← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

يتوقفون إِلَى زمَان طوافي بعد الطَّهَارَة، وَإسْنَاد الْحَبْس إِلَيْهَا على سَبِيل الْمجَاز. قَوْله: (عقري حلقي) قَالَ أَبُو عبيد: مَعْنَاهُ عقرهَا الله وأصابها وجع فِي حلقها، هَذَا على مَا يرويهِ المحدثون، وَالصَّوَاب: عقرا وحلقا أَي: مصدرين بِالتَّنْوِينِ فيهمَا، وَقيل لَهُ لِمَ لَا يجوز: فعلى؟ قَالَ: لِأَن: فعلى، يَجِيء نعتا، وَلم يَجِيء فِي الدُّعَاء، وَهَذَا دُعَاء. وَقَالَ صَاحب (الْمُحكم) : مَعْنَاهُ عقرهَا الله وَحلق شعرهَا أَو أَصَابَهَا فِي حلقها بالوجع، فعقرى هَهُنَا مصدر كدعوى، وَقيل: مَعْنَاهُ تعقر قَومهَا وتحلقهم بشؤمها، وَهُوَ جمع عقير، وَهُوَ مثل: جريح وجرحى لفظا وَمعنى. وَقيل: عقرى عَاقِر لَا تَلد، وحلقى أَي مشؤمة. قَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال: أَصبَحت أمه حالقا أَي ثاكلاً، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وعَلى الْأَقْوَال كلهَا هِيَ كلمة اتسعت فِيهَا الْعَرَب فَصَارَت تلفظها وَلَا تُرِيدُ بهَا حَقِيقَة مَعْنَاهَا الَّتِي وضعت لَهُ: كتربت يَدَاهُ، وقاتله الله. قَالَ: إِن الْمُحدثين يَرْوُونَهُ بِالْألف الَّتِي هِيَ ألف التَّأْنِيث، ويكتبونه بِالْيَاءِ، وَلَا ينونونه. وَقيل: مَعْنَاهُ مشؤمة مؤذية. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال ذَلِك لأمر يعجب مِنْهُ، وَيُقَال: إمرأة حالق إِذا حلقت قَومهَا بشؤمها. وَقَالَ الدَّاودِيّ: يُرِيد: أَنْت طَوِيلَة اللِّسَان لما كَلمته بِمَا يكره، وَهُوَ مَأْخُوذ من الْحلق الَّذِي يخرج مِنْهُ الْكَلَام. قَوْله: (انفري) ، بِكَسْر الْفَاء أَي: ارجعي واذهبي، إِذْ لَا حَاجَة لَك إِلَى طواف الْوَدَاع لِأَنَّهُ سَاقِط عَن الْحَائِض. قَوْله: (فلقيني النَّبِي ﷺ إِلَى آخِره الْوَاو فِي قَوْله: (وَهُوَ مصعد) للْحَال، وَكَذَا الْوَاو فِي قَوْله: (وَأَنا منهبطة) ، إِنَّمَا حكت الْأَمر على وَجهه، وَشك الْمُحدث أَي الْكَلِمَتَيْنِ قَالَت، وَإِنَّمَا لقيها وَهُوَ يُرِيد المحصب وَهُوَ يهْبط إِلَى مَكَّة، والمصعد فِي اللُّغَة المبتدىء فِي السّير، والصاعد الراقي إِلَى الْأَعْلَى من الْأَسْفَل. ذكر فَوَائِد فِيهِ: ذكر الْحَج والتمتع، فالحج إِذا ذكر مُطلقًا يتَنَاوَل الْمُفْرد وَغَيره من التَّمَتُّع وَالْقُرْآن، والتمتع الْجمع بَين الْحَج وَالْعمْرَة، يتَحَلَّل بَينهمَا إِن لم يكن سائقا للهدي. قَالَ ابْن سَيّده: الْمُتْعَة ضم الْعمرَة إِلَى الْحَج، وَقد تمتّع واستمتع، وَقَالَ الْقَزاز فِي (جَامعه) : الْمُتْعَة هُوَ أَن يدْخل الرجل مَكَّة فِي أشهر الْحَج بِعُمْرَة، ثمَّ يُقيم فِيهَا حَتَّى يحجّ وَقد خرج من إِحْرَامه، وتمتع بِالنسَاء وَالطّيب. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: التَّمَتُّع الترفق بأَدَاء النُّسُكَيْنِ على وَجه الصِّحَّة فِي سفرة وَاحِدَة من غير أَن يلم بأَهْله إلماما صَحِيحا، وَلِهَذَا لم يتَحَقَّق من الْمَكِّيّ، وَقيل: سمي تمتعا لأَنهم يتمتعون بِالنسَاء وَالطّيب بَين الْعمرَة وَالْحج، قَالَه عَطاء وَآخَرُونَ، والمحرمون عشرَة: مُفْرد بِالْحَجِّ. مُفْرد بِالْعُمْرَةِ. قَارن متمتع. مُطلق. مُتَطَوّع بِحَجّ: مُتَطَوّع بِعُمْرَة. مُتَطَوّع بقران. متمتع. مُطلق. مُعَلّق يَعْنِي: كإحرام فلَان، وَالْكل جَائِز عِنْد أهل الْعلم كَافَّة إلَاّ مَا رُوِيَ عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا كَانَا ينهيان عَن التَّمَتُّع، وَقيل: كَانَ نهي تَنْزِيه، وَقيل: إِنَّمَا نهينَا عَن فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة، لِأَن ذَلِك كَانَ خَاصّا بالصحابة، وَذهب أَحْمد إِلَى جَوَاز فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة، وَقد استقصينا الْكَلَام فِي الْأَفْضَل من الْإِفْرَاد والتمتع وَالْقرَان عَن قريب. ٢٦٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي الأسْوَدِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ نَوْفَلٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّهَا قالَتْ خرَجْنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ عامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ ومِنَّا مَنْ أهَلَّ بحَجَّةٍ عمْرَة ومِنَّا مَنْ أهَلَّ بِالحَجِّ وَأهَلَّ رسولُ الله ﷺ بالحجِّ فأمَّا مَنْ أهَلَّ بِالحَجِّ أوْ جَمَعَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كانَ يَوْمُ النَّحْرِ.. هَذَا وَجه آخر من حَدِيث عَائِشَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. قَالَ الْكرْمَانِي: قَالَت عَائِشَة: لَا نرى إلَاّ أَنه الْحَج، فَكيف أهلوا بِالْعُمْرَةِ؟ وَأجَاب بقوله: ذَلِك الظَّن كَانَ عِنْد الْخُرُوج، وَأما الانقسام إِلَى هَذِه الثَّلَاثَة من التَّمَتُّع وَالْقرَان والإفراد فَهُوَ بعد ذَلِك. قلت: قد ذكرنَا فِي هَذَا عَن قريب بِأَحْسَن من هَذَا وأبسط، وَقد ذكرنَا أَن الرِّوَايَات عَن عَائِشَة مُخْتَلفَة فِيمَا أَحرمت بِهِ، حَتَّى قَالَ مَالك: لَيْسَ الْعَمَل عندنَا على حَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة قَدِيما وَلَا حَدِيثا، وَقَالَ أَبُو عمر: الْأَحَادِيث عَنْهَا مضطربة. ٢٦٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي الأسْوَدِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ نَوْفَلٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّهَا قالَتْ خرَجْنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ عامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ ومِنَّا مَنْ أهَلَّ بحَجَّةٍ عمْرَة ومِنَّا مَنْ أهَلَّ بِالحَجِّ وَأهَلَّ رسولُ الله ﷺ بالحجِّ فأمَّا مَنْ أهَلَّ بِالحَجِّ أوْ جَمَعَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كانَ يَوْمُ النَّحْرِ.. هَذَا وَجه آخر من حَدِيث عَائِشَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. قَالَ الْكرْمَانِي: قَالَت عَائِشَة: لَا نرى إلَاّ أَنه الْحَج، فَكيف أهلوا بِالْعُمْرَةِ؟ وَأجَاب بقوله: ذَلِك الظَّن كَانَ عِنْد الْخُرُوج، وَأما الانقسام إِلَى هَذِه الثَّلَاثَة من التَّمَتُّع وَالْقرَان والإفراد فَهُوَ بعد ذَلِك. قلت: قد ذكرنَا فِي هَذَا عَن قريب بِأَحْسَن من هَذَا وأبسط، وَقد ذكرنَا أَن الرِّوَايَات عَن عَائِشَة مُخْتَلفَة فِيمَا أَحرمت بِهِ، حَتَّى قَالَ مَالك: لَيْسَ الْعَمَل عندنَا على حَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة قَدِيما وَلَا حَدِيثا، وَقَالَ أَبُو عمر: الْأَحَادِيث عَنْهَا مضطربة. ٣٦٥١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حأقنا غُنْدُرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ عَلِيِّ بنِ حُسَيْن

стр. 2697

ٍ عَنْ مَرْوَانَ بنِ الْحَكَمِ قَالَ شَهِدْتُ عُثْمَانَ وعلِيّا رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وعُثْمَانُ يَنْهَى عنِ المُتْعَةِ وَأنْ يُجْمَعَ بَينَهُما فلَمَّا رَأى عَليٌّ أهَلَّ بهمَا لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وحَجَّةٍ قَالَ مَا كُنْتْ لأِدَعَ سُنَّةَ النبيِّ ﷺ لِقَوْلِ أحَدٍ. (الحَدِيث ٣٦٥١ طرفه فِي: ٩٦٥١) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أهل بهما) ، أَي: بِالْعُمْرَةِ وَالْحج، وَهَذَا هُوَ القِران، وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ هُوَ ابْن عتيبة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الثَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: الْفَقِيه الْكُوفِي، وَعلي بن الْحُسَيْن هُوَ زين العابدين. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (شهِدت عُثْمَان وعليا) كَانَ شُهُوده إيَّاهُمَا بعسفان على مَا يَأْتِي. قَوْله: (وَعُثْمَان) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (عَن الْمُتْعَة) اخْتلفُوا فِي الْمُتْعَة الَّتِي نهى عَنْهَا. فَقيل: هِيَ فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة لِأَنَّهُ كَانَ مَخْصُوصًا بِتِلْكَ السّنة الَّتِي حج فِيهَا رَسُول الله، ﷺ ، وَكَانَ تَحْقِيقا مَا عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة من منع الْعمرَة فِي أشهر الْحَج، وَقيل: هُوَ التَّمَتُّع الْمَشْهُور، وَالنَّهْي للتنزيه ترغيبا للإفراد. قَوْله: (وَأَن يجمع بَينهمَا) أَي: بَين الْعمرَة وَالْحج، قَالَ الْكرْمَانِي: أَي الْقرَان، ثمَّ قَالَ: مَا المُرَاد مِنْهُ؟ ثمَّ أجَاب: بِأَنَّهُ قَالَ ابْن عبد الْبر: القِران أَيْضا نوع من التَّمَتُّع لِأَنَّهُ تمتّع بِسُقُوط سَفَره للنسك الآخر من بَلَده، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن تكون الْوَاو فِي قَوْله: (وَأَن يجمع بَينهمَا) ، عاطفة فَيكون النَّهْي عَن التَّمَتُّع وَالْقرَان مَعًا، وَيحْتَمل إِن تكون تفسيرية، وَذَلِكَ لِأَن السّلف كَانُوا يطلقون على الْقرَان تمتعا. انْتهى. قلت: الْوَاو هُنَا عاطفة قطعا، وَلَا إِجْمَال فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ حَتَّى يُقَال: إِنَّهَا تفسيرية، وَهُوَ قد رد على نَفسه كَلَامه بقوله: إِن السّلف كَانُوا يطلقون على الْقرَان تمتعا، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون عطف التَّمَتُّع على الْمُتْعَة، وَهُوَ غير جَائِز. قَوْله: (فَلَمَّا رأى عَليّ) مَفْعُوله مَحْذُوف تَقْدِيره: فَلَمَّا رأى عَليّ النَّهْي (أهل بهما) أَي: بِالْعُمْرَةِ وَالْحج. وَقَوله: (إهل) جَوَاب لما، وَفِي رِوَايَة سعيد بن الْمسيب: (فَقَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَا تُرِيدُ إِلَى أَن تنهي عَن أَمر فعله، ﷺ . وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (إلَاّ أَن تنْهى) ، بِحرف الِاسْتِثْنَاء، وَفِي رِوَايَة مُسلم من هَذَا الْوَجْه زِيَادَة، وَهِي: (فَقَالَ عُثْمَان: إِنِّي لَا أَسْتَطِيع أَن أدعك) . قَوْله: (لبيْك بِعُمْرَة وَحجَّة) مقول لمقدر، وَالتَّقْدِير: أهل بهما حَال كَونه قَائِلا: لبيْك. قَوْله: (قَالَ: مَا كنت) أَي: قَالَ عَليّ، وَهُوَ اسْتِئْنَاف كَأَن قَائِلا يَقُول: لِمَ خَالفه، فَقَالَ: مَا كنت ... إِلَى آخِره، وَحَاصِله أَنه مُجْتَهد لَا يجوز عَلَيْهِ أَن يُقَلّد مُجْتَهدا آخر، لَا سِيمَا مَعَ وجود السّنة، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ والإسماعيلي: (فَقَالَ عُثْمَان: تَرَ أَنِّي أنهى النَّاس وَأَنت تَفْعَلهُ؟ فَقَالَ: مَا كنت لأدع) ، أَي: لأترك، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: إِشَاعَة الْعَالم مَا عِنْده من الْعلم وإظهاره ومناظرته وُلَاة الْأُمُور وَغَيرهم فِي تَحْقِيقه لمن قوي على ذَلِك لقصد منا صِحَة الْمُسلمين. وَفِيه: الْبَيَان بِالْفِعْلِ مَعَ القَوْل، لِأَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَمر وَفعل مَا نَهَاهُ عَنهُ عُثْمَان: وَفِيه: مَا كَانَ عَلَيْهِ عُثْمَان من الْحلم أَنه لَا يلوم مخالفه. وَفِيه: أَن الْقَوْم لم يَكُونُوا يسكتون عَن قَول يرَوْنَ أَن غَيره أمثل مِنْهُ إلَاّ بَينُوهُ. وَفِيه: أَن طَاعَة الإِمَام إِنَّمَا تجب فِي الْمَعْرُوف، وَفِيه: أَن مُعظم الْقَصْد الَّذِي بوب عَلَيْهِ هُوَ مَشْرُوعِيَّة الْمُتْعَة لجَمِيع النَّاس. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن أبي ذَر أَنه قَالَ: كَانَت مُتْعَة الْحَج لأَصْحَاب مُحَمَّد، ﷺ ، خَاصَّة فِي (صَحِيح مُسلم) ؟ قلت: قَالُوا: هَذَا قَول صَحَابِيّ يُخَالف الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع، وَقَول من هُوَ خير مِنْهُ. أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى: ﴿فَمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَهَذَا عَام، وَأجْمع الْمُسلمُونَ على إِبَاحَة التَّمَتُّع فِي جَمِيع الْأَعْصَار، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي فَضله. وَأما السّنة، فَحَدِيث سراقَة: (الْمُتْعَة لنا خَاصَّة أَو هِيَ لِلْأَبَد؟ قَالَ: بل هِيَ لِلْأَبَد) . وَحَدِيث جَابر الْمَذْكُور فِي (صَحِيح مُسلم) فِي صفة الْحَج نَحْو هَذَا، وَمَعْنَاهُ: أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا لَا يجيزون التَّمَتُّع، وَلَا يرَوْنَ الْعمرَة فِي أشهر الْحَج، فجوزا، فبيَّن النَّبِي، ﷺ ، أَن الله قد شرع الْعمرَة فِي أشهر الْحَج، وَجوز الْمُتْعَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور من قَول طَاوُوس، وَزَاد فِيهِ: (فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَام أَمر النَّاس أَن يعتمروا فِي أشهر الْحَج، فَدخلت الْعمرَة فِي أشهر الْحَج إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) ، وَقد خَالف أَبَا ذَر عَليّ وَسعد وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَعمْرَان بن حُصَيْن وَسَائِر الصَّحَابَة وَسَائِر الْمُسلمين، قَالَ عمرَان: تَمَتعنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ وَنزل فِيهِ الْقُرْآن وَلم ينهنا عَنهُ رَسُول الله، ﷺ ، وَلم ينسخها شَيْء، فَقَالَ فِيهَا رجل بِرَأْيهِ مَا شَاءَ، مُتَّفق عَلَيْهِ.

стр. 2698

وَقَالَ سعد بن أبي وَقاص: (فعلناها مَعَ رَسُول الله ﷺ ، يَعْنِي: الْمُتْعَة، وَهَذَا يَعْنِي الَّذِي نهى عَنْهَا يَوْمئِذٍ كَافِر بالعرش، يَعْنِي بيُوت مَكَّة) رَوَاهُ مُسلم. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد عَن سعيد بن الْمسيب أَن رجلا من الصَّحَابَة أَتَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَشهد عِنْده أَنه سمع رَسُول الله ﷺ ينْهَى عَن الْمُتْعَة قبل الْحَج؟ قلت: أُجِيب عَن هَذَا بِأَنَّهُ حَالَة مُخَالفَة للْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع، كَحَدِيث أبي ذَر، بل هُوَ أدنى حَالا مِنْهُ، فَإِن فِي إِسْنَاده مقَالا. فَإِن قلت: قد نهى عَنْهَا عمر وَعُثْمَان وَمُعَاوِيَة قلت: قد أنكر عَلَيْكُم عُلَمَاء الصَّحَابَة وخالفوهم فِي فعلهَا، وَالْحق مَعَ المنكرين عَلَيْهِم دونهم. ٤٦٥١ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ حدَّثنا ابنُ طَاوُوسٍ عَنْ أبِيهِ عَن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كانُوا يَرَوْنَ أنَّ العُمْرَةَ فِي أشْهُرِ الحَجِّ من أفْجَرِ الْفُجُورَ فِي الأرْضِ ويَجْعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفرا ويَقُولونَ إذَا بَرَأ الدَّبَرْ وعَفا الأثَرْ وانْسَلَخَ صَفَرْ حلَّتِ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ. قَدِمَ النبيُّ ﷺ وأصْحابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بالْحَجِّ فأمَرَهُمْ أنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً فتعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَقالُوا يَا رسُولَ الله أيُّ الحلِّ قَالَ حِل كُلّهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأَمرهمْ أَن يجعلوها عمْرَة) ، وَهِي فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة، وَرِجَال الحَدِيث قد تقدمُوا غير مرّة، ووهيب مصغر وهب ابْن خَالِد، وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله، يروي عَن أَبِيه طَاوُوس. وَأخرجه ابخاري أَيْضا فِي أَيَّام الْجَاهِلِيَّة عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن حَاتِم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عبد الْأَعْلَى. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانُوا) أَي: أهل الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (يرَوْنَ) ، أَي: يَعْتَقِدُونَ أَن الْعمرَة إِلَى آخِره، وروى دَاوُد (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: وَالله مَا أعمر رَسُول الله ﷺ وَعَائِشَة فِي ذِي الْحجَّة إلَاّ ليقطع بذلك أَمر أهل الشّرك، فَإِن هَذَا الْحَيّ من قُرَيْش من دَان دينهم كَانُوا يَقُولُونَ: إِذا عَفا الْأَثر وبرأ الدبر وَدخل صفر فقد حلت الْعمرَة لمن اعْتَمر، وَكَانَ يحرمُونَ الْعمرَة حَتَّى يَنْسَلِخ ذُو الْحجَّة وَالْمحرم) . وَرَوَاهُ ابْن حبَان أَيْضا، فَفِي هَذَا تعْيين الْقَائِلين الْمَذْكُورين فِي قَوْله: وَيَقُولُونَ: قَوْله: (من أفجر الْفُجُور) ، أَي: من أعظم الذُّنُوب، وَهَذَا من تحكماتهم الْبَاطِلَة الْمَأْخُوذَة من غير أصل، والفجور: الانبعاث فِي المعاضي، يُقَال: فجر يفجر فجورا من: بَاب نصر ينصر. قَوْله: (ويجعلون الْمحرم صفرا) أَي: يجْعَلُونَ الصفر من الْأَشْهر الْحرم، وَلَا يجْعَلُونَ الْمحرم مِنْهَا. قَوْله: (صفر) قَالَ بَعضهم: كَذَا هُوَ فِي جَمِيع الْأُصُول من الصَّحِيحَيْنِ، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) قَوْله: (صفرا) هُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ مَصْرُوف بِلَا خلاف، وَوَقع فِي مُسلم، رَحمَه الله تَعَالَى: صفر بِغَيْر ألف. قلت: هَذَا يرد مَا قَالَه بَعضهم، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : قَوْله: صفر، كَذَا هُوَ بِغَيْر ألف فِي أصل الدمياطي، رَحمَه الله تَعَالَى. وَفِي مُسلم: الصَّوَاب صفرا بِالْألف. وَقَالَ النَّوَوِيّ: كَانَ يَنْبَغِي أَن يكْتب بِالْألف، وَلَكِن على تَقْدِير حذفهَا لَا بُد من قِرَاءَته مَنْصُوبًا لِأَنَّهُ منصرف. وَقَالَ الْكرْمَانِي: اللُّغَة الربيعية أَنهم يَكْتُبُونَ الْمَنْصُوب بِلَا ألف. وَقَالَ: وتقرأ هَذِه الْأَلْفَاظ كلهَا سَاكِنة الآخر مَوْقُوفا عَلَيْهَا، لِأَن مُرَادهم السجع. وَفِي (الْمُحكم) وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة لَا يصرفهُ، فَقيل لَهُ: لِمَ لم تصرفْهُ؟ لِأَن النَّحْوِيين قد أَجمعُوا على صرفه وَقَالُوا لَا يمْنَع الْحَرْف من الصّرْف إلَاّ العلتان فَأخْبرنَا بالعلتين فِيهِ؟ فَقَالَ: نعم، العلتان الْمعرفَة والساعة. وَقَالَ: أَبُو عمر الْمُطَرز، يرى أَن الْأَزْمِنَة كلهَا سَاعَات، والساعات مُؤَنّثَة، وَقَالَ عِيَاض: قيل صفر دَاء يكون فِي الْبَطن كالحيات إِذا اشْتَدَّ جوع الْإِنْسَان عضه، وَقَالَ رؤبة: هِيَ حَيَّة تلتوي فِي الْبَطن، وَهِي أعدى من الجرب عِنْد الْعَرَب قلت: هَذَا الْمَعْنى فِي قَوْله ﷺ لَا صفر، وَهَهُنَا غير مُنَاسِب، وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَت الْعلمَاء: المُرَاد الْإِخْبَار عَن النسيء الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة، فَكَانُوا يسمون الْمحرم صفرا، ويحلونه، ويؤخرون تَحْرِيم الْمحرم إِلَى نفس صفر، لِئَلَّا يتوالى عَلَيْهِم ثَلَاثَة أشهر مُحرمَة، فيضيق عَلَيْهِم فِيهَا مَا اعتادوه من الْمُقَاتلَة والغارة والنهب، فضللهم الله فِي ذَلِك فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر يضل بِهِ الَّذين كفرُوا﴾ (التَّوْبَة: ٧٣) . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، النسيء، هُوَ تَأْخِير حُرْمَة الشَّهْر إِلَى شهر آخر وَرُبمَا زادوا فِي عدد الشَّهْر فيجعلونها ثَلَاثَة عشر أَو أَرْبَعَة عشر ليتسع لَهُم الْوَقْت، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: إِن الْعَرَب كَانُوا يؤخرون الْمحرم إِلَى صفر، وَهُوَ النسيء الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر﴾ (التَّوْبَة: ٧٣) . وَقَالَ الْكَلْبِيّ: أول من نسأ القلمّس واسْمه: حُذَيْفَة

стр. 2699

ابْن عبيد الْكِنَانِي، ثمَّ ابْنه عباد، ثمَّ ابْنه قلع بن عباد، ثمَّ أُميَّة بن قلع، ثمَّ عَوْف بن أُميَّة، ثمَّ جُنَادَة بن أُميَّة وَعَلِيهِ قَامَ الْإِسْلَام. وَقيل: أول من نسأ نعيم بن ثَعْلَبَة، ثمَّ جُنَادَة، وَهُوَ الَّذِي أدْركهُ سيدنَا رَسُول الله ﷺ . وَقيل: مَالك بن كنَانَة، وَقيل: عَمْرو بن طَيء. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الصفران شَهْرَان من السّنة سمي أَحدهمَا فِي الْإِسْلَام: الْمحرم، وَفِي (الْمُحكم) : قَالَ بَعضهم: سمي صفرا لأَنهم كَانُوا يمتارون الطَّعَام فِيهِ من الْمَوَاضِع، وَقَالَ بَعضهم: سمي بذلك لإصفار مَكَّة من أَهلهَا إِذا سافروا، وروى عَن رؤبة أَنه قَالَ: سموا الشَّهْر صفرا لأَنهم كَانُوا يغزون فِيهِ الْقَبَائِل فيتركون من لقوا صفرا من الْمَتَاع، وَذَلِكَ إِذا كَانَ صفر بعدالمحرم، فَقَالُوا: صفر النَّاس منَّا صفرا، فَإِذا جَمَعُوهُ مَعَ الْمحرم قَالُوا: صفران وَالْجمع أصفار. وَقَالَ الْقَزاز: قَالُوا إِنَّمَا سموا الشَّهْر صفرا لأَنهم كَانُوا يخلون الْبيُوت فِيهِ لخروجهم إِلَى الْبِلَاد، يُقَال لَهَا الصفرية، يمتارون مِنْهَا. وَقيل: لأَنهم كَانُوا يخرجُون إِلَى الْغَارة فَتبقى بُيُوتهم صفرا، وَفِي الْعلم الْمَشْهُور لأبي الْخطاب: الْعَرَب تَقول: صفر وصفران وصفارين وأصفار. قَالَ: وَقيل: إِن الْعَرَب كَانُوا يزِيدُونَ فِي كل أَربع سِنِين شهرا يسمونه صفرا الثَّانِي، فَتكون السّنة ثَلَاثَة عشر شهرا، وَلذَلِك قَالَ ﷺ : (السّنة اثْنَي عشر شهرا) وَكَانُوا يَتَطَيَّرُونَ بِهِ وَيَقُولُونَ: (إِن الْأُمُور فِيهِ منغلقة، والآفات فِيهِ وَاقعَة. قَوْله: (إِذا برأَ الدبر) ، برأَ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة مَعْنَاهُ: إِذا أَفَاق، والدبر، بِفَتْح الدَّال وَالْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ الرَّاء، وَهُوَ مَا يتأثر فِي ظهر الْإِبِل بِسَبَب اصطكاك القتب وَالْحمل عَلَيْهَا فِي السّفر. وَقَالَ الْخطابِيّ: يحْتَمل أَن يَكُونُوا أَرَادوا برْء الدبر فِي ظهر الْإِبِل إِذا انصرفت من الْحَج. وَقَالَ ابْن سَيّده: الْجمع أدبار، ودبر دبرا، فَهُوَ دبر وَأدبر، وَالْأُنْثَى: دبرة ودبراء، وإبل دبراء، وَقد أدبرها الْحمل، قَالَ عِيَاض: وَقيل: هُوَ أَن يقرح خف الْبَعِير. قَوْله: (وَعَفا الْأَثر) أَي: ذهب أثر الدبر، يُقَال: عَفا الشَّيْء بِمَعْنى درس، وَوَقع فِي (سنَن أبي دَاوُد) وَعَفا الْوَبر: يَعْنِي كثر وبر الْإِبِل الَّذِي حلقته رحال الْحَاج، وَعفى من الأضداد، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمَعْرُوف فِي عَامَّة الرِّوَايَات: عَفا الْوَبر يَعْنِي بِالْوَاو كَمَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد، قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى عفوا وَقَالُوا﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٩) . أَي: كَثُرُوا. قَوْله: (حلت الْعمرَة) أَي: صَار الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ لمن أَرَادَ أَن يحرم بهَا جَائِزا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا وَجه تعلق انسلاخ صفر بالاعتمار فِي أشهر الْحَج الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود من الحَدِيث، وَالْمحرم وصفر ليسَا من أشهر الْحَج؟ فَأجَاب بقوله: لما سموا الْمحرم صفرا. وَكَانَ من جملَة تصرفاتهم فعل السّنة ثَلَاثَة عشر شهرا، صَار صفر على هَذَا التَّقْدِير آخر السّنة وَآخر أشهر الْحَج، إِذْ لَا برْء فِي أقل من هَذِه الْمدَّة غَالِبا. وَأما ذكر انسلاخ صفر الَّذِي من الْأَشْهر الْحرم بزعمهم فلأجل أَنه لَو وَقع قتال فِي الطَّرِيق، وَفِي مَكَّة لقدروا على الْمُقَاتلَة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذا انْقَضى شهر الْحَج وأثره، والشهر الْحَرَام، جَازَ الاعتمار، أَو يُرَاد بالصفر الْمحرم، وَيكون إِذا انْسَلَخَ صفر كالبيان وَالْبدل لقَوْله: (إِذا برأَ الدبر) فَإِن الْغَالِب أَن البرى لَا يحصل من أثر سفر الْحَج إلَاّ فِي هَذِه الْمدَّة، وَهِي مَا بَين أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَى خمسين، وَنَحْوه. قَوْله: (قدم النَّبِي، ﷺ ، كَذَا وَقع فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَوَقع فِي رِوَايَة عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن وهيب فِي أَيَّام الْجَاهِلِيَّة بِلَفْظ: فَقدم، بِزِيَادَة فَاء الْعَطف، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق بهز بن أَسد والإسماعيلي من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن الْحجَّاج، كِلَاهُمَا عَن وهيب وَهُوَ الْوَجْه. قَوْله: (صَبِيحَة رَابِعَة) أَي: لَيْلَة رَابِعَة من ذِي الْحجَّة، وَهِي يَوْم الْأَحَد. قَوْله: (مهلِّين) نصب على الْحَال، أَي: حَال كَونهم مهلين بِالْحَجِّ، وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن الْحجَّاج: وهم يلبون بِالْحَجِّ، وَهَذِه الرِّوَايَة تفسر قَوْله: مهلين، قَوْله: (فتعاظم ذَلِك) أَي: الاعتمار فِي أشهر الْحَج، وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن الْحجَّاج: فَكبر ذَلِك عِنْدهم، أَرَادَ أَنه تعاظم عِنْدهم مُخَالفَة الْعِبَادَة الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا من تَأْخِير الْعمرَة عَن أشهر الْحَج. قَوْله: (أَي الْحل) مَعْنَاهُ: أَي شَيْء من الْأَشْيَاء يحل علينا، لِأَنَّهُ قَالَ: اعتمروا وَأَحلُّوا، فَقَالَ: حل كُله، يَعْنِي جَمِيع مَا يحرم على الْمحرم حَتَّى الْجِمَاع، وَذَلِكَ تَمام الْحل، كَأَنَّهُمْ يعْرفُونَ أَن لِلْحَجِّ تحليلين، فأرادوا بَيَان ذَلِك بقَوْلهمْ: أَي الْحل، فَبين لَهُم ﷺ الْحل كُله، لِأَن الْعمرَة لَيْسَ لَهَا إلَاّ تحلل وَاحِد، وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (أَي الْحل نحل؟ قَالَ: الْحل كُله) . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة الَّذِي بوب عَلَيْهِ. وَفِيه: اسْتِحْبَاب دُخُول مَكَّة نَهَارا، وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبِه قَالَ عَطاء وَالنَّخَعِيّ وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذر، وَهُوَ أصح الْوَجْهَيْنِ لأَصْحَاب الشَّافِعِي، وَالْوَجْه الثَّانِي: دُخُولهَا لَيْلًا وَنَهَارًا سَوَاء لَا فَضِيلَة لأَحَدهمَا على الآخر، وَهُوَ قَول طَاوُوس وَالثَّوْري، وَعَن عَائِشَة وَسَعِيد بن جُبَير وَعمر بن عبد الْعَزِيز: دُخُولهَا لَيْلًا أفضل من النَّهَار. وَقَالَ مَالك: يسْتَحبّ دُخُولهَا نَهَارا، فَمن جاءها لَيْلًا فَلَا بَأْس بِهِ. قَالَ: وَكَانَ عمر بن

стр. 2700

عبد الْعَزِيز يدخلهَا لطواف الزِّيَارَة لَيْلًا. وَفِيه: حجَّة لمن قَالَ: كَانَ حج النَّبِي ﷺ مُفردا، وَمن قَالَ: كَانَ قَارنا لَا يلْزم من إهلاله بِالْحَجِّ أَن لَا يكون أَدخل عَلَيْهِ الْعمرَة. ٥٦٥١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ قَيْسِ بنِ مُسْلِمٍ عنُ طَارق بنِ شِهَابٍ عنْ أبِي مُوسى ارضي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَدِمْتُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فأمَرَهُ بِالحِلِّ.. هَذَا الحَدِيث أوردهُ هُنَا مُخْتَصرا، وَقد مضى بِتَمَامِهِ فِي: بَاب من أهلَّ فِي زمن النَّبِي ﷺ كإهلال النَّبِي ﷺ . وَأخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان عَن قيس بن مُسلم إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مَبْسُوطا. قَوْله: (فَأمره بِالْحلِّ) ، رِوَايَة الْكشميهني على الِالْتِفَات، وَفِي رِوَايَة غَيره: (فَأمرنِي بِالْحلِّ) . ٦٦٥١ - حدَّثنا إسْمَاعيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ (ح) وَحدثنَا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرَنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ عنْ حَفْصَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زوْجَ النبيِّ ﷺ أنَّها قالَتْ يَا رسولَ الله مَا شأنُ النَّاسِ حَلّزا بِعُمْرَةٍ ولَمْ تَحْلِلْ أنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ قَالَ إنِّي لَبَّدْتُ رأسِي وقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَا أحِلُّ حتَّى أنْحَرَ.. هَذَانِ طَرِيقَانِ: أَحدهمَا: عَن سُلَيْمَان بن أبي أويس واسْمه عبد الله الأصبحي الْمدنِي، ابْن أُخْت مَالك بن أنس، يروي عَن مَالك عَن نَافِع. وَالْآخر: عَن عبد الله بن يُوسُف التنيسِي عَن مَالك عَن نَافِع، وَفِيه رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصحابية عَن النَّبِي ﷺ وَرِوَايَة الْأَخ عَن أُخْته لِأَن حَفْصَة بنت عمر بن الْخطاب، وَعبد الله بن عمر أَخُوهَا. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ فِي موضِعين: فِي الْحَج عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِيه، وَفِي اللبَاس عَن إِسْمَاعِيل، وَفِي الْحَج أَيْضا عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد، وَفِي الْمَغَازِي عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عبيد الله بن سعيد وَعَن مُحَمَّد ابْن سَلمَة: وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حلوا بِعُمْرَة) ، لم يَقع لَفْظَة بِعُمْرَة فِي رِوَايَة مُسلم، وَقَالَ أَبُو عمر: زعم بعض النَّاس أَنه لم يقل أحد فِي هَذَا الحَدِيث: عَن نَافِع، وَلم تحلل أَنْت عَن عمرتك إلَاّ مَالك وَحده، قَالَ: وَهَذِه اللَّفْظَة قَالَهَا عَن نَافِع جمَاعَة مِنْهُم عبيد الله بن عمر، وَأَيوب بن أبي تَمِيمَة، وهما وَمَالك حفاظ أَصْحَاب نَافِع. وَقَالَ أَبُو عمر: لما لم يكن لأحد من الْعلمَاء سَبِيل إِلَى الْأَخْذ بِكُل مَا تعَارض وتدافع من الْآثَار فِي هَذَا الْبَاب، وَلم يكن بُد من الْمصير إِلَى وَجه وَاحِد مِنْهَا صَار كل وَاحِد إِلَى مَا صَحَّ عِنْده بمبلغ اجْتِهَاده، وَقَالَ السفاقسي فِي قَوْلهَا: (مَا شَأْن النَّاس حلوا وَلم تحلل أَنْت من عمرتك؟) يحْتَمل أَن تُرِيدُ، من حجتك، لِأَن مَعْنَاهُمَا مُتَقَارب، يُقَال: حج الرجل الْبَيْت إِذا قَصده، فعبرت بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر، وَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا يَقع على نوع مَخْصُوص من الْقَصْد والنسك. وَقيل: إِنَّهَا لما سمعته يَأْمر النَّاس بسرف بِفَسْخ الْحَج فِي الْعمرَة ظنت أَنه فسخ الْحَج فِيهَا، وَقيل: اعتقدت أَنه كَانَ مُعْتَمِرًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَوْلهَا وَقَول ابْن عَبَّاس: من عمرتك، أَي: بعمرتك، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله﴾ أَي: بِأَمْر الله، عبر بِالْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ عَن الْقرن لِأَنَّهَا السَّابِقَة فِي إِحْرَام الْقَارِن قولا وَنِيَّة، وَلَا سِيمَا على مَا ظهر من حَدِيث ابْن عمر: أَنه ﷺ كَانَ مُفردا. قَوْله: (وَلم تملك) بِكَسْر اللَّام الأولى أَي لم تحل وَفك فِيهِ الْإِدْغَام وَقد غلم أَن فِي مثل هَذَا الْمَوْضُوع يجوز الْوَجْهَانِ الْإِدْغَام وفكه قَوْله: (لبدت) ، بِكَسْر اللَّام الْمُوَحدَة من التلبيد، وَهُوَ أَن يَجْعَل الْمحرم فِي رَأسه شَيْئا من الصمغ ليجتمع الشّعْر، وَلِئَلَّا يَقع فِيهِ الْقمل. قَوْله: (وقلدت) من تَقْلِيد الْهَدْي، وَهُوَ تَعْلِيق شَيْء فِي عنق الْهَدْي من النعم ليعلم أَنه هدي، قَوْله: (حَتَّى أنحر) أَي: الْهَدْي.

