجَة قَالَ الْخطابِيّ إِذا تَأَمَّلت هَذَا التَّرْتِيب علمت أَنه ﷺ َ - قدم الأولى فَالْأولى وَالْأَقْرَب فَالْأَقْرَب وَهُوَ يَأْمُرهُ أَن يبْدَأ بِنَفسِهِ ثمَّ بولده لِأَن الْوَلَد كبعضه فَإِذا ضيعه هلك وَلم يجد من يَنُوب عَنهُ فِي الْإِنْفَاق عَلَيْهِ ثمَّ ثلث بِالزَّوْجَةِ وأخرجها عَن دَرَجَة الْوَلَد لِأَنَّهُ إِذا لم يجد مَا ينْفق عَلَيْهَا فرق بَينهمَا وَكَانَ لَهَا مَا يمونها من زوج أَو ذِي محرم تجب نَفَقَتهَا عَلَيْهِ ثمَّ ذكر الْخَادِم لِأَنَّهُ يُبَاع عَلَيْهِ إِذا عجز عَن نَفَقَته انْتهى كَلَام الْخطابِيّ وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين وَقد اقْتضى اخْتِيَاره تَقْدِيم الْوَلَد وَهُوَ احْتِمَال للْإِمَام وَوجه فِي الْوَلَد الطِّفْل وَالَّذِي أطبق عَلَيْهِ الْأَصْحَاب كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة تَقْدِيم الزَّوْجَة لِأَن نَفَقَتهَا آكِد لِأَنَّهَا لَا تسْقط بِمُضِيِّ الزَّمَان وَلَا بالإعسار وَلِأَنَّهَا وَجَبت عوضا وَاعْترض الإِمَام بِأَن نَفَقَتهَا إِذا كَانَت كَذَلِك كَانَت كالديون وَنَفَقَة الْقَرِيب فِي مَال الْمُفلس مُقَدّمَة على الدُّيُون وَخرج لذَلِك احْتِمَالا فِي تَقْدِيم الْقَرِيب وأيده بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ تَقْدِيم الْوَلَد وَإِذ قد اخْتلفت الرِّوَايَتَانِ وَكِلَاهُمَا من رِوَايَة ابْن عجلَان عَن المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة فيصار إِلَى التَّرْجِيح وَقد اخْتلف على حَمَّاد بن زيد فَقدم السُّفْيانَانِ وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل وروح بن الْقَاسِم عَن حَمَّاد ذكر الْوَلَد على الزَّوْجَة وَهِي رِوَايَة الشَّافِعِي فِي الْمسند وَأبي دَاوُد وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَصَححهُ وَقدم اللَّيْث وَيحيى الْقطَّان عَن حَمَّاد الزَّوْجَة على الْوَلَد وَهِي رِوَايَة النَّسَائِيّ وَعند ابْن حبَان وَالْبَيْهَقِيّ ذكر الرِّوَايَتَيْنِ مَعًا وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيح رِوَايَة تَقْدِيم الْوَلَد على الزَّوْجَة كَمَا قَالَه الْخطابِيّ وخرجه الإِمَام احْتِمَالا (قلت) كَيفَ طَابَ للنووي تَقْدِيم الزَّوْجَة على الْوَلَد وَالْولد بضعَة من الْأَب وَالزَّوْجَة أَجْنَبِيَّة ثمَّ يُعلل مَا قَالَه بقوله لِأَن نَفَقَتهَا آكِد لِأَنَّهَا لَا تسْقط بِمُضِيِّ الزَّمَان وَلَا بالإعسار وَهَذَا أَيْضا عَجِيب مِنْهُ لِأَن نَفَقَتهَا صلَة فِي نفس الْأَمر وَهِي على شرف السُّقُوط وَنَفَقَة الْوَلَد حتم لَا تسْقط بِشَيْء قَوْله " وَمن يستعفف " من الاستعفاف
стр. 2483
وَهُوَ طلب الْعِفَّة وَهِي الْكَفّ عَن الْحَرَام وَالسُّؤَال من النَّاس وَقيل الاستعفاف الصَّبْر والنزاهة عَن الشَّيْء قَوْله " يعفه الله " بِضَم الْيَاء من الإعفاف وَمَعْنَاهُ يصيره عفيفا قَوْله " وَمن يسْتَغْن يغنه الله " شَرط وَجَزَاء وعلامة الْجَزْم حذف الْيَاء أَي من يطْلب الْغنى من الله يُعْطه
(وَعَن وهيب قَالَ أخبرنَا هِشَام عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ بِهَذَا) هَذَا مَعْطُوف على إِسْنَاد حَدِيث حَكِيم كَأَنَّهُ قَالَ حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا وهيب حَدثنَا هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أبي هُرَيْرَة بِهَذَا أَي بِحَدِيث حَكِيم بن حزَام وَزعم أَبُو مَسْعُود وَخلف وَأَبُو نعيم أَن البُخَارِيّ روى حَدِيث وهيب الْمَذْكُور آخرا عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَنهُ (قلت) هَذَا يدل على أَنه حمله عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَنهُ بالطريقين مَعًا فَكَانَ هشاما حدث بِهِ وهيبا تَارَة عَن أَبِيه عَن حَكِيم وَتارَة عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أَو حدث بِهِ عَنْهُمَا مجموعا ففرقه وهيب أَو الرَّاوِي عَنهُ وَقد وصل الْإِسْمَاعِيلِيّ حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ أَخْبرنِي ابْن ياسين حَدثنَا مُحَمَّد بن سُفْيَان حَدثنَا حبَان هُوَ ابْن هِلَال حَدثنَا هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ مثل حَدِيث حَكِيم بن حزَام وَعند التِّرْمِذِيّ من حَدِيث بَيَان بن بشر عَن قيس بن أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة " الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى وابدأ بِمن تعول " وَقَالَ حسن صَحِيح غَرِيب يستغرب من حَدِيث بَيَان عَن قيس -
٩٢٤١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ ابنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ ح وحدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَة عنْ مالِكٍ عنْ نَافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ وَهْوَ علَى المِنْبَرِ وذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ والمَسْألَةَ اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى فالْيَدُ العُلْيَا هِيَ المنْفِقَةُ والسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَذكر الصَّدَقَة) لِأَن مَعْنَاهُ: ذكر أَحْكَام الصَّدَقَة، وَمن جملَة أَحْكَامهَا: لَا صَدَقَة إلَاّ عَن ظهر غِنىً. وَقد تعسف بَعضهم فِي ذكر الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة بِمَا يستبعده من لَهُ نوع إِلْمَام من هَذَا الْفَنّ.
