Полный текст (7 603 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.
стр. 4796
فَطُفْتَ فَبَيْنَا سَعْدٌ يَطُوفُ إذَا أبُو جَهْلٍ فقالَ مَنْ هذَا الَّذِي يَطُوفُ بالكَعْبَةِ فَقَالَ سعْدٌ أنَا سَعْدٌ فقالَ أبُو جَهْلٍ تَطُوفُ بالْكَعْبَةِ آمِنَاً وقَدْ أوَيْتُمْ مُحَمَّداً وأصْحَابَهُ فَقَالَ نَعَمْ فَتَلاحَيَا بَيْنَهُمَا فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ عَلَى أبِي الحَكَمُ فإنَّهُ سَيِّدُ أهْلِ الوَادِي ثُمَّ قالَ سَعْدً وَالله لَئِنْ مَنَعْتَني أنْ أطُوفَ بالبَيْتِ لأقْطَعَنَّ مَتْجَرَكَ بالشَّأمِ قَالَ فجَعَلَ أُمَيَّةُ يقُولُ لِسَعْدَ لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ وجَعَلَ يُمْسِكُهُ فغَضِبَ سَعْدٌ فَقَالَ دَعْنَا عَنْكَ فإنِّي سَمِعْتُ مُحَمَّداً ﷺ يَزْعُمُ أنَّهُ قاتِلكَ قَالَ إيَّايَ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَالله مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ إذَا حَدَّثَ فرَجَعَ إِلَى امْرَأتِهِ فَقَالَ أمَا تَعْلَمِينَ مَا قَالَ لِي أخِي اليَثْرِبِيُّ قالَتْ وَمَا قالَ قَالَ زَعَمَ أنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَاً يَزْعُمُ أنَّهُ قَاتِلِي قالتْ فَوَالله مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ قَالَ فلَمَّا خَرَجُوا إلَى بَدْرٍ وجاءَ الصَّرِيخُ قالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ أمَا ذَكَرْتَ مَا قالَ لَكَ أخُوكَ اليَثْرِبِيُّ قَالَ فأرَادَ أنْ لَا يَخْرُجْ فَقَالَ لَهُ أبُو جَهْلٍ إنَّكَ مِنْ أشْرَافِ الوَادِي فَسِرْ يَوْمَاً أوْ يَوْمَيْنِ فَسَارَ يَوْمَيْنِ مَعَهُمْ فقَتَلَهُ الله. (الحَدِيث ٢٣٦٣ طرفه فِي: ٠٥٩٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ أخبر بقتل أُميَّة بن خلف فَقتل فِي وقْعَة بدر، قَتله رجل من الْأَنْصَار من بني مَازِن، وَقَالَ ابْن هِشَام: قَتله معَاذ بن عفراء، وخارجة بن زيد وخبيب بن أساف اشْتَركُوا فِيهِ، وَهُوَ أُميَّة بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: أَحْمد بن إِسْحَاق بن الْحصين بن جَابر أَبُو إِسْحَاق السّلمِيّ السرماري، وسرمار قَرْيَة من قرى بُخَارى. الثَّانِي: عبيد الله بن مُوسَى بن باذام أَبُو مُحَمَّد الْعَبْسِي الْكُوفِي، وَهُوَ أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ. الثَّالِث: إِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي. الرَّابِع: أَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي. الْخَامِس: عَمْرو بن مَيْمُون الْأَزْدِيّ الْكُوفِي، أدْرك الْجَاهِلِيَّة. السَّادِس: عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
وَقد أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي أول الْمَغَازِي فِي: بَاب ذكر النَّبِي ﷺ من يقتل ببدر.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سعد بن معَاذ) بن النُّعْمَان بن امرىء الْقَيْس بن زيد بن عبد الْأَشْهَل بن جشم بن الْحَارِث بن الْخَزْرَج بن النبيت، وَهُوَ عَمْرو بن مَالك الْأَوْس الْأنْصَارِيّ الأشْهَلِي، يكنى أَبَا عَمْرو، وَأسلم بِالْمَدِينَةِ بَين الْعقبَة الأولى وَالثَّانيَِة على يَدي مُصعب بن عُمَيْر، وَشهد بَدْرًا وأحداً وَالْخَنْدَق، فَرمي يَوْم الخَنْدَق بِسَهْم فَعَاشَ شهرا ثمَّ انتفض جرحه فَمَاتَ مِنْهُ. قَوْله: (مُعْتَمِرًا) نصب على الْحَال وَكَانُوا يعتمرون من الْمَدِينَة قبل أَن يعْتَمر رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (فَنزل) أَي: سعد بن معَاذ حِين دخل مَكَّة لأجل الْعمرَة (على أُميَّة ابْن خلف) بن وهب يكنى بِأبي صَفْوَان من كبار الْمُشْركين. قَوْله: (وَكَانَ أُميَّة إِذا انْطلق إِلَى الشَّام) ، يَعْنِي: لأجل التِّجَارَة. (فَمر بِالْمَدِينَةِ) لِأَنَّهَا على طَرِيقه، فَنزل على سعد بن معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ مؤاخياً مَعَه قَوْله: (وَقَالَ أُميَّة لسعد: إنتظر حَتَّى إِذا انتصف النَّهَار وغفل النَّاس) لِأَنَّهُ وَقت غَفلَة وقائله (انْطَلَقت فطفت) بِالتَّاءِ الْمَفْتُوحَة فيهمَا لِأَنَّهُ خطاب أُميَّة لسعد، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي: أول الْمَغَازِي: فَلَمَّا قدم رَسُول الله، ﷺ الْمَدِينَة انْطلق سعد مُعْتَمِرًا فَنزل على أُميَّة بِمَكَّة، فَقَالَ لأمية: أنظر لي سَاعَة خلْوَة لعَلي أَن أَطُوف بِالْبَيْتِ، فَخرج بِهِ قَرِيبا من نصف النَّهَار. قَوْله: (فَبَيْنَمَا سعد يطوف إِذا أَبُو جهل) يَعْنِي: قد حضر، وَفِي رِوَايَة الْمَغَازِي: فَإِذا بِهِ، أَي: فَخرج أَبُو أُميَّة بِسَعْد قَرِيبا من نصف النَّهَار فلقيهما أَبُو جهل، فَقَالَ: يَا أَبَا صَفْوَان، يَعْنِي: يَقُول لأمية، من هَذَا مَعَك؟ قَالَ: فَقَالَ: هَذَا سعد، فَقَالَ أَبُو جهل، يَعْنِي لسعد: ألَا أَرَاك تَطوف بِمَكَّة آمنا؟ يَعْنِي: حَال كونك آمنا؟ وَقد أويتم الصباة، وزعمتم أَنكُمْ تنصرونهم وتغيثونهم، أما وَالله لَو أَنَّك مَعَ أبي صَفْوَان مَا رجعت إِلَى أهلك سالما، قَوْله (الصباة) بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة جمع: صابيء، مثل قَضَاهُ جمع قاضٍ، وَكَانُوا يسمون النَّبِي ﷺ ، وَأَصْحَابه الَّذين هَاجرُوا
стр. 4797
إِلَى الْمَدِينَة: صباة من صَبأ إِذا مَال عَن دينه. قَوْله: (فتلاحيا) أَي: تخاصما وتنازعا، وَقيل: تسابا يَعْنِي: سعد بن معَاذ وَأَبُو جهل. قَوْله: (على أبي الحكم) ، بِفتْحَتَيْنِ: هُوَ عَدو الله أَبُو جهل، واسْمه: عَمْرو بن هِشَام المَخْزُومِي وكناه رَسُول الله، ﷺ : بِأبي جهل. قَوْله: (فَإِنَّهُ سيد أهل الْوَادي) أَي: فَإِن أَبَا جهل سيد أهل الْوَادي، أَرَادَ بِهِ: أهل مَكَّة. قَوْله: (ثمَّ قَالَ سعد) أَي: لأبي جهل: (وَالله لَئِن منعتني من أَن أَطُوف) أَي: من طواف الْبَيْت. (لأقطعن متجرك بِالشَّام) أَي: تجارتك، وَفِي رِوَايَة الْمَغَازِي: أما وَالله لَئِن منعتني هَذَا لأمنعنك مَا هُوَ أَشد عَلَيْك مِنْهُ، طريقك على الْمَدِينَة. قَوْله: (قَالَ: دَعْنَا عَنْك) أَي: فَقَالَ سعد لأمية بن خلف، دَعْنَا عَنْك، أَي: أترك محاماتك لأبي جهل، فَإِنِّي سَمِعت مُحَمَّدًا يزْعم أَنه قَاتلك، وَالْخطاب لأمية، وَفِي الْمَغَازِي: دَعْنَا عَنْك يَا أُميَّة، فوَاللَّه لقد سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: (أَنه قَاتلك) ، وَفِي رِوَايَة: (إِنَّهُم قاتلوك) . قَالَ: بِمَكَّة؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. قَوْله: (قَالَ: إيَّايَ؟) أَي: قَالَ أُميَّة: إيَّايَ؟ قَالَ سعد: نعم إياك. قَوْله: (فَرجع إِلَى امْرَأَته) ، أَي: فَرجع أُميَّة إِلَى امْرَأَته، وَفِي رِوَايَة الْمَغَازِي، فَفَزعَ لذَلِك أُميَّة فَزعًا شَدِيدا، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَهله قَالَ: يَا أم صَفْوَان: ألم تري مَا قَالَ لي سعد؟ وَهنا قَالَ لَهَا: أتعلمين مَا قَالَ لي أخي اليثربي؟ أَرَادَ بِهِ سَعْدا، فنسبه إِلَى يثرب مَدِينَة الرَّسُول ﷺ ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ: أخي، يَعْنِي: فِي المصاحبة دون النّسَب وَلَا الدّين. قَوْله: (قَالَ: فوَاللَّه مَا يكذب مُحَمَّد) ، أَي: قَالَ أُميَّة: مَا يكذب مُحَمَّد، لِأَنَّهُ كَانَ مَوْصُوفا عِنْدهم بِالصّدقِ وَالْأَمَانَة وَإِن كَانُوا لَا يصدقونه. قَوْله: (فَلَمَّا خَرجُوا) ، أَي: أهل مَكَّة إِلَى بدر، وَجَاء الصَّرِيخ. قَالَ فِي (التَّوْضِيح) : فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَهُوَ أَن الصَّرِيخ جَاءَهُم فَخَرجُوا إِلَى بدر، أخْبرهُم أَنه ﷺ وَأَصْحَابه خَرجُوا إِلَى عير أبي سُفْيَان، فَخرجت قُرَيْش أشرين بطرين موقنين عِنْد أنفسهم أَنهم غالبون، فَكَانُوا ينحرون يَوْمًا عشرَة من الأبل، وَيَوْما تِسْعَة، والصريخ: فعيل من الصُّرَاخ، وَهُوَ صَوت المستصرخ أَي: المستغيث. قَوْله: (فَأَرَادَ أَن لَا يخرج) ، أَي: أَرَادَ أُميَّة أَن لَا يخرج من مَكَّة مَعَ قُرَيْش إِلَى بدر، وَفِي الْمَغَازِي: فَقَالَ أُميَّة: وَالله لَا أخرج من مَكَّة، فَلَمَّا كَانَ يَوْم بدر اسْتنْفرَ أَبُو جهل النَّاس فَقَالَ: أدركوا عِيركُمْ، فكره أُميَّة أَن يخرج، فَأَتَاهُ أَبُو جهل فَقَالَ: يَا أَبَا صَفْوَان ﴿إِنَّك مَتى يراك النَّاس قد تخلفت وَأَنت سيد أهل الْوَادي تخلفوا مَعَك فَلم يزل بِهِ أَبُو جهل حَتَّى قَالَ: أما إِذا غلبتني فوَاللَّه لأشترين أَجود بعير بِمَكَّة، ثمَّ قَالَ أُميَّة: يَا أم صَفْوَان﴾ جهزيني. فَقَالَت لَهُ: يَا أَبَا صَفْوَان! أونسيت مَا قَالَ لَك أَخُوك اليثربي؟ قَالَ: لَا، مَا أُرِيد أَن أجوز مَعَهم إلَاّ قَرِيبا، فَلَمَّا خرج أُميَّة جعل لَا ينزل منزلا إِلَّا عقل بعيره، فَلم يزل بذلك حَتَّى قَتله الله، ، ببدر، وَإِنَّمَا سقت مَا فِي الْمَغَازِي لِأَنَّهُ كالشرح لما هُنَا، وَقد ذكر الْكرْمَانِي هُنَا شَيْئا بِغَيْر نظر وَلَا تَأمل، حَتَّى نسب بذلك إِلَى التغفل عِنْد بعض الشُّرَّاح، وَهُوَ أَنه قَالَ: فَإِن قلت: أَيْن مَا أخبر بِهِ سعد من كَون أبي جهل قَاتله أَي قَاتل أُميَّة؟ قلت: أَبُو جهل كَانَ السَّبَب فِي خُرُوجه، فَكَأَنَّهُ قَتله، إِذْ الْقَتْل كَمَا يكون مُبَاشرَة قد يكون تسبباً. انْتهى. وَإِنَّمَا حمله على هَذَا الْأَمر العجيب لِأَنَّهُ فهم أَن قَول سعد لأمية: إِنَّه قَاتلك، أَي: إِن أَبَا جهل قَاتلك، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا أَرَادَ سعد: أَن النَّبِي ﷺ هُوَ الَّذِي يقتل أُميَّة، فَلَمَّا فهم هَذَا الْفَهم اسْتشْكل ذَلِك بِكَوْن أبي جهل على دين أُميَّة، ثمَّ تعسف بِالْجَوَابِ كَذَلِك.
٣٣٦٣ - حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ شَيْبَةَ حدَّثنا عبْدُ الرحْمانِ بنُ الْمُغِيرَةِ عنْ أبِيهِ عنْ مُوساى بنِ عُقْبَةَ عنْ سَالِمِ بنِ عبْدِ الله عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ رَأيْتُ النَّاسَ مُجْتَمِعينَ فِي صَعيدٍ فقامَ أبُو بَكْرٍ فنَزَعَ ذَنُوباً أوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي بَعْضِ نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَالله يَغفِرُ لَهُ ثُمَّ أخَذَهَا عُمَرُ فاسْتَحَالَتْ بِيَدِهِ غَرْباً فلَمْ أرَ عَبْقَرِياً فِي النَّاسِ يَفْري فَرْيَهُ حتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ وَقَالَ هَمَّامٌ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ فنَزَعَ أبُو بَكْرٍ ذَنُوبَيْنِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه ﷺ ، أخبر عَمَّا رَآهُ فِي الْمَنَام فِي أَمر خلَافَة الشَّيْخَيْنِ، وَقد وَقع مثل مَا قَالَ على مَا نذكرهُ، ورؤيا الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، حق بِلَا خلاف.
وَعبد الرحمان بن شيبَة هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عبد الْملك بن مُحَمَّد بن شيبَة أَبُو بكر الْخَوَارِزْمِيّ الْقرشِي مَوْلَاهُم الْمدنِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة، بِضَم الْمِيم وَكسر الْغَيْن الْمُعْجَمَة: ابْن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن خَالِد بن حزَام بن خويلد أَبُو الْقَاسِم الْحزَامِي الْمَدِينِيّ، يروي عَن أَبِيه
стр. 4798
الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن، وَهُوَ يروي عَن مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش الْأَسدي الْمَدِينِيّ الإِمَام، وَهُوَ يروي عَن سَالم بن عبد الله عَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّعْبِير عَن أَحْمد بن يُونُس. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أَحْمد بن يُونُس بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الرُّؤْيَا عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يُوسُف ابْن سعيد.
قَوْله: (فِي صَعِيد) ، هُوَ فِي اللُّغَة وَجه الأَرْض. قَوْله: (ذنوباً) ، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَهُوَ الدَّلْو الممتليء مَاء، وَقَالَ ابْن فَارس: هُوَ الدَّلْو الْعَظِيم. قَوْله: (أَو ذنوبين) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (وَفِي بعض نَزعه) ، أَي: فِي استقائه. قَوْله: (ضعف) ، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَضمّهَا لُغَتَانِ، وَلَيْسَ فِيهِ حط من فَضِيلَة أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَار عَن حَال ولَايَته، فَإِنَّهُ اشْتغل بِقِتَال أهل الرِّدَّة فَلم يتفرغ لفتح الْأَمْصَار وجباية الْأَمْوَال، ولقصر مدَّته فَإِنَّهَا سنتَانِ وَثَلَاثَة أشهر وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَالله يغْفر لَهُ) لَيْسَ فِيهِ تنقيص لَهُ وَلَا إِشَارَة إِلَى ذَنْب، وَإِنَّمَا هِيَ كلمة يدعمون بهَا كَلَامهم، ونعمت الدعامة. قَوْله: (ثمَّ أخدها) أَي: الذُّنُوب، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَي فَأخذ الْخلَافَة. قلت: لفظ الْخلَافَة غير مَذْكُور، وَإِنَّمَا الذُّنُوب الَّتِي استحالت غرباً كِنَايَة عَن خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فاستحالت بِيَدِهِ غرباً) ، أَي: تحولت من الصغر إِلَى الْكبر، والغرب بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء: الدَّلْو الْعَظِيم يسقى بِهِ الْبَعِير، فَهِيَ أكبر من الذُّنُوب، وهيه الْحَال إِنَّمَا حصله لَهُ لطول أَيَّامه وَمَا فتح الله لَهُ من الْبِلَاد وَالْأَمْوَال والغنائم فِي عَهده، وَأَنه مصَّر الْأَمْصَار، ودوَّن الدَّوَاوِين، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا الْمَنَام مِثَال لما جرى للخليفتين من ظُهُور آثارهما وانتفاع النَّاس بهما، وكل ذَلِك مَأْخُوذ من النَّبِي ﷺ ، إِذْ هُوَ صَاحب الْأَمر، فَقَامَ بِهِ أكمل قيام وَقرر الْقَوَاعِد، ثمَّ خَلفه أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سنتَيْن فقاتل أهل الرِّدَّة وَقطع دابرهم، ثمَّ خَلفه عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فاتسع الْإِسْلَام فِي زَمَنه، فقد شبه أَمر الْمُسلمين بقليب فِيهِ المَاء الَّذِي بِهِ حياتهم وصلاحهم، وسقيهما قيامهما بمصالحهم، وسقيه هُوَ قِيَامه بمصالحهم، قَوْله: (عبقرياً) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْقَاف وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، والعبقري: هُوَ الحاذق فِي عمله، وَهَذَا عبقري قومه أَي سيدهم، وَقيل: أصل هَذَا من عبقر وَهِي أَرض يسكنهَا الْجِنّ، فَصَارَ مثلا لكل مَنْسُوب إِلَى شَيْء غَرِيب فِي جودة صَنعته وَكَمَال رفعته، وَقيل: عبقر قَرْيَة يعْمل فِيهَا الثِّيَاب الْحَسَنَة فينسب إِلَيْهَا كل شَيْء جيد. وَقَالَ الْخطابِيّ: العبقري كل شَيْء يبلغ النِّهَايَة فِي الْخَيْر وَالشَّر. قَوْله: (يفري فريه) ، يفري: بِكَسْر الرَّاء، و: فريه، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف، ويروى: فريه، بِفَتْح الْفَاء وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء أَي: يعْمل عملا مصلحاً وَيقطع قِطْعَة مجيداً، يُقَال: فلَان، يفري فريه، إِذا كَانَ يَأْتِي بالعجب فِي عمله، وَقَالَ الْخَلِيل: يُقَال فِي الشجاع: مَا يفري أحد فريه، مُخَفّفَة الْيَاء وَمن شدد أَخطَأ، يُقَال: مَعْنَاهُ مَا كل أحد يفري على عمله. قَوْله: (حَتَّى ضرب النَّاس بِعَطَن) ، والعطن مبرك الْإِبِل حول موردها لتشرب عللاً بعد نهل، وتستريح مِنْهُ. وَقَالَ القَاضِي: ظَاهر لفظ: (حَتَّى ضرب النَّاس) أَنه عَائِد إِلَى خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقيل: يعود إِلَى خِلَافَتهمَا، لِأَن بتدبيرهما وقيامهما بمصالح الْمُسلمين تمّ هَذَا الْأَمر، لِأَن أَبَا بكر جمع شملهم وابتدأ الْفتُوح وتكامل فِي زمن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَوْله: (وَقَالَ همام) أَي: همام بن مُنَبّه (عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ذنوبين) يَعْنِي: من غير شكّ، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي التَّعْبِير من هَذَا الْوَجْه من غَيره.
٤٣٦٣ - حدَّثني عَبَّاسُ بنُ الوَلِيدَ النَّرْسِيُّ حدَّثنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أبِي حدَّثنا أبُو عُثْمَانَ قَالَ أُنْبِئْتُ أنْ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وعِنْدَهُ أُمّ سَلَمَةَ فجَعلَ يُحَدِّثُ ثُمَّ قَامَ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ لاُِمِّ سلَمَةَ مَنْ هاذا أوْ كَما قَالَ قَالَ قَالَتْ هَذا دِحْيَةُ قالَتْ أُمُّ سلَمَةَ أيْمُ الله مَا حَسِبْتُهُ إلَاّ إيَّاهُ حتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ نَبِيِّ الله ﷺ بخَبَرِ جِبْرِيلَ أوْ كَما قَالَ قَالَ فقُلْتُ لأبِي عُثمانَ مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذا قَالَ مِنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ ذكر جِبْرِيل، ﵊، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يخبر النَّبِي ﷺ بالمغيبات، فَكَانَ علما من أَعْلَام نبوته، وعباس، بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن الْوَلِيد أَبُو الْوَلِيد الرقام الْبَصْرِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، مَاتَ سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ
стр. 4799
وَمِائَتَيْنِ، والنرسي، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الرَّاء وبالسين الْمُهْملَة، قَالَ الكلاباذي: نرس لقد أحد أجداد عَبَّاس الْمَذْكُور، وَكَانَ اسْمه: نصر، فَقَالَ لَهُ بعض النبط: نرس، بدل نصر فَبَقيَ لقباً عَلَيْهِ، ومعتمر هُوَ ابْن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ وَكَانَ رَأْسا فِي الْعلم وَالْعِبَادَة كأبيه، مَاتَ سنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَأَبوهُ سُلَيْمَان بن طرخان التَّيْمِيّ من السَّادة تَابِعِيّ، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَة، وَأَبُو عُثْمَان اسْمه عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ، بِفَتْح النُّون، ولد فِي زمن النَّبِي ﷺ .
وَهَذَا الحَدِيث يَأْتِي فِي فَضَائِل الْقُرْآن. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
قَوْله: (أنبئت) على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: أخْبرت، وَهَذَا مُرْسل لكنه صَار مُسْندًا مُتَّصِلا حَيْثُ قَالَ فِي آخر الحَدِيث: سمعته من أُسَامَة بن زيد. قَوْله: (وَعِنْده أم سَلمَة) جملَة حَالية، وَاسْمهَا: هِنْد بنت أبي أُميَّة إِحْدَى زَوْجَات النَّبِي ﷺ قَوْله: (فَجعل) أَي: جِبْرِيل يحدث النَّبِي ﷺ ، ثمَّ قَامَ. قَوْله: (أَو كَمَا قَالَ) أَي: النَّبِي ﷺ . قَوْله: (قَالَ: قَالَت) أَي: قَالَ أَبُو عُثْمَان: قَالَت أم سَلمَة: هَذَا دحْيَة، بِكَسْر الدَّال الْمُهْملَة وَفتحهَا: ابْن خَليفَة الْكَلْبِيّ الصَّحَابِيّ، وَكَانَ من أجمل النَّاس وَكَانَ جِبْرِيل، ﵊ يَأْتِي رَسُول الله، ﷺ على صورته وَيظْهر لغيره ﷺ على صورته، وَرُبمَا لَا يرَاهُ إلَاّ رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (بِخَبَر جِبْرِيل ﵊ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة، ويروي: يخبر جِبْرِيل، على لفظ الْمُضَارع من أخبر، ويروي أَيْضا: خبر جِبْرِيل، بِدُونِ يَاء الْجَرّ. قَوْله: (قَالَ: فَقلت لأبي عُثْمَان) أَي: قَالَ سُلَيْمَان بن طرخان وَالِد مُعْتَمر الْمَذْكُور لأبي عُثْمَان عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور (وَمِمَّنْ سَمِعت هَذَا) أَي: هَذَا الحَدِيث، قَالَ: سمعته (من أُسَامَة بن زيد بن حَارِثَة) وَأمه أم أَيمن حاضنة النَّبِي ﷺ ، وَكَانَ يُسمى: حب النَّبِي ﷺ ، وَاسْتَعْملهُ النَّبِي ﷺ وَهُوَ ابْن ثَمَان عشرَة سنة، وَتُوفِّي فِي آخر أَيَّام مُعَاوِيَة سنة ثَمَان أَو تسع وَخمسين بِالْمَدِينَةِ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
بِسم الله الرحْمان الرَّحيم
٦٢ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْنَاءَهُمْ وإنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٦٤١) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من ذكر قَول الله تعال: ﴿يعرفونه﴾ (الْبَقَرَة: ٦٤١) . الْآيَة وَأول الْآيَة ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعرفونه﴾ (الْبَقَرَة: ٦٤١) . الْآيَة، أخبر الله تَعَالَى أَن عُلَمَاء أهل الْكتاب يعْرفُونَ صِحَة مَا جَاءَهُم بِهِ الرَّسُول ﷺ كَمَا يعرف أحدهم وَلَده، وَالْعرب كَانَت تضرب الْمثل فِي صِحَة الشَّيْء بِهَذَا، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: ويروى أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ لعبد الله بن سَلام: أتعرف مُحَمَّدًا كَمَا تعرف ابْنك؟ قَالَ: نعم وَأكْثر، نزل الْأمين من السَّمَاء بنعته فعرفته، وإنني لَا أَدْرِي مَا كَانَ من أمه، وَقيل: يعْرفُونَ مُحَمَّدًا كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم من بَين أَبنَاء النَّاس، لَا يشك أحد وَلَا يتمارى فِي معرفَة ابْنه إِذا رَآهُ من بَين أَبنَاء النَّاس كلهم، ثمَّ أخبر الله تَعَالَى أَنهم مَعَ هَذَا التحقق والإيقان العلمي ﴿ليكتمون الْحق﴾ أَي: ليكتمون النَّاس مَا فِي كتبهمْ من صفة النَّبِي ﷺ . ﴿وهم يعلمُونَ﴾ أَي: وَالْحَال أَنهم يعلمُونَ الْحق. فَإِن قلت: مَا وَجه دُخُول هَذَا الْبَاب المترجم فِي أَبْوَاب عَلَامَات النُّبُوَّة الْمَذْكُورَة؟ قلت: من جِهَة أَنه أَشَارَ فِي الحَدِيث إِلَى حكم التَّوْرَاة، وَالنَّبِيّ ﷺ سَأَلَهُمْ عَمَّا فِي التَّوْرَاة فِي حكم من زنى، وَالْحَال أَنه لم يقْرَأ التَّوْرَاة وَلَا وقف عَلَيْهَا قبل ذَلِك، فَظهر الْأَمر كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ، وَهُوَ أَيْضا من أعظم عَلَامَات النُّبُوَّة.
٥٣٦٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرَنا مالِكُ بنُ أنَسٍ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ اليَهُودَ جاؤُا إِلَى رسُولِ الله ﷺ فذَكَرُوا لَهُ أنَّ رجُلاً مِنْهُم وامْرَأةً زَنَيا فَقَالَ لَهُم رسُولُ الله ﷺ مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شأنِ الرَّجْمِ فَقَالَ نَفْضَحُهُمْ ويُجْلَدُونَ فَقَالَ عَبْدُ الله بنُ سَلَامٍ كذَبْتُمْ إنَّ فِيهَا الرَّجْمَ فأتَوْا بالتَّوْرَاةِ فنَشَرُوهَا فوَضَعَ أحَدُهُمْ يَدَهُ علَى آيَةِ الرَّجْمِ فقَرَأ مَا قَبْلَها وَمَا بَعْدَهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الله بنُ سَلامٍ ارْفَعْ يَدَكَ فرَفَعَ يَدَهُ فإذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ فقالُوا صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فيهَا آيةُ الرَّجْمِ فأمَرَ بِهِمَا رسُولُ الله ﷺ فرُجِمَا. قَالَ عَبْدُ الله فرَأيْتُ الرَّجُلَ يَحْنَأُ عَلَى المَرْأةِ يَقِيهَا الحِجَارَةَ. .
стр. 4800
وَجه الْمُطَابقَة قد ذَكرْنَاهُ الْآن. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمُحَاربين عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن أبي الطَّاهِر، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معمر عَنهُ بِهِ مُخْتَصرا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرَّجْم عَن قُتَيْبَة عَنهُ بِتَمَامِهِ.
