Полный текст (7 603 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
فَفِي رِوَايَة عَن شُعْبَة أعوذ بِاللَّه وَفِي رِوَايَة وهب فليتعوذ بِاللَّه وَهُوَ يَشْمَل كل مَا يَأْتِي بِهِ من أَنْوَاع الِاسْتِعَاذَة من قَوْله أعوذ بك أستعيذ بك أعوذ بِاللَّه أستعيذ بِاللَّه اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك وَنَحْو ذَلِك من أشباه ذَلِك. الرَّابِع فِيهِ أَن الِاسْتِعَاذَة من النَّبِي ﵊ إِظْهَار للعبودية وَتَعْلِيم للْأمة وَإِلَّا فَهُوَ ﵊ مَحْفُوظ من الْجِنّ وَالْإِنْس وَقد ربط عفريتا على سَارِيَة من سواري الْمَسْجِد. قَالُوا وَيسْتَحب أَن يَقُول بِسم الله مَعَ التَّعَوُّذ وَقد روى المعمري الحَدِيث الْمَذْكُور من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن الْمُخْتَار عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب إِذا دَخَلْتُم الْخَلَاء فَقولُوا بِسم الله أعوذ بِاللَّه من الْخبث والخبائث وَإِسْنَاده على شَرط مُسلم وَعَن ابْن عرْعرة عَن شُعْبَة وَقَالَ غنْدر عَن شُعْبَة إِذا أَتَى الْخَلَاء وَقَالَ مُوسَى عَن حَمَّاد إِذا دخل وَقَالَ سعيد بن زيد فِي كتاب ابْن عدي كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا دخل الكنيف قَالَ بِسم الله ثمَّ يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك قَالَ رَوَاهُ أَبُو معشر وَهُوَ ضَعِيف عَن اسحق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة عَن أنس وَفِي أَفْرَاد الدَّارَقُطْنِيّ رَوَاهُ عدي بن أبي عمَارَة عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ وَهُوَ غَرِيب من حَدِيث قَتَادَة تفرد بِهِ عدي عَنهُ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث صَالح بن أبي الْأَخْضَر عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ قَالَ لم يروه عَن الزُّهْرِيّ إِلَّا صَالح تفرد بِهِ إِبْرَاهِيم بن حميد الطَّوِيل
(تَابعه ابْن عرْعرة عَن شُعْبَة قَالَ غنْدر عَن شُعْبَة إِذا أَتَى الْخَلَاء وَقَالَ مُوسَى عَن حَمَّاد إِذا دخل وَقَالَ سعيد بن زيد حَدثنَا عبد الْعَزِيز إِذا أَرَادَ أَن يدْخل) أَي تَابع آدم بن أبي إِيَاس مُحَمَّد بن عرْعرة فِي رِوَايَته هَذَا الحَدِيث عَن شُعْبَة كَمَا رَوَاهُ آدم وَالْحَاصِل أَن مُحَمَّد بن عرْعرة روى هَذَا الحَدِيث عَن شُعْبَة كَمَا رَوَاهُ آدم عَن شُعْبَة وَهَذِه هِيَ الْمُتَابَعَة التَّامَّة وفائدتها التقوية وَحَدِيث مُحَمَّد بن عرْعرة عَن شُعْبَة أخرجه البُخَارِيّ فِي الدَّعْوَات وَقَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عرْعرة حَدثنَا شُعْبَة عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا دخل الْخَلَاء قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْخبث والخبائث قَوْله وَقَالَ غنْدر عَن شُعْبَة هَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَزَّار فِي مُسْنده عَن مُحَمَّد بن بشار بنْدَار عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَنهُ بِلَفْظِهِ وَرَوَاهُ أَحْمد عَن غنْدر بِلَفْظ إِذا دخل وغندر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال الْمُهْملَة على الْمَشْهُور وبالراء وَمَعْنَاهُ المشغب وَهُوَ لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ ربيب شُعْبَة وَقد مر فِي بَاب ظلم دون ظلم قَوْله وَقَالَ مُوسَى عَن حَمَّاد إِذا دخل هَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي وَقد مر غير مرّة وَحَمَّاد هُوَ ابْن سَلمَة بن دِينَار أَبُو سَلمَة الربعِي وَكَانَ يعد من الابدال وعلامة الابدال أَن لَا يُولد لَهُم تزوج سبعين امْرَأَة فَلم يُولد لَهُ وَقيل فضل حَمَّاد بن سَلمَة بن دِينَار على حَمَّاد بن زيد بن دِرْهَم كفضل الدِّينَار على الدِّرْهَم مَاتَ سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة وَالْبُخَارِيّ مُتَابعَة وَهَذِه الْمُتَابَعَة نَاقِصَة لَا تَامَّة قَوْله وَقَالَ سعيد بن زيد إِلَى آخِره هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد قَالَ حَدثنَا أَبُو النُّعْمَان قَالَ حَدثنَا سعيد بن زيد قَالَ حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب قَالَ حَدثنِي أنس قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا أَرَادَ أَن يدْخل الْخَلَاء قَالَ فَذكر مثل حَدِيث الْبَاب وَسَعِيد بن زيد بن دِرْهَم أَبُو الْحسن الْجَهْضَمِي الْبَصْرِيّ أَخُو حَمَّاد بن زيد بن دِرْهَم وَبَعْضهمْ يُضعفهُ روى لَهُ البُخَارِيّ اسْتِشْهَادًا مَاتَ سنة وَفَاة ابْن سَلمَة وَهَذَا كَمَا ترى اخْتلفت فِيهِ أَلْفَاظ الروَاة وَالْمعْنَى فِيهَا مُتَقَارب يرجع إِلَى معنى وَاحِد وَهُوَ أَن التَّقْدِير كَانَ يَقُول هَذَا الذّكر عِنْد إِرَادَة الدُّخُول فِي الْخَلَاء لَا بعده وَجَاء لفظ الْغَائِط مَعَ مَوضِع الْخَلَاء على مَا روى الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي مُعْجَمه بِسَنَد جيد عَن عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا دخل الْغَائِط قَالَ أعوذ بِاللَّه من الْخبث والخبائث وَكَذَا جَاءَ لفظ الكنيف وَلَفظ الْمرْفق فالاول فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِسَنَد صَحِيح وَإِن كَانَ أَبُو عِيسَى قَالَ إِسْنَاده لَيْسَ بالقوى مَرْفُوعا ستر مَا بَين الْجِنّ وعورات بني آدم إِذا دخل الكنيف أَن يَقُول بِسم الله وَالثَّانِي فِي حَدِيث أبي أُمَامَة عِنْد ابْن ماجة مَرْفُوعا لَا يعجز أحدكُم إِذا دخل مرفقه أَن يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الرجس النَّجس الْخَبيث المخبث الشَّيْطَان الرَّجِيم وَسَنَده ضَعِيف فَإِن قلت هَل جَاءَ شَيْء فِيمَا يَقُول إِذا خرج من الْخَلَاء قلت لَيْسَ فِيهِ شَيْء على شَرط البُخَارِيّ وروى عَن عَائِشَة ﵂ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا خرج من الْغَائِط قَالَ غفرانك أخرجه ابْن حبَان وَابْن خُزَيْمَة وَابْن الْجَارُود وَالْحَاكِم فِي صحيحهم وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ هُوَ أصح شَيْء فِي هَذَا الْبَاب فَإِن قلت لما أخرجه التِّرْمِذِيّ وَأَبُو عَليّ
стр. 597
الطوسي قَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب حسن لَا يعرف إِلَّا من حَدِيث إِسْرَائِيل عَن يُوسُف بن أبي بردة وَلَا يعرف فِي هَذَا الْبَاب إِلَّا حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قلت قَوْله غَرِيب مَرْدُود بِمَا ذكرنَا من تَصْحِيحه وَيُمكن أَن تكون الغرابة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّاوِي لَا إِلَى الحَدِيث إِذْ الغرابة وَالْحسن فِي الْمَتْن لَا يَجْتَمِعَانِ فَإِن قلت غرابة السَّنَد بتفرد إِسْرَائِيل وغرابة الْمَتْن لكَونه لَا يعرف غَيره قلت إِسْرَائِيل مُتَّفق على إِخْرَاج حَدِيثه عِنْد الشَّيْخَيْنِ والثقة إِذا انْفَرد بِحَدِيث وَلم يُتَابع عَلَيْهِ لَا ينقص عَن دَرَجَة الْحسن وَإِن لم يرتق إِلَى دَرَجَة الصِّحَّة وقولهما لَا يعرف فِي هَذَا الْبَاب إِلَّا حَدِيث عَائِشَة لَيْسَ كَذَلِك فَإِن فِيهِ أَحَادِيث وَإِن كَانَت ضَعِيفَة مِنْهَا حَدِيث أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ رَوَاهُ ابْن ماجة قَالَ كَانَ ﷺ إِذا خرج من الْخَلَاء قَالَ الْحَمد لله الَّذِي أذهب عني الْأَذَى وعافاني وَمِنْهَا حَدِيث أبي ذَر ﵁ مثله أخرجه النَّسَائِيّ وَمِنْهَا حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ مَرْفُوعا الْحَمد لله الَّذِي أخرج عني مَا يُؤْذِينِي وَأمْسك عَليّ مَا يَنْفَعنِي. وَمِنْهَا حَدِيث سهل ابْن أبي خَيْثَمَة نَحوه وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْعِلَل. وَمِنْهَا حَدِيث ابْن عمر ﵄ مَرْفُوعا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ الْحَمد لله الَّذِي أذاقني لذته وابقى عَليّ قوته وأذهب عني أَذَاهُ فَإِن قلت مَا الْحِكْمَة فِي قَوْله غفرانك إِذا خرج من الْخَلَاء قلت قد ذكرُوا فِيهِ أوجها وأحسنها أَنه إِنَّمَا يسْتَغْفر من تَركه ذكر الله تَعَالَى مُدَّة مكثه فِي الْخَلَاء وَيقرب مِنْهُ مَا قيل أَنه لشكر النِّعْمَة الَّتِي أنعم عَلَيْهِ بهَا إِذْ أطْعمهُ وهضمه فَحق على من خرج سالما مِمَّا استعاذه مِنْهُ أَن يُؤَدِّي شكر النِّعْمَة فِي إعاذته وَإجَابَة سُؤَاله وَأَن يسْتَغْفر الله تَعَالَى خوفًا أَن لَا يُؤَدِّي شكر تِلْكَ النعم
(بَاب وضع المَاء عِنْد الْخَلَاء)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان وضع المَاء عِنْد الْخَلَاء ليستعمله المتوضىء بعد خُرُوجه مِنْهَا. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر لِأَن كل مَا فيهمَا مِمَّا يسْتَعْمل عِنْد الْخَلَاء
٩ - (حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا هَاشم بن الْقَاسِم قَالَ حَدثنَا وَرْقَاء عَن عبيد الله بن أبي يزِيد عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ دخل الْخَلَاء فَوضعت لَهُ وضُوءًا قَالَ من وضع هَذَا فَأخْبر فَقَالَ اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ المسندي مر فِي بَاب أُمُور الْإِيمَان. الثَّانِي هَاشم بن الْقَاسِم أَبُو النَّضر بالنُّون وَالضَّاد الْمُعْجَمَة التَّمِيمِي اللَّيْثِيّ الْكِنَانِي الْخُرَاسَانِي نزل بَغْدَاد وتلقب بقيصر وَهُوَ حَافظ ثِقَة صَاحب سنة كَانَ أهل بَغْدَاد يفتخرون بِهِ مَاتَ سنة سبع وَمِائَتَيْنِ عَن ثَلَاث وَسبعين سنة وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة هَاشم بن الْقَاسِم سواهُ وَفِي ابْن ماجة وَحده هَاشم بن الْقَاسِم الْحَرَّانِي شَيْخه وَلَا ثَالِث فيهمَا سواهُمَا. الثَّالِث وَرْقَاء مؤنث الأورق ابْن عمر الْيَشْكُرِي الْكُوفِي أَبُو بشر وَيُقَال أَصله من خوارزم سكن الْمَدَائِن قَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ قَالَ لي شُعْبَة عَلَيْك بورقاء فَإنَّك لن ترى عَيْنَاك مثله روى عَن عبيد الله هَذَا وَغَيره وَعنهُ الْفرْيَابِيّ. وَيحيى بن آدم صَدُوق صَالح قيل مَاتَ سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة وَرْقَاء غَيره. الرَّابِع عبيد الله بِالتَّصْغِيرِ ابْن أبي يزِيد من الزِّيَادَة الْمَكِّيّ مولى آل قارظ بِالْقَافِ وبالراء وبالظاء الْمُعْجَمَة من حلفاء بني زهرَة كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث مَاتَ سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة عبيد الله بن أبي يزِيد غَيره نعم فِي النَّسَائِيّ عبيد الله بن يزِيد الطَّائِفِي روى عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني عبيد الله بن أبي زَائِدَة وَهُوَ غلط وَالصَّحِيح ابْن أبي يزِيد وَلَا يعرف اسْمه. الْخَامِس عبد الله بن عَبَّاس ﵄. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا أَن رُوَاته مَا بَين بغدادي وكوفي ومكي: وَمِنْهَا أَنه على شَرط السِّتَّة خلا شيخ البُخَارِيّ فَإِنَّهُ من رِجَاله وَرِجَال التِّرْمِذِيّ فَقَط. وَمِنْهَا أَن هَذَا الحَدِيث من الْأَحَادِيث الَّتِي صرح ابْن عَبَّاس فِيهَا بِالسَّمَاعِ من رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم. (بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم فِي فَضَائِل ابْن عَبَّاس عَن
стр. 598
زُهَيْر بن حَرْب وَأبي بكر بن أبي النَّضر كِلَاهُمَا عَن هَاشم بن الْقَاسِم عَن وَرْقَاء عَنهُ بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن أبي بكر بن أبي النَّضر بِهِ (بَيَان اللُّغَات) قَوْله وضوأ بِفَتْح الْوَاو وَهُوَ المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ وبالضم الْمصدر وَقد مر تَحْقِيقه فِي أول كتاب الْوضُوء قَوْله فقهه فِي الدّين من الْفِقْه وَهُوَ فِي اللُّغَة الْفَهم تَقول فقه الرجل بِالْكَسْرِ وَفُلَان لَا يفقه وَلَا يفقه ثمَّ خص بِهِ علم الشَّرِيعَة والعالم بِهِ فَقِيه وَقد فقه بِالضَّمِّ فقاهة وفقهه الله وتفقه إِذا تعاطى ذَلِك وفاقهته إِذا باحثته فِي الْعلم. (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله دخل الْخَلَاء جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر أَن قَوْله فَوضعت لَهُ جملَة معطوفة على الْجُمْلَة السَّابِقَة قَوْله وضوأ نصب بقوله فَوضعت قَوْله من استفهامية مُبْتَدأ وَقَوله وضع هَذَا خَبره قَوْله فَأخْبر على صِيغَة الْمَجْهُول عطف على مَا قبله وَقد علم أَن فِي عطف الاسمية على الفعلية وَالْعَكْس أقوالا وَالْمَفْهُوم من كَلَام النُّحَاة جَوَاز ذَلِك كَمَا عرف فِي مَوْضِعه قَوْله اللَّهُمَّ أَصله يَا الله فَحذف حرف النداء وَعوض عَنْهَا الْمِيم قَوْله فقهه جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ أَنْت المستكن فِيهِ وَالْمَفْعُول وَهُوَ الضَّمِير الرَّاجِع إِلَى ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَقَوله فِي الدّين يتَعَلَّق بِهِ. (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله قَالَ من وضع هَذَا أَي قَالَ النَّبِي ﵊ بعد الْخُرُوج من الْخَلَاء من وضع الْوضُوء قَوْله فَأخْبر أَي النَّبِي ﵊ ومَيْمُونَة بنت الْحَارِث خَالَة ابْن عَبَّاس هِيَ المخبرة بذلك لِأَن وضع ابْن عَبَّاس الْوضُوء للنَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم كَانَ فِي بَيتهَا قَوْله اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين مُنَاسبَة دُعَائِهِ ﵊ لِابْنِ عَبَّاس بالتفقه فِي الدّين لأجل وَضعه الْوضُوء لَهُ لكَونه ﷺ تفرس فِيهِ الذكاء والفطنة فالمناسبة أَن يَدعِي لَهُ بالتفقه فِي الدّين ليطلع بِهِ على أسرار الْفِقْه فِي الدّين فينتفع وينفع وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَضعه عِنْد الْخَلَاء لِأَنَّهُ كَانَ أيسر لَهُ ﵊ لِأَنَّهُ لَو وَضعه فِي مَكَان بعيد مِنْهُ كَانَ يحْتَاج إِلَى طلب المَاء وَفِيه مشقة مَا وَلَو دخل بِهِ إِلَيْهِ كَانَ تعرضا للاطلاع على حَاله وَهُوَ يقْضِي حَاجته فَلَمَّا رأى ابْن عَبَّاس هَذِه الْحَالة أوفق وأيسر اسْتدلَّ ﵊ على غَايَة ذكائه مَعَ صغر سنه فَدَعَا لَهُ بِمَا دَعَا بِهِ (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ جَوَاز خدمَة الْعَالم بِغَيْر أمره ومراعاته حَتَّى حَال دُخُوله الْخَلَاء. الثَّانِي فِيهِ اسْتِحْبَاب الْمُكَافَأَة بِالدُّعَاءِ. الثَّالِث قَالَ الدَّاودِيّ فِيهِ دلَالَة على أَنه رُبمَا لَا يستنجي عِنْدَمَا يَأْتِي الْخَلَاء ليَكُون ذَلِك سنة لِأَنَّهُ لم يَأْمر بِوَضْع المَاء وَقد اتبعهُ عمر ﵁ بِالْمَاءِ فَقَالَ لَو استنجيت كلما أتيت الْخَلَاء لَكَانَ سنة وَفِيه نظر وَمَا اسْتشْهد بِهِ حَدِيث ضَعِيف. الرَّابِع قَالَ الْخطابِيّ فِيهِ أَن حمل الْخَادِم المَاء إِلَى المغتسل غير مَكْرُوه وَأَن الْأَدَب فِيهِ أَن يَلِيهِ الأصاغر من الخدم دون الأكابر. الْخَامِس فِيهِ دَلِيل قَاطع على إِجَابَة دُعَاء الرَّسُول ﵊ لِأَنَّهُ صَار فَقِيها أَي فَقِيه. السَّادِس قَالَ ابْن بطال مَعْلُوم أَن وضع المَاء عِنْد الْخَلَاء إِنَّمَا هُوَ للاستنجاء بِهِ عِنْد الْحَدث وَفِيه رد على من يُنكر الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ وَقَالَ إِنَّمَا ذَلِك وضوء النِّسَاء وَقَالَ إِنَّمَا كَانَ الرِّجَال يتمسحون بِالْحِجَارَةِ وَنقل ابْن التِّين فِي شَرحه عَن مَالك أَنه صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم لم يسْتَنْج عمره بِالْمَاءِ وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ وَقد عقد البُخَارِيّ قَرِيبا بَابا للاستنجاء بِالْمَاءِ وَذكر فِيهِ أَنه ﵊ استنجى على مَا سَيَجِيءُ بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَفِي صَحِيح ابْن حبَان أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَت مَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ خرج من غَائِط قطّ إِلَّا مس مَاء وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ من حَدِيثهَا أَيْضا أَنَّهَا قَالَت مرن أزواجكن أَن يغسلوا أثر الْغَائِط وَالْبَوْل فَإِنَّهُ ﵊ كَانَ يَفْعَله ثمَّ قَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَفِي صَحِيح ابْن حبَان أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ قضى حَاجته ثمَّ استنجى من تور وَقَالَ ابْن بطال أَن مَالِكًا روى فِي موطئِهِ عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه كَانَ يتَوَضَّأ بِالْمَاءِ وضوأ لما تَحت الْإِزَار قَالَ مَالك يُرِيد الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ وَقَالَ الْخطابِيّ فِي الحَدِيث اسْتِحْبَاب الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ وَإِن كَانَت الْحِجَارَة مجزئة وَكره قوم من السّلف الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ وَزعم بعض الْمُتَأَخِّرين أَن المَاء نوع من المطعوم فكرهه لأجل ذَلِك وَكَانَ بعض الْقُرَّاء يكره الْوضُوء فِي مشارع الْمِيَاه الْجَارِيَة وَكَانَ يسْتَحبّ أَن يُؤْخَذ لَهُ المَاء فِي ركوة وَنَحْوهَا لِأَنَّهُ
стр. 599
لم يبلغهُ أَن النَّبِي ﷺ تَوَضَّأ على نهر أَو مشرع فِي مَاء جَار قَالَ وَهَذَا عِنْدِي من أجل أَنه لم يكن بِحَضْرَتِهِ الْمِيَاه الْجَارِيَة والأنهار فَأَما من كَانَ بَين ظهراني مياه جَارِيَة فَأَرَادَ أَن يشرع فِيهَا وَيتَوَضَّأ مِنْهَا كَانَ لَهُ ذَلِك من غير حرج وَقَالَ النَّوَوِيّ اخْتلف فِي الْمَسْأَلَة فَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَن الْأَفْضَل أَن يجمع بَين المَاء وَالْحجر فيستعمل الْحجر أَولا لتخف النَّجَاسَة وتقل مباشرتها بِيَدِهِ ثمَّ يسْتَعْمل المَاء فَإِن أَرَادَ الِاقْتِصَار على أَحدهمَا جَازَ وَسَوَاء وجد الآخر أَو لم يجده فَإِن اقْتصر فالماء أفضل من الْحجر لِأَن المَاء يطهر الْمحل طَهَارَة حَقِيقِيَّة وَأما الْحجر فَلَا يطهر وَإِنَّمَا يُخَفف النَّجَاسَة ويبيح الصَّلَاة مَعَ النَّجَاسَة المعفو عَنْهَا وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الْحجر أفضل وَرُبمَا أوهم كَلَام بَعضهم أَن المَاء لَا يجزىء وَقَالَ ابْن حبيب الْمَالِكِي لَا يجزىء الْحجر إِلَّا لمن عدم المَاء السَّابِع اسْتدلَّ بِهِ بَعضهم على أَن الْمُسْتَحبّ أَن يتَوَضَّأ من الْأَوَانِي دون المشارع والبرك وَقَالَ القَاضِي عِيَاض هَذَا لَا أصل لَهُ وَلم ينْقل أَن النَّبِي ﵊ وجدهَا فَعدل عَنْهَا إِلَى الْأَوَانِي وَالله تَعَالَى أعلم
(بَاب لَا تسْتَقْبل الْقبْلَة بغائط أَو بَوْل إِلَّا عِنْد الْبناء جِدَار أَو نَحوه)
أَي هَذَا بَاب فباب مَرْفُوع على الخبرية منون لعدم صِحَة الْإِضَافَة قَوْله لَا يسْتَقْبل الْقبْلَة يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ أَحدهمَا أَن يكون تسْتَقْبل بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق على صِيغَة الْمَجْهُول وَقَوله الْقبْلَة مَرْفُوع لِأَنَّهُ مفعول نَاب عَن الْفَاعِل وَالْآخر أَن يكون يسْتَقْبل بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف على صِيغَة الْمَعْلُوم أَي لَا يسْتَقْبل قَاضِي حَاجته الْقبْلَة والقبلة مَنْصُوب بِهِ وَلَام يسْتَقْبل يجوز فِيهَا وَجْهَان أَيْضا أَحدهمَا الضَّم على أَن تكون لَا نَافِيَة وَالْآخر الْكسر على أَن تكون ناهية قَوْله بغائط الْبَاء فِيهِ ظرفية وَفِي الْمُحكم الْغَائِط والغوط المتسع من الأَرْض مَعَ طمأنينة وَجمعه أغواط وغياط وغيطان وكل مَا انحدر من الأَرْض فقد غاط وَمن بواطن الأَرْض المنبتة الْغِيطَان الْوَاحِد مِنْهَا غَائِط وَزَعَمُوا أَن الْغَائِط رُبمَا كَانَ فرسخا وَالْغَائِط اسْم للعذرة نَفسهَا لأَنهم كَانُوا يلقونها بالغيطان وَقيل لأَنهم كَانُوا إِذا أَرَادوا ذَلِك أَتَوا الْغَائِط وتغوط الرجل كِنَايَة عَن الخرأة والغوط أغمض من الْغَائِط وَأبْعد وَفِي الصِّحَاح وَجمع الْغَائِط غوط وَفِي الْمُخَصّص الْغَائِط أَصله المطمئن من الأَرْض وسمى المتوضأ غائطا لأَنهم كَانُوا يأتونه لقَضَاء الْحَاجة ثمَّ سمى الشَّيْء بِعَيْنِه غائطا وَقِرَاءَة الزُّهْرِيّ (أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الغيط) مُخَفّفَة الْيَاء وَأَصله الغوط وَقيل لكل من قضى حَاجته قد أَتَى الْغَائِط يكنى بِهِ عَن الْعذرَة وَقَالَ الْخطابِيّ أَصله المطمئن من الأَرْض كَانُوا يأتونه للْحَاجة فكنوا بِهِ عَن نفس الْحَدث كَرَاهَة لذكره بخاص اسْمه وَمن عَادَة الْعَرَب التعفف فِي ألفاظها وَاسْتِعْمَال الْكِنَايَة فِي كَلَامهَا وصون الْأَلْسِنَة عَمَّا تصان الْأَبْصَار والأسماع عَنهُ قلت الْحَاصِل أَنه اسْتعْمل للْخَارِج وَغلب على الْحَقِيقَة الوضعية فَصَارَ حَقِيقَة عرفية لَكِن لَا يقْصد بِهِ إِلَّا الْخَارِج من الدبر فَقَط للتفرقة فِي الحَدِيث بَينهمَا فِي قَوْله بغائط أَو بَوْل وَقد يقْصد بِهِ مَا يخرج من الْقبل أَيْضا فَإِن الحكم عَام وَفِي الْعباب غاط فِي الشَّيْء يغوط ويغيط غوطا وغيطا دخل فِيهِ يُقَال هَذَا رمل تغوط فِيهِ الْأَقْدَام وتغيط والغوط وَالْغَائِط المطمئن من الأَرْض الْوَاسِع. وَقَالَ ابْن دُرَيْد الغوط أَشد انحطاطا من الْغَائِط وَأبْعد وَفِي قصَّة نوح ﵊ انسدت ينابيع الغوط الْأَكْبَر وأبواب السَّمَاء وَالْجمع غوط وأغواط وغياط صَارَت الْوَاو يَاء لانكسار مَا قبلهَا وَالْغَائِط أَيْضا الغوط من الأَرْض والغوطة الوهدة فِي الأَرْض المطمئنة والتركيب يدل على اطمئنان وغور قَوْله إِلَّا عِنْد الْبناء اسْتثِْنَاء من قَوْله لَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب دلَالَة على الِاسْتِثْنَاء الَّذِي ذكره ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك بِمَا حَاصله أَنه أَرَادَ بالغائط مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ لَا مَعْنَاهُ الْعرفِيّ فَحِينَئِذٍ يَصح اسْتثِْنَاء الْأَبْنِيَة مِنْهُ وَقَالَ بَعضهم هَذَا قوي الْأَجْوِبَة قلت لَيْسَ كَذَلِك لأَنهم لما استعملوه للْخَارِج وَغلب هَذَا الْمَعْنى على الْمَعْنى الْأَصْلِيّ صَار حَقِيقَة عرفية غلبت على الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة فهجرت حَقِيقَته اللُّغَوِيَّة فَكيف ترَاد بعد ذَلِك وَقَالَ ابْن بطال هَذَا الِاسْتِثْنَاء لَيْسَ مأخوذا من الحَدِيث وَلَكِن لما علم من حَدِيث ابْن عمر ﵄ اسْتثِْنَاء الْبيُوت بوب بِهِ لِأَن حَدِيثه ﵊ كُله كَأَنَّهُ شَيْء وَاحِد وَإِن اخْتلفت طرقه كَمَا أَن الْقُرْآن كُله كالآية الْوَاحِدَة وَإِن كثر وَتَبعهُ ابْن الْمُنِير فِي شَرحه وَاسْتَحْسنهُ بعض الشَّارِحين قلت فعلى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي هَذَا الْبَاب عقيب حَدِيث أبي أَيُّوب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقَالَ الْكرْمَانِي
стр. 600
يحْتَمل أَن يكون أَي الِاسْتِثْنَاء الْمَذْكُور مأخوذا من هَذَا الحَدِيث يَعْنِي حَدِيث أبي أَيُّوب إِذْ لفظ الْغَائِط مشْعر بِأَن الحَدِيث ورد فِي شَأْن الصحارى إِذْ الاطمئنان أَي الانخفاض والارتفاع إِنَّمَا يكون فِي الْأَرَاضِي الصحراوية لَا فِي الْأَبْنِيَة قلت الْعبْرَة لعُمُوم اللَّفْظ لَا لخُصُوص السَّبَب وَقَالَ ابْن الْمُنِير أَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي الفضاء وَأما الْجِدَار والأبنية فَإِنَّهَا إِذا اسْتقْبلت أضيف إِلَيْهَا الِاسْتِقْبَال عرفا قلت كل من توجه إِلَى نَحْو الْكَعْبَة يُطلق عَلَيْهِ أَنه مُسْتَقْبل الْكَعْبَة سَوَاء كَانَ فِي الصَّحرَاء أَو فِي الْأَبْنِيَة فَإِن كَانَ فِي الْأَبْنِيَة فالحائل بَينه وَبَين الْقبْلَة هُوَ الْأَبْنِيَة وَإِن كَانَ فِي الصَّحرَاء فَهُوَ الْجبَال والتلال وَالصَّوَاب أَن يُقَال أَن الحَدِيث عِنْده عَام مَخْصُوص وَعَلِيهِ يُوَجه الِاسْتِثْنَاء قَوْله جِدَار بِالْجَرِّ بدل من الْبناء قَوْله أَو نَحوه أَي نَحْو الْجِدَار كالأحجار الْكِبَار والسواري والأساطين وَنَحْو ذَلِك وَفِي رِوَايَة الْكشميهني أَو غَيره وهما متقاربان. وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر
١٠ - (حَدثنَا آدم قَالَ حَدثنَا ابْن أبي ذِئْب قَالَ حَدثنَا الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا أَتَى أحدكُم الْغَائِط فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا يولها ظَهره شرقوا أَو غربوا) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة الْمُسْتَثْنى مِنْهَا ظَاهِرَة وَلَيْسَ لَهُ مُطَابقَة للمستثنى على مَا ذكرنَا وَمَا يطابقه هُوَ حَدِيث عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا على الْوَجْه الَّذِي نَقَلْنَاهُ الْآن عَن ابْن بطال فَمن هَذَا قَالَ صَاحب التَّلْوِيح فِي هَذَا الحَدِيث مَا يدل على عكس مَا قَالَه البُخَارِيّ وَذَلِكَ أَن أَبَا أَيُّوب رَاوِي الحَدِيث فهم مِنْهُ غير مَا ذكره البُخَارِيّ وَهُوَ تَعْمِيم النَّهْي والتسوية فِي ذَلِك بَين الصَّحَارِي والأبنية بَين ذَلِك بقوله فقدمنا الشَّام فَوَجَدنَا مراحيض قد بنيت نَحْو الْكَعْبَة فَكُنَّا ننحرف عَنْهَا ونستغفر الله تَعَالَى وَفِي حَدِيث مَالك قَالَ أَبُو أَيُّوب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فقدمنا الشَّام فَوَجَدنَا مراحيض بنيت قبل الْكَعْبَة فننحرف ونستغفر الله تَعَالَى وَعَن الزُّهْرِيّ عَن عَطاء سَمِعت أَبَا أَيُّوب عَن النَّبِي ﷺ مثله ذكره البُخَارِيّ فِي بَاب قبْلَة أهل الْمَدِينَة فِي أَوَائِل الصَّلَاة وَفِي حَدِيث مَالك للنسائي عَن أبي أَيُّوب أَنه قَالَ وَالله مَا أَدْرِي كَيفَ أصنع بِهَذِهِ الكرابيس وَقد قَالَ النَّبِي ﵊ الحَدِيث (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول آدم ابْن أبي إِيَاس وَقد تكَرر ذكره الثَّانِي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن أبي ذِئْب هِشَام الْمدنِي العامري وَقد مر الثَّالِث مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَقد تكَرر ذكره الرَّابِع أَبُو يزِيد عَطاء بن يزِيد من الزِّيَادَة اللَّيْثِيّ ثمَّ الجندعي بِضَم الْجِيم وَسُكُون النُّون وَضم الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة الْمدنِي وَيُقَال الشَّامي التَّابِعِيّ لِأَنَّهُ سكن رَملَة الشَّام مَاتَ سنة سبع وَقيل خمس وَمِائَة عَن اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ سنة الْخَامِس أَبُو أَيُّوب خَالِد بن زيد بن كُلَيْب بن ثَعْلَبَة بن عبد عَوْف بن غنم الْأنْصَارِيّ النجاري شهد بَدْرًا والعقبة الثَّانِيَة وَعَلِيهِ نزل رَسُول الله ﷺ حِين قدم الْمَدِينَة شهرا وَهُوَ من نجباء الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم روى لَهُ مائَة وَخَمْسُونَ حَدِيثا اتفقَا مِنْهَا على سَبْعَة وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِحَدِيث وَكَانَ مَعَ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي حروبه مَاتَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ غازيا سنة خمسين وَذَلِكَ مَعَ يزِيد بن مُعَاوِيَة خرج مَعَه فَمَرض فَلَمَّا ثقل عَلَيْهِ الْمَرَض قَالَ لأَصْحَابه إِذا أَنا مت فاحملوني فَإِذا صافقتم الْعَدو فادفنوني تَحت أقدامكم فَفَعَلُوا فقبره قريب من سورها مَعْرُوف إِلَى الْيَوْم مُعظم فيستسقون بِهِ فيسقون وَأَبُو أَيُّوب فِي الصَّحَابَة ثَلَاثَة هَذَا أَجلهم وثانيهم يماني لَهُ رِوَايَة وثالثهم روى لَهُ عَن عَليّ بن مسْهر عَن الأفريقي عَن أَبِيه عَن أبي أَيُّوب فَلَعَلَّهُ الأول وَأَيوب يشْتَبه بأثوب بِسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْوَاو وَهُوَ أثوب بن عتبَة صَحَابِيّ روى عَن النَّبِي ﷺ الديك الْأَبْيَض خليلي إِسْنَاده لَا يثبت رَوَاهُ عبد الْبَاقِي بن قَانِع حَدثنَا حُسَيْن حَدثنَا عَليّ بن بَحر حَدثنَا ملاذ بن عَمْرو عَن هَارُون بن نجيد عَن جَابر عَن أثوب بن عتبَة قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ والْحَارث ابْن أثوب تَابِعِيّ قَالَه عبد الْغَنِيّ وَقَالَ ابْن مَاكُولَا وَالصَّوَاب ثوب بِضَم الثَّاء وَفتح الْوَاو وأثوب بن أَزْهَر زوج قيلة بنت مخرمَة الصحابية رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَمِنْهَا أَن رُوَاته كلهم مدنيون مَا خلا آدم فَإِنَّهُ أَيْضا دخل إِلَيْهَا
