← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

يشدد الْوَاو وَالْيَاء وهمزته زَائِدَة، والأفوعان، بِالضَّمِّ: ذكر الأفاعي، وكنية الأفعى أَبُو حَيَّان، وَأَبُو يحيى لِأَنَّهُ يعِيش ألف سنة وَهُوَ الشجاع الْأسود الَّذِي يواثب الْإِنْسَان، وَمن صفة الأفعى إِذا فقئت عينهَا عَادَتْ وَلَا تغمض حدقتها الْبَتَّةَ. قَوْله: (والأساود) جمع الْأسود، وَهُوَ الْعَظِيم من الْحَيَّات، وَفِيه سَواد، وَيُقَال: هُوَ أَخبث الْحَيَّات، وَيُقَال لَهُ: أسود سالخ لِأَنَّهُ يسلخ جلده كل عَام، وَفِي (سنَن أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ) : عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: (أعوذ بِاللَّه من أَسد وأسود) ، وَقيل: الْأسود: حَيَّة رقشاء دقيقة الْعُنُق عريضة الرَّأْس، وَرُبمَا كَانَ ذَا قرنين. وَقَالَ ابْن خالويه: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب أَسمَاء الْجنان وصفاتها إلَاّ مَا أذكرهُ. وعد لَهَا نَحوا من سبعين إسماً مِنْهَا: الشجاع الأرقم الْأسود الأفعى الأبتر الأعيرج الأصلة الصل الجان الْجنان والجرارة والرتيلاء، وَذكر الجاحظ أَيْضا أَنْوَاعهَا، مِنْهَا: المكللة الرَّأْس، طولهَا شبران أَو ثَلَاثَة إِن حَاذَى جحرها طَائِر سقط وَلَا يحس بهَا حَيَوَان إلَاّ هرب فَإِن قرب مِنْهَا حدر وَلم يَتَحَرَّك وَتقتل بصفيرها، وَمن وَقع عَلَيْهِ نظرها مَاتَ، وَمن نهشته ذاب فِي الْحَال، وَمَات كل من قرب من ذَلِك الْمَيِّت من الْحَيَوَان، فَإِن مَسهَا بعصا هلك بِوَاسِطَة الْعَصَا، وَقيل: إِن رجلا طَعنهَا بِرُمْح فَمَاتَ هُوَ ودابته فِي سَاعَة وَاحِدَة قَالَ: وَهَذَا الْجِنْس كثير بِبِلَاد التّرْك. آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا فِي مِلْكِهِ وسُلْطَانِهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا من دَابَّة إلَاّ هُوَ آخذ بناصيتها﴾ (هود: ٦٥) . أَي: فِي ملكه وسلطانه، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي: فِي قَبضته وَملكه وسلطانه، وَخص الناصية بِالذكر على عَادَة الْعَرَب فِي ذَلِك تَقول: نَاصِيَة فلَان فِي يَد فلَان، إِذا كَانَ فِي طَاعَته، وَمن ثمَّة كَانُوا يجزون نَاصِيَة الْأَسير إِذا أَطْلقُوهُ. يُقَالُ صافَّاتٍ بُسْطٌ أجْنِحَتَهُنَّ يَقْبِضْنَ يَضْرِبْنَ بِأجْنِحَتِهِنَّ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم يرَوا إِلَى الطير فَوْقهم صافات ويقبضن﴾ (الْملك: ٩١) . أَي: باسطات أجنحتهن ضاربات بهَا، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿صافات﴾ قَالَ: بسط أجنحتهن. ٧٩٢٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا هِشَامُ بنُ يُوسُف حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سالِمٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ ﷺ يَخْطُبُ علَى المِنْبَرِ يَقُولُ اقْتُلُوا الحَيَّاتِ واقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ والأبْتَرَ فإنَّهُمَا يَطْمِسَانِ البَصَرَ ويَسْقِطَانِ الحَبَلَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ذَا الطفيتين من جملَة مَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم الدَّابَّة، وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ الْمَعْرُوف بالمسندي، والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَيَوَان عَن عبد بن حميد. قَوْله: (ذَا الطفيتين) ، بِضَم الطَّاء وَسُكُون الْفَاء: هُوَ ضرب من الْحَيَّات فِي ظَهره خطان أبيضان، والطفية أَصْلهَا خوص الْمقل، فَشبه الْخط الَّذِي على ظهر هَذِه الْحَيَّة بِهِ، وَرُبمَا قيل: لهَذِهِ الْحَيَّة، طفية على معنى: ذَات طفية، وَقد يُسمى الشَّيْء باسم مَا يجاوره، وَقيل: هما نقطان، حَكَاهُ القَاضِي، قَالَ الْخَلِيل: وَهِي حَيَّة خبيثة. قَوْله: (والأبتر) هُوَ مَقْطُوع الذَّنب. وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل: هُوَ أَزْرَق اللَّوْن لَا تنظر إِلَيْهِ حَامِل إلَاّ أَلْقَت، وَقيل: الأبتر الْحَيَّة القصيرة الذَّنب. قَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ الأفعى الَّتِي تكون قدر شبر أَو أَكثر قَلِيلا. قَوْله: (يطمسان الْبَصَر) ، يمحوان نوره، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي مليكَة عَن ابْن عمر: وَيذْهب الْبَصَر، وَفِي حَدِيث عَائِشَة: فَإِنَّهُ يلْتَمس الْبَصَر. قَوْله: (ويسقطان الْحَبل) ، ويروى (يستسقطان) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ الْجَنِين، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي مليكَة الَّتِي تَأتي بعد أَحَادِيث: فَإِنَّهُ يسْقط الْوَلَد، وَفِي رِوَايَة عَن عَائِشَة ستأتي بعد أَحَادِيث: وتصيب الْحَبل، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْهَا: تذْهب الْحَبل، وَالْكل بِمَعْنى وَاحِد، وَإِنَّمَا أَمر بقتلها لِأَن الْجِنّ. لَا تتمثل بهَا، وَلِهَذَا أَدخل البُخَارِيّ حَدِيث ابْن عمر فِي الْبَاب وَنهى عَن قتل ذَوَات الْبيُوت، لِأَن الْجِنّ تتمثل بهَا، قَالَه الدَّاودِيّ. (قَالَ عبد الله فَبينا أَنا أطارد حَيَّة لأقتلها فناداني أَبُو لبَابَة لَا تقتلها فَقلت إِن رَسُول الله ﷺ َ - قد أَمر بقتل الْحَيَّات قَالَ إِنَّه نهى بعد ذَلِك عَن ذَوَات الْبيُوت وَهِي العوامر)

стр. 4517

أَي قَالَ عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَوْله " أطارد حَيَّة " أَي أطلبها وأتبعها لأقتلها أَي لِأَن أقتلها قَوْله " فناداني أَبُو لبَابَة " بِضَم اللَّام وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى واسْمه رِفَاعَة بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْفَاء على الْأَصَح ابْن عبد الْمُنْذر الأوسي النَّقِيب قَالَه الْكرْمَانِي وَفِي التَّوْضِيح اسْمه بشير بِفَتْح الْبَاء وَكسر الشين الْمُعْجَمَة ابْن عبد الْمُنْذر بن رِفَاعَة بن زنبور بن أُميَّة بن زيد بن مَالك بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف بن مَالك بن أَوْس رده رَسُول الله ﷺ َ - من الروحاء حِين خرج إِلَى بدر وَاسْتَعْملهُ على الْمَدِينَة وَضرب لَهُ بِسَهْم وأجره وَتُوفِّي بعد قتل عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأَخُوهُ مُبشر بن عبد الْمُنْذر شهد بَدْرًا وَقتل بهَا وأخوهما رِفَاعَة بن عبد الْمُنْذر شهد الْعقبَة وبدرا وَقتل بِأحد وَلَيْسَ لَهُ عقب ذَلِك كُله ابْن سعد فِي الطَّبَقَات وَقَالَ أَبُو عمر بشير بن عبد الْمُنْذر أَبُو لبَابَة الْأنْصَارِيّ غلبت عَلَيْهِ كنيته وَاخْتلف فِي اسْمه فَقيل رِفَاعَة بن عبد الْمُنْذر كَذَا قَالَه مُوسَى بن عقبَة عَن ابْن شهَاب وَكَذَا قَالَ ابْن هِشَام وَخَلِيفَة وَقَالَ أَحْمد بن زُهَيْر سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين يَقُولَانِ أَبُو لبَابَة اسْمه رِفَاعَة بن عبد الْمُنْذر وَقَالَ ابْن إِسْحَق كَانَ نَقِيبًا شهد الْعقبَة وَشهد بَدْرًا وَزعم قوم أَنه والْحَارث بن حَاطِب خرجا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - إِلَى بدر فرجعهما وَأمر أَبَا لبَابَة على الْمَدِينَة وَضرب لَهُ بِسَهْم مَعَ أَصْحَاب بدر قَالَ ابْن هِشَام ردهما من الروحاء وَقَالَ أَبُو عمر قد اسْتخْلف رَسُول الله ﷺ َ - أَبَا لبَابَة على الْمَدِينَة أَيْضا حِين خرج إِلَى غَزْوَة السويق وَشهد مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - أحدا وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد وَكَانَت مَعَه راية بني عَمْرو بن عَوْف فِي غَزْوَة الْفَتْح مَاتَ فِي خلَافَة عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (قلت) لَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيح إِلَّا هَذَا الحَدِيث قَوْله " قَالَ إِنَّه نهى بعد ذَلِك " أَي قَالَ أَبُو لبَابَة أَن النَّبِي ﷺ َ - نهى بعد أمره بقتل الْحَيَّات عَن قتل ذَوَات الْبيُوت أَي الساكنات فِيهَا وَيُقَال لَهَا الْجنان وَهِي حيات طوال بيض قَلما تضر وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن ابْن الْمُبَارك أَنَّهَا الْحَيَّة الَّتِي تكون كَأَنَّهَا فضَّة وَلَا تلتوي فِي مشيتهَا قَوْله " وَهِي العوامر " قيل أَنه من كَلَام الزُّهْرِيّ مدرج فِي الْخَبَر وَقد بَينه معمر فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ فساق الحَدِيث وَقَالَ فِي آخِره وَقَالَ وَهِي العوامر سميت بهَا لطول عمرها وَقَالَ الْجَوْهَرِي عمار الْبيُوت سكانها من الْجِنّ وَقيل سميت بهَا لطول لبثهن فِي الْبيُوت مَأْخُوذ من الْعُمر بِالْفَتْح وَهُوَ طول الْبَقَاء وروى مُسلم من حَدِيث أبي سعيد مَرْفُوعا أَن لهَذِهِ الْبيُوت عوامر فَإِذا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئا فَخَرجُوا عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَإِن ذهب وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ وَمعنى فَخَرجُوا عَلَيْهِ أَن يُقَال لَهُ أَنْت فِي حرج أَي ضيق إِن لَبِثت عندنَا أَو ظَهرت لنا أَو عدت إِلَيْنَا وَمعنى ثَلَاثًا أَي ثَلَاث مَرَّات وَقيل ثَلَاثَة أَيَّام وَإِن كَانَت فِي الصحارى والأودية تقتل من غير إيذان لعُمُوم قَوْله ﷺ َ - " خمس من الفواسق يقتلن فِي الْحل وَالْحرم فَذكر مِنْهُنَّ الْحَيَّة وَجَاء فِي حَدِيث آخر " من تركهن مَخَافَة شرهن فَلَيْسَ منا " ثمَّ اعْلَم أَن ظَاهر الحَدِيث التَّعْمِيم فِي الْبيُوت وَعَن مَالك تَخْصِيصه ببيوت أهل الْمَدِينَة وَقيل يخْتَص ببيوت المدن دون غَيرهَا (وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر فرآني أَبُو لبَابَة أَو زيد بن الْخطاب) عبد الرَّزَّاق بن همام الصَّنْعَانِيّ وَمعمر هُوَ ابْن رَاشد أَرَادَ بِهَذَا أَن معمرا روى الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد على الشَّك فِي اسْم الَّذِي لَقِي عبد الله بن عمر أَبُو لبَابَة أَو زيد بن الْخطاب هُوَ أَخُو عمر بن الْخطاب لِأَبِيهِ وَله فِي الصَّحِيح هَذَا الحَدِيث اسْتشْهد بِالْيَمَامَةِ وَرِوَايَة عبد الرَّزَّاق هَذِه رَوَاهَا مُسلم وَلم يسق لَفظهَا وَسَاقه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيقه (وَتَابعه يُونُس وَابْن عُيَيْنَة وَإِسْحَاق الْكَلْبِيّ والزبيدي) أَي تَابع معمرا يُونُس بن يزِيد على الشَّك فِي اسْم الَّذِي لَقِي عبد الله بن عمر هَل هُوَ أَبُو لبَابَة أَو زيد بن الْخطاب وَهَذِه الْمُتَابَعَة وَصلهَا مُسلم وَلم يسق لَفظهَا وَسَاقه أَبُو عوَانَة قَوْله " وَابْن عُيَيْنَة " أَي تَابع معمرا أَيْضا فِي الشَّك سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَهَذِه الْمُتَابَعَة وَصلهَا مُسلم وَقَالَ حَدثنِي عَمْرو بن مُحَمَّد النَّاقِد حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ َ - " اقْتُلُوا الْحَيَّات وَذَات الطفيتين والأبتر فَإِنَّهُمَا يستسقطان الْحَبل ويلتمسان الْبَصَر " قَالَ فَكَانَ ابْن عمر يقتل كل حَيَّة وجدهَا فَأَبْصَرَهُ أَبُو لبَابَة بن عبد الْمُنْذر أَو زيد بن الْخطاب وَهُوَ يطارد حَيَّة فَقَالَ إِنَّه قد نهي عَن ذَوَات الْبيُوت قَوْله " وَإِسْحَاق الْكَلْبِيّ أَي تَابع معمرا أَيْضا فِي الشَّك إِسْحَاق بن يحيى الْكَلْبِيّ الْحِمصِي قَوْله " والزبيدي " أَي تَابع معمرا أَيْضا فِي الشَّك مُحَمَّد بن الْوَلِيد

стр. 4518

الزبيدِيّ بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة الْحِمصِي وَهَذِه الْمُتَابَعَة وَصلهَا مُسلم وَقَالَ حَدثنَا حَاجِب بن الْوَلِيد حَدثنَا مُحَمَّد بن حَرْب عَن الزبيدِيّ عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أَخْبرنِي سَالم بن عبد الله عَن ابْن عمر قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَأْمر بقتل الْكلاب يَقُول اقْتُلُوا الْحَيَّات وَالْكلاب واقتلوا ذَا الطفيتين والأبتر فَإِنَّهُمَا يلتمسان الْبَصَر " الحَدِيث وَفِيه بَينا أَنا أطارد حَيَّة يَوْمًا من ذَوَات الْبيُوت مر بِي زيد بن الْخطاب أَو أَبُو لبَابَة إِلَى آخِره (وَقَالَ صَالح وَابْن أبي حَفْصَة وَابْن مجمع عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر رَآنِي أَبُو لبَابَة وَزيد بن الْخطاب) صَالح هُوَ ابْن كيسَان الْهُذلِيّ وَابْن أبي حَفْصَة اسْمه مُحَمَّد بن أبي حَفْصَة وَاسم أبي حَفْصَة ميسرَة الْبَصْرِيّ وَابْن مجمع بِضَم الْمِيم وَفتح الْجِيم وَكسر الْمِيم وَقيل بِفَتْحِهَا وَهُوَ إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن مجمع بن يزِيد بن حَارِثَة بن عَامر بن مجمع بن العطاف بن ضبيعة بن زيد بن مَالك بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف بن مَالك بن أَوْس الْأنْصَارِيّ الْمدنِي وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة رووا الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله عَن عبد الله بن عمر وَفِي روايتهم رَآنِي أَبُو لبَابَة وَزيد بن الْخطاب بواو الْجمع بِلَا شكّ أما تَعْلِيق صَالح فوصله مُسلم من حَدِيثه عَن أبي صَالح عَن الزُّهْرِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد وَأَشَارَ بِهِ إِلَى الْإِسْنَاد الَّذِي قبله ثمَّ قَالَ غير أَن صَالحا قَالَ حَتَّى رَآنِي أَبُو لبَابَة بن عبد الْمُنْذر وَزيد بن الْخطاب فَقَالَا أَنه قد نهي عَن ذَوَات الْبيُوت. وَأما تَعْلِيق ابْن أبي حَفْصَة فوصله أَبُو أَحْمد بن عدي. وَأما تَعْلِيق ابْن مجمع فوصله الْبَغَوِيّ وَابْن السكن فِي كتاب الصَّحَابَة وَالله أعلم (بَاب خير مَال الْمُسلم غنم يتبع بهَا شعف الْجبَال) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن خير مَال الْمُسلم غنم وَهُوَ اسْم مؤنث مَوْضُوع للْجِنْس يَقع على الذُّكُور وعَلى الْإِنَاث وَعَلَيْهِمَا جَمِيعًا فَإِذا صغرتها ألحقتها الْهَاء فَقلت غنيمَة لِأَن أَسمَاء الجموع الَّتِي لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا إِذا كَانَت لغير الْآدَمِيّين فالتأنيث فِيهَا لَازم قَوْله " شعف الْجبَال " بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وبالفاء جمع شعفة وشعفة كل شَيْء أَعْلَاهُ وَيجمع على شعاف أَيْضا وَالْمرَاد بِهِ هُنَا رَأس الْجبَال ١٠٢ - (حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن أبي أويس قَالَ حَدثنِي مَالك عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة عَن أَبِيه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - يُوشك أَن يكون خير مَال الرجل غنم يتبع بهَا شعف الْجبَال ومواقع الْقطر يفر بِدِينِهِ من الْفِتَن) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي بَاب من الدّين الْفِرَار من الْفِتَن فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك إِلَى آخِره نَحوه وَقَالَ الْكرْمَانِي روى بِنصب خير وَرفع غنم وبرفعهما وبرفع الْخَيْر وَنصب الْغنم وَلم يذكر وَجه ذَلِك فوجهه أَن فِي الأول نصب لِأَنَّهُ خبر يكون مقدما وَرفع غنم لِأَنَّهُ اسْمه وَفِي الثَّانِي يكون تَامَّة وَفِي الثَّالِث رفع خير لِأَنَّهُ اسْم يكون وَنصب غنم لِأَنَّهُ خَبره قَوْله " ومواقع الْقطر " أَي الْمَطَر يَعْنِي الأودية والصحارى وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي هُنَاكَ ١٠٣ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ رَأس الْكفْر نَحْو الْمشرق وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء فِي أهل الْخَيل وَالْإِبِل والفدادين من أهل الْوَبر والسكينة فِي أهل الْغنم)

стр. 4519

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فِي الْغنم وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك قَوْله " رَأس الْكفْر نَحْو الْمشرق " وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " قبل الْمشرق " بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء أَي من جِهَته يُرِيد أَنه كَانَ فِي عَهده حِين قَالَ ذَلِك وَفِيه إِشَارَة إِلَى شدَّة كفر الْمَجُوس لِأَن مملكة الْفرس وَمن أطاعهم من الْعَرَب كَانَت من جِهَة الْمشرق بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَدِينَة وَكَانُوا فِي غَايَة الْقُوَّة وَالْكَثْرَة والتجبر حَتَّى أَن ملكهم مزق كتاب رَسُول الله ﷺ َ - والدجال أَيْضا يَأْتِي من الْمشرق من قَرْيَة تسمى رستاباذ فِيمَا ذكره الطَّبَرِيّ وَمن شدَّة أَكثر أهل الْمشرق كفرا وطغيانا أَنهم كَانُوا يعْبدُونَ النَّار وَأَن نارهم مَا انطفأت ألف سنة وَكَانَ الَّذين يخدمونها وهم السَّدَنَة خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألف رجل قَوْله " وَالْفَخْر " بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة مَشْهُور وَمِنْه إعجاب النَّفس قَوْله " وَالْخُيَلَاء " بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف مُخَفّفَة وبالمد الْكبر واحتقار غَيره قَوْله " والفدادين " قَالَ الْخطابِيّ الفدادون يُفَسر على وَجْهَيْن أَن يكون جمعا للفداد وَهُوَ الشَّديد الصَّوْت من الفديد وَذَلِكَ من دأب أَصْحَاب الْإِبِل إِذا رويته بتَشْديد الدَّال من فد إِذا رفع صَوته وَالْوَجْه الآخر أَنه جمع الفدان وَهُوَ آلَة الْحَرْث وَذَلِكَ إِذا رويته بِالتَّخْفِيفِ يُرِيد أهل الْحَرْث وَقَالَ الْقَزاز الفدادون بتَشْديد الدَّال جمع فداد وَهُوَ من بلغت إبِله مِائَتَيْنِ وألفا إِلَى أَكثر وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة نَحوه وهم المكثرون من الْإِبِل جُفَاة وَأهل خُيَلَاء وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس هم الجمالون والرعيان والبقارون والحمالون وَقَالَ الْأَصْمَعِي هم الَّذين تعلو أَصْوَاتهم فِي حروثهم وَأَمْوَالهمْ ومواشيهم قَالَ والفديد الصَّوْت الشَّديد وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ هُوَ بِالتَّخْفِيفِ جمع فداد بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ عبارَة عَن الْبَقَرَة الَّتِي يحرث عَلَيْهَا وَأَهْلهَا أهل جفَاء لبعدهم حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدَة وَأنكر عَلَيْهِ وعَلى هَذَا المُرَاد بذلك أَصْحَابهَا بِحَذْف مُضَاف وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ أما الحَدِيث فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا رِوَايَة التَّشْدِيد وَهُوَ الصَّحِيح على مَا قَالَه الْأَصْمَعِي وَغَيره وَقَالَ ابْن فَارس فِي الحَدِيث الْجفَاء وَالْقَسْوَة فِي الْفَدادِين قَالَ يُرِيد أَصْحَاب الحروث والمواشي قَالَ فديدهم أَصْوَاتهم وجلبتهم وَقَالَ الْخطابِيّ إِنَّمَا ذمّ هَؤُلَاءِ لاشتغالهم بمعالجة مَا هم عَلَيْهِ عَن أُمُور دينهم وتلهيهم عَن أَمر الْآخِرَة وَتَكون مِنْهَا قساوة الْقلب وَنَحْوهَا قَوْله " من أهل الْوَبر " بِفَتْح الْوَاو وَالْبَاء الْمُوَحدَة هُوَ بَيَان الْفَدادِين وَالْمرَاد مِنْهُ ضد أهل الْمدر فَهُوَ كِنَايَة عَن سكان الصحارى قَالَ الْكرْمَانِي فَإِن أُرِيد الْوَجْه الأول من الْوَجْهَيْنِ يَعْنِي اللَّذين ذكرهمَا الْخطابِيّ فَهُوَ تَعْمِيم بعد تَخْصِيص وَاسْتشْكل بَعضهم ذكر الْوَبر بعد ذكر الْخَيل وَقَالَ لِأَن الْخَيل لَا وبر لَهَا وَأجِيب بِأَنَّهُ لَا إِشْكَال فِيهِ لِأَن قَوْله من أهل الْوَبر بَيَان الْفَدادِين كَمَا ذَكرْنَاهُ قَوْله " والسكينة فِي الْغنم " أَي السّكُون والطمأنينة وَالْوَقار والتواضع وَقَالَ ابْن خالويه السكينَة مصدر سكن سكينَة وَلَيْسَ فِي المصادر لَهُ شَبيه إِلَّا قَوْلهم عَلَيْهِ ضريبة أَي خراج مَعْلُوم ١٠٣ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا يحيى عَن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنِي قيس عَن عقبَة بن عَمْرو أبي مَسْعُود قَالَ أَشَارَ رَسُول الله ﷺ َ - بِيَدِهِ نَحْو الْيمن فَقَالَ الْإِيمَان يمَان هُنَا أَلا إِن الْقَسْوَة وَغلظ الْقُلُوب فِي الْفَدادِين عِنْد أصُول أَذْنَاب الْإِبِل حَيْثُ يطلع قرنا الشَّيْطَان فِي ربيعَة وَمُضر) هَذَا الحَدِيث وَمَا بعده من الْأَحَادِيث الَّتِي لَيْسَ بَينهَا وَبَين التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة مُطَابقَة وَلَا مُنَاسبَة وَإِنَّمَا كَانَ اللَّائِق أَن تكون هَذِه التَّرْجَمَة لحَدِيث ابْن مَسْعُود وَأبي هُرَيْرَة فَقَط لِأَن فيهمَا ذكر الْغنم والبقية كَانَ يَنْبَغِي أَن تكون فِي التَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ بَاب قَوْله تَعَالَى ﴿وَبث فِيهَا من كل دَابَّة﴾ لوُجُود الْمُطَابقَة فِيهَا قيل وَلِهَذَا سَقَطت هَذِه التَّرْجَمَة من رِوَايَة النَّسَفِيّ وَلم يذكرهَا أَيْضا الْإِسْمَاعِيلِيّ (ذكر رجال الحَدِيث) يحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان وَإِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد وَقيس بن أبي حَازِم البَجلِيّ وَعقبَة بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ البدري وكنيته أَبُو مَسْعُود والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّلَاق عَن ابْن الْمثنى عَن يحيى وَفِي مَنَاقِب

стр. 4520

قُرَيْش عَن عَليّ بن عبد الله وَفِي الْمَغَازِي عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر عَن أبي أُسَامَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن أبي كريب وَعَن يحيى بن حبيب (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَشَارَ رَسُول الله ﷺ َ - بِيَدِهِ نَحْو الْيمن " لِأَنَّهُ كَانَ بتبوك وَقَالَ هَذَا القَوْل وَأَشَارَ إِلَى نَاحيَة الْيمن وَهُوَ يُرِيد مَكَّة وَالْمَدينَة يَوْمئِذٍ بَينه وَبَين الْيمن وَقيل قَالَ ﷺ َ - هَذَا القَوْل وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ لِأَن كَونهَا هُوَ الْغَالِب عَلَيْهِ وعَلى هَذَا تكون الْإِشَارَة إِلَى سِيَاق أهل الْيمن وَقَالَ النَّوَوِيّ أَشَارَ إِلَى الْيمن وَهُوَ يُرِيد مَكَّة وَالْمَدينَة ونسبهما إِلَى الْيمن لِكَوْنِهِمَا من ناحيته قَوْله " الْإِيمَان يمَان " إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن الْإِيمَان بَدَأَ من مَكَّة وَهِي من تهَامَة وتهامة من أَرض الْيمن وَلِهَذَا يُقَال الْكَعْبَة اليمانية وَقيل إِنَّمَا قَالَ هَذَا القَوْل للْأَنْصَار لأَنهم يمانون وهم نصروا الْإِيمَان وَالْمُؤمنِينَ وآووهم فنسب الْإِيمَان إِلَيْهِم وَهَذَا غَرِيب وَأغْرب مِنْهُ قَول الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ أَنه إِشَارَة إِلَى أويس الْقَرنِي وَقيل سَبَب الثَّنَاء على أهل الْيمن إسراعهم إِلَى الْإِيمَان وَحسن قبولهم للبشرى حِين لم يقبلهَا بَنو تَمِيم وَفِي رِوَايَة أَتَاكُم أهل الْيمن أَلين قلوبا وأرق أَفْئِدَة يُرِيد بلين الْقُلُوب سرعَة خلوص الْإِيمَان فِي قُلُوبهم وَيُقَال الْفُؤَاد غشاء الْقلب وَالْقلب جثته وسويداؤه فَإِذا رق الغشاء أسْرع نُفُوذ الشَّيْء إِلَى مَا وَرَاءه وَقَالَ أَبُو عبيد إِنَّمَا بَدَأَ الْإِيمَان من مَكَّة لِأَنَّهَا مولده ومبعثه ثمَّ هَاجر إِلَى الْمَدِينَة وَيُقَال أَن مَكَّة من أَرض تهَامَة وتهامة من أَرض الْيمن وَلِهَذَا سمى مَكَّة وَمَا وَليهَا من أَرض الْيمن تهائم فمكة على هَذَا يَمَانِية فَإِن قلت الْإِيمَان يمَان مُبْتَدأ وَخبر فَكيف يَصح حمل الْيَمَان عَلَيْهِ قلت أَصله الْإِيمَان يماني بياء النِّسْبَة فحذفوا الْيَاء للتَّخْفِيف كَمَا قَالُوا تهامون وأشعرون وسعدون قَوْله " أَلا إِن الْقَسْوَة وَغلظ الْقُلُوب " قَالَ السُّهيْلي إنَّهُمَا لمسمى وَاحِد كَقَوْلِه " إِنَّمَا أَشْكُو بثي وحزني إِلَى الله " البث هُوَ الْحزن وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ الْقَسْوَة يُرَاد بهَا أَن تِلْكَ الْقُلُوب لَا تلين وَلَا تخشع لموعظة وغلظها عدم فهمها وَقد مضى تَفْسِير الْفَدادِين قَوْله " عِنْد أصُول أَذْنَاب الْإِبِل " أَي أَنهم يبعدون عَن الْأَنْصَار فيجهلون معالم دينهم قَالَه الدَّاودِيّ قَوْله " حَيْثُ يطلع قرنا الشَّيْطَان " أَي جانبا رَأسه وَقَالَ الْخطابِيّ ضرب الْمثل بقرني الشَّيْطَان فِيمَا لَا يحمد من الْأُمُور وَالْمرَاد بذلك اخْتِصَاص الْمشرق بمزيد تسلط من الشَّيْطَان وَمن الْكفْر قَوْله " فِي ربيعَة وَمُضر " يتَعَلَّق بقوله فِي الْفَدادِين أَي المصوتين عِنْد أَذْنَاب الْإِبِل وَهُوَ فِي جِهَة الْمشرق حَيْثُ هُوَ مسكن هَاتين القبيلتين ربيعَة وَمُضر قَالَ الْكرْمَانِي يحْتَمل أَن يكون فِي ربيعَة وَمُضر بَدَلا من الْفَدادِين وَعبر عَن الْمشرق بقوله حَيْثُ يطلع قرنا الشَّيْطَان وَذَلِكَ أَن الشَّيْطَان ينْتَصب فِي محاذاة مطلع الشَّمْس حَتَّى إِذا طلعت كَانَت بَين قَرْني رَأسه أَي جانبيه فَتَقَع السَّجْدَة حِين تسْجد عَبدة الشَّمْس لَهَا ١٠٤ - (حَدثنَا قُتَيْبَة قَالَ حَدثنَا اللَّيْث عَن جَعْفَر بن ربيعَة عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ إِذا سَمِعْتُمْ صياح الديكة فاسألوا الله من فَضله فَإِنَّهَا رَأَتْ ملكا وَإِذا سَمِعْتُمْ نهيق الْحمار فتعوذوا بِاللَّه من الشَّيْطَان فَإِنَّهُ رأى شَيْطَانا) جَعْفَر بن ربيعَة بن شُرَحْبِيل بن حَسَنَة الْقرشِي من أهل مصر يروي عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة وَهَذَا الحَدِيث أخرجه الْأَئِمَّة الْخَمْسَة عَن شيخ وَاحِد وَهُوَ قُتَيْبَة بن سعيد فَالْبُخَارِي هُنَا عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث بن سعد وَمُسلم عَنهُ فِي الدَّعْوَات وَأَبُو دَاوُد عَنهُ فِي الْأَدَب وَالتِّرْمِذِيّ عَنهُ فِي الدَّعْوَات وَالنَّسَائِيّ عَنهُ فِي التَّفْسِير وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة الْكل عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث قَوْله " الديكة " بِكَسْر الدَّال الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف جمع ديك وَيجمع فِي الْقلَّة على أدياك وَفِي الْكَثْرَة على ديوك وديكة وَأَرْض مداكة ومديكة كَثِيرَة الديوك وَقَالَ ابْن سَيّده الديك ذكر الدَّجَاج وَعَن الدَّاودِيّ وَقد يُسمى الديك دجَاجَة والدجاجة تقع على الذّكر وَالْأُنْثَى قَوْله " فَإِنَّهَا رَأَتْ ملكا " بِفَتْح اللَّام فَلذَلِك أَمر بِالدُّعَاءِ عِنْد صياحها لتؤمن الْمَلَائِكَة على ذَلِك وَتَسْتَغْفِر لَهُ وَتشهد لَهُ بالتضرع وَالْإِخْلَاص فيوافق الدَّعْوَات فَتَقَع الْإِجَابَة وَمِنْهَا يُؤْخَذ اسْتِحْبَاب الدُّعَاء عِنْد حُضُور الصَّالِحين وَفِي صَحِيح ابْن حبَان " لَا تسبوا الديك فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الصَّلَاة "