стр. 2701

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن من سَاق الْهَدْي لَا يتَحَلَّل من عمل الْعمرَة حَتَّى يهلَّ بِالْحَجِّ ويفرغ مِنْهُ. وَفِيه: أَنه لَا يحل حَتَّى ينْحَر هَدْيه، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأحمد. وَفِيه: اسْتِحْبَاب التلبيد والتقليد. وَفِيه: دَلِيل أَنه، ﷺ ، كَانَ قَارنا لِأَن ثمَّة عمْرَة. قَالَ الْكرْمَانِي: فَمَا دخل التلبيد فِي الْإِحْلَال وَعَدَمه؟ ثمَّ أجَاب بقوله: الْغَرَض بَيَان: أَنِّي مستعد من أول الْأَمر بِأَن يَدُوم إحرامي إِلَى أَن يبلغ الْهَدْي مَحَله. ٧٦٥١ - حدَّثنا آدمُ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ أخبرَنا أبُو جَمْرَةَ نَصْرُ بنُ عِمْرَانَ الضُّبَعِيُّ قَالَ تَمَتَّعْتُ فنَهَانِي ناسٌ فسألْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فأمرَنِي فرَأيْتُ فِي المَنامِ كأنَّ رجُلاً يَقُولْ لِي حَجٌّ مَبْرُورٌ وعُمْرَةٌ مُتَقَبِّلَةٌ فأخبرْتُ ابنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ سُنَّةُ النبيِّ ﷺ فَقَالَ لي أقِمْ عِنْدِي فأجْعَلَ لَكَ سَهْما مِنْ مَالِي قَالَ شُعْبَةُ فقُلْتُ لِمَ فَقَالَ لِلرُّؤيَا الَّتِي رأيْتُ. (الحَدِيث ٧٦٥١ طرفه فِي: ٨٨٦١) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأمرنِي) ، أَي: ابْن عَبَّاس أَمرنِي بالتمتع. وَرِجَاله قد ذكرُوا، وَأَبُو جَمْرَة، بِالْجِيم وبالراء: اسْمه نصر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة: الضبعِي، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقد مر فِي: بَاب أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه مُسلم عَن ابْن الْمثنى وَابْن بشار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَأمرنِي) ، أَي: فَأمرنِي ابْن عَبَّاس بالتمتع، وَكَانَت هَذِه الْقَضِيَّة فِي زمن عبد الله بن الزبير، وَكَانَ ينْهَى عَن التَّمَتُّع كَمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث ابْن الزبير عَنهُ، وَعَن جَابر، وَنقل ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن الزبير: أَنه كَانَ لَا يرى التَّمَتُّع إلَاّ للمحصر، وَوَافَقَهُ عَلْقَمَة وَإِبْرَاهِيم، وَقَالَ الْجُمْهُور: لَا اخْتِصَاص بذلك للمحصر. قَوْله: (حج مبرور) ارْتِفَاع حج على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هَذَا حج، ومبرور، صفته أَي: مَقْبُول، وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَمُسلم من طَرِيق غنْدر (عَن شُعْبَة: فَأتيت ابْن عَبَّاس فَسَأَلته عَن ذَلِك، فَأمرنِي بهَا ثمَّ انْطَلَقت إِلَى الْبَيْت فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي فَقَالَ: عمْرَة متقبلة وَحج مبرور. قَالَ: فَأتيت ابْن عَبَّاس فَأَخْبَرته بِالَّذِي رَأَيْت، فَقَالَ: الله أكبر الله أكبر سنة أبي الْقَاسِم ﷺ . قَوْله: (سنة النَّبِي ﷺ كَلَام إضافي مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، تَقْدِيره: هَذِه سنة النَّبِي ﷺ ، وَيجوز فِيهِ النصب على تَقْدِير: وَافَقت سنة النَّبِي ﷺ . وَقَوله: (فَقَالَ لي) أَي: قَالَ لي ابْن عَبَّاس. قَوْله: (فأجعل لَك) أَي: فَأَنا أجعَل لَك، ويروى: وَأَجْعَل لَك، بِالْوَاو الَّتِي تدل على الْحَال، ويروى: اجْعَل، بِدُونِ الْفَاء وَالْوَاو. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا: إجعل، بِالنّصب. قلت: وَجهه أَن يكون مَنْصُوبًا بِأَن الْمقدرَة أَي: بِأَن أجعَل لَك، وَيجوز الْجَزْم بِأَن يكون جَوَابا لِلْأَمْرِ، قَوْله: (سَهْما) ، أَي: نَصِيبا. قَوْله: (قَالَ شُعْبَة: فَقلت) ، يَعْنِي لأبي جَمْرَة. قَوْله: (لِمَ؟) اسْتِفْهَام عَن سَبَب ذَلِك. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: أَبُو جَمْرَة. قَوْله: (للرؤيا) أَي: لأجل الرُّؤْيَا الْمَذْكُورَة الَّتِي رَأَيْت، وَهُوَ بِلَفْظ الْمُتَكَلّم، وَسَببه أَن الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة. وَفِيه: مَا كَانُوا عَلَيْهِ من التعاون على الْبر وَالتَّقوى، وحمدهم لمن يفعل الْخَيْر، فخشي أَبُو جَمْرَة من تمتعه هبوط الْأجر وَنقص الثَّوَاب للْجمع بَينهمَا فِي سفر وَاحِد، وإحرام وَاحِد، وَكَانَ الَّذين أمروا بِالْإِفْرَادِ إِنَّمَا أَمرُوهُ بِفعل رَسُول الله ﷺ فِي خَاصَّة نَفسه لينفرد الْحَج وَحده، ويخلص عمله من اشْتِرَاك فِيهِ، فَأرَاهُ الله الرُّؤْيَا ليعرفه أَن حجه مبرور وعمرته متقبلة، وَلذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس: أقِم عِنْدِي ليقص على النَّاس هَذِه الرُّؤْيَا المبينة لحَال التَّمَتُّع. وَفِيه: دَلِيل الرُّؤْيَا الصادقة شاهدة على أُمُور الْيَقَظَة، وَكَيف لَا وَهُوَ جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة؟ وَفِيه: أَن الْعَالم يجوز لَهُ أَخذ الْأُجْرَة على الْعلم. ٨٦٥١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا أبُو شِهابٍ قَالَ قَدِمْتُ مُتَمَتِّعا مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ فدَخَلْنَا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِثَلاثَةِ أيَّامٍ فَقَالَ لي أناسٌ مِنْ أهْلِ مَكَّةَ تَصيرُ الآنَ حَجَّتُكَ مَكّيَّةً فَدَخَلْتُ عَلَى عَطاءٍ أسْتَفْتِيهِ فَقَالَ حدَّثني جابرُ بنُ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا أنَّهُ حَجَّ مَعَ النبيِّ ﷺ يَوْمَ ساقَ البُدْنَ معَهُ وقَدْ

стр. 2702

أهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدا فَقَالَ لَهُمْ أحِلُّوا منْ إحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ البَيْتِ وبَيْنَ الصَّفا وَالمَرْوَةِ وقَصِّرُوا ثمَّ أقِيمُوا حَلالاً حَتَّى إذَا كانَ يَوْمَ الترْوِيةِ فأهِلُّوا بِالحَجِّ وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً فَقالُوا كَيْفَ نَجْعَلُها مُتْعَةً وقَدْ سَمَّيْنا الحَجَّ فَقَالَ افْعَلُوا مَا أمرْتُكُمْ فَلَوْلَا أنِّي سُقْتُ الهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أمَرْتُكُمْ ولاكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدُيُ مَحِلَّهُ فَفَعَلُوا.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: هُوَ الْفضل بن دُكَيْن، وَأَبُو شهَاب الْأَكْبَر الحناط، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد النُّون، واسْمه مُوسَى بن نَافِع الْهُذلِيّ الْكُوفِي، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أبي نعيم بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مُتَمَتِّعا) حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي قدمت. قَوْله: (بِعُمْرَة) أَيْضا حَال، أَي: ملتبسا بِعُمْرَة. قَوْله: (مَكِّيَّة) أَي: قَليلَة الثَّوَاب لقلَّة مشقتها، وَقَالَ ابْن بطال: مَعْنَاهُ أَنَّك تنشيء حجك من مَكَّة كَمَا ينشيء أهل مَكَّة مِنْهَا، فيفوتك فضل الْإِحْرَام من الْمِيقَات وَقَوله: (حجتك مَكِّيَّة) ، هَكَذَا هُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (حجا مكيا) . قَوْله: (على عَطاء) ، هُوَ عَطاء بن أبي رَبَاح الْمَكِّيّ. قَوْله: (استفتيه) ، من الْأَحْوَال الْمقدرَة. قَوْله: (يَوْم سَاق الْبدن) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَضم الدَّال وسكونها، جمع بَدَنَة، وَذَلِكَ فِي حجَّة الْوَدَاع. وَفِي رِوَايَة مُسلم بِلَفْظ: (عَام سَاق الْهَدْي) . قَوْله: (وَقد أهلوا بِالْحَجِّ مُفردا) بِفَتْح الرَّاء وبكسرها، قَالَ الْكرْمَانِي: بِاعْتِبَار كل وَاحِد. قلت: لَا ضَرُورَة فِي كَونه حَالا من الْحَج، وَمَا قَالَه بالتأويل. قَوْله: (فَقَالَ لَهُم) أَي: قَالَ لَهُم النَّبِي ﷺ : أحلُّوا من إحرامكم بِالطّوافِ، أَي: اجعلوا حَجكُمْ عمْرَة وتحللوا مِنْهَا بِالطّوافِ وَالسَّعْي، أَو التَّقْدِير: اجعلوا إحرامكم عمْرَة ثمَّ أحلُّوا مِنْهُ بِالطّوافِ. قَوْله: (وَبَين الصَّفَا والمروة) أَي: وبالسعي بَين الصَّفَا والمروة، وَهَذَا معنى فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة، وَقَالَ ابْن التِّين: هَذَا الحَدِيث أبين مَا فِي هَذِه من فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة. قَوْله: (وَقصرُوا) أَمرهم بالتقصير لأَنهم يهلون بعد قَلِيل بِالْحَجِّ، وَأخر الْحلق لِأَن بَين دُخُولهمْ وَبَين يَوْم التَّرويَة أَرْبَعَة أَيَّام فَقَط. قَوْله: (حَلَالا) ، نصب على الْحَال بِمَعْنى: محلين. قَوْله: (وَاجْعَلُوا الَّتِي) أَي: الْحجَّة المفردة الَّتِي أهللتم بهَا (مُتْعَة) أَي: عمْرَة، وَأطلق على الْعمرَة: مُتْعَة، مجَازًا، والعلاقة بَينهمَا ظَاهِرَة. قَوْله: (وَلَكِن لَا يحل مني حرَام) ، بِكَسْر حاء يحل، وَالْمعْنَى: لَا يحل مني مَا حرم عَليّ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: (لَا يحل مني حَرَامًا) ، بِالنّصب على المفعولية، لَكِن بِضَم الْيَاء فِي: لَا يحل، وفاعله مَحْذُوف، وَتَقْدِيره: لَا يحل طول الْمكْث، وَنَحْو ذَلِك مني شَيْئا حَرَامًا (حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله) وَهُوَ منى، فينحر فِيهِ. قالَ أبُو عَبْدُ الله أبُو شِهَابٍ لَيْسَ لَهُ مُسْنَدٌ إلَاّ هاذَا أَبُو عبد الله: هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، أَي لم يرو أَبُو شهَاب حَدِيثا مَرْفُوعا إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَقيل: المُرَاد لَيْسَ لَهُ مُسْند عَن عَطاء إلَاّ هَذَا لَا مُطلقًا. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) كَأَنَّهُ يَقُول: من كَانَ هَكَذَا لَا يَجْعَل حَدِيثه أصلا من أصُول الْعلم، وَهَذَا طرف من حَدِيث جَابر بن عبد الله الَّذِي رَوَاهُ مطولا جدا، وَلأبي بكر إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَلَيْهِ كتاب سَمَّاهُ: (التَّخْيِير) استنبط مِنْهُ مائَة نوع ونيفا وَخمسين نوعا من وُجُوه الْعلم، وَالْبُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ذكر جلّ حَدِيث جَابر الَّذِي انْفَرد بِهِ مُسلم، رَحمَه الله تَعَالَى، فِي مَوَاضِع مُتَفَرِّقَة. وَمن فَوَائِد هَذِه الْقطعَة الَّتِي سَاقهَا البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: التَّقْصِير للمعتمر ليتوفر السّفر للحلاق يَوْم النَّحْر. ٩٦٥١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مُحَمَّدٍ الأعْوَرُ عنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بنِ مُرَّةَ عَن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ قَالَ اخْتَلَفَ عليٌّ وعثمانُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وهُمَا بِعُسْفَانَ فِي المُتْعَةِ فَقَالَ عَليٌّ مَا تُرِيدُ إلَاّ أنْ تَنْتَهي عَن أمْرٍ فَعلَهُ النبيُّ ﷺ قَالَ فَلَمَّا رَى ذلِكَ عَلِيٌّ أهَلَّ بِهِما جَمِيعا. (انْظُر الحَدِيث ٣٦٥١) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. قَوْله: (وهم بعسفان) ، جملَة حَالية أَي: كائنان بعسفان، وَهُوَ بِضَم الْعين وَسُكُون السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالفاء وَبعد الْألف نون: وَهِي قَرْيَة جَامِعَة بهَا مِنْبَر على سِتَّة وَثَلَاثِينَ ميلًا من مَكَّة، وَيُقَال: على

стр. 2703

قدر مرحلَتَيْنِ من مَكَّة قَوْله: (مَا نُرِيد إلَاّ أَن تنْهى) أَي: مَا تُرِيدُ إِرَادَة منتهية إِلَى النَّهْي، أَو ضمن الْإِرَادَة معنى الْميل. قَوْله: (فعله النَّبِي، ﷺ جملَة فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا وَقعت صفة. لقَوْله: (عَن أَمر) . قَوْله: (أهل بهما) أَي: بِالْعُمْرَةِ وَالْحج، وَهَذَا هُوَ الْقرَان. فَإِن قلت: كَيفَ تَقول: هَذَا قرَان؟ وَالِاخْتِلَاف بَينهمَا كَانَ فِي التَّمَتُّع؟ قلت: من وُجُوه التَّمَتُّع أَن يتمتع الرجل بِالْعُمْرَةِ وَالْحج، وَهُوَ أَن يجمع بَينهمَا فيهل بهما جَمِيعًا فِي أشهر الْحَج أَو غَيرهَا، يَقُول: لبيْك بِعُمْرَة وَحجَّة مَعًا، وَهَذَا هُوَ الْقرَان، وَإِنَّمَا جعل القِران من بَاب التَّمَتُّع لِأَن الْقَارِن يتمتع بترك النصب فِي السّفر إِلَى الْعمرَة مرّة، وَإِلَى الْحَج أُخْرَى، ويتمتع بجمعهما، وَلم يحرم لكل وَاحِد من مِيقَاته، وَضم الْحَج إِلَى الْعمرَة، فَدخل تَحت قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . ٥٣ - (بابُ مَنْ لَبَّى بالْحَجِّ وسَمَّاهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر من قَالَ: لبيْك بِالْحَجِّ، وَسَماهُ أَي: عينه. ٠٧٥١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ أيُّوبَ قالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدا يَقُول حَدثنَا جابِرُ بنُ عَبدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَدِمْنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ ونَحْنُ نَقُولُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ بالحَجِّ فأمرَنَا رسولُ الله ﷺ فَجَعَلْنَاها عُمْرَةً.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك بِالْحَجِّ) فَإِنَّهُ لبّى وَسَماهُ أَي: عينه بقوله: بِالْحَجِّ، وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن التَّعْيِين أفضل وَأَن يُسَمِّيه فِي تلبيته سَوَاء كَانَ مُفردا أَو مُتَمَتِّعا أَو قَارنا. وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم رَحمَه الله تَعَالَى عَن خلف بن هِشَام وَأبي الرّبيع وقتيبة عَن حَمَّاد بن زيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَيُؤْخَذ مِنْهُ فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة، وَقد ذكرنَا أَنه مَنْسُوخ عِنْد الْجُمْهُور. ٦٣ - (بابُ التَّمَتُّعِ عَلَى عهد النَّبِيِّ ﷺ أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من تمتّع فِي زمن النَّبِي، ﷺ ، وَهَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي رِوَايَة غَيره: بَاب التَّمَتُّع، فَقَط، وَفِي رِوَايَة بَعضهم لفظ: بَاب مُجَرّد بِغَيْر ذكر تَرْجَمَة، وَكَذَا ذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ وَرِوَايَة أبي ذَر أولى. ١٧٥١ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ حدَّثني مُطَرِّفٌ عَن عِمْرَانَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ تَمَتَّعْنَا عَلَى عَهْدِ رسولِ الله ﷺ فنزَلَ القُرْآنُ قَالَ رَجُلٌ بِرَأيِهِ مَا شاءَ. (الحَدِيث ١٧٥١ طرفه فِي: ٨١٥٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري التَّبُوذَكِي. الثَّانِي: همام بن يحيى بن دِينَار العوذي. الثَّالِث: قَتَادَة بن دعامة. الرَّابِع: مطرف، بِضَم الْمِيم وَفتح الطَّاء وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة وبالفاء ابْن الشخير. الْخَامِس: عمرَان بن الْحصين، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين، وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الصَّمد ابْن عبد الْوَارِث عَن همام قَتَادَة عَن مطرف، (عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ: تَمَتعنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ وَلم ينزل فِيهِ الْقُرْآن: قَالَ رجل بِرَأْيهِ مَا شَاءَ) . وَفِي لفظ لَهُ: (وَلم تنزل آيَة تنسخ ذَلِك) ، وَفِي لفظ: (وَلم ينزل فِيهِ قُرْآن يحرمه) ، وَفِي لفظ: (ثمَّ لم ينزل فِيهَا كتاب الله وَلم ينْه عَنْهَا نَبِي الله ﷺ ، وَفِي لفظ: (ثمَّ لم تنزل آيَة تنسخ آيَة مُتْعَة الْحَج) . قَوْله: (فَنزل الْقُرْآن) ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . الْآيَة، وَلم تنزل بعد هَذِه الْآيَة آيَة تنسخ هَذِه الْآيَة، وألفاظ مُسلم كلهَا تخبر

стр. 2704

بذلك. قَوْله: (قَالَ رجل) ، قَالَ الْكرْمَانِي: ظَاهر سِيَاق هَذَا الْكَلَام يقْضِي أَن يكون المُرَاد بِهِ عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: كَأَنَّهُ يُرِيد عُثْمَان، وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون أَبَا بكر أَو عمر أَو عُثْمَان، وَفِيه تَأمل، لَا يخفى. وَقَالَ النَّوَوِيّ والقرطبي: يَعْنِي عمر بن الْخطاب، وَحكى الْحميدِي أَنه وَقع فِي البُخَارِيّ فِي رِوَايَة أبي رَجَاء عَن عمرَان، قَالَ البُخَارِيّ: يُقَال: إِنَّه عمر، أَي الرجل الَّذِي عناه عمرَان بن حُصَيْن قيل: الأولى أَن يُفَسر بهَا عمر، فَإِنَّهُ أول من نهى عَنْهَا، وَأما من نهي بعده فِي ذَلِك فَهُوَ تَابع لَهُ. وَقَالَ عِيَاض. وَغَيره جازمين بِأَن الْمُتْعَة الَّتِي نهى عَنْهَا عمر وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، هِيَ فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة، لَا الْعمرَة الَّتِي يحجّ بعْدهَا. قلت: يرد عَلَيْهِم مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم فِي بعض طرقه التَّصْرِيح بِكَوْنِهَا مُتْعَة الْحَج، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَفِي رِوَايَة لَهُ أَن رَسُول الله ﷺ أعمر بعض أَهله فِي الْعشْر، وَفِي رِوَايَة لَهُ: جمع بَين حج وَعمرَة، وَمرَاده التَّمَتُّع الْمَذْكُور، وَهُوَ الْجمع بَينهمَا فِي عَام وَاحِد. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وُقُوع الِاجْتِهَاد فِي الْأَحْكَام بَين الصَّحَابَة، وإنكار بعض الْمُجْتَهدين على بعض بِالنَّصِّ. ٧٣ - (بابُ تَفْسِيرِ قَوْلِ الله تعَالى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الْحَرَامُ﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الله : ﴿ذَلِك لمن لم يكن. .﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . إِلَى آخِره. قَوْله: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى التَّمَتُّع لِأَنَّهُ سيق فِيهَا، وَهُوَ قَوْله: ﴿فَإِذا أمنتم فَمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهدى فَمن لم يجد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج وَسَبْعَة إِذا رجعتم تِلْكَ عشرَة كَامِلَة ذَلِك لمن لم يكن أَهله حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام، وَاتَّقوا الله وَاعْلَمُوا أَن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . قَوْله: ﴿فَإِذا أمنتم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . أَي: إِذا تمكنتم من أَدَاء الْمَنَاسِك، فَمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ أَي: فَمن كَانَ مِنْكُم مُتَمَتِّعا بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج، وَهُوَ يَشْمَل من أحرم بهما أَو أحرم بِالْعُمْرَةِ أَولا، فَلَمَّا فرغ مِنْهَا أحرم بِالْحَجِّ، وَهَذَا هوالتمتع الْخَاص. والتمتع الْعَام يَشْمَل الْقسمَيْنِ. قَوْله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . أَي: فَعَلَيهِ مَا قدر عَلَيْهِ من الْهَدْي يذبحه، وَأقله شَاة. قَوْله: ﴿فَمن لم يجد﴾ أَي: هَديا: ﴿فَعَلَيهِ صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج﴾ أَي: فِي أَيَّام الْمَنَاسِك. قَوْله: ﴿وَسَبْعَة إِذا رجعتم﴾ أَي: وَعَلِيهِ صِيَام سَبْعَة أَيَّام إِذا رجعتم إِلَى أوطانكم وَقيل: إِذا فَرَغْتُمْ عَن مَنَاسِككُم. قَوْله: ﴿تِلْكَ عشرَة كَامِلَة﴾ تَأْكِيد، كَمَا تَقول: رَأَيْت بعيني وَسمعت بأذني وكتبت بيَدي. قَوْله: ﴿ذَلِك﴾ أَي: التَّمَتُّع ﴿لمن لم يكن أَهله حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ وَأَصله: حاضرين، فَلَمَّا أضيف إِلَى الْمَسْجِد سَقَطت النُّون للإضافة، وَسَقَطت الْيَاء فِي الْوَصْل لسكونها وَسُكُون اللَّام فِي الْمَسْجِد. وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي: ﴿حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ من هم؟ فَذهب طَاوُوس وَمُجاهد إِلَى أَنهم أهل الْحرم، وَبِه قَالَ دَاوُد، وَقَالَت طَائِفَة: من أهل مَكَّة بِعَينهَا، رُوِيَ هَذَا عَن نَافِع وَعبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج، وَهُوَ قَول مَالك: هم أهل مَكَّة ذِي طوى وَشبههَا، وَأما أهل منى وعرفة والمناهل مثل: قديد وَمر الظهْرَان، وَعُسْفَان فَعَلَيْهِم الدَّم. وَذهب أَبُو حنيفَة إِلَى: أَنهم أهل الْمَوَاقِيت، فَمن دونهم إِلَى مَكَّة، وَهُوَ قَول عَطاء وَمَكْحُول، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي بالعراق، وَقَالَ الشَّافِعِي أَيْضا، وَأحمد: من كَانَ من الْحرم على مَسَافَة لَا تقصر فِي مثلهَا الصَّلَاة فَهُوَ من حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام، وَعند الشَّافِعِي وَأحمد وَمَالك وَدَاوُد: أَن الْمَكِّيّ لَا يكره لَهُ التَّمَتُّع وَلَا الْقرَان، وَإِن تمتّع لم يلْزمه دم وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يكره لَهُ التَّمَتُّع وَالْقرَان، فَإِن تمتّع أَو قرن فَعَلَيهِ دم جبرا، وهما فِي حق الأفقي مستحبان، وَيلْزمهُ الدَّم شكرا. وَقَالَ أبُو كامِلٍ فُضَيْلُ بنُ حُسَيْنٍ البَصْرِيُّ قَالَ حدَّثنا أبُو مَعْشَرٍ حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ غِياثٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الحَجِّ فَقَالَ أهَلَّ المُهَاجِرُونَ وَالأنْصَارُ وَأزْوَاجُ النبيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَأهْلَلْنَا فلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رسولُ الله ﷺ اجْعَلُوا إهْلَالَكُمْ بالحَجِّ عُمْرَةً إلَاّ مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ. طُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبالصَّفَا وَالمَرْوَةِ ونَسَكْنَا مَناسِكَ وأتَيْنَا النِّسَاءَ ولَبِسْنَا الثِّيَابَ وقَالَ مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فإنَّهُ لَا يَحِلُ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ ثُمَّ أمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أنْ نُهِلَّ

стр. 2705

بِالحَجِّ فَإذَا فَرَغْنَا مِنَ المَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بالْبَيْتِ وبِالصَّفَا والمَرْوةِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّنا وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . إلَى أمْصَارِكُمْالشَّاةُ تَجْزِي فَجَمَعُوا نُسْكَيْنِ فِي عامٍ بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ فإنَّ الله تَعَالَى أنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وسَنَّهُ نبِيُّهُ ﷺ وأبَاحَهُ لِلنَّاسِ غَيرَ أهْلِ مَكَّةَ قَالَ الله ذالِكَ لِمَنْ لَم يَكُنْ أهْلُهِ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ. وأشْهُرِ الحَجِّ الَّتي ذَكَرَ الله تَعَالَى شَوَّالٌ وذُو القَعْدَةِ وذُو الحَجَّةِ فَمَنْ تمَتَّعَ فِي هاذِهِ الأشْهُرِ فعَلَيْهِ دَمٌ أوْ صَوْمٌ والرَّفْثُ الجِمَاعُ والْفُسوقُ والمَعَاصِي والْجِدَالُ المِرَاءُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ، قَالَ: حَدثنَا الْقَاسِم الْمُطَرز حَدثنَا أَحْمد بن سِنَان حَدثنَا أَبُو كَامِل فَذكره بِطُولِهِ، لكنه قَالَ: عُثْمَان بن سعد، بدل عُثْمَان بن غياث، وَكِلَاهُمَا بصريان لَهما رِوَايَة عَن عِكْرِمَة، لَكِن عُثْمَان بن غياث ثِقَة، وَعُثْمَان بن سعد ضَعِيف. ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: أَبُو كَامِل فُضَيْل بن حُسَيْن الجحدري، مَاتَ سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبُو معشر، بِفَتْح الْمِيم: واسْمه يُوسُف بن يزِيد الْبَراء، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الرَّاء، وَكَانَ يبري الْعود، الْعَطَّار أَيْضا الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: عُثْمَان بن غياث، بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف ثاء مُثَلّثَة: الرَّاسِبِي، بِالْبَاء الْمُوَحدَة: الْبَاهِلِيّ. الرَّابِع: عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حجَّة الْوَدَاع) ، بِفَتْح الْحَاء وَالْوَاو وكسرهما. قَوْله: (فَلَمَّا قدمنَا مَكَّة) ، أَي: فَلَمَّا قربنا من مَكَّة، لِأَن ذَلِك كَانَ بسرف. قَوْله: (اجعلوا) ، خطاب لمن كَانَ أهلَّ بِالْحَجِّ مُفردا لأَنهم كَانُوا ثَلَاث فرق. قَوْله: (طفنا) ، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (فطفنا) ، بِالْفَاءِ العاطفة، قَالَ بَعضهم: هُوَ الْوَجْه. قلت: كِلَاهُمَا موجه. أما الرِّوَايَة بِالْفَاءِ فظاهرة، وَأما الرِّوَايَة الْمُجَرَّدَة عَنْهَا فوجهها أَنه اسْتِئْنَاف، وَيجوز أَن يكون جَوَاب. (فَلَمَّا قدمنَا) . قَوْله: (وَقَالَ) ، جملَة حَالية، و: قد، مقدرَة فِيهَا لِأَن الْجُمْلَة الفعلية إِذا كَانَ فعلهَا مَاضِيا وَوَقعت حَالا فَلَا بُد أَن يكون فِيهَا كلمة: قد، إِمَّا ظَاهِرَة أَو مقدرَة. قَوْله: (ونسكنا الْمَنَاسِك) أَي: من الْوُقُوف وَالْمَبِيت بِمُزْدَلِفَة وَغير ذَلِك. قَوْله: (وأتينا النِّسَاء) ، وَابْن عَبَّاس غير دَاخل فِيهِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لم يكن مدْركا، وَإِنَّمَا هُوَ يَحْكِي ذَلِك عَنْهُم. قَوْله: (ثمَّ أمرنَا) ، بِفَتْح الرَّاء أَي: ثمَّ أمرنَا النَّبِي ﷺ . قَوْله: (عَشِيَّة التَّرويَة) أَي: بعد الظّهْر ثامن ذيي الْحجَّة. قَوْله: (فَإِذا فَرغْنَا من الْمَنَاسِك) أَي: الْوُقُوف بِعَرَفَة وَالْمَبِيت بِمُزْدَلِفَة وَرمي يَوْم الْعِيد وَالْحلق. قَوْله: (فقد تمّ حجنا) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، وَقد تمّ بِالْوَاو، وَمن هَهُنَا إِلَى آخر الحَدِيث مَوْقُوف على ابْن عَبَّاس، وَمن أَوله إِلَى هُنَا مَرْفُوع. قَوْله: (كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) .) قد فسرناه عَن قريب. قَوْله: (إِذا رجعتم إِلَى أمصاركم) تَفْسِير من ابْن عَبَّاس بِمَعْنى: الرُّجُوع. قَوْله: (الشَّاة تجزي) تَفْسِير من ابْن عَبَّاس، و: تجزي، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق أَي: تَكْفِي لدم التَّمَتُّع. فَإِن قلت: مَا وَقعت هَذِه الْجُمْلَة أَعنِي: (الشَّاة تجزي) . قلت: جملَة حَالية وَقعت حَالا بِلَا وَاو وَهُوَ جَائِز كَمَا فِي قَوْلك: كَلمته فوه إِلَى فِي. قَوْله: (بَين نسكين) وهما: الْحَج وَالْعمْرَة. قَوْله: (بَين الْحَج وَالْعمْرَة) فَائِدَة ذكرهمَا الْبَيَان والتأكيد لِأَنَّهُمَا نفس النُّسُكَيْنِ، وَهُوَ بِإِسْكَان السِّين. قَالَ الْجَوْهَرِي: النّسك، بالإسكان الْعِبَادَة، وبالضم الذَّبِيحَة. قَوْله: (فَإِن الله أنزلهُ) أَي: أنزل الْجمع بَين الْحَج وَالْعمْرَة أخذا من قَوْله: ﴿فَمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . قَوْله: (وسنَّهُ) أَي: شرَّعه نبيه ﷺ حَيْثُ أَمر بِهِ أَصْحَابه. قَوْله: (وأباجه) أَي: وأباح التَّمَتُّع للنَّاس غير أهل مَكَّة وَيجوز فِي غير النصب والجر، أما النصب فعلى الِاسْتِثْنَاء، وَأما الْجَرّ فعلى أَنه صفة للنَّاس. وَقَالَ بَعضهم بِنصب: غير، وَيجوز كَسره. قلت: الْكسر لَا يسْتَعْمل إلَاّ فِي الْمَبْنِيّ، وَفِي المعرب لَا يسْتَعْمل إلَاّ بِالْجَرِّ. قَوْله: (ذَلِك) أَي: التَّمَتُّع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا دَلِيل للحنفية فِي أَن لفظ ذَلِك للتمتع لَا لحكمه، ثمَّ أجَاب بقوله: قَول الصَّحَابِيّ لَيْسَ بِحجَّة عِنْد الشَّافِعِي، إِذْ الْمُجْتَهد لَا يجوز لَهُ تَقْلِيد الْمُجْتَهد؟ قلت: هَذَا جَوَاب واهٍ مَعَ إساءة الْأَدَب، لَيْت شعري مَا وَجه هَذَا القَوْل الَّذِي يأباه الْعقل؟ فَإِن مثل ابْن عَبَّاس كَيفَ لَا يحْتَج بقوله؟