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي. الثَّانِي: حَمَّاد بن زيد. الثَّالِث: أَيُّوب ابْن أبي تَمِيمَة السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن مسلمة. السَّادِس: مَالك بن أنس. السَّابِع: عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي سِتَّة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن أَبَا النُّعْمَان وَحَمَّاد وَأَيوب بصريون وَنَافِع وَمَالك مدنيان وَعبد الله بن مسلمة مدنِي سكن الْبَصْرَة. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: طَرِيقَانِ: طَرِيق أبي النُّعْمَان، وَطَرِيق عبد الله بن مسلمة، وَفِي بعض طرقه: المتعففة، بدل: المنفقة. قَالَ: اخْتلف على أَيُّوب عَن نَافِع فِي هَذَا الحَدِيث، قَالَ عبد الْوَارِث: الْيَد الْعليا المتعففة، وَقَالَ أَكْثَرهم، عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب: الْيَد الْعليا المنفقة. وَقَالَ وَاحِد: المتعففة، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: قلت: بل قَالَه عَن حَمَّاد اثْنَان: أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان بن دَاوُد الزهْرَانِي كَمَا روينَاهُ فِي (كتاب الزَّكَاة) ليوسف بن يَعْقُوب القَاضِي، وَالْآخر: مُسَدّد كَمَا رَوَاهُ ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) . وَرَوَاهُ أَيْضا عَن نَافِع مُوسَى بن عقبَة فَاخْتلف عَلَيْهِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَنهُ: المتعففة، وَقَالَ حَفْص بن ميسرَة عَنهُ: المنفقة، رويناهما كَذَلِك فِي (سنَن الْبَيْهَقِيّ) وَرجح الْخطابِيّ فِي (المعالم) رِوَايَة المتعففة، فَقَالَ: إِنَّهَا أشبه وَأَصَح فِي الْمَعْنى، وَذَلِكَ أَن ابْن عمر قَالَ فِيهِ وَهُوَ يذكر الصَّدَقَة وَالتَّعَفُّف، فعطف الْكَلَام على سنَنه الَّذِي خرج عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا يطابقه فِي مَعْنَاهُ أولى، وَرجح ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) رِوَايَة المنفقة، فَقَالَ: إِنَّهَا أولى وأشبه بِالصَّوَابِ من قَول من قَالَ: المتعففة، وَكَذَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) عَن عَارِم عَن حَمَّاد بن زيد. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : إِنَّه الصَّحِيح، قَالَ: وَيحْتَمل صِحَة الرِّوَايَتَيْنِ فالمنفقة أَعلَى من السائلة، والمتعففة أولى من السائلة.
стр. 2484
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن يحيى بن يحيى وقتيبة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن القعْنبِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَهُوَ على الْمِنْبَر) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (وَذكر الصَّدَقَة) ، جملَة فعلية وَقعت حَالا. قَوْله: (وَالْمَسْأَلَة) بواو الْعَطف على مَا قبله، وَفِي رِوَايَة مُسلم، رَحمَه الله تَعَالَى: عَن قُتَيْبَة عَن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالتَّعَفُّف عَن الْمَسْأَلَة. وَلأبي دَاوُد، رَحمَه الله تَعَالَى: وَالتَّعَفُّف مِنْهَا، أَي: من أَخذ الصَّدَقَة. وَالْمعْنَى: أَنه كَانَ يحض الْغنى على الصَّدَقَة وَالْفَقِير على التعفف عَن الْمَسْأَلَة، إو يحضه على التعفف ويذم على الْمَسْأَلَة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: كَرَاهَة السُّؤَال إِذا لم يكن عَن ضَرُورَة نَحْو الْخَوْف من هَلَاكه وَنَحْوه، وَقَالَ أَصْحَابنَا: من لَهُ قوت يَوْم فسؤاله حرَام. وَفِيه: الْغَنِيّ الشاكر أفضل من الْفَقِير، وَفِيه خلاف. وَفِيه: إِبَاحَة الْكَلَام للخطيب بِكُل مَا يصلح من موعظة وَعلم وقربة. وَفِيه: الْحَث على الصَّدَقَة والإنفاق فِي وُجُوه الطَّاعَة.
٩١ - (بابُ المَنَّانِ بِمَا أعْطَى)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذمّ المنان بِمَا أعْطى أَي: بِمَا أعطَاهُ، وَإِنَّمَا قَدرنَا هَكَذَا لِأَن لفظ المنان يشْعر بالذم لِأَنَّهُ لَا يذكر إلَاّ فِي مَوضِع الذَّم فِي حق بني آدم، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ بالمن والأذى﴾ (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . فَإِذا كَانَ الْمَنّ مُبْطلًا للصدقات يكون من الْأَشْيَاء الذميمة. قَالَ ابْن بطال: الامتنان مُبْطل لأجر الصَّدَقَة. قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ بالمن والأذى﴾ (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا يكون الْمَنّ غَالِبا إلَاّ عَن الْبُخْل وَالْكبر وَالْعجب ونسيان منَّة الله تَعَالَى فِيمَا أنعم الله عَلَيْهِ، فالبخيل تعظم فِي نَفسه الْعَطِيَّة، وَإِن كَانَت حقيرة فِي نَفسهَا، وَالْعجب يحملهُ على النّظر لنَفسِهِ بِعَين العظمه وَأَنه منعم بِمَالِه عَن الْمُعْطِي، وَالْكبر يحملهُ على أَن يحقر الْمُعْطى لَهُ وَإِن كَانَ فِي نَفسه فَاضلا، وَمُوجب ذَلِك كُله الْجَهْل ونسيان منَّة الله تَعَالَى فِيمَا أنعم عَلَيْهِ، وَلَو نظر مصيره لعلم أَن الْمِنَّة للآخذ لما يزِيل عَن الْمُعْطِي من إِثْم الْمَنْع وذم الْمَانِع وَلما يحصل لَهُ من الْأجر الجزيل وَالثنَاء الْجَمِيل. انْتهى. وَقد أخبر النَّبِي ﷺ بالوعيد الشَّديد فِي حق المنان فِيمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة: المنان الَّذِي لَا يُعْطي شَيْئا إِلَّا منَّة، والمنفق سلْعَته بِالْحلف، والمسبل إزَاره) . وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن ابْن مَسْعُود وَأبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَأبي أُمَامَة بن ثَعْلَبَة وَعمْرَان بن حُصَيْن وَمَعْقِل بن يسَار. فَإِن قلت: لم يذكر البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب حَدِيثا؟ قلت: كَأَنَّهُ لم يتَّفق لَهُ حَدِيث على شَرطه، فَلذَلِك اكْتفى بِذكر الْآيَة الْمَذْكُورَة. وَفِي (التَّلْوِيح) : وَالَّذِي يُقَارب شَرطه حَدِيث أبي ذَر عَن النَّبِي ﷺ الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَقَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي ذَر مَرْفُوعا. قلت: هَذَا كَلَام غير موجه، لِأَنَّهُ كَيفَ يُشِير إِلَى شَيْء لَيْسَ بموجود وَالْإِشَارَة إِنَّمَا تكون للحاضر؟ وَلِهَذَا لم تثبت هَذِه التَّرْجَمَة إلَاّ فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده بِغَيْر حَدِيث.
لِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أنْفَقُوا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٦٢) . الْآيَة.
علل التَّرْجَمَة بِهَذِهِ الْآيَة، وَوجه ذَلِك أَن الله تَعَالَى مدح الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي سَبيله ثمَّ لَا يتبعُون مَا أَنْفقُوا من الْخيرَات وَالصَّدقَات منّا على مَا أَعْطوهُ، وَلَا يمنون بِهِ على أحد لَا بقول وَلَا بِفعل، وَالَّذين يتبعُون مَا أَنْفقُوا منّا وأذىً يكونُونَ مذمومين وَلَا يسْتَحقُّونَ من الْخيرَات مَا يسْتَحق الَّذين لَا يتبعُون مَا أَنْفقُوا منّا وَلَا أَذَى، فَيكون وَجه التَّعْلِيل هَذَا، وَالشَّيْء يتَبَيَّن بضده، قَوْله: (وَلَا أَذَى) أَي: وَلَا يَفْعَلُونَ مَعَ من أَحْسنُوا إِلَيْهِ مَكْرُوها يحبطون بِهِ مَا سلف من الْإِحْسَان، ثمَّ وعدهم الله بالجزاء الْجَمِيل على ذَلِك، فَقَالَ: لَهُم أجرهم عِنْد رَبهم، أَي: ثوابهم على الله لَا على أحد سواهُ، وَلَا خوف عَلَيْهِم فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ من أهوال الْقِيَامَة وَلَا هم يَحْزَنُونَ، أَي: على مَا خلفوه من الْأَوْلَاد وَلَا مَا فاتهم من الْحَيَاة الدُّنْيَا وزهرتها، وَذكر الواحدي عَن الْكَلْبِيّ، قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي عُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف، جَاءَ عبد الرَّحْمَن إِلَى رَسُول الله ﷺ بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم، نصف مَاله، وَقَالَ عُثْمَان: عَليّ جهاز من لَا جهاز لَهُ فِي غَزْوَة تَبُوك، فَجهز الْمُسلمين بِأَلف بعير بأقتابها وأحلاسها، فَنزلت فيهمَا هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة، وَالله أعلم. وَقَالَ ابْن بطال: ذكر أهل التَّفْسِير أَنَّهَا نزلت فِي الَّذِي يُعْطي مَاله الْمُجَاهدين فِي
стр. 2485
سَبِيل الله تَعَالَى مَعُونَة لَهُم على جِهَاد الْعَدو، ثمَّ يمن عَلَيْهِم بِأَنَّهُ قد صنع إِلَيْهِم مَعْرُوفا إِمَّا بِلِسَان أَو بِفعل، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يمن بِهِ على أحد، لِأَن ثَوَابه على الله تَعَالَى.
٠٢ - (بابُ مَنْ أحَبَّ تَعْجِيلَ الصَّدَقَةِ مِنْ يَوْمِهَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر من أحب تَعْجِيل الصَّدَقَة وَلم يؤخرها من وَقتهَا، ثمَّ الصَّدَقَة أَعم من أَن تكون من الصَّدقَات الْمَفْرُوضَة أَو من صدقَات التَّطَوُّع، فعلى، فعلى كل حَال خِيَار الْبر عاجله.
٠٣٤١ - حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ عنْ عُمَرَ بنِ سَعِيدٍ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ عُقْبَةَ بنَ الحَارِثِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حدَّثَهُ قَالَ صَلَّى بِنَا النبيُّ ﷺ العَصْرَ فأسْرَعَ ثُمَّ دَخَلَ البَيْتَ فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ خَرَجَ فَقُلْتُ أوْ قِيلَ لَهُ فَقَالَ كنْتُ خَلَّفْتُ فِي البَيْتِ تِبْرا مِنَ الصَّدَقَةِ فَكَرِهْتُ أنْ أُبَيِّتَهُ فَقَسَمْتُهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي أَن النَّبِي ﷺ لما فرغ من صلَاته أسْرع وَدخل الْبَيْت وَفرق تبرا كَانَ فِيهِ، ثمَّ أخبر أَنه كره تبييته عِنْده، فَدلَّ ذَلِك على اسْتِحْبَاب تَعْجِيل الصَّدَقَة. والْحَدِيث مضى فِي أَوَاخِر كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب من صلى بِالنَّاسِ، فَذكر حَاجَة فتخطاهم، فَإِنَّهُ رَوَاهُ هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن عبيد عَن عِيسَى بن يُونُس، وَهَهُنَا رَوَاهُ: عَن أبي عَاصِم النَّبِيل الضَّحَّاك بن مخلد عَن عمر بن سعيد النَّوْفَلِي الْقرشِي الْمَكِّيّ عَن عبد الله بن أبي مليكَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. والتبر جمع تبرة، وَهِي الْقطعَة من الذَّهَب أَو الْفضة غير مصوغة، وَقيل: قطع الذَّهَب فَقَط. قَوْله: (إِن أبيته) أَي: أتركه يدْخل عَلَيْهِ اللَّيْل.
١٢ - (بابُ التَّحْرِيضِ عَلَى الصَّدَقَةِ والشَّفَاعَةِ فِيهَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِحْبَاب التحريض على الصَّدَقَة، وَبَيَان: ثَوَاب الشَّفَاعَة فِي الصَّدَقَة، وَمعنى الشَّفَاعَة فِي الصَّدَقَة السُّؤَال والتقاضي للإجابة.