стр. 4521

وَفِي رِوَايَة الْبَزَّار صرخَ ديك قريب من رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ رجل اللَّهُمَّ العنه فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - " مَه كلا إِنَّه يَدْعُو إِلَى الصَّلَاة " وللديك خاصية لَيست لغيره من معرفَة الْوَقْت الليلي فَإِنَّهُ يقسط أصواته فِيهَا تقسيطا لَا يكَاد يخطأ ويوالي صياحه قبل الْفجْر وَبعده سَوَاء طَال اللَّيْل أَو قصر وَفِيه دلَالَة أَن الله تَعَالَى جعل للديك إدراكا وَكَذَلِكَ جعل للحمير وَإِن كل نوع من الْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين مَوْجُود قطعا قَوْله " نهيق الْحمار " وَهُوَ صَوته الْمُنكر وَإِنَّمَا أَمر بالتعوذ عِنْده لحضور الشَّيْطَان فيخاف من شَره فيتعوذ مِنْهُ وروى أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي ترغيبه من حَدِيث أبي رَافع قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " لَا ينهق الْحمار حَتَّى يرى شَيْطَانا أَو يمثل لَهُ شَيْطَان فَإِذا كَانَ كَذَلِك فاذكروا الله تَعَالَى وصلوا عَليّ " (فَائِدَة) قَالَ الدَّاودِيّ يَنْبَغِي أَن يتَعَلَّم من الديك خَمْسَة أَشْيَاء حسن الصَّوْت. وَالْقِيَام بِالسحرِ. والسخاء. والغيرة. وَكَثْرَة النِّكَاح ١٠٥ - (حَدثنَا إِسْحَق قَالَ أخبرنَا روح قَالَ أخبرنَا ابْن جريج قَالَ أَخْبرنِي عَطاء سمع جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - إِذا كَانَ جنح اللَّيْل أَو أمسيتم فكفوا صِبْيَانكُمْ فَإِن الشَّيَاطِين تَنْتَشِر حِينَئِذٍ فَإِذا ذهب سَاعَة من اللَّيْل فحلوهم وَأَغْلقُوا الْأَبْوَاب واذْكُرُوا اسْم الله فَإِن الشَّيْطَان لَا يفتح بَابا مغلقا قَالَ وَأَخْبرنِي عَمْرو بن دِينَار سمع جَابر بن عبد الله نَحْو مَا أَخْبرنِي عَطاء وَلم يذكر واذْكُرُوا اسْم الله) إِسْحَاق هَذَا هُوَ ابْن رَاهَوَيْه كَمَا عِنْد أبي نعيم وَقَالَ الْكرْمَانِي هُوَ إِسْحَاق بن مَنْصُور (قلت) هُوَ ابْن مَنْصُور بن كوسج أَبُو يَعْقُوب الْمروزِي وَقد حدث كل من إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَإِسْحَاق بن مَنْصُور عَن روح بن عبَادَة فَيحْتَمل أَن يكون إِسْحَق هَذَا الَّذِي ذكره مُجَردا إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه أَو يكون إِسْحَق بن مَنْصُور وَالظَّاهِر أَنه إِسْحَق بن مَنْصُور لِأَن البُخَارِيّ قَالَ فِي بَاب ذكر الْجِنّ وَتَفْسِير الْبَقَرَة والرقاق حَدثنَا إِسْحَق حَدثنَا روح وَحدث فِي الصَّلَاة فِي موضِعين وَفِي الْأَشْرِبَة فِي غير مَوضِع عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن روح وَحدث فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب وَسورَة (ص) عَن إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم عَن روح وَهُوَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي بَاب صفة إِبْلِيس من وَجه آخر فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن يحيى بن جَعْفَر عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن ابْن جريج إِلَى آخِره وَبَين متنيهما مُغَايرَة بِزِيَادَة ونقصان وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ قَوْله " قَالَ وَأَخْبرنِي عَمْرو بن دِينَار " أَي قَالَ ابْن جريج وَأَخْبرنِي عَمْرو بن دِينَار بِهَذَا الحَدِيث عَن جَابر بن عبد الله وَلم يذكر فِيهِ واذْكُرُوا اسْم الله كَمَا ذكر عَطاء فِي رِوَايَته عَن جَابر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ١٠٦ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا وهيب عَن خَالِد عَن مُحَمَّد عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ فقدت أمة من بني إِسْرَائِيل وَلَا يدرى مَا فعلت وَإِنِّي لَا أَرَاهَا إِلَّا الفأر إِذا وضع لَهَا ألبان الْإِبِل لم تشرب وَإِذا وضع لَهَا ألبان الشَّاء شربت فَحدثت كَعْبًا فَقَالَ أَنْت سَمِعت النَّبِي ﷺ َ - يَقُوله قلت نعم قَالَ لي مرَارًا فَقلت أفأقرأ التَّوْرَاة) وهيب بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْن خَالِد وخَالِد هُوَ الْحذاء وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين وَهَؤُلَاء كلهم بصريون والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن عبد الله الْأَزْدِيّ قَوْله " فقدت أمة " أَي طَائِفَة مِنْهُم فقدوا لَا يدرى مَا وَقع لَهُم قَوْله " وَإِنِّي لَا أَرَاهَا " أَي لَا أظنها مسخها الله إِلَّا الفأر وَهُوَ جمع فَأْرَة قَوْله " إِذا وضع لَهَا إِلَى قَوْله شربت " دَلِيل على أَن الَّتِي مسخت هِيَ الفأر أَن بني إِسْرَائِيل لم يَكُونُوا يشربون ألبان الْإِبِل والفأر أَيْضا لَا يضْربهَا وَقَالَ

стр. 4522

التِّرْمِذِيّ فِي تَفْسِير سُورَة يُوسُف بِإِسْنَادِهِ قَالَ الْيَهُود لرَسُول الله ﷺ َ - أخبرنَا عَمَّا حرم إِسْرَائِيل على نَفسه قَالَ اشْتَكَى عرق النِّسَاء فَلم يجد شَيْئا يلائمه إِلَّا لُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا فَلذَلِك حرمهما قَالُوا صدقت قَوْله الشَّاء جمع شَاة قَوْله فَحدثت كَعْبًا وَهُوَ كَعْب بن ماتع بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق الْمَشْهُور بكعب الْأَحْبَار قَالَ الْكرْمَانِي أسلم فِي خلَافَة الصّديق وَمَات فِي خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قلت كَعْب بن ماتع الْحِمْيَرِي أَبُو إِسْحَاق من آل ذِي رعين وَيُقَال من ذِي الكلاع ثمَّ من بني ميتم وَهُوَ من مسلمة أهل الْكتاب أدْرك النَّبِي ﷺ َ - وَأسلم فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب وَيُقَال فِي خلَافَة أبي بكر وَيُقَال أدْرك الْجَاهِلِيَّة وروى عَن النَّبِي ﷺ َ - مُرْسلا وَقَالَ ابْن سعد وَكَانَ على دين يهود فَأسلم وَقدم الْمَدِينَة ثمَّ خرج إِلَى الشَّام فسكن حمص حَتَّى توفّي بهَا سنة ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ فِي خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَوْله " يَقُول " جملَة حَالية أَي يَقُول النَّبِي ﷺ َ - قَوْله " قَالَ لي مرَارًا " يَعْنِي قَالَ كَعْب مرَارًا أَنْت سَمِعت النَّبِي ﷺ َ - قَوْله " قلت " الْقَائِل هُوَ أَبُو هُرَيْرَة أفأقرأ التَّوْرَاة الْهمزَة للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار وَفِيه تَعْرِيض لكعب الْأَحْبَار بِأَنَّهُ كَانَ على دين الْيَهُود قبل الْإِسْلَام وَالْحَاصِل أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ أَنا أَقرَأ التَّوْرَاة حَتَّى أنقل مِنْهَا وَلَا أَقُول إِلَّا من السماع عَن رَسُول الله ﷺ َ - وَفِي سكُوت كَعْب عَن الرَّد على أبي هُرَيْرَة دَلِيل على تورعه وروى مُسلم فَقَالَ حَدثنِي أَبُو كريب مُحَمَّد بن الْعَلَاء قَالَ حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن هِشَام عَن مُحَمَّد عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ الْفَأْرَة مسخ وَآيَة ذَلِك أَنه يوضع بَين يَديهَا لبن الْغنم فتشربه وَيُوضَع بَين يَديهَا لبن الْإِبِل فَلَا تذوقه قَالَ لَهُ كَعْب أسمعت هَذَا من رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ أفأنزلت على التَّوْرَاة انْتهى فَدلَّ هَذَا صَرِيحًا على أَن الْفَأْرَة مسخ وَلم يكن قبل ذَلِك وَكَذَا كل حَيَوَان قيل فِيهِ أَنه مسخ وَأَن مَا كَانَ مِنْهَا بعد المسخ توالد مِنْهَا فَإِن قلت جَاءَ فِي حَدِيث أبي سعيد قَالَ وَذكر عِنْد النَّبِي ﷺ َ - القردة والخنازير فَقَالَ إِن الله تَعَالَى لم يَجْعَل لمسخ نَسْلًا وَلَا عقبا وَقد كَانَت القردة والخنازير قبل ذَلِك قلت أَبُو هُرَيْرَة وَكَعب لم يبلغهما هَذَا الحَدِيث فَدلَّ على أَن المسوخ كَانَت قبل مَا وَقع من ذَلِك وَلِهَذَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة أَنا أَظن أَن القردة والخنازير هِيَ المسوخ بِأَعْيَانِهَا توالدت إِلَّا أَن يَصح هَذَا الحَدِيث وَأَرَادَ بِهِ حَدِيث أبي سعيد الْمَذْكُور وَهُوَ صَحِيح وَالظَّاهِر أَنه ﷺ َ - قَالَ الَّذِي قَالَه أَولا ثمَّ أعلم بعد بِمَا رَوَاهُ أَبُو سعيد وَلِهَذَا قَالَ ﷺ َ - لَا أَرَاهَا إِلَّا الفأر فَكَأَنَّهُ كَانَ يظنّ ذَلِك ثمَّ أعلم بِأَنَّهَا لَيست هِيَ هِيَ - (قلت) ، الْقَائِل هُوَ أَبُو هُرَيْرَة: (افأقرأ التَّوْرَاة؟) الْهمزَة للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار. وَفِيه: تَعْرِيض لكعب الْأَحْبَار بِأَنَّهُ كَانَ على دين الْيَهُود قبل الْإِسْلَام، وَالْحَاصِل أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: أَنا أَقرَأ التَّوْرَاة حَتَّى أنقل مِنْهَا، وَلَا أَقُول إلَاّ من السماع عَن رَسُول الله، ﷺ ، وَفِي سكُوت كَعْب عَن الرَّد على أبي هُرَيْرَة دَلِيل على تورعه، وروى مُسلم فَقَالَ: حَدثنِي أَبُو كريب مُحَمَّد بن الْعَلَاء، قَالَ: حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن هِشَام عَن مُحَمَّد عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: الفارة مسخ، وَآيَة ذَلِك أَنه يوضع بَين يَديهَا لبن الْغنم فتشربه وَيُوضَع بَين يَديهَا لبن الْإِبِل فَلَا تذوقه. قَالَ لَهُ كَعْب: أسمعت هَذَا من رَسُول الله، ﷺ ؟ قَالَ: أفأنزلت عَليّ التَّوْرَاة؟ انْتهى. فَدلَّ هَذَا صَرِيحًا على أَن الْفَأْرَة مسخ، وَلم يكن قبل ذَلِك، وَكَذَا كل حَيَوَان قيل فِيهِ إِنَّه مسخ، وَإِن مَا كَانَ مِنْهَا بعد المسخ توالد مِنْهَا. فَإِن قلت: جَاءَ فِي حَدِيث أبي سعيد، قَالَ: وَذكر عِنْد النَّبِي ﷺ القردة والخنازير، فَقَالَ: إِن الله تَعَالَى لم يَجْعَل لمسخ نَسْلًا وَلَا عقباً، وَقد كَانَت القردة والخنازير قبل ذَلِك. قلت: أَبُو هُرَيْرَة وَكَعب لم يبلغهما هَذَا الحَدِيث، فَدلَّ على أَن المسوخ كَانَت قبل مَا وَقع من ذَلِك، وَلِهَذَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة: أَنا أَظن أَن القردة والخنازير هِيَ المسوخ بِأَعْيَانِهَا توالدت إلَاّ أَن يَصح هَذَا الحَدِيث، وَأَرَادَ بِهِ حَدِيث أبي سعيد الْمَذْكُور، وَهُوَ صَحِيح، وَالظَّاهِر أَنه ﷺ قَالَ الَّذِي قَالَه أَولا ثمَّ أعلم بعد بِمَا رَوَاهُ أَبُو سعيد، وَلِهَذَا قَالَ، ﷺ : لَا أَرَاهَا إلَاّ الفأر، فَكَأَنَّهُ كَانَ يظنّ ذَلِك، ثمَّ أعلم بِأَنَّهَا لَيست هِيَ هِيَ. ٦٠٣٣ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ عنِ ابنِ وَهْبٍ قَالَ حدَّثني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ يُحَدَّثُ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْوَزَغِ الفُوَيْسِقُ ولَمْ أسْمَعْهُ أمَرَ بِقَتْلِهِ وزَعَمَ سَعْدُ بنُ أبِي وَقَّاصٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمرَ بِقَتْلِهِ. . ابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب مَا يقتل الْمحرم من الدَّوَابّ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن مَالك عَن ابْن شهَاب. . إِلَى آخِره. قَوْله: (وَلم أسمعهُ أَمر بقتْله) ، قَول عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَ ابْن التِّين: لَا حجَّة فِيهِ، إِذْ لَا يلْزم من عدم سماعهَا عدم الْوُقُوع وَقد حفظه غَيرهَا. وَقد جَاءَ عَن عَائِشَة من وَجه آخر عِنْد أَحْمد: أَنه كَانَ فِي بَيتهَا رمح مَوْضُوع، فَسُئِلت، فَقَالَت: نقْتل بِهِ الوزغ، فَإِن النَّبِي ﷺ ، أخبر أَن إِبْرَاهِيم، ﵊، لما ألقِي فِي النَّار وَلم يكن فِي الأَرْض دَابَّة إلَاّ أطفأت عَنهُ النَّار إلَاّ الوزغ، فَإِنَّهَا كَانَت تنفخ عَلَيْهِ النَّار، فَأمر النَّبِي ﷺ ، بقتلها. قَوْله: (وَزعم سعد بن أبي وَقاص) ، قَائِل ذَلِك فِي الظَّاهِر عُرْوَة، وَزعم بِمَعْنى: قَالَ، وَيحْتَمل أَن يكون عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، هَذَا أقرب من حيثية مَا يَقْتَضِيهِ التَّرْكِيب. ٧٠٣٣ - حدَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ أخْبَرَنَا ابنُ عُيَيْنَةَ حدَّثنا عَبْدُ الحَمِيدِ بنُ جُبَيْرِ بنِ شَيْبَةَ عنْ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ أنَّ أمَّ شَرِيكٍ أخْبَرَتْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهَا بِقَتْلِ الأوْزَاغِ. (الحَدِيث ٧٠٣٣ طرفه فِي: ٩٥٣٣) .

стр. 4523

صَدَقَة بن الْفضل، وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان، وَأم شريك اسْمهَا غزيَّة، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الزَّاي مصغر وَقيل: غزيلة، وَهِي عامرية قرشية، وَقيل: أنصارية، وَقيل: دوسية. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن عبيد الله بن مُوسَى وَابْن سَلام، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَيَوَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَابْن أبي عمر، أربعتهم عَن ابْن عُيَيْنَة وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وَعَن مُحَمَّد بن أَحْمد وَعَن عبد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد بن الْعَزِيز، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّيْد عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. ٨٠٣٣ - حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ قَالَ النَّبيُّ ﷺ اقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ فإنَّهُ يَطْمِسُ البَصَر ويُصِيبُ الحَبَلَ. أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة. قَوْله: (قَالَ النَّبِي) ، ويروى: قَالَ رَسُول الله، ﷺ ، وَقد مضى عَن قريب عَن ابْن عمر نَحْو هَذَا الحَدِيث. تابَعَهُ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ أخبرنَا أسَامَةُ أَي: تَابع أَبَا سَلمَة حَمَّاد بن سَلمَة فِي رِوَايَته إِيَّاه عَن هِشَام، وَقد وصل أَحْمد هَذِه الْمُتَابَعَة عَن عَفَّان عَنهُ. ٩٠٣٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى عنْ هِشَامٍ قَالَ حدَّثني أبِي عنْ عائِشَةَ قالَتْ أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِ الأبْتَرِ وقالَ إنَّهُ يُصِيبُ البَصَرَ ويُذْهِبُ الحَبَلَ. (انْظُر الحَدِيث ٨٠٣٣) . يحيى هُوَ الْقطَّان، وَهِشَام يروي عَن أَبِيه عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَقد مر تَفْسِير الأبتر عَن قريب. ٢١٣٣ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَر

стр. 4524

َ أنَّهُ كانَ يَقْتُلُ الحَيَّاتِ فَحَدَّثَهُ أبُو لُبَابَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عنْ قَتْلِ جِنَّانِ البُيُوتِ فأمْسَكَ عَنْهَا. (انْظُر الحَدِيث ٨٩٢٣) مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فَليُرَاجع. ٦١ - (بابٌ خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ خمس من الدَّوَابّ، وَهُوَ جمع دَابَّة من دب على الأَرْض يدب دبيباً، وكل ماشٍ على الأَرْض دَابَّة، ودبيب، وَالدَّابَّة الَّتِي تركب، ودابة الأَرْض أحد أَشْرَاط السَّاعَة. قَوْله: خمس) ، مَرْفُوع بلابتداء، وفواسق صفته، وَقَوله: يقتلن، خَبره على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فِي الْحرم) ، يعلم مِنْهُ أَن جَوَاز قَتلهَا فِي غير الْحَرَام بِالطَّرِيقِ الأولى. ٤١٣٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْريِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ الفأرَةُ والعَقْرَبُ والحُدَيَّا والْغُرَابُ والْكَلْبُ العَقُورُ. (انْظُر الحَدِيث ٩٢٨١) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مر فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب مَا يقتل الْمحرم من الدَّوَابّ، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (والحديا) ، بِضَم الْحَاء وَفتح الدَّال وَتَشْديد الْيَاء مَقْصُورَة: وَهُوَ تَصْغِير حدأة على وزن عنبة وَقِيَاسه: الحدية، فزيد فِيهِ الْألف للإشباع، وَقد أنكر بَعضهم صِيغَة التصغير، وَلَا وَجه لإنكاره لما ذكرنَا من وَجه ذَلِك، أَو يُقَال: إِنَّه مَوْضُوع على صِيغَة التصغير، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الحدأة مِثَال عنبة، وَجَمعهَا: حدا، مثل عِنَب، وَلَا يُقَال: حدأة، وَوَقع فِي حَدِيث ابْن عمر الْآتِي: الحدأة. ٥١٣٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ أخْبَرَنا مالِكٌ عَن عَبْدِ الله بنِ دِينار عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسوُلَ الله ﷺ قَالَ خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ مَنْ قَتَلَهُنَّ وهْوَ مُحْرِمٌ فَلَا جُناحَ عَلَيْهِ الْعَقْرَبُ والفَأْرَةُ والكَلْبُ العَقُورُ والغُرَابُ والْحِدْأةُ. (انْظُر الحَدِيث ٦٢٨١) . قد مر فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب مَا يقتل الْمحرم من الدَّوَابّ، حَدِيث ابْن عمر أخرجه عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله، ﷺ قَالَ: (خمس من الدَّوَابّ لَيْسَ فِي قتلهن على الْمحرم جنَاح) . ٦١٣٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ كَثِيرٍ عنْ عَطاءٍ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما رَفَعَهُ قَالَ خَمِّرُوا الآنِيَةَ وأوْكُوا الأسْقِيَةَ وأجِيفُوا الأبْوابَ وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ العِشَاءِ فإنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَاراً وخَطْفَةً وَاطفِؤُوا المَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ فإنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا اجْتَرَّتِ الفَتِيلَةَ فأحْرَقَتْ أهْلَ الْبَيْتِ. . قد مر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب صفة إِبْلِيس عَن قريب. قَوْله: (رَفعه) أَي: إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، لِأَنَّهُ أَعم من أَن يكون بالواسطة أَو بِدُونِهَا، وَأَن يكون الرّفْع مُقَارنًا لرِوَايَة الحَدِيث أَولا، فَأَشَارَ إِلَيْهِ. (وَكثير) ضد الْقَلِيل ابْن شنظير، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَكسر الظَّاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء: أَبُو قُرَّة الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَقَالَ ابْن معِين فِيهِ: لَيْسَ بِشَيْء، وَقَالَ الْحَاكِم: مُرَاده بذلك أَنه لَيْسَ لَهُ من الحَدِيث مَا يشْتَغل بِهِ، وَقد قَالَ فِيهِ بن معِين مرّة: صَالح، وَكَذَا قَالَ أَحْمد، وَقَالَ ابْن عدي: أَرْجُو أَن تكون أَحَادِيثه مُسْتَقِيمَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث. قَوْله (خمروا) من التخمير بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ التغطية قَوْله (أوكوا) من الإيكاء أَي شدوها بالوكاء وَهُوَ الْخَيط قَوْله: (وأجيفوا) ، بِالْجِيم

стр. 4525

وَالْفَاء من الإجافة، يُقَال: أجفت الْبَاب، أَي: رَددته. وَقَالَ الْقَزاز: تَقول جفأت الْبَاب أغلقته، وَقَالَ ابْن التِّين: لم أر من ذكره هَكَذَا غَيره، وَفِيه نظر، فَإِن أجيفوا لامه فَاء، وجفأت لامه همزَة. قلت: معنى جفأت، مَهْمُوز اللَّام: فرغت، يُقَال: جفأت الْقدر إِذا فرغته. وَفِي حَدِيث جُبَير: أَنه حرم الْحمر الْأَهْلِيَّة فجفؤا الْقُدُور: أَي فرغوها وقلبوها، وروى: فأجفئوا، قَالَ ابْن الْأَثِير: وَهِي لُغَة فِيهِ قَليلَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: جفأت الْقدر إِذا كفأتها أَو أملتها فَصَبَبْت مَا فِيهَا، وَلَا تقل: أجفأتها، وَأما الَّذِي فِي حَدِيث: فأجفأوا قدورهم بِمَا فِيهَا، فَهِيَ لُغَة مَجْهُولَة. انْتهى، وَالَّذِي فِي الحَدِيث ذكره ابْن الْأَثِير فِي: بَاب أجوف معتل الْعين بِالْوَاو، ثمَّ قَالَ: وَفِي حَدِيث الْحَج أَنه دخل الْبَيْت وأجاف الْبَاب أَي: رده عَلَيْهِ، وَمِنْه الحَدِيث: (أجيفوا أبوابكم) أَي: ردوهَا. قَوْله: (وأكفتوا) بِهَمْزَة الْوَصْل أَي: ضمُّوا صِبْيَانكُمْ عِنْد الْعشَاء وامنعوهم من الْحَرَكَة فِي ذَلِك الْوَقْت، من كفت الشَّيْء أكفته كفتاً من بَاب ضرب يضْرب إِذا ضممته إِلَى نَفسك. قَوْله: (عِنْد الْعشَاء) ، ويروى: (عِنْد الْمسَاء) ، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة: (إِذا جنح اللَّيْل أَو إِذا أمسيتم فكفوا صِبْيَانكُمْ) . قَوْله: (وخطفة) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الطَّاء الْمُهْملَة وبالفاء: وَهُوَ استلاب الشَّيْء وَأَخذه بِسُرْعَة، يُقَال: خطف الشَّيْء يخطفه من بَاب علم، وَكَذَا اختطفه يختطفه، وَيُقَال فِيهِ: خطف يخطف من بَاب ضرب يضْرب، وَهُوَ قَلِيل. قَوْله: (عِنْد الرقاد) ، أَي: عِنْد النّوم. قَوْله: (فَإِن الفويسقة) أَي: الْفَأْرَة. قَوْله: (اجْتَرَّتْ) ، بِالْجِيم وَتَشْديد الرَّاء، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: رُبمَا جرت، وَبَقِيَّة الْكَلَام فِيهِ مرت فِي: بَاب صفة الشَّيْطَان. قالَ ابنُ جُرَيْجٍ وحَبِيبٌ عنْ عَطَاءٍ فإنَّ للشَّيْطَانِ أَي: قَالَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج وحبِيب بن أبي قريبَة أَبُو مُحَمَّد الْمعلم الْبَصْرِيّ، أَرَادَ أَنَّهُمَا رويا هَذَا الحَدِيث عَن عَطاء بن أبي رَبَاح، كَمَا فِي رِوَايَة ابْن شنظير، إلَاّ أَنَّهُمَا قَالَا: فَإِن للشَّيْطَان، بدل قَول كثير بن شنظير: فَإِن للجن، والتوفيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَن يُقَال: لَا مَحْذُور فِي القَوْل بانتشار الصِّنْفَيْنِ، وَقيل: هما حَقِيقَة وَاحِدَة يَخْتَلِفَانِ بِالصِّفَاتِ. أما تَعْلِيق ابْن جريج فقد وَصله البُخَارِيّ فِي أول هَذَا الْبَاب. وَأما تَعْلِيق حبيب فقد وَصله أَحْمد وَأَبُو يعلى من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن حبيب الْمَذْكُور. ٧١٣٣ - حدَّثنا عَبْدَةُ بنُ عَبْدِ الله قالَ أخْبَرنا يَحُيىَ بنُ آدَمَ عنْ إسْرَائِيلَ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ الله قالَ كُنَّا مَعَ رَسولِ الله ﷺ فِي غارٍ فَنَزَلَتْ وَالمُرْسَلاتِ عُرْفاً فإنَّا لَنَتَلَقَّاهَا من فِيهِ إذْ خَرَجَتْ حَيَّةٌ مِنْ جُحْرِهَا فابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَها فسَبَقَتْنا فَدَخَلَتْ جُحْرَهَا فَقالَ رسولُ الله ﷺ وُقِيَتْ شَرَّكُم كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا. . عَبدة ضد الْحرَّة ابْن عبد الله أَبُو سهل الصفار الْخُزَاعِيّ الْبَصْرِيّ، وَيحيى بن آدم بن سُلَيْمَان الْقرشِي المَخْزُومِي الْكُوفِي صَاحب الثَّوْريّ، وَإِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وعلقمة بن قيس النَّخعِيّ عَم الْأسود بن يزِيد وَعم أم إِبْرَاهِيم، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مَحْمُود بن عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان عَن يحيى بن آدم بِهِ، وَقد مر فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب مَا يقتل الْمحرم من الدَّوَابّ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم. . قَوْله: (وقيت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من: وقى يقي وقاية. إِذا حفظ. فَإِن قلت: كَانَ قَتلهمْ لَهَا خيرا لِأَنَّهُ مَأْمُور بِهِ. قلت: هُوَ شَرّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، والخيور والشرور من الْأُمُور الإضافية. وعَنْ إسْرَائِيلَ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ الله مِثْلَهُ قالَ وإنَّا لنَتَلَقَّاهَا مَنْ فِيهِ رَطْبَةً أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن إِسْرَائِيل الْمَذْكُور، كَمَا روى الحَدِيث عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم، فَكَذَلِك رَوَاهُ عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن

стр. 4526

إِبْرَاهِيم، وَلم يخْتَلف عَلَيْهِ أَنه من رِوَايَة إِبْرَاهِيم. قَوْله: (من فِيهِ) أَي: من فَمه. قَوْله: (رطبَة) ، أَي: غضة طرية فِي أول مَا تَلَاهَا، ووصفت التِّلَاوَة بالرطوبة لسهواتها، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد من الرُّطُوبَة رُطُوبَة، فَمه، يَعْنِي: أَنهم أخذوها عَنهُ قبل أَن يجِف رِيقه من تلاوتها، كَذَا قَالَه الشُّرَّاح. قلت: هَذَا كِنَايَة عَن سرعَة أَخذهم على الْفَوْر حِين سَمِعُوهُ، وَهُوَ يقْرَأ من غير تَأْخِير وَلَا توانٍ. وتابَعَهُ أبُو عَوَانَةَ عنْ مُغِيرَةَ أَي: تَابع إِسْرَائِيل أَبُو عوَانَة الوضاح الْيَشْكُرِي فِي رِوَايَته عَن الْمُغيرَة بن مقسم عَن إِبْرَاهِيم، ومتابعة أبي عوَانَة تَأتي فِي تَفْسِير المرسلات. وَقالَ حَفْصٌ وأبُو مُعَاوِيَةَ وسُلَيْمَانُ بنُ قَرْمٍ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عَبْدِ الله حَفْص هُوَ ابْن غياث، وَأَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد الضَّرِير، وَسليمَان بن قرم، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره مِيم: الضَّبِّيّ، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، أَرَادَ أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة خالفوا إِسْرَائِيل فَجعلُوا الْأسود بن يزِيد بدل عَلْقَمَة بن قيس. أما رِوَايَة حَفْص فوصلها البُخَارِيّ فِي الْحَج، وَأما رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة فوصلها مُسلم من حَدِيث أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عبد الله، قَالَ: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله، ﷺ فِي غَار) وَأما رِوَايَة سُلَيْمَان بن قرم فعلى الْفتُوح. ٨١٣٣ - حدَّثنا نَصْرُ بنُ عَلِيٍّ قالَ أخْبرَنا عَبْدُ الأعْلى قالَ حدَّثَنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ دَخَلَتِ امْرَأةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فلَمْ تُطْعِمْها ولَمْ تَدَعْهَا تأكُلُ مِنْ خَشاشِ الأرْضِ. . نصر بن عَليّ بن نصر بن عَليّ الْجَهْضَمِي الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، طلبه المستعين للْقَضَاء، ثمَّ جاؤا بعهدة الْقَضَاء فَقَالَ: أخروها إِلَى الْعشي، فَلَمَّا خرج إِلَى صَلَاة الظّهْر عاودوه، وَقَالَ: سألتكم إِلَى الْعشي وَعَسَى أَن يَكْفِي الله. قَالُوا: ثمَّ دخل إِلَى منزله فصلى رَكْعَتَيْنِ وَسجد، وَسَأَلَ الله أَن يقبضهُ إِلَيْهِ فَمَاتَ وَهُوَ ساجد، رَحمَه الله تَعَالَى، سنة خمس وَمِائَتَيْنِ، وَعبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الشّرْب فِي: بَاب فضل سقِِي المَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر ... إِلَى آخِره. قَوْله: (امْرَأَة) لم يدر اسْمهَا، وَوَقع فِي رِوَايَة: أَنَّهَا حميرية سَوْدَاء طَوِيلَة، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: امْرَأَة من بني إِسْرَائِيل تعذب فِي النَّار، وَفِي أُخْرَى لم يقل: من بني إِسْرَائِيل، وَلَا تنَافِي بَينهمَا، لِأَن طَائِفَة من حمير كَانُوا من بني إِسْرَائِيل. وَفِي (التَّوْضِيح) : يجوز أَن تكون هَذِه الْمَرْأَة كَافِرَة، لَكِن ظَاهر الحَدِيث إسْلَامهَا، وعذبت على إصرارها على ذَلِك وَلَيْسَ فِي الحَدِيث تخليدها، وروى الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي (تَارِيخ أَصْبَهَان) : أَنَّهَا كَانَت كَافِرَة، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْبَعْث والنشور عَن عَائِشَة، فَيكون من جملَة اسْتِحْقَاقهَا النَّار حبس الْهِرَّة، وَعَن القَاضِي: فِيهِ احْتِمَال. قَوْله: (فِي هرة) ، كلمة: فِي، للتَّعْلِيل، أَي: لأجل هرة، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة من جراء هرة، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الرَّاء بِالْقصرِ وَالْمدّ. أَي: من أجل هرة، والهرة أُنْثَى، والهر والسنور الذّكر، وَيجمع على: هررة كقرد وقردة، والهرة على هرر كقربة وَقرب. قَوْله: (من خشَاش الأَرْض) بِفَتْح الْخَاء وَكسرهَا وَضمّهَا وبالشين المعجمتين وَفِي الحشرات. وَفِيه: جَوَاز اتِّخَاذ الْهِرَّة ورباطها إِذا لم يهمل إطعامها وسقيها، وَيلْحق بهَا غَيرهَا مِمَّا فِي مَعْنَاهَا، وَإِنَّمَا يجب إطعامها على من حَبسهَا، قَالَه الْقُرْطُبِيّ. قَالَ النَّوَوِيّ: وَفِيه: وجوب نَفَقَة الْحَيَوَان على مَالِكه، قَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَر أَنَّهَا ملكتها. قلت: فِي قَوْله: هرة لَهَا، يدل على مَا قَالَه النَّوَوِيّ، وَيدل أَيْضا على أَن الْهِرَّة تملك، خلافًا لهَذَا الْقَائِل، فَإِنَّهُ قَالَ: الْهِرَّة لَا تملك، لِأَن اللَّام فِي: هرة لَهَا، تدل على التَّمْلِيك، وَيرد على هَذَا الْقَائِل. وقالَ وحدَّثنا عُبَيْدُ الله عنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ أَي: قَالَ عبد الْأَعْلَى: حَدثنَا عبيد الله بن عمر عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ مثل الحَدِيث الْمَذْكُور،

стр. 4527

وَأخرجه مُسلم هَكَذَا، وَقَالَ: حَدثنِي نصر بن عَليّ الْجَهْضَمِي حَدثنَا عبد الْأَعْلَى عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ بِمثل مَعْنَاهُ. ٧١ - (بابٌ إذَا وقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ فإنَّ فِي إحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءٌ وَفِي الأخْرَى شِفَاءً)

стр. 4528

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وَقع الذُّبَاب ... إِلَى آخِره، وَترْجم هَذَا الْبَاب بِنَصّ الحَدِيث الَّذِي سَاقه فِي هَذَا الْبَاب، وَإِنَّمَا وَقع هُنَا فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن بعض شُيُوخه، وَحذف عِنْد البَاقِينَ، وحذفه أولى، لِأَن الْأَحَادِيث الَّتِي تَأتي بعد هَذَا الحَدِيث لَا تعلق لَهَا بذلك وَلَا مُطَابقَة بَينهَا وَبَين هَذِه التَّرْجَمَة، كَمَا ترَاهُ. ٠٢٣٣ - حدَّثنا خَالِدُ بنُ مَخْلَد حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ بِلَالٍ قَالَ حدَّثني عُتْبَةُ بنُ مُسْلِمٍ قَالَ أخْبَرَني عُبَيْدُ بنُ حُنَيْنٍ قَالَ سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا وقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ فإنَّ فِي إحْدَى جَناحَيْهِ دَاءً والأُخْرَى شِفَاءً. (الحَدِيث ٠٢٣٣ طرفه فِي: ٢٨٧٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَإِنَّهُ لَا فرق بَينهمَا، غير أَنه لم يذكر فِي التَّرْجَمَة لفظ (ثمَّ لينزعه) . ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: خَالِد بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم واللَاّم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره دَال: أَبُو الْهَيْثَم البَجلِيّ الْكُوفِي. الثَّانِي: سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو أَيُّوب الْقرشِي التَّيْمِيّ. الثَّالِث: عتبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُسلم مولى بني تَمِيم الْمَدِينِيّ. الرَّابِع: عبيد بن حنين، كِلَاهُمَا بِالتَّصْغِيرِ، و: حنين، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح النُّون الأولى: أَبُو عبد الله مولى زيد بن الْخطاب الْقرشِي الْعَدوي. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطِّبّ، قَالَ: حَدثنَا سُوَيْد بن سعيد، قَالَ: حَدثنَا مُسلم بن خَالِد عَن عتبَة بن مُسلم عَن عبيد بن حنين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (إِذا وَقع الذُّبَاب فِي شراب أحدكُم فليغمسه فِيهِ ثمَّ ليطرحه، فَإِن فِي أحد جناحيه دَاء وَفِي الآخر شِفَاء) . وَأخرجه عَن أبي سعيد أَيْضا، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا يزِيد بن هَارُون عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد بن خَالِد عَن أبي سَلمَة، قَالَ: حَدثنِي أَبُو سعيد: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (أحد جناحي الذُّبَاب سم وَالْآخر شِفَاء، فَإِذا وَقع فِي الطَّعَام فامقلوه فِيهِ فَإِنَّهُ يقدم السم وَيُؤَخر الشِّفَاء) . وَأخرجه النَّسَائِيّ مُخْتَصرا، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث سعيد بن الْمسيب عَن سُلَيْمَان نَحوه، وَمن حَدِيث أنس بِإِسْنَاد ضَعِيف، وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (إِذا وَقع الذُّبَاب فِي إِنَاء أحدكُم فليغمسه، فَإِن فِي أحد جناحيه دَاء وَالْآخر شِفَاء، وَإنَّهُ يتقى بجناحه الَّذِي فِيهِ الدَّاء فيغمسه كُله) . ويروى: فليغمسه كُله. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا وَقع الذُّبَاب) الذُّبَاب جمع ذُبَابَة، قَالَه ابْن التِّين وَفِي (الْمُنْتَهى) : الذب بِالضَّمِّ الذُّبَاب، وَجمع الذُّبَاب: ذبان، وَلَا تقل: ذبانة، وَالْجمع الْقَلِيل: أذبة، كغراب وأغربة وغربان، وَقَالَ أَبُو هِلَال العسكري: الذُّبَاب وَاحِد وَالْجمع ذبان، والعامة تَقول: ذبانة للْوَاحِد والذبان للْجمع، وَهُوَ خطأ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي: تَقول: هَذَا ذُبَاب للْوَاحِد وذبابان فِي التَّثْنِيَة، وَلَا يُقَال ذُبَابَة وَلَا ذبانة، وَقَالَ ابْن سَيّده فِي (الْمُحكم) : لَا يُقَال: ذُبَابَة، إِلَّا أَن أَبَا عُبَيْدَة رَوَاهُ عَن الْأَحْمَر، وَالصَّوَاب ذُبَاب، وَفِي التَّنْزِيل: ﴿وَإِن يسلبهم الذُّبَاب شَيْئا﴾ (الْحَج: ٣٧) . فسروه بِالْوَاحِدِ، وَحكى سِيبَوَيْهٍ عَن الْعَرَب: ذب، فِي جمع ذُبَاب، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الذُّبَاب مَعْرُوف، الْوَاحِدَة ذُبَابَة، وَلَا تقل: ذبانة، وَجمع الْقلَّة: أذبة، وَالْكَثْرَة: ذبان. وَقَالَ أَبُو عبيد: أَرض مذبة، ذَات ذُبَاب. وَقَالَ الْفراء: أراض مذبوبة، كَمَا يُقَال: موحوشة من الْوَحْش، والمذبة مَا يذب بِهِ الذُّبَاب، وَقَالَ الجاحظ: عمر الذُّبَاب أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَهُوَ فِي النَّار، وَلَيْسَ تعذيباً لَهُ، وَإِنَّمَا يعذب بِهِ أهل النَّار لوُقُوعه عَلَيْهِم، فَإِنَّهُ لَا شَيْء أضرّ على المكلوم من وُقُوعه على كَلمه. قَوْله: (فِي شراب أحدكُم) ، الشَّرَاب هُنَا يدْخل فِيهِ كل الْمَائِعَات، قَالَ تَعَالَى: ﴿يخرج من بطونها شراب﴾ (النَّحْل: ٩٦) . قلت: قد ذكرنَا آنِفا أَن فِي رِوَايَة أبي دَاوُد: إِذا وَقع الذُّبَاب فِي إِنَاء أحدكُم، والإناء يكون فِيهِ كل شَيْء من المأكولات والمشروبات. قَوْله: (فليغمسه) ، من غمسه فِي المَاء إِذا غطه فِيهِ وَأدْخلهُ، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: فامقلوه فِيهِ، من الْمقل بِالْقَافِ وَهُوَ الغمس. قَالَ أَبُو عبيد: أَي اغمسوه فِي الطَّعَام أَو الشَّرَاب ليخرج الشِّفَاء كَمَا أخرج الدَّاء، وَذَلِكَ بإلهام الله تَعَالَى، وَفِي (الْمغرب) : فِي الحَدِيث: إِذا وَقع الذُّبَاب فِي طَعَام أحدكُم فامقلوه، فَإِن فِي أحد جناحيه سما وَفِي الآخر شِفَاء، هَكَذَا فِي الْأُصُول، وَأما: فامقلوه، ثمَّ انقلوه فمصنوع. قلت: فِي

стр. 4529

غَالب كتب أَصْحَابنَا وَقع مثل مَا قَالَ، وَالصَّحِيح: فامقلوه فِيهِ، فَإِنَّهُ يقدم السم وَيُؤَخر الشِّفَاء، كَمَا فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه وَغَيره، وَلَيْسَ فِيهِ: ثمَّ انقلوه، نعم، فِي رِوَايَة البُخَارِيّ: لم لينزعه، وَهُوَ يُؤَدِّي معنى: فانقلوه. قَوْله: (فَإِن فِي إِحْدَى جناحيه) ، الجناج حَقِيقَة للطائر، وَإِذا اسْتعْمل فِي غَيره يكون بطرِيق الِاسْتِعَارَة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿واخفض لَهما جنَاح الذل﴾ (الْإِسْرَاء: ٤٢) . وَفِي غَالب النّسخ: فَإِن فِي أحد جناحيه دَاء وَالْآخر شِفَاء، بتذكير: أحد، وَوجه تأنيثها بِاعْتِبَار أَن جنَاح الطَّائِر يَده، والتأنيث بِاعْتِبَار الْيَد. قَوْله: (وَالْأُخْرَى شِفَاء) ، الثَّابِت فِي كثير من النّسخ، وَفِي الْأُخْرَى، بِإِعَادَة حرف الْجَرّ، وَتركهَا يدل على جَوَاز الْعَطف على عاملين، وَهُوَ رَأْي الْأَخْفَش والكوفيين، فَحِينَئِذٍ تكون: الْأُخْرَى، مجروراً عطفا على: فِي إِحْدَى، وَيكون نصب: شِفَاء، مثل نصب: دَاء، وَالْعَامِل فِي: إِحْدَى، حرف الْجَرّ الَّذِي هُوَ لفظ: فِي، وَالْعَامِل فِي: دَاء، كلمة: إِن، فقد شركت الْوَاو فِي الْعَطف على العاملين اللَّذين هما: فِي وان، وسيبويه لَا يجوّز ذَلِك، يُؤَيّدهُ رِوَايَة إِثْبَات حرف الْجَرّ فِي قَوْله: وَفِي الْأُخْرَى، وَقيل: يرْوى شِفَاء، بِالرَّفْع، فعلى هَذَا يخرج الْكَلَام عَن الْعَطف على عاملين، وَلكنه على هَذَا يحْتَاج إِلَى حذف مُضَاف تَقْدِيره: ذُو شِفَاء، لِأَن لفظ الآخر أَو الْأُخْرَى يكون مُبْتَدأ، وشفاء خَبره، وَلعدم صِحَة الْحمل يقدر الْمُضَاف، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد المالقي فِي (جَامعه) : ذُبَاب النَّاس يتَوَلَّد من الزبل، فَإِن أَخذ الذُّبَاب الْكَبِير وَقطعت رؤوسها وَيحك بجسدها الشعرة الَّتِي فِي الأجفان حكاً شَدِيدا فَإِنَّهُ يُبرئهُ، وَإِن سحق الذُّبَاب بصفرة الْبيض سحقاً نَاعِمًا وضمدت بهَا الْعين الَّتِي فِيهَا اللَّحْم الْأَحْمَر من دَاخل فَإِنَّهُ يسكن فِي سَاعَته، وَإِن مسح لسعة الزنبور بالذباب سكن وَجَعه. انْتهى. قَالَ الْخطابِيّ مَا ملخصه: قَالَ بعض الجهلة المعاندين: كَيفَ يجْتَمع الدَّاء والشفاء فِي جناحي الذُّبَاب؟ وَكَيف تعلم الذُّبَاب ذَلِك من نَفسهَا حَتَّى تقدم الدَّاء وتؤخر الدَّوَاء؟ وَمَا أَدَّاهَا إِلَى ذَلِك؟ ورد عَلَيْهِم: بِأَن عَامَّة الْحَيَوَان جمعت فِيهَا بَين الْحَرَارَة والبرودة والرطوبة واليبوسة فِي أَشْيَاء متضادة إِذا تلاقت تفاسدت لَوْلَا تأليف الله لَهَا، وَالَّذِي ألهم النحلة وَشبههَا من الْحَيَوَان إِلَى بِنَاء الْبيُوت وادخار الْقُوت هُوَ الملهم للذباب مَا ترَاهُ فِي الْكتاب. ١٢٣٣ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ الصَّبَّاحِ حدَّثنا إسْحَاقُ الأزْرَقُ حَدَّثنَا عَوْفٌ عنِ الحَسَنِ وابنِ سِيرِينَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنْ رسُولِ الله ﷺ قَالَ غُفِرَ لإمْرَأةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ قَالَ كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ فنَزَعَتْ خُفَّهَا فأوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا فنَزَعَتْ لَهُ مِنَ المَاءِ فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ. (الحَدِيث ١٢٣٣ طرفه فِي: ٧٦٤٣) . لَا تتأتى الْمُطَابقَة هُنَا إلَاّ بَينه وَبَين التَّرْجَمَة الْمُتَقَدّمَة، وَلَيْسَ لَهُ مُطَابقَة بِهَذِهِ التَّرْجَمَة أصلا، وَقد ذكرنَا: أَن هَذِه التَّرْجَمَة سَاقِطَة عِنْد غير أبي ذَر وَالْحسن بن الصَّباح، بتَشْديد الْبَاء الْبَزَّار أَبُو عَليّ الوَاسِطِيّ، وَإِسْحَاق بن يُوسُف الْأَزْرَق الوَاسِطِيّ، وعَوْف الْمَشْهُور بالأعرابي، وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْإِيمَان عَن أَحْمد بن عبد الله المنجوفي، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن سَلام. وَفِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن بشار، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : هَذَا الحَدِيث سلف فِي الشّرْب من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَن رجلا فعل ذَلِك، وَكَذَا ذكره فِي الطَّهَارَة فِي: بَاب المَاء الَّذِي يغسل بِهِ شعر الْإِنْسَان، فلعلهما قضيتان. قلت: هَذَا الحَدِيث فِي الْمَرْأَة المومسة، وَالْحَدِيثَانِ الْمَذْكُورَان فِي الْبَابَيْنِ الْمَذْكُورين فِي الرجل، روى كليهمَا أَبُو صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وكل مِنْهُمَا حَدِيث مُسْتَقل بِذَاتِهِ، فَلَا وَجه لقَوْله: هَذَا الحَدِيث سلف، وَلَا لقَوْله: لعلهما قضيتان، بل هما قضيتان قطعا، فَإِن نَظرنَا إِلَى الظَّاهِر فَهِيَ ثَلَاث قضايا. قَوْله: (مومسة) ، أَي: زَانِيَة وَيجمع على: مومسات وميامس وموامس، وَأَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ: مياميس، وَلَا يَصح إلَاّ على إشباع الكسرة لتصير: يَاء، وَقد اخْتلف فِي أصل هَذِه اللَّفْظَة، فبعضهم يَجعله من الْهمزَة، وَبَعْضهمْ يَجعله من الْوَاو، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: كل مِنْهُمَا تكلّف لَهُ اشتقاقاً فِيهِ بُعْد، فذكرناها فِي حرف الْمِيم لظَاهِر لَفظهَا، ولاختلافهم فِي أَصْلهَا. قلت: قَالَ فِي بَاب الْمِيم: مومس، ثمَّ ذكر مَا ذَكرْنَاهُ، وَقَالَ ابْن قرقول: المياميس والمومسات: المجاهرات بِالْفُجُورِ، والواحدة مومسة، وَذكره أَصْحَاب الْعَرَبيَّة فِي

стр. 4530

الْوَاو وَالْمِيم وَالسِّين، وَرَوَاهُ ابْن الْوَلِيد عَن ابْن السماك: المآميس، بِالْهَمْزَةِ فَإِن صَحَّ بِالْهَمْز فَهُوَ من مأس الرجل إِذا لم يلْتَفت إِلَى موعظة، ومأس بَين الْقَوْم أفسد. انْتهى. قلت: إِذا كَانَ لفظ: مومسة، من مأس، يَأْتِي إسم الْفَاعِل الْمُؤَنَّث: مائسة، وَلَا يَأْتِي من هَذَا الْبَاب: مومسة، وَالَّذِي يظْهر لي أَنه من: مومس، مثل: وسوس، وَالْفَاعِل مِنْهُ للمذكر مومس، وللمؤنث مومسة. قَوْله: (ركي) ، بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْكَاف وَتَشْديد الْيَاء: هُوَ الْبِئْر، وَيجمع على: ركايا. قَوْله: (بذلك) ، أَي: بِسَبَب مَا فعلت من السَّقْي. وَفِيه: دَلِيل على قبُول عمل المرتكب للكبائر من الْمُسلمين، وَأَن الله تَعَالَى يتَجَاوَز عَن الْكَبِيرَة بِالْعَمَلِ الْيَسِير من الْخَيْر تفضلاً مِنْهُ. ٢٢٣٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْتُهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ كمَا أنَّكَ هَهُنَا قالَ أخبرَنِي عُبَيْدُ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنْ أبِي طَلْحَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمْ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ. . عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعبيد الله بن عبد الله، وَأَبُو طَلْحَة زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ، والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب إِذا قَالَ أحدكُم: آمين، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن ابْن مقَاتل عَن عبد الله عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره. قَوْله: (كَمَا أَنَّك هَهُنَا) ، يَعْنِي: كَمَا لَا شكّ فِي كونك فِي هَذَا الْمَكَان، كَذَلِك لَا شكّ فِي حفظي لَهُ. ٣٢٣٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبرَنا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمَرَ بِقَتْلِ الكِلَابِ. الحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْبيُوع عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّيْد عَن قُتَيْبَة عَن مَالك، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن سُوَيْد بن سعيد عَن مَالك، وَأخذ مَالك وَأَصْحَابه وَكثير من الْعلمَاء جَوَاز قتل الْكلاب إلَاّ مَا اسْتثْنِي مِنْهَا، وَلم يرَوا الْأَمر بقتل مَا عدا الْمُسْتَثْنى مَنْسُوخا، بل محكماً. وَقَالَ الْإِجْمَاع على قتل الْعَقُور مِنْهَا، وَاخْتلفُوا فِي قتل مَا لَا ضَرَر فِيهِ، فَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَمر الشَّارِع أَولا بقتلها كلهَا، ثمَّ نسخ ذَلِك وَنهى عَن قَتلهَا إلَاّ الْأسود البهيم، ثمَّ اسْتَقر الشَّرْع على النَّهْي عَن قتل جَمِيعهَا إلَاّ الْأسود، لحَدِيث عبد الله بن مُغفل الْمُزنِيّ: لَوْلَا أَن الْكلاب أمة من الْأُمَم لأمرت بقتلها، رَوَاهُ أَصْحَاب (السّنَن) الْأَرْبَعَة. وَمعنى: البهيم، شَيْطَان بعيد عَن الْمَنَافِع قريب من الْمضرَّة، وَهَذِه أُمُور لَا تدْرك بِنَظَر، وَلَا يُوصل إِلَيْهَا بِقِيَاس، وَإِنَّمَا يَنْتَهِي إِلَى مَا جَاءَ عَن الشَّارِع، وَقد روى ابْن عبد الْبر عَن ابْن عَبَّاس: أَن الْكلاب من الْجِنّ، وَهِي ضعفة الْجِنّ، وَفِي لفظ: السود مِنْهَا جن، والبقع مِنْهَا جن، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هم سفلَة الْجِنّ وضعفاؤهم، وَقَالَ ابْن عديس: يُقَال: كلب جني، وَرُوِيَ عَن الْحسن وَإِبْرَاهِيم أَنَّهُمَا يكرهان صيد الْكَلْب الْأسود البهيم، وَإِلَيْهِ ذهب أَحْمد وَبَعض الشَّافِعِيَّة، وَقَالُوا: لَا يحل الصَّيْد إِذا قَتله، وَعند أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ: يحل. وَقَالَ أَبُو عمر: الَّذِي تختاره أَن لَا يقتل مِنْهَا شَيْء إِذا لم يضر، لنَهْيه أَن يتَّخذ فِيهِ روح غَرضا، وَلِحَدِيث: الَّذِي سقى الْكَلْب، وَلقَوْله: فِي كل كبد حر أجر، وَترك قَتلهَا فِي كل الْأَمْصَار، وفيهَا الْعلمَاء وَمن لَا يسامح فِي شَيْء من الْمُنكر والمعاصي الظَّاهِرَة، وَمَا علمت فَقِيها من فُقَهَاء الْمُسلمين جعل اتِّخَاذ الْكلاب جرحة، وَلَا رد قاضٍ شَهَادَة متخذها، وَمذهب الشَّافِعِي تَحْرِيم اقتناء الْكَلْب لغير حَاجَة. وَقَالَ أَبُو عمر: فِي الْأَمر بقتل الْكلاب دلَالَة على عدم أكلهَا، ألَا ترى إِلَى الَّذِي جَاءَ عَن عمر وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي ذبح الْحمام وَقتل الْكلاب؟ وَفِيه: دلَالَة على افْتِرَاق حكم مَا يُؤْكَل وَمَا لَا يُؤْكَل، لِأَنَّهُ مَا جَازَ ذبحه وَأكله لم يجز الْأَمر بقتْله، وَمن ذهب إِلَى الْأسود مِنْهَا بِأَنَّهُ شَيْطَان فَلَا حجَّة فِيهِ، لِأَن الله تَعَالَى قد سمى من غلب عَلَيْهِ الشَّرّ من الْإِنْس شَيْطَانا، وَلم يجب بذلك قَتله، وَقد جَاءَ مَرْفُوعا: فِي الْحمام شَيْطَان يتبع شَيْطَانه، وَلَيْسَ فِي ذَلِك مَا يدل على أَنَّهُمَا مسخا من الْجِنّ، وَلَا أَن الْحَمَامَة مسخت من الْجِنّ، وَلَا أَن ذَلِك وَاجِب قَتله، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي حَدِيث سقِِي الْكَلْب: يحْتَمل أَن يكون قبل النَّهْي عَن قَتلهَا وَيحْتَمل بعْدهَا، فَإِن كَانَ الأول فَلَيْسَ بناسخ لَهُ، لِأَنَّهُ لما أَمر بقتل الْكلاب لم يَأْمر إلَاّ بقتل كلاب الْمَدِينَة لَا بقتل كلاب الْبَوَادِي،

стр. 4531

وَهُوَ الَّذِي نسخ، وكلاب الْبَوَادِي لم يرد فِيهَا قتل وَلَا نسخ، وَظَاهر الحَدِيث يدل عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ لَو وَجب قَتله لما وَجب سقيه، وَلَا يجمع عَلَيْهِ حر الْعَطش وَالْمَوْت، كَمَا لَا يفعل بالكافر العَاصِي، فَكيف بالكلب الَّذِي لم يعْص؟ وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح أَنه، ﷺ ، لما أَمر بقتل يهود شكوا الْعَطش، فَقَالَ: لَا تجمعُوا عَلَيْهِم حر السَّيْف والعطش، فسُقُوا ثمَّ قُتِلوا. ٤٢٣٣ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ يَحْيَى قَالَ حدَّثني أبُو سلَمَةَ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حدَّثَهُ قالَ قالَ رسُولُ الله ﷺ مَنْ أمْسَكَ كَلْبَاً يَنْقُصْ مِنْ عَمَلِهِ كلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ إلَاّ كَلْبَ حَرْثٍ أوْ كَلْبَ ماشِيَةٍ. (انْظُر الحَدِيث ٢٢٣٢) . يحيى هُوَ ابْن أبي كثير، والْحَدِيث مر فِي كتاب الْمُزَارعَة فِي: بَاب اقتناء الْكَلْب للحرث، وَمر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، وَقد ذكرنَا أَن القيراط لَهُ أصل لمقدار مَعْلُوم عِنْد الله تَعَالَى، وَالْمرَاد نقص جُزْء من أَجزَاء عمله. وَأما التَّوْفِيق بَين قِيرَاط فِي هَذَا الحَدِيث، وَبَين قيراطين فِي رِوَايَة أُخْرَى فباعتبار التَّغْلِيظ فِي القيراطين لما لم ينْتَه النَّاس، أَو بِاعْتِبَار كَثْرَة الْأَذَى من الْكَلْب وقلته، أَو باخْتلَاف الْمَوَاضِع فالقيراطان فِي الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة لزِيَادَة فَضلهَا، والقيراط فِي غَيرهَا، أَو القيراطان فِي الْمَدِينَة والقيراط فِي الْبَوَادِي، وَقَالَ الرَّوْيَانِيّ: اخْتلفُوا فِي المُرَاد بِمَا ينقص مِنْهُ، فَقيل: ينقص مِمَّا مضى من عمله، وَقيل: من مستقبله. وَاخْتلفُوا فِي مَحل نقصانها، فَقيل: قِيرَاط من عمل النَّهَار، وقيراط من عمل اللَّيْل، وَقيل: قِيرَاط من عمل الْفَرْض وقيراط من النَّفْل، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: أقرب مَا قيل فِي ذَلِك قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن جَمِيع مَا عمله من عمل ينقص لمن اتخذ مَا نهى عَنهُ من الْكلاب، بِإِزَاءِ كل يَوْم يمسِكهُ جزآن من أَجزَاء ذَلِك الْعَمَل، وَقيل: من عمل ذَلِك الْيَوْم الَّذِي يمسِكهُ فِيهِ. الثَّانِي: يحط من عمله عملان، أَو من عمل يَوْم إِمْسَاكه، عُقُوبَة لَهُ على مَا اقتحم من النَّهْي. قَوْله: (إلَاّ كلب حرث) وَهُوَ الزَّرْع، والماشية اسْم يَقع على جَمِيع الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي الْغنم. ٥٢٣٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا سُلَيْمَانُ قَالَ أخبَرَنِي يَزِيدُ بنُ خُصَيْفَةَ قالَ أخْبَرَنِي السَّائِبُ بنُ يَزِيدَ سَمِعَ سُفْيَانَ بنَ أبِي زُهَيْرٍ الشَّنْئيَّ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ مَنِ اقْتَنَى كلْباً لَا يُغْنى عنْهُ زَرْعاً وَلا ضَرْعاً نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قيرَاطٌ فَقَالَ السَّائِبُ أنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ إيْ ورَبِّ هَذِهِ القِبْلَةِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٢٣٢) . الحَدِيث مر فِي كتاب الْمُزَارعَة فِي: بَاب اقتناء الْكَلْب للزِّرَاعَة. وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن خصيفَة، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالفاء، وَقد مر فِيمَا مضى، والسائب من السيب ابْن يزِيد من الزِّيَادَة مر فِي الْوضُوء (والشنئي) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وبالنون والهمزة: نِسْبَة إِلَى شنُوءَة. قَوْله: (أَي:) ، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء حرف: جَوَاب بِمَعْنى: نعم، فَيكون لتصديق الْخَبَر والإعلام المستخبر ولوعد الطَّالِب، وَزعم ابْن الْحَاجِب أَنَّهَا إِنَّمَا تقع بعد الِاسْتِفْهَام، وَاتفقَ الْجَمِيع على أَنَّهَا لَا تقع إلَاّ قبل الْقسم، كَمَا وَقع هُنَا قبل قَوْله: (وَرب هَذِه الْقبْلَة) وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لَا تعلق لبَعض هَذِه الْأَحَادِيث بترجمة الْبَاب؟ قلت: هَذَا آخر كتاب البدء، فَذكر فِيهِ مَا ثَبت عِنْده مِمَّا يتَعَلَّق بالمخلوقات، وَذكر صَاحب (التَّوْضِيح) أَن ذكر أَحَادِيث الْكَلْب هُنَا لما أُتِي عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره: أَنَّهَا من الْجِنّ، والترجمة قريبَة من الْجِنّ. انْتهى. قلت: أما مَا ذكره الْكرْمَانِي فبعيد جدا، لِأَنَّهُ لَا تعلق لَهَا أصلا بالترجمة، وَكَونهَا مِمَّا يتَعَلَّق بالمخلوقات لَا يَقْتَضِي الْمُنَاسبَة لذكرها فِي هَذِه التَّرْجَمَة، وَهَذَا بعيد جدا، وَأما مَا ذكره صَاحب (التَّوْضِيح) فأبعد مِنْهُ جدا، لِأَن كَونهَا من الْجِنّ يَقْتَضِي ذكرهَا فِي: بَاب الْجِنّ، وَكَيف يكون قرب هَذِه من: بَاب ذكر الْجِنّ، وَبَينه وَبَين التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة ثَلَاثَة أَبْوَاب؟ وبمثل هَذَا لَا تقع الْمُطَابقَة. وَالْجَوَاب الموجه مَا ذَكرْنَاهُ، وَهُوَ: أَن هَذِه التَّرْجَمَة، وَهِي قَوْله: بَاب إِذا وَقع الذُّبَاب

