← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بنت سعد بن أبي وَقاص وَقَالَ أَصْحَابنَا فِي طَبَقَات الْفُقَهَاء وَفِي مَنَاقِب أبي حنيفَة أَن مَالك بن أنس كَانَ يسْأَل أَبَا حنيفَة ﵁ وَيَأْخُذ بقوله وَبَعْضهمْ ذكر أَنه كَانَ رُبمَا سمع مِنْهُ متنكرا وَذكروا أَيْضا أَن أَبَا حنيفَة سمع مِنْهُ أَيْضا وَمن الْأَعْلَام الَّذين رووا عَنهُ سُفْيَان الثَّوْريّ وَمَات قبله وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَشعْبَة بن الْحجَّاج وَمَات قبله وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل وَعبد الله بن الْمُبَارك وَعبد الرَّحْمَن الْأَوْزَاعِيّ وَهُوَ أكبر مِنْهُ وَعبد الله بن مسلمة القعْنبِي وَعبد الله بن جريج وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن وقتيبة بن سعيد وَاللَّيْث بن سعد وَهُوَ من أقرانه وَمُحَمّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَهُوَ من شُيُوخه وَقيل لَا يَصح وَهُوَ الْأَصَح وروى عَنهُ الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ وَهُوَ أحد مشايخه روى عَنهُ وَأخذ عَنهُ الْعلم وَأما الَّذين رووا عَنهُ الْمُوَطَّأ وَالَّذين رووا عَنهُ مسَائِل الْآي فَأكْثر من أَن يحصوا قد بلغ فيهم أَبُو الْحسن عَليّ بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب جمعه فِي ذَلِك نَحْو ألف رجل وَأخذ الْقِرَاءَة عرضا عَن نَافِع بن أبي نعيم وَقَالَ البُخَارِيّ أصح الْأَسَانِيد مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ وَقَالَ ابْن معِين كل من روى عَنهُ مَالك ثِقَة إِلَّا أَبَا أُميَّة وَقَالَ غير وَاحِد هُوَ أثبت أَصْحَاب نَافِع وَالزهْرِيّ وَعَن الشَّافِعِي ﵁ إِذا جَاءَك الحَدِيث عَن مَالك فَشد بِهِ يَديك وَإِذا جَاءَ الْأَثر فمالك النَّجْم وَعنهُ مَالك بن أنس معلمي وَعنهُ أَخذنَا الْعلم وَعنهُ قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ أَقمت عِنْد مَالك بن أنس ثَلَاث سِنِين وكسرا وَكَانَ يَقُول أَنه سمع مِنْهُ لفظا أَكثر من سَبْعمِائة حَدِيث وَكَانَ إِذا حَدثهمْ عَن مَالك امْتَلَأَ منزله وَكثر النَّاس عَلَيْهِ حَتَّى يضيق بهم الْموضع وَإِذا حَدثهمْ عَن غير مَالك من شُيُوخ الْكُوفِيّين لم يجئه إِلَّا الْيَسِير. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ وَكَانَ مَالك شعرًا شَدِيد الْبيَاض ربعَة من الرِّجَال كَبِير الرَّأْس أصلع وَكَانَ لَا يخضب وَكَانَ يلبس الثِّيَاب العدنية الْجِيَاد وَيكرهُ خلق الثِّيَاب ويعيبه وَيَرَاهُ من الْمثلَة وَهُوَ أَيْضا من الْعلمَاء الَّذين ابتلوا فِي دين الله. قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ ضرب مَالك بن أنس سبعين سَوْطًا لأجل فَتْوَى لم توَافق غَرَض السُّلْطَان وَيُقَال سعى بِهِ إِلَى جَعْفَر بن سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس وَهُوَ ابْن عَم أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَقَالُوا لَهُ إِنَّه لَا يرى إِيمَان بيعتكم هَذِه لشَيْء فَغَضب جَعْفَر ودعا بِهِ وجرده وضربه بالسياط ومدت يَده حَتَّى انخلع كتفه وارتكب مِنْهُ أمرا عَظِيما توفّي لَيْلَة أَربع عشرَة من صفر وَقيل من ربيع الأول سنة تسع وَسبعين وَمِائَة وَصلى عَلَيْهِ عبد الله بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس أَمِير الْمَدِينَة يَوْمئِذٍ وَدفن بِالبَقِيعِ وزرنا قَبره غير مرّة نسْأَل الله تَعَالَى العودة ومولده فِي ربيع الأول سنة أَربع وَتِسْعين وفيهَا ولد اللَّيْث بن سعد أَيْضا وَكَانَ حمل بِهِ فِي الْبَطن ثَلَاث سِنِين وَلَيْسَ فِي الروَاة مَالك بن أنس غير هَذَا الإِمَام وَغير مَالك بن أنس الْكُوفِي روى عَنهُ حَدِيث وَاحِد عَن هانىء بن حرَام وَقيل حرَام وَوهم بَعضهم فَأدْخل حَدِيثه فِي حَدِيث الإِمَام نبه عَلَيْهِ الْخَطِيب فِي كِتَابه الْمُتَّفق والمفترق وَهُوَ أحد الْمذَاهب السِّتَّة المبتدعة وَالثَّانِي الإِمَام أَبُو حنيفَة مَاتَ بِبَغْدَاد سنة خمسين وَمِائَة عَن سبعين سنة وَالثَّالِث الشَّافِعِي مَاتَ بِمصْر سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ عَن أَربع وَخمسين سنة وَالرَّابِع أَحْمد بن حَنْبَل مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ عَن ثَمَانِينَ سنة بِبَغْدَاد وَالْخَامِس سُفْيَان الثَّوْريّ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة عَن أَربع وَسِتِّينَ سنة وَالسَّادِس دَاوُد بن عَليّ الْأَصْبَهَانِيّ مَاتَ سنة تسعين وَمِائَتَيْنِ عَن ثَمَان وَثَمَانِينَ سنة بِبَغْدَاد وَهُوَ إِمَام الظَّاهِرِيَّة وَقد جمع الإِمَام أَبُو الْفضل يحيى بن سَلامَة الخصكفي الْخَطِيب الشَّافِعِي الْقُرَّاء السَّبْعَة فِي بَيت وائمة الْمذَاهب فِي بَيت فَقَالَ (جمعت لَك الْقُرَّاء لما أردتهم ... بِبَيْت ترَاهُ للأئمة جَامعا) (أَبُو عَمْرو عبد الله حَمْزَة عَاصِم ... عَليّ وَلَا تنس الْمَدِينِيّ نَافِعًا) (وَإِن شِئْت أَرْكَان الشَّرِيعَة فاستمع ... لتعرفهم فاحفظ إِذا كنت سَامِعًا) (مُحَمَّد والنعمان مَالك أَحْمد ... وسُفْيَان وَاذْكُر بعد دَاوُد تَابعا) الثَّالِث هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام الْقرشِي الْأَسدي أَبُو الْمُنْذر وَقيل أَبُو عبد الله أحد الْأَعْلَام تَابِعِيّ مدنِي رأى ابْن عمر وَمسح بِرَأْسِهِ ودعا لَهُ وجابرا وَغَيرهمَا ولد مقتل الْحُسَيْن ﵁ سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمَات بِبَغْدَاد سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة وَلم نَعْرِف أحدا شَاركهُ فِي اسْمه مَعَ اسْم أَبِيه الرَّابِع أَبُو عبد الله

стр. 37

عُرْوَة وَالِد هِشَام الْمَذْكُور الْمدنِي التَّابِعِيّ الْجَلِيل الْمجمع على جلالته وإمامته وَكَثْرَة علمه وبراعته وَهُوَ أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة وهم هُوَ وَسَعِيد بن الْمسيب وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق وَسليمَان بن يسَار وخارجة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء ثمَّ الْجِيم بن زيد بن ثَابت وَفِي السَّابِع ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن. الثَّانِي سَالم بن عبد الله بن عمر. الثَّالِث أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام وعَلى القَوْل الْأَخير جمعهم الشَّاعِر (أَلا إِن من لَا يَقْتَدِي بأئمة ... فقسمته ضيزى من الْحق خَارِجَة) (فخذهم عبيد الله عُرْوَة قَاسم ... سعيد أَبُو بكر سُلَيْمَان خَارِجَة) وَأم عُرْوَة أَسمَاء بنت الصّديق وَقد جمع الشّرف من وُجُوه فَرَسُول الله ﷺ صهره وَأَبُو بكر جده وَالزُّبَيْر وَالِده وَأَسْمَاء أمه وَعَائِشَة خَالَته ولد سنة عشْرين وَمَات سنة أَربع وَتِسْعين وَقيل سنة ثَلَاث وَقيل تسع. روى لَهُ الْجَمَاعَة وَلَيْسَ فِي السِّتَّة عُرْوَة بن الزبير سواهُ وَلَا فِي الصَّحَابَة أَيْضا الْخَامِس أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة بنت أبي بكر الصّديق ﵄ تكنى بِأم عبد الله كناها رَسُول الله ﷺ بِابْن أُخْتهَا عبد الله بن الزبير وَقيل بسقط لَهَا وَلَيْسَ بِصَحِيح وَعَائِشَة مَأْخُوذَة من الْعَيْش وَحكى عيشة لُغَة فصيحة وَأمّهَا أم رُومَان بِفَتْح الرَّاء وَضمّهَا زَيْنَب بنت عَامر وَهِي أم عبد الرَّحْمَن أخي عَائِشَة أَيْضا مَاتَت سنة سِتّ فِي قَول الْوَاقِدِيّ وَالزُّبَيْر وَهُوَ الْأَصَح تزَوجهَا رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة قبل الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ وَقيل بِثَلَاث وَقيل بِسنة وَنصف أَو نَحْوهَا فِي شَوَّال وَهِي بنت سِتّ سِنِين وَقيل سبع وَبنى بهَا فِي شَوَّال أَيْضا بعد وقْعَة بدر فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة أَقَامَت فِي صحبته ثَمَانِيَة أَعْوَام وَخَمْسَة أشهر وَتُوفِّي عَنْهَا وَهِي بنت ثَمَانِي عشرَة وَعَاشَتْ خمْسا وَسِتِّينَ سنة وَكَانَت من أكبر فُقَهَاء الصَّحَابَة وَأحد السِّتَّة الَّذين هم أَكثر الصَّحَابَة رِوَايَة رُوِيَ لَهَا ألفا حَدِيث وَمِائَتَا حَدِيث وَعشرَة أَحَادِيث اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم على مائَة وَأَرْبَعَة وَسبعين حَدِيثا وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بأَرْبعَة وَخمسين وَمُسلم بِثمَانِيَة وَخمسين رَوَت عَن خلق من الصَّحَابَة وروى عَنْهَا جماعات من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ قريب من الْمِائَتَيْنِ مَاتَت بعد الْخمسين إِمَّا سنة خمس أَو سِتّ أَو سبع أَو ثَمَان فِي رَمَضَان وَقيل فِي شَوَّال وَأمرت أَن تدفن لَيْلًا بعد الْوتر بِالبَقِيعِ وَصلى عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَهل هِيَ أفضل من خَدِيجَة بنت خويلد فِيهِ خلاف فَقَالَ بَعضهم عَائِشَة أفضل وَقَالَ آخَرُونَ خَدِيجَة أفضل وَبِه قَالَ القَاضِي وَالْمُتوَلِّيّ وَقطع ابْن الْعَرَبِيّ الْمَالِكِي وَآخَرُونَ وَهُوَ الْأَصَح وَكَذَلِكَ الْخلاف مَوْجُود هَل هِيَ أفضل أم فَاطِمَة وَالأَصَح أَنَّهَا أفضل من فَاطِمَة وَسمعت بعض أساتذتي الْكِبَار أَن فَاطِمَة أفضل فِي الدُّنْيَا وَعَائِشَة أفضل فِي الْآخِرَة وَالله أعلم وَجُمْلَة من فِي الصَّحَابَة اسْمه عَائِشَة عشرَة عَائِشَة هَذِه وَبنت سعد وَبنت حز وَبنت الْحَارِث القريشية وَبنت أبي سُفْيَان الأشهلية وَبنت عبد الرَّحْمَن بن عتِيك زَوْجَة ابْن رِفَاعَة وَبنت عُمَيْر الْأَنْصَارِيَّة وَبنت مُعَاوِيَة بن الْمُغيرَة أم عبد الْملك بن مَرْوَان وَبنت قدامَة بن مَظْعُون وَعَائِشَة من الأوهام وَإِنَّمَا هِيَ بنت عجرد وَسمعت ابْن عَبَّاس وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من اسْمه عَائِشَة من الصَّحَابَة سوى الصديقة وَفِيهِمَا عَائِشَة بنت طَلْحَة بن عبيد الله عَن خَالَتهَا عَائِشَة أصدقهَا مُصعب ألف ألف وَكَانَت بديعة جدا وَفِي البُخَارِيّ عَائِشَة بنت سعد بن أبي وَقاص تروي عَن أَبِيهَا وَفِي ابْن مَاجَه عَائِشَة بنت مَسْعُود بن العجماء العدوية عَن أَبِيهَا وعنها ابْن أَخِيهَا مُحَمَّد بن طَلْحَة وَلَيْسَ فِي مَجْمُوع الْكتب السِّتَّة غير ذَلِك وَثمّ عَائِشَة بنت سعد أُخْرَى بصرية تروي عَن الْحسن (فَإِن قلت) مَا أصل قَوْلهم فِي عَائِشَة وَغَيرهَا من أَزوَاج النَّبِي ﷺ أم الْمُؤمنِينَ قلت أَخَذُوهُ من قَوْله تَعَالَى ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ وَقَرَأَ مُجَاهِد وَهُوَ أَب لَهُم وَقيل أَنَّهَا قِرَاءَة أبي بن كَعْب وَهن أُمَّهَات فِي وجوب احترامهن وَبرهن وَتَحْرِيم نِكَاحهنَّ لَا فِي جَوَاز الْخلْوَة والمسافرة وَتَحْرِيم نِكَاح بناتهن وَكَذَا النّظر فِي الْأَصَح وَبِه جزم الرَّافِعِيّ وَمُقَابِله حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ وَهل يُقَال لأخوتهن أخوال الْمُسلمين ولأخواتهن خالات الْمُؤمنِينَ ولبناتهن أَخَوَات الْمُؤمنِينَ فِيهِ خلاف عِنْد الْعلمَاء وَالأَصَح الْمَنْع لعدم التَّوْقِيف وَوجه مُقَابِله أَنه مُقْتَضى ثُبُوت الأمومة وَهُوَ ظَاهر النَّص لكنه مؤول قَالُوا وَلَا يُقَال آباؤهن وأمهاتهن أجداد الْمُؤمنِينَ وجداتهم وَهل يُقَال فِيهِنَّ أُمَّهَات الْمُؤْمِنَات فِيهِ خلاف وَالأَصَح أَنه لَا يُقَال بِنَاء على الْأَصَح أَنَّهُنَّ لَا يدخلن فِي خطاب الرِّجَال وَعَن عَائِشَة رَضِي

стр. 38

الله عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت أَنا أم رجالكم لَا أم النِّسَاء وَهل يُقَال للنَّبِي ﷺ أَبُو الْمُؤمنِينَ فِيهِ وَجْهَان وَالأَصَح الْجَوَاز وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي أَيْضا أَي فِي الْحُرْمَة وَمعنى قَوْله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أحد من رجالكم﴾ لصلبه وَعَن الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق أَنه لَا يُقَال أَبونَا وَإِنَّمَا يُقَال هُوَ كأبينا لما رُوِيَ أَنه ﷺ أَنه قَالَ إِنَّمَا أَنا لكم كالوالد السَّادِس الْحَارِث بن هِشَام بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخْزُوم أَخُو أبي جهل لِأَبَوَيْهِ وَابْن عَم خَالِد بن الْوَلِيد شهد بَدْرًا كَافِرًا فَانْهَزَمَ وَأسلم يَوْم الْفَتْح وَحسن إِسْلَامه وَأَعْطَاهُ النَّبِي ﷺ يَوْم حنين مائَة من الْإِبِل قتل باليرموك سنة خمس عشرَة وَكَانَ شريفا فِي قومه وَله اثْنَان وَثَلَاثُونَ ولدا مِنْهُم أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة على قَول وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة الْحَارِث بن هِشَام إِلَّا هَذَا وَإِلَّا الْحَارِث بن هِشَام الْجُهَنِيّ روى عَنهُ المصريون ذكره ابْن عبد الْبر وَقَالَ بعض الشَّارِحين هَذَا الحَدِيث أدخلهُ الْحفاظ فِي مُسْند عَائِشَة دون الْحَارِث وَلَيْسَ لِلْحَارِثِ هَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ رِوَايَة وَإِنَّمَا لَهُ رِوَايَة فِي سنَن ابْن مَاجَه فَقَط وعده ابْن الْجَوْزِيّ فِيمَن روى من الصَّحَابَة حديثين مُرَاده فِي غير الصَّحِيحَيْنِ وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة فِي الصَّحِيحَيْنِ من اسْمه الْحَارِث غير الْحَارِث بن ربعي أبي قَتَادَة على أحد الْأَقْوَال فِي اسْمه والْحَارث بن عَوْف أبي وَاقد اللَّيْثِيّ وهما بكنيتهما أشهر وَأما خَارج الصَّحِيحَيْنِ فجماعات كَثِيرُونَ فَوق الْمِائَة وَالْخمسين قلت أَدخل الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده الْحَارِث بن هِشَام فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن عَامر بن صَالح عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة عَن الْحَارِث بن هِشَام قَالَ سَأَلت رَسُول الله ﷺ الحَدِيث وَاعْلَم أَن الْحَارِث قد يكْتب بِلَا ألف تَخْفِيفًا وَهِشَام بِكَسْر الْهَاء وبالشين الْمُعْجَمَة (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن رِجَاله كلهم مدنيون خلا شيخ البُخَارِيّ. وَمِنْهَا أَن فِيهِ تابعيا عَن تَابِعِيّ. وَمِنْهَا أَن قَوْلهَا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن تكون عَائِشَة ﵂ حَضرته وَالْآخر أَن يكون الْحَارِث أخْبرهَا بذلك فعلى الأول ظَاهر الِاتِّصَال وعَلى الثَّانِي مُرْسل صَحَابِيّ وَهُوَ فِي حكم الْمسند. وَمِنْهَا أَن فِي الأول حَدثنَا عبد الله وَفِي الثَّانِي أخبرنَا مَالك والبواقي بِلَفْظَة عَن الْمُسَمَّاة بالعنعنة قَالَ القَاضِي عِيَاض لَا خلاف أَنه يجوز فِي السماع من لفظ الشَّيْخ أَن يَقُول السَّامع فِيهِ حَدثنَا وَأخْبرنَا وأنبأنا وسمعته يَقُول وَقَالَ لنا فلَان وَذكر فلَان وَإِلَيْهِ مَال الطَّحَاوِيّ وَصحح هَذَا الْمَذْهَب ابْن الْحَاجِب وَنقل هُوَ وَغَيره عَن الْحَاكِم أَنه مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَهُوَ مَذْهَب جمَاعَة من الْمُحدثين مِنْهُم الزُّهْرِيّ وَمَالك وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَيحيى الْقطَّان وَقيل أَنه قَول مُعظم الْحِجَازِيِّينَ والكوفيين وَقَالَ آخَرُونَ بِالْمَنْعِ فِي الْقِرَاءَة على الشَّيْخ إِلَّا مُقَيّدا مثل حَدثنَا فلَان قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأخْبرنَا قِرَاءَة عَلَيْهِ وَهُوَ مَذْهَب ابْن الْمُبَارك وَأحمد بن حَنْبَل وَيحيى بن يحيى التَّمِيمِي وَالْمَشْهُور عَن النَّسَائِيّ وَصَححهُ الْآمِدِيّ وَالْغَزالِيّ وَهُوَ مَذْهَب الْمُتَكَلِّمين وَقَالَ آخَرُونَ بِالْمَنْعِ فِي حَدثنَا وَالْجَوَاز فِي أخبرنَا وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأَصْحَابه وَمُسلم بن الْحجَّاج وَجُمْهُور أهل الْمشرق وَنقل عَن أَكثر الْمُحدثين مِنْهُم ابْن جريج وَالْأَوْزَاعِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن وهب وَقيل أَنه أول من أحدث هَذَا الْفرق بِمصْر وَصَارَ هُوَ الشَّائِع الْغَالِب على أهل الحَدِيث وَالْأَحْسَن أَن يُقَال فِيهِ أَنه اصْطِلَاح مِنْهُم أَرَادوا التَّمْيِيز بَين النَّوْعَيْنِ وخصصوا قِرَاءَة الشَّيْخ بحدثنا لقُوَّة إشعاره بالنطق والمشافهة وَاخْتلف فِي المعنعن فَقَالَ بَعضهم هُوَ مُرْسل وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الجماهير أَنه مُتَّصِل إِذا أمكن لِقَاء الرَّاوِي الْمَرْوِيّ عَنهُ وَقَالَ النَّوَوِيّ ادّعى مُسلم إِجْمَاع الْعلمَاء على أَن المعنعن وَهُوَ الَّذِي فِيهِ فلَان عَن فلَان: مَحْمُول على الِاتِّصَال وَالسَّمَاع إِذا أمكن لِقَاء من أضيفت العنعنة إِلَيْهِم بَعضهم بَعْضًا يَعْنِي مَعَ براءتهم من التَّدْلِيس وَنقل أَي مُسلم عَن بعض أهل عصره أَنه قَالَ لَا يحمل على الِاتِّصَال حَتَّى يثبت أَنَّهُمَا التقيا فِي عمرهما مرّة فَأكْثر وَلَا يَكْفِي إِمْكَان تلاقيهما وَقَالَ هَذَا قَول سَاقِط وَاحْتج عَلَيْهِ بِأَن المعنعن مَحْمُول على الِاتِّصَال إِذا ثَبت التلاقي مَعَ احْتِمَال الْإِرْسَال وَكَذَا إِذا أمكن التلاقي قَالَ النَّوَوِيّ وَالَّذِي رده هُوَ الْمُخْتَار الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة هَذَا الْفَنّ البُخَارِيّ وَغَيره وَقد زَاد جمَاعَة عَلَيْهِ فَاشْترط الْقَابِسِيّ أَن يكون قد أدْركهُ إدراكا بَينا وَأَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ طول الصُّحْبَة بَينهمَا (بَيَان تعدد الحَدِيث وَمن أخرجه غَيره) قد رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا فِي بده الْخلق عَن فَرْوَة عَن عَليّ بن مسْهر عَن

стр. 39

همام. وَرَوَاهُ مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن ابْن عُيَيْنَة عَن أبي كريب عَن أبي أُسَامَة وَعَن ابْن نمير عَن أبي بشر عَنهُ (بَيَان اللُّغَات) قَوْله الْوَحْي قد فسرناه فِيمَا مضى ولنذكر هَهُنَا أقسامه وصوره أما أقسامه فِي حق الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فعلى ثَلَاثَة أضْرب أَحدهَا سَماع الْكَلَام الْقَدِيم كسماع مُوسَى ﵇ بِنَصّ الْقُرْآن وَنَبِينَا ﷺ بِصَحِيح الْآثَار الثَّانِي وَحي رِسَالَة بِوَاسِطَة الْملك الثَّالِث وَحي تلق بِالْقَلْبِ كَقَوْلِه ﷺ إِن روح الْقُدس نفث فِي روعي أَي فِي نَفسِي وَقيل كَانَ هَذَا حَال دَاوُد ﵇ وَالْوَحي إِلَى غير الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام بِمَعْنى الإلهام كالوحي إِلَى النَّحْل وَأما صوره على مَا ذكره السُّهيْلي فسبعة الأولى الْمَنَام كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث الثَّانِيَة أَن يَأْتِيهِ الْوَحْي مثل صلصلة الجرس كَمَا جَاءَ فِيهِ أَيْضا الثَّالِثَة أَن ينفث فِي روعه الْكَلَام كَمَا مر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور آنِفا وَقَالَ مُجَاهِد وَغَيره فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا﴾ وَهُوَ أَن ينفث فِي روعه بِالْوَحْي الرَّابِعَة أَن يتَمَثَّل لَهُ الْملك رجلا كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث وَقد كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَة دحْيَة قلت اخْتِصَاص تمثله بِصُورَة دحْيَة دون غَيره من الصَّحَابَة لكَونه أحسن أهل زَمَانه صُورَة وَلِهَذَا كَانَ يمشي متلثما خوفًا أَن يفتتن بِهِ النِّسَاء الْخَامِسَة أَن يتَرَاءَى لَهُ جِبْرِيل ﵇ فِي صورته الَّتِي خلقهَا الله تَعَالَى لَهُ بستمائة جنَاح ينتشر مِنْهَا اللُّؤْلُؤ والياقوت السَّادِسَة أَن يكلمهُ الله تَعَالَى من وَرَاء حجاب إِمَّا فِي الْيَقَظَة كليلة الْإِسْرَاء أَو فِي النّوم كَمَا جَاءَ فِي التِّرْمِذِيّ مَرْفُوعا أَتَانِي رَبِّي فِي أحسن صُورَة فَقَالَ فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى الحَدِيث وَحَدِيث عَائِشَة الْآتِي ذكره فَجَاءَهُ الْملك فَقَالَ اقْرَأ ظَاهره أَن ذَلِك كَانَ يقظة وَفِي السِّيرَة. فَأَتَانِي وَأَنا نَائِم وَيُمكن الْجمع بِأَنَّهُ جَاءَ أَولا مناما تَوْطِئَة وتيسيرا عَلَيْهِ وترفقا بِهِ. وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ مكث ﷺ بِمَكَّة خمس عشرَة سنة يسمع الصَّوْت وَيرى الضَّوْء سبع سِنِين وَلَا يرى شَيْئا وثماني سِنِين يُوحى إِلَيْهِ السَّابِعَة وَحي إسْرَافيل ﵇ كَمَا جَاءَ عَن الشّعبِيّ أَن النَّبِي ﷺ وكل بِهِ إسْرَافيل ﵇ فَكَانَ يتَرَاءَى لَهُ ثَلَاث سِنِين ويأتيه بِالْكَلِمَةِ من الْوَحْي وَالشَّيْء ثمَّ وكل بِهِ جِبْرِيل ﵇ وَفِي مُسْند أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح عَن الشّعبِيّ أَن رَسُول الله ﷺ نزلت عَلَيْهِ النُّبُوَّة وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة فقرن بنبوته إسْرَافيل ﵇ ثَلَاث سِنِين فَكَانَ يُعلمهُ الْكَلِمَة وَالشَّيْء وَلم ينزل الْقُرْآن فَلَمَّا مَضَت ثَلَاث سِنِين قرن بنبوته جِبْرِيل ﵇ فَنزل الْقُرْآن على لِسَانه عشْرين سنة عشرا بِمَكَّة وَعشرا بِالْمَدِينَةِ فَمَاتَ وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة وَأنكر الْوَاقِدِيّ وَغَيره كَونه وكل بِهِ غير جِبْرِيل ﵇ وَقَالَ أَحْمد بن مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ أَكثر مَا كَانَ فِي الشَّرِيعَة مِمَّا أوحى إِلَى رَسُول الله ﷺ على لِسَان جِبْرِيل ﵇ قَوْله أَحْيَانًا جمع حِين وَهُوَ الْوَقْت يَقع على الْقَلِيل وَالْكثير قَالَ الله تَعَالَى ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر﴾ أَي مُدَّة من الدَّهْر قَالَ الْجَوْهَرِي الْحِين الْوَقْت والحين الْمدَّة وَفُلَان يفعل كَذَا أَحْيَانًا وَفِي الْأَحَايِين. وَالْحَاصِل أَن الْحِين يُطلق على لَحْظَة من الزَّمَان فَمَا فَوْقه وَعند الْفُقَهَاء الْحِين وَالزَّمَان يَقع على سِتَّة أشهر حَتَّى لَو حلف لَا يكلمهُ حينا أَو زَمَانا أَو الْحِين أَو الزَّمَان فَهُوَ على سِتَّة أشهر قَالُوا لِأَن الْحِين قد يُرَاد بِهِ الزَّمَان الْقَلِيل وَقد يُرَاد بِهِ أَرْبَعُونَ سنة قَالَ الله تَعَالَى ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر﴾ أَي أَرْبَعُونَ سنة وَقد يُرَاد بِهِ سِتَّة أشهر قَالَ الله تَعَالَى ﴿تؤتي أكلهَا كل حِين﴾ قلت هَذَا إِذا لم ينْو شَيْئا أما إِذا نوى شَيْئا فَهُوَ على مَا نَوَاه لِأَنَّهُ حَقِيقَة كَلَامه قَوْله مثل صلصلة الجرس الصلصلة بِفَتْح الصادين الْمُهْمَلَتَيْنِ الصَّوْت المتدارك الَّذِي لَا يفهم أول وهلة. وَيُقَال هِيَ صَوت كل شَيْء مصوت كصلصلة السلسلة وَفِي الْعباب صلصلة اللجام صَوته إِذا ضوعف. وَقَالَ الْخطابِيّ يُرِيد أَنه صَوت متدارك يسمعهُ وَلَا يشْتَبه أول مَا يقرع سَمعه حَتَّى يفهمهُ من بعد وَقَالَ أَبُو عَليّ الهجري فِي أَمَالِيهِ الصلصلة للحديد والنحاس والصفر ويابس الطين وَمَا أشبه ذَلِك صَوته. وَفِي الْمُحكم صل يصل صليلا وصلصل وتصلصل صلصلة وتصلصلا صَوت فَإِن توهمت تَرْجِيع صَوت قلت صلصل وتصلصل. وَقَالَ القَاضِي الصلصلة صَوت الْحَدِيد فِيمَا لَهُ طنين وَقيل معنى الحَدِيث هُوَ قُوَّة صَوت حفيف أَجْنِحَة الْمَلَائِكَة لتشغله عَن غير

стр. 40

ذَلِك وَيُؤَيِّدهُ الرِّوَايَة الْأُخْرَى كَأَنَّهُ سلسلة على صَفْوَان أَي حفيف الأجنحة والجرس بِفَتْح الرَّاء هُوَ الجلجل الَّذِي يعلق فِي رَأس الدَّوَابّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي الجرس شبه ناقوس صَغِير أَو صطل فِي دَاخله قِطْعَة نُحَاس مُعَلّق منكوسا على الْبَعِير فَإِذا تحرّك تحركت النحاسة فأصابت الصطل فَتحصل صلصلة والعامة تَقول جرص بالصَّاد وَلَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب كلمة اجْتمع فِيهَا الصَّاد وَالْجِيم إِلَّا الصمج وَهُوَ الْقنْدِيل وَأما الجص فمعرب قَالَ ابْن دُرَيْد اشتقاقه من الجرس أَي الصَّوْت والحس وَقَالَ ابْن سَيّده الجرس والجرس والجرس الْأَخِيرَة عَن كرَاع الْحَرَكَة وَالصَّوْت من كل ذِي صَوت وَقيل الجرس بِالْفَتْح إِذا أفرد فَإِذا قَالُوا مَا سَمِعت لَهُ حسا وَلَا جرسا كسروا فاتبعوا اللَّفْظ بِاللَّفْظِ قَالَ الصغاني قَالَ ابْن السّكيت الجرس والجرس الصَّوْت وَلم يفرق وَقَالَ اللَّيْث الجرس مصدر الصَّوْت المجروس والجرس بِالْكَسْرِ الصَّوْت نَفسه وجرس الْحَرْف نَغمَة الصَّوْت والحروف الثَّلَاثَة لَا جروس لَهَا أَعنِي الْوَاو وَالْيَاء وَالْألف اللينة وَسَائِر الْحُرُوف مجروسة قَوْله فَيفْصم فِيهِ ثَلَاث رِوَايَات الأولى وَهِي أفصحها بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَإِسْكَان الْفَاء وَكسر الصَّاد وَقَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ يقطع ويتجلى مَا يَغْشَانِي مِنْهُ قَالَ وأصل الفصم الْقطع وَمِنْه ﴿لَا انفصام لَهَا﴾ وَقيل أَنه الصدع بِلَا إبانة وبالقاف قطع بإبانة فَمَعْنَى الحَدِيث أَن الْملك فَارقه ليعود الثَّانِيَة بِضَم أَوله وَفتح ثالثه وَهِي رِوَايَة أبي ذَر الْهَرَوِيّ قلت هُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمُضَارع الثلاثي فَافْهَم الثَّالِثَة بِضَم أَوله وَكسر الثَّالِثَة من أفصم الْمَطَر إِذا أقلع وَهِي لُغَة قَليلَة قلت هَذَا من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ وَمِنْه أفصمت عَنهُ الْحمى قَوْله وَقد وعيت بِفَتْح الْعين أَي فهمت وجمعت وحفظت قَالَ صَاحب الْأَفْعَال وعيت الْعلم حفظته ووعيت الْأذن سَمِعت وأوعيت الْمَتَاع جمعته فِي الْوِعَاء وَقَالَ ابْن القطاع وأوعيت الْعلم مثل وعيته وَقَوله تَعَالَى ﴿وَالله أعلم بِمَا يوعون﴾ أَي بِمَا يضمرون فِي قُلُوبهم من التَّكْذِيب وَقَالَ الزّجاج بِمَا يحملون فِي قُلُوبهم فَهَذَا من أوعيت الْمَتَاع قَوْله يتَمَثَّل أَي يتَصَوَّر مُشْتَقّ من الْمِثَال وَهُوَ أَن يتَكَلَّف أَن يكون مِثَالا لشَيْء آخر وشبيها لَهُ قَوْله الْملك جسم علوي لطيف يتشكل بِأَيّ شكل شَاءَ وَهُوَ قَول أَكثر الْمُسلمين وَقَالَت الفلاسفة الْمَلَائِكَة جَوَاهِر قَائِمَة بأنفسها لَيست بمتحيزة الْبَتَّةَ فَمنهمْ من هِيَ مستغرقة فِي معرفَة الله تَعَالَى فهم الْمَلَائِكَة المقربون وَمِنْهُم مدبرات هَذَا الْعَالم إِن كَانَت خيرات فهم الْمَلَائِكَة الأرضية وَإِن كَانَت شريرة فهم الشَّيَاطِين قَوْله رجلا قَالَ فِي الْعباب الرجل خلاف الْمَرْأَة وَالْجمع رجال ورجالات مثل جمال وجمالات وَقَالَ الْكسَائي جمعُوا رجلا رجلة مثل عنبة وأراجل قَالَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذلِيّ (أهم بنيه صيفهم وشتاؤهم ... وَقَالُوا تعد واغز وسط الأراجل) يَقُول أهمتهم نَفَقَة صيفهم وشتائهم وَقَالُوا لأبيهم تعد أَي انْصَرف عَنَّا وتصغير الرجل رجيل ورويجل أَيْضا على غير قِيَاس كَأَنَّهُ تَصْغِير راجل وَمِنْه قَوْله ﷺ أَفْلح الرويجل إِن صدق فَإِن قلت هَل يُطلق على الْمُؤَنَّث من هَذِه الْمَادَّة قلت نعم قيل الْمَرْأَة رجلة أنْشد أَبُو عَليّ وَغَيره (خرقوا جيب فَتَاتهمْ ... لم يراعوا حُرْمَة الرجلة) وَفِي شرح الْإِيضَاح اسْتشْهد بِهِ أَبُو عَليّ على قَوْله الرجلة مؤنث الرجل وَقَول الْفُقَهَاء الرجل كل ذكر من بني آدم جَاوز حد الْبلُوغ منقوض بِهِ وبإطلاق الرجل على الصَّغِير أَيْضا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن كَانَ رجل يُورث كَلَالَة﴾ قَوْله وَإِن جَبينه الجبين طرف الْجَبْهَة وللإنسان جبينان يكتنفان الْجَبْهَة وَيُقَال الجبين غير الْجَبْهَة وَهُوَ فَوق الصدغ وهما جبينان عَن يَمِين الْجَبْهَة وشمالها قَوْله ليتفصد بِالْفَاءِ وَالصَّاد الْمُهْملَة أَي يسيل من التفصد وَهُوَ السيلان وَمِنْه الفصد وَهُوَ قطع الْعرق لإسالة الدَّم قَوْله عرقا بِفَتْح الرَّاء وَهُوَ الرُّطُوبَة الَّتِي تترشح من مسام الْبدن (بَيَان الصّرْف) قَوْله أشده عَليّ الأشد أفعل التَّفْضِيل من شدّ يشد قَوْله فَيفْصم من فَصم يفصم فصما من بَاب ضرب يضْرب وَلما كَانَت الْفَاء من الْحُرُوف الرخوة قَالَت الاشتقاقيون الفصم هُوَ الْقطع بِلَا إبانة وَالْقَاف لما كَانَت من الْحُرُوف الشَّدِيدَة والقلقلة الَّتِي فِيهَا ضغط وَشدَّة قَالُوا القصم بِالْقَافِ هُوَ الْقطع بإبانة واعتبروا فِي المعنين الْمُنَاسبَة قَوْله الْملك أَصله ملأك تركت الْهمزَة لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال واشتقاقه من الألوكة وَهِي الرسَالَة يُقَال ألكني إِلَيْهِ أَي أَرْسلنِي وَمِنْه سمى الْملك لِأَنَّهُ رَسُول من الله تَعَالَى وَجمعه مَلَائِكَة قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الْمَلَائِكَة جمع ملأك على وزن الأَصْل كالشمائل جمع