قَوْله: (فَذكرُوا لَهُ) أَي: للنَّبِي ﷺ . قَوْله: (أَن رجلا مِنْهُم) أَي: من الْيَهُود (وَامْرَأَة زَنَيَا) وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله، ﷺ رجم فِي الزِّنَا يهوديين: رجل وَامْرَأَة زَنَيَا، فَأَتَت الْيَهُود إِلَى رَسُول الله، ﷺ بهما ... الحَدِيث. قَوْله: (مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة؟) هَذَا السُّؤَال لَيْسَ لتقليدهم، وَلَا لمعْرِفَة الحكم مِنْهُم، وَإِنَّمَا هُوَ لإلزامهم بِمَا يعتقدونه فِي كِتَابهمْ، وَلَعَلَّه ﷺ قد أُوحِي إِلَيْهِ أَن الرَّجْم فِي التَّوْرَاة الْمَوْجُودَة فِي أَيْديهم لم يغيروه كَمَا غيروا أَشْيَاء، أَو أَنه أخبرهُ بذلك من أسلم مِنْهُم، وَلذَلِك لم يخف عَلَيْهِ حِين كتموه. قَوْله: (فِي شَأْن الرَّجْم) أَي: فِي أمره وَحكمه. قَوْله: (فَقَالُوا: نفضحهم) أَي: نكشف مساويهم، وَالِاسْم الفضيحة من: فَضَح فلَان فلَانا إِذا كشف مساويه، وَبَينهمَا للنَّاس، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (نسوّد وُجُوههمَا ونحملهما وَنُخَالِف بَين وُجُوههمَا وَيُطَاف بهما) . قَوْله: (ونحملهما) ، بِالْحَاء واللاّم فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي بَعْضهَا: (نجملهما) بِالْجِيم الْمَفْتُوحَة، وَفِي بَعْضهَا: (نحممهما) ، بميمين وَكله مُتَقَارب، فَمَعْنَى: نحملهما يَعْنِي على الْجمل، وَمعنى الثَّانِي: نجعلهما جَمِيعًا على الْجمل، وَمعنى الثَّالِث: نسود وُجُوههمَا بالحمم، بِضَم الْحَاء وَفتح الْمِيم وَهُوَ: الفحم. قَوْله: (فَقَالَ عبد الله بن سَلام) ، بتَخْفِيف اللاّم: ابْن الْحَارِث وَهُوَ إسرائيلي من بني قينقاع وَهُوَ من ولد يُوسُف الصّديق وَكَانَ اسْمه فِي الْجَاهِلِيَّة الْحصين فغيروه، وَكَانَ حَلِيف الْأَنْصَار، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين فِي ولَايَة مُعَاوِيَة بِالْمَدِينَةِ، شهد لَهُ الشَّارِع بِالْجنَّةِ. قَوْله: (أَن فِيهَا) أَي: أَن فِي التَّوْرَاة (الرَّجْم على الزَّانِي) قَوْله: (فَوضع أحدهم) أَي أحد الْيَهُود، هُوَ عبد الله بن صوريا الْأَعْوَر، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: إِنَّه ابْن صوري، وَقَيده بَعضهم بِكَسْر الصَّاد. قَوْله: (يحنأ) ، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح النُّون وبالهمزة فِي آخِره، قَالَ الْخطابِيّ: من حنيت الشَّيْء أحنيه إِذا غطيته، وَالْمَحْفُوظ بِالْجِيم والهمزة من: جنأ الرجل على الشَّيْء يجنأ إِذا أكب عَلَيْهِ، قيل: فِيهِ سبع رِوَايَات كلهَا رَاجِعَة إِلَى الْوِقَايَة. قَوْله: (يَقِيهَا) ، من وقى يقي وقاية، وَهُوَ الْحِفْظ من وُصُول الْحِجَارَة إِلَيْهَا.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فَمِنْهُ: أَن الشَّافِعِي وَأحمد احتجا بِهِ أَن الْإِسْلَام لَيْسَ بِشَرْط فِي الْإِحْصَان، وَبِه قَالَ أَبُو يُوسُف، وَعند أبي حنيفَة وَمُحَمّد: من شُرُوط الْإِحْصَان الْإِسْلَام، لقَوْله ﷺ : (من أشرك بِاللَّه فَلَيْسَ بمحصن) ، وَالْجَوَاب عَن الحَدِيث أَن ذَلِك كَانَ يحكم التَّوْرَاة قبل نزُول آيَة الْجلد فِي أول مَا دخل ﷺ الْمَدِينَة، فَصَارَ مَنْسُوخا بهَا. وَمِنْه: وجوب حد الزِّنَا على الْكَافِر وَمِنْه أَن الْكفَّار مخاطبون بِفُرُوع الشَّرْع وَفِيه خلاف فَقيل لَا يخاطبون بهَا وَقيل هم مخاطبون بِالنَّهْي دون الْأَمر وَمِنْه: أَن الْكفَّار إِذا تحاكموا إِلَيْنَا حكم القَاضِي بَينهم بِحكم شرعنا، قَالَه النَّوَوِيّ. قلت: اخْتلف الْعلمَاء فِي الحكم بَينهم إِذا ارتفعوا إِلَيْنَا أواجب علينا أم نَحن فِيهِ مخيرون؟ فَقَالَت جمَاعَة من فُقَهَاء الْحجاز وَالْعراق: إِن الإِمَام أَو الْحَاكِم مُخَيّر، إِن شَاءَ حكم بَينهم إِذا تحاكموا إِلَيْهِ بِحكم الْإِسْلَام، وَإِن شَاءَ أعرض عَنْهُم، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِك مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه، وَهُوَ قَول عَطاء وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿فَإِن جاؤك﴾ (الْمَائِدَة: ٢٤) . قَالَ: نزلت فِي بني قُرَيْظَة، وَهِي محكمَة: قَالَ عَامر وَالنَّخَعِيّ: إِن شَاءَ حكم وَإِن شَاءَ لم يحكم، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: إِن تحاكم أهل الذِّمَّة إِلَى حَاكم الْمُسلمين وَرَضي الخصمان بِهِ جَمِيعًا فَلَا يحكم بَينهمَا إلَاّ بِرِضا من أساقفهما، فَإِن كره ذَلِك أساقفهم، فَلَا يحكم بَينهم، وَكَذَلِكَ إِن رَضِي الأساقفة وَلم يرض الخصمان أَو أَحدهمَا لم يحكم بَينهمَا، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: مَضَت النسة أَن يرد أهل الذِّمَّة فِي حُقُوقهم ومعاملاتهم ومواريثهم إِلَى أهل دينهم إلَاّ أَن يَأْتُوا راغبين فِي حكمنَا فنحكم بَينهم بِكِتَاب الله تَعَالَى. وَقَالَ آخَرُونَ: وَاجِب على الْحَاكِم أَن يحكم بَينهم إِذا تحاكموا إِلَيْهِ بِحكم الله تَعَالَى، وَزَعَمُوا أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله﴾ (الْمَائِدَة: ٩٤) . نَاسخ للتَّخْيِير فِي الحكم بَينهم فِي الْآيَة الَّتِي قبل هَذِه، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس من حَدِيث سُفْيَان بن حُسَيْن، وَالْحكم عَن مُجَاهِد عَنهُ، وَمِنْهُم من يرويهِ عَن سُفْيَان وَالْحكم عَن مُجَاهِد، قَوْله: وَهُوَ صَحِيح عَن مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَبِه قَالَ الزُّهْرِيّ وَعمر ابْن عبد الْعَزِيز وَالسُّديّ، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي، إلَاّ أَن أَبَا حنيفَة، قَالَ إِذا جَاءَت الْمَرْأَة وَالزَّوْج فَعَلَيهِ أَن يحكم بَينهمَا بِالْعَدْلِ، وَإِن جَاءَت الْمَرْأَة وَحدهَا وَلم يرض الزَّوْج لم يحكم، وَقَالَ صَاحِبَاه: يحكم، وَكَذَا أختلف أَصْحَاب مَالك.
стр. 4801
٧٢ - (بابُ سُؤال المُشْرِكِينَ أنْ يُرِيَهُمُ النَّبيُّ ﷺ فأرَاهُمُ انْشِقَاقَ القَمَرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سُؤال الْمُشْركين من أهل مَكَّة أَن يُرِيهم النَّبِي ﷺ آيَة، أَي: معْجزَة خارقة للْعَادَة، فَأَرَاهُم النَّبِي ﷺ انْشِقَاق الْقَمَر، وَهِي معْجزَة عَظِيمَة محسوسة خَارِجَة عَن عَادَة المعجزات، وَقَالَ الْخطابِيّ: انْشِقَاق الْقَمَر آيَة عَظِيمَة لَا يعادلها شَيْء من آيَات الْأَنْبِيَاء، لِأَنَّهُ ظهر فِي ملكوت السَّمَاء، والخطب فِيهِ أعظم والبرهان بِهِ أظهر لِأَنَّهُ خَارج عَن جملَة طباع مَا فِي هَذَا الْعَالم من العناصر.
٧٣٦٣ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا يُونُسُ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ قَتادَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ. وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ حدَّثنا سَعيدٌ عنْ قَتادَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ حَدَّثَهُمْ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سألُوا رسُولَ الله ﷺ أنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فأرَاهُمُ انْشِقَاقَ القَمَرِ. .
стр. 4802
أخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن عبد الله بن مُحَمَّد هُوَ الْمَعْرُوف بالمسندي عَن يُونُس هُوَ ابْن مُحَمَّد الْمُؤَدب الْبَغْدَادِيّ عَن شَيبَان هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ عَن قَتَادَة عَن أنس. وَالثَّانِي: عَن خَليفَة بن خياط عَن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع، بِضَم الزَّاي وَفتح الرَّاء: العيشي الْبَصْرِيّ عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن أنس، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن عبد الله بن مُحَمَّد. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعبد بن حميد. قَوْله: (إِن أهل مَكَّة) أَرَادَ بِهِ: الْكفَّار من قُرَيْش.
٨٣٦٣ - حدَّثني خلَفُ بنُ خَالِدٍ القُرَشِيُّ حدَّثنا بَكْرُ بنُ مُضَرَ عنْ جَعْفَرِ بنِ رَبِيعَةَ عنْ عِرَاكِ بنِ مَالِكٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ القَمَرَ انْشَقَّ فِي زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ . خلف بن خَالِد الْقرشِي الْمصْرِيّ يروي عَن بكر بن مُضر بن مُحَمَّد الْقرشِي الْمصْرِيّ ثمَّ الْكِنَانِي الْمدنِي، ويروي عَن جَعْفَر بن ربيعَة بن شُرَحْبِيل بن حَسَنَة الْقرشِي الْمصْرِيّ يروي عَن عرَاك بن مَالك الْغِفَارِيّ ثمَّ الْكِنَانِي الْمدنِي يروي عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مَسْعُود أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة، يروي عَن عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن يحيى بن بكير وَفِي انْشِقَاق الْقَمَر عَن عُثْمَان بن صَالح. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن مُوسَى بن قُرَيْش، وَهَذَا كَمَا رَأَيْت أخرج البُخَارِيّ فِي انْشِقَاق الْقَمَر هُنَا عَن ثَلَاثَة من الصَّحَابَة: أحدهم: عبد الله بن مَسْعُود وَقد أخرج البُخَارِيّ حَدِيثه مُخْتَصرا وَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح بِحُضُور ذَلِك، وَأوردهُ فِي التَّفْسِير من طَرِيق إِبْرَاهِيم عَن أبي معمر بِتَمَامِهِ، وَفِيه: فَقَالَ النَّبِي ﷺ اشْهَدُوا، وروى أَبُو نعيم فِي (الدَّلَائِل) من طَرِيق عتبَة بن عبد الله ابْن عتبَة عَن عبيد الله بن عبد الله بن مَسْعُود: فَلَقَد رَأَيْت أحد شقيه على الْجَبَل الَّذِي بمنى وَنحن بِمَكَّة. وَالثَّانِي: أنس بن مَالك فَإِنَّهُ لم يحضر ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ بِمَكَّة قبل الْهِجْرَة بِنَحْوِ خمس سِنِين، وَكَانَ أنس إِذْ ذَاك ابْن أَربع أَو خمس سِنِين بِالْمَدِينَةِ. وَالثَّالِث: ابْن عَبَّاس، وَهُوَ أَيْضا لم يحضر ذَلِك، لِأَنَّهُ إِذْ ذَاك لم يكن ولد.
وَفِي الْ بَاب عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة: مِنْهُم: عبد الله بن عمر، أخرج حَدِيثه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث مُجَاهِد عَنهُ، قَالَ: (انْفَلق الْقَمَر على عهد رَسُول الله، ﷺ ، وَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : (اشْهَدُوا) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَمِنْهُم: جُبَير بن مطعم، أخرج حَدِيثه التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم عَن أَبِيه قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَر على عهد رَسُول الله، ﷺ حَتَّى صَار فرْقَتَيْن على هَذَا الْجَبَل وعَلى هَذَا الْجَبَل، فَقَالُوا: سحرنَا مُحَمَّد، فَقَالَ بَعضهم لبَعض: لَئِن كَانَ سحرنَا مَا يَسْتَطِيع أَن يسحر النَّاس كلهم، وَعند عِيَاض: وَذَلِكَ بمنى، فَرَأَيْت الْجَبَل بَين فرجتي الْقَمَر، وَمِنْهُم: عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَر وَنحن مَعَ النَّبِي ﷺ . وَمِنْهُم: حُذَيْفَة بن الْيَمَان، روى عَنهُ أَيْضا كَذَلِك.
٨٢ - (بابٌ)
أَي: هَذَا بَاب كَذَا وَقع فِي الْأُصُول: بَاب، بِغَيْر تَرْجَمَة وَهُوَ كالفصل لما قبله، وَقَالَ بَعضهم: كَانَ حق هَذَا الْبَاب أَن يكون قبل كل من الْبَابَيْنِ اللَّذين قبله. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا الْكَلَام وَلَا الِاعْتِذَار عَنهُ، لِأَن الْبَابَيْنِ اللَّذين قبله من عَلَامَات النُّبُوَّة أَيْضا، وَهَذَا الْبَاب الْمُجَرّد فِي نفس الْأَمر مُلْحق بِمَا ألحق بِهِ البابان اللَّذَان قبله.
٩٣٦٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدَّثنا مُعاذٌ قَالَ حدَّثني أبِي عنْ قَتَادَةَ حدَّثنا أنَسٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أصْحَابِ النَّبِي ﷺ خرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِي ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ ومَعَهُمَا مِثلُ المِصْبَاحَيْنِ يُضِيآنِ بَيْنَ أيْدِيهِمَا فَلَمَّا افْتَرَقَا صارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا واحِدٌ حتَّى أتَى أهْلَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٥٦٤ وطرفه) .
كَرَامَة أحد من الصَّحَابَة وَمِمَّنْ كَانَ بعدهمْ من معجزات النَّبِي ﷺ وَيلْحق بهَا. وَمُحَمّد بن الْمثنى يروي عَن معَاذ بن هِشَام
стр. 4803
وَهُوَ يروي عَن أَبِيه هِشَام بن أبي عبد الله الدستوَائي، وَاسم أبي عبد الله سنبر، وَهُوَ يروي عَن قَتَادَة. والْحَدِيث بِعَيْنِه سنداً ومتناً مر فِي بَاب مُجَرّد بَين أَبْوَاب الْمَسَاجِد، وَمثل هَذَا هُوَ المكرر حَقِيقَة، وَهُوَ قَلِيل، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ، وَالرجلَانِ فِي الحَدِيث: أسيد بن حضير، وَعباد بن بشر.
٠٤٦٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ أبِي الأسْودِ حدَّثنا يَحْيَى عنْ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا قَيْسٌ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بنَ شُعْبَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا يَزَالُ ناسٌ مِنْ أُمَّتِي ظاهِرِينَ حتَّى يأتِيَهُمْ أمُرُ الله وهُمْ ظاهِرُونَ.
هَذَا مُلْحق بِأَبْوَاب عَلَامَات النُّبُوَّة، وَفِيه معْجزَة ظَاهِرَة، فَإِن هَذَا الْوَصْف مَا زَالَ يحمد الله تَعَالَى فِي زمن النَّبِي ﷺ إِلَى الْآن، وَلَا يَزُول حَتَّى يَأْتِي أَمر الله الْمَذْكُور فِي الحَدِيث.
وَعبد الله بن أبي الْأسود، وَاسم أبي الْأسود، حميد بن الْأسود الْبَصْرِيّ، وَيحيى الْقطَّان، وَإِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد البَجلِيّ الْكُوفِي، وَقيس بن أبي حَازِم.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن عبيد الله بن مُوسَى، وَفِي التَّوْحِيد عَن شهَاب بن عباد، وَأخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن ابْن أبي عمر.
قَوْله: (ظَاهِرين) من ظَهرت أَي: عَلَوْت، وَالْوَاو فِي قَوْله: (وهم ظاهرون) للْحَال، واحتجت بِهِ الْحَنَابِلَة على أَنه لَا يجوز خلو الزَّمَان عَن الْمُجْتَهد. قَوْله: (حَتَّى يَأْتِيهم أَمر الله) قَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ الرّيح الَّذِي يَأْتِي فَيَأْخُذ روح كل مُؤمن ومؤمنة، ويروى: حَتَّى تقوم السَّاعَة أَي: تقرب السَّاعَة، وَهُوَ خُرُوج الرّيح، ويروى: لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي، وَهُوَ فِي مُسلم كَذَلِك، قَالَ البُخَارِيّ: وَأما هَذِه الطَّائِفَة فهم أهل الْعلم، وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: إِن لم يَكُونُوا أهل الحَدِيث فَلَا أَدْرِي من هم قَالَ القَاضِي: إِنَّمَا أَرَادَ أَحْمد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وَمن يعْتَقد مَذْهَب أهل الْحق. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يحْتَمل أَن هَذِه الطَّائِفَة مفرقة من أَنْوَاع الْمُؤمنِينَ، فَمنهمْ شجعان مُقَاتِلُونَ، وَمِنْهُم فُقَهَاء، وَمِنْهُم محدثون، وَمِنْهُم زهاد، وَمِنْهُم آمرون بِالْمَعْرُوفِ وناهون عَن الْمُنكر، وَمِنْهُم أَنْوَاع إخرى من أهل الْخَيْر، وَلَا يلْزم أَن يَكُونُوا مُجْتَمعين بل قد يَكُونُوا مُتَفَرّقين فِي أقطار الأَرْض. قَالَ: وَفِيه دَلِيل لكَون الْإِجْمَاع حجَّة، وَهُوَ أصح مَا يسْتَدلّ بِهِ من الحَدِيث. وَأما حَدِيث: (لَا تَجْتَمِع أمتِي على ضَلَالَة) فضعيف.
١٤٦٣ - حدَّثنا الْحُمَيْدِيُّ حدَّثَنا الوَلِيدُ قَالَ حدَّثني ابنُ جابِرٍ قَالَ حدَّثنِي عُمَيْرُ بنُ هانىءٍ أنَّهُ سَمِعَ مُعاوِيَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قائِمَةٌ بِأمْرِ الله لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خذَلَهُمْ ولَا مَنْ خالَفَهُمْ حتَّى يَأتِيَهُمْ أمْرُ الله وهُمْ علَى ذَلِكَ. قالَ عُمَيْرٌ فَقَالَ مالِكُ بنُ يُخَامِرَ قَالَ مُعاذٌ وهُمْ بالشَّأمِ فَقَالَ مُعاوِيَةُ هَذَا مالكٌ يَزْعُمُ أنَّهُ سَمِعَ مُعاذَاً يَقُولُ وهُمْ بالشَّأمِ. .
الْكَلَام فِي مطابقته للتَّرْجَمَة مثل الْكَلَام فِي الحَدِيث الْمَاضِي، والْحميدِي، بِضَم الْحَاء: عبيد الله بن الزبير بن عِيسَى نِسْبَة إِلَى حميد أحد أجداده، والوليد هُوَ ابْن مُسلم الْقرشِي الْأمَوِي الدِّمَشْقِي، وَابْن جَابر هُوَ عبد الرَّحْمَن بن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن جَابر الْأَزْدِيّ الشَّامي، وَعُمَيْر مصغر عَمْرو بن هانىء، بالنُّون بعد الْألف: الشَّامي، مر فِي التَّهَجُّد، وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان الْأمَوِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن الْحميدِي عَن الْوَلِيد، وَأخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن مَنْصُور بن أبي مُزَاحم.
قَوْله: (عُمَيْر) هُوَ ابْن هانىء الرَّاوِي. قَوْله: (فَقَالَ مَالك بن يخَامر) بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالخاء الْمُعْجَمَة الْخَفِيفَة وَبعد الْألف مِيم مَكْسُورَة: الشَّامي من كبار التَّابِعين، وَقيل: إِن لَهُ صُحْبَة وَلَيْسَ بِصَحِيح، وَمَاله فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث. قَوْله: (قَالَ معَاذ) هُوَ معَاذ بن جبل. قَوْله: (وهم بِالشَّام) هَذَا مقول معَاذ، أَي: الْأمة الْقَائِمَة بِأَمْر الله مستقرون بِالشَّام. قَوْله: (فَقَالَ مُعَاوِيَة) هُوَ ابْن أبي سُفْيَان. قَوْله: (هَذَا مَالك) هُوَ مَالك بن يخَامر الْمَذْكُور. قَوْله: (سمع معَاذًا) يَعْنِي ابْن جبل، وَحَدِيث مَالك هَذَا غير مَرْفُوع.
стр. 4804
٢٤٦٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله أخْبَرَنَا سُفْيَانُ حدَّثنا شَبِيبُ بنُ غَرْقَدَة قَالَ سَمِعْتُ الحَيَّ يُحَدِّثُونَ عنْ عُرْوَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْطَاهُ دِينارَاً يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاة فاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ فَباعَ إحْدَاهُمَا بدِينَار وجاءَهُ بِدِينارٍ وشاةٍ فدَعَا لَهُ بالبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ وكانَ لوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ قَالَ سُفْيَانُ كانَ الحَسَنُ بنُ عُمَارَةَ جاءَنَا بِهَذَا الحَدِيثِ عَنْهُ قَالَ سَمِعَهُ شَبِيبٌ مِنْ عُرْوَةَ فأتَيْتُهُ فقالَ شَبِيبٌ إنِّي لَمْ أسْمَعْهُ مِنْ عُرْوَةَ قَالَ سَمِعْتُ الحَيَّ يُخْبِرُونَهُ عَنْهُ ولَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ الخَيْرُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيَ الخَيْلِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ قَالَ وقَدْ رأيْتُ فِي دارِهِ سَبْعِينَ فرَسَاً: قَالَ سُفْيَانُ يَشْتَرِي لَهُ شَاة كأنَّهَا أضْحِيَةٌ.
فِيهِ من عَلَامَات النُّبُوَّة مَا فِي قَوْله: (فَدَعَا لَهُ بِالْبركَةِ فِي بَيْعه وَكَانَ لَو اشْترى التُّرَاب لربح فِيهِ) يظْهر ذَلِك عِنْد التَّأَمُّل.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: شبيب، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة أُخْرَى: ابْن غرقدة، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْقَاف: السّلمِيّ الْكُوفِي من صغَار التَّابِعين الثِّقَات وَمَاله فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث. الرَّابِع: عُرْوَة بن الْجَعْد أَو ابْن أبي الْجَعْد الْبَارِقي، بِالْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى بارق جبل بِالْيمن، الصَّحَابِيّ، قَالَ الشّعبِيّ: أول من قضى على الْكُوفَة عُرْوَة بن الْجَعْد الْبَارِقي، وَيُقَال: إِن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، اسْتَعْملهُ على الْكُوفَة قبل أَن يستقضي شريحاً، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس: الْحسن بن عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن المضرب البَجلِيّ الْكُوفِي الْفَقِيه، كَانَ على قَضَاء بَغْدَاد فِي خلَافَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور، مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة، وَقَالَ بَعضهم: الْحسن بن عمَارَة أحد الْفُقَهَاء الْمُتَّفق على ضعف حَدِيثهمْ. قلت: سُفْيَان الثَّوْريّ من أقرانه، وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعبد الرَّزَّاق بن همام وَأَبُو يُوسُف القَاضِي وَمُحَمّد بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ وَيحيى بن سعيد الْقطَّان وَآخَرُونَ من أكَابِر الْمُحدثين، وَفِي (التَّهْذِيب) : قَالَ عِيسَى بن يُونُس الرَّمْلِيّ الفاخوري: سَمِعت أَيُّوب بن سُوَيْد يَقُول: كنت عِنْد سُفْيَان الثَّوْريّ فَذكر الْحسن بن عمَارَة فغمزه، فَقلت لَهُ: يَا أَبَا عبد الله! هُوَ عِنْدِي خير مِنْك. وَقَالَ: وَكَيف ذَاك؟ قلت: جَلَست مِنْهُ غير مرّة فَيجْرِي ذكرك فَمَا يذكرك إلَاّ بِخَير. قَالَ أَيُّوب: مَا ذكر سُفْيَان الْحسن بن عمَارَة بعد ذَلِك إلَاّ بِخَير حَتَّى فارقته، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا أَحْمد بن عبد الْمُؤمن الْمروزِي، قَالَ: سَمِعت عَليّ ابْن يُونُس الْمروزِي يَقُول: سَمِعت جرير بن عبد الحميد، يَقُول: مَا ظَنَنْت أَنِّي أعيش إِلَى دهر يحدث فِيهِ عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق، ويسكت فِيهِ عَن الْحسن بن عمَارَة.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن مُسَدّد وَعَن الْحسن بن الصَّباح. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد ابْن سعيد الدَّارمِيّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن أَحْمد بن سعيد وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأما حَدِيث الْخَيل فقد أخرجه البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد وَفِي الْخمس وَقد ذكرنَا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سَمِعت الْحَيّ) ، أَي: قبيلته المنسوبين إِلَى بارق، نزله بَنو سعد بن عدي بن حَارِثَة بن عَمْرو بن عَامر مزيقاء، وَهَذِه الْعبارَة تَقْتَضِي أَن يكون سَمعه من جمَاعَة وَأَقلهمْ ثَلَاثَة. وَقَالَ الْخطابِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَآخَرُونَ: هَذَا الحَدِيث غير مُتَّصِل لِأَن أحدا من الْحَيّ لم يسم. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَفِيه جَهَالَة الْحَيّ كَمَا ترى، فَهُوَ غير مُتَّصِل، وَالشَّافِعِيّ توقف فِيهِ فِي: بيع الْفُضُولِيّ، وَقَالَ: إِن صَحَّ قلت بِهِ، كَذَا فِي الْبُوَيْطِيّ، وَحكى الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي أَنه حَدِيث لَيْسَ بِثَابِت عِنْده، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَإِنَّمَا ضعفه الشَّافِعِي لِأَن شبيب بن غرقدة رَوَاهُ عَن الْحَيّ وهم غير معروفين، وَفِي مَوضِع آخر: إِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِي لما فِي إِسْنَاده من الْإِرْسَال، وَهُوَ أَن شبيب بن غرقدة لم يسمعهُ من عُرْوَة الْبَارِقي، إِنَّمَا سَمعه من الْحَيّ يخبرونه عَنهُ، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: الْحَيّ الَّذِي أخبر شبيب ابْن غرقدة عَن عُرْوَة لَا نعرفهم، وَلَيْسَ هَذَا من شَرط أَصْحَاب الحَدِيث فِي قبُول الْأَخْبَار، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي (اختصاره للسنن) :
стр. 4805
تَخْرِيج البُخَارِيّ لهَذَا الحَدِيث فِي صدر حَدِيث: الْخَيْر مَعْقُود فِي نواصي الْخَيل، يحْتَمل أَن يكون سَمعه من عَليّ بن الْمَدِينِيّ على التَّمام فَحدث بِهِ كَمَا سَمعه، وَذكر فِيهِ إِنْكَار شبيب سَمَاعه من عُرْوَة حَدِيث الشَّاة، وَإِنَّمَا سَمعه من الْحَيّ عَن عُرْوَة. وَإِنَّمَا سمع من عُرْوَة. قولهصلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الْخَيْر مَعْقُود بنواصي الْخَيل) ، وَيُشبه أَن الحَدِيث لَو كَانَ على شَرطه لأخرجه فِي الْبيُوع وَالْوكَالَة كَمَا جرت عَادَته فِي الحَدِيث الَّذِي يشْتَمل على أَحْكَام أَن يذكرهُ فِي الْأَبْوَاب الَّتِي تصلح لَهُ، وَلم يُخرجهُ إلَاّ هُنَا، وَذكر بعده حَدِيث الْخَيل من رِوَايَة ابْن عمر وَأنس وَأبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَدلَّ ذَلِك على أَن مُرَاده حَدِيث الْخَيل فَقَط، إِذْ هُوَ على شَرطه، وَقد أخرج مُسلم حَدِيث شبيب بن غرقدة عَن عُرْوَة مُقْتَصرا على ذكر الْخَيل، وَلم يذكر حَدِيث الشَّاة. انْتهى. قلت: قَوْله: فَدلَّ ذَلِك أَن مُرَاده حَدِيث الْخَيل فَقَط، إِذْ هُوَ على شَرطه، فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْأَمر كَمَا ذكره يُعَكر عَلَيْهِ ذكره بَين أَبْوَاب عَلَامَات النُّبُوَّة لعدم الْمُنَاسبَة من كل وَجه، وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت: فَالْحَدِيث من رِوَايَة المجاهيل إِذا لحي مَجْهُول. قلت: إِذا علم أَن شبيباً لَا يروي إلَاّ عَن عدل فَلَا بَأْس بِهِ، أَو لما كَانَ ذَلِك ثَابتا بِالطَّرِيقِ الْمعِين الْمَعْلُوم اعْتمد على ذَلِك فَلم يبال بِهَذَا الْإِبْهَام، أَو أَرَادَ نَقله بِوَجْه آكِد، إِذْ فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُ لم يسمع من رجل وَاحِد فَقَط، بل من جمَاعَة مُتعَدِّدَة رُبمَا يُفِيد خبرهم الْقطع بِهِ. انْتهى. قلت: كَلَامه يدل على أَن الحَدِيث الْمَذْكُور مُتَّصِل عِنْده، وَأَن الْجَهَالَة بِهَذَا الْوَجْه غير مَانِعَة من القَوْل بالاتصال، وَأَن الرَّاوِي إِذا كَانَ مَعْرُوفا عِنْدهم بِأَنَّهُ لَا يروي إلَاّ عَن عدل فَإِذا روى عَن مَجْهُول لَا يضرّهُ ذَلِك، وَأَن الرِّوَايَة عَن جمَاعَة مجهولين لست كالرواية عَن مَجْهُول وَاحِد. قَوْله: (أعطَاهُ دِينَارا) أَي: أعْطى النَّبِي ﷺ ، لعروة دِينَارا ليَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاة، وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَغَيره عَن عُرْوَة بن الْجَعْد، قَالَ: عرض للنَّبِي ﷺ جلبٌ فَأَعْطَانِي دِينَارا، فَقَالَ: أَي عُرْوَة أئت الجلب فاشتر لنا شَاة، قَالَ: فَأتيت الجلب فساومت صَاحبه فاشتريت مِنْهُ شَاتين بِدِينَار. قَوْله: (فَدَعَا لَهُ بِالْبركَةِ فِي بَيْعه) ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد، فَقَالَ: (أللهم بَارك لَهُ فِي صفقته) . قَوْله: (وَكَانَ لَو اشْترى التُّرَاب لربح فِيهِ) . وَفِي رِوَايَة أَحْمد، قَالَ: (لقد رَأَيْتنِي أَقف بكناسة الْكُوفَة فأربح أَرْبَعِينَ ألفا قبل أَن أصل إِلَى أَهلِي) قَالَ: وَكَانَ يَشْتَرِي الْجَوَارِي وَيبِيع.
قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) ، يَعْنِي: ابْن عُيَيْنَة، وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (كَانَ الْحسن بن عمَارَة جَاءَنَا بِهَذَا الحَدِيث) ، أَي: الحَدِيث الْمَذْكُور عَنهُ، أَي: عَن شبيب بن غرقدة، وَقد ذكرنَا عَن قريب تَرْجَمَة الْحسن وَمَا لِلْحسنِ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع. قَوْله: (قَالَ) ، أَي: الْحسن بن عمَارَة سَمعه شبيب عَن عُرْوَة. قَوْله: (فَأَتَيْته) ، أَي: قَالَ سُفْيَان: أتيت شبيباً، فَلَمَّا جَاءَ سَأَلَهُ قَالَ شبيب: إِنِّي لم أسمعهُ أَي: الحَدِيث من عُرْوَة، قَالَ: أَي عُرْوَة، سَمِعت الْحَيّ يخبرونه عَنهُ أَي: يخبرون الحَدِيث عَن عُرْوَة، وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ البُخَارِيّ بذلك بَيَان ضعف رِوَايَة الْحسن بن عمَارَة، وَأَن شبيباً لم يسمع الْخَبَر من عُرْوَة، وَإِنَّمَا سَمعه من الْحَيّ وَلم يسمع عَن عُرْوَة، فَالْحَدِيث بِهَذَا ضَعِيف للْجَهْل بحالهم. انْتهى. قلت: لم تجر عَادَة البُخَارِيّ أَن يذكر فِي (صَحِيحه) حَدِيثا ضَعِيفا ثمَّ يُشِير إِلَيْهِ بالضعف، وَلَو ثَبت عِنْده ضعفه لاكتفى بِحَدِيث الْخَيل كَمَا اكْتفى بِهِ مُسلم فِي (صَحِيحه) وَالْكَلَام فِي سَمَاعه من الْحَيّ قد مر عَن قريب، على أَنه قد وجد لَهُ متابع من رِوَايَة أَحْمد وَأبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من طَرِيق سعيد بن زيد عَن الزبير ابْن الخريت عَن أبي لبيد، قَالَ: حَدثنِي عُرْوَة الْبَارِقي، قَالَ: (دفع إِلَيّ رَسُول الله، ﷺ دِينَارا لأشتري لَهُ شَاة، فاشتريت لَهُ شَاتين، فَبِعْت إِحْدَاهمَا بِدِينَار وَجئْت بِالشَّاة وَالدِّينَار إِلَى النَّبِي ﷺ فَذكر لَهُ مَا كَانَ من أمره فَقَالَ لَهُ: (بَارك الله لَك فِي صَفْقَة يَمِينك) الحَدِيث. فَإِن قلت: سعيد بن زيد ضَعِيف ضعفه يحيى الْقطَّان، وَأَبُو الْوَلِيد لَيْسَ بِمَعْرُوف الْعَدَالَة. قلت: سعيد بن زيد من رجال مُسلم، وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ، وَوَثَّقَهُ حماعة، وَأَبُو لبيد اسْمه لمازة، بِضَم اللَّام: ابْن زبار، بِفَتْح الزاء وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقد ذكره ابْن سعد فِي الطَّبَقَة الثَّانِيَة. وَقَالَ: سمع من عَليّ وَكَانَ ثِقَة، وَقَالَ أَحْمد: صَالح الحَدِيث وَأثْنى عَلَيْهِ ثَنَاء حسنا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْحسن بن عمَارَة كَاذِب يكذب، فَكيف جَازَ النَّقْل عَنهُ؟ قلت مَا أثبت شَيْء بقوله من هَذَا الحَدِيث مَعَ احْتِمَال أَنه قَالَ ذَلِك بِنَاء على ظَنّه! انْتهى. قلت: قد أبشع فِي الْعبارَة فَلم يكن من دأب الْعلم أَن يذكر شخصا عَالما باتفاقهم فَقِيها مُتَقَدما فِي زَمَانه علماأ ورئاسة بهذ الْعبارَة الْفَاحِشَة، وَلَكِن الدَّاعِي فِي ذَلِك لَهُ ولأمثاله أريحية التعصب بِالْبَاطِلِ، وَقد ذكرنَا عَن قريب مَا قَالَه جرير بن عبد الحميد من الثَّنَاء عَلَيْهِ. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان: يَشْتَرِي لَهُ شَاة) أَي: قَالَ
стр. 4806
سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَيْضا، وَهُوَ أَيْضا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول. قَوْله: (فِي دَاره) أَي: فِي دَار عُرْوَة، وَالْقَائِل بِالرُّؤْيَةِ هُوَ شبيب. قَوْله: (لَهُ) ، أَي: لرَسُول الله ﷺ . قَوْله: (كَأَنَّهَا أضْحِية) ، الظَّاهِر أَن هَذِه اللَّفْظَة مدرجة من سُفْيَان، وَقد احْتج بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور وَأَبُو حنيفَة وَإِسْحَاق وَمَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ على جَوَاز بيع الْفُضُولِيّ، لِأَن عُرْوَة لم يكن وَكيلا إلَاّ فِي الشِّرَاء، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالْجَوَاب عَنهُ احْتِمَال أَن يكون وَكيلا مُطلقًا فِي البيع وَالشِّرَاء. انْتهى. قلت: هَذَا عَجِيب يتْرك الظَّاهِر حَقِيقَة وَيعْمل بِالِاحْتِمَالِ، وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ فِي بيع الْفُضُولِيّ، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَاخْتلف قَول الْمَالِكِيَّة فِيمَا إِذا أَمر بشرَاء سلْعَة بِكَذَا فَوجدَ سلعتين فِي صفة مَا أَمر بِهِ، وثمنهما مَا أَمر أَن يَشْتَرِي بِهِ وَاحِدَة، وَقد رَضِي بشرَاء وَاحِدَة بِهِ، فَقَالَ ابْن الْقَاسِم: الْآمِر مُخَيّر إِن شَاءَ أَخذ وَاحِدَة بحصتها من الثّمن وَيرجع بِبَقِيَّة الثّمن على الْمَأْمُور، وَإِن شَاءَ أخذهما جَمِيعًا، وَقَالَ إصبغ: عِنْد ابْن حبيب تلزمان الْآمِر جَمِيعًا، وَقَالَ عبد الْملك فِي (مبسوطه) إِن شَاءَ الْآمِر أخذهُما جَمِيعًا أَو تَركهمَا جَمِيعًا.