стр. 4532

فِي شراب أحدكُم ... إِلَى آخِره، لَيْسَ بموجود عِنْد الْأَكْثَرين من الروَاة، فَحِينَئِذٍ تقع الْمُطَابقَة بَين هَذِه الْأَحَادِيث الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْبَاب وَبَين التَّرْجَمَة السَّابِقَة عَلَيْهِ، وَهِي قَوْله: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَبث فِيهَا من كل دَابَّة﴾ (الْبَقَرَة: ٤٦١) . وَقَوله: (بَاب خير مَال الْمُسلم) ، و: بَاب (خمس من الدَّوَابّ) داخلان فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَبث فِيهَا من كل دَابَّة﴾ (الْبَقَرَة: ٤٦١) . فَإِن قلت: فعلى هَذَا حَدِيث الذُّبَاب لَا يبْقى لَهُ شَيْء من الْمُطَابقَة لشَيْء من الْأَبْوَاب؟ قلت: قيل: مطابقته لقَوْله: بَاب إِذا وَقع الذُّبَاب، ظَاهِرَة جدا، لَكِن يتَوَجَّه الْجَواب فِي ذَلِك، على من لَا يرى وجود هَذَا الْبَاب، وَأما أَبُو ذَر الَّذِي روى عَن مشايخه وجود هَذَا الْبَاب، فقد قَالُوا: لم يَقع هَذَا إلَاّ فِي آخر الْأَبْوَاب الْمُتَقَدّمَة كلهَا، فَإِن صَحَّ هَذَا أَنه وَقع فِي آخر الْأَبْوَاب كلهَا بَابا مُسْتقِلّا، فَلَا كَلَام فِيهِ، فَإِنَّهُ بَاب مترجم بِشَيْء يُطَابق حَدِيثه إِيَّاه، وَالله أعلم. بِسم الله الرحمان الرَّحِيم ٠٦ - (كِتابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي بعض النّسخ، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي عَليّ بن شبويه نَحوه، وَقد الْآيَة الَّتِي تَأتي فِي التَّرْجَمَة على الْبَاب، وَفِي بعض النّسخ: كتاب الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي بعض النّسخ: بَاب خلق آدم ﷺ ، من غير ذكر شَيْء غَيره. وَأما عدد الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَإِن أَبَا ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله! كم الْأَنْبِيَاء؟ قَالَ: مائَة الف وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألفا. قلت: يَا رَسُول الله كم أرسل مِنْهُم؟ قَالَ: ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر، جم غفير ... الحَدِيث، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَابْن مرْدَوَيْه فِي (تَفْسِيره) : وَعَن أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : بعث الله ثَمَانِيَة آلَاف نَبِي أَرْبَعَة آلَاف إِلَى بني إِسْرَائِيل وَأَرْبَعَة آلَاف إِلَى سَائِر النَّاس رَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي وَعنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ بعثت على أثر ثَمَانِيَة آلَاف نَبِي، مِنْهُم أَرْبَعَة آلَاف من بني إِسْرَائِيل، رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ. ١ - (بابُ خَلْقِ آدَمَ صَلَوَاتُ الله علَيْهِ وذُرِّيَّتِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان خلق آدم، ﵊. قَوْله: (وَذريته) ، أَي وَفِي بَيَان خلق ذريتهوإنما سمي آدم لِأَنَّهُ خلق من أدمة الأَرْض، وَهِي لَوْنهَا، والأدمة فِي النَّاس السمرَة الشَّدِيدَة، وروى سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس: أَن آدم خلق من أَدِيم الأَرْض، وَهُوَ وَجههَا، وروى مُجَاهِد عَنهُ أَيْضا أَنه مُشْتَقّ من الأدمة. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الثَّعْلَبِيّ: التُّرَاب بِلِسَان العبرية: آدام، فَسمى آدم بِهِ، وحذفت الْألف الثَّانِيَة. وَقيل: إِنَّه اسْم سرياني. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: إِنَّه اسْم عَرَبِيّ وَلَيْسَ بعجمي. وَذكر أَبُو مَنْصُور الجواليقي فِي كتاب (المعرب) : أَسمَاء الْأَنْبِيَاء كلهَا أَعْجَمِيَّة إلَاّ أَرْبَعَة وَهِي: آدم وَصَالح وَشُعَيْب وَمُحَمّد، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالْمَشْهُور أَن كنيته: أَبُو الْبشر، وروى الْوَالِبِي عَن ابْن عَبَّاس أَن كنيته: أَبُو مُحَمَّد، وَقَالَ قَتَادَة: لَا يكنى فِي الْجنَّة إلَاّ آدم، يُقَال لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّد، إِظْهَارًا لشرف نَبينَا ﷺ ، وَلَا ينْصَرف آدم لِأَنَّهُ على وزن: افْعَل، وَهُوَ معرفَة، وَذكره الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن فِي سبعةٍ وَعشْرين موضعا. وَأما الذُّرِّيَّة فأصلها من ذرا الله الْخلق يَذْرَؤُهُمْ ذَرْءًا: خلقهمْ. قَالَ الْجَوْهَرِي: الذُّرِّيَّة نسل الثقلَيْن، إلَاّ أَن الْعَرَب تركت همزتها وَالْجمع: الذَّرَارِي، وَفِي (الْمغرب) : ذُرِّيَّة الرجل أَوْلَاده، وَيكون وَاحِدًا وجمعاً، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَب لي من لَدُنْك ذُرِّيَّة طيبَة﴾ (آل عمرَان: ٨٣) . صَلْصَالٌ طِينٌ خلِطَ بِرَمْل فَصَلْصَلَ كَما يُصَلْصِلُ الفَخَارُ أَشَارَ بقوله: صلصال، إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿خلق الْإِنْسَان من صلصال﴾ (الرَّحْمَن: ٤١) . ثمَّ فسر الصلصال بقوله: طين، خلط برمل، وَحَقِيقَة الصلصال: الطين الْيَابِس المصوت. قَوْله: (فصلصل) أَي: صَوت، وَهُوَ فعل مَاض، ويصلصل مضارعه، ومصدره صلصلة وصلصال، بِالْكَسْرِ، وَعَن ابْن عَبَّاس: الصلصال هُوَ المَاء يَقع على الأَرْض فَتَنْشَق وتجف وَيصير لَهُ صَوت. قَوْله:

стр. 4533

(الفخار) ، بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد الْخَاء، وَهُوَ ضرب من الخزف يعْمل مِنْهُ الجرار والكيزان وَغَيرهَا. ويُقَالُ مُنْتِنٌ يُرِيدُونَ بِهِ صَلَّ كَما يُقالُ صَرَّ البابُ وصَرْصَرَ عِنْدَ الإغْلَاقِ مِثْلُ كَبْكَبَتُهُ يَعْنِي كَبَبْتُهُ أَرَادَ بِهَذَا أَنه جَاءَ فِي اللُّغَة: صلصال، بِمَعْنى: منتن، وَمِنْه: صل اللَّحْم يصل صلولاً أَي: انتن، مطبوخاً كَانَ أَو نياً. وَأَشَارَ بقوله: يُرِيدُونَ بِهِ صَلَّ، إِلَى أَن أصل: صلصل، الَّذِي هُوَ الْمَاضِي: صل، فضوعف فَاء الْفِعْل فَصَارَ صلصل، كَمَا يُقَال: صر الْبَاب إِذا صَوت عِنْد الإغلاق، فضوعف فِيهِ كَذَلِك، فَقيل: صَرْصَر كَمَا يُقَال: كبكبته فِي كببته بِتَضْعِيف الْكَاف، يُقَال كبيت الْإِنَاء أَي: قلبته. فَمَرَّتْ بِهِ اسْتَمَرَّ بِها الحَمْلُ فأتَمَّتْهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تغشاها حملت حملا خَفِيفا فمرت بِهِ﴾ (الْأَعْرَاف: ٩٨١) . وفسرها بقوله: اسْتمرّ بهَا الْحمل حَتَّى وَضعته. وَالضَّمِير فِي قَوْله: فمرت بِهِ، يرجع إِلَى حَوَّاء، عَلَيْهَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَسَيَأْتِي هَذَا فِي تَفْسِير سُورَة الْأَعْرَاف. أنْ لَا تَسْجُدَ أنْ تَسْجُدَ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا مَنعك ألَاّ تَسجد﴾ (الْأَعْرَاف: ٢١) . ثمَّ نبه على أَن كلمة: لَا، صلَة كَذَلِك فسره بقوله: أَن تسْجد، وَقيل: فِيهِ حذف تَقْدِيره: مَا مَنعك من السُّجُود فأحوجك أَن لَا تسْجد إِذا أَمرتك. ٢ - (بابُ قَوْل الله تَعَالَى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ (الْبَقَرَة: ٠٣) .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ رَبك ... ﴾ إِلَى آخِره، يَعْنِي: أذكر يَا مُحَمَّد حِين قَالَ رَبك للْمَلَائكَة ... الْآيَة، أخبر الله تَعَالَى بامتنانه على بني آدم بتنويهه بذكرهم فِي الْمَلأ الْأَعْلَى قبل إيجادهم بقوله: ﴿وَإِذ قَالَ رَبك﴾ وَحكى ابْن حزم عَن أبي عُبَيْدَة أَنه زعم أَن: إِذْ، هَهُنَا زَائِدَة وَأَن تَقْدِير الْكَلَام: وَقَالَ رَبك، ورد عَلَيْهِ ابْن جرير: قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَكَذَا رده جَمِيع الْمُفَسّرين حَتَّى قَالَ الزّجاج هَذَا اجتراء من أبي عُبَيْدَة. قَوْله: (إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة) ، أَي: قوما يخلف بَعضهم بَعْضًا، قرنا بعد قرن وجيلاً بعد جيل، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جعلكُمْ خلائف فِي الأَرْض﴾ (الْأَنْعَام: ٥٦١ وفاطر: ٩٢) . قَالَ أَكثر الْمُفَسّرين: وَلَيْسَ المُرَاد هُنَا بالخليفة آدم، ﵊، فَقَط كَمَا قَالَه طَائِفَة إِذْ لَو كَانَ المُرَاد آدم عينا لم حسن قَول الْمَلَائِكَة: ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء﴾ (الْبَقَرَة: ٠٣) . وَقَوْلهمْ: ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٠٣) . لَيْسَ على وَجه الِاعْتِرَاض، وَلَا على وَجه الْحَسَد، وَإِنَّمَا هُوَ سُؤال استعلام واستكشاف عَن الْحِكْمَة فِي ذَلِك مَعَ أَن فيهم من يفْسد فِي الأَرْض ويسفك الدِّمَاء، فَإِن كَانَ المُرَاد عبادتك فَنحْن نُسَبِّح بحَمْدك ونقدس لَك، أَي: نصلي، وَلَا يصدر منا شَيْء خلاف ذَلِك، فَقَالَ الله تَعَالَى: فِي جوابهم ﴿إِن أعلم مَا لَا تعلمُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٠٣) . أَي: إِنِّي أعلم بِالْمَصْلَحَةِ الراجحة فِي خلق هَذَا الصِّنْف على الْمَفَاسِد الَّتِي ذكرتموها، فَإِنِّي سأجعل فيهم الْأَنْبِيَاء وَالرسل، وَيُوجد فيهم الصديقيون وَالشُّهَدَاء والصالحون والعبَّاد والزهاد والأولياء والأبرار المقربون وَالْعُلَمَاء الْعَامِلُونَ والخاشعون والمتبعون رسله، وَفِي هَذَا الْمقَام مقَال كثير لَيْسَ هَذَا الْكتاب مَوْضِعه، وَإِنَّمَا ذكرنَا نبذة مِنْهُ لأجل التَّرْجَمَة. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﴿لمَّا عَلَيْهَا حَافِظ﴾ (الطارق: ٤) . إلَاّ عليْها حافِظٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ﴾ (الطارق: ٤) . ثمَّ فسر بِأَن: لما، هُنَا بمعني: إلَاّ الَّتِي هِيَ حرف الِاسْتِثْنَاء، وَاخْتلف الْقُرَّاء فِي تَشْدِيد: لما، وتخفيفه، فَقَرَأَ ابْن عَامر وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِالتَّشْدِيدِ على أَن تكون: إِن، نَافِيَة، وَتَكون: لما بِمَعْنى إلَاّ، وَهِي لُغَة هُذَيْل، يَقُولُونَ نشدتك الله لما قُمْت، يعنون: إِلَّا قُمْت، وَالْمعْنَى: مَا نفس إلَاّ عَلَيْهَا حَافظ من ربَّها، وَالْبَاقُونَ قرأوا بِالتَّخْفِيفِ جعلُوا: مَا، صلَة، وَإِن، مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة أَي: إِن كل نفس لعليها حَافظ من رَبهَا يحفظ عَملهَا ويحصي عَلَيْهَا مَا تكتسب من خير

стр. 4534

أَو شَرّ. وَعَن ابْن عَبَّاس: هم الْحفظَة من الْمَلَائِكَة، وَقَالَ قَتَادَة: هم حفظَة يحفظون عَمَلك ورزقك وأجلك، وَقيل: هُوَ الله رَقِيب عَلَيْهَا. فِي كَبَدٍ فِي شِدَّةِ خَلْقٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد خلقنَا الْإِنْسَان فِي كبد﴾ (الْبَلَد: ٠٤) . ثمَّ فسر الكبد بقوله: فِي شدَّة خلق، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة فِي (تَفْسِيره) : وَأخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) . ورِياشاً المالُ وَقَالَ غَيْرُهُ الرِّيَاشُ والرِّيشُ واحِدٌ وهُوَ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّبَاسِ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قد أنزلنَا عَلَيْكُم لباساً يواري سوآتكم ورياشاً﴾ (الْأَعْرَاف: ٦٣) . وَفسّر الرياش: بِالْمَالِ، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس، وَرَاه ابْن أبي حَاتِم عَنهُ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة. قَوْله: (وَقَالَ غَيره) أَي: غير ابْن عَبَّاس ... إِلَى آخِره، قَول أبي عُبَيْدَة، وَقيل: الريش الْجمال والهيئة، وَقيل: المعاش. مَا تُمْنُونَ النُّطُفَةُ فِي أرْحَامِ النِساءِ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا تمنون﴾ (الْوَاقِعَة: ٨٥) . ثمَّ فسره بقوله: النُّطْفَة فِي أَرْحَام النِّسَاء، وَهَذَا قَول الْفراء، وَيُقَال: مَنَى الرجل وأمْنَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿إنَّهُ علَى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ (الطارق: ٨) . النُّطْفَةُ فِي الإحْلِيلِ يَعْنِي: قَادر على رَجَعَ النُّطْفَة إِلَى الإحليل، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن جرير من حَدِيث عبد الله بن أبي نجيح عَن عبد الله بن أبي بكر عَن مُجَاهِد، وَفِي لفظ: المَاء، بدل: النُّطْفَة، وَفِي رِوَايَة: إِن شِئْت رَددته من الْكبر إِلَى الشَّبَاب وَمن الصِّبَا إِلَى القطيعة. وَقَالَ ابْن زيد: إِنَّه على حبس ذَلِك المَاء لقادر، وَعَن قَتَادَة مَعْنَاهُ: أَن الله قَادر على بَعثه وإعادته. كلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فَهْوَ شَفْعٌ السَّماءُ شَفْعٌ والوِتْرُ الله أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن كل شيى خلقنَا زَوْجَيْنِ﴾ (الذاريات: ٩٤) . أَي: كل شَيْء خلقه الله تَعَالَى فَهُوَ شفع. قَوْله: (السَّمَاء مُشَفع) ، مَعْنَاهُ أَنه شفع للْأَرْض، كَمَا أَن الْحَار شفع للبارد مثلا، وَبِهَذَا ينْدَفع وهم من يتَوَهَّم أَن السَّمَوَات سبع فَكيف يَقُول شفع؟ وَهَذَا الَّذِي قَالَه هُوَ قَول مُجَاهِد الَّذِي وَصله الطَّبَرِيّ، وَلَفظه: كل شَيْء خلقه الله شفع: السَّمَاء وَالْأَرْض وَالْبَحْر وَالْبر وَالْجِنّ وَالْإِنْس وَالشَّمْس وَالْقَمَر، وَنَحْو هَذَا شفع، وَالْوتر الله وَحده. فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ فِي أحْسَنِ خَلْقٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد خلقنَا الْإِنْسَان فِي أحسن تَقْوِيم﴾ (التِّين: ٤) . ثمَّ فسره بقوله: فِي أحسن خلق، وَقيل: أحسن تَعْدِيل بشكله وَصورته وتسوية الْأَعْضَاء، وَقيل: فِي أحسن تَقْوِيم فِي أعدل قامة وَأحسن صُورَة، وَذَلِكَ أَنه خلق كل شَيْء مُنَكسًا على وَجهه إلَاّ الْإِنْسَان. وَقَالَ أَبُو بكر بن الطَّاهِر: مزيناً بِالْعقلِ مؤدباً بِالْأَمر مهذباً بالتمييز مديد الْقَامَة يتَنَاوَل مأكوله بِيَمِينِهِ. أسْفَلَ سافِلِينَ إلَاّ مَنْ آمَنَ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ رددناه أَسْفَل سافلين إِلَّا الَّذين آمنُوا﴾ (التِّين: ٥ ٦) . مَعْنَاهُ: أَن الْإِنْسَان يكون عَاقِبَة أمره، إِذا لم يشْكر نعْمَة تِلْكَ الْخلقَة الْحَسَنَة القويمة السوية، أَن رددناه أَسْفَل من سفل خلقا وتركيباً، يَعْنِي: أقبح من قبح صُورَة وأشوهه خلقَة، وهم أَصْحَاب النَّار، فعلى هَذَا التَّفْسِير الِاسْتِثْنَاء وَهُوَ قَوْله: ﴿إلَاّ الَّذين آمنُوا﴾ (التِّين: ٥ ٦) . مُتَّصِل ظَاهر الِاتِّصَال، وَقيل: السافلون الضعفى والهرمَى والزمنَى، لِأَن ذَاك التَّقْوِيم يَزُول عَنْهُم ويتبدل خلقهمْ، فعلى هَذَا الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع، فَالْمَعْنى: لَكِن الَّذين كَانُوا صالحين من الهرمى ﴿فَلهم أجر﴾ (التِّين: ٥ ٦) . دَائِم ﴿غير ممنون﴾ (التِّين: ٥ ٦) . أَي: غير مَقْطُوع على طاعتهم وصبرهم على ابتلاء الله بالشيخوخة

стр. 4535

والهرم، وعَلى مقاساة المشاق وَالْقِيَام بِالْعبَادَة، فَيكْتب لَهُم فِي حَال هرمهم وخرفهم مثل الَّذين كَانُوا يعْملُونَ فِي حَال شبابهم وصحتهم. خُسْرٍ ضَلَالٌ ثُمَّ اسْتَثْناى إلَاّ مَنْ آمَنَ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْإِنْسَان لفي خسر﴾ (الْعَصْر: ٢) . ثمَّ فسر الخسر بالضلال، ثمَّ اسْتثْنى الله تَعَالَى من أهل الخسر ﴿الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ (الْعَصْر: ٣) . لَازِبٍ لازِمٌ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا خلقناهم من طين لازب﴾ (الصافات: ١١) . أَي: لَازم، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ. نُنْشِئَكُمْ فِي أيِّ خَلْقٍ نَشَاءُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وننشئكم فِيمَا لَا تعلمُونَ﴾ (الْوَاقِعَة: ١٦) . ثمَّ فسر ذَلِك بقوله: فِي أَي خلق نشَاء. نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ نُعَظِّمُكَ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك﴾ (الْبَقَرَة: ٠٣) . ثمَّ فسر ذَلِك بقوله: نعظمك، وَكَذَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد. وَقَالَ أبُو الْعالِيَةِ ﴿فتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (الْبَقَرَة: ٧٣) . فَهْوَ قَوْلُهُ ﴿رَبَّنا ظلَمْنا أنْفُسَنا﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٢) . أَبُو الْعَالِيَة اسْمه رفيع بن مهْرَان الريَاحي، أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَأسلم بعد موت النَّبِي ﷺ ، بِسنتَيْنِ وَدخل على أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصلى خلف عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وروى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقد فسر أَبُو الْعَالِيَة الْكَلِمَات فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتلقى آدم من ربه كَلِمَات﴾ (الْبَقَرَة: ٧٣) . بقوله تَعَالَى: ﴿رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٢) . وَرُوِيَ ذَلِك أَيْضا عَن مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالربيع بن أنس وَقَتَادَة وَمُحَمّد بن كَعْب الْقرظِيّ وخَالِد بن معدان وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي وَعبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق السبيعِي: عَن رجل من بني تَمِيم، قَالَ: أتيت ابْن عَبَّاس فَسَأَلته: مَا الْكَلِمَات الَّتِي تلقى آدم، ﵊، من ربه؟ قَالَ: علم آدم شَأْن الْحَج. فأزَلَّهُمَا فاسْتَزَلَّهُمَا أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فأزلهما الشَّيْطَان عَنْهَا فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ (الْبَقَرَة: ٨٣) . ثمَّ فسره بقوله: فاستزلهما، أَي: دعاهما إِلَى الزلة. وَفِي (تَفْسِير ابْن كثير) : يَصح أَن يكون الضَّمِير عَائِدًا إِلَى الْجنَّة، فَيكون الْمَعْنى كَمَا قَرَأَ حَمْزَة وَعَاصِم فأزالهما، أَي: نحَّاهما وَيصِح أَن يكون عَائِدًا على أقرب الْمَذْكُورين وَهُوَ الشَّجَرَة، فَيكون الْمَعْنى كَمَا قَالَ الْحسن وَقَتَادَة، فأزلهما، أَي: من قبل الزلل، فَيكون تَقْدِير الْكَلَام: فأزلهما الشَّيْطَان عَنْهَا أَي بِسَبَبِهَا. ويَتَسَنَّهُ يَتَغَيَّرْ آسِنٌ مُتَغَيِّرٌ والْمَسْنُونُ المُتَغَيِّرُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْظُر إِلَى طَعَامك وشرابك لم يتسنه﴾ (الْبَقَرَة: ٩٥٢) . أَي: لم يتَغَيَّر، وَأَشَارَ بقوله: آسن إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهَا أَنهَار من مَاء غير آسن﴾ (مُحَمَّد: ٥١) . أَي: غير متغير، وَأَشَارَ بقوله: والمسنون، إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿من حمأ مسنون﴾ (الْحجر: ٦٢، و ٨٢ و ٣٣) . أَي: من طين متغير، وكل هَذِه من مَادَّة وَاحِدَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه تعلقه بِقصَّة آدم ﵇؟ قلت: ذكر بتبعية الْمسنون لِأَنَّهُ قد يُقَال باشتقاقه مِنْهُ. انْتهى. قلت: الدَّاعِي إِلَى هَذَا السُّؤَال وَالْجَوَاب هُوَ أَن جَمِيع مَا ذكره من الْأَلْفَاظ من أول الْبَاب إِلَى الحَدِيث الَّذِي يَأْتِي مُتَعَلق بِآدَم وأحواله، غير قَوْله: يتسنه، فَإِنَّهُ مُتَعَلق بقضية عُزَيْر، ﵇، وَغير قَوْله: آسن، فَإِنَّهُ مُتَعَلق بِالْمَاءِ، فَلذَلِك سَأَلَ وَأجَاب، وَمَعَ هَذَا قَالَ: وأمثال هَذِه تَكْثِير لحجم الْكتاب لَا تَكْثِير

стр. 4536

للفوائد. وَالله تَعَالَى أعلم بمقصوده. قلت: لَا يَخْلُو عَن زِيَادَة فَائِدَة، وَلَكِن كِتَابه مَوْضُوع لبَيَان الْأَحَادِيث لَا لبَيَان اللُّغَات لألفاظ الْقُرْآن. حَمإٍ جَمْعُ حَمأةٍ وهْوَ الطِّينُ الْمُتَغَيِّرُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿من حمإٍ مسنون﴾ (الْحجر: ٦٢، ٨٢، ٣٣) . وَقَالَ: الحمأ جمع حمأة، ثمَّ فسره بقوله: وَهُوَ الطين الْمُتَغَيّر، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة. يَخْصِفَانِ أخَذَا الخِصَافَ مِنْ ورَقِ الجَنَّةِ يُؤلَّفَانِ الوَرَقَ ويَخْصِفَانِ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فبدت لَهما سوآتهما وطفقا يخصفان عَلَيْهِمَا من ورق الْجنَّة﴾ (طه: ١٢١) . ثمَّ فسر: يخصفان، بقوله: أخذا، أَي آدم وحواء، ﵉، الْخصاف، وَهُوَ بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الصَّاد الْمُهْملَة: جمع خصفة، بِالتَّحْرِيكِ وَهِي الْحلَّة الَّتِي تعْمل من الخوص للتمر. وَيجمع على: خصف، أَيْضا بِفتْحَتَيْنِ. قَوْله: (يؤلفان الْوَرق) أَي: ورق الشّجر، ويخصفان يَعْنِي: يلزقان بعضه بِبَعْض ليسترا بِهِ عوراتهما، وَكَذَلِكَ الإختصاف، وَمِنْه قَرَأَ الْحسن: يخصفان، بِالتَّشْدِيدِ إلَاّ أَنه أدغم التَّاء فِي الصَّاد. وَعَن مُجَاهِد فِي (تَفْسِير) قَوْله: (يخصفان) ، أَي: يرقعان كَهَيئَةِ الثَّوْب، وَتقول الْعَرَب: خصفت النَّعْل أَي: خرزتها. وسَوْآتُهما كِنَايَةٌ عنْ فَرْجِهِمَا أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿بَدَت لَهما سوآتهما﴾ (طه: ١٢١) . ثمَّ فسر السوأة بِأَنَّهَا كِنَايَة عَن الْفرج، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وفرجهما بِالْإِفْرَادِ، ويروى: وفرجيهما، بالتثنية وَالضَّمِير يرجع إِلَى آدم وحواء. ومتاعٌ إلَى حِينٍ هاهُنَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ والحِينُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ ساعَةٍ إِلَيّ مَا لَا يُحْصَى عَددُهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر ومتاع إِلَى حِين﴾ (الْبَقَرَة: ٦٣، والأعراف: ٤٢) . ثمَّ فسر الْحِين بِأَنَّهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس، وَأَشَارَ بقوله: (والحين عِنْد الْعَرَب) إِلَى أَن لفظ: الْحِين، يسْتَعْمل لمعانٍ كَثِيرَة، وَالْحَاصِل أَن الْحِين فِي الأَصْل بِمَعْنى الْوَقْت. قَبِيلُهُ جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله﴾ (الْأَعْرَاف: ٧٢) . ثمَّ فسر قبيله، أَي: قبيل الشَّيْطَان بِأَنَّهُ جيله، بِكَسْر الْجِيم، أَي: جماعته الَّذين هُوَ أَي الشَّيْطَان مِنْهُم، وروى الطَّبَرِيّ عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: وقبيله، قَالَ: الْجِنّ وَالشَّيَاطِين. ٦٢٣٣ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عنْ مَعْمَرٍ عنْ هَمَّامٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ خَلَقَ الله آدَمَ وطُولَهُ سِتُّونَ ذِرَاعَاً ثُمَّ قَالَ إذْهَبْ فَسَلِّمْ علَى أُولَئِكَ مِنَ المَلائِكَةِ فاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ تَحِيَّتُكَ وتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا السَّلَامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ الله فزَادُوهُ ورَحْمَةُ الله فَكُل مَنْ يَدْخلُ الجَنَّةَ على صُورَةِ آدَمَ فلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآنَ. (الحَدِيث ٦٢٣٣ طرفه فِي: ٧٢٢٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لَا سِيمَا إِذا كَانَ المُرَاد من الْخَلِيفَة فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة هُوَ آدم، ﵊، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَعبد الرَّزَّاق بن همام الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ، وَهَمَّام بن مُنَبّه الْأَنْبَارِي الصَّنْعَانِيّ أَخُو وهب بن مُنَبّه. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الاسْتِئْذَان عَن يحيى بن جَعْفَر، وَأخرجه مُسلم فِي صفة الْجنَّة عَن مُحَمَّد بن رَافع. قَوْله: (وَطوله) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (سِتُّونَ ذِرَاعا) ، قَالَ ابْن التِّين: المُرَاد ذراعنا، لِأَن ذِرَاع كل أحد مثل ربعه، وَلَو كَانَت بذراعه لكَانَتْ يَده قَصِيرَة فِي جنب طول جِسْمه كالإصبع وَالظفر، وَقيل: يحْتَمل