стр. 41

شمأل وإلحاق التَّاء لتأنيث الْجمع قلت إِنَّمَا قَالَ كَذَلِك حَتَّى لَا يظنّ أَنه جمع ملك لِأَن وَزنه فعل وَهُوَ لَا يجمع على فعائل وَلَكِن أَصله ملأك وَلما أُرِيد جمعه رد إِلَى أَصله كَمَا أَن الشَّمَائِل وَهِي الرِّيَاح جمع شمأل بِالْهَمْز فِي الأَصْل لَا جمع شمال لِأَن فعالا لَا يجمع على فعائل وَفِي الْعباب الألوك والألوكة والمالكة وَالْمَالِك الرسَالَة وَإِنَّمَا سميت الرسَالَة الألوكة لِأَنَّهَا تولك فِي الْفَم من قَول الْعَرَب الْفرس يألك اللجام ألكا أَي يعلكه علكا وَقَالَ ابْن عباد قد يكون الألوك الرَّسُول وَقَالَ الصغاني والتركيب يدل على تحمل الرسَالَة قَوْله وعيت من وعاه إِذا حفظه يعيه وعيا فَهُوَ واع وَذَاكَ موعى وَأذن وَاعِيَة (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله رَسُول الله مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول سَأَلَ وَقَوله الْوَحْي بِالرَّفْع فَاعل يَأْتِيك قَوْله أَحْيَانًا نصب على الظّرْف وَالْعَامِل فِيهِ قَوْله يأتيني مُؤَخرا قَوْله مثل بِالنّصب قَالَ الْكرْمَانِي هُوَ حَال أَي يأتيني مشابها صَوته صلصلة الجرس قلت وَيجوز أَن يكون صفة لمصدر مَحْذُوف أَي يأتيني إتيانا مثل صلصلة الجرس وَيجوز فِيهِ الرّفْع من حَيْثُ الْعَرَبيَّة لَا من حَيْثُ الرِّوَايَة وَالتَّقْدِير هُوَ مثل صلصلة الجرس قَوْله وَهُوَ أشده الْوَاو فِيهِ للْحَال قَوْله فَيفْصم عطف على قَوْله يأتيني وَالْفَاء من جملَة حُرُوف الْعَطف كَمَا علم فِي موضعهَا وَلَكِن تفِيد ثَلَاثَة أُمُور التَّرْتِيب إِمَّا معنوي كَمَا فِي قَامَ زيد فعمرو وَإِمَّا ذكري وَهُوَ عطف مفصل على مُجمل نَحْو ﴿فأزلهما الشَّيْطَان عَنْهَا فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ والتعقيب وَهُوَ فِي كل شَيْء بِحَسبِهِ والسببية وَذَلِكَ غَالب فِي العاطفة جملَة أَو صفة نَحْو ﴿فوكزه مُوسَى فَقضى عَلَيْهِ﴾ و ﴿لآكلون من شجر من زقوم فمالؤن مِنْهَا الْبُطُون فشاربون عَلَيْهِ من الْحَمِيم﴾ قَوْله وَقد وعيت الْوَاو للْحَال وَقد علم أَن الْمَاضِي إِذا وَقع حَالا يجوز فِيهِ الْوَاو وَتَركه وَلكنه لَا بُد من قد إِمَّا ظَاهِرَة أَو مقدرَة وَهَهُنَا جَاءَ بِالْوَاو وبقد ظَاهِرَة والمقدرة بِلَا وَاو نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿أَو جاؤكم حصرت صُدُورهمْ﴾ وَالتَّقْدِير قد حصرت قَوْله مَا قَالَ جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا مفعول لقَوْله وَقد وعيت وَكلمَة مَا مَوْصُولَة وَقَوله قَالَ جملَة صلتها والعائد مَحْذُوف تَقْدِيره مَا قَالَه وَاعْلَم أَن الْجُمْلَة لَا حَظّ لَهَا من الْإِعْرَاب إِلَّا إِذا وَقعت موقع الْمُفْرد وَذَلِكَ بِحكم الاستقراء فِي سِتَّة مَوَاضِع خبر الْمُبْتَدَأ وَخبر بَاب إِن وَخبر بَاب كَانَ وَالْمَفْعُول الثَّانِي من بَاب حسبت وَصفَة النكرَة وَالْحَال قَوْله وَأَحْيَانا عطف على أَحْيَانًا الأولى قَوْله الْملك بِالرَّفْع فَاعل لقَوْله يتَمَثَّل قَوْله لي اللَّام فِيهِ للتَّعْلِيل أَي لأجلي وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى عِنْد أَي يتَمَثَّل عِنْدِي الْملك رجلا كَمَا فِي قَوْلك كتبت لخمس خلون قَوْله رجلا نصب على أَنه تَمْيِيز قَالَه أَكثر الشُّرَّاح وَفِيه نظر لِأَن التَّمْيِيز مَا يرفع الْإِبْهَام المستقر عَن ذَات مَذْكُورَة أَو مقدرَة فَالْأول نَحْو عِنْدِي رَطْل زيتا وَالثَّانِي نَحْو طَابَ زيد نفسا قَالُوا وَالْفرق بَينهمَا أَن زيتا رفع الْإِبْهَام عَن رَطْل ونفسا لم يرفع إبهاما لَا عَن طَابَ وَلَا عَن زيد إِذْ لَا إِبْهَام فيهمَا بل رفع إِبْهَام مَا حصل من نسبته إِلَيْهِ وَهَهُنَا لَا يجوز أَن يكون من الْقسم الأول وَهُوَ ظَاهر وَلَا من الثَّانِي لِأَن قَوْله يتَمَثَّل لَيْسَ فِيهِ إِبْهَام وَلَا فِي قَوْله الْملك وَلَا فِي نِسْبَة التمثل إِلَى الْملك فَإِذن قَوْلهم هَذَا نصب على التَّمْيِيز غير صَحِيح بل الصَّوَاب أَن يُقَال أَنه مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض وَأَن الْمَعْنى يتَصَوَّر لي الْملك تصور رجل فَلَمَّا حذف الْمُضَاف الْمَنْصُوب بالمصدرية أقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه وَأَشَارَ الْكرْمَانِي إِلَى جَوَاز انتصابه بالمفعولية إِن ضمن تمثل معنى اتخذ أَي اتخذ الْملك رجلا مِثَالا وَهَذَا أَيْضا بعيد من جِهَة الْمَعْنى على مَا لَا يخفى وَإِلَى انتصابه بالحالية ثمَّ قَالَ فَإِن قلت الْحَال لَا بُد أَن يكون دَالا على الْهَيْئَة وَالرجل لَيْسَ بهيئة قلت مَعْنَاهُ على هَيْئَة رجل انْتهى. قلت الْأَحْوَال الَّتِي تقع من غير المشتقات لَا تؤول بِمثل هَذَا التَّأْوِيل وَإِنَّمَا تؤول من لَفظهَا كَمَا فِي قَوْلك هَذَا بسرا أطيب مِنْهُ رطبا وَالتَّقْدِير متبسرا ومترطبا وَأَيْضًا قَالُوا الِاسْم الدَّال على الِاسْتِمْرَار لَا يَقع حَالا وَإِن كَانَ مشتقا نَحْو أسود وأحمر لِأَنَّهُ وصف ثَابت فَمن عرف زيدا عرف أَنه أسود وَأَيْضًا الْحَال فِي الْمَعْنى خبر عَن صَاحبه فَيلْزم أَن يصدق عَلَيْهِ وَالرجل لَا يصدق على الْملك قَوْله فيكلمني الْفَاء فِيهِ وَفِي قَوْله فأعي للْعَطْف المشير إِلَى التعقيب قَوْله مَا يَقُول جملَة فِي مَحل النصب على أَنه مفعول لقَوْله فأعي والعائد إِلَى الْمَوْصُول مَحْذُوف تَقْدِيره مَا يَقُوله قَوْله قَالَت عَائِشَة يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون مَعْطُوفًا على الْإِسْنَاد الأول بِدُونِ حرف الْعَطف كَمَا هُوَ مَذْهَب بعض النُّحَاة صرح بِهِ ابْن مَالك فَحِينَئِذٍ يكون حَدِيث عَائِشَة مُسْندًا وَالْآخر أَن يكون كلَاما بِرَأْسِهِ غير مشارك للْأولِ فعلى هَذَا يكون هَذَا من تعليقات البُخَارِيّ قد ذكره تَأْكِيدًا بِأَمْر الشدَّة وتأييدا

стр. 42

لَهُ على مَا هُوَ عَادَته فِي تراجم الْأَبْوَاب حَيْثُ يذكر مَا وَقع لَهُ من قُرْآن أَو سنة مساعدا لَهَا وَنفى بَعضهم أَن يكون هَذَا من التَّعَالِيق وَلم يقم عَلَيْهِ دَلِيلا فنفيه منفي إِذْ الأَصْل فِي الْعَطف أَن يكون بالأداة وَمَا نَص عَلَيْهِ ابْن مَالك غير مَشْهُور بِخِلَاف مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور قَوْله وَلَقَد رَأَيْت الْوَاو للقسم وَاللَّام للتَّأْكِيد وَقد للتحقيق وَرَأَيْت بِمَعْنى أَبْصرت فَلذَلِك اكْتفى بمفعول وَاحِد قَوْله ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي جملَة وَقعت حَالا وَقد علم أَن الْمُضَارع إِذا كَانَ مثبتا وَوَقع حَالا لَا يسوغ فِيهِ الْوَاو وَإِن كَانَ منفيا جَازَ فِيهِ الْأَمر أَن قَوْله الشَّديد صفة جرت على غير من هِيَ لَهُ لِأَنَّهُ صفة الْبرد لَا الْيَوْم قَوْله فَيفْصم عطف على قَوْله ينزل قَوْله عرقا نصب على التَّمْيِيز (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله كَيفَ يَأْتِيك الْوَحْي فِيهِ مجَاز عَقْلِي وَهُوَ إِسْنَاد الْإِتْيَان إِلَى الْوَحْي كَمَا فِي أنبت الرّبيع البقل لِأَن الإنبات لله تَعَالَى لَا للربيع وَهُوَ إِسْنَاد الْفِعْل أَو مَعْنَاهُ إِلَى ملابس لَهُ غير مَا هُوَ لَهُ عِنْد الْمُتَكَلّم فِي الظَّاهِر وَيُسمى هَذَا الْقسم أَيْضا مجَازًا فِي الْإِسْنَاد وَأَصله كَيفَ يَأْتِيك حَامِل الْوَحْي فأسند إِلَى الْوَحْي للملابسة الَّتِي بَين الْحَامِل والمحمول وَفِيه من المؤكدات وَاو الْقسم أكدت بِهِ عَائِشَة ﵂ مَا قَالَه ﷺ من قَوْله وَهُوَ أشده عَليّ وَلَام التَّأْكِيد وَقد الَّتِي وَضعهَا للتحقيق فِي مثل هَذَا الْموضع كَمَا فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿قد أَفْلح من زكاها﴾ وَذَلِكَ لِأَن مرادها الْإِشَارَة إِلَى كَثْرَة معاناته ﷺ التَّعَب وَالْكرب عِنْد نزُول الْوَحْي وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذا ورد عَلَيْهِ الْوَحْي يجد لَهُ مشقة ويغشاه الكرب لثقل مَا يلقى عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا﴾ وَلذَلِك كَانَ يَعْتَرِيه مثل حَال المحموم كَمَا رُوِيَ أَنه كَانَ يَأْخُذهُ عِنْد الْوَحْي الرحضاء أَي البهر والعرق من الشدَّة وَأكْثر مَا يُسمى بِهِ عرق الْحمى وَلذَلِك كَانَ جَبينه يتفصد عرقا كَمَا يفصد وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك ليبلو صبره وَيحسن تأديبه فيرتاض لاحْتِمَال مَا كلفه من أعباء النُّبُوَّة وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي حَدِيث يعلى بن أُميَّة فَأدْخل رَأسه فَإِذا رَسُول الله ﷺ محمر الْوَجْه وَهُوَ يغط ثمَّ سرى عَنهُ وَمِنْه فِي حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ قَالَ كَانَ نَبِي الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أنزل عَلَيْهِ كرب لذَلِك وَتَربد وَجهه وَفِي حَدِيث الْإِفْك قَالَت عَائِشَة ﵂ فَأَخذه مَا كَانَ يَأْخُذهُ من البرحاء عِنْد الْوَحْي حَتَّى أَنه لينحدر مِنْهُ مثل الجمان من الْعرق فِي الْيَوْم الشاتي من ثقل القَوْل الَّذِي أنزل عَلَيْهِ قلت الرحضاء بِضَم الرَّاء وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وبالضاد الْمُعْجَمَة الممدودة الْعرق فِي أثر الْحمى والبهر بِالضَّمِّ تتَابع النَّفس وبالفتح الْمصدر قَوْله يغط من الغطيط وَهُوَ صَوت يُخرجهُ النَّائِم مَعَ نَفسه قَوْله تَرَبد بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة أَي تغير لَونه قَوْله البرحاء بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة الممدودة وَهُوَ شدَّة الكرب وَشدَّة الْحمى أَيْضا قَوْله مثل الجمان بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْمِيم جمع جمانة وَهِي حَبَّة تعْمل من فضَّة كالدرة (بَيَان الْبَيَان) فِيهِ اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ وَهُوَ أَن يكون الْوَحْي مشبها بِرَجُل مثلا ويضاف إِلَى الْمُشبه الْإِتْيَان الَّذِي هُوَ من خَواص الْمُشبه بِهِ والاستعارة بِالْكِنَايَةِ أَن يكون الْمَذْكُور من طرفِي التَّشْبِيه هُوَ الْمُشبه وَيُرَاد بِهِ الْمُشبه بِهِ هَذَا الَّذِي مَال إِلَيْهِ السكاكي وَإِن نظر فِيهِ الْقزْوِينِي وَفِيه تَشْبِيه الجبين بالعرق المفصود مُبَالغَة فِي كَثْرَة الْعرق وَلذَلِك وَقع عرقا تمييزا لِأَنَّهُ توضيح بعد إِبْهَام وتفصيل بعد إِجْمَال وَكَذَلِكَ يدل على الْمُبَالغَة بَاب التفعل لِأَن أَصله وضع للْمُبَالَغَة وَالتَّشْدِيد وَمَعْنَاهُ أَن الْفَاعِل يتعانى ذَلِك الْفِعْل ليحصل بمعاناته كتشجع إِذْ مَعْنَاهُ اسْتعْمل الشجَاعَة وكلف نَفسه إِيَّاهَا ليحصلها (الأسئلة والأجوبة) الأول مَا قيل أَن السُّؤَال عَن كَيْفيَّة إتْيَان الْوَحْي وَالْجَوَاب على النَّوْع الثَّانِي من كَيْفيَّة الْحَامِل للوحي وَأجِيب بِأَنا لَا نسلم أَن السُّؤَال عَن كَيْفيَّة إتْيَان الْوَحْي بل عَن كَيْفيَّة حامله وَلَئِن سلمنَا فبيان كَيْفيَّة الْحَامِل مشْعر بكيفية الْوَحْي حَيْثُ قَالَ فيكلمني أَي تَارَة يكون كالصلصلة وَتارَة يكون كلَاما صَرِيحًا ظَاهر الْفَهم وَالدّلَالَة قلت بل نسلم أَن السُّؤَال عَن كَيْفيَّة إتْيَان الْوَحْي لِأَن بِلَفْظَة كَيفَ يسْأَل عَن حَال الشَّيْء فَإِذا قلت كَيفَ زيد مَعْنَاهُ أصحيح أم سقيم وَالْجَوَاب أَيْضا مُطَابق لِأَنَّهُ قَالَ أَحْيَانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن الْجَواب عَن السُّؤَال مَعَ زِيَادَة لِأَن السَّائِل سَأَلَ عَن كَيْفيَّة إتْيَان الْوَحْي وَبَينه ﷺ بقوله يأتيني مثل صلصلة الجرس مَعَ بَيَان حَامِل الْوَحْي أَيْضا بقوله وَأَحْيَانا يتَمَثَّل لي الْملك رجلا فيكلمني وَإِنَّمَا زَاد على الْجَواب لِأَنَّهُ رُبمَا فهم من السَّائِل أَنه يعود يسْأَل عَن كَيْفيَّة حَامِل الْوَحْي أَيْضا فَأَجَابَهُ

стр. 43

عَن ذَلِك قبل أَن يحوجه إِلَى السُّؤَال فَافْهَم الثَّانِي مَا قيل لم قَالَ فِي الأول وعيت مَا قَالَ بِلَفْظ الْمَاضِي وَفِي الثَّانِي فأعي مَا يَقُول بِلَفْظ الْمُضَارع وَأجِيب بِأَن الوعي فِي الأول حصل قبل الفصم وَلَا يتَصَوَّر بعده وَفِي الثَّانِي الوعي حَال المكالمة وَلَا يتَصَوَّر قبلهَا أَو لِأَنَّهُ كَانَ الوعي فِي الأول عِنْد غَلَبَة التَّلَبُّس بِالصِّفَاتِ الملكية فَإِذا عَاد إِلَى حَالَته الجبلية كَانَ حَافِظًا فَأخْبر عَن الْمَاضِي بِخِلَاف الثَّانِي فَإِنَّهُ على حَالَته الْمَعْهُودَة أَو يُقَال لَفْظَة قد تقرب الْمَاضِي إِلَى الْحَال وأعي فعل مضارع للْحَال فَهَذَا لما كَانَ صَرِيحًا يحفظه فِي الْحَال وَذَلِكَ. يقرب من أَن يحفظه إِذْ يحْتَاج فِيهِ إِلَى استثبات الثَّالِث مَا قيل أَن أَبَا دَاوُد قد روى من حَدِيث عمر ﵁ كُنَّا نسْمع عِنْده مثل دوِي النَّحْل وَهَهُنَا يَقُول مثل صلصلة الجرس وَبَينهمَا تفَاوت وَأجِيب بِأَن ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّحَابَة وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِي ﵊. الرَّابِع مَا قيل كَيفَ مثل بصلصلة الجرس وَقد كره صحبته فِي السّفر لِأَنَّهُ مزمار الشَّيْطَان كَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد وَصَححهُ ابْن حبَان وَقيل كرهه لِأَنَّهُ يدل على أَصْحَابه بِصَوْتِهِ وَكَانَ يحب أَن لَا يعلم الْعَدو بِهِ حَتَّى يَأْتِيهم فَجْأَة حَكَاهُ ابْن الْأَثِير قلت يحْتَمل أَن تكون الْكَرَاهَة بعد إخْبَاره عَن كَيْفيَّة الْوَحْي. الْخَامِس مَا قيل ذكر فِي هَذَا الحَدِيث حالتين من أَحْوَال الْوَحْي وهما مثل صلصلة الجرس وتمثل الْملك رجلا وَلم يذكر الرُّؤْيَا فِي النّوم مَعَ إِعْلَامه لنا أَن رُؤْيَاهُ حق. أُجِيب من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الرُّؤْيَا الصَّالِحَة قد يشركهُ فِيهَا غَيره بِخِلَاف الْأَوَّلين وَالْآخر لَعَلَّه علم أَن قصد السَّائِل بسؤاله مَا خص بِهِ وَلَا يعرف إِلَّا من جِهَته وَقَالَ بَعضهم كَانَ عِنْد السُّؤَال نزُول الْوَحْي على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ إِذْ الْوَحْي على سَبِيل الرُّؤْيَا إِنَّمَا كَانَ فِي أول الْبعْثَة لِأَن أول مَا بدىء رَسُول الله ﷺ من الْوَحْي الرُّؤْيَا ثمَّ حبب إِلَيْهِ الْخَلَاء كَمَا رُوِيَ فِي الحَدِيث وَقيل ذَلِك فِي سِتَّة أشهر فَقَط وَقَالَ آخَرُونَ كَانَت الْمَوْجُودَة من الرُّؤْيَا بعد إرْسَال الْملك منغمرة فِي الْوَحْي فَلم تحسب وَيُقَال كَانَ السُّؤَال عَن كَيْفيَّة الْوَحْي فِي حَال الْيَقَظَة السَّادِس مَا قيل مَا وَجه الْحصْر فِي الْقسمَيْنِ الْمَذْكُورين أُجِيب بِأَن سنة الله لما جرت من أَنه لَا بُد من مُنَاسبَة بَين الْقَائِل وَالسَّامِع حَتَّى يَصح بَينهمَا التحاور والتعليم والتعلم فَتلك الْمُنَاسبَة إِمَّا باتصاف السَّامع بِوَصْف الْقَائِل بِغَلَبَة الروحانية عَلَيْهِ وَهُوَ النَّوْع الأول أَو باتصاف الْقَائِل بِوَصْف السَّامع وَهُوَ النَّوْع الثَّانِي. السَّابِع مَا قيل مَا الْحِكْمَة فِي ضربه ﷺ فِي الْجَواب بِالْمثلِ الْمَذْكُور أُجِيب بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ معتنيا بالبلاغة مكاشفا بالعلوم الغيبية وَكَانَ يوفر على الْأمة حصتهم بِقدر الاستعداد فَإِذا أُرِيد أَن ينبئهم بِمَا لَا عهد لَهُم بِهِ من تِلْكَ الْعُلُوم صاغ لَهَا أَمْثِلَة من عَالم الشَّهَادَة ليعرفوا بِمَا شاهدوه مَا لم يشاهدوه فَلَمَّا سَأَلَهُ الصَّحَابِيّ عَن كَيْفيَّة الْوَحْي وَكَانَ ذَلِك من الْمسَائِل الغويصة ضرب لَهَا فِي الشَّاهِد مثلا بالصوت المتدارك الَّذِي يسمع وَلَا يفهم مِنْهُ شَيْء تَنْبِيها على أَن إتيانها يرد على الْقلب فِي لبسة الْجلَال فَيَأْخُذ هَيْبَة الْخطاب حِين وُرُودهَا بِمَجَامِع الْقُلُوب ويلاقي من ثقل القَوْل مَا لَا علم لَهُ بالْقَوْل مَعَ وجود ذَلِك فَإِذا كشف عَنهُ وجد القَوْل الْمنزل بَينا فَيلقى فِي الروع وَاقعا موقع المسموع وَهَذَا معنى قَوْله فَيفْصم عني وَهَذَا الضَّرْب من الْوَحْي شَبيه بِمَا يُوحى إِلَى الْمَلَائِكَة على مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا قضى الله فِي السَّمَاء أمرا ضربت الْمَلَائِكَة بأجنحتها خضعانا لقَوْله كَأَنَّهَا سلسلة على الْحجر) فَإِذا فزع عَن قُلُوبهم قَالُوا مَاذَا قَالَ ربكُم قَالُوا الْحق وَهُوَ الْعلي الْكَبِير) . هَذَا. وَقد تبين لنا من هَذَا الحَدِيث أَن الْوَحْي كَانَ يَأْتِيهِ على صفتين أولاهما أَشد من الْأُخْرَى وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يرد فيهمَا من الطباع البشرية إِلَى الأوضاع الملكية فيوحى إِلَيْهِ كَمَا يُوحى إِلَى الْمَلَائِكَة وَالْأُخْرَى يرد فِيهَا الْملك إِلَى شكل الْبشر وشاكلته وَكَانَت هَذِه أيسر الثَّامِن مَا قيل من المُرَاد من الْملك فِي قَوْله يتَمَثَّل لي الْملك رجلا أُجِيب بِأَنَّهُ جِبْرِيل ﵇ لِأَن اللَّام فِيهِ للْعهد وَلقَائِل أَن يَقُول لم لَا يجوز أَن يكون المُرَاد بِهِ إسْرَافيل ﵇ لِأَنَّهُ قرن بنبوته ثَلَاث سِنِين كَمَا ذكرنَا فَإِن عورض بِأَن إسْرَافيل لم ينزل الْقُرْآن قطّ وَإِنَّمَا كَانَ ينزل بِالْكَلِمَةِ من الْوَحْي أُجِيب بِأَنَّهُ لم يذكر هَهُنَا شَيْء من نزُول الْقُرْآن وَإِنَّمَا الْملك الَّذِي نزل بِالْقُرْآنِ هُوَ الْمَذْكُور فِي الحَدِيث الْآتِي حَيْثُ قَالَ فَجَاءَهُ الْملك فَقَالَ لَهُ اقْرَأ الحَدِيث وَلَقَد حضرت يَوْمًا مجْلِس حَدِيث بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ فِيهِ جمَاعَة من الْفُضَلَاء لَا سِيمَا من المنتسبين إِلَى معرفَة علم الحَدِيث فَقَرَأَ القارىء من أول البُخَارِيّ حَتَّى وصل إِلَى قَوْله فَجَاءَهُ الْملك فَقَالَ لَهُ اقْرَأ فسألتهم عَن الْملك من هُوَ فَقَالُوا جِبْرِيل ﵇ فَقلت مَا الدَّلِيل على ذَلِك من النَّقْل فتحيروا ثمَّ تصدى وَاحِد مِنْهُم فَقَالَ لَا نعلم ملكا نزل عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة

стр. 44

وَالسَّلَام غير جِبْرِيل قلت قد نزل عَلَيْهِ إسْرَافيل ﵇ ثَلَاث سِنِين كَمَا رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده كَمَا ذَكرْنَاهُ فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ قَالَ الله ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين﴾ أَي بِالْقُرْآنِ وَالروح الْأمين هُوَ جِبْرِيل ﵇. قلت قد سمي بِالروحِ غير جِبْرِيل قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَوْم يقوم الرّوح وَالْمَلَائِكَة صفا﴾ وَعَن ابْن عَبَّاس هُوَ ملك من أعظم الْمَلَائِكَة خلقا فأفحم عِنْد ذَلِك فَقلت جِبْرِيل قد تميز عَنهُ بِصفة الْأَمَانَة لِأَن الله تَعَالَى سَمَّاهُ أَمينا وسمى ذَلِك الْملك روحا فَقَط على أَنه قد روى عَن الشّعبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَالضَّحَّاك أَن المُرَاد بِالروحِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم يقوم الرّوح﴾ هُوَ جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ من أَيْن علمنَا أَن المُرَاد من الرّوح الْأمين هُوَ جِبْرِيل ﵇ قلت بتفسير الْمُفَسّرين من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتفسيرهم مَحْمُول على السماع لِأَن الْعقل لَا مجَال فِيهِ على أَن من جملَة أَسبَاب الْعلم الْخَبَر الْمُتَوَاتر وَقد تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار من لدن النَّبِي ﷺ إِلَى يَوْمنَا هَذَا أَن الَّذِي نزل بِالْقُرْآنِ على نَبينَا ﵇ هُوَ جِبْرِيل ﵇ من غير نَكِير مُنكر وَلَا رد راد حَتَّى عرف بِذكر أهل الْكتاب من الْيَهُود وَالنَّصَارَى. وَرُوِيَ أَن عبد الله بن صوريا من أَحْبَار فدك حَاج رَسُول الله ﷺ وَسَأَلَهُ عَمَّن يهْبط عَلَيْهِ بِالْوَحْي فَقَالَ جِبْرِيل فَقَالَ ذَاك عدونا وَلَو كَانَ غَيره لآمَنَّا بك وَقد عَادَانَا مرَارًا وأشدها أَنه أنزل على نَبينَا أَن بَيت الْمُقَدّس سيخربه بخْتنصر فَبَعَثنَا من يقْتله فَلَقِيَهُ بِبَابِل غُلَاما مِسْكينا فَدفع عَنهُ جِبْرِيل وَقَالَ إِن كَانَ ربكُم أمره بِهَلَاكِكُمْ فَإِنَّهُ لَا يسلطكم عَلَيْهِ وَإِن لم يكن إِيَّاه فعلى أَي حق تَقْتُلُونَهُ فَنزل قَوْله تَعَالَى ﴿قل من كَانَ عدوا لجبريل﴾ الْآيَة وَرُوِيَ أَنه كَانَ لعمر ﵁ أَرض بِأَعْلَى الْمَدِينَة وَكَانَ مَمَره على مدارس الْيَهُود فَكَانَ يجلس إِلَيْهِم وَيسمع كَلَامهم فَقَالُوا يَا عمر قد أَحْبَبْنَاك وَإِنَّا لَنَطْمَع فِيك فَقَالَ وَالله لَا أُجِيبكُم لِحُبِّكُمْ وَلَا أَسأَلكُم لِأَنِّي شَاك فِي ديني وَإِنَّمَا أَدخل عَلَيْكُم لِأَزْدَادَ بَصِيرَة فِي أَمر مُحَمَّد ﷺ وَأرى إثارة فِي كتابكُمْ ثمَّ سَأَلَهُمْ عَن جِبْرِيل فَقَالُوا ذَلِك عدونا يطلع مُحَمَّدًا على أَسْرَارنَا وَهُوَ صَاحب كل خسف وَعَذَاب وَيُؤَيّد مَا ذكرنَا مَا رُوِيَ مَرْفُوعا إِذا أَرَادَ الله أَن يوحي بِالْأَمر تكلم بِالْوَحْي أخذت السَّمَاء مِنْهُ رَجْفَة أَو قَالَ رعدة شَدِيدَة خوفًا من الله تَعَالَى فَإِذا سمع ذَلِك أهل السَّمَوَات صعقوا وخروا لله سجدا فَيكون أول مَا يرفع رَأسه جِبْرِيل ﵇ فيكلمه من وحيه بِمَا أَرَادَ ثمَّ يمر جِبْرِيل ﵇ على الْمَلَائِكَة كلما مر على سَمَاء سَأَلَهُ ملائكتها مَاذَا قَالَ رَبنَا يَا جِبْرِيل ﴿قَالَ الْحق وَهُوَ الْعلي الْكَبِير﴾ فَيَقُولُونَ كلهم مثل مَا قَالَ جِبْرِيل فينتهي جِبْرِيل ﵇ حَيْثُ أمره الله تَعَالَى. التَّاسِع مَا قيل كَيفَ كَانَ سَماع النَّبِي ﷺ وَالْملك الْوَحْي من الله تَعَالَى أُجِيب بِأَن الْغَزالِيّ رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ وَسَمَاع النَّبِي وَالْملك ﵉ الْوَحْي من الله تَعَالَى بِغَيْر وَاسِطَة يَسْتَحِيل أَن يكون بِحرف أَو صَوت لَكِن يكون بِخلق الله تَعَالَى للسامع علما ضَرُورِيًّا بِثَلَاثَة أُمُور بالمتكلم وَبِأَن مَا سَمعه كَلَامه وبمراده من كَلَامه وَالْقُدْرَة الأزلية لَا تقصر عَن اضطرار النَّبِي وَالْملك إِلَى الْعلم بذلك وكما أَن كَلَامه تَعَالَى لَيْسَ من جنس كَلَام الْبشر فسماعه الَّذِي يخلقه لعَبْدِهِ لَيْسَ من جنس سَماع الْأَصْوَات وَلذَلِك عسر علينا فهم كَيْفيَّة سَماع مُوسَى ﵊ لكَلَامه تَعَالَى الَّذِي لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت كَمَا يعسر على الأكمه كَيْفيَّة إِدْرَاك الْبَصَر للألوان أما سَمَاعه ﵊ فَيحْتَمل أَن يكون بِحرف وَصَوت دَال على معنى كَلَام الله تَعَالَى فالمسموع الْأَصْوَات الْحَادِثَة وَهِي فعل الْملك دون نفس الْكَلَام وَلَا يكون هَذَا سَمَاعا لكَلَام الله تَعَالَى من غير وَاسِطَة وَإِن كَانَ يُطلق عَلَيْهِ أَنه سَماع كَلَام الله تَعَالَى وَسَمَاع الْأمة من الرَّسُول ﵊ كسماع الرَّسُول من الْملك وَطَرِيق الْفَهم فِيهِ تَقْدِيم الْمعرفَة بِوَضْع اللُّغَة الَّتِي تقع بهَا المخاطبة وَحكي الْقَرَافِيّ خلافًا للْعُلَمَاء فِي ابْتِدَاء الْوَحْي هَل كَانَ جِبْرِيل ﵇ ينْقل لَهُ ملك عَن الله أَو يخلق لَهُ علم ضَرُورِيّ بِأَن الله تَعَالَى طلب مِنْهُ أَن يَأْتِي مُحَمَّدًا أَو غَيره من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام بِسُورَة كَذَا أَو خلق لَهُ علما ضَرُورِيًّا بِأَن يَأْتِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ فينقل مِنْهُ كَذَا. الْعَاشِر مَا قيل مَا حَقِيقَة تمثل جِبْرِيل ﵊ لَهُ رجلا أُجِيب بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن الله تَعَالَى أفنى الزَّائِد من خلقه ثمَّ أَعَادَهُ عَلَيْهِ وَيحْتَمل أَن يُزِيلهُ عَنهُ ثمَّ يُعِيدهُ إِلَيْهِ بعد التَّبْلِيغ نبه على ذَلِك إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَأما التَّدَاخُل فَلَا يَصح على مَذْهَب أهل الْحق. الْحَادِي عشر مَا قيل إِذا لَقِي جِبْرِيل النَّبِي ﵊ فِي صُورَة دحْيَة فَأَيْنَ تكون روحه فَإِن كَانَ فِي الْجَسَد الَّذِي لَهُ سِتّمائَة جنَاح فَالَّذِي أَتَى لَا روح جِبْرِيل وَلَا جسده وَإِن كَانَ فِي هَذَا

стр. 45

الَّذِي هُوَ فِي صُورَة دحْيَة فَهَل يَمُوت الْجَسَد الْعَظِيم أم يبْقى خَالِيا من الرّوح المنتقلة عَنهُ إِلَى الْجَسَد الْمُشبه بجسد دحْيَة. أُجِيب بِأَنَّهُ لَا يبعد أَن لَا يكون انتقالها مُوجب مَوته فَيبقى الْجَسَد حَيا لَا ينقص من مُفَارقَته شَيْء وَيكون انْتِقَال روحه إِلَى الْجَسَد الثَّانِي كانتقال أَرْوَاح الشُّهَدَاء إِلَى أَجْوَاف طير خضر وَمَوْت الأجساد بمفارقة الْأَرْوَاح لَيْسَ بِوَاجِب عقلا بل بعادة أجراها الله تَعَالَى فِي بني آدم فَلَا يلْزم فِي غَيرهم. الثَّانِي عشر مَا قيل مَا الْحِكْمَة فِي الشدَّة الْمَذْكُورَة. أُجِيب لِأَن يحسن حفظه أَو يكون لابتلاء صبره أَو للخوف من التَّقْصِير. وَقَالَ الْخطابِيّ هِيَ شدَّة الامتحان ليبلو صبره وَيحسن تأديبه فيرتاض لاحْتِمَال مَا كلف من أعباء النُّبُوَّة أَو ذَلِك لما يستشعره من الْخَوْف لوُقُوع تَقْصِير فِيمَا أَمر بِهِ من حسن ضَبطه أَو اعْتِرَاض خلل دونه وَقد أنزل عَلَيْهِ ﵊ بِمَا ترتاع لَهُ النُّفُوس ويعظم بِهِ وَجل الْقُلُوب فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو تَقول علينا بعض الْأَقَاوِيل لأخذنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثمَّ لقطعنا مِنْهُ الوتين﴾ . الثَّالِث عشر مَا قيل مَا وَجه سُؤال الصَّحَابَة عَنهُ ﵊ عَن كَيْفيَّة الْوَحْي أُجِيب بِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ لطلب الطُّمَأْنِينَة فَلَا يقْدَح ذَلِك فيهم وَكَانُوا يسألونه ﵊ عَن الْأُمُور الَّتِي لَا تدْرك بالحس فيخبرهم بهَا وَلَا يُنكر ذَلِك عَلَيْهِم. (استنباط الْأَحْكَام وَهُوَ على وُجُوه. الأول فِيهِ إِثْبَات الْمَلَائِكَة ردا على من أنكرهم من الْمَلَاحِدَة والفلاسفة. الثَّانِي فِيهِ أَن الصَّحَابَة كَانُوا يسألونه عَن كثير من الْمعَانِي وَكَانَ ﵇ يجمعهُمْ وَيُعلمهُم وَكَانَت طَائِفَة تسْأَل وَأُخْرَى تحفظ وَتُؤَدِّي وتبلغ حَتَّى أكمل الله تَعَالَى دينه. الثَّالِث فِيهِ دلَالَة على أَن الْملك لَهُ قدرَة على التشكل بِمَا شَاءَ من الصُّور. ٣ - (حَدثنَا يحيى بن بكير قَالَ حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ أَنَّهَا قَالَت أول مَا بدىء بِهِ رَسُول الله ﷺ من الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّالِحَة فِي النّوم فَكَانَ لَا يرى رُؤْيا إِلَّا جَاءَت مثل فلق الصُّبْح ثمَّ حبب إِلَيْهِ الْخَلَاء وَكَانَ يَخْلُو بِغَار حراء فَيَتَحَنَّث فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّد اللَّيَالِي ذوت الْعدَد قبل أَن ينْزع إِلَى أَهله ويتزود لذَلِك ثمَّ يرجع إِلَى خَدِيجَة فيتزود لمثلهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحق وَهُوَ فِي غَار حراء فَجَاءَهُ الْملك فَقَالَ اقْرَأ قَالَ مَا أَنا بقاريء قَالَ فأخذني فغطني حَتَّى بلغ مني الْجهد ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ اقْرَأ قلت مَا أَنا بقارىء فأخذني فغطني الثَّانِيَة حَتَّى بلغ مني الْجهد ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ اقْرَأ فَقلت مَا أَنا بقارىء فأخذني فغطني الثَّالِثَة ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق اقْرَأ وَرَبك الأكرم فَرجع بهَا رَسُول الله ﷺ يرجف فُؤَاده فَدخل على خَدِيجَة بنت خويلد ﵂ فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فزملوه حَتَّى ذهب عَنهُ الروع فَقَالَ لِخَدِيجَة وأخبرها الْخَبَر لقد خشيت على نَفسِي فَقَالَت خَدِيجَة كلا وَالله مَا يخزيك الله أبدا إِنَّك لتصل الرَّحِم وَتحمل الْكل وتكسب الْمَعْدُوم وتقري الضَّيْف وَتعين على نَوَائِب الْحق فَانْطَلَقت بِهِ خَدِيجَة حَتَّى أَتَت بِهِ ورقة بن نَوْفَل بن أَسد بن عبد الْعُزَّى ابْن عَم خَدِيجَة وَكَانَ امْرأ تنصر فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ يكْتب الْكتاب العبراني فَيكْتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية مَا شَاءَ الله أَن يكْتب وَكَانَ شَيخا كَبِيرا قد عمي فَقَالَت لَهُ خَدِيجَة يَا ابْن عَم اسْمَع من ابْن أَخِيك فَقَالَ لَهُ ورقة يَا ابْن أخي مَاذَا ترى فَأخْبرهُ رَسُول الله ﷺ خبر مَا رأى فَقَالَ لَهُ ورقة هَذَا الناموس الَّذِي نزل الله على مُوسَى يَا لَيْتَني فِيهَا جذعا لَيْتَني أكون حَيا إِذْ يخْرجك قَوْمك فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 46