стр. 601
وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عَليّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى وَزُهَيْر وَابْن نمير وَأَبُو دَاوُد أَيْضا فِيهِ عَن مُسَدّد وَالتِّرْمِذِيّ فِيهِ أَيْضا عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن خمستهم عَن سُفْيَان بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بِهِ وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن غنْدر عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ بِمَعْنَاهُ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ أَيْضا عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح عَن ابْن وهب عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ نَحوه (بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب) قَوْله إِذا أَتَى من الْإِتْيَان وَهُوَ الْمَجِيء وَقد أتيه أَتَيَا وأتوتة وأتوة لُغَة فِيهِ وَكلمَة إِذا للشّرط وَلِهَذَا دخلت الْفَاء فِي جوابها وَهُوَ قَوْله فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة قَوْله الْغَائِط مَنْصُوب بقوله أَتَى قَوْله فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ أَحدهمَا أَن يكون نهيا فَتكون اللَّام مَكْسُورَة لِأَن الأَصْل فِي السَّاكِن إِذا حرك أَن يُحَرك بِالْكَسْرِ وَالْآخر أَن يكون نفيا فَتكون اللَّام مَضْمُومَة قَوْله وَلَا يولها نهى وَلِهَذَا حذفت مِنْهُ الْيَاء وَأَصله وَلَا يوليها من ولاه الشَّيْء إِذا استقبله وَفِي الْمطَالع وَقد يكون التولي بِمَعْنى الِاسْتِقْبَال ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ أَي توَلّوا وُجُوهكُم وَالْهَاء مَفْعُوله الأول وظهره مَفْعُوله الثَّانِي وَهُوَ يَسْتَدْعِي مفعولين وَلِهَذَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلكُل وجهة هُوَ موليها﴾ أَي موليها وَجهه فَحذف أحد المفعولين وَقَالَ الْجَوْهَرِي ﴿وَلكُل وجهة هُوَ موليها﴾ أَي يستقبلها بِوَجْهِهِ وَهَهُنَا أَيْضا الْمَعْنى لَا يسْتَقْبل الْقبْلَة بظهره وَحَاصِل الْمَعْنى لَا يستدبر الْقبْلَة بظهره أَو لَا يَجْعَلهَا مُقَابل ظَهره قَوْله شرقوا جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَكَذَلِكَ أَو غربوا من التَّشْرِيق وَهُوَ الْأَخْذ فِي نَاحيَة الْمشرق والتغريب وَهُوَ الْأَخْذ فِي نَاحيَة الْمغرب. يُقَال شتان بَين مشرق ومغرب (بَيَان الْمعَانِي) فِيهِ تَقْيِيد الْفِعْل بِالشّرطِ وَقد علم الْفرق بَين تَقْيِيده بِأَن وَبَين تَقْيِيده بإذا بِأَن أصل أَن عدم الْجَزْم بِوُقُوع الشَّرْط وأصل إِذا الْجَزْم بِوُقُوعِهِ وَغلب لفظ الْمَاضِي بإذا على الْمُسْتَقْبل لِأَن لفظ الْمَاضِي أنسب إِلَى مَدْلُول إِذا من لفظ الْمُسْتَقْبل لكَون الْمَاضِي أقرب إِلَى الْقطع بالوقوع من الْمُسْتَقْبل نظرا إِلَى اللَّفْظ لَا إِلَى الْمَعْنى فَإِنَّهُ يدل على الِاسْتِقْبَال لوُقُوعه فِي سِيَاق الشَّرْط وَفِيه أسلوب الِالْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب وَإِذا وَقع الْكَلَام على أساليب مُخْتَلفَة يزْدَاد رونقا وبهجة وحسنا سِيمَا هُوَ من كَلَام أفْصح النَّاس وَقَالَ الْخطابِيّ قَوْله شرقوا أَو غربوا خطاب لأهل الْمَدِينَة وَلمن كَانَت قبلته على ذَلِك السمت وَأما من قبلته إِلَى جِهَة الْمشرق أَو الْمغرب فَإِنَّهُ لَا يشرق وَلَا يغرب وَقَالَ الدَّاودِيّ اخْتلف فِي قَوْله شرقوا أَو غربوا فَقيل إِنَّمَا ذَلِك فِي الْمَدِينَة وَمَا أشبههَا كَأَهل الشَّام واليمن وَأما من كَانَت قبلته من جِهَة الْمشرق أَو الْمغرب فَإِنَّهُ يتيامن أَو يتشاءم وَقَالَ بَعضهم الْبَيْت قبْلَة لمن فِي الْمَسْجِد وَالْمَسْجِد قبْلَة لأهل مَكَّة وَمَكَّة قبْلَة لأهل الْحرم وَالْحرم قبْلَة لسَائِر أهل الأَرْض وَقَالُوا فِي قَوْله مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة فِيمَا يُحَاذِي الْكَعْبَة أَنه يُصَلِّي إِلَيْهِ من الْجِهَتَيْنِ وَلَا يشرق وَلَا يغرب يُحَاذِي كل طَائِفَة الْأُخْرَى فِي هَذَا لِأَن الله كرم الْبَيْت وَجعله مصلى يصلى إِلَيْهِ من كل جِهَة (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول احْتج أَبُو حنيفَة ﵁ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور على عدم جَوَاز اسْتِقْبَال الْقبْلَة واستدبارها بالبول وَالْغَائِط سَوَاء كَانَ فِي الصَّحرَاء أَو فِي الْبُنيان أخذا فِي ذَلِك بِعُمُوم الحَدِيث هُوَ مَذْهَب مُجَاهِد وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأبي ثَوْر وَأحمد فِي رِوَايَة وَهُوَ مَذْهَب الرَّاوِي أَيْضا وَهُوَ أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَلِأَن الْمَنْع لأجل تَعْظِيم الْقبْلَة وَهُوَ مَوْجُود فِي الصَّحرَاء والبنيان فالجواز فِي الْبُنيان إِن كَانَ لوُجُود الْحَائِل فَهُوَ مَوْجُود فِي الصَّحرَاء فِي الْبِلَاد النائية لِأَن بَينهَا وَبَين الْكَعْبَة جبالا وأودية وَغير ذَلِك لَا سِيمَا عِنْد من يَقُول بكروية الأَرْض فَإِنَّهُ لَا موازاة إِذْ ذَاك بِالْكُلِّيَّةِ وَمَا ورد من قَول الشّعبِيّ أَنه علل ذَلِك بِأَن لله خلقا من عباده يصلونَ فِي الصَّحرَاء فَلَا تستقبلوهم وَلَا تستدبروهم وَأَنه لَا يُوجد فِي الْأَبْنِيَة فَهُوَ تَعْلِيل فِي مُقَابلَة النَّص وَلَهُم فِي ذَلِك أَحَادِيث أُخْرَى كلهَا عَامَّة فِي النَّهْي مِنْهَا حَدِيث عبد الله بن الْحَارِث بن جُزْء أَنا أول من سمع النَّبِي ﷺ يَقُول لَا يبولن أحدكُم مُسْتَقْبل الْقبْلَة وَأَنا أول من حدث النَّاس بذلك فَإِن قلت قَالَ ابْن يُونُس فِي تَارِيخه وَهُوَ حَدِيث مَعْلُول قلت لَا الْتِفَات إِلَى قَوْله هَذَا فَإِن ابْن حبَان قد صَححهُ. وَمِنْهَا
стр. 602
حَدِيث معقل بن أبي معقل نهى رَسُول الله ﵊ أَن تسْتَقْبل الْقبْلَتَيْنِ ببول أَو غَائِط أخرجه ابْن مَاجَه وَأَبُو دَاوُد وَأَرَادَ بالقبلتين الْكَعْبَة وَبَيت الْمُقَدّس وَيحْتَمل أَن يكون على معنى الاحترام لبيت الْمُقَدّس إِذْ كَانَ مرّة قبْلَة لنا وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك من أجل استدبار الْكَعْبَة لِأَن من استقبله فقد استدبر الْكَعْبَة وَمِنْهَا حَدِيث سلمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لقد نَهَانَا أَن نستقبل الْقبْلَة بغائط أَو بَوْل الحَدِيث أخرجه مُسلم وَالْأَرْبَعَة. وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة إِنَّمَا أَنا لكم بِمَنْزِلَة الْوَالِد أعلمكُم فَإِذا أَتَى أحدكُم الْغَائِط فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا يستدبرها الحَدِيث أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فَإِن قلت حَدِيث أبي أَيُّوب فِي إِسْنَاده اخْتِلَاف فَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن سعد عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن حَارِثَة عَن أبي أَيُّوب وَقيل عَن إِبْرَاهِيم عَن الزُّهْرِيّ عَن رجل عَن أبي أَيُّوب وَرَوَاهُ أَيُّوب بن أبي تَمِيمَة عَن الزُّهْرِيّ عَن رجلَيْنِ لم يسمهما عَن أبي أَيُّوب وأرسله نَافِع بن عمر الجُمَحِي عَن الزُّهْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ قلت رَوَاهُ عَن أبي أَيُّوب جمَاعَة مِنْهُم رَافع بن إِسْحَق وَعمر بن ثَابت وَأَبُو الْأَحْوَص وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن حَارِثَة وَعَن الزُّهْرِيّ ابْن أبي ذِئْب وَمعمر وَيُونُس وَابْن أخي الزُّهْرِيّ والنعمان بن رَاشد وَسليمَان بن كثير وَعبد الرَّحْمَن بن إِسْحَق وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَمُحَمّد بن أبي حَفْصَة وَيزِيد بن أبي حبيب وَعقيل وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْقَوْل قَول ابْن أبي ذِئْب وَمن تَابعه وَفِي مُسْند الْحميدِي تَصْرِيح الزُّهْرِيّ بِسَمَاعِهِ إِيَّاه من عَطاء وَعَطَاء من أبي أَيُّوب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ثمَّ اعْلَم أَن حَاصِل مَا للْعُلَمَاء فِي ذَلِك أَرْبَعَة مَذَاهِب. أَحدهَا الْمَنْع الْمُطلق وَقد ذَكرْنَاهُ. الثَّانِي الْجَوَاز مُطلقًا وَهُوَ قَول عُرْوَة بن الزبير وَرَبِيعَة الرَّأْي وَدَاوُد وَرَأى أَي هَؤُلَاءِ أَن حَدِيث أبي أَيُّوب مَنْسُوخ وَزَعَمُوا أَن ناسخه حَدِيث مُجَاهِد عَن جَابر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ نَهَانَا رَسُول الله ﵊ أَن نستقبل الْقبْلَة أَو نستدبرها ببول ثمَّ رَأَيْته قبل أَن يقبض بعام يستقبلها أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَزعم أَنه صَحِيح على شَرط مُسلم وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب قلت قَول الْحَاكِم صَحِيح على شَرط مُسلم غير صَحِيح لِأَن أبان رَاوِيه عَن مُجَاهِد عَن جَابر لم يخرج لَهُ مُسلم شَيْئا والْحَدِيث حَدِيثه وَعَلِيهِ يَدُور نعم صَححهُ البُخَارِيّ فِيمَا سَأَلَهُ التِّرْمِذِيّ عَنهُ فَقَالَ حَدِيث صَحِيح ذكره فِي الخلافيات للبيهقي وتقريب المدارك فِي الْكَلَام على موطأ مَالك فَإِن قلت قَالَ ابْن حزم هَذَا حَدِيث ضَعِيف لِأَنَّهُ رَوَاهُ أبان بن صَالح وَلَيْسَ هُوَ الْمَشْهُور قلت هَذَا مَرْدُود بتصحيح البُخَارِيّ وَغَيره وَقَالَ يحيى بن معِين وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَيَعْقُوب بن شيبَة وَالْعجلِي أبان بن صَالح ثِقَة وَقَالَ النَّسَائِيّ كَانَ حَاكما بِالْمَدِينَةِ وَلَيْسَ بِهِ بَأْس فَأَي شهرة أرفع من هَذِه وَقَالَ الْبَزَّار هَذَا حَدِيث لَا نعرفه ويروى عَن جَابر بِهَذَا اللَّفْظ بِإِسْنَاد أحسن من هَذَا الْإِسْنَاد فَإِن قلت قَالَ أَبُو عمر فِي التَّمْهِيد رد أَحْمد بن حَنْبَل حَدِيث جَابر ﵁ هَذَا وَهُوَ حَدِيث لَيْسَ بِصَحِيح فيعرج عَلَيْهِ لِأَن أبان ضَعِيف قلت إِن أَرَادَ بقوله رده أَحْمد الْعَمَل بِهِ فمحتمل وَإِن أَرَادَ بِهِ الرَّد الصناعي فَغير مُسلم لثُبُوته فِي مُسْنده لم يضْرب عَلَيْهِ كعادته فِيمَا لَيْسَ بِصَحِيح عِنْده أَو مَرْدُود على مَا بَينه الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي خَصَائِص مُسْنده وَأما تَضْعِيفه الحَدِيث بِأَبَان فَغير موجه لثُبُوت توثيقه من الْجَمَاعَة الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ وَأما قَول التِّرْمِذِيّ حسن غَرِيب فَهُوَ وَإِن كَانَ جمعا بَين الضدين بِحَسب الظَّاهِر وَلكنه لَعَلَّه أَرَادَ تفرد بعض رُوَاته وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَن أبان هُوَ الْمُنْفَرد بِهِ فِيمَا أرى وَالله أعلم. وَأما دَعْوَى النّسخ الْمَذْكُور فَلَيْسَتْ بظاهرة بل هُوَ اسْتِدْلَال ضَعِيف لِأَنَّهُ لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا عِنْد تعذر الْجمع وَهُوَ مُمكن كَمَا سَيَجِيءُ بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى على أَن حَدِيث جَابر مَحْمُول على أَنه رَآهُ فِي بِنَاء أَو نَحوه لِأَن ذَلِك هُوَ الْمَعْهُود من حَال النَّبِي ﵊ لمبالغته فِي التستر. الْمَذْهَب الثَّالِث أَنه لَا يجوز الِاسْتِقْبَال فِي الْأَبْنِيَة والصحراء وَيجوز الاستدبار فيهمَا وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الرَّابِع أَنه يحرم الِاسْتِقْبَال والاستدبار فِي الصَّحرَاء دون الْبُنيان وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَأحمد فِي رِوَايَة وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر ﵃ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث ابْن عمر ﵄ الْآتِي ذكره عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهَذِه الْمذَاهب الْأَرْبَعَة مَشْهُورَة عَن الْعلمَاء وَلم يذكر النَّوَوِيّ فِي شرح الْمَذْهَب غَيرهَا وَكَذَلِكَ عَامَّة شرَّاح البُخَارِيّ وَهَهُنَا ثَلَاثَة مَذَاهِب أُخْرَى. مِنْهَا جَوَاز الاستدبار
стр. 603
فِي الْبُنيان فَقَط تمسكا بِظَاهِر حَدِيث ابْن عمر وَهُوَ مَرْوِيّ عَن أبي يُوسُف. وَمِنْهَا التَّحْرِيم مُطلقًا حَتَّى فِي الْقبْلَة المنسوخة وَهِي بَيت الْمُقَدّس وَهُوَ محكي عَن إِبْرَاهِيم وَابْن سِيرِين عملا بِحَدِيث معقل الْأَسدي الْمَذْكُور عَن قريب. وَمِنْهَا أَن التَّحْرِيم مُخْتَصّ بِأَهْل الْمَدِينَة وَمن كَانَ على سمتها وَأما من كَانَت قبلته فِي جِهَة الْمشرق أَو الْمغرب فَيجوز لَهُ الِاسْتِقْبَال والاستدبار مُطلقًا لعُمُوم قَوْله ﵊ شرقوا أَو غربوا قَالَه أَبُو عوَانَة صَاحب الْمُزنِيّ وبعكسه قَالَ البُخَارِيّ وَاسْتدلَّ بِهِ على أَنه لَيْسَ فِي الْمشرق وَلَا فِي الْمغرب قبله كَمَا سَيَأْتِي فِي بَاب قبْلَة أهل الْمَدِينَة فِي كتاب الصَّلَاة إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِن قلت ادّعى الْخطابِيّ الْإِجْمَاع على عدم تَحْرِيم اسْتِقْبَال بَيت الْمُقَدّس لمن لَا يستدبر فِي استقباله الْكَعْبَة قلت فِيهِ نظر لما ذَكرْنَاهُ عَن إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد بن سِيرِين وَهُوَ قَول بعض الشَّافِعِيَّة أَيْضا. الثَّانِي من الْأَحْكَام فِيهِ إكرام الْقبْلَة عَن المواجهة بِالنَّجَاسَةِ مُطلقًا تَعْظِيمًا لَهَا وَلَا سِيمَا عِنْد الْغَائِط وَالْبَوْل. الثَّالِث فِيهِ الْمُحَافظَة على الْأَدَب ومراعاته فِي كل حَال. الرَّابِع استنبط ابْن التِّين مِنْهُ منع اسْتِقْبَال النيرين فِي حَالَة الْغَائِط وَالْبَوْل وَكَأَنَّهُ قاسه على اسْتِقْبَال الْقبْلَة وَلَيْسَ الْقيَاس بِظَاهِر على مَا لَا يخفى. (فروع) من آدَاب الِاسْتِنْجَاء الإبعاد إِذا كَانَ فِي براح من الأَرْض أَو ضرب حجاب أَو ستر وأعماق الْآبَار والحفائر وَأَن لَا يرفع ثَوْبه حَتَّى يدنو من الأَرْض جَاءَ ذَلِك فِي حَدِيث رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد الْأَعْمَش عَن أنس عَن أبي دَاوُد وتغطية الرَّأْس كَمَا كَانَ أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَفْعَله وَترك الْكَلَام كَفعل عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ والاستنجاء باليسار وَغسل الْيَد بعد الْفَرَاغ بِالتُّرَابِ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه والاستجمار وَاجْتنَاب الروث والرمة وَأَن لَا يتَوَضَّأ فِي المغتسل لقَوْله ﵊ لَا يبولن أحدكُم فِي مغتسله وَينْزع خَاتمه إِذا كَانَ فِيهِ اسْم الله تَعَالَى رَوَاهُ النَّسَائِيّ وارتياد الْموضع الدمث وَأَن لَا يسْتَقْبل الشَّمْس وَالْقَمَر وَأَن لَا يَبُول قَائِما وَلَا فِي طَرِيق النَّاس وَلَا ظلهم وَلَا فِي المَاء الراكد ومساقط الثِّمَار وَصفَة الْأَنْهَار وَأَن يتكئ على رجله الْيُسْرَى وينثر ذكره ثَلَاثًا
(بَاب من تبرز على لبنتين)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من تبرز على لبنتين وَبَاب مَرْفُوع مُضَاف إِلَى مَا بعده وَكلمَة من مَوْصُولَة وتبرز صلتها على وزن تفعل من التبرز وَهُوَ التغوط وأصل التبرز الْخُرُوج إِلَى البرَاز للْحَاجة وَالْبرَاز بِفَتْح الْمُوَحدَة اسْم للفضاء الْوَاسِع من الأَرْض وكنوا بِهِ عَن حَاجَة الْإِنْسَان قَوْله لبنتين تَثْنِيَة لبنة بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَيجوز تسكينها أَيْضا مَعَ فتح اللَّام وَكسرهَا وَكَذَا كل مَا كَانَ على هَذَا الْوَزْن أَعنِي مَفْتُوح الأول مكسور الثَّانِي يجوز فِيهِ الْأَوْجه الثَّلَاثَة ككتف وَإِن كَانَ ثَانِيه أَو ثالثه حرف حلق جَازَ فِيهِ وَجه رَابِع وَهُوَ كسر الأول وَالثَّانِي كفخذ قَالَ الْجَوْهَرِي اللبنة واللبنة الَّتِي يبْنى بهَا وَالْجمع لبن مثل كلمة وكلم قيل اللبنة هِيَ الطوب قَالَه ابْن قرقول وَهُوَ الطوب النيء وَالَّذِي توقد عَلَيْهِ النَّار يُسمى بالآجر وَقَالَ بَعضهم اللبنة هِيَ مَا يصنع من الطين أَو غَيره للْبِنَاء قبل أَن يحرق قلت لَيْت شعري مَا معنى قَوْله أَو غَيره فَهَل تصنع اللبنة من غير الطين عَادَة. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر وَهُوَ أَن حَدِيث هَذَا الْبَاب مُخَصص لحَدِيث الْبَاب الأول على رَأْي البُخَارِيّ وَمن ذهب إِلَى مذْهبه فِي ذَلِك كَمَا ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ
١١ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن مُحَمَّد بن يحيى بن حبَان عَن عَمه وَاسع بن حبَان عَن عبد الله بن عمر أَنه كَانَ يَقُول إِن نَاسا يَقُولُونَ إِذا قعدت على حَاجَتك فَلَا تسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا بَيت الْمُقَدّس فَقَالَ عبد الله بن عمر لقد ارتقيت يَوْمًا على ظهر بَيت لنا فَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ على لبنتين مُسْتَقْبلا بَيت الْمُقَدّس لِحَاجَتِهِ وَقَالَ لَعَلَّك من الَّذين يصلونَ على أوراكهم فَقلت لَا أَدْرِي وَالله قَالَ مَالك يَعْنِي
стр. 604
الَّذِي يُصَلِّي وَلَا يرْتَفع عَن الأَرْض يسْجد وَهُوَ لاصق بِالْأَرْضِ) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فَرَأَيْت رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم على لبنتين مُسْتَقْبلا بَيت الْمُقَدّس (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول عبد الله بن يُوسُف التنيسِي وَقد تقدم الثَّانِي الإِمَام مَالك بن أنس وَقد تكَرر ذكره الثَّالِث يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ الْمدنِي وَقد تقدم. الرَّابِع مُحَمَّد بن يحيى بن حبَان بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الْأنْصَارِيّ النجاري بالنُّون وَالْجِيم الْمَازِني كَانَ لَهُ حَلقَة فِي مَسْجِد رَسُول الله ﵊ وَكَانَ مفتيا ثِقَة كثير الحَدِيث مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَة. الْخَامِس عَم مُحَمَّد بن يحيى وَهُوَ وَاسع بن حبَان بِالْفَتْح الْأنْصَارِيّ النجاري الْمَازِني الثِّقَة قيل أَن لَهُ رِوَايَة فَلذَلِك ذكر فِي الصَّحَابَة ﵃ وَأَبوهُ حبَان هُوَ ابْن منقذ بن عَمْرو لَهُ ولأبيه صُحْبَة. السَّادِس عبد الله بن عمر ﵄. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار. وَمِنْهَا أَن هَذَا الْإِسْنَاد كُله على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَالْأَرْبَعَة إِلَّا عبد الله بن يُوسُف فَإِنَّهُ من رجال البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ. وَمِنْهَا أَنهم كلهم مدنيون سوى عبد الله فَإِنَّهُ مصري تنيسي بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد النُّون. وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة ثَلَاثَة من التَّابِعين بَعضهم عَن بعض يحيى بن سعيد وَمُحَمّد بن يحيى وواسع بن حبَان. وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ على قَول من يعد وَاسِعًا من الصَّحَابَة ﵃. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن يزِيد بن هرون عَن يحيى بن سعيد وَفِيه وَفِي الْخمس أَيْضا عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن أنس بن عِيَاض عَن عبيد الله بن عمر عَن مُحَمَّد بن يحيى بن حبَان بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن القعْنبِي عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن يحيى بن سعيد بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن مُحَمَّد بن بشر عَن عبيد الله وَأَبُو دَاوُد فِيهِ أَيْضا عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضا فِيهِ عَن هناد عَن عَبدة بن سُلَيْمَان عَن عبيد الله بِهِ وَقَالَ حسن صَحِيح وللنسائي أَيْضا فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ وَابْن ماجة أَيْضا فِيهِ عَن أبي بكر بن خَلاد وَمُحَمّد بن يحيى كِلَاهُمَا عَن يزِيد بن هَارُون بِهِ وَعَن هِشَام بن عمار عَن عبد الحميد بن حبيب عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بِهِ يزِيد بَعضهم على بعض (بَيَان اللُّغَات) قَوْله بَيت الْمُقَدّس فِيهِ لُغَتَانِ مشهورتان فتح الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَكسر الدَّال المخففة وَضم الْمِيم وَفتح الْقَاف وَالدَّال الْمُشَدّدَة والمشدد مَعْنَاهُ المطهر والمخفف لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون مصدرا أَو مَكَانا وَمَعْنَاهُ بَيت الْمَكَان الَّذِي جعل فِيهِ الطَّهَارَة وتطهيره أخلاؤه من الْأَصْنَام وأبعاده مِنْهَا أَو من الْقُلُوب قَوْله ارتقيت مَعْنَاهُ صعدت من رقيت فِي السّلم بِالْكَسْرِ رقيا ورقيا إِذا صعدت وَهَذِه هِيَ اللُّغَة الفصيحة الْمَشْهُورَة وَحكى صَاحب الْمطَالع لغتين أُخْرَيَيْنِ إِحْدَاهمَا فتح الْقَاف بِغَيْر همز وَالْأُخْرَى فتحهَا مَعَ الْهمزَة قَوْله أوراكهم جمع ورك قَالَ الْكرْمَانِي وَهُوَ مَا بَين الفخذين قلت لَيْسَ كَذَلِك بل الوركان مَا قَالَه الْأَصْمَعِي الوركان العظمان على طرف عظم الفخذين وَفِي الْعباب الورك الورك الورك كفخذ وفخذ وفخذ وَهِي مُؤَنّثَة (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله كَانَ فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ خبر أَن وَقَوله يَقُول فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ خبر كَانَ وَقَوله أَن نَاسا بِكَسْر الْهمزَة مقول القَوْل وَقَوله يَقُولُونَ فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ خبر أَن قَوْله وَلَا بَيت الْمُقَدّس بِالنّصب عطف على قَوْله الْقبْلَة وَالْإِضَافَة فِيهِ إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صفته نَحْو مَسْجِد الْجَامِع قَوْله لقد ارتقيت اللَّام فِيهِ جَوَاب قسم مَحْذُوف قَوْله يَوْمًا نصب على الظّرْف وَقَوله على ظهر بَيت يتَعَلَّق بقوله ارتقيت قَوْله فَرَأَيْت عطف على قَوْله ارتقيت وَهُوَ بِمَعْنى أَبْصرت فَلَا يَقْتَضِي إِلَّا مَفْعُولا وَاحِدًا قَوْله على لبنتين فِي مَحل النصب على الْحَال من رَسُول الله ﵇ وَكَذَا قَوْله مُسْتَقْبلا حَال مِنْهُ وَيجوز أَن يَكُونَا حَالين مترادفتين ومتداخلتين قَوْله بَيت الْمُقَدّس كَلَام إضافي مَنْصُوب بقوله مُسْتَقْبل وَاللَّام فِي لِحَاجَتِهِ للتَّعْلِيل وَيجوز أَن تكون للتوقيت أَي وَقت حَاجته قَوْله يسْجد جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال وَكَذَا قَوْله وَهُوَ لاصق بِالْأَرْضِ جملَة وَقعت حَالا
стр. 605
(بَيَان الْمعَانِي) قَوْله أَنه كَانَ أَي أَن وَاسِعًا كَانَ يَقُول كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي وَقَالَ ابْن بطال أما قَول ابْن عمر أَن نَاسا يَقُولُونَ إِلَى آخِره قلت هَذَا يدل على أَن الضَّمِير فِي قَوْله أَنه كَانَ يعود إِلَى عبد الله بن عمر وَقَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا جعل ابْن بطال أَن نَاسا مَفْعُولا لِابْنِ عمر لَا لواسع والسياق لَا يساعده قلت الصَّوَاب مَعَ ابْن بطال على مَا لَا يخفى وَقَالَ الْخطابِيّ قد يتَوَهَّم السَّامع من قَول ابْن عمر أَن نَاسا يَقُولُونَ إِلَى آخِره فَهَذَا أَيْضا يُؤَيّد تَفْسِير ابْن بطال فَافْهَم قَوْله أَن نَاسا كَانُوا يَقُولُونَ أَرَادَ بِالنَّاسِ هَؤُلَاءِ من كَانَ يَقُول بِعُمُوم النَّهْي فِي اسْتِقْبَال الْقبْلَة واستدبارها عِنْد الْحَاجة فِي الصَّحرَاء والبنيان وهم أَمْثَال أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وَأبي هُرَيْرَة وَمَعْقِل الْأَسدي وَغَيرهم رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم قَوْله إِذا قعدت ذكر الْقعُود لكَونه الْغَالِب وَإِلَّا فحال الْقيام كَذَلِك قَوْله على حَاجَتك كِنَايَة عَن التبرز قَوْله على ظهر بَيت لنا وَفِي رِوَايَة يزِيد عَن يحيى الْآتِيَة على ظهر بيتنا وَفِي رِوَايَة عبيد الله بن عمر الْآتِيَة على ظهر بَيت حَفْصَة يَعْنِي أُخْته كَمَا صرح بِهِ فِي رِوَايَة مُسلم قَوْله مُسْتَقْبلا بَيت الْمُقَدّس وَفِي رِوَايَة تَأتي عَن قريب مُسْتَقْبل الشَّام مستدبر الْكَعْبَة وَوَقع فِي صَحِيح ابْن حبَان مُسْتَقْبل الْقبْلَة مستدبر الشَّام وَكَأَنَّهُ مقلوب وَالله أعلم. فَإِن قلت كَيفَ نظر ابْن عمر إِلَى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالة وَلَا يجوز ذَلِك قلت وَقعت مِنْهُ تِلْكَ اتِّفَاقًا من غير قصد لذَلِك فَنقل مَا رَآهُ وقصده ذَلِك لَا يجوز كَمَا لَا يتَعَمَّد الشُّهُود النّظر إِلَى الزِّنَا ثمَّ يجوز أَن يَقع أَبْصَارهم عَلَيْهِ ويتحملوا الشَّهَادَة بعد ذَلِك وَقَالَ الْكرْمَانِي يحْتَمل أَن يكون ابْن عمر قصد ذَلِك وَرَأى رَأسه دون مَا عداهُ من بدنه ثمَّ تَأمل قعوده فَعرف كَيفَ هُوَ جَالس ليستفيد فعله فَنقل مَا شَاهد قَوْله وَقَالَ أَي ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَوْله لَعَلَّك الْخطاب فِيهِ لواسع أَي لَعَلَّك من الَّذين لَا يعْرفُونَ السّنة إِذْ لَو كنت عَارِفًا بِالسنةِ لعرفت جَوَاز اسْتِقْبَال بَيت الْمُقَدّس وَلما الْتفت إِلَى قَوْلهم وَإِنَّمَا كنى عَن الْجَاهِلين بِالسنةِ بالذين يصلونَ على أوراكهم لِأَن الْمُصَلِّي على الورك لَا يكون إِلَّا جَاهِلا بِالسنةِ وَإِلَّا لما صلى عَلَيْهِ وَالسّنة فِي السُّجُود التخوية أَي لَا يلصق الرجل بِالْأَرْضِ بل يرفع عَنْهَا قَوْله فَقلت لَا أَدْرِي أَي قَالَ وَاسع لَا أَدْرِي أَنا مِنْهُم أم لَا وَلَا أَدْرِي السّنة فِي اسْتِقْبَال بَيت الْمُقَدّس قَوْله قَالَ مَالك إِلَى آخِره تَفْسِير الصَّلَاة على الورك وَهُوَ اللصوق بِالْأَرْضِ حَالَة السُّجُود قَوْله قَالَ مَالك إِلَى آخِره إِن كَانَ من قَول البُخَارِيّ نَقله عَنهُ يكون تَعْلِيقا وَإِن كَانَ من قَول عبد الله يكون دَاخِلا تَحت الْإِسْنَاد الْمَذْكُور (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول احْتج بِهِ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَق وَآخَرُونَ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ من جَوَاز اسْتِقْبَال الْقبْلَة واستدبارها عِنْد قَضَاء الْحَاجة فِي الْبُنيان وَأَنه مُخَصص لعُمُوم النَّهْي كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الْبَاب السَّابِق وَمِنْهُم من رأى هَذَا الحَدِيث نَاسِخا لحَدِيث أبي أَيُّوب الْمَذْكُور واعتقد الْإِبَاحَة مُطلقًا وقاس الِاسْتِقْبَال على الاستدبار وَترك حكم تَخْصِيصه بالبنيان وَرَأى أَنه وصف ملغى الِاعْتِبَار وَمِنْهُم من رأى الْعَمَل بِحَدِيث أبي أَيُّوب وَمَا فِي مَعْنَاهُ واعتقد هَذَا خَاصّا بِالنَّبِيِّ ﷺ وَمِنْهُم من جمع بَينهمَا وأعملهما وَمِنْهُم من توقف فِي الْمَسْأَلَة قلت دَعْوَى النّسخ غير ظَاهِرَة لِأَنَّهُ لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا عِنْد تعذر الْجمع وَهُوَ مُمكن كَمَا قد ذَكرْنَاهُ فَإِن قلت قد ورد عَن عَائِشَة ﵂ حَدِيث بَين فِيهِ وَجه النّسخ مُطلقًا رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِسَنَد صَحِيح عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعلي بن مُحَمَّد ثَنَا وَكِيع عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن خَالِد الْحذاء عَن خَالِد بن أبي الصَّلْت عَن عرَاك بن مَالك عَنْهَا قَالَت ذكر عِنْد النَّبِي ﷺ قوم يكْرهُونَ أَن يستقبلوا الْقبْلَة بفروجهم فَقَالَ أَرَاهُم قد فعلوا استقبلوا بمقعدتي الْقبْلَة قلت فِي علل التِّرْمِذِيّ قَالَ مُحَمَّد هَذَا حَدِيث فِيهِ اضْطِرَاب وَالصَّحِيح عَن عَائِشَة قَوْلهَا وَقَالَ ابْن حزم هَذَا حَدِيث سَاقِط لِأَن خَالِد بن أبي الصَّلْت مَجْهُول لَا يدْرِي من هُوَ وَأَخْطَأ فِيهِ عبد الرَّزَّاق فَرَوَاهُ عَن خَالِد الْحذاء عَن كثير بن أبي الصَّلْت وَهَذَا أبطل وأبطل لِأَن الْحذاء لم يدْرك كثيرا انْتهى كَلَامه قَوْله ابْن أبي الصَّلْت لَا يدْرِي من هُوَ غير مُسلم لِأَن ابْن حبَان ذكره فِي الثِّقَات وَلِأَن بخشلا ذكر أَنه كَانَ عينا لعمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ بواسط وَذكر من صَلَاحه وَدينه وَقَوله كثير بن أبي الصَّلْت لَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا الْمَذْكُور عِنْد البُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَعند ابْن أبي حَاتِم فِي كِتَابه الْجرْح وَالتَّعْدِيل كثير بن الصَّلْت وَكَذَا ذكره أَبُو عمر العسكري وَابْن حبَان وَابْن مَنْدَه والبارودي وَآخَرُونَ وَلَعَلَّ ذَلِك يكون من خطأ عبد الرَّزَّاق فِيهِ وَقَالَ الإِمَام أَحْمد ﵀ أحسن مَا روى فِي الرُّخْصَة حَدِيث عرَاك وَإِن كَانَ مُرْسلا فَإِن مخرجه