١٣٤١ - حدَّثنا مُسْلِمٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا عَدِيٌّ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ خَرَجَ النبيُّ ﷺ يَوْمَ عِيدٍ فَصَلَّى ركْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ ثُمَّ مالَ عَلَى النِّسَاءِ وَمَعَهُ بِلالٌ فَوعَظَهُنَّ وأمَرَهُنَّ أنْ يتَصَدَّقْنَ فجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُلْبَ والخُرْصَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فوعظهن وأمرهن أَن يتصدقن) فَإِنَّهُ ﷺ لما وعظهن بمواعظ حرضهن فِيهَا أَيْضا على الصَّدَقَة، وَقد مضى الحَدِيث فِي أَبْوَاب الْعِيدَيْنِ فِي: بَاب الْخطْبَة بعد الْعِيد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن عدي بن ثَابت ... إِلَى آخِره، وَبَين متنيهما بعض التَّفَاوُت، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (الْقلب) ، بِضَم الْقَاف وَسُكُون اللَّام وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، وَهُوَ: السوار، وَقيل: هُوَ مَخْصُوص بِمَا كَانَ من عظم (والخرص) ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره صَاد مُهْملَة: الْحلقَة.
٢٣٤١ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حَدثنَا أبُو بُرْدَةَ بنُ عَبْدِ الله بن أبِي بُرْدَةَ قَالَ حدَّثنا أبُو بُرْدَةَ بنُ أبِي مُوسى عنْ أبِيهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ إذَا جاءَهُ السَّائِلُ أوْ طُلِبَتْ إلَيْهِ حاجَةٌ قَالَ اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا ويَقْضِي الله عَلى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ مَا شَاءَ.
.
стр. 2486
مطابقته للجزء الْأَخير للتَّرْجَمَة فِي قَوْله ﷺ : (اشفعوا) حِين يَجِيء سَائل أَو طَالب حَاجَة. .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري تكَرر ذكره. الثَّانِي: عبد الْوَاحِد بن زِيَاد. الثَّالِث: أَبُو بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: اسْمه بريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء: ابْن عبد الله بن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. الرَّابِع: أَبُو بردة أَيْضا، بِضَم الْبَاء: اسْمه عَامر، وَقيل: الْحَارِث. الْخَامِس: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه عبد الله بن قيس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَبُو بردة الأول الَّذِي اسْمه بريد يرْوى عَن جده أبي بردة الَّذِي اسْمه عَامر أَو حَارِث وَهُوَ يروي عَن أَبِيه عبد الله بن قيس وَفِيه الرِّوَايَة عَن الْأَب وَعَن الْجد. وَفِيه: أَن شَيْخه وَعبد الْوَاحِد بصريان والبقية كوفيون. وَفِيه: المكنى بِأبي بردة اثْنَان وهما الْأَب وجده كل مِنْهُمَا كنيته أَبُو بردة.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب وَفِي التَّوْحِيد عَن أبي كريب عَن أبي أُسَامَة وَعَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان الثَّوْريّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن أبي بكر عَن عَليّ بن مسْهر وَحَفْص بن غياث. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد وَفِي السّنة عَن أبي معمر. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْعلم عَن الْحسن بن عَليّ الْحَلَال ومحمود بن غيلَان وَغير وَاحِد، كلهم عَن أبي أُسَامَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزَّكَاة عَن مُحَمَّد بن بشار.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَو طلبت) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (اشفعوا) ، وَفِي رِوَايَة أبي الْحسن: (شفعوا) ، بِحَذْف الْألف ليشفع بَعْضكُم فِي بعض يكن لكم الْأجر فِي ذَلِك، وأنكم إِذا شفعتم إِلَيّ فِي حق طَالب الْحَاجة فَقضيت حَاجته بِمَا يقْضِي الله على لساني فِي تَحْصِيل حَاجته حصل للسَّائِل الْمَقْصُود، وَلكم الْأجر، والشفاعة مرغب فِيهَا مَنْدُوب إِلَيْهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿من يشفع شَفَاعَة حَسَنَة يكن لَهُ نصيب مِنْهَا﴾ (النِّسَاء: ٥٨) . قَوْله: (وَيَقْضِي الله على لِسَان نبيه مَا شَاءَ) ، بَيَان أَن السَّاعِي مأجور على كل حَال، وَإِن خَابَ سَعْيه، قَالَ النَّبِي، ﷺ : (وَالله فِي عون العَبْد مَا كَانَ العَبْد فِي عون أَخِيه) . وَلَا يَأْبَى كَبِير أَن يشفع عِنْد صَغِير فَإِن شفع عِنْده وَلم يقضها لَهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يُؤْذِي الشافع، فقد شفع رَسُول الله، ﷺ ، عِنْد بُرَيْدَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، لِترد زَوجهَا فَأَبت.
٣٣٤١ - حدَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ قَالَ أخبرنَا عبْدَةُ عنْ هِشَامٍ عنْ فَاطِمَةَ عنْ أسْمَاءَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ قَالَ لِيَ النبيُّ ﷺ لَا تُوكِي فَيُوكَى عَلَيْكِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَعْنى لِأَنَّهُ ﷺ نهى عَن الإيكاء، وَهُوَ لَا يفعل إلَاّ للإدخار، فَكَانَ الْمَعْنى: لَا تدخري وتصدقي.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: صَدَقَة بن الْفضل أَبُو الْفضل، مر فِي: بَاب الْعلم. الثَّانِي: عَبدة، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن سُلَيْمَان. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير. الرَّابِع: فَاطِمَة بنت الْمُنْذر بن الزبير. الْخَامِس: أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مروزي وَعَبدَة كُوفِي والبقية مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة التابعية عَن الصحابية.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَفِي الْهِبَة عَن عبيد الله ابْن سعيد. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن آدم وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن هناد عَن عَبدة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَا توكي) من أوكى يوكي إيكاءً، يُقَال: أوكى مَا فِي سقائه إِذا شده بالوكاء، وَهُوَ الْخَيط الَّذِي يشد بِهِ رَأس الْقرْبَة، وأوكى علينا أَي: بخل. وَفِي (التَّلْوِيح) قَوْله: (لَا توكي) أَي: لَا تدخري وتمنعي مَا فِي يدك. قلت: هَذَا لَيْسَ بتفسيره لُغَة، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: لَا توكي للادخار. قَوْله: (فيوكى عَلَيْك) بِفَتْح الْكَاف: فيوكى، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي رِوَايَة مُسلم (فيوكي الله عَلَيْك) ، وَالْمعْنَى: لَا توكي مَالك عَن الصَّدَقَة خشيَة نفاده فيوكي الله عَلَيْك أَو يمنعك وَيقطع مَادَّة الرزق عَنْك.