стр. 2706

وَأي مُجْتَهد بعد الصَّحَابَة يلْحق ابْن عَبَّاس أَو يقرب مِنْهُ حَتَّى لَا يقلده؟ فَإِن هَذَا عسف عَظِيم. قَوْله: (الَّتِي ذكر الله تَعَالَى) أَي: فِي الْآيَة الَّتِي بعْدهَا آيَة التَّمَتُّع، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿الْحَج أشهر مَعْلُومَات﴾ (الْبَقَرَة: ٧٩١) . قَوْله: (فِي هَذِه الْأَشْهر) وَفَائِدَة هَذَا التَّقْيِيد هُوَ التَّنْبِيه على أَن التَّمَتُّع الَّذِي يُوجب الدَّم أَو الصَّوْم الَّذِي فِي أشهر الْحَج. قَوْله: (شَوَّال) ، مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ: شَوَّال وَذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة. قَوْله: (والرفث) إِلَى آخِره، قد مر بَيَانه مستقصىً. قَوْله: (والفسوق) ، الْمعاصِي فِيهِ إِشْعَار أَن الفسوق جمع فسق لَا مصدر، وَتَفْسِير الْأَشْهر، وَسَائِر الْأَلْفَاظ زِيَادَة للفوائد بِاعْتِبَار أدنى مُلَابسَة بَين الْآيَتَيْنِ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: دَلِيل على مَشْرُوعِيَّة التَّمَتُّع، وَأَن الْمُتَمَتّع على قسمَيْنِ: أَحدهمَا: أَن يكون سائق الْهَدْي، فَلَا يتَحَلَّل حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله، وَالْآخر: غير سائق الْهَدْي، فَإِنَّهُ يتَحَلَّل إِذا فرغ عَن عمرته، ثمَّ يحرم بِالْحَجِّ. وَفِيه: أَن الْمَكِّيّ لَا تمتّع عَلَيْهِ، وَعند الْجُمْهُور: التَّمَتُّع أَن يجمع الشَّخْص بَين الْعمرَة وَالْحج فِي سفر وَاحِد فِي أشهر الْحَج فِي عَام وَاحِد، وَأَن يقدم الْعمرَة، وَأَن لَا يكون مكيا، فَمَتَى اخْتَلَّ شَرط من هَذِه الشُّرُوط لم يكن مُتَمَتِّعا. وَفِيه: صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج لمن لَا يجد الْهَدْي، وَالْأَفْضَل عِنْد أبي حنيفَة أَن يَصُوم السَّابِع وَالثَّامِن وَالتَّاسِع من ذِي الْحجَّة، رَجَاء أَن يقدر على الْهَدْي الَّذِي هُوَ الأَصْل، وَالْمُسْتَحب فِي السَّبْعَة أَن يكون صَومهَا بعد رُجُوعه إِلَى أَهله، إِذْ جَوَاز ذَلِك مجمع عَلَيْهِ، وَيجوز إِذا رَجَعَ إِلَى مَكَّة بعد أَيَّام التَّشْرِيق فِي مَكَّة، وَفِي الطَّرِيق، وَهُوَ محكي عَن مُجَاهِد وَعَطَاء، وَهُوَ قَول مَالك، وَجوزهُ أَيْضا فِي أَيَّام التَّشْرِيق، وَهُوَ قَول ابْن عمر وَعَائِشَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَالزهْرِيّ، وَلم يجوزه عَليّ بن أبي طَالب للنَّهْي عَن ذَلِك. وَقَالَ أَحْمد: أَرْجُو أَن لَا يكون بِهِ بَأْس، وَقَالَ إِسْحَاق: يصومها فِي الطَّرِيق، وَللشَّافِعِيّ أَرْبَعَة أَقْوَال: أَصَحهَا: عَنهُ رُجُوعه إِلَى أَهله. الثَّانِي: الرُّجُوع هُوَ التَّوَجُّه من مَكَّة. الثَّالِث: الرُّجُوع من منى إِلَى مَكَّة. الرَّابِع: الْفَرَاغ من أَفعَال الْحَج، فَإِن فَاتَهُ صَوْم الثَّلَاثَة حَتَّى أَتَى يَوْم النَّحْر لم يجزه عِنْد أبي حنيفَة إلَاّ الدَّم. رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير وطاووس وَمُجاهد وَالْحسن وَعَطَاء، وَجوز صَومهَا بعد أَيَّام التَّشْرِيق حَمَّاد وَالثَّوْري، وَللشَّافِعِيّ سِتَّة أَقْوَال: أَحدهَا: لَا يَصُوم وينتقل إِلَى الْهَدْي. الثَّانِي: عَلَيْهِ صَوْم عشرَة أَيَّام يفرق بِيَوْم. الثَّالِث: عشرَة أَيَّام مُطلقًا. الرَّابِع: يفرق بأَرْبعَة أَيَّام فَقَط. الْخَامِس: يفرق بِمدَّة إِمْكَان السّير. السَّادِس: بأَرْبعَة أَيَّام، وَمُدَّة إِمْكَان السّير، وَهُوَ أَصَحهَا عِنْدهم، وَخرج ابْن شُرَيْح وَأَبُو إِسْحَاق الْمروزِي قولا: أَن الصَّوْم يسْقط ويستقر فِي ذمَّته. وَالله أعلم. ٨٣ - بابُ الإغْتِسالِ عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِحْبَاب الِاغْتِسَال عِنْد دُخُول مَكَّة، شرفها الله تَعَالَى. ٣٧٥١ - حدَّثني يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمُ قَالَ حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ قَالَ أخْبَرَنا أيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ قَالَ كانَ بنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا إذَا دَخَلَ أدْنَى الْحَرَمُ أمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ ثُمَّ يَبيتُ بذِي طِوىً ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ ويَغْتَسِلُ ويُحَدِّثُ أنَّ نبيَ الله ﷺ كانَ يَفْعَلُ ذالِكَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ويغتسل بِذِي طوى لدُخُول مَكَّة) . وَقد أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث بأتم مِنْهُ مُعَلّقا فِي: بَاب الإهلال مُسْتَقْبل الْقبْلَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً. وَابْن علية هُوَ إِسْمَاعِيل بن علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف. قَوْله: (أدنى الْحرم) أَي: أول مَوضِع مِنْهُ. قَوْله: (أمسك عَن التَّلْبِيَة) ، أَي: يَتْرُكهَا، وَالظَّاهِر أَن هَذَا كَانَ مذْهبه، وإلَاّ فالإمساك عَنْهَا فِي يَوْم الْعِيد أَو كَانَ يستأنفها، ذَلِك أَو كَانَ تَركهَا لسَبَب من الْأَسْبَاب. قَوْله: (ويغتسل) أَي: يغْتَسل بِذِي طوى. قَوْله: (ذَلِك) ، إِشَارَة إِلَى مَا فعله من الْإِمْسَاك عَن التَّلْبِيَة إِذا دخل أدنى الْحرم والبيتوتة بِذِي طوى والاغتسال فِيهِ. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: الِاغْتِسَال لدُخُول مَكَّة مُسْتَحبّ عِنْد جَمِيع الْعلمَاء، إلَاّ أَنه لَيْسَ فِي تَركه عَامِدًا عِنْدهم فديَة. وَقَالَ أَكْثَرهم: الْوضُوء يجزىء فِيهِ. وَكَانَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يتَوَضَّأ أَحْيَانًا ويغتسل أَحْيَانًا. وروى ابْن نَافِع عَن مَالك. أَنه اسْتحبَّ الْأَخْذ بقول ابْن عمر: يتَوَضَّأ أَحْيَانًا ويغتسل أَحْيَانًا للإهلال بِذِي الحليفة وبذى طوى لدُخُول

стр. 2707

مَكَّة وَعند الرواح إِلَى عَرَفَة. قَالَ: وَلَو تَركه تَارِك من عذر لم أر شَيْئا. وأوجبه أهل الظَّاهِر فرضا على من يُرِيد الْإِحْرَام، وَالْأمة على خلافهم، وَرُوِيَ عَن الْحسن أَنه إِذا نسي الْغسْل للْإِحْرَام يغْتَسل إِذا ذكر، وَاخْتلف فِيهِ عَن عَطاء، فَقَالَ مرّة: يَكْفِي مِنْهُ الْوضُوء، وَقَالَ مرّة غير ذَاك، وَالْغسْل لدُخُول مَكَّة لَيْسَ لكَونهَا محرما، وَإِنَّمَا هُوَ لحُرْمَة مَكَّة حَتَّى يسْتَحبّ لمن كَانَ حَلَالا أَيْضا، وَقد اغْتسل لَهَا، ﷺ ، عَام الْفَتْح وَكَانَ حَلَالا، أَفَادَ ذَلِك الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي (الْأُم) . فَإِن قلت: لِمَ أمسك ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن التَّلْبِيَة من أول الْحرم وَكَانَ محرما بِالْحَجِّ. قلت: تَأَول أَنه قد بلغ إِلَى الْموضع الَّذِي دعى إِلَيْهِ، وَرَأى أَن يكبر الله ويعظمه ويسبحه إِذا سقط عَنهُ معنى التَّلْبِيَة بِالْبُلُوغِ، وَكره مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، التَّلْبِيَة حول الْبَيْت. وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة: مَا رَأَيْت أحدا يَقْتَدِي بِهِ يُلَبِّي حول الْبَيْت إلَاّ عَطاء بن السَّائِب، وَرُوِيَ عَن سَالم أَنه كَانَ يُلَبِّي فِي طَوَافه، وَبِه قَالَ ربيعَة وَأحمد وَإِسْحَاق، وكل وَاسع. وَقَالَ ابْن حبيب: إِذا اغْتسل الْمحرم لدخولها يغسل جسده دون رَأسه، وَحكى مُحَمَّد عَن مَالك أَن الْمحرم لَا يتدلك فِي غسل دُخُول مَكَّة وَلَا الْوُقُوف بِعَرَفَة، ولايغسل رَأسه إلَاّ بِالْمَاءِ وَحده يصبهُ صبا وَلَا يغيب رَأسه فِي المَاء. ٩٣ - (بابُ دُخُولِ مَكَّةَ نَهَارا أوْ لَيْلاً) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة دُخُول مَكَّة فِي النَّهَار أَو فِي اللَّيْل. باتَ النبيُّ ﷺ بِذِي طوى حَتَّى أصْبَحَ ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ. وكانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَفْعَلُهُ هَذَا متن حَدِيث ابْن عمر، يذكرهُ الْآن، وَقد ترك سَنَده أَولا ثمَّ رَوَاهُ بِسَنَدِهِ، وَهُوَ قَوْله. ٤٧٥١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى اعن عُبَيْدِ الله قَالَ حَدثنِي نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قالَ باتَ النبيُّ ﷺ بِذي طُوىً حتَّى أصْبَحَ ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ وَكانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَفْعَلُهُ. يحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَعبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً فِي: بَاب الإهلال مُسْتَقْبل الْقبْلَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَذَا صَرِيح فِي أَنه دخل نَهَارا، وَذكر فِي التَّرْجَمَة أَنه دخل لَيْلًا أَيْضا؟ قلت: كلمة: ثمَّ، للتراخي فَهُوَ أَعم من أَن يدخلهَا نَهَار تِلْكَ اللَّيْلَة أَو ليلته الَّتِي بعْدهَا. قلت: هَذَا لَا يروي الغليل وَلَا يشفي العليل، لِأَن دُخُوله، مَكَّة لَيْلًا لم يعلم إلَاّ عمْرَة الْجِعِرَّانَة، وَهُوَ أَنه، ﷺ ، أحرم مِنْهَا وَدخل مَكَّة لَيْلًا، فَقضى أَمر الْعمرَة ثمَّ رَجَعَ لَيْلًا، فَأصْبح بالجعرانة كبائت. وَقَالَ النَّسَائِيّ: دُخُول مَكَّة لَيْلًا: أَخْبرنِي عمرَان بن يزِيد الدِّمَشْقِي عَن شُعَيْب يَعْنِي ابْن إِسْحَاق قَالَ: حَدثنَا ابْن جريج، قَالَ: أَخْبرنِي مُزَاحم بن أبي مُزَاحم عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن محرش الكعبي أَن النَّبِي، ﷺ ، خرج لَيْلًا من الْجِعِرَّانَة حَتَّى أَمْسَى مُعْتَمِرًا فَأصْبح بالجعرانة كبائت، حَتَّى إِذا زَالَت الشَّمْس خرج عَن الْجِعِرَّانَة فِي بطن سرف حَتَّى جَامع الطَّرِيق، طَرِيق الْمَدِينَة من سرف، وَلما ورد فِي الحَدِيث الدُّخُول نَهَارا وليلاً جَمِيعًا، ذكرهمَا فِي التَّرْجَمَة، وَذكر حَدِيث الدُّخُول نَهَارا لكَونه على شَرطه، وَسكت عَن حَدِيث الدُّخُول لَيْلًا لعدم كَونه على شَرطه، وَنبهَ بِذكرِهِ لَيْلًا على ذَلِك، وَيُمكن أَن يُقَال: إِن ذكر، لَيْلًا، وَقع مِنْهُ اتِّفَاقًا لَا قصدا. ٠٤ - (بابُ مِنْ أيْنَ يَدْخُلُ مَكَّةَ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ جَوَاب من يسْأَل وَيَقُول: من أَيْن يدْخل الْمحرم مَكَّة؟ وَكلمَة: أَيْن، للاستفهام عَن الْمَكَان. فَإِن قلت: أَيْن زيد؟ مَعْنَاهُ: فِي الدَّار، أَو: فِي السُّوق؟ ٥٧٥١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرُ قَالَ حدَّثني مَعْنٌ قَالَ حَدثنِي مالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ يَدْخُلُ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا ويَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى. (الحَدِيث ٥٧٥١ طرفه فِي: ٦٧٥١) .

стр. 2708

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه جَوَاب للسؤال الَّذِي فِيهَا. ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة، وَالْكل قد ذكرُوا، وَإِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر أَبُو إِسْحَاق الْحزَامِي الْمَدِينِيّ من أَفْرَاده، ومعن، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة: ابْن عِيسَى بن يحيى أَبُو يحيى الْقَزاز، بِالْقَافِ وَتَشْديد الزَّاي الأولى: الْمدنِي. قَوْله: (من الثَّنية الْعليا) يَعْنِي: يدْخل مَكَّة من الثَّنية الْعليا الَّتِي ينزل مِنْهَا إِلَى الْمُعَلَّى، مَقْبرَة أهل مَكَّة، يُقَال لَهَا: كداء، بِالْفَتْح وَالْمدّ، وَيخرج من الثَّنية السُّفْلى وَهِي الَّتِي أَسْفَل مَكَّة عِنْد بَاب شبيكة، يُقَال لَهَا: كدى، بِضَم الْكَاف مَقْصُور، بِقرب شعب الشاميين وَشعب ابْن الزبير عِنْد قعيقعان. وَقَالَ ابْن الْمَوَّاز: كدى الَّتِي دخل مِنْهَا ﷺ هِيَ الْعقبَة الصُّغْرَى الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّة الَّتِي يهْبط مِنْهَا على الأبطح، والمقبرة مِنْهَا على يسارك، وَكَذَا الَّتِي خرج مِنْهَا هِيَ الْعقبَة الْوُسْطَى الَّتِي بِأَسْفَل مَكَّة، وَعند أبي ذَر: الْقصر فِي الأول مَعَ الضَّم، وَفِي الثَّانِي: الْفَتْح مَعَ الْمَدّ، عَن عُرْوَة، من حَدِيث عبد الْوَهَّاب: أَكثر مَا يدْخل من كدى، مضموم مَقْصُور للأصيلي والحموي وَأبي الْهَيْثَم، ومفتوح مَقْصُور للقابسي وَالْمُسْتَمْلِي، وَمن حَدِيث أبي مُوسَى: دخل من كدى، مَقْصُور مضموم، وَعند مُحَمَّد دخل من كدى، وَخرج من كدى، كَذَا لكافتهم، وللمستملي عكس ذَلِك، وَهُوَ أشهر. وَعند مُسلم دخل يَوْم الْفَتْح من كداء من أَعْلَاهَا، بِالْمدِّ للرواة إلَاّ السَّمرقَنْدِي، فَعنده: كدى، بِالضَّمِّ وَالْقصر، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ اخْتلف فِي ضبط هَاتين الْكَلِمَتَيْنِ والإكثر مِنْهُم على أَن الْعليا بِالْفَتْح وَالْمدّ والسفلى بِالضَّمِّ وَالْقصر وَقيل بِالْعَكْسِ، وَالْحكمَة فِي الدُّخُول من الْعليا وَالْخُرُوج من السُّفْلى أَن نِدَاء أَبينَا إِبْرَاهِيم، ﵊، كَانَ من جِهَة الْعُلُوّ، وَأَيْضًا فالعلو تناسب للمكان العالي الَّذِي قَصده، والسفلى تناسب لمكانه الَّذِي يذهب إِلَيْهِ. وَقيل: ءن من جَاءَ من هَذِه الْجِهَة كَانَ مُسْتَقْبلا للبيت، وَقيل: لِأَنَّهُ ﷺ لما كَانَ خرج مختفيا من الْعليا أَرَادَ أَن يدخلهَا ظَاهرا، وَقيل: ليتبرك بِهِ كل من فِي طَرِيقَته وَيَدْعُو لَهُم، وَقيل: ليغيظ الْمُنَافِقين بِظُهُور الدّين وَعز الْإِسْلَام، وَقيل: ليري السعَة فِي ذَلِك. وَقيل: فعله تفاؤلاً بِتَغَيُّر الْأَحْوَال إِلَى أكمل مِنْهُ، كَمَا فعل فِي الْعِيد، وليشهد لَهُ الطريقان. ١٤ - (بابٌ منْ أيْنَ يَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ جَوَاب من يسْأَل وَيَقُول: من أَيْن يخرج الْخَارِج من مَكَّة؟ ٦٧٥١ - حدَّثني مُسَدَّدُ بنُ مُسَرْهَدٍ البَصْرِيُّ قَالَ حَدثنَا يَحْيى عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كدَاءٍ مِنَ الثَنِيَّةِ العُلْيَا الَّتِي بِالبَطْحَاءِ وخَرَجَ مِنَ الثَّنْيَةِ السُّفْلَى. (انْظُر الحَدِيث ٥٧٥١) . مطابقته للتَّرْجَمَة من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي الْبَاب السَّابِق، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم ابْن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن الْمثنى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل ومسدد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ. قَوْله: (من كداء) ، بِفَتْح الْكَاف وَالْمدّ. قَوْله: (وَخرج من الثَّنية) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر النُّون وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وكل عقبَة فِي جبل أَو طَرِيق عَال فِيهِ تسمى ثنية. قَالَ أَبُو عَبْدِ الله كانَ يُقالُ هُوَ مُسَدَّدٌ كاسْمِهِ قالَ أبُو عَبْدِ الله سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ مَعِينٍ يقولُ سَمعْتُ يَحْيى بنَ سَعِيدٍ يقُولُ لَوْ أنَّ مُسَدَّدا أتيْتُهُ فِي بَيْتِهِ فحَدَّثْتُهُ لَاسْتَحَقَّ ذالِكَ ومَا أبَالِي كُتُبِي كانَتُ عِنْدِي أوْ عِنْدَ مُسَدَّدٍ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَأَشَارَ بِكَلَامِهِ هَذَا إِلَى الْمُبَالغَة فِي تَوْثِيق مُسَدّد بن مسرهد حَيْثُ قَالَ: هُوَ مُسَدّد أَي: مُحكم من التسديد، وَهُوَ الإحكام، وَمِنْه السداد وَهُوَ الْقَصْد فِي الْأَمر وَالْعدْل فِيهِ، والسداد الاسْتقَامَة أَيْضا، وَمِنْه المسدد، وَهُوَ لَازم الطَّرِيق المستقيمة، واشتقاق السد أَيْضا مِنْهُ لِأَنَّهُ الْبناء الْمُحكم الْقوي، وَلم يكتف بتوثيقه إِيَّاه بِنَفسِهِ حَتَّى نقل عَن يحيى بن معِين

стр. 2709

الإِمَام فِي بَاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل حَيْثُ نقل عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان، إِنَّه قَالَ: لَو أَن مُسَددًا ... إِلَى آخِره، وَهَذَا مِنْهُ غَايَة فِي التَّعْدِيل وَنِهَايَة فِي التوثيق. ٨٧٥١ - حدَّثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلَانَ المَرْوَزِيُّ قَالَ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ قالَ حدَّثنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النبيَّ ﷺ دخَلَ عامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَاءِ وخَرَجَ منْ كُدا مِنْ أعْلَى مَكَّةَ.. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عَائِشَة، وَلَكِن أَبَا أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة قلب فِي رِوَايَته حَيْثُ ذكر أَن دُخُوله، ﷺ ، كَانَ من كداء، بِالْفَتْح وَالْمدّ، وَأَنه خرج من كدى، بِالضَّمِّ وَالْقصر، فَجعل كدى الَّذِي هُوَ بِالضَّمِّ وَالْقصر من أَعلَى مَكَّة، وكذاء الَّذِي بِالْفَتْح وَالْمدّ من أَسْفَل مَكَّة، وَالصَّوَاب مَا رَوَاهُ غَيره بِالْعَكْسِ. وَقد روى أَحْمد أَن أَبَا أُسَامَة رَوَاهُ على الصَّوَاب، فَهَذَا يدل على أَن الْقلب مِمَّن دون أبي أُسَامَة. ٩٧٥١ - حدَّثنا أحْمَدُ قَالَ حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ قَالَ أخْبَرَنَا عَمْرٌ وعنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النبيَّ ﷺ دخَلَ عامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ أعْلَى مَكَّةَ قالَ هِشَامٌ وكانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ عَلى كِلْتَيْهِمَا مِنْ كدَاءٍ وَكُدا وأكْثَرُ مَا يَدْخُلُ مِنْ كدَاءٍ وكانَتْ أقْرَبَهُمَا إلَى مَنْزِلِهِ.. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عَن أَحْمد. قيل: هُوَ أَحْمد بن عِيسَى التسترِي. وَقَالَ ابْن مَنْدَه: كل مَا قَالَ البُخَارِيّ: أَحْمد عَن ابْن وهب، وَهُوَ أَحْمد بن صَالح الْمصْرِيّ عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ عَن عَمْرو بن الْحَارِث الْمصْرِيّ. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن أَحْمد. قَوْله: (قَالَ هِشَام) ، هُوَ ابْن عُرْوَة، قَالَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (وَكَانَ عُرْوَة يدْخل على كلتيهما) ، الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الثَّنية الْعليا والثنية السُّفْلى، وَبَين كلتيهما بقوله: (من كدا، وكدى) وَفِي الْأصيلِيّ: كليهمَا وَالصَّوَاب: كلتيهما، وَقَالَ ابْن التِّين فِي الْأُمَّهَات: كلتاهما. قَوْله: (وَأكْثر مَا يدْخل) أَي: عُرْوَة: (من كداء) بِالْفَتْح وَالْمدّ لِأَنَّهَا كَانَت أقرب إِلَى منزله. وَفِي (التَّوْضِيح) : قَالَ هِشَام: أَكثر مَا كَانَ أبي يدْخل من كدىً بِالضَّمِّ، كَذَا روينَاهُ، وَرَوَاهُ غَيْرِي بِالْمدِّ وَالْفَتْح، وَفِي قَول هِشَام: وَكَانَت أقربهما إِلَى منزله، اعتذار لِأَبِيهِ عُرْوَة، لِأَنَّهُ روى الحَدِيث وَخَالفهُ، لِأَنَّهُ رأى أَن ذَلِك لَيْسَ بِلَازِم حتم، وَكَانَ رُبمَا فعله، وَكَثِيرًا مَا يفعل غَيره لقصد التَّيْسِير. ٠٨٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا حَاتِمٌ عنْ هِشَامٍ عنْ عُرْوَةَ قالَ دَخَلَ

стр. 2710

النبيُّ ﷺ عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ منْ أَعلَى مَكَّةَ أكْثَرَ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءِ وَكانَ أقْرَبَهُمَا إلَى مَنْزِلِهِ.. هَذَا مَوْقُوف على عُرْوَة، وَقد اخْتلف على هِشَام بن عُرْوَة فِي وصل هَذَا الحَدِيث وإرساله، وَذكر البُخَارِيّ الْوَجْهَيْنِ منبها على أَن رِوَايَة الْإِرْسَال لَا تقدح فِي رِوَايَة الْوَصْل لِأَن الَّذِي وَصله حافط، وَهُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَقد تَابعه ثقتان: عَمْرو وحاتم الْمَذْكُورَان، وَعبد الله بن عبد الْوَهَّاب أَبُو مُحَمَّد الحَجبي الْبَصْرِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وحاتم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق الْمَكْسُورَة: ابْن إِسْمَاعِيل أَبُو إِسْمَاعِيل الْكُوفِي، سكن الْمَدِينَة، وَقد مر فِي: بَاب اسْتِعْمَال فضل الْوضُوء. قَوْله: (من كداء) ، بِالْفَتْح وَالْمدّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَأكْثر دُخُول عُرْوَة من كداء، بِالْفَتْح وَالْمدّ. ١٨٥١ - حدَّثنا مُوسَى قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قَال حدَّثنا هِشَامٌ عَنْ أبِيهِ دخَلَ النبيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءِ وكانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ مِنْهُمَا كِلَيْهِمَا وَأكْثَرُ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ أقْرَبِهِمَا إِلَيّ مَنْزِلِهِ.. هَذَا طَرِيق آخر من مَرَاسِيل عُرْوَة يرويهِ البُخَارِيّ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري عَن وهيب، بِضَم الْوَاو: ابْن خَالِد عَن هِشَام عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير. قَوْله: (من كداء) ، بِالْفَتْح وَالْمدّ. قَوْله: (مِنْهُمَا) أَي: كداء بِالْفَتْح، وكدا بِالضَّمِّ. قَوْله: (كليهمَا) وَفِي بعض النّسخ، كِلَاهُمَا بِالْألف، وَهُوَ على مَذْهَب من يجعلهما فِي الْأَحْوَال الثَّلَاث على صُورَة وَاحِدَة. قَوْله: (أقربهما) بجر الْأَقْرَب إِمَّا بَيَان أَو بدل. قالَ أبُو عُبَيْدَ الله كَدَاءٌ وكُدا مَوْضِعَانِ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ، فسر كدا وكدي بقوله: موضعان، وَهَذَا تَفْسِير لَا يُفِيد شَيْئا لِأَنَّهُمَا علما مِمَّا مضى أَنَّهُمَا موضعان، وَهَذَا لم يَقع إلَاّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده، وَتركهَا أَجْدَر على مَا لَا يخفى، وَالله أعلم. ٢٤ - (بَابُ فَضْلِ مَكَّةَ وَبُنْيَانِهَا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل مَكَّة، شرفها الله وَفِي بنيانها. فَإِن قلت: لَيْسَ فِي أَحَادِيث الْبَاب ذكر لبَيَان بُنيان مَكَّة، فَلِمَ لم يقْتَصر على قَوْله: بَاب فضل مَكَّة؟ قلت: لما كَانَ بُنيان الْكَعْبَة سَببا لبنيان مَكَّة وعمارتها اكْتفى بِهِ. وَلَكنهُمْ اخْتلفُوا فِي أول من بنى الْكَعْبَة، فَقيل: أول من بناها آدم، ﵇، ذكره ابْن إِسْحَاق: وَقيل: أول من بناها شِيث. ﵇، وَكَانَت قبل أَن يبنيها خيمة من ياقوتة حَمْرَاء يطوف بهَا آدم ﷺ ويأنس بهَا، لِأَنَّهَا أنزلت إِلَيْهِ من الْجنَّة. وَقيل: أول من بناها الْمَلَائِكَة، وَذَلِكَ لما قَالُوا: ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٠٣) . الْآيَة، خَافُوا وطافوا بالعرش سبعا يسترضون الله ويتضرعون إِلَيْهِ، فَأَمرهمْ الله تَعَالَى أَن يبنوا الْبَيْت الْمَعْمُور فِي السَّمَاء السَّابِعَة، وَأَن يجْعَلُوا طوافهم لَهُ لكَونه أَهْون من طواف الْعَرْش ثمَّ أَمرهم أَن يبنوا فِي كل سَمَاء بَيْتا، وَفِي كل أَرض بَيْتا. قَالَ مُجَاهِد: هِيَ أَرْبَعَة عشر بَيْتا. وَرُوِيَ أَن الْمَلَائِكَة حِين أسست الْكَعْبَة انشقت الأَرْض إِلَى مُنْتَهَاهَا، وقذفت مِنْهَا حِجَارَة أَمْثَال الْإِبِل، فَتلك الْقَوَاعِد من الْبَيْت الَّتِي وضع عَلَيْهَا إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، الْبَيْت، فَلَمَّا جَاءَ الطوفان رفعت وأودع الْحجر الْأسود أَبَا قبيس، وروى عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن عَطاء وَسَعِيد بن الْمسيب: أَن آدم بناه من خَمْسَة أجبل: من حراء وطور سيناء، وطور زيتا وجبل لبنان والجودي، وَهَذَا غَرِيب، وروى الْبَيْهَقِيّ فِي بِنَاء الْكَعْبَة فِي (دَلَائِل النُّبُوَّة) من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن أبي الْخَيْر عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ مَرْفُوعا: بعث الله جِبْرِيل إِلَى آدم وحواء، ﵉، فَأَمرهمَا بِبِنَاء الْكَعْبَة، فبناه آدم ﵇، ثمَّ أَمر بِالطّوافِ بِهِ. وَقيل لَهُ: أَنْت أول النَّاس، وَهَذَا أول بَيت يوضع للنَّاس. وَقَالَ ابْن كثير: إِنَّه كَمَا ترى من مُفْرَدَات ابْن لَهِيعَة، وَهِي ضَعِيف وَالْأَشْبَه أَن يكون هَذَا مَوْقُوفا على عبد الله بن عَمْرو، وَيكون من الزاملتين اللَّتَيْنِ أصابهما يَوْم اليرموك من كَلَام أهل الْكتاب. وقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَإذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وأمْنا وَاتَّخَذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلَّىً وعَهِدْنَا إلَى

стр. 2711

إبْرَاهِيمَ وَإسْمَاعِيلَ أنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائفِينَ والعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. وَإذْ قالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هاذا بَلَدا آمِنا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِالله واليَوْمِ الآخِرِ قالَ ومَنْ كَفَرَ فأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أضطَرُّهُ إلَى عَذَابِ النَّارِ وبِئْسَ المَصِيرُ. وَإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وإسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمِينَ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنَا مَنَاسِكَنَا وتُبْ عَلَيْنَا إنَّكَ أنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ . (الْبَقَرَة: ٥٢١ ٨٢١) . وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على: قَوْله فضل مَكَّة، وَالتَّقْدِير وَفِي بَيَان تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ جعلنَا﴾ (الْبَقَرَة: ٥٢١ ٨٢١) . الخ وَهَذِه أَرْبَعَة آيَات سيقت كلهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ بعض الْآيَة الأولى، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر كل الْآيَة الأولى: ثمَّ قَالُوا: إِلَى قَوْله ﴿التواب الرَّحِيم﴾ (الْبَقَرَة: ٥٢١ ٨٢١) [/ ح. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ جعلنَا الْبَيْت﴾ أَي: وَاذْكُر إِذْ جعلنَا الْبَيْت، وَالْبَيْت اسْم غَالب للكعبة كالنجم للثريا. قَوْله: (مثابة) أَي: مباءة ومرجعا للحجاج والعمار، فينصرفون عَنهُ ثمَّ يثوبون إِلَيْهِ. قَالَ الزّجاج: أصل مثابة مثوبة نقلت حَرَكَة الْوَاو إِلَى الثَّاء وقلبت الْوَاو ألفا لتحركها فِي الأَصْل، وانفتاح مَا قبلهَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وقرىء مثابات. وَقَالَ ابْن جرير: قَالَ بعض نحاة الْبَصْرَة: ألحقت الْهَاء فِي المثابة لما كثر من يثوب إِلَيْهِ كَمَا يُقَال: سيارة ونسابة، وَقَالَ بعض نحاة الْكُوفَة: بل المثاب والمثابة بِمَعْنى وَاحِد نَظِير الْمقَام والمقامة، فالمقام ذكر على قَوْله لِأَنَّهُ أُرِيد بِهِ الْموضع الَّذِي يُقَام فِيهِ، وأنثت المقامة لِأَنَّهُ أُرِيد بهَا الْبقْعَة، وَأنكر هَؤُلَاءِ أَن تكون المثابة نظيرة للسيارة والنسابة، وَقَالُوا: إِنَّمَا أدخلت الْهَاء فِي السيارة والنسابة تَشْبِيها لَهَا بالداهية، والمثابة مفعلة من ثاب الْقَوْم إِلَى الْموضع إِذا رجعُوا إِلَيْهِ، فهم يثوبون إِلَيْهِ مثابا ومثابة وثوابا، بِمَعْنى: جعلنَا الْبَيْت مرجعا للنَّاس ومعادا يأتونه كل عَام ويرجعون إِلَيْهِ، فَلَا يقضون مِنْهُ وطرا، وَمِنْه أثاب إِلَيْهِ عقله إِذا رَجَعَ إِلَيْهِ بعد عزوبه عَنهُ. فَإِن قلت: الْبَيْت، مُذَكّر، ومثابة مُؤَنّثَة، والتطابق بَين الصّفة والموصوف شَرط؟ قلت: لَيست التَّاء فِيهِ للتأنيث، بل هُوَ كَمَا يُقَال: دِرْهَم ضرب الْأَمِير، والمصدر قد يُوصف بِهِ. يُقَال: رجل عدل رَضِي، أَي: معدل مرضى، وَقيل: الْهَاء فِيهِ للْمُبَالَغَة لِكَثْرَة من يثوب إِلَيْهِ، مثل: عَلامَة. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي حَدثنَا عبد الله بن رَجَاء أخبرنَا إِسْرَائِيل عَن مُسلم عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: مثابة، قَالَ: يثوبون إِلَيْهِ ثمَّ يرجعُونَ. قَالَ: وَرُوِيَ عَن أبي الْعَالِيَة وَسَعِيد بن جُبَير فِي رِوَايَة وَعَطَاء وَالْحسن وعطية وَالربيع بن أنس وَالضَّحَّاك نَحْو ذَلِك، وَقَالَ سعيد بن جُبَير فِي رِوَايَة أُخْرَى، وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي: ﴿مثابة للنَّاس﴾ أَي: مجمعا. قَوْله: ﴿وَأمنا﴾ أَي: مَوضِع أَمن. كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿حرما أمنا وَيُتَخَطَّف النَّاس من حَولهمْ﴾ (العنكبوت: ٧٦) . وَلِأَن الْجَانِي يأوي إِلَيْهِ فلايتعرض لَهُ حَتَّى يخرج. وَقَالَ الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس، أَي: أمنا للنَّاس. وَقَالَ الرّبيع بن أنس عَن أبي الْعَالِيَة يَعْنِي: أمنا من الْعَدو، وَأَن يحمل فِيهِ السَّلَام. قَوْله: ﴿وَاتَّخذُوا﴾ ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَاتَّخذُوا على إِرَادَة القَوْل، أَي: وَقُلْنَا اتَّخذُوا مِنْهُ مَوضِع صَلَاة تصلونَ فِيهِ، وَهِي على وَجه الِاخْتِيَار والاستحباب دون الْوُجُوب، وَقَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر: وَاتَّخذُوا، على صِيغَة الْمَاضِي، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ على صِيغَة الْأَمر. وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي المُرَاد بالْمقَام مَا هُوَ؟ فَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا عمر بن شبه النمري حَدثنَا أَبُو خلف يَعْنِي: عبد الله بن عِيسَى حَدثنَا دَاوُد بن أبي هِنْد عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: ﴿وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾ قَالَ: مقَام إِبْرَاهِيم الْحرم كُله، وَعَن ابْن عَبَّاس: مقَام إِبْرَاهِيم الْحَج لَهُ، ثمَّ فسره عَطاء فَقَالَ: التَّعْرِيف وصلاتان بِعَرَفَة والمشعر وَمنى وَرمي الْجمار وَالطّواف بَين الصَّفَا والمروة. وَقَالَ سُفْيَان عَن عبد الله بن مُسلم عَن سعيد بن جُبَير، قَالَ: الْحجر مقَام إِبْرَاهِيم، فَكَانَ يقوم عَلَيْهِ ويتناول إِسْمَاعِيل الْحِجَارَة. وَقَالَ السّديّ: الْمقَام الْحجر الَّذِي وَضعته زَوْجَة إِسْمَاعِيل، ﵇، تَحت قدم إِبْرَاهِيم، ﵇، حَتَّى غسلت رَأسه. حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ، وَضَعفه. وَحَكَاهُ الرَّازِيّ فِي (تَفْسِيره) عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَقَتَادَة وَالربيع بن أنس، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا الْحسن بن مُحَمَّد الصَّباح، حَدثنَا عبد الْوَهَّاب بن عَطاء عَن ابْن جريج عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه سمع جَابِرا يحدث عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: لما طَاف النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: هَذَا مقَام أَبينَا إِبْرَاهِيم؟ قَالَ: نعم، قَالَ: أَفلا تتخذه مصلى؟ فَأنْزل الله : ﴿وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾ وَقد كَانَ الْمقَام مُلْصقًا بجدار الْكَعْبَة قَدِيما، ومكانه مَعْرُوف الْيَوْم إِلَى جَانب