стр. 606
حسن وَفِي الْمَرَاسِيل عَنهُ هَذَا حَدِيث مُرْسل وَأنكر أَن يكون عرَاك سمع عَائِشَة وَقَالَ من أَيْن سمع عَائِشَة مَاله ولعائشة إِنَّمَا يروي عَن عُرْوَة هَذَا خطأ فَمن روى هَذَا قبل حَمَّاد بن سَلمَة عَن خَالِد فَقَالَ غير وَاحِد عَن خَالِد لَيْسَ فِيهِ سَمِعت وَغير وَاحِد أَيْضا عَن حَمَّاد وَلَيْسَ فِيهِ سَمِعت قلت أَبُو عبد الله لم يجْزم بِعَدَمِ سَمَاعه مِنْهَا إِنَّمَا ذكره استبعادا وَأما رِوَايَته عَن عُرْوَة عَنْهَا فَلَا يدل على عدم سَمَاعه مِنْهَا لَا سِيمَا وَقد جَمعهمَا بلد وعصر وَاحِد فسماعه مِنْهَا مُمكن جَائِز وَقد صرح فِي الْكَمَال والتهذيب بِسَمَاعِهِ مِنْهَا وَقد وجدنَا مُتَابعًا لحماد على قَوْله عَن عرَاك سَمِعت عَائِشَة ﵂ وَهُوَ عَليّ بن عَاصِم عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ وصحيح ابْن حبَان وَهُوَ مِنْهُمَا مَحْمُول على الِاتِّصَال حَتَّى يقوم دَلِيل وَاضح بِعَدَمِ سَمَاعه عَنْهَا وَالله أعلم الثَّانِي من الْأَحْكَام اسْتِعْمَال الْكِنَايَة بِالْحَاجةِ عَن الْبَوْل وَالْغَائِط وَجَوَاز الْإِخْبَار عَن مثل ذَلِك للاقتداء وَالْعَمَل الثَّالِث فِي قَوْله أَن نَاسا يَقُولُونَ دَلِيل على أَن الصَّحَابَة ﵃ يَخْتَلِفُونَ فِي مَعَاني السّنَن وَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُم يسْتَعْمل مَا سمع على عُمُومه فَمن هَهُنَا وَقع بَينهم الِاخْتِلَاف وَقَالَ الْخطابِيّ قد يتَوَهَّم السَّامع من قَول ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَن نَاسا يَقُولُونَ الخ أَنه يُرِيد إِنْكَار مَا روى فِي النَّهْي من اسْتِقْبَال الْقبْلَة عِنْد الْحَاجة نسخا لما حَكَاهُ من رُؤْيَته ﵊ يقْضِي حَاجته مستدبر الْقبْلَة وَلَيْسَ الْأَمر فِي ذَلِك على مَا يتَوَهَّم لِأَن الْمَشْهُور من مذْهبه أَنه لَا يجوز الِاسْتِقْبَال والاستدبار فِي الصَّحرَاء ويجيزهما فِي الْبُنيان وَإِنَّمَا أنكر قَول من يزْعم أَن الِاسْتِقْبَال فِي الْبُنيان غير جَائِز وَلذَلِك مثل لما شَاهد من قعوده فِي الْأَبْنِيَة قلت ظَاهر عبارَة الْكَلَام يدل على إِنْكَار ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ على من يزْعم أَن اسْتِقْبَال بَيت الْمُقَدّس عِنْد الْحَاجة غير جَائِز فَمن ذَلِك قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا نَاسخ للنَّهْي عَن اسْتِقْبَال بَيت الْمُقَدّس واستدباره وَالدَّلِيل على هَذَا مَا روى مَرْوَان الْأَصْغَر عَن ابْن عمر أَنه أَنَاخَ رَاحِلَته مُسْتَقْبل بَيت الْمُقَدّس ثمَّ جلس يَبُول إِلَيْهَا فَقلت يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن أَلَيْسَ قد نهى عَن هَذَا قَالَ إِنَّمَا نهى عَن هَذَا فِي الفضاء وَأما إِذا كَانَ بَيْنك وَبَين الْقبْلَة شَيْء يسترك فَلَا بَأْس الرَّابِع فِيهِ تتبع أَحْوَال النَّبِي ﵊ كلهَا ونقلها وَأَنَّهَا كلهَا أَحْكَام شَرْعِيَّة
(بَاب خُرُوج النِّسَاء إِلَى البرَاز)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان خُرُوج النِّسَاء إِلَى البرَاز وَهُوَ بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة اسْم للفضاء الْوَاسِع من الأَرْض ويكنى بِهِ عَن الْحَاجة وَقَالَ الْخطابِيّ وَأكْثر الروَاة يَقُولُونَ بِكَسْر الْبَاء وَهُوَ غلط لِأَن البرَاز بِالْكَسْرِ مصدر بارزت الرجل مبارزة وبرازا وَقَالَ بَعضهم قلت بل هُوَ موجه لِأَنَّهُ يُطلق بِالْكَسْرِ على نفس الْخَارِج قَالَ الْجَوْهَرِي البرَاز المبارزة فِي الْحَرْب وَالْبرَاز أَيْضا كِنَايَة عَن ثفل الْغذَاء وَهُوَ الْغَائِط وَالْبرَاز بِالْفَتْح الفضاء الْوَاسِع انْتهى فعلى هَذَا من فتح أَرَادَ الفضاء وَهُوَ من إِطْلَاق اسْم الْمحل على الْحَال كَمَا تقدم مثله فِي الْغَائِط وَمن كسر أَرَادَ نفس الْخَارِج انْتهى قلت الَّذِي قَالَه غير موجه والتوجيه مَعَ الْخطابِيّ قَالَ فِي الْعباب قَالَ ابْن الْأَعرَابِي برز بِكَسْر الرَّاء إِذا ظهر بعد خمول وبرز بِفَتْحِهَا إِذا خرج إِلَى البرَاز للغائط وَهُوَ الفضاء الْوَاسِع قَالَ الْفراء هُوَ الْموضع الَّذِي لَيْسَ فِيهِ خمر من شجر وَلَا غَيره وَالْبرَاز الْحَاجة سميت باسم الصَّحرَاء كَمَا سميت بالغائط وَمِنْه حَدِيث النَّبِي ﵊ اتَّقوا الْملَاعن الثَّلَاث. البرَاز فِي الْمَوَارِد. وقارعة الطَّرِيق. والظل والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لِأَن فِي الأول حكم التبرز وَهنا حكم البرَاز
١٢ - (حَدثنَا يحيى بن بكير قَالَ حَدثنَا اللَّيْث قَالَ حَدثنِي عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة أَن أَزوَاج النَّبِي ﷺ كن يخْرجن بِاللَّيْلِ إِذا تبرزن إِلَى المناصع وَهُوَ صَعِيد أفيح فَكَانَ عمر يَقُول للنَّبِي ﷺ احجب نِسَاءَك فَلم يكن رَسُول الله ﷺ يفعل فَخرجت سَوْدَة بنت زَمعَة زوج النَّبِي ﷺ لَيْلَة من اللَّيَالِي عشَاء وَكَانَت امْرَأَة طَوِيلَة فناداها عمر أَلا قد عرفناك يَا سَوْدَة حرصا على أَن ينزل الْحجاب فَأنْزل الله آيَة الْحجاب)
стр. 607
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله إِذا تبرزن إِلَى المناصع وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا الْبَاب إِلَى أَن تبرز النِّسَاء إِلَى البرَاز كَانَ أَولا لعدم الكنف فِي الْبيُوت وَكَانَ رخصَة لَهُنَّ ثمَّ لما اتَّخذت الكنف فِي الْبيُوت منعن عَن الْخُرُوج مِنْهَا إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة وَعقد على ذَلِك الْبَاب الَّذِي يَأْتِي عقيب هَذَا الْبَاب. (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة تقدم ذكرهم بِهَذَا التَّرْتِيب فِي كتاب الْوَحْي وَعقيل بِضَم الْعين وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ صِيغَة التحديث بِالْجمعِ والإفراد والعنعنة. وَمِنْهَا أَن فِيهِ تابعيين ابْن شهَاب وَعُرْوَة وقرينين اللَّيْث وَعقيل. وَمِنْهَا أَن رُوَاته مَا بَين مصري ومدني وَمِنْهَا أَن هَذَا الْإِسْنَاد على شَرط السِّتَّة إِلَّا يحيى فَإِنَّهُ على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم. (بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الاسْتِئْذَان عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث بن سعد عَن أَبِيه عَن جده بِهِ (بَيَان اللُّغَات) قَوْله إِذا تبرزن أَي إِذا خرجن إِلَى البرَاز للبول وَالْغَائِط فأصله من تبرز بِفَتْح عين الْفِعْل إِذا خرج إِلَى البرَاز للغائط وَهُوَ الفضاء الْوَاسِع قَوْله إِلَى المناصع جمع منصع مفعل من النصوع وَهُوَ الخلوص والناصع الْخَالِص من كل شَيْء يُقَال نصع ينصع نصاعة ونصوعا وَيُقَال أَبيض ناصع وأصفر ناصع قَالَ الْأَصْمَعِي كل ثَوْر خَالص الْبيَاض أَو الصُّفْرَة أَو الْحمرَة فَهُوَ ناصع وَفِي الْعباب المناصع الْمجَالِس فِيمَا يُقَال وَقَالَ أَبُو سعيد المناصع الْمَوَاضِع الَّتِي يتخلى فِيهَا لبول أَو لغائط الْوَاحِد منصع بِفَتْح الصَّاد وَقَالَ الْأَزْهَرِي أَرَاهَا مَوَاضِع خَارج الْمَدِينَة وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ هِيَ الْمَوَاضِع الَّتِي يتخلى فِيهَا للْحَاجة وَكَانَ صَعِيدا أفيح خَارج الْمَدِينَة يُقَال لَهُ المناصع والصعيد وَجه الأَرْض وَقد فسره فِي الحَدِيث بقوله وَهُوَ صَعِيد أفيح والأفيح بِالْفَاءِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة الْوَاسِع وَزَاد فيحا أَي وسعة وَقَالَ الصغاني بَحر أفيح بَين الفيح أَي وَاسع وبحر فياح أَيْضا بِالتَّشْدِيدِ وَقَالَ الْأَصْمَعِي أَنه لجواد فياح وفياض بِمَعْنى وَاحِد قلت كَأَنَّهُ سمى بالمناصع لخلوصه عَن الْأَبْنِيَة والأماكن (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله كن جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر أَن قَوْله يخْرجن جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر كَانَ وَالْبَاء فِي بِاللَّيْلِ ظرفية وَكلمَة إِذا ظرفية قَوْله إِلَى المناصع جَار ومجرور يتَعَلَّق بقوله يخْرجن قَالَ الْكرْمَانِي وَيحْتَمل أَن يتَعَلَّق بقوله تبرزن قلت احْتِمَال بعيد قَوْله وَهُوَ مُبْتَدأ وَقَوله صَعِيد أفيح صفة وموصوف خَبره قَوْله يَقُول جملَة فِي مَحل النصب أَيْضا لِأَنَّهَا خبر كَانَ قَوْله احجب نِسَاءَك مقول القَوْل قَوْله يَفْعَلُوا جملَة فِي مَحل النصب أَيْضا لِأَنَّهَا خبر كَانَ قَوْله بنت زَمعَة كَلَام إضافي مَرْفُوع لِأَنَّهُ صفة لسودة وَقَوله زوج النَّبِي ﵊ كَلَام إضافي أَيْضا مَرْفُوع لِأَنَّهُ صفة أُخْرَى لسودة قَوْله لَيْلَة نصب على الظّرْف قَوْله عشَاء هُوَ بِكَسْر الْعين وبالمد نصب على أَنه بدل من قَوْله لَيْلَة قَوْله أَلا بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف اللَّام حرف استفتاح يُنَبه بهَا على تحقق مَا بعْدهَا قَوْله يَا سَوْدَة منادى مُفْرد معرفَة وَلِهَذَا يبْنى على الضَّم قَوْله حرصا نصب على أَنه مفعول لَهُ وَالْعَامِل فِيهِ قَوْله فناداها قَوْله على أَن ينزل على صِيغَة الْمَجْهُول وَأَن مَصْدَرِيَّة (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله وَهُوَ صَعِيد أفيح تَفْسِير لقَوْله إِلَى المناصع وَقَالَ بَعضهم الظَّاهِر أَن التَّفْسِير مقول عَائِشَة ﵂ قلت لَا دَلِيل على الظَّاهِر وَإِنَّمَا هُوَ يحْتَمل أَن يكون مِنْهَا أَو من عُرْوَة أَو مِمَّن دونه من الروَاة قَوْله احجب نِسَاءَك أَي امنعهن من الْخُرُوج من الْبيُوت وَسِيَاق الْكَلَام يدل على هَذَا الْمَعْنى وَقَالَ بَعضهم يحْتَمل أَن يكون أَرَادَ أَولا الْأَمر بستر وجوههن فَلَمَّا وَقع الْأَمر بوفق مَا أَرَادَ أحب أَيْضا أَن يحجب أشخاصهن مُبَالغَة فِي التستر فَلم يجب لأجل الضَّرُورَة وَهَذَا أظهر الِاحْتِمَالَيْنِ قلت لَيْسَ الْأَظْهر إِلَّا مَا قُلْنَا بِشَهَادَة سِيَاق الْكَلَام وَالِاحْتِمَال الَّذِي ذكره لَا يدل عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيث وَإِنَّمَا الَّذِي يدل عَلَيْهِ هُوَ حَدِيث آخر وَذَلِكَ لِأَن الْحجب ثَلَاثَة الأول الْأَمر بستر وجوههن يدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن﴾ الْآيَة قَالَ القَاضِي عِيَاض والحجاب الَّذِي خص بِهِ خلاف أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ هُوَ فرض عَلَيْهِنَّ بِلَا خلاف فِي الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ فَلَا يجوز لَهُنَّ كشف ذَلِك لشهادة وَلَا لغَيْرهَا الثَّانِي هُوَ الْأَمر بإرخاء الْحجاب بَينهُنَّ وَبَين النَّاس يدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعا فَاسْأَلُوهُنَّ من وَرَاء حجاب﴾ الثَّالِث هُوَ الْأَمر بمنعهن من الْخُرُوج من الْبيُوت إِلَّا لضَرُورَة شَرْعِيَّة فَإِذا
стр. 608
خرجن لَا يظهرن شخصهن كَمَا فعلت حَفْصَة يَوْم مَاتَ أَبوهَا سترت شخصها حِين خرجت وَزَيْنَب عملت لَهَا قبَّة لما توفيت وَكَانَ لَهُنَّ فِي التستر عِنْد قَضَاء الْحَاجة ثَلَاث حالات الأولى بالظلمة لِأَنَّهُنَّ كن يخْرجن بِاللَّيْلِ دون النَّهَار كَمَا قَالَت عَائِشَة ﵂ فِي هَذَا الحَدِيث كن يخْرجن بِاللَّيْلِ وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث عَائِشَة فِي قصَّة الْإِفْك فَخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وَهُوَ متبرزنا وَكُنَّا لَا نخرج إِلَّا لَيْلًا الحَدِيث ثمَّ نزل الْحجاب فتسترن بالثياب لَكِن رُبمَا كَانَت أشخاصهن تتَمَيَّز وَلِهَذَا قَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قد عرفناك يَا سَوْدَة وَهَذِه هِيَ الْحَالة الثَّانِيَة ثمَّ لما اتَّخذت الكنف فِي الْبيُوت منعن عَن الْخُرُوج مِنْهَا وَهِي الْحَالة الثَّالِثَة فَدلَّ عَلَيْهِ حَدِيث عَائِشَة ﵂ فِي قصَّة الْإِفْك فَإِن فِيهَا وَذَلِكَ قبل أَن تتَّخذ الكنف وَكَانَت قصَّة الْإِفْك قبل نزُول آيَة الْحجاب وَالله أعلم قَوْله سَوْدَة بنت زَمعَة بالزاي وَالْمِيم وَالْعين الْمُهْملَة المفتوحتين وَقَالَ ابْن الْأَثِير وَأكْثر مَا سمعنَا من أهل الحَدِيث وَالْفُقَهَاء يَقُولُونَهُ بِسُكُون الْمِيم ابْن قيس القريشية العامرية أسلمت قَدِيما وبايعت وَكَانَت تَحت ابْن عَم لَهَا يُقَال لَهُ السَّكْرَان بن عَمْرو أسلم مَعهَا وهاجرا جَمِيعًا إِلَى الْحَبَشَة فَلَمَّا قدم مَكَّة مَاتَ زَوجهَا فَتَزَوجهَا النَّبِي ﷺ وَدخل بهَا بِمَكَّة وَذَلِكَ بعد موت خَدِيجَة قبل عَائِشَة ﵄ وَهَاجَرت إِلَى الْمَدِينَة فَلَمَّا كَبرت أَرَادَ طَلاقهَا فَسَأَلته أَن لَا يفعل وَجعلت يَوْمهَا لعَائِشَة فَأَمْسكهَا رُوِيَ لَهَا خَمْسَة أَحَادِيث أخرج البُخَارِيّ مِنْهَا حديثين توفيت آخر خلَافَة عمر ﵁ وَقيل زمن مُعَاوِيَة سنة أَربع وَخمسين بِالْمَدِينَةِ قَوْله فَأنْزل الله الْحجاب وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي فَأنْزل الله آيَة الْحجاب وَزَاد أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه من طَرِيق الزبيدِيّ عَن ابْن شهَاب فَأنْزل الله الْحجاب ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا بيُوت النَّبِي﴾ الْآيَة وَقَالَ الْكرْمَانِي الْحجاب أَي حكم الْحجاب يَعْنِي حجاب النِّسَاء عَن الرِّجَال فَأنْزل الله آيَة الْحجاب وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِآيَة الْحجاب الْجِنْس فَيتَنَاوَل الْآيَات الثَّلَاث قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن﴾ الْآيَة وَقَوله تَعَالَى ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعا فَاسْأَلُوهُنَّ من وَرَاء حجاب﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن وَلَا يبدين زينتهن إِلَّا مَا ظهر مِنْهَا وَليَضْرِبن بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبهنَّ﴾ الْآيَة وَأَن يُرَاد بِهِ الْعَهْد من وَاحِدَة من هَذِه الثَّلَاث قلت رِوَايَة أبي عوَانَة الْمَذْكُورَة فسرت المُرَاد من آيَة الْحجاب صَرِيحًا كَمَا ذكرنَا وَسبب نُزُولهَا قصَّة زَيْنَب بنت جحش لما أولم عَلَيْهَا وَتَأَخر النَّفر الثَّلَاثَة فِي الْبَيْت واستحيى النَّبِي ﵊ أَن يَأْمُرهُم بِالْخرُوجِ فَنزلت آيَة الْحجاب وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير الْأَحْزَاب وَسَيَأْتِي أَيْضا حَدِيث عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قلت يَا رَسُول الله إِن نِسَاءَك يدخلن عَلَيْهِنَّ الْبر والفاجر فَلَو أمرتهن أَن يحتجبن فَنزلت آيَة الْحجاب وروى ابْن جرير فِي تَفْسِيره من طَرِيق مُجَاهِد قَالَ بَينا النَّبِي ﵊ يَأْكُل وَمَعَهُ بعض أَصْحَابه وَعَائِشَة تَأْكُل مَعَهم إِذْ أَصَابَت يَد رجل مِنْهُم يَدهَا فكره النَّبِي ﵊ ذَلِك فَنزلت آيَة الْحجاب فَإِن قلت مَا طَريقَة الْجمع بَين هَذِه قلت أَسبَاب نزُول الْحجاب تعدّدت وَكَانَت قصَّة زَيْنَب آخرهَا للنَّص على قصَّتهَا فِي الْآيَة وَقَالَ التَّيْمِيّ الْحجاب هُنَا استتارهن بالثياب حَتَّى لَا يرى مِنْهُنَّ شَيْء عِنْد خروجهن وَأما الْحجاب الثَّانِي فَهُوَ إرخاؤهن الْحجاب بَينهُنَّ وَبَين النَّاس قلت رِوَايَة أبي عوَانَة تخدش هَذَا الْكَلَام على مَا لَا يخفى ثمَّ اعْلَم أَن الْحجاب كَانَ فِي السّنة الْخَامِسَة فِي قَول قَتَادَة وَقَالَ أَبُو عبيد فِي الثَّالِثَة وَقَالَ ابْن إِسْحَق بعد أم سَلمَة وَعند ابْن سعيد فِي الرَّابِعَة فِي ذِي الْقعدَة (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول قَالَ ابْن بطال فِيهِ مُرَاجعَة الأدون للأعلى فِي الشَّيْء الَّذِي يتَبَيَّن لَهُ الثَّانِي فِيهِ فضل الْمُرَاجَعَة إِذا لم يقْصد بهَا التعنت فَإِنَّهُ قد يتَبَيَّن فِيهَا من الْعلم مَا خَفِي فَإِن نزُول الْآيَة وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ﴾ الْآيَة كَانَ سَببه الْمُرَاجَعَة الثَّالِث فِيهِ فضل عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَإِن الله تَعَالَى أيد بِهِ الدّين وَقَالَ الْكرْمَانِي وَهَذِه من إِحْدَى الثَّلَاث الَّتِي وَافق فِيهَا نزُول الْقُرْآن قلت هَذِه إِحْدَى مَا وَافق فِيهَا ربه وَالثَّانيَِة فِي قَوْله ﴿عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن﴾ وَالثَّالِثَة ﴿وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾ وَهَذِه الثَّلَاثَة ثَابِتَة فِي الصَّحِيح. وَالرَّابِعَة مُوَافقَة فِي أسرى بدر. وَالْخَامِسَة فِي منع الصَّلَاة على الْمُنَافِقين وَهَاتَانِ فِي صَحِيح مُسلم. وَالسَّادِسَة مُوَافَقَته فِي آيَة الْمُؤمنِينَ وروى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنده من حَدِيث عَليّ بن زيد وَافَقت رَبِّي لما نزلت ﴿ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر﴾ فَقلت أَنا ﴿تبَارك الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ فَنزلت. وَالسَّابِعَة مُوَافَقَته فِي تَحْرِيم الْخمر كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَالثَّامِنَة مُوَافَقَته
стр. 609
فِي قَوْله ﴿من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته﴾ الْآيَة ذكره الزَّمَخْشَرِيّ وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ قدمنَا فِي الْكتاب الْكَبِير أَنه وَافق ربه تَعَالَى تِلَاوَة وَمعنى فِي أحد عشر موضعا وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ مصححا عَن ابْن عمر ﵄ مَا نزل بِالنَّاسِ أَمر قطّ فَقَالُوا فِيهِ وَقَالَ عمر فِيهِ إِلَّا نزل فِيهِ الْقُرْآن على نَحْو مَا قَالَ عمر ﵁. الرَّابِع فِيهِ كَلَام الرِّجَال مَعَ النِّسَاء فِي الطّرق. الْخَامِس فِيهِ جَوَاز وعظ الْإِنْسَان أمه فِي الْبر لِأَن سَوْدَة من أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ. السَّادِس فِيهِ جَوَاز الإغلاظ فِي القَوْل والعتاب إِذا كَانَ قَصده الْخَيْر فَإِن عمر ﵁ قَالَ قد عرفناك يَا سَوْدَة وَكَانَ شَدِيد الْغيرَة لَا سِيمَا فِي أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ. السَّابِع فِي الْتِزَام النَّصِيحَة لله وَلِرَسُولِهِ فِي قَول عمر ﵁ احجب نِسَاءَك وَكَانَ ﵊ يعلم أَن حجبهن خير من غَيره لكنه كَانَ يترقب الْوَحْي بِدَلِيل أَنه لم يُوَافق عمر ﵁ حِين أَشَارَ بذلك وَكَانَ ذَلِك من عَادَة الْعَرَب. الثَّامِن فِيهِ جَوَاز تصرف النِّسَاء فِيمَا لَهُنَّ حَاجَة إِلَيْهِ لِأَن الله تَعَالَى أذن لَهُنَّ فِي الْخُرُوج إِلَى البرَاز بعد نزُول الْحجاب فَلَمَّا جَازَ ذَلِك لَهُنَّ جَازَ لَهُنَّ الْخُرُوج إِلَى غَيره من مصالحهن وَقد أَمر النَّبِي ﵊ بِالْخرُوجِ إِلَى الْعِيدَيْنِ وَلَكِن فِي هَذَا الزَّمَان لما كثر الْفساد وَلَا يُؤمن عَلَيْهِنَّ من الْفِتْنَة يَنْبَغِي أَن يمنعن من الْخُرُوج إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة الشَّرْعِيَّة وَالله تَعَالَى أعلم
١٣ - (حَدثنَا زَكَرِيَّاء قَالَ حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ قد أذن أَن تخرجن فِي حاجتكن قَالَ هِشَام يَعْنِي البرَاز) مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن الْبَاب مَعْقُود فِي خروجهن إِلَى البرَاز وَفِي هَذَا الحَدِيث بَيَان أَن الله تَعَالَى قد أذن لَهُنَّ بِالْخرُوجِ عَن بُيُوتهنَّ إِلَى البرَاز كَمَا يَجِيء هَذَا الحَدِيث فِي التَّفْسِير مطولا أَن سَوْدَة خرجت بعد مَا ضرب الْحجاب لحاجتها وَكَانَت عَظِيمَة الْجِسْم فرآها عمر بن الْخطاب ﵁ فَقَالَ يَا سَوْدَة أما وَالله مَا تخفين علينا فانظري كَيفَ تخرجين فَرَجَعت فشكت ذَلِك للنَّبِي ﵊ وَهُوَ يتعشى فَأوحى إِلَيْهِ فَقَالَ أَنه قد أذن لَكِن أَن تخرجن لحاجتكن. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول زَكَرِيَّا بن يحيى بن صَالح اللؤْلُؤِي أَبُو يحيى الْبَلْخِي الْحَافِظ الْفَقِيه المُصَنّف فِي السّنة مَاتَ بِبَغْدَاد وَدفن عِنْد قُتَيْبَة بن سعيد سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة الْكُوفِي وَقد مر. الثَّالِث هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع أَبُو عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَمِنْهَا أَن رُوَاته مَا بَين بلخي وكوفي ومدني. وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة الابْن عَن الْأَب (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن زَكَرِيَّا بن يحيى الْمَذْكُور وَأخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب كِلَاهُمَا عَن أبي أُسَامَة بِهِ (بَيَان مَا فِيهِ من الْإِعْرَاب وَالْمعْنَى) قَوْله قد أذن مقول القَوْل وَفِي بعض النّسخ أذن بِلَا لَفْظَة قد وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول والآذن هُوَ الله تَعَالَى وَبنى الْفِعْل على صِيغَة الْمَجْهُول للْعلم بالفاعل قَوْله أَن تخرجن أَصله بِأَن تخرجن وَأَن مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير بخروجكن وَكلمَة فِي مُتَعَلق بِهِ قَوْله قَالَ هِشَام يَعْنِي ابْن عُرْوَة الْمَذْكُور وَهُوَ إِمَّا تَعْلِيق من البُخَارِيّ وَإِمَّا من مقول أبي أُسَامَة قَالَ الْكرْمَانِي قلت لم لَا يجوز أَن يكون مقول هِشَام أَو عُرْوَة قَوْله تَعْنِي البرَاز مقول القَوْل وَالضَّمِير فِي تَعْنِي يرجع إِلَى عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَرَادَ أَن عَائِشَة تقصد من قَوْلهَا تخرجن فِي حاجتكن البرَاز الْخُرُوج إِلَى البرَاز وانتصابه بقوله تَعْنِي وَقَالَ الدَّاودِيّ قَوْله قد أذن أَن تخرجن دَال على أَنه لم يرد هُنَا حجاب الْبيُوت فَإِن ذَلِك وَجه آخر إِنَّمَا أَرَادَ أَن يستترن بالجلباب حَتَّى لَا يَبْدُو مِنْهُنَّ إِلَّا الْعين قَالَت عَائِشَة كُنَّا نتأذى بالكنف وَكُنَّا نخرج إِلَى المناصع
(بَاب التبرز فِي الْبيُوت)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان التبرز فِي الْبيُوت عقب الْبَاب السَّابِق بِهَذَا الْبَاب لما ذكرنَا من أَن خُرُوج النِّسَاء إِلَى الصَّحرَاء لقَضَاء الْحَاجة إِنَّمَا كَانَ لأجل عدم الكنف فِي الْبيُوت فَلَمَّا اتَّخذت بعد ذَلِك الأخلية والكنف منعن عَن الْخُرُوج إِلَّا للضَّرُورَة الشَّرْعِيَّة والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لَا تخفى
стр. 610
١٤ - (حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر قَالَ حَدثنَا أنس بن عِيَاض عَن عبيد الله عَن مُحَمَّد بن يحيى بن حبَان عَن وَاسع بن حبَان عَن عبد الله بن عمر قَالَ ارتقيت فَوق ظهر بَيت حَفْصَة لبَعض حَاجَتي فَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ يقْضِي حَاجته مستدبر الْقبْلَة مُسْتَقْبل الشأم) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من الْإِنْذَار وَقد مر فِي أول كتاب الْعلم. الثَّانِي أنس بن عِيَاض أَبُو ضَمرَة اللَّيْثِيّ الْمدنِي ثِقَة عَالم روى عَن شُعْبَة وعدة وَعنهُ أَحْمد وأمم مَاتَ سنة مِائَتَيْنِ عَن سِتّ وَتِسْعين سنة وَهُوَ من الْأَفْرَاد لَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة أنس بن عِيَاض سواهُ. الثَّالِث عبيد الله بِالتَّصْغِيرِ ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب أَبُو عُثْمَان القريشي الْمدنِي روى عَن أَبِيه وَالقَاسِم وَسَالم وعدة وَيُقَال أَنه أدْرك أم خَالِد بنت خَالِد وَعنهُ خلق آخِرهم عبد الرَّزَّاق مَاتَ سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة. الرَّابِع مُحَمَّد بن يحيى بن حبَان بِفَتْح الْحَاء وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة. الْخَامِس عَمه وَاسع بن حبَان كِلَاهُمَا تقدما فِي بَاب من تبرز على لبنتين. السَّادِس عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا أَن فِي رُوَاته ثَلَاثَة من التَّابِعين بَعضهم عَن بعض وهم عبيد الله بن عمر فَإِنَّهُ تَابِعِيّ صَغِير من فُقَهَاء أهل الْمَدِينَة وأثباتهم وَمُحَمّد بن يحيى وواسع بن حبَان وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ على قَول من يعد وَاسِعًا من الصَّحَابَة (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) قد ذكرنَا فِي بَاب من تبرز على لبنتين تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره عَن قريب (بَيَان مَا فِيهِ من اللُّغَة وَالْإِعْرَاب وَالْمعْنَى) قَوْله ارتقيت أَي صعدت قَوْله يقْضِي حَاجته جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال وَرَأَيْت بِمَعْنى أَبْصرت فَلَا يَقْتَضِي إِلَّا مَفْعُولا وَاحِدًا قَوْله مستدبر الْقبْلَة نصب على الْحَال لَا يُقَال شَرط الْحَال أَن تكون نكرَة لأَنا نقُول إِضَافَته لفظية لَا تفِيد التَّعْرِيف وَفَائِدَة ذكره التَّأْكِيد وَالتَّصْرِيح بِهِ وَإِلَّا فمستقبل الشَّام فِي الْمَدِينَة مستدبر الْقبْلَة قطعا فَإِن قلت قد قَالَ هَهُنَا فَوق ظهر بَيت حَفْصَة وَفِي الرِّوَايَة الْآتِيَة عَن قريب على ظهر بيتنا وَفِي رِوَايَة أُخْرَى وَقد مضيت على ظهر بَيت لنا فَمَا وَجه ذَلِك قلت بَيت حَفْصَة بَيته أَو كَانَ لَهَا بَيت فِي بَيت عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يعرف بهَا أَو صَار إِلَيْهَا بعد فَإِن قلت فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة مُسْتَقْبلا بَيت الْمُقَدّس وَكَذَا فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة مُسْتَقْبل الشَّام قلت الْعبارَة مُخْتَلفَة وَالْمعْنَى وَاحِد لِأَنَّهُمَا فِي جِهَة وَاحِدَة فَافْهَم