٤٤٦٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ أخبَرَنِي نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَواصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. (انْظُر الحَدِيث ٩٤٨٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة كَمَا قبله من أَن فِيهِ عَلامَة من عَلَامَات النُّبُوَّة، وَهُوَ إخْبَاره عَن أَمر مُسْتَمر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب. والْحَدِيث مر فِي الْجِهَاد فِي: بَاب الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن نَافِع ... إِلَى آخِره نَحوه، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٥٤٦٣ - حدَّثنا قَيْسُ بنُ حَفْصٍ حدَّثنا خالِدُ بنُ الحَارِثِ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبي التَّيَّاحِ قالَ سَمِعْتُ أنَسَاً عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَواصِيَهَا الخَيْرُ. (انْظُر الحَدِيث ١٥٨٢) .
مطابقته لما قبله ظَاهِرَة، وَقيس بن حَفْص أَبُو مُحَمَّد الدَّارمِيّ الْبَصْرِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده. وخَالِد بن الْحَارِث أَبُو عُثْمَان الهُجَيْمِي الْبَصْرِيّ، وَأَبُو التياح، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف حاء مُهْملَة: واسْمه يزِيد بن حميد، وَقد مر الحَدِيث فِي الْجِهَاد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن شُعْبَة عَن أبي التياح عَن أنس بن مَالك، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (الْبركَة فِي نواصي الْخَيل) ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ.
٦٤٦٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ أبِي صالِحٍ السَّمَّانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الخَيْلُ لِثَلاثَةٍ لِرَجُلٍ أجْرٌ ولِرَجُلٍ سِتْرٌ وعلَى رَجُلٍ وِزْرٌ فأمَّا الَّذِي لَهُ أجْرٌ فرَجُلٌ رَبَطَها فِي سَبيلِ الله فأطالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أوْ رَوْضَةٍ وَمَا أصابَتْ فِي طِيَلِها مِنَ المَرْجِ أوِ الرَّوْضَةِ كانَتْ لَهُ حسَنَاتِ ولَوْ أنَّهَا قطَعَتْ طِيَلَهَا فاسْتَنَّتْ شَرَفَاً أوْ شَرَفَيْنِ كانَتْ أرْوَاثُهَا حَسَناتٍ ولَوْ أنَّهَا مَرَّتْ بِنَهْرٍ فشَرِبَتْ ولَمْ يُرِدْ أنْ يَسْقِيَهَا كانَ ذَلِكَ حَسَناتٍ لَهُ ورَجُلٌ رَبَطَهَا تغَنِّيَاً وسِتْرَاً وتَعَفُّفَاً ولَمْ يَنْسَ حَقَّ الله فِي رِقَابِهَا وظُهُورِهَا فَهْيَ لَهُ كَذَلِكَ سِتْرٌ ورَجل رَبَطَهَا فَخْرَاً ورِياءً ونِوَاءً لأِهْلِ الإسْلَامِ فَهْيَ وِزْرٌ وسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عنِ الحُمْرِ فَقَالَ مَا أُنْزِلَ علَيَّ فِيهَا إلَاّ هَذِهِ الآيَةُ الْجَامِعَةُ الفاذَّةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرَاً يَرَهُ ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّاً يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٧ ٨) . .
وَجه الْمُطَابقَة فِي ذكره عقيب أَبْوَاب عَلَامَات النُّبُوَّة يُمكن أَن يُقَال فِيهِ: إِن فِيهِ من جملَة مَا أخبر بِهِ مَا وَقع كَمَا أخبر، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك، وبعين هَذَا الْمَتْن فِي الْجِهَاد فِي: بَاب الْخَيل لثَلَاثَة، وَهَذَا هُوَ المكرر الْحَقِيقِيّ، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، والمرج، بِالْجِيم الْموضع الَّذِي يرْعَى فِيهَا الدَّوَابّ، والطيل بِكَسْر الطَّاء الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف: الْحَبل الَّذِي يطول للدابة ترعى فِيهِ، والاستنان الْعَدو والشرف الشوط، وَأَصله الْمَكَان العالي. قَوْله: (أرواثها) .
стр. 4807
وَفِي كتاب الشّرْب آثارها، وَفِي الْجِهَاد جمع بَينهمَا، والنواء، بِكَسْر النُّون وبالمد: المناوأة وَهِي الْعَدَاوَة، والحمر، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة جمع الْحمار، قَالَ الْكرْمَانِي: وَكَثِيرًا يصحفون بِالْخمرِ بِالْمُعْجَمَةِ أَي: فِي صَدَقَة الْخمر.
٧٤٦٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ صَبَّحَ رَسُولُ الله ﷺ خَيْبَرَ بُكْرَةً وقَدْ خَرَجُوا بالمَساحِي فلَمَّا رَأوْهُ قالُوا مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ وأحَالُوا إِلَى الحِصْنِ يَسْعَوْنَ فرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ وَقَالَ الله أكْبرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إنَّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ. .
وَجه الْمُطَابقَة فِيهِ مثل مَا ذكرنَا أَنه أخبر عَن خراب خَيْبَر فَوَقع كَمَا أخبر، وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب التَّكْبِير عِنْد الْحَرْب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن سُفْيَان ... إِلَى آخِره.
قَوْله: (وَالْخَمِيس) ، أَي: الْجَيْش وَسمي بِهِ لِأَنَّهُ خَمْسَة أَقسَام: الميمنة والميسرة والمقدمة والساقة وَالْقلب. قَوْله: (وأحالوا) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: أَقبلُوا، وَقيل: تحولوا، قَالَ أَبُو عبد الله: يُقَال: أحَال الرجل إِلَى مَكَان كَذَا تحول إِلَيْهِ، وَقَالَ الْخطابِيّ: حلت عَن الْمَكَان تحولت عَنهُ، وَرَوَاهُ بَعضهم عَن أبي ذَر بِالْجِيم، قَالَ فِي (التَّوْضِيح) : وَلَيْسَ بِشَيْء، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وأحالوا، بِالْحَاء الْمُهْملَة: أَقبلُوا، وبالجيم من الجولان. قَوْله: (يسعون) ، حَال. قَوْله: (فَرفع النَّبِي ﷺ يَدَيْهِ) ، قَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ البُخَارِيّ: لفظ (فَرفع النَّبِي ﷺ يَدَيْهِ) غَرِيب أخْشَى أَن يكون مَحْفُوظًا. قَوْله: (خربَتْ خَيْبَر) أَي: ستخرب فِي توجهنا إِلَيْهَا.
٨٤٦٣ - حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ الْمُنْذِرِ حدَّثنا ابنُ أبِي الفُدَيْكِ عنِ ابنِ أبي ذِئْبٍ عنِ المَقْبُرِيِّ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قُلْتُ يَا رسُولَ الله إنِّي سَمِعْتُ مِنْكَ حدِيثاً كَثِيراً فأنْساهُ قَالَ ﷺ ابسُطْ رِدَاءَكَ فبَسَطْتُهُ فغَرَفَ بِيَدِهِ فيهِ ثُمَّ قَالَ ضُمَ فضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ حَدِيثاً بَعْدُ. .
وَجه الْمُطَابقَة فِيهِ أَن فِيهِ عَلامَة من عَلَامَات النُّبُوَّة على مَا لَا يخفى. وَإِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر أَبُو إِسْحَاق الْحزَامِي الْمَدِينِيّ، وَابْن أبي فديك هُوَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل، وَاسم أبي فديك، بِضَم الْفَاء: دِينَار الديلمي الْمَدِينِيّ، وَابْن أبي ذِئْب، بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن أبي ذِئْب، واسْمه هِشَام الْمدنِي، والمقبري، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة: هُوَ سعيد بن أبي سعيد، وَاسم أَبِيه كيسَان الْمَدِينِيّ، وَهَؤُلَاء كلهم مدنيون، والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب من حفظ الْعلم عَن أبي مُصعب عَن أَحْمد بن أبي بكر عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (فَمَا نسيت حَدِيثا بعد) ، وَهُنَاكَ: (فَمَا نسيت شَيْئا بعده) .
١ - (بابٌ فِي فَضائِلِ أصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فَضَائِل أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، والفضائل جمع الْفَضِيلَة وَهِي خلاف النقيصة، كَمَا أَن الْفضل خلاف النَّقْص، وَالْفضل فِي اللُّغَة الزِّيَادَة من: فضل يفضل من بَاب نصر ينصر، وَفِيه لُغَة أُخْرَى: فضل يفضل، من بَاب علم يعلم، حَكَاهَا ابْن السّكيت، وَفِيه لُغَة مركبة مِنْهُمَا: فضِل بِالْكَسْرِ يفضُل بِالضَّمِّ، وَهُوَ شاذٌ لَا نَظِير لَهُ، وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: هَذَا عِنْد أَصْحَابنَا إِنَّمَا يَجِيء على لغتين، وَفِي بعض النّسخ: بَاب فضل أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وَحده: فَضَائِل أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، هَكَذَا بِدُونِ لَفْظَة: بَاب، وَالْمرَاد بالفضائل: الْخِصَال الحميدة والخلال المرضية المشكورة، وَالْأَصْحَاب جمع صحب مثل فرخ وأفراخ، قَالَه الْجَوْهَرِي: وَالصَّحَابَة، بِالْفَتْح: الْأَصْحَاب وَهِي فِي الأَصْل مصدر وَجمع الْأَصْحَاب أصاحيب من صَحبه يَصْحَبهُ صُحْبَة، بِالضَّمِّ وصحابة بِالْفَتْح، وَجمع الصاحب صحب، مثل: رَاكب وَركب، وصحبة بِالضَّمِّ مثل: فاره وفرهة، وصحاب مثل: جَائِع وجياع، وصحبان مثل: شَاب وشبان.
стр. 4808
وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيُّ ﷺ أوْ رَآهُ مِنَ المُسْلِمِينَ فَهْوَ مِنْ أصْحَابِهِ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى تَعْرِيف الصاحب، وَفِيه أَقْوَال:
الأول: مَا أَشَارَ إِلَيْهِ البُخَارِيّ بقوله: من صحب النَّبِي ﷺ ، أَو رَآهُ من الْمُسلمين فَهُوَ من أَصْحَابه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يَعْنِي الصَّحَابِيّ مُسلم صحب النَّبِي ﷺ ، أَو رَآهُ، وَضمير الْمَفْعُول للنَّبِي ﷺ وَالْفَاعِل للْمُسلمِ على الْمَشْهُور الصَّحِيح، وَيحْتَمل الْعَكْس لِأَنَّهُمَا متلازمان عرفا. فَإِن قلت: الترديد يُنَافِي التَّعْرِيف. قلت: الترديد فِي أَقسَام الْمَحْدُود يَعْنِي الصَّحَابِيّ: قِسْمَانِ لكل مِنْهُمَا تَعْرِيف. فَإِن قلت: إِذا صَحبه فقد رَآهُ. قلت: لَا يلْزم، إِذْ عبد الله بن أم مَكْتُوم صَحَابِيّ اتِّفَاقًا مَعَ أَنه لم يره. انْتهى. قلت: من، فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء وَهِي مَوْصُولَة، و: صحب، صلتها، وَقَوله: أوراه، عطف عَلَيْهِ أَو رأى النَّبِي ﷺ ، الصاحب وَيحْتَمل الْعَكْس، كَمَا قَالَه الْكرْمَانِي، لَكِن الأول أولى ليدْخل فِيهِ مثل ابْن أم مَكْتُوم. وَقَوله: (فَهُوَ من أَصْحَابه) جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر الْمُبْتَدَأ، وَدخُول الْفَاء لتضمن الْمُبْتَدَأ الشَّرْط. وَقَوله: (من الْمُسلمين) قيد ليخرج بِهِ من صَحبه أَو رَآهُ من الْكفَّار، فَإِنَّهُ لَا يُسمى صحابياً، قيل: فِي كَلَام البُخَارِيّ نقص مَا يحْتَاج إِلَى ذكره، وَهُوَ: ثمَّ مَاتَ على الْإِسْلَام، والعبارة السالمة من الِاعْتِرَاض أَن يُقَال: الصَّحَابِيّ من لَقِي النَّبِي ﷺ ، ثمَّ مَاتَ على الْإِسْلَام، ليخرج من ارْتَدَّ وَمَات كَافِرًا: كَابْن خطل وَرَبِيعَة بن أُميَّة وَمقيس بن صبَابَة وَنَحْوهم، وَمِنْهُم من اشْترط فِي ذَلِك أَن يكون حِين اجتماعه بِهِ بَالغا، وَهُوَ مَرْدُود لِأَنَّهُ يخرج مثل الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عنهُما، وَنَحْوه من أَحْدَاث الصَّحَابَة.
القَوْل الثَّانِي: إِنَّه من طَالَتْ صحبته لَهُ وَكَثُرت مُجَالَسَته مَعَ طَرِيق التبع لَهُ وَالْأَخْذ عَنهُ، هَكَذَا حَكَاهُ أَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ عَن الْأُصُولِيِّينَ، وَقَالَ: إِن اسْم الصَّحَابِيّ يَقع على ذَلِك من حَيْثُ اللُّغَة، وَالظَّاهِر قَالَ: وَأَصْحَاب الحَدِيث يطلقون إسم الصَّحَابَة على كل من روى عَنهُ حَدِيثا أَو كلمة يتوسعون حَتَّى يعدون من رَآهُ رُؤْيَة من الصَّحَابَة وَمن ارْتَدَّ ثمَّ عَاد إِلَى الْإِسْلَام لَكِن لم يره ثَانِيًا بعد عوده، فَالصَّحِيح أَنه مَعْدُود فِي الصَّحَابَة لإطباق الْمُحدثين على عد الْأَشْعَث بن قيس وَنَحْوه مِمَّن وَقع لَهُ ذَلِك، وإخراجهم أَحَادِيثهم فِي المسانيد، وَقَالَ الْآمِدِيّ: الْأَشْبَه أَن الصَّحَابِيّ من رَآهُ وَحَكَاهُ عَن أَحْمد وَأكْثر أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب أَيْضا، لِأَن الصُّحْبَة تعم الْقَلِيل وَالْكثير، وَفِي كَلَام أبي زرْعَة الرَّازِيّ وَأبي دَاوُد مَا يَقْتَضِي أَن الصُّحْبَة أخص من الرُّؤْيَة، فَإِنَّهُمَا قَالَا فِي طَارق بن شهَاب: لَهُ رُؤْيَة وَلَيْسَت لَهُ صُحْبَة، قَالَ شَيخنَا: وَيدل على ذَلِك مَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن سعد فِي (الطَّبَقَات) : عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن شُعْبَة عَن مُوسَى السينَانِي قَالَ: أتيت أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقلت: أَنْت آخر من بَقِي من أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: قد بَقِي قوم من الْأَعْرَاب، فَأَما من أَصْحَابه فَأَنا آخر من بَقِي، قَالَ ابْن الصّلاح: إِسْنَاده جيد.
القَوْل الثَّالِث: مَا روى عَن سعيد بن الْمسيب أَنه لَا يعد الصَّحَابِيّ إلَاّ من أَقَامَ مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، سنة أَو سنتَيْن، وغزا مَعَه غَزْوَة أَو غزوتين، وَهَذَا فِيهِ ضيق يُوجب أَن لَا يعد من الصَّحَابَة جرير بن عبد الله البَجلِيّ وَمن شَاركهُ فِي فقد ظَاهر مَا اشْتَرَطَهُ فيهم مِمَّن لَا نعلم خلافًا فِي عده من الصَّحَابَة، قَالَ شَيخنَا: هَذَا عَن ابْن الْمسيب لَا يَصح، لِأَن فِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن عمر الْوَاقِدِيّ وَهُوَ ضَعِيف فِي الحَدِيث.
القَوْل الرَّابِع: إِنَّه يشْتَرط مَعَ طول الصُّحْبَة الْأَخْذ عَنهُ، حَكَاهُ الْآمِدِيّ عَن عَمْرو بن بَحر أبي عُثْمَان الجاحظ من أَئِمَّة الْمُعْتَزلَة، قَالَ فِيهِ ثَعْلَب: إِنَّه غير ثِقَة وَلَا مَأْمُون، وَلَا يُوجد هَذَا القَوْل لغيره.
القَوْل الْخَامِس: أَنه من رَآهُ مُسلما بَالغا عَاقِلا حَكَاهُ الْوَاقِدِيّ عَن أهل الْعلم وَالتَّقْيِيد بِالْبُلُوغِ شَاذ وَقد مر عَن قريب.
القَوْل السَّادِس: إِنَّه من أدْرك زَمَنه ﷺ ، وَهُوَ مُسلم، وَإِن لم يره، وَهُوَ قَول يحيى بن عُثْمَان الْمصْرِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَن دفن أَي بِمصْر من أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ مِمَّن أدْركهُ وَلم يسمع مِنْهُ أَبُو تَمِيم الجيشاني، واسْمه عبد الله بن مَالك. انْتهى. وَإِنَّمَا هَاجر أَبُو تَمِيم إِلَى الْمَدِينَة فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِاتِّفَاق أهل السّير، وَمِمَّنْ حكى هَذَا القَوْل من الْأُصُولِيِّينَ: القرافى فِي (شرح التَّنْقِيح) وَكَذَلِكَ، إِن كَانَ صَغِيرا مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ تبعا لأحد أَبَوَيْهِ.
فَائِدَة: وتعرف الصُّحْبَة إِمَّا بالتواتر: كَأبي بكر وَعمر وَبَقِيَّة الْعشْرَة وَخلق مِنْهُم، وَإِمَّا بالإستفاضة والشهرة القاصرة عَن التَّوَاتُر: كعكاشة بن مُحصن وضمام بن ثَعْلَبَة وَغَيرهمَا، وَإِمَّا بِإِخْبَار بعض الصَّحَابَة عَنهُ أَنه صَحَابِيّ: كحميمة بن أبي حميمة
стр. 4809
الدوسي الَّذِي مَاتَ بأصبهان مبطوناً، فَشهد لَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنه سمع النَّبِي ﷺ ، وَحكم لَهُ بِالشَّهَادَةِ، ذكر ذَلِك أَبُو نعيم فِي (تَارِيخ أَصْبَهَان) وَإِمَّا بإخباره عَن نَفسه أَنه صَحَابِيّ بعد ثُبُوت عَدَالَته قبل إخْبَاره بذلك، هَكَذَا أطلق ابْن الصّلاح تبعا للخطيب، وَقَالَ شَيخنَا: لَا بُد من تَقْيِيد مَا أطلق من ذَلِك بِأَن يكون ادعاؤه لذَلِك يَقْتَضِيهِ الظَّاهِر، أما لَو ادَّعَاهُ بعد مُضِيّ مائَة سنة من حِين وَفَاته، ﷺ ، فَإِنَّهُ لَا يقبل، وَإِن كَانَ قد ثبتَتْ عَدَالَته قبل ذَلِك لقَوْله، ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح: أَرَأَيْتُم ليلتكم هَذِه، فَإِنَّهُ على رَأس مائَة سنة لَا يبْقى أحد مِمَّن على وَجه الأَرْض، يُرِيد انخرام ذَلِك الْقرن، فَإِن ذَلِك فِي سنة وَفَاته، ﷺ ، وَقد اشْترط الأصوليون فِي قبُول ذَلِك مِنْهُ أَن يكون عرفت معاصرته للنَّبِي، ﷺ ، قَالَ الْآمِدِيّ: فَلَو قَالَ من عاصره: أَنا صَحَابِيّ مَعَ إِسْلَامه وعدالته، فَالظَّاهِر صدقه.
٩٤٦٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيانُ عنْ عَمْرٍ وَقَالَ سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يقُولُ حدَّثنا أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ يأتِي على النَّاسِ زَمانٌ فيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النًّاسِ فيَقُولُونَ أفِيكُمْ مَنْ صاحَبَ رسُولُ الله ﷺ فيَقُولُونَ لَهُمْ نعَمْ فيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يأتِي علَى النَّاسِ زَمانٌ فيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسَ فيُقالُ هَلْ فِيكُمْ مَنْ صاحَبَ أصْحَابَ رسُولِ الله ﷺ فيَقُولُونَ نَعَمْ فيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يَأتِي على النَّاسِ زَمانٌ فَيَغْزُو فِئامٌ مِنَ النَّاسِ فيُقال هَلْ فِيكُمْ مَنْ صاحبَ مَنْ صاحَبَ أصْحَابَ رسُولِ الله ﷺ فيَقُولُونَ نَعَمْ فيُفْتَحُ لَهُمْ. (انْظُر الحَدِيث ٧٩٨٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَفِيه رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ، والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب من اسْتَعَانَ بالضعفاء وَالصَّالِحِينَ فِي الْحَرْب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن سُفْيَان عَن عَمْرو إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فِئَام) ، بِكَسْر الْفَاء: الْجَمَاعَة من النَّاس لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، والعامة تَقول: فيام، بِلَا همزَة.
٠٥٦٣ - حدَّثني إسْحَاقُ حدَّثنَا النَّضْرُ أخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أبِي جَمْرَةَ سَمِعْتُ زَهْدَمَ بنَ مُضَرِّبٍ قَالَ سَمِعْتُ عِمْرَانَ بنَ حُصَيْنٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما يَقولُ قَالَ رسُولُ الله ﷺ خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ: قالَ عِمْرَانُ فَلَا أدْرِي أذَكَرَ بَعْدَ قَوْلِهِ قَرْنَيْنِ أوْ ثَلاثَاً ثُمَّ إنَّ بَعْدَكُمْ قَوْماً يَشْهَدُونَ ولَا يُسْتَشْهَدُونَ ويَخُونُونَ ولَا يُؤْتَمَنُونَ ويَنْذِرُونَ ولَا يَفُونَ ويَظْهَرُ فِيهُمُ السِّمَنُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَبِذَلِك جزم ابْن السكن وَأَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِسْحَاق إِمَّا ابْن إِبْرَاهِيم وَإِمَّا ابْن مَنْصُور، وَالنضْر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن شُمَيْل مصغر الشمل بِالْمُعْجَمَةِ، مر فِي الْوضُوء، وَأَبُو جَمْرَة، بِفَتْح الْجِيم وبالراء: نضر بن عمرَان صَاحب ابْن عَبَّاس، وزهدم، بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْهَاء وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره مِيم: ابْن مضرب بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من التضريب بالضاد الْمُعْجَمَة: الْجرْمِي، بِفَتْح الْجِيم.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الشَّهَادَات فِي: بَاب لَا يشْهد على جور، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (خير أمتِي قَرْني) أَي: أهل قَرْني، وهم الصَّحَابِيّ، والقرن أهل زمَان وَاحِد مُتَقَارب اشْتَركُوا فِي أَمر من الْأُمُور الْمَقْصُودَة وَاخْتلف فِي الْقرن من عشرَة إِلَى مائَة وَعشْرين، وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه ثَلَاثُونَ سنة. قَوْله: (ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ) أَي: الْقرن الَّذِي بعدهمْ، وهم التابعون. قَوْله: (فَلَا أَدْرِي) شكّ عمرَان بعد قرنه: هَل ذكر قرنين أَو ذكر ثَلَاثَة؟ وَجَاء أَكثر طرق هَذَا الحَدِيث بِغَيْر شكّ، وروى مُسلم من حَدِيث عَائِشَة، قَالَ رجل: يَا رَسُول الله! أَي النَّاس خير؟ قَالَ: الْقرن الَّذِي أَنا فِيهِ، ثمَّ الثَّانِي ثمَّ الثَّالِث، وروى الطَّيَالِسِيّ من حَدِيث عمر يرفعهُ: خير أمتِي الْقرن الَّذِي أَنا فِيهِ وَالثَّانِي ثمَّ
стр. 4810
الثَّالِث. وَوَقع فِي حَدِيث جعدة بن هُبَيْرَة، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة وَالطَّبَرَانِيّ إِثْبَات الْقرن الرَّابِع، وَلَفظه: خير النَّاس قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ الْآخرُونَ أردى، وَرِجَاله ثِقَات إلَاّ أَن جعدة بن هُبَيْرَة مُخْتَلف فِي صحبته. فَإِن قلت: روى ابْن أبي شيبَة من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن جُبَير بن نفير أحد التَّابِعين بِإِسْنَاد حسن، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : ليدركن الْمَسِيح أَقْوَامًا إِنَّهُم لمثلكم أَو خير ثَلَاثًا، وَلنْ يخزى الله أمة أَنا أَولهَا والمسيح آخرهَا، وروى ابْن عبد الْبر من حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَفعه: أفضل الْخلق إِيمَانًا قوم فِي أصلاب الرِّجَال يُؤمنُونَ بِي وَلم يروني. قلت: لَا يُقَاوم الْمسند الصَّحِيح وَالثَّانِي ضَعِيف. قَوْله: (ثمَّ إِن من بعدكم قوما) بنضب قوما عِنْد الْأَكْثَرين، ويروى: قوم، بِالرَّفْع قَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون من النَّاسِخ على طَريقَة من لَا يكْتب الْألف فِي الْمَنْصُوب، وَيحْتَمل أَن يكون: إِن، تقريرية بِمَعْنى: نعم، وَفِيه بعد وتكلف. انْتهى. قلت: الِاحْتِمَال الأول أبعد من الثَّانِي، وَالْوَجْه فِيهِ أَن يكون ارْتِفَاع قوم على تَقْدِير صِحَة الرِّوَايَة بِفعل مَحْذُوف تَقْدِيره: أَن بعدكم يَجِيء قوم، قَوْله: (يشْهدُونَ وَلَا يستشهدون) مَعْنَاهُ: يظْهر فيهم شَهَادَة الزُّور. قَوْله: (ويخونون وَلَا يؤتمنون) قيل: يطْلبُونَ الْأَمَانَة، ثمَّ يخونون فِيهَا، وَقيل: لَيْسُوا مِمَّن يوثق بهم. قَوْله: (وينذرون) بِضَم الذَّال وَكسرهَا. قَوْله: (وَيظْهر فيهم السّمن) بِكَسْر السِّين وَفتح الْمِيم، قيل: مَعْنَاهُ يكثرون بِمَا لَيْسَ فيهم من الشّرف، وَقيل: يجمعُونَ الْأَمْوَال من أَي وَجه كَانَ، وَقيل: يغفلون عَن أَمر الدّين ويقللون الاهتمام بِهِ، لِأَن الْغَالِب على السمين أَن لَا يهتم بالرياضة، وَالظَّاهِر أَنه حَقِيقَة فِي مَعْنَاهُ وَقَالُوا: المذموم مِنْهُ مَا يتكسبه، وَأما الخلقي فَلَا.
١٥٦٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبَرَنَا سُفْيَانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَبِيدَةَ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أحَدِهِمْ يَمِينَهُ ويَمِينُهُ شَهَادَتَهُ. قَالَ إبرَاهِيمُ وكانُوا يَضْرِبُونَا علَى الشَّهَادَةِ والعَهْدِ ونَحْنُ صِغَارٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَعبيدَة، بِفَتْح الْعين وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن قيس بن عَمْرو السَّلمَانِي، بِفَتْح السِّين وَسُكُون اللَّام: الْمرَادِي، قَالَ الْعجلِيّ: هُوَ جاهلي أسلم قبل وَفَاة النَّبِي ﷺ ، بِسنتَيْنِ وَكَانَ أَعور.
والْحَدِيث بِعَيْنِه بِهَذَا الْإِسْنَاد والمتن مضى فِي الشَّهَادَات فِي: بَاب لَا يشْهد على شَهَادَة جور، وَهَذَا مُكَرر حَقِيقَة، غير أَن هُنَا لفظ: وَنحن صغَار، لَيْسَ هُنَاكَ.
قَوْله: (وَيَمِينه شَهَادَته) أَي: ويسبق يَمِينه شَهَادَته، قيل: هَذَا دور، وَأجِيب بِأَن المُرَاد بَيَان حرصهم على الشَّهَادَة وترويجها يحلفُونَ على مَا يشْهدُونَ بِهِ، فَتَارَة يحلفُونَ قبل أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ وَتارَة يعكسون، أَو هُوَ مثل فِي سرعَة الشَّهَادَة وَالْيَمِين وحرص الرجل عَلَيْهِمَا حَتَّى لَا يدْرِي بِأَيِّهِمَا يبتديء، فكأنهما يتسابقان لقلَّة مبالاته فِي الدّين. قَوْله: (يضربونا) وروى يضربوننا، أَي: على الْجمع بَين الْيَمين وَالشَّهَادَة، وَالْمرَاد من الْعَهْد هُنَا الْيَمين.
٢ - (بابُ مَناقِبِ الْمُهَاجِرِينَ وفَضْلِهِمْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَنَاقِب الْمُهَاجِرين، والمناقب جمع منقبة، وَهُوَ ضد المثلبة والمهاجرون هم الَّذين هَاجرُوا من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة إِلَى الله تَعَالَى، وَقيل: المُرَاد بالمهاجرين من عدا الْأَنْصَار، وَمن أسلم يَوْم الْفَتْح وهلم جراً، فالصحابة من هَذِه الْحَيْثِيَّة ثَلَاثَة أَصْنَاف وَالْأَنْصَار هم الْأَوْس والخزرج وحلفاؤهم ومواليهم، وَسقط لفظ: بَاب فِي رِوَايَة أبي ذَر.