стр. 2712

الْبَاب مِمَّا يَلِي الْحجر، وَإِنَّمَا أَخّرهُ عَن جِدَار الْكَعْبَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: عَن معمر عَن حميد الْأَعْرَج عَن مُجَاهِد، قَالَ: أول من أخر الْمقَام إِلَى مَوْضِعه الْآن عمر بن الْخطاب. قَوْله ﴿وعهدنا إِلَى إِبْرَاهِيم﴾ قَالَ أَبُو اللَّيْث فِي تَفْسِيره: أَي: أمرنَا إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل أَن طهرا، بِأَن طهرا الْبَيْت، أَي: بالتطهير من الْأَوْثَان، وَيُقَال: من جَمِيع النَّجَاسَات، للطائفين أَي: لأجل الطائفين الَّذين يطوفون الغرباء، والعاكفين وهم أهل الْحرم المقيمون بِمَكَّة من أهل مَكَّة وَغَيرهم. قَوْله: (والركع) أهل الصَّلَاة، وَهُوَ جمع رَاكِع. وَقَوله: (السُّجُود) مصدر، وَفِيه حذف أَي: الركع ذَوي السُّجُود. قَوْله: ﴿وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم﴾ أَي: وَاذْكُر إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم: ﴿رب اجْعَل هَذَا﴾ أَي: الْحرم. ﴿بَلَدا آمنا﴾ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَي: اجْعَل بَلَدا ذَا أَمن. كَقَوْلِه: عيشة راضية وآمنا من فِيهِ، كَقَوْلِك: ليل نَائِم، وَفِي (خُلَاصَة الْبَيَان) : والبلد ينْطَلق على كل مَوضِع من الأَرْض عَامر مسكون أَو خَال، والبلد فِي هَذِه الْآيَة مَكَّة، وَقد صَارَت مَكَّة حَرَامًا بسؤال إِبْرَاهِيم، وَقَبله كَانَت حَلَالا. قلت: فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا هَذَا، وَالْآخر: أَنَّهَا كَانَت حَرَامًا قبل ذَلِك بِدَلِيل قَوْله ﷺ : (إِن هَذَا الْبَلَد حرَام يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض) قَوْله: ﴿وارزق أَهله من الثمرات﴾ يَعْنِي: أَنْوَاع الثمرات، فَاسْتَجَاب الله دعاءه فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِن الله تَعَالَى بعث جِبْرِيل، ﵇، حِين اقتلع الطَّائِف من مَوضِع الْأُرْدُن، ثمَّ طَاف بهَا حول الْكَعْبَة، فسميت الطَّائِف. قَوْله: ﴿من آمن مِنْهُم﴾ بدل: من أَهله، قَالَ أَبُو اللَّيْث: وَإِنَّمَا اشْترط هَذَا الشَّرْط لِأَنَّهُ قد سَأَلَ الْإِمَامَة لذريته، فَلم يستجب لَهُ فِي الظَّالِمين، فخشي إِبْرَاهِيم أَن يكون أَمر الرزق هَكَذَا فَسَأَلَ الرزق للْمُؤْمِنين خَاصَّة، فَأخْبر الله تَعَالَى أَنه يرْزق الْكَافِر وَالْمُؤمن، وَأَن أَمر الرزق لَيْسَ كأمر الْإِمَامَة. قَالُوا: لِأَن الْإِمَامَة فضل والرزق عدل، فَالله تَعَالَى يُعْطي فَضله لمن يَشَاء مِمَّن كَانَ أَهلا لذَلِك، وعدله لجَمِيع النَّاس لأَنهم عباده، وَإِن كَانُوا كفَّارًا. قَوْله: ﴿وَمن كفر﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وارزق من كفر فأمتعه، وَيجوز أَن يكون من: كفر، مُبْتَدأ متضمنا معنى الشَّرْط. وَقَوله: فأمتعه، جَوَاب الشَّرْط أَي: وَمن كفر فَأَنا أمتعه، وقرىء: فأمتعه فاضطره فالزَّه إِلَى عَذَاب النَّار لز الْمُضْطَر الَّذِي لَا يملك الإمتناع مِمَّا اضْطر إِلَيْهِ. وَقَرَأَ أبي: ﴿فنمتعه قَلِيلا ثمَّ نضطره﴾ وَقَرَأَ يحيى بن وثاب: ﴿فاضطره﴾ بِكَسْر الْهمزَة، وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: ﴿فأمتعه قَلِيلا ثمَّ أضطره﴾ على لفظ الْأَمر. قَوْله: ﴿وَإِذ يرفع﴾ أَي وَاذْكُر إِذْ يرفع ﴿إِبْرَاهِيم الْقَوَاعِد﴾ ، وَهِي جمع قَاعِدَة، وَهِي السارية والأساس. قَوْله: (من الْبَيْت) أَي: الْكَعْبَة. وَقَالَ مقَاتل: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، مَعْنَاهُ: وَإِذ يرفع إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل الْقَوَاعِد من الْبَيْت، وَيُقَال: إِن إِبْرَاهِيم، ﵇، كَانَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيل، ﵇، يُعينهُ وَالْمَلَائِكَة يناقلون الْحجر من إِسْمَاعِيل، وَكَانُوا ينقلون الْحجر من خَمْسَة أجبل: طور سينا، وطور زيتا وجودي ولبنان وحراء. قَوْله: (رَبنَا) أَي: قَالَا: رَبنَا ﴿تقبل منا﴾ أَعمالنَا ﴿إِنَّك أَنْت السَّمِيع﴾ لدعائنا، الْعَلِيم بنياتنا، وَقَالَ جِبْرِيل، ﵇، لإِبْرَاهِيم، ﵇، قد أُجِيب لَك فاسأل شَيْئا آخر: ﴿قَالَا رَبنَا واجعلنا مُسلمين لَك﴾ د يَعْنِي: مُخلصين لَك، وَيُقَال: واجعلنا متثبتين على الْإِسْلَام، وَيُقَال: مُطِيعِينَ لَك، ثمَّ: ﴿قَالَا وَمن ذريتنا أمة مسلمة لَك﴾ يَعْنِي: اجْعَل بعض ذريتنا من يخلص لَك وَيثبت على الْإِسْلَام، ثمَّ قَالَ: ﴿وأرنا مناسكنا﴾ يَعْنِي: علمنَا أُمُور مناسكنا، ذكر الرُّؤْيَة وَأَرَادَ بِهِ الْعلم، ثمَّ قَالَ: ﴿وَتب علينا﴾ يَعْنِي: تجَاوز عَنَّا الزلة ﴿إِنَّك أَنْت التواب﴾ المتجاوز ﴿الرَّحِيم﴾ بعبادك. ٢٨٥١ - حَدثنَا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا أبُو عاصِمٍ قَالَ أخبرنِي ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي عَمْرُو بنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا بُنِيَتِ الكَعْبَةُ ذَهَبَ النبيُّ ﷺ وعَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ الحِجَارَةَ فقالَ العَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ ﷺ اجْعَلْ إزَارَكَ عَلى رَقَبتِكَ فَخَرَّ إِلَى الأرْضِ وطَمِحتْ عَيْنَاهُ إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ أرِنِي إزَارِي فَشَدَّهُ عَلَيْهِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (لما بنيت الْكَعْبَة) ، فَإِن قلت: التَّرْجَمَة بُنيان مَكَّة، وَفِي الحَدِيث بُنيان الْكَعْبَة؟ قلت: قد ذكرت فِي أول الْبَاب أَن بُنيان الْكَعْبَة كَانَ سَببا لبنيان مَكَّة، وَبَين السَّبَب والمسبب ملائمة، فيستأنس بِهَذَا وَجه الْمُطَابقَة. ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي. الثَّانِي: أَبُو عَاصِم النَّبِيل، واسْمه: الضَّحَّاك

стр. 2713

بن مخلد. الثَّالِث: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الرَّابِع: عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن دِينَار. الخاسم: جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، ويروى بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي التحديث عَن شَيْخه. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه بخاري، وَأَبُو عَاصِم بَصرِي، وَابْن جريج وَعَمْرو مكيان. وَفِيه: أَن أحدهم مَذْكُور بكنيته وَالْآخر بنسبته إِلَى جده من غير ذكر اسْمه. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بُنيان الْكَعْبَة عَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد بن حَاتِم. كِلَاهُمَا عَن مُحَمَّد بن بكر وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَمُحَمّد بن رَافع، كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق، وَهَذَا الحَدِيث من مَرَاسِيل جَابر لِأَنَّهُ لم يدْرك هَذِه الْقِصَّة، وَلَكِن يحْتَمل أَن يكون سَمعهَا من النَّبِي، ﷺ ، أَو مِمَّن حضرها من الصَّحَابَة. وَفِي (التَّوْضِيح) : ومرسله حجَّة، وَقد ذكرنَا ذَلِك فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب كَرَاهِيَة التعري فِي الصَّلَاة، فَإِن البُخَارِيّ أخرجه هُنَاكَ عَن مطر بن الْفضل عَن روح عَن زَكَرِيَّا بن إِسْحَاق (عَن عَمْرو بن دِينَار قَالَ: سَمِعت جَابر بن عبد الله يحدث: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ ينْقل مَعَهم الْحِجَارَة للكعبة وَعَلِيهِ إزَاره) الحَدِيث. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لما بنيت الْكَعْبَة) اشتقاق الْكَعْبَة من الكعب، وكل شَيْء علا وارتفع فَهُوَ كَعْب، وَمِنْه سميت الْكَعْبَة للبيت الْحَرَام لارتفاعه وعلوه، وَقيل: سميت بِهِ لتكعبها أَي: تربيعها. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام، سمي بذلك لتربيعه. وَعَن مقَاتل: سميت كعبة لانفرادها من الْبناء، وَسمي الْبَيْت الْحَرَام لِأَن الله تَعَالَى حرمه وعظمه، وَأما مَكَّة فَهُوَ اسْم بَلْدَة فِي وَاد بَين غير ذِي زرع، وَقَالَ السُّهيْلي: أما مَكَّة فَمن تمككت الْعظم، أَي: اجتذبت مَا فِيهِ من المخ، وتمكك الفصيل مَا فِي ضرع النَّاقة، فَكَأَنَّهَا تحتذب مَا من نَفسهَا فِي الْبِلَاد والأقوات الَّتِي تأتيها فِي المواسم، وَقيل: لما كَانَت فِي بطن وادٍ فَهِيَ تمكك المَاء من جبالها وأخشابها عِنْد نزُول الْمَطَر، وتنجذب إِلَيْهَا السُّيُول. وَقَالَ الصغاني: مَكَّة الْبَلَد الْحَرَام واشتقاقها من: مك الصَّبِي ثدي أمه يمكه مكا إِذا استقصى مصه، وَسميت مَكَّة لقلَّة المَاء بهَا، وَلِأَنَّهُم يمتكون المَاء أَي: يستخرجونه باستقصاء. وَيُقَال: سميت مَكَّة، لِأَنَّهَا كَانَت تبك من ظلمَ بهَا، أَي: تهلكه. وَيُقَال أَيْضا: بكة، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَقيل: بكة اسْم مَوضِع الطّواف، وَقيل: بكة مَكَان الْبَيْت، وَمَكَّة سَائِر الْبَلَد، وَسميت بكة لِأَن النَّاس يبك بَعضهم بَعْضًا فِي الطّواف، أَي: يدْفع. وَقيل: لِأَنَّهَا تبك أَعْنَاق الْجَبَابِرَة إِذا ألحدوا فِيهَا بظُلْم، وَقيل: من المتباك وَهُوَ الإزدحام، قَالَ الراجز: (إِذا الفصيل أَخَذته أكة ... فحلِّهِ حَتَّى يبك بكة) الأكة، بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْكَاف: الشدَّة، وَقَالَ الْعُتْبِي: مَكَّة وبكة شَيْء وَاحِد، وَالْبَاء تبدل من الْمِيم كثيرا، ولمكة أسامي: مِنْهَا: الناسة، بالنُّون وَالسِّين الْمُهْملَة: من النس، سميت لقلَّة مَائِهَا، وَفِي (الْمُنْتَخب) : الكراع النساسة، وَعَن الْأَعرَابِي: النباسة، وَعند الْخطابِيّ: الباسة، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، ويروى: الناشة، بالنُّون والشين الْمُعْجَمَة: تنش من ألحد فِيهَا، أَي: تطرده وتنفيه. وَمِنْهَا: الراس، وَصَلَاح، وَأم صبح وَأم رحم، بِضَم الْحَاء وسكونها وَأم رحم وَأم زحم بالزاي من الازدحام فِيهَا. وطيبة ونادر وَأم الْقرى والحاطمة وَالْعرش. والقادس، والمقدسة، وسماها رَسُول الله ﷺ فِي حجَّته: الْبَلدة، وَفِي (أمالي ثَعْلَب) : عَن ابْن الْأَعرَابِي، سَأَلَ رجل عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من أهلكم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فَقَالَ عَليّ: نَحن قوم من كوثى، فَقَالَت طَائِفَة: أَرَادَ كوثى، وَهِي الْمَدِينَة الَّتِي ولد بهَا إِبْرَاهِيم، ﵊، وَقَالَت طَائِفَة: أَرَادَ بكوثى مَكَّة، وَذَلِكَ لِأَن محلّة بني عبد الدَّار يُقَال لَهَا: كوثى، مَشْهُورَة عِنْد الْعَرَب، فَأَرَادَ بقوله: كوثى أَنا مكيون من أم الْقرى، وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِي أول من بناها. قَوْله: (إجعل إزارك على رقبتك) ، وَفِي (صَحِيح الْإِسْمَاعِيلِيّ) من حَدِيث عبد الرَّزَّاق أَنبأَنَا ابْن جريج، (وَأَخْبرنِي عَمْرو بن دِينَار، سمع جَابِرا لما بنت قُرَيْش الْكَعْبَة ذهب النَّبِي ﷺ وعباس ينقلان الْحِجَارَة، فَقَالَ عَبَّاس للنَّبِي، ﷺ : إجعل إزارك على رقبتي من الْحِجَارَة، فَفعل، فَخر إِلَى الأَرْض وطمحت. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: قد جعل عبد الرَّزَّاق وضع الْإِزَار

стр. 2714

على رَقَبَة الْعَبَّاس. قَوْله: (فَخر إِلَى الإرض) ، من الخرور، وَهُوَ الْوُقُوع، وَفِي رِوَايَة زَكَرِيَّا بن إِسْحَاق عَن عَمْرو بن دِينَار الَّذِي مضى فِي: بَاب كَرَاهِيَة التعري فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة، (فَحله فَجعله على مَنْكِبَيْه فَسقط مغشيا عَلَيْهِ) . وَفِي (طَبَقَات ابْن سعد) من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم، دخل حَدِيث بَعضهم فِي حَدِيث بعض (قَالُوا: بَينا رَسُول الله، ﷺ ، ينْقل مَعَهم الْحِجَارَة يَعْنِي للبيت، وَهُوَ يَوْمئِذٍ ابْن خمس وَثَلَاثِينَ سنة، وَكَانُوا يضعون أزرهم على عواتقهم ويحملون الْحِجَارَة، فَفعل ذَلِك رَسُول الله، ﷺ ، فلبط: (أَي: سقط) من قيام، وَنُودِيَ: عورتك، فَكَانَ ذَلِك أول مَا نُودي، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالب: يَا ابْن أخي، إجعل إزارك على رَأسك، فَقَالَ: مَا أصابني إلَاّ فِي تعري) . وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: حَدثنِي وَالِدي عَمَّن حَدثهُ عَن رَسُول الله، ﷺ ، أَنه قَالَ، فِيمَا يذكر من حفظ الله تَعَالَى إِيَّاه إِنِّي لمع غلْمَان وهم أسناني، قد جعلنَا أزرنا على أعناقنا لحجارة نلقها إِذْ لكمني لاكم لكمة شَدِيدَة، ثمَّ قَالَ: اشْدُد عَلَيْك إزارك، وَعند السُّهيْلي فِي خبر آخر: لما سقط ضمه الْعَبَّاس إِلَى نَفسه وَسَأَلَهُ عَن شَأْنه، فَأخْبرهُ أَنه نُودي من السَّمَاء: أَن اشْدُد عَلَيْك إزارك يَا مُحَمَّد، قَالَ: وَإنَّهُ أول مَا نُودي. وروى الْبَيْهَقِيّ فِي (الدَّلَائِل) من حَدِيث سماك بن حَرْب، (عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: حَدثنِي الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب قَالَ: لما بنت قُرَيْش الْكَعْبَة انفردنا رجلَيْنِ رجلَيْنِ ينقلون الْحِجَارَة، وَكنت أَنا وَابْن أخي، فَجعلنَا نَأْخُذ أزرنا فنضعها على مناكبنا، ونجعل عَلَيْهَا الْحِجَارَة، فَإِذا دنونا من النَّاس لبسنا أزرنا، فَبَيْنَمَا هُوَ أَمَامِي إِذْ صرع، فسعيت وَهُوَ شاخص ببصره إِلَى السَّمَاء، قَالَ فَقلت: يَا ابْن أخي مَا شَأْنك؟ قَالَ: نهيت أَن أَمْشِي عُريَانا، قَالَ: فكتمته حَتَّى أظهر الله نبوته) . وَرَوَاهُ أَبُو نعيم من طَرِيق النَّضر أبي عمر عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، وَلَيْسَ فِيهِ الْعَبَّاس، وَقَالَ فِي آخِره: (فَكَانَ أول شَيْء رأى من النُّبُوَّة) ، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَكَانَ ابْن عَبَّاس أَرَادَ بقوله: أول شَيْء رأى رَسُول الله، ﷺ من النُّبُوَّة أَن قيل لَهُ: استتر، وَهُوَ غُلَام، هَذِه الْقِصَّة، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن لَهِيعَة عَن أبي الزبير، قَالَ: سَأَلت جَابِرا: هَل يقوم الرجل عُريَانا؟ فَقَالَ: أَخْبرنِي النَّبِي، ﷺ ، أَنه لما انْهَدَمت الْكَعْبَة نقل كل بطن من قُرَيْش، وَأَن النَّبِي، ﷺ ، نقل مَعَ الْعَبَّاس: رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَكَانُوا يضعون ثِيَابهمْ على الْعَوَاتِق، فيتقوون بهَا أَي: عل حمل الْحِجَارَة، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : فاعتقلت رجْلي، فحررت وَسقط ثوبي، فَقلت للْعَبَّاس: هَلُمَّ ثوبي فلست أتعرى بعْدهَا إلَاّ لغسل. وَابْن لَهِيعَة فِيهِ مقَال، وَفِي رِوَايَة أَن الْملك نزل فَشد عَلَيْهِ إزَاره. قَوْله: (فطمحت عَيناهُ) أَي: شخصتا وارتفعتا، وَقَالَ ابْن سَيّده: طمح ببصره يطمح طمحا، شخص وَقيل، رمي بِهِ إِلَى الشَّيْء، وَرجل طماح بعيد الطّرف، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن أبي جريج فِي أَوَائِل (السِّيرَة النَّبَوِيَّة) : ثمَّ أَفَاق. قَوْله: (أَرِنِي إزَارِي) ، قَالَ ابْن التِّين: ضَبطه بِإِسْكَان الرَّاء وبكسرها، قَالَ وَالْكَسْر أحسن عِنْد بعض أهل اللُّغَة، لِأَن مَعْنَاهُ: أَعْطِنِي، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ من الرُّؤْيَة، وَوَقع فِي (شرح ابْن بطال) : إزَارِي إزَارِي، مكررا وَمَعْنَاهُ صَحِيح إِن ساعدته الرِّوَايَة، قَوْله: (فشده عَلَيْهِ) زَاد زَكَرِيَّا بن إِسْحَاق: (فَمَا رُؤِيَ بعد ذَلِك عُريَانا) . ٣٨٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سالِمِ بنِ عبدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ مُحَمَّدٍ بنِ أبي بَكْرَ أخبر عبدَ الله بنَ عُمَرَ عَن عائشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجِ النبيِّ ﷺ أنَّ رَسولَ الله ﷺ قَالَ لَها ألَمْ تَرَيْ أنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنُوا الكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عنْ قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ فقُلْتُ يَا رَسولَ الله أَلا تَرُدُّهَا عَلى قَوَاعِدِ إبرَاهِيمَ قَالَ لَوْلا حِدْثانُ قومِكِ بِالكُفْرِ لفَعلْتُ. فَقَالَ عَبْدُ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لَئِنْ كانتْ عائِشةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا سَمِعَتْ هاذا مِنْ رسولِ الله ﷺ مَا أُرَى رسولَ الله ﷺ ترَكَ استِلَامَ الرُّكْعَتَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيانِ الحِجْرَ إلَاّ أنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَواعِدِ إبْرَاهِيمَ.. حَدِيث عَائِشَة هَذَا رَوَاهُ من أَرْبَعَة طرق على مَا يَأْتِي، فَإِن قلت: مَا وَجه إِيرَاده فِي: بَاب فضل مَكَّة، والْحَدِيث فِي شَأْن الْكَعْبَة؟ قلت: قد ذكرنَا فِي أول الْبَاب أَن بُنيان الْكَعْبَة، لما كَانَ سَببا لبنيان مَكَّة، اكْتفى بِهِ، وَمَا كَانَ من فضل الْكَعْبَة فمكة دَاخِلَة فِيهِ، وَالله تَعَالَى ذكر فضل مَكَّة فِي غير مَوضِع من كِتَابه، وَمن أعظم فَضلهَا أَنه، ، فرض على عباده حَجهَا، وألزمهم قَصدهَا، وَلم

стр. 2715

يقبل من أحد صَلَاة إِلَّا باستقبالها، وَهِي قبْلَة أهل دينه أَحيَاء وأمواتا. وَرِجَال هَذَا الطَّرِيق قد ذكرُوا غير مرّة، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعبيد الله بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، ﵈، عَن عبد الله بن يُوسُف وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ، وَعَن هَارُون بن سعيد الْأَيْلِي وَأبي الطَّاهِر ابْن السَّرْح، كِلَاهُمَا عَن ابْن وهب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ، وَفِي الْعلم وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن سَلمَة، والْحَارث بن مِسْكين كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي بكر) ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: أبي بكر بن قُحَافَة. قَوْله: (أخبر عبد الله بن عمر) بِنصب، عبد الله على المفعولية، وَالْفَاعِل مُضْمر. قَوْله: (عَن عَائِشَة) ، مُتَعَلق بقوله: (أخبر) ، وَظَاهر هَذَا الْكَلَام يَقْتَضِي حُضُور سَالم، لذَلِك فَيكون من رِوَايَته عَن عبد الله بن مُحَمَّد. قَوْله: (ألم تري) أَي: ألم تعرفي. قَوْله: (أَن قَوْمك) ، هم قُرَيْش. قَوْله: (اقتصروا عَن قَوَاعِد إِبْرَاهِيم، ﵇ وَالْقَوَاعِد جمع قَاعِدَة، وَهِي الأساس أصل ذَلِك، وَمَا روى (عَن عبد الله بن عمر قَالَ: لما أهبط الله تَعَالَى آدم من الْجنَّة، قَالَ: إِنِّي مهبط مَعَك أَو منزل مَعَك بَيْتا يُطَاف حوله، كَمَا يُطَاف حول عَرْشِي وَيصلى عِنْده، كَمَا يصلى عِنْد عَرْشِي، فَلَمَّا كَانَ زمن الطوفان رفع، فَكَانَت الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، يحجونه وَلَا يعلمُونَ مَكَانَهُ حَتَّى بوأه الله تَعَالَى لإِبْرَاهِيم، ﵊، وأعلمه مَكَانَهُ) . فبناه من خَمْسَة أجبل كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَعَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد وَغَيره من أهل الْعلم أَن الله تَعَالَى لما بوأ لإِبْرَاهِيم، ﵊، مَكَان الْبَيْت خرج إِلَيْهِ من الشَّام وَمَعَهُ إِسْمَاعِيل، وَأمه وَهُوَ طِفْل يرضع، وحملوا على الْبراق، وَمَعَهُ جِبْرِيل، ﵇، يدله على مَوَاضِع الْبَيْت، ومعالم الْحرم، فَكَانَ لَا يمر بِقُرْبِهِ إلَاّ قَالَ: بِهَذِهِ أمرت يَا جِبْرِيل؟ فَيَقُول: جِبْرِيل أمضه حَتَّى قدم بِهِ مَكَّة وَهِي إِذْ ذَاك عضاه سلم وَسمر وَبهَا أنَاس، وَيُقَال لَهُم: العماليق، خَارج مَكَّة وَمَا حولهَا، وَالْبَيْت يَوْمئِذٍ ربوة حَمْرَاء مَدَرَة، فَقَالَ إِبْرَاهِيم لجبريل، ﵉، أههنا أمرت أَن أضعهما، قَالَ: نعم فَعمد بهما إِلَى مَوضِع الْحجر، فأنزلهما فِيهِ وَأمر هَاجر أَن تتَّخذ فِيهِ عَرِيشًا ثمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيم، ﵊، إِلَى أَهله، والقصة طَوِيلَة عرفت فِي موضعهَا. ثمَّ إِنَّه بدا لإِبْرَاهِيم فَقَالَ لأَهله: أَنِّي مطلع تركتي، فجَاء فَوَافَقَ إِسْمَاعِيل من وَرَاء زَمْزَم يصلح نبْلًا لَهُ، فَقَالَ يَا إِسْمَاعِيل: إِن رَبك، ، أَمرنِي أَن أبني لَهُ بَيْتا، فَقَالَ: أطع رَبك، ، قَالَ: إِنَّه أَمرنِي أَن تعينني عَلَيْهِ، قَالَ: إِذا افْعَل أَو كَمَا قَالَ، قَالَ: فَقَامَ فَجعل إِبْرَاهِيم يَبْنِي وَإِسْمَاعِيل يناوله الْحِجَارَة، وَعَن السّديّ أخذا المعاول لَا يدريان أَيْن الْبَيْت، فَبعث الله ريحًا يُقَال لَهَا: الحجوج، لَهَا جَنَاحَانِ وَرَأس فِي صُورَة حَيَّة، فدلت لَهما مَا حول الْبَيْت على أساس الْبَيْت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حَتَّى وضعا الأساس، فَلَمَّا بنيا الْقَوَاعِد وبلغا مَكَان الرُّكْن قَالَ: يَا إِسْمَاعِيل، أطلب لي حجرا حسنا أَضَعهُ هُنَا، قَالَ: يَا أبه، إِنِّي لغب. قَالَ: عَليّ ذَلِك، فَانْطَلق يتطلب حجرا، وَجَاء جِبْرِيل ﵊ بِالْحجرِ الْأسود من الْهِنْد، وَكَانَ ياقوتة بَيْضَاء مثل النعامة، وَكَانَ آدم ﵊، هَبَط بِهِ من الْجنَّة، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيل الْحجر، قَالَ: يَا أبه من جَاءَك بِهَذَا؟ قَالَ: من هُوَ أنشط مِنْك. وَفِي (الدَّلَائِل) للبيهقي: عَن عبد الله بن عَمْرو: قَالَ رَسُول الله ﷺ : بعث الله ، جِبْرِيل، ﵊، إِلَى آدم وحواء عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَقَالَ لَهما: ابنيا لي بَيْتا، فحط لَهما جِبْرِيل، ﵊، فَجعل آدم يحْفر، وحواء تنقل حَتَّى أَصَابَهُ المَاء نُودي من تَحت حَسبك يَا آدم، فَلَمَّا بناه أوحى الله إِلَيْهِ أَن يطوف بِهِ، وَقيل لَهُ: أَنْت أول النَّاس، وَهَذَا أول بَيت، ثمَّ تناسخت الْقُرُون حَتَّى حجه نوح. ﵇، ثمَّ تناسخت الْقُرُون حَتَّى رفع إِبْرَاهِيم الْقَوَاعِد مِنْهُ. وَفِي كتاب (التيجان) : لما عَبث قوم نوح، ﵇، وهدموا الْكَعْبَة قَالَ الله تَعَالَى لَهُ: انْتظر الْآن هلاكهم إِذا فار التَّنور. وَفِي كتاب الْأَزْرَقِيّ: جعل إِبْرَاهِيم، ﵊، طول بِنَاء الْكَعْبَة فِي السَّمَاء تِسْعَة أَذْرع، وطولها فِي الأَرْض ثَلَاثِينَ ذِرَاعا، وعرضها فِي الأَرْض اثْنَيْنِ وَعشْرين ذِرَاعا، وَكَانَت بِغَيْر سقف، وَلما بنتهَا قُرَيْش جعلُوا طولهَا ثَمَانِي عشر ذِرَاعا فِي السَّمَاء، ونقصوا من طولهَا فِي الأَرْض سِتَّة أَذْرع وشير، وتركوها فِي الْحجر، وَلما بناها ابْن الزبير جعل طولهَا فِي السَّمَاء عشْرين ذِرَاعا، وَلم يُغير الْحجَّاج طولهَا حِين هدمها، وَهُوَ إِلَى الْآن على ذَلِك، وَقيل: إِنَّه بنى فِي أَيَّام جرهم مرّة أَو مرَّتَيْنِ، لِأَن السَّيْل كَانَ قد صدع حَائِطه، وَقيل: لم يكن بنيانا إِنَّمَا كَانَ إصلاحا لما وهى مِنْهُ، وجدار بني

стр. 2716

بَينه وَبَين السَّيْل بناه عَامر الجادر. وَعَن عَليّ، لما بناه إِبْرَاهِيم، ﵊، مر عَلَيْهِ الدَّهْر فانهدم، فبنته جرهم، فَمر عَلَيْهِ الدَّهْر فانهدم، فبنته قُرَيْش وَرَسُول الله، ﷺ ، يَوْمئِذٍ شَاب. وَصحح الْحَاكِم أصل هَذَا الحَدِيث. وَقَالَ ابْن شهَاب: لما بلغ رَسُول الله، ﷺ ، الْحلم أجمرت امْرَأَة الْكَعْبَة، فطارت شرارة من مجمرتها فِي بَاب الْكَعْبَة، فاحترقت، فهدموها. فَلَمَّا اخْتلفُوا فِي وضع الرُّكْن دخل رَسُول الله، ﷺ ، وَهُوَ غُلَام عَلَيْهِ وشاح نمرة، فحكموه فَأمر بِثَوْب ... الحَدِيث، وَفِيه: فَوَضعه هُوَ فِي مَكَانَهُ ثمَّ طفق لَا يزْدَاد على ألسن الأَرْض حَتَّى دَعوه الْأمين، وَعند مُوسَى بن عقبَة: كَانَ بنيانها قبل الْبعْثَة بِخمْس عشرَة سنة، وَكَذَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد وَعُرْوَة وَمُحَمّد بن جُبَير بن مطعم وَغَيرهم. وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق فِي (السِّيرَة) : وَلما بلغ رَسُول الله ﷺ خمْسا وَثَلَاثِينَ أَجمعت قُرَيْش لبنيان الْكَعْبَة، وَكَانُوا يهمون لذَلِك ليسقفوها ويهابون هدمها، وَإِنَّمَا كَانَت رضما فَوق الْقَامَة، فأرادوا رَفعهَا وتسقيفها، وَذَلِكَ أَن نَفرا سرقوا كنز الْكَعْبَة، وَإِنَّمَا يكون فِي بِئْر فِي جَوف الْكَعْبَة، وَكَانَ الَّذِي وجد عِنْده الْكَنْز دويك مولى بني مليح بن عَمْرو من خُزَاعَة، فَقطعت قُرَيْش يَده، وَيَزْعُم النَّاس أَن الَّذين سَرقُوهُ وضعوه عِنْد دويك، وَكَانَ الْبَحْر قد رمى بسفينة إِلَى جدة لرجل من تجار الرّوم فتحطمت فَأخذُوا خشبها فأعدوه لتسقيفها، وَكَانَ بِمَكَّة رجل قبْطِي نجار فتهيأ لَهُم، فِي أنفسهم بعض مَا يصلحها، وَكَانَت حَيَّة تخرج من بِئْر الْكَعْبَة الَّتِي كَانَت تطرح فِيهَا مَا يهدى لَهَا كل يَوْم، فتشرف على جِدَار الْكَعْبَة، وَكَانَت مِمَّا يهابون ذَلِك أَنه كَانَ لَا يدنو مِنْهَا أحد إلَاّ أخزلت، وكشطت وَفتحت فاها، وَكَانُوا يهابونها، فَبَيْنَمَا هِيَ يَوْم تشرف على جِدَار الْكَعْبَة، كَمَا كَانَت تصنع بعث الله إِلَيْهَا طائرا، فاختطفها، فَذهب بهَا فَقَالَت قُرَيْش: إِنَّا لنَرْجُو أَن يكون الله تَعَالَى، رَضِي مَا أردنَا، عندنَا عَامل رَفِيق، وَعِنْدنَا خشب، وكفانا الله الْحَيَّة، ثمَّ اجْتمعت الْقَبَائِل من قُرَيْش فَجمعُوا الْحِجَارَة لبنائها، كل قَبيلَة على حِدة، ثمَّ بنوها حَتَّى بلغ الْبُنيان مَوضِع الرُّكْن، يَعْنِي: الْحجر الْأسود، فاختصموا فِيهِ، كل قَبيلَة تُرِيدُ أَن ترفعه إِلَى مَوْضِعه دون الْأُخْرَى، فآخر الْأَمر إِن أَبَا أُميَّة بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمرَان بن مَخْزُوم كَانَ عامئذ أسن قُرَيْش كلهم، فَقَالَ: يَا معشر قُرَيْش إجعلوا بَيْنكُم فِيمَا تختلفون فِيهِ أول من يدْخل من بَاب هَذَا الْمَسْجِد يقْضِي بَيْنكُم فِيهِ، فَقَالُوا: وَكَانَ أول دَاخل رَسُول الله ﷺ ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا الْأمين رَضِينَا، هَذَا مُحَمَّد، فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهِ الْخَبَر قَالَ ﷺ : هَلُمَّ إليَّ ثوبا، فأُتي لَهُ، فَأخذ الرُّكْن يَعْنِي: الْحجر الْأسود فَوَضعه فِيهِ بِيَدِهِ، ثمَّ قَالَ: لتأْخذ كل قَبيلَة بِنَاحِيَة من الثَّوْب، ثمَّ ارفعوه جَمِيعًا، فَفَعَلُوا حَتَّى إِذا بلغُوا بِهِ مَوْضِعه وَضعه هُوَ بِيَدِهِ ﷺ . قَوْله: (لَوْلَا حدثان قَوْمك) ، الْحدثَان، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة، بِمَعْنى: الْحُدُوث، مَعْنَاهُ: قرب عَهدهم بالْكفْر، وَخبر الْمُبْتَدَأ مَحْذُوف. قَوْله: (لفَعَلت) ، أَي: لرددتها على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم. قَوْله: (قَالَ) أَي: عبد الله بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، ويروى: فَقَالَ: وَقَالَ، بِالْفَاءِ وَالْوَاو، ويروى: قَالَ عبد الله. قَوْله: (لَئِن كَانَت عَائِشَة) ، لَيْسَ هَذَا اللَّفْظ مِنْهُ على سَبِيل التَّضْعِيف لروايتها والتشكيك فِي صدقهَا، لِأَنَّهَا كَانَت صديقَة حافظة ضابطة، غَايَة مَا يُمكن بِحَيْثُ لَا تستراب فِي حَدِيثهَا، وَلَكِن كثيرا يَقع فِي كَلَام الْعَرَب صُورَة التشكيك، وَالْمرَاد بِهِ التَّقْرِير وَالْيَقِين. كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَإِن أَدْرِي لَعَلَّه فتْنَة لكم﴾ (الْأَنْبِيَاء: ١١١) . و ﴿قل إِن ضللت فَإِنَّمَا أضلّ على نَفسِي﴾ (سبأ: ٠٥) . قَوْله: (مَا أرى) ، بِضَم الْهمزَة أَي: مَا أَظن، وَهِي رِوَايَة معمر، وَزَاد فِي آخر الحَدِيث: (وَلَا طَاف النَّاس من وَرَاء الْحجر إلَاّ لذَلِك) قَوْله: (استلام الرُّكْنَيْنِ) الاستلام افتعال من السَّلَام، يُقَال: اسْتَلم الْحجر إِذا لمسه، وَالْمرَاد: لمس الرُّكْنَيْنِ بالقبلة أَو بِالْيَدِ. قَوْله: (يليان الْحجر) ، أَي: يقربان من الْحجر، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم، وَهُوَ مَعْرُوف على صفة نصف الدائرة، وقدرها تسع وَثَلَاثُونَ ذِرَاعا وَقَالُوا: سِتَّة أَذْرع مِنْهُ مَحْسُوب من الْبَيْت بِلَا خلاف، وَفِي الزَّائِد خلاف. قَوْله: (إِلَّا أَن الْبَيْت) ، أَي: الْكَعْبَة (لم يتمم على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم الَّتِي رَفعهَا) ، يُرِيد: أَن كَانَ عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي بكر سلم من السَّهْو فِي نَقله عَن عَائِشَة، وَكَانَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، سمعته من رَسُول الله ﷺ : إِن رَسُول الله ﷺ ترك ذَلِك ... إِلَى آخِره، فَأخْبر ابْن عمر أَنه ﷺ ترك استلامهما، وَمُقْتَضَاهُ أَنه قصد تَركهمَا، وإلَاّ فَلَا يُسمى تَارِكًا فِي الْعرف من أَرَادَ من الْكَعْبَة شَيْئا فَمَنعه مِنْهُ مَانع، فَكَانَ ابْن عمر علم ترك النَّبِي ﷺ الاستلام وَلم يعلم علته، فَلَمَّا أخبرهُ عبد الله بن مُحَمَّد بِخَبَر عَائِشَة هَذَا عرف عِلّة ذَلِك، وَهُوَ كَونهمَا لَيْسَ على الْقَوَاعِد، بل أخرج مِنْهُ بعض الْحجر وَلم يبلغ بِهِ ركن الْبَيْت الَّذِي من تِلْكَ الْجِهَة، والركنان اللَّذَان الْيَوْم من