١٥ - (حَدثنَا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم قَالَ حَدثنَا يزِيد بن هَارُون قَالَ أخبرنَا يحيى عَن مُحَمَّد بن يحيى بن حبَان أَن عَمه وَاسع بن حبَان أخبرهُ أَن عبد الله بن عمر أخبرهُ قَالَ لقد ظَهرت ذَات يَوْم على ظهر بيتنا فَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ قَاعِدا على لبنتين مُسْتَقْبل بَيت الْمُقَدّس) الْكَلَام فِيهِ كَالْكَلَامِ فِيمَا قبله (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم أَبُو يُوسُف الدَّوْرَقِي وَقد تقدم فِي بَاب حب الرَّسُول من الْإِيمَان الثَّانِي يزِيد بن هَارُون وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر والأصيلي وَهُوَ الْحَافِظ المتقن أحد الْأَعْلَام روى عَنهُ الذهلي وَخلق مَاتَ وَقد عمي سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ بواسط عَن ثَمَان وَثَمَانِينَ سنة وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة مشارك لَهُ فِي اسْمه وَاسم أَبِيه الثَّالِث يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ الْمدنِي روى مَالك عَنهُ هَذَا الحَدِيث كَمَا تقدم الرَّابِع وَالْخَامِس وَالسَّادِس تكَرر ذكرهم (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة وَمِنْهَا أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء أَعْلَام وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة ثَلَاثَة من التَّابِعين بَعضهم عَن بعض (بَيَان بَقِيَّة الْكَلَام) قَوْله لقد ظَهرت أَي عَلَوْت وارتقيت وَاللَّام وَقد فِيهِ للتَّأْكِيد قَوْله ذَات يَوْم مَعْنَاهُ يَوْمًا وَهُوَ من بَاب إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه أَي ظَهرت فِي زمَان هُوَ مُسَمّى لفظ الْيَوْم وَصَاحبه وَيحْتَمل أَن يكون من إِضَافَة الْعَام إِلَى الْخَاص أَي ظَهرت نفس الْيَوْم فَيُفِيد التَّأْكِيد أَي الْيَوْم فِي نَفسه وَإِنَّمَا لم يتَصَرَّف ذَات يَوْم وَذَات مرّة لأمرين أَحدهمَا أَن إضافتهما من قبيل إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى الِاسْم كَمَا ذكرنَا لِأَن معنى لقيتك
стр. 611
ذَات مرّة وَذَات يَوْم قِطْعَة من الزَّمَان ذَات مرّة وَذَات يَوْم وَالْآخر أَن ذَات لَيْسَ لَهما تمكن فِي ظروف الزَّمَان لِأَنَّهُمَا ليسَا من أَسمَاء الزَّمَان وَزعم السُّهيْلي أَن ذَات مرّة وَذَات يَوْم لَا يتصرفان فِي لُغَة خثعم وَلَا غَيرهَا وَحكى عَن سِيبَوَيْهٍ أَنه ادّعى جَوَاز التَّصَرُّف فِي ذَات فِي لُغَة خثعم قَوْله مُسْتَقْبل بَيت الْمُقَدّس نصب على الْحَال وَلم يَقع فِي هَذِه الرِّوَايَة مستدبر الْقبْلَة أَي الْكَعْبَة كَمَا فِي رِوَايَة عبد الله بن عمر لِأَن ذَلِك من لَازم من اسْتقْبل الشَّام بِالْمَدِينَةِ وَأما ذكره فِي رِوَايَة عبد الله فقد ذكرنَا عَن قريب وَجهه فَافْهَم
(بَاب الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ قَالَ الْخطابِيّ الِاسْتِنْجَاء فِي اللُّغَة الذّهاب إِلَى النجوة من الأَرْض لقَضَاء الْحَاجة والنجوة المرتفعة من الأَرْض كَانُوا يستترون بهَا إِذا قعدوا للتخلي وَفِي الْمطَالع الِاسْتِنْجَاء إِزَالَة النجو وَهُوَ الْأَذَى الْبَاقِي فِي فَم الْمخْرج وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي المَاء وَقد يسْتَعْمل فِي الْأَحْجَار وَأَصله من النجو وَهُوَ القشر والإزالة وَقيل من النجوة لاستتارهم بِهِ وَقيل لارتفاعهم وتجافيهم عَن الأَرْض عِنْد ذَلِك وَقَالَ الْأَزْهَرِي عَن شمر الِاسْتِنْجَاء بِالْحِجَارَةِ مَأْخُوذ من نجوت الشَّجَرَة وأنجيتها واستنجيتها إِذا قطعتها كَأَنَّهُ يقطع الْأَذَى عَنهُ بِالْمَاءِ أَو بِحجر يتمسح بِهِ قَالَ وَيُقَال استنجيت الْعقب إِذا خلصته من اللَّحْم ونقيته مِنْهُ وَقَالَ الْجَوْهَرِي استنجى مسح مَوضِع النجو أَو غسله والنجو مَا يخرج من الْبَطن واستنجى الْوتر أَي مد الْقوس وَأَصله الَّذِي يتَّخذ أوتار القسي لِأَنَّهُ يخرج مَا فِي المصارين من النجو وَيُقَال أنجى أَي أحدث ونجوت الْجلد من الْبَعِير وأنجيته إِذا سلخته وَفُلَان فِي أَرض نجاة يستنجي من شَجَرهَا العصي والقسي واستنجى النَّاس فِي كل وَجه أَي أَصَابُوا الرطب وَقَالَ الْأَصْمَعِي استنجيت النَّخْلَة إِذا التقطت رطبها قَالَ ونجوت غصون الشَّجَرَة أَي قطعتها وأنجيت غَيْرِي وَقَالَ أَبُو زيد استنجيت الشّجر قطعته من أَصله وأنجيت قَضِيبًا من الشّجر أَي قطعت. وَفِي اصْطِلَاح الْفُقَهَاء الِاسْتِنْجَاء إِزَالَة النجو من أحد المخرجين بِالْحجرِ أَو بِالْمَاءِ فَإِن قلت الاستفعال للطلب فَيكون مَعْنَاهُ طلب النجو قلت الاستفعال قد جَاءَ أَيْضا لطلب الْمَزِيد فِيهِ نَحْو الاستعتاب فَإِنَّهُ لَيْسَ لطلب العتب بل لطلب الأعتاب والهمزة فِيهِ للسلب فَكَذَا هَذَا هُوَ لطلب الإنجاء وَتجْعَل الْهمزَة للسلب والإزالة وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر لَا يخفى
١٦ - (
стр. 612
(بَاب من حمل مَعَه المَاء لطهوره)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان من حمل مَعَه المَاء لِأَن يتَطَهَّر بِهِ وَالطهُور هَهُنَا بِضَم الطَّاء لِأَن المُرَاد بِهِ هُوَ الْفِعْل الَّذِي هُوَ الْمصدر وَأما الطّهُور بِفَتْح الطَّاء فَهُوَ اسْم للْمَاء الَّذِي يتَطَهَّر بِهِ وَقد حكى الْفَتْح فيهمَا وَكَذَا حكى الضَّم فيهمَا وَلَكِن بِالضَّمِّ هَهُنَا كَمَا ذكرنَا على اللُّغَة الْمَشْهُورَة وَفِي بعض النّسخ لطهور بِدُونِ الضَّمِير فِي آخِره. وَالطَّهَارَة فِي اللُّغَة النَّظَافَة والتنزه. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر لَا يخفى (وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء أَلَيْسَ فِيكُم صَاحب النَّعْلَيْنِ وَالطهُور والوساد)
стр. 613
هَذَا تَعْلِيق أخرجه مَوْصُولا فِي المناقب حَدثنَا مُوسَى عَن أبي عوَانَة عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة دخلت الشَّام فَصليت رَكْعَتَيْنِ فَقلت اللَّهُمَّ يسر لي جَلِيسا صَالحا فَرَأَيْت شَيخا مُقبلا فَلَمَّا دنا قلت أَرْجُو أَن يكون اسْتَجَابَ قَالَ مِمَّن أَنْت قلت من أهل الْكُوفَة قَالَ أفلم يكن فِيكُم صَاحب النَّعْلَيْنِ والوساد والمطهرة الحَدِيث وَأَرَادَ بِإِخْرَاج طرف هَذَا الحَدِيث هَهُنَا مَعَ حَدِيث أنس ﵁ التَّنْبِيه على مَا ترْجم عَلَيْهِ من حمل المَاء إِلَى الكنيف لأجل التطهر وَأَبُو الدَّرْدَاء اسْمه عُوَيْمِر بن مَالك بن عبد الله بن قيس وَيُقَال عُوَيْمِر بن زيد بن قيس الْأنْصَارِيّ من أفاضل الصَّحَابَة وَفرض لَهُ عمر ﵁ رزقا فألحقه بالبدريين لجلالته وَولي قَضَاء دمشق فِي خلَافَة عُثْمَان ﵁ مَاتَ سنة إِحْدَى أَو اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وقبره بِالْبَابِ الصَّغِير بِدِمَشْق قَوْله أَلَيْسَ فِيكُم الْخطاب فِيهِ لأهل الْعرَاق وَيدخل فِيهِ عَلْقَمَة بن قيس قَالَ لَهُم حِين كَانُوا يسألونه مسَائِل وَأَبُو الدَّرْدَاء كَانَ يكون بِالشَّام أَي لم لَا تسْأَلُون من عبد الله بن مَسْعُود هُوَ فِي الْعرَاق وَبَيْنكُم لَا يحْتَاج الْعِرَاقِيُّونَ مَعَ وجوده إِلَى أهل الشَّام وَإِلَى مثلي قَوْله صَاحب النَّعْلَيْنِ أَي صَاحب نَعْلي رَسُول الله ﵊ لِأَن عبد الله كَانَ يَلْبسهُمَا إِيَّاه إِذا قَامَ فَإِذا جلس أدخلهما فِي ذِرَاعَيْهِ وَإسْنَاد النَّعْلَيْنِ إِلَيْهِ مجَاز لأجل الملابسة وَفِي الْحَقِيقَة صَاحب النَّعْلَيْنِ هُوَ رَسُول الله ﵊ قَوْله وَالطهُور هُوَ بِفَتْح الطَّاء لَا غير قطعا إِذْ المُرَاد صَاحب المَاء الَّذِي يتَطَهَّر بِهِ رَسُول الله ﵊ قَوْله والوساد بِكَسْر الْوَاو وبالسين الْمُهْملَة وَفِي آخِره دَال وَفِي الْمطَالع قَوْله صَاحب الوساد والمطهرة يَعْنِي عبد الله بن مَسْعُود كَذَا فِي البُخَارِيّ من غير خلاف فِي كتاب الطَّهَارَة وَفِي رِوَايَة مَالك بن إِسْمَاعِيل ويروي الوسادة أَو السوَاد بِكَسْر السِّين وَكَانَ ابْن مَسْعُود ﵁ يمشي مَعَ النَّبِي ﷺ حَيْثُ انْصَرف ويخدمه وَيحمل مطهرته وسواكه ونعليه وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ فَلَعَلَّهُ أَيْضا كَانَ يحمل وسَادَة إِذا احْتَاجَ إِلَيْهِ وَأما أَبُو عمر فَإِنَّهُ يَقُول كَانَ يعرف بِصَاحِب السوَاد أَي صَاحب السِّرّ لقَوْله آذنك على أَن ترفع الْحجاب وَتسمع سوَادِي انْتهى كَلَامه وَقَالَ الْكرْمَانِي وَلَعَلَّ السوَاد والوسادة هما بِمَعْنى وَاحِد وكأنهما من بَاب الْقلب وَالْمَقْصُود مِنْهُ أَنه ﵁ صَاحب الْأَسْرَار يُقَال ساودته مساودة وسوادا أَي ساررته وَأَصله إدناء سوادك من سوَاده وَهُوَ الشَّخْص وَيحْتَمل أَن يحمل على معنى المخدة لكنه لم يثبت قلت تصرف اللَّفْظ على احْتِمَال مَعَاني لَا يحْتَاج إِلَى الثُّبُوت وَقَالَ الصغاني ساودت الرجل أَي ساررته وَمِنْه قَول النَّبِي ﷺ لِابْنِ مَسْعُود ﵁ آذنك على أَن ترفع الْحجاب وَتسمع سوَادِي حَتَّى أَنهَاك أَي سراري وَهُوَ من إدناء السوَاد من السوَاد أَي الشَّخْص من الشَّخْص وَقَالَ والوساد والوسادة المخدة وَالْجمع وسد ووسائد
١٧ - (حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن أبي معَاذ هُوَ عَطاء بن أبي مَيْمُونَة قَالَ سَمِعت أنسا يَقُول كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا خرج لِحَاجَتِهِ تَبعته أَنا وَغُلَام منا مَعنا إداوة من مَاء مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة (بَيَان رِجَاله) وهم أَرْبَعَة ذكرُوا جَمِيعًا وَحرب بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع وَمِنْهَا أَن رُوَاته كلهم بصريون وَمِنْهَا أَنه من رباعيات البُخَارِيّ وَقد ذكرنَا فِي الْبَاب السَّابِق تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره (بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب وَالْمعْنَى) قَوْله تَبعته قَالَ ابْن سَيّده تبع الشَّيْء تبعا وتباعا وَأتبعهُ وَاتبعهُ وَتَبعهُ قَفاهُ وَقيل اتبع الرجل سبقه فَلحقه وَتَبعهُ تبعا وَاتبعهُ مر بِهِ فَمضى مَعَه وَفِي التَّنْزِيل ﴿ثمَّ أتبع سَببا الْكَهْف و ٩٢﴾ وَمَعْنَاهُ تبع وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو ﴿ثمَّ أتبع سَببا﴾ الْكَهْف و ٩٢ يُرِيد لحق وَأدْركَ واستتبعه طلب إِلَيْهِ أَن يتبعهُ وَالْجمع تبع وتباع وتبعة وَحكى الْقَزاز أَن أَبَا عَمْرو وَقَرَأَ ﴿ثمَّ أتبع سَببا﴾ وَالْكسَائِيّ ﴿ثمَّ أتبع سَببا﴾ يُرِيد الْحق وَأدْركَ وَذكر أَن تبعه وَاتبعهُ بِمَعْنى وَاحِد وَكَذَا ذكر فِي الغريبين وَفِي الْأَفْعَال لِابْنِ طريف الْمَشْهُور تَبعته سرت فِي أَثَره واتبعته لحقته وَكَذَلِكَ فسر فِي التَّنْزِيل ﴿فأتبعوهم مشرقين﴾ أَي لحقوهم وَفِي الصِّحَاح تبِعت الْقَوْم تباعا وتباعا وتباعة بِالْفَتْح إِذا مشيت أَو مروا بك فمضيت مَعَهم وَقَالَ الْأَخْفَش تَبعته واتبعته بِمَعْنى مثل ردفته
стр. 614
وأردفته قَوْله يَقُول جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال وَإِنَّمَا ذكر بِلَفْظ الْمُضَارع مَعَ أَن حق الظَّاهِر أَن يكون بِلَفْظ الْمَاضِي لإِرَادَة استحضاره صُورَة القَوْل تَحْقِيقا وتأكيدا لَهُ كَأَنَّهُ يبصر الْحَاضِرين ذَلِك قَوْله إِذا خرج أَي من بَيته أَو من بَين النَّاس لِحَاجَتِهِ أَي للبول أَو الْغَائِط فَإِن قلت إِذا للاستقبال وَإِن دخل للمضي فَكيف يَصح هَهُنَا إِذْ الْخُرُوج مضى وَوَقع قلت هُوَ هَهُنَا لمُجَرّد الظَّرْفِيَّة فَيكون مَعْنَاهُ تَبعته حِين خرج أَو هُوَ حِكَايَة للْحَال الْمَاضِيَة قَوْله تَبعته جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر كَانَ وَقد مر الْكَلَام فِي بَقِيَّة الْإِعْرَاب فِي الْبَاب السَّابِق قَوْله منا أَي من الْأَنْصَار وَبِه صرح فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَقَالَ الْكرْمَانِي أَي من قَومنَا أَو من خَواص رَسُول الله ﷺ وَمن جملَة الْمُسلمين قلت الْكل بِمَعْنى وَاحِد لِأَن قوم أنس هم الْأَنْصَار وهم من خَواص رَسُول الله ﷺ وَمن جملَة الْمُسلمين وَقَالَ بَعضهم وإيراد المُصَنّف لحَدِيث أنس مَعَ هَذَا الطّرف من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء يشْعر إشعارا قَوِيا بِأَن الْغُلَام الْمَذْكُور فِي حَدِيث أنس هُوَ ابْن مَسْعُود وَلَفظ الْغُلَام يُطلق على غير الصَّغِير مجَازًا وعَلى هَذَا قَول أنس وَغُلَام منا أَي من الصَّحَابَة أَو من خدم النَّبِي ﷺ قلت فِيمَا قَالَه محذوران أَحدهمَا ارْتِكَاب الْمجَاز من غير دَاع وَالْآخر مُخَالفَته لما ثَبت فِي صَرِيح رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَمن أقوى مَا يرد كَلَامه أَن أنسا ﵁ وصف الْغُلَام بالصغر فِي رِوَايَة أُخْرَى فَكيف يَصح أَن يكون المُرَاد هُوَ ابْن مَسْعُود وَلَكِن روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا أَتَى الْخَلَاء أَتَيْته بِمَاء فِي ركوة فاستنجى فَيحْتَمل أَن يُفَسر بِهِ الْغُلَام الْمَذْكُور فِي حَدِيث أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَمَعَ هَذَا هُوَ احْتِمَال بعيد لمُخَالفَته رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ لِأَنَّهُ نَص فِيهَا أَنه من الْأَنْصَار وَأَبُو هُرَيْرَة لَيْسَ مِنْهُم وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عَاصِم بن عَليّ عَن شُعْبَة فَأتبعهُ وَأَنا غُلَام بِصُورَة الْجُمْلَة الاسمية الْوَاقِعَة حَالا بِالْوَاو وَلَكِن الصَّحِيح أَنا وَغُلَام بواو الْعَطف وَالله أعلم
(بَاب حمل العنزة مَعَ المَاء فِي الِاسْتِنْجَاء)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حمل العنزة وَهِي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَفتح النُّون أطول من الْعَصَا وأقصر من الرمْح وَفِي طرفها زج كزج الرمْح والزج الحديدة الَّتِي فِي أَسْفَل الرمْح يَعْنِي السنان وَفِي التَّلْوِيح العنزة عَصا فِي طرفها الْأَسْفَل زج يتَوَكَّأ عَلَيْهَا الشَّيْخ وَفِي البُخَارِيّ قَالَ الزبير بن الْعَوام رَأَيْت سعيد بن العَاصِي وَفِي يَدي عنزة فأطعن بهَا فِي عينه حَتَّى أخرجتها متفقئة على حدقته فَأَخذهَا رَسُول الله ﷺ فَكَانَت تحمل بَين يَدَيْهِ وَبعده بَين يَدي أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم ثمَّ طلبَهَا ابْن الزبير ﵄ فَكَانَت عِنْده حَتَّى قتل. وَفِي مَفَاتِيح الْعُلُوم لأبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الْخَوَارِزْمِيّ هَذِه الحربة وَتسَمى العنزة كَانَ النَّجَاشِيّ أهداها للنَّبِي ﵊ فَكَانَت تُقَام بَين يَدَيْهِ إِذا خرج إِلَى الْمصلى وتوارثها من بعده الْخُلَفَاء رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَفِي الطَّبَقَات أهْدى النَّجَاشِيّ إِلَى النَّبِي ﵊ ثَلَاث عنزات فَأمْسك وَاحِدَة لنَفسِهِ وَأعْطى عليا وَاحِدَة وَأعْطى عمر وَاحِدَة وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر لَا يخفى
١٨ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن عَطاء بن أبي مَيْمُونَة سمع أنس بن مَالك يَقُول كَانَ رَسُول الله ﷺ يدْخل الْخَلَاء فأحمل أَنا وَغُلَام إداوة من مَاء وعنزة يستنجي بِالْمَاءِ مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وعنزة يستنجي بِالْمَاءِ. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة وَقد ذكرُوا غير مرّة وَمُحَمّد بن بشار لقبه بنْدَار وَمُحَمّد بن جَعْفَر لقبه غنْدر وَقد ذكرنَا مَبْسُوطا. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا أَن فِيهِ سمع أنس بن مَالك وَفِي الرِّوَايَة السَّابِقَة سَمِعت أنسا وَالْفرق بَينهمَا من جِهَة الْمَعْنى أَن
стр. 615
الأول إِخْبَار عَن عَطاء وَالثَّانِي حِكَايَة عَن لَفظه ومحصلهما وَاحِد. وَمِنْهَا أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء (بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب وَالْمعْنَى) قَوْله الْخَلَاء بِالْمدِّ هُوَ التبرز وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا الفضاء وَيدل عَلَيْهِ الرِّوَايَة الْأُخْرَى كَانَ إِذا خرج لِحَاجَتِهِ وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا حمل العنزة مَعَ المَاء فَإِن الصَّلَاة إِلَيْهَا إِنَّمَا تكون حَيْثُ لَا ستْرَة غَيرهَا وَأَيْضًا فَإِن الأخلية الَّتِي هِيَ الكنف فِي الْبيُوت يتَوَلَّى خدمته فِيهَا عَادَة أَهله قَوْله يدْخل الْخَلَاء جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر كَانَ والخلاء مَنْصُوب بِتَقْدِير فِي أَي فِي الْخَلَاء وَهُوَ من قبيل دخلت الدَّار قَوْله وعنزة بِالنّصب عطف على قَوْله إداوة قَوْله يستنجي بِالْمَاءِ جملَة استئنافية كَأَن قَائِلا يَقُول مَا كَانَ يفعل بِالْمَاءِ قَالَ يستنجي بِهِ قَوْله سمع أنس بن مَالك تَقْدِيره أَنه سمع وَلَفْظَة أَنه تحذف فِي الْخط وَتثبت فِي التَّقْدِير قَوْله وعنزة أَي ونحمل أَيْضا عنزة. وَكَانَت الْحِكْمَة فِي حملهَا كَثِيرَة مِنْهَا ليُصَلِّي إِلَيْهَا فِي الفضاء وَمِنْهَا ليتقي بهَا كيد الْمُنَافِقين وَالْيَهُود فَإِنَّهُم كَانُوا يرومون قَتله واغتياله بِكُل حَالَة وَمن أجل هَذَا اتخذ الْأُمَرَاء الْمَشْي أمامهم بهَا وَمِنْهَا لاتقاء السَّبع والمؤذيات من الْحَيَوَانَات وَمِنْهَا لنبش الأَرْض الصلبة عِنْد قَضَاء الْحَاجة خشيَة الرشاش وَمِنْهَا لتعليق الْأَمْتِعَة. وَمِنْهَا للتوكأ عَلَيْهَا. وَمِنْهَا قَالَ بَعضهم أَنَّهَا كَانَت تحمل ليستتر بهَا عِنْد قَضَاء الْحَاجة وَهَذَا بعيد لِأَن ضَابِط الستْرَة فِي هَذَا مِمَّا يستر الأسافل والعنزة لَيست كَذَلِك (تَابعه النَّضر وشاذان عَن شُعْبَة) أَي تَابع مُحَمَّد بن جَعْفَر النَّضر بن شُمَيْل وَحَدِيثه مَوْصُول عِنْد النَّسَائِيّ وَالنضْر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل بِضَم الشين الْمُعْجَمَة الْمَازِني الْبَصْرِيّ أَبُو الْحسن من تبع التَّابِعين السَّاكِن بمرو وَقَالَ ابْن الْمُبَارك هُوَ درة بَين مروين ضائعة يَعْنِي كورة مرو وكورة مرو الروذ وَهُوَ إِمَام فِي الْعَرَبيَّة والْحَدِيث وَهُوَ أول من أظهر السّنة بمرو وَجَمِيع خُرَاسَان وَكَانَ أروى النَّاس عَن شُعْبَة ألف كتبا لم يسْبق إِلَيْهَا مَاتَ آخر سنة ثَلَاث أَو أَربع وَمِائَتَيْنِ عَن نَيف وَثَمَانِينَ سنة قَوْله وشاذان بِالرَّفْع عطف على النَّضر أَي وتابع مُحَمَّد بن جَعْفَر بن شَاذان وَحَدِيثه مَوْصُول عِنْد البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وشاذان بالشين الْمُعْجَمَة والذال الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره نون وَهُوَ لقب الْأسود بن عَامر الشَّامي الْبَغْدَادِيّ أَبُو عبد الرَّحْمَن روى عَن شُعْبَة وَخلق وَعنهُ الدَّارمِيّ وَخلق مَاتَ سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ وشاذان أَيْضا لقب عبد الْعَزِيز بن عُثْمَان بن جبلة الْأَزْدِيّ مَوْلَاهُم الْمروزِي أخرج لَهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَهُوَ وَالِد خلف بن شَاذان وَكَأَنَّهُ مُعرب وَمَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ فرحان وَقَالَ الْكرْمَانِي وَيحْتَمل أَن البُخَارِيّ روى عَنهُ أَي بِلَا وَاسِطَة أَو روى لَهُ أَي بالواسطة فَهُوَ إِمَّا مُتَابعَة تَامَّة أَو مُتَابعَة نَاقِصَة وفائدتها التقوية قلت روى لَهُ البُخَارِيّ كَمَا ذكرنَا بِوَاسِطَة فَقَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن حَاتِم بن بزيع قَالَ حَدثنَا شَاذان عَن شُعْبَة عَن عَطاء بن أبي مَيْمُونَة قَالَ سَمِعت أنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُول كَانَ النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم إِذا خرج لِحَاجَتِهِ تَبعته أَنا وَغُلَام مَعنا عكازة أَو عَصا أَو عنزة ومعنا إداوة فَإِذا فرغ من حَاجته ناولناه الْإِدَاوَة (العنزة عَصا عَلَيْهِ زج) هَذَا التَّفْسِير وَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة لَا غير والزج بِضَم الزَّاي الْمُعْجَمَة وبالجيم الْمُشَدّدَة هُوَ السنان وَفِي الْعباب الزج نصل السهْم والحديدة فِي أَسْفَل الرمْح وَالْجمع زججة وزجاج وَلَا تقل أزجة ثمَّ اعْلَم أَن العنزة هَل هِيَ قَصِيرَة أَو طَوِيلَة فِيهِ اضْطِرَاب لأهل اللُّغَة صحّح الأول القَاضِي عِيَاض وَالثَّانِي النَّوَوِيّ فِي شَرحه وَجزم الْقُرْطُبِيّ فِي بَاب من قدم من سفر بِأَنَّهَا عَصا مثل نصب الرمْح أَو أَكثر وفيهَا زج وَنَقله ابْن عبيد وَفِي غَرِيب ابْن الْجَوْزِيّ أَنَّهَا مثل الحربة قَالَ الثعالبي فَإِن طَالَتْ شَيْئا فَهِيَ النيزك ومطرد فَإِذا زَاد طولهَا وفيهَا سِنَان عريض فَهِيَ آلَة وحربة وَقَالَ ابْن التِّين العنزة أطول من الْعَصَا وأقصر من الرمْح وَفِيه زج كزج الرمْح وَعبارَة الدَّاودِيّ العنزة العكاز أَو الرمْح أَو الحربة أَو نَحْوهَا يكون فِي أَسْفَلهَا قرن أَو زج وَقَالَ الْحَرْبِيّ عَن الْأَصْمَعِي العنزة مَا دور نصله والآلة والحربة العريضة النصل وَقيل الحربة مَا لم يعرض نصله وَالله أعلم
стр. 616
(بَاب النَّهْي عَن الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان النَّهْي عَن الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ أَي بِالْيَدِ الْيُمْنَى وَقَالَ بَعضهم عبر بِالنَّهْي إِشَارَة إِلَى أَنه لم يظْهر لَهُ أهوَ للتَّحْرِيم أَو للتنزيه أَو أَن الْقَرِينَة الصارفة للنَّهْي عَن التَّحْرِيم لم تظهر لَهُ قلت هَذَا كَلَام فِيهِ خبط لِأَن فِي الحَدِيث الَّذِي عقد عَلَيْهِ الْبَاب النَّهْي عَن ثَلَاثَة أَشْيَاء فَلَا بُد من التَّعْبِير بِالنَّهْي وَإِمَّا أَنه للتَّحْرِيم أَو للتنزيه فَهُوَ أَمر آخر وَلَيْسَ تَعْبِيره بِالنَّهْي لعدم ظُهُور ذَلِك وَلَا لعدم الْقَرِينَة الصارفة عَن التَّحْرِيم فعلى أَي حَال يكون لَا بُد من التَّعْبِير بِالنَّهْي فَلَا يحْتَاج إِلَى الِاعْتِذَار عَنهُ فِي ذَلِك. وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ بل بَين هَذِه الْأَبْوَاب ظَاهر لِأَن جَمِيعهَا مَعْقُود فِي أُمُور الِاسْتِنْجَاء
١٩ - (حَدثنَا معَاذ بن فضَالة قَالَ حَدثنَا هِشَام هُوَ الدستوَائي عَن يحيى بن أبي كثير عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا شرب أحدكُم فَلَا يتنفس فِي الْإِنَاء وَإِذا أَتَى الْخَلَاء فَلَا يمس ذكره بِيَمِينِهِ وَلَا يتمسح بِيَمِينِهِ مُطَابقَة الحَدِيث فِي قَوْله وَلَا يتمسح بِيَمِينِهِ. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول معَاذ بِضَم الْمِيم وبالذال الْمُعْجَمَة بن فضَالة بِفَتْح الْفَاء وَالضَّاد الْمُعْجَمَة الْبَصْرِيّ الزهْرَانِي أَبُو زيد روى عَن الثَّوْريّ وَغَيره وَعنهُ البُخَارِيّ وَآخَرُونَ الثَّانِي هِشَام بن أبي عبد الله الدستوَائي بِفَتْح الدَّال وَسُكُون السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبهمزة بِلَا نون وَقيل بِالْقصرِ وبالنون وَقد مر تَحْقِيقه فِي بَاب زِيَادَة الْإِيمَان الثَّالِث يحيى بن أبي كثير أَبُو نصر الطَّائِي وَقد مر فِي بَاب كِتَابَة الْعلم الرَّابِع عبد الله بن أبي قَتَادَة أَبُو إِبْرَاهِيم الْبَلْخِي روى عَن أَبِيه وَعنهُ يحيى وَغَيره مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين روى لَهُ الْجَمَاعَة الْخَامِس أَبُو قَتَادَة الْحَارِث أَو النُّعْمَان أَو عَمْرو بن ربعي بن بلدمة بن خناس بن سِنَان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كَعْب بن سَلمَة بِكَسْر اللَّام السّلمِيّ بِفَتْحِهَا وَيجوز فِي لُغَة كسرهَا الْمدنِي فَارس رَسُول الله ﷺ شهد أحدا وَالْخَنْدَق وَمَا بعْدهَا وَالْمَشْهُور أَنه لم يشْهد بَدْرًا رُوِيَ لَهُ مائَة حَدِيث وَسَبْعُونَ حَدِيثا وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بحديثين وَمُسلم بِثمَانِيَة واتفقا على أحد عشر ومناقبه جمة مَاتَ بِالْمَدِينَةِ وَقيل بِالْكُوفَةِ سنة أَربع وَخمسين على أحد الْأَقْوَال عَن سبعين سنة وَلَا يعلم فِي الصَّحَابَة من يكنى بِهَذِهِ الكنية سواهُ ورِبْعِي بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة وبلدمة بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون اللَّام وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَيُقَال بِضَم الْبَاء وبضم الذَّال الْمُعْجَمَة وخناس بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالنون المخففة (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَمِنْهَا أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني وَمِنْهَا أَن قَوْله هُوَ الدستوَائي قيد لإِخْرَاج هِشَام بن حسان لِأَنَّهُمَا بصريان ثقتان مشهوران من طبقَة وَاحِدَة فقيد بِهِ لدفع الالتباس وغرض التَّعْرِيف وَقَالَ الْكرْمَانِي وَإِنَّمَا قَالَ بِهَذِهِ الْعبارَة اقتصارا على مَا ذكره شَيْخه واحترازا عَن الزِّيَادَة على لَفظه (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير بِهِ وَعَن يحيى بن يحيى عَن وَكِيع بن هِشَام بِهِ وَفِيه وَفِي الْأَشْرِبَة أَيْضا عَن أبي نعيم عَن شَيبَان عَن يحيى بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن يحيى بن يحيى عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن همام بن يحيى عَن يحيى بن أبي كثير بِهِ وَعَن يحيى بن يحيى عَن وَكِيع عَن هِشَام بِهِ وَفِيه وَفِي الْأَشْرِبَة عَن ابْن أبي عمر عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب عَن يحيى بن أبي كثير وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل كِلَاهُمَا عَن أبان بن يزِيد عَن يحيى بن أبي كثير وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ أَيْضا عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان عَن معمر عَن يحيى بن أبي كثير بِهِ وَقَالَ حسن صَحِيح وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ أَيْضا عَن يحيى بن درسْتوَيْه عَن أبي إِسْمَاعِيل القناوي عَن يحيى بن أبي كثير بِهِ وَعَن هناد بن السّري عَن وَكِيع بِهِ وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن هِشَام بِهِ وَعَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ بِهِ وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ أَيْضا عَن هِشَام بن عمار عَن عبد الحميد بن حبيب بن أبي الْعشْرين وَعَن دُحَيْم نَحوه عَن الْوَلِيد بن مُسلم كِلَاهُمَا عَن الْأَوْزَاعِيّ بِهِ وَلم يذكر التنفس فِي الْإِنَاء
стр. 617