أَو مخرجي هم قَالَ نعم لم يَأْتِ رجل قطّ بِمثل مَا جِئْت بِهِ إِلَّا عودي وَإِن يدركني يَوْمك أنصرك نصرا مؤزرا ثمَّ لم ينشب ورقة أَن توفّي وفتر الْوَحْي قَالَ ابْن شهَاب وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة ابْن عبد الرَّحْمَن أَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ قَالَ وَهُوَ يحدث عَن فَتْرَة الْوَحْي فَقَالَ فِي حَدِيثه بَينا أَنا أَمْشِي إِذْ سَمِعت صَوتا من السَّمَاء فَرفعت بَصرِي فَإِذا الْملك الَّذِي جَاءَنِي بحراء جَالس على كرْسِي بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَرُعِبْت مِنْهُ فَرَجَعت فَقلت زَمِّلُونِي فَأنْزل الله تَعَالَى يَا أَيهَا المدثر قُم فَأَنْذر إِلَى قَوْله وَالرجز فاهجر فحمي الْوَحْي وتتابع تَابعه عبد الله بن يُوسُف وَأَبُو صَالح وَتَابعه هِلَال بن رداد عَن الزُّهْرِيّ وَقَالَ يُونُس وَمعمر بوادره) هَذَا الحَدِيث من مَرَاسِيل الصَّحَابَة ﵃ فَإِن عَائِشَة ﵂ لم تدْرك هَذِه الْقَضِيَّة فَتكون سَمعتهَا من النَّبِي ﷺ أَو من صَحَابِيّ وَقَالَ ابْن الصّلاح وَغَيره مَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس ﵄ وَغَيره من أَحْدَاث الصَّحَابَة مِمَّا لم يحضروه وَلم يدركوه فَهُوَ فِي حكم الْمَوْصُول الْمسند لِأَن روايتهم عَن الصَّحَابَة وجهالة الصَّحَابِيّ غير قادحة وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَق الإسفرايني لَا يحْتَج بِهِ إِلَّا أَن يَقُول أَنه لَا يرْوى إِلَّا عَن صَحَابِيّ. قَالَ النَّوَوِيّ وَالصَّوَاب الأول وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَالْجُمْهُور. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ الظَّاهِر أَنَّهَا سَمِعت من النَّبِي ﷺ لقولها قَالَ فأخذني فغطني فَيكون قَوْلهَا أول مَا بدىء بِهِ رَسُول الله ﷺ حِكَايَة مَا تلفظ بِهِ ﵊ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿قل للَّذين كفرُوا ستغلبون﴾ بِالتَّاءِ وَالْيَاء قلت لم لَا يجوز أَن يكون هَذَا بطرِيق الْحِكَايَة عَن غَيره ﵊ فَلَا يكون سماعهَا مِنْهُ ﵊ وعَلى كل تَقْدِير فَالْحَدِيث فِي حكم الْمُتَّصِل الْمسند. (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن عبد الله بن بكير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة الْقرشِي المَخْزُومِي الْمصْرِيّ نسبه البُخَارِيّ إِلَى جده يدلسه ولد سنة أَربع وَقيل خمس وَخمسين وَمِائَة وَتُوفِّي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ من كبار حفاظ المصريين وَأثبت النَّاس فِي اللَّيْث بن سعد روى البُخَارِيّ عَنهُ فِي مَوَاضِع وروى عَن مُحَمَّد بن عبد الله هُوَ الذهلي عَنهُ فِي مَوَاضِع قَالَه أَبُو نصر الكلاباذي وَقَالَ الْمَقْدِسِي تَارَة يَقُول حَدثنَا مُحَمَّد وَلَا يزِيد عَلَيْهِ وَتارَة مُحَمَّد بن عبد الله وَإِنَّمَا هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن خَالِد بن فَارس بن ذُؤَيْب الذهلي وَتارَة ينْسبهُ إِلَى جده فَيَقُول مُحَمَّد بن عبد الله وَتارَة مُحَمَّد بن خَالِد بن فَارس وَلم يقل فِي مَوضِع حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى وروى مُسلم حَدثنَا عَن أبي زرْعَة عَن يحيى وروى ابْن ماجة عَن رجل عَنهُ قَالَ أَبُو حَاتِم كَانَ يفهم هَذَا الشَّأْن وَلَا يحْتَج بِهِ يكْتب حَدِيثه وَقَالَ النَّسَائِيّ لَيْسَ بِثِقَة وَوَثَّقَهُ غَيرهمَا وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ عِنْدِي مَا بِهِ بَأْس وَأخرج لَهُ مُسلم عَن اللَّيْث وَعَن يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن وَلم يخرج لَهُ عَن مَالك شَيْئا وَلَعَلَّه وَالله أعلم لقَوْل الْبَاجِيّ وَقد تكلم أهل الحَدِيث فِي سَمَاعه الْمُوَطَّأ عَن مَالك مَعَ أَن جمَاعَة قَالُوا هُوَ أحد من روى الْمُوَطَّأ عَن مَالك. الثَّانِي اللَّيْث بن سعد بن عبد الرَّحْمَن أَبُو الْحَارِث الفهمي مَوْلَاهُم الْمصْرِيّ عَالم أهل مصر من تَابِعِيّ التَّابِعين مولى عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر الفهمي وَقيل مولى خَالِد بن ثَابت وَفهم من قيس غيلَان ولد بقلقشندة على نَحْو أَربع فراسخ من الْقَاهِرَة سنة ثَلَاث أَو أَربع وَتِسْعين وَمَات فِي شعْبَان سنة خمس وَسبعين وَمِائَة وقبره فِي قرافة مصر يزار وَكَانَ إِمَامًا كَبِيرا مجمعا على جلالته وثقته وَكَرمه وَكَانَ على مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة قَالَه القَاضِي ابْن خلكان وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة من اسْمه اللَّيْث بن سعد سواهُ نعم فِي الروَاة ثَلَاثَة غَيره أحدهم مصري وكنيته أَبُو الْحَرْث أَيْضا وَهُوَ ابْن أخي سعيد بن الحكم. وَالثَّانِي يرْوى عَن ابْن وهب ذكرهمَا ابْن يُونُس فِي تَارِيخ مصر. وَالثَّالِث تنيسي حدث عَن بكر بن سهل الثَّالِث أَبُو خَالِد عقيل بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْقَاف ابْن خَالِد بن عقيل بِفَتْح الْعين الأيلى بِالْمُثَنَّاةِ تَحت الْقرشِي الْأمَوِي مولى عُثْمَان بن عَفَّان الْحَافِظ مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة وَقيل سنة أَربع بِمصْر فَجْأَة وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة من اسْمه عقيل بِضَم الْعين غَيره الرَّابِع هُوَ الإِمَام أَبُو بكر مُحَمَّد بن مُسلم بن عبيد الله بن شهَاب بن عبد الله بن الْحَرْث

стр. 47

ابْن زهرَة بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي الزُّهْرِيّ الْمدنِي سكن الشَّام وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير سمع أنسا وَرَبِيعَة بن عباد وخلقا من الصَّحَابَة وَرَأى ابْن عمر وروى عَنهُ وَيُقَال سمع مِنْهُ حديثين وَعنهُ جماعات من كبار التَّابِعين مِنْهُم عَطاء وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَمن صغارهم وَمن الأتباع أَيْضا مَاتَ بِالشَّام وَأوصى بِأَن يدْفن على الطَّرِيق بقرية يُقَال لَهَا شغب وبدا فِي رَمَضَان سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَة وَهُوَ ابْن اثْنَيْنِ وَسبعين سنة قلت شغب بِفَتْح الشين وَسُكُون الْغَيْن المعجمتين وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة وبدا بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة الْخَامِس عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام السَّادِس عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ وَقد مر ذكرهمَا (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن هَذَا الْإِسْنَاد على شَرط السِّتَّة إِلَّا يحيى فعلى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم وَمِنْهَا أَن رِجَاله مَا بَين مصري ومدني وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ وهما الزُّهْرِيّ وَعُرْوَة (بَيَان تعدد الحَدِيث وَمن أخرجه غَيره) هَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير وَالتَّعْبِير عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر وَفِي التَّفْسِير عَن سعيد بن مَرْوَان عَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن أبي رزمة عَن أبي صَالح سلمويه عَن ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس وَفِي الْإِيمَان عَن أبي رَافع عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن عبد الْملك عَن أَبِيه عَن جده عَن عقيل وَعَن أبي الطَّاهِر عَن أبي وهب عَن يُونُس كلهم عَن الزُّهْرِيّ وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير (بَيَان اللُّغَات) قَوْله أول مَا بدىء بِهِ قد ذكر بَعضهم أول الشَّيْء فِي بَاب أول وَبَعْضهمْ فِي بَاب وأل وَذكره الصغاني فِي هَذَا الْبَاب وَقَالَ الأول نقيض الآخر وَأَصله أوأل على وزن أفعل مَهْمُوز الْوسط قلبت الْهمزَة واوا وأدغمت الْوَاو فِي الْوَاو وَيدل على هَذَا قَوْلهم هَذَا أول مِنْك وَالْجمع الْأَوَائِل والأوالىء على الْقلب وَقَالَ قوم أَصله وول على وزن فوعل فقلبت الْوَاو الأولى همزَة وَإِنَّمَا لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجْتِمَاع واوين بَينهمَا ألف الْجمع وَهُوَ إِذا جعلته صفة لم تصرفه تَقول لَقيته عَاما أول وَإِذا لم تَجْعَلهُ صفة صرفته تَقول لَقيته عَاما أَولا قَالَ ابْن السّكيت وَلَا تقل عَام الأول وَقَالَ أَبُو زيد يُقَال لَقيته عَام الأول وَيَوْم الأول بجر آخِره وَهُوَ كَقَوْلِك أتيت مَسْجِد الْجَامِع وَقَالَ الْأَزْهَرِي هَذَا من بَاب إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَعته قَوْله بدىء بِهِ من بدأت بالشَّيْء بَدَأَ ابتدأت بِهِ وبدأت الشَّيْء فعلته ابْتِدَاء وَبَدَأَ الله الْخلق وأبدأهم بِمَعْنى قَوْله من الْوَحْي قد مر تَفْسِير الْوَحْي مُسْتَوْفِي قَوْله الرُّؤْيَا على وزن فعلى كحبلى يُقَال رأى رُؤْيا بِلَا تَنْوِين وَجَمعهَا روى بِالتَّنْوِينِ على وزن دعى قَوْله فلق الصُّبْح بِفَتْح الْفَاء وَاللَّام وَهُوَ ضِيَاء الصُّبْح وَكَذَلِكَ فرق الصُّبْح بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء وَإِنَّمَا يُقَال هَذَا فِي الشَّيْء الْبَين الْوَاضِح وَيُقَال الْفرق أبين من فلق الصُّبْح قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فالق الإصباح﴾ ضوء الشَّمْس وضوء الْقَمَر بِاللَّيْلِ حَكَاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب التَّعْبِير وَيُقَال الفلق مصدر كالانفلاق وَفِي الْمطَالع قَالَ الْخَلِيل الفلق الصُّبْح قلت فعلى هَذَا تكون الْإِضَافَة فِيهِ للتخصيص وَالْبَيَان وَيُقَال الفلق الصُّبْح لكنه لما كَانَ مُسْتَعْملا فِي هَذَا الْمَعْنى وَفِي غَيره أضيف إِلَيْهِ إِضَافَة الْعَام إِلَى الْخَاص كَقَوْلِهِم عين الشَّيْء وَنَفسه. وَفِي الْعباب يُقَال هُوَ أبين من فلق الصُّبْح وَمن فرق الصُّبْح وَمِنْه حَدِيث عَائِشَة ﵂ أول مَا بدىء بِهِ رَسُول الله ﷺ الرُّؤْيَا الصَّالِحَة وَكَانَ لَا يرى رُؤْيا إِلَّا جَاءَت مثل فلق الصُّبْح أَي مبينَة مثل مجىء الصُّبْح قَالَ الْكرْمَانِي وَالصَّحِيح أَنه بِمَعْنى المفلوق وَهُوَ اسْم للصبح فأضيف أَحدهمَا إِلَى الآخر لاخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ وَقد جَاءَ الفلق مُنْفَردا عَن الصُّبْح قَالَ تَعَالَى ﴿قل أعوذ بِرَبّ الفلق﴾ قلت تنصيصه على الصَّحِيح غير صَحِيح بل الصَّحِيح أَنه إِمَّا اسْم للصبح وجوزت الْإِضَافَة فِيهِ لاخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ وَإِمَّا مصدر بِمَعْنى الانفلاق وَهُوَ الانشقاق من فلقت الشَّيْء أفلقه بِالْكَسْرِ فلقا إِذا شققته وَأما الفلق فِي الْآيَة فقد اخْتلف الْأَقْوَال فِيهِ. قَوْله الْخَلَاء بِالْمدِّ وَهُوَ الْخلْوَة يُقَال خلا الشَّيْء يَخْلُو خلوا وخلوت بِهِ خلْوَة وخلاء وَالْمُنَاسِب هَهُنَا أَن يُفَسر الْخَلَاء بِمَعْنى الاختلاء أَو بالخلاء الَّذِي هُوَ الْمَكَان الَّذِي لَا شَيْء بِهِ على مَا لَا يخفى على من لَهُ ذوق من الْمعَانِي الدقيقة. قَوْله بِغَار حراء الْغَار بالغين الْمُعْجَمَة فسره جَمِيع شرَّاح البُخَارِيّ بِأَنَّهُ النقب فِي الْجَبَل وَهُوَ قريب من معنى الْكَهْف قلت الْغَار هُوَ الْكَهْف وَفِي الْعباب الْغَار كالكهف فِي الْجَبَل وَيجمع على غيران ويصغر على غوير فتصغيره يدل على أَنه واوي فَلذَلِك ذكره فِي الْعباب فِي فصل غور وحراء بِكَسْر الْحَاء وَتَخْفِيف الرَّاء بِالْمدِّ وَهُوَ مَصْرُوف على الصَّحِيح وَمِنْهُم من منع صرفه وَيذكر على الصَّحِيح أَيْضا وَمِنْهُم من أنثه وَمِنْهُم من قصره أَيْضا فَهَذِهِ سِتّ لُغَات قَالَ القَاضِي

стр. 48

عِيَاض يمد وَيقصر وَيذكر وَيُؤَنث وَيصرف وَلَا يصرف والتذكير أَكثر فَمن ذكره صرفه وَمن أنثه لم يصرفهُ يَعْنِي على إِرَادَة الْبقْعَة أَو الْجِهَة الَّتِي فِيهَا الْجَبَل وَضَبطه الْأصيلِيّ بِفَتْح الْحَاء وَالْقصر وَهُوَ غَرِيب وَقَالَ الْخطابِيّ الْعَوام يخطؤن فِي حراء فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع يفتحون الْحَاء وَهِي مَكْسُورَة ويكسرون الرَّاء وَهِي مَفْتُوحَة ويقصرون الْألف وَهِي ممدودة وَقَالَ التَّيْمِيّ الْعَامَّة لحنت فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع فتح الْحَاء وَقصر الْألف وَترك صرفه وَهُوَ مَصْرُوف فِي الِاخْتِيَار لِأَنَّهُ اسْم جبل وَقَالَ الْكرْمَانِي إِذا جَمعنَا بَين كلاميهما يلْزم اللّحن فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَهُوَ من الغرائب إِذْ بِعَدَد كل حرف لحن. وَلقَائِل أَن يَقُول كسر الرَّاء لَيْسَ بلحن لِأَنَّهُ بطرِيق الإمالة وَهُوَ جبل بَينه وَبَين مَكَّة نَحْو ثَلَاثَة أَمْيَال عَن يسارك إِذا سرت إِلَى منى لَهُ قلَّة مشرفة إِلَى الْكَعْبَة منحنية وَذكر الْكَلْبِيّ أَن حراء وثبير سميا باسمي ابْني عَم عَاد الأولى. قلت ثبير بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا الْيَاء آخر الْحُرُوف وَهُوَ جبل يرى من منى والمزدلفة قَوْله فَيَتَحَنَّث بِالْحَاء الْمُهْملَة ثمَّ النُّون ثمَّ الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَقد فسره فِي الحَدِيث بِأَنَّهُ التَّعَبُّد وَقَالَ الصغاني التحنث إِلْقَاء الْحِنْث يُقَال تَحنث أَي تنحى عَن الْحِنْث وتأثم أَي تنحى عَن الْإِثْم وتحرج أَي تنحى عَن الْحَرج وتحنث اعتزل الْأَصْنَام مثل تحنف. وَفِي الْمطَالع يَتَحَنَّث مَعْنَاهُ يطْرَح الْإِثْم عَن نَفسه بِفعل مَا يُخرجهُ عَنهُ من الْبر وَمِنْه قَول حَكِيم أَشْيَاء كنت أتحنث وَفِي رِوَايَة كنت أتبرر بهَا أَي أطلب الْبر بهَا وأطرح الْإِثْم وَقَول عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَلَا أتحنث إِلَى نذري أَي أكتسب الْحِنْث وَهُوَ الذَّنب وَهَذَا عكس مَا تقدم. وَقَالَ الْخطابِيّ وَنَظِيره فِي الْكَلَام التحوب والتأثم أَي ألْقى الْحُوب وَالْإِثْم عَن نَفسه قَالُوا وَلَيْسَ فِي كَلَامهم تفعل فِي هَذَا الْمَعْنى غير هَذِه وَقَالَ الْكرْمَانِي هَذِه شَهَادَة نفي كَيفَ وَقد ثَبت فِي الْكتب الصرفية أَن بَاب تفعل يَجِيء للتجنب كثيرا نَحْو تحرج وتخون أَي اجْتنب الْحَرج والخيانة وَغير ذَلِك. قلت جَاءَت مِنْهُ أَلْفَاظ نَحْو تَحنث وتأثم وتحرج وتحوب وتهجد وتنجس وتقذر وتحنف وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ فلَان يتهجد إِذا كَانَ يخرج من الهجود وتنجس إِذا فعل فعلا يخرج بِهِ عَن النَّجَاسَة وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي الْمُنْتَهى تَحنث تعبد مثل تحنف وَفُلَان يَتَحَنَّث من كَذَا بِمَعْنى يتأثم فِيهِ وَهُوَ أحد مَا جَاءَ تفعل إِذا تجنب وَألقى عَن نَفسه. وَقَالَ السُّهيْلي التحنث التبرر تفعل من الْبر وَتفعل يَقْتَضِي الدُّخُول فِي الشَّيْء وَهُوَ الْأَكْثَر فِيهَا مثل تفقه وَتعبد وتنسك وَقد جَاءَت أَلْفَاظ يسيرَة تُعْطِي الْخُرُوج عَن الشَّيْء وإطراحه كالتأثم والتحرج والتحنث بالثاء الْمُثَلَّثَة لِأَنَّهُ من الْحِنْث والحنث الْحمل الثقيل وَكَذَلِكَ التقذر إِنَّمَا هُوَ تبَاعد عَن القذر وَأما التحنف بِالْفَاءِ فَهُوَ من بَاب التَّعَبُّد وَقَالَ الْمَازرِيّ يَتَحَنَّث يفعل فعلا يخرج بِهِ من الْحِنْث والحنث الذَّنب وَقَالَ التَّيْمِيّ هَذَا من المشكلات وَلَا يَهْتَدِي لَهُ سوى الحذاق وَسُئِلَ ابْن الْأَعرَابِي عَن قَوْله يَتَحَنَّث فَقَالَ لَا أعرفهُ وَسَأَلت أَبَا عَمْرو الشَّيْبَانِيّ فَقَالَ لَا أعرف يَتَحَنَّث إِنَّمَا هُوَ يتحنف من الحنيفية دين إِبْرَاهِيم ﵇ قلت قد وَقع فِي سيرة ابْن هِشَام يتحنف بِالْفَاءِ قَوْله قبل أَن ينْزع إِلَى أَهله بِكَسْر الزَّاي أَي قبل أَن يرجع وَقد رَوَاهُ مُسلم كَذَلِك يُقَال نزع إِلَى أَهله إِذا حن إِلَيْهِم فَرجع إِلَيْهِم يُقَال هَل نزعك غَيره أَي هَل جَاءَ بك وجذبك إِلَى السّفر غَيره أَي غير الْحَج وناقة نَازع إِذا حنت إِلَى أوطانها ومرعاها وَهُوَ من نزع ينْزع بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي وَالْكَسْر فِي الْمُسْتَقْبل وَقَالَ صَاحب الْأَفْعَال وَالْأَصْل فِي فعل يفعل إِذا كَانَ صَحِيحا وَكَانَت عينه أَو لامه حرف حلق أَن يكون مضارعه مَفْتُوحًا إِلَّا أفعالا يسيرَة جَاءَت بِالْفَتْح وَالضَّم مثل جنح يجنح ودبغ يدبغ وَإِلَّا مَا جَاءَ من قَوْلهم نزع ينْزع بِالْفَتْح وَالْكَسْر وهنأ يهنىء وَقَالَ غَيره هنأني الطَّعَام يهنأني ويهنأني بِالْفَتْح وَالْكَسْر قلت قَاعِدَة عِنْد الصرفيين أَن كل مَادَّة تكون من فعل يفعل بِالْفَتْح فيهمَا يلْزم أَن يكون فِيهَا حرف من حُرُوف الْحلق وكل مَادَّة من الْمَاضِي والمضارع فيهمَا حرف من حُرُوف الْحلق لَا يلْزم أَن يكون من بَاب فعل يفعل بِالْفَتْح فيهمَا فَافْهَم. والأهل فِي اللُّغَة الْعِيَال وَفِي الْعباب آل الرجل أَهله وَعِيَاله وَآله أَيْضا أَتْبَاعه وَقَالَ أنس ﵁ سُئِلَ رَسُول الله ﷺ من آل مُحَمَّد قَالَ كل تَقِيّ وَالْفرق بَين الْآل والأهل أَن الْآل يسْتَعْمل فِي الْأَشْرَاف بِخِلَاف الْأَهْل فَإِنَّهُ أَعم وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿كدأب آل فِرْعَوْن﴾ فلتصوره بِصُورَة الْأَشْرَاف وَقَالَ ابْن عَرَفَة أَرَادَ من آل فِرْعَوْن من آل إِلَيْهِ بدين أَو مَذْهَب أَو نسب وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ قَوْله ويتزود من التزود وَهُوَ اتِّخَاذ الزَّاد والزاد هُوَ الطَّعَام الَّذِي يستصحبه الْمُسَافِر يُقَال زودته فتزود قَوْله فغطني بالغين الْمُعْجَمَة والطاء الْمُهْملَة أَي

стр. 49

ضغطني وعصرني يُقَال غطني وغشيني وضغطني وعصرني وغمزني وخنقني كُله بِمَعْنى قَالَ الْخطابِيّ وَمِنْه الغط فِي المَاء وغطيط النَّائِم ترديد النَّفس إِذا لم يجد مساغا عِنْد انضمام الشفتين والغت حبس النَّفس مرّة وإمساك الْيَد أَو الثَّوْب على الْفَم وَالْأنف والغط الخنق وتغييب الرَّأْس فِي المَاء قَالَ الْخطابِيّ والغط فِي الحَدِيث الخنق قَوْله الْجهد بِضَم الْجِيم وَفتحهَا وَمَعْنَاهُ الْغَايَة وَالْمَشَقَّة وَفِي الْمُحكم الْجهد والجهد الطَّاقَة وَقيل الْجهد الْمَشَقَّة والجهد الطَّاقَة وَفِي الموعب الْجهد مَا جهد الْإِنْسَان من مرض أَو من مشاق والجهد بلوغك غَايَة الْأَمر الَّذِي لَا تألو عَن الْجهد فِيهِ وجهدته بلغت مشقته وأجهدته على أَن يفعل كَذَا وَقَالَ ابْن دُرَيْد جهدته حَملته على أَن يبلغ مجهوده وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي جهد فِي الْعَمَل وأجهد وَقَالَ أَبُو عَمْرو أجهد فِي حَاجَتي وَجهد وَقَالَ الْأَصْمَعِي جهدت لَك نَفسِي وأجهدت نَفسِي قَوْله ثمَّ أَرْسلنِي أَي أطلقني من الْإِرْسَال قَوْله علق بتحريك اللَّام وَهُوَ الدَّم الغليظ والقطعة مِنْهُ علقَة قَوْله يرجف فُؤَاده أَي يخْفق ويضطرب والرجفان شدَّة الْحَرَكَة وَالِاضْطِرَاب وَفِي الْمُحكم رجف الشَّيْء يرجف رجفا ورجوفا ورجفانا ورجيفا وأرجف خَفق واضطرب اضطرابا شَدِيدا والفؤاد هُوَ الْقلب وَقيل أَنه عين الْقلب وَقيل بَاطِن الْقلب وَقيل غشاء الْقلب وَسمي الْقلب قلبا لتقلبه وَقَالَ اللَّيْث الْقلب مُضْغَة من الْفُؤَاد معلقَة بالنياط وَسمي قلبا لتقلبه قَوْله زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَات بالتكرار وَهُوَ من التزميل وَهُوَ التلفيف والتزمل الاشتمال والتلفف وَمِنْه التدثر وَيُقَال لكل مَا يلقى على الثَّوْب الَّذِي يَلِي الْجَسَد دثار وأصل المزمل والمدثر المتزمل والمتدثر أدغمت التَّاء فِيمَا بعْدهَا قَوْله الروع بِفَتْح الرَّاء وَهُوَ الْفَزع وَفِي الْمُحكم الروع والرواع والتروع الْفَزع وَقَالَ الْهَرَوِيّ هُوَ بِالضَّمِّ مَوضِع الْفَزع من الْقلب قَوْله كلا مَعْنَاهُ النَّفْي والردع عَن ذَلِك الْكَلَام وَالْمرَاد هَهُنَا التَّنْزِيه عَنهُ وَهُوَ أحد مَعَانِيهَا وَقد يكون بِمَعْنى حَقًا أَو بِمَعْنى إِلَّا الَّتِي للتّنْبِيه يستفتح بهَا الْكَلَام وَقد جَاءَت فِي الْقُرْآن على أَقسَام جمعهَا ابْن الْأَنْبَارِي فِي بَاب من كتاب الْوَقْف والابتداء لَهُ وَهِي مركبة عِنْد ثَعْلَب من كَاف التَّشْبِيه وَلَا النافية قَالَ وَإِنَّمَا شددت لامها لتقوية الْمَعْنى ولدفع توهم بَقَاء معنى الْكَلِمَتَيْنِ وَعند غَيره هِيَ بسيطة وَعند سِيبَوَيْهٍ والخليل والمبرد والزجاج وَأكْثر الْبَصرِيين حرف مَعْنَاهُ الردع والزجر لَا معنى لَهَا عِنْدهم إِلَّا ذَلِك حَتَّى يجيزون أبدا الْوَقْف عَلَيْهَا والابتداء بِمَا بعْدهَا وَحَتَّى قَالَ جمَاعَة مِنْهُم مَتى سَمِعت كلا فِي سُورَة فاحكم بِأَنَّهَا مَكِّيَّة لِأَن فِيهَا معنى التهديد والوعيد وَأكْثر مَا نزل ذَلِك بِمَكَّة لِأَن أَكثر العتو كَانَ بهَا قَالُوا وَقد تكون حرف جَوَاب بِمَنْزِلَة أَي وَنعم وحملوا عَلَيْهِ ﴿كلا وَالْقَمَر﴾ فَقَالُوا مَعْنَاهُ أَي وَالْقَمَر قَوْله مَا يخزيك الله بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالخاء الْمُعْجَمَة من الخزي وَهُوَ الفضيحة والهوان وأصل الخزي على مَا ذكره ابْن سَيّده الْوُقُوع فِي بلية وشهوة بذلة وأخزى الله فلَانا أبعده قَالَه فِي الْجَامِع وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق معمر عَن الزُّهْرِيّ يحزنك بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالنون من الْحزن وَيجوز على هَذَا فتح الْيَاء وَضمّهَا يُقَال حزنه وأحزنه لُغَتَانِ فصيحتان قرىء بهما فِي السَّبع وَقَالَ اليزيدي أحزنه لُغَة تَمِيم وحزنه لُغَة قُرَيْش قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يحزنهم الْفَزع الْأَكْبَر﴾ من حزن وَقَالَ ﴿ليحزنني أَن تذْهبُوا بِهِ﴾ من أَحْزَن على قِرَاءَة من قَرَأَ بِضَم الْيَاء والحزن خلاف السرُور يُقَال حزن بِالْكَسْرِ يحزن حزنا إِذا اغتم وحزنه غَيره وأحزنه مثل شكله وأشكله وَحكى عَن أبي عَمْرو أَنه قَالَ إِذا جَاءَ الْحزن فِي مَوضِع نصب فتحت الْحَاء وَإِذا جَاءَ فِي مَوضِع رفع وجر ضممت وقرىء ﴿وابيضت عَيناهُ من الْحزن﴾ وَقَالَ ﴿تفيض من الدمع حزنا﴾ قَالَ الْخطابِيّ وَأكْثر النَّاس لَا يفرقون بَين الْهم والحزن وهما على اخْتِلَافهمَا يتقاربان فِي الْمَعْنى إِلَّا أَن الْحزن إِنَّمَا يكون على أَمر قد وَقع والهم إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يتَوَقَّع وَلَا يكون بعد قَوْله لتصل الرَّحِم قَالَ الْقَزاز وصل رَحمَه صلَة وَأَصله وصلَة فحذفت الْوَاو كَمَا قَالُوا زنة من وزن وأصل صل هُوَ أَمر من وصل أوصل حذفت الْوَاو تبعا لفعله فاستغنى عَن الْهمزَة فحذفت فَصَارَ صل على وزن عل وَمعنى لتصل الرَّحِم تحسن إِلَى قراباتك على حسب حَال الْوَاصِل والموصول إِلَيْهِ فَتَارَة تكون بِالْمَالِ وَتارَة تكون بِالْخدمَةِ وَتارَة بالزيارة وَالسَّلَام وَغير ذَلِك وَالرحم الْقَرَابَة وَكَذَلِكَ الرَّحِم بِكَسْر الرَّاء قَوْله وَتحمل الْكل بِفَتْح الْكَاف وَتَشْديد اللَّام وَأَصله الثّقل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ كل على مَوْلَاهُ﴾ وَأَصله من الكلال وَهُوَ الإعياء أَي ترفع الثّقل أَرَادَ تعين الضَّعِيف الْمُنْقَطع وَيدخل فِي حمل الْكل الْإِنْفَاق

стр. 50

على الضَّعِيف واليتيم والعيال وَغير ذَلِك لِأَن الْكل من لَا يسْتَقلّ بأَمْره وَقَالَ الدَّاودِيّ الْكل الْمُنْقَطع قَوْله وتكسب الْمَعْدُوم بِفَتْح التَّاء هُوَ الْمَشْهُور الصَّحِيح فِي الرِّوَايَة وَالْمَعْرُوف فِي اللُّغَة وروى بضَمهَا وَفِي معنى المضموم قَولَانِ أصَحهمَا مَعْنَاهُ تكسب غَيْرك المَال الْمَعْدُوم أَي تعطيه لَهُ تَبَرعا ثَانِيهمَا تُعْطِي النَّاس مَا لَا يجدونه عِنْد غَيْرك من معدومات الْفَوَائِد وَمَكَارِم الْأَخْلَاق يُقَال كسبت مَالا وأكسبت غَيْرِي مَالا وَفِي معنى الْمُتَّفق حِينَئِذٍ قَولَانِ أصَحهمَا أَن مَعْنَاهُ كمعنى المضموم يُقَال كسبت الرجل مَالا وأكسبته مَالا وَالْأول أفْصح وَأشهر وَمنع الْقَزاز الثَّانِي وَقَالَ إِنَّه حرف نَادِر وَأنْشد على الثَّانِي (وأكسبني مَالا وأكسبته حمدا ... ) وَقَول الآخر (يعاتبني فِي الدّين قومِي وَإِنَّمَا ... ديوني فِي أَشْيَاء تكسبهم حمدا) روى بِفَتْح التَّاء وَضمّهَا وَالثَّانِي أَن مَعْنَاهُ تكسب المَال وتصيب مِنْهُ مَا يعجز غَيْرك عَن تَحْصِيله ثمَّ تجود بِهِ وتنفقه فِي وُجُوه المكارم وَكَانَت الْعَرَب تتمادح بذلك وَعرفت قُرَيْش بِالتِّجَارَة وَضعف هَذَا بِأَنَّهُ لَا معنى لوصف التِّجَارَة بِالْمَالِ فِي هَذَا الموطن إِلَّا أَن يُرِيد أَنه يبذله بعد تَحْصِيله وأصل الْكسْب طلب الرزق يُقَال كسب يكْسب كسبا وتكسب واكتسب وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ فِيمَا حَكَاهُ ابْن سَيّده تكسب أصَاب وتكسب تصرف واجتهد وَقَالَ صَاحب الْمُجْمل يُقَال كسبت الرجل مَالا فكسبه وَهَذَا مِمَّا جَاءَ على فعلته فَفعل وَفِي الْعباب الْكسْب طلب الرزق وَأَصله الْجمع وَالْكَسْب بِالْكَسْرِ لُغَة والفصيح فتح الْكَاف تَقول كسبت مِنْهُ شَيْئا وَفُلَان طيب الْكسْب والمكسب والمكسب والمكسبة مِثَال الْمَغْفِرَة والكسبة مثل الجلسة وكسبت أَهلِي خيرا وكسبت الرجل مَالا فكسبه وَقَالَ ثَعْلَب كل النَّاس يَقُولُونَ كسبك فلَان خيرا إِلَّا ابْن الْأَعرَابِي فَإِنَّهُ يَقُول أكسبك فلَان خيرا قَالَ والأفصح فِي الحَدِيث تكسب بِفَتْح التَّاء والمعدوم عبارَة عَن الرجل الْمُحْتَاج الْعَاجِز عَن الْكسْب وَسَماهُ مَعْدُوما لكَونه كالميت حَيْثُ لم يتَصَرَّف فِي الْمَعيشَة وَذكر الْخطابِيّ أَن صَوَابه المعدم بِحَذْف الْوَاو أَي تُعْطِي العائل وترفده لِأَن الْمَعْدُوم لَا يدْخل تَحت الْأَفْعَال وَقَالَ الْكرْمَانِي التَّيْمِيّ لم يصب الْخطابِيّ إِذْ حكم على اللَّفْظَة الصَّحِيحَة بالْخَطَأ فَإِن الصَّوَاب مَا اشْتهر بَين أَصْحَاب الحَدِيث وَرَوَاهُ الروَاة وَقَالَ بَعضهم لَا يمْتَنع أَن يُطلق على المعدم الْمَعْدُوم لكَونه كَالْمَعْدُومِ الْمَيِّت الَّذِي لَا تصرف لَهُ. قلت الصَّوَاب مَا قَالَه الْخطابِيّ وَكَذَا قَالَ الصغاني فِي الْعباب الصَّوَاب وتكسب المعدم أَي تُعْطِي العائل وترفده نعم الْمَعْدُوم لَهُ وَجه على معنى غير الْمَعْنى الَّذِي فسروه وَهُوَ أَن يُقَال وتكسب الشَّيْء الَّذِي لَا يُوجد تكسبه لنَفسك أَو تملكه لغيرك وَإِلَيْهِ أَشَارَ صَاحب الْمطَالع قَوْله وتقري الضَّيْف بِفَتْح التَّاء تَقول قريت الضَّيْف أقريه قرى بِكَسْر الْقَاف وَالْقصر وقراء بِفَتْح الْقَاف وَالْمدّ وَيُقَال للطعام الَّذِي تضيفه بِهِ قرى بِالْكَسْرِ وَالْقصر وفاعله قار كقضى فَهُوَ قَاض وَقَالَ ابْن سَيّده قرى الضَّيْف قرى وقراء أَضَافَهُ واستقراني واقتراني وأقراني طلب مني الْقرى وَأَنه لقري للضيف وَالْأُنْثَى قَرْيَة عَن اللحياني وَكَذَلِكَ أَنه لمقري للضيف ومقراء وَالْأُنْثَى مقرأة ومقراء الْأَخِيرَة عَن اللحياني وَفِي أمالي الهجري مَا اقتريت اللَّيْلَة يَعْنِي لم آكل من الْقرى شَيْئا أَي لم آكل طَعَاما قَوْله وَتعين على نَوَائِب الْحق النوائب جمع نائبة وَهِي الْحَادِثَة والنازلة خيرا أَو شرا وَإِنَّمَا قَالَ نَوَائِب الْحق لِأَنَّهَا تكون فِي الْحق وَالْبَاطِل قَالَ لبيد ﵁ (نَوَائِب من خير وَشر كِلَاهُمَا ... فَلَا الْخَيْر مَمْدُود وَلَا الشَّرّ لازب) تَقول نَاب الْأَمر نوبَة نزل وَهِي النوائب والنوب قَوْله قد تنصر أَي صَار نَصْرَانِيّا وَترك عبَادَة الْأَوْثَان وَفَارق طَرِيق الْجَاهِلِيَّة والجاهلية الْمدَّة الَّتِي كَانَت قبل نبوة رَسُول الله ﷺ لما كَانُوا عَلَيْهِ من فَاحش الجهالات وَقيل هُوَ زمَان الفترة مُطلقًا قَوْله وَكَانَ يكْتب الْكتاب العبراني فَيكْتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية أَقُول لم أر شارحا من شرَّاح البُخَارِيّ حقق هَذَا الْموضع بِمَا يشفي الصُّدُور فَنَقُول بعون الله وتوفيقه قَوْله الْكتاب مصدر تَقول كتبت كتبا وكتابا وَكِتَابَة وَالْمعْنَى وَكَانَ يكْتب الْكِتَابَة العبرانية وَيجوز أَن يكون الْكتاب اسْما وَهُوَ الْكتاب الْمَعْهُود وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿الم ذَلِك الْكتاب﴾ والعبراني بِكَسْر الْعين وَسُكُون الْبَاء نِسْبَة إِلَى العبر وزيدت الْألف وَالنُّون فِي النِّسْبَة على غير الْقيَاس وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ مَا أَخذ على غربي الْفُرَات إِلَى بَريَّة الْعَرَب يُسمى العبر وَإِلَيْهِ ينْسب العبريون من الْيَهُود لأَنهم لم يَكُونُوا عبروا الْفُرَات وَقَالَ مُحَمَّد بن جرير إِنَّمَا نطق إِبْرَاهِيم ﵊ بالعبرانية حِين عبر النَّهر فَارًّا من النمرود وَقد كَانَ النمرود