مِنْهُمْ أبُو بَكْرٍ عَبْدُ الله بنُ أبِي قُحَافَةَ التَّيْمِيُّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
أَي: من الْمُهَاجِرين وَمن سادتهم أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَجزم البُخَارِيّ بِأَن اسْمه: عبد الله، وَهُوَ الْمَشْهُور، وَفِي (التَّلْوِيح) : كَانَ اسْمه فِي الْجَاهِلِيَّة: عبد الْكَعْبَة، وَسمي فِي الْإِسْلَام: عبد الله، وَكَانَت أمه تَقول:
(يَا رب عبد الْكَعْبَة ... اسْتمع بِهِ يَا ربه)
(فَهُوَ بصخر أشبه)
وصخر اسْم أبي أمه، وَاسْمهَا: سلمى بنت صَخْر بن مَالك بن عَامر بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كَعْب بن
стр. 4811
لؤَي بن غَالب وَكَانَت تكنى أم الْخَيْر. قَوْله: (ابْن أبي قُحَافَة) ، بِضَم الْقَاف وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْملَة وَبعد الْألف فَاء، واسْمه عُثْمَان بن عَامر بن عَمْرو بن كَعْب، وَالْبَاقِي ذَكرْنَاهُ الْآن يلتقي مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، فِي مرّة ابْن كَعْب، أسلم أَبَوَاهُ وَأمه أَيْضا هَاجَرت، وَذَلِكَ مَعْدُود من مناقبه لِأَنَّهُ انتظم إِسْلَام أَبَوَيْهِ وَجَمِيع أَوْلَاده، وَسمي أَيْضا الصّديق فِي الْإِسْلَام لتصديقه النَّبِي ﷺ ، وَذكر ابْن سعد أَن النَّبِي ﷺ : (لما أسرِي بِهِ قَالَ لجبريل ﵊: إِن قومِي لَا يصدقوني، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل: يصدقك أَبُو بكر، وَهُوَ الصّديق) ، وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ كَانَ يُسمى الأوَّاه، وَكَانَ يُسمى أَيْضا عتيقاً لقدمه فِي الْإِسْلَام. وَفِي الْخَيْر، وَقيل لحسنه وجماله، وَسُئِلَ أَبُو طَلْحَة لِمَ سُمي أَبُو بكر عتيقاً، فَقَالَ: كَانَت أمه لَا يعِيش لَهَا ولد، فَلَمَّا وَلدته اسْتقْبلت بِهِ الْبَيْت، ثمَّ قَالَت: اللَّهُمَّ إِن هَذَا عتيقك من الْمَوْت فهبه لي، وَقَالَ ابْن الْمُعَلَّى، فَكَانَت أمه إِذا نقزته، قَالَت:
(عَتيق مَا عَتيق ... ذُو المنظر الأنيق)
(رشفت مِنْهُ ريق ... كالزرنب الْعَتِيق)
وَقيل: سمي بالعتيق لِأَنَّهُ عَتيق من النَّار، وَفِي (ربيع الْأَبْرَار) للزمخشري: قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: كَانَ لأبي قُحَافَة ثَلَاثَة من الْوَلَد أَسمَاؤُهُم عَتيق ومعتق ومعيتق، وَفِي (الوشاح) لِابْنِ دُرَيْد: كَانَ يلقب ذُو الْخلال لعباءة كَانَ يخلها على صَدره، وَقَالَ السُّهيْلي: وَكَانَ يلقب أَمِير الشَّاكِرِينَ، وَأجْمع المؤرخون وَغَيرهم على أَنه يلقب خَليفَة رَسُول الله، ﷺ ، حاشى ابْن خالويه فَإِنَّهُ قَالَ فِي كتاب (لَيْسَ) : الْفرق بَين الْخَلِيفَة والخالفة أَن الخالفة الَّذِي يكون بعد الرئيس الأول، قَالُوا لأبي بكر: أَنْت خَليفَة رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: إِنِّي لست خَليفَة، وَلَكِنِّي خَلِيفَته، كنت بعده، أَي بقيت بعده واستخلفت فلَانا جعلته خليفتي، وَقد ردوا عَلَيْهِ ذَلِك، وَولي أَبُو بكر الْخلَافَة بعد رَسُول الله، ﷺ ، سنتَيْن وَنصفا، وَقيل: سنتَيْن وَأَرْبَعَة أشهر إلَاّ عشر لَيَال، وَقيل: ثَلَاثَة أشهر إلَاّ خمس لَيَال، وَقيل: ثَلَاثَة أشهر وَسبع لَيَال، وَقيل: ثَلَاثَة أشهر واثني عشر يَوْمًا، وَقيل: عشْرين شهرا، واستكمل بخلافته سنّ النَّبِي ﷺ ، فَمَاتَ وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة، وَصلى عَلَيْهِ عمر بن الْخطاب فِي الْمَسْجِد وَدفن لَيْلًا فِي بَيت عَائِشَة مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، وَنزل فِي قَبره عمر بن الْخطاب وَعُثْمَان بن عَفَّان وَطَلْحَة بن عبيد الله وَابْنه عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، وَتُوفِّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ، وَقيل: لَيْلَة الثُّلَاثَاء الثمان، وَقيل: لثلاث بَقينَ من جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة.
وقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ المهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ الله ورِضْوَانَاً ويَنْصُرُونَ الله ورَسُولَهُ أولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الْحَشْر: ٨) . وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إلَاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿إنَّ الله معَنَا﴾ (التَّوْبَة: ٠٤) .
وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: مَنَاقِب الْمُهَاجِرين، الْمَجْرُور بِإِضَافَة الْبَاب إِلَيْهِ، وعَلى قَول أبي ذَر وَقَول الله، بِالرَّفْع لِأَنَّهُ عطف على لفظ: مَنَاقِب الْمَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذِه مَنَاقِب الْمُهَاجِرين، قَوْله تَعَالَى: للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: للْفُقَرَاء، بدل من قَوْله: لذِي الْقُرْبَى، والمعطوف وَهُوَ قَوْله: ﴿مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى فَللَّه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (الْحَشْر: ٧) . قَوْله: (الَّذين أخرجُوا) أَي: أخرجهم كفار مَكَّة من دِيَارهمْ. قَوْله: (يَبْتَغُونَ فضلا) أَي: يطْلبُونَ بهجرتهم فضل الله وغفرانه. قَوْله: (وينصرون الله) ، أَي: دين الله وَشرع نبيه. قَوْله: (أُولَئِكَ هم الصادقون) أَي: حققوا أَقْوَالهم بأفعالهم إِذْ هجروا دِيَارهمْ لجهاد أَعدَاء الله تَعَالَى. قَوْله تَعَالَى: ﴿إلَاّ تنصروه﴾ يَعْنِي: إلَاّ تنصرُوا رَسُوله فَإِن الله ناصره ومؤيده وحافظه وكافيه، كَمَا تولى نَصره إِذْ أخرجه الَّذين كفرُوا. قَوْله: (إِلَى قَوْله: إِن الله مَعنا) ، فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة، هَكَذَا: إِلَى قَوْله: إِن الله مَعنا، ويروي الْآيَة، وتمامها: ﴿إِذْ أخرجه الَّذين كفرُوا ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن إِن الله مَعنا فَأنْزل الله سكينته عَلَيْهِ وأيده بِجُنُود لم تَرَوْهَا وَجعل كلمة الَّذين كفرُوا السُّفْلى وَكلمَة الله هِيَ الْعليا وَالله عَزِيز حَكِيم﴾ (التَّوْبَة: ٠٤) . قَوْله: (إِذا أخرجه) ، أَي:
стр. 4812
حِين أخرج النَّبِي ﷺ الْقَوْم الَّذين كفرُوا، وهم أهل مَكَّة من كفار قُرَيْش. قَوْله: (ثَانِي اثْنَيْنِ) حَال من الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي إِذْ أخرجه الَّذين كفرُوا، يُقَال: ثَانِي اثْنَيْنِ، يَعْنِي أحد الْإِثْنَيْنِ، وهما: رَسُول الله، ﷺ وَأَبُو بكر الصّديق، ويروى أَن جِبْرِيل، ﵊، لما أمره بِالْخرُوجِ قَالَ: من يخرج معي؟ قَالَ: أَبُو بكر، وقرىء: ثَانِي اثنني، بِالسُّكُونِ قَوْله: (إِذْ هما) بدل من قَوْله (إِذْ أخرجه) والغار ثقب فِي أَعلَى ثَوْر جبل من جبال مَكَّة على مسيرَة سَاعَة قَوْله (إِذْ يَقُول) ، بدل ثَان، وَصَاحبه: هُوَ أَبُو بكر، وَقَالُوا: من أنكر صُحْبَة أبي بكر فقد كفر لإنكاره كَلَام الله، وَلَيْسَ ذَلِك لسَائِر الصَّحَابَة. قَوْله: (فَأنْزل الله سكينته) أَي: تأييده وَنَصره عَلَيْهِ، أَي: على رَسُول الله، ﷺ فِي أشهر الْقَوْلَيْنِ، وَقيل: على أبي بكر، رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره، قَالُوا: لِأَن الرَّسُول لم تزل مَعَه سكينَة، وَهَذَا لَا يُنَافِي تجدّد سكينَة خَاصَّة بِتِلْكَ الْحَال. قَوْله: (وأيده بِجُنُود) أَي: الْمَلَائِكَة. قَوْله: (وَجعل كلمة الَّذين كفرُوا السُّفْلى) قَالَ ابْن عَبَّاس: أَرَادَ بِكَلِمَة الَّذين كفرُوا: الشّرك، وَأَرَادَ بِكَلِمَة الله: لَا إلاه إلَاّ الله. ﴿وَالله عَزِيز﴾ فِي انتقامه من الْكَافرين: ﴿حَكِيم﴾ فِي تَدْبيره.
قالَتْ عَائِشَةُ وأبُو سَعِيدٍ وابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُم وكانَ أبُو بَكْرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الغَارِ
أما قَول عَائِشَة فَسَيَأْتِي مطولا فِي: بَاب الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة، وَفِيه: ثمَّ لحق رَسُول الله، ﷺ بِغَار فِي جبل ثَوْر، وَأما قَول أبي سعيد فقد أخرجه ابْن حبَان من طَرِيق أبي عوَانَة عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَنهُ فِي قصَّة بعث أبي بكر إِلَى الْحَج، وَفِيه: فَقَالَ لَهُ رَسُول الله، ﷺ أَنْت أخي وصاحبي فِي الْغَار، وَأما قَول ابْن عَبَّاس، فقد أخرجه أَحْمد وَالْحَاكِم من طَرِيق عَمْرو بن مَيْمُون عَنهُ، قَالَ: كَانَ الْمُشْركُونَ يرْمونَ عليا وهم يظنون أَنه النَّبِي ﷺ ... الحَدِيث، وَفِيه: فَانْطَلق أَبُو بكر فَدخل مَعَه الْغَار.
٢٥٦٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ رجَاء حدَّثنا إسْرَائِيلُ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ قَالَ اشْتَرَي أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مِنْ عازِبٍ رَحْلاً بِثَلاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمَاً فَقَالَ أبُو بَكْرٍ لِعازِبٍ مُرِ البَرَاءَ فَلْيَحْمِلْ إلَيَّ رَحْلِي فَقَالَ عازِبٌ لَا حَتَّى تُحَدِّثَنا كَيْفَ صَنَعْتَ أنْتَ وَرَسُولُ الله ﷺ حِينَ خَرَجْتُمَا مِنْ مَكَّةَ والمُشْرِكُونَ يَطْلُبُونَكُمْ قَالَ ارْتَحَلْنَا مِنْ مَكَّةَ فأحْيَيْنَا أوْ سَرَيْنا لَيْلَتَنَا ويَوْمَنَا حتَّى أظْهَرْنا وَقَامَ قائِمُ الظَّهِيرَةِ فرَمَيْتُ بِبَصَرِي هَلْ أرَى مِنْ ظِلٍّ فآوَى إلَيْهِ فإذَا صَخْرَة أتَيْتُهَا فنَظَرْتُ بَقِيَّةَ ظِلٍّ لَهَا فَسَوَّيْتُهُ ثُمَّ فَرَشْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهِ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ اضْطَجِعْ يَا نَبِيَّ الله فاضْطَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ انْطَلَقْتُ أنْظُرُ مَا حَوْلِي هَلْ أرَي مِنَ الطَّلَبِ أحَدَاً فإذَا أَنا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ إِلَى الصَّخْرَةِ يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِي أرَدْنَا فسألْتُهُ فقُلْتُ لَهُ لِمَنْ أنْتَ يَا غُلَامُ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُ فعَرَفْتُهُ فقُلْتُ هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَهَلْ أنْتَ حالِبٌ لَبَناً قَالَ نعَمْ فأمَرْتُهُ فاعْتَقَلَ شَاة مِنْ غَنَمِهِ ثُمَّ أمَرْتُهُ أنْ يَنْفُضَ ضَرْعَها مِنَ الغُبارِ ثُمَّ أمَرْتُهُ أنْ ينفضَ كَفَّيْهِ فَقَالَ هَكَذَا ضرَبَ إحْدَى كَفَّيْهِ بالأخْرَى فحَلَبَ لِي كُثبَة مِنْ لَبَنٍ وقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ الله ﷺ إدَاوَةً علَى فَمِهَا خِرْقَةٌ فصَبَبْتُ علَى اللَّبَنِ حتَّى بَرَدَ أسْفَلهُ فانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فوَافَقْتُهُ قَدِ اسْتَيْقَظَ فقُلْتُ لَهُ اشْرَبْ يَا رَسُولَ الله فَشَربَ حَتَّى رَضيتُ ثُمَّ قُلْتُ قَدْ آنَ الرَّحِيلُ يَا رسُولَ الله قَالَ بَلَى فارْتَحَلْنَا والقَوْمُ يَطْلُبُونا فلَمْ يُدْرِكْنا أحَدٌ مِنْهُمْ غَيْرُ سُرَاقَةَ بنِ مالِكِ بنِ جُعْشَمٍ على فرَسٍ لَهُ فَقُلْتُ هذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنا يَا رَسُولَ الله فَقالَ لَا تَحْزَنْ إنَّ الله مَعَنَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من حَيْثُ إِن فِيهِ فَضِيلَة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. وَعبد الله بن رَجَاء، بِالْجِيم وَالْمدّ: ابْن الْمثنى
стр. 4813
الفداني أَبُو عَمْرو الْبَصْرِيّ، وَإِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، يروي عَن جده أبي إِسْحَاق، واسْمه عَمْرو بن عبد الله الْكُوفِي، والبراء بن عَازِب بن الْحَارِث الْأنْصَارِيّ الخزرجي الأوسي.
والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب عَلَامَات النُّبُوَّة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنذكر هُنَا مَا يحْتَاج إِلَيْهِ.
قَوْله: (أَو سرينا) شكّ من الرَّاوِي، من: السرى، وَهُوَ الْمَشْي فِي اللَّيْل قَوْله: (حَتَّى أظهرنَا) كَذَا عِنْد أبي ذَر بِالْألف، وأسقطها غَيره وَالصَّوَاب الأول، أَي: صرنا فِي وَقت الظّهْر. قَوْله: (قلت: قد آن الرحيل) أَي: دخل وقته، وَقد تقدم فِي عَلَامَات النُّبُوَّة أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: ألم يأنِ الرَّحيل؟ وَلَا مُنَافَاة لجَوَاز اجْتِمَاعهمَا. قَوْله: (هَذَا الطّلب) جمع الطَّالِب. قَوْله: (إِن الله مَعنا) اقْتصر فِيهِ على هَذَا الْمِقْدَار، وَقد روى الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الحَدِيث عَن أبي خَليفَة عَن عبد الله بن رَجَاء شيخ البُخَارِيّ فَزَاد فِيهِ فِي آخِره: وَمضى رَسُول الله، ﷺ وَأَنا مَعَه حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَة لَيْلًا، فَتَنَازَعَ الْقَوْم أَيهمْ ينزل عَلَيْهِ. فَذكر الْقِصَّة مُطَوَّلَة.
تُرِيحُونَ بالْعَشِيِّ وتَسْرَحُونَ بالغَدَاةِ
هَذَا إِشَارَة إِلَى تَفْسِير قَوْله: ﴿وَلكم فِيهَا جمال حِين تريحون وَحين تسرحون﴾ (النَّحْل: ٦) . وَلَا مُنَاسبَة لذكره هُنَا أصلا إلَاّ أَنه ذكر فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده، وَالصَّوَاب أَن يذكر هَذَا عِنْد حَدِيث عَائِشَة فِي قصَّة الْهِجْرَة، فَإِن فِيهِ: ويرعى عَلَيْهَا عَامر بن فهَيْرَة ويريحها عَلَيْهَا، وَلَا مُنَاسبَة لَهُ فِي حَدِيث الْبَراء، لِأَنَّهُ لم يذكر فِيهِ هَذِه اللَّفْظَة.
٣٥٦٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سنانٍ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ ثابِتٍ البُنَانِيِّ عنْ أنَسٍ عنْ أبي بَكْر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قُلْتُ لِ لنَّبِيِّ ﷺ وَأَنا ي الغارِ لَوْ أنَّ أحَدَهُمْ نظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأبْصَرَنا فَقَالَ مَا ظَنُّكَ يَا أبَا بَكْرٍ باثْنَيْنِ الله ثالِثُهُمَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن فِيهِ منقبة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمُحَمّد بن سِنَان، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وبالنونين بَينهمَا ألف: أَبُو بكر الْعَوْفِيّ الْبَاهِلِيّ الْأَعْمَى، وَهُوَ من أَفْرَاده، وهما بِالتَّشْدِيدِ هُوَ ابْن يحيى بن دِينَار الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ، وثابت هُوَ ابْن أسلم الْبَصْرِيّ أَبُو مُحَمَّد الْبنانِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْهِجْرَة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي التَّفْسِير عَن عبد الله بهَا مُحَمَّد. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعبد بن حميد وَعبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن زِيَاد بن أَيُّوب.
قَوْله: (عَن ثَابت) ، فِي رِوَايَة خبان بن هِلَال فِي التَّفْسِير عَن همام: حَدثنَا ثَابت. قَوْله: (عَن أنس عَن أبي بكر) فِي رِوَايَة حبَان بن هِلَال: حَدثنَا أنس حَدثنِي أَبُو بكر. قَوْله: (قلت للنَّبِي ﷺ وَأَنا فِي الْغَار) ، وَفِي رِوَايَة حبَان الْمَذْكُورَة، فَرَأَيْت آثَار الْمُشْركين، وَفِي رِوَايَة مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن همام، فَرفعت رَأْسِي فَإِذا أَنا بأقدام الْقَوْم. قَوْله: (مَا ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما؟) أَرَادَ النَّبِي ﷺ : بالاثنين نَفسه وَأَبا بكر، وَمعنى ثالثهما: بِالْقُدْرَةِ والنصرة والإعانة، وَفِي رِوَايَة مُوسَى بن أَسمَاء، فَقَالَ: أسكت يَا أَبَا بكر: إثنان الله ثالثهما، فَقَوله: إثنان، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: نَحن اثْنَان، الله ناصرهما ومعينهما، وَالله تَعَالَى أعلم.
٣ - (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ سُدّوا الأبْوَابَ إلَاّ بابَ أبِي بَكْر قالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ عنِ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول النَّبِي ﷺ ... إِلَى آخِره، هَذَا وَصله البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة بِلَفْظ: سدوا عني كل خوخة فِي الْمَسْجِد، وَهَذَا هُنَا نقل بِالْمَعْنَى، وَلَفظه: فِي الصَّلَاة فِي: بَاب الخوخة والممر فِي الْمَسْجِد. وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن مُحَمَّد بن سِنَان، وَلَفظه: لَا يبْقين فِي الْمَسْجِد بَاب إلَاّ سُدَّ إلَاّ بَاب أبي بكر. وَالثَّانِي: عَن عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ وَلَفظه: سدوا عني كل خوخة فِي هَذَا الْمَسْجِد غير خوخة أبي بكر، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
стр. 4814
٤٥٦٣ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا أبُو عامِرٍ حدَّثنَا فُلَيْحٌ قَالَ حدَّثني سالِمٌ أبُو النَّضْرِ عنْ بُسْرِ بنِ سَعِيدٍ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ خطَبَ رسُولُ الله ﷺ النَّاسَ وَقَالَ إنَّ الله خَيَّرَ عَبْدَاً بيْنَ الدُّنْيَا وبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فاخْتَارَ ذَلِكَ العَبْدُ مَا عِنْدَ الله قَالَ فبَكَى أبُو بَكْرٍ فعَجِبْنَا لِبُكائِهِ أنْ يُخْبِرَ رسُولُ الله ﷺ عنْ عَبْدٍ خُيِّرَ فكَانَ رَسُولُ الله ﷺ هُوَ المُخَيَّرَ وكانَ أبُو بَكْرٍ أعْلَمَنَا بِهِ فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ إنَّ مِنْ أمَنِّ النَّاسِ علَيَّ فِي صُحْبَتِهِ ومالِهِ أبَا بَكْرٍ ولَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً خَلِيلاً غَيْرَ رَبِّي لاتَّخَذْتُ أبَا بَكْرٍ خَلِيلاً ولَكِنْ أُخُوَّةُ الإسْلامِ ومَوَدَّتُهُ لَا يَبْقَيَن فِي المَسْجِدِ بابٌ إلَاّ سُدَّ إلَاّ بابَ أبِي بَكْرٍ. (انْظُر الحَدِيث ٦٦٤ وطرفه) .
هَذَا الحَدِيث قد مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الخوخة والممر فِي الْمَسْجِد، وَقد أخرجه عَن مُحَمَّد بن سِنَان كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، وَهُوَ يرْوى عَن فليح، وَهنا أخرجه: عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن جَعْفَر أَبُو جَعْفَر الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي عَن أبي عَامر الْعَقدي، واسْمه عبد الْملك بن عَمْرو الْبَصْرِيّ عَن فليح، بِضَم الْفَاء: ابْن سُلَيْمَان الْخُزَاعِيّ وَكَانَ اسْمه عبد الله، وفليح لقبه، وَهُوَ يروي عَن سَالم أبي النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: الْقرشِي التَّيْمِيّ الْمدنِي عَن بسر، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة: ابْن سعيد مولى الْحَضْرَمِيّ من أهل الْمَدِينَة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (بَين الدُّنْيَا وَبَين مَا عِنْده) ، وَفِي لفظ: (بَين أَن يؤتيه من زهرَة الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَين مَا عِنْده) . قَوْله: (وَكَانَ أَبُو بكر أعلمنَا بِهِ) أَي: بِالنَّبِيِّ ﷺ . قَوْله: (إِن من أمنِّ النَّاس) ، ويروي: (إِن أَمن النَّاس) . قَوْله: (أَبَا بكر) ، بِالنّصب فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَرُوِيَ: أَبُو بكر، بِالرَّفْع وَتكلم الشُّرَّاح فِي وَجه الرّفْع بالتعسفات فَلَا يحْتَاج إِلَى ذَلِك، بل وَجه الرّفْع إِن صَحَّ على رِوَايَة: (إِن أَمن النَّاس) ، بِدُونِ لَفْظَة: من، وَلَفظ: أَمن، أفعل تَفْضِيل من الْمَنّ وَهُوَ الْعَطاء والبذل، والمعني: إِن أبذل النَّاس لنَفسِهِ وَمَاله، لَا من الْمِنَّة. وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (مَا لأحد عندنَا يَد إلَاّ كافأناه عَلَيْهَا مَا خلا أَبَا بكر، فَإِن لَهُ عندنَا يدا يُكَافِئهُ الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة) . وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس: (مَا أحد أعظم مني يدا من أبي بكر، واساني بِنَفسِهِ وَمَاله، وأنكحني ابْنَته) . وَفِي حَدِيث مَالك بن دِينَار عَن أنس رَفعه: إِن أعظم النَّاس علينا منا أَبُو بكر، زَوجنِي ابْنَته وواساني بِنَفسِهِ، وَإِن خير الْمُسلمين مَالا أَبُو بكر أعتق بِلَالًا وحملني إِلَى دَار الْهِجْرَة، أخرجه ابْن عَسَاكِر، وَجَاء عَن عَائِشَة مِقْدَار المَال الَّذِي أنفقهُ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فروى ابْن حبَان من طَرِيق هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَت: أنْفق أَبُو بكر على النَّبِي ﷺ ، أَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم، وَرُوِيَ عَن الزبير بن بكار عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، أَنه: لما مَاتَ أَبُو بكر مَا ترك دِينَارا وَلَا درهما. قَوْله: (وَلَو كنت متخذاً خَلِيلًا) قَالَ الدَّاودِيّ: لَا يُنَافِي هَذَا قَول أبي هُرَيْرَة وَأبي ذَر وَغَيرهمَا: أَخْبرنِي خليلي ﷺ ، لِأَن ذَلِك جَائِز لَهُم، وَلَا يجوز لأحد مِنْهُم أَن يَقُول: أَنا خَلِيل النَّبِي ﷺ ، وَلِهَذَا يَقُول: إِبْرَاهِيم خَلِيل الله، وَلَا يُقَال: الله خَلِيل إِبْرَاهِيم. وَاخْتلف فِي معنى الْخلَّة واشتقاقها، فَقيل: الْخَلِيل الْمُنْقَطع إِلَى الله تَعَالَى الَّذِي لَيْسَ فِي انْقِطَاعه إِلَيْهِ ومحبته لَهُ اختلال، وَقيل: الْخَلِيل الْمُخْتَص، وَاخْتَارَ هَذَا القَوْل غير وَاحِد، وَقيل: أصل الْخلَّة الاستصفاء، وَسمي إِبْرَاهِيم خَلِيل الله لِأَنَّهُ يوالي فِيهِ ويعادي فِيهِ، وخلة الله لَهُ نَصره، وَجعله إِمَامًا لمن بعده، وَقيل: الْخَلِيل أَصله الْفَقِير الْمُحْتَاج الْمُنْقَطع، مَأْخُوذ من الْخلَّة وَهِي الْحَاجة، فَسُمي إِبْرَاهِيم، ﵊، خَلِيلًا لِأَنَّهُ قصر حَاجته على ربه وَانْقطع إِلَيْهِ بهمه، وَلم يَجعله قبل غَيره. وَقَالَ أَبُو بكر بن فورك: الْخلَّة صفاء الْمَوَدَّة الَّتِي توجب الِاخْتِصَاص بتخلل الْأَسْرَار، وَقيل: أصل الْخلَّة الْمحبَّة، وَمَعْنَاهَا: الْإِسْعَاف والإلطاف، وَقيل: الْخَلِيل من لَا يَتَّسِع قلبه لسواه.
وَاخْتلف الْعلمَاء أَرْبَاب الْقُلُوب أَيهمَا أرفع دَرَجَة: دَرَجَة الْخلَّة أَو دَرَجَة الْمحبَّة؟ فجعلهما بَعضهم سَوَاء، فَلَا يكون الحبيب إلَاّ خَلِيلًا، وَلَا يكون الْخَلِيل إلَاّ حبيباً، لكنه خص إِبْرَاهِيم بالخلة وَمُحَمّد، ﵉، بالمحبة، وَبَعْضهمْ قَالَ: دَرَجَة الْخلَّة أرفع، وَاحْتج بقوله، ﷺ : لَو كنت متخذاً خَلِيلًا غير رَبِّي، فَلم يَتَّخِذهُ وَقد أطلق، ﷺ ،
стр. 4815
الْمحبَّة لفاطمة وابنيها وَأُسَامَة وَغَيرهم. وَأَكْثَرهم جعل الْمحبَّة أرفع من الْخلَّة لِأَن دَرَجَة الحبيب نَبينَا أرفع من دَرَجَة الْخَلِيل، ﵉، وأصل الْمحبَّة الْميل إِلَى مَا يُوَافق الْمُحب، وَلَكِن هَذَا فِي حق من يَصح الْميل مِنْهُ وَالِانْتِفَاع بالوفق وَهِي دَرَجَة الْمَخْلُوق، وَأما الْخَالِق فمنزه عَن الْأَعْرَاض فمحبته لعَبْدِهِ تَمْكِينه من سعادته وعصمته وتوفيقه وتهيئة أَسبَاب الْقرب وإفاضة رَحمته عَلَيْهِ، وقصواها كشف الْحجاب عَن قلبه حَتَّى يرَاهُ بِقَلْبِه وَينظر إِلَيْهِ ببصيرته، فَيكون كَمَا قَالَ فِي الحَدِيث: (فَإِذا أحببته كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ، وبصره الَّذِي يبصر بِهِ، وَلسَانه الَّذِي ينْطق بِهِ) ، وَلَا يَنْبَغِي أَن يفهم من هَذَا سوى التجرد لله تَعَالَى والانقطاع إِلَيْهِ والإعراض عَن غَيره، وصفاء الْقلب وإخلاص الحركات لَهُ. وَنقل ابْن فورك عَن بعض الْمُتَكَلِّمين كلَاما فِي الْفرق بَين الْمحبَّة والخلة بِكَلَام طَوِيل ملخصه: الْخَلِيل يصل بالواسطة من قَوْله: ﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيم ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ (الْأَنْعَام: ٥٧) . والحبيب يصل لحبيبه بِهِ من قَوْله: ﴿فَكَانَ قاب قوسين أَو أدنى﴾ (النَّجْم: ٩) . والخليل الَّذِي تكون مغفرته فِي حد الطمع من قَوْله: ﴿وَالَّذِي أطمع أَن يغْفر لي خطيئتي يَوْم الدّين﴾ (الشُّعَرَاء: ٢٨) . والحبيب الَّذِي مغفرته فِي حد الْيَقِين من قَوْله : ﴿ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ (الْفَتْح: ٢) . والخليل، قَالَ: ﴿وَلَا تخزني يَوْم يبعثون﴾ (الشُّعَرَاء: ٧٨) . والحبيب قيل لَهُ: يَوْم لَا يخزي الله النَّبِي، فابتدأ بالبشارة قبل السُّؤَال، والخليل قَالَ فِي الْمحبَّة: حسبي الله، والحبيب قيل لَهُ: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله﴾ (الْأَنْفَال: ٤٦) . والخليل قَالَ: ﴿وَاجعَل لي لِسَان صدق﴾ (الشُّعَرَاء: ٧٨) . والحبيب قيل لَهُ: ﴿ورفعنا لَك ذكرك﴾ (الشَّرْح: ٤) . أعطي بِلَا سُؤال. والخليل قَالَ: ﴿واجنبني وبنيَّ أَن نعْبد الْأَصْنَام﴾ (إِبْرَاهِيم: ٥٣) . والحبيب قيل لَهُ: ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٣)
قَوْله: (وَلَكِن أخوة الْإِسْلَام) أخوة الْإِسْلَام مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف، نَحْو: أفضل من كل أخوة، ومودة لغير الْإِسْلَام. وَقيل: وَقع فِي بعض الرِّوَايَات: وَلَكِن خوة الْإِسْلَام، بِغَيْر الْألف، فَقَالَ ابْن بطال: لَا أعرف معنى هَذِه الْكَلِمَة وَلم أجد خوة بِمَعْنى خلة فِي كَلَام الْعَرَب، وَلَكِن وجدت فِي بعض الرِّوَايَات: وَلَكِن خلة الْإِسْلَام، وَهُوَ الصَّوَاب. وَقَالَ ابْن التِّين: لَعَلَّ الْألف سَقَطت من الْكَاتِب فَإِن الْألف ثَابِتَة فِي سَائِر الرِّوَايَات، وَقَالَ ابْن مَالك فِي تَوْجِيهه: نقلت حَرَكَة الْهمزَة إِلَى النُّون فحذفت الْألف، وَجوز مَعَ حذفهَا ضم نون: لَكِن، وسكونها، وَلَا يجوز مَعَ إِثْبَات الْهمزَة إلَاّ سُكُون النُّون فَقَط. انْتهى. قلت: هَذَا تَوْجِيه بعيد لَا يُوَافق الْأُصُول. قَوْله: (لَا يبْقين) ، بِفَتْح أَوله وبنون التَّأْكِيد، وَرُوِيَ بِالضَّمِّ وَإِضَافَة النَّهْي إِلَى الْبَاب: تجوز لِأَن عدم بَقَائِهِ لَازم للنَّهْي عَن إبقائه، فَكَانَ الْمَعْنى: لَا تبقوه حَتَّى لَا تبقى. قَوْله: (إلَاّ سُدَّ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (إلَاّ بَاب أبي بكر) ، اسْتثِْنَاء مفرغ، وَمَعْنَاهُ: لَا تبقوا بَابا غير مسدود إلَاّ بَاب أبي بكر فاتركوه بِغَيْر سد. وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث مُعَاوِيَة فِي آخر هَذَا الحَدِيث: فَإِنِّي رَأَيْت عَلَيْهِ نورا. فَإِن قلت: روى النَّسَائِيّ من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص قَالَ: (أَمر رَسُول الله ﷺ بسد الْأَبْوَاب الشارعة فِي الْمَسْجِد وَترك بَاب عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) . وَإِسْنَاده قوي، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) زِيَادَة وَهِي: فَقَالُوا يَا رَسُول الله ﴿. سدت أبوابنا؟ فَقَالَ: مَا أَنا سددتها وَلَكِن الله سدها. وَنَحْوه عَن زيد بن أَرقم أخرجه أَحْمد عَن ابْن عَبَّاس، فَهَذَا يُخَالف حَدِيث الْبَاب. قلت: جمع بَينهمَا بِأَن المُرَاد بِالْبَابِ فِي حَدِيث عَليّ الْبَاب الْحَقِيقِيّ. وَالَّذِي فِي حَدِيث أبي بكر يُرَاد بِهِ الخوخة، كَمَا صرح بِهِ فِي بعض طرقه. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ فِي (مُشكل الْآثَار) : بَيت أبي بكر كَانَ لَهُ بَاب من خَارج الْمَسْجِد وخوخة إِلَى دَاخله، وَبَيت عَليّ لم يكن لَهُ بَاب إلَاّ من دَاخل الْمَسْجِد. قلت: فَلذَلِك لم يَأْذَن النَّبِي ﷺ ، لأحد أَن يمر من الْمَسْجِد، وَهُوَ جنب إلَاّ لعَلي بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِأَن بَيته كَانَ فِي الْمَسْجِد، رَوَاهُ إِسْمَاعِيل القَاضِي فِي (أَحْكَام الْقُرْآن) وَقَالَ الْخطابِيّ وَابْن بطال وَغَيرهمَا: فِي هَذَا الحَدِيث اخْتِصَاص ظَاهر لأبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَفِيه: إِشَارَة قَوِيَّة إِلَى اسْتِحْقَاقه للخلافة وَلَا سِيمَا وَقد ثَبت أَن ذَلِك كَانَ فِي آخر حَيَاة النَّبِي ﷺ ، فِي الْوَقْت الَّذِي أَمرهم فِيهِ أَن لَا يؤمهم إلَاّ أَبُو بكر، وَقد ادّعى بَعضهم أَن الْبَاب كِنَايَة عَن الْخلَافَة، وَالْأَمر بالسد كِنَايَة عَن طلبَهَا، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يطلبن أحد الْخلَافَة إلَاّ أَبَا بكر، فَإِنَّهُ لَا حرج عَلَيْهِ فِي طلبَهَا، وَإِلَى هَذَا مَال ابْن حبَان، فَقَالَ بعد أَن أخرج هَذَا الحَدِيث. وَفِيه: دَلِيل على أَن الْخلَافَة لَهُ بعد النَّبِي ﷺ ، لِأَنَّهُ حسم بقوله: سدوا عني كل خوخة فِي الْمَسْجِد أطماع النَّاس كلهم عَن أَن يَكُونُوا خلفاء بعده، وَعَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (جَاءَ رَسُول الله ﷺ فَدخل بستاناً وَجَاء آتٍ فدق الْبَاب، فَقَالَ: يَا أنس﴾ إفتح لَهُ وبشره بِالْجنَّةِ وبشره بالخلافة بعدِي، قَالَ
стр. 4816
فَقلت: يَا رَسُول الله ﴿أعلمهُ؟ قَالَ: أعلمهُ، فَإِذا أَبُو بكر. فَقلت: أبشر بِالْجنَّةِ وبالخلافة من بعد النَّبِي ﷺ ، قَالَ: ثمَّ جَاءَ آتٍ فَقَالَ: يَا أنس إفتح لَهُ وبشره بِالْجنَّةِ وبالخلافة من بعد أبي بكر. قلت: أعلمهُ؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَخرجت فَإِذا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فبشرته. ثمَّ جَاءَ آتٍ فَقَالَ: يَا أنس﴾ إفتح لَهُ وبشره بِالْجنَّةِ وبشره بالخلافة من بعد عمر، وَإنَّهُ مقتول، قَالَ: فَخرجت فَإِذا عُثْمَان، قَالَ: فَدخل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا إِنِّي وَالله مَا نسيت وَلَا تمنيت وَلَا مسست ذكري بيد بَايَعْتُك، قَالَ: هُوَ ذَاك، رَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي من حَدِيث الْمُخْتَار بن فلفل عَن أنس، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن.