(بَيَان اللُّغَات) قَوْله فَلَا يتنفس من بَاب التفعل يُقَال تنفس يتنفس تنفسا والتنفس لَهُ مَعْنيانِ أَحدهمَا أَن يشرب ويتنفس فِي الْإِنَاء من غير أَن يُبينهُ عَن فِيهِ وَهُوَ مَكْرُوه وَالْآخر أَن يشرب المَاء وَغَيره من الْإِنَاء بِثَلَاثَة أنفاس فيبين فَاه عَن الْإِنَاء فِي كل نفس وأصل التَّرْكِيب يدل على خُرُوج النسيم كَيفَ كَانَ من ريح أَو غَيرهَا وَإِلَيْهِ ترجع فروعه والتنفس خُرُوج النَّفس من الْفَم وكل ذِي رئة يتنفس وَذَوَات المَاء لَا ريات لَهَا كَذَا قَالَه الْجَوْهَرِي قَوْله فِي الْإِنَاء وَهِي الْوِعَاء وَجَمعهَا آنِية وَجمع الْآنِية الْأَوَانِي مثل سقاء وأسقية وأساقي وَأَصله غير مَهْمُوز وَلِهَذَا ذكره الْجَوْهَرِي فِي بَاب أَنِّي فعلى هَذَا أَصله أناي قلبت الْيَاء همزَة لوقوعها فِي الطّرف بعد ألف سَاكِنة قَوْله الْخَلَاء مَمْدُود المتوضأ وَيُطلق على الفضاء أَيْضا قَوْله فَلَا يمس من مسست الشَّيْء بِالْكَسْرِ أمس مسا ومسيسا ومسيسي مِثَال خصيصي هَذِه هِيَ اللُّغَة الفصيحة وَحكى أَبُو عُبَيْدَة مَسسْته بِالْفَتْح أمسه بِالضَّمِّ وَرُبمَا قَالُوا أمست الشَّيْء يحذفون مِنْهُ السِّين الأولى ويحولون كسرتها إِلَى الْمِيم وَمِنْهُم لَا يحول وَيتْرك الْمِيم على حَالهَا مَفْتُوحَة وَهُوَ مثل قَوْله ﴿فظلتم تفكهون﴾ بِكَسْر الظَّاء وتفتح وَأَصله ظللتم وَهُوَ من شواذ التَّخْفِيف وَيجوز فِيهِ ثَلَاثَة أوجه من حَيْثُ الْقَاعِدَة فتح السِّين لخفة الفتحة وَكسرهَا لِأَن السَّاكِن إِذا حرك حرك بِالْكَسْرِ وَفك الْإِدْغَام على مَا عرف فِي مَوْضِعه قَوْله وَلَا يتمسح أَي وَلَا يستنجي وَهُوَ من بَاب التفعل أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه لَا يتَكَلَّف الْمسْح بِالْيَمِينِ لِأَن بَاب التفعل للتكلف غَالِبا (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله فَلَا يتنفس بجزم السِّين لِأَنَّهُ صِيغَة النَّهْي وَكَذَا قَوْله فَلَا يمس وَلَا يتمسح وروى بِالضَّمِّ فِي هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة على صِيغَة النَّفْي وَالْفَاء فِي قَوْله فَلَا يتنفس وفلا يمس جَوَاب الشَّرْط وَقَوله وَلَا يتمسح بِالْوَاو عطف على قَوْله فَلَا يمس وَإِنَّمَا لم يظْهر الْجَزْم فِي فَلَا يمس لأجل الْإِدْغَام وَعند الفك يظْهر الْجَزْم تَقول فَلَا يمسس (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله فَلَا يتنفس قد ذكرنَا أَنه نهي وَيحْتَمل النَّفْي وعَلى كل تَقْدِير هُوَ نهي أدب وَذَلِكَ أَنه إِذا فعل ذَلِك لم يَأْمَن أَن يبرز من فِيهِ الرِّيق فيخالط المَاء فيعافه الشَّارِب وَرُبمَا يروح بنكهة المتنفس إِذا كَانَت فَاسِدَة وَالْمَاء للطفه ورقة طبعه تسرع إِلَيْهِ الروائح ثمَّ أَنه يعد من فعل الدَّوَابّ إِذا كرعت فِي الْأَوَانِي جرعت ثمَّ تنفست فِيهَا ثمَّ عَادَتْ فَشَرِبت وَإِنَّمَا السّنة أَن يشرب المَاء فِي ثَلَاثَة أنفاس كلما شرب نفسا من الْإِنَاء نحاه عَن فَمه ثمَّ عَاد مصا لَهُ غير عب إِلَى أَن يَأْخُذ ريه مِنْهُ والتنفس خَارج الْإِنَاء أحسن فِي الْأَدَب وَأبْعد عَن الشره وأخف للمعدة وَإِذا تنفس فِيهِ تكاثر المَاء فِي حلقه وأثقل معدته وَرُبمَا شَرق وأذى كبده وَهُوَ فعل الْبَهَائِم وَقد قيل أَن فِي الْقلب بَابَيْنِ يدْخل النَّفس من أَحدهمَا وَيخرج من الآخر فَيبقى مَا على الْقلب من هم أَو قذى وَلذَلِك لَو احْتبسَ النَّفس سَاعَة هلك الْآدَمِيّ ويخشى من كَثْرَة التنفس فِي الْإِنَاء أَن يَصْحَبهُ شَيْء مِمَّا فِي الْقلب فَيَقَع فِي المَاء ثمَّ يشربه فَيَتَأَذَّى بِهِ وَقيل عِلّة الْكَرَاهَة أَن كل عبة شربة مستأنفة فَيُسْتَحَب الذّكر فِي أَولهَا وَالْحَمْد فِي آخرهَا فَإِذا وصل وَلم يفصل بَينهمَا فقد أخل بعدة سنَن فَإِن قلت لم يبين فِي الحَدِيث عدد التنفس خَارج الْإِنَاء غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه نهى عَن التنفس فِيهَا قلت قد بَينه فِي الحَدِيث الآخر بالتثليث وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي أَي هَذِه الأنفاس الثَّلَاثَة أطول على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا الأول وَالثَّانِي أَن الأول أقصر وَالثَّانِي أَزِيد مِنْهُ وَالثَّالِث أَزِيد مِنْهُمَا فَيجمع بَين السّنة والطب لِأَنَّهُ إِذا شرب قَلِيلا قَلِيلا وصل إِلَى جَوْفه من غير إزعاج وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيث مصوا المَاء مصا وَلَا تعبوه عبا فَإِنَّهُ أهنأ وأمرأ وَأَبْرَأ فَإِن قلت قد صَحَّ عَن أنس ﵁ أَن النَّبِي ﵊ كَانَ يتنفس فِي الْإِنَاء ثَلَاثًا قلت الْمَعْنى يتنفس فِي مُدَّة شربه عِنْد إبانة الْقدح عَن الْفَم لَا التنفس فِي الْإِنَاء لَا سِيمَا مَعَ قَوْله هُوَ أهنأ وأمرأ وَأَبْرَأ أَو فعله بَيَانا للْجُوَاز أَو النَّهْي خَاص بِغَيْرِهِ لِأَن مَا يتقذر من غَيره يستطاب مِنْهُ فَإِن قلت هَل الحكم مَقْصُور على المَاء أم غَيره من الْأَشْرِبَة مثله قلت النَّهْي الْمَذْكُور غير مُخْتَصّ بِشرب المَاء بل غَيره مثله وَكَذَلِكَ الطَّعَام مثله فكره النفخ فِيهِ والتنفس فِي معنى النفخ وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ مصححا عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَنه ﷺ نهى عَن النفخ فِي الشَّرَاب فَقَالَ رجل القذاة أَرَاهَا فِي الْإِنَاء قَالَ أهرقها قَالَ فَإِنِّي لَا أروى من نفس وَاحِد قَالَ فَابْن الْقدح إِذا عَن فِيك فَإِن قلت مَا الدَّلِيل على الْعُمُوم قلت حذف الْمَفْعُول فِي قَوْله وَإِذا شرب وَذَلِكَ لِأَن حذف
стр. 618
الْمَفْعُول ينبىء عَن الْعُمُوم قَوْله فَلَا يمس ذكره بِيَمِينِهِ النَّهْي فِيهِ تَنْزِيه لَهَا عَن مبشارة الْعُضْو الَّذِي يكون فِيهِ الْأَذَى وَالْحَدَث وَكَانَ النَّبِي ﷺ يَجْعَل يمناه لطعامه وَشَرَابه ولباسه مصونة عَن مُبَاشرَة الثفل ومماسة الْأَعْضَاء الَّتِي هِيَ مجاري الأثفال والنجاسات ويسراه لخدمة أسافل بدنه وإماطة مَا هُنَاكَ من القاذورات وتنظيف مَا يحدث فِيهَا من الأدناس فَإِن قلت الحَدِيث يَقْتَضِي النَّهْي عَن مس الذّكر بِالْيَمِينِ حَالَة الْبَوْل وَكَيف الحكم فِي غير هَذِه الْحَالة قلت روى أَبُو دَاوُد بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَت يَد رَسُول الله ﷺ الْيُمْنَى لطهوره وَطَعَامه وَكَانَت يَده الْيُسْرَى لخلائه وَمَا كَانَ من أَذَى وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة أَيْضا وروى أَيْضا من حَدِيث حَفْصَة زوج النَّبِي ﵊ قَالَت كَانَ يَجْعَل يَمِينه لطعامه وَشَرَابه ولباسه وَيجْعَل شِمَاله لما سوى ذَلِك وَظَاهر هَذَا يدل على عُمُوم الحكم على أَنه قد رُوِيَ النَّهْي عَن مَسّه بِالْيَمِينِ مُطلقًا غير مُقَيّد بِحَالَة الْبَوْل فَمن النَّاس من أَخذ بِهَذَا الْمُطلق وَمِنْهُم من حمله على الْخَاص بعد أَن ينظر فِي الرِّوَايَتَيْنِ هَل هما حديثان أَو حَدِيث وَاحِد فَإِن كَانَا حَدِيثا وَاحِدًا مخرجه وَاحِد وَاخْتلفت فِيهِ الروَاة فَيَنْبَغِي حمل الْمُطلق على الْمُقَيد لِأَنَّهَا تكون زِيَادَة من عدل فِي حَدِيث وَاحِد فَتقبل وَإِن كَانَا حديثين فَالْأَمْر فِي حكم الْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد على مَا ذكر فَإِن قلت النَّهْي فِيهِ تَنْزِيه أَو تَحْرِيم قلت للتنزيه عِنْد الْجُمْهُور لِأَن النَّهْي فِيهِ لمعنيين أَحدهمَا لرفع قدر الْيَمين وَالْآخر أَنه لَو بَاشر النَّجَاسَة بهَا يتَذَكَّر عِنْد تنَاوله الطَّعَام مَا باشرت يَمِينه من النَّجَاسَة فينفر طبعه من ذَلِك وَحمله أهل الظَّاهِر على التَّحْرِيم حَتَّى قَالَ الْحُسَيْن بن عبد الله الناصري فِي كِتَابه الْبُرْهَان على مَذْهَب أهل الظَّاهِر وَلَو استنجى بِيَمِينِهِ لَا يجْزِيه وَهُوَ وَجه عِنْد الْحَنَابِلَة وَطَائِفَة من الشَّافِعِيَّة قَوْله وَلَا يتمسح بِيَمِينِهِ النَّهْي فِيهِ للتنزيه عِنْد الْجُمْهُور خلافًا للظاهرية كَمَا ذكرنَا وَقد أورد الْخطابِيّ هَهُنَا إشْكَالًا وَهُوَ أَنه مَتى استجمر بيساره استلزم مس ذكره بِيَمِينِهِ وَمَتى مَسّه بيساره استلزم استجماره بِيَمِينِهِ وَكِلَاهُمَا قد شَمله النَّهْي ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك بقوله أَنه يقْصد الْأَشْيَاء الضخمة الَّتِي لَا تَزُول بالحركة كالجدار وَنَحْوه من الْأَشْيَاء البارزة فيستجمر بهَا بيساره فَإِن لم يجد فليلصق مقعدته بِالْأَرْضِ ويمسك مَا يستجمر بِهِ بَين عَقِبَيْهِ أَو إبهامي رجلَيْهِ ويستجمر بيساره فَلَا يكون متصرفا فِي شَيْء من ذَلِك بِيَمِينِهِ وَقَالَ الطَّيِّبِيّ النَّهْي عَن الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ مُخْتَصّ بالدبر وَالنَّهْي عَن الْمس مُخْتَصّ بِالذكر فَلَا إِشْكَال فِيهِ قلت قَوْله ﵊ فِي الحَدِيث الْآتِي وَلَا يستنجي بِيَمِينِهِ يرد عَلَيْهِ فِي دَعْوَاهُ الِاخْتِصَاص على مَا لَا يخفى وَقَالَ بَعضهم الَّذِي ذكره الْخطابِيّ هَيْئَة مُنكرَة بل قد يتَعَذَّر فعلهَا فِي غَالب الْأَوْقَات وَالصَّوَاب مَا قَالَه إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَمن بعده كالغزالي فِي الْوَسِيط وَالْبَغوِيّ فِي التَّهْذِيب أَنه يمر الْعُضْو بيساره على شَيْء يمسِكهُ بِيَمِينِهِ وَهِي قارة غير متحركة فَلَا يعد مستجمرا بِالْيَمِينِ وَلَا ماسا بهَا فَهُوَ كمن صب المَاء بِيَمِينِهِ على يسَاره حَالَة الِاسْتِنْجَاء قلت دَعْوَاهُ بِأَن هَذِه هَيْئَة مُنكرَة فَاسِدَة لِأَن الِاسْتِجْمَار بالجدار وَنَحْوه غير بشيع وَهَذَا ظَاهر وتصويبه مَا قَالَه هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يمشي فِي استجمار الذّكر وَأما فِي الدبر فَلَا على مَا لَا يخفى (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول كَرَاهَة التنفس فِي الْإِنَاء وَقد ذَكرْنَاهُ مفصلا. الثَّانِي فِيهِ جَوَاز الشّرْب من نفس وَاحِد لِأَنَّهُ إِنَّمَا نهى عَن التنفس فِي الْإِنَاء وَالَّذِي شرب فِي نفس وَاحِد لم يتنفس فِيهِ فَلَا يكون مُخَالفا للنَّهْي وَكَرِهَهُ جمَاعَة وَقَالُوا هُوَ شرب الشَّيْطَان وَفِي التِّرْمِذِيّ محسنا من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مَرْفُوعا لَا تشْربُوا وَاحِدًا كشرب الْبَعِير وَلَكِن اشربوا مثنى وَثَلَاث وَسموا إِذا أَنْتُم شربتم واحمدوا إِذا أَنْتُم رفعتم الثَّالِث فِيهِ النَّهْي عَن مس الذّكر بِالْيَمِينِ الرَّابِع فِيهِ النَّهْي عَن الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ الْخَامِس فِيهِ فضل الميامن وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
(بَاب لَا يمسك ذكره بِيَمِينِهِ إِذا بَال)
أَي هَذَا بَاب فِيهِ بَيَان حكم مس الذّكر بِالْيَمِينِ وَقت الْبَوْل وَبَاب منون غير مُضَاف وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر وَقَالَ بَعضهم أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن النَّهْي الْمُطلق عَن مس الذّكر بِالْيَمِينِ كَمَا فِي الْبَاب الَّذِي قبله مَحْمُول على الْمُقَيد بِحَالَة الْبَوْل فَيكون مَا عداهُ مُبَاحا قلت هَذَا كَلَام فِيهِ خباط لِأَن الْحَاصِل من معنى الْحَدِيثين وَاحِد وَكِلَاهُمَا مُقَيّد أما الأول فَلِأَن إتْيَان الْخَلَاء فِي قَوْله إِذا أَتَى الْخَلَاء فَلَا يمس ذكره بِيَمِينِهِ كِنَايَة عَن التبول وَالْمعْنَى إِذا بَال أحدكُم فَلَا يمس
стр. 619
ذكره بِيَمِينِهِ وَالْجَزَاء قيد الشَّرْط وَأما الثَّانِي فَهُوَ صَرِيح بالقيد وَكِلَاهُمَا وَاحِد فِي الْحَقِيقَة فَكيف يَقُول هَذَا الْقَائِل أَن ذَلِك الْمُطلق مَحْمُول على الْمُقَيد وَالْمَفْهُوم مِنْهُمَا جَمِيعًا النَّهْي عَن مس الذّكر بِالْيَمِينِ عِنْد الْبَوْل فَلَا يدل على مَنعه عِنْد غير الْبَوْل وَلَا سِيمَا جَاءَ فِي الحَدِيث مَا يدل على الْإِبَاحَة وَهُوَ قَوْله ﵊ لطلق بن عَليّ حِين سَأَلَهُ عَن مس الذّكر إِنَّمَا هُوَ بضعَة مِنْك فَهَذَا يدل على الْجَوَاز فِي كل حَال وَلَكِن خرجت حَالَة الْبَوْل بِهَذَا الحَدِيث الصَّحِيح وَمَا عدا ذَلِك فقد بَقِي على الْإِبَاحَة فَافْهَم فَإِن قلت فَمَا فَائِدَة تَخْصِيص النَّهْي بِحَالَة الْبَوْل قلت مَا قرب من الشَّيْء يَأْخُذ حكمه وَلما منع الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ منع مس آلَته حسما للمادة فَإِن قلت إِذا كَانَ الْأَمر على مَا ذكرت من الرَّد على الْقَائِل الْمَذْكُور فَمَا فَائِدَة تَرْجَمَة البُخَارِيّ بِالْحَدِيثِ فِي بَابَيْنِ وَلم يكتف بِبَاب وَاحِد قلت فَائِدَته من وُجُوه. الأول التَّنْبِيه على اخْتِلَاف الْإِسْنَاد. الثَّانِي التَّنْبِيه على الِاخْتِلَاف الْوَاقِع فِي لفظ الْمَتْن فَإِن فِي السَّنَد الأول إِذا أَتَى الْخَلَاء فَلَا يمس ذكره بِيَمِينِهِ وَفِي الْإِسْنَاد الثَّانِي إِذا بَال أحدكُم فَلَا يَأْخُذن ذكره بِيَمِينِهِ وَلَا يخفى التَّفَاوُت الَّذِي بَين إِذا أَتَى الْخَلَاء وَبَين إِذا بَال وَبَين فَلَا يمس ذكره وفلا يَأْخُذن ذكره أَيْضا فَفِي الحَدِيث الأول وَلَا يتمسح بِيَمِينِهِ وَفِي هَذَا الحَدِيث وَلَا يستنجي بِيَمِينِهِ وَهَذَا يُفَسر ذَاك فَافْهَم. الثَّالِث أَنه عقد الْبَاب الأول على الحكم الثَّالِث من الحَدِيث وَهُوَ كَرَاهَة الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ وَعقد هَذَا الْبَاب على الحكم الأول وَهُوَ كَرَاهَة مس الذّكر عِنْد الْبَوْل وَمن أبين الدَّلَائِل على هَذَا الْوَجْه أَنه عقد بَابا آخر فِي الْأَشْرِبَة على الحكم الأول وَهُوَ كَرَاهَة التنفس فِي الْإِنَاء
٢٠ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف قَالَ حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن عبد الله ابْن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا بَال أحدكُم فَلَا يَأْخُذن ذكره بِيَمِينِهِ وَلَا يستنجي بِيَمِينِهِ وَلَا يتنفس فِي الْإِنَاء) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله إِذا بَال أحدكُم فَلَا يَأْخُذن ذكره بِيَمِينِهِ فَإِن قلت كَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال بَاب لَا يَأْخُذ ذكره بِيَمِينِهِ إِذا بَال للتطابق قلت أَشَارَ البُخَارِيّ بذلك إِلَى دقيقة تخفى على كثير من النَّاس وَهِي أَن فِي رِوَايَة همام عَن يحيى بن كثير عَن عبد الله فَلَا يمسكن ذكره بِيَمِينِهِ وَكَذَا أخرجه مُسلم من هَذِه الرِّوَايَة بِهَذَا اللَّفْظ وَالْبُخَارِيّ أخرجه هَهُنَا من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور فَذكر فِي التَّرْجَمَة اللَّفْظ الَّذِي أخرجه مُسلم من رِوَايَة همام وَفِي الحَدِيث اللَّفْظ الَّذِي رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى وَقَالَ بَعضهم وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ لَا يمس فَاعْترضَ على تَرْجَمَة البُخَارِيّ بِأَن الْمس أَعم من الْمسك يَعْنِي فَكيف يسْتَدلّ بالأعم على الْأَخَص قلت لَيْت شعري مَا وَجه هَذَا الِاعْتِرَاض وَهَذَا كَلَام واه وَلَو أَعم إِذْ لَيْسَ فِي حَدِيث البُخَارِيّ لفظ الْمس فَكيف يعْتَرض عَلَيْهِ فَإِنَّهُ ترْجم بالمسك والمس أَعم من الْمسك وَهَذَا كَلَام فِيهِ خباط. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة قد ذكرُوا كلهم وَالْأَوْزَاعِيّ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو إِمَام أهل الشَّام. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا أَن رُوَاته مَا بَين شَامي وبصري ومدني. وَمِنْهَا أَنهم أَئِمَّة أجلاء. (ذكر بَقِيَّة الْكَلَام) قَوْله فَلَا يَأْخُذن جَوَاب الشَّرْط وَهُوَ بنُون التَّأْكِيد فِي رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيره بِدُونِ النُّون قَوْله وَلَا يستنجي بِيَمِينِهِ أَعم من أَن يكون بالقبل أَو بالدبر وَبِه يرد على من يَقُول فِي الحَدِيث السَّابِق لفظ لَا يتمسح بِيَمِينِهِ مُخْتَصّ بالدبر قَوْله وَلَا يتنفس يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ أَحدهمَا أَن تكون لَا فِيهِ نَافِيَة فَحِينَئِذٍ تضم السِّين وَالْآخر أَن تكون ناهية فَحِينَئِذٍ تجزم السِّين فَإِن قلت هَذِه الْجُمْلَة عطف على مَاذَا قلت عطف على الْجُمْلَة المركبة من الشَّرْط وَالْجَزَاء مجموعا وَلِهَذَا غير الأسلوب حَيْثُ لم يذكر بالنُّون وَلَا يجوز أَن يكون مَعْطُوفًا على الْجَزَاء لِأَنَّهُ مُقَيّد بِالشّرطِ فَيكون الْمَعْنى إِذا بَال أحدكُم فَلَا يتنفس فِي الْإِنَاء وَهُوَ غير صَحِيح لِأَن النَّهْي مُطلق وَذهب السكاكي إِلَى أَن الْجُمْلَة الجزائية جملَة خبرية مُقَيّدَة بِالشّرطِ فَيحْتَمل على مذْهبه أَن تكون عطفا على الجزائية وَلَا يلْزم من كَون الْمَعْطُوف عَلَيْهِ مُقَيّدا بِقَيْد أَن يكون الْمَعْطُوف مُقَيّدا بِهِ على مَا هُوَ عَلَيْهِ أَكثر النُّحَاة
стр. 620
(بَاب الِاسْتِنْجَاء بِالْحِجَارَةِ)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الِاسْتِنْجَاء بِالْحِجَارَةِ وَنبهَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة على الرَّد على من زعم اخْتِصَاص الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ. وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب والأبواب الَّتِي قبله ظَاهر
٢١ - (حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَكِّيّ قَالَ حَدثنَا عَمْرو بن يحيى بن سعيد بن عَمْرو الْمَكِّيّ عَن جده عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ اتبعت النَّبِي ﷺ وَخرج لِحَاجَتِهِ فَكَانَ لَا يلْتَفت فدنوت مِنْهُ فَقَالَ أبغني أحجارا أستنفض بهَا أَو نَحوه وَلَا تأتني بِعظم وَلَا رَوْث فَأَتَيْته بأحجار بِطرف ثِيَابِي فَوَضَعتهَا إِلَى جنبه وأعرضت عَنهُ فَلَمَّا قضى أتبعه بِهن) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله أبغني أحجارا أستنفض بهَا لِأَن مَعْنَاهُ أستنجي بهَا كَمَا سَيَأْتِي عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. (بَيَان رِجَاله) وهم أَرْبَعَة الأول أَحْمد بن مُحَمَّد بن عون بالنُّون أَبُو الْوَلِيد الغساني الْأَزْرَقِيّ الْمَكِّيّ جد أبي الْوَلِيد مُحَمَّد بن عبد الله صَاحب تَارِيخ مَكَّة وَفِي طبقته أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَكِّيّ أَيْضا لَكِن كنيته أَبُو مُحَمَّد وجده عون يعرف بالقواس وَقد وهم من زعم أَن البُخَارِيّ روى عَن أبي مُحَمَّد الَّذِي فِي طبقته وَإِنَّمَا روى عَن أبي الْوَلِيد وهم أَيْضا من جَعلهمَا وَاحِدًا روى أَبُو الْوَلِيد الْمَذْكُور عَن مَالك وَغَيره وروى عَنهُ البُخَارِيّ وحفيده مؤرخ مَكَّة مُحَمَّد بن عبد الله وَأَبُو جَعْفَر التِّرْمِذِيّ وَآخَرُونَ مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ الثَّانِي عَمْرو بن يحيى بن سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن العَاصِي أَبُو أُميَّة القريشي الْمَكِّيّ الْأمَوِي وَعَمْرو بن سعيد هُوَ الْمَعْرُوف بالأشدق الَّذِي ولي إمرة الْمَدِينَة وَكَانَ يُجهز الْبعُوث إِلَى مَكَّة وَكَانَ عَمْرو هَذَا قد تغلب على دمشق فِي زمن عبد الْملك بن مَرْوَان فَقتله عبد الْملك وسير أَوْلَاده إِلَى الْمَدِينَة وَسكن وَلَده مَكَّة لما ظَهرت دولة بني الْعَبَّاس فاستمروا بهَا وَعَمْرو بن يحيى روى عَن أَبِيه وجده وَعنهُ سُوَيْد وَغَيره روى لَهُ البُخَارِيّ وَابْن مَاجَه الثَّالِث جده سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن العَاصِي بن أبي أحيحة التَّابِعِيّ الثِّقَة روى عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره وَعنهُ ابناه إِسْحَق وخَالِد وحفيده عَمْرو بن يحيى روى لَهُ الْجَمَاعَة سوى التِّرْمِذِيّ. الرَّابِع أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا أَن فِيهِ مكيين ومدنيين. وَمِنْهَا أَنه من رباعيات البُخَارِيّ وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة الابْن عَن الْجد. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا مطولا فِي ذكر الْجِنّ عَن مُوسَى بن إِسْمَعِيل عَن عَمْرو بن يحيى بن سعيد عَن جده بِهِ وَلم يُخرجهُ مُسلم وَلَا الْأَرْبَعَة وَأخرجه رزين عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أبغني أحجارا أستنفض بهَا وَلَا تأتني بِعظم وَلَا بروثة قلت مَا بَال الْعظم والروثة قَالَ هما من طَعَام الْجِنّ وَأَنه أَتَانِي وَفد جن نَصِيبين وَنعم الْجِنّ فسألوني عَن الزَّاد فدعوت الله تَعَالَى لَهُم أَن لَا يمروا بِعظم وَلَا بروث إِلَّا وجدوا عَلَيْهِمَا طَعَاما (بَيَان اللُّغَات) قَوْله اتبعت النَّبِي ﷺ بتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق أَي سرت وَرَاءه وَقد أشبعنا الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب من حمل المَاء لطهوره عَن قريب قَوْله أبغني يجوز فِي همزته الْوَصْل إِذا كَانَ من الثلاثي مَعْنَاهُ اطلب لي يُقَال بغيتك الشَّيْء أَي طلبته لَك وَالْقطع إِذا كَانَ من الْمَزِيد مَعْنَاهُ أَعنِي على الطّلب يُقَال أبغيتك الشَّيْء إِذا أعنتك على طلبه وَكِلَاهُمَا رِوَايَتَانِ وَقَالَ الْجَوْهَرِي بغيت الشَّيْء طلبته وبغيتك الشَّيْء طلبته لَك وأبغيته الشَّيْء أعنته على طلبه وَقَالَ ابْن التِّين روينَاهُ بالوصل قَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ اطلب لي من بغيت الشَّيْء طلبته وبغيتك الشَّيْء طلبته لَك وأبغيتك الشَّيْء جعلتك طَالبا لَهُ قَالَ تَعَالَى ﴿يبغونكم الْفِتْنَة﴾ أَي يَبْغُونَهَا لكم وَقَالَ أَبُو عَليّ الهجري فِي أَمَالِيهِ بغيت الْخَيْر بغاء قلت بِكَسْر الْبَاء وَقَالَ أَبُو الْحسن اللحياني فِي نوادره يُقَال بغى الرجل الْحَاجة وَالْعلم وَالْخَيْر وكل شَيْء يطْلب يَبْغِي بغاء قلت بِضَم الْبَاء وبغية بِكَسْر الْبَاء وبغى كَذَلِك وبغية بِالضَّمِّ وبغى كَذَلِك واستبغى الْقَوْم فبغوه وبغوا لَهُ أَي طلبُوا لَهُ وَفِي الْمُحكم الْمَعْرُوف بغاء قلت بِالضَّمِّ وَالِاسْم البغية والبغية وَقَالَ ثَعْلَب بغى الْخَيْر بغية وبغية فجعلهما مصدرين والبغية والبغبة والبغية مَا ابْتغى وأبغاه الشَّيْء طلبه لَهُ أَو أَعَانَهُ على طلبه وَالْجمع بغاة وبغيان
стр. 621
وأبتغى الشَّيْء تيَسّر وتسهل وبغى الشَّيْء بغوا نظر إِلَيْهِ كَيفَ هُوَ وَفِي الْجَامِع للقزاز أبغني كَذَا أَي أَعنِي عَلَيْهِ واطلبه معي وَفِي الواعي لعبد الْحق الإشبيلي الْبغاء الطّلب قلت بِالضَّمِّ وَفِي الصِّحَاح كل طلبة بغاء بِالضَّمِّ وبالمد وبغاية أَيْضا وابتغيت الشَّيْء وتبغيته إِذا طلبته قَالَ سَاعِدَة بن جوية الْهُذلِيّ
(سِبَاع تبغى النَّاس مثنى وموحد ... )
قَوْله أستنفض على وزن أستفعل من النفض بالنُّون وَالْفَاء وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ أَن يهز الشَّيْء ليطير غباره أَو يَزُول مَا عَلَيْهِ وَمَعْنَاهُ هَهُنَا أستنظف بهَا أَي أنظف بهَا نَفسِي من الْحَدث وَفِي الْمطَالع أبغي أحجارا أستنفض بهَا أَي أستنج بهَا مِمَّا هُنَالك ونفاضة كل شَيْء مَا نفضته فَسقط مِنْهُ وَفِي الواعي أستنفض بهَا أَي أستنجى بهَا وَهُوَ أَن ينفض عَن نَفسه أَذَى الْحَدث فَقَالَ هَذَا مَوضِع مستنفض أَي متبرز وَفِي كتاب ابْن طريف نفضت الأَرْض تتبعت مغانيها ونفضت الشَّيْء نفضا حركته ليسقط عَنهُ مَا علق بِهِ وَقَالَ المطرزي الاستنفاض الاستخراج ويكنى بِهِ عَن الِاسْتِنْجَاء وَقَالَ وَمن رَوَاهُ بِالْقَافِ وَالصَّاد الْمُهْملَة فقد صحف قلت قَالَ الصغاني فِي الْعباب استنفاض الذّكر وانتقاصه استبراؤه مِمَّا فِيهِ من بَقِيَّة الْبَوْل قلت الأول بِالْفَاءِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَالثَّانِي بِالْقَافِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة أَيْضا وَالثَّالِث بِالْقَافِ والمهملة وَذكر أَيْضا فِي بَاب نقص بِالْقَافِ والمهملة وَقَالَ أَبُو عبيد انتقاص المَاء غسل الذّكر بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ إِذا غسل بِالْمَاءِ ارْتَدَّ الْبَوْل وَلم ينزل وَإِن لم يغسل نزل مِنْهُ الشَّيْء بعد الشَّيْء حَتَّى يستبرىء (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله اتبعت النَّبِي ﵊ جملَة وَقعت مقول القَوْل قَوْله وَخرج لِحَاجَتِهِ جملَة وَقعت حَالا بِتَقْدِير قد وَالتَّقْدِير وَقد خرج وَقد علم أَن الْفِعْل الْمَاضِي إِذا وَقع حَالا فَلَا بُد فِيهِ من قد إِمَّا ظَاهِرَة أَو مقدرَة وَيجوز فِيهِ الْوَاو وَتَركه كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَو جاؤكم حصرت صُدُورهمْ﴾ وَالتَّقْدِير قد حصرت وَقد وَقع بِدُونِ الْوَاو قَوْله فَكَانَ لَا يلْتَفت بفاء الْعَطف فِي رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيره وَكَانَ بِالْوَاو فَإِن قلت مَا وَجه الْوَاو فِيهِ قلت للْحَال وَقَول بَعضهم وَكَانَ استئنافية غير صَحِيح على مَا لَا يخفى قَوْله فَقَالَ أبغني بوصل الْهمزَة وقطعها كَمَا ذَكرْنَاهُ قَوْله أحجارا نصب على أَنه مفعول ثَان لأبغنى قَوْله أستنفض مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر وَيجوز رَفعه على الِاسْتِئْنَاف قَوْله أَو نَحوه بِالنّصب لِأَنَّهُ مقول القَوْل وَهُوَ فِي الْمَعْنى جملَة وَالتَّقْدِير أَو قَالَ نَحْو قَوْله أستنفض بهَا وَذَلِكَ نَحْو قَوْله أستنجي بهَا وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ أستنجي بهَا والتردد فِيهِ من بعض الروَاة قَوْله بِطرف ثِيَابِي الْبَاء ظرفية (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله فَكَانَ لَا يلْتَفت أَي فَكَانَ النَّبِي ﷺ إِذا مَشى لَا يلْتَفت وَرَاءه وَكَانَ هَذَا عَادَة مَشْيه ﵊ قَوْله فدنوت مِنْهُ أَي قربت مِنْهُ لأستأنس بِهِ وأقضي حَاجته وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ أستأنس فَقَالَ من هَذَا قلت أَبُو هُرَيْرَة قَوْله فَقَالَ أبغني أحجارا وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ ائْتِنِي قَوْله وَلَا تأتني بِعظم كَأَنَّهُ ﵊ خشِي أَن يفهم أَبُو هُرَيْرَة من قَوْله أستنفض بهَا أَن كل مَا يزِيل الْأَثر وينقي كَاف وَلَا اخْتِصَاص لذَلِك بالأحجار فنبه باقتصاره فِي النَّهْي على الْعظم والروث على أَن مَا سواهُمَا يجزىء وَلَو كَانَ ذَلِك مُخْتَصًّا بالأحجار كَمَا يَقُول أهل الظَّاهِر وَبَعض الْحَنَابِلَة لم يكن لتخصيص هذَيْن بِالنَّهْي معنى قَالَ الْخطابِيّ وَفِي النَّهْي عَنْهُمَا دَلِيل على أَن أَعْيَان الْحِجَارَة غير مُخْتَصَّة بِهَذَا الْمَعْنى وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لما أَمر بالأحجار ثمَّ اسْتثْنى هذَيْن وخصهما بِالنَّهْي دلّ على أَن مَا عداهما قد دخل فِي الْإِبَاحَة وَلَو كَانَت الْحِجَارَة مَخْصُوصَة بذلك لم يكن لتخصيصهما بِالذكر معنى وَإِنَّمَا جرى ذكر الْحِجَارَة وسيق اللَّفْظ إِلَيْهَا لِأَنَّهَا كَانَت أَكثر الْأَشْيَاء الَّتِي يستنجى بهَا وجودا وأقربها تناولا وَقَالَ أهل الظَّاهِر الْحجر مُتَعَيّن لَا يجزىء غَيره وَقَالَ أَصْحَابنَا الَّذِي يقوم مقَام الْحجر كل جامد طَاهِر مزيل للعين لَيْسَ لَهُ حُرْمَة وَقَالَ ابْن بطال لما نهى عَنْهُمَا دلّ على أَن مَا عداهما بخلافهما وَإِلَّا لم يكن لتخصيصهما فَائِدَة تدبر. فَإِن قيل إِنَّمَا نَص عَلَيْهِمَا تَنْبِيها على أَن مَا عداهما فِي مَعْنَاهُمَا قُلْنَا هَذَا لَا يجوز لِأَن التَّنْبِيه إِنَّمَا يُفِيد إِذا كَانَ فِي المنبه عَلَيْهِ معنى المنبه لَهُ وَزِيَادَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ وَلَيْسَ فِي سَائِر الطاهرات مَعْنَاهُمَا فَلم يَقع التَّنْبِيه عَلَيْهِمَا انْتهى قلت التَّعْلِيل فِي الْعظم والروث إِن كَانَ هُوَ كَونهمَا من طَعَام الْجِنّ على مَا سَيَجِيءُ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي المبعث فِي هَذَا الحَدِيث أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ للنَّبِي ﷺ لما أَن فرغ مَا بَال الْعظم والروث قَالَ هما من طَعَام الْجِنّ فَيلْحق بهما سَائِر المطعومات للآدميين بطرِيق الْقيَاس وَكَذَا المحترمات كأوراق كتب الْعلم وَإِن كَانَ هُوَ النَّجَاسَة فِي الروث
стр. 622