стр. 51

قَالَ للَّذين أرسلهم خَلفه إِذا وجدْتُم فَتى يتَكَلَّم بالسُّرْيَانيَّة فَردُّوهُ فَلَمَّا أدركوه استنطقوه فحول الله لِسَانه عبرانيا وَذَلِكَ حِين عبر النَّهر فسميت العبرانية لذَلِك وَفِي الْعباب والعبرية والعبرانية لُغَة الْيَهُود وَالْمَفْهُوم من قَوْله فَيكْتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية أَن الْإِنْجِيل لَيْسَ بعبراني لِأَن الْبَاء فِي قَوْله بالعبرانية تتَعَلَّق بقوله فَيكْتب وَالْمعْنَى فَيكْتب باللغة العبرانية من الْإِنْجِيل وَهَذَا من قُوَّة تمكنه فِي دين النَّصَارَى وَمَعْرِفَة كتابتهم كَانَ يكْتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية إِن شَاءَ وبالعربية إِن شَاءَ وَقَالَ التَّيْمِيّ الْكَلَام العبراني هُوَ الَّذِي أنزل بِهِ جَمِيع الْكتب كالتوراة وَالْإِنْجِيل وَنَحْوهمَا وَقَالَ الْكرْمَانِي فهم مِنْهُ أَن الْإِنْجِيل عبراني قلت لَيْسَ كَذَلِك بل التَّوْرَاة عبرانية وَالْإِنْجِيل سرياني وَكَانَ آدم ﵊ يتَكَلَّم باللغة السريانية وَكَذَلِكَ أَوْلَاده من الْأَنْبِيَاء وَغَيرهم غير أَن إِبْرَاهِيم ﵊ حولت لغته إِلَى العبرانية حِين عبر النَّهر أَي الْفُرَات كَمَا ذكرنَا وَغير ابْنه إِسْمَاعِيل ﵊ فَإِنَّهُ كَانَ يتَكَلَّم باللغة الْعَرَبيَّة فَقيل لِأَن أول من وضع الْكتاب الْعَرَبِيّ والسرياني والكتب كلهَا آدم ﵊ لِأَنَّهُ كَانَ يعلم سَائِر اللُّغَات وكتبها فِي الطين وطبخه فَلَمَّا أصَاب الأَرْض الْغَرق أصَاب كل قوم كِتَابهمْ فَكَانَ إِسْمَاعِيل ﵊ أصَاب كتاب الْعَرَب وَقيل تعلم إِسْمَاعِيل ﵊ لُغَة الْعَرَب من جرهم حِين تزوج امْرَأَة مِنْهُم وَلِهَذَا يعدونه من الْعَرَب المستعربة لَا العاربة وَمن الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام من كَانَ يتَكَلَّم باللغة الْعَرَبيَّة هُوَ صَالح وَقيل شُعَيْب أَيْضا ﵊ وَقيل كَانَ آدم ﵊ يتَكَلَّم باللغة الْعَرَبيَّة فَلَمَّا نزل إِلَى الأَرْض حولت لغته إِلَى السريانية وَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لما تَابَ الله عَلَيْهِ رد عَلَيْهِ الْعَرَبيَّة وَعَن سُفْيَان أَنه مَا نزل وَحي من السَّمَاء إِلَّا بِالْعَرَبِيَّةِ فَكَانَت الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام تترجمه لقومها وَعَن كَعْب أول من نطق بِالْعَرَبِيَّةِ جِبْرِيل ﵇ وَهُوَ الَّذِي أَلْقَاهَا على لِسَان نوح ﵊ فألقاها نوح ﵊ على لِسَان ابْنه سَام وَهُوَ أَبُو الْعَرَب وَالله أعلم فَإِن قلت مَا أصل السريانية قلت قَالَ ابْن سَلام سميت بذلك لِأَن الله حِين علم آدم الْأَسْمَاء علمه سرا من الْمَلَائِكَة وأنطقه بهَا حِينَئِذٍ قَوْله هَذَا الناموس بالنُّون وَالسِّين الْمُهْملَة وَهُوَ صَاحب السِّرّ كَمَا ذكره البُخَارِيّ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ صَاحب الْمُجْمل وَأَبُو عبيد فِي غَرِيبه ناموس الرجل صَاحب سره وَقَالَ ابْن سَيّده الناموس السِّرّ وَقَالَ صَاحب الغريبين هُوَ صَاحب سر الْملك وَقيل أَن الناموس والجاسوس بِمَعْنى وَاحِد حَكَاهُ الْقَزاز فِي جَامعه وَصَاحب الواعي وَقَالَ الْحسن فِي شرح السِّيرَة أصل الناموس صَاحب سر الرجل فِي خَيره وشره وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي زاهره الجاسوس الباحث عَن أُمُور النَّاس وَهُوَ بِمَعْنى التَّجَسُّس سَوَاء وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة التَّجَسُّس بِالْجِيم الْبَحْث عَن عورات النَّاس وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة الِاسْتِمَاع لحَدِيث الْقَوْم وَقيل هما سَوَاء وَقَالَ ابْن ظفر فِي شرح المقامات صَاحب سر الْخَيْر ناموس وَصَاحب سر الشَّرّ جاسوس وَقد سوى بَينهمَا رؤبة ابْن العجاج وَقَالَ بعض الشُّرَّاح وَهُوَ الصَّحِيح وَلَيْسَ بِصَحِيح بل الصَّحِيح الْفرق بَينهمَا على مَا نقل النَّوَوِيّ فِي شَرحه عَن أهل اللُّغَة الْفرق بَينهمَا بِأَن الناموس فِي اللُّغَة صَاحب سر الْخَيْر والجاسوس صَاحب سر الشَّرّ وَقَالَ الْهَرَوِيّ الناموس صَاحب سر الْخَيْر وَهُوَ هُنَا جِبْرِيل ﵊ سمى بِهِ لخصوصه بِالْوَحْي والغيب والجاسوس صَاحب سر الشَّرّ وَقَالَ الصغاني فِي الْعباب ناموس الرجل صَاحب سره الَّذِي يطلعه على بَاطِن أمره ويخصه بِهِ ويستره عَن غَيره وَأهل الْكتاب يسمون جِبْرِيل ﵇ الناموس الْأَكْبَر والناموس أَيْضا الحاذق والناموس الَّذِي يلطف مدخله قَالَ الْأَصْمَعِي قَالَ رؤبة (لَا تمكن الخناعة الناموسا ... وتخصب اللعابة الجاسوسا) (بِعشر أَيْدِيهنَّ والضغبوسا ... خصب الغواة العومج المنسوسا) والناموس أَيْضا قترة الصَّائِد والناموسة عريسة الْأسد وَمِنْه قَول عَمْرو بن معدي كرب أَسد فِي ناموسته والناموس والنماس النمام والناموس الشّرك لِأَنَّهُ يوارى تَحت الأَرْض والناموس مَا التمس بِهِ الرجل من الاختيال تَقول نمست السِّرّ أنمسه بِالْكَسْرِ نمسا كتمته ونمست الرجل ونامسته أَي ساررته وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي لم يَأْتِ فِي الْكَلَام فاعول لَام الْكَلِمَة فِيهِ سين إِلَّا الناموس صَاحب سر الْخَيْر والجاسوس للشر والجاروس الْكثير الْأكل والناعوس

стр. 52

الْحَيَّة والبابوس الصَّبِي الرَّضِيع والراموس الْقَبْر والقاموس وسط الْبَحْر والقابوس الْجَمِيل الْوَجْه والعاطوس دَابَّة يتشأم بهَا والناموس النمام ... والجاموس ضرب من الْبَقر وَقيل أعجمي تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب وَقيل الحاسوس بِالْحَاء غير الْمُعْجَمَة قلت قَالَ الصغاني الحاسوس بِالْحَاء الْمُهْملَة الَّذِي يتحسس الْأَخْبَار مثل الجاسوس يَعْنِي بِالْجِيم وَقيل الحاسوس فِي الْخَيْر والجاسوس فِي الشَّرّ. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي الحاسوس المشؤم من الرِّجَال وَيُقَال سنة حاسوس وحسوس إِذا كَانَت شَدِيدَة قَليلَة الْخَيْر والقابوس قيل لفظ أعجمي عربوه وَأَصله كاووس فأعرب فَوَافَقَ الْعَرَبيَّة وَلِهَذَا لَا ينْصَرف للعجمة والتعريف وَأَبُو قَابُوس كنية النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْعَرَب والعاطوس بِالْعينِ الْمُهْملَة والبابوس بالبائين الموحدتين قَالَ ابْن عباد هُوَ الْوَلَد الصَّغِير بالرومية والناموس بالنُّون وَالْمِيم وَقد جَاءَ فاعول أَيْضا آخِره سين فاقوس بَلْدَة من بِلَاد مصر قَوْله جذعا بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة يَعْنِي شَابًّا قَوِيا حَتَّى أبالغ فِي نصرتك وَيكون لي كِفَايَة تَامَّة لذَلِك والجذع فِي الأَصْل للدواب فاستعير للْإنْسَان قَالَ ابْن سَيّده قيل الْجذع الدَّاخِل فِي السّنة الثَّانِيَة وَمن الْإِبِل فَوق الْحق وَقيل الْجزع من الْإِبِل لأَرْبَع سِنِين وَمن الْخَيل لِسنتَيْنِ وَمن الْغنم لسنة وَالْجمع جذعان وجذاع بِالْكَسْرِ وَزَاد يُونُس جذاع بِالضَّمِّ وأجذاع قَالَ الْأَزْهَرِي والدهر يُسمى جذعا لِأَنَّهُ شَاب لَا يهرم وَقيل مَعْنَاهُ يَا لَيْتَني أدْرك أَمرك فَأَكُون أول من يقوم بنصرك كالجذع الَّذِي هُوَ أول الْإِنْسَان قَالَ صَاحب الْمطَالع وَالْقَوْل الأول أبين قَوْله قطّ بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الطَّاء مَضْمُومَة فِي أفْصح اللُّغَات وَهِي ظرف لاستغراق مَا مضى فَيخْتَص بِالنَّفْيِ واشتقاقه من قططته أَي قطعته فَمَعْنَى مَا فعلت قطّ مَا فعلته فِيمَا انْقَطع من عمري لِأَن الْمَاضِي مُنْقَطع عَن الْحَال والاستقبال وبنيت لتضمنها معنى مذ وَإِلَى لِأَن الْمَعْنى مذ أَن خلقت إِلَى الْآن وعَلى حَرَكَة لِئَلَّا يلتقي ساكنان وبالضمة تَشْبِيها بالغايات وَقد يكسر على أصل التقاء الساكنين وَقد تتبع قافه طاءه فِي الضَّم وَقد تخفف طاؤه مَعَ ضمهَا أَو إسكانها قَوْله مؤزرا بِضَم الْمِيم وَفتح الْهمزَة بعْدهَا زَاي مُعْجمَة مُشَدّدَة ثمَّ رَاء مُهْملَة أَي قَوِيا بليغا من الأزر وَهُوَ الْقُوَّة والعون وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فآزره﴾ أَي قواه وَفِي الْمُحكم آزره ووازره أَعَانَهُ على الْأَمر الْأَخير على الْبَدَل وَهُوَ شَاذ وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة مِمَّا تَقوله الْعَوام بِالْوَاو وَهُوَ بِالْهَمْز آزرته على الْأَمر أَي أعنته فَأَما وازرته فبمعنى صرت لَهُ وزيرا قَوْله ثمَّ لم ينشب أَي لم يلبث وَهُوَ بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون النُّون وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة وَكَأن الْمَعْنى فَجَاءَهُ الْمَوْت قبل أَن ينشب فِي فعل شَيْء وَهَذِه اللَّفْظَة عِنْد الْعَرَب عبارَة عَن السرعة والعجلة وَلم أر شارحا ذكر بَاب هَذِه الْمَادَّة غير أَن شارحا مِنْهُم قَالَ وأصل النشوب التَّعَلُّق أَي لم يتَعَلَّق بِشَيْء من الْأُمُور حَتَّى مَاتَ وبابه من نشب الشَّيْء فِي الشَّيْء بِالْكَسْرِ نشوبا إِذا علق فِيهِ وَفِي حَدِيث الْأَحْنَف بن قيس أَنه قَالَ خرجنَا حجاجا فمررنا بِالْمَدِينَةِ أَيَّام قتل عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ فَقلت لصاحبي قد أفل الْحَج وَإِنِّي لَا أرى النَّاس إِلَّا قد نشبوا فِي قتل عُثْمَان وَلَا أَرَاهُم إِلَّا قاتليه أَي وَقَعُوا فِيهِ وقوعا لَا منزع لَهُم عَنهُ قَوْله وفتر الْوَحْي مَعْنَاهُ احْتبسَ قَالَه الْكرْمَانِي قلت مَعْنَاهُ احْتبسَ بعد مُتَابَعَته وتواليه فِي النُّزُول وَقَالَ ابْن سَيّده فتر الشَّيْء يفتر ويفتر فتورا وفتارا سكن بعد حِدة ولان بعد شدَّة وفتر هُوَ والفتر الضعْف. (بَيَان اخْتِلَاف الرِّوَايَات) قَوْله من الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّالِحَة وَفِي صَحِيح مُسلم الصادقة وَكَذَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب التَّعْبِير أَيْضا وَوَقع هُنَا أَيْضا الصادقة فِي رِوَايَة معمر وَيُونُس وَكَذَا سَاقه الشَّيْخ قطب الدّين فِي شَرحه ومعناهما وَاحِد وَهِي الَّتِي لم يُسَلط عَلَيْهِ فِيهَا ضغث وَلَا تلبس شَيْطَان وَقَالَ الْمُهلب الرُّؤْيَا الصَّالِحَة هِيَ تباشير النُّبُوَّة لِأَنَّهُ لم يَقع فِيهَا ضغث فيتساوى مَعَ النَّاس فِي ذَلِك بل خص ﷺ بصدقها كلهَا وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ رُؤْيا الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَحي قَوْله وَكَانَ يَخْلُو بِغَار حراء وَقَالَ بَعضهم وَكَانَ يجاور بِغَار حراء. ثمَّ فرق بَين الْمُجَاورَة وَالِاعْتِكَاف بِأَن الْمُجَاورَة قد تكون خَارج الْمَسْجِد بِخِلَاف الِاعْتِكَاف وَلَفظ الْجوَار جَاءَ فِي حَدِيث جَابر الْآتِي فِي كتاب التَّفْسِير فِي صَحِيح مُسلم فِيهِ جَاوَرت بحراء شهرا فَلَمَّا قضيت جواري نزلت فَاسْتَبْطَنْت الْوَادي الحَدِيث وحراء بِكَسْر الْحَاء وبالمد فِي الرِّوَايَة الصَّحِيحَة وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ بِالْفَتْح وَالْقصر وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي قَوْله فَيَتَحَنَّث قَالَ أَبُو أَحْمد العسكري. رَوَاهُ بَعضهم يتحنف بِالْفَاءِ وَكَذَا وَقع فِي سيرة ابْن هِشَام بِالْفَاءِ قَوْله قبل أَن ينْزع وَفِي رِوَايَة مُسلم قبل أَن يرجع ومعناهما

стр. 53

وَاحِد قَوْله حَتَّى جَاءَهُ الْحق وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير حَتَّى فجئه الْحق وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم أَي أَتَاهُ بَغْتَة يُقَال فجىء يفجأ بِكَسْر الْجِيم فِي الْمَاضِي وَفتحهَا فِي الغابر وفجأ يفجأ بِالْفَتْح فيهمَا قَوْله مَا أَنا بقارىء وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة مَا أحسن أَن أَقرَأ وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة ابْن إِسْحَق مَاذَا أَقرَأ وَفِي رِوَايَة أبي الْأسود فِي مغازيه أَنه قَالَ كَيفَ أَقرَأ قَوْله فغطني وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ فغتني بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق والغت حبس النَّفس مرّة وإمساك الْيَد وَالثَّوْب على الْفَم وَالْأنف والغط الخنق وتغييب الرَّأْس فِي المَاء وَعبارَة الدَّاودِيّ معنى غطني صنع بِي شَيْئا حَتَّى ألقاني إِلَى الأَرْض كمن تَأْخُذهُ الغشية وَقَالَ الخطامي وَفِي غير هَذِه الرِّوَايَات فسأبني من سأبت الرجل سأبا إِذا خنقته ومادته سين مُهْملَة وهمزة وباء مُوَحدَة وَقَالَ الصغاني ﵀ وَمِنْه حَدِيث النَّبِي ﷺ وَذكر اعْتِكَافه بحراء فَقَالَ فَإِذا أَنا بِجِبْرِيل ﵊ على الشَّمْس وَله جنَاح بالمشرق وَجَنَاح بالمغرب فهلت مِنْهُ وَذكر كلَاما ثمَّ قَالَ أَخَذَنِي فسلقني بحلاوة القفاء ثمَّ شقّ بَطْني فاستخرج الْقلب وَذكر كلَاما ثمَّ قَالَ لي اقْرَأ فَلم أدر مَا أَقرَأ فَأخذ بحلقي فسأبني حَتَّى أجهشت بالبكاء فَقَالَ اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق فَرجع بهَا رَسُول الله ﷺ ترجف بوادره قَوْله فهلت أَي خفت من هاله إِذا خَوفه ويروى فسأتني بِالسِّين الْمُهْملَة والهمزة وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق قَالَ الصغاني قَالَ أَبُو عمر وسأته يسأته سأتا إِذا خنقه حَتَّى يَمُوت مثل سأبه وَقَالَ أَبُو زيد مثله إِلَّا أَنه لم يقل حَتَّى يَمُوت ويروى فدعتني من الدعت بِفَتْح الدَّال وَسُكُون الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفِي آخِره تَاء مثناة من فَوق قَالَ ابْن دُرَيْد الدعت الدّفع العنيف عَرَبِيّ صَحِيح يُقَال دَعَتْهُ يدعته إِذا دَفعه بِالدَّال وبالذال الْمُعْجَمَة زَعَمُوا قلت وَمِنْه حَدِيث الآخر أَن الشَّيْطَان عرض لي وَأَنا أُصَلِّي فدعته حَتَّى وجدت برد لِسَانه ثمَّ ذكرت قَول أخي سُلَيْمَان ﵇ رب هَب لي ملكا الحَدِيث قلت بِمَعْنَاهُ ذأته بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة قَالَ أَبُو زيد ذأته إِذا خنقه أَشد الخنق حَتَّى أدلع لِسَانه قَوْله يرجف فُؤَاده وَفِي رِوَايَة مُسلم بوادره وَهُوَ بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة اللحمة الَّتِي بَين الْمنْكب والعنق ترجف عِنْد الْفَزع قَوْله وَالله مَا يخزيك من الخزيان كَمَا ذَكرْنَاهُ وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة يُونُس وَعقيل عَن الزُّهْرِيّ وَرَوَاهُ من رِوَايَة معمر عَن الزُّهْرِيّ يحزنك من الْحزن وَهُوَ رِوَايَة أبي ذَر أَيْضا هَهُنَا قَوْله وتكسب بِفَتْح التَّاء هُوَ الرِّوَايَة الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِالضَّمِّ قَوْله الْمَعْدُوم بِالْوَاو وَهِي الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة وَقَالَ الْخطابِيّ الصَّوَاب المعدم وَقد ذَكرْنَاهُ وَذكر البُخَارِيّ فِي هَذَا الحَدِيث فِي كتاب التَّفْسِير وَتصدق الحَدِيث وَذكره مُسلم هَهُنَا وَهُوَ من أشرف خصاله وَذكر فِي السِّيرَة زِيَادَة أُخْرَى إِنَّك لتؤدي الْأَمَانَة ذكرهَا من حَدِيث عَمْرو بن شُرَحْبِيل قَوْله فَكَانَ يكْتب الْكتاب العبراني وَيكْتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية وَفِي رِوَايَة يُونُس وَمعمر وَيكْتب من الْإِنْجِيل بِالْعَرَبِيَّةِ وَلمُسلم وَكَانَ يكْتب الْكتاب الْعَرَبِيّ والجميع صَحِيح لِأَن ورقة كَانَ يعلم اللِّسَان العبراني وَالْكِتَابَة العبرانية فَكَانَ يكْتب الْكتاب العبراني كَمَا كَانَ يكْتب الْكتاب الْعَرَبِيّ لتمكنه من الْكِتَابَيْنِ واللسانين وَقَالَ الدَّاودِيّ يكْتب من الْإِنْجِيل الَّذِي هُوَ بالعبرانية بِهَذَا الْكتاب الْعَرَبِيّ فنسبه إِلَى العبرانية إِذْ بهَا كَانَ يتَكَلَّم عِيسَى ﵇ قلت لَا نسلم أَن الْإِنْجِيل كَانَ عبرانيا وَلَا يفهم من الحَدِيث ذَلِك وَالَّذِي يفهم من الحَدِيث أَنه كَانَ يعلم الْكِتَابَة العبرانية وَيكْتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون الْإِنْجِيل عبرانيا لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون سريانيا وَكَانَ ورقة ينْقل مِنْهُ باللغة العبرانية وَهَذَا يدل على علمه بالألسن الثَّلَاثَة وتمكنه فِيهَا حَيْثُ ينْقل السريانية إِلَى العبرانية قَوْله يَا ابْن عَم كَذَا وَقع هَهُنَا وَهُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ ابْن عَمها وَوَقع فِي رِوَايَة لمُسلم يَا عَم وَقَالَ بَعضهم هَذَا وهم لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ صَحِيحا لإِرَادَة التوقير لَكِن الْقِصَّة لم تَتَعَدَّد ومخرجها مُتحد فَلَا يحمل على أَنَّهَا قَالَت ذَلِك مرَّتَيْنِ فَتعين الْحمل على الْحَقِيقَة قلت هَذَا لَيْسَ بوهم بل هُوَ صَحِيح لِأَنَّهَا سمته عَمها مجَازًا وَهَذَا عَادَة الْعَرَب يُخَاطب الصَّغِير الْكَبِير بيا عَم احتراما لَهُ ورفعا لمرتبته وَلَا يحصل هَذَا الْغَرَض بقولِهَا يَا ابْن عَم فعلى هَذَا تكون تَكَلَّمت باللفظين وَكَون الْقِصَّة متحدة لَا تنَافِي التَّكَلُّم باللفظين قَوْله الَّذِي نزل الله وَفِي رِوَايَة الْكشميهني أنزل الله وَفِي التَّفْسِير أنزل على مَا لم يسم فَاعله وَالْفرق بَين أنزل وَنزل أَن الأول يسْتَعْمل فِي إِنْزَال الشَّيْء دفْعَة وَاحِدَة وَالثَّانِي يسْتَعْمل فِي تَنْزِيل الشَّيْء

стр. 54

دفْعَة بعد دفْعَة وقتا بعد وَقت وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى فِي حق الْقُرْآن ﴿نزل عَلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ﴾ وَفِي حق التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل ﴿وَأنزل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل﴾ فَإِن قلت قَالَ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقدر﴾ قلت مَعْنَاهُ أَنزَلْنَاهُ من اللَّوْح الْمَحْفُوظ إِلَى بَيت الْعِزَّة فِي السَّمَاء الدُّنْيَا دفْعَة وَاحِدَة ثمَّ نزل على الرَّسُول ﷺ من بَيت الْعِزَّة فِي عشْرين سنة بِحَسب الوقائع والحوادث قَوْله على مُوسَى ﵇ هَكَذَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَجَاء فِي غير الصَّحِيحَيْنِ نزل الله على عِيسَى وَكِلَاهُمَا صَحِيح أما عِيسَى فلقرب زَمَنه وَأما مُوسَى فَلِأَن كِتَابه مُشْتَمل على الْأَحْكَام بِخِلَاف كتاب عِيسَى فَإِنَّهُ كَانَ أَمْثَالًا ومواعظ وَلم يكن فِيهِ حكم وَقَالَ بَعضهم لِأَن مُوسَى بعث بالنقمة على فِرْعَوْن وَمن مَعَه بِخِلَاف عِيسَى وَكَذَلِكَ وَقعت النقمَة على يَد النَّبِي ﷺ بفرعون هَذِه الْأمة وَهُوَ أَبُو جهل بن هِشَام وَمن مَعَه قلت هَذَا بعيد لِأَن ورقة مَا كَانَ يعلم بِوُقُوع النقمَة على أبي جهل فِي ذَلِك الْوَقْت كَمَا كَانَ فِي علمه بِوُقُوع النقمَة على فِرْعَوْن على يَد مُوسَى ﵇ حَتَّى يذكر مُوسَى وَيتْرك عِيسَى. وَقَالَ آخَرُونَ ذكر مُوسَى تَحْقِيقا للرسالة لِأَن نُزُوله على مُوسَى مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْيَهُود وَالنَّصَارَى بِخِلَاف عِيسَى فَإِن بعض الْيَهُود يُنكرُونَ نبوته وَقَالَ السُّهيْلي أَن ورقة كَانَ تنصر وَالنَّصَارَى لَا يَقُولُونَ فِي عِيسَى أَنه نَبِي يَأْتِيهِ جِبْرِيل ﵇ وَإِنَّمَا يَقُولُونَ أَن أقنوما من الأقانيم الثَّلَاثَة اللاهوتية حل بناسوت الْمَسِيح على اخْتِلَاف بَينهم فِي ذَلِك الْحُلُول وَهُوَ أقنوم الْكَلِمَة والكلمة عِنْدهم عبارَة عَن الْعلم فَلذَلِك كَانَ الْمَسِيح فِي زعمهم يعلم الْغَيْب ويخبر بِمَا فِي الْغَد فِي زعمهم الْكَاذِب فَلَمَّا كَانَ هَذَا مَذْهَب النَّصَارَى عدل عَن ذكر عِيسَى إِلَى ذكر مُوسَى لعلمه ولاعتقاده أَن جِبْرِيل ﵇ كَانَ ينزل على مُوسَى ﵇ ثمَّ قَالَ لَكِن ورقة قد ثَبت إيمَانه بِمُحَمد ﷺ قلت لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التمحل فَإِنَّهُ روى عَنهُ مرّة ناموس مُوسَى وَمرَّة ناموس عِيسَى فقد روى أَبُو نعيم فِي دَلَائِل النُّبُوَّة بِإِسْنَاد حسن إِلَى هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه فِي هَذِه الْقِصَّة أَن خَدِيجَة أَولا أَتَت ابْن عَمها ورقة فَأَخْبَرته فَقَالَ لَئِن كنت صدقت إِنَّه ليَأْتِيه ناموس عِيسَى الَّذِي لَا يُعلمهُ بَنو إِسْرَائِيل وروى الزبير بن بكار أَيْضا من طَرِيق عبد الله بن معَاذ عَن الزُّهْرِيّ فِي هَذِه الْقِصَّة أَن ورقة قَالَ ناموس عِيسَى وَعبد الله بن معَاذ ضَعِيف فَعِنْدَ إِخْبَار خَدِيجَة لَهُ بالقصة قَالَ لَهَا ناموس عِيسَى بِحَسب مَا هُوَ فِيهِ من النَّصْرَانِيَّة وَعند إِخْبَار النَّبِي ﷺ لَهُ قَالَ لَهُ ناموس مُوسَى وَالْكل صَحِيح فَافْهَم قَوْله يَا لَيْتَني فِيهَا جذعا هَكَذَا رِوَايَة الْجُمْهُور وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ جذع بِالرَّفْع وَكَذَا وَقع لِابْنِ ماهان بِالرَّفْع فِي صَحِيح مُسلم وَالْأَكْثَرُونَ فِيهِ أَيْضا على النصب قَوْله إِذْ يخْرجك وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي التَّعْبِير حِين يخْرجك قَوْله الأعودي وَذكر البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير إِلَّا أوذي من الْأَذَى وَهُوَ رِوَايَة يُونُس قَوْله وَإِن يدركني يَوْمك وَزَاد فِي رِوَايَة يُونُس حَيا وَفِي سيرة ابْن إِسْحَاق إِن أدْركْت ذَلِك الْيَوْم يَعْنِي يَوْم الْإِخْرَاج وَفِي سيرة ابْن هِشَام وَلَئِن أَنا أدْركْت ذَلِك الْيَوْم لأنصرن الله نصرا يُعلمهُ ثمَّ أدنى رَأسه مِنْهُ يقبل يَافُوخه وَقيل مَا فِي البُخَارِيّ هُوَ الْقيَاس لِأَن ورقة سَابق بالوجود وَالسَّابِق هُوَ الَّذِي يُدْرِكهُ من يَأْتِي بعده كَمَا جَاءَ أَشْقَى النَّاس من أَدْرَكته السَّاعَة وَهُوَ حَيّ ثمَّ قيل ولرواية ابْن إِسْحَاق وَجه لِأَن الْمَعْنى إِن أر ذَلِك الْيَوْم فَسمى رُؤْيَته إدراكا وَفِي التَّنْزِيل ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ أَي لَا ترَاهُ على أحد الْقَوْلَيْنِ قلت هَذَا تَأْوِيل بعيد فَلَا يحْتَاج إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا فرق بَين أَن يدركني وَبَين أَن أدْركْت فِي الْمَعْنى لِأَن أَن تقرب معنى الْمَاضِي من الْمُسْتَقْبل وَهُوَ ظَاهر لَا يخفى قَوْله وفتر الْوَحْي وَزَاد البُخَارِيّ بعد هَذَا فِي التَّعْبِير وفتر الْوَحْي فَتْرَة حَتَّى حزن النَّبِي ﷺ فِيمَا بلغنَا حزنا غَدا مِنْهُ مرَارًا كي يتردى من رُؤْس الْجبَال فَكلما أوفي بِذرْوَةِ جبل لكَي يلقِي مِنْهُ نَفسه يتَرَاءَى لَهُ جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِنَّك رَسُول الله حَقًا فيسكن لذَلِك جأشه وتقر عينه حَتَّى يرجع فَإِذا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَة الْوَحْي غَدا لمثل ذَلِك فَإِذا أوفي بِذرْوَةِ جبل يتَرَاءَى لَهُ جِبْرِيل فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك وَهَذَا من بلاغات معمر وَلم يسْندهُ وَلَا ذكر رَاوِيه وَلَا أَنه ﷺ قَالَه وَلَا يعرف هَذَا من النَّبِي ﷺ مَعَ أَنه قد يحمل على أَنه كَانَ أول الْأَمر قبل رُؤْيَة جِبْرِيل ﵊ كَمَا جَاءَ مُبينًا عَن ابْن إِسْحَاق عَن بَعضهم أَو أَنه فعل ذَلِك لما أحْرجهُ تَكْذِيب قومه كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فلعلك باخع نَفسك﴾ أَو خَافَ أَن الفترة لأمر أَو سَبَب فخشي أَن يكون عُقُوبَة من ربه فَفعل ذَلِك بِنَفسِهِ وَلم يرد بعد شرع بِالنَّهْي عَن

стр. 55

ذَلِك فيعترض بِهِ وَنَحْو هَذَا فرار يُونُس ﵇ حِين تَكْذِيب قومه وَالله أعلم (بَيَان الصّرْف) قَوْله يحيى فعل مضارع فِي الأَصْل فَوضع علما قَوْله بكير تَصْغِير بكر بِفَتْح الْبَاء وَهُوَ من الْإِبِل بِمَنْزِلَة الْفَتى من النَّاس والبكرة بِمَنْزِلَة الفتات وَاللَّيْث اسْم من أَسمَاء الْأسد وَالْجمع الليوث وَفُلَان أليث من فلَان أَي أَشد وَأَشْجَع وَعقيل تَصْغِير عقل الْمَعْرُوف أَو عقل بِمَعْنى الدِّيَة وشهاب بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة شعلة نَار ساطعة وَالْجمع شهب وشهبان بِالضَّمِّ عَن الْأَخْفَش مِثَال حِسَاب وحسبان وشهبان بِالْكَسْرِ عَن غَيره وَأَن فلَانا لشهاب حَرْب إِذا كَانَ مَاضِيا فِيهَا شجاعا وَجمعه شهبان والشهاب بِالْفَتْح اللَّبن الممزوج بِالْمَاءِ وَعُرْوَة فِي الأَصْل عُرْوَة الْكوز والقميص والعروة أَيْضا من الشّجر الَّذِي لَا يزَال بَاقِيا فِي الأَرْض لَا يذهب وَجمعه عرى والعروة الْأسد أَيْضا وَبِه سمي الرجل عُرْوَة وَالزُّبَيْر تَصْغِير زبر وَهُوَ الْعقل والزبر الزّجر وَالْمَنْع أَيْضا والزبر الْكِتَابَة وَعَائِشَة من الْعَيْش وَهُوَ ظَاهر قَوْله بدىء بِهِ على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله الرُّؤْيَا مصدر كالرجعي مصدر رَجَعَ وَيخْتَص برؤيا الْمَنَام كَمَا اخْتصَّ الرَّأْي بِالْقَلْبِ والرؤية بِالْعينِ قَوْله ثمَّ حبب على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا والخلاء مصدر بِمَعْنى الْخلْوَة قَوْله فَيَتَحَنَّث من بَاب التفعل وَهُوَ للتكلف هَهُنَا كتشجع إِذا اسْتعْمل الشجَاعَة وكلف نَفسه إِيَّاهَا لتحصل وَكَذَلِكَ قَوْله وَهُوَ التَّعَبُّد من هَذَا الْبَاب وَهُوَ اسْتِعْمَال الْعِبَادَة لتكليف نَفسه إِيَّاه وَكَذَلِكَ قَوْله ويتزود من هَذَا الْبَاب وَكَذَلِكَ قَوْله تنصر من هَذَا الْبَاب قَوْله أَو مخرجي أَصله مخرجون جمع اسْم الْفَاعِل فَلَمَّا أضيف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم سَقَطت نونه للإضافة فَانْقَلَبت واوه يَاء وأدغمت فِي يَاء الْمُتَكَلّم (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله أول مَا بدىء كَلَام إضافي مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره قَوْله الرُّؤْيَا الصَّالِحَة وَكلمَة من فِي قَوْله من الْوَحْي لبَيَان الْجِنْس قَالَه الْقَزاز كَأَنَّهَا قَالَت من جنس الْوَحْي وَلَيْسَت الرُّؤْيَا من الْوَحْي حَتَّى تكون للتَّبْعِيض وَهَذَا مَرْدُود بل يجوز أَن يكون للتَّبْعِيض لِأَن الرُّؤْيَا من الْوَحْي كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث أَنَّهَا جُزْء من النُّبُوَّة قَوْله الصَّالِحَة صفة للرؤيا إِمَّا صفة مُوضحَة للرؤيا لِأَن غير الصَّالِحَة تسمى بالحلم كَمَا ورد الرُّؤْيَا من الله والحلم من الشَّيْطَان وَإِمَّا مخصصة أَي الرُّؤْيَا الصَّالِحَة لَا الرُّؤْيَا السَّيئَة أَو لَا الكاذبة الْمُسَمَّاة بأضغاث الأحلام وَالصَّلَاح إِمَّا بِاعْتِبَار صورتهَا وَإِمَّا بِاعْتِبَار تعبيرها قَالَ القَاضِي يحْتَمل أَن يكون معنى الرُّؤْيَا الصَّالِحَة والحسنة حسن ظَاهرهَا وَيحْتَمل أَن المُرَاد صِحَّتهَا ورؤيا السوء تحْتَمل الْوَجْهَيْنِ أَيْضا سوء الظَّاهِر وَسُوء التَّأْوِيل قَوْله فِي النّوم لزِيَادَة الْإِيضَاح وَالْبَيَان وَإِن كَانَت الرُّؤْيَا مَخْصُوصَة بِالنَّوْمِ كَمَا ذكرنَا عَن قريب أَو ذكر لدفع وهم من يتَوَهَّم أَن الرُّؤْيَا تطلق على رُؤْيَة الْعين قَوْله وَكَانَ لَا يرى رُؤْيا بِلَا تَنْوِين لِأَنَّهُ كحبلى قَوْله مثل مَنْصُوب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف وَالتَّقْدِير إِلَّا جَاءَت مجيئا مثل فلق الصُّبْح أَي شَبيهَة لضياء الصُّبْح وَقَالَ أَكثر الشُّرَّاح أَنه مَنْصُوب على الْحَال وَمَا قُلْنَا أولى لِأَن الْحَال مُقَيّدَة وَمَا ذكرنَا مُطلق فَهُوَ أولى على مَا يخفى على النَّابِغَة من التراكيب قَوْله الْخَلَاء مَرْفُوع بقوله حبب لِأَنَّهُ فَاعل نَاب عَن الْمَفْعُول والنكتة فِيهِ التَّنْبِيه على أَن ذَلِك من وَحي الإلهام وَلَيْسَ من باعث الْبشر قَوْله حراء بِالتَّنْوِينِ والجر بِالْإِضَافَة كَمَا ذكرنَا قَوْله فَيَتَحَنَّث عطف على قَوْله يَخْلُو وَلَا يَخْلُو عَن معنى السَّبَبِيَّة لِأَن اختلاءه هُوَ السَّبَب للتحنث قَوْله فِيهِ أَي فِي الْغَار مَحَله النصب على الْحَال قَوْله وَهُوَ التَّعَبُّد الضَّمِير يرجع إِلَى التحنث الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله فَيَتَحَنَّث كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى﴾ أَي الْعدْل أقرب للتقوى وَهَذِه جملَة مُعْتَرضَة بَين قَوْله فَيَتَحَنَّث فِيهِ وَبَين قَوْله اللَّيَالِي لِأَن اللَّيَالِي مَنْصُوب على الظّرْف وَالْعَامِل فِيهِ يَتَحَنَّث لَا قَوْله التَّعَبُّد وَإِلَّا يفْسد الْمَعْنى فَإِن التحنث لَا يشْتَرط فِيهِ اللَّيَالِي بل هُوَ مُطلق التَّعَبُّد وَأَشَارَ الطَّيِّبِيّ بِأَن هَذِه الْجُمْلَة مدرجة من قَول الزُّهْرِيّ لِأَن مثل ذَلِك من دأبه وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير من طَرِيق يُونُس عَن الزُّهْرِيّ قَوْله ذَوَات الْعدَد مَنْصُوب لِأَنَّهُ صفة اللَّيَالِي وعلامة النصب كسر التَّاء وَأَرَادَ بهَا اللَّيَالِي مَعَ أيامهن على سَبِيل التغليب لِأَنَّهَا أنسب للخلوة قَالَ الطَّيِّبِيّ وَذَوَات الْعدَد عبارَة عَن الْقلَّة نَحْو (دَرَاهِم مَعْدُودَة) وَقَالَ الْكرْمَانِي يحْتَمل أَن يُرَاد بهَا الْكَثْرَة إِذْ الْكثير يحْتَاج إِلَى الْعدَد لَا الْقَلِيل وَهُوَ الْمُنَاسب للمقام قلت أصل مُدَّة الْخلْوَة مَعْلُوم وَكَانَ شهرا وَهُوَ شهر رَمَضَان كَمَا رَوَاهُ ابْن إِسْحَق فِي السِّيرَة وَإِنَّمَا أبهمت عَائِشَة ﵂ الْعدَد هَهُنَا لاختلافه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمدَّة الَّتِي يتخللها مَجِيئه إِلَى أَهله قَوْله ويتزود بِالرَّفْع عطف على قَوْله يَتَحَنَّث