стр. 4537

أَن يكون بِذِرَاع نَفسه، وَالْأول أشهر. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِن الله تَعَالَى يُعِيد أهل الْجنَّة إِلَى خلقه أصلهم الَّذِي هُوَ آدم، ﵊، وعَلى صفته وَطوله الَّذِي خلقَة الله عَلَيْهِ فِي الْجنَّة، وَكَانَ طوله فِيهَا سِتِّينَ ذِرَاعا فِي الِارْتفَاع بذارع نَفسه، قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون هَذَا الذِّرَاع مُقَدرا بأذرعتنا المتعارفة عندنَا، وَقيل: إِنَّه كَانَ يُقَارب أَعْلَاهُ السَّمَاء، وَأَن الْمَلَائِكَة كَانَت تتأذى بنفَسِه، فخفضه الله إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعا، وَظَاهر الحَدِيث خِلَافه. وروى ابْن جرير من حَدِيث عَطاء بن أبي رَبَاح، قَالَ: لما خلق الله آدم فِي الْجنَّة كَانَ رِجْلَاهُ فِي الأَرْض وَرَأسه فِي السَّمَاء، يسمع كَلَام أهل السَّمَاء ودعاءهم ويأنس إِلَيْهِم، فهابته الْمَلَائِكَة حَتَّى شكت إِلَى الله ذَلِك فِي دعائها، فخفضه الله إِلَى الأَرْض، وَقَالَهُ قَتَادَة وَأَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس وَأَبُو يحيى القَتَّات عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس. وَأخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (كتاب الْعَرْش) من حَدِيث طَلْحَة بن عَمْرو الْحَضْرَمِيّ عَن ابْن عَبَّاس. وروى أَحْمد من حَدِيث سعيد ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (كَانَ طول آدم سِتِّينَ ذِرَاعا فِي سَبْعَة أَذْرع عرضا) ، وروى ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَاد حسن عَن أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن الله تَعَالَى خلق آدم رجلا طوَالًا كثير شعر الرَّأْس كَأَنَّهُ نَخْلَة سحوق. قَوْله: (إذْهَبْ فسلِّم) هُوَ أول مَشْرُوعِيَّة السَّلَام، وَهُوَ دَال على أَن تأكده وإفشاءه سَبَب للمحبة الدِّينِيَّة وَدخُول الْجنَّة الْعلية، وَقد قيل بِوُجُوبِهِ. حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ، وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن الْوَارِد على جُلُوس يسلم عَلَيْهِم، وَالْأَفْضَل تَعْرِيفه، فَإِن نكره جَازَ وَفِيه الزِّيَادَة فِي الرَّد على الِابْتِدَاء، وَلَا يشْتَرط فِي الرَّد والإتيان بِالْوَاو. قَوْله: (مَا يحيونك) ، من التَّحِيَّة، ويروى: مَا يجيبونك، من الْإِجَابَة. قَوْله: (تحيتك) بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذِه تحيتك وتحية ذريتك من بعْدك. قَوْله: (فَكل من يدْخل الْجنَّة على صُورَة آدم ﷺ ، أَي: كل من يرزقه الله تَعَالَى دُخُول الْجنَّة يدخلهَا وَهُوَ على صُورَة آدم فِي الْحسن وَالْجمال، وَلَا يدْخل على صورته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا من السوَاد إِن كَانَ من أهل الدُّنْيَا السود، وَلَا يدْخل أَيْضا على صورته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا يُوصف من العاهات والنقائص. قَوْله: (فَلم يزل الْخلق ينقص) ، أَي: من طوله، أَرَادَ أَن كل قرن يكون وجوده أقصر من الْقرن الَّذِي قبله، فَانْتهى تناقص الطول إِلَى هَذِه الْأمة وَاسْتقر الْأَمر على ذَلِك، وَهُوَ معنى قَوْله: (حَتَّى الْآن) . ٧٢٣٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ عُمَارَةَ عنْ أبِي زُرْعَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ إنَّ أوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ علَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ علَى أشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّماءِ إِضَاعَة لَا يُبُولُونَ ولَا يَتَغَوَّطُونَ ولَا يَتْفِلونَ ولَا يَمْتَخِطُونَ أمْشَاطُهُمْ الذَّهَبُ ورَشْحُهُمْ المِسْكُ ومَجَامِرُهُمْ الألُوَّةُ الأنْجُوجُ عُودُ الطِّيب وأزْوَاجُهُمْ الحُورُ العِينُ علَى خَلْقِ رَجلٍ واحِدٍ عَلى صُورَةِ أبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذَرَاعَاً فِي السَّمَاءِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (على صُورَة أَبِيهِم) . وَجَرِير، بِفَتْح الْجِيم: هُوَ ابْن عبد الحميد، وَعمارَة، بِضَم الْعين: هُوَ ابْن الْقَعْقَاع، وَأَبُو زرْعَة، بِضَم الزَّاي وَسُكُون الرَّاء: واسْمه هرم، وَقيل: عبيد الله، وَقيل: عبد الرَّحْمَن البَجلِيّ الْكُوفِي. وَمضى الحَدِيث فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي صفة أهل الْجنَّة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، وَالْآخر: عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن مُحَمَّد بن فليح عَن أَبِيه عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة عَن أبي عمْرَة عَن أبي هُرَيْرَة. وَفِي حَدِيث الْبَاب: وَلَا يَتْفلُونَ، مَوضِع: وَلَا يبصقون، فِي الحَدِيث الْمَاضِي، وَفِيه الزِّيَادَة، وَهِي قَوْله: (الأنجوج عود الطّيب) الأنجوج، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون النُّون وَضم الْجِيم وَفِي آخِره جِيم آخر، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَيُقَال: الألنجوج، بِفَتْح الْهمزَة وَفتح اللَّام وَسُكُون النُّون، وَالْبَاقِي مثله. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه لُغَتَانِ أخريان: النجج ويلنجج، فَلفظ الأنجوج تَفْسِير الألوة. وَقَوله: (عود الطّيب) تَفْسِير الأنجوج، فَيكون هُوَ تَفْسِير التَّفْسِير، وَقد ذكرنَا: أَن الألوة، بِفَتْح الْهمزَة وَضمّهَا وَضم اللَاّم وَتَشْديد الْوَاو الْمَفْتُوحَة. قَوْله: (على خلق رجل وَاحِد) ، بِضَم الْخَاء وَفتحهَا، وَهُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هم على خلق رجل وَاحِد. قَوْله: (على صُورَة أَبِيهِم آدم) قَالَ فِي الأول: على صُورَة الْقَمَر، والتوفيق بَينهمَا بِأَن يُقَال: الْكل على صُورَة آدم فِي الطول والخلقة وَبَعْضهمْ فِي الْحسن كصورة الْقَمَر نورا وإشراقاً. قَوْله: (فِي السَّمَاء) أَي: فِي الْعُلُوّ والارتفاع، وَيُسمى كل مَا علاك سَمَاء.

стр. 4538

٨٢٣٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيى عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أبي سلَمَةَ عنْ أُمِّ سلَمَةَ أنَّ أمَّ سُلَيْمٍ قالَتْ يَا رسُولَ الله إنَّ الله لَا يَسْتَحُيِي مِنَ الحَقِّ فَهَلْ علَى المَرْأةِ الغسْلُ إذَا احْتَلَمَتْ قَالَ نَعَمْ إذَا رَأتْ المَاءَ فَضَحِكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فقالَتْ تَحْتَلِمُ الْمَرْأةُ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ فَبِما يُشْبِهُ الوَلَدُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فبمَا يشبه الْوَلَد) . وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَاسم أمه سَلمَة: هِنْد بنت أبي أُميَّة وَفِي اسْم أم سليم أَقْوَال قد ذَكرنَاهَا، وَهِي: أَن أم أنس بن مَالك. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْغسْل فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن زَيْنَب بنت أبي سَلمَة عَن أم سَلمَة، وَهُنَاكَ: نعم إِذا رَأَتْ المَاء، وَقَوله: (فَقَالَت تحتلم) إِلَى آخِره من الزِّيَادَة هُنَا. قَوْله: (فبمَا يشبه الْوَلَد) ، ويروى: فَبِمَ، بِدُونِ الْألف أَي: لَوْلَا أَن لَهَا نُطْفَة وَمَاء فَبِأَي سَبَب يشبهها وَلَدهَا. ٩٢٣٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلامٍ أخْبرنا الفَزَاريُّ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ بلَغَ عبْدَ الله بنَ سَلامٍ مَقْدَمُ رَسُولِ الله ﷺ المَدِينَةَ فأتاهُ فَقَالَ إنِّي سائِلُكَ عنْ ثَلاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إلَاّ نَبِيٌّ قَالَ مَا أوَّلُ أشْرَاطِ السَّاعَةِ ومَا أوَّلُ طَعامٍ يَأكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ ومنْ أيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ الوَلَدُ إلَى أبِيهِ ومِنْ أيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ إِلَى أخْوَالِهِ فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ خَبَّرَنِي بِهِنَّ آنِفاً جِبْرِيلُ قَالَ فَقالَ عَبْدُ الله ذَاكَ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلائِكَةِ فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ أمَّا أوَّلُ أشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إلاى المَغْرِبِ وأمَّا أوَّلُ طَعامٍ يأكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ وأمَّا الشَّبَهُ فِي الوَلَدِ فإنَّ الرَّجُلَ إذَا غَشِيَ الْمَرْأةَ فسَبَقَهَا مَاؤهُ كانَ الشَّبَهُ لَهُ وإذَا سَبَقَ ماؤهَا كانَ الشَّبَهُ لَهَا قَالَ أشهَدُ أنَّكَ رسُولُ الله ثُمَّ قَالَ يَا رسولَ الله إنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ إنْ عَلِمُوا بإسْلَامِي قَبْلَ أنْ تَسْألَهُمْ بَهَتُونِي عِنْدَكَ فَجَاءَتِ اليَهُودُ ودَخَلَ عَبْدُ الله البَيْتَ فَقال رَسُول الله ﷺ أيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ الله بنُ سَلامٍ قالُوا أعْلَمُنا وابنُ أعْلَمُنَا وأخْيَرنَا وابنُ أخْيَرنَا فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ أفَرَأيْتُمْ أنْ أسْلَمَ عَبْدُ الله قالُوا أعاذَهُ الله مِنْ ذالِكَ فَخَرَجَ عَبْدُ الله إلَيْهِمْ فَقَالَ أشْهَدُ أنْ لَا إلاهَ إلَاّ الله وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رسُولُ الله فقالُوا شَرُّنَا وابنُ شرِّنَا ووَقَعُوا فِيهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَأما الشّبَه) إِلَى قَوْله: (كَانَ الشّبَه لَهَا) لِأَنَّهُ فِي الذُّرِّيَّة والترجمة فِي خلق آدم وَذريته. وَسَلام بتَخْفِيف اللَّام، والفزاري، بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الزَّاي وبالراء: وَهُوَ مَرْوَان بن مُعَاوِيَة. قَوْله: (بلغ عبد الله مقدم رَسُول الله، ﷺ الْمَدِينَة) ، عبد الله مَنْصُوب بقوله: مقدم، وَهُوَ مَرْفُوع على الفاعلية، والمقدم مصدر ميمي بِمَعْنى: الْقدوم، و: الْمَدِينَة نصب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (عَن ثَلَاث) ، أَي: عَن ثَلَاث مسَائِل. قَوْله: (أَشْرَاط السَّاعَة) ، أَي: علاماتها، وَهُوَ جمع: شَرط، بِفَتْح الرَّاء وَبِه سميت: شَرط السُّلْطَان، لأَنهم جعلُوا لأَنْفُسِهِمْ عَلَامَات يعلمُونَ بهَا، هَكَذَا قَالَ أَبُو عبيد، وَحكى الْخطابِيّ عَن بعض أهل اللُّغَة: أَنه أنكر هَذَا التَّفْسِير، وَقَالَ: (أَشْرَاط السَّاعَة) مَا يُنكره النَّاس من صغَار أمورها قبل أَن تقوم السَّاعَة، وَشرط السُّلْطَان نخبة أَصْحَابه الَّذين يقدمهم على غَيرهم من جنده، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هم الشَّرْط، وَالنِّسْبَة إِلَيْهِم شرطي والشرطة وَالنِّسْبَة إِلَيْهِم شرطي وَفِي (دَلَائِل النُّبُوَّة) للبيهقي. سَأَلَهُ عَن السوَاد الَّذِي فِي الْقَمَر بدل (أَشْرَاط السَّاعَة) وَفِي آخِره: لما قَالَت الْيَهُود مَا قَالُوا فِي ابْن سَلام ثَانِيًا بعد الأولى، فَقَالَ ﷺ : أجزأنا الشَّهَادَة الأولى، وَأما هَذِه فَلَا. قَوْله: (ينْزع الْوَلَد إِلَى أَبِيه) ، أَي: يشبه أَبَاهُ وَيذْهب إِلَيْهِ. قَوْله: (فَزِيَادَة كبد حوت)

стр. 4539

زِيَادَة الكبد هِيَ الْقطعَة المنفردة الْمُتَعَلّقَة بالكبد، وَهِي أطيبها، وَهِي فِي غَايَة اللَّذَّة. وَقيل: هِيَ أهنؤ طَعَام وأمرؤه. قَوْله: (إِذا غشي الْمَرْأَة) ، أَي: إِذا جَامعهَا. قَوْله: (بهت) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَضم الْهَاء وسكونها: جمع بهوت، وَهُوَ كثير الْبُهْتَان، وَيُقَال: بهت، أَي: كذابون وممارون لَا يرجعُونَ إِلَى الْحق. قَوْله: (أخيرنا) ، أفعل التَّفْضِيل من الْخَيْر، وَهَذَا دَلِيل من قَالَ: إِن أفعل التَّفْضِيل بِلَفْظ الْأَخير مُسْتَعْمل، وَيُقَال: يرْوى: أخبرنَا، بِالْبَاء الْمُوَحدَة من الْخِبْرَة. ٠٣٣٣ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرَنا عَبْدُ الله أخْبرَنا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامٍ عنْ أبِي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ يَعْنِي لَوْلَا بَنُو إسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنِزِ اللَّحْمُ ولَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا. (الحَدِيث ٠٣٣٣ طرفه فِي: ٩٩٣٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تكون من حَيْثُ إِن خلق حَوَّاء مُضَاف إِلَى خلق آدم ﷺ . وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي. قَوْله: (نَحوه) ، قَالَ بَعضهم: لم يسْبق للمتن الْمَذْكُور طَرِيق يعود عَلَيْهَا هَذَا الضَّمِير، فَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَن اللَّفْظ الَّذِي حَدثهُ بِهِ شَيْخه فَهُوَ بِمَعْنى اللَّفْظ الَّذِي سَاقه. قلت: هَذَا مَا فِيهِ كِفَايَة للمقصود، وَلَا لَهُ التئام من جِهَة التَّرْكِيب، لِأَن الَّذِي يَذُوق دقائق التراكيب مَا يرضى بِهَذَا الَّذِي ذكره، بل الظَّاهِر أَن هَهُنَا وَقع سقط جملَة، لِأَن لَفْظَة: نَحوه، أَو: مثله، لَا يذكر إلَاّ إِذا مضى حَدِيث بِسَنَد وَمتْن، ثمَّ إِذا أُرِيد إِعَادَته بِذكر سَنَد آخر يذكر سَنَده وَيذكر عقيبة لفظ: نَحوه، أَو: مثله. أَي: نَحْو الْمَذْكُور، وَلَا يُعَاد ذكر الْمَتْن اكْتِفَاء بِذكر السَّنَد فَقَط، لِأَن لفظ: نَحوه، ينبىء عَن ذَلِك، وَالَّذِي يظْهر لي بالحدس أَن البُخَارِيّ روى قبل هَذَا: عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن همام عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله، ﷺ : (لَوْلَا بَنو إِسْرَائِيل لم يخْبث الطَّعَام وَلم يخنز اللَّحْم، وَلَوْلَا حَوَّاء لم تخن أُنْثَى زَوجهَا الدَّهْر) . ثمَّ رَوَاهُ عَن بشر بن مُحَمَّد عَن عبد الله عَن معمر عَن همام عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي ﷺ ثمَّ قَالَ: نَحوه، أَي: نَحْو الحَدِيث الْمَذْكُور، ثمَّ فسر ذَلِك بقوله: (يَعْنِي: لَوْلَا بَنو إِسْرَائِيل) إِلَى آخِره وَإِنَّمَا ذكر لفظ: يَعْنِي، إِشَارَة إِلَى أَن الْمَتْن الَّذِي ذكره عبد الله بن الْمُبَارك عَن معمر يغاير الْمَتْن الَّذِي رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر بِبَعْض زِيَادَة، وَهُوَ قَوْله: لم يخْبث الطَّعَام، وَفِي آخِره لفظ: الدَّهْر، وَالْبُخَارِيّ روى عَن مُحَمَّد بن رَافع بن أبي زيد النَّيْسَابُورِي، وروى عَنهُ مُسلم أَيْضا. والْحَدِيث الَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ بِعَيْنِه رِوَايَة مُسلم، وَلَا مَانع أَن يتَّفقَا على الرِّوَايَة عَن مُحَمَّد بن رَافع هَذَا الحَدِيث، فَهَذَا الَّذِي ظهر لنا وَالله أعلم. قَوْله: (لم يخنز اللَّحْم) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَفتح النُّون وبالزاي، أَي: لم ينتن، وَيُقَال أَيْضا: خنز، بِكَسْر النُّون يخنز بِفَتْحِهَا من بَاب علم يعلم، وَالْأول من بَاب ضرب يضْرب، وَيُقَال أَيْضا: خزن يخزن على الْقلب مثل: جبذ وجذب. وَقَالَ ابْن سَيّده: خنز اللَّحْم وَالتَّمْر والجوز خنوزاً فَهُوَ خنز إِذا فسد، وَعَن قَتَادَة: كَانَ الْمَنّ والسلوى يسْقط على بني إِسْرَائِيل من طُلُوع الْفجْر إِلَى طُلُوع الشَّمْس كسقوط الثَّلج، فَيُؤْخَذ مِنْهُ بِقدر مَا يُغني ذَلِك الْيَوْم إلَاّ يَوْم الْجُمُعَة فَإِنَّهُم يَأْخُذُونَ لَهُ وللسبت، فَإِن تعدوا إِلَى أَكثر من ذَلِك فسد مَا ادخروا، فَكَانَ ادخارهم فَسَادًا للأطعمة عَلَيْهِم وعَلى غَيرهم. وَقَالَ بَعضهم: لما نزلت الْمَائِدَة عَلَيْهِم أمروا أَن لَا يدخروا فادخروا، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون من اعتدائهم فِي السبت، وَقيل: كَانَ سَببه أَنهم أمروا بترك ادخار السلوى فادخروه حَتَّى أنتن، فاستمر نَتن اللحوم من ذَلِك الْوَقْت، أَو لما صَار المَاء فِي أَفْوَاههم دَمًا وانتنوا بذلك سرى ذَلِك النتن إِلَى اللَّحْم وَغَيره عُقُوبَة لَهُم. وَفِي (الْحِلْية) لأبي نعيم: عَن وهب بن مُنَبّه، قَالَ: وجدت فِي بعض الْكتب عَن الله تَعَالَى: لَوْلَا أَنِّي كتبت الفناء على الْمَيِّت لحبسه أَهله فِي بُيُوتهم، وَلَوْلَا أَنِّي كتبت الْفساد على الطَّعَام لخزنته الْأَغْنِيَاء عَن الْفُقَرَاء. قَوْله: (وَلَوْلَا حَوَّاء، عَلَيْهَا الصَّلَاة وَالسَّلَام) ، حَوَّاء بِالْمدِّ، سميت بذلك لِأَنَّهَا أم كل حَيّ، أَو لِأَنَّهَا خلقت من ضلع آدم ﷺ القصيري الْيُسْرَى، وَهُوَ حَيّ قبل دُخُوله الْجنَّة. وَقيل: فِيهَا. وَمعنى: خلقت، أخرجت كَمَا تخرج النَّخْلَة من النواة، وَمعنى: ﴿لَوْلَا حَوَّاء لم تخن أُنْثَى زَوجهَا﴾ أَنَّهَا دعت آدم إِلَى الْأكل من تِلْكَ الشَّجَرَة، وَذكر الْمَاوَرْدِيّ أَنَّهَا: الْبر، وَقيل: التِّين، وَقيل: الكافور، وَقيل: الْكَرم، وَقيل: شَجَرَة الْخلد الَّتِي كَانَت الْمَلَائِكَة تَأْكُل مِنْهَا.

стр. 4540

١٣٣٣ - حدَّثنا أبُو كُرَيْبٍ ومُوساى بنُ حِزَامٍ قالَا حدَّثنا حُسَيْنُ بنُ عَلِيٍّ عنْ زَائِدَةَ عنْ مَيْسَرَة الأشْجَعِيِّ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ اسْتَوْصُوا بالنِّسَاءِ فإنَّ الْمَرْأةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وإنَّ أعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلْعِ أعْلَاهُ فإنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وإنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أعْوَجَ فاسْتَوْصُوا بالنِّسَاءِ. مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن يُقَال: إِنَّه لما كَانَ مُشْتَمِلًا على بعض أَحْوَال النِّسَاء، وَهِي من ذُرِّيَّة آدم. والترجمة مُشْتَمِلَة على الذُّرِّيَّة أَيْضا. وَهَذَا وَإِن كَانَ فِيهِ تعسف فَلَا يَخْلُو عَن وَجه، وَهَذَا الْمِقْدَار كافٍ. ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: أَبُو كريب، بِضَم الْكَاف بِصِيغَة التصغير: واسْمه مُحَمَّد بن الْعَلَاء. الثَّانِي: مُوسَى ابْن حزَام، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الزَّاي: أَبُو عمرَان التِّرْمِذِيّ العابد. الثَّالِث: حُسَيْن بن عَليّ بن الْوَلِيد أَبُو عبد الله الْجعْفِيّ. الرَّابِع: زَائِدَة بن قدامَة، بِضَم الْقَاف وَتَخْفِيف الدَّال الْمُهْملَة: أَبُو الصَّلْت الثَّقَفِيّ. الْخَامِس: ميسرَة ضد الميمنة ابْن عمار الْأَشْجَعِيّ. السَّادِس: أَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: واسْمه سلمَان الْأَشْجَعِيّ الْغَطَفَانِي. السَّابِع: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن مُوسَى بن حزَام من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَرُوِيَ عَنهُ مَقْرُونا بِأبي كريب، وَقد وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ وَغَيره، وَمَا لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع. وَفِيه: ميسرَة وَمَا لَهُ فِي البُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الحَدِيث، وَآخر فِي سُورَة آل عمرَان، وَحَدِيث الْبَاب ذكره فِي النِّكَاح من وَجه آخر. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم كوفيون مَا خلا مُوسَى بن حزَام فَإِنَّهُ ترمذي نزل بَلخ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن إِسْحَاق بن نصر، وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّا. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (اسْتَوْصُوا) ، أَي: تواصوا أَيهَا الرِّجَال فِي حق النِّسَاء بِالْخَيرِ، وَيجوز أَن تكون الْبَاء للتعدية والاستفعال بِمَعْنى الإفعال، نَحْو الاستجابة، قَالَ تَعَالَى: ﴿فليستجيبوا لي﴾ (الْبَقَرَة: ٦٨١) . ﴿ويستجيب الَّذين آمنُوا﴾ (الشورى: ٦٢) . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: الإستيصاء: قبُول الْوَصِيَّة، أَي: أوصيكم بِهن خيرا فاقبلوا وصيتي فِيهِنَّ، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: السِّين للطلب مُبَالغَة أَي: اطْلُبُوا الْوَصِيَّة من أَنفسكُم فِي حقهن بِخَير، وَقَالَ غَيره، استفعل على أَصله، وَهُوَ طلب الْفِعْل فَيكون مَعْنَاهُ: اطْلُبُوا الْوَصِيَّة من الْمَرِيض للنِّسَاء، لِأَن عَائِد الْمَرِيض يسْتَحبّ لَهُ أَن يحث الْمَرِيض على الْوَصِيَّة، وَخص النِّسَاء بِالذكر لضعفهن واحتياجهن إِلَى من يقوم بأمرهن، يَعْنِي: إقبلوا وصيتي فِيهِنَّ وَاعْمَلُوا بهَا واصبروا عَلَيْهِنَّ وارفقوا بِهن وأحسنوا إلَيْهِنَّ. قَوْله: (فَإِن الْمَرْأَة) إِلَى آخِره هَذَا تَعْلِيل لما قبله، وَفَائِدَته بَيَان أَنَّهَا خلقت من الضلع الأعوج هُوَ الَّذِي فِي أَعلَى الضلع، أَو بَيَان أَنَّهَا لَا تقبل الْإِقَامَة لِأَن الأَصْل فِي التَّقْوِيم هُوَ أَعلَى الضلع لَا أَسْفَله وَهُوَ فِي غَايَة الإعوجاج، والضلع، بِكَسْر الضَّاد وَفتح اللَّام: مُفْرد الضلوع، وتسكين اللَّام جَائِز. وَقَوله: (خلقت من ضلع) هُوَ أَن الله تَعَالَى لما أسكن آدم الْجنَّة أَقَامَ مُدَّة فاستوحش، فَشَكا إِلَى الله الْوحدَة، فَنَامَ فَرَأى فِي مَنَامه امْرَأَة حسناء ثمَّ انتبه فَوَجَدَهَا جالسة عِنْده، فَقَالَ من أَنْت؟ فَقَالَت: حَوَّاء خلقني الله لتسكن إِلَيّ وأسكن إِلَيْك. قَالَ عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: خلقت من ضلع آدم، وَيُقَال لَهَا: القصيري. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ الضلع الَّتِي يَلِي الشاكلة، وَيُسمى: الواهنة. وَقَالَ مُجَاهِد: إِنَّمَا سميت الْمَرْأَة مرأة لِأَنَّهَا خلقت من الْمَرْء وَهُوَ آدم. وَقَالَ مقَاتل بن سُلَيْمَان: نَام آدم نومَة فِي الْجنَّة فخلقت حَوَّاء من قصيراه من شقَّه الْأَيْمن من غير أَن يتألم، وَلَو تألم لم يعْطف رجل على امْرَأَة أبدا. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لأم الله تَعَالَى مَوضِع الضلع لَحْمًا، وَلما رَآهَا آدم قَالَ: أثاثاً، بالثاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ بالسرانية وَتَفْسِير بِالْعَرَبِيَّةِ: مرأة. وَقَالَ الرّبيع بن أنس: حَوَّاء من طِينَة آدم وَاحْتج بقوله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم من طين﴾ (الْأَنْعَام: ٠٢) . وَالْأول أصح لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة﴾ (الْأَعْرَاف: ٩٨١) . قَوْله: (وَإِن ذهبت تُقِيمهُ كَسرته) ، قيل: هُوَ ضرب مثل للطَّلَاق، أَي: إِن أردْت مِنْهَا أَن تتْرك اعوجاجها أفْضى الْأَمر إِلَى طَلاقهَا، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي

стр. 4541

الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد مُسلم: إِن ذهبت تقيمها كسرتها وَكسرهَا طَلاقهَا. وَقيل: الحَدِيث لم يذكر فِيهِ النِّسَاء إلَاّ بالتمثيل بالضلع والاعوجاج الَّذِي فِي أخلاقهن مِنْهُ، لِأَن للضلع عوجا فَلَا يتهيأ الانفتاع بِهن إلَاّ بِالصبرِ على اعوجاجهن، وَقيل: الصَّوَاب فِي أَعْلَاهُ وَفِي تُقِيمهُ وَفِي كَسرته وَفِي تركته التَّأْنِيث لِأَن الضلع مُؤَنّثَة، وَكَذَا يُقَال: لم تزل عوجاء، وَلِهَذَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم الْمَذْكُورَة بهاء التَّأْنِيث وَأجِيب بِأَن التَّذْكِير يجوز فِي الْمُؤَنَّث الَّذِي لَيْسَ بِزَوْج. ٢٣٣٣ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حدَّثنا أبِي حدَّثنا الأعْمَشُ حَدَّثنا زَيْدُ بنُ وَهْبٍ حدَّثنا عَبْدُ الله حدَّثنا رَسُولُ الله ﷺ وهْوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ إنَّ خَلْقَ أحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمَاً ثُمَّ يَكُونُ علَقَةً مِثْلَ ذالِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذالِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ الله إلَيْهِ مَلَكَاً بأربَعِ كلِمَاتٍ فيُكْتَبُ عَمَلُهُ وأجَلُهُ ورِزْقُهُ وشَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ حتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلَاّ ذِرَاعٌ فيَسْبِقُ علَيْهِ الكِتابُ فيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ فيَدْخُلُ الجَنَّةَ وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَهَا إلَاّ ذِراعٌ فيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارُ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ بَيَان كَيْفيَّة خلق بني آدم، وهم ذُريَّته. والترجمة فِي خلق آدم وَذريته، وَعمر بن حَفْص بن غياث، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَزيد بن وهب الْجُهَنِيّ هَاجر إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، وَلم يُدْرِكهُ مَاتَ سنة سِتّ وَتِسْعين، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. وَمن لطائف إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث أَن فِيهِ: صِيغَة التحديث بِالْجمعِ فِي الْكل حَتَّى قَالَ: حَدثنَا رَسُول الله، ﷺ ، وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب ذكر الْمَلَائِكَة عَن قريب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن الْحسن بن الرّبيع عَن أبي الْأَحْوَص عَن الْأَعْمَش ... إِلَى آخِره. وَقَالَ الْكرْمَانِي: والْحَدِيث مر فِي الْحيض قلت: لَيْسَ كَذَلِك، وَالَّذِي مر فِي الْحيض: عَن أنس بِغَيْر هَذَا الْوَجْه، والآن يَأْتِي، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٣٣٣٣ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ حدَّثنا حمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ أبِي بَكْرِ بنِ أنَسٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبيِّ ﷺ قَالَ إنَّ الله وكَّلَ بالرَّحِمِ ملَكَاً فَيقُولُ يَا رَبِّ نُطْفَةٌ يَا رَبِّ عَلَقَة يَا رَبِّ مُضْغَة فإذَا أرادَ أنْ يَخْلُقَها قَالَ يَا رَبِّ أذَكَرٌ أمْ أُنْثَى يَا رَبِّ شَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ فَما الرِّزْقُ فَمَا الأجَلُ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أمِّهِ. (انْظُر الحَدِيث ٨١٣ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق. وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحيض فِي: بَاب (مخلقة وَغير مخلقة) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن حَمَّاد بن زيد ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (يخلقها) أَي: يصورها وَلم يذكر فِي هَذِه الرِّوَايَة الْعَمَل لِأَنَّهُ يعلم التزاماً من ذكر السَّعَادَة والشقاوة قَوْله: (فَيكْتب كَذَلِك) الْكِتَابَة لإِظْهَار الله ذَلِك للْملك ولإنفاذ أمره، وَإِن كَانَ قَضَاء الله أزلياً لَا يحْتَاج إِلَى الْكِتَابَة. ٤٣٣٣ - حدَّثنا قَيْسُ بنُ حَفْصٍ حدَّثنا خالِدُ بنُ الحَارِثِ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي عِمْرَانَ الجَوْنِيِّ عنْ أنَسٍ يَرْفَعُهُ أنَّ الله يَقُولُ لأِهْوَنِ أهْلِ النَّارِ عَذَابَاً لَوْ أنَّ لَكَ مَا فِي الأرْض مِنْ شَيْءٍ أكُنْتَ