стр. 2487
فَدلَّ الحَدِيث على أَن الصَّدَقَة تنمي المَال وَتَكون سَببا إِلَى الْبركَة وَالزِّيَادَة فِيهِ وَأَن من شح وَلم يتَصَدَّق فَإِن الله يوكي عَلَيْهِ ويمنعه من الْبركَة فِي مَاله والنماء فِيهِ.
حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ عنْ عَبْدَةَ وَقَالَ لَا تُحْصَى فَيُحْصِيَ الله عَلَيْكِ
هَذَا طَرِيق آخر عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن عَبدة بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَالظَّاهِر أَن عَبدة روى الحَدِيث باللفظين أَحدهمَا: (لَا توكي فيوكى عَلَيْك) ، وَالْآخر: (لَا تحصى فيحصي الله عَلَيْك) ، وروى النَّسَائِيّ من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن هِشَام باللفظين مَعًا، وَسَيَأْتِي فِي الْهِبَة عِنْد البُخَارِيّ من طَرِيق ابْن نمير عَن هِشَام باللفظين، لَكِن لَفظه: لَا توعي، بِعَين مُهْملَة بدل: لَا توكى، من: أوعيت الْمَتَاع فِي الْوِعَاء أوعيه، إِذا جعلته فِيهِ. ووعيت الشَّيْء حفظته. قَوْله: (لَا تحصى) من الإحصاء، وَهُوَ معرفَة قدر الشَّيْء أَو وَزنه أَو عدده، وَهَذَا مُقَابلَة اللَّفْظ بِاللَّفْظِ، وتجنيس الْكَلَام فِي مثله فِي جَوَابه أَي: يمنعك كَمَا منعت، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ومكروا ومكر الله﴾ (آل عمرَان: ٤٥) . وَقيل: مَعْنَاهُ لَا تحصي مَا تُعْطِي فتستكثريه فَيكون سَببا لانقطاعه. وَقيل: قد يُرَاد بالإحصاء والوعي عَنَّا عده خوف أَن تَزُول الْبركَة مِنْهُ، كَمَا قَالَت عَائِشَة: حَتَّى كلناه، ففني. وَقيل: إِن عَائِشَة عددت مَا أنفقته فَنَهَاهَا رَسُول الله، ﷺ ، عَن ذَلِك.
٢٢ - (بابُ الصَّدَقَةِ فِيمَا اسْتَطَاعَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الصَّدَقَة إِنَّمَا تنبغي فِي قدر مَا اسْتَطَاعَ الْمُتَصَدّق.
٤٣٤١ - حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ وحدَّثني محَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ عنْ حَجَّاجِ بنِ مُحَمَّدٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ. قَالَ أَخْبرنِي ابنُ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ عَبَّادِ بنِ عَبْدِ الله بنِ الزُّبَيْرِ أخْبَرَهُ عنْ أسْمَاءَ بنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّهَا جاءَتْ إلَى النبيِّ ﷺ فَقَالَ لَا تُوعِى فَيُوعِيَ الله عَلَيْكِ ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ارضخي مَا اسْتَطَعْت) .
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: أَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد. الثَّانِي: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الثَّالِث: مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم. الرَّابِع: حجاج بن مُحَمَّد الْأَعْوَر. الْخَامِس: عبد الله بن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم. السَّادِس: عباد بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن الزبير بن الْعَوام من سَادَات التَّابِعين. السَّابِع: أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: صِيغَة الْإِخْبَار عَن مَاض مُفْرد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده، وَأَنه بغدادي وَابْن جريج مكي وحجاج ابْن مُحَمَّد ترمذي سكن المصيصة وَابْن أبي مليكَة وَعباد مكيان. . وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصحابية.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة وَالْهِبَة عَن أبي عَاصِم. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَهَارُون بن عبد الله. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن الْحسن بن مُحَمَّد.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَا توعي) خطاب لأسماء، وَقد مر تَفْسِيره آنِفا. قَوْله: (فيوعَي) ، بِضَم الْيَاء وَكسر الْعين وَنصب الْيَاء: لِأَنَّهُ جَوَاب النَّهْي بِالْفَاءِ، وَإِسْنَاده إِلَى الله تَعَالَى مجَاز عَن الْإِمْسَاك. فَإِن قلت: مَا معنى النَّهْي إِذْ لَيْسَ الإيعاء حَرَامًا؟ قلت: لَازمه وَهُوَ الْإِمْسَاك حرَام أَو النَّهْي لَيْسَ للتَّحْرِيم بِالْإِجْمَاع. قَالَ التَّيْمِيّ: المُرَاد بِهِ النَّهْي عَن الْإِمْسَاك وَالْبخل وَجمع الْمَتَاع فِي الْوِعَاء وشده وَترك الْإِنْفَاق مِنْهُ. قَوْله: (ارضخي) من الرضخ بالضاد وَالْخَاء المعجمتين وَهُوَ الْعَطاء لَيْسَ بالكثير وَألف: ارضخي، ألف وصل. قَوْله: (مَا اسْتَطَعْت) أَي: مَا دمت مستطيعة قادرة على الرضخ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَعْنَاهُ الَّذِي استطعته أَو
стр. 2488
شَيْئا استطعته، فَمَا: موصوله. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ مِمَّا يرضى بِهِ الزبير، وَهُوَ زَوجهَا، وَتَقْدِيره: إِن لَك فِي الرضخ مَرَاتِب وَكلهَا يرضاها الزبير فافعلي أَعْلَاهَا، وَالله أعلم.
٣٢ - (بابٌ الصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الصَّدَقَة تكفر الْخَطِيئَة، فباب منون، وَالصَّدَََقَة مُبْتَدأ، وتكفر الْخَطِيئَة، خَبره، وَيجوز بِإِضَافَة الْبَاب إِلَى الصَّدَقَة، تَقْدِيره: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الصَّدَقَة تكفر الْخَطِيئَة.
٥٣٤١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبِي وَائِلٍ عنْ حُذَيْفَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ قَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رسولِ الله ﷺ عنِ الفِتْنَةِ قَالَ قُلْتُ أَنا أحْفَظُهُ كَما قَالَ إنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرىءٌ فَكَيْفَ قَالَ قُلْتُ فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ والمَعْرُوفُ. قَالَ سُلَيْمَانُ قَدْ كانَ يَقُولُ الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ والأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عنِ المُنْكَرِ قَالَ لَيْسَ هاذِهِ أُرِيدُ وَلَكِنِّي أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ قَالَ قُلْتُ لَيْسَ عَلَيْكَ بِهَا يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ بأْسٌ بَيْنَكَ وبَيْنَهَا بابٌ مُغْلَقٌ قَالَ فَيُكْسَرُ البَابُ أوْ يُفْتَحُ قَالَ قُلْتُ لَا بَلْ يُكْسَرُ قَالَ فإنَّهُ إذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقُ أبَدا قَالَ قُلْتُ أجَلْ فَهِبْنَا أنْ نَسْألَهُ مَنِ البَابُ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ سَلْهُ قَالَ فَسَألَهُ فَقَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ قُلْنَا فَعَلِمَ عُمَرُ مَنْ تَعْنِي قَالَ نَعَمْ كَما أنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً وَذالِكَ أنِّي حَدَّثْتُهُ حدِيثا لَيْسَ بالأغَالِيظِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فتْنَة الرجل) إِلَى قَوْله: (وَالْمَعْرُوف) .