стр. 56

وَلَيْسَ هُوَ بعطف على أَن ينْزع لفساد الْمَعْنى قَوْله لذَلِك أَي للخلو أَو للتعبد قَوْله لمثلهَا أَي لمثل اللَّيَالِي قَوْله حَتَّى جَاءَهُ الْحق كلمة حَتَّى هَهُنَا للغاية وَهَهُنَا مَحْذُوف وَالتَّقْدِير حَتَّى جَاءَهُ الْأَمر الْحق وَهُوَ الْوَحْي الْكَرِيم قَوْله فَجَاءَهُ الْملك الْألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد أَي جِبْرِيل ﵇ وَهَذِه الْفَاء هَهُنَا الْفَاء التفسيرية نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿فتوبوا إِلَى بارئكم فَاقْتُلُوا أَنفسكُم﴾ إِذْ الْقَتْل نفس التَّوْبَة على أحد التفاسير وَتسَمى بِالْفَاءِ التفصيلية أَيْضا لِأَن مَجِيء الْملك تَفْصِيل للمجمل الَّذِي هُوَ مَجِيء الْحق وَلَا شكّ أَن الْمفصل نفس الْمُجْمل وَلَا يُقَال أَنه تَفْسِير الشَّيْء بِنَفسِهِ لِأَن التَّفْسِير وَإِن كَانَ عين الْمُفَسّر بِهِ من جِهَة الْإِجْمَال فَهُوَ غَيره من جِهَة التَّفْصِيل وَلَا يجوز أَن تكون الْفَاء هُنَا الْفَاء التعقيبية لِأَن مَجِيء الْملك لَيْسَ بعد مَجِيء الْوَحْي حَتَّى يعقب بِهِ بل مجىء الْملك هُوَ نفس الْوَحْي هَكَذَا قَالَت الشُّرَّاح وَفِيه بحث لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون المُرَاد من قَوْله حَتَّى جَاءَهُ الْحق الإلهام أَو سَماع هَاتِف وَيكون مجىء الْملك بعد ذَلِك بِالْوَحْي فَحِينَئِذٍ يَصح أَن تكون الْفَاء للتعقيب قَوْله فَقَالَ اقْرَأ الْفَاء هُنَا للتعقيب قَوْله مَا أَنا بقارىء قَالَت الشُّرَّاح كلمة مَا نَافِيَة وَاسْمهَا هُوَ قَوْله أَنا وخبرها هُوَ قَوْله بقارىء ثمَّ الْبَاء فِيهِ زَائِدَة لتأكيد النَّفْي أَي مَا أحسن الْقِرَاءَة وغلطوا من قَالَ أَنَّهَا استفهامية لدُخُول الْبَاء فِي الْخَبَر وَهِي لَا تدخل على مَا الاستفهامية وَمنعُوا استنادهم بِمَا جَاءَ فِي رِوَايَة مَا أَقرَأ بقَوْلهمْ يجوز أَن يكون مَا هَهُنَا أَيْضا نَافِيَة قلت تغليطهم ومنعهم ممنوعان أما قَوْلهم أَن الْبَاء لَا تدخل على مَا الاستفهامية فَهُوَ مَمْنُوع لِأَن الْأَخْفَش جوز ذَلِك أما قَوْلهم يجوز أَن يكون مَا فِي رِوَايَة مَا أَقرَأ نَافِيَة فاحتمال بعيد بل الظَّاهِر أَنَّهَا استفهامية تدل على ذَلِك رِوَايَة أبي الْأسود فِي مغازيه عَن عُرْوَة أَنه قَالَ كَيفَ أَقرَأ وَالْعجب من شَارِح أَنه ذكر هَذِه الرِّوَايَة فِي شَرحه وَهِي تصرح بِأَن مَا استفهامية ثمَّ غلط من قَالَ أَنَّهَا استفهامية قَوْله الْجهد بِالرَّفْع وَالنّصب أما الرّفْع فعلى كَونه فَاعِلا لبلغ يَعْنِي بلغ الْجهد مبلغه فَحذف مبلغه وَأما النصب فعلى كَونه مَفْعُولا وَالْفَاعِل مَحْذُوف يجوز أَن يكون التَّقْدِير بلغ مني الْجهد الْملك أَو بلغ الغط مني الْجهد أَي غَايَة وسعى وَقَالَ التوربشتي لَا أرى الَّذِي يروي بِنصب الدَّال إِلَّا قد وهم فِيهِ أَو جوزه بطرِيق الِاحْتِمَال فَإِنَّهُ إِذا نصب الدَّال عَاد الْمَعْنى إِلَى أَنه غطه حَتَّى استفرغ قوته فِي ضغطه وَجهد جهده بِحَيْثُ لم يبْق فِيهِ مزِيد وَقَالَ الْكرْمَانِي وَهَذَا قَول غير سديد فَإِن البنية البشرية لَا تستدعي استنفاد الْقُوَّة الملكية لَا سِيمَا فِي مبدأ الْأَمر وَقد دلّت الْقِصَّة على أَنه اشمأز من ذَلِك وتداخله الرعب وَقَالَ الطَّيِّبِيّ لَا شكّ أَن جِبْرِيل ﵇ فِي حَالَة الغط لم يكن على صورته الْحَقِيقِيَّة الَّتِي تجلى بهَا عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى وعندما رَآهُ مستويا على الْكُرْسِيّ فَيكون استفراغ جهده بِحَسب صورته الَّتِي تجلى لَهُ وغطه وَإِذا صحت الرِّوَايَة اضمحل الاستبعاد قَوْله فَرجع بهَا أَي بِالْآيَاتِ وَهِي قَوْله ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ إِلَى آخِرهنَّ وَقَالَ بَعضهم أَي بِالْآيَاتِ أَو بالقصة فَقَوله أَو بالقصة لَا وَجه لَهُ أصلا على مَا لَا يخفى قَوْله يرجف فُؤَاده جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال وَقد علم أَن الْمُضَارع إِذا كَانَ مثبتا وَوَقع حَالا لَا يحْتَاج إِلَى الْوَاو قَوْله وأخبرها الْخَبَر جملَة حَالية أَيْضا قَوْله لقد خشيت اللَّام فِيهِ جَوَاب الْقسم الْمَحْذُوف أَي وَالله لقد خشيت وَهُوَ مقول قَالَ قَوْله فَانْطَلَقت بِهِ خَدِيجَة أَي انْطَلقَا إِلَى ورقة لِأَن الْفِعْل اللَّازِم إِذا عدى بِالْبَاء يلْزم مِنْهُ المصاحبة فَيلْزم ذهابهما بِخِلَاف مَا عدى بِالْهَمْزَةِ نَحْو أذهبته فَإِنَّهُ لَا يلْزم ذَلِك قَوْله ابْن عَم خَدِيجَة قَالَ النَّوَوِيّ هُوَ بِنصب ابْن وَيكْتب بِالْألف لِأَنَّهُ بدل من ورقة فَإِنَّهُ ابْن عَم خَدِيجَة لِأَنَّهَا بنت خويلد بن أَسد وَهُوَ ورقة بن نَوْفَل بن أَسد وَلَا يجوز جر ابْن وَلَا كِتَابَته بِغَيْر الْألف لِأَنَّهُ يصير صفة لعبد الْعُزَّى فَيكون عبد الْعُزَّى ابْن عَم خَدِيجَة وَهُوَ بَاطِل. وَقَالَ الْكرْمَانِي كِتَابَة الْألف وَعدمهَا لَا تتَعَلَّق بِكَوْنِهِ مُتَعَلقا بِوَرَقَة أَو بِعَبْد الْعُزَّى بل عِلّة إِثْبَات الْألف عدم وُقُوعه بَين العلمين لِأَن الْعم لَيْسَ علما ثمَّ الحكم بِكَوْنِهِ بَدَلا غير لَازم لجَوَاز أَن يكون صفة أَو بَيَانا لَهُ قلت مَا ادّعى النَّوَوِيّ لُزُوم الْبَدَل حَتَّى يخدش فِي كَلَامه فَإِنَّهُ وَجه ذكره وَمثل ذَلِك عبد الله بن مَالك ابْن بُحَيْنَة وَمُحَمّد بن عَليّ ابْن الْحَنَفِيَّة والمقداد بن عَمْرو ابْن الْأسود وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم ابْن علية وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم ابْن رَاهَوَيْه وَأَبُو عبد الله بن يزِيد ابْن مَاجَه فبحينة أم عبد الله وَالْحَنَفِيَّة أم مُحَمَّد وَالْأسود لَيْسَ بجد الْمِقْدَاد وَإِنَّمَا هُوَ قد تبناه وَعليَّة أم إِسْمَاعِيل وراهويه لقب إِبْرَاهِيم وماجه لقب يزِيد وكل ذَلِك يكْتب بِالْألف ويعرب بإعراب الأول وَمثل ذَلِك عبد الله بن أبي ابْن سلول بتنوين أبي وَيكْتب ابْن سلول بِالْألف ويعرب إِعْرَاب عبد الله فِي الْأَصَح قَوْله مَا شَاءَ

стр. 57

الله كلمة مَا مَوْصُولَة وَشاء صلتها والعائد مَحْذُوف وَأَن مَصْدَرِيَّة مفعول شَاءَ وَالتَّقْدِير مَا شَاءَ الله كِتَابَته قَوْله قد عمى حَال قَوْله اسْمَع من ابْن أَخِيك إِنَّمَا أطلقت الْأُخوة لِأَن الْأَب الثَّالِث لورقة هُوَ الْأَخ للْأَب الرَّابِع لرَسُول الله ﷺ كَأَنَّهُ قَالَ ابْن أخي جدك على سَبِيل الْإِضْمَار وَفِي ذكر لفظ الْأَخ استعطاف أَو جعلته عَمَّا لرَسُول الله عَلَيْهِ وَسلم أَيْضا احتراما لَهُ على سَبِيل التَّجَوُّز قَوْله مَاذَا ترى فِي إعرابه أوجه الأول أَن يكون مَا إستفهاما وَذَا إِشَارَة نَحْو مَاذَا التداني ... مَاذَا الْوُقُوف الثَّانِي أَن يكون مَا استفهاما وَذَا مَوْصُولَة كَمَا فِي قَول لبيد ﵁ (أَلا تَسْأَلَانِ الْمَرْء مَاذَا يحاول ... ) فَمَا مُبْتَدأ بِدَلِيل إِبْدَاله الْمَرْفُوع مِنْهَا وَذَا مَوْصُول بِدَلِيل افتقاره للجملة بعده وَهُوَ أرجح الْوَجْهَيْنِ فِي ﴿ويسئلونك مَاذَا يُنْفقُونَ﴾ الثَّالِث أَن يكون مَاذَا كُله استفهاما على التَّرْكِيب كَقَوْلِك لماذا جِئْت الرَّابِع أَن يكون مَاذَا كُله اسْم جنس بِمَعْنى شَيْء أَو مَوْصُولا الْخَامِس أَن يكون مَا زَائِدَة وَذَا للْإِشَارَة السَّادِس أَن يكون مَا استفهاما وَذَا زَائِدَة إجَازَة جمَاعَة مِنْهُم ابْن مَالك فِي نَحْو مَاذَا صنعت قَوْله يَا لَيْتَني فِيهَا أَي فِي أَيَّام النُّبُوَّة أَو فِي الدعْوَة وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء العكبري الْمُنَادِي هَهُنَا مَحْذُوف تَقْدِيره يَا مُحَمَّد لَيْتَني كنت حَيا نَحْو ﴿يَا لَيْتَني كنت مَعَهم﴾ تَقْدِيره يَا قوم لَيْتَني وَالْأَصْل فِيهِ أَن يَا إِذا وَليهَا مَا لَا يصلح للنداء كالفعل فِي نَحْو (أَلا يَا اسجدوا) والحرف فِي نَحْو يَا لَيْتَني وَالْجُمْلَة الإسمية نَحْو يَا لعنة الله والأقوام كلهم فَقيل هِيَ للنداء والمنادى مَحْذُوف وَقيل لمُجَرّد التَّنْبِيه لِئَلَّا يلْزم الإجحاف بِحَذْف الْجُمْلَة كلهَا وَقَالَ ابْن مَالك فِي الشواهد ظن أَكثر النَّاس أَن يَا الَّتِي تَلِيهَا لَيْت حرف نِدَاء والمنادى مَحْذُوف وَهُوَ عِنْدِي ضَعِيف لِأَن قَائِل لَيْتَني قد يكون وَحده فَلَا يكون مَعَه مُنَادِي كَقَوْل مَرْيَم ﴿يَا لَيْتَني مت قبل هَذَا﴾ وَكَأن الشَّيْء إِنَّمَا يجوز حذفه إِذا كَانَ الْموضع الَّذِي ادّعى فِيهِ حذفه مُسْتَعْملا فِيهِ ثُبُوته كحذف الْمُنَادِي قبل أَمر أَو دُعَاء فَإِنَّهُ يجوز حذفه لِكَثْرَة ثُبُوته ثمَّة فَمن ثُبُوته قبل الْأَمر ﴿يَا يحيى خُذ الْكتاب﴾ وَقبل الدُّعَاء ﴿يَا مُوسَى ادْع لنا رَبك﴾ وَمن حذفه قبل الْأَمر (الا يَا اسجدوا) فِي قِرَاءَة الْكسَائي أَي يَا هَؤُلَاءِ اسجدوا قبل الدُّعَاء قَول الشَّاعِر (أَلا يَا اسلمي يَا دارمي على البلى ... وَلَا زَالَ منهلا بجرعائك الْقطر) أَي يَا دَار اسلمي فَحسن حذف الْمُنَادِي قبلهَا اعتياد ثُبُوته بِخِلَاف لَيْت فَإِن الْمُنَادِي لم تستعمله الْعَرَب قبلهَا ثَابتا فادعاء حذفه بَاطِل فَتعين كَون يَا هَذِه لمُجَرّد التَّنْبِيه مثل أَلا فِي نَحْو (أَلا لَيْت شعري هَل أبيتن لَيْلَة ... ) قلت دَعْوَاهُ بِبُطْلَان الْحَذف غير سديدة لِأَن دَلِيله لم يساعده أما قَوْله لِأَن قَائِل لَيْتَني قد يكون وَحده الخ فَظَاهر الْفساد لِأَنَّهُ يجوز أَن يقدر فِيهِ نَفسِي فيخاطب نَفسه على سَبِيل التَّجْرِيد فالتقدير فِي الْآيَة يَا نَفسِي لَيْتَني مت قبل هَذَا وَهَهُنَا أَيْضا يكون التَّقْدِير يَا نَفسِي لَيْتَني كنت فِيهَا جذعا وَأما قَوْله وَلِأَن الشَّيْء إِنَّمَا يجوز حذفه فَظَاهر الْبعد لِأَنَّهُ لَا مُلَازمَة بَين جَوَاز الْحَذف وَبَين ثُبُوت اسْتِعْمَاله فِيهِ فَافْهَم قَوْله جذعا بِالنّصب وَالرَّفْع وَجه النصب أَن يكون خبر كَانَ الْمُقدر تَقْدِيره لَيْتَني أكون جذعا وَإِلَيْهِ مَال الْكسَائي وَقَالَ القَاضِي عِيَاض هُوَ مَنْصُوب على الْحَال وَهُوَ مَنْقُول عَن النُّحَاة البصرية وَخبر لَيْت حِينَئِذٍ قَوْله فِيهَا وَالتَّقْدِير لَيْتَني كَائِن فِيهَا حَال شبيبة وَصِحَّة وَقُوَّة لنصرتك وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ لَيْت أعملت عمل تمنيت فنصب الجزئين كَمَا فِي قَول الشَّاعِر (يَا لَيْت أَيَّام الصِّبَا رواجعا ... ) وَجه الرّفْع ظَاهر وَهُوَ كَونه خبر لَيْت قَوْله إِذْ يخْرجك قَوْمك قَالَ ابْن مَالك اسْتعْمل فِيهِ إِذْ فِي الْمُسْتَقْبل كإذا وَهُوَ اسْتِعْمَال صَحِيح وغفل عَنهُ أَكثر النَّحْوِيين وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْذرهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قضي الْأَمر﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَأَنْذرهُمْ يَوْم الآزفة إِذْ الْقُلُوب﴾ وَقَوله ﴿فَسَوف يعلمُونَ إِذْ الأغلال فِي أَعْنَاقهم﴾ قَالَ وَقد اسْتعْمل كل مِنْهُمَا فِي مَوضِع الآخر وَمن اسْتِعْمَال إِذا مَوضِع إِذْ نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة أَو لهوا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ لِأَن الانفضاض وَاقع فِيمَا مضى وَقَالَ بَعضهم هَذَا الَّذِي ذكره ابْن مَالك قد أقره عَلَيْهِ غير وَاحِد وَتعقبه شَيخنَا بِأَن النُّحَاة لم يغفلوا عَنهُ بل منعُوا وُرُوده وَأولُوا مَا ظَاهره ذَلِك وَقَالُوا فِي مثل هَذَا اسْتعْمل الصِّيغَة الدَّالَّة على الْمُضِيّ لتحَقّق وُقُوعه فأنزلوه مَنْزِلَته وَيُقَوِّي ذَلِك هُنَا أَن فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي التَّعْبِير حِين يخْرجك قَوْمك وَعند التَّحْقِيق مَا ادَّعَاهُ ابْن مَالك فِيهِ ارْتِكَاب مجَاز وَمَا ذكره غَيره فِيهِ ارْتِكَاب مجَاز ومجازهم أولى لما يبتنى عَلَيْهِ من أَن إِيقَاع الْمُسْتَقْبل فِي صُورَة الْمُضِيّ تَحْقِيقا لوُقُوعه أَو استحضارا للصورة الْآتِيَة فِي هَذِه دون تِلْكَ قلت بل غفلوا عَنهُ لِأَن التَّنْبِيه على مثل

стр. 58

هَذَا لَيْسَ من وظيفتهم وَإِنَّمَا هُوَ من وَظِيفَة أهل الْمعَانِي وَقَوله بل منعُوا وُرُوده كَيفَ يَصح وَقد ورد فِي الْقُرْآن فِي غير مَا مَوضِع وَقَوله وَأولُوا مَا ظَاهره يُنَافِي قَوْله منعُوا وُرُوده وَكَيف نسب التَّأْوِيل إِلَيْهِم وَهُوَ لَيْسَ إِلَيْهِم وَإِنَّمَا هُوَ إِلَى أهل الْمعَانِي قَوْله ومجازهم أولى الخ بعيد عَن الْأَوْلَوِيَّة لِأَن التَّعْلِيل الَّذِي علله لَهُم هُوَ عين مَا عله ابْن مَالك فِي قَوْله اسْتعْمل إِذْ فِي الْمُسْتَقْبل كإذا وَبِالْعَكْسِ فَمن أَيْن الْأَوْلَوِيَّة قَوْله أَو مخرجي هم جملَة اسمية لِأَن هم مُبْتَدأ ومخرجي مقدما خَبره وَلَا يجوز الْعَكْس لِأَن مخرجي نكرَة فَإِن إِضَافَته لفظية إِذْ هُوَ اسْم فَاعل بِمَعْنى الِاسْتِقْبَال وَقد قُلْنَا أَن أَصله مخرجون جمع مخرج من الْإِخْرَاج فَلَمَّا أضيف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم سَقَطت النُّون وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء فَصَارَ مخرجي بتَشْديد الْيَاء وَيجوز أَن يكون مخرجي مُبْتَدأ وهم فَاعِلا سد مسد الْخَبَر على لُغَة أكلوني البراغيث وَلَو روى مخرجي بِسُكُون الْيَاء أَو فتحهَا مُخَفّفَة على أَنه مُفْرد يَصح جعله مُبْتَدأ وَمَا بعده فَاعِلا سد مسد الْخَبَر كَمَا تَقول أَو مخرجي بَنو فلَان لاعتماده على حرف الِاسْتِفْهَام لقَوْله ﷺ احي والداك والمنفصل من الضمائر يجْرِي مجْرى الظَّاهِر وَمِنْه قَول الشَّاعِر (أمنجز أَنْتُم وَعدا وثقت بِهِ ... أم اقتفيتم جَمِيعًا نهج عرقوب) وَقَالَ ابْن مَالك الأَصْل فِي أَمْثَال هَذَا تَقْدِيم حرف الْعَطف على الْهمزَة كَمَا تقدم على غَيرهَا من أدوات الِاسْتِفْهَام نَحْو ﴿وَكَيف تكفرون﴾ و ﴿فَأنى تؤفكون﴾ و ﴿فَأَيْنَ تذهبون﴾ وَالْأَصْل أَن يجاء بِالْهَمْزَةِ بعد العاطف كَهَذا الْمِثَال وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال وأمخرجي فالواو للْعَطْف على مَا قبلهَا من الْجمل والهمزة للاستفهام لِأَن أَدَاة الِاسْتِفْهَام جُزْء من جملَة الِاسْتِفْهَام وَهِي معطوفة على مَا قبلهَا من الْجمل والعاطف لَا يتَقَدَّم عَلَيْهِ جُزْء مَا عطف عَلَيْهِ وَلَكِن خصت الْهمزَة بتقديمها على العاطف تَنْبِيها على أَنه أصل أدوات الِاسْتِفْهَام لِأَن الِاسْتِفْهَام لَهُ صدر الْكَلَام وَقد خُولِفَ هَذَا الأَصْل فِي غير الْهمزَة فأرادوا التَّنْبِيه عَلَيْهِ وَكَانَت الْهمزَة بذلك أولى لأصالتها وَقد غفل الزَّمَخْشَرِيّ عَن هَذَا الْمَعْنى فَادّعى أَن بَين الْهمزَة وحرف الْعَطف جملَة محذوفة مَعْطُوفًا عَلَيْهَا بالعاطف مَا بعده. قلت لم يغْفل الزَّمَخْشَرِيّ عَن ذَلِك وَإِنَّمَا ادّعى هَذِه الدَّعْوَى لدقة نظر فِيهِ وَذَلِكَ لِأَن قَوْله أَو مخرجي هم جَوَاب ورد على قَوْله إِذْ يخْرجك على سَبِيل الاستبعاد والتعجب فَكيف يجوز أَن يقدر فِيهِ تَقْدِيم حرف الْعَطف على الْهمزَة وَلِأَن هَذِه إنشائية وَتلك خبرية فلأجل ذَلِك قدمت الْهمزَة على أَن أَصْلهَا أمخرجي هم بِدُونِ حرف الْعَطف وَلَكِن لما أُرِيد مزِيد استبعاد وتعجب جِيءَ بِحرف الْعَطف على مُقَدّر تَقْدِيره أمعادي هم ومخرجي هم وَأما إِنْكَار الْحَذف فِي مثل هَذِه الْمَوَاضِع فمستبعد لِأَن مثل هَذِه الحذوف من حلية البلاغة لَا سِيمَا حَيْثُ الْإِمَارَة قَائِمَة عَلَيْهَا وَالدَّلِيل عَلَيْهَا هُنَا وجود العاطف وَلَا يجوز الْعَطف على الْمَذْكُور فَيجب أَن يقدر بعد الْهمزَة مَا يُوَافق الْمَعْطُوف تقريرا للاستبعاد قَوْله وَأَن يدركني كلمة إِن للشّرط ويدركني مجزوم بهَا ويومك مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل يدركني والمضاف فِيهِ مَحْذُوف أَي يَوْم إخراجك أَو يَوْم انتشار نبوتك قَوْله أنصرك مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب الشَّرْط ونصرا مَنْصُوب على المصدرية ومؤزرا صفته قَوْله ورقة بِالرَّفْع فَاعل لقَوْله لم ينشب وَكلمَة أَن فِي قَوْله أَن توفّي مَفْتُوحَة مُخَفّفَة وَهِي بدل اشْتِمَال من ورقة أَي لم تلبث وَفَاته (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله الصَّالِحَة صفة مُوضحَة عِنْد النُّحَاة وَصفَة فارقة عِنْد أهل الْمعَانِي وَقَوله فِي النّوم من قبيل أمس الدابر كَانَ يَوْمًا عَظِيما لِأَنَّهُ لَيْسَ للكشف وَلَا للتخصيص وَلَا للمدح وَلَا للذم فَتعين أَن يكون للتَّأْكِيد قَوْله مَا أَنا بقارىء قيل أَن مثل هَذَا يُفِيد الِاخْتِصَاص قلت قَالَ الطَّيِّبِيّ مثل هَذَا التَّرْكِيب لَا يلْزم أَن يُفِيد الِاخْتِصَاص بل قد يكون للتقوية والتوكيد أَي لست بقارىء الْبَتَّةَ لَا محَالة وَهُوَ الظَّاهِر هَهُنَا وَالْمُنَاسِب للمقام قَوْله ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ قدم الْفِعْل الَّذِي هُوَ مُتَعَلق الْبَاء وَإِن كَانَ تَأْخِيره للاختصاص كَمَا فِي قَوْله ﴿بِسم الله مجْراهَا وَمرْسَاهَا﴾ لكَون الْأَمر بِالْقِرَاءَةِ أهم وَتَقْدِيم الْفِعْل أوقع لذَلِك وَقَوله اقْرَأ أَمر بإيجاد الْقِرَاءَة مُطلقًا لَا تخْتَص بمقروء دون مقروء وَقَوله باسم رَبك حَال أَي اقْرَأ مفتتحا باسم رَبك أَي قل بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ثمَّ اقْرَأ وَقَالَ الطَّيِّبِيّ وَهَذَا يدل على أَن الْبَسْمَلَة مَأْمُور بِقِرَاءَتِهَا فِي ابْتِدَاء كل قِرَاءَة فَتكون قرَاءَتهَا مأمورة فِي ابْتِدَاء هَذِه السُّورَة أَيْضا قلت هَذَا التَّقْدِير خلاف الظَّاهِر فَإِن جِبْرِيل ﵊ لم يقل لَهُ إِلَّا أَن يَقُول ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق اقْرَأ وَرَبك الأكرم﴾ قَالَ الواحدي

стр. 59

أخبرنَا الْحسن بن مُحَمَّد الْفَارِسِي قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن الْفضل التَّاجِر قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن الْحسن الْحَافِظ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن صَالح قَالَ حَدثنَا أَبُو صَالح قَالَ حَدثنِي اللَّيْث قَالَ حَدثنِي عقيل عَن ابْن شهَاب قَالَ أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر المَخْزُومِي أَنه سمع بعض عُلَمَائهمْ يَقُول كَانَ أول مَا نزل الله على رَسُوله ﷺ ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي﴾ إِلَى قَوْله ﴿مَا لم يعلم﴾ قَالَ هَذَا صدر مَا أنزل على رَسُول الله ﷺ يَوْم حراء ثمَّ أنزل آخرهَا بعد ذَلِك وَمَا شَاءَ الله وَلَئِن سلمنَا أَن الْبَسْمَلَة مَأْمُور بهَا فِي الْقِرَاءَة فَلَا يلْزم من ذَلِك الْوُجُوب لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون الْأَمر على وَجه النّدب والاستحباب لأجل التَّبَرُّك فِي ابْتِدَاء الْقِرَاءَة قَوْله ﴿رَبك الَّذِي خلق﴾ وصف مُنَاسِب مشْعر بعلية الحكم بِالْقِرَاءَةِ وَالْإِطْلَاق فِي خلق أَولا على منوال يعْطى وَيمْنَع وَجعله تَوْطِئَة لقَوْله ﴿خلق الْإِنْسَان﴾ إِيذَانًا بِأَن الْإِنْسَان أشرف الْمَخْلُوقَات ثمَّ الامتنان عَلَيْهِ بقوله ﴿علم الْإِنْسَان﴾ يدل على أَن الْعلم أجل النعم قَوْله ﴿علم بالقلم﴾ إِشَارَة إِلَى الْعلم التعليمي و ﴿علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم﴾ إِشَارَة إِلَى الْعلم اللدني قَوْله لقد خشيت على نَفسِي أَشَارَ فِي تَأْكِيد كَلَامه بِاللَّامِ وَقد إِلَى تمكن الخشية فِي قلبه وخوفه على نَفسه حَتَّى روى صَاحب الغريبين فِي بَاب الْعين وَالدَّال وَالْمِيم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لِخَدِيجَة ﵂ أَظن أَنه عرض لي شبه جُنُون فَقَالَت كلا إِنَّك تكسب الْمَعْدُوم وَتحمل الْكل انْتهى فأجابت خَدِيجَة أَيْضا بِكَلَام فِيهِ قسم وتأكيد بِأَن وَاللَّام فِي الْخَبَر فِي صُورَة الْجُمْلَة الإسمية وَذَلِكَ إِزَالَة لحيرته ودهشته وَذَلِكَ من قبيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أبرئ نَفسِي إِن النَّفس لأمارة بالسوء﴾ لِأَن قَوْله ﴿وَمَا أبرئ﴾ مَا أزكي نَفسِي أورث الْمُخَاطب حيرة فِي أَنه كَيفَ لَا ينزه نَفسه عَن السوء مَعَ كَونهَا مطمئنة زكية فأزال تِلْكَ الْحيرَة بقوله إِن النَّفس لأمارة بالسوء فِي جَمِيع الْأَشْخَاص أَي بالشهوة والرذيلة إِلَّا من عصمه الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم إِن زَلْزَلَة السَّاعَة شَيْء عَظِيم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وصل عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سكن لَهُم﴾ وأمثال ذَلِك فِي التَّنْزِيل كَثِيرَة وكل هَذَا من إِخْرَاج الْكَلَام على خلاف مُقْتَضى الظَّاهِر قَوْله يَا لَيْتَني كلمة لَيْت لِلتَّمَنِّي تتَعَلَّق بالمستحيل غَالِبا وبالممكن قَلِيلا وَتمنى ورقة أَن يكون عِنْد ظُهُور الدُّعَاء إِلَى الْإِسْلَام شَابًّا ليَكُون أمكن إِلَى نَصره وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك على وَجه التحسر لِأَنَّهُ كَانَ يتَحَقَّق أَنه لَا يعود شَابًّا قَوْله أَو مخرجي هم قد ذكرنَا أَن الْهمزَة فِيهِ للاستفهام وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك على وَجه الْإِنْكَار والتفجع لذَلِك والتألم مِنْهُ لِأَنَّهُ استبعد إِخْرَاجه من غير سَبَب لِأَنَّهَا حرم الله تَعَالَى وبلد أَبِيه إِسْمَاعِيل وَلم يكن مِنْهُ فِيمَا مضى وَلَا فِيمَا يَأْتِي سَبَب يَقْتَضِي ذَلِك بل كَانَ مِنْهُ أَنْوَاع المحاسن والكرامات الْمُقْتَضِيَة لإكرامه وإنزاله مَا هُوَ لَائِق بمحله وَالْعَادَة أَن كل مَا أَتَى للنفوس بِغَيْر مَا تحب وتألف وَإِن كَانَ مِمَّن يحب ويعتقد يعافه ويطرده وَقد قَالَ الله تَعَالَى حِكَايَة عَنْهُم ﴿فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك وَلَكِن الظَّالِمين بآيَات الله يجحدون﴾ (بَيَان الْبَيَان) قَوْله مثل فلق الصُّبْح فِيهِ تَشْبِيه وَقد علم أَن أَدَاة التَّشْبِيه الْكَاف وَكَأن وَمثل وَنَحْو وَمَا يشتق من مثل وَشبه وَنَحْوهمَا والمشبه هَهُنَا الرُّؤْيَا والمشبه بِهِ فلق الصُّبْح وَوجه الشّبَه هُوَ الظُّهُور الْبَين الْوَاضِح الَّذِي لَا يشك فِيهِ قَوْله يَا لَيْتَني فِيهَا جذعا فِيهِ اسْتِعَارَة الْحَيَوَان للْإنْسَان ومبناه على التَّشْبِيه حَيْثُ أطلق الْجذع الَّذِي هُوَ الْحَيَوَان المنتهي إِلَى الْقُوَّة وَأَرَادَ بِهِ الشَّبَاب الَّذِي فِيهِ قُوَّة الرجل وتمكنه من الْأُمُور (الأسئلة والأجوبة) وَهِي على وُجُوه. الأول مَا قيل لم أبتدىء ﷺ بالرؤيا أَولا وَأجِيب بِأَنَّهُ إِنَّمَا ابتدىء بهَا لِئَلَّا يفجأه الْملك ويأتيه بِصَرِيح النُّبُوَّة وَلَا تحتملها القوى البشرية فبدىء بأوائل خِصَال النُّبُوَّة وتباشير الْكَرَامَة من صدق الرُّؤْيَا مَعَ سَماع الصَّوْت وَسَلام الْحجر وَالشَّجر عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ ورؤية الضَّوْء ثمَّ أكمل الله لَهُ النُّبُوَّة بإرسال الْملك فِي الْيَقَظَة وكشف لَهُ عَن الْحَقِيقَة كَرَامَة لَهُ الثَّانِي مَا قيل مَا حَقِيقَة الرُّؤْيَا الصادقة أُجِيب بِأَن الله تَعَالَى يخلق فِي قلب النَّائِم أَو فِي حواسه الْأَشْيَاء كَمَا يخلقها فِي الْيَقظَان وَهُوَ يفعل مَا يَشَاء لَا يمنعهُ نوم وَلَا غَيره عَنهُ فَرُبمَا يَقع ذَلِك فِي الْيَقَظَة كَمَا رَآهُ فِي الْمَنَام وَرُبمَا جعل مَا رَآهُ علما على أُمُور أخر يخلقها الله فِي ثَانِي الْحَال أَو كَانَ قد خلقهَا فَتَقَع تِلْكَ كَمَا جعل الله تَعَالَى الْغَيْم عَلامَة للمطر الثَّالِث مَا قيل لم حبب إِلَيْهِ الْخلْوَة أُجِيب بِأَن مَعهَا فرَاغ الْقلب وَهِي مُعينَة على التفكر والبشر لَا ينْتَقل عَن طبعه إِلَّا بالرياضة البليغة فحبب إِلَيْهِ الْخلْوَة لينقطع عَن مُخَالطَة الْبشر فينسى المألوفات من عَادَته فيجد الْوَحْي مِنْهُ مرَادا سهلا لَا حزنا ولمثل هَذَا الْمَعْنى كَانَت مُطَالبَة الْملك لَهُ بِالْقِرَاءَةِ والضغطة وَيُقَال كَانَ ذَلِك اعْتِبَار أَو فكرة

стр. 60

كاعتبار إِبْرَاهِيم ﵊ لمناجاة ربه والضراعة إِلَيْهِ ليريه السَّبِيل إِلَى عِبَادَته على صِحَة إِرَادَته وَقَالَ الْخطابِيّ حبب الْعُزْلَة إِلَيْهِ لِأَن فِيهَا سُكُون الْقلب وَهِي مُعينَة على التفكر وَبهَا يَنْقَطِع عَن مألوفات الْبشر ويخشع قلبه وَهِي من جملَة الْمُقدمَات الَّتِي أرهصت لنبوته وَجعلت مبادي لظهورها. الرَّابِع مَا قيل أَن ... عِبَادَته عَلَيْهِ وَسلم قبل الْبَعْث هَل كَانَت شَرِيعَة أحد أم لَا فِيهِ قَولَانِ لأهل الْعلم وعزى الثَّانِي إِلَى الْجُمْهُور إِنَّمَا كَانَ يتعبد بِمَا يلقى إِلَيْهِ من نور الْمعرفَة وَاخْتَارَ ابْن الْحَاجِب والبيضاوي أَنه كلف التَّعَبُّد بشرع وَاخْتلف الْقَائِلُونَ بِالثَّانِي هَل يَنْتَفِي ذَلِك عَنهُ عقلا أم نقلا فَقيل بِالْأولِ لِأَن فِي ذَلِك تنفيرا عَنهُ وَمن كَانَ تَابعا فبعيد مِنْهُ أَن يكون متبوعا وَهَذَا خطأ مِنْهُ كَمَا قَالَ الْمَازرِيّ فالعقل لَا يحِيل ذَلِك وَقَالَ حذاق أهل السّنة بِالثَّانِي لِأَنَّهُ لَو فعل لنقل لِأَنَّهُ مِمَّا تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله ولافتخر بِهِ أهل تِلْكَ الشَّرِيعَة وَالْقَائِل بِالْأولِ اخْتلف فِيهِ على ثَمَانِيَة أَقْوَال أَحدهَا أَنه كَانَ يتعبد بشريعة إِبْرَاهِيم الثَّانِي بشريعة مُوسَى الثَّالِث بشريعة عِيسَى الرَّابِع بشريعة نوح حَكَاهُ الْآمِدِيّ الْخَامِس بشريعة آدم حُكيَ عَن ابْن برهَان السَّادِس أَنه كَانَ يتعبد بشريعة من قبله من غير تعْيين السَّابِع أَن جَمِيع الشَّرَائِع شرع لَهُ حَكَاهُ بعض شرَّاح الْمَحْصُول من الْمَالِكِيَّة الثَّامِن الْوَقْف فِي ذَلِك وَهُوَ مَذْهَب أبي الْمَعَالِي الإِمَام وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ فَإِن قلت قد قَالَ الله تَعَالَى ﴿ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم﴾ قلت المُرَاد فِي تَوْحِيد الله وَصِفَاته أَو المُرَاد اتِّبَاعه فِي الْمَنَاسِك كَمَا علم جِبْرِيل ﵇ إِبْرَاهِيم ﵇ الْخَامِس مَا قيل مَا كَانَ صفة تعبده أُجِيب بِأَن ذَلِك كَانَ بالتفكر وَالِاعْتِبَار كاعتبار أَبِيه إِبْرَاهِيم ﵊ السَّادِس مَا قيل هَل كلف النَّبِي بعد النُّبُوَّة بشرع أحد من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أُجِيب بِأَن الْأُصُولِيِّينَ اخْتلفُوا فِيهِ وَالْأَكْثَرُونَ على الْمَنْع وَاخْتَارَهُ الإِمَام والآمدي وَغَيرهمَا وَقيل بل كَانَ مَأْمُورا بِأخذ الْأَحْكَام من كتبهمْ ويعبر عَنهُ بِأَن شرع من قبلنَا شرع لنا وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب وَللشَّافِعِيّ فِيهِ قَولَانِ أصَحهمَا الأول وَاخْتَارَهُ الْجُمْهُور السَّابِع مَا قيل مَتى كَانَ نزُول الْملك عَلَيْهِ أُجِيب بِأَن ابْن سعد روى بِإِسْنَادِهِ أَن نزُول الْملك عَلَيْهِ بحراء يَوْم الْإِثْنَيْنِ لسبع عشرَة خلت من رَمَضَان وَرَسُول الله ﷺ يَوْمئِذٍ ابْن أَرْبَعِينَ سنة الثَّامِن مَا قيل مَا الْحِكْمَة فِي غطه ثَلَاث مَرَّات قلت ليظْهر فِي ذَلِك الشدَّة وَالِاجْتِهَاد فِي الْأُمُور وَأَن يَأْخُذ الْكتاب بِقُوَّة وَيتْرك الأناة فَإِنَّهُ أَمر لَيْسَ بالهوينا وكرره ثَلَاثًا مُبَالغَة فِي التثبت التَّاسِع مَا قيل مَا الْحِكْمَة فِيهِ على رِوَايَة ابْن إِسْحَاق أَن الغط كَانَ فِي النّوم أُجِيب بِأَنَّهُ يكون فِي تِلْكَ الغطات الثَّلَاث من التَّأْوِيل بِثَلَاث شَدَائِد يبتلى بهَا أَولا ثمَّ يَأْتِي الْفَرح وَالسُّرُور الأولى مَا لقِيه ﷺ هُوَ وَأَصْحَابه من شدَّة الْجُوع فِي الشّعب حَتَّى تعاقدت قُرَيْش أَن لَا يبيعوا مِنْهُم وَلَا يصلوا إِلَيْهِم وَالثَّانيَِة مَا لقوا من الْخَوْف والإيعاد بِالْقَتْلِ وَالثَّالِثَة مَا لقِيه ﷺ من الإجلاء عَن الوطن وَالْهجْرَة من حرم إِبْرَاهِيم ﵊ الْعَاشِر مَا قيل مَا الخشية الَّتِي خشيها رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ لقد خشيت على نَفسِي أُجِيب بِأَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِيهَا على اثنى عشر قولا الأول أَنه خَافَ من الْجُنُون وَأَن يكون مَا رَآهُ من أَمر الكهانة وَجَاء ذَلِك فِي عدَّة طرق وأبطله أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ وَأَنه لجدير بالأبطال الثَّانِي خَافَ أَن يكون هاجسا وَهُوَ الخاطر بالبال وَهُوَ أَن يحدث نَفسه ويجد فِي صَدره مثل الوسواس وأبطلوا هَذَا أَيْضا لِأَنَّهُ لَا يسْتَقرّ وَهَذَا اسْتَقر وحصلت بَينهمَا الْمُرَاجَعَة الثَّالِث خَافَ من الْمَوْت من شدَّة الرعب الرَّابِع خَافَ أَن لَا يقوى على مقاومة هَذَا الْأَمر وَلَا يُطيق حمل أعباء الْوَحْي الْخَامِس الْعَجز عَن النّظر إِلَى الْملك وَخَافَ أَن تزهق نَفسه وينخلع قلبه لشدَّة مَا لقِيه عِنْد لِقَائِه السَّادِس خَافَ من عدم الصَّبْر على أَذَى قومه السَّابِع خَافَ من قومه أَن يقتلوه حَكَاهُ السُّهيْلي وَلَا غرو أَنه بشر يخْشَى من الْقَتْل والأذى ثمَّ يهون عَلَيْهِ الصَّبْر فِي ذَات الله تَعَالَى كل خشيَة ويجلب إِلَى قلبه كل شجاعة وَقُوَّة الثَّامِن خَافَ مُفَارقَة الوطن بِسَبَب ذَلِك التَّاسِع مَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّهَا كَانَت مِنْهُ قبل أَن يحصل لَهُ الْعلم الضَّرُورِيّ بِأَن الَّذِي جَاءَهُ ملك من عِنْد الله تَعَالَى وَكَانَ أشق شَيْء عَلَيْهِ أَن يُقَال عَنهُ شَيْء الْعَاشِر خَافَ من وُقُوع النَّاس فِيهِ الْحَادِي عشر مَا قَالَه ابْن أبي جَمْرَة أَن خَشيته كَانَت من الوعك الَّذِي أَصَابَهُ من قبل الْملك الثَّانِي عشر هُوَ إِخْبَار عَن الخشية الَّتِي حصلت لَهُ على غير مواطئة بَغْتَة كَمَا يحصل للبشر إِذا دهمه أَمر لم يعهده وَقَالَ القَاضِي عِيَاض هَذَا أول بادىء التباشير فِي النّوم واليقظة وَسمع الصَّوْت قبل لِقَاء الْملك