стр. 4542

تَفْتَدِي بِهِ قالَ نَعَمْ فَقَدْ سألْتُكَ مَا هُوَ أهْوَنُ مِنْ هذَا وأنْتَ فِي صُلْبِ آدَم أنْ لَا تُشْرِكَ بِي فأبَيْتَ إلَاّ الشِّرْكَ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِيهِ من جملَة مَا يجْرِي على أهل النَّار، وهم من ذُرِّيَّة آدم، ﵊، وَقيس ابْن حَفْص أَبُو مُحَمَّد الدَّارمِيّ الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وخَالِد بن الْحَارِث بن سليم أَبُو عُثْمَان الهُجَيْمِي الْبَصْرِيّ. وَأَبُو عمرَان عبد الْملك بن حبيب الجرني، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء وبالنون. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي صفة النَّار عَن بنْدَار. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن عبد الله بن معَاذ وَعَن بنْدَار. قَوْله: (يرفعهُ) أَي: يرفع أنس الحَدِيث إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، وَهِي لَفْظَة يستعملها المحدثون فِي مَوضِع: قَالَ رَسُول الله، ﷺ ، وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (لأهون أهل النَّار عذَابا) ، أَي: لأيسر أَهلهَا من حَيْثُ الْعَذَاب، يُقَال: إِنَّه أَبُو طَالب. قَوْله: (أَكنت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (تَفْتَدِي بِهِ) ، من الافتداء وَهُوَ خلاص نَفسه من الَّذِي وَقع فِيهِ بِدفع مَا يملكهُ. قَوْله: (مَا هُوَ أَهْون) كلمة: مَا، مَوْصُولَة، وَالْوَاو فِي: وَأَنت، للْحَال. قَوْله: (فأبيت) ، أَي: امْتنعت إِلَّا الشّرك أتيت بِهِ. ٥٣٣٣ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفُصِ بنِ غِياثٍ حدَّثنا أبي حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُرَّةَ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمَاً إلَاّ كانَ على ابنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا لأِنَّهُ أوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْقَاتِل فِيهِ وَهُوَ قابيل، كَمَا نذكرهُ هُوَ ابْن آدم من صلبه، وَهُوَ دَاخل فِي لفظ الذُّرِّيَّة فِي التَّرْجَمَة. وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدِّيات: عَن قبيصَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَفِي الِاعْتِصَام عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن عبد الله ابْن نمير وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَعَن ابْن أبي عمر. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْعلم عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن عَليّ بن خشرم وَفِي الْمُحَاربَة عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الدِّيات عَن هِشَام بن عمار. قَوْله: (لَا تقتل نفس) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْمرَاد بِالنَّفسِ: نفس ابْن آدم، و: ظلما، نصب على التَّمْيِيز. قَوْله: (إلَاّ كَانَ على ابْن آدم الأول) المُرَاد من الابْن هُنَا هُوَ قابيل، وآدَم الأول هُوَ آدم النَّبِي ﷺ ، أَبُو قابيل، وَقد قتل هُوَ أَخَاهُ هابيل وَكَانَ عمره عشْرين سنة وَعمر قابيل خَمْسَة وَعشْرين سنة، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: وَأهل الْعلم مُخْتَلفُونَ فِي اسْم الْقَاتِل، فبعضهم يَقُول: هُوَ قين بن آدم، وَبَعْضهمْ يَقُول هُوَ: قاين بن آدم، وَبَعْضهمْ يَقُول: هُوَ قابيل، وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي سَبَب قَتله هابيل، فَقَالَ عبد الله بن عَمْرو: إِن الله تَعَالَى أَمر بني آدم أَن يقربا قرباناً، وَأَن صَاحب الْغنم قرب أكْرم غنمه، وَصَاحب الْحَرْث قرب شَرّ حرثه، فَقبل الله قرْبَان الأول، وَقَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: كَانَ من شَأْنهمَا أَنه لم يكن مِسْكين يتَصَدَّق عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ القربان يقربهُ الرجل، فَبَيْنَمَا هما قاعدان إِذْ قَالَا: لَو قربنا؟ فقربا قرباناً فَتقبل من أَحدهمَا. قلت: حكى السّديّ عَن أشياخه عَن مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير وَعَطَاء وَغَيرهم عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَالُوا: كَانَت حَوَّاء تَلد توأماً فِي كل بطن غُلَاما وَجَارِيَة إلَاّ شيثاً فَإِنَّهَا وَلدته مُفردا، فَلَمَّا كَانَ بعد مائَة سنة من هبوط آدم، ﵊، إِلَى الدُّنْيَا ولدت قابيل وتوأمته أقليما، ثمَّ هابيل وتوأمته ليوذا، وَكَانَ ابْن آدم يُزَوّج ابْنه أُخْته الَّتِي لم تكن توأمته، فَلَمَّا بلغ قابيل وهابيل، أَمر الله تَعَالَى آدم، ﵊، أَن يُزَوّج قابيل ليوذا أُخْت هابيل، ويزوج هابيل إقليما أُخْت قابيل، وَكَانَت من أجمل النِّسَاء قامة وأجملهن وأحسنهن صُورَة، فَلم يرضَ قابيل. وَقَالَ: أَنا أَحَق بأختي أَنا وأختي من أَوْلَاد الْجنَّة وهابيل وَأُخْته من أَوْلَاد الدُّنْيَا، فَقَالَ آدم: قربا قرباناً، وَكَانَ قابيل صَاحب زرع وهابيل صَاحب غنم، فَقرب قابيل صبرَة من طَعَام من أردى زرعه، وأضمر فِي نَفسه. وَقَالَ: مَا أُبَالِي أتقبل مني أم لَا بعد أَن يتَزَوَّج هابيل أُخْتِي، وَقرب هابيل كَبْشًا سميناً من خِيَار غنمه ولبناً وزبداً وأضمر فِي نَفسه الرِّضَا بِاللَّه تَعَالَى، وَكَانَ القربان إِذا قبل تنزل من السَّمَاء نَار بَيْضَاء.

стр. 4543

فتأكله، فَنزلت نَار فَأكلت قرْبَان هابيل وَلم تَأْكُل من قرْبَان قابيل شَيْئا، فَأخذ قابيل فِي نَفسه حَتَّى قتل هابيل. وَعَن ابْن عَبَّاس: لم يزل الْكَبْش يرْعَى فِي الْجنَّة حَتَّى فدى بِهِ إِسْمَاعِيل، ﵊. وَاخْتلفُوا فِي أَي مَوضِع كَانَ القربان؟ فعامة الْعلمَاء على أَنه كَانَ بِالْهِنْدِ. وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي كَيْفيَّة قَتله؟ فَقَالَ ابْن جريج: إِنَّه أَتَاهُ وَهُوَ نَائِم فَلم يدر كَيفَ يقْتله، فَأَتَاهُ الشَّيْطَان متمثلاً فَأخذ طيراً فَوضع رَأسه على حجر ثمَّ شدخ رَأسه بِحجر آخر، وقابيل ينظر إِلَيْهِ، فَفعل بهابيل كَذَلِك. وَعَن ابْن عَبَّاس: رَمَاه بِحجر فَقتله. وروى مُجَاهِد عَنهُ: أَنه رضخ رَأسه بصخرة، وَعَن الرّبيع: أَنه اغتاله فَقتله، وَقيل: خنقه، وَقيل: ضربه بحديدة فَقتله. وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي مَوضِع مصرعه؟ فَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: على جبل ثَوْر، وَعَن جَعْفَر الصَّادِق: بِالْبَصْرَةِ مَكَان الْجَامِع، وَعَن الطَّبَرِيّ: على عقبَة حراء، وَعَن المَسْعُودِيّ: قَتله بِدِمَشْق، وَكَذَا قَالَه الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر فِي (تَارِيخ دمشق) ، فَقَالَ: كَانَ قابيل يسكن خَارج بَاب الْجَابِيَة وَأَنه قتل أَخَاهُ على جبل قاسيون عِنْد مغارة الدَّم، وَقَالَ كَعْب: الدَّم الَّذِي على قاسيون هُوَ دم ابْن آدم. وَقَالَ سبط ابْن الْجَوْزِيّ: وَالْعجب من هَذِه الْأَقْوَال، وَقد اتّفق أَرْبَاب السّير أَن الْوَاقِعَة كَانَت بِالْهِنْدِ، وَأَن قابيل اغتنم غيبَة أَبِيه بِمَكَّة، فَمَا الَّذِي أَتَى بِهِ إِلَى جبل ثَوْر وحراء وهما بِمَكَّة؟ وَمَا الَّذِي أَتَى بِهِ إِلَى الْبَصْرَة وَلم تكن أسست؟ وَأَيْنَ الْهِنْد ودمشق والجابية؟ وَهل وضعت التواريخ إلَاّ ليتميز الصَّحِيح والسقيم والسالم والسليم؟ أللهم غفراً. قلت: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس: أَنه قَتله على جبل نوذ بِالْهِنْدِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَحكى الثَّعْلَبِيّ عَن مُعَاوِيَة بن عمار: سَأَلت الصَّادِق أَكَانَ آدم يُزَوّج ابْنَته من ابْنه؟ فَقَالَ: معَاذ الله، وَإِنَّمَا هُوَ لما أهبط إِلَى الأَرْض ولدت حَوَّاء، عَلَيْهَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِنْتا فسماها عنَاقًا، وَهِي أول من بغى على وَجه الأَرْض، فَسلط الله عَلَيْهَا من قَتلهَا. فولد لَهُ على إثْرهَا قابيل، فَلَمَّا أدْرك أظهر الله لَهُ جنية يُقَال لَهَا: حمامة، فَأوحى الله إِلَيْهِ أَن زَوجهَا مِنْهُ، فَلَمَّا أدْرك هابيل أهبط الله إِلَيْهِ من الْجنَّة حوراء اسْمهَا: بذلة، فَأوحى الله إِلَيْهِ أَن زَوجهَا مِنْهُ، فأعتب قابيل على أَبِيه، وَقَالَ: أَنا أسن مِنْهُ وَكنت أَحَق بهَا. قَالَ: يَا بني إِن الله تَعَالَى أوحى إِلَيّ بذلك، فقربا قرباناً. قَوْله: (كفل) ، بِكَسْر الْكَاف وَإِسْكَان الْفَاء: وَهُوَ النَّصِيب والجزء، وَقَالَ الْخَلِيل: الكفل من الْأجر وَالْإِثْم هُوَ الضعْف. وَفِي التَّنْزِيل: ﴿من يشفع شَفَاعَة حَسَنَة يكن لَهُ نصيب مِنْهَا وَمن يشفع شَفَاعَة سَيِّئَة يكن لَهُ كفل مِنْهَا﴾ (النِّسَاء: ٥٨) . وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته﴾ (الْحَدِيد: ٨٢) . فَلَعَلَّهُ من تَغْلِيب الْخَيْر. قَوْله: (لِأَنَّهُ) ، أَي: لِأَن ابْن آدم الأول أول من سنّ الْقَتْل، أَي على وَجه الأَرْض من بني آدم، فَإِن قيل: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ (الْأَنْعَام: ٤٦١، الْإِسْرَاء: ٥١، فاطر: ٨١، الزمر: ٧، النَّجْم: ٨٣) . أُجِيب: بِأَن هَذَا جَزَاء تأسيس فَهُوَ فعل سنة، وَالله أعلم. (قَالَ وَقَالَ اللَّيْث عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت سَمِعت النَّبِي ﷺ َ - يَقُول الْأَرْوَاح جنود مجندة فَمَا تعارف مِنْهَا ائتلف وَمَا تناكر مِنْهَا اخْتلف) مطابقته للتَّرْجَمَة من جِهَة أَن التَّرْجَمَة جُزْء مِنْهُ أَي قَالَ البُخَارِيّ وَقَالَ اللَّيْث بن سعد عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد عَن عبد الله بن صَالح عَن اللَّيْث وَوَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق سعيد بن أبي مَرْيَم عَن يحيى بن أَيُّوب وَفِي الحَدِيث قصَّة ذكرهَا أَبُو يعلى وَغَيره وَهِي أَن عمْرَة قَالَت كَانَت بِمَكَّة امْرَأَة مزاحة فَنزلت على امْرَأَة مثلهَا فَبلغ ذَلِك عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فَقَالَت صدق حِين سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول " الْأَرْوَاح جنود مجندة " الحَدِيث والْحَدِيث رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد حَدثنَا عبد الْعَزِيز يَعْنِي ابْن مُحَمَّد عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ " الْأَرْوَاح جنود مجندة " إِلَى آخِره نَحوه قَوْله " الْأَرْوَاح " جمع روح وَهُوَ الَّذِي يقوم بِهِ الْجَسَد وَيكون بِهِ الْحَيَاة قَوْله " جنود مجندة " أَي جموع مجتمعة وأنواع مُخْتَلفَة وَقيل أَجنَاس مجنسة وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن الْأَرْوَاح لَيست بأعراض فَإِنَّهَا كَانَت

стр. 4544

مَوْجُودَة قبل الأجساد وَإِنَّهَا تبقى بعد فنَاء الأجساد وَيُؤَيِّدهُ " أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طير خضر " قَوْله " فَمَا تعارف مِنْهَا " تعارفها مُوَافقَة صفاتها الَّتِي خلقهَا الله عَلَيْهَا وتناسبها فِي أخلاقها وَقيل لِأَنَّهَا خلقت مجتمعة ثمَّ فرقت فِي أجسادها فَمن وَافق قسيمه أَلفه وَمن باعده نافره وَقَالَ الْخطابِيّ فِيهِ وَجْهَان. أَحدهمَا أَن يكون إِشَارَة إِلَى معنى التشاكل فِي الْخَيْر وَالشَّر وَإِن الْخَيْر من النَّاس يحن إِلَى شكله والشرير يمِيل إِلَى نَظِيره والأرواح إِنَّمَا تتعارف بضرائب طباعها الَّتِي جبلت عَلَيْهَا من الْخَيْر وَالشَّر فَإِذا اتّفقت الأشكال تعارفت وتألفت وَإِذا اخْتلفت تنافرت وتناكرت. وَالْآخر أَنه رُوِيَ أَن الله تَعَالَى خلق الْأَرْوَاح قبل الأجساد وَكَانَت تلتقي فَلَمَّا التسبت بالأجساد تعارفت بِالذكر الأول فَصَارَ كل وَاحِد مِنْهَا إِنَّمَا يعرف وينكر على مَا سبق لَهُ من الْعَهْد الْمُتَقَدّم وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ إِذا وجد أحد من نَفسه نفرة مِمَّن لَهُ فَضِيلَة أَو صَلَاح يفتش عَن الْمُوجب لَهَا فَإِنَّهُ ينْكَشف لَهُ فَيتَعَيَّن عَلَيْهِ أَن يسْعَى فِي إِزَالَة ذَلِك حَتَّى يتَخَلَّص من ذَلِك الْوَصْف المذموم وَكَذَلِكَ القَوْل إِذا وجد فِي نَفسه ميلًا إِلَى من فِيهِ شَرّ وشبهة وشاع فِي كَلَام النَّاس قَوْلهم الْمُنَاسبَة تؤلف بَين الْأَشْخَاص والشخص يؤلف بَين شكله وَلما نزل عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الْكُوفَة قَالَ يَا أهل الْكُوفَة قد علمنَا خَيركُمْ من شريركم فَقَالُوا لم ذَلِك قَالَ كَانَ مَعنا نَاس من الأخيار فنزلوا عِنْد نَاس فَعلمنَا أَنهم من الأخيار وَكَانَ مَعنا نَاس من الأشرار فنزلوا عِنْد نَاس فَعلمنَا أَنهم من الأشرار وَكَانَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر (عَن الْمَرْء لَا تسل وسل عَن قرينه ... فَكل قرين بالمقارن يَقْتَدِي) (وَقَالَ يحيى بن أَيُّوب حَدثنِي يحيى بن سعيد بِهَذَا) يحيى بن أَيُّوب الغافقي الْمصْرِيّ وَيحيى بن سعيد هُوَ الَّذِي مضى عَن قريب قَوْله " مثله " أَي مثل الَّذِي قبله وَقد وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق سعيد بن أبي مَرْيَم عَن يحيى بن أَيُّوب بِهِ - ٣ - (بابٌ الأرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: الْأَرْوَاح جنود مجندة، والآن يَأْتِي تَفْسِيره، وَوجه ذكر هَذِه التَّرْجَمَة عقيب تَرْجَمَة: خلق آدم، الْإِشَارَة إِلَى أَن بني آدم مركبة من الْأَجْسَام والأرواح. ٣ - (بابُ قَوْلِ الله ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحَاً إلَى قَوْمِهِ﴾ (هود: ٥٢) .) أَي: هَذَا بَاب مَعْقُود فِي قَول الله : ﴿وَلَقَد أرسلنَا نوحًا إِلَى قومه﴾ (هود: ٥٢) . وَهُوَ نوح بن لمك، بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْمِيم، وَقيل: لمك بِفتْحَتَيْنِ، وَقيل: لامك، بِفَتْح الْمِيم وَكسرهَا. وَقَالَ ابْن هِشَام: بالعبرانية لامخ، بِفَتْح الْمِيم وَفِي آخِره خاء مُعْجمَة، وبالعربية: لمك، وبالسريانية: لمخ، وَتَفْسِيره: متواضع، وَيُقَال: لمَكَان، وَيُقَال: ملكان بِتَقْدِيم الْمِيم على اللَاّم. وَقَالَ السُّهيْلي: ولمك هُوَ أول من اتخذ الْعود للغناء، وَاتخذ مصانع المَاء وَهُوَ ابْن متوشلخ، بِفَتْح الْمِيم وَضم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق الْمُشَدّدَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَاللَّام وَفِي آخِره خاء مُعْجمَة، كَذَا ضَبطه ابْن الْمصْرِيّ، وَضَبطه أَبُو الْعَبَّاس عبد الله بن مُحَمَّد الفاسي فِي قصيدة يمدح بهَا رَسُول الله، ﷺ ، وَهِي طَوِيلَة ذكرتها فِي أول (مَعَاني الْأَخْبَار) فِي: رجال مَعَاني الْآثَار، بِضَم الْمِيم وَفتح التَّاء وَالْوَاو وَسُكُون الشين وَكسر اللَّام وبالخاء الْمُعْجَمَة. وَقَالَ السُّهيْلي: بِضَم الْمِيم وَفتح التَّاء وَسُكُون الْوَاو، وَمِنْهُم من ضبط فِي آخِره بِالْحَاء الْمُهْملَة وَمَعْنَاهُ فِي الْكل: مَاتَ الرَّسُول، لِأَن أَبَاهُ كَانَ رَسُولا، وَهُوَ خنوخ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَضم النُّون وَسُكُون الْوَاو، وَفِي آخِره مُعْجمَة أُخْرَى، وَيُقَال بِالْحَاء الْمُهْملَة فِي أَوله، وَيُقَال: بالمهملتين وَيُقَال: أَخْنُوخ بِزِيَادَة همزَة فِي أَوله، وَيُقَال: أخنخ بِإِسْقَاط الْوَاو، وَيُقَال أهنخ بِالْهَاءِ بعد الْهمزَة، وَمَعْنَاهُ على الِاخْتِلَاف بِالْعَرَبِيَّةِ: إِدْرِيس، ﵊، سمي بذلك لِكَثْرَة درسه الْكتب، وصحف آدم وشيث، وَأمه أشوت، وَأدْركَ من حَيَاة آدم ثَلَاثمِائَة سنة وثمان سِنِين وَهُوَ ابْن يارد بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَفتح الرَّاء، كَذَا ضَبطه أَبُو عمر، وَكَذَا ضَبطه النسابة الجواني إلَاّ أَنه قَالَ: بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، وَقيل: يرد، بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الرَّاء، قَالَ ابْن هِشَام: اسْمه فِي التَّوْرَاة يارد، وَهُوَ عبراني، وَتَفْسِيره: ضَابِط، واسْمه فِي الْإِنْجِيل بالسُّرْيَانيَّة، يرد، وَتَفْسِيره بالعربي: ضبط، وَقيل: اسْمه رائد وَلم يثبت، وَهُوَ ابْن مهلائيل، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْهَاء وبالهمز، وَقد يُقَال بِالْيَاءِ بِلَا همز، وَمَعْنَاهُ: الممدح، وَقَالَ ابْن هِشَام: مهليل بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْهَاء وَكسر اللَّام، وَهُوَ اسْم عبراني، واسْمه بِالْعَرَبِيَّةِ: ممدوح، وَقَالَ السُّهيْلي: واسْمه بالسُّرْيَانيَّة فِي الْإِنْجِيل: نابل، بالنُّون وبالباء الْمُوَحدَة وَتَفْسِيره بِالْعَرَبِيَّةِ: مسيح الله، وَفِي زَمَنه كَانَ بَدْء عبَادَة الْأَصْنَام، وَهُوَ ابْن قينان بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنونين بَينهمَا ألف، وَمَعْنَاهُ المستولي، وَجَاء فِيهِ: قينين وقاين، واسْمه

стр. 4545

فِي الْإِنْجِيل: ماقيان، وَتَفْسِيره بالعربي: عِيسَى، وَهُوَ ابْن أنوش، بِفَتْح الْهمزَة الممدودة وَضم النُّون، وَفِي آخِره شين مُعْجمَة، وَمَعْنَاهُ: الصَّادِق، وَيُقَال: إيناش، بِكَسْر الْهمزَة، وَهُوَ فِي اللُّغَة العبرانية وَتَفْسِيره بِالْعَرَبِيَّةِ: إِنْسَان، وَيُقَال: يانش، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، وَمَعْنَاهُ المستوي، وَهُوَ ابْن شِيث، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة وَمَعْنَاهُ: هبة الله، وَيُقَال: عَطِيَّة الله، وَهَذَا اسْمه بالعبرانية، وبالسريانية: شاث، بِالْألف مَوضِع الْيَاء، وَتُوفِّي شِيث وعمره تِسْعمائَة سنة واثني عشر سنة، وَدفن مَعَ أَبَوَيْهِ آدم وحواء فِي غَار أبي قبيس، وَهُوَ الَّذِي بنى الْكَعْبَة بالطين وَالْحِجَارَة وَكَانَت هُنَاكَ خيمة لآدَم ﵊، وَضعهَا الله لَهُ من الْجنَّة، وَكَانَ أبَوَا نوح، ﵊، مؤمنَين، وَاسم أمه قيثوش بنت بركاييل بن مخواييل بن أخنوح، وَذكر الزَّمَخْشَرِيّ: أَمن اسْم أم نوح شمحا بنت آنوش، وَأرْسل الله نوحًا، ﵊، إِلَى ولد قابيل وَمن تَابعهمْ من ولد شِيث وَهُوَ ابْن خمسين سنة، وَقيل: ابْن ثَلَاثمِائَة وَخمسين سنة، وَقيل: ابْن ثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة سنة، وَاخْتلفُوا فِي مقَامه على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: بِالْهِنْدِ، قَالَه مُجَاهِد. وَالثَّانِي: بِأَرْض بابل والكوفة، قَالَه الْحسن الْبَصْرِيّ، وَقَالَ ابْن جرير: كَانَ مولده بعد وَفَاة آدم بِمِائَة سنة وست وَعشْرين سنة، وَقَالَ مقَاتل: بَينه وَبَين آدم ألف سنة، وَبَينه وَبَين إِدْرِيس مائَة سنة. وَهُوَ أول نَبِي بعد إِدْرِيس، ﵊، وَقَالَ مقَاتل: اسْمه السكن، وَقيل: السَّاكِن، وَقَالَ السّديّ: إِنَّمَا سمي سكناً لِأَن الأَرْض سكنت بِهِ. وَقيل: اسْمه عبد الْغفار، ذكره الطَّبَرِيّ، وَسمي نوحًا لِكَثْرَة نوحه وبكائه، وَقيل: إِن الله تَعَالَى أوحى إِلَيْهِ: لِمَ تَنُوح؟ لِكَثْرَة بكائه، فَسُمي نوحًا وَيُقَال: إِنَّه نظر يَوْمًا إِلَى كلب قَبِيح المنظر، فَقَالَ: مَا أقبح صُورَة هَذَا الْكَلْب، فأنطقه الله وَقَالَ: يَا مِسْكين على من عبت؟ على النقش أَو على النقاش؟ فَإِن كَانَ على النقش فَلَو كَانَ خلقي بيَدي حسنته؟ وَإِن كَانَ على النقاش فالعيب عَلَيْهِ اعْتِرَاض فِي ملكه. فَعلم أَن الله تَعَالَى أنطقه، فناح على نَفسه وَبكى أَرْبَعِينَ سنة، قَالَه السّديّ عَن أشياخه، وَمَات نوح وعمره ألف سنة وَأَرْبَعمِائَة سنة، قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب (أَعمار الْأَعْيَان) وَقيل: ألف وثلاثمائة سنة، وَقيل: ألف وَسَبْعمائة وَثَمَانِينَ سنة، قيل: إِنَّه مَاتَ بقرية الثَّمَانِينَ، وَهِي الْقرْيَة الَّتِي بناها عِنْد الجودي الَّذِي أرسيت عَلَيْهِ السَّفِينَة، وَهُوَ بِقرب موصل بالشرق، حَكَاهُ هَارُون بن الْمَأْمُون، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: مَاتَ بِالْهِنْدِ على جبل نوذ، وَقيل: بِمَكَّة، وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن ساباط: قبر هود وَصَالح وَشُعَيْب ونوح، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، بَين زَمْزَم والركن وَالْمقَام، وَقيل: مَاتَ بِبَابِل، وَقيل: بِبَلَد بعلبك فِي الْبِقَاع، قَرْيَة يُقَال لَهَا: الكرك فِيهَا قبر يُقَال لَهُ: قبر نوح، وَيعرف الْآن: بكرك نوح ﷺ ، وَقَالَ ابْن كثير: وَأما قَبره فروى ابْن جرير والأزرقي: أَنه فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، وَهَذَا أقوى وَأثبت من الَّذِي ذكره كثير من الْمُتَأَخِّرين من أَنه ببلدة بالبقاع تعرف بكرك نوح ﷺ ، وَقَالُوا: ذكره الله فِي الْقُرْآن فِي مَوَاضِع، فَقيل: فِي ثَمَانِيَة وَعشْرين موضعا، مِنْهَا مَا ذكره البُخَارِيّ من قَوْله: بَاب قَول الله : ﴿وَلَقَد أرسلنَا نوحًا إِلَى قومه﴾ (هود: ٥٢) . وَتَمام الْآيَة: ﴿فَقَالَ يَا قوم اعبدوا الله مَا لكم من إل هـ غَيره إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ (هود: ٥٢) . لما ذكر الله تَعَالَى قصَّة آدم فِي أول السُّورَة، وَهِي سُورَة الْأَعْرَاف، وَمَا يتَعَلَّق بذلك شرع فِي ذكر قصَص الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، الأول فَالْأول، فابتدأ بِذكر نوح، ﵊، فَإِنَّهُ أول رَسُول بَعثه الله إِلَى أهل الأَرْض بعد آدم، ﵊، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: لم يلقَ نَبِي من قومه من الْأَذَى مثل نوح ﷺ إلَاّ نَبِي قتل. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بادِىءِ الرَّأيِ مَا ظَهَرَ لَنَا أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَالَ الْمَلأ الَّذين كفرُوا من قومه مَا نرَاك إِلَّا بشرا مثلنَا وَمَا نرَاك اتبعك إلَاّ الَّذين هم أراذلنا باديء الرَّأْي﴾ (هود: ٧٢) . ثمَّ فسر باديء الرَّأْي بقوله: مَا ظهر لنا. وقرىء باديء بِالْهَمْزَةِ وَتركهَا، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: انتصابه على الظّرْف، والأراذل: جمع الأرذل، وَهُوَ الدون من كل شَيْء، وَقَالَ الزّجاج: الأراذل الحاكة. أقْلِعِي أمْسِكِي أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا سَمَاء أقلعي﴾ (هود: ٤٤) . وَفسّر أقلعي، بقوله: أمسكي، وَكَذَا رَوَاهُ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وأقلعي أَمر من الإقلاع، وإقلاع الْأَمر الْكَفّ عَنهُ. وفارَ التَّنُّورُ نَبعَ المَاءُ