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. وقتيبة بن سعيد، وَجَرِير، بِفَتْح الْجِيم: ابْن عبد الحميد، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة. وَقد مضى الحَدِيث فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الصَّلَاة كَفَّارَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن الْأَعْمَش، إِلَى آخِره، وَبَينهمَا تفَاوت يسير، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى هُنَاكَ.
قَوْله: (الجريء) من الجراءة، قَالَ ابْن بطال: إِنَّك لجريء أَي: إِنَّك لَكُنْت كثير السُّؤَال عَن الْفِتْنَة فِي أَيَّامه ﷺ فَأَنت الْيَوْم جرىء على ذكره عَالم بِهِ. قَوْله: (وَالْمَعْرُوف) ، أَي: الْخَيْر، وَهُوَ تَعْمِيم بعد تَخْصِيص. قَوْله: (قَالَ سُلَيْمَان) يَعْنِي: الْأَعْمَش الْمَذْكُور فِي السَّنَد. قَوْله: (قد كَانَ يَقُول) أَي: قد كَانَ يَقُول أَبُو وَائِل فِي بعض الْأَوْقَات بدل (الْمَعْرُوف) (الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر) . قَوْله: (قَالَ لَيْسَ هَذِه) أَي: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَيْسَ هَذِه الْفِتْنَة أريدها. قَوْله: (أُرِيد الَّتِي) أَي: الْفِتْنَة الَّتِي. قَوْله: (قَالَ: قلت) أَي: قَالَ حُذَيْفَة: قلت. قَوْله: (بهَا) ، ويروى: (فِيهَا) أَي: فِي الْفِتْنَة. قَوْله: (لَا بَأْس) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم: لَيْسَ، قَوْله: (فيكسر الْبَاب أَو يفتح) ، ويروى: (أم تفتح) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى مَوته بِدُونِ الْقَتْل، كَانَ يَرْجُو أَن الْفِتْنَة، وَإِن بَدَت تسكن أَي: كَانَ ذَلِك بِسَبَب مَوته دون قَتله، وَأما إِن ظهر بِسَبَب قَتله فَلَا تسكن أبدا. قَوْله: (بل يكسر) ، وَأَشَارَ حُذَيْفَة بِهَذِهِ اللَّفْظَة إِلَى قتل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (قَالَ: فَإِنَّهُ) أَي: قَالَ عمر: فَإِن الْبَاب إِذا كسر لم يغلق أبدا، وَأَشَارَ بِهِ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى أَنه إِذا قتل ظَهرت الْفِتَن فَلَا تسكن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَكَانَ كَمَا قَالَ، لِأَنَّهُ كَانَ سدا أَو بَابا دون الْفِتْنَة، فَلَمَّا قتل كثرت الْفِتْنَة. وَعلم عمر أَنه الْبَاب. قَوْله: (فهبنا) ، بِكَسْر الْهَاء أَي: خفنا أَن نسْأَل حُذَيْفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ حُذَيْفَة مهيبا، فهاب أَصْحَابه أَن يسألوه مَن الْبَاب؟ يَعْنِي: مَن المُرَاد بِالْبَابِ؟ وَكَانَ مَسْرُوق أجرأ على سُؤَاله لِكَثْرَة علمه وعلو مَنْزِلَته، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: هُوَ عمر، أَي: الْبَاب الَّذِي كني بِهِ عَنهُ، ثمَّ قَالُوا: فَعلم عمر من تَعْنِي؟ أَي: من تقصد من الْبَاب؟ قَالَ حُذَيْفَة: نعم علم علما لَا شكّ فِيهِ، كَمَا أَن دون غَد لَيْلَة، يَعْنِي: كَمَا لَا شكّ أَن الْيَوْم الَّذِي أَنْت فِيهِ يسْبق الْغَد الَّذِي يَأْتِي بعْدهَا. قَوْله: (لَيْلَة) ، بِالنّصب اسْم: إِن و: (دون غَد) خَبره، ثمَّ علل ذَلِك بقوله: (وَذَلِكَ أَنِّي حدثته) أَي: حدثت عمر بِحَدِيث وَاضح لَا شُبْهَة فِيهِ عَن مَعْدن الصدْق وَرَأس الْعلم، وَهُوَ معنى قَوْله: (حَدِيثا لَيْسَ بالأغاليط)
стр. 2489
وَهُوَ جمع أغلوطة، وَهِي مَا يغلط بِهِ عَن الشَّارِع، وَنهى الشَّارِع عَن الأغلوطات، وَهَذَا مِنْهُ. وَقَالَ ابْن قرقول: الأغاليط. صعاب الْمسَائِل ودقاق النَّوَازِل الَّتِي يغلط فِيهَا. وَقَالَ الدَّاودِيّ: لَيْسَ بالأغاليط لَيْسَ بالصغير من الْأَمر واليسير الرزية.
وَفِيه: من الْفَوَائِد: ضرب الْأَمْثَال فِي الْعلم وَالْحجّة لسد الذرائع. وَفِيه: قد يكون عِنْد الصَّغِير من الْعلم مَا لَيْسَ عِنْد الْعَالم المبرز. وَفِيه: أَن الْعَالم قد يرمز بِهِ رمزا ليفهم المرموز لَهُ دون غَيره، لِأَنَّهُ لَيْسَ كل الْعلم تَحت إِبَاحَته إِلَى من لَيْسَ بمتفهم لَهُ وَلَا عَالم بِمَعْنَاهُ. وَفِيه: أَن الْكَلَام فِي الجريان مُبَاح إِذا كَانَ فِيهِ أثر عَن النُّبُوَّة، وَمَا سوى ذَلِك مَمْنُوع، لِأَنَّهُ لَا يصدق مِنْهُ إلَاّ أقل من عشر الْعشْر، كَمَا قَالَ ﷺ : تِلْكَ الْكَلِمَة من الْحق يحفظها الجني فيضيف إِلَيْهَا أَزِيد من مائَة كذبة، وَالله أعلم.