стр. 61

وَتحقّق رِسَالَة ربه فقد خَافَ أَن يكون من الشَّيْطَان فَأَما بعد أَن جَاءَهُ الْملك بالرسالة فَلَا يجوز الشَّك عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا يخْشَى تسلط الشَّيْطَان عَلَيْهِ وَقَالَ النَّوَوِيّ هَذَا ضَعِيف لِأَنَّهُ خلاف تَصْرِيح الحَدِيث فَإِن هَذَا كَانَ بعد غط الْملك وإتيانه بإقرأ باسم رَبك قَالَ قلت إِلَّا أَن يكون معنى خشيت على نَفسِي أَن يخبرها بِمَا حصل لَهُ أَولا من الْخَوْف لَا أَنه خَائِف فِي حَال الْإِخْبَار فَلَا يكون ضَعِيفا الْحَادِي عشر من الأسئلة مَا قيل من أَيْن علم رَسُول الله ﷺ أَن الجائي إِلَيْهِ جِبْرِيل ﵊ لَا الشَّيْطَان وَبِمَ عرف أَنه حق لَا بَاطِل أُجِيب بِأَنَّهُ كَمَا نصب الله لنا الدَّلِيل على أَن الرَّسُول ﷺ صَادِق لَا كَاذِب وَهُوَ المعجزة كَذَلِك نصب للنَّبِي ﷺ دَلِيلا على أَن الجائي إِلَيْهِ ملك لَا شَيْطَان وَأَنه من عِنْد الله لَا من غَيره الثَّانِي عشر مَا قيل مَا الْحِكْمَة فِي فتور الْوَحْي مُدَّة أُجِيب بِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ كَذَلِك ليذْهب مَا كَانَ ﷺ وجده من الروع وليحصل لَهُ التشوق إِلَى الْعود الثَّالِث عشر مَا قيل مَا كَانَ مُدَّة الفترة أُجِيب بِأَنَّهُ وَقع فِي تَارِيخ أَحْمد بن حَنْبَل عَن الشّعبِيّ أَن مُدَّة فَتْرَة الْوَحْي كَانَت ثَلَاث سِنِين وَبِه جزم ابْن إِسْحَاق وَحكى الْبَيْهَقِيّ أَن مُدَّة الرُّؤْيَا كَانَت سِتَّة أشهر وعَلى هَذَا فابتداء النُّبُوَّة بالرؤيا وَقع فِي شهر مولده وَهُوَ ربيع الأول وَابْتِدَاء وَحي الْيَقَظَة وَقع فِي رَمَضَان وَلَيْسَ فَتْرَة الْوَحْي الْمقدرَة بِثَلَاث سِنِين وَهُوَ مَا بَين نزُول اقْرَأ أَو يَا أَيهَا المدثر عدم مَجِيء جِبْرِيل ﵇ إِلَيْهِ بل تَأَخّر نزُول الْقُرْآن عَلَيْهِ فَقَط الرَّابِع عشر مَا قيل مَا الْحِكْمَة فِي تَخْصِيصه ﷺ التَّعَبُّد بحراء من بَين سَائِر الْجبَال أُجِيب بِأَن حراء هُوَ الَّذِي نَادَى رَسُول الله ﷺ حِين قَالَ لَهُ ثبير اهبط عني فَإِنِّي أَخَاف أَن تقتل على ظَهْري فاعذرني يَا رَسُول الله فَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي تَخْصِيصه بِهِ وَقَالَ أَبُو عبد الله بن أبي جَمْرَة لِأَنَّهُ يرى بَيت ربه مِنْهُ وَهُوَ عبَادَة وَكَانَ منزويا مجموعا لتحنثه. الْخَامِس عشر مَا قيل أَن قَوْله ثمَّ لم ينشب ورقة أَن توفّي يُعَارضهُ مَا رُوِيَ فِي سيرة ابْن إِسْحَاق أَن ورقة كَانَ يمر ببلال وَهُوَ يعذب لما أسلم وَهَذَا يَقْتَضِي أَنه تَأَخّر إِلَى زمن الدعْوَة وَإِلَى أَن دخل بعض النَّاس فِي الْإِسْلَام أُجِيب بِأَنا لَا نسلم الْمُعَارضَة فَإِن شَرط التَّعَارُض الْمُسَاوَاة وَمَا رُوِيَ فِي السِّيرَة لَا يُقَاوم الَّذِي فِي الصَّحِيح وَلَئِن سلمنَا فَلَعَلَّ الرَّاوِي لما فِي الصَّحِيح لم يحفظ لورقة بعد ذَلِك شَيْئا من الْأُمُور فَلذَلِك جعل هَذِه الْقِصَّة انْتِهَاء أمره بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا علمه مِنْهُ لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فِي نفس الْأَمر السَّادِس عشر مَا وَجه تَخْصِيص ورقة بن نَوْفَل ناموس النَّبِي بالناموس الَّذِي أنزل على مُوسَى ﵊ دون سَائِر الْأَنْبِيَاء مَعَ أَن لكل نَبِي ناموسا أُجِيب بِأَن الناموس الَّذِي أنزل على مُوسَى لَيْسَ كناموس الْأَنْبِيَاء فَإِنَّهُ أنزل عَلَيْهِ كتاب بِخِلَاف سَائِر الْأَنْبِيَاء فَمنهمْ من نزل عَلَيْهِ صحف وَمِنْهُم من نبىء بأخبار جِبْرِيل ﵇ وَمِنْهُم من نبىء بأخبار ملك الرصاف (استنباط الْأَحْكَام) وَهُوَ على وُجُوه الأول فِيهِ تَصْرِيح من عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا بِأَن رُؤْيا النَّبِي ﷺ من جملَة أَقسَام الْوَحْي وَهُوَ مَحل وفَاق الثَّانِي فِيهِ مَشْرُوعِيَّة اتِّخَاذ الزَّاد وَلَا يُنَافِي التَّوَكُّل فقد اتَّخذهُ سيد المتوكلين الثَّالِث فِيهِ الحض على التَّعْلِيم ثَلَاثًا بِمَا فِيهِ مشقة كَمَا فتل الشَّارِع أذن ابْن عَبَّاس فِي إدارته على يَمِينه فِي الصَّلَاة وانتزع شُرَيْح القَاضِي من هَذَا الحَدِيث أَن لَا يضْرب الصَّبِي إِلَّا ثَلَاثًا على الْقُرْآن كَمَا غط جِبْرِيل مُحَمَّدًا عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام ثَلَاثًا الرَّابِع فِيهِ دَلِيل لِلْجُمْهُورِ أَن سُورَة ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ أول مَا نزل وَقَول من قَالَ أَن أول مَا نزل ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ عملا بالرواية الْآتِيَة فِي الْبَاب فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ مَحْمُول على أَنه أول مَا نزل بعد فَتْرَة الْوَحْي وَأبْعد من قَالَ أَن أول مَا نزل الْفَاتِحَة بل هُوَ شَاذ وَجمع بَعضهم بَين الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين بِأَن قَالَ يُمكن أَن يُقَال أول مَا نزل من التَّنْزِيل فِي تَنْبِيه الله على صفة خلقه (اقْرَأ) وَأول مَا نزل من الْأَمر بالإنذار ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ وَذكر ابْن الْعَرَبِيّ عَن كريب قَالَ وجدنَا فِي كتاب ابْن عَبَّاس أول مَا نزل من الْقُرْآن بِمَكَّة اقْرَأ وَاللَّيْل وَنون وَيَا أَيهَا المزمل وَيَا أَيهَا المدثر وتبت وَإِذا الشَّمْس والأعلى وَالضُّحَى وألم نشرح لَك وَالْعصر وَالْعَادِيات والكوثر وَالتَّكَاثُر وَالدّين ثمَّ الفلق ثمَّ النَّاس ثمَّ ذكر سورا كَثِيرَة وَنزل بِالْمَدِينَةِ ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ سُورَة وسائرها بِمَكَّة وَكَذَلِكَ يرْوى عَن ابْن الزبير. وَقَالَ السخاوي ذهبت عَائِشَة ﵂ وَالْأَكْثَرُونَ إِلَى أَن أول مَا نزل ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ إِلَى قَوْله ﴿مَا لم يعلم﴾ ثمَّ ن والقلم إِلَى قَوْله ويبصرون وَيَا أَيهَا المدثر وَالضُّحَى ثمَّ نزل بَاقِي سُورَة اقْرَأ بعد يَا أَيهَا المدثر وَيَا أَيهَا المزمل الْخَامِس قَالَ السُّهيْلي فِي قَوْله (اقْرَأ

стр. 62

باسم رَبك﴾ دَلِيل من الْفِقْه على وجوب استفتاح الْقِرَاءَة بِبسْم الله غير أَنه أَمر مُبْهَم لم يتَبَيَّن لَهُ بِأَيّ اسْم من أَسْمَائِهِ يستفتح حَتَّى جَاءَ الْبَيَان بعد فِي قَوْله ﴿بِسم الله مجْراهَا وَمرْسَاهَا﴾ ثمَّ فِي قَوْله ﴿وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ ثمَّ بعد ذَلِك كَانَ ينزل جِبْرِيل بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم مَعَ كل سُورَة وَقد ثبتَتْ فِي سَواد الْمُصحف بِإِجْمَاع من الصَّحَابَة على ذَلِك وَحين نزلت بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم سبحت الْجبَال فَقَالَت قُرَيْش سحر مُحَمَّد الْجبَال ذكره النقاش قلت دَعْوَى الْوُجُوب تحْتَاج إِلَى دَلِيل وَكَذَلِكَ دَعْوَى نزُول جِبْرِيل ﵇ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم مَعَ كل سُورَة وثبوتها فِي سَواد الْمُصحف لَا يدل على وجوب قرَاءَتهَا وَمَا ذكره النقاش فِي تَفْسِيره فقد تكلمُوا فِيهِ السَّادِس فِيهِ أَن الفازع لَا يَنْبَغِي أَن يسْأَل عَن شَيْء حَتَّى يَزُول عَنهُ فزعه حَتَّى قَالَ مَالك أَن المذعور لَا يلْزمه بيع وَلَا إِقْرَار وَلَا غَيره السَّابِع فِيهِ أَن مَكَارِم الْأَخْلَاق وخصال الْخَيْر سَبَب للسلامة من مصَارِع الشَّرّ والمكاره فَمن كثر خَيره حسنت عاقبته ورجى لَهُ سَلامَة الدّين وَالدُّنْيَا الثَّامِن فِيهِ جَوَاز مدح الْإِنْسَان فِي وَجهه لمصْلحَة وَلَا يُعَارضهُ قَوْله ﷺ (احثوا فِي وُجُوه المداحين التُّرَاب) لِأَن هَذَا فِيمَا يمدح بباطل أَو يُؤَدِّي إِلَى بَاطِل التَّاسِع فِيهِ أَنه يَنْبَغِي تأنيس من حصلت لَهُ مَخَافَة وتبشيره وَذكر أَسبَاب السَّلامَة لَهُ الْعَاشِر فِيهِ أبلغ دَلِيل على كَمَال خَدِيجَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وجزالة رأيها وَقُوَّة نَفسهَا وَعظم فقهها وَقد جمعت جَمِيع أَنْوَاع أصُول المكارم وأمهاتها فِيهِ ﷺ لِأَن الْإِحْسَان إِمَّا إِلَى الْأَقَارِب وَإِمَّا إِلَى الْأَجَانِب وَإِمَّا بِالْبدنِ وَإِمَّا بِالْمَالِ وَإِمَّا على من يسْتَقلّ بأَمْره وَإِمَّا على غَيره الْحَادِي عشر فِيهِ جَوَاز ذكر العاهة الَّتِي بالشخص وَلَا يكون ذَلِك غيبَة قلت يَنْبَغِي أَن يكون هَذَا على التَّفْصِيل فَإِن كَانَ لبَيَان الْوَاقِع أَو للتعريف أَو نَحْو ذَلِك فَلَا بَأْس وَلَا يكون غيبَة وَإِن كَانَ لأجل استنقاصه أَو لأجل تعييره فَإِن ذَلِك لَا يجوز الثَّانِي عشر فِيهِ أَن من نزل بِهِ أَمر يسْتَحبّ لَهُ أَن يطلع عَلَيْهِ من يَثِق بنصحه وَصِحَّة رَأْيه الثَّالِث عشر فِيهِ دَلِيل على أَن الْمُجيب يُقيم الدَّلِيل على مَا يُجيب بِهِ إِذا اقْتَضَاهُ الْمقَام (فَوَائِد الأولى) خَدِيجَة بنت خويلد بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي بن كلاب أم الْمُؤمنِينَ تزَوجهَا رَسُول الله ﷺ وَهُوَ ابْن خمس وَعشْرين سنة وَهِي أم أَوْلَاده كلهم خلا إِبْرَاهِيم فَمن مَارِيَة وَلم يتَزَوَّج غَيرهَا قبلهَا وَلَا عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَت قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين على الْأَصَح وَقيل بِخمْس وَقيل بِأَرْبَع فأقامت مَعَه أَرْبعا وَعشْرين سنة وَسِتَّة أشهر ثمَّ توفيت وَكَانَت وفاتها بعد وَفَاة أبي طَالب بِثَلَاثَة أَيَّام وَاسم أمهَا فَاطِمَة بنت زَائِدَة بن الْأَصَم من بني عَامر بن لؤَي وَهِي أول من آمن من النِّسَاء بِاتِّفَاق بل أول من آمن مُطلقًا على قَول وَوَقع فِي كتاب الزبير بن بكار عَن عبد الرَّحْمَن بن زيد قَالَ آدم ﵇ مِمَّا فضل الله بِهِ ابْني عَليّ أَن زَوجته خَدِيجَة كَانَت عونا لَهُ على تَبْلِيغ أَمر الله وَأَن زَوْجَتي كَانَت عونا لي على الْمعْصِيَة الثَّانِيَة ورقة بِفَتْح الرَّاء بن نَوْفَل بِفَتْح النُّون وَالْفَاء بن أَسد بن عبد الْعُزَّى. وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت مَا قَوْلك فِي ورقة أيحكم بإيمانه قلت لَا شكّ أَنه كَانَ مُؤمنا بِعِيسَى ﵇ وَأما الْإِيمَان بنبينا ﵇ فَلم يعلم أَن دين عِيسَى قد نسخ عِنْد وَفَاته أم لَا وَلَئِن ثَبت أَنه كَانَ مَنْسُوخا فِي ذَلِك الْوَقْت فَالْأَصَحّ أَن الْإِيمَان التَّصْدِيق وَهُوَ قد صدقه من غير أَن يذكر مَا يُنَافِيهِ قلت قَالَ ابْن مَنْدَه اخْتلف فِي إِسْلَام ورقة وَظَاهر هَذَا الحَدِيث وَهُوَ قَوْله فِيهِ يَا لَيْتَني كنت فِيهَا جذعا وَمَا ذكر بعده من قَوْله يدل على إِسْلَامه وَذكر ابْن إِسْحَاق أَن النَّبِي ﷺ لما أخبرهُ قَالَ لَهُ ورقة بن نَوْفَل وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّك لنَبِيّ هَذِه الْأمة وَفِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا تسبوا ورقة فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ جنَّة أَو جنتان ثمَّ قَالَ هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ. وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن ورقة فَقَالَت لَهُ خَدِيجَة أَنه كَانَ صدقك وَلكنه مَاتَ قبل أَن تظهر فَقَالَ النَّبِي ﷺ رَأَيْته فِي الْمَنَام وَعَلِيهِ ثِيَاب بيض وَلَو كَانَ من أهل النَّار لَكَانَ عَلَيْهِ لِبَاس غير ذَلِك ثمَّ قَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب وَعُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن لَيْسَ عِنْد أهل الحَدِيث بِالْقَوِيّ وَقَالَ السُّهيْلي فِي إِسْنَاده ضعف لِأَنَّهُ يَدُور على عُثْمَان هَذَا وَلَكِن يقويه قَوْله ﷺ رَأَيْت الْفَتى يَعْنِي ورقة وَعَلِيهِ ثِيَاب حَرِير لِأَنَّهُ أول من آمن بِي وصدقني ذكره ابْن إِسْحَق عَن أبي ميسرَة عَمْرو بن شُرَحْبِيل وَقَالَ المرزباني كَانَ ورقة من عُلَمَاء قُرَيْش وشعرائهم وَكَانَ يدعى

стр. 63

القس وَقَالَ النَّبِي ﷺ رَأَيْته وَعَلِيهِ حلَّة خضراء يرفل فِي الْجنَّة وَكَانَ يذكر الله فِي شعره فِي الْجَاهِلِيَّة ويسبحه فَمن ذَلِك قَوْله (لقد نصحت لأقوام وَقلت لَهُم ... أَنا النذير فَلَا يغرركم أحد) (لَا تعبدن إِلَهًا غير خالقكم ... فَإِن دعوكم فَقولُوا بَيْننَا جدد) (سُبْحَانَ ذِي الْعَرْش سبحانا لعود لَهُ ... وَقَبله سبح الجودي والجمد) (مسخر كل مَا تَحت السَّمَاء لَهُ ... لَا يَنْبَغِي أَن يُنَادي ملكه أحد) (لَا شَيْء مِمَّا ترى تبقى بشاشته ... يبْقى الْإِلَه ويفنى المَال وَالْولد) (لم تغن عَن هُرْمُز يَوْمًا خزائنه ... والخلد قد حاولت عَاد فَمَا خلدوا) (وَلَا سُلَيْمَان إِذْ تجْرِي الرِّيَاح لَهُ ... وَالْإِنْس وَالْجِنّ فِيمَا بَينهَا برد) (أَيْن الْمُلُوك الَّتِي كَانَت لعزتها ... من كل أَوب إِلَيْهَا وَافد يفد) (حَوْض هُنَالك مورود بِلَا كدر ... لَا بُد من ورده يَوْمًا كَمَا وردوا) نسبه أَبُو الْفرج إِلَى ورقة وَفِيه أَبْيَات تنْسب إِلَى أُميَّة بن أبي الصَّلْت وَمن شعره قَوْله (فَإِن يَك حَقًا يَا خَدِيجَة فاعلمي ... حَدِيثك إيانا فَأَحْمَد مُرْسل) (وَجِبْرِيل يَأْتِيهِ وميكال مَعَهُمَا ... من الله وَحي يشْرَح الصَّدْر منزل) (الثَّالِثَة) أَنه قد عرفت أَن خَدِيجَة هِيَ الَّتِي انْطَلَقت بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى ورقة وَقد جَاءَ فِي السِّيرَة من حَدِيث عَمْرو بن شُرَحْبِيل أَن الصّديق ﵁ دخل على خَدِيجَة وَلَيْسَ رَسُول الله ﷺ عِنْدهَا ثمَّ ذكرت خَدِيجَة لَهُ مَا رَآهُ فَقَالَت يَا عَتيق اذْهَبْ مَعَ مُحَمَّد إِلَى ورقة فَلَمَّا دخل ﷺ أَخذ أَبُو بكر بِيَدِهِ فَقَالَ انْطلق بِنَا إِلَى ورقة فَقَالَ وَمن أخْبرك فَقَالَ خَدِيجَة فَانْطَلقَا إِلَيْهِ فقصا عَلَيْهِ فَقَالَ إِذا خلوت وحدي سَمِعت نِدَاء خَلْفي يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد فأنطلق هَارِبا فِي الأَرْض فَقَالَ لَهُ لَا تفعل إِذْ أَتَاك فَاثْبتْ حَتَّى تسمع مَا يَقُول ثمَّ ائْتِنِي فَأَخْبرنِي فَلَمَّا خلا ناداه يَا مُحَمَّد قل ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ حَتَّى بلغ ﴿وَلَا الضَّالّين﴾ قل لَا إِلَه إِلَّا الله فَأتى ورقة فَذكر ذَلِك لَهُ فَقَالَ لَهُ ورقة أبشر ثمَّ أبشر فَأَنا أشهد بأنك الَّذِي بشر بِهِ عِيسَى ابْن مَرْيَم وَإنَّك على مثل ناموس مُوسَى وَإنَّك نَبِي مُرْسل وَإنَّك ستؤمر بِالْجِهَادِ بعد يَوْمك هَذَا وَلَئِن أدركني ذَاك لأجاهدن مَعَك فَلَمَّا توفّي ورقة قَالَ ﷺ لقد رَأَيْت القس فِي الْجنَّة وَعَلِيهِ ثِيَاب الْحَرِير لِأَنَّهُ آمن بِي وصدقني يَعْنِي ورقة وَفِي سير سُلَيْمَان بن طرحان التَّيْمِيّ أَنَّهَا ركبت إِلَى بحيرا بِالشَّام فَسَأَلته عَن جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ لَهَا قدوس يَا سيدة قُرَيْش أَنى لَك بِهَذَا الِاسْم فَقَالَت بعلي وَابْن عمي أَخْبرنِي أَنه يَأْتِيهِ فَقَالَ مَا علم بِهِ إِلَّا نَبِي فَإِنَّهُ السفير بَين الله وَبَين أنبيائه وَأَن الشَّيْطَان لَا يجترىء أَن يتَمَثَّل بِهِ وَلَا أَن يتسمى باسمه. وَفِي الْأَوَائِل لأبي هِلَال من حَدِيث سُوَيْد بن سعيد حَدثنَا الْوَلِيد بن مُحَمَّد عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة أَن خَدِيجَة ﵂ خرجت إِلَى الراهب ورقة وعداس فَقَالَ ورقة أخْشَى أَن يكون أحد شبه بِجِبْرِيل ﵇ فَرَجَعت وَقد نزل ﴿ن والقلم وَمَا يسطرون﴾ فَلَمَّا قَرَأَ ﷺ هَذَا على ورقة قَالَ أشهد أَن هَذَا كَلَام الله تَعَالَى. فَإِن قلت مَا التَّوْفِيق بَين هَذِه الْأَخْبَار قلت بِأَن تكون خَدِيجَة قد ذهبت بِهِ مرّة وأرسلته مَعَ الصّديق أُخْرَى وسافرت إِلَى بحيرا أَو غَيره مرّة أُخْرَى وَهَذَا من شدَّة اعتنائها بِسَيِّد الْمُرْسلين ﷺ (قَالَ ابْن شهَاب وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن أَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ وَهُوَ يحدث عَن فَتْرَة الْوَحْي فَقَالَ فِي حَدِيثه بَينا أَنا أَمْشِي إِذْ سَمِعت صَوتا من السَّمَاء فَرفعت بَصرِي فَإِذا الْملك الَّذِي جَاءَنِي بحراء جَالس على كرْسِي بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَرُعِبْت مِنْهُ فَرَجَعت فَقلت زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا المدثر قُم فَأَنْذر وَرَبك فَكبر وثيابك فطهر وَالرجز فاهجر﴾ فحمى الْوَحْي وتتابع)

стр. 64

ابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَقد مر. وَأَبُو سَلمَة بِفتْحَتَيْنِ اسْمه عبد الله أَو إِسْمَعِيل أَو اسْمه كنيته ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ الْقرشِي الزُّهْرِيّ الْمدنِي التَّابِعِيّ الإِمَام الْجَلِيل الْمُتَّفق على إِمَامَته وجلالته وثقته وَهُوَ أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة على أحد الْأَقْوَال سمع جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَعنهُ خلائق من التَّابِعين مِنْهُم الشّعبِيّ فَمن بعدهمْ وَتزَوج أَبوهُ تماضر بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْمُعْجَمَة بنت الْأصْبع بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْمُهْملَة وَفِي آخِره عين غير مُعْجمَة وَهِي الْكَلْبِيَّة من أهل دومة الجندل وَلم تَلد لعبد الرَّحْمَن غير أبي سَلمَة توفّي بِالْمَدِينَةِ سنة أَربع وَتِسْعين وَهُوَ ابْن اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة فِي خلَافَة الْوَلِيد وَجَابِر بن عبد الله بن عَمْرو بن حرَام بِالْمُهْمَلَةِ وَالرَّاء ابْن عَمْرو بن سَواد بتَخْفِيف الْوَاو ابْن سَلمَة بِكَسْر اللَّام ابْن سعد بن عَليّ بن أَسد بن ساردة ابْن تُرِيدُ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق ابْن جشم بِضَم الْجِيم وَفتح الشين الْمُعْجَمَة ابْن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ السّلمِيّ بِفَتْح السِّين وَاللَّام وَحكي فِي لُغَة كسرهَا الْمدنِي أَبُو عبد الله أَو عبد الرَّحْمَن أَو أَبُو مُحَمَّد أحد السِّتَّة المكثرين رُوِيَ لَهُ عَن النَّبِي ﷺ ألف حَدِيث وَخَمْسمِائة حَدِيث وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا أخرجَا لَهُ مِائَتي حَدِيث وَعشرَة أَحَادِيث اتفقَا مِنْهَا على ثَمَانِيَة وَخمسين وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِسِتَّة وَعشْرين وَمُسلم بِمِائَة وَسِتَّة وَعشْرين وَأمه نسيبة بنت عقبَة بن عدي مَاتَ بعد أَن عمي سنة ثَمَان أَو ثَلَاث أَو أَربع أَو تسع وَسبعين وَقيل سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَكَانَ عمره أَرْبعا وَتِسْعين سنة وَصلى عَلَيْهِ أبان بن عُثْمَان وَالِي الْمَدِينَة وَهُوَ آخر الصَّحَابَة موتا بِالْمَدِينَةِ وَجَابِر بن عبد الله فِي الصَّحَابَة ثَلَاثَة. جَابر بن عبد الله هَذَا. وَجَابِر بن عبد الله بن ربَاب بن النُّعْمَان بن سِنَان. وَجَابِر بن عبد الله الرَّاسِبِي نزيل الْبَصْرَة وَأما جَابر فِي الصَّحَابَة فَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ نَفرا وَجَابِر بن عبد الله فِي غير الصَّحَابَة خَمْسَة الأول سلمي يروي عَن أَبِيه عَن كَعْب الْأَحْبَار. الثَّانِي محاربي عَنهُ الْأَوْزَاعِيّ. الثَّالِث غطفاني يروي عَن عبد الله بن الْحسن الْعلوِي. الرَّابِع مصري عَنهُ يُونُس بن عبد الْأَعْلَى. الْخَامِس يروي عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَكَانَ كذابا وَجَابِر يشْتَبه بجاثر بالثاء الْمُثَلَّثَة مَوضِع الْبَاء الْمُوَحدَة وبخاتر بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ثمَّ ألف ثمَّ تَاء مثناة من فَوق ثمَّ رَاء فَالْأول أَبُو الْقَبِيلَة الَّتِي بعث الله مِنْهَا صَالحا ﵊ وَهُوَ ثَمُود بن جاثر بن أرم بن سَام بن نوح ﵇ وَأَخُوهُ جديس بن جاثر. وَالثَّانِي معن لَهُ أَخْبَار وحكايات مَشْهُورَة (حكم الحَدِيث) قَالَ الْكرْمَانِي مثل هَذَا أَي مَا لم يذكر من أول الْإِسْنَاد وَاحِدًا أَو أَكثر يُسمى تَعْلِيقا وَلَا يذكرهُ البُخَارِيّ إِلَّا إِذا كَانَ مُسْندًا عِنْده إِمَّا بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّم كَأَنَّهُ قَالَ حَدثنَا يحيى بن بكير حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل أَنه قَالَ قَالَ ابْن شهَاب أَو بِإِسْنَاد آخر وَقد ترك الْإِسْنَاد هَهُنَا لغَرَض من الْأَغْرَاض الْمُتَعَلّقَة بِالتَّعْلِيقِ لكَون الحَدِيث مَعْرُوفا من جِهَة الثِّقَات أَو لكَونه مَذْكُورا فِي مَوضِع آخر أَو نَحوه قَالَ بَعضهم وَأَخْطَأ من زعم أَن هَذَا مُعَلّق قلت يعرض بذلك للكرماني وَلَا معنى للتعريض لِأَن الحَدِيث صورته فِي الظَّاهِر من التَّعْلِيق وَإِن كَانَ مُسْندًا عِنْده فِي مَوضِع آخر فَإِنَّهُ أخرجه أَيْضا فِي الْأَدَب وَفِي التَّفْسِير أتم من هَذَا وأوله عَن يحيى بن أبي كثير قَالَ سَأَلت أَبَا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أول مَا نزل من الْقُرْآن قَالَ ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ قلت يَقُولُونَ ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ الَّذِي خلق فَقَالَ أَبُو سَلمَة سَأَلت جَابر بن عبد الله ﵄ عَن ذَلِك قلت لَهُ مثل الَّذِي قلت فَقَالَ جَابر لَا أحَدثك إِلَّا مَا حَدثنَا رَسُول الله ﷺ قَالَ جَاوَرت بحراء شهرا فَلَمَّا قضيت جواري ثمَّ ذكر نَحوه وَقَالَ فِي التَّفْسِير. حَدثنَا يحيى بن بكير حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب (ح) وحَدثني عبد الله بن مُحَمَّد حَدثنَا عبد الرَّزَّاق أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ أَخْبرنِي فَذكره وَأخرجه مُسلم بألفاظه (وَمن لطائف إِسْنَاده) أَن كلهم مدنيون. وَفِيه تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. فَإِن قلت لم قَالَ قَالَ ابْن شهَاب وَلم يقل وروى أَو وَعَن ابْن شهَاب وَنَحْو ذَلِك. قلت قَالُوا إِذا كَانَ الحَدِيث ضَعِيفا لَا يُقَال فِيهِ قَالَ لِأَنَّهُ من صِيغ الْجَزْم بل يُقَال حكى أَو قيل أَو يُقَال بِصِيغَة التمريض وَقد اعتنى البُخَارِيّ بِهَذَا الْفرق فِي صَحِيحه كَمَا سترى وَذَلِكَ من غَايَة إتقانه فَإِن قيل مَا كَانَ مُرَاده من إِخْرَاجه بِهَذِهِ الصُّورَة مَعَ أَنه أخرجه مُسْندًا فِي صَحِيحه فِي مَوضِع آخر. قلت لَعَلَّه وَضعه على هَذِه الصُّورَة قبل أَن وقف عَلَيْهِ مُسْندًا فَلَمَّا وقف عَلَيْهِ مُسْندًا ذكره وَترك الأول على حَاله لعدم خلوه عَن فَائِدَة

стр. 65

(بَيَان اللُّغَات) قَوْله عَن فَتْرَة الْوَحْي وَهُوَ احتباسه وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي قَوْله على كرْسِي هُوَ بِضَم الْكَاف وَكسرهَا وَالضَّم أفْصح وَجمعه كراسي بتَشْديد الْيَاء وتخفيفها قَالَ ابْن السّكيت كل مَا كَانَ من هَذَا النَّحْو مفرده مشدد كعارية وسرية جَازَ فِي جمعه التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ فِي تَفْسِيره أصل الْكُرْسِيّ الْعلم وَمِنْه قيل لصحيفة يكون فِيهَا علم كراسة وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الْكُرْسِيّ مَا يجلس عَلَيْهِ وَلَا يفضل عَن مقْعد الْقَاعِد وَفِي الْعباب الْكُرْسِيّ من قَوْلهم كرس الرجل بِالْكَسْرِ إِذا ازْدحم علمه على قلبه فَإِن قلت مَا هَذِه الْيَاء فِيهِ قلت لَيست يَاء النِّسْبَة وَإِنَّمَا هُوَ مَوْضُوع على هَذِه الصِّيغَة فَإِذا أُرِيد النِّسْبَة إِلَيْهِ تحذف الْيَاء مِنْهُ وَيُؤْتى بياء النِّسْبَة فَيُقَال كرْسِي أَيْضا فَافْهَم قَوْله فَرُعِبْت مِنْهُ بِضَم الرَّاء وَكسر الْعين على مَا لم يسم فَاعله وَرِوَايَة الْأصيلِيّ بِفَتْح الرَّاء وبضم الْعين وهما صَحِيحَانِ حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِي وَغَيره قَالَ يَعْقُوب رعب ورعب وَاقْتصر النَّوَوِيّ فِي شَرحه الَّذِي لم يكمله على الأول وَقَالَ بَعضهم الرِّوَايَة بِضَم الْعين واللغة بِفَتْحِهَا حَكَاهُ السفاقسي والرعب الْخَوْف يُقَال رعبته فَهُوَ مرعوب إِذا أفزعته وَلَا يُقَال أرعبته تَقول رعب الرجل على وزن فعل كضرب بِمَعْنى خَوفه هَذَا إِذا عديته فَإِن ضممت الْعين قلت رعبت مِنْهُ وَإِن بنيته على مَا لم يسم فَاعله ضممت الرَّاء فَقلت رعبت مِنْهُ وَفِي البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير وَمُسلم هُنَا فجئثت مِنْهُ بِضَم الْجِيم وَكسر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة من جئث الرجل أَي أفزع فَهُوَ مجؤث أَي مذعور ومادته جِيم ثمَّ همزَة ثمَّ ثاء مُثَلّثَة قَالَ القَاضِي كَذَا هُوَ للكافة فِي الصَّحِيحَيْنِ وروى فجثثت بِضَم الْجِيم وَكسر الثَّاء الْمُثَلَّثَة الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة وَهُوَ بِمَعْنى الأول ومادته جِيم ثمَّ ثاآن مثلثتان وَفِي بعض الرِّوَايَات حَتَّى هويت إِلَى الأَرْض أَي سَقَطت أخرجهَا مُسلم وَهُوَ بِفَتْح الْوَاو وَفِي بَعْضهَا فَأَخَذَتْنِي رَجْفَة وَهِي كَثْرَة الِاضْطِرَاب قَوْله زَمِّلُونِي فِي أَكثر الْأُصُول زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي مرَّتَيْنِ وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة مرّة وَاحِدَة وللبخاري فِي التَّفْسِير وَلمُسلم أَيْضا دَثرُونِي وَهُوَ هُوَ كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَوْله ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ أَصله المتدثر وَكَذَلِكَ المزمل أَصله المتزمل والمدثر والمزمل والمتلفف والمشتمل بِمَعْنى وَسَماهُ الله تَعَالَى بذلك إيناسا لَهُ وتلطفا. ثمَّ الْجُمْهُور على أَن مَعْنَاهُ المتدثر بثيابه وَحكى الْمَاوَرْدِيّ عَن عِكْرِمَة أَن مَعْنَاهُ المتدثر بِالنُّبُوَّةِ وأعبائها قَوْله ﴿قُم فَأَنْذر﴾ أَي حذر الْعَذَاب من لم يُؤمن بِاللَّه وَفِيه دلَالَة على أَنه أَمر بالإنذار عقيب نزُول الْوَحْي للإتيان بِالْفَاءِ التعقيبية فَإِن قلت النَّبِي ﷺ أرسل بشيرا وَنَذِيرا فَكيف أَمر بالإنذار دون الْبشَارَة قلت الْبشَارَة إِنَّمَا تكون لمن دخل فِي الْإِسْلَام وَلم يكن إِذْ ذَاك من دخل فِيهِ قَوْله ﴿وَرَبك فَكبر﴾ أَي عظمه ونزهه عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ وَقيل أَرَادَ بِهِ تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح للصَّلَاة وَفِيه نظر قَوْله ﴿وثيابك فطهر﴾ أَي من النَّجَاسَات على مَذْهَب الْفُقَهَاء وَقيل أَي فقصر وَقيل المُرَاد بالثياب النَّفس أَي طهرهَا من كل نقص أَي اجْتنب النقائص قَوْله ﴿وَالرجز﴾ بِكَسْر الرَّاء فِي قِرَاءَة الْأَكْثَر وَقَرَأَ حَفْص عَن عَاصِم بضَمهَا وَهِي الْأَوْثَان فِي قَول الْأَكْثَرين. وَفِي مُسلم التَّصْرِيح بِهِ وَفِي التَّفْسِير عَن أبي سَلمَة التَّصْرِيح بِهِ وَقيل الشّرك وَقيل الذَّنب وَقيل الظُّلم. وأصل الرجز فِي اللُّغَة الْعَذَاب وَيُسمى عبَادَة الْأَوْثَان وَغَيرهَا من أَنْوَاع الْكفْر رجزا لِأَنَّهُ سَبَب الْعَذَاب قَوْله فحمي بِفَتْح الْحَاء وَكسر الْمِيم مَعْنَاهُ كثر نُزُوله من قَوْلهم حميت النَّار وَالشَّمْس أَي كثرت حَرَارَتهَا وَمِنْه قَوْلهم حمي الْوَطِيس والوطيس التَّنور استعير للحرب قَوْله وتتابع تفَاعل من التَّتَابُع قَالَت الشُّرَّاح كلهم ومعناهما وَاحِد فأكد أَحدهمَا بِالْآخرِ. قلت لَيْسَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا فَإِن معنى حمي النَّهَار اشْتَدَّ حره وَمعنى تتَابع تَوَاتر وَأَرَادَ بحمي الْوَحْي اشتداده وهجومه وَبِقَوْلِهِ تتَابع تواتره وَعدم انْقِطَاعه وَإِنَّمَا لم يكتف بحمي وَحده لِأَنَّهُ لَا يسْتَلْزم الِاسْتِمْرَار والدوام والتواتر فَلذَلِك زَاد قَوْله وتتابع فَافْهَم فَإِنَّهُ من الْأَسْرَار الربانية والأفكار الرحمانية وَيُؤَيّد مَا ذكرنَا رِوَايَة الْكشميهني وتواتر مَوضِع وتتابع والتواتر مَجِيء الشَّيْء يَتْلُو بعضه بَعْضًا من غير خلل وَلَقَد أبعد من قَالَ وتتابع توكيد معنوي لِأَن التَّأْكِيد الْمَعْنَوِيّ لَهُ أَلْفَاظ مَخْصُوصَة كَمَا عرف فِي مَوْضِعه. فَإِن قَالَ مَا أردْت بِهِ التَّأْكِيد الاصطلاحي يُقَال لَهُ هَذَا إِنَّمَا يكون بَين لفظين مَعْنَاهُمَا وَاحِد وَقد بَينا الْمُغَايرَة بَين حمي وتتابع وَالرُّجُوع إِلَى الْحق من جملَة الدّين (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله قَالَ ابْن شهَاب فعل وفاعل قَوْله وَأَخْبرنِي مَعْطُوف على مَحْذُوف هُوَ مقول القَوْل تَقْدِيره قَالَ ابْن شهَاب أَخْبرنِي عُرْوَة بِكَذَا وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة بِكَذَا فلأجل قَصده بَيَان الْإِخْبَار عَن عُرْوَة بن الزبير