стр. 4546

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا جَاءَ أمرنَا وفار التَّنور﴾ (هود: ٠٤) . وَفسّر: فار، بقوله: نبع المَاء، وفار من الْفَوْر وَهُوَ الغليان، والفوارة مَا يفور من الْقدر، والتنور اسْم فَارسي مُعرب لَا تعرف لَهُ الْعَرَب إسماً غَيره، قَالَه ابْن دُرَيْد، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: التَّنور بِكُل لِسَان عَرَبِيّ وعجمي، وَعنهُ أَنه تنور الْملَّة، وَقَالَ الْحسن: كَانَ من حِجَارَة وَبِه قَالَ ابْن مُجَاهِد وَابْن مقَاتل، وَاخْتلفُوا فِي مَوْضِعه، فَقَالَ مُجَاهِد: كَانَ فِي نَاحيَة الْكُوفَة، وَقَالَ مقَاتل: كَانَ تنور آدم، وَإِنَّمَا كَانَ بِالشَّام بِموضع يُقَال لَهُ: عين وردة، وَعَن عِكْرِمَة: فار التَّنور بِالْهِنْدِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وجْهُ الأرْضِ أَي: قَالَ عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس: التَّنور وَجه الأَرْض، كَذَا رَوَاهُ ابْن جرير من طَرِيق أبي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ عَن عِكْرِمَة. وَقَالَ مُجَاهِدٌ الجُودِيُّ جَبَلٌ بالجَزِيرَةِ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿واستوت على الجودي﴾ (هود: ٤٤) . أَي: السَّفِينَة اسْتَقَرَّتْ على الْجَبَل الَّذِي يُسمى بالجودي، وَهُوَ جبل بِجَزِيرَة ابْن عمر فِي الشرق مَا بَين دجلة والفرات، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَنهُ، وَزَاد: تشامخت الْجبَال يَوْم الْغَرق وتواضع هُوَ لله ، فَلم يغرق وأرسيت عَلَيْهِ سفينة نوح، ﵇. أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مثل دأب قوم نوح﴾ (غَافِر: ١٣) . وَفسّر الدأب: بِالْحَال، وَهُوَ الْعَادة أَيْضا. بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿إنَّا أرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أنْ يَأتِيَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ (نوح: ١) . إِلَى آخر السُّورَةِ أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر سُورَة نوح ﵇، وَهِي اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ آيَة، ومائتان وَأَرْبع وَعِشْرُونَ كلمة، وَتِسْعمِائَة وَتسْعُونَ حرفا، وَهَذِه التَّرْجَمَة وَقعت هَكَذَا بعد قَوْله: بَاب قَول الله : ﴿وَلَقَد أرسلنَا نوحًا إِلَى قومه﴾ (نوح: ١) . وَهُوَ رِوَايَة الْأَكْثَرين وَلم يَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر إلَاّ بَاب قَول الله: ﴿وَلَقَد أرسلنَا نوحًا إِلَى قومه﴾ (هود: ٥٢) . قَوْله: (أَن أنذر) ، أَي: بِأَن أنذر، حذف الْجَار وَالْمعْنَى: إِنَّا أرسلنَا نوحًا إِلَى قومه بِأَن قُلْنَا لَهُ: أنذر، أَي: أرسلناه بِالْأَمر بالإنذار، وَيجوز أَن تكون: أَن، مفسرة لِأَن الْإِرْسَال فِيهِ معنى القَوْل. قَوْله: (من قبل أَن يَأْتِيهم عَذَاب) ، قيل: عَذَاب الْآخِرَة، وَقيل: عَذَاب الطوفان وَالْغَرق، وَإِنَّمَا قَالَ ... إِلَى آخر السُّورَة، إِشَارَة إِلَى أَن هَذِه السُّورَة كلهَا فِي قَضِيَّة نوح مَعَ قومه. ﴿واتْلُ علَيْهِمْ نَبأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ علَيْكُمْ مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ الله﴾ إِلَى قَوْله: ﴿مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ (يُونُس: ٢٧) . هَذِه الْآيَة لَيست بموجودة فِي الْكتاب عِنْد أَكثر الروَاة، وَتَمام الْآيَة هُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فعلى الله توكلت فَأَجْمعُوا أَمركُم وشركاءكم ثمَّ لَا يكن أَمركُم عَلَيْكُم غمَّة ثمَّ اقضوا إِلَيّ وَلَا تنْظرُون فَإِن توليتم فَمَا سألتكم من أجر إِن أجري إلَاّ على الله وَأمرت أَن أكون من الْمُسلمين﴾ . ٧٣٣٣ - حدَّثنا عَبْدَانُ أخْبرَنا عَبْدُ الله عنْ يُونُسَ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سالِمٌ وَقَالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قامَ رسولُ الله، ﷺ فِي النَّاسِ فأثْنَى علَى الله بِمَا هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ إنِّي لَمُنْذِرُكُمُوهُ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إلَاّ أنْذَرَهُ قَوْمَهُ لَقَدْ أنْذَرَ نُوحٌ قَوْمَهُ ولَكِنِّي أقولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلاً لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ تَعْلَمُونَ أنَّهُ أعْوَرُ وأنَّ الله لَيْسَ بِأعْوَرَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: لقد أنذر نوح قومه، وعبدان هُوَ لقب عبد الله بن عُثْمَان، وَقد تكَرر ذكره، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك

стр. 4547

وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عَمْرو. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب إِذا أسلم الصَّبِي ... مطولا بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه، وَلَكِن قَوْله: (ثمَّ ذكر الدَّجَّال) إِلَى آخِره، لَيْسَ هُنَاكَ. فَقَوله: (ثمَّ ذكر الدَّجَّال) يَعْنِي: بعد الْفَرَاغ من خطبَته، والدجال فعال من أبنية الْمُبَالغَة لِكَثْرَة الْكَذِب فِيهِ، وَهُوَ من الدجل، وَهُوَ الْخَلْط والتلبيس والتمويه. قَوْله: (إِنِّي لمنذركموه) من الأنذار، وَهُوَ التخويف، وَقد أكدت هَذِه الْجُمْلَة بمؤكدات بِكَلِمَة: إِن، وَاللَّام، وَكَون الْجُمْلَة إسمية. قَوْله: (لقد أنذر نوح قومه) ، إِنَّمَا خصصه بعد التَّعْمِيم لِأَنَّهُ أول نَبِي أنذر قومه وهددهم بِخِلَاف من سبق عَلَيْهِ، فَإِنَّهُم كَانُوا فِي الْإِرْشَاد وتربية الْآبَاء للأولاد، وَلِأَنَّهُ أول الرُّسُل المشرعين: ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا﴾ (الشورى: ٣١) . أَو لِأَنَّهُ أَبُو الْبشر الثَّانِي، وَذريته هم الْبَاقُونَ فِي الدُّنْيَا لَا غَيرهم. قَوْله: (أَنه أَعور) ، وَقد ورد فِيهِ كَلِمَات متنافرة، ورد: أَنه أَعور، وَفِي رِوَايَة: أَنَّهَا طافية، وَفِي أُخْرَى: أَنه جاحظ الْعين كَأَنَّهَا كَوْكَب، وَفِي أُخْرَى: أَنَّهَا لَيست بباقية، وَفِي أُخْرَى: أَنه أَعور عين الْيُمْنَى، وَفِي أُخْرَى: أَعور عين الْيُسْرَى، وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة: أَنه مَمْسُوح الْعين عَلَيْهَا ظفرة غَلِيظَة، وَوجه الْجمع بَين هَذِه الْأَوْصَاف المتنافرة أَن يقدر فِيهَا أَن إِحْدَى عَيْنَيْهِ ذَاهِبَة، وَالْأُخْرَى مَعِيبَة، فَيصح أَن يُقَال: لكل وَاحِدَة عوراء، إِذْ الأَصْل فِي العور الْعَيْب. قَوْله: (وَأَن الله لَيْسَ بأعور) ، للتنزيه . ٨٣٣٣ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَحْيَى عنْ أبِي سَلَمَةَ سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ ألَا أحَدِّثُكُمْ عنِ الدَّجَّالِ مَا حدَّثَ بِهِ نَبِيٌّ قَوْمَهُ إنَّهُ أعْوَرُ وإنَّهُ يَجِيءُ مَعَهُ بِمِثَالِ الجَنَّةِ والنَّارِ فالَّتِي يَقُولُ إنَّهَا الجَنَّةُ هِيَ النَّارُ وإنِّي أُنْذِرُكُمْ كَمَا أنْذَرَ بِهِ نُوحٌ ﵇ قَوْمَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَمَا أنذر نوح ﵇ قومه) وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وشيبان ابْن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن مُحَمَّد بن رَافع. قَوْله: (بمثال الْجنَّة) ، أَي: بِمِثْلِهَا ويروى: تِمْثَال الْجنَّة، أَي: صُورَة الْجنَّة. قَوْله: (كَمَا أنذر) ، وَجه الشّبَه فِيهِ الْإِنْذَار الْمُقَيد بمجيء الْمِثَال فِي صحبته، وإلَاّ فالإنذار لَا يخْتَص بِهِ. ٩٣٣٣ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ زِيَادِ حدَّثنَا الأعْمَشُ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ يَجِيءُ نُوحٌ وأُمَّتُهُ فيَقُولُ الله تَعَالَى هَلْ بَلَّغْتَ فيَقُولُ نَعَمْ أَي رَبِّ فيَقُولُ لأِمَّتِهِ هلْ بَلَّغَكُمْ فيَقُولُونَ لَا مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ فيَقُولُ لِنُوحٍ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ وأُمَّتُهُ فَنَشْهَدُ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَ وهْوَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطَاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (الْبَقَرَة: ٣٤١) . والوَسَطُ العَدْلُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يَجِيء نوح وَأمته) وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات وَأَبُو سعيد سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ الْأنْصَارِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن يُوسُف بن رَاشد، وَفِي الِاعْتِصَام عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن بشار، وغندر، وَعبد بن حميد وَعَن أَحْمد بن منيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن آدم وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد عَن أبي كريب وَأحمد بن سِنَان وأوله: يَجِيء النَّبِي وَمَعَهُ الرجل. قَوْله: (أَي رب) ، يَعْنِي: يَا رَبِّي. قَوْله: (لَا مَا جَاءَنَا من نَبِي) ، فَإِن قلت: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿الْيَوْم نختم على أَفْوَاههم﴾ (ي س: ٥٦) . فَكيف يَتَكَلَّمُونَ بذلك؟ قلت: فِي يَوْم الْقِيَامَة مَوَاطِن: موطن يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، وموطن يسكتون. قَوْله: (فَيَقُول مُحَمَّد) ، أَي: يشْهد مُحَمَّد وَأمته. قَوْله: (فنشهد) بنُون الْمُتَكَلّم مَعَ الْغَيْر. قَوْله: (أَنه) أَي: أَن نوحًا قد بلغ إِلَيْهِم مَا أَمر بِهِ. وَبَاقِي الحَدِيث عِنْد غَيرهم، قَالَ: فَيَقُولُونَ: كَيفَ تشهد علينا أمة مُحَمَّد وَنحن أول الْأُمَم وهم آخِرهم، فَيَقُولُونَ: نشْهد أَن الله بعث إِلَيْنَا رَسُولا وَأنزل عَلَيْهِ الْكتاب، فَكَانَ فِيمَا أنزل علينا خبركم،

стр. 4548

قَوْله: (وَالْوسط الْعدْل) ، وَيُقَال: وسطا خياراً وَهِي صفة بالإسم الَّذِي هُوَ وسط الشَّيْء، وَلذَلِك اسْتَوَى فِيهِ الْوَاحِد وَالْجمع والمذكر والمؤنث. ٠٤٣٣ - حدَّثني إسْحَاقُ بنُ نَصْرٍ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدٍ حدَّثنا أَبُو حَيَّانَ عنْ أبِي زُرْعَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي دَعْوَةٍ فَرُفِعَ إلَيْهِ الذِّرَاعُ وكانَتْ تُعْجِب فنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً وَقَالَ أنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ هَلْ تَدْرُونَ بِمَنْ يَجْمَعُ الله الأوَّلِينَ والآخَرِينَ فِي صَعِيدٍ واحِدٍ فيُبْصِرُهُمُ النَّاظِرُ ويُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي وتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ فيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ ألَا تَرَوْنَ إلَى مَا أنْتُمْ فِيهِ إِلَى مَا بَلَغَكُمْ ألَا تَنْظُرُونَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ أبُوكُمْ آدَمُ فَيأتُونَهُ فيَقُولُونَ يَا آدَمُ أنْتَ أَبُو البَشَرِ خَلَقَكَ الله بِيَدِهِ ونَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وأمَرَ المَلائِكَةَ فسَجَدُوا لَكَ وأسْكنَكَ الجَنَّةَ ألَا تَشْفَعُ لَنَا إلَى رَبِّكَ ألَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغَنَا فَيقُولُ رَبِّي غَضِبَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قبلَهُ مِثْلَهُ ولَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ونَهَانِي عنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ نَفْسِي اذْهَبُوا إلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ فَيأتُونَ نُوحَاً فيَقُولُونَ يَا نوحُ أنْتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أهْلِ الأرْضِ وسَمَّاكَ الله عَبْدَاً شَكُوراً أمَا تَرَى إلَى مَا نَحْنُ فِيهِ ألَا تَرَى إلَى مَا بَلَغنا ألَا تَشْفَعُ لَنَا إلَى رَبِّكَ فيَقُولُ رَبِّي غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ولَا يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ولَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ نَفْسِي نَفْسِي ائْتُوا النَّبِيَّ ﷺ فَيأتُونِي فأسْجُدُ تَحْتَ العَرْشِ فَيُقالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رأسَكَ واشْفَعْ تُشَفَّعْ وسَلْ تُعْطَهْ: قَالَ مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدٍ لَا أحْفَظُ سائِرَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَيَقُولُونَ: يَا نوح أَنْت أول الرُّسُل إِلَى أهل الأَرْض) . وَإِسْحَاق بن نصر هُوَ إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم بن نصر أَبُو إِبْرَاهِيم السَّعْدِيّ البُخَارِيّ، وَكَانَ ينزل بِالْمَدِينَةِ بِبَاب سعد، فَالْبُخَارِي تَارَة يَقُول: حَدثنَا إِسْحَاق ابْن نصر فينسبه إِلَى جده، وَتارَة يَقُول حَدثنَا: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر فينسبه إِلَى أَبِيه وَهُوَ من أَفْرَاده، وَمُحَمّد بن عبيد الطنافسي الْحَنَفِيّ الْإِيَادِي الأحدب الْكُوفِي، وَأَبُو حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: يحيى بن سعيد ابْن حَيَّان التَّيْمِيّ، وَأَبُو زرْعَة، بِضَم الزَّاي وَسُكُون الرَّاء وبالعين الْمُهْملَة: واسْمه هرم بن عَمْرو بن جرير بن عبد الله البَجلِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن مقَاتل، وَهنا عَن إِسْحَاق بن نصر عَن أبي أُسَامَة، وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن نمير. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن سُوَيْد بن نصر وَفِي الْأَطْعِمَة عَن وَاصل ابْن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن وَاصل بن عبد الْأَعْلَى مُخْتَصرا، وَفِي التَّفْسِير بِطُولِهِ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد. قَوْله: (فِي دَعْوَة) ، بِفَتْح الدَّال: أَي: فِي ضِيَافَة، وبكسرها: فِي النّسَب، وَبِضَمِّهَا فِي الْحَرْب. قَوْله: (فَرفع إِلَيْهِ الذِّرَاع) ، قَالَ ابْن التِّين: وَالصَّوَاب: رفعت، وَكَذَا فِي الْأُصُول: رفعت، إلَاّ أَنه جَاءَ فِي الْمُؤَنَّث الَّذِي لَا فرج لَهُ: أَنه يجوز تذكيره، والذراع مُؤَنّثَة، وَلذَلِك قَالَ: وَكَانَت تعجبه. قَالَ: وَهَذَا على مَا فِي بعض النّسخ بِضَم الذِّرَاع، وَأما بنصبها فَبين، وَيكون رَسُول الله، ﷺ هُوَ رافعها. قَوْله: (تعجبه) ، أَي: كَانَت الذِّرَاع تعجب رَسُول الله، ﷺ وَكَانَ إعجابه لَهَا ومحبته لَهَا لنضجها وَسُرْعَة استمرائها مَعَ زِيَادَة لذتها وحلاوة مذاقها وَبعدهَا عَن مَوَاضِع الْأَذَى. قَوْله: (فنهس) ، أَكثر الروَاة على إهمالها، وَفِي رِوَايَة ابْن ماهان وَأبي ذَر بالإعجام، وَكِلَاهُمَا صَحِيح، فالنهس بِالْمُهْمَلَةِ

стр. 4549

الْأَخْذ بأطراف الْأَسْنَان، وبالمعجمة الْأَخْذ بالأضراس، وَقَالَ الْقَزاز: النهس أَخذ اللَّحْم بالأسنان بالفم، وَقيل: هُوَ الْقَبْض على اللَّحْم ونثره عِنْد أكله. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: هما وَاحِد وَهُوَ: أَخذ اللَّحْم بالفم، وَخَالفهُ أَبُو زيد فَذكر مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (أَنا سيد الْقَوْم يَوْم الْقِيَامَة) ، أَي: الَّذِي يفوق قومه ويفزع إِلَيْهِ فِي الشدائد، وَخص يَوْم الْقِيَامَة لارْتِفَاع سؤدده وَتَسْلِيم جَمِيعهم لَهُ، وَلكَون آدم وَجَمِيع وَلَده تَحت لوائه، ذكره عِيَاض. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَتَقْيِيد سيادته بِيَوْم الْقِيَامَة لَا يُنَافِي السِّيَادَة فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا خصّه بِهِ لِأَن هَذِه الْقِصَّة قصَّة يَوْم الْقِيَامَة، قلت: إِذا كَانَ هُوَ سيداً يَوْم الْقِيَامَة، وَهُوَ أعظم من الدُّنْيَا فبالأولى أَن يكون سيدا فِي الدُّنْيَا أَيْضا. فَإِن قلت: قَالَ ﷺ : لَا تخَيرُوا بَين الْأَنْبِيَاء، وَقَالَ: لَا تفضلُونِي على يُونُس، ﵊. قلت: أُجِيب كَانَ هَذَا قبل إِعْلَامه بسيادة ولد آدم والفضائل لَا تنسخ إِجْمَاعًا فَبَقيت القَبْلية، أَو الَّذِي قَالَ فِي يُونُس من: بَاب التَّوَاضُع. وَقد قيل: إِن الْمَنْع فِي ذَات النُّبُوَّة والرسالة، فَإِن الْأَنْبِيَاء فِيهَا على حد وَاحِد، إِذْ هِيَ شَيْء وَاحِد لَا تتفاضل، وَإِنَّمَا التَّفَاضُل فِي زِيَادَة الْأَحْوَال والكرامات والرتب والألطاف. قَوْله: (فِي صَعِيد وَاحِد) أَي: أَرض وَاسِعَة مستوية. قَوْله: (فَيبْصرُهُمْ النَّاظر) أَي: يُحِيط بهم بصر النَّاظر لَا يخفى عَلَيْهِ مِنْهُم شَيْء لِاسْتِوَاء الأَرْض وَعدم الْحجاب، ويروى: فَيَنْفُذهُمْ الْبَصَر، بِفَتْح الْيَاء وبالذال الْمُعْجَمَة على الْأَكْثَرين، ويروى بِضَم الْيَاء، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ ينفذهم بصر الرَّحْمَن حَتَّى يَأْتِي عَلَيْهِم كلهم. قلت: هُوَ كِنَايَة عَن استيعابهم بِالْعلمِ، وَالله لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء، وَالصَّوَاب قَول من قَالَ: فَيبْصرُهُمْ النَّاظر من الْخلق، وَعَن أبي حَاتِم: إِنَّمَا هُوَ بدال مُهْملَة، أَي: يبلغ أَوَّلهمْ وَآخرهمْ. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَالصَّحِيح فتح الْيَاء مَعَ الإعجام. قَوْله: (وَيسْمعهُمْ) بِضَم الْيَاء من الإسماع. قَوْله: (إِلَى مَا بَلغَكُمْ) ، بدل من قَوْله: (إِلَى مَا أَنْتُم فِيهِ) قَوْله: (أَلا تنْظرُون؟) كلمة: أَلا، فِي الْمَوْضِعَيْنِ للعرض والتحضيض، وَهِي بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف اللَّام. قَوْله: (من روحه) ، الْإِضَافَة إِلَى الله لتعظيم الْمُضَاف وتشريفه، كَقَوْلِهِم: عبد الْخَلِيفَة كَذَا. قَوْله: (وَمَا بلغنَا) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة هُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ تقدم مَا بَلغَكُمْ، وَلَو كَانَ بِسُكُون الْغَيْن لقَالَ: بَلغهُمْ، وَقيل بِالسُّكُونِ وَله وَجه. قَوْله: (رَبِّي غضب) المُرَاد من الْغَضَب لَازمه وَهُوَ إِرَادَة إِيصَال الْعَذَاب، وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد من غضب الله مَا يظْهر من انتقامه فِيمَن عَصَاهُ، وَمَا يُشَاهِدهُ أهل الْجمع من الْأَهْوَال الَّتِي لم تكن وَلَا يكون مثلهَا، وَلَا شكّ أَنه لم يَقع قبل ذَلِك الْيَوْم مثله وَلَا يكون بعده مثله. قَوْله: (نَفسِي نَفسِي) ، أَي: نَفسِي هِيَ الَّتِي تسْتَحقّ أَن يشفع لَهَا، إِذْ الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر إِذا كَانَا متحدين فَالْمُرَاد بعض لوازمه، أَو قَوْله: نَفسِي مُبْتَدأ وَالْخَبَر مَحْذُوف. قَوْله: (إذهبوا إِلَى نوح) بَيَان لقَوْله: (إذهبوا إِلَى غَيْرِي) . قَوْله: (أَنْت أول الرُّسُل) ، إِنَّمَا قَالُوا لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ آدم الثَّانِي، أَو لِأَنَّهُ أول رَسُول هلك قومه، أَو لِأَن آدم وَنَحْوه خرج بقوله: إِلَى أهل الأَرْض لِأَنَّهَا لم تكن لَهَا أهل حِينَئِذٍ، أَو لِأَن رسَالَته كَانَت بِمَنْزِلَة التربية للأولاد. وَفِي (التَّوْضِيح) : قَوْلهم: أَنْت أول الرُّسُل إِلَى أهل الأَرْض، هُوَ الصَّحِيح، قَالَه الدَّاودِيّ، وروى أَن آدم، ﵊، مُرْسل، وَرُوِيَ فِي ذَلِك، حديثٌ عَن رَسُول الله، ﷺ ، وَقيل: هُوَ نَبِي وَلَيْسَ برَسُول، وَقيل: رَسُول وَلَيْسَ نَبيا. انْتهى. وَقَالَ ابْن بطال: آدم لَيْسَ برَسُول، نَقله عَنهُ الْكرْمَانِي. قلت: الصَّحِيح أَنه نَبِي وَرَسُول، وَقد نزل عَلَيْهِ جِبْرِيل وَأنزل عَلَيْهِ صحفاً وَعلم أَوْلَاده الشَّرَائِع، وَقَول ابْن بطال غير صَحِيح، وَأما قَول من قَالَ: إِنَّه رَسُول وَلَيْسَ بِنَبِي، فَظَاهر الْفساد، لِأَن كل رَسُول نَبِي، وَمن لَازم الرسَالَة النُّبُوَّة. قَوْله: (أما ترى؟) بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم وَهِي حرف استفتاح بِمَنْزِلَة: ألَا، وَكلمَة: ألَا بعْدهَا للعرض والتحضيض. قَوْله: (ائْتُوا النَّبِي ﷺ ، هُوَ نَبينَا مُحَمَّد ﷺ ، بيَّن ذَلِك بقوله: (فَيَأْتُوني) أَصله: فيأتونني، وَحذف نون الْجمع بِلَا جازم وَلَا ناصب لُغَة. قَوْله: (تشفع) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من التشفيع، وَهُوَ قبُول الشَّفَاعَة. قَوْله: (قَالَ مُحَمَّد بن عبيد: لَا أحفظ سائره) ، أَي: سَائِر الحَدِيث، أَي: بَاقِيه، لِأَنَّهُ مطول علم من سَائِر الرِّوَايَات، وَقد بَينهَا غَيره وحفظها حَتَّى قَالَ ابْن التِّين: وَقَول نوح: ائْتُوا النَّبِي، وهم إِنَّمَا دلهم على إِبْرَاهِيم، ﵊، وَإِبْرَاهِيم دلهم على مُوسَى، ﵊، ومُوسَى دلهم على عِيسَى، ﵊، وَعِيسَى دلهم على نَبينَا مُحَمَّد ﷺ . وَذكر الْغَزالِيّ، ﵀: أَن بَين إتيانهم من آدم إِلَى نوح ألف سنة، وَكَذَا إِلَى كل نَبِي حَتَّى يَأْتُوا نَبينَا مُحَمَّدًا ﷺ . قَالَ: وَالرسل يَوْم الْقِيَامَة على مَنَابِر، وَالْعُلَمَاء الْعَامِلُونَ على كراسي، وهم رُؤَسَاء أهل الْمَحْشَر، وَمن يشفع للنَّاس مِنْهُم رُؤَسَاء أَتبَاع الرُّسُل، وَأول الشفعاء يَوْم الْقِيَامَة نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ

стр. 4550

وَسلم. فَإِن قلت: روى أَبُو الزَّعْرَاء عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: نَبِيكُم رَابِع أَرْبَعَة: جِبْرِيل. ثمَّ إِبْرَاهِيم ثمَّ مُوسَى أَو عِيسَى. ثمَّ نَبِيكُم. قلت: قَالَ البُخَارِيّ: أَبُو الزَّعْرَاء لَا يُتَابع عَلَيْهِ، وَالْمَشْهُور الْمَعْرُوف أَن نَبينَا مُحَمَّدًا ﷺ ، أول شَافِع. ٤ - (بابٌ ﴿وإنَّ إلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألَا تَتَّقُونَ أتدْعُونَ بَعْلاً وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخَالِقِينَ الله رَبُّكُمْ وربُّ آبائِكُمْ الأوَّلِينَ فَكَذَّبُوهُ فإنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إلَاّ عِبادَ الله المُخْلِصِينَ وتَرْكُنا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ (الصافات: ٣٢) . قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ يُذْكَرُ بِخَيْرٍ ﴿سَلَامٌ علَى اليَاسِينَ إنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصافات: ٠٣١) .) أَي: هَذَا بَاب مَعْقُود فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن الياس ... ﴾ (الصافات: ٠٣١) . إِلَى آخِره، إلْيَاس هُوَ ابْن نسبي بن فنحَاص بن الْعيزَار بن هَارُون بن عمرَان، قَالَه إِبْنِ إِسْحَاق، وَعَن ابْن عَبَّاس: إلْيَاس بن ياسين بن الْعيزَار بن هَارُون، وَبِه قَالَ مقَاتل، وَحكى الثَّعْلَبِيّ عَن ابْن مَسْعُود: إِن إلْيَاس هُوَ إِدْرِيس، كَمَا أَن يَعْقُوب هُوَ إِسْرَائِيل، قَالَ عِكْرِمَة: وَكَذَا فِي مصحف ابْن مَسْعُود: وَأَن إِدْرِيس لمن الْمُرْسلين، وَقيل: هُوَ نَبِي من أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل، وَعَن ابْن عَبَّاس: هُوَ عَم ليسع، وَقَالَ آخَرُونَ: بَعثه الله إِلَى بني إِسْرَائِيل بعد مهلك حزقيل، وَقَالَ وهب: إِن الله لما قبض حزقيل وَعظم فِي بني إِسْرَائِيل الْأَحْدَاث ونسوا مَا كَانَ من عهد الله إِلَيْهِم حَتَّى نصبوا الْأَوْثَان وعبدوها، فَبعث

стр. 4551

الله إِلَيْهِم إلْيَاس رَسُولا، وَكَانَ إلْيَاس مَعَ ملك من مُلُوك بني إِسْرَائِيل اسْمه: جاب، وَله امْرَأَة اسْمهَا أزبيل، وَكَانَ يسمع مِنْهُ ويصدقه، وَكَانَ بَنو إِسْرَائِيل قد اتَّخذُوا صنماً يُقَال لَهُ: بعل، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: سَمِعت بعض أهل الْعلم يَقُول: مَا كَانَ بعل إلَاّ امْرَأَة يعبدونها من دون الله، فَجعل إلْيَاس يَدعُوهُم إِلَى الله وهم لَا يسمعُونَ مِنْهُ شَيْئا إلَاّ مَا كَانَ من ذَلِك الْملك، ثمَّ إِنَّه قَالَ يَوْمًا لإلياس: وَالله مَا أرى مَا تَدْعُو إِلَيْهِ إلَاّ بَاطِلا، وَالله مَا أَدْرِي فلَانا وَفُلَانًا، فعدد ملوكاً مثله من مُلُوك بني إِسْرَائِيل مُتَفَرّقين بِالشَّام يعبودن الْأَوْثَان، إلَاّ على مثل مَا نَحن عَلَيْهِ: يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ مَا ينقص دنياهم فيزعمون أَن إلْيَاس اسْترْجع ثمَّ رفضه، وَخرج عَنهُ وَفعل ذَلِك الْملك مَا فعل أَصْحَابه من عبَادَة الْأَوْثَان، فَقَالَ إلْيَاس: أللهم إِن بني إِسْرَائِيل قد أَبَوا إلَاّ الْكفْر فَذكر لي أَنه أوحى إِلَيْهِ أَنا جعلنَا أَمر أَرْزَاقهم بِيَدِك حَتَّى تكون أَنْت الَّذِي تَأذن لَهُم فِي ذَلِك، فَقَالَ إلْيَاس: أللهم أمسك عَنْهُم الْمَطَر، فحبس عَنْهُم ثَلَاث سِنِين حَتَّى هَلَكت الْمَوَاشِي والهوام وَالشَّجر، وَلما دَعَا عَلَيْهِم استخفى شَفَقَة على نَفسه مِنْهُم، فَكَانَ حَيْثُ مَا كَانَ وضع لَهُ رزق، وَكَانُوا إِذا وجدوا ريح الْخبز فِي مَكَان قَالُوا: لقد دخل النَّاس هَذَا الْمَكَان فيطلبونه ويلقى أهل ذَلِك الْمنزل مِنْهُم شرا، ثمَّ إِنَّه اسْتَأْذن الله فِي الدُّعَاء لَهُم، فَأذن لَهُ، فَجَاءَهُمْ فَقَالَ: إِن كُنْتُم تجيبون أَن الَّذِي أدعوكم إِلَيْهِ هُوَ الْحق وأنكم على بَاطِل فأخرجوا أوثانكم وَمَا تَعْبدُونَ واجأروا إِلَيْهِم، فَإِن اسْتَجَابُوا لكم فَهُوَ كَمَا تَقولُونَ، وَإِن هِيَ لم تفعل علمْتُم أَنكُمْ على بَاطِل، وادعو الله تَعَالَى إِلَى أَن يفرج عَنْكُم مَا أَنْتُم فِيهِ. قَالُوا: أنصفت، فَخَرجُوا بأوثانهم فدعوها فَلم تستجب لَهُم، فعرفوا مَا هم عَلَيْهِ من الضَّلَالَة، ثمَّ سَأَلُوا إلْيَاس الدُّعَاء فَدَعَا ربه، قَالَ: فَمُطِرُوا بساعتهم فحسنت بِلَادهمْ فَلم يبرجوا وَلم يرجِعوا وَأَقَامُوا على أَخبث مَا كَانُوا عَلَيْهِ، فَدَعَا الله تَعَالَى أَن يقبضهُ، فَكَسَاهُ الريش وَألبسهُ النُّور وَقطع عَنهُ لَذَّة الْمطعم وَالْمشْرَب، فَكَانَ إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً يطير مَعَ الْمَلَائِكَة، وَذكر الْحَاكِم عَن أنس مصححاً: أَنه اجْتمع مَعَ سيدنَا رَسُول الله، ﷺ ، فِي بعض السفرات، وَخَالفهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَصْحِيحه. قَوْله: (إِذْ قَالَ) أَي: اذكر حِين قَالَ إلْيَاس لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُون عَذَاب الله بِالْإِيمَان بِهِ؟ قَوْله: (أَتَدعُونَ بعلاً) ، أَي: أتعبدون بعلاً، وَهُوَ اسْم لصنم كَانَ لَهُم يعبدونه فَلذَلِك سميت مدينتهم: بعلبك، وَقَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة وَالسُّديّ: البعل الرب بلغَة أهل الْيمن، وَهِي رِوَايَة سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، وَكَانَ من ذهب، طوله عشرُون ذِرَاعا وَله أَرْبَعَة أوجه فتنُوا بِهِ وعظموه، وَله أَرْبَعمِائَة سَادِن جعلوهم أَنْبيَاء، فَكَانَ إِبْلِيس لَعنه الله تَعَالَى يدْخل فِي جَوْفه وَيتَكَلَّم بشريعة الضَّلَالَة والسدنة يحفظونها ويعلمونها النَّاس وهم أهل بعلبك من بِلَاد الشَّام. قَوْله: (وتذرون) أَي: تتركون (الله أحسن الْخَالِقِينَ) فَلَا تَعْبدُونَ الله ربكُم، قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَخلف وَيَعْقُوب: الله، بِالنّصب وينصبون: ربكُم وَرب آبائكم، على الْبَدَل، وَالْبَاقُونَ برفعها على الِاسْتِئْنَاف. قَوْله: (فَكَذبُوهُ) أَي: إلْيَاس. قَوْله: (فَإِنَّهُم لمحضرون) فِي الْعَذَاب وَالنَّار إلَاّ عباد الله المخلصين من قومه فَإِنَّهُم نَجوا من الْعَذَاب. قَوْله: ﴿سَلام على الياسين﴾ (الصافات: ٠٣١) . قَرَأَ ابْن عَامر وَنَافِع وَيَعْقُوب: آل ياسين، بِالْمدِّ وَالْبَاقُونَ إلياسين بِالْقطعِ والقطر فَمن قَرَأَ: آل ياسين، بِالْمدِّ فَإِنَّهُ أَرَادَ آل مُحَمَّد ﷺ ، وَقيل: أَرَادَ الياس وَهُوَ إليق بسياق الْآيَة، وَمن قَرَأَ: الياسين، فقد قيل: إِنَّهَا لُغَة فِي إلْيَاس مثل: إِسْمَاعِيل وإسماعين وَمِيكَائِيل وميكائين، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: قرىء على: إلياسين وإدريسين وإدراسين على أَنَّهَا لُغَات فِي إلْيَاس وَإِدْرِيس، وَلَعَلَّ لزِيَادَة الْيَاء وَالنُّون فِي السريانية معنى، وَعَن بَعضهم أَنه قرىء: إلْيَاس، بترك الْهمزَة فِي ألف: إلْيَاس، وَيجْعَل الْألف وَاللَّام داخلين على: ياس، للتعريف وَيَقُولُونَ كَانَ اسْمه: ياس فَدخلت عَلَيْهِ الْألف وَاللَّام. ويُذْكَرُ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ وابنِ عَبَّاسٍ أنَّ إلْيَاسَ هُوَ إدْرِيسُ ذكره مُعَلّقا بِصِيغَة التمريض، وَوصل تَعْلِيق عبد الله بن مَسْعُود: عبد بن حميد وَابْن أبي حَاتِم عَنهُ، وَتَعْلِيق ابْن عَبَّاس وَصله جرير فِي (تَفْسِيره) عَن الضَّحَّاك عَنهُ، وَاسْتدلَّ بِهَذَا ابْن الْعَرَبِيّ: أَن إِدْرِيس لم يكن جدا لنوح، ﵇، وَإِنَّمَا هُوَ من بني إِسْرَائِيل، لِأَن إلْيَاس قد ورد أَنه من بني إِسْرَائِيل، وَاسْتدلَّ على ذَلِك أَيْضا بقوله ﵇ للنَّبِي ﷺ لَيْلَة الْمِعْرَاج: مرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالح، وَالْأَخ الصَّالح، وَلَو كَانَ من أحد أجداده لقَالَ لَهُ، كَمَا قَالَ لَهُ آدم وَإِبْرَاهِيم، ﵉: بالابن الصَّالح.