٤ - (بابُ فَضْلِ أبِي بَكْرٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بعد فضل النَّبِي ﷺ . وَلَيْسَ المُرَاد البعدية الزمانية، لِأَن فضل أبي بكر كَانَ ثَابتا فِي حَيَاته ﷺ .
٥٥٦٣ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُلَيْمَانُ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فنُخَيِّرُ أَبَا بَكْرٍ ثمَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ثُمَّ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ رَضِي الله تَعَالَى عنهمْ. (الحَدِيث ٥٥٦٣ طرفه فِي: ٧٩٦٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فضل أبي بكر ثَبت فِي أَيَّام النَّبِي ﷺ ، بعد فضل النَّبِي ﷺ ، وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأويسي الْمَدِينِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب الْقرشِي التَّمِيمِي، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَرِجَال إِسْنَاده كلهم مدنيون.
قَوْله: (نخير) أَي: كُنَّا نقُول: فلَان خير من فلَان، وَفُلَان خير من فلَان، فِي زمن النَّبِي ﷺ ، وَبعده. كُنَّا نقُول: أَبُو بكر خير النَّاس، ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان، وَفِي رِوَايَة عبيد الله بن عمر عَن نَافِع الْآتِيَة فِي مَنَاقِب عُثْمَان: كُنَّا لَا نعدل بِأبي بكر أَي: لَا نجْعَل لَهُ مثلا. وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (كُنَّا نقُول وَرَسُول الله، ﷺ حَيّ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان) ، وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح غَرِيب، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ: (كُنَّا نقُول، وَرَسُول الله، ﷺ حَيّ أفضل هَذِه الْأمة أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان، يسمع ذَلِك رَسُول الله، ﷺ فَلَا يُنكره) ، وعَلى هَذَا أهل السّنة وَالْجَمَاعَة.
٥ - (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً خَلِيلاً قالَهُ أبُو سَعِيدٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول النَّبِي ﷺ ، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ الَّذِي سبق قبل بَاب، فراجع إِلَيْهِ.
٦٥٦٣ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا وُهَيْبٌ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً مِنْ أُمَّتِي خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أبَا بَكْرٍ ولَكِنْ أخِي وصاحِبِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُسلم بن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ القصاب الْبَصْرِيّ، ووهيب تَصْغِير وهب بن خَالِد الْبَصْرِيّ، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.
قَوْله: (لاتخذت أَبَا بكر) ، عدم اتِّخَاذه أَبَا بكر خَلِيلًا لعدم اتِّخَاذه خَلِيلًا من النَّاس، فَهَذَا الحَدِيث وَغَيره دلّ على نفي الْخلَّة من النَّبِي ﷺ لأحد من النَّاس. فَإِن قلت: أخرج أَبُو الْحسن الْحَرْبِيّ فِي (فَوَائده) : عَن أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: إِن أحدث عهدي بنبيكم قبل مَوته بِخمْس، دخلت عَلَيْهِ وَهُوَ يَقُول: (إِنَّه لم يكن نَبِي إلَاّ وَقد اتخذ من أمته خَلِيلًا، وَإِن خليلي أَبُو بكر ألَا وَإِن الله اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتخذ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا. فَإِن قلت: هَذَا لَا يُقَاوم الَّذِي فِي (الصَّحِيح) وَلَا يُعَارضهُ، على أَنه يُعَارضهُ مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جُنْدُب: أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول قبل أَن يَمُوت بِخمْس: (إِنِّي أَبْرَأ إِلَى الله تَعَالَى أَن يكون لي مِنْكُم خَلِيل) . فَإِن قلت: إِن ثَبت حَدِيث أبي بن كَعْب، فَمَا التَّوْفِيق بَينه وَبَين حَدِيث جُنْدُب؟ قلت: يحمل على أَنه بَرِيء من ذَلِك تواضعاً
стр. 4817
لرَبه وإعظاماً لَهُ، ثمَّ أذن الله لَهُ فِي ذَلِك الْيَوْم لما رَآهُ من تشوفه إِلَيْهِ وإكراماً لأبي بكر بذلك فَلَا يتنافى الخبران. قَوْله: (وَلَكِن أخي وصاحبي) ، أَي: وَلَكِن هُوَ أخي فِي الدّين وصاحبي فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء والحضر وَالسّفر، وَفِي رِوَايَة خَيْثَمَة فِي فَضَائِل الصَّحَابَة عَن أَحْمد بن أبي الْأسود عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم شيخ البُخَارِيّ فِيهِ: وَلَكِن أخي وصاحبي فِي الله تَعَالَى.
٧٥٦٣ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ ومُوسَى قالَا حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ أيُّوبَ وَقَالَ لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً خَلِيلاً لاتَّخَذْتُهُ خَلِيلاً ولَكِنْ أُخُوَّةُ الإسْلَامِ أفْضَلُ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، أخرجه عَن مُعلى بن أَسد ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي ... إِلَى آخِره، وَكَذَا فِي أَكثر الرِّوَايَات التَّبُوذَكِي، وَهُوَ الصَّوَاب، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَحده: التنوخي، وَهُوَ تَصْحِيف.
قَوْله: (وَلَكِن أخوة الْإِسْلَام أفضل) ، قَالَ الدَّاودِيّ: لَا أرَاهُ مَحْفُوظًا، وَإِن كَانَ مَحْفُوظًا فَمَعْنَاه: إِن أخوة الْإِسْلَام دون المخاللة أفضل من المخاللة دون أخوة الْإِسْلَام، وَإِن لم يكن قَوْله: لَو كنت متخذاً خَلِيلًا غير رَبِّي صَحِيحا لم يجز أَن يُقَال: أخوة الْإِسْلَام أفضل، وَلَيْسَ يقْضِي فِي هَذَا بأخبار الْآحَاد.
حدَّثَنا قُتَيْبَةُ حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ عنْ أيُّوبَ مِثْلَهُ
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، أخرجه عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس مثل الحَدِيث الْمَذْكُور، وَهَذِه الطّرق الثَّلَاثَة من أَفْرَاده.
٨٥٦٣ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنَا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ عبْدِ الله بنِ أبِي مُلَيْكَةَ قَالَ كَتَبَ أهْلُ الكُوفَةِ إِلَى ابنِ الزُّبَيْرِ فِي الجَدِّ فَقَالَ أمَّا الَّذِي قَالَ رسُولُ الله ﷺ لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ خَلِيلاً لاتَّخَذْتُهُ أنْزَلَهُ أبَا يَعْنِي أبَا بَكْرٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ: فضل أبي بكر حَيْثُ أجَاب بِأَن الْجد كَالْأَبِ فِي اسْتِحْقَاق الْمِيرَاث. وَابْن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم: هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة، وَقد مر عَن قريب. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (كتب أهل الْكُوفَة) أَي: بعض أَهلهَا، وَهُوَ عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود، وَكَانَ ابْن الزبير جعله على قَضَاء الْكُوفَة. قَوْله: (فِي الْجد) أَي: فِي مَسْأَلَة الْجد وميراثه. قَوْله: (أما الَّذِي) ، جَوَاب، أما، هُوَ قَوْله: أنزلهُ، وَالْفَاء فِيهِ محذوفة، أَي: أنزل أَبُو بكر الْجد منزلَة الْأَب فِي الْإِرْث، وَحَاصِله أَنه قَالَ فِي جوابهم: أما الَّذِي قَالَ رَسُول الله، ﷺ ، فِي حَقه: (لَو كنت متخذاً خَلِيلًا لاتخذته) ، جعل الْجد كَالْأَبِ وأنزله مَنْزِلَته فِي اسْتِحْقَاق الْمِيرَاث، يُرِيد أَنه يَرث وَحده دون الْأُخوة كَالْأَبِ، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة، وَعند الشَّافِعِي وَمَالك، أَنه يقاسم الْإِخْوَة مَا لم ينقصهُ ذَلِك عَن الثُّلُث، وَهُوَ قَول زيد.
(بابٌ)
أَي: هَذَا بَاب وَهَذَا كالفصل لما قبله.
٩٥٦٣ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ ومُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله قالَا حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ أبِيهِ عنْ مُحَمَّدِ ابنِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ عنْ أبِيهِ قَالَ أتَتِ امْرَأةٌ النَّبِيَّ ﷺ فأمَرَهَا أنْ تَرْجِعَ إلَيْهِ قالَتْ أرَأيْتَ إنْ جِئْتُ ولَمْ أجِدْكَ كأنَّهَا تَقُولُ المَوْتُ قَالَ ﵇ إنْ لَمْ تَجِدِينِي فأتِي أبَا بَكْرٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ إِشَارَة إِلَى فَضله. وَفِيه: إِشَارَة أَيْضا إِلَى أَنه هُوَ الْخَلِيفَة من بعده، وأصرح من هَذَا دلَالَة على أَنه هُوَ الْخَلِيفَة من بعده، مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عصمَة بن مَالك، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُول الله إِلَى من ندفع صدقَات أَمْوَالنَا بعْدك؟ قَالَ: إِلَى أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِيه ضعف، وروى الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي (مُعْجَمه) من حَدِيث سهل
стр. 4818
بن أبي حثْمَة، قَالَ: بَايع النَّبِي ﷺ أَعْرَابِيًا، فَسَأَلَهُ إِن أَتَى عَلَيْهِ أَجله من يَقْضِيه؟ فَقَالَ: أَبُو بكر، ثمَّ سَأَلَهُ من يَقْضِيه بعده؟ قَالَ: عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ... الحَدِيث.
والْحميدِي هُوَ عبد الله بن الزبير بن عِيسَى، وَمُحَمّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن زيد الْقرشِي الْأمَوِي، وَكِلَاهُمَا من أَفْرَاده، وَإِبْرَاهِيم بن سعد يروي عَن أَبِيه سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَحْكَام عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله وَفِي الِاعْتِصَام عَن عبيد الله بن سعد، وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عباد بن مُوسَى وَعَن حجاج بن الشَّاعِر. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن عبد بن حميد.
قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (إِن جِئْت وَلم أجدك) كَأَنَّهَا كنت عَن موت رَسُول الله، ﷺ ، ومرادها: إِن جِئْت فوجدتك قد مت، مَاذَا أعمل؟ وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَإِن رجعت فَلم أجدك؟ تعررض بِالْمَوْتِ. وَفِي رِوَايَة الْحميدِي فِي (الْأَحْكَام) كَأَنَّهَا تَعْنِي الْمَوْت. .
٠٦٦٣ - حدَّثني أحمدُ بنُ أبِي الطَّيِّبِ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ مُجَالِدٍ حدَّثنا بَيانُ بنُ بِشْرٍ عنْ وَبَرَةَ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ هَمَّامٍ قَالَ سَمِعْتُ عَمَّارَاً يقُولُ رأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ وَمَا مَعَهُ إلَاّ خَمْسَةُ أعْبُدٍ وامْرَأتَانِ وأبُو بَكْرٍ. (الحَدِيث ٠٦٦٣ طرفه فِي: ٧٥٨٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي أبي بكر فَضِيلَة خَاصَّة لسبقه فِي الْإِسْلَام حَيْثُ لم يسلم أحد قبله من الرِّجَال الْأَحْرَار، وَأحمد بن أبي الطّيب، اسْمه سُلَيْمَان الْمروزِي الْبَغْدَادِيّ روى عَنهُ البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث، وَإِسْمَاعِيل بن مجَالد بِالْجِيم ابْن عُمَيْر الْهَمدَانِي الْكُوفِي، وَلَيْسَ لَهُ عِنْد البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد، وَبَيَان، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف نون: ابْن بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: الْمعلم الأحمسي بالمهملتين التَّابِعِيّ، ووبرة، بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتحهَا ابْن عبد الرَّحْمَن الْحَارِثِيّ، وَهَمَّام بن الْحَارِث النَّخعِيّ الْكُوفِي مر فِي الصَّلَاة. وَفِيه ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد، وعمار هُوَ ابْن يَاسر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي إِسْلَام أبي بكر عَن عبد الله عَن يحيى بن معِين.
قَوْله: (وَمَا مَعَه) أَي: مِمَّن أسلم. قَوْله: (إلَاّ خَمْسَة أعبد) ، وهم: بِلَال، وَزيد بن حَارِثَة، وعامر بن فهَيْرَة مولى أبي بكر فَإِنَّهُ أسلم قَدِيما مَعَ أبي بكر، وَأَبُو فكيهة مولى صَفْوَان بن أُميَّة بن خلف، ذكر ابْن إِسْحَاق أَنه أسلم حِين أسلم بِلَال فَعَذَّبَهُ أُميَّة فَاشْتَرَاهُ أَبُو بكر فَأعْتقهُ، وَعبيد بن زيد الحبشي. وَذكر ابْن السكن فِي (كتاب الصَّحَابَة) : عَن عبد الله بن دَاوُد أَن النَّبِي ﷺ (وَرثهُ من أَبِيه هُوَ وَأم أَيمن) . وَفِي (التَّلْوِيح) : هم: عمار، وَزيد بن حَارِثَة، وبلال، وعامر بن فهَيْرَة، وشقران والمرأتان خَدِيجَة وَأم الْفضل زوج الْعَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقيل: الْمَرْأَتَانِ خَدِيجَة وَأم أَيمن أَو سميَّة. قلت: عمار بن يَاسر مولى بن مَخْزُوم وَأمه سميَّة بنت خياط، وَكَانَ هُوَ وَأَبوهُ يُعَذبُونَ فِي الله (فَمر بهم النَّبِي ﷺ ، وهم يُعَذبُونَ، وَقَالَ صبرا آل يَاسر، فَإِن مَوْعدكُمْ الْجنَّة) ، وشقران، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْقَاف: لقب واسْمه صَالح بن عدي الحبشي، وَقيل: أَوْس، وَقيل: هُرْمُز، وَرثهُ النَّبِي ﷺ ، عَن أمه، وَقيل: عَن أَبِيه، وَقيل: كَانَ لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف فوهبه للنَّبِي ﷺ .
١٦٦٣ - حدَّثني هِشَامُ بنُ عَمَّارٍ حدَّثنا صدَقَةُ بنُ خالِدٍ حدَّثنا زَيْدُ بنُ واقِدٍ عنْ بُسْرِ بنِ عُبَيْدِ الله عنْ عائِذِ الله أبِي إدْرِيسَ عنْ أبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنْتُ جالِسَاً عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إذْ أقْبَلَ أبُو بَكْر آخِذاً بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أبْدَى عنْ رُكْبَتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أمَّا صاحِبُكُمْ فَقَدْ غامَرَ فَسَلَّمَ وَقَالَ يَا رسُولَ الله إنَّهُ كانَ بَيْنِي وبَيْنَ ابنِ الخَطَّابِ شَيْءٌ فأسْرَعْتُ إلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ فسألْتُهُ أنْ يَغْفِرَ لِي فأبَى علَيَّ فأقْبَلْتُ إلَيْكَ فقالَ يَغْفِرُ الله لَكَ يَا أبَا بَكْر ثلاثَاً ثُمَّ إنَّ عُمَرَ نَدِمَ فأتَى مَنْزِلَ أبِي بَكْرٍ فسَألَ أثَمَّ أبُو بَكْرٍ فقالُوا لَا فأتَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فسلَمَ عَلَيْهِ فجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيُّ صلى الله
стр. 4819
عَلَيْهِ وَسلم يتَمَعَّرُ حتَّى أشْفَقَ أبُو بَكْرٍ فَجَثَا علَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ الله وَالله أنَا كُنْتُ أظْلَمَ مَرَّتَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّ الله بعَثَنِي إلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وقالَ أبُو بَكْرٍ صَدَقَ وَوَاسانِي بنَفْسِهِ ومالِهِ فَهَلْ أنْتُمْ تَارِكُو لِي صاحِبي مرَّتَيْنِ فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا. (الحَدِيث ١٦٦٣ طرفه فِي: ٠٤٦٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِشَام بن عمار بن نصير أَبُو الْوَلِيد السّلمِيّ الدِّمَشْقِي، وَصدقَة بن خَالِد أَبُو الْعَبَّاس مولى أم الْبَنِينَ بنت أبي سُفْيَان بن حَرْب أُخْت مُعَاوِيَة، وَزيد بن وَاقد، بِكَسْر الْقَاف الدِّمَشْقِي: ثِقَة قَلِيل الحَدِيث، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث، وَبسر، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة الْحَضْرَمِيّ الشَّامي، وعائذ الله، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة من العوذ: ابْن عبد الله الْخَولَانِيّ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالنون، وكنيته أَبُو إِدْرِيس وَهَؤُلَاء كلهم شَامِيُّونَ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن عبد الله، قيل: إِنَّه حَمَّاد الْأَيْلِي وَهُوَ من أَفْرَاده.
قَوْله: (عَن بسر بن عبيد الله) ، وَفِي رِوَايَة عبد الله بن الْعَلَاء عِنْد البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير: حَدثنِي بسر بن عبيد الله حَدثنِي أَبُو إِدْرِيس سَأَلت أَبَا الدَّرْدَاء. قَوْله: (أما صَاحبكُم) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أما صَاحبك، بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (فقد غامر) ، بالغين الْمُعْجَمَة أَي: خَاصم ولابس الْخُصُومَة وَنَحْوهَا من الْأُمُور، يُقَال: دخل فِي غمرة الْخُصُومَة وَهِي معظمها، وغمر الْحَرْب وَنَحْوهَا، والمغامر الَّذِي يَرْمِي بِنَفسِهِ فِي الْأُمُور والحروب، وَقيل: من المعاجلة أَي: سارع. قَوْله: (فَسلم) ، بتَشْديد اللَّام من السَّلَام، وَوَقع عِنْد أبي نعيم فِي (الْحِلْية) : حَتَّى سلم على رَسُول الله، ﷺ ، وَلم يذكر الرَّد، وَهُوَ مِمَّا يحذف للْعلم بِهِ، وقسيم: إِمَّا مَحْذُوف نَحوه، وَأما غَيره فَلَا أعلمهُ. قَوْله: (أثَمَّ؟) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَشْديد الْمِيم والهمزة للاستفهام أَي: أهنا أَبُو بكر؟ قَوْله: (شَيْء) ، وَفِي رِوَايَة التَّفْسِير: بيني وَبَينه محاورة، بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: مُرَاجعَة. قَوْله: (نَدِمت) ، زَاد مُحَمَّد بن الْمُبَارك: على مَا كَانَ. قَوْله: (فَسَأَلته أَن يغْفر لي) وَفِي رِوَايَة التَّفْسِير: أَن يسْتَغْفر لَهُ فَلم يفعل حَتَّى أغلق بَابه فِي وَجهه. قَوْله: (فَأبى عَليّ) ، زَاد مُحَمَّد بن الْمُبَارك: فتبعته إِلَى البقيع حَتَّى خرج من دَاره. قَوْله: (ثَلَاثًا) ، أَي: أعَاد هَذِه الْكَلِمَة ثَلَاث مَرَّات. قَوْله: (يتمعر) ، بِالْعينِ الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة أَي: تذْهب نضارته من الْغَضَب، وَأَصله من المعر، وَهُوَ: الجدب، يُقَال: أمعر الْمَكَان إِذا أجدب، وَيُقَال: مَعْنَاهُ يتَغَيَّر لَونه من الضجر، وَيُقَال: ذهب رونقه حَتَّى صَار كالمكان الأمعر. قَوْله: (حَتَّى أشْفق أَبُو بكر) أَي: حَتَّى خَافَ أَبُو بكر أَن يكون من رَسُول الله، ﷺ إِلَى عمر مَا يكره. قَوْله: (فَجَثَا) ، بِالْجِيم والثاء الْمُثَلَّثَة أَي: برك على رُكْبَتَيْهِ. قَوْله: (أَنا كنت أظلم) أَي: من عمر فِي الْقِصَّة الْمَذْكُورَة، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ البادي. قَوْله: (مرَّتَيْنِ) أَي: قَالَ ذَلِك القَوْل مرَّتَيْنِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مرَّتَيْنِ، ظرف لقَالَ. أَو لقَوْله: كنت. قَوْله: (وواساني) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده: وأوساني، وَالْأول أوجه لِأَنَّهُ من الْمُوَاسَاة. قَوْله: (تاركو لي صَاحِبي) ، وَفِي رِوَايَة التَّفْسِير (تاركون لي) ، على الأَصْل. قَوْله: (لي) فصل بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ بالجار وَالْمَجْرُور عناية بِتَقْدِيم لفظ الِاخْتِصَاص، وَذَلِكَ جَائِز كَقَوْل الشَّاعِر:
(فَرَشُني بِخَير لَا أكونن ومدحتي ... كناحت يَوْمًا صَخْرَة بعسيل)
قلت: رشني: أَمر من راش يريش، يُقَال: رَشَّتْ فلَانا: أصلحت حَاله، وَالْوَاو فِي: ومدحتي للمصاحبة، أَي: مَعَ مدحتي والاستشهاد فِيهِ فِي قَوْله: يَوْمًا، فَإِنَّهُ ظرف فصل بِهِ بَين الْمُضَاف وَهُوَ قَوْله: كناحت، وَبَين الْمُضَاف إِلَيْهِ وَهُوَ: صَخْرَة، وَالتَّقْدِير: كناحت صَخْرَة يَوْمًا بعسيلٍ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة: وَهُوَ قضيب الْفِيل، قَالَه الْجَوْهَرِي، وَبِهَذَا يرد على أبي الْبَقَاء حَيْثُ يَقُول إِن حذف النُّون من خطأ الروَاة، لِأَن الْكَلِمَة: لَيست مُضَافَة وَلَا فِيهَا ألف وَلَام، وَإِنَّمَا يجوز فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ، وَلَا وَجه لإنكاره لوُقُوع مثل هَذِه كثيرا فِي الْأَشْعَار وَفِي الْقُرْآن أَيْضا فِي قِرَاءَة ابْن عَامر، ﴿وَكَذَلِكَ زين لكثير من الْمُشْركين قتل أَوْلَادهم شركائهم﴾ ، بِنصب أَوْلَادهم، وجر شركائهم. قَوْله: (فَمَا أوذي بعْدهَا) أَي: فَمَا أوذي أَبُو بكر بعد هَذِه الْقَضِيَّة لأجل مَا أظهره النَّبِي ﷺ لَهُم من تَعْظِيمه أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَفِي هَذَا الحَدِيث فَوَائِد: الدّلَالَة على فضل أبي بكر على جَمِيع الصَّحَابَة، وَلَيْسَ يَنْبَغِي للفاضل أَن يغاضب من هُوَ أفضل مِنْهُ، وَجَوَاز مدح الرجل فِي وَجهه، وَمحله: إِذا أَمن عَلَيْهِ الافتتان
стр. 4820
والاغترار. وَفِيه: مَا طبع عَلَيْهِ الْإِنْسَان من البشرية حَتَّى يحملهُ الْغَضَب على ارْتِكَاب خلاف الأولى. لَكِن الْفَاضِل فِي الدّين يسْرع الرُّجُوع إِلَى الأول لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين اتَّقوا إِذا مسهم طائف من الشَّيْطَان تَذكرُوا﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٠١) . وَفِيه: أَن غير النَّبِي ﷺ ، وَلَو بلغ فِي الْفضل الْغَايَة، فَلَيْسَ بمعصوم. وَفِيه: اسْتِحْبَاب سُؤال الاسْتِغْفَار والتحلل من الْمَظْلُوم. وَفِيه: أَن من غضب على صَاحبه نسبه إِلَى أَبِيه أوجده وَلم يسمه باسمه، وَذَلِكَ من قَول أبي بكر لما جَاءَ وَهُوَ غَضْبَان من عمر: كَانَ بيني وَبَين ابْن الْخطاب، فَلم يذكرهُ باسمه، وَنَظِيره قَوْله ﷺ : أَلا إِن كَانَ ابْن أبي طَالب يُرِيد أَن ينْكح ابنتهم. وَفِيه: أَن الرّكْبَة لَيست بِعَوْرَة.
٢٦٦٣ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ المُخْتَارِ قَالَ خالِدٌ الحَذَّاءُ حدَّثنا عنْ أبِي عُثْمَانَ قَالَ حدَّثني عَمْرُو بنُ العَاصِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلاسِلِ فأتَيْتُهُ فَقُلْتُ أيُّ النَّاسِ أحَبُّ إلَيْكَ قَالَ عائِشَةُ فقُلْتُ مِنَ الرّجَالِ فَقَالَ أبُوهَا قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قالَ ثُمَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فَعَدَّ رِجالاً. (الحَدِيث ٢٦٦٣ طرفه فِي: ٨٥٣٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَذَلِكَ لِأَن كَون أحب النَّاس إِلَى النَّبِي ﷺ أَبَا بكر، يدل على أَن لَهُ فضلا كثيرا وَأَنه أفضل النَّاس بعد النَّبِي ﷺ .
وَعبد الْعَزِيز بن الْمُخْتَار أَبُو إِسْمَاعِيل الْأنْصَارِيّ الدّباغ، وخَالِد هُوَ ابْن مهْرَان الْحذاء، وَأَبُو عُثْمَان هُوَ عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ، بالنُّون، وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد كلهم بصريون إلَاّ الصَّحَابِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن إِسْحَاق بن شاهين وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن إِبْرَاهِيم ابْن يَعْقُوب وَبُنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي قدامَة عبيد الله بن سعيد.
قَوْله: (خَالِد الْحذاء حَدثنَا) هُوَ من تَقْدِيم الِاسْم على الصّفة، وَقد استعملوه كثيرا، تَقْدِير الْكَلَام: حَدثنَا عبد الْعَزِيز، قَالَ: حَدثنَا خَالِد الْحذاء عَن أبي عُثْمَان. قَوْله: (ذَات السلَاسِل) بسينين مهملتين وَالْمَشْهُور فتح الأولى على لفظ جمع السلسلة، وَضَبطه كَذَلِك أَبُو عبيد الْبكْرِيّ، وضبطها ابْن الْأَثِير بِالضَّمِّ ثمَّ فسره بِمَعْنى: السلسال، أَي: السهل، وَفَسرهُ أَبُو عبيد: بِأَنَّهُ اسْم مَكَان سمي بذلك لأَنهم كَانُوا مبعوثين إِلَى أَرض بهَا رمل ينْعَقد بعضه على بعض كالسلسلة، وَكَانَت غَزْوَة ذَات السلَاسِل سنة سبع، كَذَا صَححهُ ابْن أبي خَالِد فِي (تَارِيخه) . وَقَالَ ابْن سعد وَالْحَاكِم: فِي سنة ثَمَان فِي جمادي الْآخِرَة، وَذكر ابْن إِسْحَاق: أَن أم الْعَاصِ بن وَائِل كَانَت من بلي، فَبَعثه النَّبِي ﷺ ، إِلَى الْعَرَب يستنفر إِلَى الْإِسْلَام يستألفهم بذلك حَتَّى إِذا كَانَ على مَاء بِأَرْض حذام يُقَال لَهُ: السلَاسِل، وَبِه سميت تِلْكَ الْغَزْوَة، ذَات السلَاسِل، على مَا يَأْتِي الْبَاقِي فِي الْمَغَازِي. وَقَالَ ابْن التِّين: سميت ذَات السلَاسِل لِأَن الْمُشْركين ارْتبط بَعضهم إِلَى بعض مَخَافَة أَن يَفروا، وَعَن يُونُس عَن ابْن شهَاب، قَالَ: هِيَ مَشَارِق الشَّام إِلَى بلي وَسعد الله وَمن يليهم من قضاعة وَكِنْدَة وبلقين وصحنان وكفار الْعَرَب، وَيُقَال لَهَا: بدر الْآخِرَة، وَقَالَ ابْن سعد: وَهِي وَادي الْقرى بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة عشرَة أَيَّام. قَوْله: (فَقلت: أَي النَّاس أحب إِلَيْك؟) هَذَا السُّؤَال من عمر، وَإِنَّمَا كَانَ لما وَقع فِي نَفسه حِين أمره على الْجَيْش وَفِيهِمْ أَبُو بكر وَعمر أَنه مقدم عِنْده فِي الْمنزلَة عَلَيْهِم، فَسَأَلَهُ لذَلِك. قَوْله: (فعد رجَالًا) ، ويروى: فعدد رجَالًا يحْتَمل أَن يكون مِنْهُم أَبُو عُبَيْدَة ابْن الْجراح، على مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبيد الله بن شَقِيق. قَالَ: قلت لعَائِشَة: أَي أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ كَانَ أحب إِلَيْهِ؟ قَالَت: أَبُو بكر، قلت: ثمَّ من؟ قَالَت: عمر، قلت: ثمَّ من؟ قَالَت: أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح. قلت: ثمَّ من؟ فَسَكَتَتْ) قيل: يحْتَمل أَن يُفَسر بعض الرِّجَال الَّذين أبهموا فِي حَدِيث الْبَاب بِأبي عُبَيْدَة.