стр. 2717

جِهَة الْحجر لَا يستلمان كَمَا لَا يسْتَلم سَائِر الْجدر، لِأَنَّهُ حكم مُخْتَصّ بالأركان، وَعَن عُرْوَة وَمُعَاوِيَة: استلام الْكل، وَأَنه لَيْسَ من الْبَيْت شَيْء مهجور، وَذكر عَن ابْن الزبير أَيْضا، وَكَذَا عَن جَابر وَابْن عَبَّاس وَالْحسن وَالْحُسَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يسْتَلم إِلَّا الرُّكْن الْأسود خَاصَّة، وَلَا يسْتَلم الْيَمَانِيّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسنة، فَإِن استلمه فَلَا بَأْس. ٤٨٥١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا أَبُو الأحْوَصِ قَالَ حدَّثنا الأشْعَثُ عنِ الأسْوَدِ بنِ يَزِيدَ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ سألْتُ النَّبِي ﷺ عنِ الجَدْرِ أمِنَ البيْتِ هُوَ قَالَ نَعَم قُلْتُ فَمَا لَهُمْ لَمُ يُدْخِلُوهُ فِي البَيْتِ قَالَ إنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ قُلتُ فمَا شأنُ بابِهِ مُرتَفِعا قالَ فَعلَ ذالِكَ قَومُكِ لِيُدْخِلوا مَنْ شاؤا ويَمْنَعُوا منْ شاؤوا ولَوْلَا أنَّ قَوْمَكِ حَديثٌ عَهدُهُمْ بِالجَاهِلِيَّةِ فأخافُ أنْ تُنْكِرَ قُلوبُهُمْ أنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ فِي البَيْتِ وأنْ أُلْصِقَ بابَهُ بالأرْضِ.. هَذَا طَرِيق ثَان فِي حَدِيث عَائِشَة رَوَاهُ عَن مُسَدّد عَن أبي الْأَحْوَص سَلام بن سليم الْحَنَفِيّ عَن الْأَشْعَث بن أبي الشعْثَاء الْمحَاربي عَن الْأسود بن يزِيد. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْحَج عَن سعيد بن مَنْصُور عَن أبي الْأَحْوَص وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَكَذَا أخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن الْجدر) ، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة: كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: الْجِدَار، وَقَالَ الْخَلِيل: الْجدر لُغَة فِي الْجِدَار، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وبضم الْجِيم أَيْضا، وَالظَّاهِر أَنه وهم، لِأَن المُرَاد الْحجر، وَفِي (مُسْند الطَّيَالِسِيّ) : عَن أبي الْأَحْوَص شيخ مُسَدّد فِيهِ الْجدر أَو الْحجر بِالشَّكِّ، وَعند أبي عوَانَة من طَرِيق شَيبَان عَن الْأَشْعَث: الْحجر بِلَا شكّ. قَوْله: (أَمن الْبَيْت هُوَ؟) الْهمزَة فِيهِ للإستفهام. قَوْله: (وَهُوَ) أَي: الْجدر. قَوْله: (قَالَ نعم) أَي: قَالَ، ﵊: نعم الْجدر من الْبَيْت، هَذَا يدل على أَن الْحجر كُله من الْبَيْت، وَبِذَلِك كَانَ يُفْتِي عبد الله بن عَبَّاس، كَمَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن أَبِيه عَن مرْثَد بن شُرَحْبِيل، قَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس، يَقُول: لَو وليت من الْبَيْت مَا ولي ابْن الزبير لأدخلت الْحجر كُله فِي الْبَيْت، فلِمَ يُطاف بِهِ إِن لم يكن من الْبَيْت؟ وروى التِّرْمِذِيّ: قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن عَلْقَمَة بن أبي عَلْقَمَة عَن أمه (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَت: كنت أحب أَن أَدخل الْبَيْت فأُصلي فِيهِ، فَأخذ رَسُول الله، ﷺ ، بيَدي فَأَدْخلنِي الْحجر، فَقَالَ: صلي فِي الْحجر إِن أردْت دُخُول الْبَيْت فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَة من الْبَيْت، وَلَكِن قَوْمك استقصروه حِين بنوا الْكَعْبَة فأخرجوه من الْبَيْت) . قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَقَالَ عَلْقَمَة ابْن أبي عَلْقَمَة بن بِلَال. قلت: أما أمه فاسمها مرْجَانَة، ذكرهَا ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن القعْنبِي، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، كِلَاهُمَا عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد وَهُوَ الدَّرَاورْدِي، وَقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة سعيد بن جُبَير (أَن عَائِشَة قَالَت: يَا رَسُول الله، كل نِسَائِك دخل الْكَعْبَة غَيْرِي؟ قَالَ: فانطلقي إِلَى قرابتك شيبَة يفتح لَك الْكَعْبَة، فَأَتَتْهُ، فَأتى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: وَالله مَا فتحت بلَيْل قطّ فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام، وَإِن أَمرتنِي أَن أفتحها فتحتها. قَالَ: لَا، ثمَّ قَالَ: إِن قَوْمك قصرت بهم النَّفَقَة فقصروا فِي الْبُنيان، وَإِن الْحجر من الْبَيْت فاذهبي فَصلي فِيهِ) . وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله تَعَالَى، فِي هَذَا الحَدِيث: أَن الْحجر كُله من الْبَيْت، وَهُوَ ظَاهر نَص الشَّافِعِي فِي (الْمُخْتَصر) . وَمُقْتَضى كَلَام جمَاعَة من أَصْحَابه كَمَا قَالَ الرَّافِعِيّ وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّه الصَّحِيح، وَعَلِيهِ نَص الشَّافِعِي، وَبِه قطع جَمَاهِير أَصْحَابنَا، قَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَكَذَا رَجحه ابْن الصّلاح قبله، وَقَالَ الرَّافِعِيّ: الصَّحِيح أَن لَيْسَ كُله من الْبَيْت، بل الَّذِي هُوَ من الْبَيْت قدر سِتَّة أَذْرع مُتَّصِل بِالْبَيْتِ، وَبِه قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَابْنه إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ وَالْبَغوِيّ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسلم فِي (صَحِيحه) من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: قَالَ النَّبِي ﷺ : (لَوْلَا أَن قَوْمك حَدِيث عهد بشركٍ لهدمت الْكَعْبَة وألزقتها بِالْأَرْضِ، د ولجعلت لَهَا بَابَيْنِ: بَابا شرقيا وبابا غربيا، وزدت فِيهَا سِتَّة أَذْرع من الْحجر فَإِن قُريْشًا اقتصرتها حِين بنت الْكَعْبَة) . وَقَالَ ابْن الصّلاح اضْطَرَبَتْ الرِّوَايَات، فِيهِ، فَفِي رِوَايَة فِي (الصَّحِيحَيْنِ) : الْحجر من الْبَيْت، وَرُوِيَ سِتَّة أَذْرع أَو نَحْوهَا، وَرُوِيَ خَمْسَة أَذْرع،

стр. 2718

وَرُوِيَ قَرِيبا من سبع. قَالَ ابْن الصّلاح: وَإِذا اضْطَرَبَتْ الروايت تعين الْأَخْذ بأكثرها ليسقط الْفَرْض بِيَقِين. وَقَالَ بَعضهم: بعد أَن ذكر حَدِيث التِّرْمِذِيّ الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَبعد أَن قَالَ: وَنَحْوه لأبي دَاوُد من طَرِيق صَفِيَّة بنت شيبَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَلأبي عوَانَة من طَرِيق قَتَادَة عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة وَلأَحْمَد من طَرِيق سعيد بن جُبَير عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: هَذِه الرِّوَايَات كلهَا مُطلقَة، وَقد جَاءَت رِوَايَات أصح مِنْهَا مُقَيّدَة. لمُسلم من طَرِيق أبي قزعة عَن الْحَارِث بن عبد الله عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: فِي حَدِيث الْبَاب: حَتَّى أَزِيد فِيهِ من الْحجر، وَله من وَجه آخر عَن الْحَارِث عَنْهَا: (فَإِن بدا لقَوْمك أَن يبنوه بعدِي فهلمي لأريك مَا تَرَكُوهُ مِنْهُ، فأراها قَرِيبا من سَبْعَة أَذْرع) ، ثمَّ ذكر الرِّوَايَات المضطربة فِيهِ الَّتِي ذَكرنَاهَا عَن قريب، ثمَّ قَالَ: وَهَذِه الرِّوَايَات كلهَا تَجْتَمِع على أَنَّهَا فَوق السِّتَّة وَدون السَّبْعَة انْتهى. قلت: قَوْله: وَقد جَاءَت رِوَايَات أصح مِنْهَا، غير مُسلم، لِأَن حَدِيث الْبَاب يدل على أَن الْحجر كُله من الْبَيْت، وأصرح مِنْهُ حَدِيث التِّرْمِذِيّ الَّذِي لَفظه: (إِن الْحجر من الْبَيْت) ، فَكل ذَلِك صَحِيح، وترجيح رِوَايَة الْحَارِث عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، على رِوَايَة الْأسود بن يزِيد عَنْهَا بالأصحية لَا دَلِيل عَلَيْهِ، ثمَّ تكلّف فِي الْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات بِالْكَسْرِ والجبر. فَالْأَوْجه والأصوب فِيهِ مَا قَالَه ابْن الصّلاح، وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا. ثمَّ إِن ثَبت أَن الْحجر كُله أَو بعضه من الْبَيْت فَلَا تصح صَلَاة كل مُسْتَقْبل شَيْئا مِنْهُ، وَهُوَ غير مُسْتَقْبل لشَيْء من الْكَعْبَة، وَذَلِكَ لِأَن الْأَحَادِيث فِي هَذَا آحَاد، إِنَّمَا تفِيد الظَّن، وَقد أمرنَا باستقبال الْمَسْجِد الْحَرَام يَقِينا على مَا هُوَ مَعْرُوف فِي التَّفْصِيل بَين الْحَاضِر والبعيد، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب عِنْد الْحَنَفِيَّة والمالكية، وَهُوَ الَّذِي صَححهُ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ أَنه لَا يَصح اسْتِقْبَال شَيْء من الْحجر فِي الصَّلَاة مَعَ عدم اسْتِقْبَال شَيْء من الْكَعْبَة. قَوْله: (قصرت بهم النَّفَقَة) ، بِفَتْح الصَّاد الْمُشَدّدَة أَي النَّفَقَة الطّيبَة الَّتِي أخرجوها، ويروى، قصرت، بِضَم الصَّاد المخففة، وروى أَبُو إِسْحَاق فِي (السِّيرَة) : عَن عبد الله بن أبي نجيح أَنه أخبر عَن عبد الله بن صَفْوَان بن أُميَّة أَن وهب بن عَائِد بن عمرَان بن مَخْزُوم، وَهُوَ جد جعدة بن هُبَيْرَة بن أبي وهب المَخْزُومِي، قَالَ لقريش: لَا تدْخلُوا فِيهِ من كسبكم إلَاّ طيبا، وَلَا تدْخلُوا فِيهِ مهر بغي وَلَا بيع رَبًّا وَلَا مظْلمَة من أحد من النَّاس. قَوْله: (ليدخلوا) ، من الإدخال، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: يدخلُوا، بِغَيْر لَام، وَفِي لفظ مُسلم: (هَل تدرين لِمَ كَانَ قَوْمك رفعوا بَابهَا؟ قَالَت: قلت: لَا. قَالَ: تَحَرُّزًا أَن لَا يدخلهَا إلَاّ من أَرَادوا، وأفَكان الرجل إِذا هُوَ أَرَادَ أَن يدخلهَا يَدعُونَهُ يرتقي حَتَّى إِذا كَاد أَن يدْخل دفعوه فَسقط؟) قَوْله: (حَدِيث عَهدهم) ، بتنوين: حَدِيث، و: الْعَهْد، مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعله، ويروى بِإِضَافَة: حَدِيث، إِلَى: عَهدهم. قَوْله: (بالجاهلية) بِالْألف وَاللَّام فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: بجاهلية، بِدُونِ الْألف وَاللَّام. فَإِن قلت: أَيْن جَوَاب: لَوْلَا؟ قلت: مَحْذُوف تَقْدِيره: لأدخلت الْجدر فِي الْبَيْت. قَوْله: (فَأَخَاف أَن تنكر قُلُوبهم) ، وَفِي رِوَايَة شَيبَان عَن أَشْعَث: تنفر، بِالْفَاءِ بدل الْكَاف، وَنقل ابْن بطال عَن بعض عُلَمَائهمْ أَن النفرة الَّتِي خشيها، ﷺ ، أَن ينسبوه إِلَى الإنفراد بالفخر دونهم. قَوْله: (أَن أَدخل الْجدر) . كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: أَخَاف إِنْكَار قُلُوبهم بِإِدْخَال الْجدر فِي الْبَيْت. قَوْله: (وَأَن ألصق) ، عطف على مَا قبله، أَي: وَبِأَن ألصق أَي: وبإلصاق بَابه بِالْأَرْضِ. ٥٨٥١ - حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أبُو أُسامةَ عنْ هِشامٍ عنْ أبيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ قالَ لِي رَسولُ الله ﷺ لَوْلَا حدَاثَةُ قَوْمِكِ بِالكُفْرِ لنَقَضْتُ البَيْتَ ثُمَّ لَبَنيْتُهُ علَى أساسِ إبْرَاهِيمَ ﵊، فإنَّ قُرَيْشا اسْتَقْصَرَتْ بِناءهُ وجَعَلَتْ لهُ خَلْفا قَالَ أبُو مُعَاوِيَةَ حَدثنَا هِشامٌ خَلْفا يَعْني بَابا.. هَذَا طَرِيق ثَالِث فِي طَرِيق عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، رَوَاهُ عَن عبيد، بِضَم الْعين: إِبْنِ إِسْمَاعِيل، واسْمه فِي الأَصْل: عبد الله، يكنى أَبَا مُحَمَّد الْهَبَّاري الْقرشِي الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، يروي عَن أبي أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة ابْن الزبير عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (عَن أَبِيه عَن عَائِشَة) ، كَذَا رَوَاهُ مُسلم أَيْضا من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة، وَالنَّسَائِيّ من

стр. 2719

طَرِيق عَبدة بن سُلَيْمَان، وَأَبُو عوَانَة من طَرِيق عَليّ بن مسْهر، وَأحمد عَن عبد الله بن نمير، كلهم عَن هِشَام، وَخَالفهُم الْقَاسِم بن معن فَرَوَاهُ عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن أَخِيه عبد الله بن الزبير عَن عَائِشَة، أخرجه أَبُو عوَانَة، وَرِوَايَة الْجَمَاعَة أرجح لِأَن رِوَايَة عُرْوَة عَن عَائِشَة لهَذَا الحَدِيث مَشْهُورَة من غير وَجه كَذَا قَالَه بَعضهم. قلت: لَا مَانع أَن يكون عُرْوَة قد سمع من عَائِشَة بِدُونِ وَاسِطَة، وَسمع أَيْضا عَن أَخِيه عَنْهَا بِوَاسِطَة. قَوْله: (وَجعلت) ، بِضَم التَّاء على صِيغَة الْمُتَكَلّم عطفا على قَوْله: (لبنيته) ، وضبطها الْقَابِسِيّ: بِفَتْح اللَّام وَسُكُون التَّاء عطفا على قَوْله: (استقصرت) . قَوْله: (خلفا) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام بعْدهَا فَاء، أَي: بَابا، وَضَبطه الْحَرْبِيّ فِي (الْغَرِيب) بِكَسْر الْخَاء. قَوْله: (قَالَ أَبُو مُعَاوِيَة) ، وَهُوَ مُحَمَّد بن خازم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وبالزاي: الضَّرِير، حَدثنَا هِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة خلفا يَعْنِي بَابا، يَعْنِي فسهر بِالْبَابِ، وَهَذَا مُعَلّق وَصله مُسلم، قَالَ: حَدثنَا يحيى ابْن يحيى، قَالَ: أخبرنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: إِن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَت: (لَوْلَا حَدَاثَة عهد قَوْمك بالْكفْر لنقضت الْكَعْبَة ولجعلتها على أساس إِبْرَاهِيم، ﵇، فَإِن قُريْشًا حِين بنت الْبَيْت استقصرت، ولجعلت لَهَا خلفا) ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا. ٦٨٥١ - حدَّثنا بَيانُ بنُ عَمْرٍ وَقَالَ حَدثنَا يَزِيدُ قَالَ حدَّثنا جريرُ بنُ حازِمٍ قَالَ حدَّثنا يَزيدُ ابنُ رُومَانَ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لَها يَا عَائِشَةَ لَوْلا أنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لأمَرْتُ بِالبَيْتِ فَهُدِمَ فأدْخَلْتُ فِيهِ مَا أخْرِجَ مِنْهُ وَألْزَقْتُهُ بالأرْضِ وجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابا شرْقِيا وبَابا غرْبِيا فبلَغْتُ بِهِ أساسَ إبْرَاهِيمَ فذالِكَ الَّذِي حَمَلَ ابنَ الزُّبَيْرِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عَلى هَدْمِهِ. قالَ يَزِيدُ وشَهِدْتُ ابنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وبَناهُ وأدْخَلَ فِيهِ مِنَ الحِجْرِ وقَدْ رأيْتُ أسَاسَ إبْرَاهِيمَ حِجَارَةً كأسْنِمَةِ الإبِلِ قَالَ جَرِيرٌ فقُلْتُ لَهُ أيْنَ مَوْضِعُهُ قَالَ أُرِيكِهُ الآنَ فدَخَلْتُ معَهُ الحِجْرَ فأشارَ إلَى مكانٍ فقالَ هاهُنَا قَالَ جَرير فَحزَرْتُ مِنَ الحِجْرِ سَتَّةَ أذْرُعٍ.. هَذَا طَرِيق رَابِع فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر رِجَاله: وهم: سِتَّة: الأول: بَيَان، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف نون: ابْن عَمْرو، بِالْوَاو، وَقد مر فِي: بَاب تعاهد رَكْعَتي الْفجْر، الثَّانِي: يزِيد من الزِّيَادَة ابْن هَارُون، وَقد مر فِي: بَاب التبرز فِي الْبيُوت. الثَّالِث: جرير، بِفَتْح الْجِيم ابْن حزم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي. الرَّابِع: يزِيد من الزِّيَادَة ابْن رُومَان، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْوَاو وَتَخْفِيف الْمِيم وَبعد الْألف نون: مولى آل الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير. السَّادِس: عَائِشَة، أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده من أهل بخارء من قصر كج خَارج الدَّرْب، وَإِن يزِيد بن هَارُون واسطي وَأَن جرير بن حَازِم بَصرِي وَأَن يزِيد بن رُومَان وَعُرْوَة مدنيان. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن سَلام عَن يزِيد بن هَارُون عَن جرير ابْن حَازِم. قَوْله: (عَن عُرْوَة) ، هَكَذَا رَوَاهُ الْحفاظ من أَصْحَاب يزِيد بن هَارُون عَنهُ، وَكَذَا عِنْد أَحْمد بن حَنْبَل وَأحمد ابْن سِنَان وَأحمد بن منيع فِي (مسانيدهم) وَكَذَا عِنْد النَّسَائِيّ والزعفراني والإسماعيلي، كلهم عَن يزِيد بن هَارُون، وَخَالفهُم الْحَارِث ابْن أبي أُسَامَة فَرَوَاهُ عَن يزِيد بن هَارُون، فَقَالَ: عَن عبد الله بن الزبير، بدل: عُرْوَة بن الزبير، وَهَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق أبي الْأَزْهَر عَن وهب بن جرير بن حَازِم عَن أَبِيه. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِن كَانَ أَبُو الْأَزْهَر ضَبطه فَكَأَن يزِيد ابْن رُومَان سَمعه من الأخوان. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حَدِيث عهد) ، بِالْإِضَافَة عِنْد جَمِيع الروَاة، قَالَ المطرزي: لَا يجوز حذف الْوَاو فِي مثل هَذَا، وَالصَّوَاب: حديثوا الْعَهْد. قَوْله: (مَا أخرج مِنْهُ) ، فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ مفعول. قَوْله: (فأدخلت) ، و (مَا أخرج مِنْهُ) ، هُوَ

стр. 2720

الْمُسَمّى بِالْحجرِ. قَوْله (وألزقته) ، أَي: أَلْصَقته بِحَيْثُ يكون بَابه على وَجه الأَرْض غير مُرْتَفع. قَوْله: (بَابا شرقيا) ، هُوَ مثل الْمَوْجُود الْيَوْم، فَفِيهِ ثَلَاث تَصَرُّفَات على خلاف مَا بنى إِبْرَاهِيم، ﵇. قَوْله: (فَذَلِك الَّذِي حمل ابْن الزبير) أَي عبد الله بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، على هَدمه أَي: هدم الْبَيْت، وَزَاد وهب فِي رِوَايَته: وبنائه. قَوْله: (قَالَ يزِيد) ، هُوَ ابْن رُومَان، أَي: قَالَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (وَشهِدت ابْن الزبير) إِلَى قَوْله: (كأسنمة الْإِبِل) ، هَكَذَا ذكره يزِيد ابْن رُومَان مُخْتَصرا، وَقد رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق عَطاء بن أبي رَبَاح مطولا، فَقَالَ: حَدثنَا هناد بن السّري، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي زَائِدَة، قَالَ: أخبرنَا ابْن أبي سُلَيْمَان (عَن عَطاء قَالَ: لما احْتَرَقَ الْبَيْت، زمن يزِيد بن مُعَاوِيَة حِين غزاه أهل الشَّام فَكَانَ من أمره مَا كَانَ، تَركه ابْن الزبير حَتَّى قدم النَّاس الْمَوْسِم يُرِيد أَن يخزيهم أَو يحزنهم على أهل الشَّام، فَلَمَّا صدر النَّاس قَالَ: يَا أَيهَا النَّاس! أَشِيرُوا عليَّ فِي الْكَعْبَة أنقضها ثمَّ أبني بناءها وَأصْلح مَا وَهَى مِنْهَا؟ فَقَالَ ابْن عَبَّاس: فَأَنِّي قد فرق لي رَأْي فِيهَا، أرى أَن تصلح مَا وهَى مِنْهَا وَتَدَع بَيْتا أسلم النَّاس عَلَيْهِ، وأحجارا أسلم النَّاس عَلَيْهَا، وَبعث عَلَيْهَا النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ ابْن الزبير: لَو كَانَ أحدكُم احْتَرَقَ بَيته مَا رَضِي حَتَّى يجدده، فَكيف بَيت ربكُم؟ إِنِّي مستخير رَبِّي ثَلَاثًا، ثمَّ عازم على أَمْرِي، فَلَمَّا مَضَت ثَلَاث أجمع رَأْيه على أَن ينْقضه، فتحاماه النَّاس أَن ينزل بِأول النَّاس يصعد فِيهِ أَمر من السَّمَاء، حَتَّى صعده رجل فَألْقى مِنْهُ حِجَارَة، فَلَمَّا لم يره النَّاس أَصَابَهُ تتابعوا فنقضوه حَتَّى بلغُوا بِهِ الأَرْض، فَجعل ابْن الزبير أعمدة فَستر عَلَيْهَا الستور تى ارْتَفع بِنَاؤُه، وَقَالَ ابْن الزبير: سَمِعت عَائِشَة تَقول: إِن النَّبِي ﷺ قَالَ: لَوْلَا أَن النَّاس حَدِيث عَهدهم بِكفْر، وَلَيْسَ عِنْدِي من النَّفَقَة مَا يقوى على بنائِهِ لَكُنْت أدخلت فِيهِ من الْحجر خَمْسَة أَذْرع، ولجعلت لَهُ بَابا يدْخل مِنْهُ النَّاس، وبابا يخرجُون مِنْهُ. قَالَ: فَأَنا الْيَوْم أجد مَا أنْفق وَلست أَخَاف النَّاس. قَالَ: فَزَاد فِيهِ خَمْسَة أَذْرع من الْحجر حَتَّى أبدى أُسّا نظر النَّاس إِلَيْهِ فَبنى عَلَيْهِ الْبناء، وَكَانَ ذول الْكَعْبَة ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا، فَلَمَّا زَاد فِيهِ استقصره، فَزَاد فِي طوله عشرَة أَذْرع، وَجعل لَهُ مَا بَين أَحدهمَا بَابَيْنِ: يدْخل مِنْهُ، وَالْآخر يخرج مِنْهُ، فَلَمَّا قتل ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كتب الْحجَّاج إِلَى عبد الْملك بن مَرْوَان يُخبرهُ بذلك، ويخبره أَن ابْن الزبير قد وضع الْبناء على أسٍّ نظر إِلَيْهِ الْعُدُول من أهل مَكَّة، فَكتب إِلَيْهِ عبد الْملك إِنَّا لسنا من تلطيخ ابْن الزبير فِي شَيْء، أما مَا زَاد من طوله فأقره، وَأما مَا زَاد فِيهِ من الْحجر فَرده إِلَى بنائِهِ، وسُدَّ الْبَاب الَّذِي فَتحه، فنقضه وَأَعَادَهُ إِلَى بنائِهِ. قَوْله: (وبناه) أَي: بنى الْبَيْت. قَالَ ابْن سعد: لم يبن ابْن الزبير الْكَعْبَة حَتَّى حج بِالنَّاسِ سنة أَربع وَسِتِّينَ، ثمَّ بناها حِين اسْتقْبل سنة خمس وَسِتِّينَ، وَحكي عَن الْوَاقِدِيّ أَنه رد ذَلِك، وَقَالَ: الأثبت أَنه ابْتَدَأَ بناءها بعد رحيل الْجَيْش لسَبْعين يَوْمًا. وَقَالَ الْأَزْرَقِيّ: كَانَ ذَلِك فِي نصف جمادي الْآخِرَة سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَيُمكن الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَن يكون ابْتِدَاء الْبناء فِي ذَلِك الْوَقْت، وامتد أمده إِلَى الْمَوْسِم ليراه أهل الْآفَاق، ليشنع بذلك على بني أُميَّة، وَفِي (تَارِيخ المسجى) : كَانَ الْفَرَاغ من بِنَاء الْبَيْت فِي سنة خمس وَسِتِّينَ، وَزَاد الْمُحب الطَّبَرِيّ أَنه: كَانَ فِي شهر رَجَب. قلت: الْجَيْش هُوَ جَيش الشَّام من قبل يزِيد بن مُعَاوِيَة، وَكَانَ أَمِيرهمْ الْحصين بن نمير، وَمَا ارتحلوا من مَكَّة حَتَّى أَتَاهُم موت يزِيد بن مُعَاوِيَة، وَذَلِكَ بعد أَن أفسدوا فِي حرم الله تَعَالَى وسفكوا الدِّمَاء وأوهنوا الْكَعْبَة من حِجَارَة المجانيق. قَوْله: (وَقد رَأَيْت) ، الرَّائِي يزِيد بن رُومَان. قَوْله: (كأسنمة الْإِبِل) ، الأسنمة: جمع سَنَام، وَفِي (كتاب مَكَّة) للفاكهي، من طَرِيق أبي أويس عَن يزِيد بن رُومَان. فكشفوا لَهُ، أَي لِابْنِ الزبير، عَن قَوَاعِد إِبْرَاهِيم، ﵇، وَهِي صَخْر أَمْثَال الْخلف من الْإِبِل، ورأوه بنيانا مربوطا بعضه بِبَعْض، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق من طَرِيق ابْن سابط عَن يزِيد: أَنهم كشفوا عَن الْقَوَاعِد، فأذا الْحجر مثل الْخلقَة، وَالْحِجَارَة مشبك بَعْضهَا بِبَعْض، وَفِي رِوَايَة للفاكهي عَن عَطاء، قَالَ: كنت فِي الْأَبْنَاء الَّذين جمعُوا على حفره، فَحَفَرُوا قامة وَنصفا، فَهَجَمُوا على حِجَارَة لَهَا عروق تتصل بزرد عروق الْمَرْوَة، فضربوه فارتجت قَوَاعِد الْبَيْت، فَكبر النَّاس، فَبنى عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة مرْثَد عِنْد عبد الرَّزَّاق: فكشف عَن ربض فِي الْحجر آخذ بعضه بِبَعْض، فَتَركه مكشوفا ثَمَانِيَة أَيَّام ليشهدوا عَلَيْهِ، فَرَأَيْت ذَلِك الربض مثل خلف الْإِبِل، وَجه حجر وَوجه حجر وَوجه حجران، وَرَأَيْت الرجل يَأْخُذ العثلة فَيضْرب بهَا من نَاحيَة الرُّكْن فيهتز الرُّكْن الآخر. قلت: الْخلف، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر اللَّام وَفِي آخِره فَاء، قَالَ الْجَوْهَرِي: الْخلف الْمَخَاض، وَهِي

стр. 2721

الْحَوَامِل من النوق، الْوَاحِدَة: خلفة. قَوْله: (قَالَ جرير) ، هُوَ جرير بن حَازِم الْمَذْكُور فِي السَّنَد. قَوْله: (فحزرت) ، بِتَقْدِيم الزَّاي على الرَّاء، أَي: قدَّرت سِتَّة أَذْرع، وَقد ورد ذَلِك مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ﷺ كَمَا تقدم فِي الطَّرِيق الثَّانِي، فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَالله أعلم. ٣٤ - (بابُ فَضْلِ الحَرَمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْحرم، أَي: حرم مَكَّة، وَهُوَ مَا أحاطها من جوانبها، جعل الله حكمه فِي الْحُرْمَة تَشْرِيفًا لَهَا، وحدَّه من الْمَدِينَة على ثَلَاثَة أَمْيَال، وَمن الْيمن وَالْعراق على سَبْعَة، وَمن الْجدّة على عشرَة. وَقَالَ الْأَزْرَقِيّ: حد الْحرم من طَرِيق الْمَدِينَة دون التَّنْعِيم عِنْد بيُوت تعار على ثَلَاثَة أَمْيَال من مَكَّة، وَمن طَرِيق الْيمن طرف أضاة على سَبْعَة أَمْيَال من مَكَّة، وَمن طَرِيق الطَّائِف إِلَى بطن بيرة على أحد عشر ميلًا، وَمن طَرِيق الْعرَاق، إِلَى ثنية رَحل عشرَة أَمْيَال، وَمن طَرِيق جعرانة فِي شعب آل عبد الله بن خَالِد بن أسيد على خَمْسَة أَمْيَال، وَمن طَرِيق جدة مُنْقَطع الأعناس، وَمن الطَّائِف سَبْعَة أَمْيَال عِنْد طرف عُرَنَة، وَمن بطن عُرَنَة أحد عشر ميلًا. وَقيل: إِن الْخَلِيل، ﵊، لما وضع الْحجر الْأسود فِي الرُّكْن أَضَاء مِنْهُ نور وَصلى إِلَى أَمَاكِن الْحُدُود، فَجَاءَت الشَّيَاطِين فوقفت عِنْد الْأَعْلَام، فبناها الْخَلِيل، ﵊، حاجزا. رَوَاهُ مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَعنهُ أَن جِبْرِيل، ﵊، أرى إِبْرَاهِيم، ﵊، مَوضِع أنصاب الْحرم، فنصبها ثمَّ جددها إِسْمَاعِيل، ﵊، ثمَّ جددها قصي بن كلاب، ثمَّ جددها سيدنَا رَسُول الله، ﷺ ، فَلَمَّا ولي عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بعث أَرْبَعَة من قُرَيْش فنصبوا أنصاب الْحرم. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (المنتظم) : وَأما حُدُود الْحرم: فَأول من وَضعهَا إِبْرَاهِيم، ﵊، وَكَانَ جِبْرِيل يرِيه، ثمَّ لم يجدد حَتَّى كَانَ قصي فجددها، ثمَّ قلعتها قُرَيْش فِي زمَان نَبينَا ﷺ ، فجَاء جِبْرِيل، ﵊، فَقَالَ: إِنَّهُم سيعيدونها، فَرَأى رجال مِنْهُم فِي الْمَنَام قَائِلا يَقُول: حرم أكْرمكُم الله بِهِ نزعتم أنصابه؟ الْآن تختطفكم الْعَرَب، فأعادوها. فَقَالَ جِبْرِيل ﵊: قد أعادوها. فَقَالَ: قد أَصَابُوا. قَالَ: مَا وضعُوا مِنْهَا نصبا إلَاّ بيد ملك، ثمَّ بعث رَسُول الله، ﷺ ، عَام الْفَتْح تَمِيم بن أَسد فجددها، ثمَّ جددها عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ جددها مُعَاوِيَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ جددها عبد الْملك بن مَرْوَان. فَإِن قلت: مَا السَّبَب فِي بعد بعض الْحُدُود وَقرب بَعْضهَا مِنْهُ؟ قلت: إِن الله ، لما أهبط على آدم، ﵊، بَيْتا من ياقوتة، أَضَاء لَهُ مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب، فنفرت الْجِنّ وَالشَّيَاطِين، وَأَقْبلُوا ينظرُونَ، فَجَاءَت مَلَائِكَة فوقفوا مَكَان الْحرم إِلَى مَوضِع انْتِهَاء نوره، وَكَانَ آدم، ﵊، يطوف بِهِ ويأنس بِهِ. ونفسر الْأَلْفَاظ الَّتِي وَقعت هُنَا، فَنَقُول: تعار، بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَخْفِيف الْعين الْمُهْملَة وَبعد الْألف رَاء: وَهُوَ جبل من جبال أبلى، على وزن: فعلى، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة على طَرِيق الْآخِذ من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة على بطن نخل، وتعار جبل لَا ينْبت شَيْئا، وَقَالَ كثير: (أجيبك مَا دمت بِنَجْد وَشَيْخه ... وَمَا ثبتَتْ إبليٌّ بِهِ وتعار) والتنعيم على لفظ الْمصدر من: نعْمَته تنعيما، وَهُوَ بَين مر وسرف، بَينه وَبَين مَكَّة فرسخان، وَمن التَّنْعِيم يحرم من أَرَادَ الْعمرَة. وَسمي التَّنْعِيم لِأَن الْجَبَل عَن يَمِينه يُقَال لَهُ: نعيم، وَالَّذِي عَن يسَاره يُقَال لَهُ: ناعم، والوادي نعْمَان. وَمر، بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: مُضَاف إِلَى الظهْرَان، بالظاء الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة، بَينه وَبَين الْبَيْت سِتَّة عشر ميلًا، وسرف، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء، وَفِي آخِره فَاء، وَقَالَ الْبكْرِيّ: بِسُكُون الرَّاء، وَهُوَ مَاء على سِتَّة أَمْيَال من مَكَّة، وَهنا أعرس رَسُول الله ﷺ بميمونة مرجعه من مَكَّة حَتَّى قضى نُسكه، وَهُنَاكَ مَاتَت مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، لِأَنَّهَا اعتلت بِمَكَّة. فَقَالَت: أَخْرجُونِي من مَكَّة، وَلِأَن رَسُول الله ﷺ أَخْبرنِي أَنِّي لَا أَمُوت بهَا، فحملوها حَتَّى أَتَوا بهَا سَرفًا إِلَى الشَّجَرَة الَّتِي بنى بهَا رَسُول الله ﷺ تحتهَا مَوضِع الْقبَّة فَمَاتَتْ هُنَاكَ، سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ، وَهُنَاكَ عِنْد قبرها سِقَايَة، وروى الزُّهْرِيّ أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حمى السَّرف والربذة، هَكَذَا أورد فِي الحَدِيث: السَّرف، بِالْألف وَاللَّام، ذكره البُخَارِيّ. والأضاة، بِفَتْح الْهمزَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة، قَالَ الْجَوْهَرِي:

стр. 2722

هُوَ الغدير، وَقَالَ السُّهيْلي: بَينهَا وَبَين مَكَّة عشرَة أَمْيَال. وَقَالَ الْبكْرِيّ: أضاة بني غفار بِالْمَدِينَةِ. قَوْله: (بيرة) . وقَوْلِهِ تعالَى: ﴿إنَّمَا أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هذهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمهَا ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكونَ مِنَ المُسْلِمينَ﴾ (النَّمْل: ١٩) . وَقَوله، بِالْجَرِّ عطفا على مَا قبله الْمَجْرُور بِالْإِضَافَة. وَجه تعلق هَذِه الْآيَة بالترجمة من جِهَة أَنه اختصها من بَين جَمِيع الْبِلَاد بِإِضَافَة إسمه إِلَيْهَا لِأَنَّهَا أحب بِلَاده إِلَيْهِ وَأَكْرمهَا عَلَيْهِ وَأَعْظَمهَا عِنْده، حَيْثُ أَن حرمهَا لَا يسفك فِيهَا دم حرَام، وَلَا يظلم فِيهَا أحد وَلَا يهاج صيدها، وَلَا يخْتَلى خَلاهَا. وَلما بيَّن الله تَعَالَى قبل هَذِه الْآيَة المبدأ والمعاد ومقدمات الْقِيَامَة وَأَحْوَالهَا، وَصفَة أهل الْقِيَامَة من الثَّوَاب وَالْعِقَاب، وَذَلِكَ كَمَال مَا يتَعَلَّق بأصول الدّين، ذكر هَذِه الْآيَة وَختم مَا قبله بِهَذِهِ الخاتمة، فَقَالَ: قل يَا مُحَمَّد: إِنَّمَا أمرت أَن أعبد رب هَذِه الْبَلدة، أَي: أَنِّي أخص رب هَذِه الْبَلدة بِالْعبَادَة، وَلَا اتخذ لَهُ شَرِيكا. والبلدة: مَكَّة، وَقَالَ الزّجاج: قرىء: هَذِه الْبَلدة، الَّتِي، وَهِي قَليلَة، وَتَكون الَّتِي فِي مَوضِع خفض من نعت للبلدة، وَفِي قِرَاءَة: الَّذِي، يكون: الَّذِي، فِي مَوضِع نصب من نعت رب، وَأَشَارَ إِلَيْهَا إِشَارَة تَعْظِيمًا لَهَا وتقريبا دَالا على أَنَّهَا موطن نبيه ومهبط وحيه، وَوصف ذَاته بِالتَّحْرِيمِ الَّذِي هُوَ خَاص، وصفهَا فأجزل بذلك قسمهَا فِي الشّرف والعلو، ووصفها بِأَنَّهَا مُحرمَة لَا ينتهك حرمتهَا إلَاّ ظَالِم مضاد لرَبه، وَله كل شَيْء خلقا وملكا، وَجعل دُخُول كل شَيْء تَحت ربوبيته وملكوته، و: أمرت، الثَّانِي عطف على: أمرت، الأول يَعْنِي: أمرت أَن أكون من الحنفاء الثابتين على مِلَّة الْإِسْلَام. وقولِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿أوَ لَمْ تُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَما آمِنا يَجْبَى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقا مِنْ لَدُنَّا وَلاكِنَّ أكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الْقَصَص: ٧٥) . وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله الْمَاضِي. وَتعلق هَذِه الْآيَة أَيْضا بالترجمة من حَيْثُ: إِن الله تَعَالَى وصف الْحرم بالأمن، ومنَّ على عباده بِأَن مكن لَهُم هَذَا الْحرم، وروى النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير: (أَن الْحَارِث بن عَامر بن نَوْفَل قَالَ للنَّبِي ﷺ : ﴿إِن نتبع الْهدى مَعَك نتخطف من أَرْضنَا﴾ (الْقَصَص: ٧٥) . فَأنْزل الله، ، ردا عَلَيْهِ: ﴿أَو لم نمكن لَهُم حرما آمنا﴾ (الْقَصَص: ٧٥) . الْآيَة، مَعْنَاهُ: جعلهم الله فِي بلد أَمِين وهم مِنْهُ فِي أَمَان فِي حَال كفرهم، فَكيف لَا يكون لَهُم أَمن بعد أَن أَسْلمُوا وتابعوا الْحق. وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) : وَنزلت هَذِه الْآيَة فِي الْحَارِث بن عُثْمَان بن نَوْفَل بن عبد منَاف، وَذَلِكَ أَنه أَتَى النَّبِي، ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّا لنعلم أَن الَّذِي تَقول حق، وَلَكِن يمنعنا من اتباعك أَن الْعَرَب تتخطفنا من أَرْضنَا لإجماعهم على خلافنا وَلَا طَاقَة لنا بهم، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، فَحكى أَولا عَن قَوْلهم بقوله: ﴿وَقَالُوا: إِن نتبع الْهَدْي مَعَك نتخطف من أَرْضنَا﴾ (الْقَصَص: ٧٥) . ثمَّ رد عَلَيْهِم بقوله: ﴿أَو لم نمكن لَهُم. .﴾ (الْقَصَص: ٧٥) . الْآيَة، أَي: أَو لم نسكنهم حرما ونجعله مَكَانا لَهُم؟ وَمعنى: آمنا، ذُو أَمن يَأْمَن النَّاس فِيهِ، وَذَلِكَ أَن الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَت يُغير بَعضهم على بعض، وَأهل مَكَّة آمنون فِي الْحرم من السَّبي وَالْقَتْل والغارة، أَي: فَكيف يخَافُونَ إِذا أَسْلمُوا وهم فِي حرم آمن؟ قَوْله: (يَجِيء) قَرَأَ نَافِع بِالتَّاءِ من فَوق، وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، قَوْله: ﴿إِلَيْهِ﴾ أَي: إِلَى الْحرم، أَي: تجلب وَتحمل من النواحي ﴿ثَمَرَات كل شَيْء رزقا من لدنا﴾ (الْقَصَص: ٧٥) . أَي: من عندنَا، وَلَكِن أَكثر أهل مَكَّة لَا يعلمُونَ أَن الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي فعل بهم فيشكرونه. ٧٨٥١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا جرِيرُ بنُ عَبْدِ الحَمِيدِ عنْ مَنْصُورٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طاوُوسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ يَوْمَ فَتْح مَكَّةَ إنَّ هاذا البَلَدَ حَرَّمَهُ الله لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ ولَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ ولَا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلَاّ مَنْ عَرَّفَهَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِن هَذَا الْبَلَد حرمه الله) ، وَفِيه تَعْظِيم لَهُ، وتعظيمه يدل على فَضله واختصاصه من بَين سَائِر الْبِلَاد، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعلي بن عبد الله هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ الْبَصْرِيّ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه

стр. 2723

البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِزْيَة عَن عَليّ بن عبد الله، وَأخرجه فِي الْحَج أَيْضا عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة، وَفِي الْجِهَاد عَن آدم وَعَن عَليّ بن عبد الله وَعَمْرو بن عَليّ، كِلَاهُمَا عَن يحيى بن سعيد. وَأخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن يحيى بن يحيى، د وَفِيه وَفِي الْحَج عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَفِيهِمَا أَيْضا عَن مُحَمَّد بن رَافع، وَفِي الْجِهَاد أَيْضا عَن أبي بكر وَأبي كريب وَعَن عبد بن حميد، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فيهمَا عَن عُثْمَان بِهِ مقطعا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي السّير عَن أَحْمد بن عَبدة الضَّبِّيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج فِي الْبيعَة عَن إِسْحَاق ابْن مَنْصُور، وَفِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن قدامَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حرمه الله) أَي: جعله حَرَامًا، وَلَفظ البُخَارِيّ فِي: بَاب غَزْوَة الْفَتْح: (أَن رَسُول الله ﷺ قَامَ يَوْم الْفَتْح، فَقَالَ: إِن الله حرم مَكَّة يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض، فَهِيَ حرَام بحراح الله تَعَالَى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. .) الحَدِيث. وَقَالَ الْبَزَّار: وَهَذَا الحَدِيث قد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس من غير وَجه. فَإِن قلت: إِن قَوْله ﷺ : (إِن إِبْرَاهِيم، ﵊، حرم مَكَّة وَأَنا أحرم مَا بَين لابتيها) أَي: لابتي الْمَدِينَة، يُعَارض هَذَا الحَدِيث؟ قلت: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، لِأَن معنى قَوْله: (إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة) ، أعلن بتحريمها وَعرف النَّاس بِأَنَّهَا حرَام بِتَحْرِيم الله، إِيَّاهَا، فَلَمَّا لم يعرف تَحْرِيمهَا إلَاّ فِي زَمَانه على لِسَانه أضيف إِلَيْهِ. وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الله يتوفى الْأَنْفس﴾ (الزمر: ٢٤) . فَإِنَّهُ أضَاف إِلَيْهِ التوفي. وَفِي آيَة أُخْرَى: ﴿قل يتوفاكم ملك الْمَوْت﴾ (السَّجْدَة: ١١) . أضَاف إِلَيْهِ التوفي، وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى: ﴿الَّذين تتوفاهم الْمَلَائِكَة﴾ (النَّحْل: ٨٢) . فأضاف إِلَيْهِم التوفي. وَفِي الْحَقِيقَة المتوفي هُوَ الله ، وأضاف إِلَى غَيره لِأَنَّهُ ظهر على أَيْديهم. قَوْله: (لَا يعضد شَجَرهَا) أَي: لَا يقطع، من عضدتُ الشّجر أعضده عضد، أَمْثَال: ضرب، إِذا قطعته، وَفِي (الْمُحكم) : الشّجر معضود وعضيد. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: معنى: لَا يعضد لَا يفْسد وَيقطع، وَأَصله من عضد الرجل الرجل إِذا أصَاب عضده بِسوء. قَوْله: (وَلَا ينفر صَيْده) أَي: لَا يزعج من مَكَانَهُ. وَهُوَ تَنْبِيه من الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى، فَلَا يضْرب وَلَا يقتل بِالطَّرِيقِ الأولى. قَوْله: (وَلَا يلتقط) على صِيغَة الْمَعْلُوم، ولقطته مَنْصُوب بِهِ. قَوْله: (إلَاّ من عرفهَا) ، أَي: إلَاّ مَنْ عرف أَنَّهَا لقطَة فيلتقطها ليردها إِلَى صَاحبهَا وَلَا يتملكها. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن مَكَّة حرَام فَلَا يجوز لأحد أَن يدخلهَا إلَاّ بِالْإِحْرَامِ، وَهُوَ قَول عَطاء بن أبي رَبَاح وَاللَّيْث بن سعد وَالثَّوْري وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه: وَمَالك فِي رِوَايَة، وَهِي قَوْله الصَّحِيح، وَالشَّافِعِيّ فِي الْمَشْهُور عَنهُ، وَأحمد وَأبي ثَوْر، وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالشَّافِعِيّ فِي قَول، وَمَالك فِي رِوَايَة، وَدَاوُد بن عَليّ وَأَصْحَابه من الظَّاهِرِيَّة: لَا بَأْس بِدُخُول الْحرم بِغَيْر إِحْرَام، وَإِلَيْهِ ذهب البُخَارِيّ أَيْضا، قَالَه عِيَاض، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر: (أَن النَّبِي، ﷺ ، دخل يَوْم فتح مَكَّة وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء) ، وَبِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث أنس: (أَن النَّبِي، ﷺ ، دخل مَكَّة وعَلى رَأسه مغفر. .) الحَدِيث. وَأجِيب: عَن هَذَا: بِأَن دُخُوله، ﷺ ، مَكَّة كَانَ وَهِي حَلَال ساعتئذ، فَكَذَلِك دَخلهَا وَهُوَ غير محرم، وَأَنه كَانَ خَاصّا للنَّبِي، ﷺ ، ثمَّ عَادَتْ حَرَامًا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَلَا يجوز دُخُولهَا لأحد بِغَيْر إِحْرَام. وَفِيه: أَنه لَا يجوز قطع شَوْكَة وَلَا قطع شَجَرَة، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع الْعلمَاء على تَحْرِيم قطع شجر الْحرم، وَقَالَ الإِمَام: اخْتلف النَّاس فِي قطع شجر الْحرم: هَل فِيهِ جَزَاء أم لَا؟ فَعِنْدَ مَالك: لَا جَزَاء فِيهِ، وَعند أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: فِيهِ الْجَزَاء، وجزاؤه عِنْد الشَّافِعِي فِي الدوحة بقرة وَمَا دونهَا شَاة، وَعند أبي حنيفَة: يُؤْخَذ مِنْهُ قيمَة ذَلِك، يشترى بِهِ هدي، فَإِن لم تبلغ ثمنه ذَلِك تصدق بِهِ بِنصْف صَاع لكل مِسْكين، وَقَالَ الشَّافِعِي: فِي الْخشب وَمَا أشبه قِيمَته بَالِغَة مَا بلغت، وَالْمحرم والحلال فِي ذَلِك سَوَاء، وَأجْمع كل من يحفظ عَنهُ الْعلم على إِبَاحَة أَخذ كل مَا ينبته النَّاس فِي الْحرم من الْبُقُول والزروع والرياحين وَغَيرهَا، وَاخْتلفُوا فِي أَخذ السِّوَاك من شجر الْحرم، فَعَن مُجَاهِد وَعَطَاء وَعَمْرو بن دِينَار أَنهم رخصوا فِي ذَاك، وَحكى أَبُو ثَوْر ذَلِك عَن الشَّافِعِي، وَكَانَ عَطاء يرخص فِي أَخذ ورق السنا يستمشي بِهِ وَلَا ينْزع من أَصله، ورخصوا فِيهِ عَمْرو بن دِينَار، وَفِيه أَنه لَا يجوز رفع لقطتهَا إلَاّ المنشد، قَالَ القَاضِي عِيَاض: حكم اللّقطَة فِي سَائِر الْبِلَاد وَاحِد، وَعند الشَّافِعِي: أَن لقطَة مَكَّة بِخِلَاف غَيرهَا من الْبِلَاد، وَأَنَّهَا لَا تحل إلَاّ لمن يعرفهَا، وَمذهب الْحَنَفِيَّة كمذهب مَالك لعُمُوم قَوْله ﷺ : (إعرف عفاصها ووكاءها ثمَّ عرفهَا سنة) ، من غير فصل.

стр. 2724

٤٤ - (بابُ تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ وبَيْعِهَا وشِرَائِهَا وَأنَّ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ الحَرَامِ سَوَاءٌ خاصَّةٌ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم تَوْرِيث دور مَكَّة وَبَيْعهَا وشرائها، وَإِنَّمَا لم يبين الحكم بِالْجَوَازِ أَو بِعَدَمِهِ لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ. وَقَالَ بَعضهم: أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى تَضْعِيف حَدِيث عَلْقَمَة بن نَضْلَة، قَالَ: توفّي رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَمَا ترعى رباع مَكَّة إلَاّ السوائب، من احْتَاجَ سكن، رَوَاهُ ابْن مَاجَه، قلت: لَيْت شعري مَا وَجه هَذِه الْإِشَارَة؟ وَالْإِشَارَة لَا تكون إلَاّ للحاضر. وروى هَذَا الحَدِيث الطَّحَاوِيّ من طَرِيقين بِرِجَال ثِقَات، وَلكنه مُنْقَطع، لِأَن عَلْقَمَة بن نَضْلَة لَيْسَ بصحابي، وَلَفظ الطَّحَاوِيّ فِي أحد الطَّرِيقَيْنِ، عَن عَلْقَمَة بن نَضْلَة، قَالَ: كَانَت الدّور على عهد النَّبِي ﷺ وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: مَا تبَاع وَلَا تكرى وَلَا ترعى إلَاّ السوائب، من احْتَاجَ سكن، وَمن اسْتغنى أسكن. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَلَفظه عَن عَلْقَمَة بن نَضْلَة الْكِنَانِي، قَالَ: كَانَت بيُوت مَكَّة ترعى السوائب، لم يبع رباعها فِي زمن رَسُول الله ﷺ ، وَلَا أبي بكر وَلَا عمر، من احْتَاجَ سكن، وَمن اسْتغنى أسكن. قَوْله: السوائب، جمع سائبة، وَأَصلهَا من تسييب الدَّوَابّ، وَهُوَ: إرسالها تذْهب وتجيء كَيفَ شَاءَت، وَأَرَادَ بهَا: أَنَّهَا كَانَت سائبة لكل أحد من شَاءَ كَانَ يسكنهَا فَإِذا فرغ مِنْهَا أسكن غَيره فَلَا بيع وَلَا إجَازَة، والرباع جمع رَبع، وَهُوَ الْمنزل، قَالَ الْجَوْهَرِي: الرّبع الدَّار بِعَينهَا حَيْثُ كَانَت، وَجَمعهَا: رباع وَأَرْبع وربوع وأرباع وَالرّبع: الْمحلة، أَيْضا وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث مُجَاهِد عَن عبد الله بن عَمْرو، أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: لَا يحل بيع بيُوت مَكَّة وَلَا إِجَارَتهَا. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَذهب قوم إِلَى هَذِه الْآثَار فَقَالُوا: لَا يجوز بيع أَرض مَكَّة وَلَا إِجَارَتهَا، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْل: أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد وَالثَّوْري. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ، عَطاء بن أبي رَبَاح ومجاهدا ومالكا وَإِسْحَاق وَأَبا عبيد، ثمَّ قَالَ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَقَالُوا: لَا بَأْس بِبيع أرْضهَا وإجارتها، وجعلوها فِي ذَلِك كَسَائِر الْبلدَانِ، وَمِمَّنْ ذهب إِلَى هَذَا القَوْل أَبُو يُوسُف. قلت: أَرَادَ بالآخرين طاووسا وَعَمْرو بن دِينَار وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَابْن الْمُنْذر مَعَهم، وَاحْتج هَؤُلَاءِ بِحَدِيث الْبَاب، على مَا يَأْتِي. قَوْله: (فَإِن النَّاس) ، عطف على قَوْله: (فِي دور مَكَّة) ، وَالتَّقْدِير: وَفِي بَيَان أَن النَّاس فِي مَسْجِد الْحرم سَوَاء أَي: متساوون. قَالَ الْكرْمَانِي: أَي فِي نفس الْمَسْجِد، لَا فِي سَائِر الْمَوَاضِع من مَكَّة. قلت: هَذَا ميل مِنْهُ إِلَى تَرْجِيح مذْهبه، وَالْمرَاد من الْمَسْجِد الْحَرَام: الْحرم كُله، ورد ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَعَطَاء وَمُجاهد. أخرجه ابْن أبي حَاتِم وَغَيرهم عَنْهُم، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عمر: أَن الْحرم كُله مَسْجِد ويروى فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، بِالْألف وَاللَّام فِي الْمَسْجِد قَوْله: (خَاصَّة) قيد لِلْمَسْجِدِ الْحَرَام، وَقد قُلْنَا إِن الْمَسْجِد الْحَرَام كُله حرم. لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عنْ سَبِيلِ الله والمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءٌ الْعَاكِفُ فِيِهِ والْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بإلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ﴾ (الْحَج: ٥٢) . هَذَا تَعْلِيل لقَوْله: (وَإِن النَّاس فِي الْمَسْجِد الْحَرَام سَوَاء) . قَوْله: ﴿إِن الَّذين كفرُوا﴾ يَعْنِي: أهل مَكَّة. قَوْله: ﴿ويصدون عَن سَبِيل الله﴾ أَي: ويصرفون النَّاس عَن دين الْإِسْلَام. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الصدود مِنْهُم مُسْتَمر دَائِم للنَّاس، أَي للَّذين يَقع عَلَيْهِم اسْم النَّاس من غير فرق بَين حَاضر وباد وناى وظارىء مكي وآفقي وَقد اسْتشْهد بِهِ أَصْحَاب أبي حنيفَة قائلين بِأَن المُرَاد من الْمَسْجِد الْحَرَام مَكَّة على امْتنَاع بيع دور مَكَّة وإجارتها. وَقَالَ أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي فِي (تَفْسِيره) وَهَذِه الْآيَة مَدَنِيَّة، وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ لما خرج من الْمَدِينَة مَنعهم الْمُشْركُونَ عَن الْمَسْجِد الْحَرَام، ثمَّ وصف الْمَسْجِد الْحَرَام فَقَالَ: ﴿اللَّذين جَعَلْنَاهُ للنَّاس سَوَاء﴾ للْمُؤْمِنين جَمِيعًا، ثمَّ قَالَ: ﴿العاكف فِيهِ والبادي﴾ يَعْنِي: سَوَاء الْمُقِيم فِي الْحرم، وَمن دخل مَكَّة من غير أَهلهَا، وَيُقَال: الْمُقِيم والغريب سَوَاء. وَقَرَأَ عَاصِم فِي رِوَايَة حَفْص: ﴿سَوَاء﴾ بِالنّصب يَعْنِي: جَعَلْنَاهُ سَوَاء، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ سواءُ، على معنى الِابْتِدَاء، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَجه النصب أَنه ثَانِي مفعولي: جَعَلْنَاهُ، أَي: جَعَلْنَاهُ مستويا العاكف فِيهِ والبادي، وَفِي الْقِرَاءَة بِالرَّفْع الْجُمْلَة مفعول ثَان. قَوْله: ﴿وَمن يرد فِيهِ بإلحاد﴾ الْبَاء فِيهِ صلَة، وَأَصله: وَمن يرد فِيهِ إلحادا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تنْبت بالدهن﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٠٢) . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ومفعول: يرد، مَتْرُوك ليتناول كل متناول كَأَنَّهُ قَالَ: وَمن يرد فِيهِ مرَادا مَا عادلاً عَن الْقَصْد ظَالِما، وقرىء: يرد، بِفَتْح الْيَاء من الْوُرُود، وَمَعْنَاهُ: من أَتَى فِيهِ بإلحاد ظَالِما

стр. 2725

الْإِلْحَاد الْعُدُول عَن الْقَصْد، وَقيل: الْإِلْحَاد فِي الْحرم منع النَّاس عَن عِمَارَته، وَعَن سعيد بن جُبَير: الاحتكار، وَقيل: الظُّلم، وَقَالَ مقَاتل: نزلت الْآيَة فِي عبد الله بن أنيس بن خطل الْقرشِي، وَذَاكَ أَن النَّبِي ﷺ بعث رجلَيْنِ أَحدهمَا مُهَاجِرِي وَالْآخر أَنْصَارِي، فافتخرا فِي الْأَنْسَاب. فنضب عبد الله بن أنيس فَقتل الْأنْصَارِيّ، ثمَّ ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام، وهرب إِلَى مَكَّة، فَأمر النَّبِي ﷺ يَوْم فتح مَكَّة بقتْله فَقتل. قَوْله: ﴿بإلحاد بظُلْم﴾ حالان مُتَرَادِفَانِ، وَعَن الْحسن: وَمن يرد إلحاده بظُلْم، أَرَادَ إلحادا فِيهِ، فأضافه على الاتساع فِي الظّرْف، كمكر اللَّيْل وَمَعْنَاهُ: من يرد أَن يلحذ فِيهِ ظَالِما، وَخبر: أَن، مَحْذُوف لدلَالَة جَوَاب الشَّرْط عَلَيْهِ، تَقْدِيره: أَن الَّذين كفرُوا ويصدون عَن سَبِيل الله وَالْمَسْجِد الْحَرَام يذيقهم من عَذَاب أَلِيم وكل من ارْتكب فِيهِ ذَنبا فَهُوَ كَذَلِك. البادِ الطَّارى مَعْكُوفا مَحْبُوسا هَذَا تَفْسِير من البُخَارِيّ بِالْمَعْنَى، وَمعنى الطاري الْمُسَافِر، كَمَا أَن معنى العاكف الْمُقِيم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: معكوفا، إِشَارَة إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْهَدْي معكوفا أَن يبلغ مَحَله﴾ (الْحَج: ٥٢) . قلت: لَيست هَذِه الْكَلِمَة فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة، فَلَا مُنَاسبَة لذكرها هُنَا، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: إِنَّمَا ذكر المعكوف لكَون العاكف مَذْكُورا هَهُنَا، وَفِيه مَا فِيهِ. ٨٨٥١ - حدَّثنا أصْبَغُ قَالَ أخْبَرَنِي ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عَنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ حُسَيْن عنْ عَمْرِو بنِ عُثْمَانَ عنْ أسامَةَ بنِ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ قَالَ يَا رسولَ الله أيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ فقالَ وهَلْ ترَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أوْ دُورٍ وكانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أبَا طَالِبٍ هُوَ وطَالِبٌ ولَمْ يَرثْهُ جَعْفَرٌ ولَا عَلِيٌّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا شَيْئا لأِنَّهُمَا كانَا مُسْلِمَيْنِ وكانَ عَقِيلٌ مطَالب كافِرَيْنِ فَكانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ لَا يَرِثُ الْمُؤمِنُ الْكَافِرَ. قَالَ ابنُ شِهَابٍ وكانُوا يتأوَّلُونَ قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجَاهَدُوا بِأمْوَالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله والَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أولائكَ بَعْضُهُمْ أوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (الْأَنْفَال: ٢٧) . الْآيَة.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَهل ترك عقيل من رباع أَو دور وَكَانَ عقيل ورث أَبَا طَالب) إِلَى قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب) ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر رِجَاله: وهم: سَبْعَة: الأول: أصبغ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره غين مُعْجمَة: ابْن الْفرج أَبُو عبد الله. الثَّانِي: عبد الله بن وهب. الثَّالِث: يُونُس بن يزِيد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، الْخَامِس: عَليّ بن الْحُسَيْن الْمَشْهُور بزين العابدين. السَّادِس: عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان أَمِير الْمُؤمنِينَ. السَّابِع: أُسَامَة ابْن زيد بن حَارِثَة حب رَسُول الله ﷺ ومولاه. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه وَابْن وهب مصريان وَأَن يُونُس أيلي والبقية مدنيون. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق، وَفِي الْمَغَازِي عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن أبي الطَّاهِر وحرملة بن يحيى، كِلَاهُمَا عَن ابْن وهب بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن مهْرَان وَابْن أبي عمر وَعبد بن حميد وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق وَفِي الْفَرَائِض عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَيْن تنزل فِي دَارك؟) قَالَ بَعضهم: حذفت أَدَاة الِاسْتِفْهَام

стр. 2726

من قَوْله: فِي دَارك. قلت: هَذَا كَلَام من لَا يفهم الْعَرَبيَّة وَلَا استنباط الْمعَانِي من الْأَلْفَاظ، وَقَوله: أَيْن، كلمة اسْتِفْهَام، فَلم يبْق وَجه لتقدير حرف الِاسْتِفْهَام، فَمَا وَجه قَوْله: حذفت أَدَاة الِاسْتِفْهَام من قَوْله: فِي دَارك؟ والاستفهام عَن النُّزُول فِي الدَّار لَا عَن نفس الدَّار؟ فَافْهَم. وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ ستأتي فِي الْمَغَازِي: أَيْن تنزل غَدا. قَوْله: (وَهل ترك عقيل؟) وَفِي رِوَايَة مُسلم وَغَيره، (وَهل ترك لنا؟) قَوْله: (من رباع؟) ، جمع ربع، وقذ ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (أَو دور؟) للتَّأْكِيد إِذا فسر الرّبع بِالدَّار أَو وَهُوَ شكّ من الرَّاوِي، قَوْله: (وَكَانَ عقيل) ، إدراج من بعض الروَاة، وَلَعَلَّه من أُسَامَة، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي: وَعقيل بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة. قَوْله: (هُوَ) أَي: عقيل. قَوْله: (وطالب) أَي: ورث طَالب مَعَ عقيل أباهما أَبَا طَالب، وَاسم أبي طَالب: عبد منَاف، وكنى بِابْنِهِ طَالب، قَوْله: (وَلم يَرِثهُ جَعْفَر) ، وَهُوَ الْمَشْهُور بالطيار ذِي الجناحين، وطالب أسن من عقيل، وَهُوَ من جَعْفَر وَهُوَ من عَليّ، والتفاوت بَين كل وَاحِد وَالْآخر عشر سِنِين، وَهُوَ من النَّوَادِر. قَوْله: (كَافِرين) نصب على أَنه خبر: كَانَ، أَي: وَكَانَ كِلَاهُمَا كَافِرين عِنْد وَفَاة أَبِيهِمَا، وَلِأَن عقيلاً أسلم بعد ذَلِك عِنْد الْحُدَيْبِيَة قيل: لما كَانَ أَبُو طَالب أكبر ولد عبد الْمطلب احتوى على أملاكه وحازها وَحده على عَادَة الْجَاهِلِيَّة من تَقْدِيم الأسن، فتسلط عقيل أَيْضا بعد هِجْرَة رَسُول الله، ﷺ ، وَقَالَ الدَّاودِيّ: بَاعَ عقيل مَا كَانَ للنَّبِي، ﷺ ، وَلمن هَاجر من بني عبد الْمطلب، كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ بدور من هَاجر من الْمُؤمنِينَ، وَإِنَّمَا أمضى رَسُول الله ﷺ تَصَرُّفَات عقيل كرما وجودا، وَإِمَّا استمالة لعقيل، وَإِمَّا تَصْحِيحا بتصرفات الْجَاهِلِيَّة، كَمَا أَنه يصحح أنكحة الْكفَّار، وَقَالُوا: فقد طَالب ببدر فَبَاعَ عقيل الدَّار كلهَا، وَقيل: وَلم تزل الدَّار بيد أَوْلَاد عقيل إِلَى أَن باعوها لمُحَمد بن يُوسُف أخي الْحجَّاج بن يُوسُف بِمِائَة ألف دِينَار، وَكَانَ عَليّ ابْن الْحُسَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يَقُول: من أجل ذَلِك بتركنا نصيبنا من الشّعب، أَي: حِصَّة جدهم عَليّ من أَبِيه أبي طَالب. قَوْله: (فَكَانَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: لَا يَرث الْمُؤمن الْكَافِر) هَذَا مَوْقُوف على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد ثَبت مَرْفُوعا بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَهُوَ عِنْد البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي من طَرِيق مُحَمَّد بن أبي حَفْصَة وَمعمر عَن الزُّهْرِيّ، وَأخرجه مُفردا فِي الْفَرَائِض من طَرِيق ابْن جريج عَنهُ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَمن أجل ذَلِك كَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول ... قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب) هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، هُوَ الْمَذْكُور فِي إِسْنَاد الحَدِيث. قَوْله: (وَكَانُوا يتأولون) أَي: السّلف كَانُوا يفسرون الْولَايَة فِي هَذِه الْآيَة بِولَايَة الْمِيرَاث. قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين آمنُوا﴾ (الْأَنْفَال: ٢٧) . أَي: صدقُوا بتوحيد الله تَعَالَى، وَبِمُحَمَّدٍ، ﷺ ، وَالْقُرْآن ﴿وَهَاجرُوا﴾ من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة ﴿وَجَاهدُوا﴾ الْعَدو ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله﴾ أَي: فِي طَاعَة الله، وَفِيمَا فِيهِ رضى الله تَعَالَى، ثمَّ ذكر الْأَنْصَار فَقَالَ: ﴿وَالَّذين آووا﴾ يَعْنِي أووا الْمُهَاجِرين: يَعْنِي: أنزلوهم وأسكنوهم فِي دِيَارهمْ ﴿ونصروا﴾ رَسُول الله، ﷺ ، بِالسَّيْفِ ﴿أُولَئِكَ بَعضهم أَوْلِيَاء بعض﴾ يَعْنِي فِي الْمِيرَاث وَفِي الْولَايَة. قَوْله: (الْآيَة) ، يَعْنِي الْآيَة بِتَمَامِهَا، أَو: إقرأ الْآيَة، وتمامها: ﴿وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مَا لكم من ولايتهم من شَيْء حَتَّى يهاجروا وَإِن استنصروكم فِي الدّين فَعَلَيْكُم النَّصْر إلَاّ على قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق، وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ (الْأَنْفَال: ٢٧) . قَوْله: ﴿وَلم يهاجروا﴾ يَعْنِي: إِلَى الْمَدِينَة ﴿مَا لكم من ولايتهم من شَيْء﴾ فِي الْمِيرَاث ﴿حَتَّى يهاجروا﴾ إِلَى الْمَدِينَة، وَقَالُوا: يَا رَسُول الله! هَل نعينهم إِذا استعانوا بِنَا؟ يَعْنِي: الَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا؟ فَنزل: ﴿وَإِن استنصروكم فِي الدّين﴾ يَعْنِي: إِن اسْتَغَاثُوا بكم على الْمُشْركين فانصروهم ﴿فَعَلَيْكُم النَّصْر﴾ على من قَاتلهم ﴿إِلَّا على قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق﴾ أَي: عهد يَعْنِي إلَاّ أَن يقاتلوا قوما بَيْنكُم وَبينهمْ عهد وميثاق فَلَا تنصروهم عَلَيْهِم وَأَصْلحُوا بَينهم ﴿وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ فِي العون والنصرة، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة، قَالَ: كَانَ الْمُسلمُونَ يتوارثون بِالْهِجْرَةِ وبالمؤاخاة الَّتِي وآخى بَينهم النَّبِي ﷺ ، وَكَانُوا يتوارثون بِالْإِسْلَامِ وبالهجرة، وَكَانَ الرجل يسلم وَلَا يُهَاجر فَلَا يَرث أَخَاهُ، فنسخ ذَلِك بقوله تَعَالَى: ﴿وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض﴾ (الْأَنْفَال: ٥٧) [/ ح. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْخطابِيّ: احْتج بِهَذَا الحَدِيث الشَّافِعِي على جَوَاز بيع دور مَكَّة بِأَنَّهُ ﷺ أجَاز بيع عقيل الدّور الَّتِي ورثهَا، وَكَانَ عقيل وطالب ورثا أباهما لِأَنَّهُمَا إِذْ ذَاك كَانَا كَافِرين فورثا، ثمَّ أسلم عقيل وباعها. قَالَ الْخطابِيّ: وَعِنْدِي أَن تِلْكَ الدّور، وَإِن كَانَت قَائِمَة على ملك عقيل، لم ينزلها رَسُول الله، ﷺ ، لِأَنَّهَا دور هجروها لله تَعَالَى. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظَاهر هَذِه الْإِضَافَة أَنَّهَا كَانَت ملكه، يدل عَلَيْهِ قَوْله: (وَهل ترك لنا عقيل من رباع) فأضافها إِلَى نَفسه، وظاهرها الْملك، فَيحْتَمل أَن عقيلاً أَخذهَا وَتصرف فِيهَا كَمَا فعل أَبُو سُفْيَان بدور الْمُهَاجِرين. فَإِن قلت: يُعَارض هَذَا الحَدِيث حديثُ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن

стр. 2727

النَّبِي ﷺ (قَالَ: لَا يحل بيع بيُوت مَكَّة وَلَا إِجَارَتهَا) ، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (مَكَّة مناخ لَا تبَاع رباعها وَلَا يُؤَاجر بيوتها) . قلت: الأَصْل فِي بَاب الْمُعَارضَة التَّسَاوِي، وَحَدِيث عبد الله بن عَمْرو لَا يُقَاوم حَدِيث أُسَامَة، لِأَن فِي سَنَد حَدِيث عبد الله بن عمر وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن المُهَاجر، ضعفه يحيى وَالنَّسَائِيّ، وَعَن يحيى مرّة: لَا شَيْء، فَحِينَئِذٍ يسْقط حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، وَلَئِن سلمنَا الْمُسَاوَاة فَلَا يَكْتَفِي بهَا، بل يكْشف وَجه ذَلِك من طَرِيق النّظر، فَوَجَدنَا أَن مَا يقْضِي بِهِ حَدِيث أُسَامَة أولى وأصوب من حَدِيث عبد الله، بَيَان ذَلِك أَن الْمَسْجِد الْحَرَام وَغَيره من الْمَسَاجِد وَجَمِيع الْمَوَاضِع الَّتِي لَا تدخل فِي ملك أحد لَا يجوز لأحد أَن يَبْنِي فِيهَا بِنَاء، أَو يحتجر موضعا مِنْهَا، ألَا ترى أَن مَوضِع الْوُقُوف بِعَرَفَة لَا يجوز لأحد أَن يَبْنِي فِيهَا بِنَاء، وَكَذَلِكَ منى لَا يجوز لأحد أَن يَبْنِي فِيهَا دَارا لحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَت: (قلت: يَا رَسُول الله أَلا تتَّخذ لَك بمنى بَيْتا تستظل فِيهِ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَة! إِنَّهَا مناخ لمن سبق) أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَأحمد والطَّحَاوِي، وَوجدنَا مَكَّة على خلاف ذَلِك، لِأَنَّهُ قد أُجِيز فِيهَا الْبناء، وَقد قَالَ رَسُول الله، ﷺ ، يَوْم دخل مَكَّة: (من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن) ، فَهَذَا يذل على أَن مَكَّة مِمَّا يبْنى فِيهَا الدّور، وَمِمَّا يغلق عَلَيْهَا الْأَبْوَاب، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون صفتهَا صفة الْمَوَاضِع الَّتِي تجْرِي عَلَيْهَا الْأَمْلَاك، وَتَقَع فِيهَا الْمَوَارِيث، فَحِينَئِذٍ يجوز بيع الدّور الَّتِي فِيهَا، وَيجوز إِجَارَتهَا، وَقَالَ ابْن قادمة: أضَاف النَّبِي ﷺ الدَّار إِلَى أبي سُفْيَان إِضَافَة ملك، يَقُول: من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن، وَلِأَن أَصْحَاب النَّبِي ﷺ كَانَت لَهُم دور بِمَكَّة: دَار لأبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وللزبير وَحَكِيم بن حزَام وَغَيرهم مِمَّا يكثر تعدادهم، فبعضٌ بيعَ وبعضٌ فِي يَد أَعْقَابهم إِلَى الْيَوْم، وَأَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، اشْترى من صَفْوَان بن أُميَّة دَارا بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم، وَاشْترى مُعَاوِيَة من حَكِيم بن حزَام دارين بِمَكَّة: إِحْدَاهمَا بستين ألف دِرْهَم، وَالْأُخْرَى بِأَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم، وَهَذِه قصَص اشتهرت فَلم تنكر، فَصَارَت إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّهَا أَرض حَيَّة لم ترد عَلَيْهَا صَدَقَة مُحرمَة، فَجَاز بيعهَا كَسَائِر الْأَرَاضِي، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: فَإِن احْتج مُحْتَج فِي ذَلِك بقوله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين كفرُوا ويصدون عَن سَبِيل الله وَالْمَسْجِد الْحَرَام الَّذِي جَعَلْنَاهُ للنَّاس سَوَاء العاكف فِيهِ والبادي﴾ (الْحَج: ٥٢) . قيل لَهُ: قد رُوِيَ فِي تَأْوِيل هَذَا عَن الْمُتَقَدِّمين مَا حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مَرْزُوق قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَاصِم عَن عبد الله بن مُسلم عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: ﴿سَوَاء العاكف فِيهِ والبادي﴾ قَالَ: خلق الله فِيهِ سَوَاء، فَثَبت بذلك أَنه إِنَّمَا قصد بذلك إِلَى الْبَيْت أَو إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام لَا إِلَى سَائِر مَكَّة، فَإِذا كَانَ كَذَلِك لَا يتساوى النَّاس فِي غير الْمَسْجِد الْحَرَام، لِأَن بَعضهم يكونُونَ ملاكا وَبَعْضهمْ يكونُونَ سكانا، فالمالك يجوز لَهُ بيع ملكه وإجارته وَنَحْوهمَا، ويخدش هَذَا مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا، قَالَ: كَانُوا يرَوْنَ الْحرم كُله مَسْجِدا سَوَاء العاكف فِيهِ والبادي، وروى الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يَا أهل مَكَّة لَا تَتَّخِذُوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حَيْثُ شَاءَ، وروى عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن عمر نهى أهل مَكَّة أَن يغلقوا أَبْوَاب دُورهمْ دون الْحَاج، وروى ابْن أبي نجيح عَن عبيد الله بن عمر، قَالَ: من أكل كِرَاء بيُوت أهل مَكَّة، فَإِنَّمَا يَأْكُل نَارا فِي بَطْنه. وَفِيه من الْفَوَائِد: أَن فِيهِ: دَلِيلا على بَقَاء دور مَكَّة لأربابها، وَفِيه: دَلِيل على أَن الْمُسلم لَا يَرث الْكَافِر، وفقهاء الْأَمْصَار على ذَلِك إلَاّ مَا حُكيَ عَن مُعَاوِيَة ومعاذ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَإِسْحَاق: أَن الْمُسلم يَرث الْكَافِر، وَأَجْمعُوا على أَن الْكَافِر لَا يَرث الْمُسلم. ٥٤ - (بابُ نُزُولِ النبيِّ ﷺ مَكَّةَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نزُول النَّبِي ﷺ فِي مَكَّة، وَمرَاده بَيَان مَوضِع نُزُوله ﷺ . ٩٨٥١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني أبُو سَلَمَةَ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ حِينَ أرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ مَنْزِلُنَا غَدا إنْ شَاءَ الله تَعَالَى بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (منزلنا غَدا) إِلَى آخِره. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْهِجْرَة عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله، وَفِي الْمَغَازِي عَن مُوسَى