стр. 4552

قيل: يُمكن أَنه قَالَ ذَلِك على سَبِيل التَّوَاضُع والتلطف، وَقد ذكرنَا عَن قريب كَيفَ سَاق ابْن إِسْحَاق نسبه الْكَرِيم، وَفِيه إِدْرِيس وَهُوَ: خنوخ، وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْد الْجُمْهُور، وَالله أعلم. ٧ - (بابُ ذِكْرِ إدْرِيسَ ﵇ أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر إِدْرِيس، ﵊، وَقد سقط هَذَا الْبَاب فِي رِوَايَة أبي ذَر. وهُوَ جَدُّ أبِي نُوحٍ ويُقالُ جَدُّ نُوحٍ ﵉ أَي: إِدْرِيس جد أبي نوح، لِأَن نوحًا ابْن لمك بن متوشلخ بن خنوخ وَهُوَ إِدْرِيس. قَوْله: (وَيُقَال جد نوح) ، هَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لِأَن جد نوح هُوَ متوشلخ، أللهم إِلَّا إِذا أطلق على جد أبي نوح، فَإِنَّهُ جد نوح مجَازًا، وَهَذَا لَيْسَ بموجود فِي غَالب النّسخ. وقَوْلِ الله تَعَالَى ﴿ورَفَعْنَاهُ مَكاناً عَلِيّاً﴾ (مَرْيَم: ٧٥) . وَقَول الله، مجرور عطفا على: ذكر إِدْرِيس، أَي: وَفِي بَيَان ذكر قَول الله تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليا﴾ (مَرْيَم: ٧٥) . أَي: رفعنَا إِدْرِيس مَكَانا عليا وَهُوَ السَّمَاء الرَّابِعَة، وَاسْتشْكل بَعضهم بِأَن غَيره من الْأَنْبِيَاء أرفع مَكَانا مِنْهُ، وَهَذَا الاستشكال لَيْسَ بِشَيْء، لِأَنَّهُ لم يذكر أَنه أَعلَى من كل أحد. وَأجَاب بَعضهم: بِأَن المُرَاد مِنْهُ أَنه لم يرفع إِلَى السَّمَاء من هُوَ حَيّ غَيره، ورد بِأَن عِيسَى، ﵊، أَيْضا قد رفع وَهُوَ حَيّ؟ قلت: هَذَا الرَّد موجه على القَوْل الصَّحِيح بِأَنَّهُ رفع وَهُوَ حَيّ، وَأما على قَول من يَأْخُذ بِظَاهِر قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي متوفيك ورافعك إليَّ﴾ (آل عمرَان: ٥٥) . لَا يرد الرَّد الْمَذْكُور. ٢٤٣٣ - قَالَ عَبْدَانُ أخْبرَنَا عبْدُ الله أخْبَرَنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ حدَّثنا أحْمَدُ بنُ صالِحٍ حَدثنَا عَنْبَسَةُ حدَّثَنَا يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ قَالَ أنسٌ كانَ أبُو ذَرٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يُحَدَّثُ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وأنَا بِمَكَّةَ فنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِىءٍ حِكْمَةً وإيِمَانَاً فأفْرَغَهَا فِي صَدْرِي ثُمَّ أطْبَقَهُ ثُمَّ أخَذَ بِيَدِي فعَرَجَ بِي إِلَى السَّماءِ فلَمَّا جاءَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ افْتَحْ قَالَ مَنْ هاذَا قَالَ هَذَا جِبْرِيلُ قَالَ مَعَكَ أحَدٌ قَالَ مَعِي مُحَمَّدٌ قَالَ أُرْسِلَ إلَيْهِ قَالَ نَعَمْ فافْتَحْ فلَمَّا علَوْنَا السَّمَاءَ إذَا رَجُلٌ عنْ يَمِينِهِ أسْوِدَةٌ وعنْ يَسَارِهِ أسْوِدَةٌ فإذَا نظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ وإذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى فَقَالَ مَرحَبَاً

стр. 4553

بالنَّبيِّ الصَّالِحِ والإبْنِ الصَّالِحِ قُلْتُ منْ هاذَا يَا جِبرِيلُ قَالَ هَذَا آدَمُ وهَذِهِ الأسْوِدَةُ عنْ يَمِينِه وعَنْ شِمالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ فأهْلُ اليَمِينِ مِنْهُمْ أهْلُ الجَنَّةِ والأسْوِدَةُ الَّتِي عنْ شِمَالِهِ أهْلُ النَّارِ فإذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ وإذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ حتَّى أتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ لِخَازِنِهَا افْتَحْ فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأوَّلُ فَفَتَحَع قَالَ أنَسٌ فذَكَرَ أنَّهُ وَجَدَ فِي السَّماوَاتِ آدَمَ وإدْرِيسَ وَمُوساى وعِيسَى وإبْرَاهِيمَ ولَمْ يُثْبِتْ لِي كَيْفَ مَنازِلُهُمْ غَيْرَ أنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أنَّهُ وجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا وإبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ: وَقَالَ أنَسٌ فلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بإدْرِيسَ قَالَ مَرْحَباً بالنَّبِيِّ الصَّالِحِ والأخِ الصَّالِحِ فقُلْتُ مَنْ هاذَا قَالَ هاذَا إدْرِيسُ ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فقالَ مَرْحَبَاً بالنَّبِيِّ الصَّالِحِ والأخِ الصَّالِحِ قُلْتُ منْ هاذَا قَالَ هَذَا مُوساى ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ مَرْحَبَاً بالنَّبِيِّ الصَّالِحِ والأخِ الصَّالِحِ قُلْتُ مَنْ هاذا قَالَ عِيساى ثُمَّ مَرَرْتُ بإبْرَاهِيمَ فقالَ مَرْحَباً بالنَّبيِّ الصَّالِحِ والإبنِ الصَّالِحِ قُلْتُ مَنْ هاذَا قَالَ هَذَا إبْرَاهِيمُ قَالَ وأخْبَرَني ابنُ حَزْمٍ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ وأبَا حَبَّةَ الأنْصَارِيَّ كانَا يَقُولَانِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ عُرِجَ بِي حتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أسْمَعُ صَرِيفَ الأقْلَامِ: قَالَ ابنُ حَزْمٍ وأنَسُ بنُ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَفَرَضَ الله عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فرَجِعْتُ بِذَلِكَ حتَّى أمُرَّ بِمُوسَى فَقَالَ لِي مُوسَى مَا الَّذِي فُرِضَ عَلَى أُمَّتِكَ قُلْتُ فُرِضَ علَيْهِمْ خَمْسِينَ صلَاةً قَالَ فَرَاجِعْ رَبَّكَ فإنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ فَرَجَعْتُ فَرَاجَعْتُ رَبِّي فوَضَعَ شَطْرَهَا فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ رَاجِعْ رَبَّكَ فذَكَرَ مِثْلَهُ فوَضَعَ شَطْرَهَا فرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فأخْبَرْتُهُ فَقَالَ رَاجِعْ رَبَّكَ فإنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ فرَجَعْتُ فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَقَالَ هِيَ خَمْسٌ وَهْيَ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ فرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ راجِعْ رَبَّكَ فقُلْتُ قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي ثُمَّ انْطَلَقَ حتَّى أَتَى السِّدْرَةَ المُنْتَهَى فغَشِيَهَا ألْوَانٌ لَا أدْرِي مَا هِي ثُمَّ أُدْخِلْتُ فَإذَا فِيهَا جَنابِذُ اللُّؤْلُؤِ وإذَا تُرَابُهَا المِسْكُ. (انْظُر الحَدِيث ٩٤٣ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَلَمَّا مر جِبْرِيل بِإِدْرِيس) وَكَذَلِكَ فِي قَوْله: (وجد فِي السَّمَوَات إِدْرِيس) . وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي أول كتاب الصَّلَاة من طَرِيق وَاحِد عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن أنس بن مَالك، قَالَ: كَانَ أَبُو ذَر يحدث ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه من طَرِيقين: الأول: عَن عَبْدَانِ، وَلكنه قَالَ: قَالَ عَبْدَانِ، بِالتَّعْلِيقِ هَكَذَا وَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنَا عَبْدَانِ، وَهُوَ لقب عبد الله بن عُثْمَان، وَقد مر غير مرّة عَن عبد الله ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس بن يزِيد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الطَّرِيق الثَّانِي: عَن أَحْمد بن صَالح بِالتَّحْدِيثِ، وَهُوَ أَحْمد ابْن صَالح أَبُو جَعْفَر الْمصْرِيّ عَن عَنْبَسَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالسين الْمُهْملَة: ابْن خَالِد، سمع عَمه يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي عَن ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ ... إِلَى آخِره. وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. قَوْله: (أَسْوِدَة) ، جمع السوَاد، وَهُوَ الشَّخْص. قَوْله: (نسم بنيه) ، النسم، بِفَتْح النُّون وَالسِّين الْمُهْملَة: جمع نسمَة وَهِي النَّفس. وَابْن حزم، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي: هُوَ أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم الْأنْصَارِيّ، وَأَبُو حَبَّة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ الْمَشْهُور، وَقَالَ الْقَابِسِيّ بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، وغلطوه فِي ذَلِك، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ، بالنُّون، وَاخْتلف فِي اسْمه فَقيل: فَقَالَ أَبُو زرْعَة: عَامر، وَقيل: عَمْرو، وَقيل: ثَابت، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: مَالك. قَوْله: (لمستوًى) ، ويروى: (بمستوى) ، بِفَتْح الْوَاو أَي: مصعداً. قَوْله: (حَتَّى أَتَى السِّدْرَة) ، ويروى: (حَتَّى أَتَى بِي السِّدْرَة) ، ويروى: (حَتَّى أَتَى إِلَى السِّدْرَة) . قَوْله: (ثمَّ أدخلت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: أدخلت الْجنَّة، ويروى: (بأظهار الْجنَّة) ، وَالله أعلم. ٦ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿وَإِلَى عَاد أخاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله﴾ (هود: ٠٥) . الْآيَة) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى فِي بَيَان إرْسَال هود، ﵊، إِلَى قوم عَاد. وَهود هُوَ ابْن عبد الله بن رَبَاح بن خُلُود بن عَاد بن عوص بن أرم بن سَام بن نوح، ﵇، قَالَه قَتَادَة، وَقَالَ مُجَاهِد: هود بن عَابِر بن شالخ بن إرفخشذ ابْن سَام بن نوح، وَقيل: هود بن عبد الله بن جاون ... إِلَى آخِره مثل الأول، وَقَالَ ابْن هِشَام: هود اسْمه عَابِر، وَيُقَال: عبير بن إرفخشذ، وَيُقَال: انفخشذ بن سَام بن نوح، وَكَانَ هود أشبه ولد آدم بِآدَم خلا يُوسُف، وَكَانَت عَاد ثَلَاث عشرَة قَبيلَة ينزلون الرمل بالدور والدهناء وعالج ووبار ويبرين وعمان إِلَى حَضرمَوْت إِلَى الْيمن، وَكَانَت دِيَارهمْ أخصب الْبِلَاد، فَلَمَّا سخط الله

стр. 4554

عَلَيْهِم جعلهَا مفاوز، وَكَانَ هود من قَبيلَة يُقَال لَهَا: عَاد بن عوص بن إرم بن سَام بن نوح، ﵇، وهم عَاد الأولى، وَكَانُوا عربا يسكنون فِي الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة، وَأرْسل الله تَعَالَى هوداً إِلَيْهِم وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِلَى عَاد أَخَاهُم هوداً﴾ (هود: ٠٥) . أَي: وَأَرْسَلْنَا إِلَى عَاد أَخَاهُم هوداً. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَخَاهُم وَاحِدًا مِنْهُم، وَقَالَ مقَاتل: أخوهم فِي النّسَب لَا فِي الدّين، وَكَانَ عَاد الَّذِي تسمت الْقَبِيلَة بِهِ ملكهم وَكَانَ يعبد الْقَمَر وَطَالَ عمره، فَرَأى من صلبه أَرْبَعَة آلَاف ولد، وَتزَوج ألف امْرَأَة، وَهُوَ أول من ملك الأَرْض بعد نوح، ﵊، وعاش ألف سنة، ومائتي سنة، وَلما مَاتَ انْتقل الْملك إِلَى أكبر وَلَده وَهُوَ: شَدِيد بن عَاد، فَأَقَامَ خَمْسمِائَة سنة وَثَمَانِينَ سنة، ثمَّ مَاتَ فانتقل الْملك إِلَى أَخِيه شَدَّاد بن عَاد وَهُوَ الَّذِي بنى إرم ذَات الْعِمَاد، وَكَانَت قبائل عَاد الَّتِي تسمت بِهِ قد ملكوا الأَرْض بقوتهم وافتخروا ﴿وَقَالُوا: من أشدُّ مِنَّا قوَّة﴾ (فصلت: ٥١) . فَلَمَّا كثر طغيانهم بعث الله إِلَيْهِم هوداً وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِلَى عَاد أَخَاهُم هوداً قَالَ يَا قوم اعبدوا الله مَا لكم من إِلَه غَيره إِن أَنْتُم إلَاّ مفترون﴾ (فصلت: ٥١) . يَعْنِي: تفترون على الله الْكَذِب باتخاذكم الْأَوْثَان لَهُ شُرَكَاء. وقَوْلِهِ ﴿إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بالأحْقَافِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿كذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الْأَحْقَاف: ١٢ ٥٢) . وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: قَول الله تَعَالَى، وأوله: ﴿وَاذْكُر أَخا عَاد إِذْ أنذر قومه بالأحقاف وَقد خلت النّذر من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه أَلا تعبدوا إلَاّ الله إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم عَظِيم. قَالُوا أجئتنا لتأفكنا عَن آلِهَتنَا فاتنا بِمَا تعدنا إِن كنت من الصَّادِقين قَالَ إِنَّمَا الْعلم عِنْد الله وأبلغكم مَا أرْسلت بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُم قوما تجهلون فَلَمَّا رَأَوْهُ عارضاً مُسْتَقْبل أَوْدِيَتهمْ قَالُوا هَذَا عَارض مُمْطِرنَا بل هُوَ مَا استعجلتم بِهِ ريح فِيهِ عَذَاب إليم تدمر كل شَيْء بِأَمْر رَبهَا فَأَصْبحُوا لَا ترى إلَاّ مساكنهم كَذَلِك نجزي الْقَوْم الْمُجْرمين﴾ (الْأَحْقَاف: ١٢ ٥٢) . قَوْله: (وَاذْكُر) يَعْنِي: يَا مُحَمَّد. قَوْله: (أَخا عَاد) أَي: فِي النّسَب لَا فِي الدّين. قَوْله: (بالأحقاف) جمع حقف، بِكَسْر الْحَاء: وَهُوَ رمل مستطيل مُرْتَفع فِيهِ اعوجاج، من احقوقف الشَّيْء إِذا اعوجَّ، وَعَن ابْن عَبَّاس: الْأَحْقَاف وَاد بَين عمان ومهرة، وَعَن مقَاتل: كَانَ منَازِل عَاد بِالْيمن فِي حَضرمَوْت بِموضع يُقَال لَهَا مهرَة، إِلَيْهَا تنْسب الْجمال المهرية، وَعَن الضَّحَّاك: الْأَحْقَاف جبال بِالشَّام، وَعَن مُجَاهِد: هِيَ أَرض حسمى، وَعَن قَتَادَة: ذكر لنا أَن عاداً كَانُوا حَيا بِالْيمن أهل رمال مشرفين على الْبَحْر بِأَرْض من بِلَاد الْيمن يُقَال لَهَا: الشحر، وَعَن الْخَلِيل: هِيَ الرمال الْعِظَام، وَعَن الْكَلْبِيّ: أحقاف الْجَبَل مَا نصب عَلَيْهِ المَاء زمَان الْغَرق كَانَ ينضب المَاء وَيبقى أَثَره. قَوْله: (النّذر) ، جمع نَذِير بِمَعْنى مُنْذر قَوْله: (من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه) الْمَعْنى: مَضَت المنذرون من بَين يَدَيْهِ، أَي: من قبل هود، وَمن خَلفه، وَالْمعْنَى: أَن الرُّسُل الَّذين بعثوا قبله وَالَّذين بعثوا فِي زَمَانه وَالَّذين يبعثون بعده كلهم منذرون نَحْو إنذاره. قَوْله: (أَلا تعبدوا) ، يَعْنِي: إِنْذَارهم بقَوْلهمْ أَلا تعبدو إلَاّ الله وَحده لَا شريك لَهُ. قَوْله: (إِنِّي أَخَاف) يَعْنِي: إِنْذَارهم بقَوْلهمْ أَلا تعبدوا إلَاّ الله وَحده لَا شريك لَهُ. قَوْله: (إِنِّي أَخَاف) إِلَى آخر الْآيَة كَلَام هود. قَوْله: (قَالُوا) أَي: قوم هود. قَوْله: (لتأفكنا) أَي: لتصرفنا عَن آلِهَتنَا إِلَى دينك، وَهَذَا لَا يكون. قَوْله: (فاتنا) خطاب لهود أَي: هَات لنا من الْعَذَاب الَّذِي توعدنا بِهِ على الشّرك إِن كنت من الصَّادِقين فِيمَا تَقول. قَوْله: (قَالَ) ، أَي: هود، إِنَّمَا الْعلم عِنْد الله بِوَقْت مَجِيء الْعَذَاب لَا عِنْدِي، وأبلغكم مَا أرْسلت بِهِ، أَي: الَّذِي أمرت بتبليغه إِلَيْكُم وَلَيْسَ فِيهِ تعْيين وَقد الْعَذَاب، وَلَكِنَّكُمْ جاهلون لَا تعلمُونَ أَن الرُّسُل لم يبعثوا إلَاّ منذرين لَا معترضين، وَلَا سائلين غير مَا أذن لَهُم فِيهِ. قَوْله: (فَلَمَّا رَأَوْهُ) أَي: فَلَمَّا رَأَوْا مَا يوعدون بِهِ قَالُوا: هَذَا عَارض، أَي: سَحَاب عرض فِي أفق السَّمَاء بمطر لنا مِنْهُ، قَالَ هود: بل هُوَ مَا استعجلتم بِهِ، هِيَ ريح فِيهَا عَذَاب أَلِيم تدمر، أَي: تهْلك كل شَيْء من نفوس عَاد وَأَمْوَالهمْ بِإِذن رَبهَا قَوْله: (فَأَصْبحُوا لَا تُرى) قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة وَيَعْقُوب: ترى، بِضَم التَّاء وَرفع: مساكنهم، قَالَ الْكسَائي: مَعْنَاهُ: لَا ترى شَيْء إلَاّ مساكنهم، وَقَالَ الْفراء: لَا ترى النَّاس لأَنهم كَانُوا تَحت الرمل، وَإِنَّمَا ترى مساكنهم لِأَنَّهَا قَائِمَة. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْح التَّاء وَنصب: مساكنهم، على معنى: لَا ترى يَا مُحَمَّد إلَاّ مساكنهم قَوْله: (كَذَلِك نجزي الْقَوْم الْمُجْرمين) أَي: من أجرم مثل جرمهم، وَهَذَا تحذير لمشركي الْعَرَب. ومختصر قصَّة هود: أَنه، ﵊، لما دَعَا على قومه أرسل الله الرّيح عَلَيْهِم سبع لَيَال وَثَمَانِية أَيَّام حسوماً أَي: متتابعة، أَي ابتدأت غدْوَة الْأَرْبَعَاء وسكنت فِي آخر الثَّامِن،

стр. 4555

وَاعْتَزل هود وَمن مَعَه من الْمُؤمنِينَ فِي حَظِيرَة لَا يصيبهم مِنْهَا إلَاّ مَا يلين الْجُلُود وتلذ النُّفُوس، وَعَن مُجَاهِد: كَانَ قد آمن مَعَه أَرْبَعَة آلَاف، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما جَاءَ أمرنَا نجينا هوداً وَالَّذين آمنُوا مَعَه﴾ (هود: ٨٥) . فَكَانَت الرّيح تقلع الشّجر وتهدم الْبيُوت وَمن لم يكن مِنْهُم فِي بَيته أهلكته فِي البراري وَالْجِبَال. وَقَالَ السّديّ: لما رَأَوْا أَن الْإِبِل وَالرِّجَال تطير بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فِي الْهَوَاء تبَادرُوا إِلَى الْبيُوت فَلَمَّا دخلواها دخلت الرّيح وَرَاءَهُمْ فأخرجتهم مِنْهَا ثمَّ أهلكتهم، ثمَّ أرسل الله عَلَيْهِم طيراً سُودًا فنقلتهم إِلَى الْبَحْر فألقتهم فِيهِ. ثمَّ إِن هوداً، ﵊، بَقِي بعد هَلَاك قومه مَا شَاءَ الله ثمَّ مَاتَ وعمره مائَة وَخَمْسُونَ سنة، وَحكى الْخَطِيب عَن ابْن عَبَّاس أَنه عَاشَ أَرْبَعمِائَة وَسِتِّينَ سنة، وَكَانَ بَينه وَبَين نوح ثَمَانمِائَة وَسِتِّينَ سنة. وَاخْتلفُوا: فِي أَي مَكَان توفّي؟ فَقيل: بِأَرْض الشحر من بِلَاد حَضرمَوْت وقبره ظَاهر هُنَاكَ ذكره ابْن سعد فِي (الطَّبَقَات) ، وَعَن عبد الرَّحْمَن بن ساباط: بَين الرُّكْن وَالْمقَام وزمزم قبر تِسْعَة وَتِسْعين نَبيا، وَأَن قبر هود وَشُعَيْب وَصَالح وَإِسْمَاعِيل، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي تِلْكَ الْبقْعَة، وَقيل: بِجَامِع دمشق فِي حَائِط الْقبْلَة، يزْعم بعض النَّاس أَنه قبر هود، وَالله أعلم. وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: لم يكن بَين نوح وَإِبْرَاهِيم من الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، إلَاّ هود وَصَالح. فِيهِ عنْ عَطَاءٍ وسُلَيْمَانَ عنْ عَائِشَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أَي: فِي هَذَا الْبَاب رُوِيَ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق البُخَارِيّ فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أرسل الرِّيَاح﴾ (الْفرْقَان: ٨٤) . عَن مكي بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن عَائِشَة، قَالَت: كَانَ النَّبِي ﷺ ... الحَدِيث. قَوْله: (وَسليمَان) ، أَي: وَعَن سُلَيْمَان بن يسَار عَن عَائِشَة، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْقَاف، وَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن وهب أخبرنَا عَمْرو أَن أَبَا النَّضِير حَدثهُ عَن سُلَيْمَان بن يسَار عَن عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ قَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله، ﷺ ضَاحِكا حَتَّى أرى مِنْهُ لهواته ... الحَدِيث. ٩ - (بابُ قَوْلِ الله ﴿وأمَّا عادٌ فأُهْلِكُوا بِريحٍ صَرْصَرٍ﴾ شَدِيدَةٍ ﴿عَاتِيَةٍ﴾ (الحاقة: ٨) . قالَ ابنُ عُيَيْنَةَ عَتَتْ عَلى الخُزَّانِ سَخَّرَهَا علَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وثَمَانِيَةَ أيَّامٍ حُسومَاً مُتَتَابِعَةً فتَرَى القَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كأنَّهُمْ أعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ أُصُولُها فَهلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ بَقِيَّةٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَفْسِير قَول الله تَعَالَى: ﴿وَأما عَاد فأهلكوا برِيح صَرْصَر عَاتِيَة. سخرها عَلَيْهِم سبع لَيَال وَثَمَانِية أَيَّام حسوماً فترى الْقَوْم فِيهَا صرعى كَأَنَّهُمْ أعجاز نخل خاوية فَهَل ترى لَهُم من بَاقِيَة﴾ (الحاقة: ٨ ٠١) . قَوْله: (وَأما عَاد) عطف على مَا قبله، وَهُوَ قَوْله: ﴿فَأَما ثَمُود فأهلكوا بالطاغية﴾ (الحاقة: ٧) . وقصة عَاد مرت فِي الْبَاب السَّابِق، وَقد فسر البُخَارِيّ: الصرصر بقوله: شَدِيدَة عَاتِيَة، وعاتية من عتا يعتو عتواً إِذا جَاوز الْحَد فِي الشَّيْء، وَمِنْه العاتي: وَهُوَ الَّذِي جَاوز الْحَد فِي الاستكبار. قَوْله: (قَالَ ابْن عُيَيْنَة) أَي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَتَتْ أَي الرّيح على الْخزَّان، بِضَم الْخَاء جمع خَازِن وهم الْمَلَائِكَة الموكلون بِالرِّيحِ، يَعْنِي: عَتَتْ عَلَيْهِم فَلم تطعهم وجاوزت الْمِقْدَار، وَقيل: عَتَتْ على خزانها فَخرجت بِلَا كيل وَلَا وزن، وَعَن عَبَّاس: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (مَا أرسل الله تَعَالَى نسمَة من ريح إلَاّ بِمِكْيَال، وَلَا قَطْرَة من مطر إلَاّ بِمِكْيَال إلَاّ يَوْم عَاد وَيَوْم نوح طغت على الْخزَّان فَلم يكن لَهُم عَلَيْهَا سَبِيل) وَقيل: الصرصر شَدِيد الصَّوْت لَهَا صرصرة، وَقيل: ريح صَرْصَر بَارِدَة من الصر كَأَنَّهَا الَّتِي كرر فِيهَا الْبرد وَكثر فَهِيَ تحرق بِشدَّة بردهَا. قَوْله: (سخرها) ، يَعْنِي أرسلها وسلطها عَلَيْهِم، والتسخير اسْتِعْمَال الشَّيْء بالاقتدار. قَوْله: (حسوماً) ، فسره البُخَارِيّ بقوله: متتابعة، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ الضَّحَّاك: كَامِلَة لم تفتر عَنْهُم حَتَّى افنتهم، وَقَالَ عَطِيَّة: حسوماً كَأَنَّهَا حسمت الْخَبَر عَن أَهلهَا. وَقَالَ الْخَلِيل: قطعا لدابرهم، والحسم الْقطع وَالْمَنْع، وَمِنْه حسم الرَّضَاع، وَقَالَ النَّضر ابْن شُمَيْل: حسمهم قطعهم، وانتصاب حسوماً على الْحَال، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الحسوم إِمَّا جمع حاسم كشهود جمع شَاهد، وَإِمَّا مصدر كالكفور والشكور، فَإِن كَانَ جمعا يكون حَالا يَعْنِي: حاسمة، وَإِن كَانَ مصدرا يكون مَنْصُوبًا بِفعل مُضْمر أَي: يحسم حسوماً بِمَعْنى يستأصل استئصالاً، أَو يكون صفة كَقَوْلِك: ذَات حسومٍ أَو يكون مَفْعُولا لَهُ، أَي: سخرها عَلَيْهِم للِاسْتِئْصَال.
следующие страницы →