٣٦٦٣ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخْبَرَنِي أبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ عَوْفٍ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ رسُولَ الله ﷺ يَقُولُ بَيْنَمَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ فأخَذَ مِنْهَا شَاة فطَلَبَهُ الرَّاعِي فالْتَفَتَ إلَيْهِ الذئْبُ فقالَ مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لَيْسَ
стр. 4821
لَهَا رَاعٍ غَيْرِي وبَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً قدْ حَمَلَ عَلَيْهَا فالْتَفَتَتْ إلَيْهِ فكَلَّمَتْهُ فقالَتْ إنِّي لَمْ أخْلقْ لهَذَا ولَكِنِّي خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ قَالَ النَّاسُ سُبْحَانَ الله فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فإنِّي أُومِنُ بِذَلِكَ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَرِجَال إِسْنَاده على هَذَا النسق قد تكَرر ذكرهم جدا. والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب مَا ذكر عَن بني إِسْرَائِيل فِي، بَاب مُجَرّد بعد حَدِيث الْغَار، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن أبي هُرَيْرَة بِغَيْر هَذَا الطَّرِيق، وَفِيه تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَقد مر الْكَلَام فِي: بَيْنَمَا وَبينا، غير مرّة. قَوْله: (رَاع) ، مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ متصف. بقوله: (فِي غنمه) وَخَبره هُوَ قَوْله: (عدا عَلَيْهِ الذِّئْب) . قَوْله: (يَوْم السَّبع) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، ويروى بِالسُّكُونِ، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مرت هُنَاكَ.
٤٦٦٣ - حدَّثنا عَبْدَانُ أخبَرنا عَبْدُ الله عنْ يُونُسَ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخْبرَني ابنُ المُسَيِّبِ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقُولُ بَيْنَا أنَا نائمٌ رأيْتُنِي على قلِيبٍ علَيْهَا دَلْوٌ فنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شاءَ الله ثُمَّ أخذَهَا ابنُ أبِي قُحافَةَ فنَزَعَ بِهَا ذُنوباً أَو ذَنُوبَينِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَالله يَغْفِرُ لَهُ ضَعْفَهُ ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبَاً فأخَذَهَا ابنُ الخَطَّابِ فلَمْ أرَ عَبْقَرِيَّاً مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ رَآهُ فِي الْمَنَام وَهُوَ ينْزع من القليب، وَذكره قبل عمر وَهُوَ يدل على سبق أبي بكر على عمر، وَأَن عمر من بعده، وَأما ضعفه فِي النزع فَلَا يدل على النَّقْص لِأَن أَيَّامه كَانَت قَصِيرَة على مَا ذكرنَا. وعبدان هُوَ عبد الله بن عُثْمَان وَشَيْخه عبد الله بن الْمُبَارك.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن حَرْمَلَة بن يحيى، وَقد مر نَظِيره فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن عبد الله بن عمر، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. والقليب: بِئْر يحْفر فيقلب ترابها قبل أَن تطوى، والغرب: الدَّلْو أكبر من الذَّنوب، والعبقري: كل شَيْء يبلغ النِّهَايَة بِهِ، والعطن: مناخ الْإِبِل.
٥٦٦٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ أخبرنَا عبْدُ الله أخبرَنا مُوساى بنُ عُقْبَةَ عنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ الله إليْهِ يَومَ القِيَامَةِ فَقَالَ أبُو بَكْرٍ إنَّ أحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يَسْتَرْخِي إلَاّ أنْ أتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ إنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلاءَ قَالَ مُوساى فقُلْتُ لِسالِمٍ أذَكَرَ عَبْدُ الله مَنْ جَرَّ إزَارَهُ فَقال لَمْ أسْمَعْهُ ذَكَرَ إلَاّ ثَوْبَهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله، ﷺ : (إِنَّك لست تصنع ذَلِك خُيَلَاء) وَفِيه: فَضِيلَة لأي بكر حَيْثُ شهد النَّبِي ﷺ ، لَهُ بِمَا يُنَافِي مَا يكره، وَعبد الله شيخ شيخ البُخَارِيّ هُوَ ابْن الْمُبَارك.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن أَحْمد بن يُونُس وَفِي الْأَدَب عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي اللبَاس عَن النُّفَيْلِي عَن زُهَيْر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن عَليّ بن حجر.
قَوْله: (خُيَلَاء) ، أَي: كبرا وتبختراً، وانتصابه على أَنه مفعول لَهُ أَي: لأجل الْخُيَلَاء. قَوْله: (لم ينظر الله إِلَيْهِ) أَي: لَا يرحمه، فالنظر هُنَا مجَاز عَن الرَّحْمَة، وَأما إِذا اسْتعْمل فِي الْمَخْلُوق يُقَال: لَا ينظر إِلَيْهِ زيد، فَهُوَ كِنَايَة. قَوْله: (يسترخي) لَعَلَّ عَادَته أَنه عِنْد الْمَشْي يمِيل إِلَى أحد الطَّرفَيْنِ إلَاّ أَن يحفظ نَفسه عَن ذَلِك. قَوْله: (فَقلت لسالم) الْقَائِل هُوَ مُوسَى بن عقبَة. قَوْله: (أذكر؟) فعل مَاض دخلت عَلَيْهِ همزَة الِاسْتِفْهَام. (وَعبد الله) فَاعله. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: فَقَالَ سَالم: لم أسمع عبد الله ذكر فِي حَدِيثه إلَاّ ثَوْبه.
стр. 4822
٦٦٦٣ - حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ حدَّثنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرَنِي حُمَيْدُ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَوْفٍ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ مَنْ أنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الأشْيَاءِ فِي سَبِيلِ الله دُعِيَ مِنْ أبْوَابِ يَعْنِي الجَنَّةَ يَا عَبْدَ الله هذَا خَيْرٌ فَمَنْ كانَ مِنْ أهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بابِ الصَّلاةِ ومَنْ كانَ مِنْ أهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بابِ الجِهَادِ ومَنْ كانَ مَنْ أهْل الصَّدَقَةِ دُعِيَ مَنْ بابِ الصَّدَقَةِ ومنْ كانَ مَنْ أهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بابِ الصِّيَامُ وبابِ الرَّيَّانِ فَقَالَ أبُو بَكْرٍ مَا عَلَى هذَا الَّذِي يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ وقالَ هَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا أحَدٌ يَا رسُولَ الله قَالَ نَعَمْ وأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنْهُمْ يَا أبَا بَكْرٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأَرْجُو أَن تكون مِنْهُم يَا أَبَا بكر) ورجاء النَّبِي ﷺ ، وَاقع مُحَقّق. وَفِيه: أقوى دَلِيل على فَضِيلَة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع.
والْحَدِيث مر فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب الريان للصائمين من طَرِيق آخر عَن ابْن شهَاب عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فِي سَبِيل الله) أَي: فِي طلب ثَوَاب الله، وَهُوَ أَعم من الْجِهَاد وَغَيره. قَوْله: (هَذَا خير) ، يَعْنِي: فَاضل لَا بِمَعْنى أفضل، وَإِن كَانَ اللَّفْظ يحْتَمل ذَلِك. قَوْله: (بَاب الريان) بدل أَو بَيَان عَمَّا قبله، وَذكر هُنَا أَرْبَعَة أَبْوَاب من أَبْوَاب الْجنَّة. وَقَالَ بَعضهم: وَتقدم فِي أَوَائِل الْجِهَاد أَن أَبْوَاب الْجنَّة ثَمَانِيَة، وَبَقِي من الْأَركان الْحَج فَلهُ بَاب بِلَا شكّ، وَأما الثَّلَاثَة الْأُخْرَى. فَمِنْهَا: بَاب الكاظمين الغيظ وَالْعَافِينَ عَن النَّاس، رَوَاهُ أَحْمد عَن روح بن عبَادَة عَن الْأَشْعَث عَن الْحسن مُرْسلا: إِن لله بَابا فِي الْجنَّة لَا يدْخلهُ إلَاّ من عَفا من مظْلمَة. وَمِنْهَا: الْبَاب الْأَيْمن وَهُوَ: بَاب المتوكلين الَّذِي يدْخل مِنْهُ من لَا حِسَاب عَلَيْهِ وَلَا عَذَاب. وَأما الثَّالِث فَلهُ بَاب الذّكر، فَإِن عِنْد التِّرْمِذِيّ مَا يوميء إِلَيْهِ، وَيحْتَمل أَن يكون بَاب الْعلم. انْتهى. قلت: مَا فِيهِ من طَرِيق الظَّن والحسبان، وَلَا تَنْحَصِر الْأَبْوَاب الَّتِي أعدت للدخول مِنْهَا لأَصْحَاب الْأَعْمَال الصَّالِحَة من أَنْوَاع شَتَّى، وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ الْأَبْوَاب الثَّمَانِية الَّتِي دلّ الْقُرْآن على أَرْبَعَة مِنْهَا، والْحَدِيث على أَرْبَعَة أُخْرَى، وَإِنَّمَا المُرَاد من تِلْكَ الْأَبْوَاب هِيَ الْأَبْوَاب الَّتِي هِيَ فِي دَاخل الْأَبْوَاب الثَّمَانِية. قَوْله: (مَا على هَذَا الَّذِي يدعى من تِلْكَ الْأَبْوَاب) أَي: من أحد تِلْكَ الْأَبْوَاب، وَفِيه إِضْمَار وَهُوَ من توزيع الْأَفْرَاد على الْأَفْرَاد، لِأَن الْجمع والموصول كِلَاهُمَا عامَّان وَكلمَة: مَا، للنَّفْي. قَوْله: (من ضَرُورَة) أَي: من ضَرَر، وَالْمَقْصُود دُخُول الْجنَّة، فَلَا ضَرَر لمن دخل من أَي بَاب دَخلهَا. فَإِن قلت: روى مُسلم من حَدِيث عمر: من تَوَضَّأ، ثمَّ قَالَ: أشهد أَن لَا إلاه إلَاّ الله ... الحَدِيث. . فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة يدخلهَا من أَيهَا شَاءَ. قلت: لَا مُنَافَاة بَينه وَبَين مَا تقدم، وَإِن كَانَ ظَاهره الْمُعَارضَة، لِأَنَّهُ يفتح لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة على سَبِيل التكريم، ثمَّ عِنْد دُخُوله لَا يدْخل إلَاّ من بَاب الْعَمَل الَّذِي يكون أغلب عَلَيْهِ، وَالله أعلم.
٧٦٦٣ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ بِلَالٍ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجِ النَّبِي ﷺ أنَّ رسولَ الله ﷺ ماتَ وأبُو بَكْرٍ بالسُّنْحِ قَالَ إسْمَاعِيلُ يَعْنِي بالْعَالِيَة فقامَ عُمَرُ يَقُولُ وَالله مَا ماتَ رَسُولُ الله ﷺ قالتْ وَقَالَ عُمَرُ وَالله مَا كانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إلَاّ ذاكَ ولَيَبْعَثَنَّهُ الله فلَيَقْطَعَنَّ أيْدِيَ رِجالٍ وأرْجُلَهُمْ فَجاءَ أبُو بَكْرٍ فكَشَفَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ فقَبَّلَهُ قَالَ بأبِي أنْتَ وأُمِّي طِبْتَ حَيَّاً ومَيِّتَاً وَالله الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقُكَ الله المَوْتَتَيْنِ أبَدَاً ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ أيُّهَا الحَالِفُ علَى رِسْلِكَ فلَمَّا تَكَلَّمَ أبُو بَكْرٍ جَلَس عُمَرُ. فَحَمِدَ الله أبُو بَكْرٍ وأثْنَى علَيْهِ وَقَالَ ألَا مَنْ كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدَاً صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 4823
فإنَّ مُحَمَّدَاً ﷺ قَدْ ماتَ ومَنْ كانَ يَعْبُدُ الله فإنَّ الله حَيٌّ لَا يَمُوتُ وَقَالَ إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهُمْ مَيِّتُونَ وَقَالَ وَمَا مُحَمَّدٌ إلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ علَى أعْقَابِكُمْ ومنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فلَنْ يَضُرَّ الله شيْئاً وسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَ قَالَ فنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ قَالَ واجْتَمَعَتِ الأنْصارُ إِلَى سَعْدِ بنُ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي ساعِدَةَ فَقَالُوا مِنَّا أمِيرٌ ومِنْكُمْ أمِيرٌ فذَهَبَ إلَيْهِمْ أبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ وعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وأبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ فذَهَبَ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ فأسْكَتَهُ أبُو بَكْرٍ وكانَ عُمَرُ يَقُولُ وَالله مَا أرَدْتُ بِذَلِكَ إلَاّ أنِّي قَدْ هَيَّأتُ كَلَاماً قَدْ أعْجَبَنِي خَشيتُ أنْ لَا يَبْلُغَهُ أبُو بَكْرٍ ثُمَّ تَكَلَّمَ أبُو بَكْرٍ فتَكَلَّمَ أبْلَغَ النَّاسِ فَقَالَ فِي كَلَامِهِ نَحْنُ الأمَرَاءُ وأنْتُمُ الوُزَرَاءُ فَقَالَ حُبَاب بنُ الْمُنْذِرِ لَا وَالله لَا نَفْعَلُ مِنَّا أمِيرٌ ومِنْكُمْ أمِيرٌ فَقَالَ أبُو بَكْرٍ لَا ولَكِنَّا الأُمَرَاءُ وأنْتُمُ الوُزَرَاءُ هُمْ أوْسَطُ العَرَبِ دَارَاً وأعْرَبُهُمْ أحْسَابَاً فَبايَعُوا عُمَرَ أوْ أبَا عُبَيْدَةَ فَقَالَ عُمَرُ بَلْ نُبايِعُكَ أنْتَ فأنْت سَيِّدُنَا وخَيْرُنا وأحَبُّنَا إِلَى رسُولِ الله ﷺ فأخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ فَبايَعَهُ وبايَعَهُ النَّاسُ فَقَالَ قائِلٌ قَتَلْتُمْ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ فَقَالَ عُمَرُ قَتَلَهُ الله. وقَالَ عَبْدُ الله بنُ سالِمٍ عنِ الزُّبَيْدِيِّ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ القَاسِمِ أخْبرنِي القاسِمُ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ شَخَضَ بَصَرُ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ فِي الرَّفِيقِ الأعْلَى ثَلاثاً وقَصَّ الحَدِيثَ قالَتْ عائِشَةُ فَما كانَتْ مِنْ خُطْبَتِهِما مِنْ خُطْبَةٍ إلَاّ نَفَعَ الله بِهَا لَقَدْ خَوَّفَ عُمَرُ النَّاسَ وإنَّ فِيهِمْ لَنِفاقاً فرَدَّهُمْ الله بِذَلِكَ. ثُمَّ لَقدْ بَصَّرَ أبُو بَكْرٍ النَّاسَ الْهُدَي وعَرَّفَهُمُ الحَقَّ الَّذِي علَيْهِمْ وخَرَجُوا بِهِ يَتْلُونَ وَمَا مُحَمَّدٌ إلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ إِلَى الشَّاكِرِينَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن فِيهِ فَضِيلَة أبي بكر على سَائِر الصَّحَابَة حَيْثُ قدَّم على الْكل فَصَارَ خَليفَة رَسُول الله، ﷺ .
ذكر رجال الحَدِيث: وهم خَمْسَة: الأول: إِسْمَاعِيل بن عبد الله هُوَ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس واسْمه عبد الله ابْن أُخْت مَالك بن أنس. الثَّانِي: سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو أَيُّوب الْقرشِي التَّيْمِيّ. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير ابْن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ.
ذكر الرِّجَال الَّذين فِيهِ: أَبُو بكر الصّديق وَعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَسعد بن عبَادَة بن دلهم ابْن حَارِثَة الْأنْصَارِيّ السَّاعِدِيّ، وَكَانَ نقيب بني سَاعِدَة عِنْد جَمِيعهم وَشهد بَدْرًا عِنْد الْبَعْض وَلم يُبَايع أَبَا بكر وَلَا عمر، وَسَار إِلَى الشَّام فَأَقَامَ بحوران إِلَى أَن مَاتَ سنة خمس عشرَة، وَلم يَخْتَلِفُوا أَنه وجد مَيتا على مغتسله، قيل: إِن قَبره بالمنيحة، قَرْيَة من غوطة دمشق، وَهُوَ مَشْهُور يزار إِلَى الْيَوْم. وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح واسْمه عَامر بن عبد الله بن الْجراح، مَاتَ سنة ثَمَان عشرَة فِي طاعون عمواس، وقبره بغور بيسان عِنْد قَرْيَة تسمى عميا. وحباب، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف بَاء أُخْرَى: ابْن الْمُنْذر بن الجموح الْأنْصَارِيّ السّلمِيّ، وَهُوَ الْقَائِل يَوْم السَّقِيفَة: أَنا جديلها المحنك، وعذيقها المرجب، منا أَمِير ومنكم أَمِير. مَاتَ فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَعبد الله بن سَالم أَبُو يُوسُف الْأَشْعَرِيّ الشَّامي، مَاتَ سنة تسع وَسبعين وَمِائَة. والزبيدي، بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة: واسْمه مُحَمَّد بن الْوَلِيد بن عَامر أَبُو الْهُذيْل الشَّامي الْحِمصِي الزبيدِيّ، وَقَالَ ابْن سعد: مَاتَ سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة وَهُوَ ابْن سبعين سنة. وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده.
стр. 4824
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَأَبُو بكر بالسنح) ، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون بعْدهَا حاء مُهْملَة، وَضَبطه أَبُو عبيد الْبكْرِيّ بِضَم النُّون، وَقَالَ: إِنَّه منَازِل بني الْحَارِث بن الْخَزْرَج بالعوالي، بَينه وَبَين الْمَسْجِد النَّبَوِيّ ميل، وَبِه ولد عبد الله بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَكَانَ أَبُو بكر نازلاً بِهِ وَمَعَهُ أَسمَاء ابْنَته، وَسكن هُنَاكَ أَبُو بكر لما تزوج ابْنة خَارِجَة الْأَنْصَارِيَّة. قَوْله: (قَالَ إِسْمَاعِيل) ، هُوَ شيخ البُخَارِيّ الْمَذْكُور وَهُوَ ابْن أبي أويس. قَوْله: (يَعْنِي: بِالْعَالِيَةِ) أَرَادَ تَفْسِير قَول عَائِشَة: بالسنح، الْعَالِيَة، والعوالي أَمَاكِن بِأَعْلَى أَرَاضِي الْمَدِينَة. وَأَدْنَاهَا من الْمَدِينَة على أَرْبَعَة أَمْيَال وأبعدها من جِهَة نجد ثَمَانِيَة، وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا علوي على غير قِيَاس. قَوْله: (وَالله مَا مَاتَ رَسُول الله، ﷺ ، إِنَّمَا حلف عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على هَذَا بِنَاء على ظَنّه حَيْثُ أدّى اجْتِهَاده إِلَيْهِ. قَوْله: (قَالَت) أَي: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (ذَلِك) أَي: عدم الْمَوْت. قَوْله: (وليبعثنه الله) أَي: ليبْعَثن الله مُحَمَّدًا فِي الدُّنْيَا فليقطعن أَيدي رجال وأرجلهم وهم الَّذين قَالُوا بِمَوْتِهِ. قَوْله: (فجَاء أَبُو بكر) أَي: من السنح، فكشف عَن وَجه رَسُول الله، ﷺ فَقبله، وَقد مر فِي أول الْجَنَائِز، قَالَت عَائِشَة: أقبل أَبُو بكر على فرسه من مَسْكَنه بالسنح حَتَّى نزل فَدخل الْمَسْجِد فَلم يكلم النَّاس حَتَّى دخل على عَائِشَة، فَتَيَمم النَّبِي، ﷺ ، وَهِي مسجًى بِبرد حبرَة، فكشف عَن وَجهه ثمَّ أكب عَلَيْهِ فَقبله ثمَّ بَكَى. قَوْله: (بِأبي أَنْت وَأمي) أَي: أَنْت مفدى بِأبي وَأمي. قَوْله: (حَيا وَمَيتًا) أَي: فِي حَالَة حياتك وَحَالَة موتك. قَوْله: (لَا يذيقك الله الموتتين) ، بِضَم الْيَاء من الإذاقة، وَأَرَادَ بالموتتين: الْمَوْت فِي الدُّنْيَا وَالْمَوْت فِي الْقَبْر، وهما الموتتان المعروفتان المشهورتان، فَلذَلِك ذكرهمَا بالتعريف، وهما الموتتان الواقعتان لكل أحد غير الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَإِنَّهُم لَا يموتون فِي قُبُورهم، بل هم أَحيَاء، وَأما سَائِر الْخلق فَإِنَّهُم يموتون فِي الْقُبُور ثمَّ يحيون يَوْم الْقِيَامَة. وَمذهب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة: أَن فِي الْقَبْر حَيَاة وموتاً فَلَا بُد من ذوق الموتتين لكل أحد غير الْأَنْبِيَاء. وَقد تمسك بقوله: (لَا يذيقك الله الموتتين) من أنكر الْحَيَاة فِي الْقَبْر، وهم الْمُعْتَزلَة وَمن نحا نحوهم، وَأجَاب أهل السّنة عَن ذَلِك بِأَن المُرَاد بِهِ نفي الْحَيَاة اللَّازِم من الَّذِي أثْبته عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بقوله: ليبعثنه الله فِي الدُّنْيَا ليقطع أَيدي الْقَائِلين بِمَوْتِهِ، فَلَيْسَ فِيهِ من نفي موت عَالم البرزخ. قَوْله: (ثمَّ خرج) ، أَي: ثمَّ خرج أَبُو بكر من عِنْد النَّبِي ﷺ . قَوْله: (على رسلك) ، بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، أَي: اتئد فِي الْحلف أَو كن على رسلك أَي: التؤدة لَا تستعجل. قَوْله: (إلَاّ من كَانَ) ، كلمة ألَا، هُنَا للتّنْبِيه على شَيْء يَأْتِي أَو يَقُوله. قَوْله: (فنشج النَّاس) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الشين الْمُعْجَمَة بعْدهَا جِيم، يُقَال: نشج الباكي إِذا غص فِي حلقه الْبكاء، وَقيل: النشيج بكاء مَعَه صَوت، نَقله الْخطابِيّ، وَقيل: هُوَ بكاء بترجيع، كَمَا يردد الصَّبِي بكاءه فِي صَدره، وَقَالَ ابْن فَارس: نشج الباكي غص بالبكاء فِي حلقه من غير انتحاب، والنحيب بكاء مَعَ صَوت. قَوْله: (فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة) ، وَهُوَ مَوضِع سقف كالسباط كَانَ مُجْتَمع الْأَنْصَار وَدَار ندوتهم، وساعدة هُوَ ابْن كَعْب بن الْخَزْرَج، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: سَاعِدَة اسْم من أَسمَاء الْأسد. قَوْله: (فَقَالُوا) ، أَي: الْأَنْصَار (منا أَمِير ومنكم أَمِير) إِنَّمَا قَالُوا ذَلِك بِنَاء على عَادَة الْعَرَب أَن لَا يسود الْقَبِيلَة إلَاّ رجل مِنْهُم، وَلم يعلمُوا حِينَئِذٍ أَن حكم الْإِسْلَام بِخِلَاف ذَلِك، فَلَمَّا سمعُوا أَنه، ﷺ قَالَ: (الْخلَافَة فِي قُرَيْش) أذعنوا لذَلِك وَبَايَعُوا الصّديق. قَوْله: (خشيت أَن لَا يبلغهُ أَبُو بكر) خشيت، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة من الخشية وَهُوَ الْخَوْف، ويروى: (حسبت) ، بِالْحَاء وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ من الحسبان، وَفِي رِوَايَة ابْن عَبَّاس: (قد كنت زورت) ، أَي: هيأت وَحسنت مقَالَة أعجبتني أُرِيد أَن أقدمها بَين يَدي أبي بكر، وَكنت أداري مِنْهُ بعض الْحَد، أَي: الحدة، فَقَالَ: على رسلك، فَكرِهت أَن أغضبهُ. قَوْله: (فَتكلم أبلغ النَّاس) ، بِنصب أبلغ على الْحَال، وأبلغ أفعل التَّفْضِيل والبلاغة فِي الْكَلَام مطابقته لمقْتَضى الْحَال مَعَ فصاحة الْكَلَام، فالحال فِي الِاصْطِلَاح هِيَ الْأُمُور الداعية إِلَى الْمُتَكَلّم على الْوَجْه الْمَخْصُوص، وَيجوز الرّفْع على الفاعلية، كَذَا قَالَه بعض الشُّرَّاح، وارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أولى، فالتقدير: فَتكلم أَبُو بكر وَهُوَ أبلغ النَّاس، وَقَالَ السُّهيْلي: النصب أوجه ليَكُون تَأْكِيدًا لمدحه وَصرف الْوَهم عَن أَن يكون أحد مَوْصُوفا بذلك غَيره، وَفِي رِوَايَة ابْن عَبَّاس: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: مَا ترك كلمة أعجبتني فِي تزويري إلَاّ قَالَهَا فِي بديهته وَأفضل حَتَّى سكت. قَوْله: (فَقَالَ فِي كَلَامه) ، أَي: فَقَالَ أَبُو بكر فِي جملَة كَلَامه: (نَحن الْأُمَرَاء وَأَنْتُم الوزراء) كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا أَن الْإِمَارَة، أَعنِي: الْخلَافَة لَا تكون إلَاّ فِي الْمُهَاجِرين، وَأَرَادَ بقوله: (أَنْتُم الوزراء) أَنْتُم المستشارون فِي الْأُمُور تابعون للمهاجرين، لِأَن مقَام الوزارة الْإِعَانَة
стр. 4825
والمشورة. والاتباع (فَقَالَ حباب بن الْمُنْذر: لَا، وَالله لَا نَفْعل) ، يَعْنِي: لَا نرضى أَن تكون الْإِمَارَة فِيكُم بل (منا أَمِير ومنكم أَمِير) أَرَادَ أَن يكون أَمِير من الْمُهَاجِرين وأمير من الْأَنْصَار، فَلم يرض أَبُو بكر بذلك، وَهُوَ معنى قَوْله: (فَقَالَ أَبُو بكر: لَا) يَعْنِي: لَا نرضى بِمَا تَقول: (لَكنا نَحن الْأُمَرَاء وَأَنْتُم الوزراء) ثمَّ بَين وَجه خُصُوصِيَّة الْمُهَاجِرين بالإمارة. بقوله: (هم أَوسط الْعَرَب دَارا) أَي: قُرَيْش أَوسط الْعَرَب دَارا أَي: من جِهَة الدَّار، وَأَرَادَ بهَا مَكَّة، وَقَالَ الْخطابِيّ: أَرَادَ بِالدَّار أهل الدَّار، وَأَرَادَ بالأوسط الْأَخير والأشرف، وَمِنْه يُقَال: فلَان من أَوسط النَّاس. أَي: من أَشْرَفهم وأحسبهم، وَيُقَال: هُوَ من أَوسط قومه، أَي: خيارهم. قَوْله: وأعربهم أحساباً بِالْبَاء الْمُوَحدَة فِي: أعربهم، أَي: أشبه شمائل وأفعالاً بالعرب، ويروى (أعرَقهم) بِالْقَافِ مَوضِع الْبَاء: من العراقة، وَهِي الْأَصَالَة فِي الْحسب، وَكَذَا يُقَال فِي النّسَب والأحساب بِفَتْح الْهمزَة جمع حسب وَهُوَ الْأَفْعَال، وَهُوَ مَأْخُوذ من الْحساب يَعْنِي: إِذا حسبوا مناقبهم فَمن كَانَ يعد لنَفسِهِ ولأبيه مَنَاقِب أَكثر كَانَ أَحسب. قَوْله: (فبايِعُوا عمر) ، هَذَا قَول أبي بكر، يَقُول للمهاجرين وَالْأَنْصَار: بَايعُوا عمر أَو بَايعُوا أَبَا عُبَيْدَة، إِنَّمَا قَالَ هَذَا الْكَلَام حَتَّى لَا يتوهموا أَن لَهُ غَرضا فِي الْخلَافَة، وأضاف إِلَى عمر أَبَا عُبَيْدَة حَتَّى لَا يَظُنُّوا أَنه يحابي عمر، فَلَمَّا قَالَ أَبُو بكر هَذِه الْمقَالة قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: بل نُبَايِعك أَنْت، فَقَامَ وَبَايَعَهُ وَبَايع النَّاس. قَوْله: (فَقَالَ قَائِل) أَي: من الْأَنْصَار: (قتلتم سَعْدا) يَعْنِي سعد بن عبَادَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ كِنَايَة عَن الْإِعْرَاض والخذلان لَا حَقِيقَة الْقَتْل، وَقَالَ بَعضهم: يرد هَذَا مَا وَقع فِي رِوَايَة مُوسَى بن عقبَة عَن ابْن شهَاب، فَقَالَ قَائِل من الْأَنْصَار: اتَّقوا سعد بن عبَادَة لَا تطؤه، فَقَالَ عمر: اقْتُلُوهُ قَتله الله. انْتهى. قلت: لَا وَجه قطّ للرَّدّ الْمَذْكُور لِأَنَّهُ لَيْسَ المُرَاد من قَول عمر: اقْتُلُوهُ، حَقِيقَة الْقَتْل، بل المُرَاد مِنْهُ أَيْضا الْإِعْرَاض عَنهُ وخذلانه، كَمَا فِي الأول وَمعنى قَول عمر (قَتله الله) دُعَاء عَلَيْهِ لعدم نصرته للحق ومخالفته للْجَمَاعَة، لِأَنَّهُ تخلف عَن الْبيعَة وَخرج من الْمَدِينَة وَلم ينْصَرف إِلَيْهَا إِلَى أَن مَاتَ بِالشَّام كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب.