стр. 2728

بن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. قَوْله: (حِين أَرَادَ قدوم مَكَّة) ، يَعْنِي: حِين رُجُوعه من منى وتوجهه إِلَى الْبَيْت. قَوْله: (منزلنا) مَرْفُوع على الِابْتِدَاء. (وَغدا) نصب على الظّرْف. و (إِن شَاءَ الله) كَلَام معترض بَين الْمُبْتَدَأ وَخَبره، ذكره للتبرك والامتثال لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا. .﴾ (الْكَهْف: ٣٢) . الْآيَة. قَوْله: (بخيف بني كنَانَة) أَي: فِي خيف، وَهُوَ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره فَاء، وَهُوَ مَا انحدر من الْجَبَل وارتفع عَن المسيل، و: كنَانَة، بِكَسْر الْكَاف وَتَخْفِيف النُّون الأولى. قَوْله: (حَيْثُ تقاسموا) أَي: تحالفوا على الْكفْر. قَالَ النَّوَوِيّ: معنى تقاسمهم على الْكفْر تحالفهم على إِخْرَاج النَّبِي، ﷺ ، وَبني هَاشم وَالْمطلب من مَكَّة إِلَى هَذَا الشّعب، وَهُوَ خيف بني كنَانَة، وَكَتَبُوا بَينهم الصَّحِيفَة الْمَشْهُورَة فِيهَا أَنْوَاع من الْبَاطِل، فَأرْسل الله عَلَيْهَا الأرضة فَأكلت مَا فِيهَا من الْكفْر وَتركت مَا فِيهَا من ذكر الله تَعَالَى، فَأخْبر جِبْرِيل النَّبِي، ﷺ ، بذلك فَأخْبر بِهِ عَمه أَبَا طَالب، فَأخْبرهُم عَن النَّبِي، ﷺ ، بذلك فوجدوه كَمَا قَالَه، والقصة مَشْهُورَة، نوضحها بِأَكْثَرَ من ذَلِك عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٠٩٥١ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ قَالَ حدَّثنا الوَلِيدُ قَالَ حَدثنَا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني الزُّهرِيُّ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ مِنَ الْغَدِ يَوْمَ النَّحْرِ وهْوَ بِمِنًى نَحْنُ نازُلُونَ غَدا بِخَيْفِ بَني كِنَانَةَ حَيْثَ تَقاسَمُوا عَلى الكُفْرِ يَعْني ذالِكَ المُحَصَّبَ وذالِكَ أنَّ قُرَيْشا وكِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبُ أوْ بَنِي المُطَّلِّبِ أنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمِوا إلَيْهِمُ النبيَّ ﷺ .. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَوَاهُ عَن عبد الله بن الزبير الْحميدِي الْمَكِّيّ عَن الْوَلِيد بن مُسلم الْقرشِي الْأمَوِي الدِّمَشْقِي عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (من الْغَد) أَصله: من الغدو، فحذفوا اللَّام وَهُوَ أول النَّهَار، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الغدوة، بِضَم الْغَيْن: مَا بَين الصُّبْح وطلوع الشَّمْس. قَوْله: (يَوْم النَّحْر) ، نصب على الظّرْف، أَي: قَالَ: فِي غَدَاة يَوْم النَّحْر. قَوْله: (وَهُوَ بمنى) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (نَحن نازلون) ، مقول قَوْله: قَالَ النَّبِي، ﷺ . قَوْله: (يَعْنِي ذَلِك المحصب) ، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره: (يَعْنِي بذلك المحصب) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: النُّزُول فِي المحصب هُوَ فِي الْيَوْم الثَّالِث عشر من ذِي الْحجَّة لَا فِي الْيَوْم الثَّانِي من الْعِيد الَّذِي هُوَ الْغَد حَقِيقَة؟ قلت: تجوز عَن الزَّمَان الْمُسْتَقْبل الْقَرِيب بِلَفْظ الْغَد، كَمَا يتجوز بالْأَمْس عَن الْمَاضِي. قَوْله: (وَذَلِكَ أَن قُريْشًا وكنانة) ، عطف على قُرَيْش مَعَ أَن قُريْشًا هم أَوْلَاد النَّضر بن كنَانَة، فَيكون من بَاب التَّعْمِيم بعد التَّخْصِيص، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بكنانة غير قُرَيْش، فقريش قسيم لَهُ لَا قسم مِنْهُ قيل: لم يعقب النَّضر غير مَالك، وَلَا مَالك غير فهر، فقريش ولد النَّضر بن كنَانَة، وَأما كنَانَة فأعقب من غير النَّضر، فَلهَذَا وَقعت الْمُغَايرَة. قَوْله: (أَو بني الْمطلب) كَذَا وَقع عِنْده بِالشَّكِّ، وَوَقع عِنْد الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أُخْرَى عَن الْوَلِيد. (وَبني الْمطلب) بِغَيْر شكّ. وَقَالَ الدَّاودِيّ قَوْله: (بني عبد الْمطلب) . وهم قَوْله: (تحالفت) كَانَ الْقيَاس فِيهِ: تحالفوا، وَلَكِن أفرده بِصِيغَة الْمُفْرد الْمُؤَنَّث بِاعْتِبَار الْجَمَاعَة. قَوْله: (أَن لَا يناكحوهم) ، يَعْنِي: لَا يَقع بَينهم عقد نِكَاح بِأَن لَا يتَزَوَّج قُرَيْش وكنانة امْرَأَة من بني هَاشم وَبني عبد الْمطلب، وَلَا يزوجوا امْرَأَة مِنْهُم إيَّاهُم، وَكَذَلِكَ الْمَعْنى فِي قَوْله: (وَلَا يبايعوهم) ، بِأَن لَا يبيعوا لَهُم وَلَا يشتروا مِنْهُم، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن مُصعب عَن الْأَوْزَاعِيّ عِنْد أَحْمد: (أَن لَا يناكحوهم وَلَا يخالطوهم) . وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (وَلَا يكون بَينهم وَبينهمْ شَيْء) ، وَهَذَا أَعم. قَوْله: (حَتَّى يسلمُوا) ، بِضَم الْيَاء. وَكَانَت هَذِه الْقِصَّة فِيمَا ذكر فِي (الطَّبَقَات) : لما بلغ قُريْشًا فعل النَّجَاشِيّ بِجَعْفَر وَأَصْحَابه، وإكرامه لَهُم، كبر ذَلِك عَلَيْهِم جدا وغضبوا وَأَجْمعُوا على قتل سيدنَا رَسُول الله ﷺ ، وَكَتَبُوا كتابا على بني هَاشم أَن لَا يناكحوهم وَلَا يبايعوهم وَلَا يخالطوهم، وَكَانَ الَّذِي كتب الصَّحِيفَة مَنْصُور بن عِكْرِمَة الْعَبدَرِي فشُلَّت يَده، وَفِي الْأَنْسَاب للزبير بن أبي بكر، اسْمه: بغيض بن عَامر بن هَاشم بن عبد منَاف بن عبد الدَّار، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: هُوَ

стр. 2729

مَنْصُور بن عَامر بن هَاشم أَخُو عِكْرِمَة بن عَامر بن هَاشم، ثمَّ ذكر فِي (الطَّبَقَات) : وعلقوا الصَّحِيفَة فِي جَوف الْكَعْبَة، وَقَالَ بَعضهم: بل كَانَت عِنْد أم الْجلاس بنت مخربة الحنظلية، خَالَة أبي جهل، وحصروا بني هَاشم فِي شعب أبي طَالب لَيْلَة هِلَال الْمحرم سنة سبع من حِين النُّبُوَّة، وانحاز بَنو الْمطلب بن عبد منَاف إِلَى أبي طَالب فِي شُعْبَة، وَخرج أَبُو لَهب إِلَى قُرَيْش فظاهرهم على بني هَاشم وَبني الْمطلب، وَقَطعُوا عَنْهُم الْميرَة والمارة، فَكَانُوا لَا يخرجُون إلَاّ من موسم إِلَى موسم حَتَّى بَلغهُمْ الْجهد، فأقاموا فِيهِ ثَلَاث سِنِين، ثمَّ أطلع الله رَسُوله ﷺ على أَمر صحيفتهم وَأَن الأرضة أكلت مَا كَانَ فِيهَا من جور وظلم. وَبَقِي مَا كَانَ فِيهَا من ذكر الله، ، وَفِي لفظ: (ختموا على الْكتاب ثَلَاثَة خَوَاتِيم) فَذكر ذَلِك النَّبِي ﷺ لأبي طَالب، فَقَالَ أَبُو طَالب لكفار قُرَيْش: إِن ابْن أخي أَخْبرنِي، وَلم يكذبنِي قطّ، أَن الله تَعَالَى قد سلط على صحيفتكم الأرضة فلحست مَا كَانَ فِيهَا من جور وظلم وَبَقِي فِيهَا كل مَا ذكر بِهِ الله تَعَالَى، فَإِن كَانَ ابْن أخي صَادِقا نزعتم عَن سوء رَأْيكُمْ، وَإِن كَانَ كَاذِبًا دَفعته إِلَيْكُم فقتلتموه أَو استحييتموه. قَالُوا: قد أنصفتنا، فَإِذا هِيَ كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ ، فَسقط فِي أَيْديهم ونكسوا على رؤوسهم، فَقَالَ أَبُو طَالب: علام نحبس ونحصر، وَقد بَان الْأَمر؟ فتلاوم رجال من قُرَيْش على مَا صَنَعُوا ببني هَاشم، مِنْهُم مطعم بن عدي وعدي بن قيس وَزَمعَة بن الْأسود وَأَبُو البحتري بن هَاشم وَزُهَيْر بن أبي أُميَّة، ولبسوا السِّلَاح ثمَّ خَرجُوا إِلَى بني هَاشم وَبني الْمطلب فأمروهم بِالْخرُوجِ إِلَى مساكنهم، فَفَعَلُوا، فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْش ذَلِك سقط فِي أَيْديهم وَعرفُوا أَن لن يسلموهم، وَكَانَ خُرُوجهمْ من الشّعب فِي السّنة الْعَاشِرَة. وقالَ سَلَامَةُ عنْ عُقَيْلٍ ويَحْيى بنُ الضَّحاكِ عنِ الأوْزَاعِيِّ: أخبَرَنِي ابْن شِهَابٍ وقَالا بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ. قَالَ أبُو عَبْدِ الله بَنِي المطَّلِبِ أشْبِهُ سَلامَة هُوَ ابْن روح، بِفَتْح الرَّاء: الْأَيْلِي، هُوَ يروي عَن عَمه عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد الْأَيْلِي، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) من طَرِيقه. قَوْله: (وَيحيى عَن الضَّحَّاك) ، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، وكريمة بِلَفْظ: عَن الضَّحَّاك، وَالصَّحِيح: وَيحيى بن الصحاك، وَهُوَ يحيى بن عبد الله بن الضَّحَّاك الْبَابلُتِّي، بباءين موحدتين الثَّانِيَة مَضْمُومَة وَبعدهَا اللَّام المضمومة وَبعدهَا تَاء مثناة من فَوق مُشَدّدَة، نِسْبَة إِلَى: بابلت، قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ: وظني أَنَّهَا مَوضِع بالجزيرة، وَقَالَ الرشاطي: مَوضِع بِالريِّ، وَنسبَة يحيى هَذَا إِلَى جده وَلَيْسَ لَهُ رِوَايَة فِي البُخَارِيّ إلَاّ فِي هَذَا الْموضع، وَهُوَ يروي عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ يحيى بن معِين: يحيى بن عبد الله بن الضَّحَّاك الْبَابلُتِّي، وَالله لم يسمع من الْأَوْزَاعِيّ شَيْئا، وَذكر الْهَيْثَم بن خلف الدوري أَن أمه كَانَت تَحت الْأَوْزَاعِيّ، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا يبعد سَمَاعه مِنْهُ، لِأَنَّهُ فِي حجره، وَقَالَ عَنْبَسَة بن خَالِد: لم يكن لِسَلَامَةِ ابْن روح من السن مَا يسمع من عقيل بن خَالِد، وَتَعْلِيق يحيى عَن الضَّحَّاك وَصله أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) والخطيب فِي (المدرج) . قَوْله: (وَقَالا) ، أَي: سَلامَة وَيحيى أَن روايتهما عَن شيخهما عَن ابْن شهَاب هُوَ بني الْمطلب دون لفظ: عبد، بِخِلَاف رِوَايَة الْوَلِيد فَإِنَّهَا مترددة بَين الْمطلب وَعبد الْمطلب. قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) هُوَ البُخَارِيّ نَفسه بني الْمطلب أشبه بِالصَّوَابِ يَعْنِي بِحَذْف العَبْد، لِأَن عبد الْمطلب هُوَ ابْن هَاشم، وَلَفظ هَاشم مغن عَنهُ، وَأما الْمطلب فَهُوَ أَخُو هَاشم وهما ابْنَانِ لعبد منَاف، فالمقصود أَنهم تحالفوا على بني عبد منَاف. [با ٦٤ (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿وإذُ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هاذا البَلدَ آمِنا وَاجْنُبْني وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ رَبِّ أنَّهُنَّ أضْللْنَ كَثيرا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَني فإنَّهُ مِنِّي ومَنْ عصَاني فإنَّكَ غَفُورٌ رحيمٌ. ربَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إلَيْهِم﴾ الْآيَة (إِبْرَاهِيم: ٥٣) .) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله ﴿وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم﴾ (إِبْرَاهِيم: ٥٣) . إِلَى آخِره إِنَّمَا لم يذكر البُخَارِيّ فِي هَذِه التَّرْجَمَة حَدِيثا، فَقَالَ

стр. 2730

بَعضهم: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قصَّة إسكان إِبْرَاهِيم، ﵊، هَاجر وَابْنهَا فِي مَكَان مَكَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي، رَحمَه الله تَعَالَى، لَعَلَّ غَرَضه مِنْهُ الْإِشْعَار بِأَنَّهُ لم يجد حَدِيثا بِشَرْطِهِ مناسبا لَهَا، أَو ترْجم الْأَبْوَاب أَولا ثمَّ ألحق بِكُل بَاب كل مَا اتّفق وَلم يساعده الزَّمَان بإلحاق حَدِيث بِهَذَا الْبَاب، وَهَكَذَا حكم كل تَرْجَمَة هِيَ مثلهَا. قلت: الْوَجْه الأول: من الْوَجْهَيْنِ اللَّذين ذكرهمَا الْكرْمَانِي بعيد، وَأبْعد مِنْهُ مَا ذكره بَعضهم، لِأَن الْإِشَارَة لَا تكون إلَاّ للحاضر، فَالَّذِي يطلع على هَذِه التَّرْجَمَة كَيفَ يَقُول: هَذِه إِشَارَة إِلَى حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَهُوَ لم يطلع عَلَيْهِ وَلَا عرفه؟ وَلَا أقرب فِي هَذَا من الْوَجْه الثَّانِي: الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي، فَافْهَم. قَوْله: ﴿وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم﴾ (إِبْرَاهِيم: ٥٣) . أَي: أذكر ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم رب اجْعَل هَذَا الْبَلَد﴾ أَي: مَكَّة ﴿آمنا﴾ من الْقَتْل والغارة، وَيُقَال من الجذام والبرص. ﴿واجنبني وَبني﴾ أَي: احفظني، وَبني ﴿أَن نعْبد الْأَصْنَام﴾ وَذَلِكَ أَن إِبْرَاهِيم، ﵇، لما فرغ من بِنَاء الْبَيْت سَأَلَ ربه أَن يَجْعَل الْبَلَد آمنا، وَخَافَ على بنيه لِأَنَّهُ رأى قوما يعْبدُونَ الْأَصْنَام والأوثان، فَسَأَلَ أَن يجتنبهم عَن عبادتها. قَوْله: ﴿أَن نعْبد﴾ أَي: بِأَن نعْبد أَي: عبَادَة الْأَوْثَان، لِأَن: أَن، مَصْدَرِيَّة. قَوْله: ﴿رب﴾ يَعْنِي: يَا رب. ﴿إنَّهُنَّ﴾ أَي: الْأَصْنَام ﴿أضللن كثيرا من النَّاس﴾ لِأَنَّهُنَّ كُنَّ سَببا لضلالهم، فنسب الضلال إلَيْهِنَّ، وَإِن لم يكن مِنْهُنَّ عمل فِي الْحَقِيقَة، وَقيل: كَانَ الإضلال مِنْهُنَّ لِأَن الشَّيْطَان كَانَ يدْخل فِي جَوف الْأَصْنَام وَيتَكَلَّم قلت: هَذَا أَيْضا لَيْسَ مِنْهُنَّ فِي الْحَقِيقَة. قَوْله: ﴿فَمن تَبِعنِي﴾ يَعْنِي من آمن بِي ﴿فَإِنَّهُ مني﴾ أَي: على ديني، وَيُقَال: فَهُوَ من أمتِي ﴿وَمن عَصَانِي﴾ فَلم يطعني وَلم يوحدك ﴿فَإنَّك غَفُور رَحِيم﴾ إِن تَابَ أَو توفقه حَتَّى يسلم. قَوْله: ﴿رَبنَا إِنِّي أسكنت من ذريتي﴾ أَي: أنزلت بعض ذريتي، وَهُوَ إِسْمَاعِيل، ﵇، بوادٍ غير ذِي زرع، وَهُوَ مَكَّة وَهُوَ: قَوْله: ﴿عِنْد بَيْتك الْمحرم﴾ يَعْنِي: الَّذِي فِيهِ حرم الْقِتَال والاصطياد، وَأَن يدْخل فِيهِ أحد بِغَيْر إِحْرَام. قَوْله: ﴿رَبنَا ليقيموا الصَّلَاة﴾ يَعْنِي: وفقهم ليقيموها، وَإِنَّمَا ذكر الصَّلَاة لِأَنَّهَا أولى الْعِبَادَات وأفضلها، قَوْله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَة من النَّاس﴾ أَي: قلوبا، وَهُوَ جمع فؤاد ﴿تهوى إِلَيْهِم﴾ أَي: تشتاق إِلَيْهِم وتسرع إِلَيْهِم. وَقَالَ سعيد بن جُبَير: لَو قَالَ: أَفْئِدَة النَّاس، يَعْنِي بِغَيْر: من، لحجت الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس، وَلكنه خص قَوْله: ﴿وارزقهم من الثمرات﴾ يَعْنِي: من الثمرات الَّتِي تكون فِي بِلَاد الرِّيف، يَجِيء بهَا النَّاس. قَوْله: ﴿لَعَلَّهُم يشكرون﴾ أَي: لكَي يشكروا فِيمَا ترزقهم. ٠٩٥١ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ قَالَ حدَّثنا الوَلِيدُ قَالَ حَدثنَا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني الزُّهرِيُّ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ مِنَ الْغَدِ يَوْمَ النَّحْرِ وهْوَ بِمِنًى نَحْنُ نازُلُونَ غَدا بِخَيْفِ بَني كِنَانَةَ حَيْثَ تَقاسَمُوا عَلى الكُفْرِ يَعْني ذالِكَ المُحَصَّبَ وذالِكَ أنَّ قُرَيْشا وكِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبُ أوْ بَنِي المُطَّلِّبِ أنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمِوا إلَيْهِمُ النبيَّ ﷺ .. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَوَاهُ عَن عبد الله بن الزبير الْحميدِي الْمَكِّيّ عَن الْوَلِيد بن مُسلم الْقرشِي الْأمَوِي الدِّمَشْقِي عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (من الْغَد) أَصله: من الغدو، فحذفوا اللَّام وَهُوَ أول النَّهَار، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الغدوة، بِضَم الْغَيْن: مَا بَين الصُّبْح وطلوع الشَّمْس. قَوْله: (يَوْم النَّحْر) ، نصب على الظّرْف، أَي: قَالَ: فِي غَدَاة يَوْم النَّحْر. قَوْله: (وَهُوَ بمنى) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (نَحن نازلون) ، مقول قَوْله: قَالَ النَّبِي، ﷺ . قَوْله: (يَعْنِي ذَلِك المحصب) ، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره: (يَعْنِي بذلك المحصب) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: النُّزُول فِي المحصب هُوَ فِي الْيَوْم الثَّالِث عشر من ذِي الْحجَّة لَا فِي الْيَوْم الثَّانِي من الْعِيد الَّذِي هُوَ الْغَد حَقِيقَة؟ قلت: تجوز عَن الزَّمَان الْمُسْتَقْبل الْقَرِيب بِلَفْظ الْغَد، كَمَا يتجوز بالْأَمْس عَن الْمَاضِي. قَوْله: (وَذَلِكَ أَن قُريْشًا وكنانة) ، عطف على قُرَيْش مَعَ أَن قُريْشًا هم أَوْلَاد النَّضر بن كنَانَة، فَيكون من بَاب التَّعْمِيم بعد التَّخْصِيص، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بكنانة غير قُرَيْش، فقريش قسيم لَهُ لَا قسم مِنْهُ قيل: لم يعقب النَّضر غير مَالك، وَلَا مَالك غير فهر، فقريش ولد النَّضر بن كنَانَة، وَأما كنَانَة فأعقب من غير النَّضر، فَلهَذَا وَقعت الْمُغَايرَة. قَوْله: (أَو بني الْمطلب) كَذَا وَقع عِنْده بِالشَّكِّ، وَوَقع عِنْد الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أُخْرَى عَن الْوَلِيد. (وَبني الْمطلب) بِغَيْر شكّ. وَقَالَ الدَّاودِيّ قَوْله: (بني عبد الْمطلب) . وهم قَوْله: (تحالفت) كَانَ الْقيَاس فِيهِ: تحالفوا، وَلَكِن أفرده بِصِيغَة الْمُفْرد الْمُؤَنَّث بِاعْتِبَار الْجَمَاعَة. قَوْله: (أَن لَا يناكحوهم) ، يَعْنِي: لَا يَقع بَينهم عقد نِكَاح بِأَن لَا يتَزَوَّج قُرَيْش وكنانة امْرَأَة من بني هَاشم وَبني عبد الْمطلب، وَلَا يزوجوا امْرَأَة مِنْهُم إيَّاهُم، وَكَذَلِكَ الْمَعْنى فِي قَوْله: (وَلَا يبايعوهم) ، بِأَن لَا يبيعوا لَهُم وَلَا يشتروا مِنْهُم، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن مُصعب عَن الْأَوْزَاعِيّ عِنْد أَحْمد: (أَن لَا يناكحوهم وَلَا يخالطوهم) . وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (وَلَا يكون بَينهم وَبينهمْ شَيْء) ، وَهَذَا أَعم. قَوْله: (حَتَّى يسلمُوا) ، بِضَم الْيَاء. وَكَانَت هَذِه الْقِصَّة فِيمَا ذكر فِي (الطَّبَقَات) : لما بلغ قُريْشًا فعل النَّجَاشِيّ بِجَعْفَر وَأَصْحَابه، وإكرامه لَهُم، كبر ذَلِك عَلَيْهِم جدا وغضبوا وَأَجْمعُوا على قتل سيدنَا رَسُول الله ﷺ ، وَكَتَبُوا كتابا على بني هَاشم أَن لَا يناكحوهم وَلَا يبايعوهم وَلَا يخالطوهم، وَكَانَ الَّذِي كتب الصَّحِيفَة مَنْصُور بن عِكْرِمَة الْعَبدَرِي فشُلَّت يَده، وَفِي الْأَنْسَاب للزبير بن أبي بكر، اسْمه: بغيض بن عَامر بن هَاشم بن عبد منَاف بن عبد الدَّار، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: هُوَ مَنْصُور بن عَامر بن هَاشم أَخُو عِكْرِمَة بن عَامر بن هَاشم، ثمَّ ذكر فِي (الطَّبَقَات) : وعلقوا الصَّحِيفَة فِي جَوف الْكَعْبَة، وَقَالَ بَعضهم: بل كَانَت عِنْد أم الْجلاس بنت مخربة الحنظلية، خَالَة أبي جهل، وحصروا بني هَاشم فِي شعب أبي طَالب لَيْلَة هِلَال الْمحرم سنة سبع من حِين النُّبُوَّة، وانحاز بَنو الْمطلب بن عبد منَاف إِلَى أبي طَالب فِي شُعْبَة، وَخرج أَبُو لَهب إِلَى قُرَيْش فظاهرهم على بني هَاشم وَبني الْمطلب، وَقَطعُوا عَنْهُم الْميرَة والمارة، فَكَانُوا لَا يخرجُون إلَاّ من موسم إِلَى موسم حَتَّى بَلغهُمْ الْجهد، فأقاموا فِيهِ ثَلَاث سِنِين، ثمَّ أطلع الله رَسُوله ﷺ على أَمر صحيفتهم وَأَن الأرضة أكلت مَا كَانَ فِيهَا من جور وظلم. وَبَقِي مَا كَانَ فِيهَا من ذكر الله، ، وَفِي لفظ: (ختموا على الْكتاب ثَلَاثَة خَوَاتِيم) فَذكر ذَلِك النَّبِي ﷺ لأبي طَالب، فَقَالَ أَبُو طَالب لكفار قُرَيْش: إِن ابْن أخي أَخْبرنِي، وَلم يكذبنِي قطّ، أَن الله تَعَالَى قد سلط على صحيفتكم الأرضة فلحست مَا كَانَ فِيهَا من جور وظلم وَبَقِي فِيهَا كل مَا ذكر بِهِ الله تَعَالَى، فَإِن كَانَ ابْن أخي صَادِقا نزعتم عَن سوء رَأْيكُمْ، وَإِن كَانَ كَاذِبًا دَفعته إِلَيْكُم فقتلتموه أَو استحييتموه. قَالُوا: قد أنصفتنا، فَإِذا هِيَ كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ ، فَسقط فِي أَيْديهم ونكسوا على رؤوسهم، فَقَالَ أَبُو طَالب: علام نحبس ونحصر، وَقد بَان الْأَمر؟ فتلاوم رجال من قُرَيْش على مَا صَنَعُوا ببني هَاشم، مِنْهُم مطعم بن عدي وعدي بن قيس وَزَمعَة بن الْأسود وَأَبُو البحتري بن هَاشم وَزُهَيْر بن أبي أُميَّة، ولبسوا السِّلَاح ثمَّ خَرجُوا إِلَى بني هَاشم وَبني الْمطلب فأمروهم بِالْخرُوجِ إِلَى مساكنهم، فَفَعَلُوا، فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْش ذَلِك سقط فِي أَيْديهم وَعرفُوا أَن لن يسلموهم، وَكَانَ خُرُوجهمْ من الشّعب فِي السّنة الْعَاشِرَة. وقالَ سَلَامَةُ عنْ عُقَيْلٍ ويَحْيى بنُ الضَّحاكِ عنِ الأوْزَاعِيِّ: أخبَرَنِي ابْن شِهَابٍ وقَالا بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ. قَالَ أبُو عَبْدِ الله بَنِي المطَّلِبِ أشْبِهُ سَلامَة هُوَ ابْن روح، بِفَتْح الرَّاء: الْأَيْلِي، هُوَ يروي عَن عَمه عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد الْأَيْلِي، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) من طَرِيقه. قَوْله: (وَيحيى عَن الضَّحَّاك) ، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، وكريمة بِلَفْظ: عَن الضَّحَّاك، وَالصَّحِيح: وَيحيى بن الصحاك، وَهُوَ يحيى بن عبد الله بن الضَّحَّاك الْبَابلُتِّي، بباءين موحدتين الثَّانِيَة مَضْمُومَة وَبعدهَا اللَّام المضمومة وَبعدهَا تَاء مثناة من فَوق مُشَدّدَة، نِسْبَة إِلَى: بابلت، قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ: وظني أَنَّهَا مَوضِع بالجزيرة، وَقَالَ الرشاطي: مَوضِع بِالريِّ، وَنسبَة يحيى هَذَا إِلَى جده وَلَيْسَ لَهُ رِوَايَة فِي البُخَارِيّ إلَاّ فِي هَذَا الْموضع، وَهُوَ يروي عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ يحيى بن معِين: يحيى بن عبد الله بن الضَّحَّاك الْبَابلُتِّي، وَالله لم يسمع من الْأَوْزَاعِيّ شَيْئا، وَذكر الْهَيْثَم بن خلف الدوري أَن أمه كَانَت تَحت الْأَوْزَاعِيّ، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا يبعد سَمَاعه مِنْهُ، لِأَنَّهُ فِي حجره، وَقَالَ عَنْبَسَة بن خَالِد: لم يكن لِسَلَامَةِ ابْن روح من السن مَا يسمع من عقيل بن خَالِد، وَتَعْلِيق يحيى عَن الضَّحَّاك وَصله أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) والخطيب فِي (المدرج) . قَوْله: (وَقَالا) ، أَي: سَلامَة وَيحيى أَن روايتهما عَن شيخهما عَن ابْن شهَاب هُوَ بني الْمطلب دون لفظ: عبد، بِخِلَاف رِوَايَة الْوَلِيد فَإِنَّهَا مترددة بَين الْمطلب وَعبد الْمطلب. قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) هُوَ البُخَارِيّ نَفسه بني الْمطلب أشبه بِالصَّوَابِ يَعْنِي بِحَذْف العَبْد، لِأَن عبد الْمطلب هُوَ ابْن هَاشم، وَلَفظ هَاشم مغن عَنهُ، وَأما الْمطلب فَهُوَ أَخُو هَاشم وهما ابْنَانِ لعبد منَاف، فالمقصود أَنهم تحالفوا على بني عبد منَاف. [با ٦٤ (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿وإذُ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هاذا البَلدَ آمِنا وَاجْنُبْني وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ رَبِّ أنَّهُنَّ أضْللْنَ كَثيرا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَني فإنَّهُ مِنِّي ومَنْ عصَاني فإنَّكَ غَفُورٌ رحيمٌ. ربَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إلَيْهِم﴾ الْآيَة (إِبْرَاهِيم: ٥٣) .) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله ﴿وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم﴾ (إِبْرَاهِيم: ٥٣) . إِلَى آخِره إِنَّمَا لم يذكر البُخَارِيّ فِي هَذِه التَّرْجَمَة حَدِيثا، فَقَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قصَّة إسكان إِبْرَاهِيم، ﵊، هَاجر وَابْنهَا فِي مَكَان مَكَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي، رَحمَه الله تَعَالَى، لَعَلَّ غَرَضه مِنْهُ الْإِشْعَار بِأَنَّهُ لم يجد حَدِيثا بِشَرْطِهِ مناسبا لَهَا، أَو ترْجم الْأَبْوَاب أَولا ثمَّ ألحق بِكُل بَاب كل مَا اتّفق وَلم يساعده الزَّمَان بإلحاق حَدِيث بِهَذَا الْبَاب، وَهَكَذَا حكم كل تَرْجَمَة هِيَ مثلهَا. قلت: الْوَجْه الأول: من الْوَجْهَيْنِ اللَّذين ذكرهمَا الْكرْمَانِي بعيد، وَأبْعد مِنْهُ مَا ذكره بَعضهم، لِأَن الْإِشَارَة لَا تكون إلَاّ للحاضر، فَالَّذِي يطلع على هَذِه التَّرْجَمَة كَيفَ يَقُول: هَذِه إِشَارَة إِلَى حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَهُوَ لم يطلع عَلَيْهِ وَلَا عرفه؟ وَلَا أقرب فِي هَذَا من الْوَجْه الثَّانِي: الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي، فَافْهَم. قَوْله: ﴿وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم﴾ (إِبْرَاهِيم: ٥٣) . أَي: أذكر ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم رب اجْعَل هَذَا الْبَلَد﴾ أَي: مَكَّة ﴿آمنا﴾ من الْقَتْل والغارة، وَيُقَال من الجذام والبرص. ﴿واجنبني وَبني﴾ أَي: احفظني، وَبني ﴿أَن نعْبد الْأَصْنَام﴾ وَذَلِكَ أَن إِبْرَاهِيم، ﵇، لما فرغ من بِنَاء الْبَيْت سَأَلَ ربه أَن يَجْعَل الْبَلَد آمنا، وَخَافَ على بنيه لِأَنَّهُ رأى قوما يعْبدُونَ الْأَصْنَام والأوثان، فَسَأَلَ أَن يجتنبهم عَن عبادتها. قَوْله: ﴿أَن نعْبد﴾ أَي: بِأَن نعْبد أَي: عبَادَة الْأَوْثَان، لِأَن: أَن، مَصْدَرِيَّة. قَوْله: ﴿رب﴾ يَعْنِي: يَا رب. ﴿إنَّهُنَّ﴾ أَي: الْأَصْنَام ﴿أضللن كثيرا من النَّاس﴾ لِأَنَّهُنَّ كُنَّ سَببا لضلالهم، فنسب الضلال إلَيْهِنَّ، وَإِن لم يكن مِنْهُنَّ عمل فِي الْحَقِيقَة، وَقيل: كَانَ الإضلال مِنْهُنَّ لِأَن الشَّيْطَان كَانَ يدْخل فِي جَوف الْأَصْنَام وَيتَكَلَّم قلت: هَذَا أَيْضا لَيْسَ مِنْهُنَّ فِي الْحَقِيقَة. قَوْله: ﴿فَمن تَبِعنِي﴾ يَعْنِي من آمن بِي ﴿فَإِنَّهُ مني﴾ أَي: على ديني، وَيُقَال: فَهُوَ من أمتِي ﴿وَمن عَصَانِي﴾ فَلم يطعني وَلم يوحدك ﴿فَإنَّك غَفُور رَحِيم﴾ إِن تَابَ أَو توفقه حَتَّى يسلم. قَوْله: ﴿رَبنَا إِنِّي أسكنت من ذريتي﴾ أَي: أنزلت بعض ذريتي، وَهُوَ إِسْمَاعِيل، ﵇، بوادٍ غير ذِي زرع، وَهُوَ مَكَّة وَهُوَ: قَوْله: ﴿عِنْد بَيْتك الْمحرم﴾ يَعْنِي: الَّذِي فِيهِ حرم الْقِتَال والاصطياد، وَأَن يدْخل فِيهِ أحد بِغَيْر إِحْرَام. قَوْله: ﴿رَبنَا ليقيموا الصَّلَاة﴾ يَعْنِي: وفقهم ليقيموها، وَإِنَّمَا ذكر الصَّلَاة لِأَنَّهَا أولى الْعِبَادَات وأفضلها، قَوْله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَة من النَّاس﴾ أَي: قلوبا، وَهُوَ جمع فؤاد ﴿تهوى إِلَيْهِم﴾ أَي: تشتاق إِلَيْهِم وتسرع إِلَيْهِم. وَقَالَ سعيد بن جُبَير: لَو قَالَ: أَفْئِدَة النَّاس، يَعْنِي بِغَيْر: من، لحجت الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس، وَلكنه خص قَوْله: ﴿وارزقهم من الثمرات﴾ يَعْنِي: من الثمرات الَّتِي تكون فِي بِلَاد الرِّيف، يَجِيء بهَا النَّاس. قَوْله: ﴿لَعَلَّهُم يشكرون﴾ أَي: لكَي يشكروا فِيمَا ترزقهم. ٧٤ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿جَعَلَ الله الكَعْبَةَ الْبَيْتَ الحَرامَ قِياما لِلنَّاسِ والشَّهْرَ الحرامَ وَالهدْيَ وَالقَلائِدَ ذالِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ ومَا فِي الأرْضِ وأنَّ الله بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ (الْمَائِدَة: ٧٩) .) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى، : جعل الله ... إِلَى آخِره، وَوَقع فِي شرح ابْن بطال بِأَنَّهُ ضم الْبَاب السَّابِق إِلَى هَذَا وجعلهما وَاحِدًا، فَقَالَ بعد قَوْله: ﴿لَعَلَّهُم يشكرون﴾ (إِبْرَاهِيم: ٥٣) . وَقَول الله تَعَالَى: ﴿جعل الله الْكَعْبَة﴾ (الْمَائِدَة: ٧٩) . إِلَى آخِره، قَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَن المُرَاد بقوله: ﴿قيَاما﴾ أَي: قواما، وَأَنَّهَا مَا دَامَت مَوْجُودَة فالدين قَائِم. قلت: السِّرّ فِي هَذَا وَالتَّحْقِيق أَنه جعل هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة تَرْجَمَة وَأَشَارَ بهَا إِلَى أُمُور. الأول: أَشَارَ فِيهِ إِلَى أَن قوام أُمُور النَّاس وانتعاش أَمر دينهم ودنياهم بِالْكَعْبَةِ المشرفة يدل على قَوْله ﴿قيَاما للنَّاس﴾ (الْمَائِدَة: ٧٩) . فَإِذا زَالَت الْكَعْبَة على يَد ذِي السويقتين تختل أُمُورهم، فَلذَلِك أورد حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِيهِ مُنَاسبَة لهَذَا، فَتَقَع بِهِ الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة. وَالثَّانِي: أَشَارَ بِهِ إِلَى تَعْظِيم الْكَعْبَة وتوقيرها، يدل عَلَيْهِ قَوْله: ﴿الْبَيْت الْحَرَام﴾ حَيْثُ وصفهَا بِالْحُرْمَةِ، فأورد حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِيهِ مُنَاسبَة لهَذَا، فَتَقَع بِهِ الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، وَذَلِكَ فِي قَوْله: (وَكَانَ يَوْمًا تستر فِيهِ الْكَعْبَة) . وَالثَّالِث: أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن الْكَعْبَة لَا تَنْقَطِع الزوار عَنْهَا، وَلِهَذَا تحج بعد خُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج الَّذِي يكون فِيهِ من الْفِتَن والشدائد مَا لَا يُوصف، فَلذَلِك أورد حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ فِيهِ مُنَاسبَة لهَذَا، وَهُوَ قَوْله: (ليحجن الْبَيْت وليعتمرن بعد خُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج) ، وَيدل على هَذَا الْوَجْه أَيْضا قيَاما، فَتَقَع بِهِ الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة. قَوْله: (الْبَيْت الْحَرَام) ، نصب على أَنه عطف بَيَان على جِهَة الْمَدْح لَا على التَّوْضِيح كَمَا تَجِيء الصّفة، كَذَلِك قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ. قَوْله: (قيَاما) أَي: عمادا للنَّاس فِي أَمر دينهم ودنياهم ونهوضا إِلَى أغراضهم ومقاصدهم فِي معاشهم ومعادهم لما يتم لَهُم من أَمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم وأنواع منافعهم، وَرُوِيَ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح: لَو تركوها عَاما وَاحِدًا