فَيلْحق بِهِ كل نجس وَفِي الْعظم هُوَ كَونه لزجا فَلَا يزِيل إِزَالَة تَامَّة فَيلْحق بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ كالزجاج الأملس وَقَالَ الْخطابِيّ قيل الْمَعْنى فِي ذَلِك أَن الْعظم لزج لَا يكَاد يتماسك فيقلع النَّجَاسَة وينشف البلة وَقيل أَن الْعظم لَا يكَاد يعرى من بَقِيَّة دسم قد علق بِهِ وَنَوع الْعظم قد يَتَأَتَّى فِيهِ الْأكل لبني آدم لِأَن الرخو الرَّقِيق مِنْهُ قد يتمشش فِي حَال الرَّفَاهِيَة والغليظ الصلب مِنْهُ يدق ويستف مِنْهُ عِنْد المجاعة والشدة وَقد حرم الِاسْتِنْجَاء بالمطعوم قلت هَذَانِ وَجْهَان وَالثَّالِث كَونه طَعَام الْجِنّ وَأما الروث فَلِأَنَّهُ نجس كَمَا ذَكرْنَاهُ أَو لِأَنَّهُ طَعَام دَوَاب الْجِنّ وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي دَلَائِل النُّبُوَّة أَن الْجِنّ سَأَلُوا هَدِيَّة مِنْهُ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ الْعظم والروث فالعظم لَهُم والروث لدوابهم فَإِذا لَا يستنجى بهما رَأْسا وَأما لِأَنَّهُ طَعَام للجن أنفسهم روى أَبُو عبد الله الْحَاكِم فِي الدَّلَائِل أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لِابْنِ مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لَيْلَة الْجِنّ أُولَئِكَ جن نَصِيبين جاؤني فسألوني الزَّاد فَمَتَّعْتهمْ بالعظم والروث فَقَالَ لَهُ وَمَا يُغني مِنْهُم ذَلِك يَا رَسُول الله قَالَ إِنَّهُم لَا يَجدونَ عظما إِلَّا وجدوا عَلَيْهِ لَحْمه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ يَوْم أَخذ وَلَا وجدوا رَوْثًا إِلَّا وجدوا فِيهِ حبه الَّذِي كَانَ يَوْم أكل فَلَا يستنجي أحد لَا بِعظم وَلَا بروث وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد أَنهم قَالُوا يَا مُحَمَّد انه أمتك لَا يستنجوا بِعظم وَلَا بروث أَو حممة فَإِن الله تَعَالَى جعل لنا رزقا فِيهَا فَنهى رَسُول الله ﷺ عَنهُ قلت الحممة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الميمين وَهِي الفحم وَمَا احْتَرَقَ من الْخشب وَالْعِظَام وَنَحْوهَا وَجَمعهَا حمم قَوْله بِطرف ثِيَابِي أَي فِي جَانب ثِيَابِي وَفِي صَحِيح الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي طرف ملائي وَقَالَ الْكرْمَانِي وَالثيَاب يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْجمع وَأَن يُرَاد بِهِ الْجِنْس كَمَا يُقَال فلَان يركب الْخُيُول قلت فِيهِ نظر لِأَن مَا ذكره إِنَّمَا يمشي فِي الْجمع الْمحلى بِالْألف وَاللَّام كَمَا فِي الْمِثَال الْمَذْكُور قَوْله وأعرضت عَنهُ كَذَا فِي أَكثر الرِّوَايَات وَفِي رِوَايَة الْكشميهني واعترضت بِزِيَادَة التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق بعد الْعين قَوْله فَلَمَّا قضى أَي رَسُول الله ﷺ وَالْمَفْعُول مَحْذُوف تَقْدِيره فَلَمَّا قضى حَاجته قَوْله أتبعه بِهن أَي بالأحجار وهمزة أتبعه همزَة قطع وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى الْقَضَاء الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله فَلَمَّا قضى وكنى بذلك عَن الِاسْتِنْجَاء (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ جَوَاز استنجاء بالأحجار وَفِيه الرَّد على من أنكر ذَلِك كَمَا بَيناهُ مستقصى الثَّانِي فِيهِ مَشْرُوعِيَّة الِاسْتِنْجَاء وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ فَمنهمْ من قَالَ بِوُجُوبِهِ واشتراطه فِي صِحَة الصَّلَاة وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَأَبُو ثَوْر وَإِسْحَاق وَأَبُو دَاوُد وَمَالك فِي رِوَايَة وَمِنْهُم من قَالَ بِأَنَّهُ سنة وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك فِي رِوَايَة والمزني من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الرَّازِيّ قَالَ أخبرنَا عِيسَى بن يُونُس عَن ثَوْر عَن الْحصين الحمراني عَن أبي سعيد عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﵊ قَالَ من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج وَمن استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج الحَدِيث وَأخرجه أَحْمد أَيْضا فِي مُسْنده حَدثنَا شُرَيْح حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس عَن ثَوْر عَن الْحصين كَذَا قَالَ عَن أبي سعيد الْخَيْر وَكَانَ من أَصْحَاب عمر عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِلَى آخِره نَحوه وَأخرجه الطَّحَاوِيّ فِي الْآثَار حَدثنَا يُونُس بن عبد الْأَعْلَى قَالَ أخبرنَا يحيى بن حسن قَالَ حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس قَالَ حَدثنَا ثَوْر بن يزِيد عَن حُصَيْن الحمراني عَن أبي سعيد الْخَيْر عَن أبي هُرَيْرَة إِلَى آخِره نَحوه فَالْحَدِيث صَحِيح وَرِجَاله ثِقَات فَإِن قلت قَالَ أَبُو عَمْرو بن حزم وَالْبَيْهَقِيّ لَيْسَ إِسْنَاده بالقائم مَجْهُولَانِ يعنون حصينا فِيهِ الحمراني وَأَبا سعيد الْخَيْر قلت هَذَا كَلَام سَاقِط لِأَن أَبَا زرْعَة الدِّمَشْقِي قَالَ فِي حُصَيْن هَذَا شيخ مَعْرُوف وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان فِي تَارِيخه لَا أعلم إِلَّا خيرا وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ شيخ وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات وَأما أَبُو سعيد الْخَيْر فقد قَالَ أَبُو دَاوُد وَيَعْقُوب بن سُفْيَان والعسكري وَابْن بنت منيع فِي آخَرين أَنه من الصَّحَابَة والْحَدِيث أخرجه ابْن حبَان أَيْضا فِي صَحِيحه وَذكر أَبَا سعيد فِي كتاب الصَّحَابَة وَسَماهُ عَامِرًا وَسَماهُ الْبَغَوِيّ عمرا وَسَماهُ صَاحب التَّهْذِيب زيادا وَسَماهُ البُخَارِيّ سَعْدا. وَقَالُوا أَيْضا أَنه كَدم البراغيث لِأَنَّهُ نَجَاسَة لَا تجب إِزَالَة أَثَرهَا فَكَذَا عينهَا لَا يجب إِزَالَتهَا بِالْمَاءِ فَلَا يجب بِغَيْرِهِ وَقَالَ الْمُزنِيّ لأَنا أجمعنا على جَوَاز مسحها بِالْحجرِ فَلم تجب إِزَالَتهَا كالمني فَإِن قلت استدلالهم بِالْحَدِيثِ غير تَامّ لِأَن المُرَاد لَا حرج فِي ترك الإيتار أَي الزَّائِد على ثَلَاثَة أَحْجَار وَلَيْسَ المُرَاد ترك أصل الِاسْتِنْجَاء وَقَالَ الْخطابِيّ معنى الحَدِيث التَّمْيِيز بَين المَاء الَّذِي هُوَ الأَصْل
стр. 623
وَبَين الْأَحْجَار الَّتِي هِيَ للترخيص لكنه إِذا استجمر بِالْحِجَارَةِ فليجعل وترا وَإِلَّا فَلَا حرج إِلَى تَركه إِلَى غَيره وَلَيْسَ مَعْنَاهُ ترك التَّعَبُّد أصلا بِدَلِيل حَدِيث سلمَان نَهَانَا أَن نستنجي بِأَقَلّ من ثَلَاثَة أَحْجَار قلت الشَّارِع نفى الْحَرج عَن تَارِك الِاسْتِنْجَاء فَدلَّ على أَنه لَيْسَ بِوَاجِب وَكَذَلِكَ ترك الإيتار لَا يضر لِأَن ترك أَصله لما لم يكن مَانِعا فَمَا ظَنك بترك وَصفه فَدلَّ الحَدِيث على انْتِفَاء الْمَجْمُوع فَإِن قلت قَالَ الْخطابِيّ فِيهِ وَجه آخر وَهُوَ رفع الْحَرج فِي الزِّيَادَة على الثَّلَاث وَذَلِكَ أَن مُجَاوزَة الثَّلَاث فِي المَاء عدوان وَترك للسّنة وَالزِّيَادَة فِي الْأَحْجَار لَيست بعدوان وَإِن صَارَت شفعا قلت هَذَا الْوَجْه لَا يفهم من هَذَا الْكَلَام على مَا لَا يخفى على الفطن وَأَيْضًا مُجَاوزَة الثَّلَاث فِي المَاء كَيفَ تكون عُدْوانًا إِذا لم تحصل الطَّهَارَة بِالثلَاثِ وَالزِّيَادَة فِي الْأَحْجَار وَإِن كَانَت شفعا كَيفَ لَا يصير عُدْوانًا وَقد نَص على الإيتار فَافْهَم وَأهل الْمقَالة الأولى احْتَجُّوا بِظَاهِر الْأَوَامِر الْوَارِدَة فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة وليستنج بِثَلَاثَة أَحْجَار وَفِي حَدِيث عَائِشَة الَّذِي أخرجه ابْن ماجة وَأحمد أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا ذهب أحدهم إِلَى الْغَائِط فليذهب مَعَه بِثَلَاثَة أَحْجَار يَسْتَطِيب بِهن وَأَحَادِيث غَيرهمَا وَأجِيب بِأَن الْأَمر يحْتَمل أَن يكون على وَجه الِاسْتِحْبَاب والمحتمل لَا يصلح حجَّة إِلَّا بمرجح لأحد الْمعَانِي وَفِيمَا ذكر أهل الْمقَالة الثَّانِيَة أَيْضا أَعمال الْأَحَادِيث كلهَا وَفِيمَا قَالَه هَؤُلَاءِ إهمال لبعضها وَالْعَمَل بِالْكُلِّ أولى على مَا لَا يخفى الثَّالِث أَن الْأَحْجَار لَا تتَعَيَّن للاستنجاء بل يقوم مقَامهَا كل جامد طَاهِر قالع غير مُحْتَرم وتنصيصه ﵊ عَلَيْهَا لكَونهَا الْغَالِب الميسر وجودهَا بِلَا مشقة وَلَا كلفة فِي تَحْصِيلهَا كَمَا ذَكرْنَاهُ مَبْسُوطا الرَّابِع فِيهِ النَّهْي عَن الِاسْتِنْجَاء بالعظم والروث وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ فَقَالَ الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق والظاهرية لَا يجوز الِاسْتِنْجَاء بالعظام وَاحْتَجُّوا فِيهِ بِظَاهِر الحَدِيث وَقَالَ ابْن قدامَة فِي الْمُغنِي والخشب والخروق وكل مَا أنقى بِهِ كالأحجار إِلَّا الروث وَالْعِظَام وَالطَّعَام مقتاتا أَو غير مقتات فَلَا يجوز الِاسْتِنْجَاء بِهِ وَلَا بالروث وَالْعِظَام طَاهِرا كَانَ أَو غير طَاهِر وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَقَالَ ابْن حزم فِي الْمحلى وَمِمَّنْ قَالَ لَا يجزىء بالعظام وَلَا بِالْيَمِينِ الشَّافِعِي وَأَبُو سُلَيْمَان وَقَالَ القَاضِي وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَن مَالك فِي كَرَاهِيَة هَذَا يَعْنِي الِاسْتِنْجَاء بالعظم وَالْمَشْهُور عَنهُ النَّهْي عَن الِاسْتِنْجَاء بِهِ على مَا جَاءَ فِي الحَدِيث وَعنهُ أَيْضا أَنه أجَاز ذَلِك وَقَالَ مَا سَمِعت فِي ذَلِك بنهي عَام وَذهب بعض البغداديين إِلَى جَوَاز ذَلِك إِذا وَقع بمَكَان وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَفِي الْبَدَائِع فَإِن فعل ذَلِك يَعْنِي الِاسْتِنْجَاء بالعظم يعْتد بِهِ عندنَا فَيكون مُقيما سنة ومرتكبا كَرَاهِيَة قلت ذكر ابْن جرير الطَّبَرِيّ أَن عمر بن الْخطاب ﵁ كَانَ لَهُ عظم يستنجي بِهِ ثمَّ يتَوَضَّأ وَيُصلي وشذ ابْن جرير فَأجَاز الِاسْتِنْجَاء بِكُل طَاهِر ونجس وَيكرهُ بِالذَّهَب وَالْفِضَّة عِنْد أبي حنيفَة وَعند الشَّافِعِي فِي قَول لَا يكره وَكره بعض الْعلمَاء الِاسْتِنْجَاء بِعشْرَة أَشْيَاء الْعظم والرجيع والروث وَالطَّعَام والفحم والزجاج وَالْوَرق والخرق وورق الشّجر والسعتر وَلَو استنجي بهَا أَجزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَة وَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة يجوز الِاسْتِنْجَاء بالعظم إِن كَانَ طَاهِرا لَا زهومة عَلَيْهِ لحُصُول الْمَقْصُود وَلَو أحرق الْعظم الطَّاهِر بالنَّار وَخرج عَن حَال الْعظم فَوَجْهَانِ عِنْد الشَّافِعِيَّة حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيّ أَحدهمَا يجوز الِاسْتِنْجَاء بِهِ لِأَن النَّار أحالته. وَالثَّانِي لَا لعُمُوم النَّهْي عَن الرمة وَهِي الْعظم الْبَالِي وَلَا فرق بَين البلي بالنَّار أَو بمرور الزَّمَان وَهَذَا أصح الْخَامِس فِيهِ كَرَاهَة الِاسْتِنْجَاء بِجَمِيعِ المطعومات فَإِنَّهُ ﵊ نبه بالعظم على ذَلِك ويلتحق بهَا المحترمات كأجزاء الْحَيَوَان وأوراق كتب الْعلم وَغير ذَلِك السَّادِس فِيهِ أعداد الْأَحْجَار للاستنجاء كي لَا يحْتَاج إِلَى طلبَهَا بعد قِيَامه فَلَا يَأْمَن من التلوث السَّابِع فِيهِ جَوَاز اتِّبَاع السادات بِغَيْر إذْنهمْ الثَّامِن فِيهِ اسْتِخْدَام المتبوعين الِاتِّبَاع. التَّاسِع فِيهِ اسْتِحْبَاب الْإِعْرَاض عَن قَاضِي الْحَاجة. الْعَاشِر فِيهِ جَوَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى حَيْثُ قَالَ أَو نَحوه
(بَاب لَا يستنجى بروث)
بَاب مَرْفُوع منون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَقَوله لَا يستنجى على صِيغَة الْمَجْهُول وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ ذكر الْبَاب وَإِنَّمَا ذكر حَدِيث عبد الله مَعَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَفِي بعض النّسخ بَاب الِاسْتِنْجَاء بروث والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة
стр. 624
٢٢ - (حَدثنَا أَبُو نعيم قَالَ حَدثنَا زُهَيْر عَن أبي إِسْحَاق قَالَ لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَة ذكره وَلَكِن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَن أَبِيه أَنه سمع عبد الله يَقُول أَتَى النَّبِي ﷺ الْغَائِط فَأمرنِي أَن آتيه بِثَلَاثَة أَحْجَار فَوجدت حجرين والتمست الثَّالِث فَلم أَجِدهُ فَأخذت رَوْثَة فَأَتَيْته بهَا فَأخذ الحجرين وَألقى الروثة وَقَالَ هَذَا ركس) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وَألقى الروثة وَقَالَ هَذَا ركس لِأَن إلقاءه إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ لَا يستنجى بِهِ. (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول أَبُو نعيم بِضَم النُّون الْفضل بن دُكَيْن وَقد مر الثَّانِي زُهَيْر بن مُعَاوِيَة الْجعْفِيّ الْكُوفِي وَقد مر الثَّالِث أَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَقد مر فِي بَاب الصَّلَاة من الْإِيمَان الرَّابِع عبد الرَّحْمَن بن الْأسود أَبُو حَفْص النَّخعِيّ كُوفِي عَالم عَامل روى عَن أَبِيه وَعَائِشَة وَعنهُ الْأَعْمَش وَغَيره كَانَ يُصَلِّي كل يَوْم سَبْعمِائة رَكْعَة وَكَانَ يُصَلِّي الْعشَاء وَالْفَجْر بِوضُوء وَاحِد مَاتَ سنة تسع وَتِسْعين وَفِي البُخَارِيّ أَيْضا عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عبد يَغُوث زهري تَابِعِيّ وَلَيْسَ فِيهِ غَيرهمَا. وَفِي شُيُوخ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عبد الرَّحْمَن بن الْأسود الْوراق وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة عبد الرَّحْمَن بن الْأسود غير هَؤُلَاءِ وَوَقع فِي كتاب الدَّاودِيّ وَابْن التِّين أَن عبد الرَّحْمَن الْوَاقِع فِي رِوَايَة البُخَارِيّ هُوَ ابْن عبد يَغُوث وَهُوَ وهم فَاحش مِنْهُمَا إِذْ الْأسود الزُّهْرِيّ لم يسلم فضلا أَن يعِيش حَتَّى يروي عَن عبد الله بن مَسْعُود الْخَامِس الْأسود بن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن قيس الْكُوفِي النَّخعِيّ وَقد مر فِي بَاب من ترك بعض الِاخْتِيَار فِي كتاب الْعلم السَّادِس عبد الله بن مَسْعُود ﵁ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا أَن رُوَاته كلهم ثِقَات كوفيون. وَمِنْهَا أَن فِيهِ ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض وهم أَبُو إِسْحَق وَعبد الرَّحْمَن بن الْأسود وَأَبوهُ الْأسود بن يزِيد. وَمِنْهَا نفى أَبُو إِسْحَق رِوَايَته هَهُنَا عَن أبي عُبَيْدَة وتصريحه بِأَنَّهُ لَا يروي هَذَا الحَدِيث هَهُنَا إِلَّا عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود وَهُوَ معنى قَوْله قَالَ لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَة ذكره أَي قَالَ أَبُو إِسْحَق لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَة ذكره لي وَلَكِن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود هُوَ الَّذِي ذكره لي بِدَلِيل قَوْله فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة الْمُعَلقَة حَدثنِي عبد الرَّحْمَن وَقَالَ بَعضهم وَإِنَّمَا عدل أَبُو إِسْحَق عَن الرِّوَايَة عَن أبي عُبَيْدَة إِلَى الرِّوَايَة عَن عبد الرَّحْمَن مَعَ أَن الرِّوَايَة عَن أبي عُبَيْدَة أَعلَى لَهُ لكَون أبي عُبَيْدَة لم يسمع من أَبِيه على الصَّحِيح فَتكون مُنْقَطِعَة بِخِلَاف رِوَايَة عبد الرَّحْمَن فَإِنَّهَا مَوْصُولَة قلت قَول أبي إِسْحَق هَذَا يحْتَمل أَن يكون نفيا لحديثه وإثباتا لحَدِيث عبد الرَّحْمَن وَيحْتَمل أَن يكون إِثْبَاتًا لحديثه أَيْضا وَأَنه كَانَ غَالِبا يحدثه بِهِ عَن أبي عُبَيْدَة فَقَالَ يَوْمًا لَيْسَ هُوَ حَدثنِي وَحده وَلَكِن عبد الرَّحْمَن أَيْضا وَقَالَ الْكَرَابِيسِي فِي كتاب المدلسين أَبُو إِسْحَق يَقُول فِي هَذَا الحَدِيث مرّة حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن يزِيد عَن عبد الله وَمرَّة حَدثنِي عَلْقَمَة عَن عبد الله وَمرَّة حَدثنِي أَبُو عُبَيْدَة عَن عبد الله وَمرَّة يَقُول لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَة حَدَّثَنِيهِ وَإِنَّمَا حَدثنِي عبد الرَّحْمَن عَن عبد الله وَهَذَا دَلِيل وَاضح أَنه رَوَاهُ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود سَمَاعا فَافْهَم وَأما قَول هَذَا الْقَائِل لكَون أبي عُبَيْدَة لم يسمع من أَبِيه فمردود بِمَا ذكر فِي المعجم الْأَوْسَط للطبراني من حَدِيث زِيَاد بن سعد عَن أبي الزبير قَالَ حَدثنِي يُونُس بن عتاب الْكُوفِي سَمِعت أَبَا عُبَيْدَة بن عبد الله يذكر أَنه سمع أَبَاهُ يَقُول كنت مَعَ النَّبِي ﵊ فِي سفر الحَدِيث وَبِمَا أخرج الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه حَدِيث أبي إِسْحَق عَن أبي عُبَيْدَة عَن أَبِيه فِي ذكر يُوسُف ﵇ وَصحح إِسْنَاده وَرُبمَا حسن التِّرْمِذِيّ عدَّة أَحَادِيث رَوَاهَا عَن أَبِيه مِنْهَا لما كَانَ يَوْم بدر وَجِيء بالأسرى وَمِنْهَا كَانَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين كَأَنَّهُ على الرصف وَمِنْهَا قَوْله ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله﴾ وَمن شَرط الحَدِيث الْحسن أَن يكون مُتَّصِل الْإِسْنَاد عِنْد الْمُحدثين (ذكر رجال هَذَا الحَدِيث) وَهُوَ صَحِيح كَمَا ترى إِذْ لَو لم يكن صَحِيحا لما أخرجه هَهُنَا وَيُؤَيِّدهُ أَن ابْن الْمَدِينِيّ لما سُئِلَ عَنهُ لم يقْض فِيهِ بِشَيْء فَلَو كَانَ مُنْقَطِعًا أَو مدلسا لبينه فَإِن قلت قَالَ ابْن الشَّاذكُونِي هَذَا الحَدِيث مَرْدُود لِأَنَّهُ مُدَلّس لِأَن السبيعِي لم يُصَرح فِيهِ بِسَمَاع وَلم يَأْتِ فِيهِ بِصِيغَة مُعْتَبرَة وَمَا سَمِعت بتدليس أعجب من هَذَا وَلَا أخْفى فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة لم يحدثني
стр. 625
وَلَكِن عبد الرَّحْمَن عَن فلَان وَلم يقل حَدثنِي فَجَاز الحَدِيث وَسَار قلت أَبُو إِسْحَق سَمعه من جمَاعَة وَلكنه كَانَ غَالِبا إِنَّمَا يحدث بِهِ عَن أبي عُبَيْدَة فَلَمَّا نشط يَوْمًا قَالَ لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَة الَّذِي فِي ذهنكم أَنِّي حدثتكم عَنهُ حَدثنِي وَحده وَلَكِن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود وَلَعَلَّ البُخَارِيّ لم يرد ذَلِك متعارضا وجعلهما إسنادين أَو أَسَانِيد فَإِن قلت قَالَ ابْن أبي حَاتِم عَن أبي زرْعَة اخْتلفُوا فِي هَذَا الحَدِيث وَالصَّحِيح عِنْدِي حَدِيث أبي عُبَيْدَة بن عبد الله عَن أَبِيه وَزعم التِّرْمِذِيّ أَن أصح الرِّوَايَات عِنْده حَدِيث قيس بن الرّبيع وَإِسْرَائِيل عَن أبي عُبَيْدَة عَن عبد الله قَالَ لِأَن إِسْرَائِيل أثبت وأحفظ لحَدِيث أبي إِسْحَق من هَؤُلَاءِ وَتَابعه على ذَلِك قيس وَزُهَيْر عَن أبي إِسْحَق لَيْسَ بذلك لِأَن سَمَاعه مِنْهُ بآخرة سَمِعت أَحْمد بن الْحسن سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول إِذا سَمِعت الحَدِيث عَن زَائِدَة وَزُهَيْر فَلَا تبال أَن لَا تسمعه من غَيرهمَا إِلَّا حَدِيث أبي إِسْحَق وَرَوَاهُ زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن أبي إِسْحَق عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد عَن عبد الله وَهَذَا حَدِيث فِيهِ اضْطِرَاب قَالَ وَسَأَلت الدَّارمِيّ أَي الرِّوَايَات فِي هَذَا أصح عَن أبي إِسْحَق فَلم يقْض فِيهِ بِشَيْء وَسَأَلت مُحَمَّدًا عَن هَذَا فَلم يقْض بِشَيْء وَكَأَنَّهُ رأى حَدِيث زُهَيْر أشبه وَوَضعه فِي جَامعه قلت كَون حَدِيث أبي عُبَيْدَة عَن أَبِيه صَحِيحا عِنْد أبي زرْعَة لَا يُنَافِي صِحَة طَرِيق البُخَارِيّ وَأما تَرْجِيح التِّرْمِذِيّ حَدِيث إِسْرَائِيل على حَدِيث زُهَيْر فمعارض بِمَا حَكَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي صَحِيحه لِأَنَّهُ رَوَاهُ من حَدِيث يحيى بن سعيد وَيحيى بن سعيد لَا يرضى أَن يَأْخُذ عَن زُهَيْر عَن أبي إِسْحَق مَا لَيْسَ بِسَمَاع لأبي إِسْحَق وَقَالَ الْآجُرِيّ سَأَلت أَبَا دَاوُد عَن زُهَيْر وَإِسْرَائِيل فِي أبي إِسْحَق فَقَالَ زُهَيْر فَوق إِسْرَائِيل بِكَثِير وَتَابعه إِبْرَاهِيم بن يُوسُف عَن أَبِيه وَابْن حَمَّاد الْحَنَفِيّ وَأَبُو مَرْيَم وَشريك وزَكَرِيا بن أبي زَائِدَة فِيمَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ. وَإِسْرَائِيل اخْتلف عَلَيْهِ فَرَوَاهُ كَرِوَايَة زُهَيْر وَرَوَاهُ عباد الْقَطوَانِي وخَالِد العَبْد عَنهُ عَن أبي إِسْحَق عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله وَرَوَاهُ الْحميدِي عَن ابْن عُيَيْنَة عَنهُ عَن أبي إِسْحَق عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد ذكره الدَّارَقُطْنِيّ والعدوي فِي مُسْنده وَزُهَيْر لم يخْتَلف عَلَيْهِ واعتماده على مُتَابعَة قيس بن الرّبيع لَيْسَ بِشَيْء لشدَّة مَا رمي بِهِ من نَكَارَة الحَدِيث والضعف وإضرابه عَن مُتَابعَة الثَّوْريّ وَيُونُس وهما هما وَمن أكبر مَا يُؤَاخذ بِهِ التِّرْمِذِيّ أَنه أضْرب عَن الحَدِيث الْمُتَّصِل الصَّحِيح إِلَى مُنْقَطع على مَا زَعمه فَإِنَّهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة لم يسمع من أَبِيه وَلَا يعرف اسْمه وَقَالَ فِي جَامعه حَدثنَا هناد وقتيبة قَالَا حَدثنَا وَكِيع عَن إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَق عَن أبي عُبَيْدَة عَن عبد الله خرج النَّبِي ﷺ لحَاجَة فَقَالَ التمس لي ثَلَاثَة أَحْجَار قَالَ فَأَتَيْته بحجرين وروثة فَأخذ الحجرين وَرمى الروثة وَقَالَ إِنَّهَا ركس وَقد أجبنا عَن قَول من يَقُول أَبُو عُبَيْدَة لم يسمع من أَبِيه وَكَيف مَا سمع وَقد كَانَ عمره سبع سِنِين حِين مَاتَ أَبوهُ عبد الله قَالَه غير وَاحِد من أهل النَّقْل وَابْن سبع سِنِين لَا يُنكر سَمَاعه من الغرباء عِنْد الْمُحدثين فَكيف من الْآبَاء القاطنين وَأما اسْمه فقد ذكر فِي الكنى لمُسلم والكنى لأبي أَحْمد وَكتاب الثِّقَات لِابْنِ حبَان وَغَيرهَا أَنه عَامر وَالله أعلم وَقيل اسْمه كنيته وَهُوَ هذلي كُوفِي أَخُو عبد الرَّحْمَن وَكَانَ يفضل عَلَيْهِ كَمَا قَالَه أَحْمد حدث عَن عَائِشَة ﵂ وَغَيرهَا وَحدث عَن أَبِيه فِي السّنَن وَعنهُ السبيعِي وَغَيره مَاتَ لَيْلَة دجيل. (بَيَان من أخرجه غَيره) هُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ وَلم يُخرجهُ مُسلم وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان عَن أبي نعيم بِهِ وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن خَلاد عَن يحيى بن سعيد عَن زُهَيْر بِهِ. (بَيَان اللُّغَات) قَوْله الْغَائِط أَي الأَرْض المطمئنة لقَضَاء الْحَاجة وَالْمرَاد بِهِ مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ قَوْله رَوْثَة فِي الْعباب الروثة وَاحِدَة الروث والأرواث وَقد راث الْفرس يروث وَقَالَ التَّيْمِيّ قيل الروثة إِنَّمَا تكون للخيل وَالْبِغَال وَالْحمير قَوْله ركس بِكَسْر الرَّاء الرجس وبالفتح رد الشَّيْء مقلوبا وَقَالَ النَّسَائِيّ فِي سنَنه الركس طَعَام الْجِنّ وَقَالَ الْخطابِيّ الركس الرجيع يَعْنِي قد رد عَن حَال الطَّهَارَة إِلَى حَال النَّجَاسَة وَيُقَال ارتكس الرجل فِي الْبلَاء إِذا رد فِيهِ بعد الْخَلَاص مِنْهُ وَقد جَاءَ الرجس بِمَعْنى الْإِثْم وَالْكفْر والشرك كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فزادتهم رجسا إِلَى رجسهم﴾ وَقيل نَحوه فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ليذْهب عَنْكُم الرجس﴾ أَي ليطهركم من جَمِيع هَذِه الْخَبَائِث وَقد يَجِيء بِمَعْنى الْعَذَاب وَالْعَمَل الَّذِي يُوجِبهُ كَقَوْلِه ﴿وَيجْعَل الرجس على الَّذين لَا يعْقلُونَ﴾ وَقيل بِمَعْنى اللَّعْنَة فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَاب فِي الْآخِرَة وَقَالَ ابْن التِّين الرجس والركس فِي هَذَا الحَدِيث قيل النَّجس وَقيل القذر وَقَالَ ابْن بطال يُمكن أَن يكون معنى ركس رِجْس قَالَ وَلم أجد لأهل اللُّغَة شرح هَذِه الْكَلِمَة وَالنَّبِيّ
стр. 626
عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أعلم الْأمة باللغة وَقَالَ الدَّاودِيّ يحْتَمل أَن يُرِيد بالركس النَّجس وَيحْتَمل أَن يُرِيد لِأَنَّهَا طَعَام الْجِنّ وَفِي الْعباب الركس فعل بِمَعْنى مفعول كَمَا أَن الرجيع من رجعته والرجس بِالْكَسْرِ والرجس بِالتَّحْرِيكِ والرجس مِثَال كتف القذر يُقَال رِجْس نجس ورجس نجس ورجس نجس اتِّبَاع وَقَالَ الْأَزْهَرِي الرجس اسْم لكل مَا استقذر من الْعَمَل وَيُقَال الرجس المأثم (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله ذكره جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا خبر لَيْسَ قَوْله وَلَكِن للاستدراك وَقَوله عبد الرَّحْمَن مَرْفُوع بِفعل مَحْذُوف تَقْدِيره وَلَكِن حَدثنِي عبد الرَّحْمَن قَوْله أَنه أَصله بِأَنَّهُ وَقَوله عبد الله مفعول لقَوْله سمع فَقَوله يَقُول جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال قَوْله الْغَائِط مَنْصُوب بقوله أَتَى قَوْله أَن آتيه كلمة أَن مَصْدَرِيَّة صلَة لِلْأَمْرِ أَي أَمرنِي بإتيان الْأَحْجَار وَلَيْسَت أَن هَذِه مفسرة بِخِلَاف أَن فِي قَوْله أَمرته أَن يفعل فَإِنَّهَا تحْتَمل أَن تكون صلَة وَأَن تكون مفسرة قَوْله فَوجدت بِمَعْنى أصبت وَلِهَذَا اكْتفى بمفعول وَاحِد وَهُوَ حجرين قَوْله هَذَا ركس مُبْتَدأ وَخبر وَقعت مقول القَوْل فَإِن قلت الْمشَار إِلَيْهِ يؤنث وَهُوَ قَوْله رَوْثَة فَكيف ذكر الضَّمِير قلت التَّذْكِير بِاعْتِبَار تذكير الْخَبَر كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هَذَا رَبِّي﴾ وَفِي بعض النّسخ هَذِه على الأَصْل (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله والتمست الثَّالِث أَي طلبت الْحجر الثَّالِث قَوْله فَلم أَجِدهُ بالضمير الْمَنْصُوب رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره فَلم أجد بِدُونِ الضَّمِير قَوْله فَأَتَيْته بهَا أَي أتيت النَّبِي ﷺ بِالثَّلَاثَةِ من الحجرين والروثة وَلَيْسَ الضَّمِير فِي بهَا عَائِدًا إِلَى الروثة فَقَط قَوْله هَذَا ركس كَذَا وَقع هَهُنَا فَقيل هُوَ لُغَة فِي رِجْس بِالْجِيم وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة ابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي هَذَا الحَدِيث فَإِنَّهُ عِنْدهمَا بِالْجِيم وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة حَدثنَا أَبُو سعيد الْأَشَج حَدثنَا زِيَاد بن الْحسن بن فرات عَن أَبِيه عَن جده عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ أَرَادَ النَّبِي ﷺ أَن يتبرز فَقَالَ ائْتِنِي بِثَلَاثَة أَحْجَار فَوجدت لَهُ حجرين وروثة حمَار فَأمْسك الحجرين وَطرح الروثة وَقَالَ هِيَ رِجْس (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ منع الِاسْتِنْجَاء بالروث وَالْبَاب مَعْقُود عَلَيْهِ وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي الْبَاب الَّذِي قبله وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن فِيهِ بَيَان أَن أرواث الْحمر نَجِسَة وَإِذا كَانَت أرواث الْحمر نَجِسَة بِحكم النَّبِي ﵊ كَانَ حكم جَمِيع أرواث مَا لَا يجوز أكل لَحمهَا من ذَوَات الْأَرْبَع مثل أرواث الْحمر قلت قد اخْتلف الْعلمَاء فِي صفة نَجَاسَة الأرواث فَعِنْدَ أبي حنيفَة هِيَ نجس مغلظ وَبِه قَالَ زفر وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد نجس مخفف وَقَالَ مَالك الروث طَاهِر الثَّانِي فِيهِ منع الِاسْتِنْجَاء بِالنَّجسِ فَإِن الركس هُوَ النَّجس كَمَا ذَكرْنَاهُ الثَّالِث قَالَ الْخطابِيّ فِيهِ إِيجَاب عدد الثَّلَاث فِي الِاسْتِنْجَاء إِذْ كَانَ معقولا أَنه إِنَّمَا استدعاها ليستنجي بهَا كلهَا وَلَيْسَ فِي قَوْله فَأخذ الحجرين دَلِيل على أَنه اقْتصر عَلَيْهِمَا لجَوَاز أَن يكون بِحَضْرَتِهِ ثَالِث فَيكون قد استوفاها عددا وَيدل على ذَلِك خبر سلمَان قَالَ نَهَانَا رَسُول الله ﷺ أَن نكتفي بِدُونِ ثَلَاثَة أَحْجَار وَخبر أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ وَلَا يستنجي بِدُونِ ثَلَاثَة أَحْجَار قَالَ وَلَو كَانَ الْقَصْد الإنقاء فَقَط لخلا اشْتِرَاط الْعدَد عَن الْفَائِدَة فَلَمَّا اشْترط الْعدَد لفظا وَعلم الانقاء فِيهِ معنى دلّ على إِيجَاب الْأَمريْنِ وَنَظِيره الْعدة بالإقراء فَإِن الْعدَد مشترط وَلَو تحققت بَرَاءَة الرَّحِم بقرء وَاحِد انْتهى قلت لَا نسلم أَن فِيهِ إِيجَاب عدد الثَّلَاث بل كَانَ ذَلِك للِاحْتِيَاط لِأَن التَّطْهِير بِوَاحِد أَو اثْنَيْنِ لم يكن محققا فَلذَلِك نَص على الثَّلَاث لِأَن بِالثلَاثِ يحصل التَّطْهِير غَالِبا وَنحن نقُول أَيْضا إِذا تحقق شخص أَنه لَا يطهر إِلَّا بِالثلَاثِ يتَعَيَّن عَلَيْهِ الثَّلَاث وَالتَّعْيِين لَيْسَ لأجل التوفية فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ للانقاء الْحَاصِل فِيهِ حَتَّى إِذا احْتَاجَ إِلَى رَابِع أَو خَامِس وهلم جرا يتَعَيَّن عَلَيْهِ ذَلِك على أَن الحَدِيث مَتْرُوك الظَّاهِر فَإِنَّهُ لَو استنجى بِحجر لَهُ ثَلَاثَة أحرف جَازَ بِالْإِجْمَاع وَقَوله وَلَيْسَ فِي قَوْله فَأخذ الحجرين دَلِيل على أَنه اقْتصر عَلَيْهِمَا لَيْسَ كَذَلِك بل فِيهِ دَلِيل على ذَلِك لِأَنَّهُ لَو كَانَ الثَّلَاث شرطا لطلب الثَّالِث فَحَيْثُ لم يطْلب دلّ على مَا قُلْنَاهُ وتعليله بقوله لجَوَاز أَن يكون بِحَضْرَتِهِ ثَالِث مَمْنُوع لِأَن قعوده ﵊ للغائط كَانَ فِي مَكَان لَيْسَ فِيهِ أَحْجَار إِذْ لَو كَانَت هُنَاكَ أَحْجَار لما قَالَ لَهُ ائْتِنِي بِثَلَاثَة أَحْجَار لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة لطلب الْأَحْجَار وَهِي حَاصِلَة عِنْده وَهَذَا مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ وَقَوله وَلَو كَانَ الْمَقْصد الإنقاء فَقَط لخلا