٤٢ - (بابُ مَنْ تَصَدَّقَ فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أسْلَمَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر من تصدق فِي حَالَة الشّرك، ثمَّ أسلم وَلم يذكر الْجَواب. قيل: لقُوَّة الِاخْتِلَاف فِيهِ، تَقْدِيره: ثمَّ أسلم هَل يعْتد لَهُ بِثَوَاب تِلْكَ الصَّدَقَة بعد الْإِسْلَام أم لَا؟ قلت: إِنَّمَا لم يذكر الْجَواب اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث، وَالْجَوَاب أَنه: يعْتد بِهِ.
٦٣٤١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قُلْتُ يَا رسولَ الله أرَأيْتَ أشْيَاءَ كُنْتُ أتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أوْ عَتَاقَةٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ فَهَلْ فِيهَا مِنْ أجْرٍ فَقَالَ النبيُّ ﷺ أسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أسلمت على مَا سلف من خير) ، وَذكر صَاحب (التَّلْوِيح) أَن هَذَا الحَدِيث كَذَا ذكر فِي هَذَا الْبَاب من كتاب الزَّكَاة فِيمَا رَأَيْت من النّسخ، وَفِيه أَيْضا ذكره صَاحب الْمُسْتَخْرج، وَزعم شَيخنَا أَبُو الْحجَّاج فِي كِتَابه (الْأَطْرَاف) تبعا لأبي مَسْعُود وَخلف أَن البُخَارِيّ خرجه بِهَذَا السَّنَد فِي كتاب الصَّلَاة، وَلم يذكرُوا تَخْرِيجه لَهُ هُنَا فَينْظر.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله أَبُو جَعْفَر المسندي. الثَّانِي: هِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن، قَاضِي صنعاء. الثَّالِث: معمر بن رَاشد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: حَكِيم بن حزَام بن خويلد الْأَسدي.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بخاري وَشَيخ شَيْخه يماني وَهُوَ من أَفْرَاده وَمعمر بَصرِي وَالزهْرِيّ وَعُرْوَة مدنيان. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بنسبته إِلَى أَبِيه فَقَط، وَالزهْرِيّ إِلَى قبيلته، وَالثَّلَاثَة مجردون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع، وَفِي الْأَدَب عَن أبي الْيَمَان، وَفِي الْعتْق عَن عبيد الله ابْن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن حَرْمَلَة بن يحيى وَعَن الْحسن بن عَليّ وَعبد بن حميد وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعبد بن حميد وَعَن أبي بكر عَن عبد الله بن نمير.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي عَن حكم أَشْيَاء كنت أَتَعبد بهَا قبل الْإِسْلَام مثل مَا حمل مائَة بعير واعتق مائَة رَقَبَة. قَوْله: (أتحنث) بالثاء الْمُثَلَّثَة أَي: أَتَقَرَّب، وَقَالَ ابْن قرقول: كنت أتحنث بتاء مثناة، رَوَاهُ الْمروزِي فِي: بَاب من وصل رَحمَه، وَهُوَ غلط من جِهَة الْمَعْنى. وَأما الرِّوَايَة فصحيحة، وَالوهم فِيهِ من شُيُوخ البُخَارِيّ بِدَلِيل قَول البُخَارِيّ، وَيُقَال، أَي عَن أبي الْيَمَان: أتحنث أَو أتحنت على الشَّك، وَالصَّحِيح الَّذِي هُوَ رِوَايَة الْعَامَّة بثاء مُثَلّثَة، وَعَن عِيَاض بالثاء الْمُثَنَّاة غلط من جِهَة الْمَعْنى، وَيحْتَمل أَن يكون لَهَا معنى، وَهُوَ: الْحَانُوت، لِأَن الْعَرَب كَانَت تسمي بيُوت الحمارين الحوانيت، يَعْنِي كنت أتحنت حوانيتهم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: التحنت التَّعَبُّد كَمَا فسره فِي الحَدِيث، وَفَسرهُ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى
стр. 2490
بالتبرر، وَهُوَ فعل الْبر، وَهُوَ الطَّاعَة. وَقَالَ أهل اللُّغَة: أصل التحنث أَن يفعل فعلا يخرج بِهِ من الْحِنْث وَهُوَ الْإِثْم، وَكَذَا تأثم وتحرج وتهجد، أَي: فعل فعلا يخرج عَن الْإِثْم والحرج والهجود. قَوْله: (من صَدَقَة) كلمة من، بَيَانِيَّة. قَوْله: (أَو عتاقة) وَهُوَ أَنه أعتق مائَة رَقَبَة فِي الْجَاهِلِيَّة وَحمل على مائَة بعير، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (على مَا سلف) ، أَي: على اكْتِسَاب مَا سلف لَك من خير أَو على احتسابه، أَو على قبُول مَا سلف، وَرُوِيَ أَن حَسَنَات الْكَافِر إِذا ختم لَهُ بِالْإِسْلَامِ مَقْبُولَة أَو تحسب لَهُ، فَإِن مَاتَ على كفره بَطل عمله. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن يكفر بِالْإِيمَان فقد حَبط عمله﴾ (الْمَائِدَة: ٥) . وَقَالَ الْمَازرِيّ: اخْتلف فِي قَوْله: (أسلمت على مَا سلف من خير) ، ظَاهره خلاف مَا يَقْتَضِيهِ الْأُصُول، لِأَن الْكَافِر لَا تصح مِنْهُ قربَة فَيكون مثابا على طَاعَته، وَيصِح أَن يكون مُطيعًا غير متقرب كَنَظِيرِهِ فِي الْإِيمَان، فَإِنَّهُ مُطِيع من حَيْثُ كَانَ مُوَافقا لِلْأَمْرِ وَالطَّاعَة عندنَا مُوَافقَة لِلْأَمْرِ، وَيصِح أَن يكون مُطيعًا غير متقرب كَنَظِيرِهِ فِي الْإِيمَان، فَإِنَّهُ مُطِيع من حَيْثُ كَانَ مُوَافقا لِلْأَمْرِ وَالطَّاعَة عندنَا مُوَافقَة لِلْأَمْرِ، وَلكنه لَا يكون متقربا، لِأَن من شَرط التَّقَرُّب أَن يكون عَارِفًا بالمتقرب إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي حِين نظره لم يحصل لَهُ الْعلم بِاللَّه تَعَالَى بعد.