стр. 2731

لم ينْظرُوا وَلم يتجروا، وَقَرَأَ ابْن عَامر: قيمًا، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ قيَاما، وَأَصله: قواما، وَيُقَال معني: قيَاما، معالم للحق، وَقَالَ مقَاتل: يَعْنِي علما لقبلتهم يصلونَ إِلَيْهَا، وَقَالَ سعيد بن جُبَير صلاحا لدينهم. قَوْله: ﴿والشهر الْحَرَام﴾ وَهُوَ الشَّهْر الَّذِي يُؤَدِّي فِيهِ الْحَج، وَهُوَ ذُو الْحجَّة، لِأَن اخْتِصَاصه من بَين الْأَشْهر بِإِقَامَة موسم الْحَج فِيهِ، شَأْنًا عرفه الله تَعَالَى، وَقيل: عَنى بِهِ جنس أشهر الْحرم. قَوْله: ﴿وَالْهَدْي﴾ وَهُوَ مَا يهدي بِهِ قَوْله: ﴿والقلائد﴾ يَعْنِي المقلدات أَو ذَات القلائد، وَالْمعْنَى: جعل الله الشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي والقلائد أمنا للنَّاس لأَنهم إِذا توجهوا إِلَى مَكَّة وقلدوا الْهَدْي أمنُوا من الْعَدو، لِأَن الْحَرْب كَانَت قَائِمَة بَين الْعَرَب إلَاّ فِي الْأَشْهر الْحرم، فَمن لقوه على هَذِه الْحَالة لم يتَعَرَّضُوا لَهُ. قَوْله: (ذَلِك) ، إِشَارَة إِلَى جعل الْكَعْبَة قيَاما للنَّاس، أَو إِلَى مَا ذكر من حفظ حُرْمَة الْإِحْرَام بترك الصَّيْد وَغَيره،، قَوْله: ﴿وَإِن الله بِكُل شَيْء عليم﴾ أَي: من السِّرّ وَالْعَلَانِيَة. ١٩٥١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثنا زِيادُ بنُ سَعْدٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشةِ. (الحَدِيث ١٩٥١ طرفه فِي: ٦٩٥١) . مطابقته للتَّرْجَمَة قد ذَكرنَاهَا آنِفا. وَرِجَاله سِتَّة: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَزِيَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن سعد بن عبد الرَّحْمَن، يكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن الْخُرَاسَانِي من أهل بَلخ يُقَال إِنَّه من الْعَرَب سكن مَكَّة وانتقل مِنْهَا إِلَى الْيمن فسكن فِي قَرْيَة إسمها: عك، وَمَات بهَا، يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن أبي عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج، وَفِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة بن سعيد. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يخرب الْكَعْبَة) فعل ومفعول (وَذُو السويقتين) فَاعله، وَهَذِه تَثْنِيَة سويقة، والسويقة مصغر السَّاق، وَألْحق بهَا التَّاء فِي التصغير لِأَن السَّاق مُؤَنّثَة، والتصغير للتحقير، وَالْإِشَارَة إِلَى الدقة لِأَن فِي سيقان الْحَبَشَة دقة وخموشة، وَالتَّقْدِير: يخرب الْكَعْبَة ضَعِيف من هَذِه الطَّائِفَة. قَوْله: (من الْحَبَشَة) كلمة: من، بَيَانِيَّة أَي من هَذَا الْجِنْس من بني آدم. قَالُوا: الْحَبَش جنس من السودَان، وهم الأحبش والحبشان والحبشة، لَيْسَ بِصَحِيح فِي الْقيَاس لِأَنَّهُ لَا وَاحِد لَهُ على مِثَال فَاعل، فَيكون مكسرا على فعله، والأحبوش جمَاعَة الْحَبَش قَالَ العجاج. (كَأَن صيران المهى الأخلاط ... والرمل أحبوش من الأنباط) وَقيل: هم الْجَمَاعَة أيا كَانُوا لأَنهم إِذا اجْتَمعُوا اسودوا. وَفِي (الصِّحَاح) : الْحَبَش والحبشة جنس من السودَان، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: فَأَما قَوْلهم: الْحَبَشَة، فعلى غير قِيَاس، وَقد قَالُوا: حبشان أَيْضا، وَلَا أَدْرِي كَيفَ هُوَ. قلت: إنكارهم لفظ الْحَبَشَة على هَذَا الْوَزْن لَا وَجه لَهُ لِأَنَّهُ ورد فِي لفظ الفصيح، بل أفْصح النَّاس، وَقَالَ الرشاطي: وهم من ولد كوش بن حام، وهم أَكثر مُلُوك السودَان وَجَمِيع ممالك السودَان يُعْطون الطَّاعَة للحبش. وَقَالَ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي: كَانَ أَوْلَاد حام سَبْعَة أخوة كأولاد سَام: السَّنَد والهند والزنج والقبط والحبشة والنوبة وكنعان، فَأخذُوا مَا بَين الْجنُوب وَالدبور وَالصبَا. وروى سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (لَا خير فِي الْحَبَش، إِن جَاعُوا سرقوا، وَإِن شَبِعُوا زنوا، وَإِن فيهم حسنتين إطْعَام الطَّعَام وإلباس يَوْم الْبَأْس) . وَقَالَ ابْن هِشَام فِي (التيجان) : أول من جرى لِسَان الْحَبَشَة على لِسَانه سحلب بن أداد بن ناهس بن سرعَان بن حام بن نوح، ﵇، ثمَّ تولدت من هَذَا اللِّسَان ألسن استخرجت مِنْهُ، وَهَذَا هُوَ الأَصْل. وَجَاء فِي تخريب الْكَعْبَة أَحَادِيث. مِنْهَا: حَدِيث ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة، بوب عَلَيْهِ البُخَارِيّ بقوله: بَاب هدم الْكَعْبَة، على مَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ بِسَنَد صَحِيح فِي: يُبَايع لرجل بَين الرُّكْن وَالْمقَام، وَأول من يسْتَحل هَذَا الْبَيْت أَهله، فَإِذا اسْتَحَلُّوهُ فَلَا تسْأَل عَن هلكة الْعَرَب ثمَّ تَجِيء الْحَبَشَة فيخربونه خرابا لَا يعمر بعده، وهم الَّذين يستخرجون كنزه، وَذكر الْحَلِيمِيّ: أَن ذَلِك فِي زمن عِيسَى، ﵇، وَأَن الصَّرِيخ يَأْتِيهِ بِأَن ذَا السويقتين قد سَار إِلَى الْبَيْت يهدمه فيبعث، إِلَيْهِ عِيسَى، ﵊، طَائِفَة بَين الثمان إِلَى التسع. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو نعيم بِسَنَد فِيهِ مَجْهُول: كَأَنِّي أنظر إِلَى أصيلع أَقرع أفحج على ظهر الْكَعْبَة يَهْدِمهَا بالكرزنة. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد الله بن عمر عَن النَّبِي ﷺ : أتركوا الْحَبَشَة

стр. 2732

مَا تركوكم، فَإِنَّهُ لَا يسْتَخْرج كنز الْكَعْبَة إِلَّا ذُو السويقتين من الْحَبَشَة. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (يخرب الْكَعْبَة ذُو السويقتين من الْحَبَشَة، ويسلب حليها ويجردها من كسوتها، وَكَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ أصيدع أفيدع يضْرب عَلَيْهَا مسحاته ومعوله) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ من حَدِيث حُذَيْفَة عَن النَّبِي ﷺ ، فَذكر حَدِيثا فِيهِ طول، وَفِيه: (وخراب مَكَّة من الْحَبَشَة على يَد حبشِي أفحج السَّاقَيْن أَزْرَق الْعَينَيْنِ أفطس الْأنف كَبِير الْبَطن مَعَه أَصْحَابه، ينقضونها حجرا حجرا ويتناولونها حَتَّى يرموا بهَا يَعْنِي: الْكَعْبَة إِلَى الْبَحْر، وخراب الْمَدِينَة من الْجُوع وخراب الْيمن من الْجَرَاد) . وَفِي (كتاب الْغَرِيب) لأبي عبيد: عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (استكثروا من الطّواف بِهَذَا الْبَيْت قبل أَن يُحَال بَيْنكُم وَبَينه، فَكَأَنِّي بِرَجُل من الْحَبَشَة أصلع وأصمع حمش السَّاقَيْن قَاعد عَلَيْهَا وَهِي تهدم) . وخرجه الْحَاكِم مَرْفُوعا (وَفِيه: أصمع أَقرع بِيَدِهِ معول وَهُوَ يَهْدِمهَا حجرا حجرا) . وَذكر الْغَزالِيّ فِي (مَنَاسِكه) : لَا تغرب الشَّمْس من يَوْم إلَاّ وَيَطوف بِهَذَا الْبَيْت رجل من الأبدال، وَلَا يطلع الْفجْر من لَيْلَة إلَاّ طَاف بِهِ أحد من الْأَوْتَاد، وَإِذا انْقَطع ذَلِك كَانَ سَبَب رَفعه من الأَرْض، فَيُصْبِح النَّاس وَقد رفعت الْكَعْبَة لَيْسَ مِنْهَا أثر، وَهَذَا إِذا أَتَى عَلَيْهَا سبع سِنِين لم يحجها أحد ثمَّ، يرفع الْقُرْآن الْعَظِيم من الْمَصَاحِف، ثمَّ من الْقُلُوب، ثمَّ يرجع النَّاس إِلَى الْأَشْعَار والأغاني وأخبار الْجَاهِلِيَّة، ثمَّ يخرج الدَّجَّال وَينزل عِيسَى، ﵊، وَفِي (كتاب الْفِتَن) لنعيم بن حَمَّاد: حَدثنَا بَقِيَّة عَن صَفْوَان عَن شُرَيْح (عَن كَعْب: تخرج الْحَبَشَة خرجَة ينتهون فِيهَا إِلَى الْبَيْت، ثمَّ يتفرغ إِلَيْهِم أهل الشَّام فيجدونهم قد افترشوا الأَرْض، فيقتلونهم أَوديَة بني عَليّ، وَهِي قريبَة من الْمَدِينَة، حَتَّى إِن الحبشي يُبَاع بالشملة) . قَالَ صَفْوَان: وحَدثني أَبُو الْيَمَان (عَن كَعْب، قَالَ: يخربون الْبَيْت وليأخذن الْمقَام فيدركون على ذَلِك، فيقتلهم الله تَعَالَى. وَفِيه (وَيخرجُونَ بعد يَأْجُوج) . (وَعَن عبد الله بن عَمْرو: تخرج الْحَبَشَة بعد نزُول عِيسَى، ﵊، فيبعث عِيسَى طَائِفَة فيهزمون) ، وَفِي رِوَايَة: (يهدم مرَّتَيْنِ وَيرْفَع الْحجر فِي الْمرة الثَّالِثَة) ، وَفِي رِوَايَة، وَيرْفَع فِي الثَّانِيَة. وَفِي رِوَايَة (ويستخرجون كنز فِرْعَوْن بمنوف من الْفسْطَاط، وَيقْتلُونَ بوسيم) وَفِي لفظ: (فَيَأْتُونَ فِي ثَلَاثمِائَة ألف عَلَيْهِم أسيس أَو أسيس) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَقيل: إِن خرابه يكون بعد رفع الْقُرْآن من الصُّدُور والمصاحف، وَذَلِكَ بعد موت عِيسَى، ﵊، وَهُوَ الصَّحِيح. فَإِن قلت: قَالَ تَعَالَى: ﴿حرما آمنا﴾ (الْقَصَص: ٧٥) . وَهُوَ يُعَارض مَا ذكرْتُمْ من هَذِه الْأَشْيَاء؟ قلت: قَالُوا: لَا يلْزم من قَوْله: ﴿حرما آمنا﴾ (الْقَصَص: ٧٥) . أَن يكون ذَلِك دَائِما فِي كل الْأَوْقَات، بل إِذا حصلت لَهُ حُرْمَة وَأمن فِي وَقت مَا، صدق عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظ وَصَحَّ الْمَعْنى، وَلَا يُعَارضهُ ارْتِفَاع ذَلِك الْمَعْنى فِي وَقت آخر. فَإِن قلت: قَالَ ﷺ : (إِن الله أحل لي مَكَّة سَاعَة من نَهَار، ثمَّ عَادَتْ حرمتهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) . قلت: الحكم بِالْحُرْمَةِ وَالْأَمر لَا يرْتَفع إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، أما وُقُوع الْخَوْف فِيهَا وَترك الْحُرْمَة فقد وجد من ذَلِك فِي أَيَّام يزِيد وَغَيره كثيرا، وَقَالَ عِيَاض: ﴿حرما آمنا﴾ (الْقَصَص: ٧٥) . أَي: إِلَى قرب الْقِيَامَة، وَقيل: يخْتَص مِنْهُ قصَّة ذِي السويقتين. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: إِن قيل مَا السِّرّ فِي حراسة الْكَعْبَة من الْفِيل وَلم تحرس فِي الْإِسْلَام مِمَّا صنع بهَا الْحجَّاج والقرامطة وَذُو السويقتين؟ فَالْجَوَاب: إِن حبس الْفِيل كَانَ من أَعْلَام النُّبُوَّة لسيدنا رَسُول الله ﷺ ، وَدَلَائِل رسَالَته لتأكيد الْحجَّة عَلَيْهِم بالأدلة الَّتِي شوهدت بالبصر قبل الْأَدِلَّة الَّتِي ترى بالبصائر، وَكَانَ حكم الْحَبْس أَيْضا دلَالَة على وجود النَّاصِر. ٢٩٥١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا (ح) وحدَّثني مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ قَالَ أخبرَني عَبْدُ الله هُوَ ابنُ المُبَارَكِ قَالَ أخبرنَا محَمَّدُ بنُ أبي حَفْصَةَ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانُوا يَصُومُونَ عاشُوراءَ قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ وكانَ يَوْما تُسْتَرُ فيهِ الكَعْبةُ فلَمَّا فرَضَ الله رمضَانَ قَالَ رسولُ الله ﷺ مَنْ شاءَ أنْ يَصُومَهُ فلْيَصُمْهُ ومنْ شاءَ أَن يَتْرُكهُ فَلْيَتْرُكْهُ.. قد مر وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، وَوجه آخر وَهُوَ: أَن الْمُشْركين كَانُوا يعظمون الْكَعْبَة قَدِيما بالستور

стр. 2733

وَالْكِسْوَة، ويقومون إِلَيْهَا كَمَا يقوم الْمُسلمُونَ، وَبَين الله تَعَالَى فِي الْآيَة الْمَذْكُور أَنه جعل الْكَعْبَة بَيْتا حَرَامًا، وَمن حرمتهَا تعظيمها فَعَظَّمَهَا الْمُسلمُونَ، وَمن جملَة تعظيمهم إِيَّاهَا أَنهم كَانُوا يكسونها فِي كل سنة يَوْم عَاشُورَاء الَّذِي هُوَ من الْأَيَّام المعظمة، فَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة حصلت الْمُطَابقَة بَين الْآيَة الَّتِي هِيَ تَرْجَمَة وَبَين الحَدِيث. ذكر رِجَاله: وهم: تِسْعَة: الأول: يحيى بن بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: أَبُو زَكَرِيَّا المَخْزُومِي. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد، الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: مُحَمَّد بن مقَاتل، بِضَم الْمِيم على وزن اسْم الْفَاعِل من الْمُقَاتلَة: أَبُو الْحسن المجاور بِمَكَّة. السَّابِع: عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّامِن: مُحَمَّد بن أبي حَفْصَة، واسْمه ميسرَة، ضد الميمنة. التَّاسِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي سَبْعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه يحيى وَاللَّيْث مصريان، وَأَن عقيلاً أيلي، وَأَن ابْن شهَاب وَعُرْوَة مدنيان، وَأَن شَيْخه مُحَمَّد بن مقَاتل من أَفْرَاده، وَأَنه وَابْن الْمُبَارك مروزيان، وَمُحَمّد بن أبي حَفْصَة بَصرِي. وَفِيه: أَنه رَوَاهُ من طَرِيقين، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: جمع البُخَارِيّ بَين رِوَايَة عقيل وَابْن أبي حَفْصَة فِي الْمَتْن، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة عقيل ذكر السّتْر، ثمَّ سَاقه بِدُونِهِ من طَرِيق عقيل، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَعَادَة البُخَارِيّ التَّجَوُّز فِي مثل هَذَا. وَقيل: أَرَادَ من حَدِيث عقيل التَّصْرِيح بِسَمَاع ابْن شهَاب من عُرْوَة. قلت: لَيْسَ لما ذكره فَإِنَّهُ لم يَأْتِ بِهِ، نعم هُوَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأبي نعيم، وَقد روى الفاكهي من طَرِيق ابْن أبي حَفْصَة، وَصرح بِسَمَاع الزُّهْرِيّ لَهُ من عُرْوَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانُوا) ، أَي: الْمُسلمُونَ كَانُوا يَصُومُونَ يَوْم عَاشُورَاء وَهُوَ الْيَوْم الْعَاشِر من محرم، وَكَانَ فرضا، فَلَمَّا نزل فرض رَمَضَان نسخ صَوْم يَوْم عَاشُورَاء، وَهُوَ مَمْدُود غير منصرف، وَقَالَ أَبُو عَليّ القالي فِي (كتاب الْمَمْدُود والمقصور) : عَاشُورَاء على وزن فاعولاء، وَلَا نعلم من هَذَا الْمِثَال غَيره. قَوْله: (وَكَانَ) أَي كَانَ يَوْم عَاشُورَاء يَوْمًا تستر فِيهِ الْكَعْبَة، وَكَانَت تُكْسَى فِي كل سنة مرّة يَوْم عَاشُورَاء، ثمَّ إِن مُعَاوِيَة كَانَ يَكْسُوهَا مرَّتَيْنِ، ثمَّ الْمَأْمُون كَانَ يَكْسُوهَا ثَلَاثًا الديباج الْأَحْمَر يَوْم التَّرويَة، وَالْقَبَاطِي هِلَال رَجَب، والديباج الْأَبْيَض يَوْم سبع وَعشْرين من رَمَضَان، وَذكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق فِي (السّير) أَن تبان أسعد أَبُو كرب وَهُوَ تبع الآخر ابْن كلكيكرب بن زيد، وَهُوَ تبع الأول ابْن عَمْرو، وسَاق نسبه إِلَى يعرب بن قحطان، ثمَّ قَالَ: كَانَ هُوَ وَقَومه أَصْحَاب أوثان يعبدونها، توجه إِلَى مَكَّة حَتَّى إِذا كَانَ بَين عسفان وأمج أَتَاهُ نفر من هُذَيْل بن مدركة، فَقَالُوا: أَلا ندلك على بَيت مَال داثر؟ قَالَ: بلَى. قَالُوا: مَكَّة، وَإِنَّمَا أَرَادَ الهذليون هَلَاكه، لما عرفُوا هَلَاك من أَرَادَهُ من الْمُلُوك، فَقَالَ لَهُ حبران كَانَا مَعَه: إِنَّمَا إراد هَؤُلَاءِ هلاكك. قَالَ: فبماذا تأمراني , قَالَا: نصْنَع عِنْده مَا يصنع أَهله، نحلق عِنْده ونطوف وننحر، فَفعل فَأَقَامَ بِمَكَّة سِتَّة أَيَّام ينْحَر للنَّاس ويطعمهم، فأري فِي الْمَنَام أَن يكسو الْبَيْت فَكَسَاهُ الخصف، ثمَّ أرِي أَن يكسوه أحسن من ذَلِك فَكَسَاهُ المعافر، ثمَّ أرِي أَن يكسوه أحسن من ذَلِك فَكَسَاهُ الملاء، والوصائل، فَكَانَ تبع فِيمَا يَزْعمُونَ أول من كسا الْبَيْت، وَذكر ابْن قُتَيْبَة أَن هَذِه الْقِصَّة كَانَت قبل الْإِسْلَام بتسعمائة سنة. وَفِي (مُعْجم الطَّبَرَانِيّ) من حَدِيث ابْن لَهِيعَة: حَدثنَا أَبُو زرْعَة عَمْرو سعمت سهل بن سعد رَفعه: (لَا تسبوا تبعا فَإِنَّهُ قد أسلم) . وَفِي (مغايض الْجَوْهَر فِي أَنْسَاب حمير) : كَانَ يدين بالزبور، وَذكر ابْن أبي شيبَة فِي (تَارِيخه) : أول من كساها عدنان بن أدد، وَزعم الزبير أَن أول من كساها الديباج عبد الله بن الزبير، وَذكر الْمَاوَرْدِيّ: أَن أول من كساها الديباج خَالِد بن جَعْفَر بن كلاب أَحْمد لطيمة يحل الْبر، وَوجد فِيهَا إنماطا فعلقها على الْكَعْبَة، وَذكر الْحَافِظ: أَن أول من علقها عبد الله بن الزبير وَفِي كتاب ابْن إِسْحَاق: أول من حلاها عبد الْمطلب بن عبد منَاف لما حفرهَا بالفزالين اللَّذين وجدهما من ذهب فِيهَا. وَعَن لَيْث بن أبي سليم، قَالَ: كَانَت كسْوَة الْكَعْبَة على عهد رَسُول الله، ﷺ ، الانطاع والمسوح. وَقَالَ ابْن دحْيَة: كساها الْمهْدي الْقبَاطِي والخز والديباج، وطلى جدرانها بالمسك والعنبر من أَسْفَلهَا إِلَى أَعْلَاهَا. وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ ابْن جريج: زعم بعض عُلَمَائِنَا أَن أول من كساها إِسْمَاعِيل، ﵇، وَحكى البلاذري: أَن أول من كساها الأنطاع عدنان بن أدد، وروى الْوَاقِدِيّ عَن إِبْرَاهِيم بن أبي ربيعَة، قَالَ: كسي الْبَيْت فِي الْجَاهِلِيَّة الأنطاع، ثمَّ كَسَاه رَسُول الله ﷺ ، الثِّيَاب اليمانية، ثمَّ كَسَاه عمر وَعُثْمَان الْقبَاطِي، ثمَّ كَسَاه الْحجَّاج الديباج. وَقَالَ

стр. 2734

ابْن إِسْحَاق: بَلغنِي أَن الْبَيْت لم يكْسَ فِي عهد أبي بكر وَعمر، يَعْنِي: لم يجدد لَهُ كسْوَة. وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج: أخْبرت أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ يَكْسُوهَا الْقبَاطِي. وَأَخْبرنِي غير وَاحِد أَن النَّبِي ﷺ كساها الْقبَاطِي والحبرات، وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَأول من كساها الديباج عبد الْملك بن مَرْوَان، وَأَن أول من أدْرك ذَلِك من الْفُقَهَاء قَالُوا: أصَاب، مَا نعلم لَهَا من كسْوَة أوفق مِنْهُ وروى أَبُو عرُوبَة فِي (الْأَوَائِل) لَهُ: عَن الْحسن، قَالَ: أول من لبس الْكَعْبَة الْقبَاطِي النَّبِي ﷺ ، وروى الدَّارَقُطْنِيّ فِي (المؤتلف) : أَن أول من كسا الْكَعْبَة الديباج تنيلة بنت جنان وَالِدَة الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، كَانَت أضلت الْعَبَّاس صَغِيرا فنذرت إِن وجدته أَن تكسو الْكَعْبَة الديباج، وَذكر الزبير بن بكار أَنَّهَا أضلت ضِرَارًا ابْنهَا، فَرده عَلَيْهَا رجل من جذام، فكست الْكَعْبَة ثيابًا بَيْضَاء، وَهُوَ مَحْمُول على تعدد الْقِصَّة، وكسيت فِي أَيَّام الفاطميين الديباج الْأَبْيَض، وَكَسَاهَا السُّلْطَان مَحْمُود بن سبكتكين ديباجا أصفر، وَكَسَاهَا نَاصِر العباسي ديباجا أَخْضَر، ثمَّ كساها ديباجا أسود، فاستمر إِلَى الْآن، وَلم تزل الْمُلُوك يتداولون كسوتها إِلَى أَن وقف عَلَيْهَا الصَّالح إِسْمَاعِيل بن النَّاصِر فِي سنة نَيف وَخمسين وَسَبْعمائة، قَرْيَة بنواحي الْقَاهِرَة، وَلم تزل تُكْسَى من هَذَا الْوَقْف. ٣٩٥١ - حدَّثنا أحْمَدُ قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدَّثنا إبْراهِيمُ عنِ الحَجَّاجِ بنِ حَجَّاجٍ عنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبي عُتْبَةَ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ ولَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأجُوجَ ومَأجُوجَ. قد مر وَجه الْمُطَابقَة فِي أول الب اب. ذكر رِجَاله: وهم: سَبْعَة: الأول: أَحْمد بن أبي عَمْرو، واسْمه حَفْص بن عبد الله بن رَاشد أَبُو عَليّ السّلمِيّ، مَاتَ سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبوهُ حَفْص أَبُو عَمْرو، قَاضِي نيسابور، الثَّالِث: إِبْرَاهِيم بن طهْمَان أَبُو سعيد. الرَّابِع: الْحجَّاج بن الْحجَّاج الْأَسْلَمِيّ الْبَاهِلِيّ الْأَحول. الْخَامِس: قَتَادَة بن دعامة. السَّادِس: عبد الله بن أبي عتبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة. مولى أنس بن مَالك. السَّابِع: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، سعد بن مَالك. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده، وَأَنه ذكر فِي بعض النّسخ مُجَردا، وَفِي بَعْضهَا أَحْمد بن حَفْص، وَأَنه وأباه نيسابوريان وَأَن إِبْرَاهِيم هروي سكن نيسابور ثمَّ سكن مَكَّة، مَاتَ سنة سِتِّينَ وَمِائَة، وَأَن الْحجَّاج وَقَتَادَة وَعبد الله بصريون. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (ليحجن) ، بِضَم الْيَاء وَفتح الْحَاء وَالْجِيم على صِيغَة الْمَجْهُول، مؤكدا بالنُّون الثَّقِيلَة، وَكَذَلِكَ قَوْله: (ليعتمرن) . قَوْله: (يَأْجُوج وَمَأْجُوج) إسمان أعجميان بِدَلِيل منع الصّرْف، وقرىء فِي الْقُرْآن مهموزين، وَقيل: يَأْجُوج من التّرْك، وَمَأْجُوج من الجيل والديلم، وَقيل: هم على صنفين: طوال مفرطوا الطول، وقصار مفرطوا الْقصر. تابَعَهُ أبانُ وعِمْرَانُ عَنْ قَتَادَةَ أَي: تَابع عبد الله بن أبي عتبَة أبان بن يزِيد الْعَطَّار عَن قَتَادَة، وَكَذَلِكَ تَابعه عمرَان الْقطَّان عَن قَتَادَة، ومتابعتهما على لفظ الْمَتْن. أما مُتَابعَة أبان فوصلها الإِمَام أَحْمد: عَن عَفَّان وسُويد بن عَمْرو الْكَلْبِيّ، وَعبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث، ثَلَاثَتهمْ عَن أبان، فَذكر مثله، وَأما مُتَابعَة عمرَان فوصلها أَحْمد أَيْضا: عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَنهُ، وَكَذَا أخرجه ابْن خُزَيْمَة وَأَبُو يعلى من طَرِيق الطَّيَالِسِيّ، وَقد تَابع هَؤُلَاءِ سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة، أخرجه عبد بن حميد عَن روح بن عبَادَة عَنهُ، وَلَفظه: (أَن النَّاس ليحجون ويعتمرون ويغرسون النّخل بعد خُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج) . وَقَالَ عَبْدُ الرحمانِ عَن شُعْبَةَ قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُحَجَّ الْبَيْتُ أَي: قَالَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة بِهَذَا السَّنَد: لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى لَا يحجّ الْبَيْت، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْحَاكِم من طَرِيق أَحْمد بن حَنْبَل عَنهُ. وَالأوَّلُ أكْثَرُ

стр. 2735

أَرَادَ البُخَارِيّ بِالْأولِ من تقدم ذكرهم قبل شُعْبَة، وَإِنَّمَا قَالَ: أَكثر، لِاتِّفَاق أُولَئِكَ على اللَّفْظ الْمَذْكُور، وانفراد شُعْبَة بِمَا يخالفهم، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن ظاهرهما التَّعَارُض، لِأَن الأول يدل على أَن الْبَيْت يحجّ بعد أَشْرَاط السَّاعَة. وَالثَّانِي: يدل على أَنه لَا يحجّ، وَيُمكن الْجمع بَينهمَا بِأَن يُقَال: لَا يلْزم من حج النَّاس بعد خُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج أَن يمْتَنع الْحَج فِي وَقت مَا عِنْد قرب ظُهُور السَّاعَة، وَالَّذِي يظْهر، وَالله أعلم، أَن يكون المُرَاد بقوله: (ليحجن الْبَيْت) أَي: مَكَان الْبَيْت، وَيدل على ذَلِك مَا رُوِيَ أَن الْحَبَشَة إِذا خربوه لم يعمر بعد ذَلِك على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَقَالَ التَّيْمِيّ: قَالَ البُخَارِيّ: وَالْأول أَكثر، يَعْنِي: الْبَيْت يحجّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. سَمِعَ قَتَادةُ عَبْدَ الله وعَبْدُ الله أبَا سَعِيدٍ وَفِي بعض النّسخ قَالَ أَبُو عبد الله أَي: البُخَارِيّ نَفسه، سمع قَتَادَة عبد الله بن أبي عُتَيّة الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث الْمَذْكُور، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن قَتَادَة لما كَانَ مدلسا صرح بِأَن عنعنته مقرونة بِالسَّمَاعِ. قَوْله: (وَعبد الله) أَي: سمع عبد الله بن أبي عتبَة أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ. ٨٤ - (بابُ كِسْوَةِ الكَعْبَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم التصوف فِي كسْوَة الْكَعْبَة. ٤٩٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا خالِدُ بنُ الحَارِثِ قَالَ حدَّثنا سُفيَانُ قَالَ حَدثنَا واصِلٌ الأحْدَبُ عنْ أبِي وَائِلٍ قَالَ جِئتُ إِلَيّ شَيْبَةَ (ح) وحدَّثنا قَبيصَةُ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ وَاصِلٍ عنْ أبي وَائِلٍ قَالَ جلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلى الكُرْسِيِّ فِي الكَعْبَةِ فقالَ لَقَدْ جَلَسَ هاذا المَجْلِسَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فقالَ لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ لَا أدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ ولَا بَيْضَاءَ إلَاّ قَسَمْتُهُ قُلْتُ أنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلا قالَ هُمَا المَرْآنِ أقْتَدِي بِهِمَا. (الحَدِيث ٤٩٥١ طرفه فِي: ٥٧٢٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة من وُجُوه: الأول: أَنه مَعْلُوم أَن الْمُلُوك فِي كل زمَان كَانُوا يتفاخرون بكسوة الْكَعْبَة برفيع الثِّيَاب المنسوجة بِالذَّهَب وَغَيره، كَمَا يتفاخرون بتسبيل الْأَمْوَال لَهَا، فَأَرَادَ البُخَارِيّ أَن عمر بن الْخطاب لما رأى قسْمَة الذَّهَب وَالْفِضَّة صَوَابا، كَانَ حُكْم الْكسْوَة حُكم المالِ يجوز قسمتهَا، بل مَا فضل من كسوتها أولى بِالْقِسْمَةِ. الثَّانِي: أَنه يحْتَمل أَن يكون مَقْصُود البُخَارِيّ التَّنْبِيه على أَن كسْوَة الْكَعْبَة مَشْرُوعَة، وَالْحجّة فِيهَا أَنَّهَا لم تزل تقصد بِالْمَالِ فَيُوضَع فِيهَا على معنى الزِّينَة إعظاما لَهَا، فالكسوة من هَذَا الْقَبِيل. الثَّالِث: أَنه يحْتَمل أَن يكون أَرَادَ مَا فِي بعض طرق الحَدِيث كعادته، وَيكون هُنَاكَ طَرِيق مُوَافقَة للتَّرْجَمَة وَتَركه إِيَّاه إِمَّا لخلل شَرطه وَإِمَّا لتبحر النَّاظر فِيهِ. الرَّابِع: أَنه يحْتَمل أَن يكون أَخذه من قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لَا أخرج حَتَّى أقسم مَال الْكَعْبَة، فَالْمَال يُطلق على كل مَا يتمول بِهِ، فَيدْخل فِيهِ الْكسْوَة. الْخَامِس: أَنه لَعَلَّ الْكَعْبَة كَانَت مكسوة وَقت جُلُوس عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَحَيْثُ لم يُنكره وقررها دلّ على جَوَازهَا، والترجمة يحْتَمل أَن يُقَال فِيهَا: بَاب فِي مَشْرُوعِيَّة الْكسْوَة كَمَا ذكرنَا. السَّادِس: أَنه يحْتَمل أَن يكون الحَدِيث مُخْتَصرا طوى فِيهِ ذكر الْكسْوَة. فَمن هَذِه الْوُجُوه يتَوَجَّه الرَّد على الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي قَوْله: لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب لكسوة الْكَعْبَة ذكرٌ، يَعْنِي فَلَا يُطَابق التَّرْجَمَة. ذكر رِجَاله: وهم: ثَمَانِيَة: الأول: عبد الله بن عبد الْوَهَّاب أَبُو مُحَمَّد الحَجبي. الثَّانِي: خَالِد بن الْحَارِث أَبُو عبد الله الحَجبي. الثَّالِث: سُفْيَان الثَّوْريّ فِي الطَّرِيقَيْنِ. الرَّابِع: وأصل بن حَيَّان الأحدب الْأَسدي. الْخَامِس: أَبُو وَائِل شَقِيق ابْن سَلمَة. السَّادِس: شيبَة بن عُثْمَان الحَجبي، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم المفتوحتين، الْعَبدَرِي، أسلم يَوْم الْفَتْح وَأعْطى النَّبِي ﷺ لَهُ وَلابْن عَمه عُثْمَان بن طَلْحَة مِفْتَاح الْكَعْبَة، وَقَالَ: خذوها يَا بني أبي طَلْحَة خالدة تالدة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، لَا يَأْخُذ مِنْكُم
следующие страницы →