стр. 627
اشْتِرَاط الْعدَد عَن الْفَائِدَة قُلْنَا أَن ذكر الثَّلَاث لم يكن للاشتراط بل للِاحْتِيَاط إِلَى آخر مَا ذَكرْنَاهُ الْآن قَوْله وَنَظِيره الْعدة بالإقراء غير مُسلم لِأَن الْعدَد فِيهِ شَرط بِنَصّ الْقُرْآن والْحَدِيث وَلم يُعَارضهُ نَص آخر بِخِلَاف الْعدَد هَهُنَا لِأَنَّهُ ورد من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج فَهَذَا لما دلّ على ترك أصل الِاسْتِنْجَاء دلّ على ترك وَصفه أَيْضا بِالطَّرِيقِ الأولى. وَقَالَ بَعضهم اسْتدلَّ بِهِ الطَّحَاوِيّ على عدم اشْتِرَاط الثَّلَاثَة قَالَ لِأَنَّهُ لَو كَانَ شرطا لطلب ثَالِثا كَذَا قَالَه وغفل عَمَّا أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده من طَرِيق معمر عَن أبي إِسْحَق عَن عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود فِي هَذَا الحَدِيث فَإِن فِيهِ فَألْقى الروثة وَقَالَ أَنَّهَا ركس ائْتِنِي بِحجر وَرِجَاله ثِقَات أثبات وَقد تَابع معمرا عَلَيْهِ أَبُو شيبَة الوَاسِطِيّ أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ وتابعهما عمار بن زُرَيْق أحد الثِّقَات عَن أبي إِسْحَق قلت لم يغْفل الطَّحَاوِيّ عَن ذَلِك وَإِنَّمَا الَّذِي نسبه إِلَى الْغَفْلَة هُوَ الغافل وَكَيف يغْفل عَن ذَلِك وَقد ثَبت عِنْده عدم سَماع أبي إِسْحَق عَن عَلْقَمَة فَالْحَدِيث عِنْده مُنْقَطع والمحدث لَا يرى الْعَمَل بِهِ وَأَبُو شيبَة الوَاسِطِيّ ضَعِيف فَلَا يعْتَبر بمتابعته فَالَّذِي يَدعِي صَنْعَة الحَدِيث كَيفَ يرضى بِهَذَا الْكَلَام وَقد قَالَ أَبُو الْحسن بن الْقصار الْمَالِكِي روى أَنه أَتَاهُ بثالث لَكِن لَا يَصح وَلَو صَحَّ فالاستدلال بِهِ لمن لَا يشْتَرط الثَّلَاثَة قَائِم لِأَنَّهُ اقْتصر فِي الْمَوْضِعَيْنِ على ثَلَاثَة فَحصل لكل مِنْهُمَا أقل من ثَلَاثَة وَقَول ابْن حزم هَذَا بَاطِل لِأَن النَّص ورد فِي الِاسْتِنْجَاء وَمسح الْبَوْل لَا يُسمى استنجاء بَاطِل على مَا لَا يخفى ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل واستدلال الطَّحَاوِيّ أَيْضا فِيهِ نظر لاحْتِمَال أَن يكون اكْتفى بِالْأَمر الأول فِي طلب الثَّلَاثَة فَلم يجدد الْأَمر بِطَلَب الثَّالِث أَو اكْتفى بِطرف أَحدهمَا عَن الثَّالِث لِأَن الْمَقْصُود بِالثَّلَاثَةِ أَن يمسح بهَا ثَلَاث مسحات وَذَلِكَ حَاصِل وَلَو بِوَاحِد وَالدَّلِيل على صِحَّته أَنه لَو مسح بِطرف وَاحِد ثمَّ رَمَاه ثمَّ جَاءَ شخص آخر فَمسح بطرفه الآخر لأجزأهما بِلَا خلاف قلت نظره مَرْدُود عَلَيْهِ لِأَن الطَّحَاوِيّ اسْتدلَّ بِصَرِيح النَّص لما ذهب إِلَيْهِ وبالاحتمال الْبعيد كَيفَ يدْفع هَذَا وَقَوله لِأَن الْمَقْصُود بِالثَّلَاثَةِ أَن يمسح بهَا ثَلَاث مسحات يُنَافِيهِ اشتراطهم الْعدَد فِي الْأَحْجَار لأَنهم مستدلون بِظَاهِر قَوْله وَلَا يسْتَنْج أحدكُم بِأَقَلّ من ثَلَاثَة أَحْجَار وَقَوله وَذَلِكَ حَاصِل وَلَو بِوَاحِد مُخَالف لصريح الحَدِيث فَهَل رَأَيْت من يرد بمخالفة ظَاهر حَدِيثه الَّذِي يحْتَج بِهِ على من يحْتَج بِظَاهِر الحَدِيث بطرِيق الِاسْتِدْلَال الصَّحِيح وَهل هَذَا إِلَّا مُكَابَرَة وتعنت عصمنا الله من ذَلِك وَمن أمعن النّظر فِي أَحَادِيث الْبَاب ودقق ذهنه فِي مَعَانِيهَا علم وَتحقّق أَن الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم وَأَن المُرَاد الانقاء لَا التَّثْلِيث وَهُوَ قَول عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حَكَاهُ الْعَبدَرِي وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة وَمَالك وَدَاوُد وَهُوَ وَجه للشَّافِعِيَّة ايضا (وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن يُوسُف عَن أبي إِسْحَاق حَدثنِي عبد الرَّحْمَن) هَذَا مَوْجُود فِي غَالب النّسخ ذكره أَبُو مَسْعُود وَخلف وَغَيرهمَا عَن البُخَارِيّ وَلَيْسَ بموجود فِي بَعْضهَا وَأَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا التَّعْلِيق الرَّد على من زعم أَن أَبَا إِسْحَق دلّس هَذَا الْخَبَر كَمَا حكى ذَلِك عَن الشَّاذكُونِي كَمَا ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى فَإِنَّهُ صرح فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ وَقد اسْتدلَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا على صِحَة سَماع أبي إِسْحَق لهَذَا الحَدِيث من عبد الرَّحْمَن لكَون يحيى الْقطَّان رَوَاهُ عَن زُهَيْر ثمَّ قَالَ وَلَا يرضى الْقطَّان أَن يَأْخُذ عَن زُهَيْر مَا لَيْسَ بِسَمَاع لأبي إِسْحَق كَمَا ذَكرْنَاهُ وَإِبْرَاهِيم بن يُوسُف بن إِسْحَق بن أبي إِسْحَق السبيعِي الْهَمدَانِي الْكُوفِي روى عَن أَبِيه وجده وَعنهُ أَبُو كريب وَجَمَاعَة فِيهِ لين أخرجُوا لَهُ سوى ابْن مَاجَه مَاتَ سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة وَأَبُو يُوسُف الْكُوفِي الْحَافِظ روى عَن جده وَالشعْبِيّ وَعنهُ ابْن عُيَيْنَة وَغَيره مَاتَ فِي زمن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَيُقَال توفّي سنة سبع وَخمسين وَمِائَة وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن الْأسود الْمُتَقَدّم ذكره وَقَالَ الْكرْمَانِي هَذِه مُتَابعَة نَاقِصَة ذكرهَا البُخَارِيّ تَعْلِيقا فَإِن قلت قد تكلم فِي إِبْرَاهِيم قَالَ عَيَّاش إِبْرَاهِيم عَن يحيى لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ إِبْرَاهِيم لَيْسَ بِالْقَوِيّ قلت يحْتَمل فِي المتابعات مَا لَا يحْتَمل فِي الْأُصُول انْتهى كَلَامه. قلت لأجل مُتَابعَة يُوسُف الْمَذْكُور حفيد أبي إِسْحَق زُهَيْر بن مُعَاوِيَة رجح البُخَارِيّ رِوَايَة زُهَيْر الْمَذْكُورَة وتابعهما أَيْضا شريك القَاضِي وزَكَرِيا بن أبي زَائِدَة وَغَيرهمَا وتابع أَبَا إِسْحَق على رِوَايَته عَن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور لَيْث بن أبي سليم أخرجه ابْن أبي شيبَة وَحَدِيثه يستشهد بِهِ وَلما اخْتَار فِي رِوَايَة زُهَيْر طَرِيق عبد الرَّحْمَن على طَرِيق أبي عُبَيْدَة دلّ على أَنه عَارِف بالطريقين وَأَن رِوَايَة عبد الرَّحْمَن عِنْده أرجح وَالله أعلم (تمّ الْجُزْء الثَّانِي وَالْحَمْد لله
стр. 628
٢٢ - (بابُ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوضُوء مرّة مرّة، يَعْنِي: لكل عُضْو من أَعْضَاء الْوضُوء مرّة وَاحِدَة.
وَجه الْمُنَاسبَة بَينه وَبَين الْأَبْوَاب الَّتِي قبله ظَاهر، وَهُوَ أَن تِلْكَ الْأَبْوَاب فِي بَيَان أَحْكَام الِاسْتِنْجَاء، وَهَذَا فِي بَيَان حكم الْوضُوء، وَلَا شكّ أَن الْوضُوء يَتْلُو الِاسْتِنْجَاء، وَقد بَين إِجْمَال مَا فِي حَدِيث هَذَا الْبَاب فِي بَاب غسل الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ بغرفة وَاحِدَة، وَكِلَاهُمَا عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
١٥٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدّثناسُفْيانُ عَنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ تَوضَّأَ النبيُّ ﷺ مرَّةً مَرَّةً.
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة. الأول: مُحَمَّد بن يُوسُف، قَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد بِهِ هُنَا: إِمَّا البيكندي، وَتقدم فِي بَاب مَا كَانَ النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، يتخولهم؟ وَإِمَّا الْفرْيَابِيّ، وَتقدم فِي بَاب لَا يمسك ذكره. ثمَّ قَالَ: الْغَالِب أَن البيكندي يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالْفِرْيَابِي، وَتقدم فِي بَاب لَا يمسك ذكره. ثمَّ قَالَ: الغال أَن البيكندي يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالْفِرْيَابِي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْفرْيَابِيّ عَن ابْن عُيَيْنَة، لِأَن السفيانين كليهمَا شيخاه، كَمَا أَن زيد بن أسلم شيخ السفيانين، وكما أَن ابْني يُوسُف شَيخا البُخَارِيّ. وَقَالَ بَعضهم: سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، والراوي عَنهُ الْفرْيَابِيّ لَا البيكندي. قلت: جزم هَذَا الْقَائِل بِأَن سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأَن مُحَمَّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ لَا دَلِيل لَهُ عَلَيْهِ، وَالِاحْتِمَال الْمَذْكُور الَّذِي ذكره الْكرْمَانِي غير مَدْفُوع، فَافْهَم. وَقَالَ الْكرْمَانِي. أَيْضا: فان قلت فَهَذَا تَدْلِيس، إِذْ فِيهِ الِاشْتِبَاه الْمُؤَدِّي إِلَى كَون الرَّاوِي مَجْهُولا، فَيلْزم الْقدح فِي الْإِسْنَاد. قلت: مثله لَا يقْدَح فِيهِ لِأَن أياً كَانَ مِنْهُم فَهُوَ عدل ضَابِط بِشَرْط البُخَارِيّ، لَا يتَفَاوَت الحكم باخْتلَاف ذَلِك. الثَّانِي: سُفْيَان، إِمَّا ابْن عُيَيْنَة، وَإِمَّا الثَّوْريّ، وَقد ذكر. لَكِن الرَّاجِح أَنه الثَّوْريّ لِأَن أَبَا نعيم صرح بِهِ فِي كِتَابه. وَالله اعْلَم. الثَّالِث: زيد بن أسلم التَّابِعِيّ الْمدنِي، وَقد مر. الرَّابِع: عَطاء بن يسَار، بِفَتْح الْيَاء وَالسِّين الْمُهْملَة المخففة. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
بَيَان لطائف اسناده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء ثِقَات. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ: زيد بن أسلم عَن عَطاء.
بَيَان من أخرجه غَيره هَذَا مِمَّا تفرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم. وَأخرجه الْأَرْبَعَة، فَأَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (أَلا أخْبركُم بِوضُوء رَسُول الله ﷺ ؟ فَتَوَضَّأ مرّة مرّة) . وَالتِّرْمِذِيّ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى بِهِ، وَعَن قُتَيْبَة وهناد وَأبي كريب، ثَلَاثَتهمْ عَن وَكِيع عَن سُفْيَان بِهِ. وَالنَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن مثنى عَن
стр. 629
يحيى بِهِ، وَابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن خَلاد الْبَاهِلِيّ عَن يحيى بِإِسْنَادِهِ: تَوَضَّأ بغرفة وَاحِدَة. وَأَيْضًا الْكل أَخْرجُوهُ فِي كتاب الطَّهَارَة. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ عقيب إِخْرَاجه: وَفِي الْبَاب عَن عمر وَجَابِر وَبُرَيْدَة وَأبي رَافع وَابْن الْفَاكِه، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس احسن شَيْء فِي الْبَاب. قلت: لَا جرم اقْتصر عَلَيْهِ البُخَارِيّ. قَالَ: وروى رشدين بن سعد وَغَيره هَذَا الحَدِيث عَن الضَّحَّاك بن شُرَحْبِيل عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه عَن عمر مَرْفُوعا بِهِ، وَلَيْسَ بِشَيْء، وَالصَّحِيح مَا مروى ان عجلَان وَهِشَام بن سعد وسُفْيَان الثَّوْريّ وَعبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن زيد عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، وَرَوَاهُ عَن سُفْيَان جماعات غير شيخ البُخَارِيّ، مِنْهُم وَكِيع، وَنبهَ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا على أَن ابْن لَهِيعَة وَرشْدِين بن سعد روياه عَن الضَّحَّاك أَيْضا، كَمَا سلف، وَأَن عبد الله بن سِنَان خَالفه، فَرَوَاهُ عَن زيد عَن عبد الله بن عمر. قَالَ: وَكِلَاهُمَا وهم، وَالصَّوَاب: زيد عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس. وَفِي (مُسْند الْبَزَّار) : مَا أَتَى هَذَا إلَاّ من الضَّحَّاك، وَقد أغفل فِي مُسْنده قصد الصَّوَاب. قلت: حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه ابْن مَاجَه: حَدثنَا أَبُو كريب حَدثنَا رشدين بن سعد أخبرنَا الضَّحَّاك بن شُرَحْبِيل عَن زيد بن سلم عَن أَبِيه عَن عمر، ﵁، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فِي غَزْوَة تَوَضَّأ وَاحِدَة وَاحِدَة) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان الْمُؤَذّن عَن أَسد عَن ابْن لَهِيعَة عَن الضَّحَّاك بن شُرَحْبِيل عَن زيد بن اسْلَمْ عَن أَبِيه عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله ﵊ وَتَوَضَّأ مرّة مرّة) ، وَحَدِيث جَابر أخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا عَن ثَابت بن ابي صَفِيَّة، قَالَ: سَأَلت أَبَا جَعْفَر، قلت لَهُ: حدثت عَن جَابر بن عبد الله (ان النَّبِي ﷺ تَوَضَّأ مرّة مرّة؟ قَالَ: نعم) الحَدِيث، وَحَدِيث بُرَيْدَة أخرجه وَحَدِيث أبي رَافع أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه: حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز حَدثنَا عبد الله بن عمر بن الْخطاب حَدثنَا الدَّرَاورْدِي عَن عَمْرو بن أبي عَمْرو عَن عبيد الله بن ابي رَافع عَن ابيه، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله ﷺ تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ورأيته تَوَضَّأ مرّة مرّة) . وَحَدِيث ابْن الْفَاكِه أخرجه الْبَغَوِيّ فِي (مُعْجَمه) : حَدثنَا عَليّ بن أبي الْجَعْد حَدثنَا عدي ابْن الْفضل عَن ابي جَعْفَر عَن عمَارَة بن خُزَيْمَة بن ثَابت عَن ابْن الْفَاكِه، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله ﷺ تَوَضَّأ مرّة مرّة) . وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن ابي بن كَعْب، أخرجه ابْن مَاجَه: (أَن رَسُول الله ﷺ دَعَا بِمَاء فَتَوَضَّأ مرّة مرّة)
. الحَدِيث.
ذكر بَقِيَّة الْكَلَام قَوْله: مرّة، نصب على الظّرْف، أَي: تَوَضَّأ فِي زمَان وَاحِد، وَلَو كَانَ ثمَّة غسلتان أَو غسلات لكل عُضْو من أَعْضَاء الْوضُوء لَكَانَ التَّوَضُّؤ فِي زمانين أَو أزمنة، إِذْ لَا بُد لكل غسلة من زمَان غير زمَان الغسلة الْأُخْرَى، أَو مَنْصُوب على الْمصدر، أَي: تَوَضَّأ مرّة من التوضيء أَي: غسل الْأَعْضَاء غسلة وَاحِدَة، وَكَذَا حكم الْمسْح. فان قلت: فعلى هَذَا التَّقْدِير يلْزم أَن يكون مَعْنَاهُ تَوَضَّأ رَسُول الله ﷺ فِي جَمِيع عمره مرّة وَاحِدَة، وَهُوَ ظَاهر الْبطلَان. قلت: لَا يلْزم، بل تكْرَار لفظ مرّة يقتضى التَّفْصِيل والتكرير، أَو نقُول: إِن المُرَاد أَنه غسل فِي كلِّ وضوء كلَّ عُضْو مرّة مرّة، لِأَن تكْرَار الْوضُوء من رَسُول الله ﷺ مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ من الدّين، هَكَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: فِي الْجَواب الثَّانِي نظر، لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن جَمِيع وضوء النَّبِي، ﵊، فِي عمره مرّة مرّة، وَلَيْسَ كَذَلِك على مَا لَا يخفي.
وَاسْتدلَّ ابْن التِّين بِهَذَا الحَدِيث على عدم إِيجَاب تَخْلِيل اللِّحْيَة لِأَنَّهُ إِذا غسل وَجهه مرّة لَا يبْقى مَعَه من المَاء مَا يخلل بِهِ، قَالَ: وَفِيه رد على من قَالَ: فرض مغسول الْوضُوء ثَلَاث.
٢٣ - (بَاب الوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي الْوضُوء مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ لكل عُضْو. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : قد روى البُخَارِيّ بعدُ، من حَدِيث عَمْرو ابْن يحيى عَن ابيه عَن عبد الله بن زيد: (ان النَّبِي ﷺ غسل يَدَيْهِ مرَّتَيْنِ، ومضمض واستنشق ثَلَاثًا وَغسل وَجهه ثَلَاثًا) ، وَهُوَ حَدِيث وَاحِد فَلَا يحسن استدلاله بِهِ فِي هَذَا الْبَاب، اللَّهُمَّ إِلَّا لَو قَالَ: إِن بعض وضوئِهِ كَانَ مرَّتَيْنِ، وَبَعضه ثَلَاثًا، لَكَانَ حسنا. قلت: هَذَا الِاعْتِرَاض غير وَارِد لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع تعدد الْقَضِيَّة، كَيفَ وَالطَّرِيق إِلَى عبد الله بن زيد مُخْتَلف؟ .
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر لَا يخفى.
стр. 630
١٥٨ - حدّثنا حُسَيْنُ بنُ عِيسَى قَالَ حَدثنَا يُونُسُ بن مُحمَّدٍ قَالَ حَدثنَا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمانَ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبي بَكْر بنِ مُحَمَّدِ بِنْ عَمْرِ وبنِ حَزْمٍ عَنْ عَبَّاد بنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ أنَّ النبيَّ ﷺ تَوَضَّأ مرَّتَيْنِ مَرَّتيْنِ.
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: الْحُسَيْن، بِالتَّصْغِيرِ، بن مُوسَى بن حمْرَان، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: الطَّائِي أَبُو عَليّ القومسي، بِالْقَافِ وبالمهلمة: البسطامي الدَّامغَانِي، سكن نيسابور وَبهَا مَاتَ سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، روى عَنهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة، ثِقَة من أَئِمَّة الْعَرَبيَّة، وَهُوَ من الْأَفْرَاد، لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من اسْمه الْحُسَيْن بن عِيسَى غَيره. وَفِي أبي دَاوُد ابْن مَاجَه آخر حَنَفِيّ كُوفِي، أَخُو سليم الْقَارِي، ضَعِيف. وبسطام وسمنان والدامغان من قومس، وقومس عمل مُفْرد بَين الرّيّ وخراسان، وبسطام بِفَتْح الْبَاء كَذَا فِي (تَقْوِيم الْبلدَانِ) . الثَّانِي: يُونُس بن مُحَمَّد ابْن مُسلم أَبُو مُحَمَّد الْمُؤَدب الْمعلم الْبَغْدَادِيّ الْحَافِظ، مَاتَ بعد الْمِائَتَيْنِ سنة أَو ثَمَان أَو غير ذَلِك. الثَّالِث: فليح، بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، واسْمه: عبد الْملك، وفليح لقب لَهُ غلب عَلَيْهِ، وَقد مر فِي أول كتاب الْعلم. الرَّابِع: عبد الله بن أبي بكر الْمدنِي. أَبُو مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ التَّابِعِيّ، توفّي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، وَفِي بعض النّسخ سقط لفظ: مُحَمَّد، بَين أبي بكر وَعَمْرو. الْخَامِس: عباد، بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: بن تَمِيم بن زيد بن عَاصِم الْأنْصَارِيّ، وَاخْتلف فِي كَونه صحابياً. السَّادِس: عبد الله بن زيد بن عَاصِم الْمَازِني، هُوَ عَم عباد، وَقد تقدما فِي بَاب: لَا يتَوَضَّأ من الشَّك حَتَّى يستقين، وَهُوَ غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه صَاحب رُؤْيا الْأَذَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين نيسابوري وبغدادي ومدني، وفليح وَمن فَوْقه مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ: عبد الله بن ابي بكر عَن عباد بن تَمِيم، وَرِوَايَة صحبي عَن صَحَابِيّ على قَول من يَقُول: إِن عباداً من الصَّحَابَة.
بَيَان من أخرجه غَيره وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ وَلم يُخرجهُ غَيره من الْجَمَاعَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (ان النَّبِي، ﵊، تَوَضَّأ مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب لَا نعرفه إلَاّ من حَدِيث ابْن ثَوْبَان عبد عبد الله بن الْفضل. قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن جَابر، وأغفل حَدِيث عبد الله بن زيد. قلت: حَدِيث جَابر أخرجه ابْن مَاجَه.
ذكر بَقِيَّة الْكَلَام انتصاب: (مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ) ، على الْوَجْه الْمَذْكُور فِي: مرّة مرّة؛ وَقَالَ بَعضهم: وَهَذَا الحَدِيث مُخْتَصر من حَدِيث عبد الله بن زيد الْمَشْهُور فِي صفة وضوء النَّبِي، ﵊، كَمَا سَيَأْتِي بعد من حَدِيث مَالك وَغَيره، وَلَكِن لَيْسَ فِيهِ الْغسْل مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ إلَاّ فِي الْيَدَيْنِ إِلَى الْمرْفقين، وَكَانَ حق حَدِيث عبد الله بن زيد أَن يبوب لَهُ غسل بعض الْأَعْضَاء مرّة وَبَعضهَا مرَّتَيْنِ وَبَعضهَا ثَلَاثًا. قلت: قد قَالَ هَذَا الْقَائِل: إِن الحَدِيث الْمَذْكُور مُجمل، وَإِن حَدِيث مَالك مُبين، ومخرجهما مُخْتَلف، فَإِذا كَانَ كَذَلِك لَا يتضي بَيَان مَا ذكره على أَنه لَيْسَ فِي حَدِيث عبد الله بن زيد أَنه غسل بعض الْأَعْضَاء مرّة مرّة، وَإِنَّمَا هَذَا فِي حَدِيث غَيره، وَلم يلْتَزم البُخَارِيّ التَّبْوِيب على الْوَجْه الْمَذْكُور، وَإِن كَانَ الْأَمر يَقْتَضِي بَيَان مَا رُوِيَ عَنهُ، ﵊، أَنه تَوَضَّأ مرّة مرّة وَمَا رُوِيَ عَنهُ أَنه تَوَضَّأ مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ، وَمَا رُوِيَ عَنهُ أَنه تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَا رُوِيَ عَنهُ أَنه تَوَضَّأ بعض وضوئِهِ مرّة وَبَعضه ثَلَاثًا، وَمَا رُوِيَ عَنهُ أَنه تَوَضَّأ بعض وضوئِهِ مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ وَبَعضه ثَلَاثًا.
٢٤ - (بابُ الوُضُوءِ ثَلاثاً ثَلاثاً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْوضُوء ثَلَاثًا ثَلَاثًا لكل عُضْو.
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة.
١٥٩ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ الاُوَيْسِىُّ قَالَ حدّثني إبْراهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ أنَّ عَطَاءَ بنَ يَزِيدَ أخْبرَهُ أنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمانَ أخْبَرَهُ أنَّهُ رَأى عُثْمانَ بنَ عَفَّانَ
стр. 631
دَعا باناءٍ فأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ أدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِناءِ فَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثاً وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْن ثَلاثَ مِرَارٍ (ثُمَّ) مَسَحَ بِرَأسِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاثَ مِرَارٍ إِلَى الكَعْبَيْنِ ثُمَّ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذنْبِهِ.
مُطَابقَة الحدي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَإِن فِيهِ غسل الْأَعْضَاء المغسوله كلهَا ثَلَاث مَرَّات.
بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عبد الْعَزِيز الأويسي، بِضَم الْهمزَة، وَقد مر فِي بَاب الْحِرْص على الحَدِيث فِي كتاب الْعلم. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد، سبط عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف وَقد مر فِي بَاب تفاضل أهل الْإِيمَان. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَقد تكَرر ذكره. الرَّابِع: عطاه ابْن يزِيد التَّابِعِيّ، وَقد تقدم فِي بَاب: وَقد تقدم فِي بَاب: لَا يسْتَقْبل الْقبْلَة بغائط. الْخَامِس: حمْرَان، بِضَم الْحَاء المهلمة وَسُكُون الْمِيم وبالراء: ابْن أبان، بِفَتْح الْهمزَة وَالْيَاء الْمُوَحدَة المخففة: ابْن خَالِد بن عَمْرو، من سبي عين التَّمْر، سباه خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَوَجَدَهُ غُلَاما كيساً، فوجهه إِلَى عُثْمَان، ﵁، وَأعْتقهُ، وَكَانَ كَاتبه وحاجبه، وَولي نيسابور من الْحجَّاج، ذكره البُخَارِيّ فِي (ضُعَفَائِهِ) ، وإحتج بِهِ فِي (صَحِيحه) ، وَكَذَا مُسلم وَالْأَرْبَعَة. وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ كثير الحَدِيث، لم أرهم يحتجون بحَديثه، مَاتَ سنة خمس وَسبعين أغرمه الْحجَّاج مائَة ألف لأجل الْولَايَة السَّابِقَة: ثمَّ، رد عَلَيْهِ ذَلِك بشفاعة عبد الْملك. السَّادِس: أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف، أمه أروى بنت عمَّة رَسُول الله ﷺ ، وَهُوَ أَصْغَر من النَّبِي، ﵊، وَيُسمى بِذِي النوري لِأَنَّهُ تزوج بنت رَسُول الله ﷺ رقية فَمَاتَتْ عِنْده، ثمَّ أم كُلْثُوم، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله ﵊ مائَة حَدِيث وسته وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا، أخرج البُخَارِيّ مِنْهَا أحذد عشر. اسْتخْلف أول يَوْم من الْمحرم سنة أَربع وَعشْرين، وَقتل يَوْم الْجُمُعَة لثمان عشرَة خلت من ذِي الْحجَّة سنة خمس وَثَلَاثِينَ، قَتله الْأسود التحبيبي، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالياء الْمُوَحدَة. وَدفن لَيْلَة السبت بِالبَقِيعِ، وعمره اثْنَان وَثَمَانُونَ سنة، وَصلى عَلَيْهِ حَكِيم بن حزَام، وَكَثُرت الْأَمْوَال فِي خِلَافَته حَتَّى بِيعَتْ جَارِيَة بوزنها، وَفرس بِمِائَة ألف، ونخلة بِأَلف دِرْهَم، وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة من اسْمه عُثْمَان بن عَفَّان غَيره.
بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض: ابْن شهَاب وَعَطَاء وحمران.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن اخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ فِي الطَّهَارَة عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، وَأخرجه ايضاً فِي الصَّوْم عَن عَبْدَانِ عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي الطَّاهِر ابْن السَّرْح وحرملة بن يحيى، كِلَاهُمَا عَن ابْن وهب عَن يُونُس، وَعَن زُهَيْر بن حَرْب عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سَلامَة عَن أَبِيه، ثَلَاثَتهمْ عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ ععن الْحسن بن عَليّ عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن ابْن مِسْكين وَاحْمَدْ بن عَمْرو بن السَّرْح كِلَاهُمَا عَن ابْن وهب بِهِ، وَعَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك بِهِ، وَعَن أَحْمد بن الْمُغيرَة عَن عُثْمَان بن سعيد بن كثير بن دِينَار عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن الزُّهْرِيّ بِهِ.