قَوْله: (وَقَالَ عبد الله بن سَالم) قد ذَكرْنَاهُ، وَهَذَا تَعْلِيق لم يذكرهُ البُخَارِيّ إلَاّ مُعَلّقا غير تَمام وَقد وَصله الطَّبَرَانِيّ فِي (مُسْند الشاميين) . قَوْله: (شخص بصر النَّبِي ﷺ ، من الشخوص وَهُوَ ارْتِفَاع الأجفان إِلَى فَوق وتحديد النّظر وانزعاجه. قَوْله: (فِي الرفيق الْأَعْلَى) ، أَي: الْجنَّة، قَالَه صَاحب (التَّوْضِيح) قلت: الرفيق جمَاعَة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام الَّذين يسكنون أَعلَى عليين، وَهُوَ اسْم جَاءَ على فعيل وَهُوَ الْجَمَاعَة: كالصديق والخليط يَقع على الْوَاحِد وَالْجمع وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النِّسَاء: ٩٦) . فَإِن قلت: مَا مُتَعَلق: فِي الرفيق الْأَعْلَى؟ قلت: مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ السِّيَاق نَحْو: أدخلوني فيهم، وَذَلِكَ قَالَه حِين خير بَين الْمَوْت والحياة فَاخْتَارَ الْمَوْت. قَوْله: (وقص الحَدِيث) أَي: قصّ الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، وَأَرَادَ بِالْحَدِيثِ مَا قَالَه عمر من قَوْله: إِنَّه لم يمت وَلنْ يَمُوت حَتَّى يقطع أيادي رجال الْمُنَافِقين وأرجلهم، وَمَا قَالَ أَبُو بكر من قَوْله: إِنَّه مَاتَ وتلا الْآيَتَيْنِ، كَمَا مضى. قَوْله: (قَالَت) ، أَي: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (من خطبتهما) ، أَي: من خطْبَة أبي بكر وَعمر، وَكلمَة: من، للتَّبْعِيض وَمن الْأُخْرَى فِي قَوْله: (وَمن خطْبَة) زَائِدَة. قَوْله: (لقد خوف عمر) إِلَى آخِره، بَيَان الْخطْبَة الَّتِي نفع الله بهَا. قَوْله: (وَإِن فيهم لنفاقاً) ، أَي: أَن فِي بَعضهم لمنافقين، وهم الَّذين عرض بهم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي قَوْله الَّذِي سبق عَن قريب. قيل: وَقع فِي رِوَايَة الْحميدِي فِي (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ) : وَأَن فيهم لتقي، فَقيل: إِنَّه من إِصْلَاحه فَإِنَّهُ ظن أَن قَوْله: (وَإِن فيهم لنفاقاً) تَصْحِيف فصيره: لتقي، كَأَنَّهُ استعظم أَن يكون فِي الْمَذْكُورين نفاق. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: لَا أَدْرِي هُوَ إصْلَاح مِنْهُ أَو رِوَايَة، فعلى الأول فَلَا استعظام، فقد ظهر من أهل الرِّدَّة ذَلِك، وَلَا سِيمَا عِنْد الْحَادِث الْعَظِيم الَّذِي أذهل عقول الأكابر، فَكيف بضعفاء الْإِيمَان؟ فَالصَّوَاب مَا فِي النّسخ، وَالله أعلم.
١٧٦٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثيرٍ أخبرنَا سُفْيانُ حدَّثنا جامِعُ بنُ أبِي رَاشِدٍ حدَّثنا أبُو يَعْلَى عنْ مُحَمَّدِ بنِ الحَنَفِيَّةِ قَالَ قُلْتُ ل أِبِي أيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رسُولِ الله ﷺ قَالَ أبُو بَكْرٍ قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ عُمَرَ وخشيتُ أنْ يَقُولَ عُثْمَانُ قُلْتُ ثُمَّ أنْتَ قَالَ مَا أنَا إلَاّ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وجامع هُوَ ابْن أبي رَاشد الصَّيْرَفِي الْكُوفِي، وَأَبُو يعلى، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف
стр. 4826
وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وبالقصر: اسْمه مُنْذر من الْإِنْذَار بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل ضد الإبشار ابْن يعلى الثَّوْريّ الْكُوفِي، وَمُحَمّد بن الْحَنَفِيَّة هُوَ مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي طَالب، يكنى أَبَا الْقَاسِم وشهرته بِنِسْبَة أمه وَهِي من سبي الْيَمَامَة، وَاسْمهَا: خَوْلَة بنت جَعْفَر بن قيس بن مسلمة بن ثَعْلَبَة بن يَرْبُوع بن ثَعْلَبَة ابْن دؤل بن حنيفَة، مَاتَ سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَهُوَ ابْن خمس وَسِتِّينَ برضوى، وَدفن بِالبَقِيعِ، ورضوى جبل بِالْمَدِينَةِ.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن شيخ البُخَارِيّ ... إِلَى آخِره نَحوه.
قَوْله: (قلت لأبي: أَي النَّاس خير؟) وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ عَن مُنْذر عَن مُحَمَّد بن عَليّ: قلت لأبي: يَا أبي! من خيرُ النَّاس بعد رَسُول الله، ﷺ ؟ قَالَ: أوما تعلم يَا ابْني؟ قلت: لَا، قَالَ: أَبُو بكر. قَوْله: (وخشيت) ، قيل: لِمَ خَشي من الْحق؟ وَأجِيب بِأَنَّهُ لَعَلَّ عِنْده بِنَاء على ظَنّه أَن عليا خير مِنْهُ، وَخَافَ أَن عليا يَقُول: عُثْمَان خير مني. قَوْله: (مَا أَنا إلَاّ رجل من الْمُسلمين) ، وَهَذَا القَوْل مِنْهُ على سَبِيل الهضم والتواضع.
وَفِيه: خلاف بَين أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، فَمنهمْ من فضل عليا على عُثْمَان، وَالْأَكْثَرُونَ بِالْعَكْسِ، وَمَالك توقف فِيهِ.
٢٧٦٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ عنْ مالِكٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ القاسِمِ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أنَّهَا قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي بَعْضِ أسْفَارِهِ حتَّى إذَا كُنَّا بالبَيْدَاءِ أوْ بِذَاتِ الجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فأقامَ رسُولُ الله ﷺ علَى الْتِمَاسِهِ وأقَامَ النَّاسُ مَعَهُ ولَيْسُوا علَى ماءٍ ولَيْسَ معَهُمْ ماءٌ فَأتى النَّاسُ أبَا بَكْرٍ فقالُوا ألَا تَرَي مَا صنَعَتْ عائِشَةُ أقامَتْ بِرَسُولِ الله ﷺ وبالنَّاسِ معَهُ ولَيْسُوا علَى ماءٍ ولَيْسَ مَعَهُمْ ماءٌ فجَاءَ أبُو بَكْرٍ ورسُولُ الله ﷺ واضِعٌ رأسَهُ علَى فَخِذِي قَدْ نامَ فقالَ حَبَسْتِ رَسُولَ الله ﷺ والنَّاسَ ولَيْسُوا علَى ماءٍ ولَيْسَ مَعَهُمْ ماءٌ قالَتْ فَعاتَبَني وقالَ مَا شاءَ الله أنْ يَقُولَ وجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إلَاّ مكانُ رسُولِ الله ﷺ علَى فَخِذِي فنَامَ رَسُولُ الله ﷺ حتَّى أصْبَحَ علَى غَيْرِ ماءٍ فأنْزَلَ الله آيَةَ التَّيَمُّمِ فتَيَمَّمُوا فَقَالَ أُسَيْدُ بنُ الحُضَيْرِ مَا هِيَ بِأوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أبِي بَكْرٍ فقالَتْ عائِشَةُ فَبَعَثَنَا البعيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فوَجَدْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (مَا هِيَ بِأول بركتكم يَا آل أبي بكر) والْحَدِيث قد مر فِي كتاب التَّيَمُّم فِي أَوله، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك، وَهنا أخرجه عَن قُتَيْبَة عَن مَالك، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، والبيداء: بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: اسْم للمفازة فِي الأَصْل، وَالْمرَاد بهَا هُنَا مَوضِع خَاص قريب من الْمَدِينَة، وَكَذَلِكَ: ذَات الْجَيْش، بِالْجِيم وَالْيَاء آخر الْحُرُوف والشين الْمُعْجَمَة، وَأسيد، بِضَم الْهمزَة مصغر أَسد وحضير، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة مصغر حضر ضد السّفر.
٣٧٦٣ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إياسٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ قَالَ سَمِعْتُ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عنْ أبِي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ النَّبيُّ ﷺ لَا تَسُبُّوا أصْحَابِي فلَوْ أنْ أحَدَكُمْ أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا بلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولَا نَصِيفَهُ.
هَذَا لَا يدل على فضل أبي بكر على الْخُصُوص، وَإِنَّمَا يدل على فضل الصَّحَابَة كلهم على غَيرهم، فَلَا مُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة، إلَاّ أَنه لما دلّ على حُرْمَة سبّ الصَّحَابَة كلهم، فدلالته على الْحمة فِي حق أبي بكر أقوى وآكد، لِأَنَّهُ قد تقرر أَنه أفضل الصَّحَابَة كلهم، وَأَنه أفضل النَّاس بعد النَّبِي ﷺ ، فَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة يُمكن أَن يُؤْخَذ وَجه الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة.
وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان وذكوان، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، أَبُو صَالح الزيات السمان.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَعَن
стр. 4827
أبي سعيد الْأَشَج وَعَن أبي كريب وَعَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار وَعَن عبيد الله بن معَاذ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة: عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن الْحسن بن عَليّ الْخلال وَعَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن هِشَام. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن مُحَمَّد بن الصَّباح وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد وَعَن أبي كريب.
قَوْله: (لَا تسبوا أَصْحَابِي) ، خطاب لغير الصَّحَابَة من الْمُسلمين المفروضين فِي الْعقل، جعل من سيوجد كالموجود، ووجودهم المترقب كالحاضر، هَكَذَا قَرَّرَهُ الْكرْمَانِي، ورد عَلَيْهِ بَعضهم وَنسبه إِلَى التغفل بِأَنَّهُ وَقع التَّصْرِيح فِي نفس الْخَبَر بِأَن الْمُخَاطب بذلك خَالِد بن الْوَلِيد، وَهُوَ من الصَّحَابَة الْمَوْجُودين إِذا ذَاك بالِاتِّفَاقِ. قلت: نعم، روى مُسلم: حَدثنَا عُثْمَان بن أبي شيبَة حَدثنَا جرير عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي سعيد قَالَ: كَانَ بَين خَالِد بن الْوَلِيد وَبَين عبد الرَّحْمَن شَيْء، فَسَبهُ خَالِد، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : (لَا تسبوا أحدا من أَصْحَابِي) الحَدِيث، وَلَكِن الحَدِيث لَا يدل على أَن الْمُخَاطب بذلك خَالِد وَالْخطاب للْجَمَاعَة، وَلَا يبعد أَن يكون الْخطاب لغير الصَّحَابَة، كَمَا قَالَه الْكرْمَانِي: وَيدخل فِيهِ خَالِد أَيْضا لِأَنَّهُ مِمَّن سبّ على تَقْدِير أَن يكون خَالِد إِذْ ذَاك صحابياً، وَالدَّعْوَى بِأَنَّهُ كَانَ من الصَّحَابَة الْمَوْجُودين إِذْ ذَاك بالِاتِّفَاقِ يحْتَاج إِلَى دَلِيل، وَلَا يظْهر ذَلِك إلَاّ من التَّارِيخ. قَوْله: (أنْفق مثل أحد ذَهَبا) أَي: مثل جبل أحد الَّذِي بِالْمَدِينَةِ، زَاد البرقاني فِي المصافحة من طَرِيق أبي بكر بن عَيَّاش عَن الْأَعْمَش: كل يَوْم. قَوْله: (مَا بلغ مد أحدهم) أَي: الْمَدّ من كل شَيْء، وَهُوَ بِضَم الْمِيم فِي الأَصْل: ربع الصَّاع، وَهُوَ رَطْل وَثلث بالعراقي عِنْد الشَّافِعِي وَأهل الْحجاز، وَهُوَ رطلان عِنْد أبي حنيفَة وَأهل الْعرَاق، وَقيل: أصل الْمَدّ مُقَدّر بِأَن يمد الرجل يَدَيْهِ فَيمْلَأ كفيه طَعَاما، وَإِنَّمَا قدره بِهِ لِأَنَّهُ أقل مَا كَانُوا يتصدقون بِهِ فِي الْعَادة، وَقَالَ الْخطابِيّ: يَعْنِي أَن الْمَدّ من التَّمْر الَّذِي يتَصَدَّق بِهِ الْوَاحِد من الصَّحَابَة مَعَ الْحَاجة إِلَيْهِ أفضل من الْكثير الَّذِي يُنْفِقهُ غَيرهم من السعَة، وَقد يرْوى: مد أحدهم، بِفَتْح الْمِيم، يُرِيد: الْفضل والطول، وَقَالَ القَاضِي: وَسبب تَفْضِيل نَفَقَتهم أَن إنفاقهم إِنَّمَا كَانَ فِي وَقت الضَّرُورَة وضيق الْحَال، بِخِلَاف غَيرهم، وَلِأَن إنفاقهم كَانَ فِي نصرته، ﷺ ، وحمايته وَذَلِكَ مَعْدُوم بعده، وَكَذَا جهادهم وَسَائِر طاعاتهم. قَوْله: (وَلَا نصيفه) فِيهِ أَربع لُغَات: نصف بِكَسْر النُّون وَبِضَمِّهَا وَبِفَتْحِهَا، ونصيف بِزِيَادَة الْيَاء، مثل الْعشْر والعشير وَالثمن والثمين، وَقيل: النّصْف هُنَا مكيال يُكَال بِهِ.
تابَعَهُ جَرِيرٌ وعبْدُ الله بنُ دَاوُدَ وأبُو مُعَاوِيَةَ ومُحَاضِرٌ عنِ الأعْمَشِ
أَي: تَابع شعبةَ جريرُ بن عبد الحميد فِي رِوَايَته عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَحَدِيث جرير عَن الْأَعْمَش قد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَعبد الله بن دَاوُد أَي: وَتَابعه أَيْضا عبد الله بن دَاوُد بن عَامر بن الرّبيع الْهَمدَانِي أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بالخريبي، سكن الخريبة محلّة بِالْبَصْرَةِ وَهِي بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَحَدِيثه عَن الْأَعْمَش، رَوَاهُ مُسَدّد فِي مُسْنده، رَوَاهُ عَنهُ. قَوْله: (وَأَبُو مُعَاوِيَة) أَي: تَابعه أَبُو مُعَاوِيَة بن مُحَمَّد بن خازم بالمعجمتين الضَّرِير، وَحَدِيثه عَن الْأَعْمَش عَن أَحْمد فِي (مُسْنده) هَكَذَا رَوَاهُ مُسلم عَن أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح: هُوَ ذكْوَان وَلَكِن عَن أبي هُرَيْرَة: قَوْله: (ومحاضر) أَي: وَتَابعه محَاضِر، بِضَم الْمِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وبالضاد الْمُعْجَمَة، على وزن مُجَاهِد: ابْن الْمُوَرِّع، بالراء الْمَكْسُورَة، مر فِي آخر الْحَج، وَحَدِيثه عِنْد أبي الْفَتْح الْحداد فِي (فَوَائده) من طَرِيق أَحْمد بن يُونُس الضَّبِّيّ عَن محَاضِر، فَذكره مثل رِوَايَة جرير، لَكِن قَالَ: بَين خَالِد بن الْوَلِيد وَبَين أبي بكر، بدل عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَقَول جرير أصح.
٤٧٦٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مِسْكِينٍ أبُو الحَسَنِ حدَّثنا يَحْيَى بنُ حَسَّانَ حدَّثنا سُلَيْمَانُ عنْ شَرِيكِ بنِ أبِي نَمِرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ قَالَ أخبرَنِي أبُو مُوساى الأشْعَرِيُّ أنَّهُ تَوَضَّأ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ خَرَجَ فَقُلْتُ لألْزَمَنَّ رسُولَ الله ﷺ ولأَكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هذَا قَالَ فَجاءَ المَسْجِدَ فسَألَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ فقالُوا خرَجَ وَوَجَّهَ هَهُنَا فخَرَجْتُ علَى إثْرِهِ أسألُ عَنْهُ حَتَّى دَخَلَ بِئْرَ
стр. 4828
أرِيسٍ فجَلَسْتُ عِنْدَ البابِ وبابُها مِنْ جَرِيدٍ حتَّى قَضَى رسُولُ الله ﷺ حاجَتَهُ فتَوَضَّأ فَقُمْتُ إلَيْهِ فإذَا هُوَ جالِسٌ علَى بِئْرِ أرِيسٍ وتَوَسَّطَ قُفَّهَا وكَشَفَ عنْ ساقَيْهِ ودَلَاّهُمَا فِي البِئْرِ فسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ فجَلَسْتُ عِنْدَ البابِ فَقُلْتُ لأكُونَنَّ بَوَّابَ رسُولِ الله ﷺ اليَوْمَ فَجَاءَ أبُو بَكْرٍ فدَفَعَ البابَ فقُلْتُ مَنْ هَذَا فَقَالَ أبُو بَكْرٍ فقُلْتُ علَى رِسْلِكَ ثُمَّ ذَهَبْتُ فقُلْتُ يَا رسُولَ الله هَذَا أبُو بَكْرٍ يَسْتأذِنُ فَقَالَ ائْذِنْ لَهُ وبَشِّرْهُ بالجَنَّةِ فأقْبَلْتُ حتَّى قُلْتُ لأبِي بَكرٍ ادْخُلُ ورسُولُ الله ﷺ يُبَشِّرُكَ بالجَنَّةِ فدَخَلَ أبُو بَكْرٍ فجَلَسَ عنْ يَمِينِ رَسولِ الله ﷺ مَعَهُ فِي القُفِّ ودَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ كَمَا صنَعَ النَّبِيُّ ﷺ وكشَفَ عنْ ساقَيْهِ ثُمَّ رَجَعْتُ فجَلَسْتُ وقَدْ تَرَكْتُ أخِي يتَوَضَّأُ ويلْحَقُنِي فَقُلْتُ إنْ يُرِدِ الله بِفُلانٍ خَيْرَاً يُرِيدُ أخَاهُ يأتِ بِهِ فإذَا إنْسانٌ يُحَرِّكُ البابَ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا فَقَالَ عُمَرُ ابنُ الخطَّابِ فقُلْتُ علَى رِسْلِكَ ثُمَّ جِئْتُ إلَى رَسُولِ الله ﷺ فسَلَّمْتُ علَيْهِ فقُلْتُ هَذا عُمَرُ ابنُ الخَطَّابِ يَسْتأذِنُ فَقال ائذَنْ لَهُ وبَشِّرْهُ بالجَنَّةِ فَجِئْتُ فقُلْتُ لَهُ ادْخُلْ وبَشَّرَكَ رَسُولُ الله ﷺ بالجَنَّةِ فَدخل فَجَلَسَ مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي القت عَن يسَاره ودلى رجلَيْهِ فِي الْبِئْر ثمَّ رجعت فَجَلَست فقُلْتُ إنْ يُرِدِ الله بِفُلانٍ خَيْرَاً يأتِ بِهِ فَجاءَ إنْسَانٌ يُحَرِّكُ البابَ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا فَقَالَ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ فقُلْتُ علَى رِسْلِكَ فَجِئْتُ إِلَى رسُولِ الله ﷺ فأخْبَرْتُهُ فَقَالَ إئْذَنْ لَهُ وبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ علَى بَلْوَى تُصِيبُهُ فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ ادْخُلْ وبَشِّرَكَ رَسُولُ الله ﷺ بالجَنَّةِ علَى بلْوَى تُصِيبُكَ فَدخَلَ فوَجَدَ الْقُفَّ قَدْ مُلِىءَ فجَلَسَ وُجَاهَهُ مِن الشِّقِّ الآخَرِ. قالَ شَرِيكٌ قَالَ سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ فأوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ التَّصْرِيح بفضيلة هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة: أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان، وَأَن أَبَا بكر أفضلهم لسبقه بالبشارة بِالْجنَّةِ، ولجلوسه على يَمِين النَّبِي ﷺ ، وَالْغَرَض من إِيرَاده فِي مَنَاقِب أبي بكر خَاصَّة الْإِشَارَة إِلَى هَذَا الْوَجْه.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن مِسْكين بن نميلَة اليمامي، يكنى أَبَا الْحسن وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا. الثَّانِي: يحيى بن حسان بن حبَان أَبُو زَكَرِيَّاء التنيسِي، حكى البُخَارِيّ عَن حسن بن عبد الْعَزِيز أَنه مَاتَ سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ. الثَّالِث: سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو أَيُّوب وَأَبُو مُحَمَّد الْقرشِي التَّيْمِيّ، مولى الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، وَكَانَ بربرياً مَاتَ سنة سبع وَسبعين وَمِائَة. الرَّابِع: شريك بن عبد الله بن أبي نمر، بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَشْهُور، أَبُو عبد الله الْقرشِي، وَيُقَال: اللَّيْثِيّ من أنفسهم مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى جده الْخَامِس بن الْمسيب. السَّادِس: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، واسْمه عبد الله بن قيس.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن سعيد بن أبي مَرْيَم، وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن مُحَمَّد بن مِسْكين بِهِ وَعَن الْحسن بن عَليّ الْحلْوانِي وَأبي بكر بن أبي إِسْحَاق.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لألزمن) بِاللَّامِ الْمَفْتُوحَة وبالنون الثَّقِيلَة للتَّأْكِيد، وَكَذَلِكَ قَوْله: لأكونن. قَوْله: (وَجه) ، بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الْجِيم على لفظ الْمَاضِي، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَمَعْنَاهُ: توجه أَو وَجه نَفسه، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِسُكُون الْجِيم بِلَفْظ الِاسْم مُضَافا إِلَى الظّرْف، أَي: جِهَة كَذَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي، وَفِي بَعْضهَا أَي: فِي بعض الرِّوَايَة: وجهته، يَعْنِي بِالرَّفْع، وَهُوَ مُبْتَدأ
стр. 4829
وَهَهُنَا خَبره. قَوْله: (أريس) بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا سين مُهْملَة، وَهُوَ بُسْتَان بِالْمَدِينَةِ مَعْرُوف قريب من قبا. وَفِي هَذَا الْبِئْر سقط خَاتم النَّبِي ﷺ من إِصْبَع عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ منصرف، وَإِن جعلته إسماً لتِلْك الْبقْعَة يكون غير منصرف للعلمية والتأنيث. قَوْله: (وتوسط قفها) أَي: صَار فِي وسط قفها، والقف، بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الْفَاء، قَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ حافة الْبِئْر، وَأَصله الغليظ الْمُرْتَفع من الأَرْض، وَقَالَ غَيره: القف الدكة الَّتِي جعلت حول الْبِئْر وَالْجمع: قفاف، وَيُقَال: القف الْيَابِس، وَيحْتَمل أَن يكون سمي بِهِ لِأَن مَا ارْتَفع حول الْبِئْر يكون يَابسا دون غَيره غَالِبا، قَوْله: (فدلاهما) ، أَي: أرسلهما. قَوْله: (فَقلت: لأكونن بواباً للنَّبِي ﷺ ، ظَاهره أَنه اخْتَار ذَلِك وَفعله من تِلْقَاء نَفسه، وَقد صرح بذلك فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شريك فِي الْأَدَب، وَزَاد فِيهِ: وَلم يَأْمُرنِي بِهِ، وَقَالَ ابْن التِّين، فِيهِ أَن الْمَرْء يكون بواباً للْإِمَام، وَإِن لم يَأْمُرهُ. فَإِن قلت: وَقع فِي رِوَايَة أبي عُثْمَان الَّتِي تَأتي فِي مَنَاقِب عُثْمَان: عَن أبي مُوسَى، أَن النَّبِي ﷺ دخل حَائِطا وَأمره بِحِفْظ بَاب الْحَائِط وَأخرج أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) : من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن حَرْمَلَة عَن سعيد بن الْمسيب فِي هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى أملِك عَليّ هَذَا الْبَاب، فَانْطَلق فَقضى حَاجته وَتَوَضَّأ، ثمَّ جَاءَ فَقعدَ على قف الْبِئْر، وروى التِّرْمِذِيّ من طَرِيق أبي عُثْمَان عَن أبي مُوسَى، وَقَالَ لي: يَا أَبَا مُوسَى أملِك عَليّ الْبَاب فَلَا يدخلن عَليّ أحد. قلت: وَجه الْجمع بَينهمَا بِأَنَّهُ لما حدث نَفسه بذلك صَادف أَمر النَّبِي ﷺ بِأَن يحفط عَلَيْهِ لباب. فَإِن قلت: يُعَارض هَذَا قَول أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لم يكن لَهُ بواب، وَقد سبق فِي كتاب الْجَنَائِز؟ قلت: مُرَاد أنس أَنه لم يكن لَهُ بواب مُسْتَمر مُرَتّب لذَلِك على الدَّوَام. قَوْله: (على رسلك) بِكَسْر الرَّاء: على هينتك، وَهُوَ من أَسمَاء الْأَفْعَال، وَمَعْنَاهُ: اتئد، قَوْله: (وَقد تركت أخي يتَوَضَّأ ويلحقني) كَانَ لأبي مُوسَى أَخَوان: أَبُو رهم وَأَبُو بردة، وَيُقَال: إِن لَهُ أَخا آخر اسْمه: مُحَمَّد، وأشهرهم أَبُو بردة واسْمه عَامر، وَقد أخرج أَحْمد فِي (مُسْنده) عَنهُ حَدِيثا. قَوْله: (فَإِذا إِنْسَان يُحَرك الْبَاب) فِيهِ حسن الْأَدَب فِي الاسْتِئْذَان، وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون هَذَا قبل أَن ينزل قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تدْخلُوا بُيُوتًا غير بُيُوتكُمْ حَتَّى تستأنسوا﴾ (النُّور: ٧٢) . وَاعْترض عَلَيْهِ باستبعاد مَا قَالَه، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَقع فِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن حَرْمَلَة: فجَاء رجل فَاسْتَأْذن، فَعرف من هَذَا، إِن معنى قَوْله: يُحَرك الْبَاب، يَعْنِي: مستأذناً لَا دافعاً. قَوْله: (يبشرك بِالْجنَّةِ) زَاد أَبُو عُثْمَان فِي رِوَايَته: فَحَمدَ الله تَعَالَى. قَوْله: (فَقَالَ: عُثْمَان) إِلَى قَوْله: (فَقَالَ: إئذن لَهُ) وَفِي رِوَايَة أبي عُثْمَان: ثمَّ جَاءَ آخر يسْتَأْذن فَسكت هنيهة، ثمَّ قَالَ: إئذن لَهُ. قَوْله: (على بلوى تصيبك) وَهِي البلية الَّتِي صَار بهَا شَهِيد الدَّار، وَفِي رِوَايَة أبي عُثْمَان: فَحَمدَ الله، ثمَّ قَالَ: الله الْمُسْتَعَان، وَفِي رِوَايَة عِنْد أَحْمد: فَجعل يَقُول: أللهم صبرا، حَتَّى جلس. قَوْله: (فَجَلَسَ وجاهه) بِضَم الْوَاو وَكسرهَا. أَي: مُقَابِله. قَوْله: (قتل شريك) ، هُوَ شريك بن أبي نمر الرَّاوِي، وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَاضِي. قَوْله: (فَأَوَّلتهَا قُبُورهم) ، أَي: أولت هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة الجالسين على الْهَيْئَة الْمَذْكُورَة بقبورهم، والتأويل بالقبور من جِهَة كَون الشَّيْخَيْنِ مصاحبين لَهُ عِنْد الحفرة الْمُبَارَكَة، لَا من جِهَة أَن أَحدهمَا فِي الْيَمين وَالْآخر فِي الْيَسَار، وَأما عُثْمَان فَهُوَ فِي البقيع مُقَابلا لَهُم، وَهَذَا من الفراسة الصادقة.
٥٧٦٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا يَحْيَى عنْ سَعِيدٍ عنْ قتادَةَ أنَّ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حدَّثَهُمْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَعِدَ أُحُدَاً وأبُو بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانُ فرَجَفَ بِهِمْ فَقَالَ اثْبُتْ أُحُدُ فإنَّمَا عَلَيْكَ نَبِي وصِدِّيقٌ وشَهِيدَانِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وصديق) على مَا لَا يخفى، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَسَعِيد هُوَ ابْن أبي عرُوبَة.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فضل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن مُسَدّد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن مُسَدّد أَيْضا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن بنْدَار بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي قدامَة عَن يحيى بِهِ وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى وَيزِيد ابْن زُرَيْع بِهِ.
قَوْله: (صعد أحدا) هُوَ: الْجَبَل الْمَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ. فَإِن قلت: وَقع لأبي يعلى من وَجه آخر: عَن سعيد حراء جبل بِمَكَّة، قَالَ بَعضهم: وَالْأول أصح، وَلَوْلَا اتِّحَاد الْمخْرج لجوزت تعدد الْقِصَّة. قلت: الِاخْتِلَاف فِيهِ من سعيد، فَإِن فِي (مُسْند
стр. 4830
الْحَارِث بن أُسَامَة) : عَن روح بن عبَادَة عَن سعيد، فَقَالَ: أحد أَو حراء؟ بِالشَّكِّ، وَلَكِن لَا شكّ فِي تعدد الْقِصَّة فَإِن أَحْمد رَوَاهُ من طَرِيق بُرَيْدَة بِلَفْظ: حراء، وَإِسْنَاده صَحِيح، وَأَبا يعلى رَوَاهُ من حَدِيث سهل بن سعد بِلَفْظ: أحد، وَإِسْنَاده صَحِيح. وَأخرجه مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَذكر أَنه كَانَ على حراء وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَغَيرهم، فَهَذَا كُله يدل على تعدد الْقِصَّة. قَوْله: (وَأَبُو بكر) ، عطف على الضَّمِير الْمَرْفُوع الَّذِي فِي صعد، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ لوُجُود قَوْله: (أحدا) وَهُوَ الْحَائِل وَأما إِذا كَانَ بِغَيْر الْحَائِل فَفِيهِ خلاف بَين الْكُوفِيّين والبصريين، وَقد ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى. قَوْله: (فَرَجَفَ) أَي: اضْطربَ أحدٌ بهم. قَوْله: (إثبت) ، أَمر من ثَبت. قَوْله: (أحد) بِضَم الدَّال منادى قد حذف حرف ندائه، تَقْدِيره: يَا أحد. قَوْله: (صديق) هُوَ: أَبُو بكر. قَوْله: (وشهيدان) هما: عمر وَعُثْمَان.
٦٧٦٣ - حدَّثني أحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ أبُو عَبْدِ الله حدَّثنا وهْبُ بنُ جَرِيرٍ حدَّثنا صَخْرٌ عنُ نافِعٍ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ بَيْنَمَا أنَا عَلَى بِئْرٍ أنْزِعُ مِنْهَا جاءَنِي أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فأخذَ أبُو بَكْرٍ الدَّلْوَ فنَزَعَ ذَنُوباً أوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَالله يَغْفِرُ لَهُ ثُمَّ أخَذَهَا ابنُ الخَطَّابِ مِنْ يَدِ أبِي بَكْرٍ فاسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ غَرْباً فلَمْ أرَ عَبْقَرِيَّاً مِنَ النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ فنَزَعَ حتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ. قَالَ وَهْبً العَطَنُ مُبْرَكُ الإبِلِ يَقُولُ حَتَّى رَوِيَتِ الإبِلُ فأنَاخَتْ. .
وَجه الْمُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن الْخلَافَة بعده، ﷺ ، لأبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وتقديمه على عمر وَغَيره يدل على أَنه أفضل مِنْهُ.
وَأحمد بن سعيد بن إِبْرَاهِيم أَبُو عبد الله الْمروزِي الْمَعْرُوف بالرباطي،، مَاتَ يَوْم عَاشُورَاء أَو النّصْف من محرم سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وروى عَنهُ مُسلم أَيْضا وصخر، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة: ابْن جوَيْرِية، بِالْجِيم: أَبُو رَافع النميري، يعد فِي الْبَصرِيين.
والْحَدِيث مضى قبل: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم ... ﴾ (الْبَقَرَة: ٦٤١) . الحَدِيث فِي أَوَاخِر عَلَامَات النُّبُوَّة.
قَوْله: (بَينا أَنا على بِئْر) أَي: فِي الْمَنَام، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: الْبِئْر إِشَارَة إِلَى الدّين الَّذِي هُوَ منبع مَاء حَيَاة النُّفُوس. قَوْله: (رويت) بِكَسْر الْوَاو يَعْنِي: أَن معنى قَوْله: ﴿حَتَّى ضرب النَّاس بِعَطَن) حَتَّى رويت الْإِبِل فأناخت.