стр. 66

وَعَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن أَتَى بواو الْعَطف وَإِلَّا فمقول القَوْل لَا يكون بِالْوَاو وَنَحْوه فَافْهَم قَوْله أَن جَابر بن عبد الله بِفَتْح أَن لِأَنَّهَا فِي مَحل النصب على المفعولية قَوْله وَهُوَ يحدث جملَة اسمية وَقعت حَالا أَي قَالَ فِي حَالَة التحديث عَن احتباس الْوَحْي عَن النُّزُول أَو قَالَ جَابر فِي حَالَة التحديث أَن رَسُول الله ﷺ قَوْله بَينا أَصله بَين بِلَا ألف فأشبعت الفتحة فَصَارَت ألفا وَيُزَاد عَلَيْهَا مَا فَيصير بَيْنَمَا ومعناهما وَاحِد وَهُوَ من الظروف الزمانية اللَّازِمَة للإضافة إِلَى الْجُمْلَة الإسمية وَالْعَامِل فِيهِ الْجَواب إِذا كَانَ مُجَردا من كلمة المفاجأة وَإِلَّا فَمَعْنَى المفاجأة المتضمنة هِيَ إِيَّاهَا وَيحْتَاج إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى وَقيل اقْتضى جَوَابا لِأَنَّهَا ظرف يتَضَمَّن المجازاة والأفصح فِي جَوَابه إِذْ وَإِذا خلافًا للأصمعي وَالْمعْنَى أَن فِي أثْنَاء أَوْقَات الْمَشْي فاجأني السماع قَوْله إِذْ سَمِعت جَوَاب بَينا على مَا ذكرنَا قَوْله فَإِذا الْملك كلمة إِذا هَهُنَا للمفاجأة وَهِي تخْتَص بالجمل الإسمية وَلَا تحْتَاج إِلَى الْجَواب وَلَا يَقع فِي الِابْتِدَاء وَمَعْنَاهَا الْحَال لَا الِاسْتِقْبَال نَحْو خرجت فَإِذا الْأسد بِالْبَابِ وَهِي حرف عِنْد الْأَخْفَش وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك وظرف مَكَان عِنْد الْمبرد وَاخْتَارَهُ ابْن عُصْفُور وظرف زمَان عِنْد الزّجاج وَاخْتَارَهُ الزَّمَخْشَرِيّ. فَإِن قلت مَا الْفَاء فِي فَإِذا قلت زَائِدَة لَازِمَة عِنْد الْفَارِسِي والمازني وَجَمَاعَة وعاطفة عِنْد أبي الْفَتْح وللسببية الْمَحْضَة عِنْد أبي إِسْحَاق قَوْله جَالس بِالرَّفْع كَذَا فِي البُخَارِيّ وَفِي مُسلم جَالِسا بِالنّصب قَالَ النَّوَوِيّ كَذَا هُوَ فِي الْأُصُول وَجَاء فِي رِوَايَة فَإِذا الْملك الَّذِي جَاءَنِي بحراء وَاقِف بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَفِي طَرِيق آخر على عرش بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَلمُسلم فَإِذا هُوَ على الْعَرْش فِي الْهَوَاء وَفِي رِوَايَة على كرْسِي وَهُوَ تَفْسِير الْعَرْش الْمَذْكُور. قَالَ أهل اللُّغَة الْعَرْش السرير فَإِن قلت وَجه الرّفْع ظَاهر لِأَنَّهُ خبر عَن الْملك الَّذِي هُوَ مُبْتَدأ وَقَوله الَّذِي جَاءَنِي بحراء صفته فَمَا وَجه النصب قلت على الْجُمْلَة الحالية من الْملك فَإِن قلت إِذا نصب جَالِسا على الْحَال فَمَاذَا يكون خبر الْمُبْتَدَأ وَقد قلت أَن إِذا المفاجأة تخْتَص بالاسمية قلت حِينَئِذٍ يكون الْخَبَر محذوفا مُقَدرا وَيكون التَّقْدِير فَإِذا الْملك الَّذِي جَاءَنِي بحراء شاهدته حَال كَونه جَالِسا على كرْسِي أَو نَحْو ذَلِك قَوْله بَين السَّمَاء وَالْأَرْض ظرف وَلكنه فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهُ صفة لكرسي وَالْفَاء فِي فَرُعِبْت تصلح للسَّبَبِيَّة وَكَذَا فِي فَرَجَعت لِأَن رُؤْيَة الْملك على هَذِه الْحَالة سَبَب لرعبه ورعبه سَبَب لرجوعه وَالْفَاء فِي فَقلت وَفِي فَأنْزل الله على أَصْلهَا للتعقيب قَوْله وَرَبك مَنْصُوب بقوله ﴿فَكبر وثيابك﴾ بقوله ﴿فطهر وَالرجز﴾ بقوله ﴿فاهجر﴾ فَإِن قلت مَا الْفَا آتٍ فِي الْآيَة قلت الْفَاء فِي ﴿فَأَنْذر﴾ تعقيبية وَبَقِيَّة الفاآت كالفاء فِي قَوْله تَعَالَى ﴿بل الله فاعبد﴾ فَقيل جَوَاب لَا مَا مقدرَة وَقيل زَائِدَة وَإِلَيْهِ مَال الْفَارِسِي وَعند الْأَكْثَرين عاطفة وَالْأَصْل تنبه فاعبد الله ثمَّ حذف تنبه وَقدم الْمَنْصُوب على الْفَاء إصلاحا للفظ لِئَلَّا تقع الْفَاء صَدرا قَوْله فحمي الْفَاء فِيهِ عاطفة وَالتَّقْدِير فَبعد إِنْزَال الله هَذِه الْآيَة حمي الْوَحْي (استنباط الْفَوَائِد) مِنْهَا الدّلَالَة على وجود الْمَلَائِكَة ردا على زنادقة الفلاسفة وَمِنْهَا إِظْهَار قدرَة الله تَعَالَى إِذْ جعل الْهَوَاء للْمَلَائكَة يتصرفون فِيهِ كَيفَ شاؤا كَمَا جعل الأَرْض لبني آدم يتصرفون فِيهَا كَيفَ شاؤا فَهُوَ ممسكهما بقدرته وَمِنْهَا أَنه عبر بقوله فحمي تتميما للتمثيل الَّذِي مثلت بِهِ عَائِشَة أَولا وَهُوَ كَونهَا جعلت الرُّؤْيَا كَمثل فلق الصُّبْح فَإِن الضَّوْء لَا يشْتَد إِلَّا مَعَ قُوَّة الْحر وَالْحق ذَلِك بتتابع لِئَلَّا يَقع التَّمْثِيل بالشمس من كل الْجِهَات لِأَن الشَّمْس يلْحقهَا الأفول والكسوف وَنَحْوهمَا وشمس الشَّرِيعَة بَاقِيَة على حَالهَا لَا يلْحقهَا نقص (وَتَابعه عبد الله بن يُوسُف وَأَبُو صَالح وَتَابعه هِلَال بن رداد عَن الزُّهْرِيّ وَقَالَ يُونُس وَمعمر بوادره) تَابعه فعل ومفعول وَعبد الله فَاعله وَالضَّمِير يرجع إِلَى يحيى بن بكير شيخ البُخَارِيّ الْمَذْكُور فِي أول الحَدِيث الْمَذْكُور آنِفا وَقَوله وَأَبُو صَالح عطف على عبد الله بن يُوسُف وَهُوَ أَيْضا تَابع يحيى بن بكير وَالْحَاصِل أَن عبد الله بن يُوسُف وَأَبا صَالحا تَابعا يحيى بن بكير فِي الرِّوَايَة عَن اللَّيْث بن سعد فَرَوَاهُ عَن اللَّيْث ثَلَاثَة يحيى بن بكير وَعبد الله بن يُوسُف وَأَبُو صَالح. أما مُتَابعَة عبد الله بن يُوسُف ليحيى بن بكير فِي رِوَايَته عَن اللَّيْث بن سعد فأخرجها البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير وَالْأَدب وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ وَالتِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن عبد الله بن حميد عَن عبد الرازق بِهِ وَقَالَ حسن صَحِيح وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير أَيْضا عَن مَحْمُود بن خَالِد عَن عمر بن عبد الْوَاحِد عَن الْأَوْزَاعِيّ بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن اللَّيْث عَن ابْن شهَاب بِهِ وَأما رِوَايَة أبي صَالح عَن اللَّيْث بِهَذَا الحَدِيث

стр. 67

فأخرجها يَعْقُوب بن سُفْيَان فِي تَارِيخه عَنهُ مَقْرُونا بِيَحْيَى بن بكير قَوْله وَتَابعه هِلَال بن رداد أَي تَابع عقيل بن خَالِد هِلَال بن رداد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ فَإِن قلت كَيفَ أُعِيد الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي وَتَابعه إِلَى عقيل وَرُبمَا يتَوَهَّم أَنه عَائِد إِلَى أبي صَالح أَو إِلَى عبد الله بن يُوسُف لِكَوْنِهِمَا قريبين مِنْهُ قلت قَوْله عِنْد الزُّهْرِيّ هُوَ الَّذِي عين عود الضَّمِير إِلَى عقيل وَدفع التَّوَهُّم الْمَذْكُور لِأَن الَّذِي روى عَن الزُّهْرِيّ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور هُوَ عقيل وَالْحَاصِل أَن هِلَال بن رداد روى الحَدِيث الْمَذْكُور عَن الزُّهْرِيّ كَمَا رَوَاهُ عقيل بن خَالِد عَنهُ وَحَدِيثه فِي الزهريات للذهلي وَهَذَا أول مَوضِع جَاءَ فِيهِ ذكر الْمُتَابَعَة وَالْفرق بَين المتابعتين أَن الْمُتَابَعَة الأولى أقوى لِأَنَّهَا مُتَابعَة تَامَّة والمتابعة الثَّانِيَة أدنى من الأولى لِأَنَّهَا مُتَابعَة نَاقِصَة فَإِذا كَانَ أحد الراويين رَفِيقًا للْآخر من أول الْإِسْنَاد إِلَى آخِره تسمى بالمتابعة التَّامَّة وَإِذا كَانَ رَفِيقًا لَهُ لَا من الأول يُسمى بالمتابعة النَّاقِصَة. ثمَّ النوعان رُبمَا يُسمى المتابع عَلَيْهِ فيهمَا وَرُبمَا لَا يُسمى فَفِي الْمُتَابَعَة الأولى لم يسم المتابع عَلَيْهِ وَهُوَ اللَّيْث وَفِي الثَّانِيَة يُسمى المتابع عَلَيْهِ وَهُوَ الزُّهْرِيّ فقد وَقع فِي هَذَا الحَدِيث الْمُتَابَعَة التَّامَّة والمتابعة النَّاقِصَة وَلم يسم المتابع عَلَيْهِ فِي الأولى وَسَماهُ فِي الثَّانِيَة على مَا لَا يخفى وَقَالَ النَّوَوِيّ وَمِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ المعتني بِصَحِيح البُخَارِيّ (فَائِدَة) ننبه عَلَيْهَا وَهِي أَنه تَارَة يَقُول تَابعه مَالك عَن أَيُّوب وَتارَة يَقُول تَابعه مَالك وَلَا يزِيد فَإِذا قَالَ مَالك عَن أَيُّوب فَهَذَا ظَاهر وَأما إِذا اقْتصر على تَابعه مَالك فَلَا يعرف لمن الْمُتَابَعَة إِلَّا من يعرف طَبَقَات الروَاة ومراتبهم وَقَالَ الْكرْمَانِي فعلى هَذَا لَا يعلم أَن عبد الله يروي عَن اللَّيْث أَو عَن غَيره. قلت الطَّرِيقَة فِي هَذَا أَن تنظر طبقَة المتابع بِكَسْر الْبَاء فتجعله مُتَابعًا لمن هُوَ فِي طبقته بِحَيْثُ يكون صَالحا لذَلِك أَلا ترى كَيفَ لم يسم البُخَارِيّ المتابع عَلَيْهِ فِي الْمُتَابَعَة الأولى وَسَماهُ فِي الثَّانِيَة فَافْهَم قَوْله وَقَالَ يُونُس وَمعمر بوادره مُرَاده أَن أَصْحَاب الزُّهْرِيّ اخْتلفُوا فِي هَذِه اللَّفْظَة فروى عقيل عَن الزُّهْرِيّ فِي الحَدِيث يرجف فُؤَاده كَمَا مضى وَتَابعه على هَذِه اللَّفْظَة هِلَال بن رداد وَخَالفهُ يُونُس وَمعمر فروى عَن الزُّهْرِيّ يرجف فُؤَاده (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول عبد الله بن يُوسُف التنيسِي شيخ البُخَارِيّ وَقد ذكر الثَّانِي أَبُو صَالح قَالَ أَكثر الشُّرَّاح هُوَ عبد الْغفار بن دَاوُد بن مهْرَان بن زِيَاد بن دَاوُد بن ربيعَة بن سُلَيْمَان بن عُمَيْر الْبكْرِيّ الْحَرَّانِي ولد بأفريقية سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَخرج بِهِ أَبوهُ وَهُوَ طِفْل إِلَى الْبَصْرَة وَكَانَت أمه من أَهلهَا فَنَشَأَ بهَا وتفقه وَسمع الحَدِيث من حَمَّاد بن سَلمَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى مصر مَعَ أَبِيه وَسمع من اللَّيْث بن سعد وَابْن لَهِيعَة وَغَيرهمَا وَسمع بِالشَّام إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش وبالجزيرة مُوسَى بن أعين واستوطن مصر وَحدث بهَا وَكَانَ يكره أَن يُقَال لَهُ الْحَرَّانِي وَإِنَّمَا قيل لَهُ الْحَرَّانِي لِأَن أَخَوَيْهِ عبد الله وَعبد الرَّحْمَن ولدا بهَا وَلم يَزَالَا بهَا وحزان مَدِينَة بالجزيرة من ديار بكر وَالْيَوْم خراب سميت بحران بن آزر أخي إِبْرَاهِيم ﵊ روى عَنهُ يحيى بن معِين وَالْبُخَارِيّ وروى أَبُو دَاوُد عَن رجل عَنهُ وَخرج لَهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَمَات بِمصْر سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ بَعضهم هَذَا وهم وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو صَالح عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث الْمصْرِيّ وَلم يتَبَيَّن لي وَجهه فِي التَّرْجِيح لِأَن البُخَارِيّ روى عَن كليهمَا الثَّالِث هِلَال بن رداد برَاء ثمَّ دالين مهملتين الأولى مِنْهُمَا مُشَدّدَة وَهُوَ طائي حمصي أخرج البُخَارِيّ هُنَا مُتَابعَة لعقيل وَلَيْسَ لَهُ ذكر فِي البُخَارِيّ إِلَّا فِي هَذَا الْموضع وَلم يخرج لَهُ بَاقِي الْكتب السِّتَّة روى عَن الزُّهْرِيّ وَعنهُ ابْنه أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد قَالَ الذهلي كَانَ كَاتبا لهشام وَلم يذكرهُ البُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَلَا ابْن أبي حَاتِم فِي كِتَابه وَإِنَّمَا ذكر ابْن أبي حَاتِم ثمَّ وَلَده مُحَمَّدًا إِذْ لَيْسَ لَهُ ذكر فِي الْكتب السِّتَّة قَالَ ابْن أبي حَاتِم هِلَال بن رداد مَجْهُول وَلم يذكرهُ الكلاباذي فِي رجال الصَّحِيح رَأْسا الرَّابِع مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَقد مر ذكره الْخَامِس يُونُس بن يزِيد بن مشكان بن أبي النجاد بِكَسْر النُّون الْأَيْلِي بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف الْقرشِي مولى مُعَاوِيَة ابْن أبي سُفْيَان سمع خلقا من التَّابِعين مِنْهُم الْقَاسِم وَعِكْرِمَة وَسَالم وَنَافِع وَالزهْرِيّ وَغَيرهم وَعنهُ الْأَعْلَام جرير بن حَازِم وَهُوَ تَابِعِيّ فَهَذَا من رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَخلق مَاتَ سنة تسع وَخمسين وَمِائَة بِمصْر روى لَهُ الْجَمَاعَة وَفِي يُونُس سِتَّة أوجه ضم النُّون وَكسرهَا وَفتحهَا مَعَ الْهمزَة وَتركهَا وَالضَّم بِلَا همزَة أفْصح السَّادِس أَبُو عُرْوَة معمر بن أبي عَمْرو بن رَاشد الْأَزْدِيّ الْحَرَّانِي مَوْلَاهُم عَالم الْيمن شهد جَنَازَة

стр. 68

الْحسن الْبَصْرِيّ وَسمع خلقا من التَّابِعين مِنْهُم عَمْرو بن دِينَار وَأَيوب وَقَتَادَة وَعنهُ جمَاعَة من التَّابِعين مِنْهُم عَمْرو بن دِينَار وَأَبُو إِسْحَاق السبيعِي وَأَيوب وَيحيى بن أبي كثير وَهَذَا من رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر قَالَ عبد الرَّزَّاق سَمِعت مِنْهُ عشرَة آلَاف حَدِيث مَاتَ بِالْيمن سنة أَربع أَو ثَلَاث أَو اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَة عَن ثَمَان وَخمسين سنة وَله أَوْهَام كَثِيرَة احتملت لَهُ قَالَ أَبُو حَاتِم صَالح الحَدِيث وَمَا حدث بِهِ بِالْبَصْرَةِ فَفِيهِ أغاليط وَضَعفه يحيى بن معِين فِي رِوَايَة عَن ثَابت وَمعمر بِفَتْح الميمين وَسُكُون الْعين وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ معمر بن رَاشد غير هَذَا بل لَيْسَ فيهمَا من اسْمه معمر غَيره نعم فِي صَحِيح البُخَارِيّ معمر بن يحيى بن سَام الضَّبِّيّ وَقيل إِنَّه بتَشْديد الْمِيم روى لَهُ البُخَارِيّ حَدِيثا وَاحِدًا فِي الْغسْل وَفِي الصَّحَابَة معمر ثَلَاثَة عشر وَفِي الروَاة معمر فِي الْكتب الْأَرْبَعَة سِتَّة وفيهَا معمر بِالتَّشْدِيدِ بخلف خَمْسَة وَفِي غَيرهَا خلق معمر بن بكار شيخ لمطين فِي حَدِيثه وهم وَمعمر بن أبي سرح مَجْهُول وَمعمر بن الْحسن الْهُذلِيّ مَجْهُول وَحَدِيثه مُنكر وَمعمر بن زَائِدَة لَا يُتَابع على حَدِيثه وَمعمر بن زيد مَجْهُول وَمعمر بن أبي سرح مَجْهُول وَمعمر بن عبد الله عَن شُعْبَة لَا يُتَابع على حَدِيثه وَالله أعلم (فَائِدَة) أَبُو صَالح فِي الروَاة فِي مَجْمُوع الْكتب السِّتَّة أَرْبَعَة عشر. أَبُو صَالح عبد الْغفار. أَبُو صَالح عبد الله بن صَالح وَقد ذكرناهما. أَبُو صَالح الْأَشْعَرِيّ الشَّامي. أَبُو صَالح الْأَشْعَرِيّ أَيْضا. وَيُقَال الْأنْصَارِيّ. أَبُو صَالح الْحَارِثِيّ. أَبُو صَالح الْحَنَفِيّ اسْمه عبد الرَّحْمَن بن قيس وَيُقَال أَنه ماهان أَبُو صَالح الحوري لَا يعرف اسْمه أَبُو صَالح السمان اسْمه ذكْوَان. أَبُو صَالح الْغِفَارِيّ سعيد بن عبد الرَّحْمَن. أَبُو صَالح الْمَكِّيّ مُحَمَّد بن زنبور روى عَن عِيسَى بن يُونُس. أَبُو صَالح مولى طَلْحَة بن عبد الله الْقرشِي التَّيْمِيّ. أَبُو صَالح مولى عُثْمَان بن عَفَّان أَبُو صَالح مولى ضباعة اسْمه مينا. أَبُو صَالح مولى أم هانىء اسْمه باذان. وَكلهمْ تابعيون خلا ابْن زنبور وَكَاتب اللَّيْث. وَبَعْضهمْ عد الْأَخير صحابيا وَله حَدِيث رَوَاهُ الْحسن بن سُفْيَان فِي مُسْنده وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة على تَقْدِير صِحَّته من يكنى بِهَذِهِ الكنية غَيره وَأما فِي غير الْكتب السِّتَّة فَإِنَّهُم جمَاعَة فَوق الْعشْرَة بَينهم الرامَهُرْمُزِي فِي فاصله قَوْله بوادره بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة جمع بادرة وَهِي اللحمة الَّتِي بَين الْمنْكب والعنق تضطرب عِنْد فزع الْإِنْسَان. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة تكون من الْإِنْسَان وَغَيره وَقَالَ الْأَصْمَعِي الفريصة اللحمة الَّتِي بَين الْجنب والكتف الَّتِي لَا تزَال ترْعد من الدَّابَّة وَجَمعهَا فرائص وَقَالَ ابْن سَيّده فِي الْمُخَصّص البادرتان من الْإِنْسَان لحمتان فَوق الرغثاوين وأسفل التندوة وَقيل هما جانبا الكركرة وَقيل هما عرقان يكتنفانها قَالَ والبادرة من الْإِنْسَان وَغَيره وَقَالَ الهجري فِي أَمَالِيهِ لَيست للشاة بادرة ومكانها مردغة للشاة وهما الأرتبان تَحت صليفي الْعُنُق لَا عظم فيهمَا وَادّعى الدَّاودِيّ أَن البوادر والفؤاد وَاحِد. قلت الرغثاوان بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة بعْدهَا ثاء مُثَلّثَة قَالَ اللَّيْث الرغثاوان مضيفتان بَين التندوة والمنكب بجانبي الصَّدْر وَقَالَ شهر الرغثاء مَا بَين الْإِبِط إِلَى أَسْفَل الثدي مِمَّا يَلِي الْإِبِط وَكَذَلِكَ قَالَه ابْن الْأَعرَابِي قَوْله مردغة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الدَّال الْمُهْملَة والغين الْمُعْجَمَة وَهِي وَاحِدَة المرادغ قَالَ أَبُو عمر وَهِي مَا بَين الْعُنُق إِلَى الترقوة قَوْله صليفي الْعُنُق بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وبالفاء قَالَ أَبُو زيد الصليفان رَأْسا الْفَقْرَة الَّتِي تلِي الرَّأْس من شقيهما ٤ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَعِيل قَالَ حَدثنَا أَبُو عوَانَة قَالَ حَدثنَا مُوسَى بن أبي عَائِشَة قَالَ حَدثنَا سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تحرّك بِهِ لسَانك لتعجل بِهِ﴾ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يعالج من التَّنْزِيل شدَّة وَكَانَ مِمَّا يُحَرك شَفَتَيْه فَقَالَ ابْن عَبَّاس فَأَنا أحركهما لكم كَمَا كَانَ رَسُول الله ﷺ يحركهما وَقَالَ سعيد أَنا أحركهما كَمَا رَأَيْت ابْن عَبَّاس يحركهما فحرك شَفَتَيْه فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿لَا تحرّك بِهِ لسَانك لتعجل بِهِ إِن علينا جمعه وقرآنه﴾ قَالَ جمعه لَهُ فِي صدرك وتقرأه ﴿فَإِذا قرأناه فَاتبع قرآنه﴾ قَالَ فاستمع لَهُ

стр. 69

وأنصت ﴿ثمَّ إِن علينا بَيَانه﴾ ثمَّ إِن علينا أَن تقراه فَكَانَ رَسُول الله ﷺ بعد ذَلِك إِذا أَتَاهُ جِبْرِيل اسْتمع فَإِذا انْطلق جِبْرِيل قَرَأَهُ النَّبِي ﷺ كَمَا قراه الْمُنَاسبَة بَين الْحَدِيثين ظَاهِرَة لِأَن الْمَذْكُور فِيمَا مضى هُوَ ذَات بعض الْقُرْآن وَهَهُنَا التَّعَرُّض إِلَى بَيَان كَيْفيَّة التَّلْقِين والتلقن وَقدم ذَلِك لِأَن الصِّفَات تَابِعَة للذوات (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول أَبُو سَلمَة مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الْقَاف نِسْبَة إِلَى منقر ابْن عبيد بن مقاعس الْبَصْرِيّ الْحَافِظ الْكَبِير المكثر الثبت الثِّقَة التَّبُوذَكِي بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ وَاو سَاكِنة ثمَّ ذال مُعْجمَة مَفْتُوحَة نِسْبَة إِلَى تبوذك نسب إِلَيْهِ لِأَنَّهُ نزل دَار قوم من أهل تبوذك قَالَه ابْن أبي خَيْثَمَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم لِأَنَّهُ اشْترى دَارا بتبوذك وَقَالَ السَّمْعَانِيّ نِسْبَة إِلَى بيع السماد بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَهُوَ السرجين يوضع فِي الأَرْض ليجود نَبَاته وَقَالَ ابْن نَاصِر نِسْبَة إِلَى بيع مَا فِي بطُون الدَّجَاج من الكبد وَالْقلب والقانصة توفّي فِي رَجَب سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ روى عَنهُ يحيى بن معِين وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهم من الْأَعْلَام وروى لَهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ عَن رجل عَنهُ وَالَّذِي رَوَاهُ مُسلم حَدِيث وَاحِد حَدِيث أم زرع رَوَاهُ عَن الْحسن الْحلْوانِي عَنهُ قَالَ الدَّاودِيّ كتبنَا عَنهُ خَمْسَة وَثَلَاثِينَ ألف حَدِيث الثَّانِي أَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون واسْمه الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي بِضَم الْكَاف وَيُقَال الْكِنْدِيّ الوَاسِطِيّ مولى يزِيد بن عَطاء الْبَزَّار الوَاسِطِيّ وَقيل مولى عَطاء بن عبد الله الوَاسِطِيّ كَانَ من سبي جرجان رأى الْحسن وَابْن سِيرِين وَسمع من مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر حَدِيثا وَاحِدًا وَسمع خلقا بعدهمْ من التَّابِعين وأتباعهم وروى عَنهُ الْأَعْلَام مِنْهُم شُعْبَة ووكيع وَابْن مهْدي قَالَ عَفَّان كَانَ صَحِيح الْكتاب ثبتا وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم كتبه صَحِيحَة وَإِذا حدث من حفظه غلط كثيرا وَهُوَ صَدُوق مَاتَ سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَة وَقيل سنة خمس وَسبعين الثَّالِث مُوسَى بن أبي عَائِشَة أَبُو الْحسن الْكُوفِي الْهَمدَانِي بِالْمِيم الساكنة وَالدَّال الْمُهْملَة مولى آل جعدة بِفَتْح الْجِيم ابْن أبي هُبَيْرَة بِضَم الْهَاء روى عَن كثير من التَّابِعين وَعنهُ الْأَعْلَام الثَّوْريّ وَغَيره وَوَثَّقَهُ السُّفْيانَانِ وَيحيى وَالْبُخَارِيّ وَابْن حبَان وَأَبُو عَائِشَة لَا يعرف اسْمه الرَّابِع سعيد بن جُبَير بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن هِشَام الْكُوفِي الْأَسدي الْوَالِبِي بِكَسْر اللَّام وبالباء الْمُوَحدَة مَنْسُوب إِلَى بني والبة بِالْوَلَاءِ ووالبة هُوَ ابْن الْحَرْث بن ثَعْلَبَة بن دودان بدالين مهملتين وَضم الأولى ابْن أَسد بن خُزَيْمَة إِمَام مجمع عَلَيْهِ بالجلالة والعلو فِي الْعلم والعظم فِي الْعِبَادَة قَتله الْحجَّاج صبرا فِي شعْبَان سنة خمس وَتِسْعين وَلم يَعش الْحجَّاج بعده إِلَّا أَيَّامًا وَلم يقتل أحدا بعده سمع خلقا من الصَّحَابَة مِنْهُم العبادلة غير عبد الله بن عَمْرو وَعنهُ خلق من التَّابِعين مِنْهُم الزُّهْرِيّ وَكَانَ يُقَال لَهُ جهبذ الْعلمَاء الْخَامِس عبد الله بن عَبَّاس بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف أَبُو الْعَبَّاس الْهَاشِمِي ابْن عَم رَسُول الله ﷺ وَأمه أم الْفضل لبَابَة الْكُبْرَى بنت الْحَرْث أُخْت مَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ كَانَ يُقَال لَهُ الحبر وَالْبَحْر لِكَثْرَة علمه وترجمان الْقُرْآن وَهُوَ وَاحِد الْخُلَفَاء وَأحد العبادلة الْأَرْبَعَة وهم عبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن عمر وَعبد الله بن الزبير وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَقَول الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح بدل ابْن الْعَاصِ ابْن مَسْعُود مَرْدُود عَلَيْهِ لِأَنَّهُ منابذ لما قَالَ أَعْلَام الْمُحدثين كَالْإِمَامِ أَحْمد وَغَيره وَقَالَ أَحْمد سِتَّة من الصَّحَابَة أَكْثرُوا الرِّوَايَة عَن رَسُول الله ﷺ أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَابْن عَمْرو وَعَائِشَة وَجَابِر بن عبد الله وَأنس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَأَبُو هُرَيْرَة أَكْثَرهم حَدِيثا روى ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ ألف حَدِيث وسِتمِائَة وَسِتِّينَ حَدِيثا اتفقَا مِنْهَا على خَمْسَة وَتِسْعين حَدِيثا وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِمِائَة وَعشْرين وَمُسلم بِتِسْعَة وَأَرْبَعين ولد بِالشعبِ قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين وَتُوفِّي النَّبِي ﷺ وَهُوَ ابْن ثَلَاث عشرَة سنة وَقَالَ أَحْمد خمس عشرَة سنة وَالْأول هُوَ الْمَشْهُور مَاتَ بِالطَّائِف سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَهُوَ ابْن إِحْدَى وَسبعين سنة على الصَّحِيح فِي أَيَّام ابْن الزبير وَصلى عَلَيْهِ مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَقد عمي فِي آخر عمره رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَنه كُله على شَرط السِّتَّة وَمِنْهَا أَن رُوَاته مَا بَين مكي وكوفي وبصري ووسطي وَمِنْهَا

стр. 70

أَنهم كلهم من الْأَفْرَاد لَا أعلم من شاركهم فِي اسمهم مَعَ اسْم أَبِيهِم وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ وهما مُوسَى بن أبي عَائِشَة عَن سعيد بن جُبَير (بَيَان تعدد الحَدِيث وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن مُوسَى بن إِسْمَعِيل وَأبي عوَانَة وَفِي التَّفْسِير وفضائل الْقُرْآن عَن قُتَيْبَة عَن جرير كلهم عَن مُوسَى بن أبي عَائِشَة عَن سعيد بن جُبَير وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وقتيبة وَغَيرهمَا عَن جرير وَعَن قُتَيْبَة عَن أبي عوَانَة كِلَاهُمَا عَن مُوسَى بن أبي عَائِشَة بِهِ وَلمُسلم فَإِذا ذهب قَرَأَهُ كَمَا وعد الله وللبخاري فِي التَّفْسِير وَوصف سُفْيَان يُرِيد أَن يحفظه وَفِي أُخْرَى يخْشَى أَن ينفلت مِنْهُ وَلمُسلم فِي الصَّلَاة لتعجل بِهِ أَخذه ﴿إِن علينا جمعه وقرآنه﴾ إِن علينا أَن نجمعه فِي صدرك وقرآنه فتقرأه فَإِذا أقرأناه فَاتبع قرآنه قَالَ أَنزَلْنَاهُ فاستمع لَهُ إِن علينا أَن نبينه بلسانك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مُوسَى عَن سعيد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا نزل عَلَيْهِ الْقُرْآن يُحَرك بِهِ لِسَانه يُرِيد أَن يحفظه فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿لَا تحرّك بِهِ لسَانك لتعجل بِهِ﴾ قَالَ فَكَانَ يُحَرك بِهِ شَفَتَيْه وحرك سُفْيَان شَفَتَيْه ثمَّ قَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (بَيَان اللُّغَات) قَوْله يعالج أَي يحاول من تَنْزِيل الْقُرْآن عَلَيْهِ شدَّة وَمِنْه مَا جَاءَ فِي حَدِيث آخر ولى حره وعلاجه أَي عمله وتعبه وَمِنْه قَوْله من كَسبه وعلاجه أَي من محاولته وملاطفته فِي اكتسابه وَمِنْه معالجة الْمَرِيض وَهِي ملاطفته بالدواء حَتَّى يقبل عَلَيْهِ والمعالجة الملاطفة فِي المراودة بالْقَوْل وَالْفِعْل وَيُقَال محاولة الشَّيْء بِمَشَقَّة قَوْله فَأنْزل الله تَعَالَى لَا تحرّك بِهِ أَي بِالْقُرْآنِ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ ﵀ وَكَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا لقن الْوَحْي نَازع جِبْرِيل ﵇ الْقِرَاءَة وَلم يصير إِلَى أَن يُتمهَا مسارعة إِلَى الْحِفْظ وخوفا من أَن يتفلت مِنْهُ فَأمر بِأَن يستنصت لَهُ ملقيا إِلَيْهِ بِقَلْبِه وسَمعه حَتَّى يقْضِي إِلَيْهِ وحيه ثمَّ يعقبه بالدراسة إِلَى أَن يرسخ فِيهِ وَالْمعْنَى ﴿لَا تحرّك بِهِ لسَانك﴾ بِقِرَاءَة الْوَحْي مادام جِبْرِيل ﵇ يقرؤ لتعجل بِهِ لتأْخذ بِهِ على عجلة وَلِئَلَّا يتفلت مِنْهُ ثمَّ علل النَّهْي عَن العجلة بقوله ﴿إِن علينا جمعه﴾ فِي صدرك وَإِثْبَات قِرَاءَته فِي لسَانك قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ ﴿فَإِذا قرأناه﴾ جعل قِرَاءَة جِبْرِيل قِرَاءَته وَالْقُرْآن الْقِرَاءَة ﴿فَاتبع قرآنه﴾ فَكُن معقبا لَهُ فِيهِ وَلَا تراسله وطأ من نَفسك أَنه لَا يبْقى غير مَحْفُوظ فَنحْن فِي ضَمَان تحفيظه ﴿ثمَّ إِن علينا بَيَانه﴾ إِذا أشكل عَلَيْك شَيْء من مَعَانِيه كَأَنَّهُ كَانَ يعجل فِي الْحِفْظ وَالسُّؤَال عَن الْمَعْنى جَمِيعًا كَمَا ترى بعض الحراص على الْعلم وَنَحْوه ﴿وَلَا تعجل بِالْقُرْآنِ من قبل أَن يقْضى إِلَيْك وحيه﴾ قَوْله قَالَ أَي ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير جمعه أَي جمع الله لَك فِي صدرك وَقَالَ فِي تَفْسِير وقرآنه أَي تَقْرَأهُ يَعْنِي المُرَاد بِالْقُرْآنِ الْقِرَاءَة لَا الْكتاب الْمنزل على مُحَمَّد ﷺ للإعجاز بِسُورَة مِنْهُ أَي أَنه مصدر لَا علم للْكتاب قَوْله فاستمع هُوَ تَفْسِير فَاتبع يَعْنِي قراءتك لَا تكون مَعَ قِرَاءَته بل تَابِعَة لَهَا مُتَأَخِّرَة عَنْهَا فَتكون أَنْت فِي حَال قِرَاءَته ساكتا وَالْفرق بَين السماع وَالِاسْتِمَاع أَنه لَا بُد فِي بَاب الافتعال من التَّصَرُّف وَالسَّعْي فِي ذَلِك الْفِعْل وَلِهَذَا ورد فِي الْقُرْآن ﴿لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت﴾ بِلَفْظ الِاكْتِسَاب فِي الشَّرّ لِأَنَّهُ لَا بُد فِيهِ من السَّعْي بِخِلَاف الْخَيْر فالمستمع هُوَ المصغي القاصد للسماع وَقَالَ الْكرْمَانِي عقيب هَذَا الْكَلَام وَقَالَ الْفُقَهَاء تسن سَجْدَة التِّلَاوَة للمستمع لَا للسامع قلت هَذَا لَا يمشي على مَذْهَب الْحَنَفِيَّة فَإِن قصد السماع لَيْسَ بِشَرْط فِي وجوب السَّجْدَة مَعَ أَن هَذَا يُخَالف مَا جَاءَ فِي الحَدِيث (السَّجْدَة على من تَلَاهَا وعَلى من سَمعهَا) قَوْله وانصت همزته همزَة الْقطع قَالَ تَعَالَى ﴿فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتوا﴾ وَفِيه لُغَتَانِ أنصت بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا فَالْأولى من نصت ينصت نصتا وَالثَّانيَِة من أنصت ينصت إنصاتا إِذا سكت واستمع للْحَدِيث يُقَال انصتوه وانصتوا لَهُ وأنصت فلَان فلَانا إِذا أسكته وانتصت سكت وَذكر الْأَزْهَرِي فِي نصت وأنصت وانتصت الْكل بِمَعْنى وَاحِد قَوْله ﴿ثمَّ إِن علينا بَيَانه﴾ فسره بقوله ثمَّ إِن علينا أَن تقْرَأ وَفِي مُسلم أَن تبينه بلسانك وَقيل بحفظك إِيَّاه وَقيل بَيَان مَا وَقع فِيهِ من حَلَال وَحرَام حَكَاهُ القَاضِي قَوْله جِبْرِيل ﵇ هُوَ ملك الْوَحْي إِلَى الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام الْمُوكل بإنزال الْعَذَاب والزلازل والدمادم وَمَعْنَاهُ عبد الله بالسُّرْيَانيَّة لِأَن جبر عبد بالسُّرْيَانيَّة وأيل اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى وروى عبد بن حميد فِي تَفْسِيره عَن عِكْرِمَة أَن اسْم جِبْرِيل عبد الله وَاسم مِيكَائِيل عبيد الله وَقَالَ السُّهيْلي جِبْرِيل سرياني وَمَعْنَاهُ عبد الرَّحْمَن أَو عبد الْعَزِيز كَمَا جَاءَ عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا وموقوفا وَالْمَوْقُوف أصح وَذَهَبت