بَيَان اللُّغَات قَوْله: (فأفرغ على يَدَيْهِ) من أفرغت الْإِنَاء إفراغاً، وفرغته تفريغاً إِذا قلبت مَا فِيهِ، وَالْمعْنَى هَهُنَا: صب على يَدَيْهِ. يُقَال: فرغ المَاء، بِالْكَسْرِ، إِذا انصب. وأفرغته أَنا أَي: صببته، وتفريغ الظروف: إخلاؤها. قَوْله: (فَمَضْمض) الْمَضْمَضَة تَحْرِيك المَاء فِي الْفَم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: حَقِيقَة المضمضمة وكما لَهَا أَن يَجْعَل المَاء فِي فَمه، ثمَّ يديره فِيهِ، ثمَّ يمجه. وَقَالَ الزندوستي، من أَصْحَابنَا: أَن يدْخل إصبعه فِي فَمه وَأَنْفه، وَالْمُبَالغَة فيهمَا سنة، وَقَالَ الصَّدْر الشَّهِيد: الْمُبَالغَة فِي الْمَضْمَضَة الغرغرة، وَقد مُضِيّ تَحْقِيق الْكَلَام فِيهَا فِيمَا مضى. قَوْله: (واستنثر) قَالَ جُمْهُور أهل اللُّغَة وَالْفُقَهَاء والمحدثون: الاستنثار إِخْرَاج المَاء من الْأنف بعد الإستنشاق، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي وَابْن قُتَيْبَة: الاستنثار هُوَ الِاسْتِنْشَاق. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الصَّوَاب هُوَ الأول، وَيدل عَلَيْهِ الرِّوَايَة الْأُخْرَى (استنشق واستنثر) ، فَجمع بَينهمَا. وَقَالَ أهل اللُّغَة: هُوَ مَأْخُوذ من النثرة، وَهِي طرف الْأنف. وَقَالَ الْخطابِيّ
стр. 632
وَغَيره: هِيَ الْأنف. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: روى سَلمَة عَن الْفراء أَنه يُقَال: نثر الرجل وانتثر واستنثر: إِذا حرك النثرة فِي الطهار. وَقَالَ ابْن الاثير: نثر ينثر، بِالْكَسْرِ، إِذا امتخط، واستنثر: استفعل مِنْهُ، اي: استنشق المَاء ثمَّ استخرج مَا فِي الْأنف فينثره، وَقيل: هِيَ من تَحْرِيك النثرة، وَهِي طرف الْأنف قلت: الصَّوَاب مَا قَالَه ابْن الْأَعرَابِي أَن المُرَاد من قَوْله: (واستنثر) الِاسْتِنْشَاق وَقَالَ النَّوَوِيّ: الصَّوَاب هُوَ الأول. وَقَوله يدل عَلَيْهِ. الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (استنشق واستنثر) ، لَا يدل على مَا ادَّعَاهُ، لِأَن المُرَاد من الاستنثار فِي هَذِه الرِّوَايَة الامتخاط، وَهُوَ أَن يمتخط بعد الِاسْتِنْشَاق. وَقَالَ ابْن سَيّده: استنثر إِذا استنشق المَاء من ثمَّ استخرج ذَلِك بِنَفس الْأنف، والنثرة الخيشوم وَمَا وَالَاهُ، وتنشق واستنشق المَاء فِي انفه: صبه فِيهِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الانتثار والاستنثار بِمَعْنى، وَهُوَ: نثر مَا فِي الْأنف بِالنَّفسِ. وَقَالَ ابْن طَرِيق: نثر المَاء من أَنفه دَفعه. وَفِي (جَامع) الْقَزاز: نثرت الشَّيْء أنثره وانثره نثراً: إِذا بددته، وانت ناثر، وَالشَّيْء منثور. قَالَ: والمتوضىء يستنشق إِذا جذب المَاء برِيح أَنفه، ثمَّ يستنثره. وَفِي (الغريبين) : يستنشق اي: يبلغ المَاء خياشيمه، وَيُقَال: نثر وانتثر واستنثر: إِذا حرك النثرة، وَهِي طرف الْأنف. قَوْله: (وَجهه) الْوَجْه مَا يواجه الْإِنْسَان وَهُوَ من قصاص السّعر إِلَى أَسْفَل الذقن طولا وَمن شحمة الْأذن إِلَى شحمة الْأذن عرضا قَوْله: (ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ) ، الرَّأْس مُشْتَمل على الناصية والقفا والفودين، وَذكر ابْن جني: أَن الْجمع أرؤس واءرس على الْقلب، ورؤس. وَقَالَ ابْن السّكيت: وروس على الْحَذف، وَأنْشد:
(فيوماً إِلَى أَهلِي وَيَوْما إِلَيْكُم ... وَيَوْما أحط الْخَيل من روس الْجبَال)
وَرجل أراسي ورواسي: عَظِيم الرَّأْس. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: رواس كَذَلِك. وَقَالَ ابْن سَيّده فِي (الْمُخَصّص) : وَإِذا قيل: رَأس، فتخفيفه قِيَاس ثَابت. يُقَال: لرأس الانسان قلَّة، وَالْجمع قلل وقلال. وَقَالَ أَبُو حَاتِم وَهِي القنة، وَالْجمع: قنن، والعلاوة وَهِي: حِكْمَة الْإِنْسَان وقادمه وملطاطه وهامته. قَوْله: (غفر لَهُ) : الغفر والغفران: السّتْر، وَمِنْه: المغفر لِأَنَّهُ يغْفر الرَّأْس أَي: يستره. وَقَالَ ابْن الاثير: أصل الغفر: التغطية، وَالْمَغْفِرَة: إلباس الله الغفر للمذنبين.
بَيَان الْإِعْرَاب قَوْله: (أخبرهُ) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ خبر: أَن. قَوْله: (أَن حمْرَان) ، أَصله: بِأَن حمْرَان. قَوْله: (مولى عُثْمَان) فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ صفة: لحمران، وَهُوَ مَنْصُوب لِأَنَّهُ اسْم: أَن، وَمنع من الصّرْف للعلمية وَالْألف وَالنُّون الزائدتين. قَوْله: (انه رأى عُثْمَان) أَصله: بِأَنَّهُ. قَوْله: (دَعَا بِإِنَاء) جملَة وَقعت حَالا بِتَقْدِير: قد، كَمَا فِي؛ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو جاؤكم حصرت صُدُورهمْ﴾ (النِّسَاء: ٩٠) وَلَفظه: رأى، بِمَعْنى: أبْصر، فَلذَلِك اكْتفى بمفعول وَاحِد وَهُوَ: عُثْمَان. قَوْله: (فأفرغ) الْفَاء فِيهِ فَاء التَّفْسِير. قَوْله: (ثَلَاث مرار) كَلَام إضافي مَنْصُوب على أَنه صفة الْمصدر مَحْذُوف أَي: إفراغاً ثَلَاث مَرَّات. قَوْله: (فَمَضْمض) الْفَاء فِيهِ فَاء فصيحة، وَتَقْدِيره: فَأخذ المَاء مِنْهُ وَأدْخلهُ فِي فِيهِ فَمَضْمض. قَوْله: (ثَلَاثًا) نصب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف اي: غسلا ثَلَاث مَرَّات. قَوْله: (وَيَديه) عطف على قَوْله: (وَجهه) ، وَالتَّقْدِير: وَغسل يَدَيْهِ. قَوْله: (من تَوَضَّأ) كلمة: من، مَوْصُولَة معنى الشَّرْط، فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء. وَقَوله: (تَوَضَّأ) جملَة وَقعت صلَة للموصول. قَوْله: (نَحْو وضوئى) كَلَام إضافي مَنْصُوب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف تَقْدِيره: من تَوَضَّأ وضواً نَحْو وضوئي. قَوْله: (ثمَّ صلى) عطف على: تَوَضَّأ قَوْله: (لَا يحدث فيهمَا نَفسه) جملَة نَافِيَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا صفة: لركعتي. قَوْله: (غفر لَهُ) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع على الخبرية. قَوْله: (مَا تقدم) فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، وَكلمَة: من، فِي قَوْله: (من ذَنبه) ، للْبَيَان.
بَيَان الْمعَانِي قَوْله: (دَعَا بِإِنَاء) أَي: بظرف فِيهِ المَاء للْوُضُوء، وَفِي رِوَايَة شُعَيْب الْآتِيَة قَرِيبا: (دَعَا بِوضُوء) بِفَتْح الْوَاو وَهُوَ اسْم للْمَاء الْمعد للتوضيء، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق يُونُس. قَوْله: (ثَلَاث مَرَّات) وَفِي بعض النّسخ: (ثَلَاث مَرَّات) . قَوْله: (فَمَضْمض واستنثر) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (واستنشق) بدل قَوْله: (واستنثر) وَثبتت الثَّلَاثَة فِي رِوَايَة شُعَيْب الْآتِيَة فِي بَاب الْمَضْمَضَة وَلَيْسَ فِي طرق هَذَا الحَدِيث تَقْيِيد الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق بِعَدَد غير طَرِيق يُونُس عَن الزُّهْرِيّ، فِيمَا ذكره ابْن الْمُنْذر، وَكَذَا فِيمَا ذكره أَبُو دَاوُد من وَجْهَيْن آخَرين عَن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِن فِي أَحدهمَا: (فَتَمَضْمَض ثَلَاثًا واستنثر ثَلَاثًا) . وَفِي الآخر: (ثمَّ تمضمض واستنشق ثَلَاثًا) . قَوْله: (ثمَّ غسل وَجهه) عطف بِكَلِمَة: ثمَّ، لِأَنَّهَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب والمهلة. فان قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تَأْخِير غسل الْوَجْه عَن الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق؟ قلت: ذكرُوا أَن حِكْمَة ذكل اعْتِبَار أَوْصَاف المَاء، لِأَن اللَّوْن يدْرك بالبصر، والطعم يدْرك بالفم، وَالرِّيح يدْرك بالأنف، فَقدم الْأَقْوَى مِنْهَا وَهُوَ الطّعْم ثمَّ الرّيح
стр. 633
ثمَّ اللَّوْن. قَوْله: (وَيَديه إِلَى الْمرْفقين) أَي: كل وَاحِدَة، كَمَا جَاءَ هَكَذَا مُبينًا فِي رِوَايَة معمر عَن الزُّهْرِيّ كَمَا يَجِيء فِي كتاب الصَّوْم، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق يُونُس، وَفِيهِمَا تَقْدِيم الْيُمْنَى على الْيُسْرَى، وَالتَّعْبِير فِي كل مِنْهُمَا بِكَلِمَة: ثمَّ، وَكَذَا فِي الرجلَيْن أَيْضا. قَوْله: (ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ) وَفِي الرِّوَايَتَيْنِ المذكورتين، ثمَّ مسح رَأسه بِلَا بَاء، الْجَرّ وَالْفرق بَينهمَا أَن فِي الأول لَا يقتضى اسْتِيعَاب الْمسْح بِخِلَاف الثَّانِي. قَوْله: (نَحْو وضوئي هَذَا) قَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّمَا قَالَ: نَحْو وضوئي، وَلم يقل: مثل، لِأَن حَقِيقَة مماثلته لَا يقدر عَلَيْهَا غَيره، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الرقَاق من طَرِيق المعاذ بن عبد الرَّحْمَن عَن حمْرَان عَن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَفظه: (من تَوَضَّأ مثل هَذَا الْوضُوء) . وَجَاء فِي رِوَايَة مُسلم أَيْضا، من طَرِيق زيد بن أسلم عَن حمْرَان: (من تَوَضَّأ مثل وضوئي هَذَا) ، وَالتَّقْدِير: مثل وضوئي، وكل وَاحِد من لَفْظَة: نَحْو وَمثل. من أَدَاة التَّشْبِيه والتشبيه لَا عُمُوم لَهُ، سَوَاء قَالَ: نَحْو وضوئي هَذَا، أَو: مثل وضوئي، فَلَا يلْزم مَا ذكره النَّوَوِيّ. وَقَالَ بَعضهم: فالتعبير: بِنَحْوِ، من تصرف الروَاة لِأَنَّهَا تطلق على المثلية مجَازًا، لَيْسَ بِشَيْء، لِأَنَّهُ ثَبت فِي اللُّغَة مجىء: نَحْو، بِمَعْنى: مثل. يُقَال: هَذَا نَحْو ذَاك، أَي: مثله. قَوْله: (لَا يحدث فيهمَا) أَي: فِي الرَّكْعَتَيْنِ، قَالَ القَاضِي عِيَاض: يويد بِحَدِيث النَّفس الحَدِيث المجتلب والمكتسب، وَأما مَا يَقع فِي الخاطر غَالِبا فَلَيْسَ هُوَ المُرَاد. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا الَّذِي يكون من غَيره قصد يُرْجَى أَن تقبل مَعَه الصَّلَاة، وَيكون دون صَلَاة من لم يحدث نَفسه بِشَيْء لِأَن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا ضمن الغفران لمراعي ذَلِك لِأَنَّهُ قل من تسلم صلَاته من حَدِيث النَّفس، وَإِنَّمَا حصلت لَهُ هَذِه الْمرتبَة لمجاهدة نَفسه من خطرات الشَّيْطَان ونفيها عَنهُ ومحافظته عَلَيْهَا حَتَّى لَا يشْتَغل عَنْهَا طرفَة عين، وَسلم من الشَّيْطَان بِاجْتِهَادِهِ وتفريغه قلبه. قيل: وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ إخلاص الْعَمَل لله تَعَالَى وَلَا يكون لطلب الجاء، وان يُرَاد ترك الْعجب بِأَن لَا يرى لنَفسِهِ منزلَة رفيعة بأدائها، بل يَنْبَغِي أَن يحقر نَفسه كي لَا تغتر فتتكبر. وَيُقَال: إِن كَانَ المُرَاد بِهِ أَن لَا يخْطر بِبَالِهِ شَيْء من أُمُور الدُّنْيَا فَذَلِك صَعب وَإِن كَانَ المُرَاد بِهِ أَنه بعد خطوره بِهِ لَا يسْتَمر عَلَيْهِ فَهُوَ عمل المخلصين. قلت: التَّحْقِيق فِيهِ أَن حَدِيث النَّفس قِسْمَانِ: مَا يهجم عَلَيْهَا ويتعذر دَفعهَا، وَمَا يسترسل مَعهَا وَيُمكن قطعه، فَيحمل الحَدِيث عَلَيْهِ دون الأول لعسر اعْتِبَاره. وَقَوله: (يحدث) من بَاب التفعيل وَهُوَ يَقْتَضِي التكسب من أَحَادِيث النَّفس، وَدفع هَذَا مُمكن. وَأما مَا يهجم من الخطرات والوساوس فَإِنَّهُ يتَعَذَّر دَفعه فيعفى عَنهُ، وَنقل القَاضِي عِيَاض عَن بَعضهم بِأَن المُرَاد: من لم يحصل لَهُ حَدِيث النَّفس أصلا ورأساً، ورده النَّوَوِيّ فَقَالَ: الصَّوَاب حُصُول هَذِه الْفَضِيلَة مَعَ طريان الخواطر الْعَارِضَة غَيره المستقرة، ثمَّ حَدِيث النَّفس يعم الخواطر الدُّنْيَوِيَّة والأخروية، والْحَدِيث مَحْمُول على الْمُتَعَلّق بالدنيا فَقَط، وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة فِي هَذَا الحَدِيث: ذكره الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي كتاب الصَّلَاة، تأليفه: (لَا يحدث فيهمَا نَفسه بِشَيْء من الدُّنْيَا، ثمَّ دَعَا إِلَيْهِ إلَاّ اسْتُجِيبَ لَهُ) . انْتهى فَإِذا حدث نَفسه فِيمَا يتَعَلَّق بِأُمُور الْآخِرَة: كالفكر فِي مَعَاني المتلو من الْقُرْآن الْعَزِيز وَالْمَذْكُور من الدَّعْوَات والأذكار، أَو فِي أَمر مَحْمُود أَو مَنْدُوب إِلَيْهِ لَا يضر ذَلِك، وَقد ورد عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: لأجهز الْجَيْش وَأَنا فِي الصَّلَاة، أَو كَمَا قَالَ قَوْله: (غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) يَعْنِي: من الصَّغَائِر دون الْكَبَائِر، كَذَا هُوَ مُبين فِي مُسلم، وَظَاهر الحَدِيث يعم جَمِيع الذُّنُوب، وَلكنه خص بالصغائر، والكبائر إِنَّمَا تكفر بِالتَّوْبَةِ وَكَذَلِكَ مظالم الْعباد فَإِن قيل: حَدِيث عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الآخر الَّذِي فِيهِ: (خرجت خطاياه من جسده حَتَّى تخرج من تَحت أَظْفَاره) مُرَتّب على الْوضُوء وَحده، فَلَو لم يكن المُرَاد بِمَا تقدم من ذَنبه فِي هَذَا الحَدِيث الْعُمُوم فِي الصَّغَائِر والكبائر لَكَانَ الشَّيْء مَعَ غَيره كالشيء لَا مَعَ غَيره، فَإِن فِيهِ الْوضُوء وَالصَّلَاة، وَفِي الأول الْوضُوء وَحده وَذَلِكَ لَا يجوز. أُجِيب: بِأَن قَوْله: (خرجت خطاياه) لَا يدل على خُرُوج جَمِيع مَا تقدم لَهُ من الْخَطَايَا، فَيكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى يَوْمه أَو إِلَى وَقت دون وَقت، وَأما قَوْله: (مَا تقدم من ذَنبه) فَهُوَ عَام بِمَعْنَاهُ وَلَيْسَ لَهُ بعض مُتَيَقن، كالثلاثة فِي الْجمع. أَعنِي: الْخَطَايَا، فَيحمل على الْعُمُوم فِي الصَّغَائِر. وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ فِي حق من لَهُ كَبَائِر وصغائر وَمن لَيْسَ لَهُ إلَاّ صغائر كفرت عَنهُ، وَمن لَيْسَ لَهُ إلَاّ كَبَائِر خففت عَنهُ مِنْهَا بِمِقْدَار مَا لصَاحب الصَّغَائِر، وَمن لَيْسَ لَهُ صغائر وَلَا كَبَائِر يُزَاد فِي حَسَنَاته بنظير ذَلِك. قلت: الْأَقْسَام الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة غير صَحِيحَة، أما الَّذِي لَيْسَ لَهُ إِلَّا، صغائر فَلهُ كَبَائِر أَيْضا، لِأَن كل صَغِيرَة تحتهَا صَغِيرَة فَهِيَ كَبِيرَة، أما الَّذِي لَيْسَ لَهُ إلَاّ كَبَائِر فَلهُ صغائر، لِأَن كل كَبِيرَة تحتهَا صَغِيرَة، وإلَاّ لَا يكون
стр. 634
كَبِيرَة، وَأما الَّذِي لَيْسَ لَهُ إلاّ صغائر فَلهُ كَبَائِر أَيْضا، لِأَن مَا فَوق الصَّغِيرَة الَّتِي لَيْسَ تحتهَا صَغِيرَة، فَهِيَ كَبَائِر. فَافْهَم.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: أَن هَذَا الحَدِيث أصل عَظِيم فِي صفة الْوضُوء، وَالْأَصْل فِي الْوَاجِب غسل الْأَعْضَاء مرّة مرّة، وَالزِّيَادَة عَلَيْهَا سنة، لِأَن الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَردت بِالْغسْلِ: ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمرَّة مرّة ومرتين مرَّتَيْنِ، وَبَعض الْأَعْضَاء ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَبَعضهَا مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ وَبَعضهَا مرّة مرّة، فالاختلاف على هَذِه الصّفة دَلِيل الْجَوَاز فِي الْكل، فَإِن الثَّلَاث هِيَ الْكَمَال، والواحدة تجزىء. قد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. وَصفَة الْوضُوء على وُجُوه.
الاول: فِيهِ غسل الْيَدَيْنِ قبل إدخالهما فِي الْإِنَاء، وَلَو لم يكن عقيب النّوم، وَهَذَا مُسْتَحبّ بِلَا خلاف، وَفِيه الإفراغ على الْيَدَيْنِ مَعًا. وَجَاء فِي رِوَايَة أُخْرَى: (افرغ بِيَدِهِ الْيُمْنَى على الْيُسْرَى ثمَّ غسلهمَا) وَهُوَ قدر مُشْتَرك بَين غسلهمَا مَعًا مجموعتين أَو متفرقتين، وَالْفُقَهَاء اخْتلفُوا فِي ايهما افضل.
الثَّانِي: فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق، وهما سنتَانِ فِي الْوضُوء، وَكَانَ عَطاء وَالزهْرِيّ وَابْن أبي ليلى وَحَمَّاد وَإِسْحَاق يَقُولُونَ: يُعِيد إِذا ترك الْمَضْمَضَة فِي الْوضُوء، وَقَالَ الْحسن وَعَطَاء فِي آخر قوليه وَالزهْرِيّ وَقَتَادَة وَرَبِيعَة وَيحيى الانصاري وَمَالك والاوزاعي وَالشَّافِعِيّ: لَا يُعِيد. وَقَالَ احْمَد: يُعِيد فِي الِاسْتِنْشَاق خَاصَّة وَلَا يُعِيد من ترك الْمَضْمَضَة، وَبِه قَالَ ابو عبيد وابو ثَوْر. وَقَالَ ابو حنيفَة وَالثَّوْري: يُعِيد إِن تَركهَا فِي الْجَنَابَة وَلَا يُعِيد فِي الْوضُوء. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَبقول أَحْمد أَقُول. وَقَالَ ابْن حزم: هَذَا هُوَ الْحق لِأَن الْمَضْمَضَة لَيست فرضا، وَإِن تَركهَا فوضوءه تَامّ وَصلَاته تَامَّة، عمدا تَركهَا أَو نِسْيَانا، لانه لم يَصح فِيهَا عَن النَّبِي، ﵊ أَمر، إِنَّمَا هِيَ فعل فعله رَسُول الله ﷺ ، وأفعاله لَيست فرضا وَإِنَّمَا فِيهَا الائتساء بِهِ، ﵊. قلت: وَفِيه نظر لِأَن الْأَمر بالمضمضة صَحِيح على شَرطه، أخرجه أَبُو دَاوُد بِسَنَد احْتج ابْن حزم بِرِجَالِهِ وبأصل الحَدِيث، وَلَفظ ابي دَاوُد من حَدِيث عَاصِم بن لَقِيط بن صبرَة عَن أَبِيه مَرْفُوعا: (اذا تَوَضَّأت فَمَضْمض) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وخرَّجه ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَابْن الْجَارُود فِي (الْمُنْتَقى) . وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي (شرح السّنة) : صَحِيح، وَصحح أسناده الطَّبَرِيّ فِي كِتَابه (تَهْذِيب الْآثَار) والدولابى فِي جمعه، وَابْن الْقطَّان فِي آخَرين. وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح وَلم يخرجَاهُ وَهُوَ فِي جملَة مَا قُلْنَا إنَّهُمَا أعرضا عَن الصَّحَابِيّ الَّذِي لَا يرْوى عَنهُ غير الْوَاحِد، وَقد احتجا جَمِيعًا بِبَعْض هَذَا الحَدِيث وَله شَاهد من حَدِيث ابْن عَبَّاس. انْتهى كَلَامه. وَفِيه نظر، لِأَنَّهُمَا لم يشترطا مَا ذكره فِي كِتَابَيْهِمَا أَحَادِيث جمَاعَة بِهَذِهِ المثابة، مِنْهُم: الْمسيب بن حزم وَأَبُو قيس بن أبي حَازِم ومرادس وَرَبِيعَة بن كَعْب الْأَسْلَمِيّ. وَلَئِن سلمنَا قَوْله، كَانَ لَقِيط هَذَا خَارِجا عَمَّا ذكره لرِوَايَة جمَاعَة عَنهُ مِنْهُم ابْن أَخِيه وَكِيع بن حدس وَعَمْرو بن أَوْس يرفعهُ. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ فَذكره أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ من حَدِيث الرّبيع بن بدر عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَنهُ يرفعهُ: (مضمضوا واستنشقو) . وَقَالَ: حَدِيث غَرِيب من حَدِيث ابْن جريج، وَلَا أعلم رَوَاهُ عَنهُ غير الرّبيع. وَأخرج الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁: (أَن رَسُول الله، ﵊، أَمر بالمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق) . وَصحح أسناده، وَأخرج أَيْضا من حَدِيث ابْن جريج عَن سُلَيْمَان ابْن مُوسَى عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، ﵂، ترفعه: (الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق من الْوضُوء الَّذِي لَا بُد مِنْهُ) . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: الصَّوَاب: ابْن جريج عَن سُلَيْمَان مُرْسلا، وَفِي لفظ عِنْده مَرْفُوعا: (من تَوَضَّأ فليمضمض) ، وَضَعفه. والمضمضة مُقَدّمَة على الِاسْتِنْشَاق، قَالَ النَّوَوِيّ: وَهل هُوَ تَقْدِيم اسْتِحْبَاب أَو اشْتِرَاط: وَجْهَان، وَفِي كيفيتهما خَمْسَة أوجه. الأول: أَن يتمضمض ويستنشق بِثَلَاث غرفات، وَهَذَا فِي الصَّحِيح وَغَيره. الثَّانِي: أَن يجمع بَينهمَا بغرفة وَاحِدَة يتمضمض مِنْهَا ثَلَاثًا ويستنشق مِنْهَا ثَلَاثًا، رَوَاهُ عَليّ بن أبي طَالب عَن النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ عِنْد ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان، وَرَوَاهُ أَيْضا وَائِل ابْن حجر بِسَنَد فِيهِ ضعف، وَهُوَ عِنْد الْبَزَّار. الثَّالِث: أَن يجمع بَينهمَا بغرفة، وَهُوَ أَن يتمضمض مِنْهَا ثمَّ يستنشق ثمَّ الثَّانِيَة كَذَلِك وَالثَّالِثَة، رَوَاهُ عبد الله بن زيد عَن النَّبِي ﷺ عِنْد التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حسن غَرِيب وخرَّجه أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَقَالَ: وَهُوَ أحسن شَيْء فِي الْبَاب وَأَصَح. الرَّابِع: أَن يفصل بَينهمَا بغرفتين يتمضمض بِثَلَاث ويستنشق بِثَلَاث، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَصْحَابنَا، ﵏، وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا هناد وقتيبة قَالَا: ثَنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن أبي إِسْحَاق عَن ابي حَيَّة قَالَ: (رَأَيْت عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تَوَضَّأ فَغسل كفيه حَتَّى أنقاهما ثمَّ مضمض ثَلَاثًا واستنشق ثَلَاثًا
стр. 635
ً وَغسل وَجهه ثَلَاثًا وذراعيه ثَلَاثًا وَمسح بِرَأْسِهِ مرّة ثمَّ غسل قدمية إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثمَّ قَامَ فَأخذ فضل طهوره فشربه وَهُوَ قَائِم، ثمَّ قَالَ: احببت أَن أريكم كَيفَ كَانَ طهُور رَسُول الله ﷺ . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. فان قلت: لم يحك فِيهِ أَن كل وَاحِدَة من المضامض والاستنشاقات بِمَاء وَاحِد، بل حكى أَنه تمضمض ثَلَاثًا. قلت: مَدْلُوله ظَاهرا مَا ذَكرْنَاهُ، وَهُوَ أَن يتمضمض ثَلَاثًا يَأْخُذ لكل مرّة مَاء جَدِيدا، ثمَّ يستنشق كَذَلِك، وَهُوَ رِوَايَة الْبُوَيْطِيّ عَن الشَّافِعِي فَإِنَّهُ روى عَنهُ أَنه يَأْخُذ ثَلَاث غرفات للمضمضة وَثَلَاث غرفات للاستنشاق، وَفِي رِوَايَة غَيره عَنهُ فِي (الْأُم) بفرق غرفَة يتمضمض مِنْهَا ويستنشق ثمَّ يغْرف غرفَة يتمضمض فِيهَا ويستنشق ثمَّ يغْرف ثَالِثَة ويستنشق فَيجمع فِي كل غرفتين بَين الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق وَاخْتلف نَصه فِي الكيفيتين وَهُوَ نَص مُخْتَصر الْمُزنِيّ أَن الْجمع أفضل وَنَصّ السُّيُوطِيّ أَن الْفضل أفضل وَنَقله الترمذيعن الشَّافِعِي النَّوَوِيّ: قَالَ صَاحب (الْمُهَذّب) القَوْل بِالْجمعِ أَكثر فِي كَلَام الشَّافِعِي، وَهُوَ أَيْضا أَكثر فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة؛ وَوجه الْفَصْل بَينهمَا، كَمَا هُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة، مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن طَلْحَة بن مصرف عَن أَبِيه عَن جده كَعْب بن عَمْرو اليمامي: (أَن رَسُول الله ﷺ تَوَضَّأ فَمَضْمض ثَلَاثًا واستنشق ثَلَاثًا فَأخذ لكل وَاحِدَة مَاء جَدِيدا) ، وَكَذَا روى عَنهُ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) وَسكت عَنهُ، وَهُوَ دَلِيل رِضَاهُ بِالصِّحَّةِ. وَالْجَوَاب عَمَّا ورد فِي الحَدِيث: (فَتَمَضْمَض واستنشق من كف وَاحِد) أَنه مُحْتَمل لِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه تمضمض واستنشق بكف وَاحِد بِمَاء وَاحِد، وَيحْتَمل أَنه فعل ذَلِك بكف وَاحِد بمياه، والمحتمل لَا يقوم بِهِ حجَّة أَو يرد هَذَا الْمُحْتَمل إِلَى الْمُحكم الَّذِي ذَكرْنَاهُ تَوْفِيقًا بَين الدليلينن. وَقد يُقَال: إِن المُرَاد اسْتِعْمَال الْكَفّ الْوَاحِد بِدُونِ الِاسْتِعَانَة بالكفين كَمَا فِي الْوَجْه، وَقد يُقَال: إِنَّه فعلهمَا بِالْيَدِ الْيُمْنَى ردا على قَول من يَقُول: يسْتَعْمل فِي الِاسْتِنْشَاق الْيَد الْيُسْرَى، لِأَن الْأنف مَوضِع الْأَذَى كموضع الِاسْتِنْجَاء، كَذَا فِي (الْمَبْسُوط) وَفِيه نظر لَا يخفى، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال: إِن كل مَا رُوِيَ عَن ذَلِك فِي هَذَا الْبَاب هُوَ مَحْمُول على الْجَوَاز.
الْوَجْه الثَّالِث: فِي غسل الْوَجْه وَهُوَ فرض بِالنَّصِّ بِلَا خلاف، وَفِيه تثليث غسله وَالْإِجْمَاع قَائِم على سنيته.
الْوَجْه الرَّابِع: فِي غسل الْيَدَيْنِ الى الْمرْفقين وَالْكَلَام فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الْوَجْه، وَقد بَينا حد الْمرْفق وَهُوَ أَنه موصل الذِّرَاع فِي الْعَضُد، وَلَكِن اخْتلف قَول الشَّافِعِي: هَل هُوَ اسْم لإبرة الذِّرَاع أَو لمجموع عظم رَأس الْعَضُد مَعَ الإبرة؟ على قَوْلَيْنِ، وَبنى على ذَلِك أَنه لَو سل الذِّرَاع من الْعَضُد هَل يجب غسل رَأس الْعَضُد أَو يسْتَحبّ؟ فِيهِ قَولَانِ أشهرهما وُجُوبه، وَاخْتلفُوا وَأَيْضًا فِي وجوب إِدْخَال الْمرْفقين فِي الْغسْل على قَوْلَيْنِ، فَذَهَبت الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، كَمَا عزاهُ ابْن هُبَيْرَة إِلَيْهِم، وَالْجُمْهُور إِلَى الْوُجُوب، وَذهب زفر وَأَبُو بكر بن دَاوُد إِلَى عدم الْوُجُوب، وَرَوَاهُ أَشهب عَن مَالك، وزيفه القَاضِي عبد الْوَهَّاب، ومنشأ الْخلاف من كلمة: إِلَى، وَقد حققنا الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى.
الْوَجْه الْخَامِس: فِي مسح الرَّأْس، وَالْكَلَام فِيهِ على انواع. الأول: فِي أَن ظَاهر الحَدِيث يقتضى اسْتِيعَاب الرَّأْس بِالْمَسْحِ لِأَن اسْم الرَّأْس حَقِيقَة فِي الْعُضْو، لَكِن الِاسْتِيعَاب هَل هُوَ على سَبِيل الْوُجُوب اَوْ النّدب؟ فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء: فمذهب الشَّافِعِي أَن الْوَاجِب مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم وَلَو بعض شَعْرَة، ومشهور مَذْهَب مَالك وَأحمد أَن الْوَاجِب مسح الْجَمِيع، ومشهور مَذْهَب ابي حنيفَة أَن الْوَاجِب مسح ربع الرَّأْس، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مَبْسُوطا فِي أول كتاب الْوضُوء. النَّوْع الثَّانِي: أَن قَوْله: (ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ) يَقْتَضِي مرّة وَاحِدَة، كَذَا فهمه غير وَاحِد من الْعلمَاء، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة مَالك وَأحمد، وَقَالَ الشَّافِعِي: يسْتَحبّ التَّثْلِيث لغَيْرهَا من الْأَعْضَاء وَهُوَ مَشْهُور مذْهبه، وَقد وَردت أَحَادِيث صَحِيحَة بِالْمَسْحِ مرّة وَاحِدَة. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: أَحَادِيث عُثْمَان الصِّحَاح كلهَا تدل على مسح الرَّأْس أَنه مرّة، فَإِنَّهُم ذكرُوا الْوضُوء ثَلَاثًا، قَالُوا: وفيهَا مسح رَأسه، وَلم يذكرُوا عددا كَمَا ذكرُوا فِي غَيره. وَقَالَ ابو عبيد الْقَاسِم بن سَلام: لَا نعلم أحدا من السّلف جَاءَ عَنهُ اسْتِعْمَال الثَّلَاث إلَاّ ابراهيم التَّيْمِيّ. قلت: فِيهِ نظر، لِأَن ابْن أبي شيبَة حكى ذَلِك عَن أنس بن مَالك وَسَعِيد بن جُبَير وَعَطَاء وزاذان وميسرة أَنهم كَانُوا إِذا توضؤا مسحوا رؤوسهم ثَلَاثًا، وَذكر ابْن السكن أَيْضا عَن مصرف بن عَمْرو. ووردت أَحَادِيث كَثِيرَة بِالْمَسْحِ ثَلَاثًا، فَفِي (سنَن ابي دَاوُد) بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن وردان عَن حمْرَان، وَفِيه: (وَمسح رَأسه ثَلَاثًا) ، وَفِي (سنَن ابْن مَاجَه) مَا يدل على أَن سَائِر وضوئِهِ، ﵊، كَانَ ثَلَاثًا وَالرَّأْس دَاخِلَة فِيهِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ بِسَنَد صَحِيح عَن مَحْمُود بن خَالِد: ثَنَا
следующие страницы →