٧٧٦٣ - حدَّثني الوَلِيدُ بنُ صالِحٍ حَدثنَا عِيسَى بنُ يُونُس حدَّثنا عُمَرُ بنُ سَعِيدِ بنِ الحُسَيْنِ الْمَكِّيُّ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ إنِّي لَوَاقِفٌ أبي فِي قَوْمٍ فدَعَوُا الله لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ وقَدْ وُضِعَ علَى سَرِيرِهِ إذَا رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي قَدْ وضعَ مِرْفَقَهُ علَى مَنْكِبِي يَقُولُ رَحِمَكَ الله إنْ كُنْتُ لأرْجُو أنْ يَجْعَلَكَ الله مَعَ صَاحِبَيْكَ لأِنِّي كَثِيرَاً مَمَّا كُنْتُ أسْمَعُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ كُنْتُ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وفَعَلْتُ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وانْطَلَقْتُ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فإنْ كُنْتُ لأرْجُو أنْ يَجْعَلَكَ الله مَعَهُمَا فالْتَفَتُّ فَإذَا هُوَ عَلِيُّ بنُ أبِي طالِبٍ. (الحَدِيث ٧٧٦٣ طرفه فِي: ٥٨٦٣) .
وَجه الْمُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يدل على فضل الشَّيْخَيْنِ، وَلَكِن الْغَرَض مِنْهُ منقبة أبي بكر لفضله على عمر وَغَيره لتقدمه فِي كل شَيْء حَتَّى فِي ذكره ﷺ .
والوليد بن صَالح الفلسطيني النخاس، بالنُّون وَالْخَاء الْمُعْجَمَة: الضَّبِّيّ مَوْلَاهُم الْبَغْدَادِيّ، فِيهِ كَلَام لِأَن أَحْمد لم يكْتب عَنهُ، قيل: لِأَنَّهُ كَانَ من أَصْحَاب الرَّأْي، فَرَآهُ يُصَلِّي فَلم تعجبه صلَاته وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد، وَعِيسَى بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي الْهَمدَانِي الْكُوفِي، وَعمر، بِضَم الْعين: ابْن سعيد
стр. 4831
ابْن أبي حُسَيْن النَّوْفَلِي الْقرشِي الْمَكِّيّ، وَابْن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم: هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة الْمَكِّيّ.
قَوْله: (لواقف) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد مَفْتُوحَة. قَوْله: (وَقد وضع) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (رَحِمك الله) الْخطاب فِيهِ لعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَوْله: (لأرجو) اللَّام فِيهِ هِيَ الفارقة بَين أَن المخففة والنافية. قَوْله: (وَأَبُو بكر) عطف على الضَّمِير الْمُتَّصِل بِدُونِ التَّأْكِيد وَفِيه خلاف بَين الْبَصرِيين والكوفيين، فَالْحَدِيث يرد على المانعين بِدُونِ التَّأْكِيد.
٨٧٦٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ يَزِيدَ الْكُوفِيُّ حدَّثنا الوَلِيدُ عنِ الأوزَاعِيِّ عنْ يَحْيَى بنِ أبِي كَثَيرٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ قَالَ سألْتُ عَبْدَ الله بنَ عَمْرٍ وعنْ أشَدِّ مَا صنَعَ الْمُشْرِكِونَ بِرَسُولِ الله ﷺ قَالَ رأيْتُ عُقْبَةَ بنَ أبِي مُعَيْطٍ جاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وهْوَ يُصَلِّي فوَضَعَ رِدَاءَهُ فِي عُنُقِهِ فخَنَقَهُ بِهِ خَنْقاً شَدِيدَاً فَجاءَ أبُو بَكْرٍ حتَّى دفَعَهُ عَنْهُ ﷺ فَقَالَ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلاً أنْ يَقُولَ رَبِّيَ الله وقَدْ جَاءَكُمْ بالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (غَافِر: ٨٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فجَاء أَبُو بكر حَتَّى دَفعه عه) إِلَى آخِره.
وَمُحَمّد بن يزِيد من الزِّيَادَة الْبَزَّاز، بتَشْديد الزَّاي الأولى: الْكُوفِي، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي، ﵀، وَقَالَ بَعضهم: قيل: هُوَ أَبُو هَاشم الرِّفَاعِي وَهُوَ مَشْهُور بكنيته، وَقَالَ الْحَاكِم والكلاباذي: هُوَ غَيره، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن عَن الْفربرِي: مُحَمَّد بن كثير، وَهُوَ وهم نبه عَلَيْهِ أَبُو عَليّ الجياني، لِأَن مُحَمَّد بن كثير لَا تعرف لَهُ رِوَايَة عَن الْوَلِيد، وَهُوَ الْوَلِيد بن مُسلم، وَقَالَ أَبُو عَليّ: هَكَذَا هَذَا الْإِسْنَاد فِي رِوَايَة أبي زيد وَأبي أَحْمد عَن الْفربرِي مُحَمَّد بن يزِيد وَالْقَوْل قَول أبي زيد وَمن تَابعه، وَالْأَوْزَاعِيّ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو وَيحيى بن أبي كثير اليمامي الطَّائِي وَاسم أبي كثير صَالح من أهل الْبَصْرَة سكن الْيَمَامَة، وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث أَبُو عبد الله التَّيْمِيّ الْقرشِي الْمَدِينِيّ مَاتَ سنة عشْرين وَمِائَة.
والْحَدِيث يَأْتِي فِي: بَاب مَا لَقِي النَّبِي ﷺ وأصابه من الْمُشْركين بِمَكَّة من وَجه آخر عَن الْوَلِيد بن مُسلم.
قَوْله: (عقبَة بن أبي معيط) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة: الْأمَوِي، قتل يَوْم بدر كَافِرًا بعد انْصِرَافه ﷺ مِنْهُ بِيَوْم.
وَفِيه: منقبة عَظِيمَة لأبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٦ - (بابُ مَناقِبِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ أبِي حَفْصٍ القُرَشِيِّ العَدَوِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَنَاقِب عمر بن الْخطاب، وَفِي غَالب النّسخ لَيست فِيهِ لفظ: بَاب، هَكَذَا مَنَاقِب عمر بن الْخطاب أَي: هَذَا مَنَاقِب عمر بن الْخطاب، والمناقب جمع منقبة، وَقد مر بَيَانهَا، وَعمر بن الْخطاب بن نفَيْل بن عبد الْعُزَّى بن رَبَاح بن عبد الله بن رزاح بن عدي بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب الْقرشِي الْعَدوي أَبُو حَفْص أَمِير الْمُؤمنِينَ، وامه حنتمة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون، وَيُقَال: خَيْثَمَة، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة ثمَّ بِالْمِيم، وَهُوَ الْأَشْهر، وَالْأول أصح، وَهِي بنت هَاشم ذِي الرمحين ابْن الْمُغيرَة بن عبيد الله بن عمر بن مَخْزُوم، وَالنَّبِيّ ﷺ ، هُوَ الَّذِي كناه بِأبي حَفْص وَكَانَت حَفْصَة أكبر أَوْلَاده، ولقبه: الْفَارُوق، بالِاتِّفَاقِ قيل: أول من لقبه بِهِ النَّبِي ﷺ ، رَوَاهُ ابْن سعد من حَدِيث عَائِشَة، وَقيل: أهل الْكتاب. أخرجه ابْن سعد عَن الزُّهْرِيّ وَقيل: جِبْرِيل، ﵊، ذكره الْبَغَوِيّ.
١٧٦ - (حَدثنَا حجاج بن منهال حَدثنَا عبد الْعَزِيز الْمَاجشون حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ َ - رَأَيْتنِي دخلت الْجنَّة فَإِذا أَنا بالرميصاء امْرَأَة أبي طَلْحَة وَسمعت خشفة فَقلت من هَذَا فَقَالَ هَذَا بِلَال وَرَأَيْت قصرا بفنائه جَارِيَة فَقلت لمن هَذَا فَقَالَ لعمر فَأَرَدْت أَن أدخلهُ فَأنْظر إِلَيْهِ فَذكرت غيرتك فَقَالَ عمر بأمي وَأبي يَا رَسُول الله أعليك أغار)
стр. 4832
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وَرَأَيْت قصرا إِلَى آخِره وحجاج بن منهال بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون السّلمِيّ الْأنمَاطِي الْبَصْرِيّ وَعبد الْعَزِيز هُوَ ابْن عبد الله بن أبي سَلمَة وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عبد الْعَزِيز بن الْمَاجشون بِزِيَادَة لفظ ابْن وَقد مر تَفْسِير الْمَاجشون وَهُوَ لقب جده ويلقب بِهِ أَوْلَاده والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن مُحَمَّد بن الْفرج وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن نصير بن الْفرج قَوْله " رَأَيْتنِي " أَي رَأَيْت نَفسِي وَدخلت الْجنَّة جملَة حَالية قَوْله " فَإِذا " كلمة إِذا المفاجأة قَوْله " بالرميصاء " وَهُوَ مصغر الرمصاء مؤنث الأرمص بالراء وَالصَّاد الْمُهْملَة ولقبت بهَا لرمص كَانَ بِعَينهَا وَاسْمهَا سهلة وَقيل رميلة وَقيل غير ذَلِك وَقيل هُوَ اسْمهَا وَيُقَال فِيهِ بالغين الْمُعْجَمَة بدل الرَّاء وَهِي بنت ملْحَان بِكَسْر الْمِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة ابْن خَالِد بن زيد الْأَنْصَارِيَّة زَوْجَة أبي طَلْحَة زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ وَهِي أم أنس بن مَالك خَالَة رَسُول الله ﷺ َ - من الرضَاعَة وَهِي أُخْت أم حرَام بنت ملْحَان وَقَالَ أَبُو دَاوُد هُوَ اسْم أُخْت أم سليم من الرضَاعَة وَجوز ابْن التِّين أَن يكون المُرَاد امْرَأَة أُخْرَى لأبي طَلْحَة قَوْله " خشفة " بِفَتْح المعجمتين وَالْفَاء أَي حَرَكَة وزنا وَمعنى قَالَه بَعضهم وَفِي التَّوْضِيح هُوَ بِفَتْح الْخَاء وَسُكُون الشين وَحكى شمر فتحهَا أَيْضا وَقَالَ الْكرْمَانِي بِفَتْح الْخَاء وَسُكُون الشين الْحس وَالْحَرَكَة وَقَالَ أَبُو عبيد الخشفة الصَّوْت لَيْسَ بالشديد يُقَال خشف يخشف خشفا إِذا سَمِعت لَهُ صَوتا أَو حَرَكَة وَقيل وَأَصله صَوت دَبِيب الْحَيَّات وَقَالَ الْفراء الخشفة الصَّوْت للْوَاحِد والخشفة الْحَرَكَة إِذا وَقع السَّيْف على اللَّحْم وَمعنى الحَدِيث هُنَا مَا يسمع من حس وَقع الْقدَم قَوْله " فَقَالَ هَذَا بِلَال " الْقَائِل يحْتَمل أَن يكون جِبْرِيل ﵊ أَو ملكا من الْمَلَائِكَة وَيحْتَمل أَن يكون بِلَالًا نَفسه قَوْله " بفنائه " بِكَسْر الْفَاء وبالمد مَا امْتَدَّ مَعَ الْقصر من جوانبه من خَارج وَقَالَ الدَّاودِيّ قد يُقَال للقصر نَفسه فنَاء قَوْله " فَقَالَ لعمر " وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " فَقَالُوا " الْقَائِل أما جِبْرِيل كَمَا قُلْنَا والقائلون جمع من الْمَلَائِكَة ويروى فَقَالَت أَي الْجَارِيَة قَوْله " بِأبي وَأمي " أَي أَنْت مفدى بهما أَو أفديك بهما قَوْله " أعليك أغار " هَذَا من الْقلب لِأَن الأَصْل أعليها أغار مِنْك وَقَالَ الْكرْمَانِي وَالْأَصْل أَن يُقَال أمنك أغار عَلَيْهَا ثمَّ أجَاب بِأَن لفظ عَلَيْك لَيْسَ مُتَعَلقا بقوله أغار بل مَعْنَاهُ أمستعليا عَلَيْك أغار عَلَيْهَا مَعَ أَن كَون الأَصْل ذَلِك مَمْنُوع فَلَا مَحْظُور فِيهِ -
٠٨٦٣ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ أخْبرَنَا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثَني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخْبرَنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ إذْ قالَ بَيْنَا أنَا نَائِمٌ رَأيْتُنِي فِي الجَنَّةِ فإذَا امْرَأةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جانِبِ قَصْرٍ فَقُلْتُ لِمَنْ هاذَا القَصْرُ فقالُوا لِعُمَرَ فذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فوَلَّيْتُ مُدْبِرَاً فبَكَى عُمَرُ وَقَالَ أعلَيْكَ أغَارُ يَا رسُولَ الله. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعقيل، بِضَم الْعين. والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي صفة الْجنَّة بِهَذَا الْإِسْنَاد والمتن، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٢٨٦٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ نُمَيْرٍ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بِشْرٍ حدَّثنا عُبَيْدُ الله قَالَ حدَّثني أبُو بَكْرِ بنُ سالِمٍ عنْ سالِمٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ
стр. 4833
أُرِيتُ فِي المَنَامِ أنِّي أنْزِعُ بِدَلْوِ بَكْرَةٍ علَى قَلِيبٍ فَجاءَ أبُو بَكْرٍ فنَزَعَ ذَنُوبَاً أوْ ذَنُوبَيْنِ نَزْعَاً ضَعِيفاً. وَالله يَغْفِرُ لَهُ ثُمَّ جاءَ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ فاسْتَحَالَتْ غَرْبَاً فلَمْ أرَ عَبْقَرِيَّاً يَفْرِي فَرِيَّهُ حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ وضَرَبُوا بِعَطَنٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ، وَأَبُو بكر بن سَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر، وَهُوَ من أَقْرَان الرَّاوِي عَنهُ وهما مدنيان من صغَار التَّابِعين. وَأما أَبُو سَالم فمعدود من كبارهم وَهُوَ أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة، وَلَيْسَ لأبي بكر بن سَالم فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الْموضع، وَثَّقَهُ الْعجلِيّ وَلَا يعرف لَهُ راوٍ إلَاّ عبيد الله بن عمر الْمَذْكُور، وَإِنَّمَا أخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي المتابعات.
والْحَدِيث مضى من طَرِيق الزُّهْرِيّ عَن سَالم. وَمضى فِي فضل أبي بكر من طَرِيق صَخْر عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَمضى فِيهِ أَيْضا من طَرِيق ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة نَحوه.
قَوْله: (بِدَلْو بكرَة) بِإِضَافَة الدَّلْو إِلَى البكرة بِإِسْكَان الْكَاف وَحكي فتحهَا، وَقيل: بكرَة، مُثَلّثَة الْبَاء، قلت: البكرة بِإِسْكَان الْكَاف على أَن المُرَاد نِسْبَة الدَّلْو إِلَى الْأُنْثَى من الْإِبِل، وَهِي: الشَّابَّة أَي: الدَّلْو الَّتِي يَسْتَقِي بهَا، وَأما بتحريك الْكَاف فَالْمُرَاد: الْخَشَبَة المستديرة الَّتِي تعلق فِيهَا الدَّلْو.
قَالَ ابنُ جُبَيْرٍ العَبْقَرِيُّ عِتاقُ الزَّرَابِيِّ: وَقَالَ يَحْيَى الزَّرَابِيُّ الطَّنافِسُ لَهَا خَمْلٌ رَقِيقٌ مبْثُوثَةٌ كَثِيرَةٌ
ابْن جُبَير، هُوَ سعيد بن جُبَير، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله عبد بن حميد من طَرِيقه. قَوْله: (عتاق الزرابي) ، أَي: حسان الزرابي، وَهُوَ جمع عَتيق وَهُوَ الْكَرِيم الرائع من كل شَيْء، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة وَبَعض النّسخ عَن أبي ذَر هُنَا: قَالَ ابْن نمير، وَالْمرَاد بِهِ مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير، شيخ البُخَارِيّ فِيهِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ أولى إِذْ هُوَ الرَّاوِي لَهُ. قَوْله: (وَقَالَ يحيى) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: الْقطَّان إِذْ هُوَ أَيْضا رَاوِي هَذَا الحَدِيث، وَمر آنِفا فِي مَنَاقِب أبي بكر، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ يحيى بن زِيَاد الْفراء، ذكر ذَلِك فِي (كتاب مَعَاني الْقُرْآن) لَهُ، وَظن الْكرْمَانِي أَنه يحيى بن سعيد الْقطَّان فَجزم بذلك، واستند إِلَى كَون الحَدِيث ورد فِي رِوَايَته كَمَا تقدم فِي مَنَاقِب أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قلت: استناد الْكرْمَانِي أقوى، وَلَا يلْزم من ذكر الْفراء: الزرابي، فِي كِتَابه أَن يكون يحيى الْمَذْكُور هَا هُوَ الْفراء، بل الْأَقْرَب مَا قَالَه الْكرْمَانِي، لِأَن كثيرا من الروَاة يفسرون مَا وَقع فِي أَلْفَاظ الْأَحَادِيث الَّتِي يروونها. قَوْله: (الطنافس) جمع طنفسة بِكَسْر الطَّاء وَالْفَاء وبضمهما وبكسر الطَّاء وَفتح الْفَاء الْبسَاط الَّذِي لَهُ خمل رَقِيق، والخمل بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْمِيم بعْدهَا لَام: الْأَهْدَاب. قَوْله: (رَقِيق) أَي: غير غَلِيظَة. قَوْله: (مبثوثة) أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وزرابي مبثوثة﴾ (الغاشية: ٦١) . وفسرها بقوله: (كَثِيرَة) وَقَالَ بَعضهم: هُوَ بَقِيَّة كَلَام يحيى بن زِيَاد الْمَذْكُور. قلت: هَذِه دَعْوَى بِلَا دَلِيل، بل الظَّاهِر أَنه من كَلَام البُخَارِيّ، وَلِهَذَا قَالَ: هُوَ، ثمَّ استطرد المُصَنّف كعادته فَذكر معنى صفة الزرابي الْوَارِدَة فِي الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وزرابي مبثوثة﴾ (الغاشية: ٦١) . وَكَلَامه هَذَا يدل على أَنه من كَلَام البُخَارِيّ، وَأَنه يرد عَلَيْهِ نسبته إِلَى يحيى. فَافْهَم.
٣٨٦٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثني أبي عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شهابٍ أخبرنِي عَبْدُ الحَمِيدِ أنَّ مُحَمَّدَ بنَ سَعْدٍ أخْبَرَهُ أنَّ أبَاهُ قَالَ حدَّثني عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ زَيْدٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ سَعْدِ بنِ أبِي وقَّاصٍ عنْ أبِيهِ قَالَ اسْتأذن عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ علَى رسُولِ الله ﷺ وعِنْدَهُ نِسْوَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ ويَسْتَكْثِرْنَهُ عالِيَةٌ أصْوَاتُهُنَّ علَى صَوْتِهِ فلَمَّا اسْتأذَنَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ قُمْنَ فَبَادَرْنَ الحِجابَ فأذِنَ لَهُ رسُولُ الله ﷺ فَدَخَلَ
стр. 4834
عُمَرُ ورَسُولُ الله ﷺ يَضْحَكُ فَقَالَ عُمَرُ أضْحَكَ الله سِنَّكَ يَا رسُولَ الله فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عَجِبْتُ مِنْ هاؤُلاءِ الَّلاتِي كُنَّ عِنْدِي فلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الحِجَابَ فَقَالَ عُمَرُ فأنْتَ أحَقُّ أنْ يَهَبْنَ يَا رَسُولَ الله ثُمَّ قالَ عُمَرُ يَا عَدُوَّاتِ أنْفُسِهِنَّ أتَهَبْنَنِي ولَا تَهَبْنَ رسُولَ الله تصلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقُلْنَ نَعَمْ أنْتَ أفَظُّ وأغْلَظُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ إيْهاً يَا ابْنَ الخَطَّابِ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سالِكَاً فَجا قَطُّ إلَاّ سلَكَ فَجَّاً غَيْرَ فَجِّكَ. (انْظُر الحَدِيث ٤٩٢٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ) إِلَى آخِره.
وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن عَليّ بن عبد الله عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن صَالح ابْن كيسَان عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن بن زيد بن الْخطاب، كَانَ والياً لعمر ابْن عبد الْعَزِيز على الْكُوفَة، يروي عَن مُحَمَّد بن سعد بن أبي وَقاص، وَكلهمْ مدنيون. وَفِيه: أَرْبَعَة من التَّابِعين على نسق، وهم: صَالح وَابْن شهَاب وهما قريبان وَعبد الحميد وَمُحَمّد بن سعد وهما قريبان، وَقد مر الحَدِيث بِهَذَا الطَّرِيق فِي: بَاب صفة إِبْلِيس وَجُنُوده. وَالطَّرِيق الآخر: عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي الْمدنِي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد الْمَذْكُور عَن صَالح بن كيسَان إِلَى آخِره.
قَوْله: (وعندن نسْوَة من قُرَيْش) هن من أَزوَاجه، وَيحْتَمل أَن يكون مَعَهُنَّ من غَيْرهنَّ، لَكِن قرينَة كونهن يستكثرنه يُؤَيّد الأول، وَالْمرَاد أَنَّهُنَّ يطلبن مِنْهُ أَكثر مِمَّا يعطيهن، كَذَا قَالَه بَعضهم: وَقَالَ النَّوَوِيّ: يستكثرنه، أَي: يطلبن كثيرا من كَلَامه وَجَوَابه لجوابهن. وَفِي (التَّوْضِيح) : يستكثرنه يردن الْعَطاء، وَقد أبان فِي مَوضِع آخر ذَلِك: أَنَّهُنَّ يردن النَّفَقَة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: المُرَاد أَنَّهُنَّ يكثرن الْكَلَام عِنْده، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ مَرْدُود بِمَا وَقع التَّصْرِيح بِهِ فِي حَدِيث جَابر عِنْد مُسلم: أَنَّهُنَّ يطلبن النَّفَقَة. قلت: الَّذِي قَالَه النَّوَوِيّ أظهر لِأَن الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: يستكثرنه، يرجع إِلَى الْكَلَام الَّذِي يدل عَلَيْهِ: يكلمنه، وثمة قرينَة تؤيد هَذَا وَهُوَ أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لم يكن يرى بِالْخِطَابِ لِأَزْوَاج النَّبِي ﷺ ، بقوله: أَي عدوات أَنْفسهنَّ، فِي حَضْرَة النَّبِي ﷺ ، بل الظَّاهِر أَنَّهُنَّ غير أَزوَاج النَّبِي ﷺ جئن لأجل حوائجهن كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ، وأكثرن الْكَلَام كَمَا قَالَه الدَّاودِيّ، ورد كَلَامه لَيْسَ لَهُ وَجه وَلَا يصلح أَن يكون حَدِيث جَابر مؤيداً لما ذهب إِلَيْهِ هَذَا الْقَائِل، لِأَن حَدِيث سعيد غير حَدِيث جَابر، وَلَئِن سلمنَا أَن يكون مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا فَلَا يلْزم من قَوْله: يطلبن النَّفَقَة، أَن تكون تِلْكَ النسْوَة أَزوَاج النَّبِي ﷺ لاحْتِمَال أَن تكون أَزوَاج تِلْكَ النسْوَة غائبين وَلم يكن عِنْدهن شَيْء، فجئن إِلَى النَّبِي ﷺ ، وطلبن مِنْهُ النَّفَقَة، وَأَيْضًا لفظ النَّفَقَة غير مَخْصُوص بِنَفَقَة الزَّوْجَات على مَا لَا يخفى. قَوْله: (عالية) ، بِالنّصب على الْحَال، وَيجوز بِالرَّفْع على أَن يكون صفة لنسوة، وَأما علو أصواتهن فإمَّا أَنه كَانَ قبل نزُول قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم﴾ (الحجرات: ٢) . وَإِمَّا أَنه كَانَ بِاعْتِبَار اجْتِمَاع أصواتهن، لَا أَن كَلَام كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ بانفرادها أَعلَى من صَوته، ﷺ . قَوْله: (فبادرن) ، أَي: أسرعن، قَوْله: (أضْحك الله سنك) ، لم يرد بِهِ الدُّعَاء بِكَثْرَة الضحك، بل أَرَادَ لَازمه وَهُوَ السرُور والفرح. قَوْله: (يهبنني) ، بِفَتْح الْهَاء، أَي: يُوقرنني وَلَا يوقرن رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (أفظ وَأَغْلظ) ، من الفظاظة والغلاظة، وهما من أفعل التَّفْضِيل، وَهُوَ يَقْتَضِي الشّركَة فِي أصل الْفِعْل. فَإِن قلت: كَيفَ ذَاك فِي النَّبِي ﷺ ؟ قلت: بِاعْتِبَار الْقدر الَّذِي فِي النَّبِي ﷺ ، من إغلاظه على الْكفَّار وعَلى المنتهكين لحرمات الله تَعَالَى. فَإِن قلت: يُعَارض هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو كنت فظاً غليظ الْقلب لانفضوا من حولك﴾ (آل عمرَان: ٣) . قلت: الَّذِي فِي الْآيَة يَقْتَضِي أَن لَا يكون ذَلِك صفة لَازِمَة فَلَا يسْتَلْزم مَا فِي الحَدِيث ذَلِك، بل يُوجد ذَلِك عِنْد الْإِنْكَار على الْكفَّار كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَقَالَ بَعضهم: وَجوز بَعضهم أَن يكون الأفظ هُنَا بِمَعْنى الْفظ، وَفِيه نظر للتصريح بالترجيح الْمُقْتَضِي لكَون أفعل على بَابه. قلت: أَرَادَ بِالْبَعْضِ الْكرْمَانِي، فَإِنَّهُ قَالَ هَكَذَا، وَلَيْسَ بِمحل للنَّظَر فِيهِ، لِأَن هَذَا الْبَاب وَاسع فِي كَلَام الْعَرَب. قَوْله: (إيهاً) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء آخر الْحُرُوف وبالهاء الْمَفْتُوحَة المنونة، ويروى: إيه، بِكَسْر الْهمزَة وَكسر الْهَاء
стр. 4835
المنونة، وَالْفرق بَينهمَا أَن معنى الأول: لَا تبتدئنا بِحَدِيث، وَمعنى الثَّانِي: زِدْنَا حَدِيثا مَا، وَفِيه لُغَة أُخْرَى، وَهِي: إيه، بِكَسْر الْهمزَة وَالْهَاء بِغَيْر تَنْوِين، وَمَعْنَاهُ: زِدْنَا مِمَّا عهدنا. وَال الْجَوْهَرِي: إيه، يَعْنِي بِكَسْر الْهمزَة وَالْهَاء بِغَيْر تَنْوِين: اسْم يُسمى بِهِ الْفِعْل، لِأَن مَعْنَاهُ الْأَمر تَقول للرجل إِذا استزدته من حَدِيث أَو عمل: إيه، بِكَسْر الْهَاء، وَقَالَ ابْن السّكيت: فَإِن وصلت نونت، فَقلت: إيه، حَدِيثا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي أَيْضا: وَإِن أردْت التبعيد قلت: إيهاً بِفَتْح الْهمزَة بِمَعْنى: هَيْهَات، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: إيه، كلمة يُرَاد بهَا الاستزادة، وَهِي مَبْنِيَّة على الْكسر، فَإِذا وصلت نونت. فَقلت إيهٍ حَدِيثا، وَإِذا قلت: إيهاً، بِالنّصب فَإِنَّمَا يُرَاد بهَا: نأمره بِالسُّكُوتِ. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْأَمر بتوقير رَسُول الله ﷺ ، مَطْلُوب لذاته تحمد الزِّيَادَة مِنْهُ، فَكَأَن قَوْله، ﷺ : إيه، استزادة مِنْهُ فِي طلب توقيره وتعظيم جَانِبه، فَلذَلِك عقبه بقوله: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ) إِلَى آخِره، فَإِنَّهُ يشْعر بِأَنَّهُ رَضِي مقَالَته وَحمد فعاله. قَوْله: (فجاً) أَي: طَرِيقا وَاسِعًا.
وَفِيه: فَضِيلَة عَظِيمَة لعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِأَن هَذَا الْكَلَام يَقْتَضِي أَن لَا سَبِيل للشَّيْطَان عَلَيْهِ إلَاّ أَن ذَلِك لَا يَقْتَضِي وجوب الْعِصْمَة، إِذْ لَيْسَ فِيهِ إلَاّ فرار الشَّيْطَان من أَن يُشَارِكهُ فِي طَرِيق يسلكها، وَلَا يمْنَع ذَلِك من وسوسته لَهُ بِحَسب مَا تصل إِلَيْهِ قدرته، هَكَذَا قَرَّرَهُ بَعضهم. قلت: هَذَا مَوضِع التَّأَمُّل، لِأَن عدم سلوكه الطَّرِيق الَّذِي يسْلك فِيهِ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِنَّمَا كَانَ لأجل خَوفه لَا لأجل معنى آخر، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث حَفْصَة بِلَفْظ: إِن الشَّيْطَان لَا يلقى عمر مُنْذُ أسلم إلَاّ خر لوجهه. انْتهى. فَالَّذِي يكون حَاله مَعَ عمر هَكَذَا، كَيفَ لَا يمْنَع من الْوُصُول إِلَيْهِ لأجل الوسوسة؟ وَتمكن الشَّيْطَان من وَسْوَسَة بني آدم مَا هُوَ إلَاّ بِأَنَّهُ يجْرِي فِي عروق بني آدم مثل مَا يجْرِي الدَّم، فَالَّذِي يهرب مِنْهُ ويخر على وَجهه إِذا رَآهُ كَيفَ يجد طَرِيقا إِلَيْهِ؟ وَمَا ذَاك إلَاّ خَاصَّة لَهُ وَضعهَا الله فِيهِ، فضلا مِنْهُ، وكرماً، وَبِهَذَا لَا ندعي الْعِصْمَة، لِأَنَّهَا من خَواص الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام.
٤٨٦٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدَّثنا يَحْيَى عنْ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا قَيْسٌ قَالَ قَالَ عَبْدُ الله مَا زِلْنَا أعِزَّةً مُنْذُ أسْلَمَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (الحَدِيث ٤٨٦٣ طرفه فِي: ٣٦٨٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي إِسْلَام عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان.
قَوْله: (مَا زلنا أعزة) إِلَى آخِره لما فِيهِ من الْجلد وَالْقُوَّة فِي أَمر الله تَعَالَى، وروى ابْن أبي شيبَة وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: قَالَ عبد الله بن مَسْعُود: كَانَ إِسْلَام عمر عزا، وهجرته نصرا، وإمارته رَحْمَة، وَالله مَا استطعنا أَن نصلي حول الْبَيْت ظَاهِرين حَتَّى أسلم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٥٨٦٣ - حدَّثنا عَبْدَانُ أخبرَنَا عَبْدُ الله حدَّثنا عُمَرُ بنُ سَعِيدٍ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّهُ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ وُضِعَ عُمَرُ علَى سَرِيرِهِ فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ ويُصَلُّونَ قَبْلَ أنْ يُرْفَعَ وَأَنا فِيهِمْ فلَمْ يَرُعْنِي إلَاّ رَجُلٌ آخِذٌ مَنْكِبِي فإذَا علَيُّ فتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ مَا خَلَّفْتَ أحَدَاً أحَبَّ إلَيَّ أنْ ألْقَى الله بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ وأيْمُ الله إنْ كُنْتُ لأظُنُّ أنْ يَجْعَلَكَ الله مَعَ صاحِبَيْكَ وحَسِبْتُ أنِّي كُنْتُ كَثِيرَاً أسْمَعُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ ذَهَبْتُ أنَا وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ ودَخَلْتُ أنَا وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وخَرَجْتُ أنَا وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ. (انْظُر الحَدِيث ٧٧٦٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ذهبت أَنا وَأَبُو بكر وَعمر) إِلَى آخِره. وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَعمر بن سعيد بن أبي حُسَيْن النَّوْفَلِي الْقرشِي الْمَكِّيّ، وَابْن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم: عبد الله بن أبي مليكَة، وَقد مر هَؤُلَاءِ غير مرّة.
والْحَدِيث مر عَن قريب فِي مَنَاقِب أبي بكر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن الْوَلِيد بن صَالح عَن عِيسَى بن يُونُس عَن عمر بن سعيد
следующие страницы →