فَإِذا قرر هَذَا فَاعْلَم أَن الحَدِيث متأول، وَهُوَ يحْتَمل وُجُوهًا.
أَحدهَا: أَن يكون الْمَعْنى: أَنَّك اكْتسبت طباعا جميلَة وَأَنت تنْتَفع بِتِلْكَ الطباع فِي الْإِسْلَام، وَتَكون تِلْكَ الْعَادة تمهيدا لَك ومعونة على فعل الْخَيْر والطاعات. الثَّانِي: مَعْنَاهُ: اكْتسبت بذلك ثَنَاء جميلاً فَهُوَ بَاقٍ عَلَيْك فِي الْإِسْلَام. الثَّالِث: أَن لَا يبعد أَن يُزَاد فِي حَسَنَاته الَّتِي يَفْعَلهَا فِي الْإِسْلَام وَيكثر أجره لما تقدم لَهُ من الْأَفْعَال الجميلة، وَقد قَالُوا فِي الْكَافِر: إِذا كَانَ يفعل الْخَيْر فَإِنَّهُ يُخَفف عَنهُ بِهِ، فَلَا يبعد أَن يُزَاد هَذَا فِي الأجور.
وَقَالَ عِيَاض، وَقيل: مَعْنَاهُ ببركة مَا سبق لَك من خير هداك الله تَعَالَى إِلَى الْإِسْلَام، فَإِن من ظهر فِيهِ خير فِي أول أمره فَهُوَ دَلِيل على سَعَادَة أخراه وَحسن عاقبته. وَذهب ابْن بطال وَغَيره من الْمُحَقِّقين إِلَى أَن الحَدِيث على ظَاهره وَأَنه إِذا أسلم الْكَافِر وَمَات على الْإِسْلَام يُثَاب على فعله من الْخَيْر فِي حَال الْكفْر، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (أذا أسلم الْكَافِر فَحسن إِسْلَامه كتب الله لَهُ حَسَنَة زلفها، ومحا عَنهُ كل سَيِّئَة كَانَ زلفها، وَكَانَ عمله بعد ذَلِك الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة ضعف، والسيئة بِمِثْلِهَا إلَاّ أَن يتَجَاوَز الله تَعَالَى) ، ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي (غَرِيب حَدِيث مَالك) ، وَرَوَاهُ عَنهُ من تسع طرق وَثَبت فِيهَا كلهَا أَن الْكَافِر إِذا حسن إِسْلَامه يكْتب لَهُ فِي الْإِسْلَام كل حَسَنَة عَملهَا فِي الشّرك، وَقَالَ ابْن بطال، بعد ذكر هَذَا الحَدِيث: وَللَّه تَعَالَى أَن يتفضل على عباده مَا شَاءَ، لَا اعْتِرَاض لأحد عَلَيْهِ، وَهُوَ كَقَوْلِه ﷺ لحكيم بن حزَام: أسلمت على مَا أسفلت من خير. وَقَالَ بعض أهل الْعلم: مَعْنَاهُ كل مُشْرك أسلم أَنه يكْتب لَهُ كل خير عمله قبل إِسْلَامه وَلَا يكْتب عَلَيْهِ من سيئاته شَيْء، لِأَن الْإِسْلَام يهدم مَا قبله، وَإِنَّمَا كتب لَهُ بِهِ الْخَيْر لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ وَجه الله تَعَالَى، لأَنهم كَانُوا مقرين بالربوبية، إلَاّ أَن عَمَلهم كَانَ مردودا عَلَيْهِم لَو مَاتُوا على شركهم، فَلَمَّا أَسْلمُوا تفضل الله عَلَيْهِم فَكتب لَهُم الْحَسَنَات ومحا عَنْهُم السَّيِّئَات، كَمَا قَالَ ﷺ : (ثَلَاثَة يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ. .) وَفِيه، وَهُوَ الثَّالِث: (وَرجل من أهل الْكتاب آمن بِنَبِيِّهِ وآمن بِمُحَمد ﷺ . قَالَ الْمُهلب: وَلَعَلَّ حكيما لَو مَاتَ على جاهليته أَن يكون مِمَّن يُخَفف عَنهُ من عَذَاب النَّار، كَمَا حُكيَ فِي أبي طَالب وَأبي لَهب. انْتهى. وَهَذَانِ لَا يُقَاس عَلَيْهِمَا لخصوصيتهما.
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَقيل: إِن النَّبِي، ﷺ ، ورى عَن جَوَابه فَإِنَّهُ سَأَلَهُ: هَل لي فِيهَا أجر؟ يُرِيد ثَوَاب الْآخِرَة؟ وَمَعْلُوم أَنه لَا ثَوَاب فِي الْآخِرَة لكَافِر، فَقَالَ لَهُ: أسلمت على مَا سلف لَك من خير، وَالْعِتْق فعل خير، فَأَرَادَ النَّبِي ﷺ أَنَّك قد فعلت خيرا وَالْخَيْر يمدح فَاعله، وَقد يجازى عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا. وَذكر حَدِيث أنس من (صَحِيح مُسلم) عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: أما الْكَافِر فيطعم بحسناته فِي الدُّنْيَا، فَإِذا لَقِي الله لم يكن لَهُ حَسَنَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: رُوِيَ أَن حَسَنَات الْكَافِر إِذا ختم لَهُ بِالْإِسْلَامِ محتسبة لَهُ، فَإِن مَاتَ على كفره كَانَت هدرا. وَقَالَ أَبُو الْفرج: فَإِن صَحَّ هَذَا كَانَ الْمَعْنى: أسلمت على قبُول مَا سلف لَك من خير. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْإِسْلَام إِذا حسن هدم مَا قبله من الآثام، وأحرز مَا قبله من الْبر. وَقَالَ الْحَرْبِيّ: معنى حَدِيث حَكِيم: مَا تقدم لَك من الْخَيْر الَّذِي عملته هُوَ لَك، كَمَا تَقول: أسلمت لَك على ألف دِرْهَم على أَن أحوزها لنَفْسي. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهَذَا الَّذِي قَالَه الْحَرْبِيّ هُوَ أشبههَا وأولاها، وَالله أعلم.
وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَقد يعْتد بعض أَفعَال الْكَافرين فِي أَحْكَام الدُّنْيَا، فقد قَالَ الْفُقَهَاء: إِذا وَجب على الْكَافِر كَفَّارَة ظِهَار أَو غَيرهَا، فَكفر فِي حَال كفره أَجزَأَهُ ذَلِك، وَإِذا أسلم لَا تجب عَلَيْهِ إِعَادَتهَا. وَاخْتلف
следующие страницы →