стр. 71

طَائِفَة إِلَى أَن الْإِضَافَة فِي هَذِه الْأَسْمَاء مَقْلُوبَة فأيل هُوَ العَبْد وأوله اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى والجبر عِنْد الْعَجم هُوَ إصْلَاح مَا فسد وَهِي توَافق مَعْنَاهُ من جِهَة الْعَرَبيَّة فَإِن فِي الْوَحْي إصْلَاح مَا فسد وجبر مَا وَهِي من الدّين وَلم يكن هَذَا الِاسْم مَعْرُوفا بِمَكَّة وَلَا بِأَرْض الْعَرَب وَلِهَذَا أَنه ﷺ لما ذكره لِخَدِيجَة ﵂ انْطَلَقت لتسأل من عِنْده علم من الْكتاب كعداس ونسطور الراهب فَقَالَا قدوس قدوس وَمن أَيْن هَذَا الِاسْم بِهَذِهِ الْبِلَاد وَرَأَيْت فِي أثْنَاء مطالعتي فِي الْكتب أَن اسْم جِبْرِيل ﵊ عبد الْجَلِيل وكنيته أَبُو الْفتُوح وَاسم مِيكَائِيل عبد الرَّزَّاق وكنيته أَبُو الْغَنَائِم وَاسم إسْرَافيل عبد الْخَالِق وكنيته أَبُو المنافخ وَاسم عزرائيل عبد الْجَبَّار وكنيته أَبُو يحيى وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ قرىء جبرئيل فعليل وجبرئل بِحَذْف الْيَاء وَجِبْرِيل بِحَذْف الْهمزَة وَجِبْرِيل بِوَزْن قنديل وجبرال بلام مُشَدّدَة وجبرائيل بِوَزْن جبراعيل وجبرايل بِوَزْن جبراعل وَمنع الصّرْف فِيهِ للتعريف والعجمة قلت هَذِه سبع لُغَات وَذكر فِيهِ ابْن الْأَنْبَارِي تسع لُغَات مِنْهَا سَبْعَة هَذِه وَالثَّامِنَة جبرين بِفَتْح الْجِيم وبالنون بدل اللَّام والتاسعة جبرين بِكَسْر الْجِيم وبالنون أَيْضا وَقَرَأَ ابْن كثير جِبْرِيل بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء من غير همز وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَأَبُو بكر عَن عَاصِم بِفَتْح الْجِيم وَالرَّاء مهموزا وَالْبَاقُونَ بِكَسْر الْجِيم وَالرَّاء غير مَهْمُوز (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله يعالج فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ خبر كَانَ قَوْله شدَّة بِالنّصب مفعول يعالج. وَقَالَ الْكرْمَانِي يجوز أَن يكون مَفْعُولا مُطلقًا لَهُ أَي يعالج معالجة شَدِيدَة. قلت فعلى هَذَا يحْتَاج إِلَى شَيْئَيْنِ أَحدهمَا تَقْدِير الْمَفْعُول بِهِ ليعالج وَالثَّانِي تَأْوِيل الشدَّة بالشديدة وَتَقْدِير الْمَوْصُوف لَهَا فَافْهَم قَوْله وَكَانَ مِمَّا يُحَرك شَفَتَيْه اخْتلفُوا فِي معنى هَذَا الْكَلَام وَتَقْدِيره فَقَالَ القَاضِي مَعْنَاهُ كثيرا مَا كَانَ يفعل ذَلِك قَالَ وَقيل مَعْنَاهُ هَذَا من شَأْنه ودأبه فَجعل مَا كِنَايَة عَن ذَلِك وَمثله قَوْله فِي كتاب الرُّؤْيَا كَانَ مِمَّا يَقُول لأَصْحَابه من رأى مِنْكُم رُؤْيا أَي هَذَا من شَأْنه وأدغم النُّون فِي مِيم مَا وَقَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ رُبمَا لِأَن من إِذا وَقع بعْدهَا مَا كَانَت بِمَعْنى رُبمَا قَالَه الشِّيرَازِيّ وَابْن خروف وَابْن طَاهِر والأعلم وأخرجوا عَلَيْهِ قَول سِيبَوَيْهٍ وَأعلم أَنهم مِمَّا يحذفون كَذَا وأنشدوا قَول الشَّاعِر (وَإِنَّا لمما نضرب الْكَبْش ضَرْبَة ... على رَأسه نلقى اللِّسَان من الْفَم) وَقَالَ الْكرْمَانِي أَي كَانَ العلاج ناشئا من تَحْرِيك الشفتين أَي مبدأ العلاج مِنْهُ أَو بِمَعْنى من إِذْ قد تجىء للعقلاء أَيْضا أَي وَكَانَ مِمَّن يُحَرك شَفَتَيْه وَقَالَ بَعضهم فِيهِ نظر لِأَن الشدَّة حَاصِلَة لَهُ قبل التحريك قلت فِي نظره نظر لِأَن الشدَّة وَإِن كَانَت حَاصِلَة لَهُ قبل التحريك وَلكنهَا مَا ظَهرت إِلَّا بتحريك الشفتين لِأَن هَذَا أَمر مبطن وَلم يقف عَلَيْهِ الرَّاوِي إِلَّا بِالتَّحْرِيكِ ثمَّ استصوب مَا نقل من هَؤُلَاءِ من الْمَعْنى الْمَذْكُور وَمَعَ هَذَا فِيهِ خدش لِأَن من فِي الْبَيْت وَفِي كَلَام سِيبَوَيْهٍ ابتدائية وَمَا فيهمَا مَصْدَرِيَّة وَأَنَّهُمْ جعلُوا كَأَنَّهُمْ خلقُوا من الضَّرْب والحذف مثل ﴿خلق الْإِنْسَان من عجل﴾ ثمَّ الضَّمِير فِي كَانَ على قَوْلهم يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ وعَلى تَأْوِيل الْكرْمَانِي يرجع إِلَى العلاج الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله يعالج والأصوب أَن يكون الضَّمِير للرسول وَيجوز هُنَا تَأْوِيلَانِ آخرَانِ أَحدهمَا أَن تكون كلمة من للتَّعْلِيل وَمَا مَصْدَرِيَّة وَفِيه حذف وَالتَّقْدِير وَكَانَ يعالج أَيْضا من أجل تَحْرِيك شَفَتَيْه وَلسَانه كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ فِي التَّفْسِير من طَرِيق جرير عَن مُوسَى ابْن أبي عَائِشَة لَفْظَة كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا نزل جِبْرِيل بِالْوَحْي فَكَانَ مِمَّا يُحَرك بِهِ لِسَانه وشفتيه وتحريك اللِّسَان مَعَ الشفتين مَعَ طول الْقِرَاءَة لَا يَخْلُو عَن معالجة الشدَّة وَالْآخر أَن يكون كَانَ بِمَعْنى وجد بِمَعْنى ظهر وَفِيه ضمير يرجع إِلَى العلاج وَالتَّقْدِير وَظهر علاجه الشدَّة من تَحْرِيك شَفَتَيْه قَوْله فَأنْزل الله عطف على قَوْله كَانَ يعالج قَوْله قَالَ أَي ابْن عَبَّاس ﵄ فِي تَفْسِير جمعه أَي جمع الله لَك فِي صدرك وَقَالَ فِي تَفْسِير وقرآنه أَي تَقْرَأهُ يَعْنِي المُرَاد من الْقُرْآن الْقِرَاءَة كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب وَفِي أَكثر الرِّوَايَات جمعه لَك صدرك وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة والحموي (جمعه لَك فِي صدرك) قَالَ القَاضِي رَوَاهُ الْأصيلِيّ بِسُكُون الْمِيم مَعَ ضم الْعين وَرفع الرَّاء من صدرك وَلأبي ذَر جمعه لَك فِي صدرك وَعند النَّسَفِيّ جمعه لَك صدرك فَإِن قلت إِذا رفع الصَّدْر بِالْجمعِ مَا وَجهه قلت يكون مجَاز الملابسة الظَّرْفِيَّة إِذْ الصَّدْر ظرف الْجمع فَيكون مثل أنبت الرّبيع البقل فالتقدير جمع الله فِي صدرك

стр. 72

(بَيَان الْمعَانِي) قَوْله كَانَ رَسُول الله ﷺ لَفْظَة كَانَ فِي مثل هَذَا التَّرْكِيب تفِيد الِاسْتِمْرَار وَأَعَادَهُ فِي قَوْله وَكَانَ مِمَّا يُحَرك مَعَ تقدمه فِي قَوْله كَانَ يعالج وَهُوَ جَائِز إِذا طَال الْكَلَام كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أيعدكم أَنكُمْ إِذا متم وكنتم تُرَابا﴾ الْآيَة وَغَيرهَا قَوْله فَأَنا أحركهما لَك وَفِي بعض النّسخ لكم وَتَقْدِيم فَاعل الْفِعْل يشْعر بتقوية الْفِعْل ووقوعه لَا محَالة قَوْله فَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ إِلَى قَوْله فَأنْزل الله جملَة مُعْتَرضَة بِالْفَاءِ وَذَلِكَ جَائِز كَمَا قَالَ الشَّاعِر (وَاعْلَم فَعلم الْمَرْء يَنْفَعهُ ... أَن سَوف يَأْتِي كل مَا قدرا) فَإِن قلت مَا فَائِدَة الِاعْتِرَاض. قلت زِيَادَة الْبَيَان بِالْوَصْفِ على القَوْل فَإِن قلت كَيفَ قَالَ فِي الأول كَانَ يحركهما وَفِي الثَّانِي بِلَفْظ رَأَيْت قلت الْعبارَة الأولى أَعم من أَنه رأى بِنَفسِهِ تَحْرِيك رَسُول الله ﷺ أم سمع أَنه حركهما كَذَا قَالَ الْكرْمَانِي وَلَا حَاجَة إِلَى ذَلِك لِأَن ابْن عَبَّاس ﵄ لم ير النَّبِي ﷺ فِي تِلْكَ الْحَالة لِأَن سُورَة الْقِيَامَة مَكِّيَّة بِاتِّفَاق وَلم يكن ابْن عَبَّاس إِذْ ذَاك ولد لِأَنَّهُ ولد قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين وَالظَّاهِر أَن نزُول هَذِه الْآيَات كَانَ فِي أول الْأَمر وَلَكِن يجوز أَن يكون النَّبِي ﷺ أخبرهُ بذلك بعد أَو أخبرهُ بعض الصَّحَابَة أَنه شَاهد النَّبِي ﷺ . وَأما سعيد بن جُبَير فَرَأى ذَلِك من ابْن عَبَّاس بِلَا خلاف وَمثل هَذَا الحَدِيث يُسمى بالمسلسل بتحريك الشّفة لَكِن لم يتَّصل بسلسلة وَقل فِي المسلسل الصَّحِيح وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت الْقُرْآن يدل على تَحْرِيك رَسُول الله ﷺ لِسَانه لَا شَفَتَيْه فَلَا تطابق بَين الْوَارِد والمورود فِيهِ. قلت التطابق حَاصِل لِأَن التحريكين متلازمان غَالِبا أَو لِأَنَّهُ كَانَ يُحَرك الْفَم الْمُشْتَمل على اللِّسَان والشفتين فَيصدق كل مِنْهُمَا وَتَبعهُ بعض الشُّرَّاح على هَذَا وَهَذَا تكلّف وتعسف بل إِنَّمَا هُوَ من بَاب الِاكْتِفَاء وَالتَّقْدِير فِي التَّفْسِير من طَرِيق جرير فَكَانَ مِمَّا يُحَرك شَفَتَيْه وَلسَانه كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿سرابيل تقيكم الْحر﴾ أَي وَالْبرد وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير من طَرِيق جرير فَكَانَ مِمَّا يُحَرك لِسَانه وشفتيه والملازمة بَين التحريكين مَمْنُوعَة على مَا لَا يخفى. وتحريك الْفَم مستبعد بل مُسْتَحِيل لِأَن الْفَم اسْم لما يشْتَمل عَلَيْهِ الشفتان وَعند الْإِطْلَاق لَا يشْتَمل على الشفتين وَلَا على اللِّسَان لَا لُغَة وَلَا عرفا فَافْهَم قَوْله كَمَا كَانَ قَرَأَ وَفِي بعض النّسخ كَمَا كَانَ قَرَأَهُ بضمير الْمَفْعُول أَي كَمَا كَانَ قَرَأَ الْقُرْآن وَفِي بَعْضهَا كَمَا قَرَأَ بِدُونِ لَفْظَة كَانَ (الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا مَا قيل مَا كَانَ سَبَب معالجة الشدَّة وَأجِيب بِأَنَّهُ مَا كَانَ يلاقيه من الكد الْعَظِيم وَمن هَيْبَة الْوَحْي الْكَرِيم قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا﴾ وَمِنْهَا مَا قيل مَا كَانَ سَبَب تَحْرِيك لِسَانه وشفتيه. وَأجِيب بِأَنَّهُ كَانَ يفعل ذَلِك لِئَلَّا ينسى وَقَالَ تَعَالَى ﴿سنقرؤك فَلَا تنسى الْأَعْلَى﴾ وَقَالَ الشّعبِيّ إِنَّمَا كَانَ ذَلِك من حبه لَهُ وحلاوته فِي لِسَانه فَنهى عَن ذَلِك حَتَّى يجْتَمع لِأَن بعضه مُرْتَبِط بِبَعْضِه وَمِنْهَا مَا قيل مَا فَائِدَة المسلسل من الْأَحَادِيث وَأجِيب بِأَن فَائِدَته اشتماله على زِيَادَة الضَّبْط واتصال السماع وَعدم التَّدْلِيس وَمثله حَدِيث المصافحة وَنَحْوهَا (استنباط الْأَحْكَام) مِنْهُ الِاسْتِحْبَاب للمعلم أَن يمثل للمتعلم بِالْفِعْلِ ويريه الصُّورَة بِفِعْلِهِ إِذا كَانَ فِيهِ زِيَادَة بَيَان على الْوَصْف بالْقَوْل وَمِنْه أَن أحدا لَا يحفظ الْقُرْآن إِلَّا بعون الله تَعَالَى وَمِنْه وفضله قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مُذَكّر الْقَمَر و ٢٢﴾ وَمِنْه فِيهِ دلَالَة على جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْخطاب كَمَا هُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَذَلِكَ لِأَن ثمَّ تدل على التَّرَاخِي كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي قلت تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة مُمْتَنع عِنْد الْكل إِلَّا عِنْد من جوز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَأما تَأْخِيره عَن وَقت الْخطاب إِلَى وَقت الْحَاجة فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى جَوَازه وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب وَقَالَ الصَّيْرَفِي والحنابلة مُمْتَنع وَقَالَ الْكَرْخِي بالتفصيل وَهُوَ أَن تَأْخِيره عَن وَقت الْخطاب مُمْتَنع فِي غير الْمُجْمل كبيان التَّخْصِيص وَالتَّقْيِيد والنسخ إِلَى غير ذَلِك وَجَائِز فِي الْمُجْمل كالمشترك. وَقَالَ الجبائي تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْخطاب مُمْتَنع فِي غير النّسخ وَجَائِز فِي النّسخ ٥ - (حَدثنَا عَبْدَانِ قَالَ أخبرنَا عبد الله قَالَ أخبرنَا يُونُس عَن الزُّهْرِيّ ح وَحدثنَا بشر بن مُحَمَّد قَالَ أخبرنَا عبد الله قَالَ أخبرنَا يُونُس وَمعمر عَن الزُّهْرِيّ نَحوه قَالَ أَخْبرنِي عبيد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ أَجود النَّاس وَكَانَ أَجود

стр. 73

مَا يكون فِي رَمَضَان حِين يلقاه جِبْرِيل وَكَانَ يلقاه فِي كل لَيْلَة من رَمَضَان فيدارسه الْقُرْآن فلرسول الله ﷺ أَجود بِالْخَيرِ من الرّيح الْمُرْسلَة) وَجه مُنَاسبَة إِيرَاد هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب هُوَ أَن فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن ابْتِدَاء نزُول الْقُرْآن كَانَ فِي رَمَضَان فَكَانَ جِبْرِيل ﵇ يتعاهده فِي كل سنة فيعارضه بِمَا نزل عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ الْعَام الَّذِي توفّي فِيهِ عَارضه بِهِ مرَّتَيْنِ كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن فَاطِمَة ﵂ وَعَن زَوجهَا وَصلى الله على أَبِيهَا وَكَانَ هَذَا من أَحْكَام الْوَحْي وَالْبَاب فِي الْوَحْي (بَيَان رِجَاله) وهم ثَمَانِيَة تقدم مِنْهُم. ابْن عَبَّاس. وَالزهْرِيّ. وَمعمر. وَيُونُس. فَبَقيت أَرْبَعَة الأول عَبْدَانِ بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وبالدال الْمُهْملَة وَهُوَ لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة بن أبي رواد مَيْمُون وَقيل أَيمن الْعَتكِي بِالْعينِ الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمروزِي مولى الْمُهلب بِفَتْح اللَّام الْمُشَدّدَة ابْن أبي صفرَة بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة سمع مَالِكًا وَحَمَّاد بن زيد وَغَيرهمَا من الْأَعْلَام روى عَنهُ الذهلي وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا وروى مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ مَاتَ سنة إِحْدَى أَو اثْنَيْنِ وَعشْرين أَو عشْرين وَمِائَتَيْنِ عَن سِتّ وَسبعين سنة وعبدان لقب جمَاعَة أكبرهم هَذَا وعبدان أَيْضا ابْن بنت عبد الْعَزِيز بن أبي رواد وَقَالَ ابْن طَاهِر إِنَّمَا قيل لَهُ ذَلِك لِأَن كنيته أَبُو عبد الرَّحْمَن واسْمه عبد الله فَاجْتمع من اسْمه وكنيته عَبْدَانِ. وَقَالَ بعض الشَّارِحين وَهَذَا لَا يَصح بل ذَاك من تَغْيِير الْعَامَّة للأسامي وكسرهم لَهَا فِي زمن صغر الْمُسَمّى أَو نَحْو ذَلِك كَمَا قَالُوا فِي عَليّ عَلان وَفِي أَحْمد بن يُوسُف السّلمِيّ وَغَيره حمدَان وَفِي وهب بن بَقِيَّة الوَاسِطِيّ وهبان. قلت الَّذِي قَالَه ابْن طَاهِر هُوَ الْأَوْجه لِأَن عَبْدَانِ تَثْنِيَة عبد وَلما كَانَ أول اسْمه عبد وَأول كنيته عبد قيل عَبْدَانِ الثَّانِي عبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك بن وَاضح الْحَنْظَلِي التَّمِيمِي مَوْلَاهُم الْمروزِي الإِمَام الْمُتَّفق على جلالته وإمامته وورعه وسخائه وعبادته الثِّقَة الْحجَّة الثبت وَهُوَ من تَابِعِيّ التَّابِعين وَكَانَ أَبوهُ تركيا مَمْلُوكا لرجل من هَمدَان وَأمه خوارزمية ولد سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَة وَمَات فِي رَمَضَان سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ بهيت فِي الْعرَاق منصرفا من الْغَزْو. وهيت بِكَسْر الْهَاء وَفِي آخِره تَاء مثناة من فَوق مَدِينَة على شاطىء الْفُرَات سميت بذلك لِأَنَّهَا فِي هوة وَعبد الله بن الْمُبَارك هَذَا من أَفْرَاد الْكتب السِّتَّة لَيْسَ فِيهَا من يُسمى بِهَذَا الِاسْم نعم فِي الروَاة غَيره خَمْسَة أحدهم بغدادي حدث عَن همام الثَّانِي خراساني وَلَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ الثَّالِث شيخ روى عَنهُ الْأَثْرَم الرَّابِع جوهري روى عَن أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ الْخَامِس بزار. روى عَنهُ سهل البُخَارِيّ الثَّالِث بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة والشين الْمُعْجَمَة الساكنة ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد الْمروزِي السّخْتِيَانِيّ روى عَنهُ البُخَارِيّ مُنْفَردا بِهِ عَن بَاقِي الْكتب السِّتَّة هُنَا وَفِي التَّوْحِيد وَفِي الصَّلَاة وَغَيرهَا ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته وَقَالَ كَانَ مرجئا مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ الرَّابِع عبيد الله بِلَفْظ التصغير فِي عبد بن عبد الله بن عتبَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن مَسْعُود بن غافل بالغين الْمُعْجَمَة ابْن حبيب بن شمخ بن فار بِالْفَاءِ وَتَخْفِيف الرَّاء بن مَخْزُوم ابْن طاهلة بن كَاهِل بِكَسْر الْهَاء بن الْحَرْث بن تَمِيم بن سعد بن هُذَيْل بن مدركة بن الياس بن مُضر الْهُذلِيّ الْمدنِي الإِمَام الْجَلِيل التَّابِعِيّ أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة سمع خلقا من الصَّحَابَة مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَأَبُو هُرَيْرَة وَعنهُ جمع من التَّابِعين وَهُوَ معلم عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَكَانَ قد ذهب بَصَره توفّي سنة تسع أَو ثَمَان أَو خمس أَو أَربع وَتِسْعين (بَيَان تعدد الحَدِيث وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ فِي خَمْسَة مَوَاضِع هُنَا كَمَا ترى. وَفِي صفة النَّبِي ﷺ عَن عَبْدَانِ أَيْضا عَن ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس وَفِي الصَّوْم عَن مُوسَى بن إِبْرَاهِيم وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن يحيى بن قزعة عَن إِبْرَاهِيم وَفِي بَدَأَ الْخلق عَن ابْن مقَاتل عَن عبد الله عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ عَن أَرْبَعَة عَن مَنْصُور بن أبي مُزَاحم وَأبي عمرَان مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن إِبْرَاهِيم وَعَن أبي كريب عَن ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس وَعَن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر ثَلَاثَتهمْ عَن الزُّهْرِيّ بِهِ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَنه اجْتمع فِيهِ عدَّة مراوزة ابْن الْمُبَارك وراوياه وَمِنْهَا أَن البُخَارِيّ حدث الحَدِيث

стр. 74

هَذَا عَن الشَّيْخَيْنِ عَبْدَانِ وَبشر كليهمَا عَن عبد الله بن الْمُبَارك وَالشَّيْخ الأول ذكر لعبد الله شَيخا وَاحِدًا وَهُوَ يُونُس وَالثَّانِي ذكر لَهُ الشَّيْخَيْنِ يُونُس ومعمرا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله وَمعمر نَحوه أَي نَحْو حَدِيث يُونُس نَحوه بِاللَّفْظِ وَعَن معمر بِالْمَعْنَى وَلأَجل هَذَا زَاد فِيهِ لفظ نَحوه وَمِنْهَا زِيَادَة الْوَاو فِي قَوْله وَحدثنَا بشر وَهَذَا يُسمى وَاو التَّحْوِيل من إِسْنَاد إِلَى آخر ويعبر عَنْهَا غَالِبا بِصُورَة (ح) مُهْملَة مُفْردَة وَهَكَذَا وَقع فِي بعض النّسخ وَقَالَ النَّوَوِيّ وَهَذِه الْحَاء كَثِيرَة فِي صَحِيح مُسلم قَليلَة فِي صَحِيح البُخَارِيّ انْتهى وعادتهم أَنه إِذا كَانَ للْحَدِيث إسنادان أَو أَكثر كتبُوا عِنْد الِانْتِقَال من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد ذَلِك مُسَمّى (ح) أَي حرف الْحَاء فَقيل أَنَّهَا مَأْخُوذَة من التَّحَوُّل لتحوله من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد وَأَنه يَقُول القارىء إِذا انْتهى إِلَيْهَا حاء مَقْصُورَة وَيسْتَمر فِي قِرَاءَة مَا بعده وَفَائِدَته أَن لَا يركب الْإِسْنَاد الثَّانِي مَعَ الْإِسْنَاد الأول فيجعلا إِسْنَادًا وَاحِدًا وَقيل أَنَّهَا من حَال بَين الشَّيْئَيْنِ إِذا حجز لكَونهَا حَالَة بَين الإسنادين وَأَنه لَا يلفظ عِنْد الِانْتِهَاء إِلَيْهَا بِشَيْء وَقيل أَنَّهَا رمز إِلَى قَوْله الحَدِيث فَأهل الْمغرب يَقُولُونَ إِذا وصلوا إِلَيْهَا الحَدِيث وَقد كتب جمَاعَة من الْحفاظ موضعهَا (صَحَّ) فيشعر بِأَنَّهَا رمز صَحَّ لِئَلَّا يتَوَهَّم أَنه سقط متن الْإِسْنَاد الأول (بَيَان اللُّغَات) قَوْله أَجود النَّاس هُوَ أفعل التَّفْضِيل من الْجُود وَهُوَ الْعَطاء أَي أعْطى مَا يَنْبَغِي لمن يَنْبَغِي وَمَعْنَاهُ هُوَ أسخى النَّاس لما كَانَت نَفسه أشرف النُّفُوس ومزاجه أعدل الأمزجة لَا بُد أَن يكون فعله أحسن الْأَفْعَال وشكله أَمْلَح الأشكال وخلقه أحسن الْأَخْلَاق فَلَا شكّ بِكَوْنِهِ أَجود وَكَيف لَا وَهُوَ مستغن عَن الفانيات بالباقيات الصَّالِحَات قَوْله فِي رَمَضَان أَي شهر رَمَضَان قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الرمضان مصدر رمض إِذا احْتَرَقَ من الرمضاء فأضيف إِلَيْهِ الشَّهْر وَجعل علما وَمنع من الصّرْف للتعريف وَالْألف وَالنُّون وسموه بذلك لارتماضهم فِيهِ من حر الْجُوع ومقاساة شدته قَوْله فيدارسه من المدارسة من بَاب المفاعلة من الدَّرْس وَهُوَ الْقِرَاءَة على سرعَة وقدرة عَلَيْهِ من درست الْكتاب أدرسه وأدرسه وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَة ﴿وَبِمَا كُنْتُم تدرسون﴾ مِثَال تجلسون درسا ودراسة قَالَ الله تَعَالَى ﴿ودرسوا مَا فِيهِ﴾ وأدرس الْكتاب قَرَأَهُ مثل درسه وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَة ﴿وَبِمَا كُنْتُم تدرسون﴾ من الإدراس ودرس الْكتب تدريسا شدد للْمُبَالَغَة وَمِنْه مدرس الْمدرسَة والمدارسة المقارأة وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو (وليقولوا دارست) أَي قَرَأت على الْيَهُود وقرأوا عَلَيْك وَهَهُنَا لما كَانَ النَّبِي ﷺ وَجِبْرِيل ﵇ يتناوبان فِي قِرَاءَة الْقُرْآن كَمَا هُوَ عَادَة الْقُرَّاء بِأَن يقْرَأ مثلا هَذَا عشرا وَالْآخر عشرا أَتَى بِلَفْظَة المدارسة أَو أَنَّهُمَا كَانَا يتشاركان فِي الْقِرَاءَة أَي يقرآن مَعًا وَقد علم أَن بَاب المفاعلة لمشاركة اثْنَيْنِ نَحْو ضاربت زيدا وخاصمت عمرا قَوْله الرّيح الْمُرْسلَة بِفَتْح السِّين أَي المبعوثة لنفع النَّاس هَذَا إِذا جعلنَا اللَّام فِي الرّيح للْجِنْس وَأَن جعلناها للْعهد يكون الْمَعْنى من الرّيح الْمُرْسلَة للرحمة قَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح بشرا بَين يَدي رَحمته﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿والمرسلات عرفا﴾ أَي الرِّيَاح المرسلات للمعروف على أحد التفاسير (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله أَجود النَّاس كَلَام إضافي مَنْصُوب لِأَنَّهُ خبر كَانَ قَوْله وَكَانَ أَجود مَا يكون يجوز فِي أَجود الرّفْع وَالنّصب أما الرّفْع فَهُوَ أَكثر الرِّوَايَات وَوَجهه أَن يكون اسْم كَانَ وَخَبره مَحْذُوف حذفا وَاجِبا لِأَنَّهُ نَحْو قَوْلك أَخطب مَا يكون الْأَمِير قَائِما وَلَفْظَة مَا مَصْدَرِيَّة أَي أَجود أكوان الرَّسُول. وَقَوله فِي رَمَضَان فِي مَحل النصب على الْحَال وَاقع موقع الْخَبَر الَّذِي هُوَ حَاصِل أَو وَاقع. وَقَوله حِين يلقاه حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي حَاصِل الْمُقدر فَهُوَ حَال عَن حَال وَمثلهمَا يُسمى بالحالين المتداخلتين وَالتَّقْدِير كَانَ أَجود أكوانه حَاصِلا فِي رَمَضَان حَال الملاقاة وَوجه آخر أَن يكون فِي كَانَ ضمير الشان وأجود مَا يكون أَيْضا كَلَام إضافي مُبْتَدأ وَخَبره فِي رَمَضَان وَالتَّقْدِير كَانَ الشَّأْن أَجود أكوان رَسُول الله ﷺ فِي رَمَضَان أَي حَاصِل فِي رَمَضَان عِنْد الملاقاة وَوجه آخر أَن يكون الْوَقْت فِيهِ مُقَدرا كَمَا فِي مقدم الْحَاج وَالتَّقْدِير كَانَ أَجود أَوْقَات كَونه وَقت كَونه فِي رَمَضَان وَإسْنَاد الْجُود إِلَى أوقاته ﷺ على سَبِيل الْمُبَالغَة كأسناد الصَّوْم إِلَى النَّهَار فِي نَحْو نَهَاره صَائِم وَأما النصب فَهُوَ رِوَايَة الْأصيلِيّ وَوَجهه أَن يكون خبر كَانَ وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يلْزم من ذَلِك أَن يكون خَبَرهَا هُوَ اسْمهَا. وَأجَاب بَعضهم عَن ذَلِك بِأَن يَجْعَل اسْم

стр. 75

كَانَ ضمير النَّبِي ﷺ وأجود خَبَرهَا وَالتَّقْدِير وَكَانَ رَسُول الله ﷺ مُدَّة كَونه فِي رَمَضَان أَجود مِنْهُ فِي غَيره. قلت هَذَا لَا يَصح لِأَن كَانَ إِذا كَانَ فِيهِ ضمير النَّبِي ﷺ لَا يَصح أَن يكون أَجود خَبرا لَكَانَ لِأَنَّهُ مُضَاف إِلَى الْكَوْن وَلَا يخبر بِكَوْن عَمَّا لَيْسَ بِكَوْن فَيجب أَن يَجْعَل مُبْتَدأ وَخَبره فِي رَمَضَان وَالْجُمْلَة خبر كَانَ وَإِن استتر فِيهِ ضمير الشَّأْن فَظَاهر فَافْهَم. وَقَالَ النَّوَوِيّ الرّفْع أشهر وَيجوز فِيهِ النصب. قلت من جملَة مؤكدات الرّفْع وُرُوده بِدُونِ كَانَ فِي صَحِيح البُخَارِيّ فِي بَاب الصَّوْم قَوْله وَكَانَ يلقاه قَالَ الْكرْمَانِي يحْتَمل كَون الضَّمِير الْمَرْفُوع لجبريل ﵇ والمنصوب للرسول وَبِالْعَكْسِ قلت الرَّاجِح أَن يكون الضَّمِير الْمَرْفُوع لجبريل ﵇ بِقَرِينَة قَوْله حِين يلقاه جِبْرِيل قَوْله فيدارسه عطف على قَوْله يلقاه. وَقَوله الْقُرْآن بِالنّصب لِأَنَّهُ الْمَفْعُول الثَّانِي للمدارسة إِذْ الْفِعْل الْمُتَعَدِّي إِذا نقل إِلَى بَاب المفاعلة يصير مُتَعَدِّيا إِلَى اثْنَيْنِ نَحْو جاذبته الثَّوْب قَوْله فلرسول الله ﷺ مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله أَجود وَاللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة لِأَنَّهُ لَام الِابْتِدَاء زيد على الْمُبْتَدَأ للتَّأْكِيد (الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا مَا قيل أَن هَهُنَا أَربع جمل فَمَا الْجِهَة الجامعة بَينهَا وَأجِيب بِأَن الْمُنَاسبَة بَين الْجمل الثَّلَاث وَهِي قَوْله كَانَ أَجود النَّاس. وَكَانَ أَجود مَا يكون فِي رَمَضَان. وفلرسول الله. الخ ظَاهِرَة لِأَنَّهُ أَشَارَ بِالْجُمْلَةِ الأولى إِلَى أَنه ﷺ أَجود النَّاس مُطلقًا وَأَشَارَ بِالثَّانِيَةِ إِلَى أَن جوده فِي رَمَضَان يفضل على جوده فِي سَائِر أوقاته وَأَشَارَ بالثالثة إِلَى أَن جوده فِي عُمُوم النَّفْع والإسراع فِيهِ كَالرِّيحِ الْمُرْسلَة وَشبه عُمُومه وَسُرْعَة وُصُوله إِلَى النَّاس بِالرِّيحِ المنتشرة وشتان مَا بَين الْأَمريْنِ فَإِن أَحدهمَا يحيي الْقلب بعد مَوته وَالْآخر يحيي الأَرْض بعد مَوتهَا وَأما الْمُنَاسبَة بَين الْجُمْلَة الرَّابِعَة وَهِي قَوْله وَكَانَ يلقاه فِي كل لَيْلَة من رَمَضَان فيدارسه الْقُرْآن وَبَين الْجُمْلَة الْبَاقِيَة فَهِيَ أَن جوده الَّذِي فِي رَمَضَان الَّذِي فضل على جوده فِي غَيره إِنَّمَا كَانَ بأمرين أَحدهمَا بِكَوْنِهِ فِي رَمَضَان وَالْآخر بملاقاته جِبْرِيل ﵊ ومدارسته مَعَه الْقُرْآن وَلما كَانَ ابْن عَبَّاس ﵄ فِي صدد بَيَان أَقسَام جوده على سَبِيل تَفْضِيل بعضه على بعض أَشَارَ فِيهِ إِلَى بَيَان السَّبَب الْمُوجب لَا على جوده وَهُوَ كَونه فِي رَمَضَان وملاقاته جِبْرِيل فَإِن قلت مَا وَجه كَون هذَيْن الْأَمريْنِ سَببا مُوجبا لأعلى جوده ﷺ . قلت أما رَمَضَان فَإِنَّهُ شهر عَظِيم وَفِيه الصَّوْم وَفِيه لَيْلَة الْقدر وَهُوَ من أشرف الْعِبَادَات فَلذَلِك قَالَ الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ فَلَا جرم يتضاعف ثَوَاب الصَّدَقَة وَالْخَيْر فِيهِ وَكَذَلِكَ الْعِبَادَات وَعَن هَذَا قَالَ الزُّهْرِيّ تَسْبِيحَة فِي رَمَضَان خير من سبعين فِي غَيره وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث إِنَّه يعْتق فِيهِ كل لَيْلَة ألف ألف عَتيق من النَّار. وَأما ملاقاة جِبْرِيل ﵇ فَإِن فِيهَا زِيَادَة ترقيه فِي المقامات وَزِيَادَة اطِّلَاعه على عُلُوم الله . وَلَا سِيمَا عِنْد مدارسته الْقُرْآن مَعَه مَعَ نُزُوله إِلَيْهِ فِي كل لَيْلَة وَلم ينزل إِلَى غَيره من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام مَا نزل إِلَيْهِ فَهَذَا كُله من الْفَيْض الإلهي الَّذِي فتح لي فِي هَذَا الْمقَام الَّذِي لم يفتح لغيري من الشُّرَّاح فَللَّه الْحَمد والْمنَّة وَمِنْهَا مَا قيل مَا الْحِكْمَة فِي مدارسته الْقُرْآن فِي رَمَضَان. وَأجِيب بِأَنَّهَا كَانَت لتجديد الْعَهْد وَالْيَقِين وَقَالَ الْكرْمَانِي وَفَائِدَة درس جِبْرِيل ﵊ تَعْلِيم الرَّسُول ﷺ بتجويد لَفظه وَتَصْحِيح إِخْرَاج الْحُرُوف من مخارجها وليكون سنة فِي هَذِه الْأمة كتجويد التلامذة على الشُّيُوخ قراءتهم وَأما تَخْصِيصه رَمَضَان فلكونه موسم الْخيرَات لِأَن نعم الله تَعَالَى على عباده فِيهِ زَائِدَة على غَيره وَقيل الْحِكْمَة فِي المدارسة أَن الله تَعَالَى ضمن لنَبيه أَن لَا ينساه فأقره بهَا وَخص بذلك رَمَضَان لِأَن الله تَعَالَى أنزل الْقُرْآن فِيهِ إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا جملَة من اللَّوْح الْمَحْفُوظ ثمَّ نزل بعد ذَلِك على حسب الْأَسْبَاب فِي عشْرين سنة. وَقيل نزلت صحف إِبْرَاهِيم ﵇ أول لَيْلَة مِنْهُ. والتوراة لست وَالْإِنْجِيل لثلاث عشرَة وَالْقُرْآن لأَرْبَع وَعشْرين وَمِنْهَا مَا قيل الْمَفْهُوم مِنْهُ أَن جِبْرِيل ﵊ كَانَ ينزل على النَّبِي ﷺ فِي كل لَيْلَة من رَمَضَان وَهَذَا يُعَارضهُ مَا رُوِيَ فِي صَحِيح مُسلم فِي كل سنة فِي رَمَضَان حَتَّى يَنْسَلِخ. وَأجِيب بِأَن الْمَحْفُوظ فِي مُسلم أَيْضا مثل مَا فِي البُخَارِيّ وَلَئِن سلمنَا صِحَة الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة فَلَا تعَارض لِأَن مَعْنَاهُ بِمَعْنى الأول لِأَن قَوْله حَتَّى يَنْسَلِخ بِمَعْنى كل لَيْلَة (بَيَان استنباط الْفَوَائِد) مِنْهَا الْحَث على الْجُود والأفضال فِي كل الْأَوْقَات وَالزِّيَادَة مِنْهَا فِي رَمَضَان وَعند الِاجْتِمَاع
следующие страницы →